يكفي العلامةَ ابنَ كمال باشا أنه لما دخل القاهرة منبع العلماء وملتقى الأدباء ومنتهى الفضلاء، أُعجب علماؤها بفصاحةِ لسانه، وحُسنِ كلامِه، وبلاغةِ بيانِه، وأقرُّوا له بالفضلِ والكمالِ، وأجازَ له بعضُ علماءِ الحديثِ بها، وأفادَ واستفادَ، وحصَّلَ بها علوَّ الإسنادِ، وشُهدَ له بالفضائلِ الجمَّة، والإتقانِ في سائرِ العلوم المُهمَّة، وكانوا يذكرونه بغايةِ التَّبجيل والإجلال (^١).
وقد صارَ للعلَّامةِ ابنِ كمال اليدُ الطولى في علوم العربيَّة والتفسير والكلام، وما مؤلفاته إلا شواهد ناطقةٌ بتقدمهِ فيها وعلوِّ كعبه بين من يعانيها، وإجالةُ نظرٍ عَجْلى على بعض فيها توقِفُ المرءَ على مكانتهِ العلميَّة الرفيعة، ومن هنا فإنَّنا لا نرى داعيةً إلى الموازنة بين العلامةِ ابنِ كمال باشا وغيرهِ من العلماء؛ كالسّيوطي وأبي السُّعود وطاشكُبري زاده وغيرهم ممن كان في عصره أو يقرُب منه؛ فلكلِّ واحدٍ من العلماء فنّ أتقنهُ وعُرف به، وشاركَ في غيره من الفنونِ وكتبَ فيها وإنْ لم يكن ممن برز فيها.
فالعلامةُ ابنُ كمال ﵀ أراد أن يبرزَ في العلوم النقلية كما السُّيوطي لكنه وقف دون غايته، والسُّيوطي أرادَ أن يبرز في العلوم العقليَّة فما وصل إلى مَرامه، ونرى أنَّ الموازنة بينهما - إنْ تمت - تكون في كثرةِ التَّأليف وقوةِ التَّحرير بوجهٍ عام، وفي ترجيحِ كفة أحدِهما على الآخَر هاهنا تختلفُ الأنظار (^٢).
_________________
(١) انظر: "كتائب أعلام الأخيار" للكفوي (٤/ ٣٩٠).
(٢) انظر: "مقدمة مجموع رسائل العلامة ابن كمال باشا". ط دار اللباب.
[ المقدمة / ١٤٩ ]
فقد ذهبَ التَّميميُّ إلى أنَّ ابنَ كمال قد حازَ السَّبقَ على السُّيوطيِّ فقال: وعندي أنَّ ابنَ كمال باشا أدقُّ نظرًا من السُّيوطيِّ، وأحسنُ فهمًا، وأكثرُ تصرُّفًا، على أنَّهما كانا جمالَ ذلك العصرِ، وفخرَ ذلك الدَّهرِ، ولم يخلُف أحدًا منهما بعدَه مثلُه، رحمَهما اللهُ تعالى (^١).
أما العلَّامةُ أبو الحسناتِ عبدُ الحيِّ اللَّكنويُّ (١٣٠٤ هـ) فقد رجَّح كفَّةَ الإمام السُّيوطيِّ، فقال عقبَ كلامِ التَّميميِّ: أقولُ: هو إن كان مساويًا للسُّيوطيِّ في سعة الاطِّلاع في الأدب والأصولِ، لكن لا يُساوِيه في فنونِ الحديثِ، فالسُّيوطيُّ أوسعُ نظرًا، وأدقُّ فكرًا في هذه الفنون منه، بل من جميعِ مُعاصرِيه، وأظنُّ أنَّه لم يُوجد مثلُه بعدَه، وأمَّا صاحبُ التَّرجمةِ فبضاعتُه في الحديثِ مُزجاةٌ، كما لا يخفَى على من طالعَ تصانيفَهما، فشتَّانَ ما بينهما كتفاوتِ السَّماءِ والأرضِ وما بينهُما (^٢).
