من المعروف أنَّ النحو من أهمِّ عناصر تفسير القرآن الكريم، فهو المرقاةُ إلى فهم معاني التنزيل، وبه تظهر وجوه المعاني التي تحتمِلها الآيات، وقد تفاوتت العناية به بين التفاسير، فتلك التي تُعنَى بالمأثور يقلُّ فيها العناية بالإعراب، أما التي تعتمد الاستنباط والتأويل، فلا بد فيها من التوسع في الإعراب وتقليب الوجوه للتوصل بذلك إلى بيان المعاني المختلفة التي تحتملها الآيات.
وعلى كلِّ حالٍ فلا بد للمفسِّر من أن يكون عالمًا بالنحو، متعمِّقًا في مسائله، مطَّلعًا على ما ألِّف فيه، والمؤلِّف ﵀ إلى جانب تعمُّقه في كتب التفسير، وإلمامه بعلوم القرآن، يُعدُّ من كبار علماء النحوِ المتأخرين كما يشهَد بذلك كتاباتُه ورسائله الكثيرة في مباحث النحو أصوله وفروعه، والتي تدلُّ على تمكنه منه، وجدارتهِ بأن يكون من السابقين المقدَّمين في تفسير القرآن الكريم.
وهذا التفسير خير دليل على ما ذكرنا، فهو لا يُهمل فيه موضعًا يحتاج إلى
_________________
(١) متفق عليه كما سيأتي في مكانه.
[ المقدمة / ٨٧ ]
الإعراب إلا أعربه، ولا آيةً يتطلب بيان معناها الإعرابَ حتى يُعربها إعرابًا تامًّا ممهِّدًا بذلك لتفسيرها على الوجه الأكمل، مستفيدًا من ذاك الكم الهائل الذي خلَّفه العلماء الأوائل، وما أبدعوه من المسائل:
فمن ذلك قوله: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] (من) لابتداءِ الغاية؛ أي: أممٍ ناشئةٍ ممن معكَ في السفينةِ إلى آخر الدهرِ، ويجوزُ أن يكونَ للبيانِ، ويُرادَ الأممُ الذين كانوا معَهُ في السفينةِ؛ لأنهم كانوا جماعاتٍ، أو لأن الأممَ تتشعَّبُ منه ﴿وَأُمَمٌ﴾ مبتدأ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ صفة لهُ، والخبر المحذوفُ دلَّ عليهِ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾؛ أي: وممَّن معكَ أمم سنمتِّعُهم).
ومنه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا﴾ [الأنعام: ١٦١] بدلٌ من محل ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾؛ لأن معناه: هداني صراطًا؛ لقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]، أو مفعولُ فعلٍ مضمَر دلَّ عليه الملفوظ، أو حالٌ من ﴿صِرَاطًا﴾؛ لاختصاصه بالصِّفة، أو نصبٌ على المدح؛ أي: أعني - أو: أخصُّ - دينًا … ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ عطفُ بيان لـ ﴿دِينًا﴾، إنَّما ذَكَرَ ذلك حثًّا لهم على اتِّباعه؛ لأنَّه دينُ أبيهم ﴿حَنِيفًا﴾ حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾.
لكنه في إعرابه يُعنى بالاختصار وعدم التطويل مع عدم ترك شيء من الوجوه، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٦ - ٣٧] قال في إعراب ﴿الَّذِينَ﴾: بدلٌ من قوله: ﴿مَنْ كَانَ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿مَنْ﴾، قال: ﴿مُخْتَالًا﴾ حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾، ثم قال: ﴿الَّذِينَ﴾
[ المقدمة / ٨٨ ]
حملًا على المعنى، أو نصبٌ على الذمِّ، أو رفعٌ عليه؛ أي: هم الذين، أو مبتدأٌ خبره محذوف، كأنه قيل: الذين يبخلون ويأمرون ويكتمون أحقَّاءُ بالمقت والتعذيب).
