﷽
(١) - ﴿المص﴾.
﴿المص﴾ قد سبق الكلام في مثله.
* * *
(٢) - ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿كِتَابٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ صفتُه، والمراد بالكتاب السورةُ، وهذا أولى من أن يراد به القرآن؛ لأن البعض إذا استقل بالكمال أو الإعجاز فالكلُّ أولى به.
﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾؛ أي: فلا تكن شاكًّا أو خائفًا، على طريقةِ الكناية؛ فإن الشاكَّ والخائف ضيِّق الصدر. أو: فلا يكن في قلبك شكٌّ أو خوف، على أن الصدر مجازٌ عن القلب، والحرجَ مجازٌ عن الشك أو الخوف، وتوجيه النهي إليه لإيهامِ أن الحرج لو كان مما يُنهى عنه لنهيناه (^١) عنك، فانتهِ أنت عنه، ولا يخفى ما في هذا الاعتبار اللطيف من تعظيم شأنه الشريف. والفاء للسببية؛ أي: إذا أنزل إليك من الله تعالى فلا يَحرجْ صدرك؛ لأنَّه سبب الانشراح.
_________________
(١) في (ف): "نهيناه"، وفي (م): "لنهينا".
[ ٤ / ٧ ]
أو (^١): فلا يكن في صدرك ضِيقٌ على أن يكون النهي للتكوين، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾.
﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من أنه منزلٌ من الله تعالى، أو: من تبليغه مخافةَ أن تُكذَّب فيه أو تُقصِّرَ في القيام بحقه، وفائدته التشجيع (^٢).
﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ علةٌ لـ ﴿أُنْزِلَ﴾، وإنما أُخر تنبيهًا على أنه ينبغي أن يزيل الحرج عن صدره أولًا ثم يشتغلَ بالإنذار، أو للنهي لأنَّه إذا تيقَّن أنه من عند الله تعالى تشجَّع على الإنذار، وكذلك إذا أمَّنه الله تعالى.
﴿وَذِكْرَى﴾ نصبٌ باضمار فعلِها؛ أي: ولتذكِّرَ تذكيرًا، فإن الذكرى اسم بمعنى التذكير.
أو جرٌّ عطفًا على المصدر المنسبِك من (أنْ) والفعلِ المنصوبِ بإضمارها في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾؛ أي: لإنذارك، لا على محلِّ ﴿لِتُنْذِرَ﴾ لأن محله النصب.
أو رفعٌ عطفًا على ﴿كِتَابٌ﴾، أو خبرًا لمحذوفٍ، أي: هو ذكرى.
﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أُطلق الإنذار لعمومه الفريقين، وخُصَّ التذكير بالمؤمنين لأنهم المنتفِعون به.
* * *
(٣) - ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ﴾ من القرآن والسنَّة، لا لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾
_________________
(١) "أو" ليست في (ف).
(٢) في هامش (ف): "ومن لم يتنبه له زعم أنه من قبيل لا أرينك. منه".
[ ٤ / ٨ ]
[النجم: ١٣] لأنَّه لا ينتظِم السنَّة التقريرية، بل لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ولهذا عدل عن الضمير، وقيل:
﴿إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لمَّا شجعه ﵇ أمَر الجميع باتِّباع جميع ما يرسمه؛ ليكون أَدْعَى لانشراح صدره ورُحْبِ ذراعه.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ﴾، أي: من دون ربِّكم ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ من شياطين الجن والإنس، فيُضلوكم عن دين الله تعالى، ويحملونكم على عبادة الأوثان واتِّباع الهوى والبدع.
أو: من دون ما أُنزل إليكم؛ أي: من دون دِينِ الله تعالى دِينَ أولياءَ.
وقرئ: (ولا تَبْتَغوا) (^١).
﴿قَلِيلًا﴾ صفةٌ للمصدر؛ أي: تذكُّرًا قليلًا، أو للزمان، أي: زمانًا قليلًا، حيث تتركون دينَ الله تعالى وتتَّبعون (^٢) غيرَه.
﴿مَا﴾ مزيدةٌ لتأكيد القلة.
﴿تتذكرون﴾ صفة لـ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، وقرئ بحذف التاء، وقرئ: ﴿يتذكَّرون﴾ (^٣)
_________________
(١) تنسب لمجاهد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٢).
(٢) في (ف) و(م): "يتركون دين الله ويبتغون"، والمثبت من (ك) وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ٥).
(٣) بياء تحتية ومثناة فوقية وذال مخففة وهي قراءة ابن عامر، وقرأ حمزة والكسائي وحفص: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بحذف إحدى التاءين وذال مخففة، وقرأ باقي السبعة بتاء فوقية وذال وكاف مشددتين، وروي عن ابن عامر: (تتذكرون) بتاءين فوقيتين، ذكرها ابن مجاهد عنه، لكنها شاذة كما صرح الآلوسي، وأوردها ابن خالويه في الشواذ، وبها صدر المؤلف تفسيرها، وكان الأولى =
[ ٤ / ٩ ]
على أن الخطاب [بعدُ] مع النبي ﵇.
* * *
(٤) - ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾.
﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (كم) خبرية منصوبة بفعلٍ مقدَّر يفسره ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾؛ أي: وكثيرًا من القرى أهلكناها.
﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ فيه استخدام (^١) وقلبٌ:
أمَّا الأول: فلأن الضمير في ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ للقرية باعتبار معناها الحقيقيِّ، والضميرَ في ﴿فَجَاءَهَا﴾ لها باعتبار معناها المجازيِّ وهو أهلُها.
وأمَّا الثاني: فلأن أصل الكلام: وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها. ويجوز أن تكون الفاء تفصيلية ويكونَ الكلام على أصله.
﴿بَيَاتًا﴾ في موقع الحال؛ أي: بائتين.
﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ في محل النصب عطفًا على ﴿بَيَاتًا﴾، كأنه قال: بائتينَ أو
_________________
(١) = بذلك التصدير بما تواتر من القراءات المذكورة. انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٢٧٨)، و"التيسير" (ص: ١٠٨)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٢)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٥)، وما سيأتي بين معكوفتين منه، و"روح المعاني" (٩/ ١٤).
