﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾
قال ابن جريج قال ابن عباس ذلك الكتاب، أي هذا الكتاب وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم وابن جريج أن ذلك بمعنى هذا، والعرب تقارض (^٢) بين اسمي الإشارة [هذين] فيستعملون كلا منهما مكان الآخر وهذا معروف
_________________
(١) الطامّ: الشيء العظيم. وأطمّ وأعظم بمعنى واحد.
(٢) تقارضا الشيء أو الأمر: تبادلاه.
[ ١ / ٧٢ ]
في كلامهم. وقد حكاه البخاري عن معمر بن المثنى عن أبي عبيدة وقال الزمخشري: ذلك إشارة إلى ﴿الم﴾ كما قال تعالى ﴿لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] وقال تعالى ﴿ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] وقال ﴿ذلِكُمُ اللهُ﴾ [غافر: ٦٢] وأمثال ذلك مما أشير به إلى ما تقدم ذكره والله أعلم. وقد ذهب بعض المفسرين فيما حكاه القرطبي (^١) وغيره أن ذلك إشارة إلى القرآن الذي وعد الرسول ﷺ بإنزاله عليه أو التوراة أو الإنجيل أو نحو ذلك في أقوال عشرة. وقد ضعف هذا المذهب كثيرون والله أعلم.
والكتاب: القرآن. ومن قال: إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما حكاه ابن جرير (^٢) وغيره فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وتكلف ما لا علم له به. والريب:
الشك. قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شك فيه، وقال أبو الدرداء وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر وعطاء وأبو العالية والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان والسدي وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد وقال ابن أبي حاتم:
لا أعلم في هذه خلافا. وقد يستعمل الريب في التهمة قال جميل: [الطويل] بثينة قالت يا جميل أربتني … فقلت كلانا يا بثين مريب (^٣)
واستعمل أيضا في الحاجة كما قال بعضهم: [الوافر] قضينا من تهامة كل ريب … وخيبر ثم أجمعنا السيوفا (^٤)
ومعنى الكلام هنا أن هذا الكتاب هو القرآن لا شك فيه أنه نزل من عند الله كما قال تعالى في السجدة ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الآية: ٢] وقال بعضهم: هدى خبر، ومعناه النهي أي لا ترتابوا فيه. ومن القراء من يقف على قوله تعالى ﴿لا رَيْبَ﴾ ويبتدئ بقوله تعالى ﴿فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ والوقف على قوله تعالى ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أولى للآية التي ذكرناها ولأنه يصير قوله تعالى ﴿هُدىً﴾ صفة للقرآن وذلك أبلغ من كون فيه هدى. وهدى يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعا على النعت ومنصوبا على الحال. وخصت الهداية للمتقين كما قال ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع
_________________
(١) تفسير القرطبي ١/ ١٥٧ - ١٥٨.
(٢) تفسير الطبري ١/ ١٢٩.
(٣) رواه أيضا القرطبي (١/ ١٥٩) شاهدا على هذا المعنى.
(٤) البيت لكعب بن مالك الأنصاري في ديوانه ص ٢٣٤؛ ولسان العرب (ريب)؛ وتاج العروس (ريب)؛ وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٢/ ١٦٤؛ ومجمل اللغة ٢/ ٤٤٠؛ والقرطبي ١/ ١١٥٩.
[ ١ / ٧٣ ]
بالقرآن لأنه هو في نفسه هدى ولكن لا يناله إلا الأبرار كما قال تعالى ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] وقد قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني نورا للمتقين. وقال أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: هدى للمتقين قال: هم المؤمنون الذين يتقون الشرك بي ويعملون بطاعتي. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به. وقال سفيان الثوري عن رجل عن الحسن البصري: قوله تعالى للمتقين قال: اتقوا ما حرم الله عليهم وأدّوا ما افترض عليهم. وقال أبو بكر بن عياش: سألني الأعمش عن المتقين قال: فأجبته فقال لي: سل عنها الكلبي، فسألته فقال: الذين يجتنبون كبائر الإثم قال: فرجعت إلى الأعمش فقال: يرى أنه كذلك ولم ينكره. وقال قتادة: للمتقين هم الذين نعتهم الله بقوله ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ الآية والتي بعدها (^١)، واختيار ابن جرير أن الآية تعم ذلك كله وهو كما قال (^٢). وقد روى الترمذي وابن ماجة من رواية أبي عقيل عن عبد الله بن يزيد عن ربيعة بن يزيد وعطية بن قيس عن عطية السعدي قال: قال رسول الله ﷺ «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس» ثم قال الترمذي: حسن غريب. وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبي حدّثنا عبد الله بن عمران عن إسحاق بن سليمان يعني الرازي عن المغيرة بن مسلم عن ميمون أبي حمزة قال: كنت جالسا عند أبي وائل فدخل علينا رجل يقال له أبو عفيف من أصحاب معاذ فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد فينادي مناد أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر.
قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة. ويطلق الهدى ويراد به ما يقرّ في القلب من الإيمان وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله ﷿ قال الله تعالى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وقال ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وقال ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الإسراء: ٩٧] إلى غير ذلك من الآيات ويطلق ويراد به بيان الحق وتوضيحه والدلالة عليه والإرشاد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقال ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] وقال
_________________
(١) أي الآية التي بعد ذلِكَ الْكِتابُ … هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فهي تفسر ما قبلها، وهو تفسير القرآن بالقرآن، وهو الأكثر اعتبارا في مذاهب التأويل.
(٢) تفسير الطبري ١/ ١٣٢.
[ ١ / ٧٤ ]
تعالى ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ [فصلت: ١٧] وقال ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] على تفسير من قال المراد بهما الخير والشر وهو الأرجح والله أعلم، وأصل التقوى التوقي مما يكره لأن أصلها وقوى من الوقاية قال النابغة: [الكامل] سقط النصيف ولم ترد إسقاطه … فتناولته واتقتنا باليد (^١)
وقال الآخر: [الطويل] فألقت قناعا دونه الشمس واتقت … بأحسن موصولين كف ومعصم (^٢)
وقد قيل إن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال له: أما سلكت طريقا ذا شوك؟ قال بلى، قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت (^٣)، قال: فذلك التقوى.
وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال: [مجزوء الكامل] خل الذنوب صغيرها … وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أرض … الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة … إنّ الجبال من الحصى (^٤)
وأنشد أبو الدرداء يوما: [الوافر] يريد المرء أن يؤتى مناه … ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي … وتقوى الله أفضل ما استفادا (^٥)
وفي سنن ابن ماجة عن أبي أمامة عن النبي ﷺ «ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله» (^٦).