الإسرائيليات: جمع إسرائيلية، نسبةً إلى بني إسرائيل، وهي معارف اليهود وثقافتهم المتمثلة بالتوراة وشروحها، والأسفارِ وما اشتملت عليه، والتلمودِ - وهي التوراة الشفهية، وهو مجموعةُ قواعدَ ووصايا وشرائع دينية وأدبية ومدنية، وشروح وتفاسير وتعاليم وروايات كانت تتناقل وتدرَّس شفهيًّا من حين إلى آخر - وشروحِه، والأساطيرِ والخرافات، والأباطيلِ التي افترَوها أو تناقلوها عن غيرهم، وهذه كلُّها كانت المنابعَ الأصلية للإسرائيليات التي زخرت بها بعض كتب التفسير والتاريخ والقصص والمواعظ، وهذه المنابع إن كان فيها حق ففيها باطل كثير، وإن كان فيها صدق ففيها كذب صُرَاح، وإن كان فيها سمين ففيها غثٌّ كثير، فمِن ثَم انجرَّ ذلك إلى الإسرائيليات، وقد يتوسع بعض الباحثين في الإسرائيليات، فيجعلها شاملة لما كان من معارف اليهود، وما كان من معارف النصارى التي تدور حول الأناجيل وشروحها، والرسل وسيَرهم، ونحو ذلك؛ وإنما سميت إسرائيليات لأن الغالب والكثير منها إنما هو من ثقافة بني إسرائيل، أو من كتبهم ومعارفهم، أو من أساطيرهم وأباطيلهم.
والحق: أن ما في كتب التفسير من المسيحيات أو من النصرانيات هو شيء
[ المقدمة / ٧٧ ]
قليل بالنسبة إلى ما فيها من الإسرائيليات، ولا يكاد يذكر بجانبها، وليس لها من الآثار السيئة ما للإسرائيليات؛ إذ معظمها في الأخلاق، والمواعظ، وتهذيب النفوس، وترقيق القلوب (^١).
وقد كثر في كتب التفسير إيراد الإسرائيليات وأكثرها كما تقدم طامات لم ينبِّه ناقلوه على أصله، ولم يوقف على قائله، فكانت مثارًا للشك والطعن والتقوُّل على الإسلام ونبيِّه ﷺ.
ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام لا حجةَ في ذكرِ أيٍّ منها:
فمنها: ما علِمنا صحته بشرعنا، فما جاء به شرعُنا أولى بالذكر.
ومنها: ما علمنا كذبه لكونه خالف ما عندنا، فلا يجوز ذكره.
ومنها: ما هو مسكوت عنه، فلا نكذبه ولا نصدقه، وتجوز حكايته، لكن لا فائدة فيه تعود على الدين، وإنما لجأ إليه كثير من المفسرين لملء الفراغات التي يتركها القرآن في القصص بأسلوبه المعجز المترفِّع عن إيراد التفصيلات التي لا لزوم لها، بل قد تشتِّت الذهن وتصرف عن العبرة التي سيقت القصة لأجلها.
ومن أهم ملامح هذا التفسير إعراضُه شِبْهُ التام عن الإسرائيليات وتجنُّبُه لذكرها مع ما تحويه من التفاصيل التي لا لزوم لها، وقد أوضح منهجه هذا بقوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]: (اختلَفُوا في عدَدِه ولا فائدةَ في تعيينِه).
_________________
(١) انظر: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" لمحمد أبو شهبة (ص: ١٢ - ١٤).
[ المقدمة / ٧٨ ]
فأعرَضَ عما اختلفوا فيه عندما رأى أن لا فائدة فيه، بالإضافة إلى عدم ورود شيء يبيِّن ذلك في شرعنا.
وأشار أيضا إلى هذا المنهج في تفسير سورة الصافات فقال في تفسير قصة يونس ﵇: (واختُلفَ في مُدَّةِ لبثه في بطن الحوت، ولا طائلَ تحتَ ذِكْرِه).
فهذه الإسرائيليات بما تحويه من التفصيلات لا حاجة لها عند أمثال المؤلف ممن أوتي العلم الواسع والذهن الثاقب والنظر العميق، فهو قادر بما اَتاه الله تعالى من النظر والاستنباط أن يستخرج التفاصيل من ثنايا الألفاظ وخفايا التراكيب.
فلذلك تجده يُهملها حتى في المواضع التي لم يَخْل منها كتاب من كتب التفسير المعروفة، معتمدًا على الاستنباط من ثنايا الألفاظ، وما تُخفيه من دلالات لا تظهر إلا لمن آتاه الله الذوق في الفهم والقدرة على الاستنباط كما سنراه من خلال ذكر بعض الأمثلة عليه:
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ﴾ وقال: (العجلُ: ولدُ البقرة، سمِّي بهِ لتعجيل أمرِه بقرب ميلادِه، ولا يخفى لطفُ موقعِه بعد ما فُهمَ من قولِه: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾ من معنى العجلةِ).
