ظل ابن كمال باشا ﵀ ينهل من العلم، ويتقلب بين أفاضل العلماء في مصره، حتى اكتمل تكوينُه العلميُّ، وصار من أكابر علماءِ عصره، وبلغَ في العلم منزلةً يُشارُ إليه بالبنان، فكان مُتقنًا للُّغةِ الترُّكيةِ والعربيَّة والفارسيَّة، له في كلٍّ منها مصنفاتٌ تدلُّ على علوِّ كعبه وتقدُّمه في علوم كثيرة، ما جعله يتقلب في مناصب التدريس والقضاء والإفتاء حتى وصل إلى أرفع منصب علمي في السلطنة.
ففي سنةِ (٩١١ هـ) صار مُدرِّسًا بمدرسة علي بك الشهيرةِ بالمدرسة الحجريَّة بأدرنةَ، بثلاثين درهمًا يوميًّا، وكُلِّف في الوقت نفسه من السلطانِ بايزيدَ الثاني أن يكتب تاريخ الدولة العثمانيَّة، بتوصيةٍ من عبد الرَّحمنِ بن عليِّ بن المُؤيَّدِ (٩٢٢ هـ)، وكانَ قاضيًا بالعسكرِ المنصور في ولايةِ أناطولي آنذاك، ولأجلِ ذلك أعطَى له السلطانُ ثلاثين ألفَ درهمٍ، وقد قام العلَّامةُ ابنُ كمال بهذه المُهمَّة خيرَ قيام، فكتب "تواريخَ آلِ عُثمانَ" باللُّغة التّركيَّة، بدءًا من سنةِ (٦٩٩ هـ) - وهي تاريخُ قيام الدولة العثمانيَّة، وانتهاءً إلى عامِ (٩٣٣ هـ)؛ أي: قبلَ تاريخِ وفاتِه بسبعِ سنينَ.
وفي سنةِ (٩١٧ هـ) وليَ التَّدريسَ بمدرسةِ إسحاق باشا بمدينة أسكوبَ في البلاد اليونانيَّة، بأربعين درهمًا يوميًّا.
وفي سنة (٩١٨ هـ) وليَ التَّدريس بالمدرسةِ الحلبيَّة بأدرنةَ، بستِّين درهمًا يوميًّا.
[ المقدمة / ١٣٣ ]
ثُمَّ صار مُدرِّسًا بإحدى المدرستين المُتجاورتينِ بأدرنةَ.
وبعدَها بإحدى المدارسِ الثَّمانِ بإستانبولَ.
إلى أن أصبحَ مُدرِّسًا بمدرسةِ السلطان بايزيدَ الثاني بأدرنةَ، وهي من أكبرِ المدارسِ العثمانيَّة آنذاك.
وفي سنةِ (٩٢٢ هـ)، بعدَ عودةِ السلطانِ سليمٍ الأوَّل من سفرِه إلى جالدِرانَ، صارَ قاضيًا لأدرنةَ.
وفي السَّنةِ نفسِها جعلَه السلطانُ سليمٌ الأوَّلُ قاضيًا بالعسكرِ المنصور في ولايةِ الأناضول، وذلك قبلَ (٤) جُمادَى الأولى من سنة (٩٢٢ هـ)، وهو تاريخُ خروجِ السُّلطانِ سليمٍ الأوَّلِ إلى القاهرة، وكان هو مع السلطانِ في هذا السَّفر، وعلى ذلك المنصبِ.
وفي أثناءِ وجوده بمصر مع السُّلطانِ أُسندَ إليه الإشرافُ على تنظيمِ الأمورِ فيها.
وعند عودةِ السلطان من القاهرةِ سنةَ (٩٢٤ هـ (أُسندَ إليه الإشرافُ على تنظيمِ الأمورِ المِلْكيَّةَ وتحريرِها بمدينةِ قونيَة.
ويرَى البعضُ - ومنهم الكفوي كما تقدم - أنَّه عُزلَ من القضاءِ بالعسكرِ المنصورِ في ولايةِ الأناضُول في سنةِ (٩٢٥ هـ) بوشايةٍ من حُسَّادِه إلى السُّلطانِ، في حين يرَى آخرونَ أنَّه اعتزلَ من المنصب بطلبٍ منه.
وفي السَّنةِ نفسِها - أي: (٩٢٥ هـ) - عُيِّن مدرِّسًا في مدرسة دارِ الحديث بأدرنةَ، وعُيِّن له كلَّ يوم مئةُ درهم.
[ المقدمة / ١٣٤ ]
ثُم أعطاه السلطانُ سليمان القانونيُّ مدرسةَ جدِّه السلطان بايزيد خان الثاني للمرة الثانية بمدينة أدرنةَ، وذلك بعد سنةِ (٩٢٦ هـ)، ومكثَ فيها إلى أن صار مفتيًا بالقُسطنطينيَّة؛ أي: مُفتي الخلافة العليَّة العثمانيَّة، فكان شيخَ الإسلامِ في الدولة العثمانيَّة، وذلك بعدَ وفاة المولَى علاءِ الدِّينِ عليٍّ الجماليِّ الشهيرِ بزنبيلي علي أفندِي في سنة (٩٣٢ هـ).
ولم يزَل في منصبِ الإفتاءِ معزَّزًا مكرَّمًا محترمًا مقبولًا عند الخاص والعام، ونالت عقود الفضل في زمانه حسن النظام، إلى أن توفِّي ﵀ في عهدِ السُّلطانِ سليمانَ القانونيِّ.
* * *
[ المقدمة / ١٣٥ ]