لقد عُني العلماء بتفسير القرآن بالقرآن عنايةً كبيرة، حتى عَدُّوه أصحَّ طرق التفسير، كما قال بعضهم: إن أصح الطرق في التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجْمِلَ في مكان فإنه قد فُسِّرَ في موضع آخر، وما اخْتُصِر من مكان فقد بُسِطَ في موضع آخر.
لكن ينبغي التنبيه هنا على أن تفسير القرآن بالقرآن - فيما عدا ما فسره النبيُّ ﷺ من ذلك - هو نوعٌ من أنواع التفسير بالرأي، فإن عملية التفسير المعتمِدةَ على الفهم والاجتهاد بين الآيتين، والحكمَ بأن إحداهما مبيِّنةٌ للأخرى، أو
[ المقدمة / ٥٤ ]
مفصِّلةٌ لمجمَلها، أو مطلِقةٌ لمقيِّدها، أو ناسخةٌ لحكمها، إنما هو من قبيل التفسير بالرأي.
وثمة أمرٌ آخر لا بد من التنبيه عليه أيضًا، أن تفسير القرآن بالقرآن عن طريق الاجتهاد قد يدخله الاختلاف؛ لِمَا جُبل عليه البشر من اختلاف العقول، فالآية التي يجتهد عالم في تفسيرها بآية أخرى قد يجتهد غيره فيفسرها بغيرها، كما أنه ليس كلُّ مَن حمل آيةً على أخرى يُقبل قوله بحجةِ أنه من تفسير القرآن بالقرآن، فإن هذا الأسلوب قد يستعمله أحيانا أهل البدع لتقرير بدعتهم، كما فسر بعض المعتزلة قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] بأنها تنتظِر ثواب ربها، وينفون رؤية الباري، ويستشهدون لذلك بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ولو لا قولهم بعدم رؤية الباري لما حملوا هذه الآية على تلك.
وبالعودة إلى هذا التفسير الذي بين أيدينا نجد أن لتفسير القرآن بالقرآن عند هذا العلَّامة نكهةً خاصة، وأسلوبًا متميزًا، فليس أسلوبه مقتصرًا على تفسير الآية بآية أخرى أو آيات، ولا منحصرًا في بيان الرابط بينهما، لكنه يذهب إلى أبعد من هذا، حيث يجعل الآيات مكمِّلة لبعضها، وكأنها بمجموعها موضوعٌ واحد، بحيث تؤدِّي كلّ آيةٍ جزءًا من الغرض، ليتكامل باجتماعها الموضوع:
فمن ذلك قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] هذا في حقِّ القَذَفة، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية [يس: ٦٥] في حقِّ المشركين،
[ المقدمة / ٥٥ ]
فلا منافاة، ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعترفونَ بها بإنطاق الله تعالى، على ما نطَق به قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] بغير اختيارهم على ما دلَّ عليه قولهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١] وفي ذلك مزيد تهويلِ العذاب.
فانظر إلى هذا الجمع العجيب والدمج الغريب، والذي لا تجده عند غير هذا العلامة.
ومن ذلك قوله: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ بالأكل من ثمرتها، دلَّ هذا على أن المراد من الأكل في قوله تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ [طه: ١٢١] بدايتُه، كما دلَّ هو على أن المراد من الذوق هنا نهايتُه، فالقرآن يفسِّر بعضه بعضًا).
ومن أمثلة عنايته بتفسير القرآن بالقرآن قوله: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: إلا عبد أُرسلت بشيرًا ونذيرًا ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] متعلّق بالبشير، ومتعلَّق النذير محذوف للتعميم؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٢]).
وبعدها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هو آدم ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]: من جنسها؛ لقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢]).
ومنه قوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى: بشارةً ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] متعلِّق بـ ﴿وَبُشْرَى﴾، ومن حيث المعنى متعلِّق ب ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ أيضًا" لقوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣]).
وتجده أحيانًا يربط بين الآيتين من خلال اختيار وجه في الأولى
[ المقدمة / ٥٦ ]
استدلالًا بما في الثانية، ومن أجمل الأمثلة عليه ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] قال: (هذا ليس بنفي للخرور، بل هو إثباتٌ له ونفيٌ للصَّمم والعَمى .. يعني: أنَّهم إذا ذكِّروا بها خَرُّوا سُجَّدًا وبُكيًّا، سامعينَ بآذانٍ واعيةٍ، مُبصرين بعيونٍ باصرةٍ لِمَا أُمروا به ونُهُوا عنه، لا كالمنافقين وأشباههم، دليله: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] فإن القرآن يُفسِّر بعضُه بعضًا).
فانظر إلى روعة الاستنباط، وجمال الاستدلال، وحسن الاختيار.
وأحيانًا يكون الأمر على عكس الطريقة السابقة، يعني يردُّ على قولٍ في آية وبفنِّده بدلالةِ آيةٍ أخرى:
فمن ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] حيث قال المؤلف: (قيل: وإسناد المكر إلى الله تعالى للمزاوجة والمشاكَلة، ولا يجوز إطلاقها عليه تعالى ابتداءً؛ لِمَا فيه من إيهام الذَّم، وكأن هذا القائل غافل عن قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]).
