مدنية مكيةٌ في قول عكرمةَ والحسن البصري، ومدنيةٌ في قول عامةِ أهل التفسير
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
(١ - ٢) - ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الأفصح أن يُوقَفَ على (ميم) كما وقِفَ على (ألف) و(الام) كما هوَ قراءةُ أبي بكرٍ في روايةٍ عن عاصمٍ (^١).
وأطبق سائر القراءِ على فتح الميمِ بطرحِ الهمزةِ للتخفيفِ، وإلقاءِ حركتها علَيها، وهي في حكم الوقف، والهمزةُ في حكم الثابتِ.
ومَن قال: إن الحركةَ لالتقاء الساكنينِ، لم يُردْ بالساكنينِ الياءَ والميمَ مِن (ألف لام ميم) في الوقف، بل أراد بهما الميم ولام التعريفِ، فنظيرهما النون واللام في: مَن الرجل؟ فلا يَرِدُ عليه أنه غير محذور في باب الوقف ولذلك لم يُحرَّك في (لام)؛ لِمَا عرفت أنه اعتُبِرَ التقاءُ الساكنين من كلمتين، فما ذُكرَ ليس بنظيرٍ له؛ لأنَّه في كلمةٍ واحدةٍ، والفرقُ واضحٌ.
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٠)، ونسبها ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٩) لعاصم وغيره، لكن قراءة عاصم المشهورة عنه كقراءة الجماعة، وهي بفتح الميم وإسقاط الهمزة حالة الوصل.
[ ٢ / ٢٤١ ]
وأما قراءةُ الكسر فمما جوَّزها الأخفش، ولم يُنقَلْ عن أحدٍ من السبعة (^١).
﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ اسم اللهِ الأعظمُ بدلالة ما رويَ أنه ﵇ قال: "إنَّ اسم الله الأعظم في ثلاثِ سورٍ" في البقرة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي آل عمران: ﴿الم (١) (^٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]، وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] (^٣).
* * *
(٣) - ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: القرآنَ منجمًا.
﴿بِالْحَقِّ﴾ بالعدلِ، أو: بالصدق في أخباره ومواعيده، أو: بالبيِّناتِ المحقَقةِ أنه من عندِ اللهِ تعالى، وهو في موضعِ الحالِ.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (١/ ١٧٢)، ونسب ابن خالويه هذه القراءة إلى عمرو بن عبيد، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٩).
(٢) "الم": ليست في (ك) و(م).
(٣) رواه ابن ماجه (٣٨٥٦)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١٧٧) من حديث أبي أمامة ﵁، وتعيين الآيات في السور الثلاث لم يرد عند ابن ماجه، وليس من المرفوع، لكنه من أحد الرواة كما صرحت به رواية الطحاوي، وإن كان الطحاوي قد خالفه فيه. وروى أبو داود (١٤٩٦)، والترمذي (٣٤٧٨) من طريق عُبيدُ الله بن أبي زياد، عن شَهر بن حوشَبٍ عن أسماء بنت يزيد ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "اسمُ الله الأعْظَمُ في هاتين الآيتين (١) ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] وفاتحة سورة آل عمران ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وهو في "مسند أحمد" (٢٧٦١١)، لكن جاء في روايته أن الآية الأولى هي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وإسناده ضعيف لضعف عبيد الله بن أبي زياد، وشهر بن حوشب. ومع ذلك قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح!
[ ٢ / ٢٤٢ ]
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب الإلهية المُنزَّلةِ على الأنبياء السالفةِ ﵈، الحاضرةِ عندَ نزولهِ.
﴿وَأَنْزَلَ﴾ جملةً.
﴿التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ اسمان عبرانيان فلا يدخلُهما اشتقاقٌ عربيٌّ بنصِّ النحاة (^١).
ثم تكلموا فيهما على تقدير كونهما عربيين (^٢)، فالتوراةُ فَوْعَلَةٌ، أو تَفْعِلَةٌ بكسر العين، أو تَفْعَلَةٌ بفتحها، من الورى (^٣)، والإنجيل إفعيلٌ من النَّجْل (^٤).
* * *
(٤) - ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ تنزيل القرآن.
﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ على العموم، واختصاصُ الكتابين المذكورين ببني إسرائيل من جهة التكليف لا ينافي عمومَهما لجنس (^٥) الإنس من جهة الهداية، فإن مَن تعبَّد بهما
_________________
(١) في هامش (د) و(ف): "صرح بهذا أبو حيان فلا تعسف في الكلام المتعلق باشتقاقهما ووزنهما، واندفع ما وهمه الفاضل التفتازاني أن الاشتقاق المنقول عن الفريقين ينفي صحة القول بكونهما اسمان عجميان. منه ".
(٢) في (النسخ) عدا (ك): "عربيان" والمثبت من (ك).
(٣) فيها على هذا قولان: أحدهما: أنها من ورى الزندُيَرِي: إذا قدح وظهر منه النار، فكأن التوراة ضياء من الضلال، وهذا الاشتقاق قول الجمهور. وذهب بعضهم إلى أنها مشتقة من ورَّى: إذا عرَّض؛ كما روي أنه ﷺ كان إذا أراد سفرا ورَّى بغيره؛ لأن أكثر التوراة تلويح. انظر: "البحر" (٥/ ١٥٦).
(٤) وهو الماء الذي ينز من الأرض. انظر: "البحر" (٥/ ١٥٦).
(٥) في (ف) و(ك) و(م): "الجنس".
[ ٢ / ٢٤٣ ]
قبل الانتساخ فقد اهتدى (^١) وإن لم يكن من بني إسرائيل (^٢)، على أن كونهما هدايةً إلى أصول الدين لا يختص ولا يَقبل النسخ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ رابع الكتب الأربعة وهو الزبور؛ لأن الظاهرَ من العطف خصوصًا مع إعادة لفظِ (أَنزل) التغايرُ بالذات.
وإنما خُصَّ بعبارة الفرقان جبرًا للنقصان المتوهَّم من جهة تأخير (^٣) ذكره عن قوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، فكأنه قيل: في الكتبِ الثلاثةِ شرائعُ هي هدايةٌ للناس، وفي هذا الكتاب حِكَمٌ يفرَّقُ بها بين الحق والباطل.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ من كتبه المنزَلةِ وغيرِها من المعجزات.
﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ بنوع لا يُعرَفُ كُنْهُه من العذاب الشديد.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالب لا يمتنع (^٤) من التعذيب.
﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ تنكيرُهُ دل على قوته كمًّا، وقد اقترن بصفةِ العزَّةِ فدل على قوته كيفًا حيث لم يُتصور اندفاعه، ففُهم من الجملة معنى قوله: لا يقدر له انتقام لا يُقْدَر قَدْرُه من الشدة، ولا يَقْدِر على مثله مُنتقِمٌ (^٥).
_________________
(١) في (ك): "استهدى".
(٢) في هامش (د) و(ف): "من غفل عن هذا قال: على العموم إن فلنا: إنا متعبدون بشرع من قبلنا، وإلا فالمراد به قومهما. منه".
(٣) في (ح) و(د): "تأخيره".
(٤) في (ج) و(د) و(ك): "يمنع".
(٥) قوله: "لا يقدر له انتقام … " كذا في النسخ كلها، وعبارة الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٣٣٦): (﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم).
[ ٢ / ٢٤٤ ]
والنِّقمةُ: مطلقُ العقوبةِ (^١)، لا عقوبةُ المجرِم خاصة، وعيدٌ جيءَ بهِ بعد تقريرِ التوحيد، والإشارةِ إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيمًا للأمر، وزجرًا عن الإعراض عنه.
* * *
(٥) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ عبَّرَ عن العالم بقطريهِ، وتقديمُ الأرضِ؛ لأن المقصودَ بالذكرِ ما اقترِفَ (^٢) فيها؛ كأنه قيل: يعذبهم اللهُ الذي له كمالُ القدرةِ والغلَبةِ والعلمِ بأحوالِ العبادِ.
* * *
(٦) - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
و(^٣) ﴿هُوَ﴾ على الانفراد والتعيين.
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ من الصور المختلفة، فهو (^٤) في موضع الظرف؛ أي: في أيِّ صورةٍ وعلى أيِّ هيئةٍ يشاءُ يصوركم، وقرئ: (تَصَوَّرَكم) (^٥)؛ أي: صوَّركم (^٦) لنفسه وعبادته.
_________________
(١) في هامش (د): "نص عليه الجوهري. منه".
(٢) في (ف) و(م): "اقترن".
(٣) الواو من (ح) و(د).
(٤) في (م): "هو". وسقط من (ك).
(٥) على صيغة الماضي، وقرأ بها طاوس، "الكشاف" ١/ ٣٣٦، و"المختصر في شواذ القراءات" ص ١٩.
(٦) في (ف) و(م): "يصوركم"، وفي (د): "صورتكم".
[ ٢ / ٢٤٥ ]
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؛ إذ لا يعلَمُ غيرُهُ جملَةَ ما يعلَمُهُ، ولا يقدِرُ على مثل ما يفعلُهُ.
﴿الْعَزِيزُ﴾: المنيعُ في ملكه وحكمهِ.
﴿الْحَكِيمُ﴾ في قولِهِ وفعلِهِ.
قيل: هذا حجاجٌ على مَن (^١) زعم أن عيسى ﵇ كان ربًّا، فإن وفد نجران لما حاجُّوا فيه رسولَ اللهِ ﷺ نزلت السورةُ من أولها إلى نيِّفٍ وثمانينَ آية تقريرًا لِمَا احتَجَّ به عليهم، وأجابَ عن شُبهتهم (^٢).
* * *
(٧) - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ﴾ في موضع النصبِ بالحالِ من ﴿الْكِتَابَ﴾، أو كلامٌ مستأنفٌ موضِّحٌ لحالِهِ.
﴿الْكِتَابَ﴾ أُحكِمت بظهورِ دلالتها على المعنى المراد.
﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾؛ أي: أصله الذي تحمَلُ المتشابهاتُ عليهِ، وترَدُّ إليهِ (^٣)، وإنما أفرد (^٤) الأم تجريدًا للكلامِ؛ للدلالةِ على ما يساق له.
_________________
(١) في (ح) و(د): "حجاج من" والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٦).
(٢) انظر الخبر في "تفسير الطبري" (٥/ ١٧١)، و"سيرة ابن هشام" (١/ ٥٣٧).
(٣) في (م): "عليه ".
(٤) في (ح): "انفرد".
[ ٢ / ٢٤٦ ]
﴿وَأُخَرُ﴾: جمعُ أُخرى. وإنما لم ينصرف لأنَّه وصفٌ معدولٌ عن الآخِرِ، وإلا يلزمُ منهُ معرفتُهُ؛ لأن القياسَ أن يعرَّفَ ولم يعرَّفْ، لا أنه في معنى المعرَّفِ، أو عن (آخَر مِن) (^١).
﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾: محتملاتٌ لأكثرَ من معنًى واحد، أو غيرُ ظاهر الدلالة (^٢)، وفائدته: بعثُ النفوس على النظر والتفكُّرِ، وتحريضُ القلوبِ على التأملِ والتدبرِ؛ لتتمرنَ (^٣) في الاستدلالِ واستخراجِ الدقائقِ، وإبرازِ مكنونات الحقائق، ويزدادَ حرصهم على تحصيلِ العلوم المتوقِّفِ عليها استنباطُ المرادِ من المتشابهاتِ، والتوفيقُ بينها وبينَ المحكمات، فإن الإنسان بذلكَ ينالُ من الثوابِ والدرجاتِ ما لا يُنال بالتقلُّبِ في العباداتِ، والمواظبةِ على سائرِ القُربات.
ومَن وهَمَ أنه لو كان كلهُ محكمًا لتعطل الطريقُ الذي لا يُتوصَّلُ إلى معرفةِ اللهِ تعالى إلا به فقَدْ وهِمَ؛ إذ لا يلزم من تركِ التأمُّل في معرفةِ معاني الألفاظِ تركُهُ في ترتُّبِ (^٤) البعضِ على البعض، واستنباطِ ما فيها من العللِ والنكاتِ والفروعِ، وغيرِ ذلك.
وأما المرادُ من المحكم في قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]: المحفوظُ مِن فسادِ المعنى، وركاكةِ اللفظِ، ومن المتشابهِ في قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]: المشْبِهُ بعضه بعضًا في صحة المعنى، وجزالةِ اللفظِ.
_________________
(١) ووجهه: أنّ أصل باب التفضيل أن يستعمل بـ (مِن)، ويستغنَى به عن جمعه، فلما خالفه جعل معدولًا عنه. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٢/ ٦).
(٢) في هامش (د) و(ت): "وعدم ظهورها قد يكون للإجمال وقد يكون لأمر آخر، فمن اقتصر على ذكر الأول فقد قصر. منه".
(٣) في (ك) و(م): "ليتميزن".
(٤) في (ف) و(ك) و(م): "ترتيب".
[ ٢ / ٢٤٧ ]
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: ميلٌ عن الصواب وتعرُّفِ الحقِّ. تفريعٌ على ما فُهمَ مما تقدمَ من أن في المتشابهاتِ مجالَ الصرفِ عن الحق، كما أن فيهِ مجالَ الردِّ إليه، وإما لتفصيلِ حالِ الفريقين السالكَين مسلكَي الصرفِ عنه والصرف إليه، وإنما اقتصر على ذكرِ الأول منهما لظهورِ حالِ الثاني.
﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: فيتعلقون بالمتشابه المحتَمِلِ لمَا يطابقُ أهواءَهم (^١)، ولا يلتفتون إلى المحكَماتِ، وكان حقَّهم أن يتَّبعوها.
﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: طلبَ أن يَفتنوا الناسَ، ويُضلُّوهم عن الحقِّ.
﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ بما يطابقُ عقيدتَهُم. قدَّمَ الأولَ لأنَّه الغرضُ، وهذا وسيلةٌ إليه.
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الذي يجبُ أن يُحمَلَ عليهِ (^٢).
﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ﴾: والذين رسخوا؛ أي: ثبتوا وتحقَّقُوا ﴿فِي الْعِلْمِ﴾ وتمكَّنوا منه.
ومَن وقفَ على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ فسَّرَ المتشابه بما استأثر (^٣) الله تعالى بعلمه، وبمعرفةِ الحكم فيه من آياته، ولم يُطْلعْ عليه أحدًا.
لا يقال: لو لم يكن للراسخين حظٌّ من علم المتشابه إلا أن يقولوا: ﴿آمَنَّا بِهِ (^٤) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ لم يكن لهم فضلٌ على الجهَّالِ؛ لأنهم أيضًا يقولون ذلك.
_________________
(١) في (ف): "بالمتشابه المطابق لما يحتمل أهواءهم".
(٢) في هامش (د) و(ف) و(م): "من قال: أي: لا يهتدي إلى تأويله، فقد ضل؛ لأن الاهتداء لا يجوز إسناده إليه تعالى. منه ". وفيه رد بل تشنيع على الزمخشري القائل للعبارة المذكورة.
(٣) في (ح) و(د) و(م): "استأثره ".
(٤) في النسخ: "آمنا بالله "، والمثبت هو الموافق للآية.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
لأنَّا نقول: ليس الكلام في إثبات الفضيلة لهم، بل في بيانِ اختصاصِ علم المتشابهات بالله تعالى.
فالمعنى؛ أن الراسخين مع ما فيهم من المزيَّة والفضل يقفون عند التصديق الإجمالي، ولا يتجاوزون عنه إلى حد التفصيل بالتفسير أو التأويل، فكيف مَن دونَهم (^١)؟.
﴿يَقُولُونَ آمَنَّا﴾: كلامٌ مستأنَفٌ موضِّحٌ لحال الراسخين، أو حالٌ منهم، وخبرٌ إن جُعلَ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾: مبتدأً.
﴿بِهِ﴾: بالمتشابهِ، أو بالكتابِ.
﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، أي: كلٌّ من المحكم والمتشابه منزَّلٌ من اللوح المحفوظِ عندَهُ تعالى.
﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: مسرودٌ على سبيلِ المدحِ للراسخِين المحقِّقين في العلم، وإيماءٌ إلى أنهم جرَّدُوا عقولهم من قشر الأوهام والخيالات، وشَوبِ الأهواء والعادات، فهُمْ أهل اللبِّ الخالصِ، لا يحومُ غيرُهم حول التذكُّرِ والتفكُّرِ.
* * *
(٨) - ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ مِن مقال الراسخينَ، وما بينَهُما اعتراضٌ، ويحتَمِلُ الاستئنافَ على إضمارِ: قولوا، والمعنى: لا تُمِلْ قلوبَنا عن نهج الحق إلى اتِّباعِ المتشابهِ بتأويلٍ باطلٍ.
_________________
(١) في هامش (د) و(ف) و(م): "وبهذا التفصيل اندفع ما قيل: لا فائدة حينئذ في قيد الرسوخ بل هذا حكم العالمين كلهم. منه".
[ ٢ / ٢٤٩ ]
قال ﵇: "قلبُ ابنِ آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه على الحق، وإن شاء أزاغه عنه" (^١).
وقيل: لا تبتلِ ببلايا تُزيغُ فيها قلوبنا.
﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وإلى الحق، ويندرِجُ فيه الإيمانُ بالقسمين اندراجًا أوليًّا، و﴿بَعْدَ﴾ نصبٌ على الظرفِ، و﴿إِذْ﴾ في موضعِ الجر بإضافتهِ إليهِ، وقيلَ: إنهُ بمعنَى (أنْ).
﴿هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ وترشِدُنا بها إلى كل خيرٍ وصلاحٍ، وتعصِمُنا بها عن كلِّ شرٍّ وفسادٍ.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾: كثيرُ الهبةِ، وهي ما ليسَ على الفاعل فعلُهُ، ولا دلالة فيه على ما هو الحقُّ في الخلافيةِ المشهورةِ؛ لأنَّ المعتزلة لا ينكرونَ الإفضالَ بعدَ أداء الواجبِ.
* * *
(٩) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ﴾ والمراد منَ اليومِ: واقعةُ القيامةِ، والتنكيرُ للتهويلِ.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: في وقوعه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾؛ أي: للداعين بالإجابةِ، وللمُطيعينَ بالإثابةِ، أو إقامةِ القيامةِ.
_________________
(١) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧). ورواه بنحوه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٠٤٠٧) من حديث عائشة ﵂، والطبراني في "الكبير" (٨٦٥) من حديث أم سلمة ﵂.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
و(^١) كما وضِعَ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ موضعَ: أولئكَ؛ للمدحِ، أو (^٢) التسجيلِ باللبِّ على طريقة الالتفات من الخطابِ إلى الغَيبةِ، وضِعَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ موضَعَ: إنك؛ للتعظيم (^٣).
وأما إفادةُ معنى التنافي بين الألوهية وخُلفِ الميعادِ فمدارُه على التعبيرِ بالاسمِ المذكورِ، لا على الالتفاتِ، غايتُهُ وجِدَ التعبيرُ المذكورُ هنا (^٤) في ضمنِهِ.
* * *
(١٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: برسولِ اللهِ ﷺ.
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ من جهةِ رحمتِهِ وطاعتهِ، كأنه قالَ: لا تقومُ بدل رحمته أو طاعتِهِ فتغنيَ عنهم إغناءَهما (^٥).
﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ حطبُها، وقرئ بالضم؛ بمعنى أهلُ وقودها (^٦).
_________________
(١) الواو ساقطة من (ف) و(ك) و(م).
(٢) في (ك) و(م): "و".
(٣) في هامش (د) و(ف): "يدل على ذلك أنه لو قيل: إنه لا يخلف الميعاد يوجد الالتفات ولا توجد تلك الفائدة، ولو كان سياق الكلام: إنه جامع الناس ليوم لا ريب فيه، لكانت الفائدة المذكورة موجودة ولا التفات. منه".
(٤) كلمة: هنا سقط من (ف).
(٥) في هامش (د): "وأما النقل فلم يثبت، وعبارة التحويل الواقعة في قول الفراء - على ما نقله الجوهري عنه - ليست بنص فيه؛ لأنَّه يوجد بغلبة المجاز على الحقيقة. منه ".
(٦) تنسب للحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٩)،=
[ ٢ / ٢٥١ ]
(١١) - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ متصلٌ بما قبله؛ أي: لن تغنيَ عنهم كما لم تغنِ عن أولئك، أو (^١): توقد بهمْ كما توقَدُ بأولئك.
أو استئنافٌ مرفوعُ المحلِّ تقديره: دأبُ هؤلاء كدأبهم في الكفرِ والعذابِ، وهو مصدَرُ دأَبَ في العملِ: إذا كدَحَ فيه، ثم غلَبَ استعماله في معنى الشأنِ.
﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: عطفٌ على ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، أو استئنافٌ.
﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: حالٌ بإضمار (قد)، أو استئنافٌ بتفسير حالهم، وخبرٌ على تقديرِ الابتداء بـ (الذين).
﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ تهويلٌ للمؤاخذةِ، وزيادةُ تخويفٍ للكفرةِ (^٢).
* * *
(١٢) - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: لمشركي مكةَ، وقيل: لليهودِ.
﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ يوم بدر، أو بقتل قريظةَ، وإجلاءِ بني النضيرِ، وفتحِ خيبرَ، وضربِ الجزية على مَن عَدَاهم ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ وقرئ بالياء فيهما على الغيبة (^٣): الإخبار بمعنى كلام الله تعالى، وعلى الخطاب بلفظه.
_________________
(١) = و"تفسير القرطبي" (٤/ ٣٤).
(٢) في (ف): "أي ".
(٣) في (م): "للكفر".
(٤) وهي قراءة حمزة والكسائي، والباقون بالتاء. انظر: "السبعة" (ص: ٢٠١)، و"التيسير" (ص: ٨٦).
[ ٢ / ٢٥٢ ]
﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: تمامُ ما يقال لهم، أو استئناف؛ أي: بئسَ المهادُ جهنَّمُ، أو ما مهَدُوا لأنفسهم، وفي عبار المهادِ تهكُّمٌ بهم.
* * *
(١٣) - ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾: الخطابُ لقريشٍ أو لليهود (^١)، وقيلَ: للمؤمنين.
﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ يومَ بدرٍ.
﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: صحَّ الابتداءُ بالنكرةِ؛ لأنهُ في موضعِ تفصيلٍ، وثمةَ صفةٌ محذوفةٌ تقديرُها: فئةٌ مؤمنةٌ تقاتلُ في سبيلِ اللهِ، ﴿وَأُخْرَى﴾ معطوفةٌ على ﴿فِئَةٌ﴾ تقديرُهُ: وأخرى كافرةٌ تقاتِلُ في سبيلِ الطاغوتِ (^٢). حذِفَ عن الجملة الأولى ما أُثبِتَ مُقابلَهُ في الجملةِ الثانيةِ، وعن (^٣) الثانية ما أثبت مقابله (^٤) في الأُولى، وهذا من الاختصاراتِ البليغةِ.
﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾؛ أي: يرى المشركونَ المؤمنين مِثلَي عددهِمْ، وكانوا ثلاث مئةً وبضعةَ عشَرَ، أو مثلي المشركين؛ وكانوا قريبَ ألف.
وهذا لا يُنافي قولَهُ تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا
_________________
(١) في (م): " اليهود".
(٢) في (م) زيادة: "كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ ".
(٣) في (ك) و(م): "ومن".
(٤) في (د): "مقامه".
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] لأنَّه يجوزُ أن يكونَ التقليلُ من جهة العُدَدِ فلا (^١) ينافي التكثيرَ من جهة العَددِ، ويكونانِ في حالةٍ واحدةٍ كيلا يجبُنوا كلَّ الجبنِ فيُحجموا (^٢) عن القتالِ، ولا يجترئوا كلَّ الجرأةِ، فيشتدَّ الأمرُ. وهذا أولى منَ التوفيقِ بينهما بأن التقليلَ كان في أولِ الملاقاةِ والتكثيرَ بعدَ ذلكَ.
أو يَرى المؤمنون المشركين مثلَي المؤمنين، وكانوا ثلاثةَ أمثالهم، ليَثبُتوا لهم، ويتيقَّنوا بالنصرِ الموعودِ في قولهِ تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]، والقراءة بالتاء الفوقانية (^٣) تؤيد هذا إن كان الخطاب للمؤمنين (^٤)، وتؤيد المعنى الأول إن كان الخطاب لقريش.
وقرئ بهما (^٥) على البناء للمفعول؛ أي: يريهم الله أو يريكم ذلك بقدرته (^٦).
وقرئ: (فئةٍ) بالجر (^٧) على البدل من ﴿فِئَتَيْنِ﴾، والنصبِ على المدحِ (وأخرى كافرةً) على الذم، أو الحالِ من فاعل ﴿الْتَقَتَا﴾ (^٨).
_________________
(١) في (د): "ولا".
(٢) في (د): "فيجبنوا".
(٣) قرأ نافع: (ترونهم) بالتاء، والباقون بالياء. انظر: "التيسير" (ص: ٨٦).
(٤) في هامش (د) و(ف): "لا على الاختصار لأنَّه لا يكون نكرة ولا مبهمًا. منه ".
(٥) أي: بالياء والتاء.
(٦) قرأ ابن عباس وطلحة: (تُرَونَهم) بتاء مضمومة للخطاب، وقرأ السلمي: (يُرَونهم) بياء الغيبة. انظر: "البحر المحيط" (٥/ ٢١٦). وعكسهما في "المحرر الوجيز" (١/ ٤٠٦).
(٧) تنسب لمجاهد والحسن والزهري وحميد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٩)، و"البحر المحيط" (٥/ ٢١٦).
(٨) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٤٠)، "البحر المحيط" (٥/ ٢١٦).
[ ٢ / ٢٥٤ ]
﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾: لا بد من صرفه عن ظاهره؛ لأن الرؤية بمعنى الإبصارِ لا يتعدى إلى المفعولين، و﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ مفعولٌ ثانٍ لا حالٌ؛ لعدمِ ثبوتِ تلكَ الحال في الواقعِ لواحدةٍ (^١) من الفئتين، فالمرادُ: معناه المجازيُّ؛ وهو العلمُ الحاصلُ بسببِ رؤيةِ العينِ.
﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ نَصرَه كما إيَّدَ أهلَ بدرٍ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، أي: فيما ذُكرَ مِن غلبةِ المسلمين - على قلَّتِهم وضعفِهم - الكافرينَ - على كثرتهم وشوكتهم - بالكيفيةِ المذكورةِ. ﴿لَعِبْرَةً﴾: لعظةً.
﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: لذوي البصائرِ، أو لمن أبصرهم (^٢).
* * *
(١٤) - ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾.
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾؛ أي: المشتهَياتِ، سمَّاها شهواتٍ مبالغةً وإيماءً إلى أنهم انهمكُوا في محبَّتها حتى أحبُّوا شهوتَها، وهيَ (^٣) تَوَقانُ النفسِ إلى الشيءِ.
والمزيِّنُ في الحقيقةِ هوَ الشيطان؛ لأن التزيينَ صفة تقومُ بهِ، فمَن قالَ: المزيِّنُ هو الله تعالى لأنَّه الخالقُ للأفعال والدواعي؛ فقدْ أخطأ في المدَّعَى، وما أصابَ في الدليلِ، على ما سبق تفصيله في تفسيرِ سور البقرة.
_________________
(١) في (ك) و(م): "لواحد".
(٢) في (ف): "بصرهم".
(٣) في (ف): "وهو".
[ ٢ / ٢٥٥ ]
وإنما سلَّطهُ اللهُ تَعَالى على تزيينِ ما ذُكرَ لأنَّه من أسبابِ التعيُّشِ وبقاءِ النوعِ.
﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ﴾ القناطيرُ: جمعُ القنطارِ، وهو المال الكثير، و﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ مأخوذةٌ منهُ للمبالغةِ؛ أي: مِن شأن العرب أن يشتقُّوا من لفظ الشيء الذي يريدون المبالغةَ في وصفِهِ ما يُتبِعونه به تأكيدًا وتنبيهًا (^١) على تناهيهِ، مِن ذلكَ: ظلٌّ ظليلٌ، وداهيةٌ دهياءُ، وبَدْرةٌ مبدَّرةٌ (^٢).
ويحتمِلُ أن يكونَ مِن قنطرتُ الشيء: إذا رفعتَهُ، ومنهُ القنطرة؛ لأنهُ بناءٌ مشيَّدٌ (^٣).
﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: والخيلُ: الأفراسُ، سميت خيلًا لاختيالها في مشيها (^٤)، والمسوَّمةُ: المعلَّمةُ؛ منَ السُّومة (^٥) وهي العلامةُ، أو المرعيَّةُ؛ مِن أسام الدابَّةَ وسوَّمها، أو المطهَّمةُ؛ أي: تامةُ الخلقِ (^٦)، من السَّومة؛ لأنها كأنها علَمٌ في الحسن، أو من السَّومِ في البيع لأنها تُسام كثيرًا.
﴿وَالْأَنْعَامِ﴾: الإبل والبقر والغنم.
﴿وَالْحَرْثِ﴾ هو إلقاءُ البذرِ وتهيئةُ الأرضِ، والزرعُ: مُراعاتُهُ وإنباتُهُ، ولهذا
_________________
(١) في (د): "أو".
(٢) البدرة: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم، ومبدَّرة: كاملة. انظر: "القاموس" (مادة: بدر)، و"نواهد الأبكار" (٢/ ٤٩٨).
(٣) في (د): "شيد".
(٤) في (ف) و(م): "مشيتها".
(٥) في (ف) و(ك) و(م): "الوسمة"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المصادر. انظر: "الكشاف" (١/ ٥٤٣)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٨)، و"البحر" (٥/ ٢٢٧).
(٦) في (ف): "الخلقة".
[ ٢ / ٢٥٦ ]
قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] فأثبتَ لهم الحرثَ، ونفَى عنهم الزرعَ (^١).
﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى ما ذكِرَ.
﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ المتاعُ: ما يُستنفَعُ به مدةً ثم يفنى.
﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾: المرجعُ، وفي الإشارةِ بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى بُعدِ تلكَ المشتهيات من الله تعالى، وتقديمُ اسمِ الله تعالى على ما عنده تقرير لذلكَ البعدِ بتخصيصِ غيرِهِ بهِ.
وذِكرُ الحُسنِ وتقديمُ الظرفِ عليه إشارة إلى أن الحُسنَ يختَصُّ بالعنديةِ، وإيماءٌ إلى قبحِ (^٢) الشهواتِ البعيدة، والمقصودُ التحريضُ على إثبات ما عندَهُ هن اللذَّاتِ الحقيقيَّة الأبديةِ على الشهواتِ الناقصةِ الفانيةِ.
* * *
(١٥) - ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾: تقرير لخيريةِ ما عند اللهِ تعالى هن مستلذات الدنيا.
_________________
(١) في هامش (د): "أقول: المراد هنا من الحرث: الزرع؛ لأن حب الشهوات فيه لا في إلفاء البذر وتهيئة الأرض، وقال ذلك المولى في قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ الحرث هو الزرع، ومن هذه الآية يفهم أن الحرث هو الزرع المناسب للهلاك كما لا يخفى". وفي هامش (ح) و(د) و(ف): "هو الفرق بين الحرث والزرع ذكره الراغب، ومن لم يفرق بينهما كالجوهري ومن حذا حذوه لم يصب. منه".
(٢) في (ف): "قبيح".
[ ٢ / ٢٥٧ ]
﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: استئنافٌ لبيانِ ما هو خيرٌ، ويجوزُ أن تتعلَّقَ اللامُ بـ (خيرٍ)، وترتفِعُ ﴿جَنَّاتٌ﴾ على: هوَ جنَّاتٌ، ويؤيدُهُ قراءةُ مَن جرَّها بدلًا مِن (خير) (^١).
﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾: قد سبقَ تفسيرُهُ في سورةِ البقرةِ.
﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾: جمعٌ بينَ التكثيرِ المستفادِ من التنكيرِ، والتشريفِ المستفادِ مِن قولهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، فهوَ أبلَغُ مِن: رضوانُ اللهِ.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ أي: يثيبُ ويعاقبُ على استحقاقهم، أو: بصيرٌ بالذينِ اتقَوا وبأحوالهِم، فلذلكَ أعدَّ لهم الجناتِ على حسبِ درجاتهم.
* * *
(١٦) - ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾: نصبٌ على المدحِ، أو رفعٌ عليهِ، أو جرّ صفةً للمتَّقين أو العبادِ.
﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: في ترتيبِ السؤالِ على مجردِ الإيمان دلالة على أنه وسيلةٌ كافيةٌ في طلبِ المغفرةِ.
* * *
(١٧) - ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾.
﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: حصرٌ لمقاماتِ السالكِ على أحسن ترتيبٍ، فإن معاملته مع اللهِ تعالى إما توسُّلٌ وإما طلبٌ.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٩)، و"البحر المحيط" (٥/ ٢٣١).
[ ٢ / ٢٥٨ ]
والتوسلُ إما بالنفسِ وهوَ منعُها الرذائلَ، وحبسُها على الفضائلِ، والصبرُ يشملُهما، وإما بالبدنِ، وهو إما قوليٌّ وهو الصدقُ، وإما فعليٌّ وهو القنوتُ الذي هو ملازَمةُ الطاعةِ، وإما بالمالِ وهو الإنفاقُ في سبيل اللهِ (^١).
وأما الطلبُ فهوَ الاستغفارُ؛ لأنَّ المغفرةَ أعظمُ المطالب، بل الجامعُ لها، وتوسيطُ الو أو بينها للدلالةِ على أنهم جامعون لها، وأما دلالتُهُ على استقلالِ كل منَ المعطوفَين فغير مسلَّمةٍ؛ فإن دلالتها على الانضمامِ على ما يأتي في تفسيرِ سور التوبةِ (^٢).
وتخصيصُ الاستغفارِ بالأسحار؛ لأنها أصفى أوقات العبادة (^٣)، فإنهم كانوا يتهجَّدُون قوَّامين بالليل يتقربون إلى الله تعالى، فيكونُ طلب الحاجة بعدَهُ أحسنَ وأقربَ إلى الإجابة (^٤)؛ لتعاضد الأمرينِ: صفاءِ الوقتِ، والتقربِ إلى الله (^٥) بالطاعةِ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
* * *
(١٨) - ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: بيَّنَ وحدانيته بنصبِ الدلائلِ الدالةِ عليها، وإنزالِ الآياتِ الناطقةِ بها.
_________________
(١) في (ك) و(م): "الخير".
(٢) في هامش (د) و(ف): "ذهب القاضي فيه هنا إلى أن دلالته على الاستقلال، وصرح في تفسير سورة التوبة بخلافه. منه".
(٣) في (ح) و(د): "العباد".
(٤) في (د) و(ف): "الحاجة".
(٥) "إلى الله" من (م).
[ ٢ / ٢٥٩ ]
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ بالإقرارِ.
﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ منَ الثقلَين بالاحتجاج عليها، شُبِّه ذلك في البيانِ والكشفِ بشهادةُ الشاهدِ. والدلالةُ والإقرارُ والاحتجاجُ من أفراد (^١) معنىً مجازي هوَ الأمرُ المشبَّهُ بالشهادةِ، لا معانٍ (^٢) مجازية ليمتنع الجمعُ بينها في الإرادة.
وإنما لم يعتبَرْ تقديرُ فعلٍ آخرَ ليكونَ الأولُ مجازًا والثاني حقيقةً؛ لأنَّه خلافُ الظاهرِ، معَ الغُنيةِ عنهُ بالمجازِ المستفيضِ.
﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ في قسمةِ الأرزاقِ والآجالِ والعقابِ، وتعيين الشرائع والأحكام بين العباد.
وانتصابُهُ على الحال مِن ﴿هُوَ﴾، والعاملُ معنى الجملةِ، أي: تفرَّدَ قائمًا، وهذا أوجَهُ الأوجُهِ؛ لأنهُ أقربُ وأدلُّ على المقصودِ؛ أعني: دخول التعديل تحت الشهادة كالتوحيد، وأوفقُ بما عليه غالب الاستعمال من كون (^٣) الحالِ المؤكِّدةِ عَقيبَ الجملةِ الاسميةِ.
وأما انتصابه على المدحِ نكرةً، والمنتصِبُ عنه معرفةٌ، فيمنعُهُ القياسُ، ولم يَرِدْ به الاستعمالُ.
وقرئ: (القائمُ بالقسط) (^٤) على البدلِ مِن (هو)، أو الخبرِ لمحذوفٍ (^٥).
_________________
(١) في (ح) و(د): "إقرار".
(٢) في (م): "معاني".
(٣) قوله: "التعديل تحت الشهادة كالتوحيد وأوفق بما عليه غالب الاستعمال من كون" من (م).
(٤) تنسب لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: "تفسير القرطبي" (٥/ ٦٧)، و"البحر" (٥/ ٢٤٩).
(٥) في (ح) و(ف): "المحذوف"، وفي (د): "محذوف".
[ ٢ / ٢٦٠ ]
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كرَّرهُ ليؤكِّدَ المشهودية على ما هو عليه في نفس الأمرِ، ويقرِّرَ أنَّ الأصل في الدين هو التوحيدُ، والعدلُ لازمٌ له لزومَ الظل للذات، ولهذا أكَّدهما بقوله:
﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالبُ بوحدتِهِ على كل شيءٍ، لا يغالبُه شيءٌ فيكونَ إلهًا.
﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي يؤتي كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، ولا يعدل عن العدلِ في إفضالِهِ.
فهما صفتان مقررِّتان لهما، ورفعُهما على البدلِ من الضميرِ، أو الصفةِ لفاعلِ ﴿شَهِدَ﴾.
* * *
(١٩) - ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ؛ لأنهُ لما قرَّرَ أصلَ الدين وأساسَهُ باطنًا وظاهرًا وهوَ التوحيدُ والعدلُ، اتَّجهَ أن يقال: فما الدينُ الذي يجبُ أن يُتديَّنَ به بعدَ هذا الاعتقاد؟
فأُجيبَ: بأن الذي يستأهلُ أن يُسمَّى دينًا ويعتَدَّ به عندَ اللهِ، ويُقبلَ هوَ الشرعُ الذي جاء به محمدٌ ﵇ (^١).
وقرئ بالفتحِ (^٢) على أنهُ بدلٌ مِن ﴿أَنَّهُ﴾ بدلَ اشتمالٍ (^٣).
_________________
(١) في هامش (ح) و(د) و(ف): "فالترتيب بحسب التقرير ومن لم يتنبه له تكلف في توجيهها. منه".
(٢) وهي قراءة الكسائي، وقرأ باقي السبعة بكسر الهمزة. انظر: "التيسير" (ص: ٨٧).
(٣) في (د): "الاشتمال".
[ ٢ / ٢٦١ ]
وقرئ: (إنه) بالكسر و(أنَّ) بالفتح (^١) على وقوعِ الفعلِ على الثاني، واعتراضِ ما بينَهُما، أو إجراءِ ﴿شَهِدَ﴾ مُجرى قال تارًة، وعلِمَ أُخرى لتضمُّنهِ معناهما.
﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مِن اليهودِ والنصارى.
﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: من بعدِ ما تمكَّنوا من العلمِ بحقيقة الأمر بالآياتِ البيناتِ، لا خَفاءَ في أن المراد اختلافُهم فيما بينهم على ما دلَّ عليه قولُهُ:
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ حسدًا وطلبًا للرئاسةِ. انقسمتِ اليهودُ إلى قرائيِّ وربانيٍّ وسمرة (^٢)، وانقسمت النصارى إلى ملكِيٍّ ويعقُوبِّي ونسطُوريٍّ، وكلُّ طائفةٍ تكفِّرُ مَن خالفها بعد أن كانت اليهودُ أمةً واحدةً، والنصارى كذلك، وقد تمكَّنُوا من العلم بحقيقةِ الأمر بالكتبِ المنزلةِ عليهِم من التوراةِ والزبورِ والإنجيلِ.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: يرشدُكَ هذا إلى أنَّ المراد مِن مجيءِ العلمِ مجيءُ ما يفيد (^٣) من الآياتِ.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾؛ أي: لا يهمِلُ في جزائهِ ولا يمهلُ، فإن الحسناتِ كنايةٌ عن عدمِ الإهمالِ في الجزاء، وسرعتُهُ كناية عن عدم الإمهال (^٤) في الإيصالِ، وهذا آيةُ وعيدٍ شديدٍ في الغاية.
* * *
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٤٥).
(٢) "وسمرة" سقط من (ك) و(م). ولعل المراد به السامرة، وهي قبيلة من اليهود تخالفهم في بعض دينهم. انظر: "اللسان" (مادة: سمر).
(٣) في (د) و(ك) و(م): "يفيده".
(٤) في (ف) و(ك) و(م): "الإهمال".
[ ٢ / ٢٦٢ ]
(٢٠) - ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ فإن جادلوك (^١)، ولم يقل في ماذا؛ للتنبيهِ (^٢) من الجوابِ أنه في الدينِ.
﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾: أخلصت نفسي وجملَتي لهُ لا أشركُ فيها غيره.
فالوجهُ مجازٌ عن نفسِ الشيءِ وذاتِهِ كما في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، أو عن جملةِ الشخص تعبيرًا عن الكلِّ بأشرف الأجزاءِ، والمقصودُ المبالغة بجعل كلِّ البدن محلًّا للإخلاصِ.
والفاءُ للترتيب على ما فُهمَ مما تقدَّمَ من أن اختلافهُمْ في الدين لغرضٍ دنيويٍّ لا لإظهار الحقِّ وإزالة الشبهةِ، فلا تجدي المجادلَةُ معهم والاحتجاجُ عليهم، ولهذا أمرَهُ ﵇ بالجوابِ المفصِح عن الإعراضِ عن محاجتهم.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾: في موضعِ رفعٍ بالابتداءِ، والخبرُ محذوفٌ لدلالة ما قبلَهُ عليه، تقديره: أسلَمَ وجهه للهِ، ولا يجوز عطفُهُ على الضميرِ في ﴿أَسْلَمْتُ﴾؛ لاستلزامهِ المشاركة في المفعولِ، ولا صحةَ لها، وحملُ الواوِ على معنى (مع) لا يفضي إلى ذلك، إلا أن (^٣) حق (مع) أن تدخُلَ المتبوعَ (^٤).
﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الذينَ لا كتاب فيهم كمُشركي العربِ.
_________________
(١) "فإن جادلوك ": ليست في (ك) و(م).
(٢) في (ك) و(م): "ليبينه".
(٣) قوله: "إلا أن" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (لأن).
(٤) في هامش (ح) و(د) و(ف): "لأن مدلول مع مجرد المصاحبة، دل عليه قول عائشة ﵁ كنا نختص مع رسول الله ﷺ والحديث مذكور في صحيح البخاري. منه ".
[ ٢ / ٢٦٣ ]
﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾: استفهامٌ فيهِ استقصارٌ وتعبيرٌ بالمعاندةِ، أي: قد جاءكُم من البيناتِ ما يوجب الإسلامَ، ولم يبقَ معه شبهةٌ، فهل أسلمتُم أم أنتم بعدُ على كفركم وعنادِكم؟
﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: فقد نفعُوا أنفسهم بإخراجِها من ظلمة الضلال إلى نور الهدى.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ فلم يضرُّوكَ.
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾: فإن الرسولَ ما عليه إلا البلاغ، وقد أبلغتَ، وبالغتَ في الحجةِ.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: وعدٌ للرسول، ووعيدٌ لهم.
* * *
(٢١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ في (^١) سورة البقرةِ ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، أي: بغيرِ الحق الذي حدَّهُ الله تعالى وأذِنَ فيهِ، والنكرةُ هاهنا على معنى أنَّ القتل يكونُ بوجوهٍ من الحقِّ، فمعناهُ: يقتُلون بغير حقٍّ (^٢) من تلك الحقوقِ.
﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾ قرأ رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآية ثمَّ قالَ: "يا أبا عبيدةَ! قتلت بنو إسرائيلَ ثلاثة وأربعين نبيًا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مئة رجل واثنا عشر رجلًا من عبَّاد بني إسرائيل فأمروا مَن قتلهم بالمعروف
_________________
(١) في (م): "قد مر في".
(٢) في (م): "الحق".
[ ٢ / ٢٦٤ ]
ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعًا من آخر النهار في ذلك اليوم، وهو الذي ذكره الله تعالى" (^١).
وفائدة البيان بقوله: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ للتنبيهِ على أنهم قُتِلوا لأمرهم بالقسطِ، لا لخصوصيةٍ فيهم.
ووجهُ المضارعِ الدالِّ على الاستقبال أو الحال مع أن قتلَ الأنبياء إنما كان فيما مضى: أنَّ أوائلَ أهل الكتابِ قتلوا (^٢) الأنبياءَ وأتباعهم الآمرينَ بالقسطِ، والمعاصرين (^٣) راضون بذلكَ، وقاصدون قتلَ رسول الله ﷺ والمؤمنينَ، وذلك في حكم القتلِ، فكانوا مستمرين على قتل الأنبياء وأتباعهم، فصحَّ المضارع الدالُّ على الاستمرارِ، ويكون الحكمُ بالقتل على المعاصرين بقرينةِ قوله:
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ لا على المجموعِ ليَلزم الجمعُ بينَ الحقيقة والمجاز على أن الماضين قد انقرضوا، والمعاصرين لم يباشروا، فالاستمرارُ على القتل في الكلِّ أيضًا مجاز فلا جمعَ.
* * *
(٢٢) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
وقد منعَ سيبويهِ إدخالَ الفاء في خبر (إنَّ) كـ (ليتَ) والعلَّ)، ولهذا قيلَ: الخبر
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٩١) من حديث أبي عبيدة ﵁. قال ابن حجر في "الكاف الشاف" (ص: ٢٥): فيه أبو الحسن مولى بني أسد، وهو مجهول.
(٢) في (د): "قتل".
(٣) في (ك): "والمعاصرون".
[ ٢ / ٢٦٥ ]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ كقولك: زيدٌ فافهَم رجلٌ صالح، والفرقُ أن (إنَّ) لا تغتر معنى الابتداءِ، بخلافِ (ليت) و(لعل).
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾؛ أي: لا ينالون بها نفعًا لا في الدنيا، ولا في الآخرة.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يدفعُ عنهم العذابَ، واعتبرَ مقابلةُ الجمعِ بالجمعِ، وإلا فنفيُ المفردِ أبلغُ.
* * *
(٢٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: تعجيبٌ من جميعِهم، وتنبيهٌ على سوءِ صنيعِهم.
﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾: يريدُ أحبارَ اليهود، فإنهم حصَّلُوا نصيبًا وافرًا من التوراةِ، لإفادةِ التنكيرِ التكثيرَ، واللامُ للعهدِ والمعهودُ التوراة، و﴿مِنَ﴾ إما للتبعيضِ؛ لأن ما فهموه معَ وفوره ليسَ إلا البعضَ منها؛ لتعذُّرِ إحاطة البشرِ بكُنْه كلام الله تعالى، وإما للبيانِ؛ بمعنى: أن النصيبَ الوافرَ الذي أوتوه هو التوراةُ.
وعلى هذا فالأنسبُ أن يفسَّرَ الإيتاءُ بالإنزالِ عليهم وإطلاعِهم عليها، لا بالتحصيل.
ويجوزُ أن تكونَ اللام للجنسِ و﴿مِنَ﴾ للابتداء أو للتبعيض، وأن تكون للعهدِ، والمعهودُ اللوحُ، و﴿مِنَ﴾ للابتداءِ، والنصيب التوراة، ووصفُها بالعظَمِ أنسبُ من وصفها بالكثرةِ.
﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾: حالٌ أو استئنافٌ، وكتابُ اللهِ هو التوراة، وذلك
[ ٢ / ٢٦٦ ]
أن رسولَ اللهِ ﷺ دخلَ مدارسهُمْ؛ فقالَ له نُعَيمُ بنُ عمرٍو والحارثُ بنُ زيدٍ: على أيِّ دينٍ أنت؟ فقالَ ﵇: "على دين إبراهيم" فقالا له: إنَّ إبراهيم كان يهوديًّا، فقال: "هلمُّوا التوراةَ، فإنها بينَنا وبينكُم"، فأَبَيا، فنزلَتْ (^١).
وقيل: نزلت في الرجم (^٢)، وقد اختلفوا فيه.
وعنِ الحسنِ وقتادةَ: كتابُ اللهِ القرآنُ؛ لأنهم قد علِموا أنه كتابُ اللهِ لم يشكُّوا فيهِ.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: استبعادٌ لتوليهم بعدَ علمهِم أن الرجوعَ إلى كتابِ الله واجبٌ.
﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: وهم قومٌ عادتهم الإعراضُ، اعتراضٌ لا حالٌ؛ لقلةِ فائدةِ تقييد التولِّي به، وإن استقامَ أن تكون حالًا مؤكِّدةً.
وقرئ: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ على البناء للمفعول (^٣).
والوجهُ أن يرادَ ما وقعَ من الاختلافِ والتعادي بين مَن أسلم من أحبارِهم وبينَ من لم يسلم، وأنهم دُعوا إلى كتاب اللهِ الذي لا اختلافَ بينهم في صحتهِ - وهو التوراةُ - ليحكُمَ بين المحقِّ والمبطل منهم، ثم يتولى فريقٌ منهم وهمُ الذين لم يسلموا، وذلكَ أن قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يقتضي أن يكونَ اختلافًا واقعًا بينهُم، لا فيما بينهم وبين رسول الله " ﷺ (^٤).
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٤٨)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٩٣) عن ابن عباس ﵄، وفي إسناده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت وهو مجهول كما في "التقريب ".
(٢) ذكره الراغب، انظر: "تفسيره" (٢/ ٤٨١)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١٠).
(٣) وهي قراءة أبي جعفر من العشرة، انظر: "النشر" (٢/ ٢٢٧).
(٤) في هامش (د) و(ف): "لا ما سبق من الاختلاف بين اليهود والرسول ﵇ في ملة=
[ ٢ / ٢٦٧ ]
(٢٤) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
و(^١) ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى التولِّي والإعراضِ.
﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾: بسببِ تسهيلهم أمرَ العقابِ على أنفسهم لهذا الاعتقادِ الزائغ، والطمعِ الفارغ، والسببُ في الحقيقة زعمُهم إياهُ، إلا أنهُ عبّر عنه بالقول تنزيلًا لمعتقدهم الفاسدِ عن منزلةِ العقائد الفاسدةِ إلى منزلة الأقوالِ الباطلة التي لا طائلَ تحتها.
﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من أن آباءهم الأولياءَ يشفعون لهم، والغرورُ: الإطماعُ فيما لا يصح؛ أي: غرَّ الضعفاءَ قولُ الكبراء، وإنما سماه افتراءً وهو اختلاق الكذبِ على الغيرِ؛ لأنهم أضافوا القولَ إلى التوراةِ.
* * *
(٢٥) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: استعظامٌ لما أُعدَّ لهم من العقابِ (^٢)، وتهويلٌ لهم؛ أي: فكيفَ يصنعونَ -أو: كيفَ يكون حالهم- إذا وقعوا فيما لا حيلَة لهم في دفعِهِ؟
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾: جزاءَ ما كسبَتْ.
_________________
(١) = إبراهيم ﵇ في الرجم. منه".
(٢) الواو من (ف) و(ك).
(٣) في هامش (د) و(ف): "قد سبق تفسيره في هذه السورة. منه ".
[ ٢ / ٢٦٨ ]
قيلَ: فيه دلالة على أن العبادة لا تحبطُ، وأن المؤمن لا يخلدُ في النار؛ لأن توفيةَ إيمانه وعمله لا تكون في النار، ولا قبل دخولها، فإذًا هي بعد الخلاصِ.
وَيرِدُ عليه: أنا لا نسلِّمُ ذلك؛ فإنه يجوزُ أن يكونَ فيها بتخفيف العذابِ، وقبلَها بدفع بعض الأهوال عندَ موقفِ الحساب، والمرور على الصراطِ.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقصِ ما وُعدَ من أجورهم، والضميرُ لكل نفسٍ على المعنى؛ لأنَّه في معنى: كلّ إنسانٍ.
* * *
(٢٦) - ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ الميمُ عوضٌ من (يا)؛ ولهذا لا يجتمعان، وذلكَ بعض (^١) خواصِّ هذا الاسم؛ كدخولِ تاء القسمِ، و(يا) مع حرفِ التعريفِ، وقطع همزتهِ.
﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾: اللامُ للاستغراقِ تفيدُ العمومَ، وهذا (^٢) نداء ثانٍ عند سيبويهِ؛ لأن الميم عندَه تمنعُ الوصفية (^٣).
﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ اللامُ هنا وفي قوله: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ للماهيةِ التي تحصُلُ بوجود فردٍ منه (^٤) فهما خاصَّان؛ أي: تؤتي مَن تشاءُ النصيبَ الذي
_________________
(١) في (م): "بعض من".
(٢) في (د): "وهو".
(٣) وأجاز المبرد والزجاج الوصفية، أعني: وصف (اللهم)، فا لمسألة خلافية. انظر: "الكتاب" (٢/ ١٩٦)، و"المقتضب" (٤/ ٢٣٩)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ٣٩٤)، و"البحر" (٥/ ٢٧٦)، و"ارتشاف الضرب" (٤/ ٢١٩٢).
(٤) في (ف): "منها".
