وهذه المآخذُ منها ما يتعلق بالاستدلال بالأحاديث الموضوعة أو التي لا تعرف، ومنها ما يتعلق ببعض الآراء التي خالف فيها المؤلف العلماء وردوا عليه فيها، ومنها ما تابع عليه غيرَه في سهو أو خطأ، ومنها غير ذلك.
فمن استدلاله بالأحاديث التي لا أصل لها: قوله في مستهلِّ سورة البقرة في تفسير ﴿الم﴾ بعد أن ذكر الوجه الأوجه فيها: والمرويُّ عن الصَّدر الأوَّل في التهجِّي أنَّها أسرارٌ بينَ الله تعالى ونبيِّه، وقال بعضُ الكُمَّلِ: قد يجري بينَ المحرمينِ كلماتٌ مُعمَّاةٌ تُشير إلى سرٍّ بينَهما.
قال: والمقطَّعاتُ في أوائل السُّورِ من هذا القَبيلِ، فإنَّه تعالى قد وضَعَها مع نبيِّه ﵇ في وقتٍ لا يسعُهُ فيه ملَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسَل، ليَتكلَّم بها معه على لسان جِبْرائيلَ ﵇ بأسرارٍ وحقائقَ لا يطَّلعُ عليْها جبرائيل ﵇، ويدلُّ على هذا ما رُوي في الأخبار أنَّ جبرائيل ﵇ لمَّا نَزلَ بقوله تعالى: ﴿كهيعص﴾، فلما قال: كاف، قال النبيُّ ﷺ: "علمتُ"، فقال: ها، قال: "علمتُ"، فقال: يا، قال: "علمتُ"، فقال: عين قال: "علمتُ"، فقال: صاد، قال: "علمتُ"، فقال جبرائيلُ ﵇: كيفَ علمتَ ما لم أعلمْ؟
وهذا الخبر لم أجده في كتاب من كتب الحديث ولا غيره، فلا يصلح هذا حجة لما قاله المؤلف؛ لأن مثله يحتاج لدليل صحيح ثابت.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ
[ المقدمة / ١٠١ ]
تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] قال: وإنَّما ذكر آلة العلم في مقام الامتنان والحثِّ على الشكر دون آلة القدرة تعظيمًا للعلم، وتنبيهًا على أنَّ المقصود من خلق ابن آدم - بل من إيجاد العالم - هو العلمُ، على ما عُلم من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: ليَعْرِفون، ومن قوله ﵇: "كنت كنزًا مخفيًّا فأحببْتُ أنْ أُعْرَفَ … " الحديث.
وهذا الحديث قال عنه الزركشي في " اللآلئ المنثورة": قال بعض الحفاظ: ليس هذا من كلام النبي ﷺ ولا يعرف له إسناد صحيح ولا ضعيف (^١).
ومن ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] استَدل بحديث نسبه إلى النَّبيِّ عليه الصلاة السلام أنه قال: "اليمين للوضوء واليسار للاستنجاء ".
والحديث بهذا اللفظ لم أقف عليه، وإن كانت قد وردت أحاديث كثيرة لاستحباب استخدام اليمين في الوضوء وما يستحسن، والنهي عن استخدامها في الاستنجاء.
وفي الكلام عن صلاة الخوف في سورة النساء ذكر مذهب أبي حنيفة: أنه يُتمُّ صلاتَه إن كانت ركعتين، ثم تقف هذه بإزاء العدوِّ وتأتي الأخرى فتؤدي الركعةَ بغير قراءةٍ لأنهم لاحقون، ويُتمُّون الصلاة ثم يَحرسون، وتأتي الأخرى فتؤدي الركعة بقراءةٍ لأنهم مسبوقون ويُتمون الصلاة.
ثم ختم ذلك بقوله: كذلك رواه ابن مسعود وابن عمر ﵃.
_________________
(١) انظر: "اللآلئ المنثورة" (ص: ١٣٦).
