لم يَترك المؤلف ﵀ الوقوف عند الآيات التي تتعلق بالأحكام، وبيانَ ما استنبطه منها الأئمةُ المجتهدون، وذكرَ اختلافهم فيها، مع التصريح بمذهبه في أكثر الأحيان، والترجيح له في بعض، سالكًا في ذلك سبيل الإنصاف دون تعصُّبٍ ولا اعتساف، بل قد يتعقَّب أحيانًا أصحاب مذهبه حيق يرى استدلالهم خلاف استدلاله.
[ المقدمة / ٨٢ ]
فمن أمثلة العرض دون ترجيح وقوفُه عند آيات الحج في سورة البقرة، حيث أكثر من ذكر المذهبين الشافعي والحنفي دون ترجيح كما في تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] حيث قال: (فعليه دمٌ بسبب التمتُّع هو هديُ المتعة، وهو نسكٌ عند أبي حنيفةَ لا يذبحُه إلا يومَ النحر ويأكلُ منه، وجُبرانٌ عند الشافعيِّ يجوز ذبحُه إذا أَحرم بحجَّته؛ لأن السبب هو التمتُّع، ولا يتحقَّق إلا به، ولا يأكل منه لأنَّه دمُ جنايةٍ.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾؛ أي: الهدي ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ و: في أيام الاشتغالِ به بعد الإحرام عند الشافعيِّ، وعند أبي حنيفة: في وقت الحج؛ أي: في أشهُره ما بينَ الإحرامين، وأفضلُه اليومُ السابع ويومُ الترويةِ وعرفةَ، ولا يجوز في أيام النحر وأيامِ التشريق عند الأكثر.
﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلى أهليكم، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، أو نفرتُم وفرغتُم من أفعال الحج، وهو قوله الثاني ومذهبُ أبي حنيفة).
ومثله ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]: أَلزمه نفسَه بالإحرام، ولا خلاف فيه، إنما الخلافُ بيننا وبين الشافعيِّ في أن الإحرام يَتمُّ بالنية، أو لا يَتمُّ بل لا بدَّ من التلبية معها أو من سَوقِ الهدي).
وفي تفسير ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ [النساء: ٢٥] قال: (أخذ الشافعي بظاهر الآية وقال: لا يجوز نكاح الأمة إلا بثلاث شرائطَ؛ اثنان في الناكح: عدمُ طَول الحرة وخشيةُ العنت، والثالث في المنكوحة وهي أن تكون مؤمنةً، وهذه الأشياء عندنا للاختيار لا للاشتراط).
[ المقدمة / ٨٣ ]
ولا يقتصر على المذهبين فقط، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] قال: (ظاهرٌ في تحريم المتروك عليه اسمُ الله تعالى عمدًا أو نسيانًا، وعليه أحمدُ ومالكٌ وداودُ، خلافا للشافعي؛ لقوله ﵇: "ذبيحةُ المسلمِ حلالٌ وإنْ لم يَذكر اسم الله عليه " (^١)، وفرَّق أبو حنيفة بين العمد والنِّسيان، وأوَّلَه بالميتة وما ذُكر اسمُ غير الله عليه، لقوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]).
وقد يلمّح أحيانًا لترجيح مذهبه الحنفي كما في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] حيث قال: (والمعنى: إنْ أُحصِر المحرِمُ وأراد أن يتحلَّلَ تحلَّلَ بذبح هَدْيٍ يُسِّر عليه حيث حُصر عند الشافعي ﵁، فإن النبيَّ ﷺ أُحصر بالحديبيَة وذَبح هناك وتحلَّل، وعند أبي حنيفة: لا يَذبح إلا بالحرم، يبعثُه ولا يتحلَّلُ حتى يبلغَ مَحِلَّه، ويُعيِّن للمبعوث على يده يومَ أمارة، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فإن بلوغ المحلِّ يدلُّ على مسافة بين موضع الحصر وبين المحلِّ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]).