(٢) شرحه المؤلف في آخر رسالته المسماة: "رسالةٌ في دَفْعِ ما يَتعلَّقُ بالضَّمائرِ"، حيث قال: اعلَمْ أنَّ الاستخدامَ مَرجعُهُ إلى أنْ يُرادَ باللَّفظِ معنىً ثُم يُرادَ بضميرهِ معنىً آخرُ، سواءٌ كان المعنيانِ حقيقيَّينِ أو مَجازِّينِ، أو أحدُهما حقيقيًَّا والآخرُ مَجازيًّا، وهذا أولى ممَّا قيل: هو أنْ يُرادَ بلفظٍ له معنيانِ أحدُهما، ثم يُرادَ بضميره الآخرُ؛ لأنَّ الظَّاهرُ مِن قوله: (له مَعنيان) كونُهما حقيقيَّينِ، وذلك غيرُ لازمٍ فيه. والرسالة المذكورة مطبوعة ضمن "مجموع رسائل العلامة ابن كمال باشا".
[ ٤ / ١٠ ]
قائلينَ، وإنما وقعت الجملة الاسمية حالًا بغير واوٍ، لا اكتفاءً (^١) بالضمير - لأنَّه غير فصيح - بل لعطفها على حالٍ قبلها، فاستُثقل اجتماع حرفي العطف؛ لأن واو الحال واوُ العطف استُعيرت للوصل.
وتخصيص الوقتين بنزول العذاب لأنهما وقتُ دَعَةٍ وغفلةٍ، فيكون نزوله فيهما أشدَّ وأفظعَ، وأما المبالغةُ في التعبير فلا اختصاص له بالوقتين.
* * *
(٥) - ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾: دعاؤهم على أنفسهم بالويل.
﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾: وقتَ ظهور طلائع العذاب.
﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: إلا قولَهم هذا، يرشدك إلى أن المعنى هذا قولُه تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤، ١٥].
* * *
(٦) - ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿فَلَنَسْأَلَنَّ﴾ الفاء فصيحة؛ أي: لنجمعنَّ الخلائق فلنسألنَّ.
﴿الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾: هم الأمم يسألهم (^٢) عما أجابوا به الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، والمراد به التوبيخ والتقريع، لا الاستخبارُ ولا التقرير؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦].
_________________
(١) في (ف): "للاكتفاء"، وهو تحريف.
(٢) في (ف): "ليسألهم".
[ ٤ / ١١ ]
﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ عمَّا أجيبوا به؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩]، والمنفيُّ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] (^١) السؤالُ عن الذنب لا مطلقُ السؤال، فلا ينافي هذا حتى يُحتاج إلى التوفيق بالاختلاف في الأوقات أو في معنى السؤال.
* * *
(٧) - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾.
﴿فَلَنَقُصَّنَّ﴾ لمَّا كان سؤال الفريق الأول سؤالَ تعنيفٍ وتعذيب، وسؤالُ الفريق الثاني سؤالَ تشريفٍ وتقريب، لا الاستخبارَ والاستفسارَ، سكتوا عن الجواب وتركوا الخطاب، فناسب المقامُ تصديرَ الكلام بالفاء الفصيحة.
﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على الفريقين ما كانوا عليه (^٢).
﴿بِعِلْمٍ﴾ كاملٍ شامل لظواهرهم وسرائرهم.
﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ حالٌ هي (^٣) في مقام التعليل؛ أي: إذ لم نكن (^٤) عنهم غائبين، لم يقل: وما كانوا عنا غائبين؛ تنبيهًا على أن المنشَأ لهذه الحال ما في شأنه تعالى
_________________
(١) قيل للاستعلام ولا وجه له لأنَّه غير محتمل فتأمل. منه.
(٢) في هامش (ف): "فيه رد على القاضي في قوله: على الرسل، حين يقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾، ولا يذهب علينا أنه لا يناسب السؤال بـ: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ﴾، سواء كان للاستخبار أو لغيره. منه".
(٣) "هي" من (ك).
(٤) في (ف): "إذ لم أكن" وسقطت منها "أي"، وفي (ك) و(م): "إذا لم أكن"، وفي هامش (م): "لعلها: نكن". والصواب المثبت.
[ ٤ / ١٢ ]
من الكمال، لا أمرٌ من (^١) جانبهم، وعدم الغيبة عنهم (^٢) مجازٌ متفرِّع على الكناية عن الإحاطة التامة بأحوالهم وأفعالهم وأقوالهم (^٣)، وفيه دفعُ ما عسى أن يخطرَ بالبال من أنَّ وزن الأعمال لخفاءِ الحال (^٤)، فله تعلُّق تام لجانبي الكلام، مُورِثٌ لكمال الحسن في النظام، وتمامِ الالتئام.
* * *
(٨) - ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
﴿وَالْوَزْنُ﴾ مبتدأ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفُه ﴿الْحَقُّ﴾ خبرُه؛ أي: والوزن يومَ يسأل الله الأممَ ورسلَهم هو الحقُّ الثابت الواجب الوقوع، أو ﴿الْحَقُّ﴾ صفته والخبر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: الوزنُ العدل كائنٌ يومئذ، والأول أولى؛ لأن المقام مقامُ الإخبار عن الوزن الواقع يومئذ بأنَّه الحق لا غيرُه، لا عن اليوم المذكور بأن الوزن الحقَّ فيه لا في غيرَه.
قيل: توزن صحف الأعمال بميزانٍ له لسانٌ وكفَّتان ينظر إليه الخلائق؛ إظهارًا للمَعدَلة وقطعًا للمعذِرة، كما يسألهم عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتُهم وتشهد بها جوارحُهم، وبه أخذ الجمهور، ويصدِّقه ما ورد في الخبر عن خير البشر: أن الرجل يؤتى به إلى الميزان فيُنشرُ عليه تسعةٌ وتسعون سجلًّا (^٥) كلُّ سجلٍّ مدَّ البصر، فيُخرَجُ
_________________
(١) في (م) و(ك): "عن".
(٢) في (م): "بينهم عنهم"، والصواب المثبت، ولعل الثانية ذكرت تصحيحًا للأولى.
(٣) في هامش (ف): "من غفل عن هذا قال: فيخفى علينا شيء من أحوالهم. منه".
(٤) في هامش (ف): "فيه رد لصاحب الكشاف. منه".
(٥) في هامش (ف): "فيه رد على القاضي في قوله: على الرسل، حين يقولون: لا علم لنا، ولا يذهب علينا أنه لا يناسب السؤال بـ: ماذا أجبتم، سواء كان للاستخبار أو لغير. منه".