وأكثر ما يكون هذا في القصص القرآنية:
ومن أمثلة ذلك ما جاء في آخر تفسير قصة اَدم في سورةْ البقرة، حيث قال: (وأمَّا ما قيل: إنه أخطأ في اجتهاده، حيث ظنَّ أن الإشارة إلى عينِ تلك الشجرةِ فأكل غيرها من ذلك النوع، وكان الإشارةُ إلى النوع، فمردودٌ بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا
[ المقدمة / ٥٧ ]
رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ الآيةَ [الأعراف: ٢٠]؛ لأنَّه صريح في أنه كان الإزلال في المنهيِّ عنه).
ومن الأمثلة الحسنة عليه ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] حيث قال: (وكونُ السجود لله تعالى على أن يكون آدمُ ﵇ قِبلةً يَردُّه قوله تعالى نقلًا عن إبليس: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] لأن الاعتراض بكونه طينًا إنما يتَّجه أنْ لو كان مسجودًا حقيقةً لا قبلةً للسجدة كالكعبة شرَّفها الله تعالى).
وفي تفسير ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] أوردَ قيلًا وردَّه بالطريقة نفسِها فقال: (وقيل: قام عند الباب فناداهما. ويردُّه قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٥] لأن الوسوسة لا تُجامِع النداء).
ثم قيلًا ثانيا فقال: (وقيل: أَرسل بعضَ أتباعه فأزلَّهما. ورجِّح هذا الوجهُ بأنهما يَعْرفانه، وَيعْرفان ما عنده من العداوة والحسد، فيستحيل في العادة أنْ يقبَلا قوله).
قال: (ويردُّه قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] لأنَّه صريحٌ في مباشَرة الشيطان للإزلال، والله أعلمُ بحقيقة الحال).
وعند تفسير: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢] قال: (قيل: والمراد: إلى جنبك تحت العَضُد، دل على ذلك قوله: ﴿تَخْرُجْ﴾. ويردُّه قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ﴾ [النمل: ١٢] لأنَّه صريح في أنَّ المراد الدُّخول في الجيب والخروج منه).
[ المقدمة / ٥٨ ]
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه: ٧٣]: مِن تعلُّمه .. وقيل: من العمل به في معارضة المعجزة؛ لِمَا روي ألَهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائمًا، ففعلَ، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر؛ لأنَّ السَّاحر إذا نام بطل سحرُه، فأبى إلَّا أن يعارضوه.
ويردُّه قوله تعالى: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١]، فإنَّه ظاهر في الرِّضا، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤]، فإنَّ الظَّاهر منه عدمُ علمهم بشأن موسى ﵇.
ومثلُه في رد بعض الأخبار الواردة في تفسير آيةٍ بدلالةِ آيةٍ أخرى ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١ - ١٢] قال: (قيل: لَمَّا نُودِيَ: ﴿يَامُوسَى﴾، قال: مَن المتكلِّم؛ فقال اللهُ تعالى جلَّتْ عظمتُه: ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾، فوسوس إليه الشَّيطان: لعلَّك تسمع كلام الشَّيطان، فقال: أنا عرفْتُ أنَّه كلام الله تعالى بأني أسمعه من جميع الجهات، وأسمعه بجميع أعضائي).
ثم تعقبه بقوله: (قوله: أسمعه من جميع الجهات، يردُّه قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]؛ فإنَّه صريح في سماعه النِّداء من جهةٍ واحدةٍ، لا مِن جميع الجهات).
والخبر المذكور أورده البيضاوي وغمز فيه الآلوسي بقوله: في صحة الخبر خفاء، ولم أر له سندًا يعوَّل عليه.
[ المقدمة / ٥٩ ]
ومن ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ قال: (وأمَّا ما قيل: الباء مزيدة، والمعنى: فاتبعهم فرعون جنودَه. فمبناه الغفول عن قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ [يونس: ٩٠]، ثمَّ إنَّ فيه إيهامَ عدم اتِّباع فرعون بنفسه).
ومن ردِّ الأقوال بالآيات أيضًا: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ قال: (قيلَ: (أوجسَ) بمعنى: أضمَرَ. ويردُّه قولُه تعالى في سورة الحجر: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢].
وأحيانا يستعمل الأسلوبين، أعني إثبات قول وإبطال آخر بدلالة آياتٍ أُخَر:
ومن أمثلته قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ أي: بالماء لأنَّه أقرب لفظًا ومعنًى، لا إلى البلد على أن الباء للظرفية؛ لقوله: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ فإن جميع أنواعها لا يخرج في البلد، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] صريح في المعنى الأول، والقرآن يفسِّر بعضه بعضًا).
وفيه ردٌّ خفي على البيضاوي في تجويزه عود الضمير إلى البلد، حيث قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾ بالبلد أو بالسحاب أو بالسَّوق أو بالريح، وكذلك: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ ويحتمل فيه عود الضمير إلى الماء …).
وفي تفسير: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ قال: (أي: نخاف أن يَعْجَل علينا بما يَحول بيننا وبين إتمام الدَّعوة وإظهار المعجزة …).
[ المقدمة / ٦٠ ]
ثم قال: (وإنَّما قلنا: (بما يحول)، ولم نقل: (بالعقوبة) كما قيل؛ لأنَّه مردود بقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: ٣٥]، فإنَّه مذكور قبل قولهما هذا، بدلالة قوله: ﴿سَنَشُدُّ﴾، وقد دلَّ على أنهما محفوظان من عقوبته).
والأمثلة على هذا كثيرة لا تنتهي، ولكن ما ذكرناه كافٍ في بيان المراد، والتعريفِ بسعةِ علم المؤلف، وقوةِ عقله، وأسلوبه الفريد في جمع الآيات والربط فيما بينها.
* * *