﴿وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾
يقول تعالى لائما لهم على نكولهم عن الجهاد ودخولهم الأرض المقدسة لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى ﵇ فأمروا بدخول الأرض المقدسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل وقتال من فيها من العماليق الكفرة فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا فرماهم الله في التيه عقوبة لهم كما ذكره تعالى في سورة المائدة، ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس كما نص على ذلك السدي والربيع بن أنس وقتادة وأبو مسلم الأصفهاني وغير واحد وقد قال الله تعالى حاكيا عن موسى ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا﴾ [المائدة: ٢١]. وقال آخرون هي أريحاء، ويحكى عن ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد، وهذا بعيد لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس لا أريحاء، وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر، حكاه الرازي في تفسيره، والصحيح الأول أنها بيت المقدس، وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون ﵇ وفتحها الله عليهم عشية جمعة وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلا حتى أمكن الفتح، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب باب البلد ﴿سُجَّدًا﴾ أي شكرا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر ورد بلدهم عليهم وإنقاذهم من التيه والضلال.
قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله تعالى ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ أي ركعا، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ قال: ركعا من باب صغير (^١)، رواه الحاكم من حديث سفيان به، ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان وهو الثوري به وزاد: «فدخلوا من قبل أستاههم»، وقال الحسن البصري:
أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخلوهم، واستبعده الرازي. وحكي عن بعضهم أن المراد هاهنا بالسجود الخضوع لتعذر حمله على حقيقته، وقال خصيف: قال عكرمة قال ابن عباس:
كان الباب قبل القبلة، وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة والضحاك: هو باب الحطة من
_________________
(١) الطبري ١/ ٣٣٩.
[ ١ / ١٧٤ ]
باب إيلياء بيت المقدس. وحكى الرازي عن بعضهم أنه عني بالباب جهة من جهات القبلة، وقال خصيف قال عكرمة قال ابن عباس: فدخلوا على شق (^١)، وقال السدي عن أبي سعيد الأزدي عن أبي الكنود عن عبد الله بن مسعود: قيل لهم ادخلوا الباب سجّدا فدخلوا مقنعي رؤوسهم أي رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا.
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال الثوري عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال: مغفرة استغفروا. وروي عن عطاء والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحوه، وقال الضحاك عن ابن عباس ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال: قولوا: هذا الأمر حق، كما قيل لكم. وقال عكرمة: قولوا: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ وقال الأوزاعي: كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه فسأله عن قوله تعالى ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فكتب إليه: أن أقروا بالذنب. وقال الحسن وقتادة أي أحطط عنا خطايانا ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال: هذا جواب الأمر أي إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات وضاعفنا لكم الحسنات.
وحاصل الأمر أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها والشكر على النعمة عندها والمبادرة إلى ذلك من المحبوب عند الله تعالى كما قال تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار عند الفتح والنصر، وفسره ابن عباس بأنه نعي إلى رسول الله ﷺ أجله فيها وأقره على ذلك عمر ﵁، ولا منافاة بين أن يكون قد أمر بذلك عند ذلك ونعي إليه روحه الكريمة أيضا، ولهذا كان ﵊ يظهر عليه الخضوع جدا عند النصر كما روي أنه كان يوم الفتح فتح مكة داخلا إليها من الثنية العليا وأنه لخاضع لربه حتى أن عثنونه ليمس مورك رحله (^٢) شكرا لله على ذلك، ثم لما دخل البلد اغتسل وصلى ثماني ركعات وذلك ضحى، فقال بعضهم: هذه صلاة الضحى، وقال آخرون بل هي صلاة الفتح فاستحبوا للإمام وللأمير إذا فتح بلدا أن يصلي فيه ثماني ركعات عند أول دخوله كما فعل سعد بن أبي وقاص ﵁ لما دخل إيوان كسرى صلى فيه ثماني ركعات، والصحيح أنه يفصل بين كل ركعتين بتسليم، وقيل يصليها كلها بتسليم واحد، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ قال البخاري (^٣): حدثني محمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله
_________________
(١) أي على جهد ومشقّة.
(٢) العثنون: اللحية. ومورك الرحل: المرفقة التي تكون عند قادمة الرحل، يضع الراكب رجله عليها ليستريح من وضع رجله في الركاب.