[ ٤ / ١٣ ]
له بطاقة فيها كلمتا الشهادة، فتوضع السجلَّات في كفَّةٍ والبطاقة في كفَّةٍ، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة (^١).
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: رجَحت موزوناته وهي الأعمال التي لها وزنٌ واعتبار وقَدْرٌ؛ أي: الحسنات، أو ما يوزن به أعماله، على أن الموازين جمعُ موزون أو جمع ميزان.
وتوحيدُ الضمير باعتبار لفظِ (مَن) لأن معناه جمعٌ؛ لقوله (^٢):
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزون بالنجاة والثواب.
* * *
(٩) - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾.
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ عن الحسنات (^٣)، وحُقَّ لميزانٍ تُوضع فيه الحسنات أن يَثقل، وحقَّ لميزان توضع فيه السيئات أن يَخفَّ، وهذا على ثاني معنيي (^٤) الموازين.
﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بتضييع الفطرة السليمة التي فُطروا عليها.
﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾؛ أي: يُكذِّبون ظلمًا.
* * *
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٦٣٩) وحسنه، وابن ماجه (٤٣٠٠)، والحاكم في "المستدرك" (٩) و(١٩٣٧) وصححه.
(٢) "لقوله" ليست في (ف).
(٣) في (م) و(ك): "الحسن".
(٤) في (ف) و(م): "معنى".
[ ٤ / ١٤ ]
(١٠) - ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أَقْدَرْناكم على التصرُّف فيها بالسُّكنى والزرع وغيرهما (^١).
﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾: ما تعيشون به: جمعُ معيشة، وهي وُصلةٌ من جهةِ مكسب المطعَم والمشرَب والملبَس إلى ما فيه الحياةُ، وقد يطلق ما يُعاش به من المطاعم والمشارب وغيرهما، والوجهُ تصريح الياء لأصالتها، ومَن همز (^٢) فقد شبَّهها بما فيه الياءُ زائدةً كصحائف.
﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ نصبُ ﴿قَلِيلًا﴾ بـ ﴿تَشْكُرُونَ﴾، و﴿مَا﴾ مزيدةٌ لتأكيد القِلَّة، والشكر: اعترافٌ بالنعمة مع ضربٍ من التعظيم.
* * *
(١١) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾؛ أي: خلقنا أباكم آدم ﵇ غيرَ مصوَّر ثم صوَّرناه، والصورة: بِنْيةٌ مقوَّمة على هيئةٍ ظاهرةٍ، نزَّل خلقَه ﵇ وتصويرَه منزلةَ خلقِ الكلِّ وتصويرِه؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾.
أو: ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأنْ خلقنا آدم ﵇ ثم صوَّرناه ثم قلنا.
وكان الظاهر أن يقول: ثم أمرنا الملائكة بالسجود لآدم، وإنما عدل عنه لأن
_________________
(١) "وغيرهما" ليست في (ف).
(٢) في (م): "همزها".
[ ٤ / ١٥ ]
الأمر بالسجود (^١) كان قبل خلق آدم ﵇، على ما نطق به قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]، والواقع بعد تصويره إنما هو قوله تعالى: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] لتعيين وقت السجدة المأمورِ بها قبل هذا، فلا صارف لكلمة (^٢) ﴿ثُمَّ﴾ عن معناها الأصلي، وعلى تقدير الصرف عنه حقُّها أن تُصرف إلى معنى التفاوت في الرتبة، لا على التراخي في الإخبار.
﴿فَسَجَدُوا﴾؛ أي: سارَعوا في الامتثال، وأَتَوا بما أُمِروا به على الاستعجال، ولمَّا كان في بقعة الاحتمال أن يكون الاستثناءُ بقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ عن المقيَّد راجعًا إلى قيده لا إلى أصله، احتيج إلى قوله: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ دفعًا لذلك الاحتمال، فلا صارف فيه للاستثناء عن الاتصال، بناءً على أنه حينئذ لا حاجة إلى هذا المقال، وكان يكفي أن يقال: لم يسجد، إلا أنه قصد مع الإخبار عن عدم الائتمار، الإشعارَ بأنه على تقدير إظهاره (^٣) السجودَ لا يكون ساجدًا حقيقةً لِمَا فيه من إضمار الاستكبار، بل يكون معدودًا من الساجدين فنُفي ذلك الكونُ فافهم هذا الاعتبار.
* * *
(١٢) - ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.
﴿قَالَ﴾ عدَل عن التكلُّم إلى الغيبة إيماءً - بعدم إسناد القول إلى نفسه صريحًا - إلى أن (^٤) هذه المخاطبة مع إبليس لم تكن بالذات، وكأن الجبَّائيَّ تنبَّه
_________________
(١) في (م) و(ك): "بالسجدة".
(٢) في (ف): "لكلية".
(٣) في (ف): "إظهار".
(٤) في (م) و(ك): "إلى نفسه ظاهرًا أن".
[ ٤ / ١٦ ]
لهذا الإيماء حيث قال: إن هذه المكالمة كان على لسان بعض الملائكة (^١).
﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ مَنَع نظيرُ صَرَف، فحُمل عليه في التعدية بـ (إلى)، كأنه قيل: ما صرفك (^٢) عن أنْ تسجد إلى أنْ لا تسجد (^٣).
ولا يخفَى أن اعتبار الصرف أبلغُ في الكلام وأنسبُ للمقام، ومن هنا تبيَّن أنه لا دلالة في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] على زيادة (لا) في هذا القول؛ لانتظام معنى الصرف كِلَا القولين.
﴿إِذْ﴾ معمولة لقوله: ﴿مَنَعَكَ﴾؛ أي: ما منعك عن السجود في وقت ﴿أَمَرْتُكَ﴾ بالسجود فيه، فلا دلالة فيه على أن مطلق الأمر للفور، ولا على أنه للوجوب:
أمَّا الأول: فلأن الفور إنما لزم من تعيين وقتِ نفخِ الروح في بدن آدم ﵇ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] فإن فيه دلالةً على أن المأمور به السجدةُ في الحال، وفي تضاعيف المقال تلويحٌ إلى أنها كانت لتعظيم أمر النفخ وما يَظهر عنده من آثار القدرة الباهرة في الحقيقة وإن كانت في الظاهر لتعظيم آدم ﵇.
وأما الثاني: فلأن مبناه على أن تكون صيغة الاستفهام للتوبيخ، وأن يكون التوبيخ (^٤) على عدم الائتمار.
