﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾
شرع ﵎ في بيان وحدانية ألوهيته بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة بأن جعل لهم الأرض فراشا، أي مهدا كالفراش مقررة (^٤) موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، والسماء بناء، وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] وأنزل لهم من السماء ماء والمراد به السحاب هاهنا في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد رزقا لهم ولأنعامهم كما قرر هذا في غير موضع من القرآن. ومن أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى:
_________________
(١) الطبري ١/ ١٩٥.
(٢) تفسير القرطبي ١/ ٢١٥.
(٣) سورة التوبة (براءة)، الآيات: ٤٩، ٥٨، ٦١، ٧٥، ٧٦، ٩٧.
(٤) مقرّرة: مسوّاة مدحوّة. ومنه قوله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا.
[ ١ / ١٠٣ ]
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤] ومضمونه:
أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره ولهذا قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» الحديث (^١)، وكذا حديث معاذ: «أتدري ما حق الله على عباده؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» الحديث (^٢)، وفي الحديث الآخر «لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل ما شاء الله ثم شاء فلان». وقال حماد بن سلمة: حدثنا عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن الطفيل بن سخبرة (^٣) أخي عائشة أم المؤمنين لأمها قال: رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على نفر من اليهود فقلت من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون عزيز ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وما شاء محمد، قال: ثم مررت بنفر من النصارى فقلت من أنتم؟ قالوا نحن النصارى، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال:
«هل أخبرت بها أحدا؟» قلت: نعم، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا (^٤) أن أنهاكم عنها فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده» هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة به، وأخرجه ابن ماجة من وجه آخر عن عبد الملك بن عمير به بنحوه، وقال سفيان بن سعيد الثوري عن الأجلح بن عبد الله الكندي عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال: قال رجل للنبي ﷺ ما شاء الله وشئت فقال: «أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده» رواه ابن مردويه وأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث عيسى بن يونس عن الأجلح به، وهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد، والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن
_________________
(١) أخرجه البخاري (تفسير سورة ٢ باب ٣؛ وأدب باب ٢٠؛ وحدود باب ٢٠؛ وديات باب ١، وتوحيد باب ٤٠) ومسلم (إيمان حديث ١٤١، ١٤٢) وأبو داود (طلاق باب ٥) والترمذي (تفسير سورة ٢٥ باب ١ و٢) والنسائي (أيمان باب ٦؛ وتحريم باب ٤) وأحمد في المسند (ج ١ ص ٢٨٠)
(٢) أخرجه البخاري (لباس باب ١٠١؛ جهاد باب ٤٦؛ استئذان باب ٣٠؛ رقاق باب ٢٧؛ توحيد باب ١) ومسلم (إيمان حديث ٤٨ - ٥١)
(٣) وهو الطفيل بن عبد الله بن الحارث بن سخبرة. وقد ينسب إلى جده فيقال: الطفيل بن سخبرة. (أسد الغابة ٣/ ٥٣؛ وموسوعة رجال الكتب التسعة ٢/ ٢٠٣)
(٤) في مسند أحمد (ج ٥ ص ٧٢) والدر المنثور (ج ١ ص ٧٦): «وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم منها».
[ ١ / ١٠٤ ]
عباس قال: قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين، أي وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم (^١). وبه عن ابن عباس ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من التوحيد هو الحق الذي لا شك فيه. وهكذا قال قتادة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم حدثنا أبو عمرو حدثنا أبو الضحاك بن مخلد أبو عاصم حدثنا شبيب بن بشر حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا﴾ قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان لا تجعل فيها فلان، هذا كله به شرك. وفي الحديث أن رجلا قال لرسول الله ﷺ ما شاء وشئت، قال: «أجعلتني لله ندا» وفي الحديث الآخر: «نعم القوم أنتم لولا أنكم تنددون: تقولون ما شاء الله وشاء فلان» قال أبو العالية: فلا تجعلوا لله أندادا أي عدلاء شركاء، وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة والسدي وأبو مالك وإسماعيل بن أبي خالد، وقال مجاهد ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.