وقد نقل عنه جمع من كبار العلماء، وفي نقولهم زيادة تأكيد في نسبة الكتاب للمؤلف، فممن نقل عنه العلَّامة الآلوسيُّ في "روح المعاني" في كثير من المواضع، مع التصريح أحيانًا بأن النقل من "تفسير ابن كمال باشا"، كقوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]: وذكر ابن كمال في "تفسيره" لبيان الموصول صفية وجُوَيْريَة (^١).
وكذا نقل عنه الشهاب الخفاجي في حاشيته على البيضاوي المسماة: "عناية القاضي وكفاية الراضي"، لكن يلاحظ في نقله عدة أمور:
منها: أنه لم يعين المؤلف بالاسم ولا تفسيره لكن من الواضح أن النقل من التفسير، هذا مع العلم أنه قد نقل عنه من كتب أخرى وسماه.
ومنها: أن الغالب في نقله عنه أنه ينقلُه ليردَّه ويدافعَ عن البيضاوي فيما ذهب إليه، فمن الأمثلة على ما ذكرناه:
ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢] قال المؤلف: (وقراءةُ (زيَّن) على البناء للفاعل و(الحياةُ) بالنصب (^٢) على الإسناد المجازيِّ، فإنه تعالى أمهَل المزيَّن له فجَعل إمهاله تزيينًا، أو زَّينها حتى استحسَنوها وأحبُّوها، ومَن قال: المزيِّن في الحقيقةِ هو الله تعالى إذ ما من شيءٍ إلا وهو فاعلُه، أخطأ في المدَّعى وما أصاب في الدليل …). ثم بيَّن كلَّ واحد منهما.
_________________
(١) انظر: "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني" (٢١/ ٣٨٦).
(٢) وهي قراءة شاذة كما سيأتي في مكانه.
[ المقدمة / ١٥ ]
وهذا الكلام تعقَّب المؤلف فيه البيضاويَّ حيث قال في "تفسيره": والمزيِّن في الحقيقة هو الله تعالى؛ إذ ما من شيء إلا وهو فاعله، وَيدلُّ عليه قراءة (زَيَّنَ) على البناء للفاعل.
وقد نقل الشهاب في الحاشية كلام المؤلف بحرفه تقريبًا ثم رده بقوله: وهذا كله من عدم التأمل؛ لأن الله تعالى نسب التزيين إلى نفسه في مواضعَ؛ كقوله: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل: ٤] وفي مواضعَ إلى الشيطان كقوله: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] وفي مواضع ذكَره غيرَ مسمًّى فاعله كما هنا، فالتزيين إن كان بمعنى إيجادها وإبداعها ذاتَ زينة كما في قوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] فلا شك أنّ فاعله هو الله عند النحويين والمتكلمين، وإن كان بمعنى التحسين بالقول ونحوه من الوسوسة كقوله تعالى: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٣٩] فلا شك أنَّ فاعله عندهما الشيطان …) إلى آخر ما قال (^١).
ومن ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فقد ذكر المؤلف في تفسيرها كلامًا نقله كلٌّ من الشهاب والآلوسي، وقد عزاه الآلوسي لبعض الأجلَّة، وبينما أطال الشهاب في تعقُّبه، اقتصر الآلوسي على القول: (وفيه ما فيه، فتأمل) (^٢).
وإياه أراد الآلوسي بقوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ
_________________
(١) انظر: "حاشية الشهاب" (٢/ ٢٩٨).
(٢) انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ١٦٤)، و"روح المعاني" (٢١/ ٢٢٤).
[ المقدمة / ١٦ ]
فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام: ١٦]: وقال بعض الكاملين: إن ما في النظم الجليل نظير قوله ﷺ: "لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" يعني: بالشراء المذكور، وإن اختلاف العنوان يكفي في صحة الترتيب والتعقيب (^١).
فإن قائل ذلك هو المؤلف قاله عند تفسير الآية المذكورة.
* * *
_________________
(١) انظر: "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني" (٣/ ٤٠٥).
[ المقدمة / ١٧ ]