_________________
(١) انظر: "تفسير الرازي" (١٤/ ٢١٠) نقلًا عن بعض العلماء لم يسمه.
(٢) في (ف): "ما منعك".
(٣) في هامش (ف): "هذا أولى مما ذهب إليه صاحب المفتاح من استعارة المنع للاضطرار؛ لأن استعارة أحد الضدين للآخر إنما تكون تملحًا أو تهكمًا، وواحد منهما لا يناسب المقام. منه".
(٤) "وأن يكون التوبيخ" ليست في (ف).
[ ٤ / ١٧ ]
وكلٌّ منهما في مَعرِض المنع:
أما الأول: فلأن الظاهر من قوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] الاستفسارُ والاستخبار عن سبب المنع.
وأما الثاني (^١): فلاحتمالِ (^٢) أن يكون التوبيخ على مخالفته لمن هم أعلى منه، وتركِ متابعته إياهم، كما هو الظاهر من قوله: ﴿أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]؛ أي: أبى عن متابعتهم في أمر السجود.
وفي قوله: ﴿أَمَرْتُكَ﴾ دلالةٌ على أن إبليس كان مأمورًا بالسجود لآدم ﵇ بقوله تعالى للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، عبارةً كان ذلك أو دلالةً، والظاهر من قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ هو الثاني، على ما تقف عليه في موضعه.
﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ لمَّا كان هذا القولُ منه جوابًا من حيث المعنى عن (^٣) السؤال على وجه التفصيل عن المانع المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] مستأنفًا (^٤) فيه باختيار الشق الثاني من الترديد المذكور؛ أي: كنتَ من الذين لم يتناولهم الأمر دلالةً - لعلوِّ شأنهم - كما لم يتناولهم عبارةً، ذكر هنا في معرض الجواب عن السؤال على وجه الإجمال عن المانع، ومَن غَفَل عن هذا قال: إنه جواب من حيث المعنى مستأنَفٌ فيه استبعادًا منه لأنْ يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول (^٥)، فهو الذي قال بالحُسن والقُبح العقليين أولًا.
_________________
(١) "الاستفسار والاستخبار عن سبب المنع وأما الثاني" ليست في (ف).
(٢) في (ف): "لاحتمال".
(٣) في (ف): "على".
(٤) في (م) و(ك): "مستأنف".
(٥) في (م) و(ك): "بسجود المفضول".
[ ٤ / ١٨ ]
﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ تعليلٌ لفضله (^١) عليه، وقد غلط في ذلك حيث رأى الفضل كلَّه باعتبار العنصر، وغَفَل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله: (لِمَا خلقتُ بيديْ) على القراءة بالتوحيد (^٢)؛ أي: بغير واسطةٍ، وباعتبار الصورة كما أشار إليه بقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وباعتبار الغاية كما أشار إليه بقوله (^٣): ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على القراءة بالتشديد؛ أي: بقدرتي المتصرِّفة في عالمَيِ الشهادة والغيب، ولذلك - أي: ولكونه ذا حظٍّ من عالمَي الملك والملكوت - صار أفضل ممن له حظُّه من أحدهما فقط، واستَحقَّ لأنْ يَسجد له الملَك، فاللعين في تعليله كمَن قيل له (^٤):
حفظتَ شيئًا وغابت عنك أشياء (^٥)
وقيل: لعل نسبة خلق الإنسان إلى الطِّين وخلقِه إلى النار باعتبارِ الجزء الغالب.
وَيرِدُ عليه: أن المناسب لهذا الاعتبار أنْ يقال: خلقتَه من تراب، والله أعلم بالصواب.
* * *
(١٣) - ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "في فضله".
(٢) تنسب للجحدري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٨).
(٣) من قوله: "ونفخت فيه .. إلى .. بقوله": ليست في (م).
(٤) في (ف): "قيل له".
(٥) عجز بيت ذكره البغدادي في "خزانة الأدب" (٥/ ٣٦٨)، وصدره: قل للَّذي يدعي في العلم فلسفةً
[ ٤ / ١٩ ]
﴿قَالَ فَاهْبِطْ﴾ تفريعٌ على جوابه الخارج عن حدِّ (^١) الأدب، بل عن نهج السَّداد، افتخر (^٢) اللعين بما في عنصره من شرف الصعود، فجُوزي بذلِّ الهبوط، وهو نزولٌ من جهة العلوِّ إلى جهة السُّفل، فصح عَودُ الضير في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ إلى جهة العلوِّ، ويلزمه النزولُ من السماء والخروجُ من الجنة، فلهذا ذهب إلى كلٍّ منها ذاهبٌ غافلًا عن أنَّ في عود الضمير إلى واحدٍ منهما بخصوصه محذورُ الإضمار قبل الذكر.
﴿فَمَا يَكُونُ﴾ يصحُّ ﴿لَكَ﴾ تعليل للأمر المذكور ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ لأنها مكانُ المطيعين المتواضعين، والتكبُّر في وصف المخلوق لإظهارِ (^٣) الكبرياء تكلُّفٌ بلا مساعدةٍ من الحال، وفي وصف الخالق إظهارُه على وجه الكمال، فلهذا صار ذمًّا في الأول ومدحًا في الثاني.
﴿فَاخْرُجْ﴾ وفي سورة الحجر: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ [الحجر: ٣٤]؛ أي: من زمرة الملائكة المعزَّزين الساكنين، تفريعٌ على عدم لياقته لأن يكون في جهة العلو.
﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ من الذليلين لصغر القَدْرِ، تعليلٌ للأمر بالخروج من بين المستحِقِّين للعزَّة (^٤)، قوبل في كلٍّ من مقامَيِ الأمر بضدِّ ما ظهر من المأمور قالًا وحالًا.
* * *
_________________
(١) في (م): "على حد".
(٢) في (ك): "اعتز".
(٣) في (م): "وإظهار"، وسقط من (ك) قوله: "والتكبُّر في وصف المخلوق لإظهارِ الكبرياء تكلُّفٌ".
(٤) في (ف): "للمعزة".
[ ٤ / ٢٠ ]
(١٤) - ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
﴿قَالَ أَنْظِرْنِي﴾ الإنظار (^١): الإمهال إلى مدةٍ فيها النظر طال أم قصُر، وقوله:
﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بيانُ مدة الإنظار الذي طلبه، والضمير في ﴿يُبْعَثُونَ﴾ عائد على المفهوم من تضاعيف المقال، المعلومِ بقرائن الأحوال، وفيه دليل على اعتقاد اللعين بالبعث، وهو في الأصل: الإطلاق في الأمر، ثم استعمل مجازًا في الإخراج عن العدم.
