هو العلَّامة المحقِّق المدقِّق، شمسُ الدِّين، أحمدُ بنُ سليمان بنِ كمال باشا، المولود بتوقات والمتوفى بقسطنطينيةَ سنة أربعين وتسعِ مئة، عن سبعٍ وستين سنةً، وكان والدُه من الأمراء وجدُّه من الوزراء.
كان إمامًا بارعًا في التفسير والفقه، والنحو والتصريف، والمعاني والبيان، والكلام والمنطق والأصول، وغير ذلك، بحيث إنه تفرَّد في إتقان كلِّ علم من هذه العلوم، وقلَّما يوجد فنٌّ من الفنون إلا وله فيه مصنَّفٌ أو مصنَّفات.
وقد نُسب إلى جدِّه كمال باشا، فعُرف بابن كمال باشا، أو كمال باشا زادَه (^١)، أو ابن كمالِ الوزير، واشتهر أيضًا بـ (مفتي الثَّقلين)، لسعة اطلاعه على العلوم الشرعية في مختلف فنونها، وقوة محاكماته، وتميُّز تعقُّباته وتحريراته.
_________________
(١) كلمة فارسية معناها: ابن.
[ المقدمة / ١٢٨ ]
ولد سنةَ (٨٧٣ هـ) بمدينة طُوقاتَ من نواحي سِيواسَ (^١)، ونشأ في بيتِ عزٍّ وجاه، إذ كان والدُه سليمانُ بنُ كمال باشا من قادة الجنود الإسلاميَّة الخاقانيَّة زمنَ السلطانِ محمَّدٍ الفاتحِ، وكان في فتحِ القُسطنطينيَّة مع جنودِ سنجقِ أماسيَا عام (٨٥٧ هـ)، وصار بعد الفتحِ وكيلًا لجند السُّلطان برتبةِ صُوباشي؛ أي: منصب مَن تتوفَّرُ فيه الكفايةُ لضبطِ البلدِ من جهةِ السلطانِ، ثُم تُوفِّي في إسطنبول، ودفنَ إلى جانبِ مدرسةِ أبيهِ كمال معه.
وكذلك كان جدُّه من أمراءِ الدَّولة العُثمانيَّة ومربِّيًا لبايزيد الثاني، وكان ذا حَظوةٍ لدى سلاطينِها، حتى صار نِيْشانجِي (^٢) الدِّيوانِ السُّلطانيِّ.
وأما أمُّه فهي بنتُ المولى الفاضلِ مُحيي الدِّينِ محمَّد الشهير بابن كُوبَلو (ت ٨٧٤ هـ)، وهو من العلماء المشهورين بالفضلِ في زمانهم، جعله السلطان محمد الفاتح قاضيًا بالعسكر بعدما تولَّى بعضَ المناصب، ثم عزلَه في سنة (٨٧٢ هـ)، وكان للمولى المذكور بنتانِ، تزوَّج إحداهما المولى سِنان باشا، وتزوَّج ثانيتَهما سليمانُ جلبي ابن كمال باشا، فولِد له منها العلَّامة المترجَم أحمد.
نشأ العلَّامة في صباه في هذا العزِّ والجاه، وغلبَ عليه حُبُّ الكمال، فاشتغل وهو شابّ بالعلم ليلًا ونهارًا، وأنفق ربيعَ عمره في تحصيل كلِّ فضيلة، وصرفَ حداثة سنِّه في إحراز كلِّ معرفة، ثُم لحقَ بزمرة أهل العسكر، وانقطع
_________________
(١) طوقات (أو: توقات) وسيواس: مدينتان تقعان شمال شرق تركيا.
(٢) أي: الذي يختم المراسم والمكاتيب بختم السلطان المعروف بطغراء السلطان.
[ المقدمة / ١٢٩ ]
بذلك عن طلب العلم، وظلَّ يشتغل ويترقَّى في رتَبِ الجيش، وكان يُرتقبُ منه أن يغدُوَ قائدًا عسكريًّا حازمًا مثل آبائِه وأجداده، لكنَّ حادثة - سيأتي ذكرُها - غيَّرت ما كان يُرتقب منه، فترك الجيشَ، ولازمَ العلماء، وواظبَ في نهلِه من عذبِ مَوردِ أكابرِ الفضلاء، حتى صار من أكابر المدرسين، ثم نال أعلى المراتب والدرجات، كما سيأتي تفصيله بإذن رب العباد.
يحكي ابن كمالٍ عن نفسِه فيقول: إنَّه كان مع السلطانِ بايزيد خان في سفر، وكان الوزيرُ وقتئذٍ إبراهيمَ باشا بن خليل باشا، وكان وزيرًا عظيمَ الشأن، وكان في ذلك الزمانِ أميرٌ يُقال له: أحمد بك بنُ أَوْرَنُوس، وكان عظيمَ الشأن جدًّا، لا يتصدَّرُ عليه أحدٌ من الأمراء.