وعند تفسير: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾: قال: ﴿إِلَى﴾ للغاية، فينتهي عندها حكمُ الغَسل عند زفرَ والشافعيِّ ومالكٍ رحمهم الله تعالى، فلا يجب غسلُها لأن الحدَّ لا يدخل تحت المحدود، وعند أئمتِنا الثلاثةِ يجب غسلها؛ لأن ضرب الغاية لا بد له من فائدةٍ، وهي إما مدُّ الحكم عليها، أو إسقاطُ ما
_________________
(١) حديث مرسل معلول كما سيأتي في مكانه.
[ المقدمة / ٨٤ ]
وراءها، والأول يحصل هاهنا بدونه لأن اليد اسمٌ لذلك العضو إلى الإبط، فتَعيَّن الثاني، ومُوْجَبُه دخول الغاية في حكم المغيَّا، وبهذا التقدير تبيَّن أنه لا حاجة إلى التقدير ولا إلى التغيير).
وجاء عند قوله: إلا حاجة إلى التقدير) في هامش إحدى النسخ: (فيه رد لمن قال: تقديره وأيديكم مضافة إلى المرافق …).
وعند قوله: (ولا إلى التغيير) في هامش النسخة المذكورة: (فيه رد لمن زعم أن إلى بمعنى في).
ومن الاستنباطات الحسنة للاستدلال على مذهبه قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ من جماع ودواعيهِ، والخلوةُ الصحيحةُ أقيمت مقامه، ولفظة (ما) تدل على أنَّ يَسير التمتع يوجبُ إيتاء الأجرة).
ثم إنه إذا رأى الآيةَ لا تساعد قولَ إمامٍ نبَّه عليه، ومنه ما جاء في تفسير قوله تعالى من سورة النساء: ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢]، قال: (والشافعي حمله على مؤمنٍ اختلط بأهل الحرب، ويأباه قوله: ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾؛ لأنَّه حينئذٍ لا يكون منهم).
وهذا ينسحب حتى على مذهبه حين يرى أنْ لم يساعد مذهبَه الدليل كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] حيث قال: (وقال أبو حنيفة: اللغو أن يحلفَ الرجل بناءً على ظنِّه الكاذب، والمعنى: لا يعاقبُكم بما أخطأتم فيه من الأيمان، ولكنْ يعاقبُكم بما تعمَّدْتم الكذب فيها).
[ المقدمة / ٨٥ ]
ثم عقبه بقوله: (ولا يساعدُه ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
ومما يدل على قوة عقله وتحرره من التقليد الأعمى قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]: اختلف مشايخ أصحابنا في أنَّ العبرة لأوَّل طلوعه أم لاستطارَته وانتشارِه؛ قال شمسُ الأئمة الحَلْواني: الأولُ أحوطُ والثاني أوسعُ).
قال المؤلف: (ونحن نقول: إن التشبيه بالخيط للتنبيه على أن العبرة لأوَّلِ طلوعه فلا مساغ للاختلاف المذكور).
ومثله في الآية نفسها: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ قال: (تمسَّكَ أصحابنا بهذا في جواز النيَّة بالنهار في صوم رمضان، ولا وجهَ له، بل هو ظاهر فيما ذكره المخالفُ، حيث قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ ولم يقل: ثم صُوموا، ولولا ما فيه من محذورِ الدلالة على تراخي الشروعِ في الصوم عن طلوع الفجر لَمَا عُدِل عن الأَخْصَر الأظهَر).
لكن تبقى السِّمة العامة لمنهجه في الأحكام الفقهية الاختصارَ وعدمَ الخوض والتوسع في المسائل التي وقع فيها اختلاف بين العلماء وسُطرت في بيانها الصفحات في التفاسير الأخرى، فاكتفَى - مثلًا - في الخلاف الواقع في المؤلفة وإعطائهم من الصدقات بقوله؛ (واختُلف في انقطاع هذا الصِّنف بعزَّة الإسلام وظهوره).
وفي قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] قال: (إمساكُ الكلب
[ المقدمة / ٨٦ ]
الصيدَ على صاحبه: أن لا يأكل منه؛ لقوله ﷺ لعدي بن حاتم: "وإنْ أَكَل منه فلا تأكُلْ، إنَّما أمسك على نفسه " (^١)، هذا في صيد الكلب ونحوِه، فأما صيدُ البازي ونحوِه فأكلُه لا يحرِّمه عندنا، وُيعْرف هذا في الفقهيات).
* * *