والمراد باليوم المذكور: يومُ النشور، سأل البقاء إلى يوم اللقاء على ما أفصح عنه في قوله: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الإسراء: ٦٢].
* * *
(١٥) - ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾.
﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾؛ أي: إنك من جملة مَن قدِّر لهم الإنظارُ، فلا حاجة إلى السؤال، وفيه الإشعارُ (^٢) بأن ذلك ليس من قَبيل استجابةِ الدعوة، فافهم لطفَ هذا الاعتبار.
ثم إن فيه الإخبارَ عن حصول ما رامه (^٣) من أصل الإنظار، ابتلاءً للعِبَاد وتعريضًا للعُبَّاد بمخالفته للثواب، لا عن الوصول إلى المقصود من امتداده (^٤) المعهود، وهو الأمانُ من خوف الفوت وألمِ ذوقِ الموت، حيث قال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ للهِ
_________________
(١) في (م): "من الإنظار بمعنى".
(٢) في (ف): "إشعار".
(٣) في (ك): "رابه".
(٤) في (ك): "امتداد".
[ ٤ / ٢١ ]
تعالى، وهو وقتٌ قدِّر فيه انتهاءُ أجل المنظَرين، ويومُه يومُ النفخة الأولى، وإنما أبهمه الله تعالى كيلا يخلوَ اللَّعين عن ألم الخوف في كلِّ حين، وفي إقحام اليوم زيادةٌ في الإبهام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
* * *
(١٦) - ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للسببية تعلَّقت بفعل القسم، وقد أُظهر المقسَمُ به في قوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، لا بـ (أقعدنَّ)؛ لأن اللام تصدُّ عنه (^١)، و(ما) مصدرية.
وأصل الغَيِّ: الفساد، تقول (^٢) العرب: غَوِي الفصيل، إذا بَشِمَ، والبَشَمُ: فسادُ اللبن في البطن.
والمعنى: بعد أن أمهلْتَني لأجتهدنَّ في إغوائهم بأيِّ وجهٍ يمكِنني، بسبب إغوائك إياي فيهم، حتى يَفسُدوا بسببي كما فَسَدْتُ بسببهم.
﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ القعودُ كناية عن الترصُّد، بل مجازٌ متفرِّع عليها؛ لأن المراد من الصراط المستقيم: الدِّينُ القويم، وهو لا يصلح متعلَّقًا للقعود الحقيقي.
﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ نصبُه على تضمين معنى اللُّزوم؛ أي: لألزَمنَّ صراطك مترصِّدًا كما يفعلُه قطاع الطريق للسابلة، وهذا أولى من انتصابه على الظرف، وأمَّا انتصابُه على إسقاط (على) كما قاله (^٣) الزجَّاج، وشبَّهه بقول العرب:
_________________
(١) في هامش (ف): "فيه رد لمن قال: الباء للقسم، ولمن قال: المعنى: أقسم بالله. منه".
(٢) في (م) و(ك): "لقول".
(٣) في (ف): "على إسقاطه كما قال".
[ ٤ / ٢٢ ]
ضُرِبَ زيدٌ الظَّهرَ والبطنَ (^١)، ففيه: أن إسقاط حرف الجر في مثل هذا لا يَنقاس.
* * *
(١٧) - ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾.
﴿ثُمَّ﴾ مستعارٌ (^٢) لبُعد ما بين الإجمال المذكور والتفصيل الآتي في ضمن التمثيل.
﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ مثَّل إتيانه إياهم بقصدِ التسويل والإضلالِ بإتيانِ العدوِّ السابلة بقصدِ القتل ونهبِ الأموال، محيطًا بهم من الجوانب كيلا يفوتَ الاستئصال، ولهذا خَصَّ الجهات الأربعَ بالذِّكر، وإلا فقصدُ التسويل يَتيسَّرُ (^٣) له من جميع الجهات، وإنما قال: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ ولم يقل: قدَّامَهم، قصدًا إلى تشبيه إتيانه من تلك الجهة بإتيانِ عدوٍّ لم يتنبَّه له الخصم إلا وهو حاضرٌ بين يديه، فإنه أشدُّ كيدًا وأشدُّ نكايةً.
وإنما عدِّي الفعل في الأوَّلَينِ بـ (مِن) لأن فيهما (^٤) معنى طلبِ النهاية، وفي الآخَرَينِ بـ (عن) لأن فيهما معنى الانحراف عن المقصد.
﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ لم يقل: فلا تجد؛ لأنَّه أراد بيان حالهم هذا على مقتضَى جِبِلَّتهم (^٥) لا بسببِ تسويلٍ وإضلالٍ، ولا تعلُّقَ له بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٢٤)، و"الكشاف" (٢/ ٩٣)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٧).
(٢) في (م) و(ك): "يستعار".
(٣) في (ف) و(ك): "تيسير".
(٤) في (م) و(ك): "فيها".
(٥) في (م): "حيلتهم".
[ ٤ / ٢٣ ]
إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠]؛ لأن مظنونه بقرينةِ تمام ذلك الكلام - وهو قوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠]- ما ذكره بقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]، فإن انطباقه عليه لا بمضمون هذا الكلام.
* * *
(١٨) - ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا﴾ الأمرُ بأصل الخروج من زمرة المقرَّبين (^١) قد كان، فهو هنا منصرفٌ إلى قيده المذكور بقوله:
﴿مَذْءُومًا﴾ مِن ذَأَمه: إذا ذمَّه، وقُرئ: (مَذُومًا) (^٢) كمَسُولٍ في مسؤولٍ، أو مَكُولٍ في مكيلٍ مِن ذامه يَذيمه ذَيْمًا (^٣).
وقيل: الذَّأم والذَّيم أشد العيب كاللوم.
﴿مَدْحُورًا﴾ الدَّحْر: الدَّفعُ والطَّرد على وجه الهوان والإذلال.
﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ اللام فيه لتوطئة القسم، وجوابه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ وهو سادٌّ مسدَّ جواب الشرط.
وقرئ: (لِمَن) بكسر اللام (^٤)؛ أي: لِمَن تَبِعكَ منهم هذا الوعيدُ، وهو قوله:
_________________
(١) في (م): "زمرة المؤمنين المتقربين". وفي (ف): "زمرة المتقين".