قلت: وما قاله هذا العلامة في حقِّ ابن كمال باشا يمكن تلمُّسه في جميع مؤلفاته، حيث يظهر منها ضعفُ الصنعة الحديثية عنده، لكنه في المقابل إمام المباحث العقلية، فكم تعقب من عالم، وكم رد على إمام، وكم أبدع من مسألة، وبحث في موضوع، فأفاد فيما أبدع وأفاض فيما بحث.
وحام حول ما ذكرناه الدكتورُ حسَن عِتر ﵀، فقال بعدَ إيرادِ أقوالِ العُلماءِ في مُوازنتِهما: قلتُ: اتَّفقوا على تفضيلهما على جميع علماءِ ذلك العصر، واختلفوا في ترجيح فضلِ أحدهما على الآخر، فإمَّا أن يكون
_________________
(١) انظر: "الطبقات السنية في تراجم الحنفية" للتميمي (١/ ٣٥٧).
(٢) انظر: "الفوائد البهية" للكنوي (ص: ٢٢).
[ المقدمة / ١٥٠ ]
أحمدُ بنُ سليمانَ كالسيوطيِّ تمامًا، أو أنَّه يليه مباشرةً، فلا يتوسَّطُ بينَهما أحدٌ في العلمِ والفضل، والحقُّ أنَّ لكلٍّ منهما مزيَّتُه ورجحانُه في جانبٍ من العلوم، ولا ريبَ أنَّ السُّيوطيَّ أطولُ باعًا وأعظمُ تضلُّعًا من علوم الحديثِ، وفي كلٍّ منهُما خيرٌ عظيم، وعلمٌ غزير، رحمهما الله وجزاهما خيرًا عن الإسلام والمسلمين (^١).
هذا وذهبَ كثيرٌ من المؤلِّفينَ إلى تفضيل العلَّامة ابن كمال باشا - لانتشارِ شهرتِه العلميَّةِ في عصرِه - على أكابرِ علماءِ الشَّرقِ، أمثالِ العلَّامةِ التَّفتازانيِّ، والفاضلِ السَّيِّدِ الشَّريفِ الجُرجانيِّ، وفي هذا من المبالغةِ ما لا يخفى على باحثٍ مدقِّق، فقد أمضى العلامةُ ابنُ كمال عمرَه في العيشِ تحتَ كَنفِ عِلمَي هذين العلَمَين وأبحاثِهما، ناقلًا مُسلِّمًا، أو مُناقشًا مُتعقبًا.
كما يرَونَ تفوُّقَ العلَّامةِ أبي السُّعودِ في الأدبِ، وعظمةِ الأسلوبِ، وتناسبِ البيانِ، والأشعارِ العربيَّةِ.
وهنا لا بدَّ من الإشارةِ أيضًا أنَّ العلامةَ طاشكبري زاده قد مَضى على سَنَنِ العلامةِ ابن كمال باشا، من حيثُ كثرةُ التأليفِ والإفادةِ من كتب ابن كمال ورسائلِه، حتى إنَّ كثيرًا من أسماء كتبه ورسائله شابَهتْ رسائلَ ابنِ كمال وكتبَه، تمامًا كما ابن طولونَ مع السُّيوطي، رَحمَ اللهُ الجميع.
وبعد، فقد كثُر الثناءُ على العلامةِ ابن كمال باشا قديمًا وحديثًا، ومن
_________________
(١) مقدمة "تفسير سورة الملك" لابن كمال باشا، تحقيق: د. حسن عتر (ص: ٢٣ - ٢٤).