ومنه: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ﴾ [آل عمران: ٤٦] قال: (وذكرَ الناسَ لبيان أن المرادَ التكلُّمُ المعتادُ، فإن الصبيَّ قد يقدر على التكلُّمِ مع أبويهِ وهو طفلٌ، فتكلُّمه مطلقًا في تلك الحالِ ليس بخارقٍ للعادة).
[ المقدمة / ٧٩ ]
ومنه: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] قال: (قيل: هنا جملٌ محذوفة؛ أي: فجاءهم التابوتُ، وأقرُّوا لطالوتَ بالملك، وتأهَّبوا للخروج، فالفاء فصيحةٌ).
وكذا ما جاء بعده في القصة نفسها: ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ الفاء فصيحة، وقبله مضمَرٌ؛ أي: فاستجاب الله دعاءهم ونصرهم).
ومثله قوله بعده: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ لم يبيِّن الله تعالى كيفيةَ القتل، إلا أنه أشار في سياقه إلى أنه كان بسهولة).
ومن ذلك ربط القصص القرآنية بعضها ببعضٍ بالتنبيه على فصاحة الواو والفاء الواردة في إحدى القصص معبِّرة عن محذوفٍ يفهم من سياق القصة نفسها في موضع آخر:
فمن ذلك قوله في سورة النمل: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ عطفٌ على محذوفٍ، تقديرُه يُفهَم مِن التَّفصيل المذكور في سورة طه، لا على ﴿بُورِكَ﴾؛ لأنَّ الفصل بينهما بتجديد النِّداء في قوله: ﴿يَامُوسَى﴾ يأباه).
قلت: يريد قوله في سورة طه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾.
وقريب منه ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] قال: (والباء في: ﴿بِكُمُ﴾ للسببية؛ أي: بسببكم وبسببِ إنجائكم، ولا
[ المقدمة / ٨٠ ]
يجوز أن يكون للملابَسة؛ أي: مُلْتبِسًا بكم، ولا للاستعانة؛ أي: تسلكونها وتتفرَّقُ بكم كما يتفرَّقُ الشيء بالسكِّين عند قطعه؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] صريحٌ في أن انفصال البحر بعضِه عن بعضٍ وحصولَ المسالك كان بضربِ العصا قبل أخذِهم في السلوك، فإن في الفاء الفصيحة في قوله: ﴿فَانْفَلَقَ﴾ دلالةً على عدم تراخي الانفلاقِ عن الضرب).
وليس ذلك فحسب بل يرد على الروايات والقصص الواردة في تفسير بعض الآيات بآيات القرآن الأخرى:
ومن أجمل الأمثلة وأبينها على ردها بما في القرآن وعدم اعتداده بها: كلامه على ما في سورة يوسف من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾، قال: وفي الفاء التعقيبية دلالةٌ على أنه ما صدر عن يوسفَ ﵇ بين المراودة والاستعصام فعلٌ يفصله عنها، فمِن هنا تَبيَّن أن الواقع من جانبه ﵇ مجردُ همٍّ غيرِ اختياريٍّ، فما زيدَ على ذلك وذكر في كتب التفاسير والقصص مردود بنصِّ الكتاب فافهم، والله الهادي إلى الصواب).
ومن ذلك ما ذكره من أن قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] يردُّ ما قيل: وإنما قالوا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ لأنهم رأوا أثرَ الخوفِ والتغييرِ في وجهه، أو عرَفوه بتعريفِ اللهِ، أو علِموا لأنَّ علمَه بأنهم ملائكة موجبٌ للخوفِ؛ لأنهم كانوا لا ينزِلون إلا بعذابٍ، فقال: (فإن مبنى هذا الغفولُ عن أنه ﵇ أفصَحَ عن خوفِه بأوضحِ عبارةٍ).
[ المقدمة / ٨١ ]
ومثله: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] قال: (يعني: بالعذابِ، على ما أفصَحَ عنه في موضعٍ آخرَ بقولِه: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ [الذاريات: ٣٣].
قيلَ: وإنما يُقالُ هذا لمَن عرفَهم، ولم يعرِفهم فيمَ أُرسِلُوا. مبناهُ أيضًا الغفولُ عن التفصيلِ الواقعِ في سورة الحجرِ، فإن هذا القولَ منهم بعدَ البشارةِ له ﵇ بالغلامِ، واستفسارِه بقولِه: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الذاريات ٣١].
وكذا مبنى ما قيلَ هنا: إنَّا ملائكة مرسلةٌ إليهم بالعذابِ، وإنما لم نَمدَّ إليه أيدينا لأنَّا لا نأكُلُ، مبناهُ الغفولُ عما ذكر.
﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ يعني: في الخدمةِ، وكانت بمسمَعٍ منهم لا على رؤوسِهم كما قيلَ؛ لأنَّه مردودٌ بقولِه في موضعٍ آخرَ: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات ٢٩]).
* * *