(٢) تنسب للزهري والأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٢).
(٣) معنى الكلام أن فيه على هذه القراءة وجهين كما قال الآلوسي، ولفظه: فيه احتمالان: الأول أن يكون مخففا من المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن ثم حذفها، والثاني أن يكون من ذام بالألف كباع، وكان قياسه على هذا: مذيم كمبيع، إلا أنه أبدلت الواو من الياء على حد قولهم: مكول، في مكيل، مع أنه من الكيل. انظر: "روح المعاني" (٩/ ٥٥).
(٤) رواية عصمة عن عاصم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٢).
[ ٤ / ٢٤ ]
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾، على أن ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ في محل الابتداء و(لِمَن تبعك) خبرُه، أو على أنه علة لـ ﴿اخْرُجْ﴾، ولامُ ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ جوابُ قسمٍ محذوف على الوجهين.
﴿مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: منك وممن تبعك؛ لقوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] فغلِّب هنا المخاطَب.
* * *
(١٩) - ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَيَاآدَمُ﴾؛ أي: وقلنا: يا آدم، على ما ذكر في سورة البقرة، ولا (^١) مساغ لأن يعطف على قوله: ﴿اخْرُجْ﴾؛ لأنَّه في مَعرض الاستئناف في جواب إبليسَ، وهذا ليس من تتمَّته ولا (^٢) من تتمة الامتنان، وفي العطف على ما بعدَ ﴿قُلْنَا﴾ بعدٌ (^٣).
﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ قد سبق ما يتعلق به من اللطائف.
﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ وفي سورة البقرة: ﴿وَكُلَا﴾ [البقرة: ٣٥]، اعتُبر ثَمةَ الاستقلالُ في أمر الأكل تعظيمًا لشأن تلك النعمة الجليلة، واعتُبر هنا تفرُّعُه على الأمر الأول، وفيه زيادة التفخيم (^٤) لذلك الأمر.
﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ وقرئ: (هذي) (^٥) على الأصل؛ لتصغيره على (ذه)، والهاء بدلٌ من (يا).
_________________
(١) في (م) و(ك): "لا".
(٢) في (ك): "ولأنه".
(٣) في (ف): "بعده"، وجاء في هامشها: "قيل: لأنَّه حينئذ يؤول إلى: قلنا للملائكة، وفيه نظر. منه".
(٤) في (م): "تفخيم".
(٥) تنسب لابن محيصن. انظر: "المحتسب" (١/ ٢٤٤).
[ ٤ / ٢٥ ]
﴿فَتَكُونَا﴾: فتَصيرا، يَحتمِلُ الجزمَ بالعطف، والنصبَ بالجواب.
﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أتى بصيغة الفاعل لأنَّه أبلغ من: الذي ظَلَم، وأطلقه لينتظِم الظلمُ غيرَه من ذريته.
* * *
(٢٠) - ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾.
﴿فَوَسْوَسَ﴾؛ أي: تكلَّم كلامًا خفيًّا مكرَّرًا.
أصل الوسوسة: الصوتُ الخفيُّ، ومنه: وسواسُ الحليِّ، وهو غير متعدٍّ؛ كـ: وَلْوَلتِ المرأةُ، وعَوْعَوتِ الذئبُ، فلا بد من أداة التعدية، ولهذا قيل:
﴿لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾، والفاء للترتيب على ما تقدم من النهي.
﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ الإبداءُ: الإظهار، والمواراةُ: السَّتر، والسَّوْءةُ: العورة، مجازٌ لأنَّه يَسوءُ صاحبَها ظهورُها، وكانا لا يريانها من أنفسِهما ولا أحدُهما من الآخَر، واللام للتعليل إن كان اللعين عالمًا بذلك وإلا فلامُ العاقبة.
﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ بيانٌ لوسوسته، والواو للاستئناف.
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَا﴾: إلا كراهةَ أن تكونا ﴿مَلَكَيْنِ﴾ في حصول الكمالات الفطرية، والاستغناءِ عن الأطعمة والأشربة؛ إذ لا احتمال لقلب الحقائق، ولا دلالةَ فيه على فضل الملَك على بني (^١) آدم.
﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ من الذين يخلَّدون في الجنة ولا يموتون (^٢).
_________________
(١) "بني" ليست في (ك).
(٢) في (م): "يموتون به".
[ ٤ / ٢٦ ]
(٢١) - ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أَقسم لهما بالنصيحة، فأخرجه على زِنة (^١) المفاعَلة للمبالغة؛ لاجتهاده فيه اجتهادَ المبالِغ (^٢).
وقيل: أقسم لهما، وأقسما عليه بالله إنك لمن الناصحين.
* * *
(٢٢) - ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
﴿فَدَلَّاهُمَا﴾ فنزَّلهما إلى الأكل من الشجرة، وفيه دلالةٌ على أنه أَهبطهما من درجةٍ عاليةٍ إلى منزلةٍ سافلة؛ لِمَا في معنى التَّدليةِ من إرسال الشيء من أعلى إلى أسفلَ.
﴿بِغُرُورٍ﴾ بما غرَّهما من القسم بالله، وكانا لا يظنَّان أن أحدًا يحلف بالله كاذبًا، أو: متلبِّسَينِ بغرورٍ؛ أي: مغرورَين، والغرور: إظهار النصح مع إبطان الغشِّ، وأصل الغَرِّ: طيُّ الثوب، فإن فيه إظهارَ حالٍ وإخفاءَ أخرى، ومنه الغررُ لخفاءِ ما لا يُؤمَن فيه.
﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ بالأكل من ثمرتها، دل هذا على أن المراد من الأكل في قوله تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ [طه: ١٢١] بدايتُه كما دل هو على أن المراد من الذوق هنا نهايتُه، فالقرآن يفسِّر بعضه بعضًا.
_________________
(١) في (ك): "وزن".
(٢) في (ك): "المبالغة".
[ ٤ / ٢٧ ]
﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ أخذتهما العقوبةُ بشؤم المعصية، وتساقَطَ (^١) عنهما لباسهما وظهرت لهما عوراتهما.
﴿وَطَفِقَا﴾ عطفٌ على مقدَّر؛ أي: فتداركا وأخَذا ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا﴾؛ أي: على عوراتهما ورقةً فوق ورقةٍ ليَستترا بها؛ كما يُخصف النعل ويُجعل طرفُه فوق طرفه.