[ ٢ / ٢٦٩ ]
قسَمتَ له منهُ، وتنزعُ ممن تشاء النصيبَ الذي أعطيتَهُ منه.
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ في الدنيا بالنصرِ والإدبارِ، وفي الآخرةِ بالتوفيقِ والخذلانِ.
﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾: إنما خصَّ الخيرَ بالذكر لعدم نسبة الشرِّ إليه تعالى (^١)، على ما وقع التصريحُ بهِ في الحديث النبوي حيثُ قال: "والخيرُ في يديك، والشرُّ ليس إليكَ" (^٢).
ولما احتمَل أن يُظَنَّ أن الشرَّ خارجٌ عن حيِّزِ قدرته دفعَ بقولهِ:
(٢٧) - ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: لما ذكَرَ قدرتهُ في إيتاء الملكِ والنزعِ، والإعزازِ والإذلال بحسبِ المشيئة، عدَّدَ آياتِ القدرة الباهرة بذكرِ الليل والنهار، وزيادةِ كلٍّ منهما بنقصِ الآخر، وذكرِ الحي والميت وإخراجِ كلٍّ منهما من الآخر، وذكرِ سعة فضله؛ دلالةً على أن مَن قدَرَ على هذه الأمور العظام، المحيرةِ للعقول والأفهام، ثمَّ قدَرَ على أن يرزُقَ مَن يشاء مِن عباده بغير حساب، فهو قادرٌ على أن ينزِعَ الملك من العجمِ ويذلَّهمْ، ويؤتيَهُ العرب ويعزَّهم، ويرزقهم بغيرِ حسابٍ (^٣).
_________________
(١) في هامش (د) و(ف): "وما قيل: لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرًا كليًا، دعوى بلا دليل. منه".
(٢) رواه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) في هامش (د) و(ف): "فيه رد لقول المنافقين يوم الخندق: يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة وأنها تفتح لكم. منه".
[ ٢ / ٢٧٠ ]
والولوجُ: الدخولُ بشيءٍ بكلفةٍ، واستُعيرَ هنا للُحوقِ قَدْرٍ من الليل بالنهارِ، وقدرٍ من النهارِ بالليلِ، بالقسر (^١) على وجهٍ يكونُ اللاحقُ من جنسِ الملحوقِ.
والمرادُ من إخراج الحيِّ من الميتِ وعكسهِ: إنشاءُ النسمة الحيةِ من النطفة الميتةِ، والنطفة الميتةِ من النسمة الحيةِ.
وقيلَ: هو إخراجُ المؤمن من الكافر وعكسُهُ.
وفيه: أنه ليسَ من الآياتِ الباهرة التي تستحقُّ أن يستدلَّ بها على ما ذكِرَ.
وذكَرَ ﴿مِنَ﴾ معَ أن الرزقَ غيرُ مخصوصٍ بذوي العقولِ، للتنبيه على أن رَزق هذا الجنسِ - وهو أقلُّ أفرادًا من الجنس الآخرِ - إذا كان خارجًا عن حدِّ الحدِّ، فالخروجُ عنه في الجنسِ الآخرِ في الكلِّ بطريقِ الأَولى.
* * *
(٢٨) - ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾: نُهوا عن موالاتهم لقرابةٍ أو صداقةٍ ونحوِهما حتى لا يكونَ حبُّهم وبغضُهمْ إلا في الله، أو عن الاستعانةِ بهم في الغزوِ وسائرِ الأمور الدينيةِ.
﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: لا تتخذوهُم أولياء مجاوزينَ ولايةَ المؤمنين، فإنَّ لهم في موالاتهم مندوحةً عن موالاةِ الكافرين فلا تُؤْثروهم عليهم بالولايةِ.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ أي: اتخاذَهم أولياء.
_________________
(١) في (ف) و(م): (بالعسر)، ووقع في (ح): "با" وبيض لباقي الكلمة.
[ ٢ / ٢٧١ ]
﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾: فليس (^١) من ولايةِ اللهِ في شيءٍ يطلَقُ عليه اسمُ الولايةِ، فإن ولايةَ العدوِّ عداوةٌ وهم أعداءُ اللهِ.
﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: إلا أن تخافوا مِن جهتهِمْ أمرًا يجب اتِّقاؤهُ، في محلِّ النصبِ على الظرفِ؛ أي: إلا وقتَ أن تتقوا.
قيلَ: بمعنى: تخافُوا وتحذرُوا، فتعدَّى (^٢) بـ (من).
كأنَّ هذا القائلَ ظنَّ أن خافَ وحذرَ (^٣) لا يتعدَّى بنفسِهِ؛ ولم يصِبْ.
ويكونُ ﴿تُقَاةً﴾ نصبًا على المصدرِ بمعنى: متَّقًى، وقرئ: ﴿تَقَيَّةً﴾ (^٤) فعِيلةٌ (^٥) بمعنى مفعولٍ، أو تسميةً بالمصدرِ أيضًا.
ويجوزُ أن يكونا مصدرين إنْ جُعلَ مفعولًا بهِ، ففيهِ مبالغةٌ شديدةٌ حيث كان الرخصة معلَّقةً بشدةِ الخوفِ، حتى إن المحذورَ من غايةِ كونهِ مخوفًا كأنهُ نفسُ الحذرِ.
وفيهِ التفاتٌ، ولا يخفَى ما فيهِ من اللطفِ؛ فإنهم لما نُهوا عن فِعل ما لا يجوز جعِلَ ذلك في اسم غائبٍ، فلم يواجَهُوا بالنهيِ، ولما وقعتِ المسامحةُ والإذن في بعضِ ذلك ووجِهوا به إيذانًا بلطفِ اللهِ تعالى بهم، وتشريفًا بخطابِه إياهُم.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ فلا تتعرضوا لسخَطهِ بموالاةِ الأعداءِ، وعيدٌ شديدٌ
_________________
(١) "فليس" ليست (ك) و(ف).
(٢) في (د): (فعدي).
(٣) في (ك) و(م): "وكدا حذر".
(٤) وهي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٣٩).
(٥) في (م): "فعلية"، وهو تحريف.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
مشعِرٌ بتناهي المنهيِّ عنهُ في القبحِ، وذكَرَ النفسَ ليُعلمَ أن المحذَّرَ (^١) منه عقابٌ يصدر منهُ فلا يؤبَهُ دونَهُ بما يُحذَرُ من الكفرةِ.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ دونَ غيرِه، فلا تفوتونه ولا يمكنكَ الحذرُ، إيعادٌ بليغٌ عند مخالفتِهِ.
ثمَّ بيَّنَ قولَه: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ بقولِهِ:
* * *
(٢٩) - ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ﴾: وهو بيانٌ من بابِ التعميمِ كإقامة البرهانِ؛ أي: إن تخفوا ما في صدوركم من ولايةِ الكفارِ (^٢) وغيره مما لا يرضى اللهُ بهِ، أو تبدوهُ، يعلمهُ اللهُ تعالى، ويستوي عندَهُ الإخفاءُ والإبداءُ.
فذكر قوله: ﴿أَوْ تُبْدُوهُ﴾ بعد قوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا﴾ معَ أنه مغنٍ عنه؛ لتقريرِ معنى التسويةِ المذكورةِ، وهو كقولهِ: ﴿وَكَهْلًا﴾ في قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦].
﴿وَيَعْلَمُ﴾، أي: وكيفَ لا وهو يعلمُ ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فإنه مطَّلعٌ بالذات على الأشياء كلِّها سرِّها وعلنها.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: فهو القادرُ على عقوبتكم.
_________________
(١) في (ك) و(م): "المحذور"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٢).
(٢) في (م): "الكفر".
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وفي إظهارِ ذكر الله في المواضع الثلاثةِ، وتقديمِه على ﴿الْمَصِيرُ﴾، مع أن الموقِعَ موقعُ الإضمارِ، إيعادٌ شديدٌ، وتربيةٌ للعلمِ والقدرةِ والمهابةِ بأنه هو العالمُ القادرُ دون غيره، ولا يُخَصُّ علمُه وقدرتُه ببعض المعلوماتِ والمقدوراتِ (^١) دونَ بعضٍ، فيجبُ أن يُحذَرَ ويُتَّقى.
* * *
(٣٠) - ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾: نصبٌ بمضمرٍ نحوَ: اذكر، لا بـ ﴿تَوَدُّ﴾ إذ حينئذ يضيعُ توصيفُ اليومِ بوجدانِ كلِّ نفس ما عملت من خيرٍ محضرًا، بل يُخلُّ؛ إذ لا يصلُحُ منشأً لتلك الودادةِ، والأصلُ في مثلِ ذلك هوَ المَنشئيَّة.
﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أي: كلُّ نفسٍ عاملةٍ للخيرِ وهي النفسُ المؤمنةُ؛ لعدمِ الخيرِ للكافرِ، وحذِفَ الوصفُ لدلالةِ قولهِ:
﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ عليه، وفيهِ إشارةُ بشارةٍ للمؤمنِ؛ لأنهُ ذكرَ أنهُ يجدُ الخيرَ محضَرًا ولم يذكُر في حقِّهِ إحضارَ الشرِّ؛ لأن (^٢) منه ما يُغفَر فلا (^٣) يُحضَرُ، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦].
والظاهر حضورُ العملِ بنفسه من الخيرِ والشرِّ على ما نطقَ به الخبرُ عن خيرِ البشرِ، فلا يجوزُ الصرفُ عنه بلا صارفٍ.
_________________
(١) في (ف) سقط: " والمقدورات ".
(٢) في (ف) و(م): "لأنَّه".
(٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "ولا".
[ ٢ / ٢٧٤ ]
﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ مبتدأٌ خبرُهُ (^١):
﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ﴾ أي: تحبُّ متمنيًا أنَّ بينها وبينَ ذلك اليومِ وهولِه (^٢).
ولا يجوزُ أن يكونَ: ﴿تَوَدُّ﴾ حالًا من الضميرِ في ﴿عَمِلَتْ﴾ لأنَّ عمَلها ليسَ في حالِ الودادةِ المذكورةِ.
وعلى قراءة: (ودَّت) (^٣) يجوز أن تكون ﴿مَّا﴾ شرطيةً، وكذا على قراءة العامةِ عندَ التحقيقِ، ولا يأباهُ رفعُ ﴿تَوَدُّ﴾؛ لأنَّ الشرطَ إذا كان ماضيًا والجزاء مضارعًا جازَ فيه الرفعُ والجزمُ، لكنَّ الحملَ على الجملةِ الاسميةِ أوقعُ في المعنى؛ لأنَّه حكايةُ الكائنِ في ذلك اليومِ.
﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾ والأمدُ: المسافةُ أو الزمانُ.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: ذكرَهُ فيما سبقَ للمنعِ عن موالاةِ الكافرين، وذكره هنا للحثِّ على عملِ الخيرِ، والمنعِ عن عمل السوءِ، فلا تكرارَ.
﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ يعني: أن المبالغةَ في تحذيرِهم واستيقاظِهم عن الغفلةِ، وتذكيرِهم كمالَ علمِهِ وقدريهِ وإحاطتِهِ بهم، منَ الرأفةِ العظيمةِ بالعبادِ؛ لأنهم إذا تنبَّهوا وعر فوه حقَّ معرفته حذروا سخَطهُ، وطلبوا رضاه، فنجَوا.
ويجوزُ أن يريدَ أنه مع كوبه محذورًا لإحاطةِ علمِهِ، وكمالِ قدرتهِ، وقوة
_________________
(١) في (م): "وخبره ".
(٢) في (م): "سهولة"، وسقطت من باقي النسخ، والمثبت من "الكشاف" (١/ ٣٥٢)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١٢).
(٣) تنسب لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٠٧)، و"الكشاف" (١/ ٣٥٢).
[ ٢ / ٢٧٥ ]
قهرهِ، مرجوٌّ (^١) لسعةِ رحمتِهِ ورأفتِهِ ولطفِهِ؛ كقوله (^٢): ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣].
* * *
(٣١) - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾: المحبةُ أمرٌ وجدانيٌّ لا يمكن تعريفُه بحسب الحقيقَةِ كما قيلَ:
حَقِيقةُ الحبِّ لا تُحكَى لفاقدِها … والواجِدُ استبشَعَ التعريفَ بالقيلِ
لا يعرِفُ الشمسَ إلا مَن يُشاهِدُها … للكُمهِ في تعريِفها عينُ تضليلِ
وأثرها الحادثُ في القلبِ: ميلٌ إلى المحبوبِ لكمالٍ أُدركَ فيهِ بحيثُ يحملها (^٣) على ما يقرِّبه إليهِ، فمحبةُ اللهِ تعالى تقتضِي إرادةَ طاعتهِ، والرغبةَ فيما يقرِّبهُ إليهِ، فلذلك فُسِّرت المحبةُ بإرادةِ الطاعةِ، وجُعلتْ مستلزمةً لاتِّباعِ الرسولِ في عبادتِهِ والحرصِ على طاعتهِ.
﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾: جوابٌ للأمر (^٤)؛ أي: يرضى عنكُم، ويقرِّبُكم مِن جنابِ عزِّهِ، ويبوِّئكم في جوارِ قُدسِهِ، عبَّرَ عن ذلك بالمحبةِ على طريقِ الاستعارةِ والمشاكلةِ (^٥).
_________________
(١) في (د): "مرجو"، والصواب المثبت.
(٢) في (ك) و(ف): "لقوله ".
(٣) قوله: "يحملها"، كذا في النسخ بتأنيث الضمير مع أنه لم يتقدمه مؤنث حتى يعود عليه، لكنه يستقيم على عبارة البيضاوي في "تفسيره" (٢/ ١٣): (المحبة: ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه بحيث يحملها ..).
(٤) في (ك) و(م): "الأمر".
(٥) في (د): "أو المشاكلة".
[ ٢ / ٢٧٦ ]
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ما سلفَ من ذنوبكم.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لمن تحبَّبَ (^١) إليه بطاعتهِ، ومتابعةِ نبيِّهِ.
* * *
(٣٢) - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾: ذُكرَ اللهُ توطئةً لذكرِ الرسولِ؛ تخصيصًا لهُ باللهِ تعالى، وتعظيمًا لكون الطاعةِ مكانَ المتابعةِ، كأنهُ قالَ: فإن لم تتَّبِعوني فأطيعوني، ونوَّه بذكرِ الرسولِ والالتفاتِ، وأكَّدَ تعظيمَهُ:
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: يحتمِلُ أن يكون ماضيًا، وأن يكون مضارعًا بمعنى: فإن تتولُّوا.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾: قد سبق آنفًا بيانُ معنى حبِّ اللهِ.
أثبتَ الكفرَ لتاركي طاعةِ اللهِ والرسولِ بوضع الظاهرِ موضعَ المضمرِ تسجيلًا عليهم بالكفرِ، وحصرًا للكفرِ فيهم بإفادة أنهم جنسُ الكفَّارِ، ليلزَم أن تاركَ المتابعةِ ليسَ بكافرٍ ما دام مطيعًا؛ لأنها لا تتيسَّرُ لكلِّ واحدٍ من آحاد المسلمين، موميًا إلى أن الذي لم يتيسَّرْ له المتابعةُ في سلوكِ طريقه فعليه بالطاعةِ كما أُمرَ، وإلا كان كافرًا (^٢).
* * *
(٣٣) - ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ بالرسالةِ والخصائصِ (^٣) الروحانيةِ والجسمانيةِ،
_________________
(١) في (ف): "يجيب".
(٢) في هامش (ح) و(د): "من غفل عن هذا زعم أن العدول عن الضمير للتعميم. منه".
(٣) في النسخ عدا (د): "أو الخصائص"، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٣). وجاء في هامش (ح): "في نسخة: والخصائص ".
[ ٢ / ٢٧٧ ]
ولذلك قَوُوا على ما لم يقوَ عليه غيرُهم، لمَّا أوجبَ طاعةَ الرسلِ (^١)، وبيَّنَ أنها الجالبةُ لمحبةِ الله تعالى، عقَّبَ ذلك ببيان (^٢) مناقِبهم تحريضًا عليها.
﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾: إسماعيلَ وإسحاقَ ﵉ وأولادَهما، وقد دخلَ فيهم الرسولُ ﷺ.
﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾: موسى وهارون ﵉، والمرادُ: عِمران بن يَصْهُرْ، وقيل: عمرانُ بن ماثانَ، وآلُه: عِيسى ومريمُ بنتُ عمرانَ المذكورِ.
* * *
(٣٤) - ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾: حالٌ أو بدلٌ من الآلَينِ، أو مِنهما ومن نوحٍ وآدمَ؛ أي: إنهم ذريةٌ واحدة منشعِبةٌ (^٣) بعضُها من بعضٍ، والذرَّيةُ لمَّا كانت مشتقَّةً من الذَّرءِ وهو الخَلقُ شملَت الكلَّ؛ لأن الأبَ خلِقَ منهُ الولدُ، والولدُ خِلقَ منَ الأب.
وقيل: بعضُها من بعضٍ في الدينِ.
* * *
(٣٣٣٥) - ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
_________________
(١) في (ك) و(م): "الرسول".
(٢) في (د): "بيان".
(٣) في (ك): "متشعبة".
[ ٢ / ٢٧٨ ]
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بأقوالِ الناسِ وأعمالهِمْ، فيصطفِي مَن كانَ مستقيم القولِ والعملِ، أو: سميعٌ بقولِ امرأةِ عمرانَ عليمٌ بنيَّتها ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾: فتنصبَ (^١) ﴿إِذْ﴾ بـ ﴿سَمِيعٌ﴾، ومنعُ تو صيفِهِ عن العملِ غيرُ مسلَّمٍ.
وقيلَ: نصبُهُ بإضمارِ: اذكُر.
﴿مُحَرَّرًا﴾: نصبُهُ (^٢) على الحالِ؛ أي: مُعتَقًا لخدمتِهِ مُخلَصًا للعبادةِ، لا أَشغلُهُ بشيءٍ.
قيلَ: كانَ بنو إسرائيلَ لم يكن (^٣) لهم غنائمُ أعدائهم، فلم يكُن لهم مماليكُ يعتِقونَهُ، وكانوا يحرِّرونَ أولادَهُم تقرُّبًا إلى الله تعالى، ويقطعُونَ منافعهم عَن أنفسهِم، ويفرغُونهم لخدمة بيتِ اللهِ.
﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ ما نذرتُهُ، والتقبُّلُ: أخذُ الشيءِ على الرضا بهِ.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ قولي ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنيَّتي.
* * *
(٣٦) - ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾: الضمير لما في بطنِها، وتأنيثُه لأنهُ كان
_________________
(١) في (ح) و(ف): "فنصب".
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "نصب".
(٣) في النسخ عدا (ك): "يمكن" والمثبت من (ك).
[ ٢ / ٢٧٩ ]
أنثَى حتى يكونَ كقولكَ: وضعت أنثى أنثى بل نظرًا (^١) إلى الحالِ، أو على تأويلِ النفسِ، أو النسمةِ (^٢).
و﴿أُنْثَى﴾ حالٌ مِن ﴿وَضَعْتُهَا﴾ وطوبِقَ ضميرُ ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ للحالِ؛ لأن الحال وذا الحالِ كشيءٍ وأحدٍ.
وإنما قالتْهُ تحسُّرًا وتحزُّنًا إلى ربِّها؛ لأنها كانَتْ ترجو أن تلِدَ ذكرًا، ولذلك نذرَتهُ محرَّرًا للسدانَةِ.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أي: بالشيءِ الذي وضعتْهُ، وهوَ استئنافٌ منَ اللهِ تعالى تعظيمًا لموضوعِها وتجهيلًا لها بشأنها.
وقرئ: ﴿وَضَعَتْ﴾ (^٣) على أنه مِن كلامها تسليةً لنفسِها؛ أي: ولعلَّ لله تعالى فيها سرًّا، والأُنثى كانَ خيرًا. وقرئ: (وضعتِ) (^٤) على خطابِ الله تعالى لها.
﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ﴾: الذي طلبَتْ.
﴿كَالْأُنْثَى﴾ التي وُهِبت لها، بيانٌ لقولِهِ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، والتعريفُ فيهما للعهدِ.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "وضعت أنثى نظرا".
(٢) في هامش (د) و(ف): "أنث الضمير العائد إلى ﴿مَا﴾ نظرًا إلى الحال من غير أن يعتبر فيه معنى الأنوثة ليلزم اللغو، فكأنه قيل: وضعت ما في بطني أنثى. منه ".
(٣) وهي قراءة أبي بكر، وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ٨٧).
(٤) تنسب لابن عباس ﵄. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٠)، و"الجامع لأحكام القرآن" (٥/ ١٠٢).
[ ٢ / ٢٨٠ ]
قيلَ: ويجوزُ أن يكونَ مِن قولها، بمعنى: وليس الذكرُ والأُنثى (^١) سيَّانِ فيما نذرتُ؛ فيكونُ التعريفُ للجنسِ.
وفيهِ: أنَّ مقصودَها تنقيصُ الأُنثى بالنسبةِ إلى الذكرِ، والمشهورُ في مثلهِ أن يُنْفَى عن الناقصِ شبهُهُ بالكاملِ، لا العكس.
﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾: عطفٌ على ما قبلَها مِن مقالها، وما بينَهُما اعتراضٌ. أرادَتْ بذلك التقربَ إلى اللهِ والعصمةَ لها؛ لأن مريمَ في لغتهم بمعنى: العابدةِ، فلعلَّ اللّهَ يصدِّقُ فيها ظنَّها، ويجعلُها طبقًا لاسمِها، فتقومَ مقام ما نذرتْهُ، ألا تراها كيفَ أتبعتهُ بقولها:
﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾: أجيرُها بحفظِكَ.
﴿وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: المطرودِ، وأصلُ الرجمِ: الرميُ بالحجارة، وعنِ النبيِّ ﷺ: "ما من مولودٍ يولد إلا والشيطانُ يمسُّهُ حينَ يولدُ فيستهِلُّ مِن مسِّهِ، إلا مريمَ وابنَها".
والحديثُ مذكورٌ في الصحيحينِ (^٢). ولا صارفَ عن ظاهرِهِ، فمَن تردَّدَ في صحتِهِ ثم أوَّلهُ فقد ضلَّ وأضلَّ (^٣).
* * *
_________________
(١) في (م): "وأليس الذكر كالأنثى".
(٢) رواه البخاري (٤٥٤٨)، ومسلم (٢٣٦٦)، بألفاظ متقاربة عن أبي هريرة ﵁.
(٣) تعريض بالزمخشري الذي تردد في صحته قائلا: (الله أعلم بصحته)، ثم قال في تأويله ما قال، مما هو جار على طريقة أهل الاعتزال - كما قال أبو حيان - متهمًا أهل السنة بأنهم أهل الحشو. انظر: "الكشاف" (١/ ٣٥٧)، و"البحر" (٥/ ٣٢٧).
[ ٢ / ٢٨١ ]
(٣٧) - ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾: فرضي بها في النذرِ مكانَ الذكَرِ.
﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾: بوجهٍ حسنٍ يقبلُ بهِ النذائرَ، وهو إقامتها مقامَ الذكرِ، أو تسلُّمها عقيبَ ولادتها قبلَ أن تكبرَ وتصلُحَ للسدانةِ.
ويجوزُ أن يكونَ مصدرًا على تقديرِ مضافٍ؛ أي: بذِي قَبولٍ حسنٍ، وأن يكونَ تقبَّلَ بمعنَى استقبَلَ كتقضَّى وتعجَّلَ؛ أي: فأخذها في أوَّلِ أمرِها حينَ ولدَت بقَبولٍ حسنٍ.
﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾؛ أي: أنشأها وربَّاها على أحسنِ وجهٍ خَلْقًا وخُلُقًا.
﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وقرئَ بتشديد الفاء (^١)؛ أي: جعلَ اللهُ زكريا كافلًا لها، وضامِنًا مصالِحَها.
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾: قال الأصمعيُّ: المحرابُ: الغرفة؛ أي: الغرفةَ التي بنى لها.
وقالَ الزجَّاجُ: المحرابُ: أشرفُ المجالسِ ومُقدَّمها، وقيل: المساجِدُ عندهم تسمَّى المحاريبَ (^٢)، وهو مِفعالٌ من الحربِ؛ لأنهُ يحارَبُ فيهِ الشيطانُ؛ كأنها وُضِعت في أشرفِ موضعٍ من بيتِ المقدسِ (^٣).
_________________
(١) قرأ حمزة والكسائي وعاصم بتشديد الفاء، والباقون بتخفيفها، انظر: "التيسير" (ص: ٨٧).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٠٣).
(٣) انظر: "تفسير القرطبي" (٥/ ١٠٨)، و"مفردات ألفاظ القرآن" (مادة: حرب).
[ ٢ / ٢٨٢ ]
﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾: جوابُ ﴿كُلَّمَا﴾ وناصبُهُ، وتنكيرُ ﴿رِزْقًا﴾ للتنويعِ؛ أي: نوعًا غريبًا من الرزقِ.
رويَ: أنه كان لا يدخلُ عليها غيرُهُ، وإذا خرجَ أغلقَ عليها سبعةَ أبوابٍ، فكانَ يجِدُ عندَها فاكهةَ الشتاءِ في الصيفِ، وبالعكسِ (^١).
﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾: مِن أين لكِ هذا الرزق الذي لا يشبِهُ أرزاقَ الدُّنيا (^٢)، وهو آتٍ في غيرِ حينِهِ، والأبوابُ مغلَّقةِ عليكِ؛ استُفيدَ الأوصافُ من اسم الإشارةِ المستعملِ لكمالِ العنايةِ بالتمييزِ (^٣) لمَا لهُ من الأوصافِ العجيبةِ الشأن.
﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: فلا تستبعِدْ.
قيلَ: كانَ رزقُها ينزلُ عليها من الجنةِ، ولم تَرضَع ثديًا قطُّ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغيرِ تقديرٍ لكثرتهِ، أو تفضُّلًا بغيرِ محاسبةٍ ومجازاةٍ على عملٍ، مِن جملةِ كلامِها، أو مِن كلامِ اللهِ تعالى.
* * *
(٣٨) - ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
﴿هُنَالِكَ﴾: في ذلكَ المكانِ.
﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ لمَّا كان المحرابُ مكانَ عبادةٍ وكرامةٍ لمريمَ دعا فيهِ أن يهَبَ اللهُ تعالى له ذريةً طيبةً.
﴿قَالَ﴾ تفسيرٌ للدعاءِ:
_________________
(١) انظر ما روي من ذلك في "تفسير الطبري" (٥/ ٣٥٤)، و"تفسير القرطبي" (٥/ ١٠٨).
(٢) في هامش (د): "أسقط القاضي لعدم تفطنه الوجه المذكور. منه ".
(٣) في (م): "بالتميز".
[ ٢ / ٢٨٣ ]
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾؛ أي: تفضَّل عليَّ بإعطاءِ ولدٍ وإبقائهِ كما وهبتَ لامرأةِ عمرانَ وهي عجوزٌ عاقرٌ، يفهَم هذا من قولهِ: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ فإنَّ فيهِ إشارةً إلى أنَّ تلك الهبةَ على خلاف العادةِ.
وقيلَ: لما رأى الفواكهَ في غيرِ أوانها انتبه على جوازِ ولادةِ العاقرِ من الشيخِ فسألَ.
وأولى منهُ أن يُقالَ: لما شاهدَ وقوعَ هذا الخارقِ كرامةً لمريمَ امتدَّ أملُهُ إلى خارقٍ يناسبه كرامةً له (^١)، والذريةُ: الولدُ، يقعُ على الذكرِ والأُنثى، والواحدِ والجمعِ.
وتأنيثُ الطيِّبةِ للَفظِ الذريةِ، والطيبُ: هوَ الذي يُستطابُ، فلا يكونُ فيهِ أمرٌ يُستخبَثُ ويُعابُ.
﴿إِنَّكَ سَمِيعُ﴾: مجيبُه.
* * *
(٣٩) ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾: كان النداءُ مِن جبريلَ ﵇ وحدَهُ، وإنما ذكرَهُ جمعًا، لأنهُ إذا نزلَ لأمرٍ (^٢) خارقٍ كان معهُ (^٣) جماعةٌ من الملائكةِ تعظيمًا لذلكَ الأمرِ، وهذا كما يقالُ: حضرَ زيدًا خواصُّ السلطانِ يدعونَهُ إليهِ، وإن كانَ الذي يخاطِبهُ بالدعوةِ واحدًا منهم.
_________________
(١) "له" من (د).
(٢) في (ك): (أمر).
(٣) في (ح): "معتمد"، وفي (ف) و(ك) و(م): "يعتمد".
[ ٢ / ٢٨٤ ]
﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ أي: قائمًا في الصلاةِ، و﴿يُصَلِّي﴾ صفةُ ﴿قَائِمٌ﴾، أو خبرٌ، أو حالٌ عنِ الضميرِ في ﴿قَائِمٌ﴾ دل على أنَّ المراداتِ تُطلَبُ بالصلواتِ (^١)، وفيها إجابةُ الدعواتِ، وقضاءُ الحاجاتِ.
﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾: قرئَ بالفتحِ، لوقوعِ فعلِ النداء عليهِ (^٢)، وجعِلَ النداءُ في معنى الإعلامِ، وبالكسرِ على أنَّ في النداء معنى القولِ (^٣).
وقرئ: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ بالتشديدِ منَ التبشيرِ، وبالتخفيفِ من البشارة (^٤)، وقد سبقَ تفسيرُها في سورة البقرةِ.
﴿بِيَحْيَى﴾: اسمٌ أعجميٌّ، وإن جُعلَ عربيًّا فمنعُ صرفِهِ للعلميةِ (^٥)، ووزنِ الفعلِ.
﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: بعيسى ﵇ مؤمنًا بهِ، سمِّي بذلكَ لأنهُ وجِدَ بأمرِ الله تعالى بلا أبٍ، فشابهَ البدعياتِ التي هيَ عالمُ الأمرِ، أو بكتابِ اللهِ تعالى، سمِّيَ (^٦) كلمةً كما قيلَ: كلمةُ الحويدرةِ (^٧)، لقصيدتهِ.
﴿وَسَيِّدًا﴾: يسودُ قومَهُ ويفوقُهم، وكانَ فائقًا على الناسِ كلهم في أنهُ ما همَّ بمعصيةٍ.
_________________
(١) في (د): "في الصلوات".
(٢) في (م) زيادة: "من جبرائيل ﵇ وحده".
(٣) قرأ أكثر السبعة بالفتح، وقرأ بالكسر حمزة وابن عامر، انظر: "التيسير" (ص: ٨٧).
(٤) قرأ بالتخفيف حمزة والكسائي، والباقون بالتشديد. انظر: "التيسير" (ص: ٨٧).
(٥) في (ك): "للتعريف".
(٦) في (م): "يسمى".
(٧) في (ف): "حويدرة".
[ ٢ / ٢٨٥ ]
﴿وَحَصُورًا﴾: ممتنعًا عن (^١) النساءِ مع القدرةِ عليهنَّ، والحصَرُ: الحبسُ والمنعُ، وهو فعولٌ بمعنى الفاعلِ.
وقيلَ: هو المتبتِّلُ الذي حصَرَ نفسه عن كل لذةٍ في الدنيا، رويَ: أنه مرَّ في صباهُ بصبيانٍ فدعَوه إلى اللعبِ؛ فقالَ: ما للَّعبِ خُلِقتُ (^٢).
﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ناشئًا منهم؛ لأنَّه كانَ من أصلابِ الأنبياءِ ﵈، أو: كائنًا من الصالحينَ. وفي توصيفِهِ بالصلاحِ بعدَ توصيفِهِ بالنبوة ما لا يخفى من التعظيمِ للصلاحِ.
* * *
(٤٠) - ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾: استعظامًا وتعجبًا، وفي عبار الغلامِ دونَ الولدِ تقويةٌ لهُ، وذكرُ الغلامِ كانَ في البشارةِ على ما ذُكرَ في سورة مريم، وتُركَ هاهنا اختصارًا.
والاستبعادُ بحسبِ العادةِ لا يناسبُ الحالَ وسياقَ المقالِ، إلا على قولِ مَن قال: كانَ دعاؤه ﵇ قبلَ بشارته بأربعين سنةً؛ فلذلكَ نسيَ ما سأل ربهُ حتى قالَ ما قالَ. على أنَّ الاستعظامَ ينتظِمهُ إذا اقتضاهُ المقامُ، وأما الاستفهامُ عن كيفيةِ حدوثهُ فلا يناسبُه تمامُ الكلام، ولا ينتظِمهُ الجوابُ حقَّ الانتظام.
_________________
(١) في (ك) و(م): "من".
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٥). ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ١٢٠) عن معمر. وابن عساكر في "تاريخه" (٦٤/ ١٨٣) من حديث معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾: أدركني كِبرُ السنِّ وأثَّر فيَّ، وكانَ له تسع وتسعونَ سنةً، ولامرأتهِ ثمانية وتسعونَ (^١)، ولهذا قالَ:
﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾: لا تلدُ؟ منَ العُقرِ وهوَ: القطعُ؛ لأنها ذاتُ عُقرٍ من الأولاد.
﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾: تعظيمٌ، أي: مثلَ ذلكَ الفعلِ العظيم العجيب الشأنِ، البعيدِ عن العقلِ والعادةِ يفعل الله ما يشاءُ من الأفاعيل العجيبةِ؛ وهو خلقُ الولدِ من الشيخ الفاني والعجوزِ العاقرِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ نصب على المصدرِ، أو خبرُ مبتدأ.
﴿اللَّهُ﴾ أي: على مثلِ هذه الصفةِ ﴿اللَّهُ﴾، وقولُهُ:
﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾: بيانٌ لهُ؛ أي: يفعلُ ما يريدُ من الأفاعيل الخارقةِ للعادة (^٢).
* * *
(٤١) - ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾: علامةً أعرفُ بها الهبة لأستقبلَهُ بالبشاشةِ والشُّكرِ، وتزيح مشقَّةَ الانتظارِ.
﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾: أن لا تقدِرَ على تكليم الناسِ من غير خرسٍ ولا آفةٍ أُخرى، لقولهِ في موضع آخرَ ﴿سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] أي: سليمَ الأعضاءِ.
وإنما حُبِسَ لسانُهُ عن مكالمتهم خاصَّةً لتخلُصَ المدةُ لذكرِ اللهِ تعالى وشكرِهِ
_________________
(١) في (ك) و(م): "ثمان وتسعون سنة".
(٢) في (د): "للعادات".
[ ٢ / ٢٨٧ ]
قضاءً لحقِّ النعمةِ، لمَّا أطلَعَ اللّهَ تعالى على أنهُ طلبَ الآية لأداء الشكرِ، جعلَ الآيةَ نفسَ الشكرِ؛ فإن إخلاص المدةِ لذكره دونَ شَغل لسانه بغيرِهِ من أحسن أنواع الشكرِ، وأحسَنُ الجوابِ ما كان منتزَعًا منَ السؤالِ؛ كأنه قالَ: آيتُكَ أن لا تقدِرَ إلا على شكري.
﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾: ذكَرَ الأيام هنا والليالي هناكَ، ولا تنافَي بينهُما؛ لأن ذكرَ إحداهما جمعًا يقتضِي دخولَ الأُخرى فيها لغةً وعرفًا.
﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ الرمزُ: الإيماءُ بالشفتَين، وقد يستعمَلُ في الإيماءِ بالحاجبِ والعينِ، واليدِ والرأسِ، والأولُ أغلَبُ، وأصله التحركُ، ومنهُ الراموزُ للبحرِ، والكلامُ ينتظِمُ الرمزَ؛ لأن المرادَ منهُ ما دلَّ على الضميرِ، قالَ: جؤيَّةُ بنُ عائذٍ:
كأنَّ تَكَلُّمَ الأبطالِ رمزًا … وغَمْغَمَةً لهُمْ مثلُ الهدِيرِ (^١)
فالاستثناءُ متصلٌ.
وقرئ: (رَمَزًا) كخَدَمٍ: جمعُ رامزٍ، و(رُمُزًا) كرسُلٍ: جمعُ رَموزٍ (^٢)، على أنهُ حالٌ منهُ ﵊ ومنَ ﴿النَّاسَ﴾ بمعنى: إلا مترامِزِين.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ في أيامِ الحبسةِ، وهو مؤكِّدٌ لمَا قبلَهُ مبيِّنٌ للغرضِ منهُ، والكثرةُ قيدُ المأمورِ به لا قيدُ الأمرِ، فعلَى تقديرِ دلالةِ الأمرِ على التكرارِ فائدَتهُ تكرارُ الذكر الكثير (^٣).
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٥/ ٣٨٨)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٤٣٢).
(٢) انظر القراءتين في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٠).
(٣) في هامش (د) و(ف): "فلا يغني الأول عن الثاني فمن وهم أن تقييده بها يدل على أنه لا يفيد التكرار فقد وهم".
[ ٢ / ٢٨٨ ]
﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ في طرفي النهارِ، خصَّهما بالذكرِ لأنهما (^١) مجتمَعُ ملائكةِ الملَوين.
وقرئ: (والأبكار) بفتحِ الهمزةِ جمعُ بَكَرٍ (^٢)؛ كسَحَرٍ وأسحارٍ، يقالُ: أتيته بكَرًا، بفتحتين؛ أي: بكرةً.
* * *
(٤٢) - ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ﴾ لما فرَغَ من قصة زكريا ﵇، وكانَ قد استطرَدَ من قصة مريم إليها رجع إلى قصتها، والمقصودُ تنزيهُها عما رمتها به اليهودُ.
وفي نداءِ الملائكةِ لها باسمها تأنيسٌ لها، وتوطئةٌ لما تلقيه (^٣) إليها، ودفعٌ لاحتمالِ أن يكونَ ذلكَ بطريقِ الإلهامِ، لا على وجهِ المشافهةِ بالكلام.
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أولًا بأنواعِ (^٤) الكرامةِ، واختصَّكِ بتقبُّلكِ من أمكِ، وتربيتك برزق الجنةِ، وفيضِ القدرةِ.
﴿وَطَهَّرَكِ﴾ مما يُستقذَرُ ويجتنَبُ من الأفعالِ، ويدخُلُ فيه ما قذفها به (^٥) اليهودُ دخولًا أوليًا.
_________________
(١) في (د): "خصها بالذكر لأنها".
(٢) انظر: "البحر" (٥/ ٣٦١).
(٣) في (ح) و(ف): "يلقيهم"، وفي (د): "يلقهم"، وفي (ك): "يؤلفهم"، وفي (م): "يألفهم"، والمثبت من "البحر" (٥/ ٣٦٧).
(٤) في (م): "بإنعام".
(٥) (به) سقط من (ك) و(ف) و(م).
[ ٢ / ٢٨٩ ]
﴿وَاصْطَفَاكِ﴾ آخرًا (^١).
﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ بأن وهبَ لكِ عيسى ﵇ مِن غير أبٍ.
كانت (^٢) تلك المخاطبة كرامةً لها؛ للإجماعِ (^٣) على أنهُ تعالى لم يستنبئ امرأةً.
وأمَّا قولهُ تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف: ١٠٩]، فلا دلالةَ فيه على المطلوبِ؛ لأنَّ الرسولَ أخصُّ من النبيِّ، ولا يلزم من انتفاءِ الخاصِ انتفاءُ العامِ.
* * *
(٤٣) - ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.
﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي﴾: أخلِصي، أو: أديمي الطاعةَ.
﴿لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾؛ أي: صلي النافلةَ وحدَكِ.
﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ أي: صلي الفرضَ مع المصلِّينَ في بيت المقدس جماعةً.
وإنما خصَّ السجودَ من بينِ أركان الصلاةِ بالذكرِ في مقام التعبيرِ عن الكلِّ بالجزءِ؛ لأنَّ تمام الصلاةِ بهِ، ولهذا يَحنَثُ من حلفَ لا يصلي إذا أتم سجودَهُ (^٤) ولا يَحنَثُ قبلَهُ.
وخصَّ الركوع بالذكرِ في مقامِ التعبيرِ عن الصلاةِ بالجماعةِ؛ لأن شرطَ صحة الاقتداءِ إدراكُ الإمامِ في الركوعِ (^٥).
_________________
(١) في (م): "أخيرًا".
(٢) في النسخ عدا (م): "كان" والمثبت من (م).
(٣) في (م): "للاجتماع".
(٤) في (ف): "بسجوده".
(٥) في هامش (ح) و(د) و(ف): "ومن لم يتنبه لسر هذا المقال قال ما قال، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ومن بِدَع الكلام ما سبق إلى بعض الأوهام: وهو أن يكون تقديم السجود على الركوع للتنبيه على أن =
[ ٢ / ٢٩٠ ]
(٤٤) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى ما ذكِرَ من نبأ زكريا ويحيى ومريمَ وعيسَى ﵈.
﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾: مما يوحى إليكَ من الغيوبِ.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ الضميرُ عائدٌ على ما دلَّ عليه المعنى؛ أي: وما كنتَ لدى المتنازعِينَ.
﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ قِداحهم للاقتراعِ.
وقيلَ: اقترعوا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة تبرُّكًا بها.
والمرادُ: تقريرُ كونهِ وحيًا على سبيل التهكُّمِ بمنكريهِ، كأنه قيل: إنه ﵇ يخبركم بما لا سبيلَ إليه لنظر العقلِ، وأنتم تنكرونَ الوحيَ وتعترفون بعدمِ السماعِ، فلم يبقَ لنا بمقتضَى عقولكم ما يحتاجُ إلى النفي سوى المشاهدةِ التي هي أظهَرُ الأمورِ انتفاءً.
﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ دلَّ عليهِ ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾؛ أي: يلقُونها ليَعلمُوا إلُهم يكفُل مريمَ.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ تنافسًا في كفالتِها.
* * *
_________________
(١) = الواو لا توجب الترتيب، ولم يدر أنه مسألة نحوية تؤخذ من العرب ولا يأخذها العرب من الشرع، ولو قال: للتنبيه على أن الترتيب في الذكر لا يجب أن يكون على حسب الترتيب في الوجود، لكان له وجه لأنَّه مسألة أصولية، وأما ما قيل في تعليله: لتقترن اركعي بالراكعين للإيذان، فلم يدر أنه يحصل بأن يقال: واركعي واسجدي مع الساجدين. منه".
[ ٢ / ٢٩١ ]
(٤٥) - ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ بدلٌ مِن ﴿إِذْ قَالَتِ﴾ الأولى وما بينهُما اعتراضٌ، أو مِن ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ على أن وقوعَ الاختصامِ والبشارة في زمانٍ متسعٍ؛ كقولهِ: لقيتُه سنةَ كذا.
﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قد سبقَ تفسيرُها.
﴿اسْمُهُ﴾: الضمير للكلمة، وإنما ذُكِّرَ باعتبارِ المعنى.
﴿الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المسيحُ) لقبُهُ؛ أصلُه بالعبرية: مَشِيحا؛ ومعناهُ: المبارَك، فهو من الألقابِ المشرِّفةِ (^١) كالصِّدِّيقِ، و(عيسى) معرَّبُ أيشوع.
وإنما قال: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ والخطابُ لها؛ للتنبيه بنسبته إلى الأمِّ أنه يولَدُ من غير أبٍ؛ لأن النسبةَ إليها إنما تكونُ عند فَقْد الأبِ، وقد كان في قولهم: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ (^٢) تمهيدٌ لهذا التنبيه.
ولما كان الاسمُ علامةً يعرَفُ به المسمَّى ويتميَّزُ من (^٣) غيرهِ قيلَ: اسمه - أي: ما يُعرَفُ به ويتميَّزُ - مجموعُ هذه الثلاثةِ؛ تعظيمًا لهُ، وتنويهًا بذكرِ اللقبِ والصفةِ مع الاسمِ.
﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا﴾ حال مقدَّرةٌ من (كلمةٍ)، وهي وإن كانت نكرةً لكنها موصوفة.
_________________
(١) بكسر الراء المشددة؛ أي: المفيدة للمدح، ويجوز فتحها. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٣/ ٢٦).
(٢) "منه": ليست في (م).
(٣) في (ف): "في".
[ ٢ / ٢٩٢ ]
والوجاهةُ في الدنيا: النبوةُ والتقدمُ على الناس بالمعجزاتِ، وفي الآخرةِ: علوُّ الدرجةِ والشفاعةُ.
﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ من الله تعالى، حالٌ آخرُ، وقيلَ: إشارة إلى رفعهِ إلى السماءِ، وصحبة الملائكةِ.
* * *
(٤٦) - ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ﴾ حالٌ آخرُ، والعدولُ إلى الفعل لأنَّه صفةٌ متجددةٌ بخلافِ السابق واللاحقِ، وذكرَ الناسَ لبيان أن المرادَ التكلم المعتادُ، فإن الصبيَّ قد يقدر على التكلُّمِ مع أبويهِ وهو طفلٌ، فتكلُّمه مطلقًا في تلك الحالِ ليس بخارقٍ للعادة.
﴿فِي الْمَهْدِ﴾ حالٌ من (يكلِّمُ) ﴿وَكَهْلًا﴾ عطفٌ عليه؛ أي: طفلًا وكهلًا، وإنما عدلَ عنه إلى المنزَل تصويرًا لحالِ صغَرهِ المنافي للقدر على التكلُّم كما ينبغي، والمعنى: يكلِّمُهم في الطفولةِ والكهولةِ على سواءٍ.
وفيه بشارةٌ (^١) لأمهِ بعيشهِ وبقائهِ إلى الكهولةِ؛ وهي (^٢) ما بين الشبابِ والشّيبِ. واستُدِلَ به على نزوله من السماءِ؛ لأن رفعه إليها كانَ قبل أن يصيرَ كهلًا.
والمهد: ما يمهَدُ للصبيِّ من مضجعه تسميةً بالمصدرِ.
﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: حالٌ رابع من (كلمةٍ) أو ضميرِها الذي في (يكلم).
* * *
_________________
(١) في (م): "إشارة".
(٢) في (ك) و(م): "وهو".
[ ٢ / ٢٩٣ ]
(٤٧) - ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿قَالَتْ﴾ لمَّا فهمَت من نسبتِه لها أنهُ لا والد له:
﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾: تعجُّبٌ ناشٍ من استبعادٍ عاديٍّ، لا استفهامٌ (^١) عن أن يكون بتزوجٍ أو غيرهِ؛ لأن قولَهُ:
﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ظاهرٌ في أن الطريقَ عندَه منحصِرٌ في التزوُّجِ.
﴿قَالَ﴾ جبريلُ ﵇ بأمرِ الله تعالى:
﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ قد سبقَ تفسيره.
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بيانٌ لقولهِ: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، وإشارةٌ إلى أنهُ تعالى كما يقدِرُ أن يخلُقَ الأشياء مدرجًا بأسبابٍ وموادَّ، يقدِرُ أن يخلُقها دفعةً من غير ذلكَ.
* * *
(٤٨) - ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾: كلامٌ مبتدأٌ ذكِرَ تطييبًا لقلبِها، وإزاحةً لمَا همَّها (^٢) خوفِ اللومِ لمَّا علمَتْ يقينًا أنها تلد من (^٣) غيرِ زواجٍ.
والكتابُ: الكَتبةُ (^٤).
_________________
(١) في (م): "عادي لاستفهام".
(٢) في (ف): "دهمها".
(٣) في (ف): "في".
(٤) في (م): "الكتب". وفي (ف): (كتبه). والصواب المثبت، والكتبة: بالفتح؛ أي: بالمعنى المصدريّ. =
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وقرئ: ﴿ونُعلِّمه﴾ (^١) بالنونِ على الالتفاتِ منَ الغيبةِ إلى الخطابِ؛ لشدة الاعتناء (^٢) بأمره ﵇.
ويجوزُ أن يراد بالكتابِ جنسُ الكتبِ المنزلةِ، وخُصَّ الكتابان (^٣) في قولهِ:
﴿وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ لفضلِهما.
* * *
(٤٩) - ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ منصوبٌ بمضمرٍ؛ أي: ويجعلُهُ رسولًا. ﴿وَرَسُولًا﴾ يتضمَّنُ معنى النطق (^٤)، كأنه قال: ورسولًا ناطقًا بأني قد جئتكم بآيةٍ.
وجوِّزَ أن يكونَ التقديرُ: (ويقولُ: أرسلتُ رسولًا)، ولا يخفَى ضعفُهُ؛ إذ فيه إضمارُ شيئينِ: القولُ ومعمولُهُ.
والعطفُ على الأحوالِ المتقدِّمةِ يأباهُ الفصل بقولِهِ: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾
_________________
(١) =انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٣/ ٢٨).
(٢) هي قراءة أكثر السبعة، وقرأ نافع وعاصم بالياء. انظر: "التيسير" (ص: ٨٨).
(٣) في (د): "الاعتبار".
(٤) في (ف) و(ك) و(م): "كتابان".
(٥) "النطق" من (م)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٣٦٤).
[ ٢ / ٢٩٥ ]
إلخ، فإنه حينئذٍ ينبغي أن يؤخَّرَ هذا القولُ عن ذكرِ الأحوال والأوصاف (^١)، والاهتمامُ بلا علَّةٍ لا يصلُحُ باعثُا لتقديمِ ما حقُّهُ التأخيرُ، فإنه لا يكونُ سلامة الأمير (^٢).
وتخصيصُ بني إسرائيلَ لخصوصِ بعثتهِ ﵊، أو للردِّ على مَن زعم أنه مبعوثٌ إلى غيرهم.
﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ في محلِّ النصبِ بدلٌ من ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾، أو الجرِّ بدلًا من (آيةٍ)، أو الرفعِ على: هي أني.
وقرئ: ﴿إني﴾ (^٣) بالكسر على الاستئناف.
﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي: أقدِّرُ لكم وأصوِّرُ شيئًا مثلَ صورة الطيرِ، أصلُ الكلامِ: كالطير في الهيئةِ، وإنما عدلَ عنهُ إلى المنزل إشارةً إلى أنهُ لم يكن منهُ ﵊ تصرفٌ إلا في الهيئةِ، فلا مماثلةَ بينهُما في المادةِ، وإنما المماثلةُ في الصورة فقط.
﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾: الضميرُ للكافِ؛ أي: في ذلك المماثلِ (^٤).
﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ أي: يصيرُ حيًّا طائرًا.
﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بيَّنَ به أن إحياءه كانَ من الله تعالى لا منه، وفي عبارةِ الإذنِ دون الأمرِ إشارةٌ إلى تهوين أمرِ كونه طيرًا (^٥).
_________________
(١) في (ك) و(م): "الأوصاف والأحوال".
(٢) في (م): "بسلامة الأمير". وفي (ك): (سلامة الأجر). وفي (ح) و(ف): (سلامة الأمر).
(٣) وهي قراءة نافع، انظر: "التيسير" (ص: ٨٨).
(٤) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "المماثلة".
(٥) في هامش (ح) و(د) و(ف): "رد لمن فسر الإذن بالأمر".
[ ٢ / ٢٩٦ ]
قيلَ (^١): تواطَأَ النقلُ عن المفسرين أن الطائرَ الذي خلقَهُ ﵇ كانَ يطيرُ ما دام الناس ينظرون إليهِ، فإذا غاب عن أعينهم سقَطَ ميتًا؛ ليتميّزَ فعلُ المخلوق من فعل الخالقِ، ومن هنا ظهر وجه زيادة ﴿لَكُمْ﴾ في قولهِ: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾، ووجهُ التهوينِ الذي أُشيرَ إليهِ بعبارة الإذنِ (^٢).
﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ الأكمَهُ: الذي ولدَ أعمى، وقيلَ: الممسوح العينِ.
﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: ذكره فيما لا يدخُلُ تحت قدرةِ العبادِ، وقيلَ في وجهه: إنه علِمَ أنه يُعبَدُ ويتَّخَذُ إلهًا، فنفَى عن نفسهِ الألوهيةَ قطعًا لحججهم (^٣) عندَ الله تعالى.
﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ بالمغيَّباتِ من أحوالكُم التي لا تشكُّونَ فيها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الإشارةُ إلى مجموع ما ذكِرَ.
﴿لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: موقنين للإيمان؛ فإن غيرهم لا ينتفِعُ بالمعجزاتِ، أو: مصدِّقينَ للحقِّ غير مُعاندين.
* * *
(٥٠) - ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
_________________
(١) في هامش (ح) و(د) و(ف): "قائله أبو حيان". قلت: وهو في الأصل قول وهب بن منبه. انظر: "البحر" (٥/ ٣٩٦)، وذكره عن وهب الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٢٤).
(٢) في هامش (ح) و(د) و(ف): "والإحياء الآتي ذكره أيضًا ليس من قبيل الإحياء المعتاد فالإشارة المذكورة أصابت محزها ثمة أيضًا. منه".
(٣) في (ح) و(ف): "بحججهم".
[ ٢ / ٢٩٧ ]
﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: عطفٌ على ﴿وَرَسُولًا﴾ أو على ﴿بِآيَةٍ﴾ تقديره: قد جئتكُمْ بآيةٍ، وجئتكُم مصدِّقًا.