[ المقدمة / ١٥١ ]
أجمل ما قيل فيه قولُ العلامةِ الكَفويّ (٩٩٠ هـ) في كتابه: "كتائب أعلام الأخيار":
من لطائف صنع الله وألطافه التي جلَّت أن تُعد، وكبرت لعظم شأنها عن أن تُحد: أنه لم يُخلِ في عصر من الأعصار المدائنَ والأمصار عن ذي ذهن وقَّاد، وصاحب طبع نقَّاد، يبذُل جهده في ارتفاع ما يَرفع في الدارين قدرَه، ويطلع من أُفق النَّباهة بدرُه، فتصدَّى لاقتباس العلم ودراسته، واجتهد في صَونه عن الضياع وحراسته، وصرف همَّته إلى تجديد مراسم الشرع، وأجرى سواد الحبر في بياض الورق، ووقفَ نهمتَه على تمهيد قواعد الأصل والفرع، وسوَّد وجهَ الباطل وبيَّض مُحيَّا الحق، به كلُّ من يقتدي يسترشد ويهتدي، وما هو في عهده إلا هذا المولى، سجيَّتُه التأليف والدرس والفتوى، ولا يفتر لمحةَ ناظرٍ عن التأليف والتدريس والإفادة، يقرِّر غاية مَرامه غير مُتلعثم في كلامه:
فسَلْ عن جلايا مجدِه كلَّ شارقٍ … وطارِحْ خفايا فضله كلَّ غاسق
أضاءت سماءُ الفضل منه بثاقبٍ … تُفدِّيه سيَّاراتُ ذات الطرائق
وليس له ثانٍ من النَّاس كلَّما … علا درجاتٍ في بيان الدَّقائق
يذلُّ مصاعيبَ العلوم فتنثني … إليه هوادسُها طرو الوسائق
ويسحر في علم البيان محافظًا … على نسبٍ يزهى بها وعلائق
ومَنْ لكلام لله يُبدي كنوزَه … سواه بكشفٍ للغوامض رائق
وأنفاسُه في روض نعمان عضَّه … لواقح قد شقَّت حبوبَ الشَّقائق
[ المقدمة / ١٥٢ ]
تمر سِنُو الدُّنيا فتُخْلِد ذِكْرَه … تصانيفُ قد زانت بطون المهارق (^١)
وكذلك وصفَه العلَّامةُ الكَفويُّ بأنَّه: أستاذُ الفضلاءِ المشاهيرِ، إسنادُ العُلماءِ النَّحاريرِ، إمامُ الفروعِ والأصولِ، علَّامةُ المعقولِ والمنقولِ، كشَّافُ مُشكلاتِ الكلامِ القديمِ، حلَّالُ معضلاتِ الكتابِ الكريمِ، فارسُ ميدانِ البلاغةِ والأدبِ، ومؤسِّس طريقةِ الخلافِ والمذهب، مُفتِي الثَّقلينِ، لسانُ الفريقينِ، السائرُ تصانيفُه مسيرَ الخافقينِ، شيخُ الإسلامِ والمسلمينَ، شمسُ الملَّةِ وضياءُ الدِّينِ.
ثم قال: وله تصنيفاتٌ كثيرةٌ معتبرةٌ متداولة بينَ أيدِي العُلماءِ، ومقبولةٌ لدَى الفضلاءِ، كان يكتب ما سنح بباله الشريف بأداءٍ حسنٍ وتحريرٍ لطيف، وقد فتر الليلُ والنهارُ ولم يفتُر قلمُه، ولم يُذكَر في مجلسِه مسألةٌ من كلِّ الفنونِ إلَّا وهو كان يعلمُه.
قال: وكلُّ تصانيفِه مقبولةٌ بينَ الأعيانِ، مُتداولَةٌ بينَ أهالِي الزَّمانِ، وكان عددُ رسائلِه قريبًا من مئةِ رسالةٍ، كلٌّ منها جامعةُ الفوائد، عامَّةُ العوائد.
وبالجملةِ أنسَى ﵀ ذكرَ السَّلفِ بينَ النَّاسِ، وأحيا رباعَ العلمِ بعدَ الاندراسِ، وكان من مفرداتِ الدُّنيا، ومنبعًا للمعارفِ العُليا، شهرتُه تُغنِي عن التَّفصيلِ والإطنابِ، والحاصلُ ما من فنٍّ إلَّا وله فيه حكمةٌ وفصلُ خطابٍ (^٢).