والخصَّاف: الذي يَرْقَع النعل، والمِخْصَف: المثقَب الذي يُخصف به النعل (^٢).
﴿مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قيل: كان ورقَ التين.
﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ إنما قال: ﴿تِلْكُمَا﴾ لأنَّه خاطب اثنين وأشار (^٣) إلى الشجرة.
﴿وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ توبيخٌ من الله تعالى لهما على الاغترار بقول العدوِّ بعد التحذير، وعتابٌ على مخالفة النهي الإرشادي، ولا دلالة فيه على أن مجرد النهي للتحريم.
* * *
(٢٣) - ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ بنقصِ حظِّها (^٤) من المنحة، وتعريضًا للمحنة.
﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا﴾ إنما لم يقل: فإنْ لم تغفر؛ لأن الحاجة إلى المغفرة والرحمة
_________________
(١) في (ك): "تساقط".
(٢) من قوله: "والخصاف الذي .. إلى .. النعل": ليس في (م) و(ك).
(٣) في (ف): "ثم أشار".
(٤) في (م): "حظنا".
[ ٤ / ٢٨ ]
والكونِ من زمرة الخاسرين عند عدمهما ليس لِمَا تقدم من النقص والتعريضِ، بل ذلك أمر آخر وراء ما ذُكر (^١).
﴿وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ هذا على عادة المقرَّبين في استعظام الصغير من السيئات، واستصغارِ العظيم من الحسنات؛ لِمَا عرفتَ أن النهي إرشاديٌّ لا تكليفيٌّ، فلا دلالة فيه على أن الصغيرة من الذنوب معاقبٌ (^٢) عليها إن لم تغفر.
* * *
(٢٤) - ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
﴿قَالَ اهْبِطُوا﴾ خطابٌ لهما ولذرِّيتهما، أو لهما ولإبليسَ، كرَّر الأمرَ له تبعًا ليُعلم أنهم قرناءُ، أو أخبر عما قال لهم مفرَّقًا.
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ في موضع الحال.
﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾: استقرارٌ، أو: موضعُ استقرار ﴿وَمَتَاعٌ﴾: تمتُّعٌ ﴿إِلَى حِينٍ﴾ انقضاءِ آجالكم.
* * *
(٢٥) - ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾.
﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ يُعلمهم أنهم لا يعودون إلى الجنة إلى أن يُحشروا من قبورهم، ثم يصير السعيد إلى الجنة والشقيُّ إلى النار.
* * *
_________________
(١) في هامش (ف): "كيف وموجب هذه الدلالة أن يقال: (فإن لم ..) إلى آخره، فتدبر. منه".
(٢) في (ف): "معاقب".
[ ٤ / ٢٩ ]
(٢٦) - ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ أراد نوعَ الإنسان، والتعبير بما (^١) يشيرُ إلى بدءِ خلقته وابتداءِ ولادته لتذكير خلقه عريانًا، فإنه المناسب لمقام الامتنان بإعطاء أسباب اللباس.
﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ جَعل ما في الأرض مُنزلًا من السماء لأنَّه قُضي وقدِّر ثمةَ وخُلق (^٢) بتدبيراتٍ سماويةٍ وأسبابٍ نازلةٍ منها؛ كقوله ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥].
﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ التي قَصد الشيطان إبداءَها؛ أي: يستر ما يَسوؤكم انكشافُه من الجسد، ويُغنيكم عن خَصْف الورق.
﴿وَرِيشًا﴾ وقرئ: (ورياشًا) (^٣) جمعُ ريش؛ كشِعْبٍ وشِعابٍ، والرِّيش: لباسُ الزينة والجمال، استُعير من ريش الطير لأنَّه لباسه وزينتُه؛ أي: أنزلنا عليكم لباسين؛ لباسًا يواري سوآتكم ولباسًا يجمِّلكم ويزينكم.
والزينة غرض صحيح في الشرع؛ كما قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل: ٦].
﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ هو الاكتفاءُ بالصوف والخشِن من الثياب، ورفعُه بالابتداء، خبرُه:
_________________
(١) في (م): "والتعيين بما". وسقطت "بما" من (ف).
(٢) في (ك): "وقضي".
(٣) نسبت لعثمان وابن عباس ﵃ وجمع من التابعين والقراء. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ١٢٠)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٣)، و"الكشاف" (٢/ ٩٧)، و"البحر" (١٠/ ٥١).
[ ٤ / ٣٠ ]
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ وذلك لأن خير الأمور أوساطُها (^١)، أو خبرُه ﴿خَيْرٌ﴾، و﴿ذَلِكَ﴾ صفته (^٢)، عُدل به عن النصب وفخِّم بالإشارة إليه.
وقُرئ: ﴿ولباسَ التقوى﴾ بالنصب (^٣) عطفًا على ﴿لِبَاسًا﴾؛ قيل: هو ما يُتَّقى به في الحروب، ولا يناسبه الترجيحُ والتفخيم، فإن ما ذُكر هو (^٤) وجه الرجحان، إنما يساعد الأولَ.
وقيل: هو لباس الورع. ولا يساعده:
﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: تحصيلُ اللباس من موادَّ أرضيةٍ حاصلةً بأسبابٍ سماويةٍ، واتصالُ منافع إحداهما بالأخرى مع بُعد ما بينَهما، دليل على كمال قدرة منشئهما وحكمةِ مدبِّرهما.
﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ فيعرفون (^٥) نعمتَه، ويعترفون بقدرته، ويحترزون عن نقمته. أو: يتعظون فيتورَّعون عن القبائح.
روي: أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراةً ويقولون: لا نطوف في ثيابٍ عصينا الله فيها، فنزلت (^٦).
فعلى هذا تكون قصةُ آدم ﵇ تَقدِمةً لذلك؛ تنبيهًا على أن انكشاف
_________________
(١) في (ف): "أوسطها"، وسقط من (ك) قوله: "وذلك لأن خير الأمور أوساطها أو خبرُه خيرٌ".
(٢) في (ف): "صفة".
(٣) هي قراءة نافع وابن عامر والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٩).
(٤) "هو": ليست في (م) و(ك).
(٥) في (ف): "فيوفون".
(٦) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٢٠) عن مجاهد.
[ ٤ / ٣١ ]
العورة أولُ سوءٍ أصاب الناس من الشيطان، وأنَّه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم، وأن الفطرة السليمة اقتضت سترَها بخَصْف الورق عليها ليَتَّعِظوا بها.