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ ولأبيِّنَ الحلَّ وأعلِّمَه، معطوفٌ على محذوفٍ تقديرُهُ: لأخفِّفَ عنكُمْ ولأحلَّ لكم، أو معطوفٌ على معنى: (مصدقًا) كقولهم: أجئتك، (^١) معتذرًا ولأطيِّبَ قلبكَ، أو مردود على قوله: (جئتكم بآية)، أي: منتظِمٌ معه معطوفٌ عليهِ ظاهرًا، لكنه في التحقيقِ مِن عطفِ الجمَلِ، أي: وجئتكم بآيةٍ لأحِلَّ؛ إذ (^٢) لا وجهَ لعطف المفعول له على المفعول به، ولك أن تجعل الكلَّ في معنى الحال فيستقيمَ العطفُ؛ أي: جئتكم ملتبسًا بآيةٍ، ومصدقًا لما بين يديَّ، وكائنًا لأحل لكم (^٣).
﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: في شريعة موسى ﵇؛ كالشحومِ، والشروبِ، والسمكِ، ولحومِ الإبلِ، والعملِ في السبتِ، وذلك لا يُنافي كونَه مصدِّقًا للتوراةِ؛ لأن النسخَ في الحقيقةِ بيانٌ لانتهاء حكمِ المنسوخ.
﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: جئتكم بآيةٍ بعد أُخرى مما ذكرتُ لكم ومما لم أذكُر؛ من ولادَتي بغير أبٍ، ومن كلامي في المهدِ، وغيرِ ذلكَ.
وقرئ: (بآيات من ربكم) (^٤).
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ لما جئتكم بهِ من الآياتِ.
﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكمِ إليه (^٥)، ثم ابتدأَ فقال:
_________________
(١) من "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٨).
(٢) في (د): "إذا".
(٣) "لكم" من (ح) و(ك) و(ف).
(٤) تنسب لابن مسعود ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢١ - ٢٢).
(٥) في النسخ عدا (م): "أدعوكم به"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٣٦٥)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١٨).
[ ٢ / ٢٩٨ ]
(٥١) - ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ أي: تلك الآياتُ، واسمعوا هذه فإنها أعظَمُها وهو التوحيدُ الذي تطابق عليهِ الرسلُ كلهم، وهو (^١) مبنَى دينِ الكلِّ وأسُّهُ.
﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: فخصِّصُوه (^٢) بالعبادةِ.
وقرئ: (أن الله) بالفتح (^٣)، ومعناهُ: لأنَّ اللهَ ربي وربكم فاعبدُوه؛ كقولِهِ تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ … فَلْيَعْبُدُوا﴾.
ويجوزُ أن يكونَ المعنى: وجئتكم بآيةٍ عظيمةٍ ما أعظَمها دالةٍ على أن الله تعالى ربِّي وربُّكم، وما بينَهما اعتراضٌ للتأكيدِ.
﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أشارَ بقولهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ إلى باستكمالِ القوةِ النظريةِ بالاعتقادِ الحقِّ الذي غايتُهُ التوحيد، وبقولهِ: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ إلى استكمالِ القوة العمليَّةِ، فإنه بملازمة (^٤) الطاعةِ التي هي الإتيانُ بالأوامرِ والانتهاءُ عن المناهي (^٥)، ثم قرَّرَ ذلك بأنْ بيَّن أن الجمعَ بين الأمرين هو الطريقُ المشهودُ له (^٦) بالاستقامةِ.
* * *
_________________
(١) في (ف) سقط: "هو".
(٢) في (ك): "فخصوه".
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٠ - ٢١).
(٤) في (ف): "بمنزلة".
(٥) في (ك): "النواهي".
(٦) "له" ليست في (ف) و(ك).
[ ٢ / ٢٩٩ ]
(٥٢) - ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ نزَّلَ الكفرَ منزلةَ آثاره المحسوسةِ من سبِّهِ وطلبِهِ للقتلِ مبالغةً في قوة تأثيره وشدِّةِ ظهوره، ثم كنى بإحساسهِ عن التأثرِ به، والخوفِ منهم، ولذلكَ طلب الأنصارَ، ومَن وهَمَ أن الإحساسَ مستعارٌ للعلمِ اليقينيِّ الذي لا شبهةَ فيه فقد وهِمَ؛ لأنَّ فيه تشبيهَ القويِّ بالضعيفِ، فإن الإحساسَ كثيرًا ما يقعُ فيه الغلطُ.
نعم؛ لو قيلَ: شبَّه الكفرَ المعقولَ بالمحسوسِ في قوةِ الظهورِ، فأضافَ إليه الإحساسَ على طريقةِ الاستعارةِ بالكنايةِ، لكانَ له وجهٌ، والفاءُ فصيحةٌ ترتيبُها على محذوفٍ يُفهَمُ من سياق الكلام وسباقه.
﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي﴾: جمعُ النصيرِ؛ كالأشرافِ: جمع الشريفِ، أو جمعُ ناصرٍ؛ كالأصحاب: جمع صاحب.
﴿إِلَى اللَّهِ﴾: في محلِّ النصبِ متعلقٌ بحالٍ محذوفٍ؛ أي: سائرًا إلى اللهِ، أو: ملتجئًا، أو صلةٌ لـ ﴿أَنْصَارِي﴾ مضمَّنًا (^١) معنى فعلٍ متعدٍّ (^٢) بـ (إلى)؛ أي: مَن الذين يُضيفون (^٣) أنفسهُمْ إلى الله تعالى ينصرونني كما ينصرني الله.
﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾: حواريُّ الرجلِ: صفوته وخالصتُهُ، من الحَوَرِ؛ وهو
_________________
(١) في (د): "متضمنًا".
(٢) في (ح) و(ف) و(ك): "المتعدي"، وفي (م): "متعدي".
(٣) في (ح) و(د) و(ت): "يضيقون".
[ ٢ / ٣٠٠ ]
البياضُ الخالص؛ سمِّيَ به أصحابهُ ﵊ (^١) لخلوصِ نيتهِم، ونقاءِ (^٢) سريرتهم.
﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أي: أنصار دينه.
﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ تأكيدٌ لإسلامهم؛ لأن الرسُلَ يشهدون يوم القيامةِ لقومهم وعليهم.
* * *
(٥٣) - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: مع الأنبياءِ الذين يشهدونَ لأممهم، أو: مع أمة محمدٍ ﵊؛ لأنهم شهداءُ على الناسِ، أو: مع الشاهدين بالوحدانية.
* * *
(٥٤) - ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
﴿وَمَكَرُوا﴾؛ أي: الذينَ أحسَّ عيسى ﵊ منهم الكفرَ، ومكرُهم أنهم وكَلوا به مَن يقتلُهُ غيلةً (^٣).
﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ بأنْ رفعَهُ ﵊، وألقَى شبهَهُ على مَن قصَدَ اغتياله حتى قُتلَ.
_________________
(١) في (ك) و(م): "سمي به ﵇ أصحابه".
(٢) في (ف): "ونقاوة".
(٣) في (ك) و(م): "غيلة فجأة".
[ ٢ / ٣٠١ ]
وحقيقةُ المكرِ: إظهار أمرٍ يعتقدُ فيه الناظر إليه الجاهلُ حقيقتَهُ بضدِّ ما هو، وكذلك الاحتيال والخديعةُ (^١) والسخريةُ.
ومَن قصدَ بشيءٍ مِن فعل (^٢) ذلكَ أمرًا قبيحًا يكونُ ذميمًا، وإن قصدَ به فعلًا جميلًا يكونُ بذلك حميدًا، كذا قالَ الراغبُ (^٣)، فلا شيءَ في إسنادهِ إلى الله تعالى، كما لا شيءَ في إسناد الكيدِ إليه.
ومن وهَمَ أنه لا يسنَدُ إليه تعالى إلا على سبيلِ المقابلةِ والازدواجِ فقد وهِمَ، وكأنه غافلٌ عن قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] (^٤).
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أقواهم مكرًا، وأنفذُهم (^٥) كيدًا، وأقدرُهم على إيصالِ الضررِ من حيث لا يُحتسَبُ.
* * *
(٥٥) - ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
_________________
(١) في النسخ عدا (ك): "والحذيقة"، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "تفسير الراغب" (١/ ٤٠٩).
(٢) "فعل" ليست في (ف) ولم ترد في مطبوع "تفسير الراغب".
(٣) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ٤٠٩).
(٤) في هامش "د": "في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ من سورة البقرة، وعن قوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ والفرق بينهما تحكم. منه".
(٥) في (د): "وأقدرهم".
[ ٢ / ٣٠٢ ]
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾: ظرفٌ لـ ﴿مَكَرَ اللَّهُ﴾ لا لـ ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾؛ لأن تقييدَ (^١) كونه تعالى خيرَ الماكرين بالظرفِ ليس بسديدٍ.
﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾؛ أي: مستوفي أجلِكَ، ومؤخِّرُك إلى أجلك المسمَّى، عاصمًا إياك من قتلِهم.
أو: قابضُكَ من الأرضِ؛ من توفَّيتُ مالي.
أو: متوفيكَ نائمًا؛ إذ رويَ أنهُ رُفِعَ نائمًا.
وقيلَ: أماتهُ اللهُ ورفعه إلى السماءِ ثم أحياهُ؛ وإليه ذهبَ النصارى (^٢).
﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾: إلى محلِّ كرامتي، ومقرِّ ملائكتي.
﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: من خُبث صحبتهم، وسوءِ جوارهم، أو قصدِ جَورهم.
﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: يَعْلونهم بالحجةِ، وفي أكثر الأحوالِ بها وبالسيفِ، ومتَّبعوهُ هم المسلمون؛ لأنهم متَبعوه في أصلِ الإسلام وإن اختلفتِ الشرائعُ، دونَ الذين كذَّبوه وكذَبوا عليه من اليهودِ والنصارى.
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: إلى الآنَ لم يُسمَعْ غلبةُ اليهود عليهم (^٣)، ولم يتَّفق لهم دولةٌ وملكٌ.
﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾: الضميرُ لعيسى ﵇ ومَن تبعَهُ ومَن كفرَ به،
_________________
(١) في (د): "تقيد".
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٦٧)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١٩).
(٣) "عليهم" ليست في (ك).
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وغلَّبَ المخاطَبين على الغائبين بعدما التفتَ من الغيبةِ إلى الخطاب؛ ليكون الإخبارُ أبلغَ في التهديدِ، وأشدَّ زجرًا.
﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: من أمرِ الدينِ، والتفتَ من الغيبةِ إلى التكلُّمِ مسنِدًا للحكمِ إلى نفسهِ ليُعلمَ أن الحاكمَ هنا مَن لا يخفى عليه خافيةٌ.
* * *
(٥٦ - ٥٧) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾: تفسيرٌ للحكمِ، وتفصيلٌ لهُ.
وبدأ بذكرِ الكفارِ لأنَّ ما تقدَّمَ من المجمل إنما ذُكِرَ على سبيل التهديدِ والوعيدِ لهم، والإخبارِ بجزائهم.
وقولُهُ: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لم يُذكَرْ على أنه قيدٌ احترازيٌّ، بل ذُكرَ للتنبيهِ على أن الإيمان الصحيحَ يتبعُهُ العملُ الصالحُ إن لم يمنعه (^١) مانعٌ.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: يبغضُهم، فإنهُ من الكناياتِ الملحقةِ بالحقيقةِ في جميع الألسنةِ.
* * *
(٥٨) - ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾.
_________________
(١) في (ف): "يمنع".
[ ٢ / ٣٠٤ ]
﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى ما سبقَ من نبأِ عيسى ﵇ وغيرِهِ، وهوَ مبتدأ خبرُهُ:
﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، وقولُهُ:
﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: حالٌ من الهاءِ، أو خبر بعد خبرٍ، أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ.
ويجوزُ أن يكونَ: ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾ خبرًا، و﴿نَتْلُوهُ﴾ حالًا، على أنَّ العامل معنى الإشارةِ.
وأن ينتصِبَ ﴿ذَلِكَ﴾ بمضمرٍ يفسِّرُهُ ﴿نَتْلُوهُ﴾، وأن يكونَ بمعنى: الذي، و﴿نَتْلُوهُ﴾ صلته، والخبرُ ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾.
﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾: هو القرآنُ وصفٌ (^١) بصفةِ من هوَ له على طريقةِ قولهِمْ: شعرَ شاعرًا، أو لكثرةِ (^٢) حكمِهِ كأنه حكيمٌ ناطق بالحكمةِ، أو المحكَمُ الممنوعُ عن تطرُّقِ الخللِ إليه.
* * *
(٥٩) - ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: شأنَهُ الغريبَ في ولادته من غيرِ نطفةٍ.
﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾: كشأنهِ الغريبِ في خلقِهِ كذلكَ، ولخفاءِ هذه الحال على الخلقِ قالَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهما في ذلكَ - أي: في أن وُجِدا وجودًا خارجًا عن العادةِ بأن خُلِقا من غيرِ نطفةٍ - نظيرانِ لا مزيةَ لأحدِهما في نفس ذلك المعنى، فصحَّ التشبيهُ بلا اشتباهٍ.
_________________
(١) في (ك) و(م): "وصفه".
(٢) في (م): "ولكثرة".
[ ٢ / ٣٠٥ ]
وأمَّا كونُ عيسى ﵇ مخلوقًا من غيرِ أبٍ، وآدمَ ﵇ مخلوقًا مِن غير أبٍ وأمٍّ، فخارجٌ عن مدلولِ الكلامِ وإن كان مقصورًا في تمشيةِ ما سيقَ لهُ ذلكَ، ملحوظًا من (^١) غرضه بمعونةِ المقامِ؛ فإن الغرضَ دفعُ استغرابهم خلقَ عيسى ﵇ من غير أبٍ، فبملاحظةِ مَن خُلقَ من غير أبٍ وأمٍّ يتمُّ ذلك الغرضُ على وجهٍ أقوى، ولهذا تعرَّضَ لبيانِ حاله بقوله:
﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾: جملة مفسِّرةٌ للتمثيل مبيِّنة لِمَا له الشبهُ؛ أي (^٢): خلقِ جسدِهِ، فإنه من عالَمِ الخَلقِ، وهو عالمُ المُلكِ وعالم الشهادةِ، ثم أوجَدَ روحه بأمر: (كن) وهو عالَمُ الأمرِ، وهو عالمُ الملكوتِ وعالم الغيبِ، على ما أفصحَ عنه بقوله:
﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ وفيهِ دلالة على أن الإنسانَ كائن مرةً بعد أُخرى على ما صرَّحَ بهِ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وكلمةُ ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي حقيقةً.
﴿فَيَكُونُ﴾: حكايةُ حالٍ ماضيةٍ استحضارًا لتلكَ الحال (^٣) العجيبةِ، وبيانًا (^٤) لسرعة حصولِ المرادِ؛ فإن الفاءَ للدلالةِ على عدم التراخي.
* * *
(٦٠) - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
﴿الْحَقُّ﴾: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هو الحقُّ.
﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: ثابتًا منه، على أنهُ حالٌ مؤكِّدةٌ.
_________________
(١) في (د): "عن".
(٢) في (ح) و(ف): "إلى".
(٣) في (د): "الحالة".
(٤) في (ح) و(ف) و(م): "وبيان".
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وقيلَ: ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأٌ، و﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبرُهُ؛ أي: الحقُّ المذكورُ من الله تعالى.
وتعريفُ الحقِّ للعهدِ الذهني؛ أي: إيجادُ عيسى ﵇ من غيرِ أبٍ هوَ الحقُّ الذي تعرفُهُ.
﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: الخطابُ للنبيِّ ﵇، وفائدةُ النهي عنِ الامتراءِ هو التثبيتُ عَلى اليقينِ والطمأنينةِ، والإيماءُ إلى أن الممتري هو الذي لا يعرفُ الحقَّ؛ أي: قدرةَ اللهِ تعالى على الإيجادِ من غير أبٍ، وإلا فرسولُ اللهِ ﷺ أجلُّ مِن أن يمتريَ حتى يُنهَى عنه.
* * *
(٦١) - ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾.
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ﴾ من النصارى.
﴿فِيهِ﴾: في عيسى ﵇.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: البيِّناتِ الموجبة للعلمِ.
﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾: هلُمُّوا.
﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: يَدْعُ كلٌّ منا ومنكُمْ نفسه وأعِزَّةَ أهلهِ وألصقَهمْ بقلبه إلى المباهلَةِ، ويحمِلْ عليها.
وإنَّما قدَّمهم على النفسِ تنبيهًا على لطف مكانِهم، وقربِ منزلتهم، وأنهم مُقدَّمون على الأنفسِ، كيفَ (^١) والرجلُ يخاطر بنفسهِ لهم، ويحاربُ دونهم.
_________________
(١) "كيف" ليست في (ح) و(ف) و(ك).
[ ٢ / ٣٠٧ ]
﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾: منَ البَهلةِ بفتحِ الباء وضمِّها؛ وهي: اللعنةُ، وأصلُ الابتهالِ: الالتعانُ، ثمَّ استُعمِلَ في كل دعاءٍ يجتهدُ الإنسان عليه وإن لم يكُن التعانًا.
والمباهلةُ: الملاعنةُ؛ أي: نتباهل بأن نقولَ: بَهلةُ اللهِ على الكاذب (^١) منا ومنكُمْ.
﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ عطفٌ فيهِ بيانٌ.
قد طوَّلَ المفسرونَ في قصةِ المباهلةِ، وحاصلُها: أنه ﵇ لمَّا دعاهم إليها، وخرجَ بالحسَنِ والحسينِ وفاطمةَ وعليٍّ ﵃ إلى الميعادِ، كَفُّوا عن ذلكَ (^٢).
* * *
(٦٢) - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿إِنَّ هَذَا﴾: ما قصَّ (^٣) من نبأ عيسى ﵇ ومريمَ.
﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾: بجملَتِها خبرُ ﴿إِنَّ﴾، أو (هو) فصلٌ يفيدُ أن ما ذكره في شأنهما حقٌّ دونَ ما ذكروه، وما بعدَهُ خبرٌ، وحقُّ اللام أن تدخل المبتدأَ، فلما دخلَ (إنَّ) أزيلَت عنهُ إلى الخبرِ أو الواسطةِ لمزيدِ التأكيدِ، وإذا جازَ تأخيرها إلى الخبرِ فلَأَنْ يجوزَ إلى الواسطةِ التي هيَ أقربُ إلى المبتدأ أولى.
﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾: زيادةٌ ﴿مِنْ﴾ هنا في إفادةِ معنى الاستغراقِ، والتأكيدِ في النفيِ، كالبناءِ على الفتحِ في: (لا إله إلا الله)، والمرادُ الردُّ على النصارى في تثليثهم.
_________________
(١) في النسخ عدا (د): "الكافرين"، والمثبت من (د).
(٢) رواه بنحوه البخاري (٤٣٨٠) من حديث حذيفة ﵁، وليس فيه ذكر إحضار الحسنين وأبويهما، وهذا ورد في حديث جابر عند الحاكم (٤١٥٧).
(٣) في (ك): "قضى".
[ ٢ / ٣٠٨ ]
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: دخولُ (إنَّ)، وإظهارُ اسمِ الله، وتوسيطُ (هو) للفصلِ، وإدخالُ اللامِ عليه، وتعريفُ ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، مبالغات وتأكيداتٌ في التوحيدِ ونفيِ الشركِ، وأن العزة -أي: الغلبةَ والقهرَ- مخصوصةٌ باللهِ تعالى ليسَ لغيره فيها نصيبٌ، وأنَّ قهرَهُ إنما يكونُ بالحكمةِ فلا يقهَرُ إلا الكافرَ. ثمَّ بالغَ في الإيعادِ بقولهِ:
* * *
(٦٣) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: عن التوحيدِ.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ وإدخالُ الفاءِ في (إن الله) إشارةٌ إلى أن الوعيدَ مسبَّبٌ عن الإعراضِ، ووضعُ (المفسدين) موضِعَ ضميرِهم تسجيل عليهم، وتنبيهٌ على أن حقيقةَ الفسادِ هو التولي عن التوحيدِ، وأن الوعيدَ المذكورَ في قولهِ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] مخصوصٌ بهم.
(٦٤) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ يعمُّ أهلَ الكتابينِ، وقيلَ: يريدُ وفدَ نجرانَ (^١)، وقيل: يهودَ المدينة.
_________________
(١) في (د) و(ك) و(م): "بني نجران".
[ ٢ / ٣٠٩ ]
﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ إذ (^١) لا يختلِفُ فيها الكتبُ والرسلُ (^٢)، ويفسِّرُها ما بعدَها:
﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: نوحدَه بالعبادة.
﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾: لم يُرِد به الشركَ في العبادةِ؛ لأنَّ الوصل يأباهُ، بل أرادَ به ما ذكر بقولِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦] (^٣).
﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: لا يتخِذَ الأتباع (^٤) الرؤوسَ أربابًا من دون اللهِ فيطيعونَهم كطاعةِ اللهِ تعالى.
نهى عن إطاعتهم الأحبارَ فيما أحدثوا منَ التحليلِ والتحريمِ من غيرِ الرجوعِ إلى ما شرعَ إليهِ، لا عن قولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] و﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] لأنَّ مرجعهُ إلى ما تقدَّمَ من توحيده تعالى بالعبادةِ.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عنِ التوحيد الذي هو أصلُ دينِ الكلِّ، فقد لزمتهم الحجةُ بأنهم ليسوا على دينهِم.
﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ دونكُم؛ لأنكم خالفتُم كتابكُم ونبيَّكم. ويجوزُ أن يكونَ مِن بابِ التعريض؛ أي: اشهدُوا واعترفوا بأنكُم كافرونَ بما نطقَت به الكتبُ، وتطابقَت عليه الرسلُ.
_________________
(١) في (ك): "أي".
(٢) في (م): "الرسل والكتب".
(٣) في هامش (د) و(ف): "إذ حينئذ يكون بين المعطوفين كمال الاتحاد".
(٤) في (م): "يتخذوا الاتباع".
[ ٢ / ٣١٠ ]
ولا يخفَى ما في نظمِ هذه القصةِ من المبالغةِ في الإرشادِ، ولطفِ التدرُّجِ في الحِجاجِ، وحسنِ المقطعِ عند ظهورِ اللَّجاجِ.
* * *
(٦٥) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾: تنازعت اليهود والنصارى في إبراهيمَ ﵇، وزعمَ كلُّ فريقٍ أنه منهُمْ، فترافعوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فنزَلتْ (^١).
يعني: إنكم معترفونَ بحدوثِ اليهودية والنصرانيةِ بنزولِ التوراةِ والإنجيلِ، ونزولُهما بعدَهُ ﵇، فكيفَ يكون يهوديًا أو نصرانيًا؟!
ولا يَرِدُ الإلزام علينا في قولنا: إنه ﵇ كان على دين الإسلام؛ لأنَّا ما نقول بحدوث دين الإسلام بنزول القرآن (^٢).
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ حتى لا تجادلُوا مثلَ هذا الجدالِ المحالِ.
* * *
(٦٦) - ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٥/ ٤٨١).
(٢) في هامش (د) و(ف): "وأما الجواب الذي ذكره الإمام بأن القرآن أخبر أنه كان حنيفًا مسلمًا، وليس في التوراة والإنجيل أنه كان يهوديًا أو نصرانيًا، فظهر الفرق، فخارج عن سنن الصواب كما لا يخفى على ذوي الألباب. منه".
[ ٢ / ٣١١ ]
﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ ﴿ها﴾ حرفُ التنبيهِ، و(أنتم﴾ مبتدأٌ، و﴿هَؤُلَاءِ﴾ خبرُهُ، و﴿حَاجَجْتُمْ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنةٌ للأُولى؛ أي: تنبَّهوا أيها الغافلونَ، أنتم هؤلاءِ الحمقَى على هذه الصفةِ التي أنتُم عليها مما لا يمكِنُ ذمُّكُم بما هو أبلَغُ منهُ، فأنتم الأشخاصُ المتعيِّنةُ المشارُ إليهم في الحماقةِ.
وفي (^١) حرفِ التنبيهِ مبالغةٌ في غفلتهم، وفي ﴿هَؤُلَاءِ﴾ الذمُّ بالجهلِ، و﴿حَاجَجْتُمْ﴾ كشف لجهلهم (^٢) وسخافةِ عقولهم (^٣)؛ أي: إن حماقتكُم أنكم جادلتُم فيما لكم به علمٌ من التوراة والإنجيل من حالِ محمدٍ ﵇، فلمَ تحاجُّونَ فيما لا ذكرَ له في كتابكم ولا علمَ لكم به من حالِ إبراهيمَ ﵇ (^٤).
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما حاججتُم فيهِ فيعلِمُنا.
﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: وأنتم جاهلون به.
* * *
(٦٧) - ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ تصريحٌ بمقتضى ما قرَّره من البرهانِ.
﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾: مائلًا عن العقائدِ الزائغة (^٥).
_________________
(١) في (د): "وهو".
(٢) في (د): "بجهلهم".
(٣) في (ح) و(ف): "لعقولهم".
(٤) في هامش (د) و(ف): "من قال: ولا ذكر في كتابكم من دين إبراهيم، لم يصب لأن قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ يدل على أن في التوراة ذكر من دين إبراهيم ﵇. منه".
(٥) في (ف): "الزائفة".
[ ٢ / ٣١٢ ]
﴿مُسْلِمًا﴾: ثابتًا على ملةِ الإسلامِ، وما سبق إلى بعض الأوهامِ من الاشتراك في الإلزام (^١) فقدِ اندفعَ بما قدَّمناه من الكلامِ.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: تعريضٌ بأنهم مشركونَ؛ لإشراكهم به تعالى عزيزًا والمسيحَ، وردٌّ لادعاءِ المشركين أنهم على ملةِ إبراهيمَ ﵇.
* * *
(٦٨) - ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾: إن (^٢) أقربَ الناس منه وأخصَّهم به؛ من الوَلْيِ وهو القُربِ.
﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ في زمانهِ وبعدَه.
﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ خصوصًا.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ مِن أمته؛ لموافقَتهم له في أكثرِ ما شرع له أصالةً.
وقرئَ: (و[هذا] النبيَّ) بالنصبِ عطفًا على الهاءِ في ﴿اتَّبَعُوهُ﴾، وبالجر عطف على إبراهيم (^٣). و(الذينَ آمنوا) على قراءةِ النصبِ عطفٌ على (الذين اتبعوه)، وعلى قراءة الجرِّ يحتمِلُ العطف على (النبيِّ)، وعلى (الذين اتبعوه)، وهذا أوجَهُ.
﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ينصرُهم ويجازيهِم الحسنى (^٤) لإيمانهم.
_________________
(١) في (ك) و(م): "من الإشراك في الإلزام". ووقع في (ف): "الإكرام" مكان "الإلزام".
(٢) في (م): "أي".
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢١)، و"الكشاف" (١/ ٢٧١). وما بين معكوفتين منهما.
(٤) في (م): "الحسن".
[ ٢ / ٣١٣ ]
(٦٩) - ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾: نزلَتْ في اليهودِ لما دَعوا حذيفةَ وعمارًا ومعاذًا إلى اليهوديةِ (^١)، و﴿لَوْ﴾ بمعنى: أنْ.
﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: وما يقدِرون على إضلال المسلمينَ وإنما يضلُّون أمثالهم من أشياعِهم، أو: ما يعودُ وبالُ إضلالهم إلا عليهِم، فإنَّ الوبال يُضافُ عليه بضلالهم وإضلالهم.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ذلكَ.
* * *
(٧٠) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بما في التوراةِ والإنجيلِ من الآياتِ الناطقةِ بنبوةِ محمدٍ ﵇.
﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أنها آياتُ اللهِ تعالى، أو: بالقرآنِ وأنتم تشهدون نعتَهُ في الكتابين، أو تعلَمون بالمعجزاتِ أنه حقٌّ.
* * *
(٧١) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ بالتحريفِ وإبرازِ (^٢) الباطل في صورةِ الحقِّ.
_________________
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٠٩)، و"الكشاف" (١/ ٣٧١).
(٢) في (ك): "وإيراد".
[ ٢ / ٣١٤ ]
وقرئ: (تَلبَسون) بفتح الباء (^١)، أي: تكتسونَ (^٢) الحقَّ معَ الباطلِ، كقولهِ ﵇: "كلابسِ ثوبي زُورٍ" (^٣).
﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾: نبوَّةَ محمدٍ ﷺ نعتَهُ.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: عالمينَ بما تكتُمونه.
* * *
(٧٢) - ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المرادُ بالطائفةِ كعبُ بن الأشرَفِ، ومالِكُ بن الصيفِ، وكعبُ بن أسيدٍ، قالوا لأصحابهم لمَّا حوِّلَتِ القبلةُ:
﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾: كانَ حقُّهُ أن يقولَ: بالذي أنزِلَ على محمدٍ، وإنما عدَلَ عنه إلى المنزَلِ لعدم المساعدةِ من باطنه على التكلم به.
﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ أوَّلهُ، قالَ:
مَن كانَ مَسرُورًا بمقتَلِ مالكٍ … فليَأتِ نسوتَنا بوَجهِ نهارِ (^٤)
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٧١)، ونسبها في "البحر المحيط" (٥/ ٤٦٠) إلى يحيى بن وثاب.
(٢) في (د): "تكتبون"، وفي (ك): "تلبسون".
(٣) رواه البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٣٠)، من حديث أسماء ﵂، ورواه مسلم (٢١٢٩) من حديث عائشة ﵂.
(٤) البيت للربيع بن زياد العبسي، انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٩٧)، و"تفسير الطبري" (٥/ ٤٩٨)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٢٩)، و"شرح الحماسة" للمرزوقي (٢/ ٩٩٥) وفيه: (ساحتنا) بدل: (نسوتنا). ومالك هو ابن زهير بن جذيمة العبسي، وكانوا قد أخذوا بثأره. وجاء في هامش (د) و(ف): "لا بد من المحافظة على لفظ الشاعر لمن كان في صدد الاستشهاد بعبارته، فمن تعجب من جار الله فيه لم يدر أن فيما وراءه من تعجب منه. منه".
[ ٢ / ٣١٥ ]
أي: أظهِروا الإيمان بما نزِّلَ عليهم من الصلاةِ إلى الكعبةِ، وصلُّوا إليها أوَّلَ النهارِ ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾: وصلُّوا إلى الصخرةِ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: ظانِّينَ بأنكُم رجعتُم لخلَلٍ ظهرَ لكم.
وقيلَ: اثنا عشرَ رجلًا (^١) من أحبارِ خيبرَ تقاولوا بأن يدخُلوا في الإسلامِ أوَّلَ النهارِ، ويقولوا آخرَهُ: نظَرنا في كتابنا وشاورنا علماءَنا فلَم نجِد محمدًا (^٢) بالنعتِ الذي ورد في كتابنا، لعلَّ أصحابَه يشكُّونَ فيه فيرجِعونَ.
* * *
(٧٣) - ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾: ولا تقِرُّوا عن تصديقِ قلبٍ.
﴿إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾: إلا لأهل دينِكم؛ أي (^٣): لا تظهِروا إيمانكم وجهَ النهارِ إلا لمن كانَ على دينكِم، فإنَّ رجوعَهم أرجَى وأهمُّ.
﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ يهدِي مَن يشاءُ إلى (^٤) الإيمانِ، أو يثبِّته عليه.
و﴿الْهُدَى﴾ (^٥) اسمُ ﴿إِنَّ﴾، و﴿هُدَى اللَّهِ﴾ بدلٌ منهُ ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ خبرُهُ، واللامُ في ﴿الْهُدَى﴾ للماهيةِ.
_________________
(١) "رجلًا" من (ف).
(٢) في (ف): "يجز لمحمد".
(٣) في (د): "أو".
(٤) في (د) و(ك) و(م): "من".
(٥) في النسخ عدا (م): "الهدى" والمثبت من (م).
[ ٢ / ٣١٦ ]
وفائدةُ الإبدالِ: تعظيمُ الهُدى بنسبَتهِ إلى اللهِ تعالى؛ أي: إن حقيقةَ الهدى وماهيةَ الهدى الإلهيِّ الذي ليسَ وراءه هدًى، بل لا هُدى إلا هو؛ لأن ما عداه من هُدى الخلقِ ليسَ بهُدًى، وعلى هذا ﴿أَوْ﴾ في قوله: ﴿يُحَاجُّوكُمْ﴾ بمعنى: حتى؛ لأن المحاجَّةَ نفسها لا تصلُحُ لذلك إلا مرتبطةً بالإيتاءِ مرتَّبةً (^١) عليهِ.
أو: ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ خبرُ ﴿إِنَّ﴾، و﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ علةُ فعلٍ محذوفٍ دلَّ عليه ما قبلَه من إظهار إيمانهم ورجوعِهم لتقرير مَن أسلَم من أصحابهم؛ أي: لِأنْ (^٢) يُؤتى أحدٌ كتابًا موافقًا لكتابكم مصدِّقًا له مُنزَّلًا من عند اللهِ، أو لمحاجَّة أهله إياكم (^٣) عندَ ربكُمْ، دبَّرتم ما دبَّرتم، وقُلتم ذلكَ لأصحابِكم.
وإنما أتى بـ (أو) تنبيهًا على أن كلَّ واحدٍ منهما مستقلٌّ في إغاظتِهم وحمْلِهم على الحسدِ حتى دبَّروا ما دبَّروا، ولو أتى بالواوِ لَمَا وقَعَ هذا الموقِعَ؛ للعلمِ بأن الثاني يلزَمُ الأولَ، فلم يكُن فيه فائدةٌ زائدةٌ، وأما إذا أتى بـ (أو) فقد أشعَرَ بأن كُلًّا مستقِلّ في الباعثيَّةِ على الحسدِ والاحتشادِ في التدبير، والحملُ على معنى (حتى) ليسَ له موقعٌ يروعُ السامعَ، وإن كانَ وجهًا ظاهريًّا (^٤).
ويؤيد هذا الوجهَ قراءةُ: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ بهمزة الاستفهام (^٥)؛ أي: أَلِأَنْ يُؤتَى أحدٌ أو لأن يحاجُّوكُم فعلتُم ذلكَ.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "مترتبة".
(٢) في النسخ عدا (د): "لا"، والمثبت من (د) وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (١/ ٣٧٤)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٢٣).
(٣) في (ح) و(ف): "لمحاجته إياكم"، وفي (د): "لمحاجة إياكم".
(٤) في (م): "ظاهرًا".
(٥) وهي قراءة ابن كثير من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٨٩).
[ ٢ / ٣١٧ ]
ويجوزُ أن يتعلَّق ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ بـ ﴿لا تؤمنوا﴾؛ أي: ولا تظهِروا إيمانكَم بأن يُؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتُم إلا لأشياعكُم، ولا تفشُوه إلى المسلمينَ لئلا يزيدُوا ثباتهم، ولا إلى المشركينَ لئلا يدعُوهم إلى الإسلامِ، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ اعتراضٌ يدلُّ على أن كيدَهم لا يُجدي (^١) بطائلٍ.
وقرئَ: (إن يؤتى) بكسرِ الهمزة على أنها نافيةٌ (^٢)، فيكونُ من كلام الطائفةِ؛ أي: ولا تؤمِنوا إلا لمن تبعَ دينكم، وقولوا لهم: ما يُؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم.
﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾: عطفٌ على ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ والضميرُ فيهِ لـ ﴿أَحَدٌ﴾، على أن المرادَ بهِ المنزَّلُ عليهِ وأُمَّتهُ.
﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: لا بأيديكُم ويدِ غيركم، فمَن يؤتَهُ ويوفِّقهُ له لم يُمكِنْ لأحدٍ دفعُهُ، وهوَ الإسلامُ، فيكُونُ تأكيدًا لقولهِ: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾.
ويجوزُ أن يكونَ اعتراضٌ آخرُ لتقريرِ أمرِ الإيتاءِ في قولهِ: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ أي: النبوَّةُ والوحيُ الذي هو الفضلُ كلُّ الفضلِ بيدِ اللهِ يؤتيهِ مَن يشاءَ لا يمكنكُمْ دفعُهُ، ولا ينفعكُم الحسدُ ولا يضرُّهُ.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: واسمع الرحمةِ عليمٌ بالمصلحةِ، فمَن صلَحَ لذلكَ مِن غيركم فهوَ يؤتيهِ مُفضّلًا عليهِ (^٣).
* * *
_________________
(١) في (م): "يجد".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢١).
(٣) في (ف): "عنه".
[ ٢ / ٣١٨ ]
(٧٤) - ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ تأكيدٌ وتأييدٌ لقولهِ: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ فيهِ دفعُ وهمِ القصورِ في أفضالهِ، المتبادِرِ إلى الفهمِ من اختصاصِ مَن يشاءُ برحمَتهِ.
* * *
(٧٥) - ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ كعبدِ الله بنِ سلَامٍ؛ استودَعهُ قرشِيٌّ ألفًا ومئتي أوقيةٍ ذهبًا فأدَّاهُ إليهِ (^١).
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ كفنحاص بن عازوراء، استودَعهُ قرشيٌّ آخرُ دينارًا فجحدَهُ (^٢).
﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾: في محلِّ النصبِ على الظرفِ، أي: إلا وقتَ دوامِكَ عليه قائمًا على رأسهِ بالمطالبةِ والتقاضي والتعنيفِ، أو بالبيِّنةِ عليه عندَ المرافعةِ إلى الحاكمِ.
﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى عدمِ الأداء الذي دلَّ عليهِ: ﴿لَا يُؤَدِّهِ﴾ أي: تركُهم (^٣) أداءَ الحقوقِ.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٧٤)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٢٣).
(٢) انظر المصدرين السابقين.
(٣) في (ك) و(م): "بتركهم".
[ ٢ / ٣١٩ ]
﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾: بسبب قولهم:
﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾؛ أي: لا يتطرَّقُ علينا ذمّ ولا عتابٌ في شأن الأمِّيينَ؛ أي: الذين ليسوا من أهلِ الكتابِ.
﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بادِّعائهم أنَّ ذلكَ في كتابهم.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم كاذبونَ، وذلك لأنهم استحلُّوا ظُلمَ مَن خالفهم، وقالوا: لم (^١) نجعل لهم في التوراةِ حُرمةً.
* * *
(٧٦) - ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿بَلَى﴾: إثباتٌ لِمَا نفوه؛ أي: بلَى علَيهم فيهم سبيلٌ.
﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: جملةٌ مستأنَفةٌ مقرِّرةٌ للجملةِ التي سدَّت ﴿بَلَى﴾ مسدَّها، والضميرُ في ﴿بِعَهْدِهِ﴾ راجع إلى ﴿مَنْ﴾، أو إلى اللهِ تعالى، ويقوِّيهِ: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ بعدَهُ، والضميرُ الراجعُ منَ الجملة الجزائيةِ إلى ﴿مَنْ﴾ يقومُ مقامه ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ لعمومهِ فيشملُه؛ أي: كلُّ مَن أوفى بما عاهد عليهِ واتَّقى الخيانةَ (^٢) والغدرَ فإنَّ الله يحبُّهُ، ويستلزِمُ أن يبغضَ الخائنَ الغادِرَ، فللذمِّ والعقابِ عليهم سبيلٌ في الأميينَ وفي غيرِهم.
ووُضعَ ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ موضعَ الضميرِ للدلالةِ على أن التقوى توجِبُ غلبةَ محبةِ اللهِ تعالى لصاحبِها، وأنَّ الموفي بالعهد هو المتَّقي، فالغادِرُ هو الفاجر بدلالةِ الفحوَى.
_________________
(١) في (ك): "لن".
(٢) في (ف): "الجناية".
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وتعميمُ الحكمِ لعمومِ ﴿مَنْ﴾ و﴿الْمُتَّقِينَ﴾ يفيدُ أنهم لو وفَوا بعهودِهم واتقَوا الخيانةَ لوفوا بالعهدِ الأعظم؛ وهو ما أَخذ اللهُ عليهم في كتابهِم من الإيمانِ برسولٍ مصدِّقٍ لِمَا معهم، واتقَوا الكذِبَ على اللهِ وتحريفَ كلمِهِ، فكانوا مسلمينَ محبوبين بمتابعةِ حبيبِ اللهِ لقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
* * *
(٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ثم صرَّحَ بما عرَّضَ بهِ مِن تطرقِ الذمِّ والعقابِ إلى الخائنِ بقولهِ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾: يستبدلون.
﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: بما عاهدُوا عليهِ من الإيمانِ بالرسولِ، والوفاءِ بالأماناتِ.
﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾: وبما حلَفوا بهِ من قولهم: والله لنؤمنَّنَ بهِ ولننصُرنَّهُ.
﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: متاعَ الدنيا.
﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ قد سبقَ في تفسير سورةِ البقرةِ ما يتعلَّقُ بهِ.
﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أصلًا، وإنَّ الملائكةَ يسألونهُم يومَ القيامةِ، أو لا ينتفِعون بكلماتِ الله تعالى، في الظاهرِ أنهُ كنايةٌ عَن سخَطهِ وشدَّةِ غضبِهِ تعالى عليهِم، أو مجازٌ؛ لأن الغاضِبَ لا يكلِّمُ المغضوبَ عليهِ.
﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: كنايةٌ عنِ الاستهانةِ بهم وإذلالهم، أو مجازٌ عَن تركِ إحسانهِ إليهم.
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: ولا يُثْني عليهم، هذا غيرُ مقيَّدٍ بيومِ القيامةِ فيفيدُ فائدةً زائدةً.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على ما فعلُوه.
[ ٢ / ٣٢١ ]
قيلَ: إنها نزلَتْ في أحبارٍ حرَّفوا التوراةَ وبدَّلوا نعتَ رسولِ اللهِ ﷺ وحُكمَ الأمانات وغيرَهما، وأخذوا على ذلكَ رِشوةً.
* * *
(٧٨) - ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ من المحرِّفينَ.
﴿لَفَرِيقًا﴾: هُم كعبُ بن الأشرفِ، ومالكُ بن الصيفِ، وحُيَيُّ بنُ أخطب، وغيرُهم.
﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾: يفتِلُونها بقراءته فيميلُونها عن المنزَّلِ إلى المحرَّفِ، أو: يعطِفونها شبهَ الكتابِ، فعلى هذا الباءُ صلةٌ؛ كما تقول: لوى لسانهُ بالشعرِ؛ إذا قالَهُ معَ تَعمُّلٍ، وفيهِ إضمارٌ، أو سمي (^١) كتابًا تهكُّمًا، أو علَى زعمِهم.
﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: الضميرُ راجع إلى شبهِ (^٢) الكتابِ، والعُدولُ في قولهِ: ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ عنِ الضميرِ إلى المُظهَرِ لتفخيمِهِ، فإن المقامَ مقامُ تعظيمِ جريمةِ التحريفِ، وذلكَ بتفخيمِهِ، وقرئ: (ليحسبوه) (^٣) بالياء والضميرُ أيضًا للمسلمين.
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "تجعل".
(٢) أي: المشابه له وهو المحرف المدلول عليه بقوله: ﴿يَلْوُونَ﴾.
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢١).
[ ٢ / ٣٢٢ ]
﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: ليسَ هو نازلًا من عنده (^١). وفيهِ دفعٌ لاحتمالِ أن لا يكونَ منَ الكتابِ ومعَ ذلك يكونُ من عندِ اللهِ؛ كالأحاديثِ القدسيةِ، فهوَ تأسيسٌ لا تأكيدٌ لقولهِ: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وتسجيلٌ عليهم بالكذبِ، وتشنيعٌ عليهم باجترائهم على اللهِ تعالى.
والعدولُ عن الضميرِ إلى المُظهرِ في قولهِ: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لتعظيمِ هذا الأمر، وبيانِ أنهم لفرطِ رعانتهم (^٢) يصرحون بذلكَ ولا يورُّونَ.
﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: تأكيدٌ وتسجيلٌ عليهم بالكذبِ على اللهِ تعالى والتعمُّدِ فيهِ.
* * *
(٧٩) - ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾.
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾: ما صحَّ له وما استقامَ.
﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾: ذكَرَ أولًا الكتابَ وهو جنسٌ، وترقَّى منه إلى الحُكمِ، وهوَ الفصلُ بين الناسِ بالكتابِ، ثم إلى النبوةِ وهو الرُّتبةُ العليا، فالترتيبُ في غايه الفصاحة.
﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾: أتى بـ (ثم) - وهيَ للمُهلةِ - تعظيمًا لهذا القول، وإذا انتفَى هذا القولُ بعدَ المهلةِ كانَ انتفاؤه بدونِها أَولى وأَحرى؛ أي: إنَّ هذا الإيتاء لا يجامعُ هذا القولَ، وإن كانَ بعدَ مهلةٍ.
_________________
(١) تحرفت في النسخ إلى: "غيره". والصواب المثبت. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٢٥).
(٢) تحرفت في أكثر النسخ لألفاظ لا علاقة لها بالكلام، والمثبت من (ك).
[ ٢ / ٣٢٣ ]
﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تكذيبٌ وردّ على عبَدةِ عيسى ﵇.
وقيلَ: إنَّ أبا رافعٍ القُرظيَّ والسيِّد النجرانيَّ قالا: يا محمَّدُ! أتريدُ أن نعبُدَك ونتخِذك ربًا؟ فقالَ: "معاذَ الله أن آمرَ بعبادةِ غيرِ الله (^١)، فما بذلك بعثني، ولا بذلكَ أمرَني"، فنزلَتْ (^٢).
ويأباهُ قوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠].
وقيلَ: قالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ! نسلِّمُ عليكَ كما يسلِّمُ بعضُنا على بعضٍ، أفلا نسجُدُ لكَ؟ قالَ: "لا ينبغِي أن يُسجَدَ لأحدٍ غيرِ اللهِ، ولكن أكرِموا نبيكُم واعرفُوا الحقَّ لأهلِهِ" (^٣). ويناسب هذا قوله:
﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾: ولكن يقولُ: كونوا ربانيين، والربانيُّ منسوب إلى الربِّ، وزيادةُ الألفِ والنونِ للمبالغةِ؛ كما في اللِّحْيانيِّ والرَّقَبانيِّ (^٤) وهو الكاملُ في العلمِ والعملِ.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾: بسببِ كونكُم معلِّمينَ الكتابَ، وبسببِ كونكم دارسينَ لهُ، فالباءُ متعلقٌ: بـ ﴿كُونُوا﴾، فالمطلوبُ هوَ الربانيةُ المسبَّبةُ عن العلمِ، وهذا إنما يدلُّ على أنَّ الربانيَّةَ والتمسُّكَ بطاعةٍ إذا لم تكُنْ مسبَّبةً عن العلمِ
_________________
(١) في هامش "د": "هكذا رواية محيي السنة في "معالم التنزيل"، وفي "الكشاف": أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله، ولا يخفى ما فيه من الحاجة التى التأويل ولهذا كثر فيه القال والقيل. منه".
(٢) رواه ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٥٥٤)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٢٤)، عن ابن عباس ﵄.
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٢٥)، ورواه عبد بن حميد عن الحسن كما في "الدر المنثور" (٢/ ٢٥٠)، و"العجاب في بيان الأسباب" (٢/ ٧٠٥).
(٤) اللحياني: عظيم اللحية، والرقباني: غليظ الرقبة. انظر: "روح المعاني" (٥/ ٢٩٣).
[ ٢ / ٣٢٤ ]
لا يكونُ معتدًّا بها واقعة على وفقِ المأمور بهِ، لا على (^١) العكسِ (^٢)، وإن (^٣) كانَ الأمرُ كذلكَ في نفسِ الأمرِ.
وقرئ: ﴿تعلَمون﴾ (^٤) بمعنى: عالِمِين، وقرئ: (تدرِّسون) من التدريس (^٥).
و(تَدرُسُونَ) مِن أَدْرَس بمعنَى: درَّس (^٦)؛ كأكرَمَ وكرَّمَ، ويجوزُ أن تكونَ القراءةُ المشهورةُ أيضًا بهذا المعنى على تقديرِ: وبما تدرِّسونه (^٧) على الناسِ.
﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾: قرئ بالنصب (^٨) عطفًا على (^٩) ﴿يَقُولَ﴾ (^١٠)، وتكونُ (لا) مزيدة لتأكيدِ معنى النفيِ في قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾؛ لبُعدِ العهدِ، وتخلُّلِ الاستدراكِ، أو غيرَ مزيدةٍ على معنى أنهُ ليسَ لنبيٍّ أن يدعوَ العبادَ إلى عبادتهِ، وينهاهُم عَن عبادةِ الملائكةِ والنبيينَ (^١١).
_________________
(١) في (ح) و(ف): "المأمورية على".
(٢) في هامش (د) و(ف) و(م): "كما زعم صاحب "الكشاف" وتبعه من تبعه. منه".
(٣) في (م): "وإنما".
(٤) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ٨٩).
(٥) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢١) ونسبها لسعيد بن جبير، و"المحرر الوجيز" (١/ ٤٦٣) ونسبها للحسن.
(٦) انظر: "المحتسب" (١/ ١٦٣).
(٧) في (م): "تدرسون".
(٨) وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة، والباقون بالرفع. انظر: "التيسير" (ص: ٨٩).
(٩) في (م): "على معنى".
(١٠) (في هامش (د) و(ف): "لا على ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ كما زعمه صاحب "الكشاف" والقاضي؛ إذ لا وجه لتخصيص ما قصد بـ (ثم) في المعطوف عليه، واستثقال الجمع بين حرفي العطف إنما هو عند التلفظ لا عند الاعتبار معنى، ولهذا جاز في قوله: ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. منه".
(١١) (في (م): "وبالنبيين".
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وبالرفع على الاستئنافِ؛ وهو أظهَرُ، ويؤيدُه قراءةُ: (ولن يأمركم) (^١).
﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ﴾: إنكارٌ، والضميرُ فيه للبشرِ، وقيل: للهِ.
﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: دليل على أن الخطابَ للمسلمينَ، وهم المستأذنونَ لأنْ يسجُدوا له ﵇ (^٢).
* * *
(٨١) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾: قيلَ: هذا على ظاهرِهِ، وإذا كان هذا حكمَ الأنبياءِ ﵈ كانَ الأممُ به أَولى.
وقيلَ: معناهُ: أنهُ تعالى أخذَ الميثاق من النبيين وأممهم، واستَغنى بذكرِهم عن ذكرِ الأممِ.
وقيل: إضافةُ الميثاق إلى النبيينَ إضافةٌ إلى الفاعلِ، والمعنى: وإذ أخذ اللهُ الميثاقَ الذي وثَّقهُ الأنبياءُ على أممهم.
_________________
(١) في النسخ: "وإن يأمركم"، والتصويب من المصادر. انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٢٤)، و"تفسير الطبري" (٥/ ٥٣٣)، و"الكشاف" (١/ ٣٧٨)، وغيرها.
(٢) كذا قال، والخبر الوارد بهذا من مرسل الحسن كما تقدم، فهو ضعيف ولا يصح الجزم بتفسير الآية عليه، وإن صح فهو قول رجل منهم فلا يصح نسبة ذلك إلى جميعهم، كما أن ذلك القائل - على فرض صحة الخبر - قد يكون حديث عهد بالإسلام، فكيف يقرن به علماء الصحابة ومن أحاطوا بأصول العقيدة علمًا وفهمًا؟
[ ٢ / ٣٢٦ ]
وقيلَ: المرادُ: أولاد النبيينَ على حذفِ المضافِ؛ وهم بنو إسرائيل، أو سمَّاهم بنبيينَ تهكُّمًا؛ لأنهم كانوا يقولونَ: نحنُ أولى بالنبوةِ من محمدٍ؛ لأنَّا أهلُ الكتابِ، والنبيُّونَ كانوا منا.
واللام في ﴿لَمَا﴾ موطِّئةٌ للقسَمِ؛ لأن أخذَ الميثاقِ بمعنى الاستخلاف، و(ما) شرطيةٌ مفعولةٌ بـ ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ (^١)، و﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ بيانٌ لـ (ما)، وحملُهُ على التبعيضِ يُفضي إلى اعتبارِ قيدٍ لا يقتضيهِ المقامُ، ومثلُهُ عندَ البلغاءِ يُعَدُّ هُجنةً (^٢) في الكلامِ، وجوابُ القسمِ (^٣): ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ وما بعدَهُ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالةِ جوابِ القسم عليهِ. وقدَّمَ الإيمانَ لأنَّه الأصلُ، ثم النصرَ لأنهُ من ثمرتِهِ.
ويجوزُ أن تكونَ (ما) خبريةً.
وقرئ: ﴿لِمَا﴾ بكسر اللام (^٤) للتعليلِ على أنَّ (ما) مصدريةٌ؛ أي: لأجْلِ إيتائي إياكم الكتابَ والحكمةَ، ثم لمجيء رسولٍ مصدِّقٍ لما معكُم، أو موصولةٌ؛ لأنَّ (ما معكُم) بمعنى: ما آتيتكم (^٥) فيجوزُ عطفُ ﴿جَاءَكُمْ﴾ على الصلةِ لوجودِ الراجعِ إليها؛ أي: لأجلِ الذي آتيتُكُموه منَ الكتابِ والحكمةِ، ثمَّ لمجيءِ رسولٍ مصدِّقٍ لهُ.
_________________
(١) في (م): "شرطية مفعول آتيتكم".
(٢) في (ف) و(ك) و(م): (سحبه)، وفي (ح) و(د): "بعد هجنه".
(٣) في (ف) زيادة: "عليه".
(٤) وهي قراءة حمزة، انظر: "التيسير" (ص:٨٩).
(٥) في (ك) و(ف): "أتيتكم".