_________________
(١) انظر: "كتائب أعلام الأخيار" للكفوي (٤/ ٣٨٩).
(٢) انظر: "كتائب أعلام الأخيار" للكفوي (٤/ ٣٨٣ - ٣٩٣).
[ المقدمة / ١٥٣ ]
وقال العلَّامةُ طاشكُبري زادَه (٩٦٨ هـ): وكان رحمَه اللهُ تعالى من العلماءِ الذين صرفُوا جميعَ أوقاتِهم إلى العلم، وكان يشتغلُ بالعلمِ ليلًا ونهارًا، ولم يفتُر قلمُه، وصنَّفَ رسائلَ كثيرةً في المباحثِ المهمَّةِ الغامضةِ، وكان صاحبَ أخلاقٍ حميدةٍ حسنة، وأدبٍ تامٍّ، وعقلٍ وافر، وتقريرٍ حسنٍ ملخَّص، وله تحريرٌ مقبولٌ جدًّا؛ لإيجازِه مع وضوحِ دلالتِه على المرادِ.
وكان ابنُ الحنائِيِّ، علاءُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ (٩٧٩ هـ) اتَّخذَ من أسماءِ المشهورينَ طبقةً في كتابِه "طبقاتُ الحنفية"، وجعلَ العلَّامةَ ابنَ كمال باشا عنوانَ طبقتِه، وإن دلَّ صنيعُه هذا على شيءٍ، فإنَّه يدلُّ على علو كعبه في العلوم، فقال: ثُمَّ انتقلَ الفقهُ إلى طبقةِ المولَى الفاضل مفتي الثقلين أحمدَ بنِ سليمانَ الشهير بابنِ كمال باشا (^١).
ووصفَه تلميذُه العلَّامةُ أبو السُّعودِ العماديُّ (٩٨٣ هـ) بأنَّه: العالمُ الرَّبانيُّ، والعارفُ الخاقانيُّ، فاضلُ الرُّومِ، والفائقُ في جميعِ العلومِ، شيخُ الخافقينِ، ومُفتِي الثَّقلينِ، ابنُ كمالٍ باشا (^٢).
وقال عنه تقيُّ الدِّينِ التَّميميُّ (١٠٠٥ هـ): الإمامُ، العالمُ، العلَّامةُ، الرُّحلةُ، الفهَّامةُ، أوحدُ أهلِ عصرِه، وجمالُ أهلِ مصرِه، من لم يُخلَف بعدَه مثلُه، ولم ترَ العيونُ مَن جمعَ كمالَه وفضلَه، كان رحمَه اللهُ تعالى
_________________
(١) انظر: "طبقات الحنفية" لابن الحنائي، المنسوب خطأ لطاشكبري زاده (٣/ ٨٢).
(٢) انظر: "رسالة في معرفة لفظ: جلبي) لأبي السعود، تحقيق: صفاء صابر مجيد البياتي، مجلة آفاق الثقافة والتراث (ص: ١٦٣ - ١٦٤) بالعراق.
[ المقدمة / ١٥٤ ]
إمامًا بارعًا في التَّفسيرِ والفقهِ والحديثِ، والنَّحوِ والتَّصريفِ، والمعاني والبيانِ، والكلامِ والمنطقِ والأصولِ، وغيرِ ذلك، حيثُ إنَّه تفرَّدَ في إتقانِ كلِّ علمٍ من هذه العلومِ، وقلَّما يُوجدُ فنٌّ من الفنونِ إلَّا وله مصنَّفٌ أو مصنَّفاتٌ، وصارَ إمامًا في كلِّ فنٍّ، بارعًا في كلِّ علمٍ، تُشدُّ الرِّحالُ إليه، وتُعقدُ الخناصرُ عليه (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: "الطبقات السنية في تراجم الحنفية" للتميمي (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦).
[ المقدمة / ١٥٥ ]