إن من أبرز سمات هذا التفسير عنايته الفائقة بالمعاني اللغوية للألفاظ القرآنية، فلا يمر على لفظ يحتاج إلى شرح وبيان إلا بينه وشرحه شرحا وافيا، وساق تصريفاته إن تطلب الحال ذلك، ومثل هذا لا يحتاج لكثير استدلال لأنَّه سمة ملازمة له من أوله وحتى النهاية، لكن سنسوق بعض الأمثلة زيادة في التوثيق:
فمن ذلك قوله: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: فرقًا، جمعُ شيعة، وهي الفرقة المُتَّفقة على طريقٍ ومذهبٍ، مِنْ شاعه: إذا تبعَه، وأصله الشِّياع، وهو الحطب الصغار يوقَد به الكبار.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا﴾ قال: أي: أعرضوا، مِنْ صَدَّ عنه يَصُدُّ صُدودًا، أو: مَنعوا من صدَّه عنه يَصُدُّه صدًا.
وقد جاء فيه بعض المعاني الدقيقة التي لم أجد لها مصدرًا فيما توفر من مصادر:
فمن ذلك: ما ذكره في قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ حيث شرح الفئة فقال: والفئة: الجماعة المنقطِعة عن غيرها، مِنَ الفأو، وهو قطعُ الرَّأس بالسَّيف.
وكذا قوله: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] الرِّباط: شدٌّ أيسر من العقد.
وكذا في تفسير سورة إبر اهيم: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم: ١٨] قال:
[ المقدمة / ٩٤ ]
الاشتدادُ: الإسراعُ بالحركة على عظم الحقوة، ومنه: اشتدَّ به الوجع؛ لأنَّه أسرع إليه على قوَّةِ ألمٍ.
فهذه المعاني لم أجد من ذكرها.
وأما قوله: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ [هود: ٣٤] النصحُ: إمحاضُ إرادة الخيرِ في الدلالةِ.
فقد جاء ما هو قريب منه كقول النسفي: وحقيقة النصح: إرادة الخير لغيرك مما تريده لنفسك، أو النهاية في صدق العناية (^١).
والأمر فيها واسع حيث قال ابن الأثير: النَّصيحةُ: كلمةٌ يُعَبَّرُ بها عن جملةٍ، هي إرادةُ الخير للمنصوح له، وليس يمكنُ أنْ يُعَبَّر هذا المعنى بكلمةٍ واحدةٍ تجمع معناه غيرِها (^٢).
ويجزم أحيانًا بمعنى مع وجود معان أخرى، ومن ذلك قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ أمرٌ من الذُّكر الذي هو مضموم الذال، وهو بالقلب خاصةً، فالمراد: الحفظُ الذي يضادُّ النسيان.
بينما قال أبو حيان: الذكر بكسر الذال وضمها بمعنى واحد ويكونان باللسان والجنان (^٣).
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير النسفي" (١/ ٥٧٦).
(٢) انظر: "النهاية" (مادة: نصح).
(٣) انظر: "البحر" (١/ ٤٦٩) و"الدر المصون" (١/ ٣١١)، و"حاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي" (٢/ ١٤٤) و"روح المعاني" (٢/ ١٣٨).
[ المقدمة / ٩٥ ]