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وقرئ: (لمَّا) بالتشديد (^١)، بمعنى: حينَ أتيتكم الكتابَ والحكمةَ، ثمَّ جاءكم رسولٌ مصدِّقٌ وجَبَ عليكم الإيمانُ ونصرتُهُ.
وقيلَ: أصلُهُ: (لَمِن ما) فاستُثقِلَ ثلاثُ ميماتٍ؛ لأن النونَ ما لم تُقلَب ميمًا لم تُدغَم في الميمِ، فحُذِفَت إحداهُما فصارَت (لمَّا)؛ أي: لمن أجلِ ما أتيتكم لتؤمنُنَّ بهِ.
﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾؛ أي: عهدي، سُمِّيَ بهِ لأنَّه يُأصَرُ، أي: يُشَدُّ ويُعقَدُ، وقرئ: (أُصري) بالضمِّ (^٢)، وهو إما لغة فيهِ، كعِبْرٍ وعُبْرٍ، وإما جمعُ إصارٍ.
﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا﴾: فليشهَدْ بعضُكم على بعضٍ بالإقرارِ.
﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: وأنا أيضًا على إقراركم وتَشاهُدِكم (^٣) شاهدُ استيثاقٍ (^٤)، معناه التوكيد والتحذير، وقيل: الخطاب للملائكة.
* * *
(٨٢) - ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: بعدَ الميثاقِ والتوكيدِ بالإقرارِ والشهادةِ.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، أي: المتمرِّدونَ من الكفارِ.
* * *
_________________
(١) انظر: "الدر المنثور" (٢/ ٤٨)، ونسبها ابن جني في "المحتسب" (١/ ١٦٤) للأعرج بلفظ: (لمَّا آتيناكم).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢١).
(٣) في (د): "ونشاهدكم"، وفي (ح) و(ك) و(م): "وشاهدكم"، والمثبت من (ف)، وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (١/ ٣٨٠)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٢٦)، و"روح المعاني" (٥/ ٣٠٣).
(٤) في النسخ عدا (ك): "استئناف"، والمثبت من (ك).
[ ٢ / ٣٢٨ ]
(٨٣) - ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾.
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾: الفاءُ عاطفةُ الجملةِ على الجملة؛ أي: فأولئكَ هم الفاسقونَ فغير (^١) دين الله يبغون، ثم توسَّطتِ الهمزةُ بينهُما للإنكارِ.
ويجوزُ أن يُعطفَ على محذوفٍ تقديرُهُ: أيتولَّونَ فغيرَ دينِ اللهِ يبغون؟
وتقديمُ المفعولِ لتوجيهِ الإنكارِ إلى كونِ دينِ غيرِ الله مطلوبًا، فالمقصوُد الأهمُّ بالإنكارِ هو المفعولُ، ويجوزُ أن يكونَ التقديم للتخصيصِ، لا بمعنى أن التخصيصَ منكَرٌ فيلزَمَ جوازُ طلبِ دِينٍ باطلٍ مع طلبِ دين الله تعالى، بل للمبالغةِ في الإنكارِ مع التشنيع والتوبيخ حيثُ لا يرضونَ بطلبِ دينٍ باطل إلى دينِ اللهِ، بل يخضُونَ الدينَ الباطل بالطلَبِ.
وقرئ: ﴿تبغون﴾ بالتاء على تقدير: وقل لهم، وقرئ هو بالياء و﴿ترجعون﴾ بالتاء (^٢)؛ لأنَّ الباغينَ هم المتوَلُّونَ، والراجَعونَ جميعُ الناسِ.
﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾ بالأدلةِ (^٣).
﴿وَكَرْهًا﴾: بالسيفِ، أو بمعاينة ما يُلجِئ إلى الإسلامِ؛ كنَتْقِ الجبلِ فوقَ بني إسرائيلَ.
وانتصابُهما على المصدرَّيةِ، أو على الحالِ.
_________________
(١) في (م): "أفغير"، وسقطت الجملة من (ك).
(٢) قرأ ابن عمرو، وعاصم في رواية حفص: ﴿يَبْغُونَ﴾ بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالتاء. وقرأ حفص عن عاصم: ﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالياء والباقون بالتاء. انظر: "التيسير" (ص: ٨٩).
(٣) في (د): "لأدلة".
[ ٢ / ٣٢٩ ]
ومَن قالَ: أو مختارينَ كالملائكةِ والمؤمنينَ، ومسخَّرينَ كالكفرةِ فإنهم لا يقدِرونَ على أن يمتَنِعوا عمَّا قضى عليهم، فكأنهُ ذهبَ إلى مذهبِ الجبريةِ.
﴿وإليه ترجعون﴾: وقرئ بالياءِ (^١) على أن الضميرَ لمن.
* * *
(٨٤) - ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾: الخطابُ لهُ ﵇ لفظًا، وله ولأُمتِهِ معنًى، ولهذا قالَ في موضعٍ آخرَ: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا﴾ [سبأ: ٥٢]، إذ (^٢) جاءَ الكلامُ في ﴿آمَنَّا﴾ و﴿عَلَيْنَا﴾ بلفظِ الجمعِ.
أُمِرَ الرسولُ ﵇ بأن يخبِرَ عن نفسِهِ ومتابعيهِ بالإيمان والقرآن، وإنْ كان منزَّلًا عليهِ خاصةً، لكنَّ نزولَهُ عليهِ لمَّا كان لتبليغِهِ إليهم صحَّ نسبته (^٣) إليهم أيضًا، وأيضًا المنسوبُ إلى واحدٍ منَ الجمعِ قد ينسَبُ إليهم.
ويجوزُ أن يكونَ مأمورًا بأن يتكلَّم على طريقةِ التواضعِ إرشادًا لهُ ﵇ إلى أدبِ المحاورَةِ.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾: قدَّمَ المنزَّلَ عليهِ ﵇ على المنزَلِ على سائرِ الرسلِ ﵈؛ لأنهُ المعرِّفُ له
_________________
(١) هي رواية حفص عن عاصم وقد تقدمت الإشارة إليها قريبًا.
(٢) في (د): "أو".
(٣) في (د): "نسبه".
[ ٢ / ٣٣٠ ]
والعيارُ عليهِ، والنزولُ باعتبارِ أنهُ من فوقٍ يُعدَّى بـ (على)، وباعتبارِ أنهُ ينتِهي إلى المرسَلِ إليهِ يُعدَّى بـ (إلى)، ولهذا قال في موضعٍ آخرَ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٦].
ووجهُ التخصيصِ: أن الخطابَ هنا للرسولِ ﵇، والنزولَ من السماءِ كان عليه، والخطابُ ثمةَ للمسلمينَ، ولا نزولَ عليهم حقيقةً، بلِ انتهى التبليغُ إليهم.
ولا تتجِهُ المناقشةُ (^١) بقولهِ: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء: ١٠٥] ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٦] (^٢)؛ لأنَّ النكتةَ الزائدةَ على أصلِ البلاغةِ، الحاصلَةَ بمطابقةِ الكلام لمقتضَى المقامِ، لا يلزمُها الاطِّرادُ، ولهذا تتفاوتُ المكرَّراتُ في القرآن بحيثُ يكونُ بعضُها أفصَح من بعضٍ.
﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾: التوراةَ والإنجيلَ؛ أفرَدَهما بالذكرِ بحكمٍ أبلغَ؛ لأنَّ أمرَهما بالإضافةِ إليهما (^٣) مغايرٌ لمَا سبق، والنزاعُ وقعَ فيهما.
﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وفي موضعٍ آخرَ: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]، لمَّا تقدَّمَ هنا قولُهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ﴾ إلخ اكتفَى به عَن إعادةِ: ﴿وَمَا أُوتِيَ﴾، ولم يتقدَّم ثمةَ مثلُ هذا، فلم يكُن فيهِ ما يُغني عن التوكيدِ بإعادَتهِ.
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾: بالتصديقِ والتكذيبِ.
_________________
(١) في (ح) و(د): "يتجه المناقش".
(٢) في جميع النسخ كُتبت الآية خطأً هكذا: (وقولوا آمنا بالذي أنزل على الذين آمنوا). ولعل مُراد المؤلف الذي أثبتّه.
(٣) "إليهما" سقط من (ك) و(م)، وفي (ف): "إليها".
[ ٢ / ٣٣١ ]
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: منقادون، أو: مخلصون (^١) في عبادَتهِ.
* * *
(٨٥) - ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾: غيرَ إسلامِ الوجهِ للهِ؛ أي: التوحيدِ.
﴿دِينًا﴾: نكَرهُ تحقِيرًا.
﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ في الدنيا.
﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: الواقعين في الخُسرانِ مُطلقًا من غيرِ تقييدٍ للشياعِ، ولا دلالةَ فيه على أن الإيمانَ ليسَ غيرَ الإسلامِ، إنما دلالَتهُ على أنهُ ليسَ دِينًا غيرَ الإسلامِ.
* * *
(٨٦) -) ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: همُ اليهودُ؛ آمنوا بالنبي ﷺ وةَ إيمانهم من البيناتِ، وتحقَّقوا منها ومِن كتابهم أنهُ حقٌّ، ثمَّ كفروا بهِ.
وقيلَ: نزلَت في رهطٍ كانوا أسلَموا (^٢) ثمَّ رجعوا عن الإسلامِ، ولحقوا بمكَّةَ.
﴿كَيْفَ﴾ استبعاد لأنْ يهدِيَهم اللهُ تعالى، فإنَ الجائر (^٣) عن الحقِّ بعدما وضحَ له منهمِكٌ في الضلالِ بعيدٌ عن الرشادِ.
_________________
(١) في (د): "مخلصونه".
(٢) في (م): "مسلمين"، وقال في الهامش: "أسلموا".
(٣) في (م): "الحائد".
[ ٢ / ٣٣٢ ]
وقيلَ: نفي وإنكارٌ له لِمَا علِمَ من عنادِهم ومكابرتهم، وامتناعِ قَبولهم إياه؛ نعيًا عليهم، وتوبيخًا لهم، فلا دلالةَ فيه على عدمِ قبولِ توبة المرتَدِّ.
﴿وَشَهِدُوا﴾ عطفٌ على ما في ﴿إِيمَانِهِمْ﴾ من معنى الفعلِ، ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠]، أو حالٌ بإضمارِ (قد) من ﴿كَفَرُوا﴾.
والمرادُ من إيمانِهم: تصديقُهم باللهِ تعالى، وعلى تقديرِ أن يُرادَ منهُ التصديقُ بهِ وبالرسول ﵇ وإن كانَ يأباه عطفُ: ﴿وَشَهِدُوا﴾ عليهِ - لا دلالةَ في الآيةِ أيضًا على أنَّ الإقرار باللسان خارجٌ عن حقيقةِ الإيمان المصطَلحِ عليه عند أهلِ الشرعِ، إنما دلالتها على أنه خارجٌ عن الإيمانِ بمعنى التصديقِ بالله وبرسوله، وليسَ هذا مما يَقبل النزاعَ.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: الذين ظلموا أنفسهُم بالإخلالِ بالنظرِ (^١)، ووضعِ الكفرِ موضعَ الإيمانِ، فكيفَ مَن جاءهُ الحقُّ وعرفَهُ ثم أعرَضَ عنهُ؟
* * *
(٨٧) - ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: استقرَّ عليهم لعنةُ اللهِ، ومِن يُعتَدُّ بلعنتهِ مِن خلقهِ، ودلالةُ مفهومهِ على عدمِ استقرارِ اللعنِ على غيرِهم، لا على عدَمِ جوازه في حقِّ غيرِهم، فالمرادُ منَ الناسِ المؤمنونَ، ويجوزُ أن يُرادَ العمومُ؛ لأنَّ الكافرَ أيضًا يلعنُ منكِرَ الحق ولكن لا يعرِفُه (^٢) بعينِهِ.
* * *
_________________
(١) في (ك): "والنظر".
(٢) في (د): "ولكن لا يعرف الحق".
[ ٢ / ٣٣٣ ]
(٨٨) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: في اللعنةِ، أو في النارِ، وإضمارُها قبلَ الذكرِ تفخِيمَّا لَشأنها وتهويلًا.
﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: لا يمهَلُون ليعتذِروا، أو: لا ينظُرُ إليهم نظرَ رحمةٍ.
* * *
(٨٩) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾؛ أي: رجعُوا عن الارتدادِ.
﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الإشارةُ إلى الكفرِ لتعظيمهِ وشدَّتهِ، وغايةِ بعدِه عن الصوابِ والعقلِ.
﴿وَأَصْلَحُوا﴾: ما أفسدوا، أو دخلوا في الصلاحِ (^١).
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: يقبَلُ التوبةَ.
﴿رَحِيمٌ﴾: يتفضَّلُ عليهِ.
* * *
(٩٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ كاليهودِ كفرُوا بعيسى ﵇ والإنجيلِ، بعدَ الإيمانِ بموسى ﵇ والتوراةِ ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بكفرِهم بمحمدٍ ﵇ والقرآنِ.
_________________
(١) في (م): "الإصلاح".
[ ٢ / ٣٣٤ ]
أو كفروا بهِ ﵇ بعدَ إيمانهم قبلَ مبعثه، ثم ازدادوا كفرًا بالإصرارِ والعنادِ والطَّعنِ فيهِ، والصدِّ عن الإيمانِ، ونقضِ الميثاقِ والسخريةِ بكل ما نزلَ من الآياتِ.
أو كقومٍ ارتدُّوا ولحِقوا (^١) بمكَّةَ ثم ازدادوا كفرًا بقولهم: نتربَّصُ بمحمدٍ ريبَ المنونِ، أو نرجعُ إليهِ وننافِقُهُ بإظهاره.
﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ قد عرفت أن التعريفَ في ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ للعهدِ، والإشارةُ إلى قومٍ مخصوصينَ، وإلا فكلُّ كافرٍ إذا تابَ قُبِلَتْ توبته (^٢)، وإنِ ازداد كفرًا إلى كفرٍ (^٣)، فإنْ أُريدَ بهم المرتدُّونَ فالواو في:
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ للحالِ؛ أي: لن (^٤) تُقبَلَ توبتُهم في حالِ كونهم الباقينَ على ضلالهم الذي ثابتونَ عليهِ؛ لكونِ توبتهم نِفاقًا، وإنْ أُريدَ بهم اليهودُ فكذلك.
وفيهِ وجهانِ آخَران:
أحدُهما: أن يكونَ إخبارًا بالغيبِ عَلى طريقةِ قولهم:
ولا ترى الضَّبَّ بها يَنحَجِر (^٥)
أي: لن يتوبُوا، فلا توبةَ ولا قبولَ، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ اعتراضٌ؛ أي:
_________________
(١) في (د): "أو كقوم ارتدوا أو لحقوا"، وفي باقي النسخ: "أو قوم ارتدوا ولحقوا". والمثبت هو الصواب. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٢٧).
(٢) في (ح) و(د) و(ف): "قبلت بقرينة".
(٣) في (ح) و(د): "وإن ازداد كفرا أي كفر" وفي (ف): "وإن ازدادوا كفرا إلى كفرهم".
(٤) "لن" من (د)، وسقطت من باقي النسخ.
(٥) عجز بيت تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وصدره: لا تفزعُ الأرنبَ أهوالُها
[ ٢ / ٣٣٥ ]
والموصوفون (^١) بما ذكِرَ أولئك هم الثابتونَ على الضلال المطلَقِ.
والثاني: أن يكونَ كنايةً عن موتهم على الكفرِ؛ أي: يموتونَ وهم كافرونَ، على ما صرَّحَ بعدَه، والفائدةُ فيها: التغليظُ في شأنهم، وإبرازُ حالهم في صورة (^٢) حالِ الآيسينَ من الرحمةِ التي (^٣) [هي] أغلظُ الأحوالِ وأشدُّها.
* * *
(٩١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ لفظ ﴿الَّذِينَ﴾ هنا عامٌّ فيمَن كفَرَ، وماتَ على الكفرِ، فلذلكَ دخلَتِ الفاءُ في قولهِ:
﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ﴾ تضمِينًا للموصولِ معنى الشرط، على أنَّ الموتَ على الكفرِ سببٌ لامتناعِ قَبولِ الفدية، وإنَّما تُرِكَ الفاءُ في الكلامِ السابقِ لفقدِ التسبُّبِ ثمَّةَ (^٤)، وإيرادُ المسندِ إليه موصولًا لتحقيقِ الخبرِ.
﴿مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ ملءُ الشيء: ما يملأه، و﴿ذَهَبًا﴾ نصبٌ على التمييزِ،
_________________
(١) في (ح) و(ف): "والموصوف".
(٢) "صورة" سقط من (ف).
(٣) في (ك) و(م): "إلى"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٣٨٣)، وما سيأتي بين معكوفتين منه.
(٤) في هامش (د) و(ف): "لفقد الدليل عليه كما زعمه صاحب الكشاف. منه"، وانظر شرح هذه المسألة في "روح المعاني" (٥/ ٣١٧) مع ما ذكرناه في حواشيه من زيادة في الشرح.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وقرئ بالرفع على البدلِ مِن ﴿مِلْءُ﴾ (^١)، أو خبرٌ لمحذوفٍ، وفيهِ (^٢): أنه لا بدَّ مِن تقديرِ وصفٍ ليَحسنَ البدلُ، ولا دلالةَ عليهِ، والثاني (^٣) إنما يحسن إذا جُعلَتِ الجملةُ صفةً أو حالًا، ولا يخلُو عن ضعفٍ.
﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ اعتراضٌ؛ أي: ولو فُرِضَ أنه افتدى بهِ، على أن الافتداءَ ثمة محالٌ، وتقديرُ الكلامِ (^٤): إنَّ الذينَ ماتوا على الكفرِ فلو افتدَى أحدُهم بملءِ الأرض ذهبًا لم يُقبَل منهُ.
فلما كانَ الجزاءُ أهمَّ للإقناطِ (^٥) والبعثِ على الرجوعِ عنِ الكفرِ إلى الإيمانِ قبلَ الموتِ قدِّمَ، وجعِلَ جزاءَ الشرطِ الأول (^٦)، وأُوردَ ﴿لَنْ﴾ للتأكيدِ وأُخِّرَ الشرطَ، فلزمَ (الواوُ) للربطِ.
وقيلَ: محمولٌ على المعنى؛ كأنَّهُ قيلَ: فلن يُقبلَ مِن أحدِهم فديةٌ ولو افتدَى بملءِ الأرضِ ذهبًا.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ تتميمٌ لمعنى الإقناطِ؛ لأن مَن لا يُقبَلُ (^٧) منهِ الفداءُ ربما يُعفى عنهُ تكرُّمًا.
_________________
(١) تنسب للأعمش، انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٨٢).
(٢) يعني: في وجه البدلية.
(٣) يعني: جعله خبرا لمحذوف.
(٤) في (م): "وتقدير حق الكلام".
(٥) في (ح) و(م): "الجزاء أهم الإقناط"، وفي (د): "الجزاء هم للإقناط"، وفي (ك): "الجزاء لهم الإقناط"، وفي (ك): "الجزاء أهم من الإقناط". والمثبت هو الصواب والله أعلم.
(٦) يعني: الموصول الذي ضمن معنى الشرط، كما تقدم.
(٧) في (د): "لأن ما يقبل".
[ ٢ / ٣٣٧ ]
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ في دفعِ العذابِ و﴿مِنْ﴾ مزيدةٌ للاستغراقِ.
* * *
(٩٢) ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾: لن تبلُغوا حقيقةَ البرِّ؛ وهو ما يُتقرَّبُ به إلى اللّهِ تعالى من أعمالِ الخيرِ، وقيلَ: لن تنالوا برَّ اللّهِ؛ أي: ثوابَهُ.
﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾: من أموالكم التي تحبُّونها، أو ما يعمُّهُ وغيرَهُ؛ كبذلِ الجاهِ في معاونةِ الناسِ، والبدنِ في طاعةِ اللّه تعالى، والمُهجةِ في سبيله.
و(مِن) هنا للتبعيضِ؛ يدلُّ عليهِ قراءةُ: (حتى تنفقوا بعضَ ما تحبون) (^١). وفي قوله:
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ لتبيين ما تنفقون (^٢)؛ أي: من أيِّ شيء طيبٍ (^٣) تحبُّونهُ أو خبيثٍ تكرهونَهُ.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيجازيكُم بحسبِهِ.
* * *
(٩٣) - ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٤٤٥)، وقال السمين في "الدر المصون" (٣/ ٣١٠): وهذه عندي ليست قراءة، بل تفسير معنى.
(٢) في (د) و(ك) و(م): "تنفقوا".
(٣) "طيب" زيادة في (م).
[ ٢ / ٣٣٨ ]
﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾: هو ما يُطعَمُ مأكولًا كانَ أو مشروبًا، والمرادُ تناوُلُها (^١).
﴿كَانَ حِلًّا﴾ على شريعةِ إبراهيمَ ﵇.
﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: حلالًا لهم (^٢)، وهو مصدَرُ نُعِتَ بهِ، ولذلك يستوي فيهِ الواحدُ والجمعُ، والمذكَّرُ والمؤنَّثُ، قالَ تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠].
﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾: يعقوبُ ﵇؛ كلحومِ الإبلِ وألبانها، وكانَ تحريمُهُ ذلكَ بالنذرِ، ولذلكَ قيلَ:
﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ ثم إنه تعالى حرَّمهُ على أولادِهِ على ما دلَّ عليه الاستثناءُ المذكورُ، فلا متمَسَّكَ فيه لمن جوَّزَ للنبيِّ أن يجتهِدَ.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾: متعلَّقٌ للمستثنى منهُ، وفائدَتهُ: بيانُ حلِّ ما عدا لحومَ الإبلِ وألبانَها في شريعة إبراهيمَ ﵇ حتى يثبُتَ تحريمُ بعضِ ما كان حلالًا لبني إسرائيلَ بنزولِ التوراةِ.
وبه يحصلُ الإلزام لليهودِ، ويتمُّ الرد عليهم في دعوى البراءةِ عما نُعِيَ عليهم في قولهِ تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ [النساء: ١٦٠] إلى آخرهِ، وقولِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] بأنْ قالوا: لسنا أولَ مَن (^٣) حرِّمَت عليهِ، وإنما كانت محرمة على نوحٍ وإبراهيمَ ﵉، ومَن بعدَهُ حتى انتهى الأمرُ إلينا، فحرِّمَت علينا كما حرِّمَت على مَن قبلَنا (^٤).
_________________
(١) في هامش (د) و(ف): "من قال: أكلها، فقد غفل عن تناول المستثنى للمشروب. منه".
(٢) في (ح) و(ف): "حلًّا لهم".
(٣) في (ح) و(ف) و(م): "م"، وسقطت من (د)، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٢٨).
(٤) في (ح) و(ف): "وعلى من قبلنا"، والمثبت من باقي النسخ والمصدر السابق.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
وفي منعِ (^١) النسخِ، والطعنِ في دعوى الرسولِ ﵇ موافقةَ إبراهيمَ عليه. السلامُ بتحليلِهِ (^٢) لحومَ الإبلِ وألبانَها.
لا للمُستثنى (^٣) بيانًا (^٤) لكونِ التحريمِ المذكورِ قبلَهُ، إذ لا فائدةَ فيهِ أصلًا (^٥).
﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمِكم أن تحريمَها قديمٌ.
أمرٌ لمحاجَّتهم (^٦) بكتابهم، وتبكِيتهم بما فيهِ؛ من أنَّ تحريمَ ما حرّمَ عليهم تحريم حادثٌ بسببِ ظلمِهم وبغيِهم، لا تحريمٌ قديمٌ كما زعموا، رويَ أنهم لم يَجرؤوا (^٧) على إخراجِ التوراة وبهِتوا (^٨). وفي ذلكَ برهانٌ قاطعٌ على صدقِ النبيِّ ﵇، وحجةٌ بينةٌ على جوازِ النسخِ.
* * *
(٩٤) -) ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: ابتدَعهُ على اللهِ تعالى بادِّعاء أن ذلك كانَ محرمًا على بني إسرائيلَ قبلَ إنزال التوراةِ.
_________________
(١) عطف على ما تقدم من قوله: (في دعوى البراءة)؛ أي: (يتم الرد على اليهود في دعوى البراءة … وفي منع).
(٢) في (ح) و(ف): "بتحليل".
(٣) عطف على قوله: (متعلق للمستثنى منه).
(٤) في (ك) و(م): "بيان"، وسقطت الجملة من باقي النسخ.
(٥) في هامش (د) و(ف) مع بعض الفروقات: "لا فائدة الخبر ولا لازمها ومن غفل عن هذا فسر القَبل بالقبيل. منه".
(٦) في (م): "بمحاجتهم".
(٧) في (ف) و(ك): "يجترئوا"، وفي (م): "يجرئوا".
(٨) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٢٨).
[ ٢ / ٣٤٠ ]
﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: مِن بعدِ ما ألزمهُم بالبرهانِ القاطعِ.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: المكابِرونَ الذين لا يُنصفونَ مِن أنفسهم، ولا يلتفتُونَ إلى البيِّناتِ.
* * *
(٩٥) - ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾: تعريضٌ بكذِبهم؛ أي: ثبتَ أنَّ الله صادقٌ فيما أنزَلَ، وأنتم الكاذبونَ.
لما عرَّضَ بكذِبهم لزِمَهم اتِّباعُ محمدٍ ﵇ والإيمانُ بالقرآنِ، فعبَّرَ عن ذلك بقولهِ:
﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾؛ أي: ملَّةَ الإسلامِ التي هي في الأصلِ ملةُ إبراهيم، ولمَّا نسَبَ دينَه وملَّتَهُ (^١) إلى إبراهيمَ ﵇ كانَ أكسَرَ لنخوتهِم، وأقرَبَ إلى قَبولهم؛ كأنهُ قالَ: فإذا ظهرَ بالحجةِ البيِّنةِ كذبُكم فيما زعمتُم، وثبتَ صدقُ كتابِ اللّه، وظهرَ بطلانُ دينكِم الذي اضطرّكم إلى تحريفِ كتابِ اللّهِ والافتراءِ على اللهِ لتسويةِ أغراضكم، فاتَبعوا الحقَّ الذي هو ملةُ إبراهيم، وهو (^٢) ما عليهِ محمدٌ ومَن معهُ (^٣).
وانتصَبَ ﴿حَنِيفًا﴾ على الحالِ، وقد سبقَ تفسير في سورة البقرةِ.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أرادَ استمرارَ النفيِ لا نفيَ الاستمرارِ، فمدلولُ ﴿كَانَ﴾ مقدَّمٌ في الاعتبارِ.
_________________
(١) "وملته" من (م).
(٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "وهي".
(٣) في (ك): "ومن تبعه".
[ ٢ / ٣٤١ ]
وفيهِ تعريضٌ بشرك اليهود، وإشارةٌ إلى أن اتِّباعهُ واجبٌ في التوحيدِ الصِّرفِ والاستقامة في الدينِ.
* * *
(٩٦) - ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾.
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: جعلَهُ اللّه تعالى متعبَّدًا لهم.
﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾: لَلْبيتُ الذي ببكَّةَ؛ وهي لغةٌ في مكَّةَ؛ كالنبيطِ والنميطِ، وقيل: هي موضعُ المسجدِ، ومكةُ البلدُ.
من بكَّه: إذا زحمَهُ أو دقَّهُ، فإنها تدقُّ أعناقَ الجبابرة.
﴿مُبَارَكًا﴾: كثيرَ الخيرِ والنفعِ لمن حجَّهُ واعتمرهُ (^١)، واعتكفَ دونهُ، وطافَ حولَهُ، حالٌ من المستكنِّ في الظرف (^٢).
﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾: سببُ هدايةٍ (^٣)؛ لأنهُ من قِبلتهم (^٤).
* * *
(٩٧) - ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ حالٌ أُخرى.
_________________
(١) في (ك): "أو اعتمره".
(٢) في هامش (د) و(ف): "ومن وجد فيه التعدد فقد فوت هذا الاعتبار اللطيف. منه".
(٣) في (ك): "هدايته".
(٤) في (د): "لأنَّه قبلتهم".
[ ٢ / ٣٤٢ ]
﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾: عطفُ بيانٍ لقوله: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ وحَّدَهُ لقيامِه مقامَ آياتٍ كثيرة، يدلُّ على هذا قراءةُ: (آية بينة) (^١).
ولا يخفى ما فيه منَ التفخيمِ لشأنهِ، كأنهُ لظهورِ إعجازه وقوةِ دلالتِهِ على قدرة اللّه تعالى، ونبوةِ إبراهيمَ ﵇، بمنزلة آياتٍ عظامٍ كثيرة، ويؤيدُ ذلك التعظيمَ البالغَ تنكيرُ ﴿آيَاتٌ﴾ ووصفها بالبيِّناتِ، ونحوُه في التعظيمِ قولهُ تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠].
﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ جملة ابتدائيةٌ.
كان الحرمُ آمنًا في الجاهليةِ، ومفزَعَ كلِّ خائفٍ وملجأ كلِّ جانٍ، وقالَ ابن عمر: لو وجَدنا قاتلَ أبينا في الحرمِ لم نقتله (^٢).
وقيلَ: المراد الأمنُ (^٣) من العذاب يومَ القيامة.
وفيه: أن مدارَ هذا الأمنِ على الدفنِ (^٤) فيهِ، على ما أفصَحَ عنه قولُه ﵇: "مَن ماتَ في أحدِ الحرمينِ بُعِثَ يومَ القيامةِ آمنًا" (^٥) لا على دخوله.
_________________
(١) تنسب لمجاهد وأبي، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٢).
(٢) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٦٩٩٢) بلفظ: (لو وجدت فيه قاتل عمر ما ندهته)، ومثله الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٠٣) وفيه: (ما هجته).
(٣) في النسخ: "حرم والأمن"، وضرب على الواو في (ك)، والصواب المثبت. انظر: "روح المعاني" (٥/ ٣٣٩).
(٤) في (د): "دفن".
(٥) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٣٨٥٥) من طريق رجل من آل حاطب عن حاطب بن أبي بلتعة ﵁، وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن حاطب. ورواه الطبراني في "الصغير" (٨٢٧) من حديث جابر بن عبد الله ﵁. ورواه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٢٨ - ١٢٩) من حديث سلمان وجابر وقال: هذان حديثان لا يصحان. لكن قال السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" =
[ ٢ / ٣٤٣ ]
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ آكدُ ما يكونُ منَ الألفاظ الدالة على الإلزام كلمةُ ﴿عَلَى﴾ فإنها علَمٌ فيهِ.
والحجُّ كأخواته من المنقولاتِ الشرعيةِ، وله فرائضُ وواجباتٌ وسنن وشرائطُ بعضُها للوجوبِ وبعضُها للأداءِ، ومعناهُ اللغويُّ: القصدُ على جهة التعظيمِ، والمرادُ معناهُ الشرعيُّ، فإضافته إلى البيتِ للملابَسةِ، فإنَّ طوافَهُ (^١) أحدُ ركنَيهِ، أو أحدُ أركانهِ، على الاختلافِ في الإحرامِ، فإنهُ ركنٌ عندَ الشافعيِّ، وشرطٌ عندَ أبي حنيفةَ.
ومن قالَ في "تفسيره": قصْدُهُ (^٢) للزيارةِ على الوجهِ المخصوصِ، فقد زادَ على معناه اللغويِّ، وقصَّرَ عَن معناهُ الشرعيِّ.
وقرئ: ﴿حِجُّ﴾ بالكسرِ (^٣)؛ وهو لغةُ نجدٍ.
﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: بدلٌ منَ ﴿النَّاسِ﴾ مخصِّصٌ لهُ، وفيهِ إيرادُ المرادِ في صورتين مختلفتين (^٤) على وجهٍ فيه تشويقٌ، ووجدانٌ بعدَ شغفٍ (^٥) وطلبٍ،
_________________
(١) = (٢/ ١٠٩): أفرط المُؤلف [يعني: ابن الجوزي] في إِيراد هذين الحديثين في الموضوعات، وقد أخرجهما البيهقيّ فِي "شعب الإيمان" واقتصر على تَضْعِيف إسنادهما، وقال: إِن إِسْنَاد حدِيث جابِر أحسن من إِسْنَاد حَدِيث سلمَان، والَّذي أستخير الله فِيه الحكم لمتن الحدِيث بالحسَن لِكَثْرَة شواهده.
(٢) في (د): "فأطوافه"، وفي (ح) و(ف): "فالطواف".
(٣) في (ك): "قصد".
(٤) وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص، وقرأ الباقون بالفتح، انظر: "التيسير" (ص:٩٠).
(٥) في (د): "الصورتين مختلفتين"، وفي (ح) و(م): "صورتين مختلفين".
(٦) في (م): "تشغف".
[ ٢ / ٣٤٤ ]
وتنكير ﴿سَبِيلًا﴾، وتقديمُ ﴿إِلَيْهِ﴾ عليهِ؛ أي: سبيلًا مّا أيَّ سبيلٍ (^١) يتيسَّرُ على أيِّ وجهٍ يكونُ قريبٍ وبعيدٍ، بشرطِ اختصاصِ انتهائه إليهِ لا إلى غيره، وكلُّ مأتيٍّ إلى الشيءِ فهو سبيلُهُ.
وقد فسَّرَ رسولُ اللّهِ ﷺ الاستطاعةَ بالزادِ والراحلةِ (^٢)، وما فسَّرهُ ﵇ استطاعةُ السبيلِ إلى البيتِ المذكورِ في القرآنِ، لا استطاعةُ الحجِّ؛ فإنها لا بدَّ فيها من صحَّةِ البدنِ أيضًا، فلا دلالة فيه على أحدِ القولينِ المذكورَين في المسألة الخلافيةِ المشهورةِ.
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ وضعَ ﴿كَفَرَ﴾ موضعَ: لم يحُجَّ؛ تأكيدًا لوجوبهِ، وتغليظًا على تاركِ الحجِّ، وتشديدًا عليهِ، ولذلك قالَ ﵇: "مَن ماتَ ولم يحجَّ فليمُتْ إن شاءَ يهوديًّا أو نصرانيًّا" (^٣).
وقد أكَّدَ أمرَ الحجِّ في هذه الآيةِ من وجوهِ الدلالةِ على وجوبهِ بصيغةِ الخبرِ،
_________________
(١) في (ف): "سبيلًا".
(٢) رواه الترمذي (٢٩٩٨)، وابن ماجه (٢٨٩٦)، من حديث ابن عمر ﵄. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. اهـ. وقصة الزاد والراحلة قد رويت عن جماعة من الصحابة لا يثبت منها شيء كما قال غير واحد من أهل العلم. انظر: "الوهم والإيهام" لابن القطان (٣/ ٤٤٨)، و"نصب الراية" للزيلعي (٣/ ١٠)، و"التلخيص الحبير" لابن حجر (٢/ ٢٢١).
(٣) رواه "الدارمي" في "سننه" (١٨٢٦)، والبيهقي في "الشعب" (٣٦٩٣)، من حديث أبي أمامة ﵁ بلفظ: "مَنْ لَمْ يَحْبِسْهُ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ مَرَض حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنَّ شَاءَ نَصْرَانِيًّا". وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. وروى نحوه الترمذي (٨١٢) من حديث علي ﵁ وقال: في إسناده مقال. وروي عن عمر ﵁ موقوفًا، وصحح إسناده ابن كثير في "مسند الفاروق" (١/ ٢٩٢).
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وإبرازِهِ في صورةِ الاسميةِ، وإيرادِه على وجهٍ يفيدُ أنهُ حقٌّ واجبٌ للّهِ تعالى في رقابِ الناسِ، وتعميمِ الحُكمِ أولًا وتخصِيصِه ثانيًا؛ فإنهُ كالإيضاحِ بعدَ إبهامٍ، وتثنيةٌ (^١) وتكريرٌ للمرادِ، وتسميةِ تركِ الحج كفرًا مِن حيثُ إنه فعلُ الكفرة، وذكرِ الاستغناءِ فإنه في مثلِ هذا الموضعِ مما يدلُّ على المقتِ والخُذلانِ.
وقوله: ﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ بدلٌ عنه لِمَا فيهِ من مبالغةِ التعميم، والدلالةِ على الاستغناءِ عنه بالبرهان، والإشعارِ بعظم السخطِ؛ لأنهُ تكليفٌ شاقٌّ (^٢) جامع بينَ كسرِ النفس، وإتعابِ البدن، وصرفِ المال، والتجردِ عن الشهواتِ، والإقبالِ على اللّه تعالى.
بقي هاهنا دقيقةٌ أنيقةٌ؛ وهي أن اللامَ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ مظِنَّةُ أن يكون في الحجِّ نفعٌ له تعالى، دفعَه (^٣) ببيانِ غَنائه عن العالمين.
رويَ: أنه لما نزل صدرُ الآيةِ جمعَ رسول اللّه ﷺ أرباب الملل فخطبهم وقال: "إنَّ اللّه تعالى كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا" فآمنت به ملةٌ واحدة، وكفرت به خمس ملل، فنزل: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ الآية (^٤).
* * *
(٩٨) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: تخصيصُ أهلِ الكتابِ بالخطاب؛ لأن كفرَهم أقبحُ، وَأما
_________________
(١) في (ح) و(ف): "وتنبيه".
(٢) في (د): "مشاق".
(٣) في (د): "دفع".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٢١) من طريق جويبر عن الضحاك وجويبر متروك، والخبر مرسل.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
الدلالةُ على أنهم وإن زعموا (^١) أنهم مؤمنونَ بالتوراةِ والإنجيلِ فهم كافرون بهما، فلا تأثيرَ فيها للتخصيص المذكور (^٢).
﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: بآياته السمعيةِ والعقليةِ الدالَّةِ على صدقِ محمدٍ ﵇ فيما أُتي (^٣) به من الأوامرِ والنواهي، ومعنى الاستفهامِ في ﴿لِمَ﴾ إنكارٌ لكفرِهم، وتعجُّبٌ منهُ مع وجود المانعِ، وهو كونُ الحقِّ شهيدًا على أعمالهم.
﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: والحال أن اللّه شهيدٌ؛ أي: مطَّلعٌ على أعمالكم فمجازيكم عليها لا ينفعكُم التحريفُ والإسرار (^٤)، وهذهِ الحالُ توجبُ الإيمانَ فما جسَّركم (^٥) على الكفرِ بآياتهِ؟!
وإظهارُ اسم الله تعالى والمقامُ مقامُ الإضمارِ؛ للتخويفِ، والتربيةِ للمهابةِ.
* * *
(٩٩) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: أُعيدَ الخطابُ لأن الأول في الضالينَ، وهذا في المضلِّينَ، فلا تكرار، وكونُ كل واحدٍ من الأمرين مُستقبَحًا في نفسهِ مُستقلًّا في استجلابِ العذابِ مما لا حاجة إلى الإشعارِ به لعدم الخفاءِ فيه.
_________________
(١) في (ف): "أنهم وزعموا".
(٢) في هامش (د) و(ف): "فإنها حاصلة في صورة التعميم أيضًا كما لا يخفى. منه".
(٣) في (د): "أوتى".
(٤) في (د): "والإسراء". وفي (ك): "والسر". وفي (ح) و(ف): "والامتراء"، والمثبت من (م).
(٥) في (د): "جركم" وفي (م): "صبركم".
[ ٢ / ٣٤٧ ]
﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾. معنى الاستفهامِ إنكارٌ لقصدِ الصدِّ، وطلبِ العوجِ في الطريقِ المستقيم، مع كونهم علماءَ شهداءَ بأنْ ليسَ فيه عوجٌ، وأن الصادَّ عنها ضالٌّ مضلٌّ، والتوبيخُ هنا أشدُّ لمعنى المكابرةِ فيهِ.
﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: دينهِ الحقَ المأمورِ بسلوكهِ وهو الإسلامُ، قدِّمَ للاهتمامِ على المفعولِ الأولِ وهو قولُهُ:
﴿مَنْ آمَنَ﴾: كانوا يفتِنون المؤمنِينَ، ويحرِّشون (^١) بينهم، حتى أتوا الأوسَ والخزرجَ فذكَّرُوهم ما بينَهم في الجاهليةِ من التعادي والتحارُبِ ليعودوا لمثله، ويحتالون لصدِّهم عنه (^٢)، ويمنعُون مَن أراد الدخولَ فيه بجهدهم، فعلى الأولِ يكون التجوُّزُ في الصدِّ، وعلى الثاني في ﴿آمَنَ﴾.
﴿تَبْغُونَهَا﴾ في محل النصبِ بالحال.
﴿عِوَجًا﴾ مفعول (تبغون)، والضميرُ منصوبٌ بنزع الخافض، وتعديةِ الفعلِ؛ أي: فيها.
والعِوجُ - بكسر العين - الميلُ والانحراف في المعاني، وبفَتحها في الخبثِ؛ أي: تطلُبون اعوجاجًا وميلًا عنِ الاستقامة بأن تلبِّسوا على الناسِ حتى توهمُوهم أن فيها عوجًا بقولكم: إن شريعة موسى ﵇ لا تُنسخُ، وبتغييرِ صفةِ رسول اللّه ﷺ، ونحوهما.
﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ قائلون (^٣): إنها سبيلُ اللّهِ لا يَصدُّ عنها إلا ظالمٌ كافرٌ، أو
_________________
(١) في (د): "ويحدثون" وفوق الدال شدة.
(٢) "عنه" ليست في (د).
(٣) في (د): "عاملون".
[ ٢ / ٣٤٨ ]
عدولٌ (^١) بين أهلِ دينكم، يتمسَّكون بأقوالكم، ويستشهدُونكم في عظائمِ أمورهم لكونكم أحبارًا.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: وعيدٌ بالغٌ، والختمُ بهذا يناسب المقام؛ لأنَّ الكلام في صدِّهمُ المؤمنينَ عن الإسلام وكانوا يخفونَهُ ويحتالون فيه، وفيما (^٢) تقدَّمَ في كفرِهم وهم يجهَرُون بهِ، فكان المناسبُ له الختمَ بقولهِ: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨].
* * *
(١٠٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: خاطبهم اللّهُ بنفسهِ بعدَ توسيطِ الرسول ﵇ في مخاطبةِ أهلِ الكتابِ؛ إظهارًا لجلال (^٣) قدرِهم، وإشعارًا بأن لهم منزلةً عندَ اللّه تعالى دونَ أهل الكتاب (^٤).
﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: نزلَت في نفر من الأوس والخزرج كانوا جلوسًا يتحدَّثون؛ فمر بهم شاس بن قيس اليهوديُّ فغاظَه تآلفُهم واجتماعهم، فأمرَ شابًّا من اليهود أن يجلسَ إليهم ويذكِّرَهم (^٥) يوم بُعاثٍ، وينشدَهم (^٦) بعض ما قيلَ فيه،
_________________
(١) في (ك) و(م): "عدل".
(٢) في (د): "وما".
(٣) في (د): "لجلالة".
(٤) في هامش (د) و(ف): "من قال إشعارًا بأنهم الأحقاء بأن يخاطبهم اللّه ويكلمهم لم يصب في قوله: ويكلمهم، كما لا يخفى. منه".
(٥) في (ك): "ويذكر".
(٦) في (م): "وينشد".
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وكان الظَّفَرُ في ذلك اليومِ للأوسِ؛ ففعلَ فتنازَعَ القومُ وتفاخَروا وتغاضَبوا، وقالوا: السلاحَ السلاحَ. واجتمَع من القبيلتين خلقٌ عظيمٌ، فتوجَّهَ إليهم رسولُ اللّه ﷺ وأصحابُه ﵃ وقالَ: "أتدْعُونَ الجاهليَّةَ وأنا بينَ أظهُركم بعدَ إذ أكرمكُم اللّه بالإسلامِ، وقطعَ بهِ عنكم أمر (^١) الجاهليةِ، وألَّف بينكُمْ؟! " فعلِموا أنها نزغة من الشيطان، وكيدٌ من عدوِّهم، فألقوا السلاحَ واستغفروا، وعانقَ بعضُهم بعضًا، وانصرفوا معَ رسول اللّه ﷺ (^٢).
والتعبيرُ عن شاسٍ ومَن أعانه فيهِ بالفريقِ يناسبُ قصدَهم إيقاعَ التفرقة بين جمعِ المؤمنين.
﴿يَرُدُّوكُمْ﴾؛ أي: عن الهدى إلى الضلالِ (^٣) على ما دلَّ عليه قولُه:
﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾: ردَّ يتعدَّى إلى مفعولَين، قالَ الشاعر:
فردَّ شُعورَهن السودَ بيضًا … وردَّ وجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا (^٤)
* * *
(١٠١) - ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
_________________
(١) "أمر" من (م).
(٢) رواه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" (١/ ٥٥٥)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٢٧)، عن زيد بن أسلم، وهو في "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١٦).
(٣) في (م): "الضلالة".
(٤) البيت لعبد الله بن الزبير الأسدي، كما في "شرح الحماسة" للمرزوقي (٢/ ٩٤١)، و"الحلل" للبطليوسي (ص: ٧٠)، ولفضالة بن شريك كما في "عيون الأخبار" (٣/ ٧٦)، وقال البطليوسي: ويقال: إنه للكميت بن معروف الأسدي.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ معنى الاستفهامِ: الإنكارُ والتعجيبُ من تطرُّقِ الكُفر إليهم في حالِ اجتمعَ إليهم الأسبابُ الداعيةُ إلى الإيمانِ، الصارفةُ عن الكُفر.
وإنما أخَّرَ قولَهُ: ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ - مع أن حقَّهُ التقديمُ؛ لأن التلاوة المذكورةَ بواسطته - إخراجًا لهُ عن حيِّزِ الوساطة إلى منزلةِ الاستقلال في السببية، كأنهُ قيلَ: والحالُ أن آياتِ اللّهِ تُتلى عليكُم مُعجزةً رادعةً (^١) عن الكفرِ، وفيكم الرسولُ واعظًا زاجرًا لكُم ناهيًا عنهُ.
﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾: ومَن يتمسَّك بدينِه، أو يلتجِئْ إليه في مجامعِ أموره.
﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: إنما يورَد ﴿فَقَدْ﴾ في جوابِ الشرطِ عندَ مُضيِّهِ معنى، والقصدُ هنا إلى تحقُّقِ (^٢) الوقوعِ بمعنى: فقد حصلَ لهُ الهدى، كأنهُ قد حصل (^٣) فهو يخبرُ عنه حاصِلًا، ومعنى التوقعِ في ﴿فَقَدْ﴾: أنَّ المعتصِم باللّهِ متوقِّعٌ للهُدى.
* * *
(١٠٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: واجبَ تقواه وما يحقُّ مِنها، وهو القيامُ بالواجبِ، واجتنابُ المحارمِ، ويدخُلُ فيهِ الاحتراز (^٤) عن طاعةِ أهل الكتابِ دخولًا أوليًا.
_________________
(١) في (د): "وزاعة"، وفي (م): "وازعة".
(٢) في (م): "تحقيق".
(٣) في (م) زيادة: "له الهدى".
(٤) في (د): "الاحتراض".
[ ٢ / ٣٥١ ]
﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: ولا تكونُنَّ على حالٍ سوى الإسلامِ حينَ الموتِ، فالمنهيُّ كونهم على حالٍ غير الإسلام عندَ موتهم، لا موتُهم.
هذا ما عندَهم، والذي عندِي هو أنَّ النهيَ المذكورَ للتحذيرِ عن الموت على حالٍ سوى الإسلامِ، والحذرُ عنه إنما يكونُ بالاحترازِ عما يُفضي إليهِ (^١)، فهو حثٌّ على الثباتِ على الإسلام في جميعِ الأزمانِ على أبلغ وجهٍ، وعلى هذا لا عدولَ عن الظاهرِ. بخلافِ ما قالوهُ (^٢).
* * *
(١٠٣) - ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾: يحتملُ التمثيلَ، بأن يمثَّل صورة حالهم في اعتضادِهم واستظهارِهم ووثوقِهم باللّهِ تعالى وحمايتهِ واتكالهم عليهِ بصورةِ حالِ المتدلِّي مِن مكانٍ مُرتفعٍ متمسِّكًا بحبلٍ وثيقٍ يأمَن انقطاعَهُ، والاستعارةُ بأن يستعيرَ الحبلَ لعهدِه أو كتابه، ويجعلَ الاعتصامَ ترشيحًا لها بما يناسِبُ الحبلَ.
﴿جَمِيعًا﴾ أي: اجتمِعوا على استعانتكم باللّهِ ووثوقكُم بهِ، أو: اجتمِعوا على التمسُّكِ بعهده إليكُم أن تؤمنوا بهِ، ولا تعبُدوا إلا إياه، أو بكتابهِ، لقولهِ ﵇: "القرآنُ حبل اللّه المتينُ" (^٣).
_________________
(١) في هامش (ح) و(د) و(ف): "كالنهي عن السقوط في البئر فإن مرجعه إلى احتراز عن الدنو منه. منه".
(٢) في هامش (ح) و(د) و(ف): "فهم مطالبون بالباعث للعدول عن الظاهر. منه".
(٣) قطعة من حديث طويل رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٠٠٠٧)، والدارمي في "سننه" =
[ ٢ / ٣٥٢ ]
﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾: ولا تتفرَّقوا كما كنتم متفرِّقين في الجاهليةِ يُعادي بعضُكم بعضًا ويحارِبُه، أو: لا (^١) تفعلوا ما يوجبُ التفرُّقَ ويزيل الألفةَ من القول والعمل، وأما التفرُّقُ بالاختلافِ في الدينِ كاليهودِ والنصارى فهو مضمونُ قولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥].
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أرادَ: نعمةَ الهداية والتوفيق للإسلامِ، المؤدِّي إلى التآلفِ وزوالِ الغِلِّ.
﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ في الجاهلية متقاتلِينَ ﴿فَأَلَّفَ﴾: أوقعَ الأُلفةَ ﴿بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بالإسلامِ.
﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ﴾: بسببِ تلكَ النعمة.
﴿إِخْوَانًا﴾: متحابِّين مجتمِعين على الإخوةِ في اللّه، و(أصبح) أصلُه: دخلَ في الصباحِ، ثمَّ أُطلِقَ على الصيرورة أيَّ وقتٍ كان، ففيه باعتبارِ أصلهِ دلالة على خروجهم مِن ظلماتِ الضلالة إلى نور الهداية.
_________________
(١) = (٣٣٧٤)، والترمذي (٢٩٠٦)، والبيهقي في "الشعب" (١٧٨٨)، عن علي ﵁، ومداره على الحارث الأعور. وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال. وروي من حديث ابن مسعود ﵁، رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٦٠١٧)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٠٦٣٠)، وابن حبان في "المجروحين" (١/ ١٠٠)، ترجمة إبراهيم بن مسلم الهجري أحد رواته، وابن الجوزي في "العلل " (١٤٥)، وقال: لا يصح عن رسول اللّه ﷺ، ويشبه أن يكون من كلام ابن مسعود، قال ابن معين: إبراهيم الهجري ليس حديثه بشيء.
(٢) في النسخ عدا (م): "ولا" والمثبت من (م).
[ ٢ / ٣٥٣ ]
قيل (^١): كانَ الأوس والخزرجُ أخوين من الأبوين (^٢) فوقع بين أولادهما العداوةُ، وتطاولَتِ الحروبُ مئةً وعشرين سنةً، حتى أطفأها اللهُ تعالى بالإسلام، وألَّفَ بينهُم (^٣) برسولِ اللّه ﷺ.
﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾: مشرِفينَ عليها بكُفركم (^٤)، إذ لو أدرككم الموتُ على تلك الحالة لصادفتمُ القبر حفرةً من النار، وإنما قال:
﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ وإن لم تكونوا فيها؛ لأنهم كانوا بمنزلةِ مَن هو فيها مِن حيث كانوا مستحقِّين لدخولها.
ويجوزُ أن يكون الضمير للشَّفا وتأنيثُه لأنَّه بمعنى الشفةِ، فإن شَفَا البئرِ وشفتَها طرفُها، وأصلهُ: شَفَوٌ، فقلِبَت الواوُ في المذكَّرِ، وحُذِفت في المؤنَّث.
﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك التبيينِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾: دلائله.
﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: إرادةَ أن تَثبُتوا على الهدى، أو تزدادُوا هدىً.
* * *
(١٠٤) - ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ (مِن) للتبيين، بمعنى: وكونوا أمةً؛ كقولهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن
_________________
(١) في (م): "وقيل".
(٢) في (د) و(ك) و(م): "لأبوين".
(٣) "بالإسلام، وألف بينهم" ليست في (د).
(٤) في (ك) و(م): "لكفركم".
[ ٢ / ٣٥٤ ]
المنكر مِن فروضِ الكفاياتِ، فهوَ واجبٌ على كلِّ الأمةِ بدليل أنه (^١) لو تُرِكَ أَثمَ الجميعُ، وإن سقطَ بفعل البعضِ لحصولِ المقصودِ، فلا بدَّ من توجيه الخطاب إلى الكلّ، فمَن قالَ: (مِن) للتبعيضِ، ثم علل بما ذكرناه آنفًا فقد اختارَ المذهب المردودَ؛ وهو أن يكونَ الوجوب على البعضِ من غير تعيين.