[ المقدمة / ١٠٢ ]
وفي نسبة ما ذكر لحديث ابن مسعود وابن عمر نظر، فليس في حديثهما هذه الهيئة من التنصيص على أن الأولى قضت بلا قراءة والأخرى بقراءة، وإنما هو شيء عزاه الميرغيناني لخبر ابن مسعود، والصواب أنه من كلام أبي حنيفة كما في "أحكام القرآن" للجصاص و"المحلى" لابن حزم وقال ابن حزم: وهي زيادة لم تعرف عن أحد من الأمة قبله (^١).
قلت: وحديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم وأبو داود، وحديث ابن مسعود رواه أبو داود (^٢).
ومما يؤخذ عليه أيضًا عدمُ تمكنه من معرفة الحديث، فيجعل كلام التابعي حديثًا كما في تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، حيث قال في آخرها: فالآيةُ جامعةٌ للكمالات الإنسانيَّة بأسرها، وإليه أشار النبيُّ ﵇ في قوله: "مَن عَمِلَ بهذه الآيةِ فقد استكْمَلَ الإيمان ".
ولم نجده حديثًا بل رواه ابن أبي شيبة عن أبي ميسرةَ قوله (^٣).
وأحيانا يقع في عكس هذا حيث ينسب الحديث المتفق عليه لكلام صحابي، كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] قال:
_________________
(١) انظر: "أحكام القرآن " للجصاص (٢/ ٢٥٧)، و"المحلى" لابن حزم (٥/ ٣٩)، و"الهداية" مع "فتح القدير" (٢/ ٩٧)، و"نصب الراية" (٢/ ٢٤٣).
(٢) انظر تخريجه في موضعه من التفسير.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٩٠).
[ المقدمة / ١٠٣ ]
أي: حبِّ المال والشُّحِّ به كما قال عليٌّ ﵁ لمَّا سُئل: أيُّ الصدقة أفضلُ؟: أن تؤتيه وأنت صحيحٌ شحيح تأمُلُ العيش وتخشَى الفقر.
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ (^١).
وقد ينسب الصحة إلى الحديث الضعيف كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ قال: وما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ على ما خرَّجه الترمذي - وقال فيه: حسن صحيح - من قوله ﵇: "لِسُرادق النَّار أربع جُدُرٍ … " يعضدُ ما ذكرنا.
والحديث المذكور قد رواه الترمذي كما قال، لكنه ما صححه ولا حسنة، بل أشار لضعفه بقوله: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد، وفي رشدين مقال، وقد تُكُلِّم فيه من قِبَل حفظه (^٢).
والمؤلف في نقل التصحيح عن الترمذي تابع في ذلك القرطبي (^٣).
ومما يمكن أن يؤخذ عليه في هذا الباب أيضًا: هو رد الحديث الصحيح بعقله، كما في قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] قال: مَوثقًا أن يؤتيَه ذلك، روي أن خبَّاب بن الأرتِّ صَاغَ للعاصِ بنِ وائل حَلْيًا، فاقتضاهُ الأجرَ، فقال: إنَّكم تزعمون أنَّكم تُبعَثون وأنَّ في الجنة ذهبًا
_________________
(١) رواه البخاري (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢)، وفيهما: "تخشى الفقر وتأمل الغنى"، وفي رواية لمسلم: " وتأمل البقاء".
(٢) "سنن الترمذي" (٢٥٨٤).
(٣) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٦٢).
[ المقدمة / ١٠٤ ]
وفضَّة فأنا أَقضيكَ ثَمَّ؛ فإني أُوتى مالًا وولدًا حينئذٍ.
ثم تعقبه بقوله: وفيه أن قوله: وولدًا، لا يناسب المقامَ ومساقَ الكلام حينئذ.
وهذا الكلام مردود لأن الحديث متفق عليه (^١)، ولعله ظنه من الأخبار التي يذكرها الزمخشري ولا يعرف لها إسنادٌ، حيث إنه نقله عن الزمخشري.
ومن هذا الباب ما قاله عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١]: أنَّثَ الضَّمير على تأويل الجنَّة أو الطَّبقة، فإنَّه أوسط الجنان وأعلاها طبقةً، ومن هنا تبيَّن أنَّ ما قيل: إنَّهم يرثون من الكفَّار منازلهم فيها حيث فوَّتوها على أنفسهم لأَنه تعالى خلق لكلِّ إنسان منزلًا في الجنَّةِ ومنزلًا في النَّار - لا يُناسِبُ المقامَ.