(٣) صحيح البخاري (تفسير سورة ٧ باب ٣)
[ ١ / ١٧٥ ]
عنه عن النبي ﷺ قال: «قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة-فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقالوا حبة في شعرة» ورواه النسائي عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن عبد الرحمن به موقوفا وعن محمد بن عبيد بن محمد عن ابن المبارك ببعضه مسندا في قوله تعالى: ﴿حِطَّةٌ﴾ قال: فبدلوا وقالوا حبة، وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «قال الله لبني إسرائيل: ﴿اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم فقالوا حبة في شعرة» وهذا حديث صحيح رواه البخاري عن إسحاق بن نصر ومسلم عن محمد بن رافع والترمذي عن عبد بن حميد كلهم عن عبد الرزاق به، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال محمد بن إسحاق:
كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة وعمن لا أتهم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «دخلوا الباب-الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا-يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعيرة» وقال أبو داود حدثنا أحمد بن صالح وحدثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الله بن وهب حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ: «قال الله لبني إسرائيل ﴿اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ ثم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن مسافر حدثنا ابن أبي فديك عن هشام بمثله، هكذا رواه منفردا به في كتاب الحروف مختصرا. وقال ابن مردويه (^١): حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا إبراهيم بن مهدي حدثنا أحمد بن المنذر القزاز حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان من آخر الليل أجزنا في ثنية (^٢) يقال لها ذات الحنظل، فقال رسول الله ﷺ: «ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم». وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن البراء: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢] قال: اليهود: قيل لهم ادخلوا الباب سجدا قال: ركعا، وقولوا حطة أي مغفرة، فدخلوا على أستاههم وجعلوا يقولون حنطة حمراء فيها شعيرة، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. وقال الثوري عن السدي عن أبي سعد الأزدي عن أبي الكنود عن ابن مسعود: وقولوا حطة، فقالوا:
حنطة، حبة حمراء فيها شعيرة، فأنزل الله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. وقال أسباط عن السدي عن مرة عن ابن مسعود أنه قال: إنهم قالوا: هطا سمعاتا أزبة مزبا (^٣)، فهي بالعربية حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء فذلك قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.
_________________
(١) رواه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٣٩.
(٢) في الدر المنثور: «اجتزنا في برية».
(٣) رواه الطبري ١/ ٣٤٤، وفيه أنهم قالوا: «هطى سمقايا ازبة هزبا».
[ ١ / ١٧٦ ]
وقال الثوري عن الأعمش عن المنهال عن سعيد عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ قال: ركعا من باب صغير، فدخلوا من قبل أستاههم وقالوا حنطة، فذلك قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ وهكذا روي عن عطاء ومجاهد وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس ويحيى بن رافع.
وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل فأمروا أن يدخلوا سجدا فدخلوا يزحفون على أستاههم من قبل أستاههم رافعي رؤوسهم وأمروا أن يقولوا حطة أي أحطط عنا ذنوبنا وخطايانا، فاستهزأوا فقالوا حنطة في شعيرة، وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم وهو خروجهم عن طاعته. ولهذا قال: ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ وقال الضحاك عن ابن عباس: كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب، وهكذا روي عن مجاهد وأبي مالك والسدي والحسن وقتادة أنه العذاب، وقال أبو العالية: الرجز الغضب، وقال الشعبي: الرجز إما الطاعون وإما البرد، وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون، وقال ابن أبي حاتم:
حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن إبراهيم بن سعد يعني ابن أبي وقاص عن سعد بن مالك وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت ﵃، قالوا: قال رسول الله ﷺ: «الطاعون رجز عذاب عذب به من كان قبلكم» وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به، وأصل الحديث في الصحيحين من حديث حبيب بن أبي ثابت «إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها» الحديث (^١)، قال ابن جرير: أخبرني يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن يونس عن الزهري، قال: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أسامة بن زيد عن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا الوجع أو السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم» (^٢) وهذا الحديث أصله مخرج في الصحيحين من حديث مالك عن محمد بن المنكدر وسالم بن أبي النضر عن عامر بن سعد بنحوه.