وأما الاستدلالُ على أنه لا يجبُ على الكلِّ بعدم الوجوبِ على الجاهل فمردودٌ؛ لأنَّه إذا تُرِكَ بالكليةِ فذلك الجاهلُ أيضًا آثمٌ، ولولا الوجوبُ عليهِ لما أثمَ؛ كمَن وجب عليه الصلاةُ وهو محدِثٌ فإنَّ عليهِ تحصيلَ الشرطِ ثم الفعلَ.
وأمَّا مَن (^٢) اختارَ أن تكونَ (مِن) للتبعيض معلِّلًا بما تقدم، ثمَّ قالَ: خاطب الجميع وطلب فعلَ بعضِهم ليدُلَّ على أنه واجب على الكلِّ = فقد خبَطَ حيثَ خلطَ بين المذهبَينِ، ثم إنه لم يَدْرِأن الوجوبَ على الكلِّ مبناهُ الطلبُ من الكلِّ، لا الخطابُ للكلِّ، فإنَّ الخطابَ بدون الطلبِ بمعزلٍ عن الدلالة على الوجوب.
﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾: يعمُّ الدعاء إلى ما فيهِ صلاحٌ دينيٌّ أو في نيويٌّ، فينتظِمُ الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر.
فقولُه: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: مِن قبيلِ عطف الخاصِّ على العام للإيذان بفضلِهِ.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: المخصوصونَ بكمال الفلاحِ.
والأمرُ بالمعروفِ يكونُ واجبًا ومندُوبًا على حسبِ ما يؤمَرُ به، وكذا النهي عن
_________________
(١) في (د): "أن".
(٢) في (ح) و(ف): "ومن".
[ ٢ / ٣٥٥ ]
المنكرِ فإنهُ يكون واجبًا إن كانَ المنهيُّ عنه محرَّمًا أو مكرُوهًا كراهةَ تحريمٍ، ويكونُ مندوبًا إن كان المنهيُّ عنه مكروهًا كراهةَ تنزيهٍ.
فمَن وهَم أن جميعَ ما أنكرَهُ الشرعُ حرامٌ فقد وهِمَ، والعاصي يجبُ أن يُنهَى عما يرتكبُه؛ لأنَّه كما يجبُ عليه تركُه يجبُ عليه إنكارُه ونهيُ الغيرِ عنه، إلا أنَّ الثاني على طريقِ الكفايةِ، والإنكارُ في قولهِ تعالى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٤٤] مرجعهُ إلى القيدِ.
* * *
(١٠٥) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾؛ أي: بالعداوةِ.
﴿وَاخْتَلَفُوا﴾؛ أي: في الديانةِ (^١)، وهم اليهودُ والنصارى، وإنما قال:
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾؛ أي: الآياتُ والحججُ المبيِّنةُ للحقِّ الموجبةُ للاتفاقِ ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ عليهِ؛ لأنَّ الاختلاف في موضعِ الاجتهادِ ليس بمنكرٍ، كيفَ وقد قالَ ﵇: "اختلافُ أمَّتي رحمةٌ" (^٢).
_________________
(١) في هامش (د) و(ف) مع بعض الفروقات: "فلا تكرار ولو كان المراد من التفرق أيضًا ما في الديانة كما سبق إلى بعض الأوهام لكان حق النظم تقديم الاختلاف على التفرق. منه".
(٢) لم أجده مسندًا بهذا اللفظ، وقال السيوطي في "الجامع الصغير" (٢٨٨): (ولعله خرِّج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا). وروى البيهقي في "المَدْخَل" مِنْ طريق جُوَيْبِرٍ عن الضحَّاكِ عن ابنِ عباس ﵄ مرفوعًا: "وَاخْتِلافُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ"، وجويبر ضعيف جدًا، والضحاك عن ابن عباس منقطع، وقد عزاه الزركشي إلى كتاب "الحجة" لنصر المقدسي مرفوعًا من غير بيان لسنده، ولا صحابيه، وكذا عزاه العراقي لآدم بن أبي إياس في كتاب "العلم =
[ ٢ / ٣٥٦ ]
ولا اختصاصَ لواحدٍ من الاختلافينِ بالأصول والفروعِ، فإنَّ في الأصولِ أيضًا موضعَ الاجتهادِ كما أنَّ في الفروعِ ما لا مساغَ فيه لهُ (^١).
﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: وعيدٌ للذينَ تفرَّقُوا، وتهديدٌ على التشبُّهِ بهم.
* * *
(١٠٦) - ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾: نصبٌ بما في ﴿لَهُمْ﴾ مِن معنى الفعل، وبياضُ الوجهِ وسوادُه كنايتانِ عن ظهورِ بهجة السرورِ وكآبةِ الخوف فيهِ، ويجوزُ أن يرادَ بالبياضِ والسوادِ حقيقَتُهما.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾: ابتدأ بهم (^٢) في مقامِ التفصيلِ للاهتمام بالتحذيرِ من حالهم، ولمجاورة قوله: ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾، وليكونَ الابتداءُ للمؤمنينَ، والاختتامُ بحكمِهم (^٣).
﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ على إرادة القولِ؛ أي: فيقالُ لهم: أكفرتم؟ والهمزةُ للتوبيخِ والتعجيبِ مِن حالهم، والظاهرُ أنهم أهلَ الكتابِ، كفروا وكذَّبوا برسولِ اللّهِ ﷺ بعدَ إيمانهم بهِ قبل مجيئه وهم المرتدُّونَ.
_________________
(١) = والحكم" بدون بيان بلفظ: اختلاف أصحابي رحمة لأمتي، قال: وهو مرسل ضعيف. انظر: "المقاصد الحسنة" (ص: ٦٩).
(٢) في (ك) و(م): "له فيه".
(٣) في (د): "ابتدائهم".
(٤) في هامش (د) و(ف) مع بعض الفروقات: "والأصل في اللف والنشر رعاية الترتيب كما في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ الآية فلا يعدل عنه إلا لنكتة كالذي نحن فيه. منه".
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وقيل: هم جميعُ أهل الكتابِ (^١)؛ لإعراضِهم عما أوجبهُ الإقرارُ، أو كفرِهم بعدَما أقرُّوا به حينَ أشهدهم على أنفسِهم، على ما أفصحَ عنه قولُه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾: أمر إهانةٍ، والفاءُ للسببية عن الكفرِ المقدَّرِ، والباء تأكيدٌ له.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: بسببِ كفركم، والجمعُ بين الصيغةِ الدالَّةِ على التجدُّدِ وزيادةِ الكونِ الدالةِ على الاستمرارِ؛ للمطابقةِ بين العملِ والجزاء المذكورِ مفصَّلًا في قولهِ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] واللّه أعلم بالصواب.
* * *
(١٠٧) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: ففي نعمَتهِ من الثوابِ المخلَّدِ.
جمعَ للفريقِ الأولِ بين التعنيفِ بالقول والعذاب، وهنا جعلَهم مستقرِّين في الرحمةِ، فهيَ ظرف لهم، وأشارَ بها إلى سابقِ عنايته بهم، وأنَّ العبدَ وإن كثرت طاعتُهُ لا يدخُلُ دار (^٢) الثوابِ إلا برحمةِ اللّه تعالى، وأضافَها (^٣) إلى نفسِهِ دون العذابِ تفخِيمًا لجانب الثوابِ.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أخرجَهُ مخرجَ الاستئنافِ لبيانِ أنَّ ذلكَ الاستقرارَ هو على سبيلِ الخلودِ لا زوالَ منهُ ولا انتقالَ، و﴿هُمْ﴾ تأكيد لقوله: ﴿الَّذِينَ﴾، و﴿فِيهَا﴾ تأكيد لقوله (^٤): ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
_________________
(١) في (ح) و(د) و(ف): "أهل الكفار".
(٢) "دار" ليست في (د).
(٣) في (ح) و(ف): "لإضافتها".
(٤) " ﴿الَّذِينَ﴾ وفيها تأكيد لقوله": ليست في (م).
[ ٢ / ٣٥٨ ]
ولم يذكر الخلودَ للكافرِ اكتفاءً بذكرِهِ في قرينه، ولم يعكِس، إذ لا يُفهَمُ مِن دوامِ القولِ دوامُ الفعلِ (^١) بخلافِ العكسِ.
ثم إنه لمَّا ذكَرَ العذابَ علَّلهُ بفعلِهم، ولم يذكُر هنا سببَ كونِهم في الرحمةِ، إشعارًا بأن رحمتَهُ تعالى لا تحتاجُ إلى السببِ.
* * *
(١٠٨) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾.
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: الواردةُ في الوعد والوعيدِ.
﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾: ملْتبِسةً بالحقِّ لا شُبهة فيها.
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ فيأخذَ أحدًا بغيرِ جُرمٍ، أو (^٢) يزيدَ في عقابِ مسيءٍ على ما يستحقُّهُ، أو يَنقصَ من الثوابِ الموعود للمُحسنِ.
وتقديم ﴿وَمَا اللَّهُ﴾ على فعلِ الإرادة بعدَ النفي يفيدُ أنَّ الذي يظلِمُ ويريدُ الظلمَ غيرُه لا هو؛ أي: هم الظالمونَ على أنفسِهم لا غيرُهم.
ونفيُ إرادةِ الظلمِ تأكيدٌ بليغٌ في نفي الظلمِ؛ أي: انتفى إرادةُ الظلمِ عنهُ تعالى فضلًا عن الظلمِ.
وتنكيرُ ﴿ظُلْمًا﴾ وتعميمُ ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ معناهُ: لا يريدُ شيئًا من الظلمِ أحقرَ ما يكونُ لأحدٍ من العالمين كائنًا مَن كان (^٣).
_________________
(١) في (ح) و(ف): "الفصل"، وفي (د): "الفضل"، والمثبت من (ك) و(م). وجاء في هامش (م): "في نسخة: من دوام العدل دوام الفضل".
(٢) في (م): "جرم أي". وفي (ف): "حرام أو".
(٣) في هامش (د) و(ف): "وهذا بناء على أن الحكم المعلق بالجمع المعرف باللام متعلق بكل فرد من =
[ ٢ / ٣٥٩ ]
ومَن قال في تعليلِ ما ذُكرَ: إذ يستحيلُ الظلمُ منه؛ لأنهُ لا يحقُّ عليهِ شيءٌ فيَظلِمَ بنقصِه، ولا يُمنَعُ عن شيءٍ فيَظلِمَ بفعلِهِ؛ لأنهُ المالك على الإطلاق = لم يدرِ أَنَّهُ حينئذٍ - أي: على تقديرِ أن يكون الظلمُ منهُ مستحيلًا - لا يناسبُ نفيَ إرادته فضلًا عنِ المبالغة فيهِ، إذ ليسَ مِن شأنها التعلقُ بما ليس بمقدورٍ لهُ، بل الظاهرُ منه (^١) أنه مقدورٌ لهُ إلا أنه لا يريدُهُ؛ لأنَّهُ لا يليقُ بشأنهِ.
والتعليلُ المذكورُ قاصرٌ؛ لأنا نعلمُ (^٢) قطعًا أنَّ النقصَ عن الثواب الموعودِ لبعض الأعمال من قَبيلِ الظلمِ كنقص حقِّ الأجيرِ، وهو من جملةِ المحتملاتِ، واللّهُ تعالى قادرٌ له إلا أَنَّهُ لا يفعلُهُ.
* * *
(١٠٩) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: استئنافٌ في معرِض التعليلِ لما تقدَّمَ؛ كأنه يقولُ: إرادةُ الظلم أمارةُ الحاجةِ والرغبةِ إلى ما ينقصه بالظلمِ، واللّهُ تعالى منزَّهٌ عنها؛ لأنهُ مالِكُ ملكِ السماواتِ والأرضِ.
﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ خاصةً.
﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ فالملكُ في دار الآخرةِ أيضًا له تعالى.
والعدولُ عن الضميرِ إلى الاسم الظاهرِ للإشعار بأن ما ذُكرَ (^٣) مِن شأن الألوهيَّةِ ولوازمِها، وإنما قال: ﴿تُرْجَعُ﴾ لأنها قد زالَت بهلاكِ ما سواه.
_________________
(١) = الآحاد لا بالمجموع ولا بكل خصوصًا إذا اقتضاه المقام. منه".
(٢) في (م): "منه هو".
(٣) في (د): "لأنا فعل".
(٤) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "ذكره".
[ ٢ / ٣٦٠ ]
(١١٠) - ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾: دل على خيريَّتهم (^١)، ولم يدلَّ على أنهم لم يكونوا خيرًا فصاروا خيرًا، أو انقطعَ (^٢) ذلك عنهم (^٣)؛ لأنَّ (كان) الناقصةَ لا دلالة فيها على عدمٍ سابقٍ، ولا على عدمِ الدوامِ، فلذلك تُستعمَلُ فيما هو حادثٌ مثل: كان زيد راكبًا، وفيما هو دائمٌ مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦].
ومَن قال: كأنه قيل: وجِدتم خيرَ أمةٍ (^٤)، فكأنهُ زعمَ أتها تامَّةٌ، وأن ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ حالٌ، ويردُّهُ عدُّهُ مِن قبيلِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦].
﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾: أُظهِرَت لهم.
﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ استئنافٌ بيَّنَ بهِ كونَهم خير أمة.
﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يتضمَّنُ الإيمان بكلِّ ما يجب أن يؤمَنَ به؛ لأن الإيمانَ به تعالى إنما يحقُّ ويُعتدُّ بهِ إذا حصلَ الإيمانُ بكلِّ ما أمرَ أن يؤمَن بهِ، وإنما أخَّرَه وحقُّه أن يقدَّمَ؛ لأنهُ قصدَ بذكرِه الدلالةَ على أنهم أَمرُوا بالمعروفِ، ونَهَوا عن المنكر إيمانًا باللّه وتصديقًا به وإظهارًا لدينه.
_________________
(١) في (د): "خيرتهم".
(٢) في (د) و(ك): "وانقطع"، والمثبت من باقي النسخ وهو الصواب. انظر: "نواهد الأبكار" للسيوطي (٢/ ٥٧٧)، وكلاهما - المؤلف والسيوطي - ناقل عن سعد الدين التفتازاني كما صرّح السيوطي.
(٣) في النسخ عدا (م): "عليهم" والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.
(٤) في (ف): "وجدتم خيرًا".
[ ٢ / ٣٦١ ]
والتعريفُ في الموضعينِ للعهدِ، والمعهودُ (^١): المعروفُ الشرعيُّ، والمنكر الشرعيُّ، ومَن وهَم أَنَّهُ للاستغراقِ فقَد وهِمَ، واستدلالُه به على حجيَّةِ الإجماعِ ليس بتامّ؛ كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ إيمانًا كما ينبغي ﴿لَكَانَ﴾ الإيمانُ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾: مما هُم عليهِ.
﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ كعبدِ اللَّه بن سلامٍ وأصحابِه.
﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أراد: الكافرينَ، والتعبيرُ عنهم بالفاسقينَ للتنبيهِ على أن المؤمنينَ المذكورينَ عادلونَ لا حظَّ لهم من الفسق.
وهذه الجملةُ والتي بعدَها واردتانِ على سبيلِ الاستطراد، ولذلك جاءَ من غيرِ عاطفٍ (^٢).
* * *
(١١١) - ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾.
﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾: ضررًا يسيرًا بطعنٍ (^٣) وتهديدٍ.
﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾: ينهزِمُوا، ولا يضرُّوكم بقتل وأسرٍ.
﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾: لا (^٤) يكونُ لهم نصرٌ من أحدٍ (^٥)، نفى إضرارَهم سوى ما
_________________
(١) في (ك): "والعهد".
(٢) في (د) و(ك) و(م): "عاطفه".
(٣) في (ح) و(د) و(ف) "لطعن"، وفي (م): "كطعن".
(٤) في (م): "ثم لا".
(٥) في (ف): "واحد".
[ ٢ / ٣٦٢ ]
يكونُ بقولٍ، وقرَّرَ ذلك بأنهم لو قاموا إلى القتالِ كانت الدَّبرَةُ (^١) عليهم، ثم أخبرَ بأنه يكونُ عاقبتُهم العجزُ والخذلانُ، وإنما عدلَ به عن حكمِ الجزاءِ والعطفِ عليه إلى الإخبار؛ لئلا يكونَ انتفاءُ النصرِ مشروطًا بالشرطِ مقيدًا بالمقاتلةِ كتوليةِ الأدبارِ بل مطلقًا؛ أي: ثم أُخبركم أنهم لا يُنصَرُون بوجهٍ مّا، قاتلوا أو لم يقاتلوا، ويبقون في الخذلانِ والذلِّ والعجزِ لا ينهَضون بجناح، ولا يرجِعُ إليهم قوةٌ ونجاح، كما كان من حالِ بني قريظَةَ والنضيرِ وبني قينقاعَ ويهودِ خيبرَ.
و﴿ثُمَّ﴾ استعارةٌ للتراخي في الرتبةِ، فإنَّ الإخبارَ بالخذلان المطلَقِ وانتفاءِ النصر بالكليةِ أعظمُ من الإخبارِ بالانهزام عندَ المقاتلة.
* * *
(١١٢) - ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة.
﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾: وُجِدوا.
﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ في محلِّ النصب على الحالِ؛ أي: إلا متمسِّكين أو معتصِمين بذمةِ اللهِ وذمة المسلمينَ.
والظاهرُ من تكرارِ الحبلِ تعدُّدُ الذمَّتين معنًى، فالمناسبُ أن تحمَلَ الأولى على الذميِّ (^٢) نصَّ اللّهُ تعالى عليه في قولهِ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾، والثانيةُ على الذي يراهُ
_________________
(١) في (م): "الدائرة".
(٢) في (ح) و(د) و(ف): "على الذي".
[ ٢ / ٣٦٣ ]
الإمامُ من إعطاء الأمانِ في مقابلةِ أخذ مالٍ، أو لمصلحةٍ أُخرى، والاستثناءُ من أعمِّ الأحوال؛ أي: لا عزَّ لهم إلا هذا العزُّ، وهوَ على طريقةِ:
ولا عَيبَ فيهم غَيرَ أنَّ سُيوفَهمْ (^١)
لأنَّ التمسُّكَ بإحدى الذمَّتين غاية الذلِّ.
ومَن فسَّرَ إحدى الذمتين بدين الإسلامِ، والأُخرى بسبيلِ المؤمنين إجراءً للاستثناءِ على ظاهره فيَرِدُ (^٢) عليهِ أنَّ سبيل المؤمنينَ هو دين الإسلامِ بعينِه، فلا يناسبُه تكريرُ ذكر الحبلِ.
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: ورجعوا مستوجِبين له (^٣).
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ لم يقُل: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] كما قالَ في سورة البقرة؛ لأنهُ أراد تفصيلَ حالِ ذلَّتِهم (^٤) بالمبالغةِ فيها بخلافِ حالِ مسكنتِهم فإنها باختيارِهم في الغالب، فإن الأغنياءَ كثيرٌ في اليهودِ إلا أنهم لا يُظهِرُون غناهُم.
﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى ما ذكِرَ من ضربِ الذلةِ، والبَوءِ بالغضبِ، وضرب المسكنةِ.
_________________
(١) صدر بيت للنابغة الذبياني، ويستشهد به البلاغيون على تأكيد المدح بما يثبه الذم، انظر: "خزانة الأدب" (٣/ ٣٢٧)، و"شرح أبيات المغني" " ٣/ ١٦ ". وعجزه: بهن فلول من قراع الكتائب
(٢) في (ف): "فيرده".
(٣) (له) زيادة من (ف) و(ك) و(م).
(٤) في (ك) و(م): "ذلهم".
[ ٢ / ٣٦٤ ]
﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قد تقدَّم تفسيرُه في سورة البقرة.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الكفرُ والقتلُ.
﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾: بسببِ عصيانهم واعتدائهم حدودَ اللهِ على الاستمرار، فإنَّ الإصرارَ على الصغائرِ يُفضي إلى الكبائر، والاستمرارَ عليها يؤدِّي إلى الكفر.
وقيلَ: كرَّرَ الإشارةَ والمشارُ إليه واحدٌ إشارةً إلى أن كل واحدٍ من الأمرين مستقل لإيجابِ الأمورِ المذكور من الذلّ والمسكنةِ، والبوءِ بغضبٍ عظيمٍ من اللَّه لو لم يكن الآخرُ، فكيفَ والأمران متعاضدانِ؟
وأريد بالأمرين: الكفرُ، ويندرجُ فيه قتلُ الأنبياء، والاستمرارُ على عدم الامتثالِ بالتكاليفِ، ومبنى هذا على أنهم مخاطبون بالفروعِ أيضًا.
* * *
(١١٣) - ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.
﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ في المساوِئ، والضميرُ لأهل الكتابِ.
﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ﴾ كلام مستأنَفٌ لبيانِ قولهِ: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ كقولهِ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ لبيانِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾.
﴿قَائِمَةٌ﴾: مستقيمةٌ عادلةٌ، مِن قولهم: أقمتُ العود فقامَ؛ أي: استقامَ، وهم الذين أسلَموا منهم.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ صفةٌ لـ ﴿أُمَّةٌ﴾، وكذا ﴿يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾: يتلونَ القرآن في تهجُّدِهم، عبَّرَ عنه بالتلاوةِ في ساعات الليلِ مع السجودِ؛ ليكون أبينَ وأبلَغَ في المدح.
ويجوزُ أن تكون ﴿قَائِمَةٌ﴾ أحد تفاصيلِهِ؛ أي: قائمة في حال تلاوةِ الآيات بالليل.
وقيلَ: المرادُ صلاة العشاءِ؛ لأن أهل الكتابِ لا يصلونها على ما وردَ في حديث ابنِ مسعودٍ ﵁ (^١).
* * *
(١١٤) - ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقولُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ في عدادِ خصائصِ المؤمنينَ تعريضٌ آخرُ بأن إيمانَ اليهود بالأمرين ليسَ بشيءٍ؛ لإشراكهم بالله عزيرًا، ووصفِهم اليومَ الآخَر بخلافِ صفتهِ، وكذا:
﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ تعريضٌ بأنهم مداهنون.
_________________
(١) في هامش (د) و(ف) مع بعض التغيير: "قال ﵁: أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: "أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى في هذه الساعة غيركم" وقرأ هذه الآية. منه". قلت: وهكذا رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣٧٦٠)، والنسائي في "الكبرى" (١١٠٠٧)، وفيه بدلٌ (وقرأ هذه الآية): وأُنْزِلَتْ هذه الآيةُ ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ١١٣] حتَّى بَلَغَ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٥].
[ ٢ / ٣٦٦ ]
﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ تعريضٌ بأنهم متباطئون عنها لقلَّةِ رغبتهم فيها، إذ كل مَن رغِب في شيءٍ يسارعُ في تولِّيهِ (^١) والقيام بهِ.
والمسارعةُ: المبادرةُ، والخيراتُ عامةٌ تشمل هذه الأوصافَ السابقة، وإتيانُها على صيغةِ المضارعِ للدلالة على التجدُّدِ والتكرُّرِ.
﴿وَأُولَئِكَ﴾: إشارةٌ إلى مَن اتصفَ بهذه الأوصافِ.
﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ حقيقةُ الصلاحِ هي (^٢) انتفاء الفسادِ عنه (^٣) بالكليةِ، وهو نهاية كمالِ الوصف بالمحاسنِ، وهو مما مدحَ اللّهُ به أنبياءه ﵈، لمَّا عدد الخصائصَ التي (^٤) يُستَحقُّ بها الثوابُ، بالغَ في تعظيم جزائها للترغيبِ فعدَّمَها بقولِه:
* * *
(١١٥) - ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾: حيث أتى بالتنكيرِ للتقليلِ (^٥)؛ أي: وإن كانَ قليلًا، وجعلَها نعمًا فاستعمَلَ في مقابلتها انتفاءَ الكُفران؛ ليكونَ من الاستعارةِ بالكناية، ويستلزمُ كونَ اللَّه تعالى شاكرًا.
﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾: فلن يُضيَّعَ ولا يُنقصَ ثوابهُ البتة.
_________________
(١) في (ف) و(م): "توليته".
(٢) في النسخ عدا (م): "من" والمثبت من (م).
(٣) "عنه" ليست في (د).
(٤) في النسخ عدا (ك): "الذي" والمثبت من (ك).
(٥) في النسخ عدا (م): "للتعليل" والمثبت من (م).
[ ٢ / ٣٦٧ ]
ضمِّنَ الكُفران معنى الحرمانِ فعُدِّي (^١) إلى مفعولينِ، وفي هذا التضمينِ زيادةُ تنزيهٍ أن يُنسبَ إلى اللَّه تعالى معنى الكفران؛ لأنَّ تقديرَهُ: لن تحرمُوه مكفورِينَ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾: وعدٌ وبشارةٌ (^٢) لهم بالفوزِ والثوابِ الجزيل، وإشعارٌ بأن التقوى مبدأ الخيرِ وحسنِ العملِ.
* * *
(١١٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ من العذاب، أو من الغَناءِ فيكونُ مصدرًا.
﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: مُلازموها.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ دون فُسَّاقِ المؤمنين.
* * *
(١١٧) - ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾: ما ينفِقُ الكفرةُ قربةً، أو (^٣) مفاخرةً وسمعةً، أو المنافقونَ رياءً وخوفًا.
﴿فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾: بردٌ شديدٌ، والشائع إطلاقهُ للريح
_________________
(١) في (ف): "معدى".
(٢) في النسخ عدا (م): "وإشارة" والمثبت من (م).
(٣) في (ف) و(ك): "و".
[ ٢ / ٣٦٨ ]
الباردِ كالصرصرِ، فهو (^١) في الأصلِ مصدرٌ نعِتَ بهِ، أو نعتٌ وصِفَ بهِ البردُ للمبالغةِ؛ كما في قولك: بردٌ بارِدٌ.
﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بارتكابِ المعاصي.
﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ عقوبةً لهم؛ لأنَّ الإهلاك عن سخطٍ أشدُّ، أرادَ تشبيهَ ما أنفقوا في ضَياعِه بحرثِ مَن يستحقُّ العقوبةَ ضربته صرٌّ فاستأصلَتهُ ولم يبقَ لهم فيهِ منفعة ما، وهو من التشبيهِ المركَّبِ، ولا يلزم منه (^٢) أن يكونَ ما يلي الأداةَ هو المشبهَ بهِ، إلا أن تشبيهُ المثلِ بالمثلِ يستَدعي أن يُراعى فيما أُضيفَ إليه المثلُ في الجانبينِ المناسبةُ، على (^٣) ما قُرِّرَ في: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] ولهذا قيل: تقدير (^٤) الكلامِ: كمثلِ مهلكِ ريحٍ وهو الحرثُ.
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بعدَم قبول نفقاتهم ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بخبثِ نياتهم.
أو: ما ظلمَهم اللّهُ بإهلاك حرثِهم، ولكن ظلموا أنفسَهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبةَ.
وقرئ: (ولكنَّ) بالتشديد (^٥)؛ أي: ولكِنَّ أنفسَهم يظلمونها، ولا يجوزُ إعمالها في ضميرِ الشأن المحذوفِ على تقديرِ: ولكنهُ أنفسَهم يظلمونَ؛ لأن ذلك لا يجوزُ إلا في الشعرِ (^٦).
_________________
(١) "فهو" من (م).
(٢) في (م): "فيه".
(٣) "على" ليست في (د).
(٤) في (د): "تقرير".
(٥) تنسب للأعرج وعيسى. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٢)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٤٥٩).
(٦) يعني: على قراءة التشديد يكون ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ اسمها، وجملة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ خبرها، والعائد محذوف، =
[ ٢ / ٣٦٩ ]
(١١٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً﴾: وليجةً، وهوَ الذي يطلِعُهُ على باطنِه وسرِّه ثقةً بهِ، شُبِّهَ ببطانة الثوبِ، كما شُبهَ بالشعارِ في قولهِ ﵇: "الأنصارُ شعارِي والناسُ دثاري" (^١).
﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾: من دونِ المسلمين، وهو متعلِّقٌ بـ ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، أو بمحذوفٍ وهوَ صفةُ ﴿بِطَانَةً﴾؛ أي: بطانةً كائنةً من دونكم.
﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾: الخَبالُ: الفسادُ، والأَلْو: التقصيرُ، وأصلُهُ (^٢) أن يُعدَّى باللام، ثمَّ عُدِّي إلى مفعولَين كقولهم: لا آلوكَ نُصحًا، على تضمِين معنى المنعِ والنقصِ.
﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾: تمنَّوا عنتكم وهو شدَّةُ الضررِ والمشقةِ، و(ما) مصدريةٌ.
﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾؛ لأنهم لامتلائهم بالبغضِ لا يتمالكُون أن يُخفوا ولا ينفَلتَ مِن أفواههم ما يَظهَرُ به بغضُهم وعداوتُهم مع ضبطِهم أنفسَهم وتحامُلِهم عليه (^٣) وسعيِهم في الإخفاء.
_________________
(١) = والتَّقديرُ: يظلمونها، ولا يجوز أن يعتقد أن اسم (لكنَّ) هو ضمير الشأن و﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول مقدم كما في قراءة التخفيف؛ لأن ضمير الشأن لا يحذف إلا في الشعر، كقول المتنبي: وما كنت ممن يدخل العشق قلبه … ولكن من يبصر جفونك يعشق انظر تفسير الآية "الكشاف" و"تفسير البيضاوي" و"البحر" و"روح المعاني".
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٩٤٣٤)، والنسائي في "الكبرى" (٨٢٦٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) في (ك) و(م): "والأصل".
(٤) في (ح) و(ف): "عليهم"، وسقطت من (د) و(م)، والمثبت من (ك).
[ ٢ / ٣٧٠ ]
وذَكرَ الأفواهَ دون الألسنةِ إشعارًا بأن ما يلفِظونَ بهِ يملأُ أفواههم؛ كما يُقالُ: قال (^١) كلمةً تملأُ الفمَ. إذا تشدَّقَ بها.
﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ مما بدا، وفي نسبةِ البُدوِّ إلى البغضاءِ والإخفاءِ إلى صدورِهم إشعارٌ بأنهم مطبُوعونَ على النفاقِ، فما بدا إنما بدا (^٢) بلا إبداءٍ، لا بالطبعِ ولا بالاختيارِ.
﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: الدالةَ على وجوب الإخلاصِ، وموالاةِ المؤمنين، ومعاداةِ الكافرين.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ما نبيِّنُ لكم.
والجملُ الأربعُ مستأنفاتٌ على التعليلِ، ويجوزُ أن يكونَ الثلاث الأُوَلُ صفاتٍ لـ ﴿بِطَانَةً﴾.
* * *
(١١٩) - ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾: ﴿ها﴾ تنبيهٌ على خطئهم، و﴿أُولَاءِ﴾ تحقيرٌ لهم وتعييرٌ؛ أي: أنتم أولاءِ الخاطئونَ في موالاةِ مُنافقي أهلِ الكتابِ.
وقوله: ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بيانٌ لخطئهم في موالاةِ مَن (^٣) يبغضُهم، وهو خبرٌ ثانٍ أو خبرُ ﴿أُولَاءِ﴾، والجملةُ خبرُ ﴿أنتم﴾ أو صلَتهُ، أو حالٌ والعاملُ فيها معنى
_________________
(١) "قال" ليست في (ك) و(م)، وهي في هامش (م) في نسخة.
(٢) في (د): "يرا".
(٣) في (د): "موالاة منافقي".
[ ٢ / ٣٧١ ]
الإشارةِ، ويجوزُ أن ينتصِبَ ﴿أُولَاءِ﴾ بفعلٍ يفسِّرُه ما بعدَه، وتكونَ الجملةُ خبرًا.
والواو في: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ واوُ الحالِ؛ تقديرُه: وأنتُم تؤمنونَ، والعامل (لا يحبونكم)؛ أي: لا يحبُّونكم والحالُ أنكم تؤمنونَ بكتابهم كلِّهِ، أو بجميعِ الكتبِ، وفيهِ توبيخٌ شديدٌ؛ أي: لا يحبُّونكم مع (^١) كونكُم تؤمنون بكتابهم وهم لا يؤمنونَ بشيءٍ من كتابكُم، فهُم في باطلِهم أصلَبُ منكم في حقِّكُم.
﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ نفاقًا وتغريرًا.
﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾: من أجله؛ تأسفًا وتحسرًا حيث لم يجدوا إلى التشفِّي سبيلًا.
﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾: دعاءٌ عليهم بدوامِ الغيظِ وزيادَتهِ، والمرادُ به زيادةُ ما يغيظُهم من قوةِ الإسلام وعزِّ أهلهِ المستلزمِ لذلهم وتبارِهم، فهوَ من الكناية (^٢) بالواسطةِ؛ عبرَّ بدُعاء موتهم بالغيظِ عن ملزومه الذي هوَ دعاءُ ازديادِ غيظِهم إلى حدِّ الهلاكِ، وبه عن ملزومه الذي هو قوة الإسلامِ وعزُّ أهله، وذلكَ لأن مجرد الموتِ بالغيظِ وازدياده ليس مما يحسُنُ أن يُطلَب ويُدَّعى.
ويجوزُ أن لا يكونَ ثمة قولٌ، وأن يكون معنى الأمرِ بالقول: طلب نفسكَ وكن مستبشرًا بان الله تعالى يعِزُّ الإسلامِ ويذِلُّ الكفرَ، بحيثُ يزداد غيظ الكفار إلى حدِّ الهلاك، على ما سبَقَ من طريق الكنايةِ (^٣)، وأصلُ الكلامِ استعارةٌ
_________________
(١) في (د): زيادة: "والحال مع".
(٢) في (ك) و(م): "كناية".
(٣) في هامش (د): "ومن وهم أنه كناية الكفاية فقد وهم؛ لأن المكني عنه لكونه مقصودًا أصالة لا يصلح كناية عن أمر آخر فتنبه. منه. سعد الدين"، وفي هامش (ف): "ومن وهم أنه كناية الكنايات لأن المكني عنه لكونه مقصودًا أصالة لا يصلح كناية عن أمر آخر فتدبر. منه".
[ ٢ / ٣٧٢ ]
تمثيليةٌ؛ شبَّه طيبَ النفسِ واستبشارَهُ بذلكَ بتحديثهِ نفسَهُ، وإعلامَها بذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: الأسرارِ التي لا تنكشِف أصلًا.
كُنِّيَ باللزومِ للصدورِ عن عدمِ الظهور البتة، والظاهرُ أَنَّهُ تذييلٌ لمجموع ما سبق من قوله: ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ إلى قولهِ: ﴿بِغَيْظِكُمْ﴾، فهو وعيدٌ على إضمارِ مودَّتهم بعدَ النهيِ، وتقريرٌ لاطِّلاعِ الله تعالى على بواطنِهم، وإطلاعِهِ رسولَهُ ﵇ عليها، وتحذيرٌ لهم أيضًا كي يرجعوا عن نفاقهم.
* * *
(١٢٠) - ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾: التنكيرُ في الحسنةِ للتحقيرِ، وفي السيئةِ للتعظيمِ، والمسُّ مُنبئ عن أدنى مراتبِ الإصابةِ، فالمعنى: أن الحسنةَ أيَّ قدرٍ كانَ ولو مِساسًا يسوءهم، وأما الفرحُ (^١) بالسوءِ فلا يكون إلا بالوصولِ التامِّ بحيث يُعتدُّ بهِ؛ لأنَّ مقامَ مبالغةِ الحسد والغيظِ يقتضِي ذلك، فمن وهَم أنَّ المسَّ مستعارٌ للإصابة فكانَ المعنى واحدًا فقد وهِمَ.
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على عداوَتهم (^٢).
﴿وَتَتَّقُوا﴾ مُوالاتَهم.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ بفضلِ اللّهِ وحفظه.
_________________
(١) في (ك): "والمطلوب الفرح".
(٢) في هامش (د) و(ف): "قيل: على مشاق التكاليف، ولا يحسن انتظامه مع قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾. منه".
[ ٢ / ٣٧٣ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (^١) منَ الصبرِ والتقوى وغيرِهما.
﴿مُحِيطٌ﴾؛ أي: محيطٌ علمُه فيجازيكُم بما أنتُم أهلُهُ.
وقرئ بالياءِ (^٢)؛ أي: بما يعملونَ في عداوتكُم فيعاقبُهم عليهِ.
* * *
(١٢١) - ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾؛ أي: اذكُر إذ غدوتَ.
﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾؛ إذ (^٣) خرجتَ غدوةً من وطنِكَ منزلِ عائشةَ إلى أُحدٍ.
﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: تسوِّي لهم وتهيِّئُ، يرشِدُ إليهِ القراءةُ باللامِ (^٤).
﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾: مواقفَ وأماكِنَ لهُ.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكُم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّاتكُم، وفيهِ وعيدٌ للمنافقينَ.
* * *
_________________
(١) القراءة بالتاء تنسب للحسن بن أبي الحسن، وهي قراءة شاذة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٢). أما المتواتر فهو القراءة بالياء وستأتي، وكان الأولى بالمؤلف ﵀ تقديم القراءة المتواترة، لكنه تابع الزمخشري والبيضاوي في التصدير بقراءة الحسن، على عكس أبي حيان والآلوسي اللذين سلكا الجادة في تقديم المتواتر ثم الإشارة إلى الشاذ.
(٢) وهي قراءة الجماعة، وقرأ بالتاء الحسن بن أبي الحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٢).
(٣) في (ف): "أي"، وغير واضحة في (ح).
(٤) تنسب لابن مسعود ﵁، انظر: "المحرر الوجيز" (١/ ٥٠١)، و"روح المعاني" (٥/ ٤١٣).
[ ٢ / ٣٧٤ ]
(١٢٢) - ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
﴿إِذْ هَمَّتْ﴾ بدلٌ من ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾.
﴿طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ﴾ بنو سَلِمةَ من الخزرجِ، وبنو حارثةَ من الأوس، وكانا جناحَي العسكر.
﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾؛ أي: قصدَتْ أن تفعلا فعلَ مَن فشِلَ، وهوَ الانصرافُ وتركُ القتالِ، وهو للخطرةِ هنا لا للعزمَةِ؛ لقولهِ:
﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾؛ أي: عاصِمُهما من اتِّباع تلك الخطرَةِ، وكان ذلكَ عند انخزالِ ابن أبيٍّ في ثلاث مئةٍ من قومِهِ.
﴿اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ تقديمُ (على اللّهِ) للتخصيصِ؛ أي: فلا يتوكلِ المؤمنونَ إلا على اللّهِ؛ لينصُرَهم كما نصرهم يوم بدرٍ.
وإنما جمعَ بين الحرفينِ في عطفِ الجملةِ على الجملةِ لتقدُّمِ العلةِ للاختصاصِ؛ فالواوُ للعطفِ، والفاء لإفادةِ التسبُّبِ، فإنَّ كونَهُ تعالى وليَّهُم سببٌ للتوكلِ عليهِ خاصةً، والعدولُ عن الضميرِ إلى الاسمِ الظاهر للتفخيمِ المناسب لمقام الأمرِ بتخصيصِ التوكُّلِ عليه.
* * *
(١٢٣) - ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾: تذكيرٌ ببعضِ ما أفادَهم التوكُّلُ على اللّهِ تعالى، وبدرٌ: ماءٌ بينَ مكةَ والمدينةِ كانَ لرجلٍ يُسمَّى بدرًا فسُمِّي بهِ.
﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾: حالٌ من الضميرِ، وإنما أورد ﴿أَذِلَّةٌ﴾ على صيغةِ جمعِ قلةٍ ليدلَّ
[ ٢ / ٣٧٥ ]
على أنهم معَ ذلَّتِهم كانوا قليلًا، وذلتُهم: ما كان بهم مِن ضعف الحالِ لقلَّةِ المركوبِ والسلاحِ والمالِ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بالثباتِ مع رسولهِ (^١).
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: بتقواكُم ما أنعَمَ به عليكُم من نصرته، أو: لعلَّكُم ينعم اللّهُ عليكم نعمةً أخرى تشكُرونها، فوضَع الشكرَ موضعَ الإنعام كونه سببًا لهُ.
* * *
(١٢٤) - ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾.
﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: ظرفٌ لـ ﴿نَصَرَكُمُ﴾، أو بدلٌ ثانٍ من ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾، على أنَّ قولَهُ: لهم يوم أحدٍ، وكانَ مع اشتراطِ الصبرِ والتقوى عنِ (^٢) المخالفةِ، فلما لم يصبروا عن الغنائمِ وخالفُوا أمرَ الرسولِ ﵇ لم تنزِل الملائكةُ.
﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾: إنكارُ أن لا يكفيَهم الإمدادُ ثلاثة آلافٍ من الملائكةِ، وتأكيد النفي بـ (لن) إشعارٌ بأنهم كانوا لقلَّتِهم وضعفِهم، وكثرةِ عدوِّهم وشوكَتِه، كالآيسينَ من النصرِ.
قيلَ: أمدهم اللّهُ تعالى يوم بدرٍ أولًا بألفٍ، ثم صاروا ثلاثةً، ثم صاروا خمسةً.
وقرئ: ﴿مُنزَّلين﴾ بالتشديدِ (^٣) للتكثيرِ أو للتدريجِ، وقرئ: (منزِّلِينَ) بكسر الزاي (^٤)؛ أي: منزلين النصر.
_________________
(١) في (ف): "رسول الله".
(٢) في (ف): "من".
(٣) وهي قراءة ابن عامر: انظر: "التيسير" (ص: ٩٠).
(٤) يعني كسرها بالصيغتين: التخفيف والتشديد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٢).
[ ٢ / ٣٧٦ ]
(١٢٥) - ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾.
﴿بَلَى﴾: إيجابٌ لما بعدَ (لن)؛ أي: بلى يكفيكُم، ثم وعدَ لهم الزيادةَ على الصبرِ والتقوى حثًّا عليهِما، وتقويةً لقلوبهم؛ فقالَ:
﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ﴾؛ أي: المشركون.
﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾: من ساعتهم (^١) هذهِ، وهوَ في الأصلِ مصدرُ: فارَتِ القِدْرُ؛ إذا غَلَتْ، فاستُعيرَت للسرعةِ في العرفِ فغُلِّبت (^٢)، ثمَّ سميت بهِ الحالُ التي لا لَبْثَ فيها ولا تعريجَ لصاحبِها على شيءٍ.
والمعنى: إن يأتوكُم في الحالِ ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾: في حالِ إتيانهم بلا تراخٍ وتأخيرٍ.
﴿مُسَوِّمِينَ﴾: معلَّمينَ، من التسويمِ الذي هوَ إظهارُ سِيْما الشيءِ؛ لقولهِ ﵇ لأصحابهِ ﵃: "تسوَّموا فإنَّ الملائكةَ قد تسوَّمت" (^٣)، أو: مرسَلين، منَ التسويمِ بمعنى الإسامةِ.
وقرئَ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسرِ الواوِ (^٤).
* * *
_________________
(١) في (ف): "وساعتهم".
(٢) في (ح) و(د) و(ف): "فغلبت".
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٢٧٢٢)، والطبري في "التفسير" (٦/ ٣٤) عن عمير بن إسحاق مرسلًا.
(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر الواو، وبالفتح قرأ الباقون. انظر: "التيسير" (ص: ٩٠).
[ ٢ / ٣٧٧ ]
(١٢٦) - ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾: وما جعلَ الوعدَ والإمدادَ، ومَن قال: وما جعلَ الإمدادَ؛ فكأنهُ غفِلَ عن أن البشارةَ قد حصلَ بالوعدِ بالإمدادِ (^١).
﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾: إلا بشارةً لكُم بالنصرِ، هذا غايةٌ للوعدِ.
وقولُهُ: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾: ولتسكُن (^٢) إليه من الخوفِ، غايةٌ للإمدادِ (^٣).
وللتنبيهِ على أنهما غايتانِ لأمرَين مختلفَينِ غيَّرَ الأسلوبَ، وفصَل بينَهُما بحرفِ التعليلِ.
هذا ما بحسبِ البلاغةِ، والذي بحسبِ النحوِ هو أنه لما (^٤) وُجدَتْ شروطُ المفعولِ مِن أحدٍ (^٥) من اتحادِ الزمان والفاعلِ في الأول دونَ الثاني، دخلَ عليه اللامُ، ولم يدخُل على الأولِ.
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا منَ المَددِ والعُددِ، وفيه تنبيهٌ على أنه لا حاجةَ في نصرِهم (^٦) إلى مددِهم (^٧)، إلا أن عادتَهُ تعالى جرَت بأن ينصُرَ بإعدادِ الأسبابِ، وإمدادِ الأصحابِ، ولو بتكثيرِ السوادِ على ما أشارَ إليها بقوله:
_________________
(١) في (م): "والإمداد".
(٢) في النسخ عدا (ك): "ولتسكنن"، والمثبت من (ك).
(٣) في النسخ عدا (د): "الإمداد"، والمثبت من (د).
(٤) في (م): "ولما".
(٥) في (ح) و(د): "أجد".
(٦) في (م): "نصره".
(٧) في (ك) و(م): "عددهم".
[ ٢ / ٣٧٨ ]
﴿الْعَزِيزِ﴾: الذي لا يُغالَبُ في أقضِيتهِ.
﴿الْحَكِيمِ﴾: الذي يفعلُ على مقتضَى الحكمةِ بإمدادٍ وإعدادٍ، وفي التنبيه المذكور أدمجَ الإشارةَ إلى أن الملائكةَ ما نزلوا للقتالِ، بل لمجردِ تكثير السواد، ولذلك احتيجَ إلى الكثرةِ، وإلا فملَكٌ واحدٌ كافٍ في إهلاك الكلِّ.
* * *
(١٢٧) - ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾.
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ متَعَلِّقٌ بقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: ليُهلِكَ طائفةً منهم، ويذِلَّ بالقتل والأسرِ، وهو ما كان يومَ بدرٍ من قتلِ سبعين وأسرِ سبعينَ من صناديدِ قريشٍ ورؤسائهم.
﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾: يخزِيَهم، وَيغيظَهم بالهزيمةِ.
﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾: غيرَ ظافرين بمطلوبهم.
* * *
(١٢٨) - ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾: اعتراضٌ.
﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾: عطفٌ على قولِهِ: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾، والمعنى: إن اللّهَ تعالى مالكُ أمرِهم؛ فإما أن يهلِكَهم، أو يكبِتَهم، أو يتوبَ عليهم إن أسلَموا، أو يعذِّبهم إن أصرُّوا، وليسَ لك مِن أمرهم شيءٌ، وإنما أنتَ عبدٌ مأمور بإنذارِهم وجهادِهم.
ويحتمِلُ أن يكونَ معطوفًا على ﴿الْأَمْرِ﴾ بإضمارِ (أن)؛ أي: ليس لك من أمرهم أو منَ التوبةِ عليهم أو مِن تعذيبِهم شيءٌ، أو على ﴿شَيْءٌ﴾؛ أي: ليسَ لك من أمرِهم شيءٌ أو التوبةُ عليهِم أو تعذيبُهم.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
روي أن عُتبة بن أبي وقَّاصٍ شجَّهُ ﵇ يومَ أحدٍ، وكسَرَ رَباعيَتهُ، فجعلَ يمسحُ الدمَ عن وجهِهِ، ويقولُ: "كيفَ يُفلِحُ قومٌ خضَبوا وجهَ نبيِّهِم بالدمِ؟! " فنزلَتْ (^١).
﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾: قد استحقُّوا التعذيبَ بظُلمهم، تعليلٌ للتعذيبِ.
* * *
(١٢٩) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: خَلقًا ومُلكًا فَله الأمرُ كلُّهُ.
﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾: صريحٌ في نفيِ وجوبِ شيءٍ من المغفرةِ والتعذيبِ، والتقييدُ بالتوبةِ وعدَمِها كالمنافي لهُ، وتقديمُ المغفرةِ للإشارةِ إلى سَبق الرحمةِ على الغصبِ.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لعبادِه، فلا تبادِرْ إلى الدعاءِ عليهم، قيل: همَّ ﵇ أن يدعوَ عليهم يومَ أحدٍ، فنهاهُ اللّهُ تعالى لعلمِه بان فيهم مَن يؤمِن، فنزلَت (^٢).
* * *
(١٣٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾: لا تزيدوا زياداتٍ مكرَّرةً، والتخصيصُ بحسب الواقع، ولا بدَّ له من نكتةٍ، ولعلها تمشِيةُ ما قُصدَ
_________________
(١) رواه مسلم (١٧٩١)، والإمام أحمد في "المسند" (١٢٨٣١)، من حديث أنس ﵁، وانظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١٢).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٤١٣).
[ ٢ / ٣٨٠ ]
بتخصيصِ الخطابِ بالمؤمنينَ معَ عدمَ اختصاصِ النهي بهم منَ التنبيهِ على أن المؤمنَ بارتكابِ الكبيرة لا يخرُجُ عن الإيمانِ (^١).
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما نُهيتُم عنهُ.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: راجِينَ الفلاحَ.
* * *
(١٣١) - ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ تخصيصٌ بعد التعميمِ؛ فإن اتقاءَ الله تعالى ينتظِمُ اتقاءَ سخطِهِ في الدارين.
ولا يخفَى على الفَطِنِ ما فيه من المبالغةِ في التهديد على الربا؛ حيثُ أتى بـ (لعل) في فلاحِ مَن اتقاهُ واجتنبَهُ؛ لأنَّ تعليق إمكانِ الفلاح ورجائهِ بالاجتناب (^٢) منه يستلزمُ امتناعَ الفلاح لهم إذا لم يجتنِبُوه ويتَّقوهُ مع إيمانهم، ثمَّ أوعدَ عليهم بالنارِ التي أُعدَّت للكافرينَ معَ كونهِم مؤمنينَ.
فما أعظَمها من معصيةٍ تُوجِبُ عقاب الكفارِ للمؤمنينَ، وما أشدَّهُ من تغليط عليه!
ثم أمدَّ التغليظ بالأمرِ بطاعةِ الله تعالى ورسولِهِ ﵇ تعريضًا بأنَّ آكلَ الربا منهمِكٌ في المعصيةِ لا طاعة لهُ، ثمَّ علَّقَ رجاءَ المؤمنين لرحمَتهِ (^٣) بطاعةِ اللّهِ ورسولِهِ
_________________
(١) في هامش (د) و(ف) و(م): "وذلك لأن الخطاب إذا كان للذين اعتادوا بالربا يدلُّ على ما ذكر دلالة ظاهرة، وأما إذا كان للمؤمنين مطلقًا فيحتمل أن يكون النهي عنه من قبيل نهي الصائم عن الأكل فافهم. منه".
(٢) في (د): "باجتناب".
(٣) في (د): "له حمته".
[ ٢ / ٣٨١ ]
إشعارًا بأنهُ لا رجاءَ للرحمةِ مع هذا النوعِ من العصيانِ، فانظر كيفَ درَّجَ (^١) التغليظَ في التهديدِ حتَّى ألحقَهُ بالكفارِ في الجزاءِ والعقابِ.
وأما ما قيلَ: فيهِ تنبيهٌ على أن النارَ بالذاتِ معدَّةٌ للكفارِ، وبالعَرَض للعصاةِ، فمبناهُ على أن يكونَ المرادُ نار جهنمَ مطلقًا، وذلك غيرُ مسلَّمٍ، وقد نبَّهتُ فيما تقدَّمَ على أن المناسبَ للمقام حملُها على نارٍ مخصوصة بالكفارِ (^٢).
* * *
(١٣٢) - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾: في نهيهِ على الربا مجمَلًا.
﴿وَالرَّسُولَ﴾ في بيانِ ذلك المجمَلِ.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أَتبع (^٣) الوعيدَ بالوعدِ ترهيبًا عن المخالفةِ، وترغيبًا في الطاعةِ، و(لعلَّ) و(عسى) في أمثالِ ذلك دليلُ عزةِ التوصلِ إلى ما جُعِلَ خبرًا (^٤) له.
* * *
(١٣٣) - ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾: بادروا وأقبِلُوا.
_________________
(١) في (ك): "أدرج".
(٢) في هامش (ح) (د) و(ف): "سيأتي في سورة الأعراف أن لها طبقات كل طبقة منها معدة لطائفة. منه".
(٣) في (ف): "تبع".
(٤) في (ح) و(ف) و(م): "خيرًا"، وهو تحريف.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: إلى ما تُستَحقُّ به المغفرةُ من الإسلامِ والتوبةِ والإخلاصِ، تُركَ الملزومُ وأُقيمَ اللازمُ مقامهُ للتشويقِ والتحريضِ على ما يوجبُهُ، ولتكونَ سرعةُ الإقبالِ عليه بالنشاطِ مع خفتِهِ على النفس.
﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: أي: عرضُها كعرض السماواتِ والأرضِ، كما قال في موضعٍ آخرَ: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١].
قالَ ابن عباسٍ والحسنُ: إن السماواتِ والأرضَ إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ فعرضُ الجنةِ مثلُها (^١)، فأما الطولُ فأكبرُ من ذلك؛ لأن طول كل شيءٍ يزيدُ على عرضه.
وقيلَ: العرضُ هو السعةُ، قال الشاعرُ:
كأنَّ بلادَ اللّهِ وهيَ عريضةٌ … على الخائفِ المطلُوبِ كُفَّةُ حابلِ (^٢)
أي: واسعةٌ.
﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾: هيِّئت لهم صفةٌ أخرى للجنة (^٣)، وفيهِ دليل على أن الجنةَ مخلوقةٌ، وأما أنها خارجةٌ عن هذا العالمِ فلا دلالة عليهِ فيهِ؛ إذ يجوزُ أن تكون فوق السماوات دونَ العرشِ، وقد جاءَ في الحديثِ: "سقفُ الجنةِ عرشُ الرحمنِ" (^٤).
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٣) عن ابن عباس ﵄.
(٢) البيت للبيد كما في ملحق ديوانه (ص: ٣٦٥)، ونسبه في "الحماسة البصرية" (١/ ٢٩) لعبيد بن أيوب العنبري. وهو بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٧٧).
(٣) "صفة أخرى للجنة" من (م).
(٤) رواه الترمذي (٢٥٣٠) عن معاذ بن جبل ﵁، والإمام أحمد في "المسند" (٨٤١٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
(١٣٤) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾: صفةٌ مادحةٌ للمتقينَ، أو مدحٌ منصوبٌ أو مرفوعٌ.
﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾؛ أي: في حالِ الرخاءِ واليسرِ، وحالِ الضيقِ والعسر، لا يهملونَ إنفاقَ ما تيسَّرَ لهم، أو في الأحوال كلِّها؛ إذ الإنسان لا يخلو عن مسرَّةٍ ومَضَرةٍ؛ أي: لا يخلو في حالٍ ما من إنفاقِ ما قدروا عليهِ من القليل والكثيرِ.
وقدَّمَ الإنفاقَ على سائر خصالِ المتقينَ لكونهِ أشقَّ على النفسِ، وأدلَّ على الإخلاصِ والتوكُّلِ، ولأنه كان أعظمَ أعمال البرِّ في ذلك الوقتِ للحاجةِ إليه في مجاهدةِ العدوِّ، ومواساة فقراءِ المسلمينَ.
﴿وَالْكَاظِمِينَ﴾: المتجرِّعينَ، يقالُ: كظَم البعيرُ جِرَّتهُ: إذا ردَّها إلى جوفِهِ.
﴿الْغَيْظَ﴾: وهو توقُّدُ حرارةِ القلبِ من الغضبِ، يقالُ: تغيَّظتِ الهاجرةُ؛ إذا اشتدَّ حميُها، ويجوزُ أن يكون مِن كظَمتُ القِربةَ: إذا شددتَها على ملئها (^١)، والأول أبلغُ.
ومَن قالَ (^٢) في تفسيره: الممسِكينَ عليهِ، الكافِّينَ عن إمضائهِ معَ القدر عليهِ، فلَم يُصِب في اعتبارِه القيدَ الأخيرَ؛ لأنهُ غيرُ لازمٍ في كظمِ الغيظِ، على ما يُفهَم من قولهِ ﵇: "مَن كظَم غيظًا وهو يقدِرُ على إنفاذِه ملأَ اللَّه قلبَهُ أمنًا وإيمانًا" (^٣).
_________________
(١) في (م): "مثلها"، وفي (ح): بياض.
(٢) هو البيضاوي في "تفسيره" (٢/ ٣٨).
(٣) رواه أبو داود (٤٧٧٨)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ١٣٢)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٩)، من حديث أبي هريرة ﵁، ورواه أبو داود (٤٧٧٧)، والترمذي - وحسنه - (٢٤٩٣)، من حديث معاذ بن أنس الجهني ﵁ بلفظ: "من كظمَ غيظًا، وهو قادِرٌ على أن يُنفِذَهُ، دعاهُ الله =
[ ٢ / ٣٨٤ ]
﴿وَالْعَافِينَ﴾؛ أي: المتجاوِزينَ.
﴿عَنِ النَّاسِ﴾؛ أي: عن الجاني (^١) كائنًا مَن كان.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: يحتمِلُ الجنسَ فيدخلُ المذكورون تحتَهُ، والعهدَ فتكونُ الإشارةُ إليهم، فيكون تسجيلًا عليهم بالإحسانِ، وبشارةً لهم بكرامةِ محبةِ اللّهِ تعالى إيَّاهُم.
* * *
(١٣٥) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾: فعلةً بالغةً في القبحِ؛ كالزنا.
﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: بأن أذنبوا أيَّ ذنبٍ كانَ.
وقد قيلَ: الفاحشةُ: الكبيرةُ، وظلمُ النفسِ: الصغيرةُ.
وقيلَ: الفاحشةُ ما يتعدَّى، وظلمُ النفسِ ما لا يتعدَّى.
﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾: تذكَّروا حقَّهُ الموجبَ للخشيةِ والحياء منهُ، أو: تذكَّروا عقابَهُ، أو وعيدَهُ، أو نهيَهُ.
﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾ اللَّه (^٢) ﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾ فتابوا عنها نادِمين.
﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ اعتراضٌ بينَ المعطوفَينِ؛ تصويبًا للتائبينَ المستغفرينَ، وتطييبًا لقلوبهم، وبشارةً لهم بوصفِ ذاتهِ تعالى بسعةِ المغفرةِ
_________________
(١) = ﷿ على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ، حتَّى يُخيِّره مِنْ أيِّ الحُورِ شَاءَ".
(٢) "أي: عن الجاني" من (م).
(٣) لفظ الجلالة من (ح) و(ف).
[ ٢ / ٣٨٥ ]
والرحمةِ (^١)، وتحريضًا لهم على التوبةِ (^٢)، وبعثًا على الرجاءِ، وردعًا عن اليأس.
ومعنى الاستفهامِ: تقريرُ أنه تعالى وحدَه مخصوصٌ بموجباتِ المغفرةِ ومصحِّحاتها؛ من الفضلِ، والكرمِ، والعفوِ، والرحمة الذاتيَّةِ.
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾: ولم يقيمُوا على أفعالهم السيئةِ غيرَ مستغفرينَ؛ أي: تداركوا بالاستغفارِ كلما عادوا إلى الذنبِ.
عن النَّبِيِّ ﷺ: "ما أصرَّ من استغفرَ وإن عادَ في اليومِ سبعينَ مرةً" (^٣).
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: حالٌ من فعلِ الإصرارِ، وحرفُ النفي منجرٌّ لهما (^٤) معًا؛ أي: ليسوا مصرِّينَ على الذنوب وهم يعلمونَ كونها منهيًّا عنها؛ لأنهُ قد يعذَرُ من لا يعلَمُ قُبحَها وكونَها معاصي.
* * *
(١٣٦) - ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.
﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: خبرٌ لـ (الذينَ) إن ابتدأتَ بهِ، وجملةٌ مُستأنفةٌ مبيِّنة لِمَا قبلَها إن عطفتَها على ﴿الْمُتَّقِينَ﴾، أو على ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾.
_________________
(١) في (م): "الرحمة والمغفرة".
(٢) في هامش (ح) و(د) و(ت): "وأما الوعد بقبول التوبة فليس بمفهوم منه. منه".
(٣) رواه أبو داود (١٥١٤)، والترمذي (٣٥٥٩)، من حديث أبي بكر ﵁. قال الترمذي: هذا حديثٌ غريبٌ إنَّما نَعْرِفُهُ مِن حديثِ أبي نُصَيْرَةَ، وليس إسنادُه بالقويِّ.
(٤) في (ك) و(م): "ليهما".
[ ٢ / ٣٨٦ ]
ومَن أذعنَ للحقِّ وأَنصف (^١)، وبالتجنُّبِ عن التعسفِ والتعصُّبِ اتَّصف، علِمَ أنْ ليس في هذه الآيات سوى أن الجنةَ أُعدَّت للمتقينَ والتائبينَ، أو للمتقينَ خاصةً والتائبونَ أجرُهم مغفرةٌ وجنةٌ، إما معَ سكوتٍ عن حكم المصرِّينَ، أو دلالةٍ ظنيةٍ (^٢) على أنهم ليسوا كذلكَ، ولا نزاع في أن الجنةَ ليست مُعدَّةً لهم ولا جزاءَهم، لكن مِن أين البيانُ القاطعُ أنهم لا يدخُلون البتة، وأنَّه لا يجوزُ في حقِّهم التفضُّلُ والإحسان (^٣)؟!
على أنَّ الكلام وارِدٌ لترهيبِ أكَلةِ الربا أولًا، وترغيبِهم في الإقلاعِ عنه ثانيًا، فالتقييدُ بعدم الإصرارِ ليلائمَ الغرضَ، فينتَفِي (^٤) شرطُ مفهومِ المخالفةِ وهو أن لا يظهَرَ فائدةٌ أُخرى.
وتنكُير ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ على الأولِ يدُلُّ على أن ما لهم أدوَنُ مما (^٥) للمتَّقِينَ الموصوفين بتلكَ الصفاتِ المذكورةِ في الآية المتقدمةِ.
وكفاك فرقًا بينَ القبيلين (^٦): أنه فصَلَ آيتَهم بأنْ بيَّنَ أنهم محسِنون مستوجِبونَ لمحبة اللّهِ تعالى، وذلك لأنهم حافظوا على حدودِ الشرعِ، وتخطَّوا إلى التخصيصِ بمكارمه، وفصَلَ آيةَ هؤلاءِ بقوله تعالى:
﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ لأنَّ المتدارِكَ لتقصيرِه كالعامل لتحصيلِ بعض ما فوَّتَ
_________________
(١) في (ح) و(ف): "وانتصف".
(٢) في (م): "لأدلة ظنية".
(٣) في هامش النسخ عدا (ك): "رد لصاحب الكشاف".
(٤) في (ك) و(م): "فينفي".
(٥) في (ف): "دون ما".
(٦) في (ح): "القبيلتين".
[ ٢ / ٣٨٧ ]
على نفسهِ، وكم بينَ المحسِن والمتدارِكِ، والمحبوبِ والأجيرِ، ولعلَّ تبديلَ لفظِ (الجزاء) بـ (الأجرِ) لهذه النكتةِ.
والمخصوصُ بالمدح محذوفٌ تقديرُهُ: ونعمَ أجرُ العاملِينَ (^١) ذلكَ، يعني: المغفرةَ والجناتِ.
* * *
(١٣٧) - ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
رجعَ إلى وقعةِ أحدٍ وما نابَهم فيها، فقالَ:
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾: في الأممِ المكذِّبينَ من الوقائعِ، كقوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] ويجوزُ أن يكون اعتراضًا للتحريضِ على الإيمانِ والتصديق بما نصحَهم بهِ؛ أي: مضَت على هذا المنهاجِ سننٌ من الأنبياءِ السابقين.
﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: عاقبةُ تكذيبهم، حتَّى تعتبروا بما ترون من آثارِ عذابهم فتنزَجِروا عن التكذيب وتصدِّقوا، والفاء لتضمُّن الكلامِ (^٢) معنى الشرطِ؛ أي: إن شكَكْتم فسيروا.
* * *
(١٣٨) - ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ إشارةٌ إلى قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾، أو مفهومِ قوله: ﴿فَانْظُرُوا﴾، أو (^٣) إيضاحٌ لسوءِ عاقبةِ ما هم عليه من التكذيبِ.
_________________
(١) من قوله: "لأن المتدارك .. " إلى هنا سقط من (ح) و(ف).
(٢) في (م): "لتضمين الكلام".
(٣) في (د): "أي".
[ ٢ / ٣٨٨ ]
﴿وَهُدًى﴾: وزيادةُ تثبيت ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾: للَّذين اتَّقوا من المؤمنينَ.
أو إلى ما لُخِّصَ (^١) من أمرِ المتقين والتائبينَ والمصرِّين.
* * *
(١٣٩) - ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾: تسليةٌ للرسولِ ﷺ والمؤمنينَ عما أصابهُم يومَ أحدٍ، وتقويةٌ لقلوبهم؛ أي: لا يُوْرثنَّكم ذلك وهنًا وجُبنًا عن الجهاد، وحُزنًا على من قُتِلَ منكم.
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: وحالُكم أنكم أعلى منهم وأغلَبُ؛ لأنكُم أصبتم منهم يوم بدرٍ أكثرَ مما أصابوا منكم يومَ أحدٍ.
أو: أنتم الأعلَون شأنًا؛ لأن قتالكم للّهِ تعالى ولإعلاء كلمته، وقتالهم للشيطانِ وإعلاءِ كلمة الكفر، وقتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار.
أو: وأنتم الأعلون في العاقبةِ، فيكُون بشارةً لهم بالعلوِّ والغلَبةِ في العاقبةِ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: متعلِّقٌ بالنهي؛ أي: ولا تهِنوا إن صحَّ إيمانكم؛ فإنَّ صحةَ الإيمانِ توجِبُ الثقة باللّهِ تعالى، وقوَّةَ القلبِ، وصحَّةَ العزيمةِ والتوكُّلَ عليهِ، حذِفَ جوابه لدلالةِ النهي عليهِ؛ تقديرُهُ: إن كنتم مؤمنين فلا تهِنوا.
أو بـ ﴿الْأَعْلَوْنَ﴾؛ أي: أنتم الغالبون إن كنتُم مصدِّقينَ بما يعدكمُ اللّهُ به، ويبشِّركم به.
* * *
_________________
(١) تحرفت في (النسخ) إلى: "يخص"، والمثبت من "الكشاف" (١/ ٤١٨)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٣٩). وقوله: (إلى ما لخص ..) معطوفٌ على ما تقدم من قوله: (إشارة إلى قوله …).
[ ٢ / ٣٨٩ ]
(١٤٠) - ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ قرئ بالضم والفتح (^١)، وهما لغتان كالضَّعفِ والضُّعفِ.
وقيلَ: هو بالضم الجِراحُ، وبالفتح ألمُها.
وقيل: بالفتحِ المصدَرُ، وبالضمِّ الاسمُ.
﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾؛ أي: إن نالوا منكم يومَ أحدٍ فقد نلتُم منهم يومَ بدرٍ، ثم لم يضعُفوا ولم يجبُنوا، فأنتُم أولى بذلكَ؛ فإنكم ترجُونَ من اللهِ تعالى ما لا يرجونَ.
وقيل: كِلَا المسَّين كان يوم أحدٍ؛ فإن المسلمينَ نالوا منهم قبلَ أن يخالفوا أمرَ الرسول ﵇، وقوله: ﴿مِثْلُهُ﴾ لا ينافي المعنى الأولَ؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾؛ لأنَّ الإصابةَ تنتظِمُ الأسرَ والمماثلَةَ في مسِّ الجرح (^٢)، وما يترتَّبُ عليهِ منَ القتلِ فقط.
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ﴾ (تلك) إشارةٌ إلى مبهَمٍ فسِّرَ بالأيامِ؛ وهي الوقائعُ العظام.
﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: نُصرِّفُها بينهم، نُدِيلها لهؤلاء تارةً، ولهؤلاء أُخرى، كقوله (^٣):
فيومًا علينا ويومًا لنا … ويومًا نساء ويومًا نُسَر (^٤)
_________________
(١) قرأ بضم القاف أبو بكر وحمزة والكسائي وباقي السبعة بالفتح، انظر: "التيسير" (ص: ٩٠).
(٢) في (م): "القرح".
(٣) البيت للنمر بن ثولب. انظر: "الكتاب" (١/ ٨٦)، و"فتوح الغيب" (٤/ ٢٧٦) و"نواهد الأبكار" (٣/ ٦٥).
(٤) في النسخ اضطراب كبير، والمثبت من (د) وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" و"الكشاف".
[ ٢ / ٣٩٠ ]
أي: فواقعة علينا، وواقعة لنا، وقت نُساءُ ووقت نُسرُّ.
والمداولَةُ كالمعاورَةِ يقالُ: داولتُ الشيءَ بينهُم فتداولُوه.
و﴿الْأَيَّامُ﴾ يحتمِلُ الوصفَ والخبَرَ، و﴿نُدَاوِلُهَا﴾ يحتمِلُ الخبرَ والحالَ (^١).
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: عطفٌ على علةٍ محذوفة؛ أي: نداولها ليكُون كيتَ وكيتَ وليعلم اللَّه، فالواو عاطفةٌ للإيذانِ بأن العلةَ فيه غيرُ واحدةٍ، وإنما يصيبُ المؤمنَ فيه من المصالحِ ما لا يعلَمُه.
وفيه تسليةٌ لهم عما جرى عليهم، وتبصير (^٢) بأن العبدَ ربما يسوءه شيءٌ، ويجري عليهِ من المكارِه، ولا يدري أَنَّهُ خيرٌ له، أو الفعلُ المعلَّلُ بهِ محذوفٌ تقديرُه: وليتميَّز (^٣) الثابتونَ على الإيمان منَ الذينَ على حرفٍ فعلنا ذلكَ، والقصدُ في أمثاله ونقائضه ليسَ إلى إثباتِ علمه تعالى ونفيِه، بل إلى إثباتِ المعلومِ ونفيِه بطريق البُرهان.
﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: وليكرِمَ قومًا منكم بالشهادةِ؛ يريدُ شهداءَ أحدٍ، أو: يتَّخِذَ منكم شهودًا معدَّلينَ بما صودِفَ منهم من الثباتِ والصبرِ على الشدائدِ.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: الذين يضمِرون خلافَ ما يظهرون. اعتراضٌ بين التعليلاتِ للتسجيل على مَن هو ليسَ من هؤلاءِ الثابتين على الإيمان المجاهدينَ (^٤)
_________________
(١) "ونداولها يحتمل الخبر والحال" سقط من (ف).
(٢) في (ح) و(د) و(م): "وتبصر". وفي (ف): "وتبشير".
(٣) في (ف): "ولتمييز".
(٤) في (م): "والمجاهدين".
[ ٢ / ٣٩١ ]
في سبيلِ اللّهِ الممحَّصين (^١) من الذنوبِ بالظلم (^٢)، والتنبيهِ على أنَّ ظُلمَهم أوجبَ أن يبغضَهم اللّهُ تعالى، والتعريضِ بأنه يحبُّهم لأجل تلك الصفاتِ (^٣).
* * *
(١٤١) - ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: المحْصُ لغةً: التطهيرُ والتصفيةُ والتخليصُ، وصيغَةُ التفعيلِ للمبالغة؛ أي: وليطهِّرهم من الذنوبِ إن كانت الدَّولَةُ عليهم.
﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: ويهلِكَهم إن كانَت عليهم.
والمحْقُ: إفناءُ الشيء حالًا بعد حالٍ كمَحقِ الهلالِ.
* * *
(١٤٢) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾: بل أحسِبتم، ومعناه الإنكارُ.
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ (^٤): الواوُ للحال بتقديرِ المبتدأ، و(لما) كلمةٌ في نفي الماضي، إلا أنَّ فيه معنى التوقُّعِ في المستقبلِ، فدلَّ على نفي الجهادِ في
_________________
(١) في (د): "المخصصين".
(٢) "بالظلم" متَعَلِّقٌ بقوله: "للتسجيل". وجاء في هامش (د) و(ف): "وأما التنبيه الذي ذكره القاضي فوجهه غير ظاهر. منه".
(٣) في هامش (د) و(ف): "وفيه تنبيه على أن عدم المحبة عبارة عن البغض وقد سبق بيان ذلك. منه".
(٤) في هامش (ح) و(ف): "الآية خطاب للذين انهزموا يوم أحد فقيل لهم: أحسبتم أن تدخلوا الجنة كما دخل الذين قتلوا وبذلوا مهجهم وتثبتوا على ألم الجراح والضرر من غير أن تسلكوا طريقتهم وتصبروا صبرهم. منه".
[ ٢ / ٣٩٢ ]
الماضي مع توقُّعهِ في المستقبلِ؛ لأنَّ معنى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾: ولما يجاهدوا؛ لأنَّ وقوعَ الشيء يستلزِمُ كونه معلومًا للّه تعالى، ونفيُ اللازم يستلزمُ نفيَ الملزومِ، فنزِّلَ نفيُ العلم منزلةَ نفي الجهادِ للتأكيد والمبالغةِ؛ لأن انتفاءَ اللازمِ برهانٌ على انتفاءِ الملزومِ، وفيهِ إشعارٌ بأن علمَه تعالى بالأشياءِ على ما هيَ عليهِ ضروريٌّ.
وقرئ: (ولمَّا يعلمَ اللَّه) بفتح الميم على إرادة التأكيد بالنون الخفيفة (^١)؛ أي: ولمَّا يعلمنْ، فحذفت (^٢).
﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾: نصبٌ بإضمارِ (أنْ)، على أنَّ (الواو) بمعنى الجمعِ؛ كقولك: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبنَ؛ أي: لما (^٣) تجمعوا بين الجهادِ والصبر، يريد وجوبَ الجمع بينهُما.
وقرئ بالجزمِ على العطفِ، وقرئ: (يعلَمُ) بالرفع (^٤) على أن الواوَ للحالِ؛ كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون.
* * *
(١٤٣) - ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾؛ أي: لقاءَ العدوِّ فإنهُ من أسبابِ الموتِ، أو: الموتَ بالشهادة.
_________________
(١) تنسب لابن وثاب والنخعي. انظر: "المحرر الوجيز" (١/ ٥١٥)، و"البحر المحيط" (٦/ ١٦٨).
(٢) في (ف): "لحذفت".
(٣) في النسخ عدا (د): "لا"، والمثبت من (د).
(٤) انظر القراءتين في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٢)، و"إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٤٠٩)، و"تفسير القرطبي" (٥/ ٣٣٩).
[ ٢ / ٣٩٣ ]
والخطابُ للذين لم يشهدوا بدرًا، وتمنَّوا أن يشهدوا معَ رسول اللَّه ﷺ مشهدًا ليكونَ لهم يومٌ كيومِ بدرٍ، أو تمنَّوا الشهادة فيهِ لينالوا ما نال شهداءُ بدرٍ من الكرامةِ فألحُّوا يومَ أحد على الخروجِ (^١).
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾؛ أي: العدوَّ؛ فإنه ملحوظٌ وإن لم يكُن ملفوظًا (^٢).
﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ حين قُتلَ دونَكم مَن قُتلَ من إخوانكم.
﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: معايِنين له مشاهِدينَ؛ أي: لا على غفلةٍ واشتغالِ أمرٍ سواهُ؛ ففيه تأكيدٌ، وهو توبيخٌ لهم على تمنِّيهم الحربَ، وإلحاحِهم على رسولِ اللّهِ ﷺ في الخروجِ، ثم قلةِ مصابرتهم عليهِ، وعدم ثباتهم له، وانهزامِهم عنه عندَ (^٣) مشاهدَتهِ، أو على تمنِّيهم الشهادةَ ثم تولِّيهم مُدبرين.
ومَن وهَم أن في تمنِّي الشهادةِ تمتِّي غلبةِ الكفار فقد وهِمَ؛ فإنهُ يقصِدُ إلى نيلِ كرامة الشهادةِ، ولا يخطُرُ بباله غلبةُ الكفارِ.
* * *
(١٤٤) - ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾: قصرُ الموصوف على الصفةِ يستلزمُ نفيَ سائر الصفاتِ التي فوقَ الرسالة عنه (^٤)؛ أي: ليسَ بمُخلَّدٍ ولا إلهٍ حتَّى لا يمكنَ موتُه وقتلُه. ومعنى:
_________________
(١) في هامش (د) و(ف): "هنا قصور في كلام القاضي. منه".
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "ملحوظًا".
(٣) "عند" ليس في (ف).
(٤) في هامش (د) و(ف): "فلا يستلزمها الرسالة وأما التي يجامعها بل يلازمها فلا مساغ لنفيها. منه".
[ ٢ / ٣٩٤ ]
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾: أنه (^١) لا ينافي الرسالةَ المضيُّ لسبيلهِ، فسيمضي كما مضَتِ الرسلُ من قبله، وما كانَ مضيُّهم سببًا لانقلابِ أتباعِهم عما كانوا عليه، فسبيلُكم أن تتمسَّكُوا بدينِه وطريقتِه في الجهادِ وغيرِه كما تمسَّكَ أتباع الرسلِ بعدَهم بما كانوا عليهِ، فإنَّ المقصودَ من الرسالةِ التبليغُ لا البقاءُ بين الأمةِ، وقد بلَّغَ.
ثم عنَّفهم ووبَّخهم على ما كانَ منهم بقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ أتى بكلمة: (إنْ) وقد علِمَ أنه يكونُ تنزيلًا للسامع منزلةَ المتردِّدِ لاستعظامِه، وذكرَ القتل بقولِه:
﴿أَوْ قُتِلَ﴾ لكونِه مجوَّزًا عند المخاطبين، وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]- على تقديرِ نزوله قبلَ يوم أحدٍ - لا يأباهُ؛ إذ ليسَ كل آيةٍ يسمَعُها كل أحدٍ، ولا كلُّ سامع يستحضِرها في كلِّ مقامٍ؛ سيما مثل (^٢) ذلك المقامِ الهائلِ.
﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ فحوى الكلامِ تفريعُ الإنكار على ما تقدم؛ أي: قد علمتُم مضيَّ الرسلِ، وتمسُّكَ أممهم بعدَهم بأديانهم، فكيفَ صحَّ انقلابُكم على أعقابكُم بمضيِّهِ بالموتِ أو القتلِ (^٣)، إلا أنه قدَّمَ ما حقُّهُ التأخيرُ لاقتضاءِ أداة الاستفهامِ الصدارةَ في الكلامِ، لا إنكارُ التفريع على ما تقدَّمَ؛ لأن ذلك التفريعَ بمعزلٍ عن مذهبِ الأوهام، فردُّه لا يناسب المقام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قد سبقَ بيانه في سورة البقرة.
﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ بارتدادِه بل يضُرُّ نفسَه.
_________________
(١) "أنه" من (د).
(٢) "مثل": ليست في (ك) و(م).
(٣) في (ف) و(ك): "والقتل" والمثبت موافق لما في "تفسير البيضاوي".
[ ٢ / ٣٩٥ ]
﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ على نعمةِ الإسلام بالثباتِ عليهِ؛ كأنسٍ وأضرابِه ﵃.
* * *
(١٤٥) - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ﴾؛ أي: وما صحَّ لها.
﴿أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ لملَكِ الموت في قبض روحِه.
لما كان السابقُ إلى الوهمِ والمتبادرُ إلى الفهمِ من إسنادِ الموتِ إلى الميتِ في قوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ هو أن يكونَ الموتَ الواقعَ بلا سببٍ ظاهريّ من المرض والقتل بمقتضَى طبيعة الميتِ، دفعَهُ ببيان أن الموت مطلقًا لا يكونُ إلا بقبض الروحِ؛ وهو بإذن اللّهِ تعالى (^١).
وليسَ فيه تحريضٌ وتشجيعٌ على القتال بناءً على أن الأجل المقدَّرَ لا يتأخَّرُ بالحذر، كيف وهو خلاف (^٢) المأمورِ بهِ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وأما الوعدُ للرسولِ ﵇ بالحفظِ وتأخيرِ الأجَلِ فلا يُفهَمُ منه أصلًا.
﴿كِتَابًا﴾: مصدرٌ مؤكّدٌ؛ إذ المعنى: كتبَ الموتَ كتابًا.
﴿مُؤَجَّلًا﴾: صفةٌ لهُ؛ أي: مؤقَّتًا له أجلٌ معيَّن.
﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾: تعريضٌ بالذينَ شغلَتهم الغنائمُ يومَ أحدٍ.
_________________
(١) في هامش (د) و(ف): "فالكلام حقيقة لا على طريق التمثيل كما توهم. منه".
(٢) "خلاف" من (م).
[ ٢ / ٣٩٦ ]
﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾؛ أي: من ثوابها.
﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾: الذين شكروا نعمةَ اللهِ فلم يَشغلهم شيءٌ عن الجهاد.
وحذِفَ المفعولُ الثاني في الموضعين لإبهامِ الجزاء تعظيمًا؛ أي: جزاءً لا يوصَفُ كنهه.
* * *
(١٤٦) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿وَكَأَيِّنْ﴾ أصله: (أيٌّ) دخلَت الكافُ عليها وصارَت بمعنى (كم)، والنونُ تنوينٌ أثبِتَ في الخط على غيرِ قياسٍ، وقرئ: ﴿وكائن﴾ ككاعن (^١)، ووجهُه: أنهُ قلِبَ قَلبُ الكلمةِ الواحدةِ فصارَ (كيَّئن) (^٢) ثم حذِفَ الياءُ الثانيةُ للتخفيفِ، ثمَّ أُبدلَتِ الياءُ الأُخرى ألفًا كما أُبدِلَت ياءُ (طائي) (^٣).
﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ ﴿مِنْ﴾ بيانُ له.
﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ الربِّيونَ: الربَّانيونَ، وقرِئَ بالحركاتِ الثلاثِ (^٤)، فالفتحُ على القياسِ، والكسرُ والضمُّ مِن تغييراتِ النَّسبِ.
_________________
(١) هي قراءة ابن كثير. انظر: "التيسير" (ص: ٩٠).
(٢) بكاف وياء مفتوحتين وهمزة مكسورة ثم نون. انظر: "روح المعاني" (٥/ ٤٢).
(٣) وأصله: (طيّئيّ) بياءين مشددتين بينهما همزة، فحذفت إحدى الياءين وقلبت الأخرى ألفًا. المصدر السابق.
(٤) (الرِّبيون) بكسر الراء قراءة الجمهور. والباقي في الشواذ، وقد نسب لعلي ﵁ القراءة بضمها، ولابن عباس بفتحها. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٢)، و"المحتسب" (١/ ١٧٣)، و"تفسير القرطبي" (٥/ ٣٥٢).
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وقرئ: ﴿قُتِلَ﴾ (^١) والفاعلُ ﴿رِبِّيُّونَ﴾، أو ضَميرُ النبيِّ و﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ حالٌ عنه؛ أي: قُتل (^٢) كائنًا معه ربيونَ، ويؤيد الأولَ أنهُ قرئ بالتشديدِ (^٣).
﴿فَمَا وَهَنُوا﴾: فما فتروا، ولم ينكسِر جِدُّهم (^٤).
﴿لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: من الشدةِ وغلبة العدوِّ، وقتلِ الإخوانِ، أو قتلِ النبيِّ.
﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾: عن الجهادِ بعدَه (^٥) لقوة (^٦) اليقينِ، والثباتِ في الدينِ.
﴿وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾: وما خضعوا للعدوِّ.
قيل (^٧): استكانَ: افتعَلَ من سكَنَ، والألفُ للإشباع؛ لأن معناهُ: خضَعَ وتذلَّلَ، والخاضعُ يسكن لصاحبه ليفعلَ به ما يريدُه.
وقيلَ: استفعَلَ من (كان) التامةِ؛ كأنَّ الخاضع يطلبُ من نفسِه أن يكون ويثبُتَ على ما يريدُ به صاحبُه.
والأول أقوى من حيثُ المعنى، ولكن لا يُساعِدُه وجوه الاشتقاق والتصريف، والثاني أصحُّ لفظًا وأضعَفُ من حيثما المعنى.
وهذا تعريضٌ بما أصابهم عندَ الإرجاف بقتله ﵇ من الوهنِ والضعفِ
_________________
(١) قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ٩٠).
(٢) في النسخ: "قاتل"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (١/ ٤٢٤).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٤٢٤)، ونسبت لقتادة كما في "المحتسب" (١/ ١٧٣).
(٤) في (د): "ولم ينكسروا هم".
(٥) في (ف): "بعد".
(٦) في النسخ: "لفوت "، والصواب المثبت.
(٧) في (ك) و(م): "وقيل".
[ ٢ / ٣٩٨ ]
عن الجهادِ، والاستكانةِ للمُشركين، حتى هموا أن يعتضدوا بالمنافق عبدِ اللّه بن أبيٍّ في طلب الأمان من أبي سفيانَ (^١).
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ فينصُرهم وُيعظِمُ قدرَهم.
* * *
(١٤٧) - ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾: قراءةُ العامةِ ﴿قَوْلَهُمْ﴾ بالنصب. وإنما جعلوه خبرًا لأن ﴿أَنْ قَالُوا﴾ أعرَفُ لدلالتهِ على جهةِ النسبةِ وزمانِ الحدثِ.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ الإسرافُ: مجاوزة الحدِّ، وذكرَهُ بعد ذكر الذنوبِ للمبالغة في الاعترافِ بالذنبِ، وسوء الظنِّ بأنفسهم.
﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ على حاجة الجهادِ.
﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: وهو مدحٌ لهم أنهُم مع حسنِ العمل استغفَروا من الذنوبِ (^٢) والخللِ؛ أي: وما كانَ قولَهم إلا هذا القولُ؛ أي: الاستغفارُ عن الذنوبِ والإسرافِ، وإضافتُهما (^٣) إلى أنفُسِهم، وطلبُ تثبيتِ الأقدام في مواطنِ الحربِ والنصرةِ على العدوِّ، معتقدينَ أن الخُذلانَ وتزلزلَ القدمِ إنما يكونُ لذنوبهم، مقدِّمينَ عليهِ الاستغفارَ منهما هضمًا لأنفسهم واستقصارًا، مع كونهم ربيِّينَ، ليكونَ الدعاءُ مع الخضوعِ وزكاءِ النفس فيُقرَنَ بالإجابةِ، كما جاءَ بعده:
_________________
(١) ذكره الزمخشري بلا إسناد. انظر: "الكشاف" (١/ ٤٢٤)، و"البحر المحيط" (٦/ ١٨٨).
(٢) في (د): " الزلل".
(٣) في (ك) و(م): "وإضافتها".
[ ٢ / ٣٩٩ ]
(١٤٨) - ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ﴾ بسببِ الاستغفارِ واللَّجاءِ إلى اللّهِ تعالى.
﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾: من النصرةِ، والغنيمةِ، والعزِّ، وطِيبِ الذكر.
﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾: من الجنةِ وما فيها من النعيمِ، وخصَّ ثوابَها بالحُسن إشعارًا بفضلِه، وأنهُ المعتدُّ بهِ عندَه تعالى.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: هم محسنون واللّهُ يحبُّهم، ويحسِن (^١) ثوابَهم.
* * *
(١٤٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾: نزلَت في قول المنافقِين عند الإرجافِ: ارجعوا إلى دينِكم وإخوانِكم، ولو كان محمدٌ نبيًّا لَمَا قتِلَ.
وقيل: إن تستكِينوا لأبي سفيان وأشياعِه وتستأمنُوهم يردُّوكم إلى دينِهم.
وقيلَ: عامٌّ في مطاوعةِ الكفرةِ والنزولِ على حُكمِهم، فإنه يستجِرُّ (^٢) إلى موافقَتِهم.
* * *
(١٥٠) - ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾.
_________________
(١) في (د): "وقد يحسن".
(٢) في (م): "يستجري". وفي (ف): (يستجبر) والمثبت موافق لما في "الكشاف" (١/ ٤٢٥)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٢) وعنه نقل المؤلف.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: ناصرُكم دون غيرِه، فلا تميلون (^١) إلى ولايةِ غيره ونُصرَته.
وقرئ بالنصبِ (^٢) على تقديرِ: بل أطيعوا اللّهَ مولاكُم.
﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ فهو أحقُّ أن يُستعان بهِ.
* * *
(١٥١) - ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾.
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ هو بيانُ قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾.
والرعبُ: الخوفُ الذي يملأُ القلبَ، يقولُ: وإن نالكم للحالِ بعضُ الشدةِ بعصيانكم سنُلقي في قلوبهم الرعبَ، فتكونُ العاقبةُ لكم بإيمانكم.
وقد (^٣) حقَّقَ هذا الوعدَ فألقى في قلوبِ أبي سفيانَ وأصحابهِ الرعبَ، فلم يجيئوا في بدرٍ الصغرى بعد أن وعَدوا ذلك.
وقيلَ: يريدُ به ما قذفَ في قلوبهم من الخوفِ يومَ أُحدٍ حتى تركوا القتالَ وانهزموا إلى مكةَ من غيرِ سببٍ ولهم القوةُ والغلبةُ. ولا يساعدُ الخوفَ عبارةُ: ﴿سَنُلْقِي﴾.
﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾: بسببِ إشراكِهم به (^٤).
_________________
(١) في (ك): "تميلوا".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٢).
(٣) في (د): "وهو".
(٤) في (ح) و(د) زيادة: "عبارة عن آلهتهم".
[ ٢ / ٤٠١ ]
﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾: بإشراكِهم ﴿سُلْطَانًا﴾: حجةً نيِّرةً، على معنى نفيِ الحجةِ والإنزالِ جميعًا كقولِه:
ولا ترى الضَّبَّ بها ينجَحر (^١)
وذكرَ الإنزالَ لأن من شأنِ الحجةِ الإلهية أن تنزِلَ من السماءِ، ففيه تهكُّمٌ بآلهتِهم.
وأصلُ السَّلطنةِ: القوةُ، ومنهُ: السَّليطُ (^٢)؛ لقوة اشتعالهِ، والسلاطةُ: لحدَّةِ اللسانِ.
﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾؛ أي: مرجِعُهم جهنمُ في الآخرةِ.
﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي (^٣): مثواهُم، فوضعَ الظاهرَ موضعَ الضميرِ (^٤) للتغليظِ والتعليلِ.
* * *
(١٥٢) - ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) عجز بيت تمَدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، ومعناه: لا ضب ولا انجحار، وصدره: لا تفزعُ الأرنبَ أهوالها
(٢) السليط: ما يضاء به السراج من دهن السمسم. انظر: "البحر" (٦/ ١٦٥).
(٣) (أي) ليس في (د).
(٤) في (ك) و(م): "المضمر".
[ ٢ / ٤٠٢ ]
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾؛ أي: وعده (^١) إياهم بالنصرِ بشرطِ الصبر والتقوى كما مرَّ في قوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ إلخ، وكانَ كذلك حتى خالفَ الرماةُ.
﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾: تقتُلونهم؛ مِن أحَسَّهُ: إذا أبطلَ حِسَّهُ.
﴿بِإِذْنِهِ﴾: بتيسيره.
﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾: الخطابُ للكلِّ والمرادُ بعضُهم (^٢)، على طريقة العربِ في نسبة ما يقَعُ من البعضِ إلى الجميعِ على سبيل التجوُّزِ.
والفشلُ: الجبنُ والضعفُ، و(حتى) حرفُ جرٍّ بمعنى: (إلى) داخلٌ على اسمٍ هو (إذا)، وقد عرفتَ أن معنى صدقِ الوعدِ النصرُ والإظفارُ، فلا يرِدُ أنه لا يصلُحُ غايةً؛ لأن وعدَهُ تعالى لا ينقلِبُ كذبًا.
وإنما قدم ذكره وهو مؤخَّرٌ وجودًا عنِ التنازع (^٣) والعصيانِ للدلالةِ على أن الموعودَ لم ينتَهِ بتنازُعِهم وعصيانهم ما لم يجبُنوا، فالغايةُ في الحقيقةِ جُبنهم، وهذا يرجِّحُ الوجهَ المذكور على ما قيلَ: إن (إذا) لم يجرَّد عن معنى الشرطِ، وجوابُه محذوفٌ دلَّ عليهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾ أي؛ منعَكُم نصرَهُ.
﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ يعني اختلافَ الرماةِ حين انهزمَ المشركونَ في أول الوهلةِ؛ فقالَ بعضُهم: فما موقفنا هاهُنا؟ الغنيمةَ الغنيمة، وقالَ آخرون: لا تخالِفُوا
_________________
(١) في (ف): "وعد".
(٢) في (ف): "البعض".
(٣) في (م): "النزاع".
[ ٢ / ٤٠٣ ]
أمرَ الرسولِ، فثبَتَ مكانَهُ أميرهم في نفرٍ دونَ العشرةِ، ونفرَ الباقونَ للنهبِ (^١)، وهو المعنيُّ بقوله:
﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ من الغنيمةِ، وفيه تنبيهٌ على باعثِ عصيانهم وتشنيعٌ لهم حيث آثروا الغنيمةَ على الجهادِ، ومن زادَ على ما ذُكرَ الظفرَ وانهزاَم العدوِّ فقد فوَّتَ النكتةَ.
﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾: وهم التاركون المركزَ للغنيمةِ.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: وهم الثابتونَ محافظةً على أمرِ الرسولِ ﵇.
﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾: ثم كفَّكُم عنهم حتى حالتِ الحالُ.
﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾: على المصائبِ، ويمتَحِن ثباتَكُم على الإيمانِ عندها.
﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ تفضُّلًا ما فرَطَ منكُم من عصيان أمرِ رسول اللّه ﷺ لِمَا عَلِمَ من ندمكم عليه.
﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ في جميعِ الأحوالِ؛ فتارةً يتفضَّلُ عليهم بالنصرِ والإدالةِ على عدوِّهم لتقويةِ أمر (^٢) الدِّينِ، وتارةً يتفضَّلُ بالابتلاءِ وإدالة العدوِّ (^٣) عليهم لظهورِ الصفات الكماليةِ الكامنة فيهم، ونيلِ درجاتِ الشهادةِ، وتارة يتفضَّلُ بالعفوِ وتمحيصِهم من الذنوبِ، وكلُّها رحمةٌ منهُ عليهم وفضلٌ بحسبِ اقتضاءِ أحوالهم ذلك.
_________________
(١) الحديث بطوله في "صحيح البخاري" (٤٠٤٣) عن البراء بن عازب ﵁.
(٢) "أمر" من (م).
(٣) في (ك) و(م): "والإدالة للعدو".
[ ٢ / ٤٠٤ ]
(١٥٣) - ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ متعلِّق بـ ﴿صَرَفَكُمْ﴾، أو ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾، أو بمقدَّرٍ كما ذكِرَ.
والإصعادُ: الإبعادُ في الضرب في الأرض، وقال صاحب "الديوان": الإصعادُ في الأرضِ والتصعيدُ في الجبلِ، والصعودُ في السُّلَّمِ.
وقرئ: (تَصعَدُونَ) بفتحِ التاء من الصُّعودِ (^١)، وقرئ: (إذ تُصعِدُون في الوادي) (^٢)، ويحتمِلُ أنهم ذهبوا في الوادي، ثمَّ صعِدَ بعضُهم إلى الجبلِ ملتجئًا به.
﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾: ولا تلتفتون على أحدٍ من الآحادِ؛ مِن قولك: لوى جيدَهُ إليهِ؛ إذا التفتَ إليهِ، وهو إخبار عن غايةِ خوفِهم من العدوِّ.
﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾: وكان يقولُ: "إليَّ عبادَ اللّه إليَّ عباد اللّه (^٣) أنا رسولُ اللّهِ، مَن يَكرُّ فلهُ الجنةُ" (^٤).
_________________
(١) قرأ بها أبو رجاء العطاردي، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وقتادة. انظر: "الكشاف" (١/ ٤٧١)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٥٢٦)، و"تفسير القرطبي" (٥/ ٣٦٥).
(٢) تنسب لأبي ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص:٢٣)، و"الكشاف" (١/ ٤٢٧). ومثل هذه القراءات محمولة على التفسير.
(٣) "إلي عباد اللّه" الثانية من (د)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٤٢٧)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٢).
(٤) أورده بهذا اللفظ الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٤٢٧)، والبيضاوي في "التفسير" (٢/ ٤٢)، ورواه الطبري في "التفسير" (٦/ ١٤٦ - ١٤٨) عن ابن عباس وقتادة والربيع: دون قوله: "أنا =
[ ٢ / ٤٠٥ ]
﴿فِي أُخْرَاكُمْ﴾: في ساقتِكُم وجماعتِكُم الأُخرى.
﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾: عطفٌ على ﴿صَرَفَكُمْ﴾؛ أي: فجازاكم اللّه على فشلِكُم وعصيانكُم غفًا متصلًا بغمٍّ؛ من الاغتمامِ بالقتلِ والجَرحِ، وغلَبةِ المشركينَ، والإرجاف بقتلِ الرسولِ ﷺ. أو: فجازاكم غمًّا بسبب غمٍّ أذقتموه رسول اللّه بعصيانكم (^١).
والثواب: الجزاء كيف ما كانَ، والإثابةُ: إعطاؤه، قال (^٢) ﵇: "الواهبُ أحقُّ بعطائه ما لم يُثب منها" (^٣).
إلا أن الثوابَ إذا أُطلِقَ يُراد به الجزاءُ في الخير (^٤)، وعلى هذا يكونُ: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ كقولِهِ: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] (^٥).
_________________
(١) = رسولُ اللهِ، مَن يَكر فلهُ الجنةُ".
(٢) "أو فجازاكم غمًا بسبب غم أذقتموه رسول اللّه بعصيانكم" من (ك) و(م).
(٣) في (م): "وقال".
(٤) في (م): "ما لم يثب عنه". والحديث رواه بنحوه ابن ماجه (٢٣٨٧)، والدارقطني في "سننه" (٢٩٧١)، والبيهقي في "الكبرى" (٦/ ١٨١)، من طريق إسماعيل بن مجمع، عن عمرو بن دينار عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، ولفظ ابن ماجه: "الرَّجُلُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا". وهو ضعيف مرفوعًا، إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع ضعيف، وعمرو بن دينار لم يسمع من أبي هريرة كما قال البيهقي، والصحيح أنه من قول عمر كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢٧١)، ورواه عنه البيهقي عقب المرفوع.
(٥) "في الخير"من (م).
(٦) من قوله: "والجزاء الثواب .. " إلى قوله: "فبشرهم بعذاب أليم" سقط من (ك). وجاء في (ح) و(ف) بعد قوله: "فبشرهم بعذاب أليم": "أو فجازاكم غمًّا بسببِ غمِّ أذقتموهم رسولَ اللهِ ﷺ بعصيانكُم له".
[ ٢ / ٤٠٦ ]
﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾: لتتمرَّنوا على تجزُعِ الغمومِ، وتعتادوا بالصبرِ واحتمالِ الشدائد، فلا تحزَنوا فيما بعدُ على ما فاتَكم من الفوائدِ، ولا ما أصابَكم من المكارِه.
وقيل: الضمير في للرسولِ؛ أي: فآساكم (^١) في الاغتمامِ، فاغتمَّ بما نزَلَ عليكم كما اغتممتُم بما نزَلَ عليهِ، ولم يثرِّبكُم على عصيانكم تسليةً لكم ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من النصرِ ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من الهزيمةِ.
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: عليمٌ بأعمالكم، وبما قصدتم بها، وهذا ترغيبٌ في الطاعةِ وترهيبٌ عن (^٢) المعصيةِ.
* * *
(١٥٤) - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً﴾: نصبٌ على المفعولِ (^٣) و﴿نَعُاسًا﴾ بدلٌ
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "فأثابكم".
(٢) في (ف) و(ك): "من".
(٣) في (ف): "المفعولية".
[ ٢ / ٤٠٧ ]
منها، أو هو المفعولُ و﴿أَمَنَةً﴾ حالٌ منهُ، أو مفعول له، أو حال من المخاطبين بمعنى: ذوي أمنةٍ، أو على أنهُ جمعُ آمِنٍ؛ كبَارٍّ وبررَةٍ.
وقرِئ: (أَمْنَةً) بسكون الميم (^١) كأنها المرَّةُ من الأمنِ؛ أي: أنزَلَ اللّهُ عليكم الأمنَ، وأزال الغمَّ والخوفَ حتى نعستم.
﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾؛ أي: النعاسُ. عَن أبي طلحةَ: غشِيَنا النعاسُ ونحن في مصافِّنا، فكان السيفُ يسقُطُ من يد أحدِنا فيأخذُه، ثمَّ يسقُطُ فيأخذُه (^٢).
وقرئ: ﴿تغشى﴾ (^٣) بالتاء ردًا على الأمَنةِ.
والطائفةُ: المؤمنونَ حقًّا ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ منهم وهُم المنافقون ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: أوقعَتهم (^٤) أنفسُهم في الهمِّ والحزن لعدمِ اليقينِ، أو ما يُهِمُّهم إلا همُّ أنفسِهم وطلبُ خلاصها، لا همُّ الدِّينِ، ولا همُّ رسولِ اللّه ﷺ. والحصرُ مستفادٌ منَ المقامِ.
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾ صفةٌ أُخرى لـ (طائفةٌ)، أو حالٌ، أو استئنافٌ على وجهِ البيانِ لِمَا قبلَهُ.
و(^٥) ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ نصبٌ على المصدَرِ؛ أي: يظنون باللّهِ غيرَ الحق الذي يجوزُ أن يُظَنَّ به.
_________________
(١) قراءة ابن محيصن، انظر: "المحتسب" (١/ ١٧٤)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٣).
(٢) رواه البخاري عن أنس عن أبي طلحة (٤٥٦٢).
(٣) هي قراءة حمزة والكسائي من السبعة، والباقون بالياء. انظر: "التيسير" (ص: ٩١).
(٤) في (د): (أوقصتهم).
(٥) "و": ليست في (م) و(ك).
[ ٢ / ٤٠٨ ]
و﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: بدلُه (^١)، وهو الظنُّ المختصُّ بالملةِ الجاهلية وأهلِها، وفي الإبدالِ مبالغة في كشفِ خطأ الظنِّ، وإشعارٌ بأن ظنَّ الجاهليةِ علَمٌ في البطلانِ.
﴿يَقُولُونَ﴾؛ أي: لرسولِ اللّه ﷺ، وهو بدلٌ من ﴿يَظُنُّونَ﴾.
﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾: هل لنا مما أمرَ اللّهُ تعالى ووعَدَ من النصرِ والظفَرِ نصيبٌ قط؟
﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (^٢) اعتراضٌ؛ أي: الغلبةُ الحقيقةُ لأولياءِ اللّه تعالى، فإن حزبَ اللّهِ هم الغالبونَ، فلا معنى لنفيِ (الأمر) بمعنى النصرِ والإظهارِ (^٣) عنهُم.
وقرئ: ﴿كُلُّهُ﴾ بالرفعِ على الابتداءِ (^٤).
﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ حالٌ مِن ضميرِ ﴿يَقُولُونَ﴾، أو هو بدلٌ من ﴿يُخْفُونَ﴾، أو استئنافٌ على وجه البيانِ له وهو أجودُ؛ أي: يظهِرون: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ سؤالَ المؤمنينَ المسترشِدينَ، ويقولُون في أنفُسِهم، أو بعضُهم لبعضٍ مبطِنين (^٥).
﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ منكرينَ لقولك: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ نفاقًا؛ أي: لو كان الأمرُ كما قال محمد: إن الأمرَ كلَّهُ للّهِ ولأوليائهِ، وإنهم هم
_________________
(١) في (د): "بدل".
(٢) في هامش (ح) و(د): "وكون الأمر للّه تعالى كناية عن كونه لخواصه لكونهم بمكان من اللّه تعالى".
(٣) في (ك): (والإظفار).
(٤) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ٩١).
(٥) من قوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ إلى هنا، فيه تخليط في الإعراب بين قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. انظر لتوضيح ذلك "الكشاف" (١/ ٤٢٨)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٤).
[ ٢ / ٤٠٩ ]
الغالبونَ، ما غُلِبنا قط، وما قُتلَ من قُتلَ من المسلمين في هذِهِ المعركةِ.
﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾: قضائهم (^١)؛ أي: لخرج (^٢) الذين قدَّرَ اللّه عليهم القتلَ وكتبَ في اللوح المحفوظِ إلى مصارِعهم، ولم ينفَع الإقامةُ بالمدينةِ، ولم ينجُ منه أحدٌ منهم، لا (^٣) لأن العلمَ الأزليَّ ملجئهم إليهِ ويلزمُهم ذلكَ؛ لأن العلمَ تابعٌ للمعلومِ فلا تأثيرَ لهُ فيهِ، بل لأنَّ اللهَ تعالى قدَّرَ الأمورَ ودبَّرَها في سابقِ قضائهِ ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] (^٤).
﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾: وليَمتحِن ما في صُدورِكم ويُظهرَ سرائرَها من الإخلاصِ والنفاقِ، وهو علةٌ محذوفٍ؛ أي: وفَعَل ذلكَ ليبتلي (^٥)، أو عطفٌ على محذوفٍ؛ أي: ليبرز لمصالح (^٦) جمةٍ وللابتلاءِ.
﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ من وساوس الشيطان.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: من الظنونِ والعزائمِ، وفيهِ وعدٌ ووعيدٌ، وتنبيهٌ على أنه تعالى غنيٌّ عن الامتحانِ، وإنما فعلَ ذلك ليَميزَ المؤمنين، ويُظهِرَ حالَ المنافقين.
* * *
_________________
(١) "قضائهم "من (ف) و(م).
(٢) في (ك) و(م): "يخرج".
(٣) في (ف): "لا".
(٤) في هامش (د) و(ف): "وأما نفاد القضاء فلا يصلح علة للكائن وإلا يلزم الجبر. منه".
(٥) في (د): "يبتلي".
(٦) في (ف) و(م): "ليبرز بمصالح".
[ ٢ / ٤١٠ ]
(١٥٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ يعني: إنَّ الذين انهزمُوا يوم أحدٍ كان السببُ في تولِّيهم أن الشيطانَ طلَبَ منهم الزللَ فأطاعُوه فاقترفوا ذنوبًا؛ فلذلكَ منعهم اللّهُ التأييد بالنصرِ وتقويةِ القلوب حتى تولَّوا.
وقيلَ: استزلالُ الشيطان إياهُم هو التولِّي، وإنما دعاهُم إليه بذنوبٍ قد تقدَّمت لهم؛ لأن الذنبَ يجرُّ إلى الذنبِ كما أن الطاعة تجرُّ إلى الطاعةِ.
وقيلَ: بعضُ ما كسبوا هو تركُهم المركزَ الذي أمرَهُم رسولُ اللّه ﷺ بالثباتِ فيه، فجرَّهم ذلك إلى الهزيمةِ.
وقيل: ذكَّرَهم (^١) تلك الخطايا فكَرِهوا لقاءَ اللّهِ تعالى معها، فأخَّروا الجهادَ حتى يُصلِحوا أمرَهم، ويجاهِدوا على حالٍ مرضيَّةٍ.
﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ لتوبتِهم واعتذارِهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ للذنوبِ ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بعقوبةِ الذنبِ كي يتوبَ.
* * *
(١٥٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: المنافقين.
_________________
(١) أي: الشيطان.
[ ٢ / ٤١١ ]
﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ لأجلِهم، والمرادُ بالأخوَّةِ: الصداقةُ، أو الاتفاقُ في النسبِ أو المذهبِ.
﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: سافروا فيها، وأَبعدوا للتجارةِ وسائر المهامِ، و﴿إِذَا﴾ بعد ﴿وَقَالُواْ﴾ لمجرَّدِ الظرفيَّةِ على حكايةِ الحال الماضيةِ.
﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾: أو نهضوا للغزاء (^١). غُزَّى جمعُ غازٍ، كعُفًّى جمعُ عافٍ.
﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾: مفعول (قالوا)؛ أي: لو لم يخاطِروا لعاشوا، وهو يدلُّ على أن إخوانهم قد فأتوا بعدَ أن غابُوا عنهُم (^٢).
﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: قالوا ذلك معتقِدين ليكونَ حسرةً في قلوبهم، على أن اللامَ للعاقبةِ، ويجوزُ أن تتعلَّقَ بالنهيِ؛ أي: لا تكونوا مثلَ الكُفَّارِ في النطقِ بذلك القولِ واعتقابٍ ليجعلَهُ اللّهُ تعالى حسرةً في قلوبهم خاصةً، ويَصون قلوبكُم منها.
ويجوزُ أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةً إلى ما دل عليه النهيُ؛ أي: لا تكونوا مثلَهم ليجعَلَ اللّهُ انتفاءَ كونكم مثلَهم حسرةً في قلوبهم؛ لأن مخالفتكُم إياهم في قولهم واعتقادِهم مما يَغيظُهم ويُغِمُّهم.
﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ردٌّ لقولهم (^٣)، وتخطئةٌ لعقيدتهم؛ أي: الأمرُ بيدِه، قد يُحيي المسافرَ والغازي، ويميتُ المقيمَ والقاعدَ، وبالعكس، كما يشاء.
_________________
(١) في (م): "للقراء". وفي (ف): "القراء".
(٢) في هامش (د) و(ف): "عبارة القاضي: لم يكونوا مخاطبين به، ولا وجه له لأنَّه ظاهر لا حاجة إلى الدليل. منه".
(٣) في هامش (ح) و(ف): "عدل في الجواب إلى الجملة الاسمية للدوام والتخليد. منه".
[ ٢ / ٤١٢ ]
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: تهديدٌ لهم على أن يماثِلُوهم، وعلى القراءةِ بالياءِ (^١) وعيدٌ للكفار.
صدَّرَ الجملتين بالقسمِ للتأكيدِ والتحقيق.
* * *
(١٥٧) - ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلِّق بالمعطوفين، كما قيلَ في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، فلا حاجةَ إلى تقديره بعدَ قوله: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾.
وقرئ بكسرِ الميمِ (^٢) من مات يمات، وتقديمُ القتلِ لأنَّه الغالبُ في الجهادِ بخلاف غيره، ولهذا أُخِّرَ فيما يأتي، ثم إن المقتولَ أحقُّ بالمغفرةِ وأجدَرُ، والميتُ في الحشر أكثرُ (^٣)، فتدبَّرْ.
﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: جوابُ القسمِ، وسادٌّ مسدَّ جواب الشرطِ، وعدَلَ في الجواب إلى الجملة الاسميةِ للدوامِ والتخليدِ. وتنكيرُ (مغفرةٌ) للتعظيمِ، وكذا تنكيرُ ﴿وَرَحْمَةٌ﴾.
كذَّبَ الكافرين أولًا في زعمِهم، وخطَّأهُم في اعتقادهم، ونهى المسلمين عن ذلك لكونه اعتقادًا باطلًا موجِبًا للتقاعدِ عن الجهادِ، ثم قالَ: ولئن وقعَ ما تحذَرُونه
_________________
(١) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي من السبعة بالياء، والباقون بالتاء، انظر: "التيسير" (ص: ٩١).
(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم بضم الميم، والباقون بكسر الميم، انظر: "التيسير" (ص:٩١).
(٣) يشير إلى ما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾.
[ ٢ / ٤١٣ ]
فإن ما تنالُونه من المغفرةِ والرحمةِ والثوابِ العظيم خيرٌ مما تجمعون مِن منافعِ الدنيا لو لم تموتوا (^١).
* * *
(١٥٨) - ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾: على أيِّ وجهٍ اتَّفقَ هلاكُكم.
﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾: لإلى معبودكُم الذي توجَّهتُم إليه وبذلتُم مهجتكم لأجلِه لا إلى غيرِه لا محالةَ تُحشَرون، فيُوفِّي جزاءَكم، ويُعظِمُ ثوابَكم، ولوقوعِ اسم اللّه هذا الموقعَ مع تقديمهِ شأنٌ لا يخفى، ولذلكَ عدل عن (^٢) الضميرِ إليه (^٣).
* * *
(١٥٩) - ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾: (ما) مزيدةٌ للتوكيدِ، وتقديم الظرفِ للدلالة على أنَّ لينَهُ لهم ما كان إلا برحمةٍ من اللّهِ تعالى.
وتنكيرُ ﴿رَحْمَةٍ﴾ للتعظيمِ؛ أي: بحظٍّ وافرٍ لك من رحمةِ اللّه تعالى لنتَ لهم
_________________
(١) في هامش (د) و(ف): "وأما أن السفر والغزاء مما يجلب الموت ويقدم الأجل فليس من معنى هذا الكلام، بل هو مما يشير إليه بقوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ على ما نبهت عليه فيما تقدم. منه".
(٢) في (ف): "من".
(٣) في هامش (د) و(ف): "أراد إن اللّه لما كان اسم الذات المشتمل على جميع أسماء الصفات كان في معرض الوعد دالًّا على جميع - الأسماء المشتملة - على الرحمة واللطف كما أن في معرض الوعيد بالعكس، وليكن هذا الأصل ملحوظًا في جميع مواقع هذا الاسم الكريم. منه".
[ ٢ / ٤١٤ ]
وتلطَّفتَ، وما عيَّرتهم على مخالفةِ أمركَ، وتركِهم إياك بينَ الكفارِ، بل واسيتَهم بالغمِّ واغتمَمتَ لأجلِهم.
والفاءُ للترتيبِ على ما دلَّ عليه سياقُ الكلام مِن أنهم كانوا مستحقِّين للعتابِ البليغِ، وأن المرجوَّ منهُ ﵇ على ما هو مُقتضى الطبعِ البشري أن يعنِّفَ عليهم، ويُغلِظَ في مخاطبَتهم.
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ الفظُّ: الجافي الخشِنُ الخلُقِ ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾: قاسيَهُ ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾: لتفرَّقوا عنك، ولم يسكُنوا إليكَ.
ولما بيَّنَ فائدةَ حسنِ الخُلقِ واَفةَ القلبِ رتَّبَ عليهِ الأمرَ بقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ فيما يختصُّ بحقِّكَ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فيما يختصُّ بحقِّ اللّه إتمامًا للرأفة بهم.
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾؛ أي: في أمرِ الحرب وغيرِه مما لم ينزِل عليك فيهِ وحيٌ؛ لِمَا في مشاورَتهم من الرفعِ في أقدارهم، وتطييبِ قلوبهم، والاستظهارِ برأيهم.
وعن الحسنِ: قد علمَ اللّهُ تعالى أنه (^١) ما به إليهم حاجةٌ، ولكنه أراد أن يَستنَّ به مَن بعده (^٢).
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾: فإذا قطعتَ الرأيَ على شيءٍ بعدَ الشورى. والفاء التعقيبيةُ للدلالةِ (^٣) على أنَّ حقَّ المشاورة أن ينتهي إلى العزمِ على أحد الأمرَين، ولا يبقى في التردُّدِ بينَهما.
_________________
(١) في النسخ عدا (م): "أن" والمثبت من (م).
(٢) كذا أورده الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٤٢٢) عن الحسن، وفي "تفسير الطبري" (٦/ ١٩٠) ما يدل على أن هذا من كلام الطبري لا من كلام الحسن، قاله الطبري بعد أن روى عن الحسن قوله: مَا شاوَرَ قومٌ قَطُّ إِلَّا هُدُوا لأَرْشَدِ أمورهم.
(٣) في (د): "للتعقيبية وللدلالة" وفي (ف): "للتعقيبية والدلالة".
[ ٢ / ٤١٥ ]
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: في إمضاءِ أمرِكَ على ما هو الأرشدُ الأصلحُ؛ فإنهُ لا يعلمُه سواه.
وقرئ: (فإذا عَزَمْتُ) (^١) على التكلُّمِ؛ أي: فإذا عزمتُ لك على شيءٍ وعيَّنتُه لكَ فتوكَّل عليَّ (^٢) ولا تشاوِر فيه أحدًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾؛ أي: يرضَى عملَهم ويهدِيهم إلى الأصلَحِ وينصُرُهم (^٣).
* * *
(١٦٠) - ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ كما نصرَكُم يومَ بدر.
﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾: فلا يغلِبُكم أحدٌ.
﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾؛ أي: إن يتركْ (^٤) نُصرتَكُم كما تركها يوم أحدٍ.
﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: مِن بعد خُذلانِه، أو: من بعدِ اللّه، بمعنى:
_________________
(١) تنسب لجعفر الصادق وغيره. انظر: "المحتسب" (١/ ١٧٦)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٣).
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "على الله".
(٣) في هامش (ف): "هذا مندرج [مقدر] في المعنى المراد من محبته تعالى للمتوكلين، فلا حاجة أوجه، للفاء الواقع في كلام القاضي. منه". ومثله في (د) باختلاف يسير وضعناه بين معكوفتين. وفي "تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٥): ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح). فلعل المراد الفاء التي في قول القاضي: (فينصرهم).
(٤) في (د): "ترك".
[ ٢ / ٤١٦ ]
إذا جاوَزْتُموه (^١) تعالى، مِن قولهم: ليسَ لكَ من يُحسن إليكَ مِن بعد فلانٍ، وهو تنبيهٌ على المقتضِي للتوكلِ عليه تعالى، وتحريضٌ على ما يُستحَقُّ به النصرُ، وتحذيرٌ عما يَستجلِبُ خذلانَه.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: لما علِموا أن لا ناصرَ لهم سواهُ (^٢) فليخصُّوهُ بالتوكُّلِ عليهِ والتفويضِ إليهِ.
وفي عبارةِ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ إشارةٌ إلى وجهٍ يؤيِّدُ التخصيصَ المذكورَ، وهو أن الإيمان الحقيقيَّ يقتضي رؤيةَ فناءِ القِوى والقُدَرِ كُلِّها في قوَّتهِ تعالى وقُدرَته، فلا ناصِر سواهُ.
* * *
(١٦١) - ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ﴾: وما صحَّ ﴿لِنَبِيٍّ﴾ منَ الأنبياءِ ﵈، فكيفَ لمن هو أفضلُ الرسلِ؟
﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ الغُلولُ: أخذُ المال من الغنيمةِ في خفاءٍ.
فقِدَت قَطيفةٌ حمراءُ من الغنائمِ يوم بدرٍ؛ فقالَ بعضُ مَن كانَ مع النبيِّ ﷺ: لعلَّ رسولَ اللّه ﷺ أخَذَها، فنزَلَتْ (^٣).
_________________
(١) في النسخ: "جاوزته"، والمثبت من"تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٥).
(٢) في هامش (د) و(ف): "وأما قول القاضي: [لما علموا أن لا ناصر لهم سواه، وآمنوا به، فلا مساس له للمقام. منه". وما بين معكوفتين زدناه من كلام القاضي للتوضِيح.
(٣) رواه أبو داود (٣٩٧١)، والترمذي (٣٠٠٩)، والطبري في "التفسير" (٦/ ١٩٤) من طريق خصيف عن مقسم عن ابن عباس ﵄. قال الترمذي: حسن غريب .. وروى بعضهم هذا الحديث عن خصيف عن مقسم ولم يذكر فيه: عن ابن عباس.
[ ٢ / ٤١٧ ]
وقائلُ ذلكَ مؤمنٌ لم يظنَّ في ذلك حرجًا (^١)، برَّأهُ اللّهُ تعالى من ذلك، ونزَّههُ ونبَّهَ على عصمته ﵇ بأنَّ النبوةَ والغُلولَ متنافيان، لئلا يَظنَّ ظانٌّ في حقهِ شيئًا منه، ولا يستريبَ أحدٌ.
وقرئ: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ على البناءِ للمفعولِ (^٢)؛ والمعنى: وما صحَّ له أن يُوجَد غالًّا، أو أن يُنسبَ إلى الغلولِ.
﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يأتِ بالشيء الذي غلَّهُ بعينه فيُفتضَح به على رؤوس الخلائق (^٣)، وهذا ما يقتضيه مساق الكلام، وأمَّا حملُه على عنقه (^٤) كما وردَ في بعضِ الأحاديثِ، فغيرُ منظورٍ إليه في هذا المقامِ (^٥).
ثم إنهُ مخصوصٌ بما لَهُ ثقلٌ على ما يُفهَمُ من قوله ﵇ لأبي هريرةَ ﵁: "لا تخبَئنَّ من أميركَ (^٦) شيئًا من الغنائم، إذًا تخرج يوم
_________________
(١) هذا رد على الزمخشري ومتابعيه - كالبيضاوي والآلوسي - في جعل القائل منافقًا. انظر: "الكشاف" (١/ ٤٣٤)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٦)، و"روح المعاني" (٥/ ١٠٠).
(٢) هي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ٩١).
(٣) في هامش (د) و(ف): "والصرف عن ظاهره قائلًا: إن المراد وباله وتبعته، يرده نصوص الأحاديث. منه".
(٤) قوله: "فيفتضح به على رؤوس الخلائق وهذا ما يقتضيه مساق الكلام وأما حمله على عنقه" من (م).
(٥) لعله يريد حديث أبي هريرة الطويل في البخاري (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١)، وأوله: قام فينا رسول اللّه ﷺ ذات يوم، فذكر الغلول فعظمه، وعظم أمره، ثم قال: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله ﷺ، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك" الحديثَ. ولا أدري لم هو غير منظور إليه مع التصريح فيه بأمر الغلول.
(٦) في (ف) و(م): "أمرك".
[ ٢ / ٤١٨ ]
القيامة وهو متعلق (^١) بثيابك ولو كانت إبرةً" (^٢).
فلا اتِّجاه لما نُقِلَ عن بعضِ حفاةِ الأعرابِ: أنه سرق نافجةَ مسكٍ، فتُلِيت عليهِ الآيةُ فقالَ: إذًا أحملُها طيِّبةَ الريح خفيفةَ المحمَلِ (^٣).
﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾: تُعطى جزاءَ ما كسبَت وافيًا.
كانَ الظاهرُ (^٤) أن يقالَ: ثم يوفَّى ما كسبَ؛ ليتَّصِلَ بقوله: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ لفظًا، وإنما عدَلَ عنهُ وعمَّمَ ليدخلَ تحته دخولًا أوليًّا، فيكونَ أبلَغَ وأثبَتَ بالبرهانِ؛ لأنَّه (^٥) لمَّا عَلم الغال أن كلَّ نفسٍ يُوفَّى (^٦) جزاءَ مكسوبهِ خيرًا كانَ أو شرًا، علِمَ أنهُ غيرُ متخلِّصٍ من بينِهم مع عِظَمِ ما كسبَ، فاتصَل به معنىً.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فلا ينقُصُ ثوابُ مطيعِهم ولا يُزادُ في عقابِ عاصيهم.
ولما عمَّمَ كل كاسبِ خيرٍ وشرٍّ، وكِلَا المتنافيَين من النبيِّ والغالِّ، فقالَ مُنكِرًا:
* * *
_________________
(١) في (ك) و(م): "معلق".
(٢) لم أجده بهذا اللفظ، وانظر حديث أبي هريرة السابق، وفي "تفسير الطبري " (٦/ ٢٠٧): قال قَتادةُ: كانَ النَّبي ﷺ إِذَا غَنِمَ مَغْنَمًا بَعَثَ مُنَادِيًّا: "أَلَا لا يَغُلَّنَّ رجلٌ مِخْيَطًا فما دُونَهُ، أَلا لا يَغُلَّنَّ رجلٌ بَعِيرًا فيأتي به على ظَهْرِه يومَ القيامةِ له رُغَاءٌ، أَلا لا يَغُلَّنَ رجلٌ فَرَسًا فيأتي به على ظَهْرِهِ يومَ القيامةِ له حَمْحَمَة".
(٣) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٤٣٤). وجاء في هامش (د) و(ف): "أما عدم اتجاهه على الآية فظاهر، وأما عدم اتجاهه على الحديث فلما نبهت عليه من أن الحمل مخصوص بما له ثقل. منه".
(٤) في هامش (د) و(ف): "عبارة القاضي: وكان اللائق، ولا يخفى أنها ليست لائقة لمقامها. منه".
(٥) "لأنَّه" ليست في (د).
(٦) في (د): "موفى".
[ ٢ / ٤١٩ ]
(١٦٢) - ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ بهمزةِ الاستفهامِ، مُبالغًا بإيرادها على الفاءِ العاطفةِ ما بعدها على مقدَّرٍ دلَّ عليهِ ما قبلَها، مؤكِّدًا بها المنافاةَ بينَ النبيِّ والغالِّ، كأنهُ قالَ: أيغلُّ النبيُّ؟ فمَن اتبعَ رضوانَ اللّهِ بالطاعةِ؛ يعني النبيَّ ومَن تابعَهُ (^١) ﴿كَمَنْ بَاءَ﴾: رجعَ ﴿بِسَخَطٍ﴾ عظيم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بالعصيانِ؛ كالغالِّ ومَن دان بدينِه.
﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: الفرقُ بينَهُ وبين المرجعِ: أن المرجِعَ هو انقلابُ الشيء إلى حالٍ كانَ عليها، والمصيرُ انقلابُه إلى خلافِ الحالِ التي كان عليها (^٢).
* * *
(١٦٣) - ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ تشبيهٌ بليغٌ؛ أي: هم متفاوتون كما تتفاوتُ الدرجاتُ.
وقيلَ: على حذفِ المضافِ؛ أي: هم ذوو درجاتٍ.
وإنما قالَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: تعظيمًا للتفاوتِ.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: عالمٌ بأعمالهم، فيجازِيهم على حسَبِها.
* * *
(١٦٤) - ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
_________________
(١) في هامش (د) و(ف): "بهذا التفصيل تبين ما في الكشاف وتفسير القاضي من القصور. منه".
(٢) في هامش (د) و(ف): "فالقاضي لم يصب في قوله: ولا كذلك المرجع؛ لأن المفهوم منه عموم المرجع وخصوص المصير. منه". وفيه أيضًا: "وأما مرجع العباد إلى اللّه تعالى فلأنهم يتقبون إلى حال لا يملكون لأنفسهم شيئًا كما كانوا قبل ما يكونوا. منه".
[ ٢ / ٤٢٠ ]
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، خصَّهم بالذكرِ لأنهم هم المنتفِعونَ بمبعثهِ ﵇، والمنةُ هنا الإنعامُ.
وقرئ: (لَمِنْ مَنِّ اللّهِ) (^١) على أنه خبرُ محذوفٍ، مثلَ: مَنُّه، أو: بعثتُه.
و[لا] (^٢) يجوزُ أن يكون ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ بَعَثَ﴾ في محلِّ الرفعِ بأنه مبتدأٌ؛ أي: وقتُ بعثتهِ لمِن منِّ اللهِ؛ لأنَّ العربَ لم تستعمِل (إذ) متصرِّفةً.
قالَ أبو علي الفارسيُّ (^٣): لم تَرِدْ (إذ) و(إذا) في كلامِ العربِ إلا ظرفَين، ولا يكونان فاعلَين ولا مفعولَين ولا مُبتدأين.
وإنما قالَ: ﴿فِيهِمْ﴾ لأنهم كانوا عرفوا مولِدَه ومنشأهُ، وصدقَهُ وأمانَتهُ، وطهارةَ أخلافِ، فاندفَعَ بذلكَ كثيرٌ من الخواطر (^٤).
﴿رَسُولًا﴾ التنكيرُ للتعظيم ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: مِن جنسهم عربيًّا مثلَهم، يسهُلُ عليهم أخذُ ما يجب أخذُه عنه لاتفاقهم في اللسانِ (^٥).
وقيلَ: مِن نَسبِهم؛ يعني: مِن ولَدِ إسماعيلَ ﵇ كما أنهم مِن ولد، وكلما كانت الجنسيةُ أكثرَ كان المنُّ أوفرَ؛ لمناسبَتهم إياهُ وسهولةِ قَبولهم منهُ، وعلى
_________________
(١) نسبت لعيسى بن سليمان. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص:٢٣)، و"الكشاف" (١/ ٤٧٧)، و"البحر المحيط" (٦/ ٢٦٢).
(٢) زيادة يفتضيها السياق. انظر: "البحر المحيط" (٦/ ٢٦٢) وانظر التعليق الآتي.
(٣) نقله أبو حيان في "البحر المحيط" (٦/ ٢٦٢) في معرض الاستدلال على فساد ما ذهب إليه الزمخشري في شرح قراءة عيسى بن سليمان من القول بكون ﴿إِذْ﴾ مبتدأ.
(٤) في (ك): "الخطر".
(٥) في هامش (د) و(ف): "ومن وهم أنه فائدة قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فقد وهم لأنَّه ﵇ لو كان مولده ومنشؤه في بلد آخر لم تحصل تلك الفائدة. منه".
[ ٢ / ٤٢١ ]
هذا يكون المرادُ: مَن آمن من قومِه ﵇، وتخصيصُهم بالمنِّ لزيادة انتفاعِهم ببعثِه ﵇.
وعلى كلا الوجهَين لا اختصاصٍ لمَن آمَن معه ﵇.
والوجه عندي هو الأول (^١)، لقولِه تعالى في موضعٍ آخرَ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: ٢]، والقراَنُ يفسِّرُ بعضُه بعضًا (^٢).
وقرئ: (مِن أنْفَسِهِمْ) (^٣)؛ أي: (^٤) من أشرَفِهم؛ لأنهُ ﵇ كانَ مِن أشرفِ شعوبِ العرب وأفخاذِهم (^٥).
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾: من الوحي المتلوِّ (^٦) بعد ما كانوا أهل (^٧) جاهليةٍ لم يطرُق أسماعَهم شيءٌ من الوحي.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ مِن دنَس الكفرِ والخبائثِ، وغواشي الطبيعةِ والرذائلِ.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: القرآن والسنَّة الشاملة لأقسام الحكمة.
_________________
(١) في هامش (ف): "لا كما توهم القاضي. منه".
(٢) من قوله: "والوجه عندي .. إلى .. بعضه بعضا": ليست في (ك) و(م).
(٣) قال ابن خالويه: روي عن النبي ﷺ، وعن فاطمة ﵂. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص:٢٣)، و"الكشاف" (١/ ٤٧٦).
(٤) (أي) ليست في (د).
(٥) في هامش (د) و(ف): "أول العشيرة الشعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، كذا قال الجوهري، فذكرُ الشعوب والأفخاذ أولى من ذكر القبائل والبطون كما لا يخفى. منه".
(٦) في هامش (د) و(ف): "هذا أعم من القرآن لانتظامه منسوخ التلاوة. منه ".
(٧) "أهل" سقط من (ف) و(ك).
[ ٢ / ٤٢٢ ]
و(إنْ) في قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وهي المخفَّفةُ منَ الثقيلةِ، و﴿مِنْ قَبْلُ﴾ مبنيٌّ على الغايةِ، واللام هي الفارقةُ؛ أي: وإن الشأن كانوا مِن قبل بعثته في ضلالٍ ظاهرٍ لا شُبهةَ فيهِ، وهو بيان لشدةِ احتياجِهم إلى نبيٍّ يرشِدُهم (^١)، وإزاحةٌ لمَا يُتوهَّمُ أنه ﵇ تعلَّمَ ذلك من معلِّمٍ.
* * *
(١٦٥) - ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾: ما أصابهم يومَ أحدٍ من قتلِ سبعين منهم.
﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾: يومَ بدرٍ من قتلِ سبعين وأسرِ سبعين، والهمزةُ لتقريرِ القولِ والتقريع.
و(لمَّا) نصبٌ بـ ﴿قُلْتُمْ﴾ في قولِه: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾، و﴿أَصَبْتُمْ﴾ في محلِّ الجرِّ بإضافةِ (لمَّا) إليهِ، وتقديرُه: وقلتم (^٢) حينَ أصابتكُم. و﴿أَنَّى هَذَا﴾ نصبٌ (^٣) على أنهُ مقولُ: ﴿قُلْتُمْ﴾.
والواو عاطفةٌ للجملةِ على قصةِ أحدٍ من قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أو على محذوفٍ؛ أي: أفعلتُم وقلتُم حينئذٍ أنى هذا؛ أي: مِن أين هذا؟!
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: استوجَبْتم لِمَا أصابكُم بسببٍ ناشئ من عند أنفسكم، فأنزلَ اللّه بكم ذلكَ، فلا ينافي كونَه من (^٤) عندِ اللّهِ؛ أي: السببُ العاديُّ
_________________
(١) في (ف): "يرشد".
(٢) كذا في النسخ، والذي في "الكشاف" (١/ ٤٣٦)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٧): "أقلتم".
(٣) في (م): "تغييب"، وسقطت من باقي النسخ، والتصويب من "الكشاف" (١/ ٤٣٦).
(٤) "من" سقط من (ف) و(م).
[ ٢ / ٤٢٣ ]
أنتُم؛ لتَخْلِيَيكُم المركز وميلِكم إلى الغنيمةِ، فإِنَّ وعدَ النصرِ كان مشروطًا بالثباتِ والمطاوعةِ.
وأما اختيارُ الخروجِ من المدينة فبعيدٌ؛ لأنَّ اللّه تعالى وعدَهم النصرَ بعد ذلكَ بشرطِ الثباتِ، واختيارُ الفداءِ يوم بدرٍ أبعَدُ منه.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: فهو قادرٌ على النصرِ، وعلى منعهِ، وعلى أن يصيبَ بكم (^١) تارةً، ومنكُم أُخرى، ولا تأثيرَ للأسباب العاديةِ؛ ففيهِ دفعُ وهمِ العجزِ عن نصرِهم عند عدمِ شرطِ الثباتِ.
* * *
(١٦٦ - ١٦٧) - ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾.
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: جمعِ المسلمين وجمعِ المشركين يومَ أحدٍ.
﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: فهو كائنٌ بتخليةِ الكفارَ، سماها إذنًا لأنها من لوازِمه.
﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطفٌ على (بإذن اللّه)، والباءُ واللامُ كلاهما للسببِ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾؛ أي: وليتميِّزَ المؤمنونَ والمنافقونَ، فيظهرَ إيمانُ هؤلاء وكفرُ هؤلاء (^٢).
﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ عطفٌ على ﴿نَافَقُوا﴾ داخلٌ في الصلةِ.
﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ قسَمَ الأمرَ عليهم بينَ أن يقاتلُوا كما يقاتلُ
_________________
(١) في (ف): "منهم" والمثبت موافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٧).
(٢) في هامش (د) و(ف): "وقد مر في تفسير هذه السورة وجه التعبير عن التمييز بالعلم. منه".
[ ٢ / ٤٢٤ ]
المؤمنون، وبينَ أن يقاتلوا دفعًا عن (^١) أنفسِهم وأهلِهم وأموالِهم إن لم يكُن لهم همٌّ في اللهِ وفي الآخرةِ.
﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ أبوا القتلَ (^٢)، وجحدُوا القدرةَ عليه رأسًا لنفاقِهم، على ما رويَ: أنَّ عبدَ اللّه بن أبيٍّ انخزَلَ مع حلفائه، فقيلَ لهُ فقالَ ذلك (^٣).
ويجوزُ أن يكونَ المعنى: لو نعلم ما يصِحُّ أن يُسمَّى قتالًا لاتَّبعناكم فيهِ، لكن ما أنتم عليه ليس بقتالٍ، بل إلقاءٌ بالنفس إلى التهلكةِ، يريدُ تخطئةَ رأيهم؛ لأنَّ رأيَهُ كان في الإقامة بالمدينةِ.
أو ادفعوا العدوَّ بتكثيركم سوادَ المجاهدين وإن لم تقاتلُوا؛ لأن كثرةَ السوادِ مما يردع العدوَّ ويكسِرُ قلبَه.
بقي هاهنا شيءٌ؛ وهو أنَّ مُقتضى تركيبِ الكلام على الوجهِ الأولِ أن يُعطَفَ: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا﴾ على ﴿نَافَقُوا﴾ بالفاء، وإنما أُخرِجَ مخرجَ الاستئناف على أنهُ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ (^٤) اقتضاه دعاءُ المؤمنين إياهُم إلى القتالِ، فأخَّرَه عن الدعاءِ؛ كأنه قيلَ: فماذا قالوا؟ فقيلَ: قالوا: لو نعلَمُ، لينبِّهَ على ظهورِ أمارة النفاقِ منهم لتثبُّطِهم وتعلُّلِهم بعد الدعاءِ الذي كان يجِبُ عليهم إجابته.
ويجوزُ أن يقتصِرَ الصلةُ على ﴿نَافَقُوا﴾، ويكونَ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ كلامًا مبتدأَ عطفًا على جملةِ: (وما أصابكم فبإذن اللّه).
_________________
(١) في (ف) و(ك): "من".
(٢) قوله: "القتل" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (القتال) بدلالة التنزيل والسياق وكلام المفسرين كالزمخشري والبيضاوي.
(٣) رواه الطبري في "التفسير" (٦/ ٢٢٢) من طريق ابن إسحاقَ عن جمع من مشايخه منهم الزهري.
(٤) "مقدر" من (ف).
[ ٢ / ٤٢٥ ]
﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ لانخزالهم وقولهم هذا، فإنهما أوَّلُ أماراتٍ ظهرَت منهم مؤذِنةً بكفرِهم.
والظروفُ كلُّها متعلقةٌ بـ ﴿أَقْرَبُ﴾ لِمَا فيها من الاتساعِ، لكنَّ تعلقَ الكفر (^١) باعتبارِ الزيادةِ، وتعلُّقَ الإيمان (^٢) من حيثُ المفعوليةُ؛ كأنه قيلَ: قربُهم من الكفرِ يزيدُ على قربهم من الإيمانِ.
وصلة القرب تكون (من) أو (إلى)، وتقولُ العربُ: يقرُبُ منهُ وإليهِ، ولا تقولُ: لهُ. فاللامُ بمعنى إلى.
وقيلَ: هُم لأهل الكفرِ أقرَبُ نصرةً منهم لأهلِ الإيمانِ إذ كان انخزالهم (^٣) تقويةً للمشركينَ وتخذيلًا للمؤمنين.
﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾: يُظهِرون خلاف ما يضمِرون لا يواطئ قلوبُهم ألسنَتهم بالإيمانِ.
والعربُ تستعمِلُ القولَ في غير الكلامِ فتقولُ: قال بيدِهِ؛ أي: أهوى بها، وقالَ برأسِه؛ أي: أشارَ (^٤)، فقولُه: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ لتخصيصِ القول بالكلامِ، وإيثارُ الأفواهِ على الألسنةِ لأنها أوسعُ دائرةً، فإن من الحروفِ ما لا دخلَ في تلفُّظِه للِّسانِ.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾: من النفاقِ، وتجهيلِ المؤمنين، وتخطئةِ رأيهم، وذمِّهم فيما بينَهم، والشماتةِ بهم، وغير ذلك.
_________________
(١) في (د): "للكفر".
(٢) في (د): "للإيمان".
(٣) في هامش (د) و(ف): "في كلام القاضي: [انخزالهم] ومقالهم، ولا وجه له. منه". وما بين معكوفتين زدناه من كلام القاضي للتوضيح.
(٤) في هامش (د) و(ف): "مذكور في الأساس. منه".
[ ٢ / ٤٢٦ ]
وإنما قالَ: ﴿أَعْلَمُ﴾ لأنهم يعلَمون بعضَ ذلك عِلمًا مجملًا بأماراتٍ، واللّهُ تعالى يعلَمُ كلَّه علمَ إحاطةٍ بتفاصيله وكيفياته.
* * *
(١٦٨) - ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾؛ بدل من ضميرِ ﴿يَكْتُمُونَ﴾ رفِعَ المحلُّ (^١)، أو نصبٌ على الذمِّ، أو رفعٌ عليهِ أي: هم الذين قالوا، أو نصبٌ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، أو جرٌّ بدلٌ من الضميرِ في (أفواهِهم) أو ﴿قُلُوبِهِمْ﴾.
﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾؛ أي: لأجلِهم، يريدُ مَن قتِلَ يومَ أحدٍ من أقاربهم، أو من جنسهم.
﴿وَقَعَدُوا﴾ حالٌ؛ أي: قالوا وقد قعدوا عن القتالِ: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ في القعود ﴿مَا قُتِلُوا﴾ كما لم نُقتَل.
﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ يدلُّ عليهِ:
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تقدِرون دفعَ القتلِ عمن كُتبَ عليه، فادفعُوا عن أنفسكم الموتَ فإنهُ أحرى بكم، يعني: إنَّ القعودَ غيرُ مغنٍ فإنَّ أسبابه شتى، والقتالُ قد يكونُ سببًا للنجاةِ، والقعودُ سببًا للهلاك.
* * *
(١٦٩) - ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ نزلت في شهداء أحد (^٢)، والأبلغُ أن
_________________
(١) قوله: "رفع المحل"، كذا في النسخ، ولعل الأولى: "مرفوع المحل".
(٢) رواه أبو داود (٢٥٢٠) عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسولُ اللّهِ ﷺ: "لما أُصيب إخوانُكم =
[ ٢ / ٤٢٧ ]
يُجعَلَ الخطابُ لكلِّ أحدٍ؛ لأنهُ أمرٌ خطيرٌ يجِبُ أن يبشَّرَ به كل أحدٍ؛ لتتوفَّرَ دواعيهم إلى الجهادِ، وليتيقَّنوا بحسن الجزاء.
وقرئ با لياء (^١)؛ أي: حاسبٌ، وقرئ: بالتشديدِ لكثرة المقتولين (^٢).
﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾؛ أي: بل هم أحياء، وقرئ بالنصبِ على: بل احسبْهم أحياءً (^٣).
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿عِنْدَ﴾ هُنا بمعنى القربِ شرفًا ورتبة.
﴿يُرْزَقُونَ﴾ يعني: في الجنةِ، وهو تأكيدٌ لكونهم أحياء.
* * *
(١٧٠) - ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿فَرِحِينَ﴾ حال من ﴿يُرْزَقُونَ﴾.
﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وهو شرفُ الشهادةِ والفوزِ بالحياة الأبدية، والقربِ من اللّهِ تعالى، والتمتعِ بنعيمٍ معجَّلٍ (^٤).
_________________
(١) = بأحُدٍ جعلَ اللهُ أرواحَهم في جَوْفِ طَيرٍ خُضْر تَرِدُ أنهارَ الجَنةِ: تأكلُ من ثمارِها، وتَأوي إلى قَناديلَ من ذهبٍ مُعلَّقةٌ في ظلّ العرشِ، فلما وجَدُوا طِيْبَ مأكَلِهم ومَشربِهم ومَقِيلِهم، قالوا: من يُبلِّغُ إخوانَنا عنّا أنا أحياءٌ في الجنةِ نُرزقُ، لئلا يَزهَدُوا في الجهاد ولا يَنكُلوا عند الحرب؟ فقال الله تعالى: أَنا أُبلغهم عنكُم"، قال: "فأنزلَ اللّهُ ﷿: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾. وهو في "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٨).
(٢) أي: (يَحسبَنَّ)، وهي قراءة هشام بخلف عنه. انظر: "التيسير" (ص: ٩٢).
(٣) أي: (قُتِّلوا)، وهي قراءة ابن عامر، انظر: "التيسير" (ص: ٩٢).
(٤) نسبها أبو حيان لابن أبي عبلة، وذكرها الزمخشري دون نسبة، انظر: "البحر المحيط" (٦/ ٢٨٣)، و"الكشاف" (١/ ٤٧٩).
(٥) في (د) و(م) زيادة: "الجنة" بعد: "بنعيم"، وفي (ح): "معجلًا".
[ ٢ / ٤٢٨ ]
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾: يسرُّون بالبشارةِ ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾؛ أي: بإخوانهم المؤمنين الذين لم يُقتلُوا فيلحقُوا بهم ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾؛ أي: الذين مِن خلفِهم زمانًا أو رتبةً.
﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ﴾.
والمعنى: أنهم يستبشِرون بما تبيَّنَ لهم مِن حالِ مَن تركوا خلفَهم، وهو أنهم سيلحَقون بهم في أمنٍ وفرحٍ، ورَغَدِ عيشٍ، وفيهِ تحريضٌ لمن بعدَهم على الطاعةِ والجهادِ، والرغبةِ في نيل درجةِ الشهادةِ، وبشارةٌ للمؤمنين بالفوزِ وحسنِ المآبِ، وإحمادٌ لمن يرى نفسَهُ بخيرٍ فيتمنَّى مثلَهُ لإخوانِهِ، ويستبشرُ بهِ لهم.
والآيةُ تدلُّ على أنَّ روحَ الإنسان جسمٌ لطيفٌ لا يفنى بخرابِ البدنِ (^١)، ولا يتوقَّفُ عليه إدراكُه وتألُّمه والتذاذُه، ويؤيدُ ذلك قولُه تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [غافر: ٤٦] وما روى ابن عباسٍ ﵄ أنهُ ﵇ قال: "أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تَرِدُ أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ معلَّقةٍ في ظل العرش" (^٢).
* * *
_________________
(١) في هامش (د) و(ف): "عبارة القاضي: على أن الإنسان غير الهيكل … إلخ، وفيها إخراج البدن عن الإنسان. منه". وزاد في (د): "ولا وجه ". قلت: وعبارة القاضي في "تفسيره" (٢/ ٤٨): (الآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس بل هو جوهر مدرك بذاته لا يفنى بخراب البدن …) إلى آخر ما ذكره المؤلف.
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٨). ورواه أبو داود (٢٥٢٠) بلفظ: "لما أُصيب إخوانُكم بأحُدٍ جعلَ اللهُ أرواحَهم في جَوْفِ طَيرٍ … ". وقد تقدم قريبًا. وله شاهد من حديث ابن مسعود عند مسلم (١٨٨٧). وجاء في هامش (د) و(ف): "ومن أنكر ذلك وأول النصوص بما أول فقد ضل وأضل. منه".
[ ٢ / ٤٢٩ ]
(١٧١) - ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: كرَّرهُ للتأكيدِ، وليعلِّقَ بهِ ما هو بيانٌ لقولهِ: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .. إلخ مِن ذكر النعمةِ والفضلِ، وهو ينفي الحزنَ، وعدمُ ضياع أجرِهم ينفي الخوفَ؛ لأنَّ الأولَ على الواقعِ، والثاني على المتوقَّعِ، ويجوزُ أن يكونَ الأولُ بحال إخوانهم، وهذا بحالِ أنفُسِهم.
وفي تقديمِ الاستبشارِ بحال إخوانهم إرشادٌ إلى مُوجَبِ الصدقِ في الأخوَّةِ الدينيةِ، وهو أن يكونَ صلاحُ حال أخيهِ أهمَّ عندَهُ من صلاح نفسه.
﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ثوابًا لأعمالهم ﴿وَفَضْلٍ﴾: زيادةٍ؛ كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وتنكيرُهما (^١) للتعظيمِ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢) قرئ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ بالفتحِ عطفًا على ﴿وَفَضْلٍ﴾ فيكونُ من جملةِ المستبشَرِ بهِ، وقرئ بالكسرِ (^٣) على أنَّ الجملةَ ابتدائيةٌ على سبيلِ الاعتراضِ للإشعارِ بأن ذلكَ أجرٌ لهم على إيمانهم، وأنَّ مَن لا إيمانَ له أعمالُهُ محبطَةٌ (^٤) لا أجرَ لها، ويعضدُه قراءةُ: (واللّه لا يضيع أجر المؤمنين) (^٥).
* * *
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "وتنكيرها".
(٢) في هامش (د) و(ف): "عبارة القاضي: وأجورهم مضيعة، وفيها أنه لا أجر له فأنى التضييع. منه".
(٣) وهي قراءة الكسائي، والفتح قراءة باقي السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٩١).
(٤) في (د): "محتبطة".
(٥) تنسب لابن مسعود ﵁. انظر: "الكشاف" (١/ ٤٨٠)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٥٤١).
[ ٢ / ٤٣٠ ]
(١٧٢ - ١٧٣) - ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: أجابوا رسولَ اللّه ﷺ، وذكرُ اللّهِ تمهيدٌ لبيانِ أن دعوتَهُ ﵇ دعوةُ اللّه تعالى، فكأنَّ إجابتَهُ إجابةُ اللّه.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ أي: الجرحُ في غزوة أحدٍ وبهم أثرُ ذلك.
ويجوزُ أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ مخصوصًا (^١) نعتًا لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأن يكونَ منصوبًا على المدحِ، وأن يكُون مرفوعًا بالابتداءِ، وخبرُهُ:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ بجملَتِهِ. و(من) للبيانِ، والمقصودُ من ذِكرِ الوصفَين المدحُ والتعليلُ لا التقييدُ؛ لأن المستجيبين كلَّهُم محسنون مُتقونَ.
قيلَ: لمَّا كان اليوم (^٢) الثاني من غزوة أحدٍ، قالَ رسولُ اللّه ﷺ: "رحمَ اللّهُ مَن انتدَبَ لطلب العدوِّ حتى يعلموا أَنَّا لم نُستأصَلْ، وأن فينا بقيَّةً" وقال: "لا يخرُج معنا إلا من شاهدَنا بالأمسِ" فانتدبوا وبهم الجراحُ، حتى بلغُوا حمراء الأسدِ؛ وهي على ثمانيةِ أميالٍ من المدينةِ، وقامَ بها ثلاثة أيامٍ، ثم انصرفوا وقد فاتهمُ العدوُّ فنزلَتْ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (^٣) يعني: الركبَ الذين استقبلَهم من عبدِ قيسٍ، أو نُعَيمَ بنَ مسعودٍ الأشجعيَّ، وأَطلقَ عليه ﴿الناس﴾ لأنهُ من جنسِهِ؛ كما يقالُ: فلانٌ يركَبُ الخيلَ، وما لَهُ إلا فرسٌ واحدٌ. أو لأنهُ انضمَّ إليه الناسُ مِن أهل المدينةِ، وأذاعوا كلامَهُ.
_________________
(١) في (د) و(ك): "محفوظًا".
(٢) في (د): "يوم".
(٣) روى نحوه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٣٢) عن قتادةَ.
[ ٢ / ٤٣١ ]
﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ يعني: أبا سفيانَ وأصحابَهُ، فالمعرفةُ وإن أعيدَتْ معرفةً فليسَ الثاني عينَ الأولِ، ولا اللامُ العهديةُ (^١) إشارةٌ إلى ما ذكِرَ صريحًا، بل إلى ما يعرِفُه المخاطبونَ.
﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ روي أن أبا سفيان نادى عندَ انصرافِه من أحدٍ: يا. محمَّدُ! موعِدنا موسمُ بدرٍ القابلُ إن شئتَ. فقال ﵇: "إن شاءَ اللّهُ" فلما كانَ القابلُ خرَجَ في أهل مكَّةَ حتى نزلَ مرَّ الظهرانِ فأنزَلَ اللهُ الرعبَ في قلبِهِ، وبدا له أن يرجِعَ، فمرَّ به ركبٌ من عبدِ قيسٍ يريدونَ المدينةَ للميرةِ، فشرطَ لهم حملَ بعيرٍ من زبيبٍ إن ثبَّطوا المسلمينَ.
وقيلَ: لقيَ نُعَيمًا وقد قدِمَ معتمرًا فسألَهُ ذلك والتزمَ له عشرًا من الإبلِ، فخرجَ نُعَيمُ فوجدَ المسلمينَ يتجهَّزونَ، فقالَ لهم: أتوكُم في ديارِكم فلم يفلِت أحدٌ منكُم إلا شريدٌ، أفتريدون أن تخرُجوا وقد جمعُوا لكُم؟ ففتَروا، فقالَ ﵇: "والذي نفسِي بيدِه لأخرُجنَّ ولو لم يخرُج معي أحدٌ"، فخرَجَ في سبعين راكبًا وهُم يقولونَ: حسبُنا اللّهُ ونعمَ الوكيلُ (^٢).
﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾: الضميرُ المستكنُّ للمقولِ؛ أي: فزادَهم ذلك الكلامُ، أو
_________________
(١) في (ك): "للعهدية".
(٢) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ١٠١)، و"تفسير الطبري" (٦/ ٢٤٦) وما بعدها، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٠٨)، و"دلائل النبوة" للبيهقي (٣/ ٣١٤)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٩)، وعنه نقل المؤلف. وذكر نعيم بن مسعود في هذه القصة لم يثبت، وإنما انحصرت تسميته نعيمًا في مقاتل وهو متروك. انظر: "موسوعة الحافظ ابن حجر الحديثية" (٤/ ٢١٤)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي" (٣/ ٨٢)، و"روح المعاني" (٥/ ١٣٨).
[ ٢ / ٤٣٢ ]
للمصدرِ؛ أي: فزادَهُم قولُهم، والبارزُ للمقتدين (^١) مع الرسولِ ﷺ لا (^٢) للمقول بهم لِمَا عرفتَ أن أكثرَهم كرِهوا الخروجَ معهُ ﵇.
والمعنى: أنهم لم يلتفِتوا إليه ولم يضعُفوا، بل ثبت به يقينُهم باللّهِ، وازداد إيمانهم (^٣)، وأظهرُوا حميةَ الإسلامِ، وأخلصُوا النيةَ عنده.
وهو دليلٌ على أن الإيمانَ بمعنى التصديقِ يزيدُ وينقصُ، ومَن أنكره قال (^٤): ذلك بحسبِ المتعلَّقِ، أعني: ما يؤمَن بهِ، وأمَّا الإيمانُ الشرعيُّ فدائرة الخلافِ فيهِ واسعةٌ؛ لأن من المخالفينَ مَن قالَ بدخولِ الطاعاتِ فيه، ومنهُم مَن أنكَره (^٥).
﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾: مُحسبنا اللّهُ وكافينا؛ مِن أَحْسَبَهُ: إذا كفاه، والدليل على أنهُ بمعنى المحسِبِ قولُهم: (هذا رجلٌ حسبُكَ) على أنهُ صفةٌ للنكرةِ؛ لكونِ الإضافةِ غيرَ حقيقيةٍ، وهي إضافةُ اسم الفاعل إلى معموله.
﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: ونعم الموكولُ إليه هوَ.
* * *
(١٧٤) - ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿فَانْقَلَبُوا﴾: فرجعوا من بدرٍ الصُّغرى سالمين غانمين وهو ما ذكرَهُ بقولِه:
_________________
(١) "للمقتدين" من (م)، ولم تجود في باقي النسخ، ورسمها قريب من: "للمتبنين".
(٢) "لا" من (م) وسقطت من باقي النسخ، وهذا رد على البيضاوي في قوله: والبارز للمقول لهم.
(٣) في (ف) و(م): "وازدادوا إيمانًا". والمثبت من (ح) و(ك).
(٤) في (د): (فإن).
(٥) في هامش (د) و(ت): "فيه رد لمن لم يفرق بين الإيمانين فخلط الكلام. منه). وفي هامش (ف): "وأما الثبات على الإيمان والزيادة فيه فقد كان حاصلًا قبله. منه".
[ ٢ / ٤٣٣ ]
﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: بنعمةٍ عظيمةٍ؛ وهيَ السلامةُ، وهرب العدوِّ منهم (^١).
﴿وَفَضْلٍ﴾: وهو الربح في التجارةِ، فإنهم لما أتوا بدرًا وافوا بها سوقًا فاتَّجروا وربحوا (^٢).
﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾: ما يسوؤهم من الضررِ؛ بَدنيًّا كانَ أو ماليًّا، والتنكيرُ للتقليل والتحقير (^٣).
﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾: الذي هو مناطُ الفوزِ بخير الدارينِ، بجرأتهم وخروجِهم.
﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾: بتوفيقِهم لما فعلوا، والتفضُّلِ عليهم بسعادةِ الدنيا والآخرة من الربحِ والرِّضوان، وفيهِ تحسيرٌ للمتخلفِ، وتخطئةُ رأيهِ حيث حرَمَ نفسَهُ ما فازوا به.
(١٧٥) - ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ مبتدأٌ خبرُه ﴿الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: إنما ذلكُم المثبِّط (^٤) هو الشيطان، وما بعدَهُ بيانٌ لشيطنتِه (^٥)، أو صفتُه (^٦) وما بعدَهُ خبرُه، وبجوزُ أن تكون
_________________
(١) في هامش (ف): "وأما الثبات على الإيمان والزيادة فيه فقد كان حاصلًا قبله. منه ". وفيه رد على البيضاوي.
(٢) رواه الطبري في "التفسير" (٦/ ٢٥٠) عن مُجَاهِدٍ وابن جريج.
(٣) في (ك) و(م): "والتنكير للتحقير".
(٤) في النسخ عدا (ك): (المشيط) والمثبت من (ك).
(٥) في (ف): "لبيان شيطنته ".
(٦) في النسخ: "وصفته "، والصواب المثبت؛ أي: أو صفة ﴿ذَلِكُمُ﴾. انظر: "الكشاف" (١/ ٤٤٣)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٩).
[ ٢ / ٤٣٤ ]
الإشارةُ إلى قوله على تقديرِ مُضافٍ؛ أي: إنما ذلكُم قول الشيطانِ، يعني: إبليسَ.
﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ القاعدين عنِ الخروجِ مع الرسولِ ﷺ، أو: يخوفكم أولياءَه الذين هم أبو سفيان وأصحابُه.
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ الضميرُ للناسِ الثاني على الأول، وللأولياء على الثاني.
﴿وَخَافُونِ﴾: من مخالفة أمرِي، فجاهِدوا مع رسولي.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإنَّ الإيمانَ يرجِّحُ خوفَ اللهِ تعالى على كلِّ خوفٍ.
* * *
(١٧٦) - ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: يقعونَ فيه سريعًا، ويرغَبون فيهِ أشدَّ رغبةٍ، وهم المنافقونَ وقومٌ من اليهودِ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١] (^١).
والمعنى: لا يحزُنك خوفُ أن يضروك ويُعينوا عليك؛ لقولِه:
﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾؛ أي: لن يضرُّوا أولياءَ اللهِ بتلك المسارعةِ، وإنما يضرُّون بها أنفُسَهم، وإنما أضاف الضررَ إلى نفسِه تشريفًا لأوليائه.
و﴿شَيْئًا﴾ يحتمِلُ المفعولَ والمصدرَ، وتنكيرُه للتحقيرِ.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا﴾: نصيبًا في الثوابِ.
_________________
(١) من قوله: "لقوله تعالى .. " إلى هنا ليس في (ك) و(م).
[ ٢ / ٤٣٥ ]
﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: وهو يدلُّ على تمادي طغيانهم وموتِهم على الكفرِ.
وفي ذكرِ الإرادة إشعار بأن كفرَهم بلغ الغايةَ حتى أرادَ أرحمُ الراحمينَ أن لا يكونَ لهم حظٌّ من رحمتِهِ، أو بأن مسارعتَهم إلى الكفرِ لأنهُ تعالى لم يُرِد لهم أن يكونَ لهم حظٌّ في الآخرةِ.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مكانَ الثوابِ.
* * *
(١٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: تعميم للكفرةِ بعد تخصيصِ المنافقينَ وقومٍ من اليهودِ، فيتناولُهم ويكونُ كالبرهانِ على أن وبالَ كفرهم وضررَهُ لا يعود إلا إليهم، وأن لهم عذابًا مؤلمًا مع عِظَمه.
* * *
(١٧٨) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نصبٌ على المفعوليةِ على قراءة: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاءِ (^١). والخطابُ لكل مَن يحسَبُ، وقد نبَّهتُ فيما سبق على أن هذا أبلَغُ من تخصيص الخطابِ بالرسول ﷺ، وقولُه:
﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾: بدلٌ منه على الاشتمالِ (^٢)، و(ما) مصدريةٌ،
_________________
(١) قرأ ابن عامر وعاصم ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء وفتح السين، وقرأ حمزة بالتاء وفتح السين، والباقون بالياء وكسر السين. انظر: "السبعة" (ص: ٢٢٠)، و"التيسير" (ص: ٨١).
(٢) يعني على القراءة بالتاء، أما على القراءة بالياء ف ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فاعل ﴿يَحْسَبَنَّ﴾، و(أن) وما عملت=
[ ٢ / ٤٣٦ ]
وحقُّها أن تُكتبَ منفصلةً، ولكنها وقعَت في خطِّ الإمامِ متصلةً فاتُّبعَ سُنتُه.
