﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾
يقول تعالى آمرا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ومهيجا لهم بذكر أبيهم إسرائيل وهو نبي الله يعقوب ﵇، وتقديره: يا بني
_________________
(١) الطبري ١/ ٢٨٤؛ والدر المنثور (١/ ١٢٣، عن أبي العالية-وليس فيهما لفظ «البينات».
(٢) أخطأ ابن كثير هنا إذ قال إن الطبري ساق الحديث من طريقين. والصواب أنه ساقه بثلاثة أسانيد على النحو التالي: «حدثنا عقبة بن سنان البصري، قال: حدثنا غسان بن مضر، قال: حدثنا سعيد بن يزيد [إسناد أول]-وحدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا أبو مسلمة سعيد بن يزيد [إسناد ثان]-وحدثني يعقوب بن إبراهيم، وأبو بكر بن عون، قالا: حدثنا إسماعيل بن عليّة، عن سعيد بن يزيد [إسناد ثالث]-عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن الرسول. (الطبري ١/ ٢٨٦)
(٣) في الطبري: «ولكن أقواما أصابتهم النار بخطاياهم أو بذنوبهم» إلخ.
(٤) مسلم (إيمان حديث ٣٠٦) وابن ماجة (زهد باب ٣٦). ولم يروه من أصحاب الكتب الستة غيرهما من حديث مسلمة.
[ ١ / ١٤٧ ]
العبد الصالح المطيع لله، كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول: يا ابن الكريم افعل كذا، يا ابن الشجاع بارز الأبطال، يا ابن العالم اطلب العلم، ونحو ذلك. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] فإسرائيل هو يعقوب بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي: حدثنا عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب، قال: حدثني عبد الله بن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ، فقال لهم «هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟» قالوا: اللهم نعم، فقال النبي ﷺ: «اللهم اشهد» وقال الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن عمير مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس: أن إسرائيل كقولك عبد الله.
وقوله تعالى ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قال مجاهد: نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى، وفيما سوى ذلك أن فجر لهم الحجر وأنزل عليهم المن والسلوى ونجاهم من عبودية آل فرعون. وقال أبو العالية: نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب، قلت:
وهذا كقول موسى ﵇ لهم ﴿يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] يعني في زمانهم. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أي بلائي (^١) عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم من فرعون وقومه ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال: بعهدي الذي أخذت في أعناقكم للنبي ﷺ إذا جاءكم أنجز لكم ما وعدتكم عليه من تصديقه واتباعه بوضع ما كان عليكم من الآصار والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من إحداثكم. وقال الحسن البصري: هو قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ [المائدة: ١٢] وقال آخرون: هو الذي أخذ الله عليهم في التوراة أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيا عظيما يطيعه جميع الشعوب والمراد به محمد ﷺ فمن اتبعه غفر الله له ذنبه وأدخله الجنة وجعل له أجرين. وقد أورد الرازي بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمحمد ﷺ.
قال أبو العالية ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ قال عهده إلى عباده دين الإسلام وأن يتبعوه، وقال الضحاك عن ابن عباس: (أوف بعهدكم)؟ قال: أرض عنكم وأدخلكم الجنة. وكذا قال السدي والضحاك وأبو العالية والربيع بن أنس. وقوله تعالى ﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي فاخشون، قاله أبو العالية والسدي والربيع بن أنس وقتادة، وقال ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي إن نزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره، وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع
_________________
(١) في الطبري ١/ ٢٨٧: «آلائي».
[ ١ / ١٤٨ ]
الرسول ﷺ والاتعاظ بالقرآن وزواجره وامتثال أوامره وتصديق أخباره والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ولهذا قال ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ يعني به القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ النبي الأمي العربي بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا مشتملا على الحق من الله تعالى مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل. قال أبو العالية ﵀ في قوله تعالى ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم، يقول لأنهم يجدون محمدا ﷺ مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك. وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ قال بعض المعربين: أول فريق كافر به أو نحو ذلك، قال ابن عباس: ولا تكونوا أول كافر به وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم، قال أبو العالية: يقول: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ، يعني من جنسكم أهل الكتاب بعد سماعكم بمبعثه، وكذا قال الحسن والسدي والربيع بن أنس، واختار ابن جرير (^١) أن الضمير في قوله «به» عائد على القرآن الذي تقدم ذكره في قوله ﴿بِما أَنْزَلْتُ﴾ وكلا القولين صحيح لأنهما متلازمان، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد ﷺ، ومن كفر بمحمد ﷺ فقد كفر بالقرآن. وأما قوله ﴿أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل، لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن فكفرهم به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها، فإنها قليلة فانية، كما قال عبد الله بن المبارك: أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن جابر عن هارون بن يزيد قال: سئل الحسن، يعني البصري عن قوله تعالى، ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها. قال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله تعالى ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إن آياته كتابه الذي أنزله إليهم، وإن الثمن القليل الدنيا وشهواتها، وقال السدي: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا طمعا قليلا، ولا تكتموا اسم الله، فذلك الطمع هو الثمن. وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا عليه أجرا، قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم علّم مجانا علمت مجانا (^٢). وقيل: معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع بالكتمان واللبس لتستمروا على رئاستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب. وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يرح (^٣) رائحة الجنة يوم القيامة» (^٤) فأما
_________________
(١) الطبري ١/ ٢٩١.
(٢) الطبري ١/ ٢٩١.
(٣) راح الشيء روحا: وجد ريحه.
(٤) أبو داود (ترجّل باب ٢٠)
[ ١ / ١٤٩ ]
تعليم العلم بأجرة، فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله بأجرة، فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب، فهو كما لم يتعين عليه، وإذا لم يتعين عليه فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد في قصة اللديغ «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» (^١) وقوله في قصة المخطوبة «زوّجتكها بما معك من القرآن» (^٢) فأما حديث عبادة بن الصامت، أنه علم رجلا من أهل الصفة (^٣) شيئا من القرآن فأهدى له قوسا فسأل عنه رسول الله ﷺ فقال «إن أحببت أن تطوق بقوس من نار فاقبله» فتركه، رواه أبو داود. وروي مثله عن أبي ابن كعب مرفوعا، فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء منهم: أبو عمر بن عبد البر، على أنه لما علمه لله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس، فأما إذا كان من أول الأمر على التعليم بالأجرة فإنه يصح كما في حديث اللديغ وحديث سهل في المخطوبة، والله أعلم. وقوله ﴿وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عمر الدوري، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن عاصم الأحول عن أبي العالية عن طلق بن حبيب، قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله، ومعنى قول ﴿وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ أنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه من كتمان الحق وإظهار خلافه ومخالفتهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه.