﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ نودي ﵇ في جميع القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ و﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ تعظيمًا له وتعليمًا للعباد كيفَ ينادونه.
﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أمرَهُ بالتَّقوى تعظيمًا للتَّقوى، وإعلامًا للأمَّة بأنَّه بابٌ عظيمٌ يجبُ أنْ يُعتدَّ به ويُحافَظ عليه، والمرادُ الأمرُ بالثَّبات على ما هو عليه ليكون مانعًا له عمَّا نُهِيَ عنه بقوله:
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾؛ أي: لا تساعدهم على شيءٍ يعودُ لوهنٍ في الدِّين (^١)، ولا تقبل لهم رأيًا في ذلك.
روي أنَّ أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السُّلَمي قدموا المدينة بعدَ قِتال أُحُدٍ فنزلوا على عبد الله بن أُبيٍّ، وأعطاهم رسولُ الله ﵇ الأمانَ على أنْ يكلِّموه، فقالوا له: ارفضْ ذِكْرَ آلهتنا، وقل: إنَّها تشفعُ وتنفعُ، وندعك وربَّك، وآزرهم المنافقون على ذلك، فهَمَّ المسلمون بقتْلِهم، فنزلَتْ (^٢).
_________________
(١) في (ف): "يعود لتزيين في الدنيا"، وسقطت من (ك): "لوهن".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ٧٦)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٦٩)، و"الكشاف" (٣/ ٥١٩).
[ ٨ / ٢١٥ ]
أي: اتَّقِ الله في نقضِ العهدِ (^١)، ولا تطع الكافرين من أهل مكَّة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا منك.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ بِخُبْثِ أعمالِهم ﴿حَكِيمًا﴾ في تأخيرِ الأمرِ بقتالهم.
* * *
(٢) - ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ مِن الأمر والنَّهي.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فموحٍ إليك ما يصلحه ومغنٍ من الاستماع إلى الكفرة.
وقرئ بالياء (^٢)؛ أي: إن الله خبيرٌ بمكايدهم يدفعُها عنك.
* * *
(٣) - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: وفوِّض أمرَكَ إليه.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: موكولًا إليه كلُّ أمر، قال الزَّجَّاجُ: ولفظ (كفى) وإن كان ألفظه لفظ، الخبر فالمعنى: اكتفِ باللهِ (^٣).
* * *
_________________
(١) في (ك) و(م): "العهود".
(٢) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٧).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٢١٣)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٨ / ٢١٦ ]
(٤) - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾.
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ﴾ تنكيرُه وزيادة ﴿مِنْ﴾ في قول: ﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ بعدَ النَّفي؛ للتَّعميم والاستغراق؛ أي: ما جعلَ اللهُ لفردٍ واحدٍ مِن جملة الرِّجالِ فضلًا عن الصِّبيان والنُّسوان قَلْبَين ألبتَّة بوجهٍ من الوجوهِ.
و﴿فِي جَوْفِهِ﴾ تأكيدٌ (^١)، وزيادةُ تصويرٍ للسَّامعِ ليكونَ إذا سمع تصوير جوف إنسانٍ مشتملًا على قلبَيْن، فيكون أسرعَ إلى الإنكار.
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ما جعل الزَّوجيَّة والأموميَّة في أنثى ولا الدَّعوة والبنوَّة في ذَكَرٍ، جَعَلَ نَفْيَ اجتماعِ القلبَيْن في جوفٍ أصلًا لانتفاءِ (^٢) الاجتماعَيْن الآخرَيْن.
وذلكَ أنَّ العربَ تزعمُ أنَّ اللَّبيبَ له قلبان، ولذلك قيل لأبي مَعمر جميل بن أسد الفهري: ذو القَلْبَين، وكانَ رجلًا من أحفظ العرب وأرواهم، وكان يقول: إن لي قلبَيْن؛ أفهم بأحدهما أكثر ممَّا يفهم محمَّد، فأكذب الله تعالى قوله وقولهم (^٣).
وضربه مثلًا في الظِّهار والتَّبني، فإنَّهم كانوا يقولون: المرأة المظاهَر عنها أمّ، ودَعِيُّ الرَّجلِ ابنُه.
_________________
(١) في (م): "توكيد".
(٢) في (ف) و(ي) و(ع): "لانتفاع".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٨/ ٦). وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٧ - ٨) عن ابن عباس ﵄ وقتادة وعكرمة بإبهام اسم الرجل.
[ ٨ / ٢١٧ ]
والمعنى: كما لم يجعلِ الله قلبَيْن في جوفٍ لأدائه (^١) إلى التَّناقض - وهو أنْ يكونَ كلّ منهما أصلًا لكلِّ القُوى وغيرَ أصلٍ - لم يجعل الزَّوجةَ والدَّعيَّ اللَّذَين لا ولادة بينهما وبين أمِّه وابنه اللَّذَين بينهما وبينه ولادة.
ومعنى الظِّهار: أنْ يقولَ للزَّوجةِ: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، مأخوذٌ مِن الظَّهر باعتبار اللَّفظ، كالتَّلبيةِ مِن لبَّيكَ، وتعديتُه بـ (من) لتضمُّنه معنى التَّجنُّب، لأنَّ الظِّهار كان في الجاهلية طلاقًا، فكانوا يجتنبون المرأة المظاهَر عنها كما يجتنبون المطلَّقةَ.
ونظيرُه: آلى مِن امرأته، فإنَّه عُدِّي بـ (من) لتضمُّنه معنى التَّباعد، وإلَّا فـ (آلى) بمعنى: حلفَ، فلا يُعدَّى بـ (من).
وذِكْرُ الظَّهر في تشبيههم كنايةٌ عن البطن في التَّحريم، كأنَّهم تحاشوا عن ذكرِه لأنَّه يُقارِب ذِكْرَ الفرج، فكَنوا بالظَّهر عنه لأنَّه محمود البطن (^٢)، أو للتَّغليظ في التَّحريم، فإنَّهم كانوا يحرِّمون إتيان المرأة وظهرُها إلى السَّماء.
والأدعياءُ: جمع دَعِيٍّ، وهو المَدْعُوُّ ولدًا (^٣)، فَعيل بمعنى مَفعول، وحقُّه أنْ يجمع على فَعْلَى كجَرْحَى وقَتْلَى، والجمع على أفعلاء إنَّما يكون للفَعيل بمعنى الفاعل، كتَقِيٍّ وأتقياء، وشَقِيٍّ وأشقياء، فهو شاذّ عن القياس كقُتَلاءَ وأُسَراءَ، ووجهُه التَّشبيهُ اللَّفظيُّ.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ، أو إلى الأخير.
_________________
(١) في (ف): "لأدى".
(٢) "البطن" زيادة من (ي) و(ع).
(٣) في (ك): "وكذا ".
[ ٨ / ٢١٨ ]
﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، أي: لا حقيقةَ له ولا يطابقُ الواقع.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ ما لَهُ حقيقةٌ عينيَّةٌ مطابقةٌ (^١) له.
﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: سبيلَ الحقِّ.
وفي فصلِ بعضِ الجملِ الواقعة في هذه الآية ووصلِ بعضِها ما لا يخفى على العالِمِ بعلمِ المعاني المتدرِّب في طريق (^٢) النَّظم.
* * *
(٥) - ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿دْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، أي: انسبوهم إليهم، وهو إفراد للمقصود مِن أقوالِه الحقَّة، وقوله:
﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تعليلٌ له، والضَّمير لمصدر (ادع).
و﴿أَقْسَطُ﴾ هو أفعل المستعمل لمطلق الزِّيادة، مِن القِسْطِ بمعنى العَدْلِ، ومعناه: البالغ في الصِّدق.
﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ﴾؛ أي: إنْ لم تعرفوا آباءهم حتى تنسبوهم إليهم.
﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾: فهم إخوانكم في الدِّين.
﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾: وأولياؤكم فيه، فقولوا: هذا أخي، و: هذا مولاي.
_________________
(١) في (ف)، و(ك) و(م): "مطابق"، وفي (ف): "غنية " بدل: "عينية".
(٢) في (م): "بطريق".
[ ٨ / ٢١٩ ]
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: إثمٌ ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قبلَ النَّهي أو بعدَه على سبيل النِّسيان أو سَبْقِ اللِّسانِ.
﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ولكنَّ الجُناحَ فيما تعمَّدْتُموه بعدَ النَّهي.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: يغفر للمخطئ ويعفو عنه، وعن العامد إذا تابَ.
* * *
(٦) - ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾.
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ في كلِّ شيءٍ مِن أمور الدِّين والدُّنيا، فإنَّه لا يأمرُهم ولا يرضى منهم إلَّا بما فيه صلاحُهم وفلاحُهم، بخلاف أنفسِهم، فيجب أن يكونَ أحبَّ إليهم من أنفسِهم، وأمرُه أنفذَ عليهم مِن أمرِها، وشفقتُهم عليه أتمَّ وأقدَمَ من شفقتِهم عليها، وحقُّه آثرَ لديهم مِن حقوقِها، وأنْ يبذلُوها دونَه، وأنْ يثَّبعوا (^١) كلَّ ما دعاهم إليه وصرفَهم عنه.
روي أنَّه ﵇ أرادَ غزوةَ تبوك، فأمرَ النَّاسَ بالخروج، فقالَ ناسٌ: نستأذِنُ آباءَنا وأمَّهاتِنا، فنزلَتْ (^٢).
وفي قراءة ابن مسعود ﵁: (النَّبيُّ أولى بالمؤمنين مِن أنفسِهم وهو أبٌ لهم) (^٣)؛ أي: في الدِّين.
_________________
(١) في (ف): "سبقوا"، وفي (ك): "يسبقوا"، وفي (ي) و(ع): "ينبغوا".
(٢) انظر: "تفسير الماوردي" (٤/ ٣٧٣)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (٣/ ١٤٩٥)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٢٢٥). قال ابن العربي: موضوع.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٣٥)، ورويت عن أبي بن كعب ﵁ في "تفسير=
[ ٨ / ٢٢٠ ]
وقال مجاهد: كلُّ نبيٍّ فهو أبو أمَّته (^١). من حيث إنَّه أصلٌ فيما به الحياة الأبديَّة، ولذلك صار المؤمنون إخوة.
﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ كنايةٌ عق التَّحريم خاصَّة - ولذلك قالَتْ عائشةُ ﵂: لسنا أمَّهات النِّساء (^٢) - لا عنه وعن استحقاق التَّعظيم، إذ حينئذٍ يَنتظِم النِّساء، ويردُّه الأثرُ المذكور.
﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾: وذوو (^٣) القَرابات ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في التَّوارُثِ، وهو نسخُ ما كان في صدرِ الإسلام مِن التَّوارثِ بالموالاة في الدِّين وبالهجرة.
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، أي: في اللَّوح، أو: فيما أوحي إلى النَّبيِّ ﵇، وهو في هذه الآية، أو آية المواريث، أو فيما فرضَ الله تعالى.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ بيانٌ لـ (أولي الأرحامِ)، وتخصيصُ المهاجرين بالذِّكْرِ بعدَ التَّعميمِ لدفعِ ما عسى أنْ يسبقَ إلى الوهم من عدمِ تناول الحكم لهم لِمَا فيهم مِن فضيلة الهجرة.
أو صلة لـ (أولي)، أي: وأولو الأرحام لحقِّ القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحقِّ الولاية في الدِّين، ومن المهاجرين بحقِّ الهجرة.
﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ استثناءٌ مُفرَّغٌ مِن أعمِّ العام من معنى
_________________
(١) = عبد الرزاق " (٢/ ٢١١)، وعن ابن عباس ﵄ في "المستدرك (٣٥٥٦).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٥٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٣٥).
(٣) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٨/ ٦٥ و٦٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٧٠).
(٤) في (ف) و(م): "وذو".
[ ٨ / ٢٢١ ]
النَّفع والإحسان. وانتصاب ﴿أَنْ تَفْعَلُوا﴾ على الظَّرف؛ أي: إلَّا وقتَ أنْ تفعلوا، وعدِّي بـ (إلى) لأنَّه في معنى: أنْ تُسْدوا (^١).
والمرادُ بفعلِ المعروفِ: التَّوصيةُ، وبالأولياءِ: المؤمنون والمهاجرون؛ لِمَا بينهم مِن الولاية في الدِّين؛ أي: الأقرباءُ بعضُهم أولى ببعضٍ مِن الأجانب في كلِّ نفعٍ مِن ميراثٍ وهديَّةٍ وهبةٍ وصدقةٍ ومعاوَنةٍ وغيرِ ذلك، إلَّا في التوصيَّة (^٢).
﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ في الآيتَيْن جميعًا ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ في اللَّوحِ المحفوظِ، أو في القرآنِ، وقيل: في التَّوراةِ.
﴿مَسْطُورًا﴾ مثبَتًا، أو مذكورًا.
* * *
(٧) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾ مقدَّر بـ (اذكرْ) ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾: عهودَهم بتبليغِ الرِّسالة والدَّعوة إلى الدِّين القيِّم.
﴿وَمِنْكَ﴾ خصوصًا ﴿وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ تخصيصٌ للمشاهير وأصحاب الشَّرائع مِن الأنبياء ﵇ بالذِّكرِ؛ لبيانِ شرفِهم وفضيلتِهم، ولذلك قدَّمَ محمَّدًا (^٣) ﵇ على الجميع لكونه أفضلَهم، وإنَّما قدَّم عليه نوحًا في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا
_________________
(١) في (ف) و(م): "أن سدوا"، وفي (ك): " أسدوا"، وبالهامش: " الإسداء: الإحسان".
(٢) في (ك): "الوصية".
(٣) في (ف) و(م): "محمد".
[ ٨ / ٢٢٢ ]
إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] لأنَّ الغرضَ مِن مساقِ الكلام ثمَّةَ بيانُ أصالةِ الدِّين وقِدَمِهِ واستقامَتِهِ، فكأنَّه قالَ: شرعَ لكم الدِّين الأصيل القديم الذي وصَّينا به نوحًا في العهد القديم، والذي أوحينا إليك في العهد الحديث، ووصَّينا به مَن توسَّط بينهما من الأنبياء المشاهير، فهو دينٌ أصيلٌ قديم، اتَّفق عليه وعلى إقامته (^١) الأنبياءُ كلُّهم ولم يتفرَّقوا فيه.
﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ تكريرٌ للتَّوكيد، وزيادةُ وصفٍ للميثاقِ بالعِظَمِ وفخامةِ الشَّأنِ، ولذلك نكَّره وغلَّظه؛ أي: ميثاقًا موثَّقًا بالأيمان الغِلاظ.
وسمَّاه ﴿مِيثَاقًا﴾ لا عهدًا دلالةً على توثيقه باليمين.
والغِلظُ استعارةٌ مِن وصف الأجرام لتصوير معنى القوَّة والوثاقة في الحسِّ.
* * *
(٨) - ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ تعليلٌ لـ ﴿أَخَذْنَا﴾، أي: أخذنا ميثاقَهم ليسألَ اللهُ تعالى يوم القيامة عندَ مواقفِ الأشهادِ المؤمنين الذين صدقوا عهدَهم حينَ أشهدَهم على أنفسِهم عن صِدق عهدهم، أو (^٢) الأنبياء الذين صدقوا عهدهم عمَّا قالوه لقومِهم، أو تصديقهم إيَّاهم تبكيتًا لهم، أو المصدِّقين لهم عن (^٣) تصديقهم، فإنَّ مصدِّقَ الصَّادق صادقٌ.
_________________
(١) في (ف): "اتفق عليه إقامة".
(٢) في (ف) و(ك): "و".
(٣) تحرفت في (ف) و(ك) و(م) إلى: "عند".
[ ٨ / ٢٢٣ ]
﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ عطفٌ على ﴿أَخَذْنَا﴾؛ لأنَّ المعنى: أكَّدَ على الأنبياء الدَّعوةَ إلى دينه لإثابة المؤمنين وأعدَّ للكافرين، أو على ما دلَّ عليه لـ ﴿لِيَسْأَلَ﴾؛ أي: فأثابَ المؤمنين، وأعدَّ للكافرين.
* * *
(٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ يعني: الأحزاب، وهم قريشٌ وغطفانُ ويهودُ قريظةَ والنَّضيرِ، وكانوا زُهاءَ اثني عَشَرَ ألفًا.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ هي الصَّبا، قال ﵇: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ" (^١).
﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ هي الملائكةُ، رُوِيَ أنَّه ﵇ لَمَّا سمع بإقبالهم ضربَ الخندقَ على المدينةِ، ثمَّ خرج إليهم في ثلاثةِ آلافٍ، فضرب مُعَسكره (^٢) والخندقُ بينَه وبينَ القومِ، ومضى على الفريقَيْن قريبٌ مِن شهرٍ لا حربَ بينَهم إلَّا التَّراميَ بالنَّبْلِ والحجارةِ، حتى بعثَ اللهُ تعالى عليهم صبًا باردةً في ليلةٍ شاتيةٍ، فأَخصرتهم (^٣) وسفَتِ التُّراب في وجوهِهِم، وأطفأَتْ نيرانَهم، وقلعَتْ خيامَهم، وماجَت الخيلُ بعضُها في بعضٍ، وقُذِفَ في قلوبِهم الرُّعْبُ، وكَبَّرَتِ
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) في (ف) و(ك): "بعسكره".
(٣) أي: أوقعتهم في الخَصَر؛ وهو البرد، في "الصحاح" (مادة: خصر): الخصَر بالتحريك: البرد، وقد خَصِرَ الرجل: إذا آلمه البرد في أطرافه.
[ ٨ / ٢٢٤ ]
الملائكةُ في جوانب العسكرِ، فقال طليحةُ بن خويلد الأسدي: أمَّا محمَّدٌ فقد بدأَكُمْ بالسِّحرِ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فانهزموا مِن غيرِ قتالٍ (^١).
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾: مِن ضَرْبِ الخندقِ وغيرِه ﴿بَصِيرًا﴾.
وقرئ بالياء (^٢)، أي: بما يعملُ المشركون واليهودُ مِن التَّحزُّبِ والتَّضام (^٣).
* * *
(١٠) - ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ بدل مِن ﴿إِذْ جَاءُتْكُمْ﴾.
﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: مِن أعلى الوادي مِن قِبَلِ المشرفِ بنو غَطفان.
﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، أي: مِن أسفل (^٤) الوادي مِن قِبلِ المغربِ (^٥) قريشٌ.
لم يقل: ومن تحتكم، مع ما فيه من رعاية المقابلة والاختصار، إظهارًا لِمَا في مقابلِه مِن التَّجوُّز، وإنَّما اختير ذلك لأنَّه أحسنُ لفظًا ومعنًى من: أعلى منكم (^٦).
﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾: مالَتْ عن مُستوى نظرها حيرةً وشخوصًا.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ٥٢٦)، و"تفسير الماوردي" (٤/ ٣٧٩).
(٢) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٧).
(٣) في (ف): " الخير والتضار"، وفي (م): "من الحرب والتصام"، وفي (ك): "الحربِ والتَّرامي".
(٤) "من أسفل" سقط من (ك).
(٥) في (ك): "الغرب ".
(٦) في (ع): "ومن أعلى منكم "، وسقطت من (ف) و(ك).
[ ٨ / ٢٢٥ ]
﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ رُعبًا، فإنَّ الرِّئةَ تنتفخُ عندَ شدَّة الخوف، فتربو ويرتفع القلبُ بارتفاعها.
بلوغُ القلبِ الحنجرة مثل في شدَّة الخفقانِ واضطرابِ القلبِ؛ فإنَّ صاحبَ الخفقانِ الشَّديدِ يتوهَّمُ مِن شدَّةِ انتفاخ الرِّئةِ أنَّ قلبَه بلغَ الحنجرةَ، وهي رأسُ قصبة الرِّئة، وهي مخرج النَّفَسِ.
﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: الظُّنونَ المختلفةَ، والخطابُ (^١) للمؤمنين، فمنهم الأقوياء الثُّبَّتُ الأقدام، يظنُّون الابتلاءَ مِن الله تعالى وإنجازَ وعدِه بالنَّصر، ومنهم مَن يخافُ الزَّللَ وضعفَ الاحتمال، ومنهم الضِّعافُ (^٢) الذين يشكُّون في أمرِهم ويستأذنون، والمنافقون - على ما حكى الله تعالى عنهم - يظنُّون أنَّ المسلمِينَ يُستأصَلونَ.
* * *
(١١) - ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: اختُبِروا ليتميَّزَ المخلِصُ مِن المنافقِ والثَّابتُ مِن المتزلزِلِ.
﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾: وأُزْعِجوا أشدَّ إزعاجٍ (^٣) مِن شِدَّة الفَزَعِ، فالزِّلزالُ: الاضطرابُ العظيمُ.
* * *
_________________
(١) في (ك): "الخطاب ".
(٢) في (ف): "الضعفاء".
(٣) في (ف): " إزعاجًا "، وفي (ك): "انزعاج ".
[ ٨ / ٢٢٦ ]
(١٢) - ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: ضعفُ اعتقادٍ.
﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾: وعدًا باطلًا، أرادوا به ما وعدَهُ اللهُ تعالى مِن إعلاءِ الدِّين والظَّفَرِ على المشركين.
* * *
(١٣) - ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾.
﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ هم (^١) أوسُ بنُ قَيْظيٍّ ومَن وافَقَهُ.
﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾: اسم المدينة، وقيل: اسم أرضٍ وقعَتِ المدينةُ في ناحيةٍ منها.
﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾: لا مَوضِعَ قيامٍ لكم هاهنا.
وقرئ بالضَّم (^٢) على أنَّه مكانٌ أو مصدرٌ مِن أقام.
﴿فَارْجِعُوا﴾ إلى المدينة، وانخَزِلُوا (^٣) عن معسكرِ الرَّسولِ إلى منازلِكم.
وقيل: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ بالمدينةِ أنْ نقيمَ على دينِ محمَّدٍ، ﴿فَارْجِعُوا﴾ كفَّارًا مشركين، وأسلِموا محمَّدًا حتى يمكنكم المقام بها.
﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ﴾ للرُّجوعِ.
_________________
(١) في (م): "هو".
(٢) أي: بضم الميم، وهي قراءة حفص، وقرأ باقي السبعة بفتحها. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٨).
(٣) في (ف): "وانخربوا ".
[ ٨ / ٢٢٧ ]
﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ بسكون الواو وبكسرها (^١)، فالعَوْرَةُ بالسُّكون: الخللُ، مبالغةً في وصفِها بالعَوَرِ، كأنَّ أنفسَها عورة، وبالكسرِ: ذاتُ العَوَرِ؛ يقال: عَوِرَ المكانُ عَوَرًا: إذا بدا فيه خَللٌ يُخافُ منه العدوُّ والسَّارق، ويجوز أن يكون (عَوْرَة) مخفَّف (عَوِرة).
﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ بل هي حصينةٌ.
﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾: وما يريدون بذلك إلا الفِرار مِن القِتالِ.
* * *
(١٤) - ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾.
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾: دُخِلَتِ المدينةُ أو بيوتُهم.
﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾: من جوانبِها، وحذف الفاعل للإيماءِ بأنَّ دخولَ هؤلاء المتحزِّبين عليهم، ودخولَ غيرهم من العساكر، سيَّانِ في اقتضاء الحكم المترتِّبِ عليه.
﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾: الرِّدَّةَ ومقاتلةَ المسلمين.
﴿لَآتَوْهَا﴾: لأَعْطَوها؛ وقرئ بالقصر (^٢)؛ أي: لجاؤوها وفعلوها.
﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا﴾؛ أي: بالفتنة، أو: بإعطائها ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ ريثما يكون السُّؤال والجواب مِن غير توقُّف.
_________________
(١) بالسكون قراءة الجمهور، ونسبت قراءة الكسر لابن عباس وغيره. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٨).
(٢) وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٨).
[ ٨ / ٢٢٨ ]
أو: بالمدينة؛ أي: ما لبثوا بها بعدَ الارتداد إلَّا زمانًا يسيرًا، أو لبثًا يسيرًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى يهلكُهم ويستأصلُهم.
* * *
(١٥) - ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾.
﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارِ﴾ عن ابن عباس ﵄: عاهدوا رسولَ اللهِ ﵇ ليلةَ العقبةِ أن يمنعوه ممَّا يمنعون منه أنفسهم (^١).
وقيل: قوم غابوا عن بدرٍ، فقالوا: لَئِنْ أشهدَنا اللهُ قتالًا لنقاتِلن (^٢).
وعن محمَّدِ بنِ إسحاقَ هم بنو حارثةَ، عاهدوا يومَ أُحُدٍ رسولَ اللهِ ﵇ حينَ فَشِلُوا، ثمَّ تابوا أنْ لا يفروُّا (^٣) بعدَ أنْ نزلَ فيهم ما نزلَ.
﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ عن الوفاءِ به، مجازًى عليه؛ أي: شأنه (^٤) ذلك.
* * *
(١٦) - ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ نفعًا تامًّا في دفعِ الأمرَيْن
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ٥٢٨). وذكره السمعاني في "تفسيره" (٤/ ٢٦٧)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٩٢)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٥١٧) عن مقاتل والكلبي. قال السمعاني والبغوي: وهذ القول ليس بمرضى؛ لأن الذين بايعوا النبي ﷺ ليلة العقبة لم يكن فيهم شاك ولا من يقول هذا القول.
(٢) في (م): "لنقابل"، وفي باقي النسخ: "لنقاتل "، والمثبت من "الكشاف" (٨/ ٥٢٨).
(٣) في (ك): "يعيدوا"، وفي (م): "يغزوا"، وفي (ف): "يعدوا".
(٤) في (ف) و(م): "أن شأنه".
[ ٨ / ٢٢٩ ]
المذكورَيْن بالكليَّة؛ إذْ لا بُدَّ لكلِّ شخصٍ مِن حَتْفِ أنفٍ أو قتلٍ في وقتٍ، لا لأنَّه سبق به القضاء لأنَّه تابع للمقضيِّ (^١) فلا يكون باعثًا له، بل لأنَّه مقتضَى ترتُّب الأسباب والمسبَّبات بحسب العادة على مقتضى الحكمة، فلا دلالة فيه على أنَّ الفِرارَ لا يغني شيئًا حتى يُشْكِلَ هذا بالنَّهي الواقع في الكتاب عن إلقاءِ النَّفسِ بالتَّهلُكة وبالأمرِ الواقِع في السُّنَّةِ بالفرار عن المضارِّ، كيف وقد دلَّ (^٢) قولُه:
﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ على أنَّ في الفرارِ نفعًا (^٣) في الجملةِ؛ إذِ المعنى: لا تمتَّعون على تقديرِ الفرار إلَّا مَتاعًا قليلًا أو زمانًا قليلًا (^٤).
وعن بعض المروانيَّة: أنَّه مرَّ بحائط مائل فأسرع، فتليت له هذه الآية، فقال: ذلك القليلَ نطلب (^٥).
* * *
(١٧) - ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: ممَّا أرادَ اللهُ إنزالَه بكم ﴿اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ
_________________
(١) في هامش (ف) و(ي): "لأنَّه تابع للإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم وهو المقتضى. منه ".
(٢) في (م) زيادة: "في".
(٣) في (ع) و(ي): "نفع"، والمثبت من باقي النسخ.
(٤) انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ١٦٤)، و"روح المعاني" (٢١/ ٢٢٤). وقد عزاه الآلوسي لبعض الأجلة، وبينما أطال الشهاب في تعقبه، اقتصر الآلوسي على القول: (وفيه ما فيه، فتأمل).
(٥) انظر: "الكشاف" (٣/ ٥٢٩). وسماه ابن عبد ربه في "العقد" (٣/ ١٥٢): الوليد بن عبد الملك.
[ ٨ / ٢٣٠ ]
سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ العصمةُ: هي المحافظةُ من السُّوء فلا يكون مِن الرَّحمةِ، فاقترانُها بالسُّوء في حكمِ العصمة على طريقة عطف عاملٍ حُذِفَ وبقي معمولُه على عاملٍ آخر يجمعُهما معنًى واحدٌ اختصارًا، أي: أو يصيبكم بسوءٍ إنْ أرادَ بكم رحمةً.
ويجوز أن تكون الرَّحمةُ قرينةَ السُّوء في العِصمةِ؛ لأنَّها في معنى المنعِ، كما كان الرُّمحُ قرينَ السيَّفِ في قولِه:
متقلِّدًا سيفًا ورمحًا (^١)
في التَّقلُّدِ؛ لأنَّه في معنى الحملِ فلا يحتاجُ إلى تقديرِ: ومعتقِلًا (^٢).
﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا﴾ ينفعُهم ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدفعُ الضَّررَ عنهم.
* * *
(١٨) - ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ ﴿قَدْ﴾ هنا للتَّحقيق، وإنْ دخلَ على المضارع.
﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾: المثبِّطينَ النَّاسَ عن الرِّسول ﵇، وهم المنافقون.
﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ مِن ساكني المدينةِ:
﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ قد سبقَ تفسيرُه في سورة الأنعام.
_________________
(١) عجز بيت لعبد الله بن الزبعرى، وهو في ديوانه (ص: ٣٢)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٦٨)، و"الخصائص" لابن جني (٢/ ٤٣١)، وغيرها، وصدره: يا ليت زوجك قد غدا
(٢) في (م) و(ك): "ومقتولًا"، وفي هامش (ك): "ومعتقلًا ".
[ ٨ / ٢٣١ ]
﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: إتيانًا قليلًا، أو: زمانًا قليلًا، أو: ناسًا قليلًا" أي: يخرجون معكم يوهمون المؤمنين أنَّهم معهم ولا يقاتلون إلَّا قتالًا قليلًا إذا اضطروا إليه، لقوله: ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] (^١).
* * *
(١٩) - ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾: بخلاءَ عليكُم (^٢) وقتَ الأمنِ، أو بالمعاونة، أو النَّفقةِ في سبيلِ اللهِ، أو (^٣) الغنيمةِ عندَ الظَّفرِ.
جمعُ شحيحٍ، نصب على الحال مِن فاعل ﴿يَأْتُونَ﴾، أو ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾، أو ﴿وَالْقَائِلِينَ﴾، أو على الذَّمِّ.
﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾؛ أي: وقت الحرب ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ لواذًا بك ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في موضعِ الحالِ، أي: دائرة أعينهم. والكاف في:
_________________
(١) قوله: "أو ناسا قليلا أي يخرجون معكم يوهمون المؤمنين أنهم معهم ولا يقاتلون إلا قتالا قليلا" سقط من (ي)، وقوله: "أو ناسا قليلا" سقط من (ع)، والعبارة كلها سقطت من (ف) و(ك)، والمثبت من (م). وفي (ي): "أو زمانًا قليلا إذا اضطروا إليه لقوله وما قاتلوا إلا قليلا". وفي (ع): "أو زمانًا قليلا أي يخرجون معكم يوهنون المؤمنون أنهم معهم ولا يقاتلون إلا قتا لا قليلا إذا اضطروا إليه لقوله وما قاتلوا إلا قليلا".
(٢) "عليكم "ليست في (ف) و(ك).
(٣) في (ف): "و".
[ ٨ / ٢٣٢ ]
﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ﴾ في موضع النَّصب على المصدر: إما مِن ﴿يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: نظرًا مثلَ نظر الذي يُغشَى عليه، أو مِن ﴿تَدُورُ﴾؛ أي: دورانًا مثلَ دوران عَيْنِ الذي يُغشَى عليه.
﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾: مِن شِدَّةِ سكراتِ الموتِ خوفًا أو جُبْنًا (^١).
﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وحيزت الغنائم ﴿سَلَقُوكُمْ﴾: ضربوكم ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾: ذَربةٍ يطلبون الغنيمة، بعدَ أنْ كانَتْ حصرةً بالخوف.
قال قُطْرُب: سلقْتُ المرءَ وصلقْتُ؛ أي: صحْتُ به، وأصلُه: رفعُ الصَّوتِ.
قال ﵇: "ليس منَّا مَنْ حَلَقَ أو سَلَقَ" (^٢)؛ أي: حلَقَ شعرَه عند المصيبة، أو رفع صوته بالنِّياحة.
﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ حالٌ من ضمير ﴿سَلَقُوكُمْ﴾، أو نصب على الذَّمِّ، ويؤيِّده مَن قرأه بالرَّفع (^٣)، وليس بتكريرٍ؛ لأنَّ كلًّا منهما يفيد فائدةً أخرى.
﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ إخلاصًا والفاء في: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ للسَّببيَّة؛ أي: أبطلَ اللهُ تعالى ما عملوه مِن أعمالِ البِرِّ بسبب نفاقِهم وعدم إيمانهم حقيقة، فإنَّه شرطُ صحَّة العبادة وقَبولها.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الإحباط ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: هيِّنًا؛ لتعلُّق إرادته مِن غيرِ مانعٍ يمنعُه.
* * *
_________________
(١) في (ف): "خوفًا وحسًّا"، وفي (م): "خوفًا وجئنا".
(٢) روى نحوه البخاري (١٢٩٦)، ومسلم (١٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٣) نسبت لابن أبي عبلة. انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ٣٧٦)، و"البحر المحيط" (١٧/ ٢٩٩).
[ ٨ / ٢٣٣ ]
(٢٠) - ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ مِن شدَّة الجبنِ والخوفِ، ففرُّوا إلى المدينة وقد انهزمَ الأحزابُ، وهم مِن استيلاءِ الفَزَعِ عليهم لا يصدِّقونَ بذلك.
﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ كرَّةً أخرى ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ تمنَّوا أنَّهم خارجون إلى البدوِ بينَ (^١) الأعرابِ ﴿يَسْأَلُونَ﴾ كلَّ قادمٍ مِن جانبِ المدينةِ ﴿عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ وما جرى عليكم.
﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ﴾ هذه الكرَّة، ولم يفرُّوا إلى المدينةِ، ووقع قتالٌ ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾: إلَّا قتالًا قليلًا؛ رياءً وخوفًا مِن التعيير.
* * *
(٢١) - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: خصلةٌ ﴿حَسَنَةٌ﴾ يجبُ أنْ يُؤتَسى به، وهي المصابرة على الجهاد، والثَّبات في المحاربة، ومقاساة الشَّدائدِ.
والأولى بفصاحة القرآن أن تكون ﴿فِي﴾ [في] (^٢) قوله: ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ للتَّجريد؛ أي: لقد كان لكم رسولُ الله بنفسِه أُسوةٌ حسنةٌ؛ أي: هو قدوةٌ يجبُ أنْ يُقتدَى به، كما تقولُ: لي من فلان صديقٌ صادق، ومعناه: المبالغةُ في الصَّداقة؛ كأنَّ فيه مِن كمال صداقتِه صديقٌ آخرُ.
_________________
(١) في (ف) و(م): "إلى البدوين"، وفي (ي): "إلى المدينة".
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
[ ٨ / ٢٣٤ ]
﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ يرجو ثوابَ اللهِ، أو لقاءَه والعاقبةَ المحمودةَ، وهي نعيمُ الآخرة، أو أكَد أم اللهِ واليومَ الآخر خصوصًا.
ويجوزُ أن يكون ﴿يَرْجُو اللَّهَ﴾ مِن باب التَّوطئةِ، كما تقولُ: رجوْتُ زيدًا وفضلَه (^١)؛ أي: فضلَ زيدٍ.
والرَّجاءُ هاهنا يجوز أن يكون بمعنى الأمل، وبمعنى الخوف.
و﴿لِمَنْ كَانَ﴾ صفةٌ لـ ﴿حَسَنَةٌ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿أُسْوَةٌ﴾، وقيل: بدلٌ من ﴿لَكُمْ﴾، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥]، والأكثر على (^٢) أنَّ ضميرَ المخاطَب لا يُبدَلُ منه.
﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قرَنَ الرَّجاءَ بالذِّكرِ الكثيرِ المؤدِّي إلى ملازمةِ الطَّاعةِ؛ لئلَّا يكون رجاؤه طَمعًا فارغًا؛ فإنَّ المقتديَ برسول الله ﷺ مَن كانَ كذلك.
* * *
(٢٢) - ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ لأنَّهم وُعِدوا أنْ يُزَلْزَلوا (^٣) حتى يستغيثوا ويستنصِروه في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، وفي قوله ﵇: "سيشتدُّ (^٤) الأمرُ باجتماعِ الأحزابِ عليكم، والعاقبةُ لكُم
_________________
(١) في (ف): "فضله"، والمثبت من باقي النسخ و"الكشاف" (٣/ ٥٢٩).
(٢) "على" سقط من (م).
(٣) في (ك) و(م): "ينزلوا"، وفي (ف): "يتنزَّلوا".
(٤) في (ك) و(م): "سيشتد"، وفي (ف): "يستشهد".
[ ٨ / ٢٣٥ ]
عليهم" (^١)، وقوله ﵇: "إن الأحزاب سائرون إليكم بعد تسع أو عشر" - أي: في آخرِ تسعِ ليالٍ أو عشرٍ - فلمَّا رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك (^٢).
و﴿هَذَا﴾ إشارة إلى الخَطْبِ أو البلاءِ، إيمانًا بالله وبوعدِه، وتسليمًا لقضائِه وقدرِه.
وإظهارُ الاسمَيْن في قولِه: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ للتَّعظيمِ؛ أي: ظهرَ صِدْق خبرهما، أو صَدَقا في النَّصر والثَّواب كما صَدَقا في البلاء.
﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ضمير الفاعل فيه لِمَا رأوا، أو لِلمُشَارِ إليه بـ ﴿هَذَا﴾ مِنَ الخَطْبِ أو البلاء.
﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ باللهِ ومواعيدِه ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأوامرِه وتقاديرِه.
* * *
(٢٣) - ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ التَّنكير للتَّفخيم.
﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: صَدَقوا فيما عاهدوا عليه من الثَّبات مع الرَّسول، والمصابرة على قِتالِ أعداءِ الدِّين، فحذف الجارّ كما في المثل: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ (^٣)؛ أي: صَدَقَني في سِنِّ بَكرِهِ.
_________________
(١) ذكره البيضاوي في "تفسيره" (٤/ ٢٢٩)، ولم يتكلم عليه المناوي في "الفتح السماوي " (٣/ ٩٢٨).
(٢) قال ابن حجر: لم أجده. انظر: "الكاف الشاف" (ص: ١٣٣).
(٣) انظر: "الأمثال" لأبي عبيد (ص: ٤٩)، و"جمهرة الأمثال" للعسكري (١/ ٥٧٥)، و"فصل=
[ ٨ / ٢٣٦ ]
نذرَ رجالٌ مِن الصَّحابة ﵃ أنَّهم إذا لَقُوا حربًا مع رسولِ الله ﷺ ثَبتوا وقاتلوا حتى يُستَشهَدوا، وهم عثمانُ بنُ عفَّانَ، وطلحة، وسعدُ بنُ زيدٍ، وحمزةُ، ومصعبٌ، وغيرُهم ﵃ (^١).
ويجوز أنْ يُجعَلَ المعاهَدَ عليه مَصدوقًا على المجازِ، كأنَّهم قالوا له: سنفي بك، فإذا وفَوا به فقد صَدَقوه، مِن قولِكَ: صَدَقني أخوك: إذا قالَ لكَ الصِّدقَ.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾: نَذْرَهُ (^٢) بأنْ قاتلَ حتَّى استُشْهِد كحمزةَ ومصعبٍ وأنسٍ ﵃.
قيل: والنَّحْبُ استعارةٌ للموتِ؛ فإنَّ الموتَ لازمٌ لكلِّ حيوان، فكأنَّه نَذْرٌ لازمٌ في رقبتِهِ، فإذا ماتَ قضى نحبَه.
كأنَّ هذا القائلَ غافلٌ عن النَّذرِ المذكور في سببِ النُّزولِ؛ لأنَّ مُوجَبه أنْ يكونَ النَّحْبُ على حقيقتِه، وقضاء نذرِهم (^٣) يجوز أنْ يكونَ كنايةً عن شهادتِهم.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ كعثمانَ وطلحةَ ﵄.
﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾ العهدَ، ولا غَيَّروه، لا المستشهَدُ ولا مَنِ انتظرَ الشَّهادة.
_________________
(١) = المقال" للبكري (ص: ٤١). وقوله: (سنّ) يجوز فيه الرفع والنصب، فالنصب على المعنى الذي ذكره المصنف، والرفع بجعل الصدق للسنِّ توسعًا. وأصل المثل يدلُّ عليه. انظر: "القاموس" (مادة: بكر).
(٢) انظر: "الكشاف" (٣/ ٥٣٢). وقد ثبت في السنة أنها نزلت في أنس بن النضر، وقد نذر كما نذر الصحابة المذكورون، رواه البخاري (٢٨٠٥)، ومسلم (١٩٠٣)، من حديث أنس ﵁.
(٣) "نذره" زيادة من (م) و(ي) و(ع).
(٤) في (ف): "وقضائه".
[ ٨ / ٢٣٧ ]
ولقدْ ثبَتَ طلحةُ مع رسولِ اللهِ ﷺ يومَ أُحِدٍ حتَى أصيبَتْ يدُه، فقال رسول الله ﷺ: "أوجَبَ طلحةُ" (^١)؛ أي: الجنَّة.
﴿تَبْدِيلًا﴾: شيئًا مِن التَّبديل، تعريضًا لِمَن بَدَّلَ مِن أهلِ النِّفاقِ وتبديلِهم، ولذلك قال:
* * *
(٢٤) - ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ تعليلًا للمَنطوقِ، والمعرَّضُ به جَعْلُ المنافقين كأنهم قَصدوا بالتَّبديل عاقبةَ السُّوءِ كما قصدَ الصَّادقون بوفائِهم عاقبةَ الصِّدقِ، فاللَّامُ مجازٌ للعاقبةِ، فإنَّها وإنْ أمكنَ حملُها على الحقيقة بالنِّسبة إلى الصَّادقين، لكنْ لا يمكِنُ حملُها عليها بالنِّسبة إلى المنافقين؛ لأنَّ التَّعذيب لم يكن غرضًا لهم، ولا يُستعمل اللَّفظُ الواحدُ حقيقةً ومجازًا في استعمالٍ واحدٍ، فيجبُ حملُها على المجازِ؛ لأنَّ كِلَا الفريقَيْنِ مَسوقٌ إلى عاقبتِه (^٢) مِن الثَّواب والعقاب.
﴿إِنْ شَاءَ﴾ إذا لم يتوبوا ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إذا تابوا، ويجوزُ أنْ يُرادَ: يعذِّبُهم إنْ شاءَ أو يوفِّقُهم للتَّوبةِ.
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٧٣٨) من حديث الزبير ﵁ فال: كان على رسول الله ﷺ يوم أحد درعان فنهض إلى صخرة، فلم يستطع فأقعد تحته طلحة، فصعد النبي ﷺ حتى استوى على الصخرة، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "أوجب طلحة". قال: حسن صحيح غريب.
(٢) في (ك): "عاقبة".
[ ٨ / ٢٣٨ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا﴾ بقَبولِ التَّوبةِ ﴿رَحِيمًا﴾ يغفرُ الحَوْبَةَ (^١).
* * *
(٢٥) - ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾.
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: الأحزاب.
﴿بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ حالان متداخلان أو متعاقبان (^٢)؛ أي: متغيِّظينَ (^٣) غيرَ ظافرين، ويجوز أنْ تكونَ الثَّانيةُ بيانًا للأولى، واستئنافًا (^٤).
﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالرِّيحِ والملائكةِ، و﴿وَكَفَى﴾ هنا بمعنى: وقى، يتعدَّى لاثنين، وإذا كانَتْ بمعنى (حسب) فالأكثر في لسان العرب أن يكون الفاعلُ مصحوبًا بالباء نحو: كفى بالله.
﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ على إحداثِ ما يريدُه ﴿عَزِيزًا﴾: غالبًا على كلِّ شيءٍ.
* * *
(٢٦) - ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾.
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾: ظاهَروا الأحزاب (^٥) ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: قريظة.
_________________
(١) في (م): "يعفو الحوبة"، وفي (ي): "بعفو الحوبة"، وفي (ع): "يعف الحوبة".
(٢) في (ع): "متداخلتان أو متعاقبتان"، وفي (ت) و(ي): "متداخلتان أو متعاقبان".
(٣) في (ف) و(م) و(ع): "مغيظين"، وفي (ي): "يغظين".
(٤) في (ف) و(ك): "أو استئنافا".
(٥) في (ف): "هم الأحزاب".
[ ٨ / ٢٣٩ ]
﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، أي: مِن حصونِهم، جمع صِيصِيَة، وهي ما يُتحصَّنُ به مِن حصنٍ وغيره.
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: الفزعَ والخوفَ.
﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ إنَّما أخَّره عن قوله: ﴿وَتَأْسِرُونَ﴾ وغيَّر النَّظمَ للدِّلالة على أنَّ الكلَّ منحصِرٌ في الفريقَيْن.
قيل: كان بنو قريظة ذمَّة (^١) رسول الله ﷺ، فنقضوا العهدَ باستدعاءِ أبي سفيانَ، وجاؤوا لمحاربة المسلمين، فلمَّا فرغَ رسولُ الله ﷺ من قريشٍ، ودخل الحُجْرةَ، ووضع (^٢) السِّلاح، سمعَ وجبة على باب الحجرة، فنظرَ فإذا هي جبريلُ ﵇ على فرسٍ أبلقَ وعلى ثيابه (^٣) النَّقع، فقال: يا رسول الله، وضعت السِّلاح ونحنُ ما وضعنا أسلحتنا بعدُ! إنَّ الله تعالى يأمرُكَ أنْ لا تصلِّيَ العصر إلَّا ببني قريظة، فنادى رسول الله ﷺ بذلك (^٤) في المسلمين، فخرجوا إليه، ولحقَ بهم رسولُ الله ﷺ، وحاصرَهم أحدًا وعشرين يومًا، ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁، فحكم بأنْ يُقتَلَ مقاتليهم ويُسبَى ذراريهم ونساؤهم، وتُغنم أموالُهم، فقال ﵇: "لقد حكمْتَ بحكمِ اللهِ تعالى فيهم "، ففعل ذلك، ومَنَّ اللهُ تعالى على المسلمين بذلك (^٥).
_________________
(١) في (ك): "في ذمة".
(٢) في (ي): "فوضع ".
(٣) في (ك): "ثناياه ".
(٤) في (ك) و(م): "لذلك".
(٥) انظر القصة بتمامها في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٢٣٣)، و"دلائل النبوة" للبيهقي (٤/ ٥)، و"تفسير الطبري" (١٩/ ٧٢).
[ ٨ / ٢٤٠ ]
(٢٧) - ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾.
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾: مزارعَهم ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾: حصونَهم ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾: نقودَهم ومواشيهم وأثاثهم؛ أي: جعلَها لكم بعدَهم.
﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾؛ أي: لم تصيروا إليها بعدُ قاصدين قتالَ أهلِها، وهذا وعدٌ لهم بإحراز أرضٍ أخرى، قيل: هي أرض فارس والرُّوم، وقيل: هي مكَّة، وقيل: هي خيبر وفَدَك.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فيقدِرُ على ذلك.
* * *
(٢٨) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ ذِكْرُ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ توطئةٌ وتمهيدٌ (^١) للاختصاص؛ أي: إنْ كُنتُنَّ تردْنَ زينةَ الحياةِ الدُّنيا، وكذا ذِكْرُ ﴿اللَّهَ﴾ في ﴿تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فإنَّه لاختصاص الرَّسولِ به.
_________________
(١) = وروى الإمام أحمد في "مسنده" (٢٤٩٩٢): عن عائشة، أن رسول الله ﷺ لما فرغ من الأحزاب، دخل المغتسل ليغتسل، فجاء جبريل ﵇، فقال: أوقد وضعتم السلاح، ما وضعنا أسلحتنا بعد، انهد إلى بني قريظة. وقول النبي ﷺ لما رجع من الأحزاب: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" رواه البخاري (٤١١٩)، ومسلم (١٧٧٠)، عن ابن عمر ﵄. ونزول قريظة على حكم سعد ﵁ وما جاء بعده رواه البخاري (٤١٢١)، ومسلم (١٧٦٨)، عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) في (ف) و(ي) و(ع): "وتمهيدًا".
[ ٨ / ٢٤١ ]
﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ أصل تعالَ: أنْ يقولَه مَن في المكان المرتفع العالي لمن في المكان المستوطي، ثمَّ كثرَ حتى استوَتْ في استعماله الأمكنة.
ومعنى (تعالَيْنَ) هنا: أقبلْنَ بإرادتِكُنَّ واختيارِكُنَّ لأحَدِ أمرَيْنِ، ولم يُرِدْ نهوضهُنَّ إليه بأنفسهِنَّ، كقولِكَ: قامَ يهدِّدني.
﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾: أُعْطِكُنَّ (^١) متعةَ الطِّلاقَ.
﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ التَّسريحُ كنايةٌ عن رفعِ النكّاحِ، وذلك بوقوعِ البينونةِ.
﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾: لا ضرارَ فيه، أردْنَ شيئًا مِن الدُّنيا مِن ثيابٍ وزيادةِ نفقةٍ، وتغايرْنَ، فغمَّ ذلك رسولَ اللهِ ﷺ فنزلَتْ، فبدأ بعائشةَ ﵂، وكانت أحبَّهُنَّ إليه فخيَّرها، وقرأ عليها القرآنَ، فاختارَتِ اللهَ ورسولَه والدَّار الآخرة، فرُئِيَ الفرحُ في وجهِ رسولِ اللهِ ﷺ، ثمَّ اختارَتْ جميعُهنَّ اختيارَها (^٢)، فشكرَ لهنَّ اللهُ فأنزلَ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٢] (^٣).
وتعليقُ التَّسريحِ بإرادتهنَّ زينةَ الدُّنيا وجعلُها قسيمةَ إرادتهنَّ (^٤) الرَّسولَ دليل على أنَّها إذا اختارَتْ زوجَها لا تقعُ البينونة، وأمَّا أنَّه لا يقع الطَّلاق أصلًا فلا دلالة فيما ذُكِرَ عليه؛ لِمَا نبَّهْتُ عليه آنفًا أنَّ التَّسريحَ ينبئ عن البينونةِ.
_________________
(١) في (ف) و(م): "أعطيكن ".
(٢) رواه بنحوه رواه البخاري (٤٧٨٥) ومعلقا بصيغة الجزم (٤٧٨٦)، ومسلم (١٤٧٥)، والترمذي (٣٢٠٤)، عن عائشة ﵂.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٨٦ - ٨٧) عن قتادة والحسن. ورواه بنحوه دون عبارة: " فشكر … " البخاري (٤٧٨٥) - ومعلقًا بصيغة الجزم (٤٧٨٦) -، ومسلم (١٤٧٥)، والترمذي (٣٢٠٤)، عن عائشة ﵂.
(٤) في (م): "لإرادتهن".
[ ٨ / ٢٤٢ ]
وتقديمُ التَّمتيع على التَّسريح المسبَّبِ عنه مِن الكرمِ وحُسْنِ الخلقِ.
وقرئ: (أمتعُكُنَّ وأسرحكُنَّ) بالرَّفعِ على الاستئنافِ (^١).
* * *
(٢٩) - ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ تنكيرُ ﴿أَجْرًا﴾ للتَّعظيم، أي: أجرًا عظيمًا يُسْتَحقَرُ دونَه الدُّنيا وزينتُها، و(من) للتَّبيينِ لأنَّهنَّ كلَّهنَّ محصنات، وإنَّما عدل فيه عن مقتضى الظَّاهر للدِّلالة على سببِ استحقاقِهنَّ لأصلِ الأجرِ، وللمزيَّةِ فيه على سائرِ المحصناتِ.
* * *
(٣٠) - ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: سيئةٍ بليغةٍ في القُبْحِ.
﴿مُبَيِّنَةٍ﴾: ظاهرٍ (^٢) فُحشُها، مِن بيَّن بمعنى: تبيَّن.
﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ضِعْفَي عذابِ غيرهنَّ مِن النِّساء، أي: مثلَيْه؛ لأنَّ ما قَبُحَ مِن سائرِ النِّساء كانَ أقبحَ منهنَّ، فزيادةُ قبحِ المعصية يتبعُ زيادةَ فضلِ
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٩).
(٢) في (ك) و(ي) و(ع) و(م): "ظاهرة".
[ ٨ / ٢٤٣ ]
العاصي، وزيادةُ العقابِ تتبعُ زيادةَ قبحِ المعصية، ولذا فضل (^١) حدُّ الأحرارِ على العبيدِ، ولا يرجم (^٢) الكافرُ، وعُوتِبَ الأنبياءُ ﵈ بما (^٣) لا يُعاتَبُ به غيرُهم مِن الصَّغائرِ.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾، أي: التضعيف ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يمنعُه عنه كونهنَّ نساءَ النَّبيِّ ﵇، بل هو السَّببُ له، فكيفَ يصيرُ صارفًا عنه.
* * *
(٣١) - ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾.
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ تدم (^٤) على الطَّاعةِ ﴿لِلَّهِ﴾ تعالى ﴿وَرَسُولِهِ﴾ ﵇، وذكر (الله) هنا كَذِكْرِه في قوله: ﴿تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ لأنَّ طاعتَه طاعةُ اللهِ، كما قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾: مرَّةً على الطَّاعةِ، ومرَّةً على طلبهنَّ رضاءَ النَّبيِّ ﵇ بالقَناعةِ وحُسْنِ المعاشرة.
وقرئ: ﴿ويعمَلْ﴾ (^٥) أيضًا بالياء حملًا على لفظ (من)، و﴿يُؤْتِهَا﴾ على أن فيه ضميرَ اسم الله (^٦).
_________________
(١) في (ف): "وكذا فصل ".
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "فلا يرجم ".
(٣) في (ف): "مما".
(٤) في النسخ عدا (ك): "تديم "، والمثبت من (ك).
(٥) في (ك): "يعمل ".
(٦) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٩).
[ ٨ / ٢٤٤ ]
﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ في الجنَّةِ زيادةً على أجرِها.
* * *
(٣٢) - ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ في الفضلِ.
و(أحد) في الأصل: وَحَدٌ بمعنَى واحدٍ، واستُعمل في النَّفي العام مستويًا فيه المذكَّر والمؤنَّث والواحد وما فوقه، ولذلك جاء هاهنا بمعنى جماعة واحدة مِن جماعات النِّساء.
﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الظَّاهر أنَّه بمعنى: استقبلتُنَّ (^١) أحدًا.
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾: فلا تقلْنَ قولًا خاضعًا ليِّنًا حسنًا، كقول المُرِيْبات (^٢).
واتَّقى بمعنى استقبل معروفٌ في اللُّغة؛ قال النَّابغةُ:
سقطَ النَّصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَهُ … فَتَناوَلَتْهُ واتِّقَتْنا باليَدِ (^٣)
أي: استقبلَتْنا باليد، وهذا المعنى أبلغُ في مدحهِنَّ؛ إذْ لم يُعَلِّقْ فضيلتَهُنَّ على التَّقوى، ولا عَلَّقَ نهيَهُنَّ عن الخضوع بها؛ إذ هُنَّ مُتَّقياتٌ في أنفسهنَّ، والتعليقُ ظاهرُه يقتضي أنهنَّ لسْنَ مُتحلِّيات بالتَّقوى (^٤).
_________________
(١) في (ك): "استقبلن ".
(٢) في (م): "كقولة المريبات"، وفي (ف): "كقول المرتبات"، وفي (ك): "كقول المربيات".
(٣) انظر: "ديوان النابغة - بشرح ابن السكيت" (ص: ٣٤). والنصيف: الخمار.
(٤) هذا الوجه في تفسير الآية ذكره أبو حيان في "البحر" (١٧/ ٣١٨) واختاره، لكن تعقبه الآلوسي في "روح المعاني" (٢١/ ٢٨٠) بقوله: (وفيه: أن اتَّقَى بمعنى: استقبل، وإن كان صحيحًا لغةً، وقد ورد=
[ ٨ / ٢٤٥ ]
﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾: ريبةٌ وفجورٌ. وقرئ بالجزم (^١) عطفًا على محلِّ النَّهي على أنَّه نهيٌ لمريض (^٢) القلب عن الطَّمع عقيب نهيهنَّ عن الخضوع بالقولِ، أي: لا يخضعْنَ فلا يطمعِ الفاجرُ.
﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: حسنًا مع كونه خَشنًا بعيدًا عن الرِّيبةِ.
* * *
(٣٣) - ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ مِن وَقَرَ يَقِرُ وقارًا، أو مِن قَرَّ يَقِرُّ قَرارًا بحذف الأوَّل من راءَي اِقْرِرْنَ ونقلِ كسرتها إلى القاف، والاستغناءِ بها عن همزة الوصل، كقولك: ظِلْنَ، بكسر الظَّاء.
وقرئ: ﴿وَقَرْنَ﴾ بفتح القاف (^٣)، وأصلُه اِقرَرْنَ، فحُذِفَتِ الرَّاءُ، ونُقِلَتْ فتحتُها إلى القافِ، كقولكَ: ظَلْنَ (^٤) بالفتح.
_________________
(١) = في القرآن كثيرًا كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ٢٤]، إلا أنه لا يتأتى هاهنا؛ لأنَّه لا يستعمل في ذلك المعنى إلا مع المتعلق الذي تحصل به الوقاية، كقوله سبحانه: ﴿بِوَجْهِهِ﴾ وقول النابغة: باليد، وما استَدَل به أمره سهل).
(٢) نسبت لأبي السمال وأبان بن عثمان وابن هرمز. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٩)، و"" (٢/ ١٨١)، و"البحر" (١٧/ ٣١٩).
(٣) في (ك): "لمريضي".
(٤) قراءة نافع وعاصم، وباقي السبعة بكسرها. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٩).
(٥) في (ك) و(م): "طلن".
[ ٨ / ٢٤٦ ]
وقيل: مِنْ قارَ يقارُ: إذا اجتمعَ، ومنه: القارَةُ للخيل لاجتماعِه.
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ التَّبرُّجُ: الخروج بالزِّينة.
﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: تبرُّجًا مثل تبرُّجِ النِّساءِ في أيَّامِ الجاهليَّة القديمة (^١)، التي يُقالُ لها: الجاهلية الجهلاء، وهي الزَّمنُ الذي وُلدَ فيه إبراهيم ﵇، كانَتِ المرأةُ تلبسُ الدِّرعَ من اللُّؤلؤِ، فتمشي وسط الطَّريق تعرضُ نفسَها على الرِّجال.
وقيل: ما بين آدم ونوحٍ ﵉.
وقيل: بين إدريس ونوحٍ ﵉.
وقيل: زمن (^٢) داود وسليمان.
والجاهليَّةُ الأخرى: ما بينَ عيسى ومحمَّدٍ ﵉.
ويجوز أن تكون الجاهليَّة الأولى: جاهليَّةُ الكُفْرِ قبلَ الإسلام، والجاهليَّة الأخرى: الفسوق في الإسلام؛ أي: لا تُحدِثْنَ بالتَّبرُّج جاهليَّة (^٣) في الإسلام تتشبَّهْنَ بها بأهل جاهليَّة الكفر.
ويعضده ما رُوِيَ أنَّ رسول الله ﷺ قال لأبي الدَّرداء ﵁: "إنَّ فيك جاهليَّة"، قالَ: جاهليَّةُ كفرٍ أم إسلامٍ؟ قال: "بل جاهليَّةُ كفرٍ" (^٤).
_________________
(١) في (ف) و(ك): "ولا تبرجن التبرج مثل تبرج النساء في أيام الجاهلية الأولى القديمة".
(٢) "زمن "من (ي) و(ع).
(٣) في (ك): "الجاهلية".
(٤) انظر: "الكشاف" (٣/ ٥٣٧) عن ابن زيد مرسلًا. رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٩٩). وهو في الصحيحين عن أبى ذر. ولم يقل: جاهلية كفر … إلى آخره. رواه البخاري (٣٠)، ومسلم (١٦٦١) من حديث أبي ذر ﵁.
[ ٨ / ٢٤٧ ]
﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في سائرِ ما أمرَ به ونهى عنه، أمرَهُنَّ بالصَّلاة والزَّكاة على الخصوصِ، ثمَّ بالطَّاعةِ على العموم، اعتناءً بشأنِهما، وإيماءً إلى ألَهما أصلُ جميعِ الطَّاعات البدنيَّة والماليَّة، مَن اعتنى بهما حقَّ الاعتناءِ جرَّتاه إلى جميعها.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ استئنافٌ لتعليلِ أمرهِنَّ ونهيهِنَّ بما أمرهنَّ به ونهاهنَّ عنه.
﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾: الذَّنب المدنِّس لعرضكم.
﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نصب على النِّداء أو على المدح.
﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ عن المعاصي ﴿تَطْهِيرًا﴾ استعار الرِّجسَ للمأثم، والطُّهرَ للتَّقوى؛ للتَّنفيرِ عن القبائحِ، والتَّرغيبِ في المحاسنِ.
وفي (^١) التَّصريح والتَّخصيص بأهل البيت تعظيمٌ للنَّبي ﵇ وبيانٌ لشرفِ أهلِ بيتِه.
* * *
(٣٤) - ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾.
﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ لَمَّا وعظهُنَّ بما يزكِّي نفوسهُنَّ جمعَ إلى أعمال التَّزكية ما يحلِّي قلوبهنَّ مِن العلم والحكمة، فذكَّرهنَّ ما يُتلَى في بيوتهنَّ مِن الكتاب الجامع بينَ الآيات الدَّالة على التَّوحيد والنُّبوَّة، وبينَ الحِكَم والشَّرائع المقنَّنة (^٢)
_________________
(١) في (ف): "ومن".
(٢) في (ف): "المتقنة".
[ ٨ / ٢٤٨ ]
بقوانين العدالة في مهابط الوحي ومنازل العلم والهداية، فيجب عليهنَّ أن يحفظْنَه ولا يغفلْنَ عنه.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ حيثُ حثَّ على (^١) ما يصلحُكم وينفعُكم، فأنزلَ عليكم وأخبركم به، وفيه تحريضٌ على الائتمار والانتهاء.
* * *
(٣٥) - ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾: الداخلين في السِّلم (^٢)، المنقادين لحكم الله.
﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: المصدِّقين بما يجبُ أنْ يصدَّقَ به.
﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ المداوِمين على الطَّاعة.
﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ في نيَّاتهم وأحوالِهم وأعمالِهم.
﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ على الطَّاعات وعن المعاصي.
﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ المتواضعين لله، المخبِتين إليه بقلوبهم وجوارحهم.
﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ بما وجبَ في مالهم.
﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ الصَّومَ المفروض.
_________________
(١) في (ي) و(ع): "حيث على"، وفي (ف) و(م): "حيث علم ".
(٢) في (م): "الداخلين في السلام "، وفي (ي): "الداخلين في المسلم "، وسقطت من (ف) و(ك).
[ ٨ / ٢٤٩ ]
﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ عن الحرام.
﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ بقلوبهم وألسنتهم.
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ لِمَا اقترفوا مِن الصَّغائرِ التي لا يخلو الإنسان منها بحكم البشريَّة، لأَنَّها مكفِّراتٌ ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ على الطَّاعات.
رُويَ أنَّ أزواجَ النَّبيِّ ﵇ قلْنَ: يا رسولَ اللهِ، ذَكَرَ اللهُ الرِّجال في القرآن بخيرٍ، فما فينا خيرٌ نُذْكَرُ به؟ إنَّا نخافُ أنْ لا يُقبَلَ منَا طاعةٌ، فنزلَتْ (^١).
وقيل: لَمَّا نزلَ فيهنَّ قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء؟ فنزلَتْ (^٢).
وعطفُ الإناثِ على الذُّكورِ ضروريٌّ؛ لكونهما صنفَيْن مختلفَيْن تحتَ جنسٍ واحدٍ، فلا بُدَّ مِن توسيط (^٣) العاطف، وأمَّا عطف الزَّوجَيْنِ على الزَّوجَيْنِ لتغايُرِ الوصْفَيْنِ فليس بضروريٍّ، وإلَّا لَمَا تُرِكَ في قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [التحريم: ٥]، وفائدتُه الدِّلالة على أنَّ إعداد (^٤) المُعَدِّ لهم للجمع بينَ هذه الصِّفات (^٥).
_________________
(١) روى الإمام أحمد في "مسنده" (٢٦٦٠٣) عن أم سلمة زوج النبي ﷺ، تقول: قلت للنبي ﷺ: ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يرعني منه يومئذ إلا ونداؤه على المنبر، قالت: وأنا أسرح شعري، فلففت شعري، ثم خرجت إلى حجرة من حجر بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد، فإذا هو يقول عند المنبر: " يا أيها الناس، إن الله يقول في كتابه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، إلى آخر الآية، ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. ورواه بنحوه النَّسَائِيّ في "الكبرى" (١١٣٤٠) و(١١٣٤١).
(٢) روى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ١١٦)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٨/ ٢٠٠) عن قتادة.
(٣) في (ف): "توسط ".
(٤) في (م): "ما أعد لهم المعد لهم".
(٥) في هامش (ع) و(ف) و(م) و(ي): "فهو من باب ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، لا من باب: ﴿فَأَنَّ=
[ ٨ / ٢٥٠ ]
(٣٦) - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
﴿وَمَا كَانَ﴾: وما صَحَّ ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ أتى بأداة الجمعِ دونَ التَّفريقِ للدِّلالة على أنَّ أحدَ القضاءَينِ لا ينفكُّ عن الآخرِ، فإنَّ قضاءَ اللهِ لا يظهَرُ إلَّا مِن جهةِ الرَّسولِ، وقضاؤُه لا يكون إلَّا بأمرِ اللهِ.
﴿أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ وهيَ (^١) ما يُتخيَّر، وجمعُ الضَّميرِ على المعنى، فإنَّ النَّكرةَ في سياقِ النَّفيِ تفيدُ العمومَ.
﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وهذا الجمعُ للتَّعظيمِ؛ أي: لا يجوزُ لهم أن يختاروا مِن أمرِهم شيئًا، بل يجبُ عليهم أنْ يجعلوا اختيارَهم تبعًا لاختيارِ اللهِ ورسولِه.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾: بيِّنَ الانحرافِ عن الصَّواب.
وسببُ نزوله: أنَّه خطبَ رسولُ اللهِ ﷺ زينبَ بنتَ جحشٍ بنتَ عمَّتِه على مو لاه زيدِ بنِ حارثة، فاسبتْ وأبى أخوها عبدُ اللهِ، فنزلَتْ، فقا لا: رضينا يا رسولَ اللهِ، فأنكحَها إيَّاه (^٢).
* * *
_________________
(١) = لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. منه". وفيها عدا (م): "ترضوه".
(٢) في (ف) و(ك): "هي".
(٣) انظر: "الكشاف" (٣/ ٥٣٩). وروى نحوه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٤/ ٣٩)، والدارقطني في "سننه" (٣/ ٣٠١). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٢٤٧): رواه الطبراني وفيه حفص بن سليمان وهو متروك وفيه توثيق لين. ووقع في النسخ: "فنحكها"، والمثبت من "الكشاف".
[ ٨ / ٢٥١ ]
(٣٧) - ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بتوفيقِه للإسلامِ، وتوفيقِكَ لعِتقِه (^١) واختصاصِهِ.
﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بعِتقِه وتربيتِه، وما وفَّقكَ اللهُ في حقِّه؛ يعني: زيدًا.
﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يعني: زينب، وذلكَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أبصرَها بعد ما أنكحها إيَّاه، فوقعت في نفسه، فقال: سبحانَ اللهِ مقلِّبِ القلوبِ، وسمعَتْ زينبُ التَّسبيحةَ فذكرَتْها لزيدٍ، ففطِنَ لذلك، وألقى اللهُ في نفسِه كراهةَ صحبتِها، فأتى النَّبيَّ ﷺ فقالَ: أريدُ أنْ أفارقَ صاحبتي، فقال: "ما لَكَ؟ أرابَكَ منها شيء؟ "، فقال: لا واللهِ ما رأيْتُ منها إلَّا خيرًا، ولكن لشرفِها تتعظَّم (^٢) عليَّ، فقال له: "أمسِكْ عليكَ زوجَك" (^٣)، أمرَهُ بإمساكِها.
_________________
(١) في (م): "بعتقه ".
(٢) في (ف): "تتعاظم ".
(٣) قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٣/ ١١١): غريب بهذا اللفظ. وقال ابن حجر في "الكاف الشاف" (ص: ١٣٤): ذكره الثعلبي بغير سند، وأخرج الطبري [في "تفسيره" (١٩/ ١١٦)] معناه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قوله. وانظر كلام القاضي عياض في الرد على أمثال هذه الأخبار في كتابه "الشفا"، وقد نقل عن القشيري قوله: وكيف يقال: رآها فأعجبَتْه، وهي بنتُ عمَّتِه، ولم يزَلْ يرَاها منذُ وُلدَت، ولا كان النساءُ يحتجِبْنَ منه ﵇؟ وهو زوَّجَها لزيدٍ، وإنَّما جعلَ اللهُ تعالى طلاقَ زيدٍ لها، وتزويجَ النبيِّ ﷺ إياها، لإزالةِ حرمةِ التبنِّي وإبطالِ سنَّتِه؛ كما قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧].
[ ٨ / ٢٥٢ ]
وزيادة ﴿عَلَيْكَ﴾ لتضمين (^١) معنى الحبس؛ أي: احبسها ولا تطلِّقْها (^٢).
﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمرِها، ولا تطلِّقها تعلُّلًا بتعظُّمِها (^٣) وتكبُّرها.
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ مِن نكاحِها إنْ طلَّقها زيدٌ، وهو الذي أبداه الله تعالى ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾؛ أي: قالَةَ (^٤) النَّاسِ بأنَّه نكحَ امرأةَ ابنِه.
و(تخفي) عطف على ﴿تَقُولُ﴾.
﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ حال، أي: حقيقًا في ذلك أنْ تخشى اللهَ، أو اعتراض، أي: واللّهُ أحقُّ أنْ تخشاه في كلِّ حالٍ.
ويجوزُ أن يكون الواو في ﴿وَتُخْفِي﴾ واو الحال على: وأنت تُخفي؛ أي: تقولُ: أمسك مُخْفِيًا في نفسِك ما الله مبديه.
وكذا في ﴿وَتَخْشَى﴾ يحتمل العطفَ، أي: تجمع بين أن تقولَ وتُخفي وتَخشى، والحال، أي: تخفي في نفسك خاشيًا قالة (^٥) النَّاسِ فيك.
_________________
(١) = وقال أيضا: وأصحُّ ما في هذا ما حكاه أهلُ التفسيرِ عن عليِّ بن الحسينِ ﵄: أنَّ اللهَ تعالى كان أعلمَ نبيَّه ﵇ أنَّ زينبَ ستكونُ من أزواجِه، فلمَّا شكَاها إليه زيدٌ قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧]، وأخفَى في نفسِه ما أعلمَه اللهُ تعالى به من أنَّه سيتزوَّجُها ممَّا اللهُ مُبدِيه ومُظهِرُه بتمامِ التزويجِ وطلاقِ زيدٍ لها. قلت: رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١١٦ - ١١٧)، والبيهقي في "الدلائل" (٣/ ٤٦٦).
(٢) في (ف): "لتضمن".
(٣) في هامش (ف) و(ي): "كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]. منه ".
(٤) في (ف) و(ك) و(ي): "بتعظيمها".
(٥) في (ك): "قال".
(٦) في (ك) و(م): "مقالة"، وفي (ف): "حالة".
[ ٨ / ٢٥٣ ]
وليس العتابُ في الإخفاءِ وحدَه؛ فإنَّه أحسن، بل في الإخفاء مخافةَ قالةِ النَّاس فيه، وإظهارِ ما ينافي إضمارَه، فإنَّ الأَولى أنْ يصمُتَ فيه أو يفوِّض الأمرَ إلى رأيه (^١)، حتى لا يخالِفَ سرُّه علانيَته؛ لأنَّ الأنبياء ﵈ كذلك.
وعن عائشة ﵂: لو كتمَ رسولُ الله ﷺ ممَّا أوحيَ إليه لكتمَ هذه الآية (^٢).
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ إذا تعلَّقَتْ (^٣) همَّةُ الرَّجلِ بشيءٍ وبلغَ حاجته منه قيل: قضى منه وطرَه؛ أي: فلمَّا لم يبقَ لزيدٍ فيها حاجةٌ، وطابَتْ عنها نفسُه، وطلَّقَها، وانقضَتْ عدَّتُها.
وقيل: قضاء الوطر كنايةٌ عن الطلاق نحو: لا حاجة لي فيك (^٤).
﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾، وقرئ: (زَوَّجْتكها) (^٥)، أي: أمرنا بتزويجها منك، أو: تولَّينا تزويجَها منك، ويؤيِّدُه أنَّها كانت تقول لنساءِ النَّبيِّ ﵊:
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، وفي "تفسير البيضاوي" (٤/ ٢٣٣): (ربِّه)، وفي "روح المعاني" (٢١/ ٣٢١): (رأي زيد).
(٢) رواه البخاري (٣٢٠٧)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ١١٧)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٤/ ٤١). ولفظ البخاري: (لو كان النبي ﷺ كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧]).
(٣) في (ك): "ابتلغت".
(٤) في (ف) و(م) و(ك) وقع قوله: "وقيل: قضاء الوطر كناية عن الطلاق نحو لا حاجة لي فيك" بعد قوله: "زوجناكها".
(٥) نسبت لعلي بن أبي طالب والحسن والحسين ﵃. انظر: "الكشاف" (٣/ ٥٤٣)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٣٨٧).
[ ٨ / ٢٥٤ ]
إنَّ اللهَ تعالى تولَّى إنكاحي، وأنتُنَّ زوجكُنَّ أولياؤكُنَّ (^١).
إلَّا أنَّ انطباق التَّعليل الآتي ذكرُه على الأوَّل.
وقيل: كان السَّفير في خطبتها زيدٌ (^٢)، وذلك ابتلاءٌ عظيمٌ، وشاها بيِّنٌ على قوَّةِ إيمانِه.
﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ تعليلٌ للتَّزويج، وهو دليل على أنَّ حكمَه ﵊ وحكمَ المؤمنين واحد إلَّا ما خصَّه (^٣) الدَّليل.
وقضاءُ الوطر هنا كناية عن الطَّلاقِ؛ لأنَّ الحكم المذكور غير مشروطٍ ببلوغِ الحاجةِ منهنَّ.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ جملة اعتراضيَّةٌ؛ أي: وكان أمرُه الذي يريدُ تكوينَه مكوَّنًا لا محالة، كما كان تزويجُ زينبَ.
* * *
(٣٨) - ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾.
﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾؛ أي: قسمَ له وقدَّر، مِن قولهم: فرضَ له في الدِّيوان كذا، ومنه فروض العسكر لأرزاقِهم.
_________________
(١) روى نحوه البخاري (٧٤٢٠)، والترمذي (٣٢١٣).
(٢) رواه مسلم (١٤٢٨).
(٣) في (ف) و(ك): "خصصه".
[ ٨ / ٢٥٥ ]
﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: اسمٌ موضوعٌ موضعَ المصدر، وهو مؤكِّد لِمَا تقدَّمَ؛ أي: سنَّ اللهُ سنّة.
﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ في الأنبياء الماضين ﵈، وهو نفيُ الحرجِ عنهم فيما أباحَ لهم، وتوسعةٌ عليهم في باب النِّكاح وغيره، وقد كان لداود ﵇ مئةُ امرأةٍ وثلاثُ مئة سريَّةٍ، ولسليمان ﵇ ثلاثُ مئة حرَّة وسبعُ مئة سريَّة (^١).
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: قضاءً مقضيًّا وحكمًا مقطوعًا.
* * *
(٣٩) - ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ﴾ مجرور، وصفٌ لـ ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾، أو نصبٌ على المدح، أو رفعٌ عليه.
﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ تعريضٌ بعد التَّصريح في قوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: كافيًا للمخاوف، أو محاسبًا للصَّغيرة والكبيرة، فيجب أن لا يُخشَى حقَّ الخشية إلَّا منه.
_________________
(١) وقال القاضي ابن العربي في "أحكام القرآن" (٤/ ٥٥) مشيرًا إلى تضعيف هذه الرواية: قِفوا حيث وقف بكم البيان بالبرهان دون ما تتناقله الألسنة من غير تثقيف للنقل والله أعلم. والذي ورد في الصحيح كما رواه البخاري (٣٤٢٤) ومسلم (١٦٥٤) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: قال: سليمان بن داود: لأطوفنَّ اللَّيلة على سبعين امرأة، تحمل كل امرأة فارسًا يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل، ولم تحمل شيئًا إلا واحدًا، ساقطًا أحد شقَّيه.
[ ٨ / ٢٥٦ ]
(٤٠) - ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾؛ أي: لم يكن أبا رجلٍ منكم على الحقيقة حتى يَثبت بينه وبينه ما بين الأب وابنه من حرمة المصاهرة وغيرها.
ولا يَنتقِضُ عمومُه بكونه ﵇ أبًا للطَّاهر والطَّيِّب والقاسم وإبراهيم؛ لأنَّهم لم يبلغوا مبلَغَ الرجال.
قيل: ولو بلغوا كانوا رجالَه لا رجالَهم. ولا وجهَ له لِمَا ستقفُ أنَّ التَّأكيد بقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ينتظِمُ معَه.
ولا بكونه أبًا للحسَنَيْنِ؛ لأنَّه قُصد المولودُ منه، لا ولَدُ الولَدِ.
﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ (^١) بالنَّصب عطفًا على ﴿أَبَا أَحَدٍ﴾.
وكلُّ نبيٍّ أبو أمَّته من حيثما إنَّه يعلِّمهم ويربِّيهم، ويجب جمليهم تعظيمُه وتوقيره، وعليه شفقتُهم ونصيحتهم، لا في سائر الأحكام، وزَيْدٌ منهم، وحكمُه حكمُهم فيما ذُكِرَ، لا أنَّه وُلدَ منه، والادِّعاء والتَّبنِّي من باب الاختصاص والتَّقريب لا غير.
وقرئ: (رسولُ اللهِ) بالرَّفع (^٢) على أنَّه خبرُ محذوفٍ؛ أي: ولكنْ هو رسولُ اللهِ.
وقرئ: (ولكنَّ) بالتَّشديد (^٣) على حذف الخبر، تقديره: ولكنَّ رسولَ اللهِ مَن عرفتُموه؛ أي: لم يعشْ له ولَدٌ ذكرٌ.
_________________
(١) في (م) و(ع): "ولكن كان ".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٠).
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٠)، وقال: عن أبي عمرو، ذكره ابن مجاهد.
[ ٨ / ٢٥٧ ]
﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾؛ أي: وكانَ خاتَمَ النَّبيِّين وآخرَهم الذين (^١) ختمَهم على قراءة الكسرِ، أو خُتِموا به على قراءة الفتح (^٢)، بمعنى الطَّابع.
ولو كان له ابنٌ بالغٌ لكان نبيًّا؛ لِمَا رُويَ أنَّه ﵇ قال حين توفِّي إبراهيمُ: "لو عاشَ لكان نبيًّا" (^٣)، فلم يكنْ هو خاتَمًا (^٤)، فهو مؤكَد لكونِه ليس أبا أحدٍ من الرِّجال.
ولا يقدح في ذلك نزول عيسى ﵇، لا لأنَّه إذا نزل كان على دينه؛ لأنَّه لا ينافي استقلاله في النُّبوَّة، إنَّما ينافي استقلاله في الرِّسالة، بل لأنَّه ﵇ كان نبيًّا قبلَه ﵇ لا بعدَه، فلا ينافي كونَه خاتمًا للأنبياء على أنَّه آخرُهم بعثةً.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فيعلم مَن يليق بأنْ تُختَم به النُّبوَّة، وكيف ينبغي شأنه.
* * *
(٤١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾: اذكروا اللهَ بأصنافِ الذِّكرِ مِن التَّقديس والتَّمجيد والتَكبير والتَّهليل، وكلُّ ما هو أهلُه مِن أنواع الثَّناء.
* * *
_________________
(١) "الذين" سقط من (ك).
(٢) قرأ عاصم بفتح التاء وباقي السبعة بكسرها. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٩).
(٣) قال عنه النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" (١/ ١١٦): باطلٌ وجَسارة على الكلام في المغيِّباتِ، ومجازَفةٌ وهجومٌ على عظيم مِن الزِّلاتِ.
(٤) في (م): "خاتم ".
[ ٨ / ٢٥٨ ]
(٤٢) - ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ تخصيصُ التَّسبيح بالذِّكر مِن بينِ سائرِ الأذكار بيانٌ لفضلِه واختصاصِه بالشَّرفِ؛ لأنَّ التَّنزيهَ أفضلُ (^١) الأذكارِ، مقدَّم على كلِّ حمدٍ وثناءٍ.
والتَّقييدُ بالوَقْتَيْنِ المذكورَيْنِ لذلك أيضًا، أي: لبيانِ فضلِهما وشرفِهما، لكونِهما طَرَفي اللَّيل والنَّهار، ومجتَمعَ الملائكة ومختلَفَهما (^٢)، ويجوزُ أنْ (^٣) يُرَاد بهما الدَّوام.
* * *
(٤٣) - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾: بالرَّحمةِ ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ بالاستغفار والاهتمام بما يصلحُكم.
والصَّلاة المشتركة بينَ (^٤) اللهِ تعالى وملائكتِه هي إقامةُ الخيرات والكمالات ممَّا (^٥) يُسعدُ المؤمنين في الدارين ويكمِّلُهم، أو العناية بذلك، مستعارة مِن الصَّلاة التي هي شرفٌ وكمالٌ لهم، ولهذا علَّله بقوله:
﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: مِن ظُلُماتِ الكفر والمعاصي.
_________________
(١) في (ي) و(ع): "أصل ".
(٢) في (ف) و(ك): "ومحتفلهما".
(٣) في (ف) زيادة: "يكون ".
(٤) في (ف) و(ك): "من ".
(٥) في (ف) و(ك): "بما".
[ ٨ / ٢٥٩ ]
﴿إِلَى النُّورِ﴾ إلى نورِ الإيمانِ والطَّاعاتِ.
ولَمَّا كانتِ الملائكةُ واسطةَ الفيضِ كان لهم مدخلٌ في الأمداد النُّوريَّة الكماليَّة.
وقيل: هي الرَّحمةُ والرَّأفةُ والتَّعطُّف المعنويَّة استُعيرَتْ من الصَّلاة المشتملة على الحنوِّ والانعطاف في الرُّكوع والسُّجود للحنوِّ والانعطاف الصُّوريِّ، كانعطاف العائد على المريض، والمرأة على ولدها، ثمَّ نُقِلَ بكثرة الاستعمال إلى التَّرحم (^١) والتَّرؤُّف المعنويَّيَنِ، ومنه قولهم: صلَّى الله عليك (^٢)، أي: ترحَّم وترأَّف، ولأنَّ الملائكةَ وسائط الرَّحمة ومستجابو الدَّعوة في الاستغفار لهم نُسِبَتِ الرَّحمة إليهم، كما نُسِبَتْ إلى الله على أنَّ الاستغفار ترحُّمٌ، ويؤيِّدُه قولُه:
﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ حيث اعتنى بصلاحِ أمرِهم، وإنافة (^٣) قدرهِم، واستعمَلَ في ذلك ملائكتَه المقرَّبين.
* * *
(٤٤) - ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ مِن إضافة المصدر إلى المفعول؛ أي: يُحيَّوْنَ.
﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾: يومَ القيامة، أو عندَ الموتِ، أو الخروج مِن القبرِ، أو دخول الجنَّةِ.
﴿سَلَامٌ﴾. بإخبار السَّلامةِ عن كلِّ مكروهٍ وآفةٍ، والتَّنكيرُ للتَّعظيمِ.
_________________
(١) في (ك): "إلى الترحم".
(٢) في (م): " ﷺ عليك".
(٣) في (ف) زاد: "أمرهم".
[ ٨ / ٢٦٠ ]
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ في الجنَّة، وتغييرُ النَّظمِ في ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ و﴿وَأَعَدَّ﴾ للمبالغة فيما هو أهمُّ وأدَلُّ على الكرامة، وللمحافظة على الفاصلة.
* * *
(٤٥ - ٤٦) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على مَن بُعِثْتَ عليهم بقَبول القولِ في تصديقهم وتكذيبهم، وطاعتهم ومعصيتهم، وهو حال مقدَّرة.
﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا﴾؛ أي: الإقرار به وبتوحيدِه (^١) وبما يجبُ الإيمانُ به مِن صفاتِه.
﴿بِإِذْنِهِ﴾: بتيسيره، لَمَّا كانَ التَّصرُّف للغير في حقِّ المالك متعذِّرًا إنَّما يتيسَّر بالإذن، استُعِيرَ الإذن للتَّيسير والتَّسهيل؛ إيذانًا بأنَّ دعاءَ أهلِ الشِّرك والجاهلية إلى التَّوحيد والإسلام أمرٌ صعبٌ متعذِّرٌ لا يُستطاع (^٢) إلَّا إذا سهَّلَهُ اللهُ تعالى ويسَّره، ولا يصحُّ حملُه على الحقيقةِ؛ لأنَّ قولَه: (أرسلناك داعيًا) يغني عن الإذن بمعناه الوضعي.
﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ شُبِّهَ النَّبيُّ ﵊ بالسِّراج لاستضاءة مَن تحيَّر (^٣) في ظلماتِ الجهل بنورِه، واهتداءِ مَن ضلَّ بضوئه، ولأنَّه قد جَلَّى اللهُ تعالى ظلماتِ الشِّرك بنورِ توحيدِه، أو نوَّرَ البصائر بنورِ هدايتِه، كما ينوِّرُ الأبصارَ بنور السِّراج.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "بتوحيده ".
(٢) في (ك): "متعذر الاستطاعة".
(٣) في (ك): "من هو".
[ ٨ / ٢٦١ ]
وبولغ في وصفِه بالإنارة لأنَّ (^١) مِن السُّرج (^٢) ما لا ينير.
وقيل: ذا سراجٍ منيرٍ، على أنَّ السِّراج (^٣) مستعارٌ للقرآن.
* * *
(٤٧) - ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾.
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾؛ أي: عطاءً واسعًا، أو ثوابًا جزيلًا، أو فضيلةً (^٤) على سائرِ الأمم.
وصفَه بخمسِ صفاتٍ، ثمَّ قابل كلًّا منها بخطابٍ يناسبُه:
وصفَه بكونِه ﴿شَاهِدًا﴾ وأضمر ما يقابله بدلالة عطف ﴿بَشِّرِ﴾ عليه، فإنَّه مقابل لـ ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ فيجب أن يكون معطوفًا على ما يناسب الوصف الذي عُطِفَ عليه ﴿وَمُبَشِّرًا﴾، وهو: فراقبْ أمَّتك.
* * *
(٤٨) - ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
وقابلَ ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالنَّهي عن موافقة (^٥) الكفار والمبالاةِ بهم الوارد في قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ (^٦) فإنَّ ذلك أشدُّ الإنذار، كأنَّه
_________________
(١) في (ف): "وبولغ في وصفها لأن ".
(٢) في (م): "السراج".
(٣) من قوله: "وبولغ .. " إلى هنا سقط من (ي) و(ع).
(٤) في (ف) و(م): "وفضيلة".
(٥) في (ع) و(ي): "مواقعة".
(٦) "ودع أذاهم" ليست في (م) و(ي) و(ع).
[ ٨ / ٢٦٢ ]
قالَ: خلِّهم وشأنهم، فأنا أكفيك (^١)، وذلك تهييجٌ له ﵇ على ما هو عليه من مخالفتهم.
وقابل ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾، بقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (^٢) فإنَّه ميسِّرُ كلِّ (^٣) عسيرٍ.
و﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: موكولًا إليه الأمرُ في الأحوال كلِّها؛ لأنَّ مَن أنارَه برهانًا على جميع خلقِه حقيق بأنْ يُكتَفى به عن غيرِه، ولا يُستعانَ إلَّا بِهِ.
* * *
(٤٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ النكّاحُ: العقدُ.
وتخصيصُ ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ مع أنَّ الحكم المذكور يستوي فيه المؤمنات والكتابيَّات، تعليمٌ لِمَا هو الأَولى وتحريضٌ عليه، فإنَّ الأَولى بالمؤمن أن يتخيَّرَ لنطفتِه ولا يختارَ للنَّسلِ إلَّا الطَّيبةَ الطَّاهرة، وجاء في المائدة بيانُ الجوازِ.
ومعنى التَّراخي في: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ دفع لِمَا عسى أنْ يُتوهَّم أنَّ تراخيَ الطَّلاق مدَّةً يمكن فيها الإصابةُ مؤثِّر (^٤) في العدَّة كما في النَّسب.
_________________
(١) في (ك): "أكفيكهم"، وفي (ف) و(م): "أكفيكم".
(٢) في (م) و(ي) و(ع): "وح أذاهم وتوكل على الله".
(٣) في (م): "لكل".
(٤) في (ع) و(ي): "مؤثرا"، وفي (ف) و(ك): "مؤثرة".
[ ٨ / ٢٦٣ ]
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ المساسُ (^١) كنايةٌ عن الجِماعِ.
﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾: أيَّامٍ يَتربَّصْنَ فيها بأنفسهنَّ.
﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾: تستوفونَ عددَها، مِن عَدَدْتُ الدَّراهم فاعتَدَّها، كقولك: كِلْتُه فاكتالَه، أو تعدُّونَها، والإسناد إلى الرِّجال للدِّلالة على أنَّ العدَّةَ حقُّ الأزواج كما أشعر به ﴿فَمَا لَكُمْ﴾.
ومَن قرأ: (تَعْتَدُونَها) بالتَّخفيف (^٢) حذفَ الجارَّ وأوصل الفعل إلى الضِّمير بنفسه، كقوله: ويومٍ شَهِدْناه؛ أي: شهِدْنا فيه.
ومنطوقُه ساكتٌ عن العدَّة بمجرَّد الخلوة الصَّحيحة، ولا عبرةَ للمفهوم، فلا مانعَ لإلحاقِ (^٣) الخلوةِ بالمساس في إيجابِ العدَّةِ.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ للوجوبِ إنْ لم يكن مفروضًا لهنَّ، فإنَّ المفروضِ لها نصفُ المهر، ويجوز أنْ يُحمَلَ على الرَّاجحِ والأولى؛ أي: القَدْرِ المشترك بينَ الوجوب والنَّدب، فيتناولُهما؛ إذ (^٤) متعةُ المفروض لها مستحبَّةٌ، ولم تجب (^٥) إلَّا لغير المفروض لها قبل (^٦) المساسِ مِن المطلَّقات.
_________________
(١) في (ك): "المس".
(٢) نسبت لابن كثير، والرواية المشهورة عنه مثل قراءة الجمهور بالتشديد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص:١٢٠).
(٣) في (ف): "لإطلاق".
(٤) في (ك): "أن". وفي (م): "فيتناولها فإن".
(٥) في (ك): "ولا تجب".
(٦) في (ك): "قبل قيل"، وفي (ف): "قيل قبل".
[ ٨ / ٢٦٤ ]
﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ أخرجوهنَّ مِن منازلكم؛ إذ ليس لكم عليهن عدَّةٌ (^١).
﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ مِن غير إضرار ولا منعِ حقٍّ.
* * *
(٥٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾: مهورهنَّ؛ إذ المهرُ أجرٌ على البُضع.
وإيتاؤُها: إعطاؤها، والمعتبر فيه الالتزام كما في إعطاء الجزية، وقد نبَّه على هذا مَن قالَ: إعطاؤها عاجلًا، أو فرضُها (^٢) وتسميتُها في العقد، فإنَّه في حكم الإعطاء.
﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ وهي صفيَّة وجويريَة، فأعتقهما وتزوَّجهما.
﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ الجمع في العمَّات والخالات دون العمِّ والخال لنسق الكلام (^٣) على وفقِ الواقع، كما في قرينه السَّابق.
_________________
(١) في (م): "منازلكم أو ليس عليهن عدة".
(٢) في (ف) و(م): "فرضًا".
(٣) في (ك): "أنسق للكلام ".
[ ٨ / ٢٦٥ ]
﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ (مع) ليس للقِرَآن بل لوجودها فحسب، كقوله: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤] والتقييد المذكور للتَّخصيص؛ لِمَا روي عن أم هانئ أنَّها قالَتْ: خطبني رسولُ اللهِ ﷺ فاعتذرْتُ إليه فعذرني، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ، فلم أَحِلَّ له لأنَّي لم أهاجرْ معه (^١).
﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾؛ إنِ اتَّفقَ (^٢)، ولذلك نكَّرها؛ أي: رضيَتْ بالنِّكاح له ﵇ بلا مهرٍ، فالهبةُ المذكورة مجازٌ عن تمليكِ المتعة بلا عوضٍ، وليس معناه: إنْ قالَتْ: وهبتُّ نَفسي للنَّبيِّ ﵇، حتى ينتهِضَ حجَّةً في الخلافيَّة المشهورة بينَنا وبينَ الشَّافعي علينا أو لنا.
و﴿وَامْرَأَةً﴾ عطفٌ على ﴿أَزْوَاجَكَ﴾ وما بعدَها، ولا يمنعه التقييد بـ ﴿إِنْ﴾ الاستقباليَّة؛ لأنَّ المراد بالإحلال: الإعلام بالحلِّ؛ أي: أعلمناك حلَّ امرأة مؤمنة، أو نصب بفعلٍ مضمَرٍ يدلُّ عليه ﴿أَحْلَلْنَا﴾؛ أي: وأحللنا لك امرأةَ.
وقرئ: (أنْ) بالفتح (^٣) على التَّعليل بتقدير حذف أداته، أو على الظَّرف؛ أي: وقتَ أنْ وهبَتْ، أو مدَّةَ هبتها.
﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ شرط للشَّرط الأوَّل في استيجاب الحِلِّ؛ فإنَّ هبتَها نفسَها منه لا يوجب له حِلَّها إلَّا بقَبولِه، والإرادةُ المذكورة عبارةٌ عنه، ولا
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٢١٤)، وقال: حديث حسن، لا أعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي. قال ابن العربي في "أحكام القرآن" (٣/ ٥٨٨): وهو ضعيف جدًا ولم يأت هذا الحديث من طريق صحيح يحتج في مواضعه بها.
(٢) في (ف) و(ك): "أي اتفق"، وفي (ي): "أن أنفق".
(٣) نسبت للحسن وغيره. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٠).
[ ٨ / ٢٦٦ ]
وجهَ لحملها على الحقيقة؛ لأنَّ قوله: ﴿يَسْتَنْكِحَهَا﴾ يغني عن الإرادة بمعناها الوضعي (^١).
والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ ﴿النَّبِيُّ﴾، ثمَّ الرُّجوع إليه في قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ للإيذان بأنَّه ممَّا خُصَّ به لنبوَّته، وتكرُّرُه (^٢) تقريرٌ لاستحقاق الكرامة لأجله.
و﴿خَالِصَةً﴾ مصدر مؤكِّد، كقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾، أي: خَلصَ لك إحلالها خالصةً بمعنى: خلوصًا، أو حالٌ من الضَّمير في ﴿وَهَبَتْ﴾، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: هبةً خالصةً.
وقرئ: (خالصةٌ) بالرَّفع (^٣)، أي: ذلك خلوص لك.
﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي (^٤): تلك المرأة خالصة لك من دونهم.
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ مِن شرائطِ العقدِ، ووجوب القَسْم والمهر بالوطء حيثُ لم يُسمَّ.
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مِن توسيعِ الأمر فيها (^٥) عليهم كيف ينبغي أن يفرض عليهم (^٦).
_________________
(١) في (ف): "لمعناها الأصلي".
(٢) في (ف) و(ك): "وتكريره ".
(٣) انظر: "الكشاف" (٣/ ٥٥٢).
(٤) في (ع) و(م) و(ي): " أو"، وفي (ف): "إذ ".
(٥) في (ك): "فيهما"، وفي (ي) و(ع): "عليها".
(٦) العبارة في "تفسير البيضاوي" (٤/ ٢٣٦): "من توسيع الأمر فيها أنه كيف ينبغي أن يفرض عليهم ".
[ ٨ / ٢٦٧ ]
والعدول مِن عبارة (الإماء) إلى ما ذُكِر للدِّلالة على أنَّ مدارَ الحلِّ على ملك اليد، ولذلكَ لا يتحقَّقُ الحلُّ إذا تخلَّف ملك اليد عن ملك الرَّقبة، كما في المكاتبة.
﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ علَّة لقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾، وما بينهما اعتراضٌ لبيان أنَّ الفرقَ بينَه وبينَ المؤمنين ليس لمجرَّد التَّوسيع عليه، كما هاهنا، بل لمعانٍ مِن خواصِّ النبوَّة تقتضي التَّوسيع عليه والتَّضييق عليهم تارة، وبالعكس أخرى.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أي: لِمَا يعسُرُ التَّحرُّز عنه ﴿رَحِيمًا﴾ بالتَّوسعةِ في مظان (^١) الحرج.
* * *
(٥١) - ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾.
﴿تُرْجِي﴾ بهمزٍ وبلا همزٍ (^٢)، والمعنى واحد.
﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾: تؤخِّرها، وتترك مصاحبتها (^٣)، فلا تَقسم لها.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "مكان"، وفي (ع) و(م) و(ي): "إمكان"، والمثبت من "تفسير البيضاوي".
(٢) قرأ ابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو وابن عامر بالهمز، وباقي السبعة بغير همز. انظر: "التيسير" (ص:١١٩).
(٣) كذا في النسخ، وفي "تفسير البيضاوي" (٤/ ٢٣٦)، و"تفسير أبي السعود" (٧/ ١١٠)، و"روح المعاني" (٢١/ ٤٠٢): (مضاجعتها).
[ ٨ / ٢٦٨ ]
﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ﴾: وتضمُّ إليك ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ وتضاجعها (^١)، أو: تطلِّقُ مَن تشاءُ وتمسكُ مَن تشاءُ.
﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾: طلبْتَ ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾: طلَّقْتَ بالرَّجعةِ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ في شيءٍ مِن ذلك.
﴿ذَلِكَ﴾ التَّفويضُ إلى مشيئتِكَ ﴿أَدْنَى﴾: أقرب ﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ إلى (^٢) قرَّةِ أعينهنَّ، وذهابِ حزنهنَّ، وحصول رضاهنَّ جميعًا؛ لأنَّه حكمٌ كلُّهنَّ فيه سواء، لا تفاضُلَ بينهنَّ فيتغايرن (^٣).
ثمَّ إنْ سوَّيْتَ بينهنَّ وجدْنَ ذلك تفضُّلًا منك، وإنْ رجَّحْتَ بعضهنَّ على بعضٍ علمْنَ أنَّ ذلكَ مِن عندِ اللهِ وبوحيِه وتفويضِه، فتطمئِنُّ نفوسهنَّ ويرضيْنَ ولا يتغايرين.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وعيدٌ لِمَنْ لم ترضَ منهنَّ بما دبَّر (^٤) اللهُ تعالى وفَوَّضَ إلى مشيئته.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بذات الصُّدور.
﴿حَلِيمًا﴾ لا يعاجل بالعقوبة، فهو حقيقٌ بأنْ يُتَّقى ويُحذَر.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(ك): "وتصاحبها"، والمثبت من باقي النسخ والمصادر السابقة.
(٢) في (ف): "أي".
(٣) أي: فتقع الغيرة بينهن.
(٤) في (ف): "ذكر".
[ ٨ / ٢٦٩ ]
(٥٢) - ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾.
﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾؛ أي: ذلكَ الجنسُ، وإتيان صيغة الجمع ثمَّ إبطالُه بالتَّعريف لعدم المفرد مِن لفظها، ولم يقل: (امرأةٌ)، لعمومِها المملوكةَ يملك اليمين، والمراد: المملوكة يملك النِّكاح، بقرينة قوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ﴾.
وقرئ بالتَّذكير (^١) لأنَّ تأنيث الجمع غير حقيقيٍّ، وإذا جازَ بغير فصلٍ في قوله (^٢): ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ [يوسف: ٣٠] فمعَ الفصلِ أجوزُ.
﴿مِنْ بَعْدُ﴾: مِن بعدِ التِّسع؛ لأنَّه نصاب رسول الله ﷺ مِن الأزواج كما أن الأربع نصاب أمَّته، أو: مِن بعد اليوم، حتَّى إنَّه لو ماتَتْ واحدة منهنَّ لم يحلَّ له نكاحُ أخرى.
﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾: ولا أنْ تستبدلَ بهنَّ ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ لا بكلهنَّ ولا ببعضهنَّ، بأنْ تطلِّق إحداهنَّ وتنكح أخرى مكانَها؛ كرامةً لهنَّ، وجزاءً على ما اخترْنَ ورضيْنَ به، فقُصِر رسول اللَّه ﷺ عليهنَّ، وهن التِّسعُ اللَّاتي ماتَ عنهنَّ.
و﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ هي الاستغراقيَّة، مزيدةٌ لتأكيد نفي التَّبدل مِن جنس الأزواج.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾: حسنُ الأزواجِ المستبدلَة (^٣)، وهو حالٌ مِن الضَّمير الذي هو فاعل ﴿تَبَدَّلَ﴾؛ أي: مفروضًا إعجابُكَ بهنَّ، أو من المفعول الذي
_________________
(١) قرأ أبو عمرو بالتاء، وباقي السبعة بالياء. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٩).
(٢) "قوله" سقط من (ك).
(٣) في (ك) و(ع): "المتبدلة".
[ ٨ / ٢٧٠ ]
هو ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ﴾؛ لأنَّه في سياق النَّفي، فشابه المعرفة المستغرقة، ألا ترى إلى تجويزهم (^١) أن يقع مبتدأً.
وعن عائشة ﵂: ما ماتَ رسولُ اللّهِ ﷺ حتَّى أُحِلَّ له النِّساء (^٢)؛ يعني: أنَّ الآية قد نُسِخَتْ، ولا يخلو نسخُها أن يكون إمَّا بالسُّنَّة (^٣)، وإمَّا بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، أو بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ﴾ (^٤) [الأحزاب: ٥١] على المعنى الثاني، وترتيبُ النُّزولِ ليس على ترتيب المصحف.
وقيل: المعنى: لا تحلُّ لك النِّساء مِن بعدِ الأجناس الأربعة اللَّاتي نُصَّ على إحلالهنَّ لك من الأعرابيَّات والكتابيَّات والقرائب والإماء بالنِّكاح؛ فإنَّهنَّ لا يناسبْنَ (^٥) منصب النُّبوَّة وجلالته.
﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ استثناءٌ منقطعٌ؛ لأنَّ ﴿النِّسَاءُ﴾ وإنْ كان في الأصل يتناول الحرائر والإماء، لكنْ غلَبَ استعمالُه في الأزواج، وهو المراد هاهنا على ما مرَّ بيانه.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾: حافظًا مهيمنًا. وهو تحذيرٌ عن مجاوزةِ حدودِه وتخطِّي حلالِه إلى حرامِه.
* * *
_________________
(١) في (ك): "تجويز".
(٢) رواه الترمذي (٣٢١٦)، والنسائي (٣٢٠٤)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٣) في (م) و(ي) و(ع): "بالنسبة"، وفي (ف): "بالكتاب".
(٤) في (ك): "ترجئ".
(٥) في (م) و(ي) و(ع): "لا ينافي"، وصححت في هامش (ي) إلى المثبت.
[ ٨ / ٢٧١ ]
(٥٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ لم يقلْ: بيتَ النَّبيِّ؛ كيلا يَسبقَ الوهم إلى أنَّ المرادَ البيتَ الذي هو فيه.
﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾؛ أي: إلَّا بأنْ يُؤْذَنَ لكم، أو: إلَّا مأذونًا لكم، ولا يجوزُ نصبُه على الظَّرف؛ لأنَّهم قد نصُّوا على أنَّ المصدرَّية لا تكون في معناه، تقول: أجيئك (^١) صياحَ الدِّيك وقدومَ الحاجِّ، ولا يجوز: أجيئك أن يصيح (^٢) الدِّيك، ولا: أنْ يَقدم الحاجُّ.
﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ متعلِّق بـ ﴿يُؤْذَنَ﴾؛ لأنَّه متضمِّنٌ معنى: يُدْعى (^٣)؛ للدِّلالة على أنَّ حكمَ النَّهيِ لا يرتفع بمجرَّد الإذنِ دلالةً بفتح الباب ورفع الحجاب مثلًا، بل لا بدَّ معه (^٤) مِن صريح الدَّعوة.
ويعضده قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾: غيرَ منتظرينَ وقتَه وإدراكَه، حال مِن فاعل ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾، أو من المجرور في ﴿لَكُمْ﴾.
_________________
(١) في (ك): "أجئك"، وفي (م): "أجيتك"، وفي (ف): "أجليك"، وفي (ع): "أجبتك".
(٢) في (ك): "أجئك أن يصيح"، وفي (ف): "أجئتك أن يصح"، وفي (ع): "أجيتك أن يصبح".
(٣) في (ك): "يدعو".
(٤) في (ف): "له".
[ ٨ / ٢٧٢ ]
وقرئ بالجرِّ (^١) صفةً لـ ﴿طَعَامِ﴾، فيكون جاريًا على غير مَن هو له بلا إبراز الضَّمير، وهو غيرُ جائزٍ عند البصريين (^٢).
وقرئ: (إناه) بالإمالة (^٣)؛ لأنَّه مصدرٌ أَنَى الطَّعام: إذا أدرك.
قيل: الخطابُ مخصوصٌ بقومٍ كانوا يتحيَّنون (^٤) طعامَ رسولِ اللّهِ ﵇، فيدخلونَ ويقعدون (^٥) منتظرين لإدراكه، وإلَّا لم يجزْ لأحدٍ أنْ يدخلَ بيوته إلَّا بإذنٍ خاصٍّ.
والظَّاهر أنَّ الخطاب عامٌّ لغيرِ المحارمِ، وخصوصُ السَّبب لا يصلح مخصِّصًا على ما تقرَّر في الأصول، نعم يكون وجهًا لتقييد (^٦) الإذن بقوله: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾، فيندفع وهمُ اعتبار مفهومِه (^٧).
﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ هذه الفاءُ للجزاء، ولا دِلالة فيها للتَّعقيب بلا مُهلَةٍ، وأمَّا الفاء في قوله:
﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾ فللتَّعقيب بلا مهلةٍ، للدِّلالة على أنَّه ينبغي أن يكون
_________________
(١) نسبت لابن أبي عبلة. انظر: "الكشاف" (٣/ ٥٥٤)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٣٩٦).
(٢) ومذهب البصريين في ذلك وجوب إبراز الضمير بأن يقال هنا: غير ناظر أنتم، أو: غير ناظرين أنتم، ولا بأس بحذفه عند الكوفيين إذا لم يقع لبس كما هنا، والتخريج المذكور عليه. انظر: "روح المعاني" (٢١/ ٤٢١).
(٣) قراءة الكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ٤٩).
(٤) في (م): "يتجنبون"، وفي (ف): "يحبُّون".
(٥) في (ف): "ويعقدون"، وفي (م) و(ي) و(ع): "ويقصرون".
(٦) في (ك): "لتقيد".
(٧) نقله عنه الآلوسي في "روح المعاني" (٢١/ ٤٢٣)، ثم تعقبه بقوله: وفيه بحث فتأمل.
[ ٨ / ٢٧٣ ]
دخولُهم بعد الإذن والدَّعوة على وجهٍ يشرعوا في الأكل كما دخلوا (^١).
ففيه تقريرٌ لِمَا أُشِيرَ إليه بقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ مِن النَّهي عن الدَّخول للطَّعام قبلَ إدراكِه.
﴿فَانْتَشِرُوا﴾ فتفرَّقوا ولا تمكثوا.
رُوِيَ عن أنس ﵁ قال: أنا أعلمُ بهذه الآية، لَمَّا زُفَّتْ زينبُ إلى رسولِ اللّهِ ﷺ كانَتْ معه في البيتِ وصُنِعَ (^٢) طعام للناس، فأكلوا وتفرَّقوا، وبقيَ ثلاثةُ نفرٍ يتحدَّثون، فأطالوا، فقام رسول اللَّه ﷺ لِيَخرجوا (^٣) ثمَّ رجعَ فإذا الثَّلاثةُ جلوسٌ يتحدَّثون، وكان رسول اللَّه ﷺ شديدَ الحياءِ، فتولَّى، فلَمَّا رأَوْهُ متولِّيًا خرجوا، فرجَعَ فنزلَتْ (^٤) (^٥).
﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾؛ أي: ولا مستأنسٍ (^٦) بعضُكم لبعضٍ لأجلِ الحديث، أو: مستمعين حديثَ أهلِ البيتِ. والأوَّلُ يرجِّحُه سببُ النُّزولِ.
عطفٌ على ﴿نَاظِرِينَ﴾، أو منصوب على تقدير فعل؛ أي: ولا تدخلوها أو: ولا تمكثوا مستأنسين.
_________________
(١) كذا وقعت العبارة في النسخ، وعبارة الآلوسي أحسن وأوضح، وهي: (… على وجه يعقبه الشروع في الأكل بلا فصل). انظر: "روح المعاني" (٢١/ ٤٢٢).
(٢) في (ف): "وضع".
(٣) في (م): "ليخرج".
(٤) روى نحوه البخاري (٤٧٩١)، ومسلم (١٤٢٨).
(٥) في (ف): "فترك".
(٦) في (ك): "مستأنسين".
[ ٨ / ٢٧٤ ]
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ اللَّبثَ ﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ لتضييق (^١) المنزل عليه وأهله، وإشغاله فيما لا يعنيه.
﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ تعليل لمحذوفٍ دلَّ عليه المساق؛ أي: ولا يخرجكم فيستحيي منكم، ولذلك صدَّره بأداة التَّعليل، ولو كان المعنى: يستحيي من إخراجكم، لكان حقَّه أن يُصدَّر بالواو العاطفة (^٢).
﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ لَمَّا كان الحياءُ يمنعُ الحييَّ مِن بعضِ أفعالِه وأقوالِه - وإنْ كان حقًّا - قيلَ: إنَّ اللّهَ لا يستحيي من الحقِّ؛ أي: لا يمتنعُ منه (^٣) امتناع الحييِّ، وهو مجازٌ، أو على طريقة قوله:
قلت اطبخوا لي جُبَّةً وقميصًا (^٤)
يعني: إخراجُكم حقٌّ (^٥)، فينبغي أنْ لا يترك حياءً، كما لم يتركْهُ اللّهُ تعالى فأمرَكُم بالخروجِ.
_________________
(١) في (ع): "لتضيق"، وفي (م): "لضيق".
(٢) نقله عنه الآلوسي في "روح المعاني" (٢١/ ٤٢٤)، ثم تعقب ما ذهب إليه المؤلف من التَّقديرُ بقوله: وفيه أَنَّهُ بعد تسليم ما ذكر على تقدير المضاف.
(٣) في (ف) و(ي) و(ع): "يمتنع من".
(٤) عجز بيت نسب لجحظة في "جمهرة الأمثال" (١/ ٢٢٧)، ولأبي حامد محمد بن محمد في "لباب الآداب" للثعالبي (ص: ١٩٥)، وصدره: قالوا اقترح لونًا نجيد طبيخه والشاهد فيه أنه وضع (اطبخوا) موضع (خيطوا) لمجرد مراعاة اللفظ دون المعنى.
(٥) في (ف): "أن إخراجكم حقًّا".
[ ٨ / ٢٧٥ ]
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ الضَّمير لنساءِ النَّبيِّ ﵇ لدلالةِ ذِكْرِ البيوتِ أو دلالةِ الحال عليهنَّ.
﴿مَتَاعًا﴾: شينًا يُنتَفَعُ به ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾ المتاعَ ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: سترٍ.
رُويَ أنَّ عُمرًا ﵁ قال: يا رسولَ اللّهِ، يدخلُ عليكَ البَرُّ والفاجرُ، فلو أمرْتَ أمَّهاتِ المؤمنين بالحجاب، فنزلَتْ (^١).
وقيل: إنَّه ﵇ كان يَطْعَمُ ومعه بعضُ أصحابِه، فأصابَتْ يدُ رجلٍ يدَ عائشة ﵂، فكرِهَ النَّبيُّ ﵇ ذلك، فنزلَتْ (^٢).
﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ مِن خواطر الشَّيطانيَّة (^٣).
﴿وَمَا كَانَ﴾: وما صحَّ ﴿لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾: أن تفعلوا ما يكرهه.
﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾: مِن بعدِ وفاتِه أو فراقِه.
وخُصَّ التي لم يدخلْ بها، لِمَا رُويَ أنَّ أشعث بن قيس تزوَّج المستعيذة في أيَّامِ عمر ﵁ فهمَّ برجمها (^٤)، فأُخبر بأنَّه ﵇ فارقها (^٥) قبلَ أنْ يمسَّها، فترَكَ مِن غير نكير (^٦).
_________________
(١) رواه البخاري (٤٧٩٠).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٦٧) عن مجاهد مرسلًا، وروى نحوه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٢٠١٧)، والبخاري في "الأدب المفرد" (١٠٥٣)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١١٤١٩) عن عائشة ﵂.
(٣) في (م): "الشياطين"، وفي (ف) و(ك): "شيطانية".
(٤) في (ف) و(م): "برجمهما".
(٥) في (م) زيادة: "من".
(٦) ذكره الغزالي في "الوسيط" (٥/ ٢١)، وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٣/ ٢٩٢): (لا أصل =
[ ٨ / ٢٧٦ ]
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾؛ أي: إيذاءه (^١) ونكاحَ نسائِه.
﴿كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾: ذنبًا عظيمًا، استئنافٌ لتعظيمِ النَّبيِّ ﵇ وإيجابِ حرمتِه حيًّا وميتًا، فلذلك بالغ في الوعيد عليه فقال:
(٥٤) - ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ مِن نكاحِهنَّ وغيرِه ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ في صدورِكم.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فيَعلمُ ذلكَ فيجازيكم (^٢) عليه، وفي هذا التَّعميم مع أنَّه برهان على المقصود تهويلٌ عظيم، ومبالغةٌ شديدةٌ في الوعيدِ.
* * *
(٥٥) - ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾.
﴿جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ استئنافٌ لِمَنْ لا يجبُ الاحتجابُ عنه.
رُويَ أنَّه (^٣) لَمَّا نزلَتْ آيةُ الحجابِ قال الآباءُ والأبناءُ والأقاربُ: يا رسولَ اللّهِ، أوَ نكلمهنَّ أيضًا من وراء حجابٍ؟ فنزلَتْ (^٤).
_________________
(١) = له في كتب الحديث). وروى ابن سعد في "الطبقات" (٨/ ١٤٦) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس نحو هذه القصة، وفيه أن الذي تزوجها هو المهاجر بن أبي أمية.
(٢) في (م) و(ي) و(ع): "إيذاؤه"، وسقطت من (ف) و(ك). والصواب المثبت.
(٣) في (م): "ويجازيكم".
(٤) في (ف) و(ك): "أنها".
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ١٢٩)، و"النكت والعيون" (٤/ ٤٢١)، و"الكشاف" (٣/ ٥٥٧)، و"زاد المسير" (٦/ ٤١٧).
[ ٨ / ٢٧٧ ]
وإنَّما لم يذكر العمَّ والخالَ - مع شدَّة الاهتمام على ما دلَّ عليه في البيان ما في عدم الاكتفاء بالانفهام في حقِّ الأخ، فإنَّ ذكر ابنه يُغني عنه دلالةً - لأنَّه كُرِه ترك الاحتجاب عنهما مخافةَ أن يصفانها لأبنائهما (^١).
﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ يعني: نساءَ المؤمنات.
﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ مِن العبيد والإماء، وقيل: مِن الإماءِ خاصَّة، وقد سبق في تفسير سورة النُّور.
﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ فيما أُمرتِنَّ به، التفاتٌ إلى الخطاب بعد الغيبةِ؛ لإظهارِ الاعتناء بأمرِ الحجابِ والتَّشديد عليهنَّ في ذلك، وأنَّه من باب التَّقوى الواجبِ رعايتُه والمحافظةُ عليه.
ثمَّ أَوعَدَ على ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ سواءٌ عندَه السِّرُّ والعلَنُ، لا يتفاوت عندَه شيءٌ مِن الأحوال، فليكن عملكنَّ في الحجب أحسنَ مما كان قبل الاحتجاب (^٢).
* * *
(٥٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾: يعتنون بإظهار شرفِه وتعظيمِ شأنِه.
_________________
(١) في هامش (ي): "فيه رد لمن زعم أن ذلك لأنهما بمنزلة الوالدين. منه".
(٢) في (ك): ""، وفي (م): "فليكن عملكن في الحجب مما كان قبل الإحتجاب"، وفي (ف): "فليكن عما سبق في الحجاب أحسن مما كان قبل الإضراب".
[ ٨ / ٢٧٨ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾: اعتنوا أنتم أيضًا، فإنَّكم أولى بذلك، فقولوا: اللَّهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ.
﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قولوا: السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ.
والآية تدلُّ على وجوبِ الصَّلاة والسلام عليه ﵇ في الجملةِ.
* * *
(٥٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ جاز أن يكون مجازًا؛ أي: يرتكبون ما يكرَهانِه مِن الكفرِ والمعاصي، وأن يكون حقيقةً، وذِكْرُ اللّهِ توطئةٌ للتَّعظيم والاختصاص؛ أي: يؤذون رسولَ اللّهِ.
﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: أبعدَهم مِن رحمتِه.
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾: يهينُهم مع الإيلَامِ.
* * *
(٥٨) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾: بغيرِ جنايةٍ استحقُّوا بها ذلكَ، أطلقَ إيذاءَ اللّهِ ورسولِه (^١)، وقيَّد إيذاءَ المؤمنين والمؤمنات؛ لأنَّ إيذاءَ اللّهِ ورسولِه لا يكون إلَّا بغيرِ حقٍّ، وإيذاءَهم قد يكون بحقٍّ (^٢).
_________________
(١) في (ف) و(ك): "وإيذاء رسوله".
(٢) في (ف) و(ك): "بغير حق"، وفي (ي): "بالحق".
[ ٨ / ٢٧٩ ]
﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: ظاهرًا.
رُويَ أنَّها نزلَتْ في ناسٍ مِن المنافقين يؤذون عليًّا ﵁.
وقيل: في أهل الإفك، وقيل: في زُناةٍ كانوا يَتْبعونَ (^١) النِّساء وهنَّ كارهات.
* * *
(٥٩) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: يغطيْنَ بها وجوهَهُنَّ وأعطافَهُنَّ (^٢)، ويُرْخِينَها على أبدانهنَّ إذا برزت لحاجةٍ.
يقال إذا زال الثَّوب عن وجه المرأة: أدني (^٣) ثوبَك على وجهِكِ.
والجلبابُ: الملحفةُ وكلُّ ما يُستَرُ به مِن كساء وغيره، و﴿مِن﴾ للتَّبعيضِ؛ لأنَّ المرأة تتلفَّع ببعضِها وترخي بعضَها على بدنها، أو لأنَّ لها جلابيب.
كانت النِّساء في أوَّل الإسلام يَبرزْنَ (^٤) في درعٍ وخِمارٍ كما كانت عادتهنَّ في الجاهليَّة، لا فرْقَ بينَ الحرَّةِ والأَمَةِ في ذلك، وربَّما كانَ الشَّباب (^٥) والشُّطَّارُ يتعرَّضونَ لهنَّ، فإذا عُوتِبوا فيه يقولون (^٦): حسبناها أَمَةً، فأُمِرْنَ أن يحتجِبْنَ ويخالفْنَ بزيهِنَّ زِيَّ الإماء. فلذلك قال:
_________________
(١) في (ك): "يستتبعون".
(٢) في (ف) و(ك): "وأعضاءَهُنَّ".
(٣) في (ك): "أرخي"، وفي (ي) و(ع): "أذن".
(٤) في (ف): "يبرزون".
(٥) في (ك): "كانت الأشبال"، وفي (ي) و(ع): "كان أشبان".
(٦) في (ك): "قالوا".
[ ٨ / ٢٨٠ ]
﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾: يُمَيَّزْنَ مِن الإماءِ والقَيْناتِ.
﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾: فلا يؤذيَهنَّ أهلُ الرِّيبةِ (^١) بالتَّعرُّض لهنَّ بما يكرهْنَ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما سلَفَ منهنَّ (^٢) مِن التَّفريطِ ﴿رَحِيمًا﴾ بتعليم آداب المكارم.
* * *
(٦٠) - ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ عن نفاقِهم.
﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: ضعفُ إيمانٍ، أو قِلَّةُ ثَباتٍ عليه، وقيل: أهل الرِّيبةِ والفجور والزُّناة، مِن قوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢].
﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ الذين يُرجِفون بأخبار السُّوء عن سرايا رسول اللَّه ﷺ، فيقولون: هُزِموا وقُتِلوا. وبالجملةِ: ما يكسرُ قلوبَ المؤمنين.
والإرجافُ: الإخبارُ الكاذبُ (^٣)؛ لأنَّه متزلزلٌ غير ثابت، يُقالُ: أَرْجَفَ بكذا: إذا أَخبَرَ به على غير حقيقةٍ، مِن الرَّجفةِ وهي الزَّلزلةُ.
﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ الإغراءُ: التَّحريشُ، جُعلَ مجازًا عن قصدهم بالسُّوء؛ أي: لئِنْ لم ينتهِ المنافقون عن نفاقِهم وكيدِهم، والفَسقَةُ عن فجورِهم، والمرجِفونَ
_________________
(١) في (ف) و(ي) و(ع): "الرقبة".
(٢) في (ف): "منهم".
(٣) في (ف): "الكاذبة".
[ ٨ / ٢٨١ ]
عن أراجيفِهم (^١) = لنأمرنَّكَ بأنْ (^٢) تفعلَ بهم الأفاعيل التي تسوؤُهم من أنواع التعذيب.
﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ عطفٌ على ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾؛ لأنَّ النَّفيَ ممَّا يُجابُ به القسمُ، ولو قيلَ: لئن لم ينتهوا لا يجاورونك، لكان صحيحًا، وإنَّما عطفٌ بـ ﴿ثُمَّ﴾ لأنَّ الجلاءَ عن الأوطان كان أعظمَ عليهم من كلِّ بلاءٍ، وأشدَّ مِن كلِّ ما أُصِيبوا به مِن العذابِ، مُبْعَدٌ حالُه عن حالِ المعطوفِ عليه؛ أي: ثمَّ يُفعَل بهم ما يَضطرُّهم إلى الجلاء من المدينة، وإلى أنْ لا يساكنوك (^٣) فيها إلَّا زمنًا قليلًا ريثما يتهيَّؤون للرَّحيل، ويسرِّحونَ عيالَهم مِنها، ويرتحلون بهم.
* * *
(٦١) - ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾.
﴿مَلْعُونِينَ﴾ نصبٌ على الشَّتم (^٤)، أو الحال؛ أي: لا يجاورونك إلَّا ملعونين، فالاستثناء شاملٌ له أيضًا؛ أي: لا يجاورونك إلا ملعونين.
ولا يجوز انتصابه بـ ﴿أُخِذُوا﴾ في قوله: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾: وُجدوا ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ لأنَّ ما بعد كلمة الشَّرط لا يعمل فيما قبلها.
والتَّشديدُ للدِّلالة على التَّكثير، وكذا التَّنكير.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(ك): "إرجافهم".
(٢) في (ف): "أن".
(٣) في (م): "يساكنوا".
(٤) في (م): "الذم".
[ ٨ / ٢٨٢ ]
(٦٢) - ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مصدرٌ مؤكِّد؛ أي: سنَّ اللّهُ في الأنبياء الذين مضَوا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ ذلك سنةً (^١)، وهو الأخذُ والتَّقتيل في الذين نافقوا وأَفسدوا.
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ لأنَّه تعالى لم يبدِّلها، ولا يقدر أحدٌ على تبديلها.
* * *
(٦٣) - ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾.
﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾: عن وقتِ قيامِها، كان المشركون يسألون رسولَ اللّهِ ﷺ عنها (^٢) استعجالًا على سبيل الهزء والإنكار، واليهود (^٣) امتحانًا؛ لأنَّ اللَّه تعالى عمَّى وقتها (^٤) في التَّوراة وفي جميع كتبِه.
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لم يُطْلِعْ عليها (^٥) أحدَ الأنبياء ولا مَلَكًا.
ثمَّ بيَّنَ لرسول الله ﷺ بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ أنَّها قريبة الوقوع؛ تهديدًا (^٦) للمستعجِلين، وإسكاتًا للممتحِنين.
وتذكيرُ ﴿قَرِيبًا﴾ على تأويل الشَّيء، أو اليوم، أو الزَّمان، ويجوز انتصابه على الظَّرف، أو في زمانٍ قريب.
_________________
(١) في (ف) و(م): "سنة الله".
(٢) "عنها" من (ك)، وفي (ي): "عنه".
(٣) في (ك) كتب بالهامش: "وأهل الكتاب".
(٤) في (ك): "أخفاها".
(٥) في (ك) و(م): "عليه".
(٦) في (ك): "تهديد".
[ ٨ / ٢٨٣ ]
(٦٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾: نارًا مسعَّرةً شديدةَ الإيقاد.
* * *
(٦٥) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ ينفعُهم ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدفعُ العذابَ عنهم.
* * *
(٦٦) - ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾.
﴿يَوْمَ﴾: ظرفٌ لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، أو نصبٌ بـ (اذكر) و﴿يَقُولُونَ﴾ حال.
﴿تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ كما يقلَّبُ اللَّحم عند الشَّيِّ، أو من (^١) حالٍ إلى حالٍ وهيئةٍ إلى هيئة (^٢).
وخُصَّتْ الوجوه بالذِّكر لأنَّها أشرف أعضاء الإنسان وأعزُّها، أو عبِّر بها عن الجملة.
وقرئ: (تَقَلَّبُ) بمعنى: تتقلَّبُ (^٣).
﴿يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ فلنْ نُبْتلى بهذا العذاب.
وزيادة الألف في ﴿الرَّسُولَا﴾، و﴿السَّبِيلَا﴾ لإطلاق الصَّوت، جُعِلَتْ
_________________
(١) في (ف): "ومن حال"، وفي (ي) و(ع): "أو" وسقطت "من".
(٢) في (ف): "وهيشة إلى هيشة".
(٣) نسبت للحسن وعيسى وأبي جعفر الرؤاسي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٠).
[ ٨ / ٢٨٤ ]
فواصلُ الآي كقرائن السَّجع وقوافي الشِّعر، وفائدتها الوقفُ، والدِّلالةُ على أنَّ الكلامَ قد انقطع (^١)، وأنَّ ما بعدَه مستأنَفٌ.
* * *
(٦٧) - ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾.
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ يعنون رؤساءَ الكفر الذين لقَّنوهم الكفر وزيَّنوه لهم. وقرئ: ﴿سَادَتَنَا﴾ على جمع الجمع (^٢)؛ للدِّلالة على الكفرة.
﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ بما زيَّنوا لنا.
* * *
(٦٨) - ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾.
﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ﴾؛ أي: مثلَي ما آتيتَنا (^٣) ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ لضلالِهم وإضلالهم لنا.
﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾: كثير العدد، وقرئ بالباء (^٤)؛ أي: لعنًا هو أشدُّ اللَّعنِ وأعظمُه.
* * *
(٦٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.
_________________
(١) في (ك): "قد تمّ".
(٢) قرأ بها ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٩).
(٣) في (ف): "أوتينا".
(٤) قراءة عاصم، وباقي السبعة بالثاء. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٩).
[ ٨ / ٢٨٥ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ فاستحقُّوا العذابَ في العُقبى.
﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ في حقِّه.
لَمَّا أظهرَ اللّهُ تعالى براءَته ﵇ ممَّا قذفوه به انقطعَ كلماتهم فيه، فبرئ ﵇ مِن قولهم، فحصل لهم الخجالة في الدُّنيا بظهور كذبِهم وافترائِهم على رسولهم، وذلك ما مرَّ في (القصص) مِن تحريض قارون امرأةً على قذفه بنفسِها، أو اتِّهامِهم إيَّاه بقتل هارون ﵇، فأحياه اللَّه تعالى فأَخبر ببراءة موسى ﵇، أو قرفوه (^١) بعيبٍ في بدنِه مِن برصٍ أو أدرَةٍ؛ لفرْط تستُّره حياءً، فأطلعهم اللَّه على أنَّه بريءٌ منه (^٢).
﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾: ذا جاهٍ (^٣) ومنزلةٍ، فلذلك كان يدفعُ عنه التُّهمَّ (^٤) ويحافظ على ماء وجهِه بصونِه عن كلٍّ وصمٍ (^٥) ونقيصةٍ.
وقرئ: (عبدًا للّهِ وجيهًا) (^٦).
* * *
_________________
(١) في هامش (ي): "قرفت الرجل؛ أي: عبته، وفلان يُقرف بكذا؛ أي: يُرمى به". وانظر: "الصحاح" (مادة: قرف).
(٢) في هامش (ف) و(ع) و(ي): "فلا حاجةَ إلى التَّأويل، لا في برئ ولا فيما قالوا، كما توهَّمه من قال: فأظهر براءته مِن مضمون مقولهم. منه".
(٣) في (ك): "وجاهة".
(٤) في النسخ: "الهم"، والمثبت من "الكشاف" (٣/ ٥٦٣).
(٥) في (ف): "وضم".
(٦) نسبت لابن مسعود ﵁ والأعمش وأبي حيوة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٠)، و"المحتسب" (٢/ ١٨٥)، و"الكشاف" (٣/ ٥٦٣).
[ ٨ / ٢٨٦ ]
(٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ارتكابِ ما يكرهه فضلًا عن إيذاء (^١) رسولِه.
﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ السَّدادُ: القَصْدُ إلى الحقِّ، يقال: سدَّد السَّهم نحو الرَّميَّة، إذا لم يَعْدِل به عن سَمْتِها.
قرَّر النَّهي بالأمر بالقولِ السَّديد الحقِّ، وحفظِ اللِّسان عن الكذب والغيبة والرِّيبة، ليتعاضد الأمرُ والنَّهي مترادفَين عليهم، مع إتباعِ النَّهي الوعدَ الشَّديد في ضمن قصَّة موسى ﵇، وإتباعِ الأمر الوعدَ البليغ، فيتقوَّى الصَّارفُ عن الشَّرِّ والأذى بالدَّاعي إلى الخير والتُّقى، وأفردَ القولَ السَّديد بالذِّكرِ وإن كان داخلًا في التَّقوى؛ لأنَّه اجتنابٌ عن (^٢) رذيلة الكذب (^٣) لفضله كأنَّه جنسٌ برأسه، كما خُصَّ جبريل ﵇ مِن بينِ الملائكةِ (^٤).
* * *
(٧١) - ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ بالقَبولِ والإثابة عليها، وذلك بالتَّوفيق لصالح الأعمالِ (^٥).
_________________
(١) في (ف): "عن يؤذي"، وفي (ي): "مما يؤذي"، وفي (ع): "عما يؤذي".
(٢) في (ك): "من".
(٣) في (ف): "الكفر".
(٤) من قوله: "قرر النهي بالأمر … " إلى هنا وقع في (ف) و(ك) بعد تفسير قوله: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾.
(٥) بعدها في (ف) و(ك): "لا نهيٌ عن القول المؤذي لرسولِ اللهِ".
[ ٨ / ٢٨٧ ]
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ويجعلْها مكفَّرَة باستقامتكم في القول والعمل.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأوامر والنواهي ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
عاشَ في الدُّنيا حميدًا، وفي الآخرة سعيدًا.
* * *
(٧٢) - ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ الإشفاقُ: خوفٌ مع اعتناء.
﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ تقريرٌ للوعد السَّابق بتعظيم الطَّاعة، فإنَّه لَمَّا علَّقَ الفوزَ العظيم بها أراد أنْ يقرِّر أَنَّه حقٌّ لها باستعارة الأمانة لها؛ لأنَّها واجبةُ الأداء كالأمانة، وهي أنها مِن عِظَمها بحيث لو عُرِضَتْ على هذه الأجرام العِظام مع إحكامها وقوَّتها وكانت شاعرة لأبَتْ أنْ يحملنها وأشفقْنَ منها، وحملها الإنسانُ مع ضعفِ بِنْيته (^١) ورخاوة قوَّته، فجدير بالقائم بحقوقِها والمراعي لها أنْ يفوزَ بخير الدَّارَين، وسعادةِ المنزِلَيْنِ، وحقَّ (^٢) لمن أضاع حقوقَها وخانها أنْ يُرهق بأشدِّ العذاب، ويؤوبَ شرَّ المآب.
﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ حيثُ لم يراعِ حقوقَها، ولم يؤدِّها، ولم يفِ بها.
﴿جَهُولًا﴾ حيثُ لم يعرِفْ عظمَ قدرِها وفخامةَ شأنِها، فلم يؤدِّها، وهذا حكمٌ على الجنس بحسب الأغلب.
_________________
(١) في (ف): "بنية".
(٢) وقع في (م) سقط لوحة، وهي من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ إلى هنا.
[ ٨ / ٢٨٨ ]
ووجهٌ آخرُ، وهو أنْ يراد بالطَّاعة: الانقياد لأمر اللَّه تعالى مطلقًا، بحيث يشتمل الاختياريَّ والطَّبيعيَّ.
وبعرضها: استدعاؤُها الذي يعمُّ إرادةَ صدور ما خُلقت هذه الأجرام لها عليها (^١)، وطلبَ ما خُلِقَ الإنسان له منه (^٢).
وبحملِها: الامتناعُ من أدائها والخيانة فيها.
يُقال: حملَ الأمانة واحتملها: إذا لم يؤدِّها إلى صاحبها فيخرجَ مِن (^٣) عهدتها وتزولَ عن ذمَّته؛ لأنَّ الأمانة إذا كانت عليه كانت كأنَّها (^٤) راكبةٌ له وهو حاملها، كما يُقالُ: ركبَتْهُ الدُّيون، فإذا أدَّاها لم تبقَ راكبةً له، ولا يكون هو حاملها.
وبإبائِها حملَها (^٥): إتيانُها بما أراد اللَّه تعالى منها طوعًا وانقيادًا.
وبإشفاقِها: موافقتُها لأمر اللَّه وامتناعُها من مخالفته.
على أنَّها مجازاتٌ، فيكون المعنى: أنَّ هذه الأجرام مع عِظَمِها وقوَّتها لم تمتنع مِن طاعتنا، وانقادَتْ لِمَا أمرناها به، وأدَّتْ أمانتنا (ولم تخُنْ، وأذعنَتْ لِمَا أردنا منها، كقوله: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
وأمَّا الإنسان مع كونه عاقلًا لِمَا يوجِبُ (^٦) طاعتنا، فحاله بخلاف ذلك،
_________________
(١) في (م): "عنها".
(٢) عبارة البيضاوي: (استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره).
(٣) في (ف): "عن".
(٤) "كأنها" سقط من (ك).
(٥) في (ي) و(ع): "حاملها".
(٦) في (ك): "عالمًا بوجوب"، وفي (ف): "عاقلًا لما بوجوب".
[ ٨ / ٢٨٩ ]
فإنَّه حمل الأمانةَ ولم يؤدِّها؛ أي: عصانا (^١) ولم يطع.
﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ لأنَّه لم يؤدِّ حقَّنا وأمانتنا، ولم يفِ بعهدنا وخانَنا ﴿جَهُولَا﴾ بوخامةِ عاقبته. ولام التَّعليل للعاقبة؛ لأنَّ التَّعذيبَ يَعقب حملَ الأمانةِ.
ويجوزُ أنْ يُرادَ بالأمانةِ: العقلُ، وما يلزمُه من التَّكليف.
وبعرضِها عليهنَّ: اعتبارُها بالإضافة إلى استعدادهنَّ.
وبإبائهنَّ: الإباءُ الطَّبعي، الذي هو عدمُ اللياقة والاستعداد.
وبحمل الإنسان: قابليَّتُه واستعدادُه لها، وكونه (^٢) ظلومًا جهولًا لِمَا غلبَ عليه مِن القوَّة الغضبيَّة والشهويَّة، وعلى هذا يَحسُن أن يكون علَّةً للحمل عليه، فإنَّ مِن فوائدِ العقلِ أنْ يكون مهيمنًا على القوَّتَيْنِ، حافظًا لهما عن التَّعدِّي ومجاوزةِ الحدِّ، ومعظمُ المقصودِ مِن التَّكليف: تعديلُهما وكسرُ سَورتهِما.
* * *
(٧٣) - ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ تعليلٌ للحمْلِ مِن حيثُ إنَّه نتيجته (^٣)؛ كالتَّأديبِ للضَّربِ، في: ضربتُهُ تأديبًا.
_________________
(١) من قوله: "لما يوجب طاعتنا … " إلى هنا سقط من (م) و(ي) و(ع).
(٢) في (ف) و(ك): "بكونه".
(٣) في (ع) و(ي): "نتيجة"، وفي (م): "ينتجه"، وفي (ف): "ينتخبه". والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي".
[ ٨ / ٢٩٠ ]
وذِكْرُ التَّوبةِ في الوعد إشعارٌ بأنَّ كونه ظلومًا جهولًا في جِبلَّته لا يكاد يخلو (^١) عن شيءٍ منه.
وقرئ: (ويتوبُ) بالرَّفع (^٢)، على أنَّ العلَّةَ قاصرةٌ على فعل الحامل، و(يتوبُ اللّهُ) ابتداءُ كلامٍ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ حيثُ تابَ على فرطاتِهِ.
﴿رَحِيمًا﴾ حيثُ أثابَ على طاعاتِهِ.
* * *
_________________
(١) في (ي) و(ع): "ينجُ".
(٢) نسبت للأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٠).
[ ٨ / ٢٩١ ]