قال العلامة رحمه اللهُ تعالى: وكنتُ واقفًا على قدميَّ قدَّام الوزيرِ المزبور، والأميرُ المذكورُ عندَه جالسٌ، إذ جاء رجل من العلماء، رثُّ الهيئة، دنيءُ اللِّباس، فجلس فوق الأمير المذكورِ (أي: متقدمًا عليه في المجلس) ولم يمنعْه أحدٌ عن ذلك، فتحيَّرتُ في هذا، فقلتُ لبعض رفقائي: مَن هذا الذي جلسَ فوقَ هذا الأميرِ؟! فقال: هو رجلٌ عالم مُدرِّسٌ بمدرسةِ فليبه يقال له: المولى لُطفي، قلتُ: كم وظيفتُه؟ قال: ثلاثونَ درهمًا، قلتُ: فكيف يتصدَّرُ هذا الأميرَ ومنصبُه هذا المقدارُ؟! قال رفيقِي: إنَّ العُلماءَ معظَّمونَ لعلمِهم، ولو تأخَّرَ لم يرضَ بذلك الأميرُ ولا الوزير.
قال: فتفكَّرتُ في نفسي فقلتُ: إنِّي لا أبلغُ رتبةَ الأمير المذكور في الإمارة،
[ المقدمة / ١٣٠ ]
وإنِّي لو اشتغلتُ بالعلم يمكنُ أن أبلغَ رُتبةَ العالمِ المذكورِ، فنويتُ أن اشتغلَ بعد ذلك بالعلم الشَّريفِ.
قال: فلمَّا رجعنا من السَّفر وصلتُ إلى خدمةِ المولى المذكورِ، وقد اعطيَ هو عندَ ذلك مدرسةَ دار الحديث بمدينة أدرنةَ، وعُيِّنَ له كلَّ يوم أربعون درهمًا، قال: فقرأتُ عليه حواشِيَ "شرح المطالع ".
قال الكَفوي: أخذ العلَّامةُ العلمَ من أفواه الرجال النَّحارير، وقرأ الفنون على أفاضل الفضلاء المشاهير، منهم المولى لطفي المزبور، والمولى مصلح الدِّين القَسْطَلَّاني، والمولى خطيب زاده، والمولى معرِّف زاده؛ فأخذ علم الفروع والأصول عن المولى القسطلاني، عن المولى خضر بك، عن المولى يكان، عن المولى شمس الدِّين الفَنَاري، عن الشَّيخ أكمل الدِّين، عن الإمام قوام الدِّين الكاكي، عن الإمام حسام الدِّين السِّغْنَاقِي صاحب "النهاية" عن الشَّيخ الإمام حافظ الدِّين الكبير البُخاري، عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري، عن شيخ الإسلام برهان الدِّين علي بن أبي بكر المَرْغِيْنَاني صاحب "الهداية"، عن نجم الدِّين النَّسَفِي، عن أبي اليسر البَزْدَوي، عن أبي يعقوب السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي القاسم الصفَّار، عن نصير بن يحيى، عن محمد بن سَماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
فهذه طريق العنعنات، بلَّغه الله تعالى أقصى درجات الكمال، ومتَّعه بما خوَّله في الحال والمآل.
[ المقدمة / ١٣١ ]
ولما كان العلامة ابن كمال باشا في فتح مصر مع السلطان سليم خان، كان قاضيًا بالعسكر، فلما دخل القاهرة لقيه أكابر العلماء وأعظم الفضلاء، وناظروه وباحثوه وتكلموا بما عندهم، فامتحنوه فأعجبوا بفصاحة لسانه وحسن كلامه وبلاغة بيانه وبسط مَرامه، وأقروا له بالفضل والكمال، وكانوا يذكرونه بغاية التبجيل والإجلال، ويشهدون أن ليس له في العرب عديل ولا في أفاضل العجم والروم عوض ولا بديل.
لكن بعض الحساد سعوا به عند السلطان سليم فعزله، ثم عاد إليه بالإحسان مبتدرًا لمَّا فطن أنّ أمر الفتوى سيكون متعذرًا، فأعطاه مدرسة دار الحديث بمدينة أَدْرَنة، وعيَّن له كل يوم مئة درهم وعطايا سنية في السنة … إلى آخر ما سيأتي من تعيينه مدرسًا بمدرسة السلطان بايزيد خان الثاني للمرة الثانية بمدينة أدرنةَ، انتهاء باستلامه إفتاء الدولة العثمانية.
* * *
[ المقدمة / ١٣٢ ]