كذا قال، وفي كلامه نظر، فقد رد به تفسيرًا مرفوعًا للنبي ﷺ، رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهلُ الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ " (^٢). وصحح إسناده القرطبي وابن حجر، ولذلك فقد قال الآلوسي بعد ما أتبع الحديث بما اختاره المؤلف ورجحه من أن الإرث مستعار للاستحقاق في نه أقوى أسباب
_________________
(١) رواه البخاري (٢٥٩١)، ومسلم (٢٧٩٥)، والترمذي (٣١٦٢)، من حديث خباب ﵁.
(٢) رواه ابن ماجه (٤٣٤١).
[ المقدمة / ١٠٥ ]
الملك: واختير الأول لأنَّه تفسير رسول الله ﵊ على ما صححه القرطبي.
قلت: ولعل المؤلف اغترَّ بصنيع البيضاوي حيث قدم ما اختاره المؤلف، وأخر القول بالحديث المرفوع مقدِّما له بـ (قيل) على عادته في تضعيف ما لا يرتضيه من أقوال.
ومما تابع عليه البيضاوي أيضًا قوله في سورة الحجر: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ بالياء مسندًا إلى ضمير اسم الله تعالى.
فتابع المؤلف البيضاوي في قوله: "بالياء مسندًا … "، وأُورد عليه: أنَّ قراءة الياء لم يقرأ بها أحد من العشرة، ولم توجد في الشواذ أيضًا، بينما بنى البيضاوي تفسيره عليها، وحكى قراءة السبعة بصيغة التمريض. قال الآلوسي: وهو خلاف ما سلكه في تفسيره، ولعله ﵀ قد سها (^١).
وتابع الزمخشريَّ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَار﴾ [الأحزاب: ١٥] فذكر عن ابن عباس ﵄ قوله: عاهدوا رسولَ اللهِ ﵇ ليلةَ العقبةِ أن يمنعوه ممَّا يمنعون منه أنفسهم.
فقول ابن عباس هذا قد نقله من "الكشاف"، وفيه نظر من جهتين:
الأولى: في نسبته، فقد ذكره السمعاني والثعلبي والبغوي في تفاسيرهم
_________________
(١) انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٥/ ٢٨٤)، و"حاشية القونوي على البيضاوي" (١١/ ١٢٢)، و"روح المعاني" (١٣/ ٤٣٠)
[ المقدمة / ١٠٦ ]
عن مقاتل والكلبي لا عن ابن عباس، فنسبته لابن عباس لا تصح؛ وحتى لو كان من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس فلا يصح.
وأما الثانية: ففي معناه، فقد قال السمعاني والبغوي: وهذا القول ليس بمرضيٍّ؛ لأن الذين بايعوا النبي ﷺ ليلة العقبة لم يكن فيهم شاك ولا من يقول هذا القول.
ومن ذلك متابعة الزمخشري والبيضاوي في التصدير بالقراءة الشاذة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٠] بالتاء. ثم قال: (وقرئ بالياء …)، ففي هذا تأكيد على أن المصدَّر بها هي القراءة بالتاء، وهي قراءة شاذة تنسب للحسن بن أبي الحسن، أما المتواتر فهو القراءة بالياء، وكان الأولى بالمؤلف ﵀ تقديم القراءة المتواترة، لكنه تابع الزمخشري والبيضاوي في التصدير بقراءة الحسن، على عكس أبي حيان والآلوسي اللذين سلكا الجادة في تقديم المتواتر ثم الإشارة إلى الشاذ.
ولا يخلو الأمر من بعض أوهام وقعت له هو نفسه، فمن ذلك: قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨]: أُعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضيِّ؛ لأنَّها حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، ولم يُقصد الإخبار عن فعل الكلب، وعند الكسائي وهشامٍ، وأبي جعفرٍ من البصريين: كونُه بمعنى المضيِّ غيرُ مانعٍ من العمل.