ويلاحظ أنه زيادة على الإعراب يُعنى ببيان بعض الفوائد النحوية والقواعد الضرورية، ومنها دقائقُ يصعب العثور عليها في كتب النحو:
فمن ذلك تناوله بعضَ القواعد التي تتعلق بـ (لو) في قوله: (والهمزة في: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ للردِّ والتعجيب، والواوُ للحال؛ أي: أيتَّبعونهم ولو كان آباؤهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ … (لو) في مثل هذا التركيبِ تجيءُ تنبيهًا على أنَّ ما بعدها غيرُ مناسبٍ لِمَا قبلها؛ كما في قوله: "أعطوا السائل ولو جاء على فرسٍ" (^١)، والمعنى: على كلِّ حال، وذلك أنها تجيءُ لاستقصاءِ الأحوال التي يقع عليها الفعل، وتَدلُّ على أن المراد بذلك وجودُ الفعل في كلِّ حال حتى في هذه الحال التي لا تناسب الفعلَ، وإذا قُصد التوبيخ والتعجيب - كما في هذه الآية - لا يكون إيرادُها لاستقصاء الأحوال. ولما كانت الواوُ للحال لم تَحتجْ (لو) إلى جواب؛ لأن الشرط إنما يقع حالًا إذا انسلخ عنه معنى الشرط).
ومنه كلامه في بعض ما يتعلق بأفعل التفضيل في قوله: ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف: ٨] قال: (إنما وحَّد ﴿أَحَبُّ﴾ مع كونهما اثنين؛ لأن (أفعلَ من كذا) لا
_________________
(١) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٩٦) عن زيد بن أسلم عن النبي ﷺ مرسلًا. وانظر تتمة تخريجه في مكانه.
[ المقدمة / ٨٩ ]
يغيَّر عن صيغة الواحد المذكَّر؛ لأن تمامه بـ (مِن)، ولا يثنَّى الاسم ولا يُجمع ولا يؤنث قبل تمامه، ولا بد في المعرف باللام من المطابقة، وفي المضاف جاز الأمران).
ومن إيراده للفوائد أيضًا قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ [التوبة: ٣٦] لما كان جمعُ الحُرُم للقلَّة عاد الضميرُ عليها بالنون، تقول العرب: الجذوع انكسرت؛ لأنَّه جمع كثرة، والأجذاع انكسرْنَ؛ لأنَّه جمع قلَّةٍ.
وفي قوله: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: ٢٨] قال: (وإذا اجتمعَ ضميران وليس أحدُهما مرفوعًا، وقدِّمَ الأعرفُ، جازَ في الثاني الاتصالُ كما وقع هاهنا، والانفصالُ كما لو قيلَ: أنلزِمُكم إياها).
ومن ذلك كلامه في ضمير الفصل في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ﴾ [مريم: ٤٠] حيث قال: (﴿نَحْنُ نَرِثُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محلِّ الرفع خبرُ (إنَّ)، ولا يجوز أن يكون (نحن) فَصْلًا؛ لأنَّ (نرث) نكرةٌ، والفَصْل لا يقع إلا بين معرفتين، أو قريبين من المعرفة).
وكذا كلامه في علة العطف بالمضارع في قوله تعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ بعد الماضي في قوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [فاطر: ٩]، فقال: (على حكايةِ الحالِ الماضيةِ، وقد خُولِفَ به عمَّا قبلَه وما بعدَه إلى المضارع؛ استحضارًا لتلك الصُّورة البديعة الدَّالة على القدرة الباهرة من إثارة الرِّيح السَّحابَ، وما يقارنُه من إنزال المطر وغيره.
وهكذا يُغيَّر النَّظم في كلِّ أمرٍ عجيبٍ وفعلٍ يختصُّ بحالٍ يُستَغرَبُ، أو يهمُّ المخاطِبَ أو المخاطَبَ، أو يتميَّز بنوعِ شرفٍ، وغير ذلك).
[ المقدمة / ٩٠ ]
ومن الأمثلة الحسنة لوقفات المؤلف النحوية، ولعنايته بالناحية النحوية والإعرابية المتعلقة بالمعاني مع ردِّه لما ذهب إليه الزمخشري والبيضاوي: ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ [التوبة: ٦٣]، حيث قال: ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ [التوبة: ٦٣] على حذف الخبر؛ أي: فحقّ أنَّ له، أو على تكرير (أنَّ) للتَّأكيد.
قيل [القائل الزمخشري وتابعه البيضاوي]: يجوز أن يكون معطوفًا على ﴿أَنَّهُ﴾ ويكون الجوابُ محذوفًا، تقديره: مَن يحاددِ اللهَ ورسولَه يهلك، فيكون ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ في موضع نصب.