وإنما اقتصَرَ على أحد المفعولَينِ مع امتناعِ ذلك في أفعال القلوبِ؛ لأن الاعتمادَ على البدلِ، والمبدَلُ منه في حكم المنحَّى ليس بمقصود، فالبدلُ وهو (أنَّ) معَ اسمِه وخبرِه ينوبُ عنِ المفعولين، ويجوزُ أن يقدَّرَ مضافٌ، أي: ولا تحسبنَّ حالَ الذين كفروا (^١).
وعلى قراءته بالتاءِ ف ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ رفعٌ على الفاعليةِ.
والإملاء: الإمهالُ وإطالةُ العمرِ، وقيلَ: تخليَتُهم وشأنَهم، مِن: أملى لفرسِه، إذا أرخى لهُ الطِّوَلَ ليرعى كيف شاءَ.
﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾: جملة استئنافية لتعليل الحكم السابقِ، و(ما) كافةٌ، واللامُ للتعليلِ، فإن القائلينَ بأن الخيرَ والشرَّ بإرادةِ الله تعالى يجوِّزون التعليلَ بمثل هذا، إما لأنَّه غرضٌ والغرضُ لا يلزَمُ أن يكونَ مطلوبًا، بل يكفي جعلُه غايةً للفعل، وإما لأنهُ مرادٌ مع الفعل تشبيهًا بالعلةِ، وهم الذين لا يجعلون فعلَ الله تعالى معلَّلًا بالغرض.
وقرئ: (أنما) بالفتح وبكسر الأولى (ولا يحسبن) بالياء (^٢)، على معنى: ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم لازدياد الإثمِ بل للتوبة والدخولِ في الإيمان، و(إنَّ ما نملي لهم خيرٌ) اعتراضٌ معناه: إن إملاءنا لهم خيرٌ إن انتبَهوا وتداركوا فيهِ ما فرَطَ منهم.
_________________
(١) = فيه ساد مسد المفعولين. انظر: "روح المعاني" (٥/ ١٥٥ - ١٥٦).
(٢) وهذا على تجويز أن يكون ﴿إِنَّمَا نُمْلِي﴾ مفعولًا ثانيًا، إلا أنه لكونه في تأويل المصدر لا يصح حمله على الذوات، فلا بد من تقدير: إما في الأول؛ أي: لا تحسبن حال الذين كفروا وشأنهم، وإما في الثاني؛ أي: لا تحسبن الذين كفروا أصحابَ أنَّما نُمْلِي لَهُمْ. انظر: "روح المعاني " (٥/ ١٥٦).
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٣).
[ ٢ / ٤٣٧ ]
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ على هذا (^١) يجوزُ أن يكون حالًا من الواو؛ أي: ليزدادوا إثمًا معدًّا لهم عذابٌ مهينٌ،
* * *
(١٧٩) - ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿مَا كَانَ اللَّهُ﴾ أراد استمرارَ النفي، لا نفيَ الاستمرارِ، فمعنى ﴿كَانَ﴾ مقدَّمٌ في الاعتبار واللامُ في: ﴿لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لتأكيدِ النفي.
﴿عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من اختلاطِ المؤمنين المخلِصين بالمنافقين حتى يَميزَ بينَهُم، والخطابُ للمؤمنين المخلصين؛ لأنهم الممنونُ عليهم، والموصوفون بالطيبِ، ولقوله: ﴿لِيُطْلِعَكُمْ﴾.
﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ تسجيل على المنافقين بالخبثِ، وعلى المؤمنين بالطيبِ؛ أي: حتى يُعزَلَ المنافق عن المخلصِ لئلا يتعدَّى خبثُهُ إليهِ.
والالتفاتُ إلى الخطاب تقريبٌ للمؤمنين وتخصيصٌ، والمعنى: لا يترككم مختلطين لا يُعرَفُ مخلِصكم من منافقكم حتى يميزَ المنافقَ من المخلصِ، بالوحيِ إلى نبيِّهِ بأحوالكم، أو بالتكاليفِ الشاقة التي لا يَصَرُ عليها ولا يُذعِنُ لها إلا الخلَّصُ المخلِصون منكُم؛ كبذل الأموالِ والأنفسِ في سبيل الله؛ ليختبِرَ بواطِنكم، ويستدلَّ به على عقائدكم.
_________________
(١) أي: على القراءة الأخيرة. انظر: "روح المعاني" (٥/ ١٥٧).
[ ٢ / ٤٣٨ ]
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾: من مضمرات (^١) القلوبِ وغيرِها، فإنَّ ذلك مما (^٢) استأثرَ اللّهُ تعالى به.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: فيعلَم بعضَ المغيَّباتِ بالوحيِ أو بطريقٍ آخرَ، وليسَ هذا مِن قبيلِ الاطلاع، ولذلك قطعَ الاستثناءَ.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾ بأن تعرِفوه حقَّ معرفتِهِ، وتعلَموه وحدَهُ مطَّلعًا على الغيبِ.
﴿وَرُسُلِهِ﴾ بأن تعلَمُوهم عبادًا مجتبَين، لا يعلمُون إلا ما علَّمَهم اللهُ تعالى، ولا يخبِرُون إلا بما أخبرَهم اللهُ تعالى من الغيوبِ بالوحي، وليسوا (^٣) من علمِ الغيب في شيءٍ قليلٍ.
قال الكافرون: إن كانَ محمدٌ صادقًا فليخبرنا بمن يؤمنُ منا ومَن يكفُرُ، فنزلَتْ (^٤).
وقيلَ: إنه ﵇ قالَ: "عُرِضَت عليَّ أمتي، وأُعلِمت مَن يؤمن بي ومَن يكفُرُ" فقالَ المنافقون: إنه يزعمُ [أنه يعرف] مَن يؤمن بهِ ومَن يكفُرُ، ونحنُ معه ولا يعرِفُنا، فنزلَت (^٥).
﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾ حقَّ الإيمانِ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النفاقَ ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا يقادَرُ قَدْرُه.
* * *
_________________
(١) في (ح): " نصرات "، وفي (ك): " خطرات ".
(٢) في (ف) و(م): (ما).
(٣) في (د): "وليس ".
(٤) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٥٠).
(٥) عزاه الواحدي والبيضاوي إلى السدي، انظر: "أسباب النزول" (ص: ١٣٢)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٥٠)، والكلام وما بين معكوفتين منه.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
(١٨٠) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ القراءات فيه ما سبقَ، ومَن قرأ بالتاءِ قدَّرَ مضافًا ليتطابقَ مفعولاهُ؛ أي: ولا تحسبنَّ بخلَ الذين يبخلُون هو خيرًا لهم. وكذا مَن قرأ بالياءِ وجَعلَ فاعلَهُ ضميرَ الرسول، أو: حاسبٌ، ومَن جعلَ فاعلَهُ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ جعَل مفعولَهُ الأولَ ما دلَّ عليهِ ﴿يَبْخَلُونَ﴾؛ أي: بخلَهم، وسوَّغَ حذفه لذلك (^١)، ﴿هُوَ﴾ فصل، وقرئ بغير (هو) (^٢).
﴿بَلْ هُوَ﴾؛ أي: البخل ﴿شَرٌّ لَهُمْ﴾ لاستجلابِ العقاب عليهم.
﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ تفسيرٌ لقولهِ: ﴿هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾، والتطويق يستفاد للإلزام تشبيهًا لما لا ينفَكُّ عن الرجلِ بالطَّوقِ؛ أي: يستلزمون وبالَ ما بخلوا بهِ إلزامَ الطوقِ.
وقيل: يُجعَلُ ما بخِلوا من الزكاة حيةً يُطوَّقُها في عنقِه يوم القيامةِ تنهشُهُ مِن قرنه إلى قدمِهِ، وتنقُرُ رأسَهُ وتقولُ: أنا مالُكَ (^٣).
﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما يتوارثُهُ أهلُها من مالٍ وغيرِهِ، فما لهم يبخلُونَ عليهِ بماله (^٤) من ملكِه، ولا ينفقُونَهُ في سبيلِه.
_________________
(١) في (د): "ذلك ".
(٢) تنسب للأعمش. انظر: "الكشاف" (١/ ٤٤٦).
(٣) روي نحوه في البخاري (١٤٠٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في (ح) و(د): "بمالي ".
[ ٢ / ٤٤٠ ]
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من المنعِ والإعطاءِ ﴿خَبِيرٌ﴾ فيجازيكُم، وقرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء على الالتفات (^١)، وهو أبلغ في الوعيد (^٢).
* * *
(١٨١) - ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ قالتهُ اليهودُ لمَّا سمعوا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وعيدٌ بليغٌ، وقد أكَّدَهُ بالقسَمِ في ﴿لَقَدْ﴾؛ أي: ولم يخفَ عليهِ، وأنهُ أعدَّ لهم العقابَ عليهِ.
وكذلكَ: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ كما يقولُ المهدِّدُ لمرتكب الجرائمِ إذا وقفَ منه على جريمةٍ جديدةٍ: لقد سمِعتُها، وسأكتُبها مع صواحبِها، يريدُ ما نسيتُ (^٣) جرائمك أجمعها، وأُلحقُ إحداها بالأُخرى محفوظةً مكتوبةً عندي حتى أواخذك (^٤) بالكلِّ.
فالكلامُ على طريقةِ الاستعارةِ التمثيلية، ومفرداتُه على حقائقها، والسينُ لتأكيدِ الإثباتِ، كما أنَّ (لن) لتأكيدِ النفي، أتى بها ليكونَ الوعيدُ على طريقِ التأكيدِ، كما في الإخبارِ بوجود السماعِ لأنَّ الجريمة عظيمةٌ، إذ هو كفرٌ بالله تعالى، واستهزاءٌ بالقرآن.
_________________
(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿يَعْمَلُونَ﴾ على الغيبة، وقرأ الباقون ﴿تَعْمَلُونَ﴾ على الالتفات، انظر: "السبعة" (ص: ٢٢٠)، و"التيسير" (ص: ٩٢).
(٢) في هامش (د) و(ف): "رد لسعد الدين فيما زعمه أن في الكيفية استعارة. منه ".
(٣) في (ك): "ما السبب"، وفي (م): "ما سبب"، وفي (ف): "ما ينسبه به "، وفي (ح) قريب منه، وفي (د): "ما ينسب "، والصواب المثبت.
(٤) في (ك): "آخذك".
[ ٢ / ٤٤١ ]
﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾: هذا العطفُ تذكيرٌ لهم بما يستحقُونَ بهِ أشدَّ العذابْ إظهارًا لشدةِ الغضبِ، وتوبيخٌ شديدٌ؛ أي: هذه عظيمةٌ مثلُها، ولهم سوابقُ في ذلكَ، ومَن ارتكبَ قتلَ الأنبياءِ لم يُستبعَد منهُ الاجتراءُ على مثل هذا القولِ.
ولا احتمالَ لأنْ يكونَ قتلُ الأنبياء بحقٍّ فقولِه: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: بيانٌ للواقع زيادةً في التفضيحِ.
﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ تتمةٌ للوعيدِ معَ تهكّمٍ بالغٍ، ننتقم منهم بهذا القولِ، وذُقْ كلمةٌ يقولُها المنتقِمُ للمنتقَمِ منهُ؛ أي: ذوقوا كما أذقتُم المسلمينَ الغُصصَ.
* * *
(١٨٢) - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما مرَّ من عذابِ الحريقِ تهويلًا وتعظيمًا.
والذوقُ: إدراكُ الطعمِ، وعلى الاتِّساعِ يُستعمَلُ لإدراك سائرِ المحسوساتِ والحالاتِ، والتهكُّمُ بهِ لأن سببَ العذابِ قولُهم الناشئُ عن البخلِ والتهالكِ على المالِ، وغالبُ الحاجةِ إليهِ لتحصيلِ المطاعم، ومعظَمُ بخلِه للخوفِ من فقدانِه، ولذلكَ كثُرَ ذكرُ الاكلِ مع المالِ.
﴿ذَلِكَ﴾: إشارة إلى العذابِ.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ مِن قتلكم الأنبياءَ، وقولهم هذا، وسائرِ معاصيهم (^١).
ولما كانَ أكثرُ الأعمالِ تُزاول بالأيدي، جعَلَ كل عملٍ وإن كان بالقلبِ أو اللسانِ
_________________
(١) في (د): "لمعاصيهم ".
[ ٢ / ٤٤٢ ]
وسائرِ الجوارح عملًا بالأيدي، على سبيلِ التغليبِ، ولأن اليدَ مظهَرُ القدر (^١) وآلةُ المباشَرةِ نسبوا الكسبَ إليها، كأنهم أرادوا كسبَ النفسِ وحدَها بلا مشاركةِ أحدٍ فيهِ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: عطف على ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾؛ أي: ذلك بسببِ كسبكُم بأنفسكُم، وبأن الله عادلٌ لا يجازيكُم إلا بما كسبتُم.
وقضيةُ العدلِ: عقابُ المسيء وثوابُ المحسن، وصيغةُ المبالغة للتنبيهُ على أن شأنَهُ تعالى البلوغُ إلى الغايةِ في كلِّ وصف يتَّصفُ به، فعلى تقدير اتصافهِ بالظلمِ يلزَمُ أن يكون ظلَّامًا.
* * *
(١٨٣) - ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾: هم كعبُ بن الأشرفِ وأضرابه (^٢).
﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ يعني: أمرَنا في التوراة وأوصانا.
﴿أَلَّا نُؤْمِنَ﴾: بأن لا نؤمن.
﴿لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾: بهذه المعجزةِ الخاصة التي كانت لبني إسرائيلَ، وهو أن يقرِّبَ بقربانٍ، فيقوم النبيُّ فيدعُوَ، فتنزلَ نار سماويةٌ فتأكله؛ أي: تُحيله إلى طبعها بالإحراقِ.
_________________
(١) في (م): "مظهرة للقدر". وفي (ك): "مظهرة لليد"، وفي (ف): " مظهر القوة".
(٢) في (م) و(ف): " وأحزابه ". وفي "تفسير البيضاوي" (٢/ ٥٢): هم كعب بن الأشرف، وما لك وحيي وفنحاص ووهب بن يهوذا.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ﴾؛ أي: جاءَ أسلافَكم الذي أنتُم على ملَّتِهم وراضون بفعلهم.
﴿رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: إلزامٌ لهم بأنَّ رسلًا جاؤوهم قبلَه كزكريَّا ويحيى ﵉ بمعجزاتٍ موجبةٍ للتصديقِ، وبهذه الآيةِ التي اقترحوها، فلمَ قتلُوهم إن كانوا صادقين (^١) أن الإيمان يَلزمهم بإتيانها.
وأما ما قيلَ: أن هذه الآيةَ ما أوجبت التصديقَ والايمان (^٢) إلا بكونها آيةً ومعجزةً، فهي إذًا وسائرُ الآيات سواءٌ في ذلكَ، فلا يُجدي نفعًا في دفعِ ما قالُوا؛ لأنهم (^٣) ادعوا العهدَ من الله تعالى فيهِ ذلكَ.
قال السديُّ: إن الله أمر بني إسرائيلَ في التوراةِ: مَن جاءكم يزعمُ أنه رسولٌ مني فلا تصدِّقُوه حتى يأتيَكُم بالقربان تأكلُه النارُ من السماءِ، حتى يأتيكُم المسيحُ ومحمدٌ، فإذا أتياكم فآمنوا بهما، فإنهما يأتيان بغيرِ قربانٍ (^٤)، فما ذكروه ليسَ مِن مُفترياتهم بل مِن محرَّفاتهم.
* * *
_________________
(١) في (ح) و(د) و(ف): "فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين "، وفي (م): "فلم قتلتموهم إن كانوا صادقين ".
(٢) في (ف): "الإيماء"، وقوله: (إلا بكونها معجزة ..) إلى: (سواء) سقطت من (د) والمثبت من (ك) و(م).
(٣) في (م): "إلا أنهم ".
(٤) في هامش (م): "مذكور في "التيسير": قال القرطبي بعد ذلك: وقيل: كان أمر القرابين ثابتا إلى أن نسخت على لسان عيسى ﵇. منه ". ونحوه في هامش (ف) مع بعض تحريف وسقط.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
(١٨٤) - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾.
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾: تسلية للرسولِ ﷺ مِن تكذيبِ قومِه وتكذيبِ اليهودِ.
﴿وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ الزبر: جمعُ زبورٍ، وهو المكتوبُ، يقالُ: زبرَهُ؛ أي: كتَبهُ، والجمعُ يدلُّ على الكثرةِ، فالمراد (^١) منهُ الصحفُ، ومن الكتاب المنيرِ: التوراةُ، والزبورُ، والإنجيلُ.
وقرئ: ﴿وَبالزُّبُرِ وَبالْكِتَابِ﴾ بإعادةِ الجارِّ فيهما (^٢)، للدلالةِ على أنها مغايرةٌ للبيناتِ بالذاتِ، وأنَّ الكتابَ مغايرٌ لها.
* * *
(١٨٥) - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وعدٌ ووعيدٌ للمصدِّقِ والمكذِّبِ، وهو من تمام التسليةِ؛ إذ بذكرِ الموتِ والفكرة (^٣) يهونُ ما يصدُرُ من الكفار من التكذيب وغيره، وفيه دلالةٌ على أن النفسَ غيرُ البدنِ، وأنها لا تموتُ بموتهِ.
وقرئ: (ذائقَةٌ الموتَ) بالنصبِ مع التنوين على الأصلِ وعدمِه لالتقاء الساكنين (^٤).
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): " والمراد ".
(٢) هي قراءة ابن عامر الشامي برواية هشام عنه، أما رواية ابن ذكوان عنه فبزيادة الباء في ﴿الزُّبُرِ﴾ وحده، وقرأ الباقون بغير باء فيهما، انظر: "السبعة" (ص: ٢٢١)، و"التيسير" (ص: ٩٢).
(٣) في (ف): " والكفرة".
(٤) نسبها ابن خالويه، والزمخشري لليزيدي، ونسبها ابن عطية للأعمش، انظر: "المختصر في شواذ=
[ ٢ / ٤٤٥ ]
﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾: تعطَون ثوابَ أعمالكم تامًّا وافيًا.
ومَن قالَ: جزاءَ أعمالكم خيرًا كان أو شرًا، فكأنه لم يفرّق بين الأجرِ والجزاءِ.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يعني: في (^١) دار الآخرةِ. ولفظُ التوفيةِ إن لم يشعِر بأنه قد يكونُ في هذه الدارِ بعضُ الأجورِ فلا يدلُّ على عدمه، فلا ينافي عليهِ ما يدلُّ على وقوعِهِ من الأخبارِ، كقوله (^٢) ﵇: "الصدقةُ والصلاةُ تَعْمُر أن الدِّيارَ وتَزيدان في الأعمار" (^٣).
وأما ما يُعطى في القبرِ فمما يؤتى (^٤) في الدارِ الآخرةِ؛ لأنَّ الموتَ بابُها، والقبرَ أولُ المنزلِ.
﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾؛ أي: بُعِّد عنها، وقد سبق في سورة البقرة.
﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ بالنجاةِ ونيل المرادِ، والفوزِ الظفرِ بالبغيةِ.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾؛ أي: لذَّاتُها وزخارِفُها ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾: شبَّهها بالمتاع الذي يُدلَّسُ به على المستامِ ويُغرُّ حتى يشتريَهُ، ثم يتبيَّنُ له فسادُهُ ورداءته، والمدلِّسُ هو الشيطانُ.
_________________
(١) = القراءات" (ص:٢٣)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٥٥٠)، و"الكشاف" (١/ ٤٨٥).
(٢) "في "ليست في (د).
(٣) في (م) و(ف): "لقوله".
(٤) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٦٠٤) بلفظ: "إن الصدقة والصلة تعمران … ". ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٥٢٥٩) بإسناد صحيح من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا بلفظ: " .. وَصِلَةُ الزَحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ … ".
(٥) في (ح) و(ف): "يوفى".
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وإنما هذا التشبيهُ تنفيرٌ وتحذيرٌ لمن اشتراها بالآخرةِ، ويؤْثرُها عليها، وأما بالنسبةِ إلى مَن باعَها بالآخرةِ وعلمَ سرعةَ نفادِها (^١)، واتخذ منها زادَهُ، وتركَها واختار الباقيةَ فهي متاعُ (^٢) العبورِ لا الغرورِ، والغرورُ مصدرٌ، والإضافةُ للملابسةِ.
* * *
(١٨٦) - ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾؛ أي: والله لتُختَبرُنَّ ﴿فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ بتكليفِ الإنفاق وما يصيبُهُ من الآفات ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ بالجهاد والقتلِ، والأسرِ والجَرحِ، وما يَردُ عليها من المخاوفِ والأمراضِ والمتاعب.
﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾: من هجاءِ الرسولِ ﷺ، والطعنِ في الدين، وإغراءِ الكفرةِ على المسلمينَ.
أخبرَهم بذلك قبلَ وقوعِها ليوطِّنوا أنفسَهم على الصبرِ والاحتمالِ، ويستعدُّوا للقائها حتى لا يرهقَهم نزولها فيفوتَهم الصبرُ والأجرُ والكرامةُ.
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على ذلك ﴿وَتَتَّقُوا﴾ مخالفةَ أمرِ الله ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ﴾ يعني: الصبرَ والتقوى ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: من معزومات الأمورِ؛ أي: مما يجبُ العزمُ عليه من الأمورِ، أو مما عزم الله أن يكونَ منكم، وقطعَه عليكُم، وبالغَ فيه.
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "نفاذها".
(٢) في (م) زيادة: "الغرور" ولعله من خطأ الناسخ.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
والعزمُ: القطعُ، قالَ ﵇: "لا صيامَ لمن لم (^١) يَعزمِ الصيامَ من الليل" (^٢)، أي: لم يبيّت، ولا اختصاصَ له بالرأي.
* * *
(١٨٧) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ﴾؛ أي: اذكر وقتَ أخذِه ﴿مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يريدُ به العلماءَ.
_________________
(١) في (د): "لا".
(٢) أورده بهذا اللفظ الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٢٨٤)، ولم نقف عليه بلفظ: "يعزم "، وقال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (١/ ١٥٠): (ولفظة يعزم لم أجدها). قلت: لكن الترمذي ترجم به لحديث حفصة. فقد رواه أبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي (٢٣٣٥)، وابن خزيمة في " صحيحه " (١٩٣٣)، والدارقطني في "سننه" (٢٢١٦)، من حديث حفصة ﵂ بلفظ: "من لم يُجْمِعْ الصِّيَامَ قبل الْفَجْرِ فلا صِيَامَ له "، ورواه النَّسَائِيّ (٢٣٣١) و(٢٣٣٢) بلفظ: "من لم يبيت … " وهو عند ابن ماجه (١٧٠٠) بلفظ: "لا صيامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِن اللَّيْل". قال الترمذي: حدِيثُ حفصةَ حديثٌ لَا نَعْرِفُهُ مرفوعًا إلا من هذا الوَجْهِ، وقد رُوِيَ عن نَافِع عن ابن عُمَرَ قَوْلهُ، وهو أَصَحُّ. قلت: روى موقوف ابن عمر النَّسَائِيّ (٢٣٤٢) و(٢٣٤٣). وهذا الحديث قد اختلف في رفعه ووقفه، ورفعُه غير ثابت فيما قاله البخاري في "التاريخ الأوسط" (١/ ١٣٤)، وأبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في "العلل" (٣/ ٩)، وصَوَّب وقفه النَّسَائِيّ في "السُّنن الكبرى" بإثر الحديث (٢٦٦١)، لكن مال الخطابي في "معالم السُّنن" (٢/ ١٣٤)، وعبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" (٢/ ٢١٤)، وكذلك ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٢٦٢٦) إلى تصحيح الرفع.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾: حكايةٌ لمخاطبتهم (^١)، وقرئ بالياءِ (^٢) لأنهم غُيَّبٌ. واللامُ جوابُ القسمِ الذي نابَ عنه قولُه: ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ﴾ والضميرُ للكتابِ.
﴿فَنَبَذُوهُ﴾، أي: الميثاقَ وما عُهِدَ إليهم.
﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ شنَّعَ على أهل الكتابِ، وبالغَ في توبيخِهم بأنهم إذ اخذَ الله ميثاقَهم وعهِدَ إليهم، وأكَّدَهُ بالقسمِ أن يُظهِروا الكتاب، وأوجبَ عليهم بالتأكيدِ بيانَ ما فيه واجتنابَ كتمانِه، فقابلوا مبالغته في ذلكَ بالمبالغةِ في اطِّراحه وتركِه، فإن النبذَ وراء الظهرِ مثلٌ في (^٣) الطرحِ بالكليَّةِ وتركِ الاعتدادِ بالشيءِ.
النبذُ: الرميُ والإبعادُ، وفي الحديثِ: أنه مرَّ بقبر منتبذ عن القبور (^٤)، أي: منفردٍ بعيدٍ عنها (^٥).
والوراءُ كما يطلَقُ على الخلفِ يطلَقُ على الأمامِ، فإضافتُه إلى الظهرِ لتعيين معنى الخلفِ.
﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ﴾: وأخذوا بدله (^٦).
﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ مِن حطام الدنيا وأعراضِها.
_________________
(١) في (م): "بحال مخاطبتهم ".
(٢) قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية شعبة، وقرأ باقي السبعة بالتاء للخطاب، انظر: "التيسير" (ص:٩٣).
(٣) "في "من (د).
(٤) رواه النَّسَائِيّ (٢٠٢٤) عن الشَّعبيِّ، قال: أَخْبَرَني مَن رَأَى النَّبيَّ ﷺ: مَرَّ بِقَبْرٍ مُنتبِذٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَفَّ أَصْحَابَهُ خَلْفَهُ، قيل: مَن حَدَّثَكَ؟ قال: ابنُ عبَّاسٍ.
(٥) في هامش (د) و(ف): "ذكره ابن الأثير في النهاية. منه".
(٦) في (د): "به".
[ ٢ / ٤٤٩ ]
﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾: يختارون لأنفُسِهم، وقد سبقَ ما يتعلقُ به في تفسيرِ سورة البقرةِ.
وكفى به دليلًا على أنه مأخوذٌ على العلماءِ أن يُبيِّنوا الحقَّ للناسِ، وأن لا يكتموا مما علِموه شيئًا لغرضٍ فاسدٍ؛ مِن تسهيلٍ على الظَّلمةِ، وتطييبٍ لنفوسِهم، واستجلابٍ لمسارِّهم (^١)، أو لجر منفعةٍ، أو لتقيَّةٍ مما لا دليلَ عليهِ ولا أمانةَ، أو لبخلٍ (^٢) بالعلم أو غيره أن يُنسَب إليه غيرُهم.
وعنِ النبيِّ ﷺ: "مَن كتمَ علمًا عَن أهلِه أُلجِمَ بلجامٍ من نارٍ" (^٣).
* * *
(١٨٨) - ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ الخطابُ لرسول الله ﷺ، ومَن ضمَّ الباءَ جعل الخطابَ له وللمؤمنينَ. وأحد المفعولَين ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾، والثاني ﴿بِمَفَازَةٍ﴾، وقولُه: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تأكيدٌ، والفاءُ للإشعار بأن أفعالهم المذكورةَ علةٌ لنفي الحسبانِ والنهي عنهُ، والمعنى: لا تحسبن الذين يفرحُون بما فعلوا من التدليسِ وكتمان الحقِّ، ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا
_________________
(١) في (د): "لمساوئهم".
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "البخل ".
(٣) رواه أبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩)، وابن ماجه (٢٦٦)، من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمِ يعلمه فكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامِ مِنْ نَارٍ". قال الترمذي: حديث حسن. ورواه الطبراني في "الكبير" (١٠٨٤٥) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
لَمْ يَفْعَلُوا﴾ منَ الوفاءِ بالميثاقِ، وإظهار الحقِّ، والإخبار بالصدقِ ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ منجاةٍ ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي (^١): فائزينَ بالنجاة منهُ.
وقرئ بالياء وفتح الباء في الأول وضمِّها في الثاني (^٢)، على أن ﴿الَّذِينَ﴾ فاعلٌ ومفعولا ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ محذوفانِ يدلُّ عليهِما مفعولا مؤكِّدِه، وكأنه قيلَ: ولا يَحْسِبنَّ الذين يفرحون بما أتوا فلا يَحْسِبُنَّ أنفسهم بمفازةٍ.
وقيلَ: المفعولُ الأولُ محذوفٌ، وقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تأكيدٌ للفعلِ وفاعلِه ومفعولِه الأول (^٣).
وفيه: أن التأكيد للفعلِ والفاعلِ فقط إذ ليسَ المذكورُ سابقًا إلا الفعلُ والفاعلُ (^٤)، فالضميرُ المنصوب المتصلُ بالتأكيدِ هو المفعولُ الأول ولا حذفَ (^٥).
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بكفرهم وتدليسهم، روي أنه ﵇ سألَ اليهود عن شيء في التوراة فأخبروه بخلاف ما كان فيهِ، وأروهُ أنهم قد صدَقوه وفرحوا بما فعلوا، فنزلت (^٦)، وقيلَ غيرُ ذلكَ.
_________________
(١) "أي" زيادة من (م).
(٢) يعني والثاني بالياء مع ضم الباء، والسين فيهما مكسورة، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ٩٢ - ٩٣).
(٣) والتقدير: لا يَحْسِبَنَّ الذين يفرحون أنفسَهم بمفازة فلا يَحْسِبُنَّهم، والفاء زائدة. انظر: "روح المعاني" (٥/ ١٩٣).
(٤) "إذ ليس المذكور سابقًا إلا الفعل والفاعل" سقط من (د).
(٥) فيه بحث ينظر في "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٣/ ٨٨).
(٦) رواه البخاري (٤٥٦٨)، ومسلم (٢٧٧٨) من حديث ابن عباس ﵄. وانظر: "أسباب النزول" (ص:١٢٧)، و"تفسير الطبري" (٦/ ٣٠١).
[ ٢ / ٤٥١ ]
والحقُّ أنه شاملٌ لكلِّ مَن أتى بحسنةٍ ففرحَ بها فرحَ إعجابٍ، وأحبَّ أن يحمدَهُ الناس بما ليسَ فيه من الفضيلةِ، وبما لم يفعل من أنواع البرِّ، وأَوْهَم ولبَّسَ، وإن كان السببُ خاصًّا.
* * *
(١٨٩) - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو يملك أمرَهم ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدرُ على عقابهم.
* * *
(١٩٠) - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لدلالاتٍ واضحةً على وجود الصانعِ ووحدَتهِ، وكمالِ علمِه وقُدرَته لذوي العقولِ الخالصة عن قشورِ الأوهامِ، والعاداتِ الصافيةِ عن مشوبِ الهوى، والخيالاتِ المدركةِ للحقائقِ بنظرِ الاعتبار، المتدبرةِ للمعاني بصوابِ الأفكارِ، وعن النبي ﷺ: "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" (^١).
والاقتصارُ على الثلاثةِ المذكور لأن مناطَ الاستدلالِ هو التغييرُ وأنواعُه الثلاثةُ يوجَدُ فيها؛ لأنَّه إما أن يكون في الأحوال الخارجةِ عن الشيءِ كتغير الأفلاكِ، أو في جزئه كتغيرِ العناصرِ بتبدُّلِ صورها، أو في ذاته كتغيرِ الليل والنهارِ، ووجهُ الترتيب ظاهرٌ.
_________________
(١) رواه ابن حبان في "صحيحه" (٦٢٠) من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
(١٩١) - ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ محلُّهُ النصبُ على الحال عطفًا على إخوتهِ؛ أي: قائمين وقاعدين ومضطجعين، يعني: يذكرونَ اللهَ تعالى ذكرًا دائمًا على أيِّ حالٍ كانوا من قيامٍ وقعودٍ واضطجاع.
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: في خلقِ العالم استدلالًا واعتبارًا، وهو أفضلُ العباداتِ كما قالَ ﵇: "لا عبادة كالتفكُّر" (^١) لأنَّه عملُ القلبِ. والمقصود من الخلق (^٢)، وفيهِ إشعارٌ بأن ذوي الألبابِ بيانَهم وتفسيَرهم الذين يذكُرون اللهَ دائمًا على أيِّ حالٍ كانوا، المتفكِّرُون في خلقِه.
﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾: مقولُ قولٍ مقدَّرٍ؛ أي: يقولونَ، وهو في موضعِ الحالِ بمعنى: يتفكَّرون قائلينَ، و﴿بَاطِلًا﴾ صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: ما خلقتَهُ خَلْقًا باطلًا بغيرِ حكمةٍ، أو حالٌ من ﴿هَذَا﴾، وهو إشارة إلى ما عبَر عنه بقُطريهِ، وهو عالَمُ الملكِ، وفيه ضربٌ من التعجيبِ، وظهورِ أمره في العظمةِ.
وكما أنَّ (ذلك) يُستعمَلُ في التعظيمِ. لبعدِ المرتبةِ وعلوِّ القدرِ، فكذلك (هذا)
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٤٥٤). ورواه ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٣٠٧)، والبيهقي في " الشعب " (٤٦٤٧)، عن علي ﵁ أنه قال لابنه الحسن: يا بني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا مال أعوز من العقل، ولا فقر أشد من الجهل، ولا عقل كالتدبير، ولا ورع كحسن الخلق، ولا عبادة كالتفكر … " الحديث بطوله، تفرد به أبو رجاء محمد بن عبد اللهَّ الحبطي، وليس بالقوي كما قال البيهقي. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليس من حديث الأثبات.
(٢) في (د): " الخلوة ".
[ ٢ / ٤٥٣ ]
يستعمَلُ لظهورِ أمره في ذلكَ المعنى، وتعيُّنهِ وانفرادِه بذلكَ (^١)؛ أي: ما خلقتَ هذا العالمَ العجيبَ الشأنِ، النتز البرهانِ، المتفردَ (^٢) بالعظمةِ وغرابةِ الإبداعِ، باطلًا.
وفي السكوتِ على هذا القدْرِ من البيان دلالةٌ على قصور العبارةِ عن بيانِ فوائده ومنافعِه ولو إجمالًا.
﴿سُبْحَانَكَ﴾: تنزيهًا لكَ من فعل العبثِ، وخلقِ الباطلِ، وهو اعتراضٌ.
﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ للإخلال بالنظرِ فيهِ، والقيامِ بما يقتضيهِ، ولكونِ الدلالة على وجوبِ الاعتبار به واجتنابِ الغفلةِ عنهُ مأخوذةً في: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ حَسُنَ تعقِيبهُ بهذا الكلام.
والفاءُ للسببيةِ، أي (^٣): إذا ذكَرناك وأقرَرنا بك فقِنا.
* * *
(١٩٢) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ غايةَ الإخزاءِ، وهذا مستفادٌ من جعل الجزاءِ أمرًا ظاهر اللزوم للشرطِ بحيثُ لا فائدةَ في ذكرِه ما دامَ محمولًا على إطلاقِه، فيُحمَلُ على أخصِّ الخصوص ليفيدَ، والمرادُ به تهويلُ المستفادِ منه.
قالَ ابن السكِّيتِ: خَزِيَ يخزَى خزيًا؛ إذا وقعَ في بليةٍ؛ فلا إشعارَ فيه بأن العذابَ الروحاني أفظَعُ.
_________________
(١) في هامش (د) و(ف): "ومن لم يتنبه له قال في صدد تفسيره وبيان المراد منه: بل خلقته لحكمة عظيمة. منه ".
(٢) في (م) و(ف): "المنفرد".
(٣) "أي" من (م).
[ ٢ / ٤٥٤ ]
وقد تمسَّكَ بهذه الآيةِ أصحابُ الوعيدِ وقالوا: مَن دخلَ النار ينبغي أن لا يكونَ مؤمنًا؛ لقولِه: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم:٨].
والجوابُ: أن المرادَ من الذينَ آمنوا معهُ الأصحابُ ﵃، لا الذينَ آمنوا مطلقًا (^١).
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ اللام للعهدِ، والإشارةِ إلى مَن يدخلُ النارَ، والإعلامِ بأن مَن يدخُلُ النارَ فلا ناصرَ لهُ، ووُضع المظهَرُ موضعَ المضمرِ للدلالة على أن ظلمَهم سببٌ لإدخالهم النارَ وانقطاعِ النصرة عنهم في الخلاصِ منها، ولا يلزَمُ من نفي النصرةِ نفيُ الشفاعة؛ لأن النصرةَ دفعٌ بقهرٍ.
* * *
(١٩٣) - ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ إذا أُريدَ (^٢) تخصيصُ سماع القول بمن سُمعَ منهُ، وأُوقعَ (^٣) الفعلُ على مَن سُمعَ منهُ، وحُذِفَ المسموعُ، ووُصف المتكلمُ الموقَعُ عليهِ الفعل بما سُمِعَ منه، أو جُعِلَ حالًا منهُ، فيسُدُّ الحالُ أو
_________________
(١) في هامش (د) و(ف): "لا يقال: العرف لا يساعد القيد المذكور؛ لأنَّه يكفي مساعدة اللغة وعليه التنزيل. منه ".
(٢) بعدها في النسخ: "به"، والصواب المثبت. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٦/ ٢٦٠).
(٣) في (ح) و(د) و(ف): "أو وقع "، وفي (م): "أوقع "، وسقطت الجملة من (ك). والصواب المثبت. انظر: المصدر السابق.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
الوصفُ مسدَّهُ (^١)، تقول: سمعت رجلًا يقولُ، وسمعت زيدًا يتكلم.
وذكَرَ النداء مطلقًا ثمَّ قيدَهُ بالإيمان تعظيمًا للمنادي وهوَ الرسولُ، وتفخيمًا لشأنهِ، والنداءُ والدعاءُ ونحوُهما يُعدَّى بـ (إلى) واللام لتضمُّنِها معنى الانتهاءِ والاختصاصِ.
﴿أَنْ آمِنُوا﴾: أي آمِنوا، أو: بأنْ آمِنوا ﴿بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾: فامتثلنا، والفاء للعطفِ على ﴿سَمِعْنَا﴾، أو مسبَّبةٌ عن ﴿آمِنُوا﴾؛ أي: تسبَّبَ عنه إيماننا.
﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾: الفاء للسببية؛ أي: إذا آمنا فاغفِرْ لنا: ﴿ذُنُوبَنَا﴾ كبائرنا فإنها ذاتُ تبعةٍ.
﴿وَكَفِّرْ﴾ تجاوز ﴿عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾: صغائرنا فما نها مستقبَحةٌ.
في تخصيصِ كلٍّ من التعديتين بمقامهِ نوعُ إشارةٍ إلى أن المرادَ من الذنوبِ الكبائرُ كما يناسِبُها معناها وما تعلَّقَ بها من الفعلِ بحسب معناهُ (^٢) واختصاصه به تعالى، ومن السيئات الصغائرُ كما يناسبها أيضا معناها وما تعلَّقَ بها من الفعلِ بحسب معناهُ (^٣) وجوازِ استعماله في غيرِه تعالى.
﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: مخصوصينَ بصُحبتهم، معدودين في زمرَتهم، ولا دلالةَ فيه على طلب التوفِّي حتى يكون فيهِ تنبيهٌ على أنهم يحبُّونَ لقاءَ الله تعالى.
والأبرارُ: جمعُ بَرٍّ، أو بارٍّ؛ كأربابٍ وأصحابٍ.
_________________
(١) أي: مسد المسموع، فتقول: سمعت رجلا يقول كذا، وسمعت زيدًا يتكلم، فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع؛ لأنك وصفته بما يسمع، أو جعلته حالا عنه، فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد، وأن يقال: سمعت كلام فلان أو قوله. انظر: "الكشاف" (١/ ٤٥٥).
(٢) في (م): "معناها".
(٣) في (م): "معناها".
[ ٢ / ٤٥٦ ]
(١٩٤) - ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
﴿رَبَّنَا وَآتِنَا﴾: عطفٌ على الدعواتِ السابقة، وتكرارُ ﴿رَبَّنَا﴾ للاستلذاذِ بذكره، والخضوعِ بالمربوبية، وكذا جميع التكرارات في الآية.
﴿مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي: على تصديق رسلكَ من الثوابِ.
قيل: لمَّا ظهرَ امتثاله لِمَا أُمرَ بهِ سألَ ما وُعِدَ عليهِ، لا خوفًا من إخلافِ الوعدِ، بل مخافة أن لا يكونَ من الموعودينَ لسوءِ عاقبته، أو قصورٍ في الامتثالِ (^١).
وَيرِدُ عليهِ: أنه على تقديرِ وقوعِ ما خافَهُ لا يكونُ السؤال المذكورُ مناسبًا لحاله، وعلى تقديرِ عدمِهِ لا حاجةَ إلى السؤالِ، فالوجه أن يُقالَ: إنه تعبدٌ واستكانةٌ، ويجوز أن يكونَ التقديرُ: منزلًا على رُسلك، أو على (^٢) ألسنةِ رسلك.
﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بأن تعصِمَنا عما يقتضيه.
﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: بإثابةِ المؤمن (^٣) وإجابة الداعي.
* * *
(١٩٥) - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾.
_________________
(١) في (م): "امتثاله".
(٢) في (ف) و(م): "على رسلك وعلى".
(٣) في (د): " المؤمنين ".
[ ٢ / ٤٥٧ ]
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾؛ أي: طلبهم (^١)، وهو أخصُّ مِن (أجاب)، ويُعدَّى بنفسه وباللام.
وفي الآثار: مَن حَزبه أمر فقال خمس مرات: ربنا، أنجاه الله تعالى مما يخاف (^٢).
﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: بأني لا أضيعُ، وقرئ بالكسر على إرادة القولِ (^٣).
﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ بيانُ ﴿عَامِلٍ﴾.
﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ لأن الذكرَ من الأُنثى والأنثى من الذكرِ، أو لفرط الاتصالِ والاتحادِ لأنهما من أصلٍ واحدٍ. أو للاجتماع والاتفاقِ في الدينِ، وهي جملة معترضة بيَّنَ بها شركةَ النساءِ مع الرجالِ فيما وَعد للعمالِ.
رُوي أن أم سلمةَ ﵂ قالتَ: يا رسولَ اللهِ! إني أسمع اللّهَ يذكرُ الرجال في الهجرةِ ولا يذكُر النساءَ. فنزلت (^٤).
﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ إلخ، تفصيل لأعمال العمالِ وما أُعِدَّ لهم من الثوابِ على سبيل المدحِ والتعظيمِ، والمعنى: فالذين هاجروا الأوطانَ والعشائرَ ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ بسببِ إيمانهم باللهِ، ومن أجله.
بدأ أولًا بالخاص، وهي الهجرةُ، وهي أشقُّ شيءٍ على النفسِ، وثنَّى بما هو أعمُّ منها، فإن الخروجَ من الديار لا يستلزِمُ الهجرة إلى المدينةِ؛ كخروجِ مَن خرجَ
_________________
(١) في (ك): "طلبتهم ".
(٢) أورده الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٤٥٧) عن جعفر الصادق ﵁.
(٣) قرأ بها عيسى بن عمر. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٤).
(٤) رواه الترمذي (٣٠٢٣)، والحا كم في "المستدرك" (٣١٧٤) وصححه.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
إلى الحبشةِ وإلى جندل، وأتى ثالثًا بذكرِ الإذاية (^١) وهو أعمُّ من أن يكونَ بإخراجٍ من الديارِ وبغيرهِ، وارتقى بعد هذه الأوصافِ السَّنِيةِ إلى رتبةِ الجهاد فقالَ:
﴿وَقَاتَلُوا﴾ الكفارَ ﴿وَقُتِلُوا﴾ في سبيل الله، وقرئ بالعكس (^٢) ولا منافاةَ؛ لأنَّ الواو لا توجب الترتيب، والثاني أفضلُ لإشعاره بأنه قُتلَ بعضُهم وقاتل الباقونَ ولم يضعُفوا.
وقرئ: ﴿قُتِلُوا﴾ بالتشديدِ للتكثيرِ (^٣).
﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ (كفَّرَ) إذا عُدِّي بـ (عن) يفيدُ معنى: تجاوَزَ (^٤).
﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: يثيبُهم (^٥) بذلك إثابةً من عند الله تفضُّلًا منه، فهو مصدر مؤكِّدٌ.
﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ على الطاعاتِ، قادر عليهِ.
بالَغَ في جزائهم بالتأكيدِ القسَمي، وإيرادُ المصدرِ المؤكِّدِ، وتقييدُه بالعنديةِ بعد الإطلاقِ، والالتفاتُ في ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾، وإظهارُ اسمِه في الجملةِ بعدَهُ، وجعلُ الجملة الظرفية خبرًا= غايةٌ في البلاغةِ.
* * *
(١٩٦) - ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾.
_________________
(١) في (م): "الأذى ".
(٢) وهي قرة الأعمش وحمزة والكسائي من السبعة، انظر: "التيسير" (ص:٩٣).
(٣) وهي قرة ابن كثير وابن عامر، انظر: "التيسير" (ص:٩٣).
(٤) في (د): "تجاوزه".
(٥) في (د): "أثيبنهم".
[ ٢ / ٤٥٩ ]
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾: ظاهرُ النهي للتقلُّب وحقيقتُهُ للمخاطَبِ - وهوَ رسول الله ﷺ تثبيتًا (^١) له على ما كان عليهِ كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨]- أو لكلِّ أحدٍ؛ ليفيد (^٢) نفيَ السببِ، وهو من بابِ تنزيلِ السببِ منزلة المسبَّبِ؛ لأن التقلُّبَ لو غرَّهُ لاغترَّ بهِ، فمنعُ السببِ - أي: التغريرِ - يستلزِمُ امتناع المسبَّبِ الذي هو الاغترارُ مبالغةً، والمعنى: لا تنظر إلى ما الكفرةُ عليه من السعةِ والحظ، ولا تغترَّ بظاهرِ ما ترى من تبسُّطهم في مكاسبِهم ومتاجِرهم ومزارعِهم.
روي أن بعض المؤمنين كانوا يرونَ المشركين في رخاء ولين عيشٍ فيقولون: إن أعداء اللهِ فيما يُرَى من الخيرِ وقد هلكنا من الجوعِ والجَهدِ؛ فنزلت (^٣).
* * *
(١٩٧) - ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾: خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: ذلك التقلبُ متاعٌ قليلٌ، وصِفَ بالقلةِ بالنسبة إلى ما فاتهم من نعمِ الآخرةِ، أو بالنسبةِ إلى ثواب المؤمنين، وأراد (^٤) قلَّتهُ في نفسه ودنوَّ قدره لسرعةِ انقضائه (^٥) وزوالِه.
﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: عطفٌ على محذوفٍ؛ كأنهُ قيلَ: يؤاخَذون بتبعَتِه يوم القيامةِ، ثم مأواهُم جهنمُ (^٦)، و(ثم) للتراخي في الرتبةِ.
_________________
(١) في النسخ عدا (م): "مثبتًا".
(٢) قوله: "ليفيد" تعليل لإسناد النهي إلى التقلب. وجاء في (ح) و(ف): "يفيد".
(٣) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٣٩)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٥٦).
(٤) في (م): "أو أراد".
(٥) في (ك) و(م): "انفصاله ".
(٦) "عطف على محذوف كأنه قيل يؤاخذون بتبعته يوم القيامة ثم مأواهم جهنم" سقط من (ف).
[ ٢ / ٤٦٠ ]
﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾؛ أي: ما مَهَدوا لأنفسِهم، فالمخصوصُ بالذم محذوفٌ.
* * *
(١٩٨) - ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾.
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾؛ أي: خافوه، ولم يخالفوا أمرَهُ ولا نهيَهُ.
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: قابلَ جهنم بالجناتِ، وقلةَ متاعِهم بالخلودِ في النعيمِ، فوقعت (لكنْ) أحسَن مواقعها؛ لأنَّه آلَ معنى الجملتين إلى تعذيبِ الكفارِ وإلى تنعيمِ المتقين، فهي واقعةٌ بين الضدين.
﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ النُّزلُ بسكون الزاي وضمِّها: ما يقامُ للنازل عند نزولهِ من القِرى، وفيهِ تنبيهٌ على أن وراء ذلكَ ما هو أعظَمُ منهُ كرامةً، وانتصابُه إما على الحالِ من ﴿جَنَّاتٌ﴾ لتخصيصِها بالوصفِ، والعامل الظرفُ؛ أي: حاصلةً لهم الجناتُ نزلًا، أو على أنه في معنى مصدرٍ مؤكِّدٍ كقوله: ﴿ثُوَابًا﴾، كأنهُ قيلَ: رزقًا أو عطاءً من عندِ الله.
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لكثرتِه ودوامِه ﴿خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ مما يتقلَّبُ فيه الفجَّارُ؛ لقلته وسرعةِ زوالهِ.
أو خبر (^١) في بيانِ حال (^٢) الذين كفروا بحذفِ المبتدأ والمخصوص بالذمِ واقتصار الكلام للتحقيرِ والازدراءِ وعدم الاعتدادِ بهم وبمتاعِهم، وأطنَبَ في وصف المتقينَ إظهارًا للعنايةِ بهم وبشأنِهم ومآلهم، أولًا بقوله: ﴿لَكِنِ﴾ ليستدرك مآلَهم المخالفَ
_________________
(١) قوله: "أو خبر" كذا في النسخ، ولعل الصواب: "وأخبر".
(٢) في (ح) و(ف): " مآل "، وفي (د): " ما ".
[ ٢ / ٤٦١ ]
بمآلهم المباينِ بما لا يوصَفُ بَونه، ثم بقوله: ﴿رَبَّهُمْ﴾ وتنكيرِ ﴿جَنَّاتٌ﴾ للتعظيمِ، ووصفها للإبهامِ والتوضيحِ، وتقويةِ الإسناد إليهم بتكريرِ النسبةِ في ﴿لَهُمْ﴾، والجملةِ الظرفيةِ، والتقييد بالحالِ، والتأكيد بقولِه: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، والجملةِ الاعتراضيةِ (^١) أي: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.
* * *
(١٩٩) - ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: نزلت في ابن سلامٍ وأصحابه (^٢)، وقيل غيرُ ذلكَ (^٣)، وإنما دخلَت اللامُ على الاسمِ للفصلِ بينَه وبينَ (إنَّ) بالظرفِ.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ من الكتابِ.
﴿خَاشِعِينَ﴾ خائفين خاضعين ﴿لِلَّهِ﴾ حالٌ من فاعل ﴿يُؤْمِنُ﴾ وجمَعَه هاهنا وفي ﴿إِلَيْهِمْ﴾ باعتبارِ المعنى بعدَ ما أفرَدهُ باعتبارِ اللفظِ.
﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ كما يفعلُ مَن يُسلمُ مِن أحبارهم.
﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذُكرَ ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الذي يختصُّ بهم، وهو ما وُعِدوه في قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤].
_________________
(١) في (م): "اعتراضية".
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٥٦). وذكره الطبري في "التفسير" (٦/ ٣٢٩) دون إسناد.
(٣) قيل: نصارى نجران، وقيل: النجاشي، كما ذكر الطبري عن ابن جريج وقتادة، انظر: "تفسير الطبري" (٦/ ٣٢٨).
[ ٢ / ٤٦٢ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لأنَّ علمهُ يحيطُ بكل شيءٍ، ولا يشغلُهُ شأنٌ عن شأنٍ، والمرادُ: أن الأجر سريعُ الوصول، فإن سرعةَ الحسابِ تستدعي سرعةَ الجزاءِ.
* * *
(٢٠٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ على مشاقِّ الطاعاتِ وما يُصيبُكم من الشدائدِ.
﴿وَصَابِرُوا﴾ أعداءَ اللهِ في الجهاد؛ أي: غالبُوهم في الصبرِ على شدائدِ الحربِ، ولا تكونوا أقلَّ صبرًا منهم، وتخصيصُه بعد الأمر بالصبرِ مطلقًا لشدَّته وصُعوبته.
﴿وَرَابِطُوا﴾: أقيموا في الثغورِ رابطين خيلَكُم فيها مترصِّدين مستعدين للغزوِ.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ في مخالفةِ أمره ونهيه.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لكي تفلِحُوا، والفلاحُ: الأمنُ مما يخافُ، والو صولُ إلى ما يرام.
والحمدُ لله على التمامِ، والصلاة (^١) على نبيهِ سيد الأنام، وعلى آلهِ وصحبهِ الكرام، ما تعاقبَ الليالي والأيام (^٢).
_________________
(١) في (ف): " والسلام ".
(٢) هنا تنتهي النسخة الخطية المرموز لها بـ (د)، وقد جاء في آخرها: (تمت الكتاب بعون الله وحسن التوفيق، قد وقع الفراغ من تحرير هذه النسخة الشريفة المباركة على يد العبد الضعيف الفقير الحقير المذنب المحتاج إلى رحمة الله تعالى قليل الخير والإحسان كثير الذنب والعصيان أحمد بن حاجي الأكوز غفر الله له ولوالديه وأحسن إليهما وإليه في أواسط ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وتسع مئة ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات). وفوق: (غفر الله له) كتب كلمة غير واضحة ثم كلمة: (قسطنطينية).
[ ٢ / ٤٦٣ ]