فقوله: (من البصريين) لعله وهم منه ﵀، فالذي في "البحر المحيط" والكلام منه: (ذهب الكسائي وهشام ومن أصحابنا أبو بجعفر بن مضاء)، فلعل
[ المقدمة / ١٠٧ ]
المؤلف استبدل (من أصحابنا) بـ (من البصريين)، والصواب والله أعلم أن مراد أبي حيان بأصحابه هو: الأندلسيون، فأبو جعفر المذكور هو أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مضاء اللخمي، وهو قرطبي جَيَّانيُّ الأصل توفي بإشبيلية سنة (٥٩٢ هـ)، وكان محدثًا مقرئًا مجتهدًا في العربية.
ومما يمكن أن يعدَّ من الأوهام وأن يعدَّ من تحريف النساخ ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣] حيث قال: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ صفة لـ ﴿خَالِقٍ﴾، أو تفسير لعامله إنْ جعلتَه مرفوع المحلِّ بإضمار فعلٍ لا با لابتداءِ، أي: هل يرزقُكُم مِن خالقٍ، أو استئنافٌ دلَّ على أنْ لا خالقَ غير الله، وعلى وجوب شكر نعمتِه، فهو أحسنُ الوجوه، وعلى الوجهَيْن الأخيرَيْن لا محلَّ له من الإعراب ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ جملة منصوبة مثل ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ في الوجه الثَّالثِ ..
قوله: (منصوبة) كذا جاء في أكثر النسخ، وفي إحداها: (منصوب)، وكلاهما تحريف، مع وقوع سقط بعدها يجعل الكلام غير مستقيم، وصواب العبارة كما في "الكشاف" والكلام منه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ جملة مفصولة لا محل لها، مثل: يرزقكم في الوجه الثالث. اهـ. فتأمل.
ومن أكثر الأمور التي تعقبوه فيها وعدُّوها من غرائبه كلامه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ [فاطر: ١١] فإنه بعد أن ذكر أنه مِن بابِ تسميةِ الشَّيءِ بما يَؤُولُ إليه، أي: وما يعمَّرُ مِن أحدٍ، لرجوع الضَّمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ إليه، والنُّقصانُ مِن عُمرِ المعمَّرِ مُحالٌ، فهو مِن التَّسامحِ في العبارة ثقةً بفهم السَّامع.
[ المقدمة / ١٠٨ ]
عقبه بقوله: هذا بحسب الجليل مِن النَّظر، وأمَّا النَّظرُ الدَّقيقُ فيَحكم بصحَّة أنَّ المعمَّر - أي: الذي قُدِّرَ له عمرٌ طويلٌ - يجوز أنْ يبلغَ حَدَّ ذلك العمرِ وأنْ لا يبلغَ عمرَه، فيزيدُ عمرُه على الأوَّل وينقص على الثَّاني، ومع ذلك لا يلزمُ التَّغييرُ في التَّقدير، وذلك لأنَّ المقدَّرَ لكلِّ شخصٍ إنَّما هو الأنفاس المعدودة، لا الأيَّام المحدودة والأعوام الممدودة، ولا خفاء في أنَّ الأيَّام قَدْرٌ مِن الأنفاسِ يزيدُ وينقصُ بالصِّحة والحضور والمرض والتَّعب. ثم ختم كلامه هذا بقوله: فافهم هذا السِّرَّ العجيبَّ.
ويضاف إلى هذا ما كتب بهامش أكثر النسخ الخطية: (حتى ينكشف لكَ سِرُّ اختيار حبس النفس، ويتضح وجه صحة قوله ﵇: الصَّدقة والصِّلة تعمران الدِّيار وتزيدان في الأعمار. منه).
وقول المؤلف قد نقله الشهاب في "الحاشية على البيضاوي" مشنعًا عليه فيما ذهب إليه، لكنه لم يسمه، بل قال: ومن العجيب ما قيل هنا: إنَّ المعمر المقدَّر له عمر طويل، وهو يجوز فيه أن يبلغ فيه حدّ ذلك العمر وأن لا يبلغه … - إلى آخر كلام المؤلف - وعدَّه سرًّا دقيقًا، وهو مما لا يعوِّل عليه عاقل، ولم يقل به أحد غير بعض جهلة الهنود، مع أنه مخالف لما ورد في الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ لأم حبيبة ﵂ وقد دعت بطول عمر: "سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة"، وقد أطال المحشي فيه وفي رده وهو غنيٌّ عنه. اهـ.