وهذا الذي قرَّره لا يصح؛ لأنهم نصُّوا على أنَّه إذا حُذِفَ الجواب لدلالة الكلام عليه كان فعل الشَّرط ماضيًا في اللَّفظ، أو مضارعًا مجزومًا بـ (لم)، فمن كلامِهم: أنت ظالم إن فعلت، ولا يجوز: إن تفعل، وهنا حذف جواب الشَّرط، وفعلُ الشَّرط ليس ماضيَ اللَّفظ ولا مضارعًا مقرونًا بـ (لم)، وذلك إن جاء في كلامهم فمخصوصٌ بالضرورة، وأيضًا فتجدُ الكلامَ تامًّا دونَ تقدير هذا الجواب).
والكلام هنا منقول من "البحر المحيط" (^١).
كما يلاحظ أن منهجه في إيراد الأقوال النحوية هو أنه يجزم بالأقوى والأولى عنده ولا يلتفت إلى غيره بل يهمله ولا يذكره أصلًا، كما في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]
_________________
(١) انظر: "البحر" (١١/ ٣٣٩).
[ المقدمة / ٩١ ]
قال: (و(مِن) للتبعيض، فإن ما يَصلح رزقًا لنا بعضُ الثمرات المخرَجة، ولا يَصلح للتبيين إذ لم يتقدَّم ما يبيَّن).
هذا بينما أجاز الزمخشري: فإن قلت: فيم انتصب رِزْقًا؟ قلت: إن كانت "من" للتبعيض كان انتصابه بأنه مفعول له. وإن كانت مبنية، كان مفعولًا لأخرج.
وقال الطيبي معقبا مؤيدا لما ذهب إليه الزمخشري من احتمال (من) للوجهين وموجِّها له: قيل: إذا كانت "من" للتبعيض يكون محلها منصوبا على المفعول به، ورزقا على المفعول له، ومحل "لكم" منصوب على أنه مفعول به لـ "رزقا؛ لأنَّه مصدر، وإن كانت للتبين كانت حالا ورزقا مفعول به، و"لكم " صفة لـ "رزقا ".
ومن ذلك جزمه بوجه مع إهمال غيره، ففي قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ [البقرة: ٩٦] بأن وجد بمعنى علم ولم يذكر غيره من قريب ولا بعيد، بينما أجاز غيره غير ذلك كما في "البحر" (^١).
وكما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦]، حيث قال: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ استئنافٌ، أو صفةٌ لـ ﴿أَصْحَابَ﴾؛ أي: لم يَدْخلوها بعدُ.
كذا اقتصر على هذين الوجهين مع الاختصار في بيانهما، في حين أن
_________________
(١) انظر: "البحر" (٢/ ٣٣٤).
[ المقدمة / ٩٢ ]
فيها وجوها وتفصيلات ذكرها صاحب "الدر المصون" (^١).
وأكثر من ذلك جزمه بوجه مع نفي غيره، كما في ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ﴾ [البقرة: ٥٠]، حيث جزم بكون الباء في ﴿بِكُمُ﴾ للسببية، ونفى أن تكون للاستعانة أو الملابسة، وهو ما أجازه غيره، كما في "روح المعاني" (^٢).
ومثله ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠]، حيث قال: و﴿فِيهِ﴾ متعلق بمحذوف يبيِّنه ﴿الزَّاهِدِينَ﴾؛ لأن متعلَّق الصلة لا يتقدَّم على الموصول، وأنَّ ما بعد الجارِّ لا يعمل فيما قبله.
وهذا الذي جزم بنفيه قد أجازه غيره بلا توقف، قال ابن الحاجب: في "أماليه": إنه متعلق بالصلة، والمعنى عليه بلا شبهة، وإنما فروا منه لِمَا فهموا من أنّ صلة الموصول لا تعمل فيما قبل الموصول مطلقا، وبَيْنَ صلة (أل) وغيرها فرْق، فإنّ هذه على صورة الحرف المنزل منزلة جزء من الكلمة فلا يمتنع تقديم معمولها عليها (^٣).
* * *
_________________
(١) انظر: "الدر المصون" (٥/ ٣٣٥).
(٢) انظر: "روح المعاني" (٢/ ١٦٥).
(٣) انظر: "أمالي ابن الحاجب" (١/ ٢٨٣)، و"فتوح الغيب" (٣/ ١٢) (٨/ ٢٨٣)، و"حاشية الشهاب" (٥/ ٢٦٥)، و"روح المعاني" (١٢/ ٢٥٤).
[ المقدمة / ٩٣ ]