أما الآلوسي فقد نقل كلامه أيضا معيِّنا إياه باسمه، ونقل كذلك ما ذكر في
[ المقدمة / ١٠٩ ]
حواشي النسخ الخطية، مصدِّرًا كلَّ ذلك بالتعجُّب منه، ومتعقِّبا إياه بما أوردناه من ردِّ الشهاب، وهو - والله أعلم - الموافق للصواب.
ومما قد يؤخذ عليه أيضًا المبالغةُ في الاختصار بحيث يَغمض المعنى ولا يظهر عود الضمائر، فنضرب عليه مثالًا ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]، قال: ﴿يَلْعَبُونَ﴾: حالٌ من ﴿ذَرْهُمْ﴾، ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ صلةٌ له، أو لـ ﴿يَلْعَبُونَ﴾، أو حال منه، أو من ﴿خَوْضِهِمْ﴾ وهو صلة لـ ﴿ذَرْهُمْ﴾.
فقوله: (حالٌ من ﴿ذَرْهُمْ﴾ الأَولى أن يقوله: (حال من مفعول ﴿ذَرْهُمْ﴾) كما هي عبارة "البحر".
وقوله: (و﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ صلةٌ له)؛ أي: صلة لـ ﴿ذَرْهُمْ﴾.
وقوله: (أو حال منه)؛ أي: ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ حال من الضمير في ﴿يَلْعَبُونَ﴾.
وقوله: (أو من ﴿خَوْضِهِمْ﴾؛ أي: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ حال من ضمير ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾.
كل هذا واضح في عبارات "الكشاف" و"البحر المحيط".
ومن الأمثلة على ذلك أيضًا ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا﴾ [الأعراف: ١٨] قال: ﴿مَذْءُومًا﴾ مِن ذَأَمه: إذا ذمَّه، وقُرئ: (مَذُومًا) كمَسُولٍ في مسؤولٍ، أو مَكُولٍ في مكيلٍ مِن ذامه يَذيمه ذَيْمًا.
ومعنى الكلام: أن فيه على هذه القراءة وجهين كما قال الآلوسي، ولفظه: فيه احتمالان: الأول أن يكون مخففًا من المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن
[ المقدمة / ١١٠ ]
ثم حذفها، والثاني أن يكون من ذام بالألف كباع، وكان قياسه على هذا: مذيم كمبيع، إلا أنه أبدلت الواو من الياء على حد قولهم: مكول، في مكيل، مع أنه من الكيل (^١).
ومما قد يؤخذ عليه أيضًا قلة التحري في اللغة أحيانًا كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] قال: وقرئ بفتح الشين وضمِّها، أمَّا الأولُ: فمِن الرَّشَد بالفتح، يقال: رَشِدَ يَرْشَدُ رَشَدًا فهو رَشيدٌ، مِن حدِّ عَلِمَ، وأمَّا الثاني: فمِن الرُّشْد بالضم، يقال: رَشَدَ يَرشُدُ رُشْدًا فهو راشدٌ، من حدِّ دَخَل.
فقوله: (من حد علم) يعني في الماضي والمضارع فقط، أما المصدر فمختلف كما هو ظاهر، وكان الأجدر أن يقول: من حد طَرِبَ - كما في "مختار الصحاح " - فهو المطابق له في كل التصريفات.
وقوله: (من حد دخل) يعني في الماضي والمضارع، أما المصدر فمختلف كما هو ظاهر، ولو قال: رَشَد يَرْشُدُ من حدِّ دَخَل رُشْدًا - كما في "مختار الصحاح " لكنه مثَّل بقعد يقعد - لكان أدق وأولى.
فهذه أمثلة على بعض الملاحظات التي يمكن أن تؤخذ على هذا الكتاب، لكنها لا تَغضُّ من قيمته ولا تَحطُّ من مكانته، ولا تُذكر إلى جانب ما حواه من الفوائد، واشتمل عليه من النكت والعوائد.
* * *
_________________
(١) انظر: "روح المعاني" (٩/ ٥٥).
[ المقدمة / ١١١ ]