* * *
(٢٧) - ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ لا يخفى على الفَطِن ما في هذا التعبير من الإشارة إلى أنهم مَظِنَّة الافتنان لكونهم ذريةَ مَن افتتن.
﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ﴾: لا يمنعنَّكم ﴿الشَّيْطَانُ﴾ دخول الجنة بالافتتان؛ أي: بالإغواء.
﴿كَمَا أَخْرَجَ﴾؛ أي: أَفْتَنَ (^١) ﴿أَبَوَيْكُمْ﴾ بما أدى إلى إخراجهما ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾.
والمراد بنهي الشيطان: المبالغةُ في نهيهم عن مظانِّ الافتتان به.
﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ حال من ﴿أَبَوَيْكُمْ﴾ أو من فاعلِ ﴿أَخْرَجَ﴾، وإسنادُ النزع إليه مجازيٌّ للتسبُّب، والعدولُ عن صيغة الماضي لاستحضار تلك الصورة الفظيعة.
والنزع: قلع الشيء عن موضعه الذي هو مُلابسٌ له.
﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الشيطان ﴿يَرَاكُمْ﴾ تعليل للنهي على سبيل الاستئناف، وتأكيدٌ للتحذير من فتنه بأنَّه بمنزلةِ العدوِّ المُداجي يكيدكم (^٢) من حيث لا تشعرون.
﴿هُوَ﴾ أظهره ليصح عطفُ قوله: ﴿وَقَبِيلُهُ﴾؛ أي: جنوده.
_________________
(١) في (ك): "فتن".
(٢) في (م): "المواجي بكيدكم". وفي "ف": (المداحي لكيدكم).
[ ٤ / ٣٢ ]
﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾؛ أي: من مكانٍ لا ترونهم فيه، قال ابن عباس ﵄: صدرُ الإنسان له مسكنٌ، وَيجري منه مجرى الدم.
وإنما لم يقل: ولا تَرونهم، كيلا يذهبَ الوهم إلى عدم تيسير رؤيتهم لنا مطلَقًا.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالتناسُب بينهم، والآية مقصودُ القصة (^١).
* * *
(٢٨) - ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ فعلةً متناهيةً في القبح؛ كعبادة الصنم، وكشفِ العورة في الطواف.
﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ اعتذَروا بتقليد الآباء. ولمَّا رأوا ما فيه من الضعف أيَّدوه بقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾.
قيل: هما جوابَا سؤالين مترتِّبين؛ كأنه قيل لمَّا فعلوها: لِمَ فعلتُم؟ فقالوا: وجدنا عليها آباءنا، فقيل: من أين أَخذ آباؤكم؟ فقالوا: الله أمرنا بها.
وفيه: أن حقَّ النظم حينئذ: والله أمَرهم بها.
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾؛ لأن عادته تعالى جرت على الأمر بمحاسنِ الأفعال، والحثِّ على مكارم الخصال، اقتصر على ردِّ الثاني لِمَا عرفْتَ أن الأول لا يُعوَّل عليه بدونه.
_________________
(١) في (م): "مقصودة القصة". وانظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٠)، وفيه: (والآية مقصود القصة وفذلكة الحكاية). ويعني: الحكاية السابقة، والفذلكة: مجمل ما فصِّل وخلاصته.
[ ٤ / ٣٣ ]
وفي (^١) الآية دلالةٌ على أن في بعض الأفعال قبحًا (^٢) يُثْبته العقل مع قطع النظر عن السمع، وإن لم يدلَّ على ترتُّب الذمِّ عليه آجلًا قبل النَّهي عنه.
﴿أَتَقُولُونَ﴾ أتفترون ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ إنكارٌ يتضمَّن النهيَ، وإنما قال:
﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إظهارًا لِمَا في افترائهم من زيادةِ قبحٍ؛ لتضمُّنه الإخبارَ عمَّا لا علم لهم به.
* * *
(٢٩) - ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾.
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل الذي هو الواسطةُ بين طرفي الإفراط والتفريط في كلِّ شيء.
﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ معطوفٌ على ما ينحلُّ إليه المصدر الذي هو (القسط)؛ أي: بأنْ أَقْسِطوا وأَقِيموا، وكما ينحلُّ المصدر إلى (أنْ) والفعلِ الماضي نحو: عجبتُ من قيام زيد وخَرَج؛ أي: من أنْ قام زيدٌ وخَرَج، كذلك ينحلُّ إلى (أنْ) مع الفعل المضارع نحو:
لَلُبْسُ عَباءةٍ وتَقَرَّ عيني (^٣)
_________________
(١) في (م) و(ك): "في".
(٢) في (ف): "قبيحًا".
(٣) صدر بيت لميسون بنت بحدل كما في "المحتسب" (١/ ٣٢٦)، و"الحماسة الشجرية" (٢/ ٥٧٤)، ودون نسبة في "الكتاب" (٣/ ٤٥)، وعجزه: أحبُّ إلي من لبس الشُّفوف
[ ٤ / ٣٤ ]
أي: لَأَنْ ألْبَسَ عباءةً وتَقَرَّ عيني.
﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: موضعِ سجودٍ؛ أي: لا تسجدوا كما يسجد اليهود على أنصاف الوجوه، وقد مرَّ وجهُ ذلك في تفسير سورة البقرة (^١).
﴿وَادْعُوهُ﴾: واعبدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: الطاعةَ، مُبْتغِينَ بها وجهَ الله تعالى خالصًا، فإنكم مبعوثون مجزيُّون على أعمالكم، فحذف التعليل وذكر (^٢) ما يدلُّ على البعثة اكتفاءً بالعبارة عن الإشارة.
﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾؛ أي: كما أبدأكم (^٣) ابتداءً ﴿تَعُودُونَ﴾ بإعادته؛ أي: قِيسوا الإعادةَ بالإبداء، فلا تنكروها لأنها أهونُ منها.
* * *
(٣٠) - ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
﴿فَرِيقًا هَدَى﴾ بأنْ وفَّقهم للإيمان.
﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ بإبطالهم الاستعدادَ الأصلي والقابليةَ الفِطْريةَ لا (^٤)
_________________
(١) في هامش (ف) "قيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇ أنهم إن قبلوا وإلا رضختهم بهذا الجبل، فلما رأوا أن لا مهرب بهم قبلوا ما في التوراة وسجدوا من المهابة على أنصاف وجوههم؛ لأنهم كانوا يلاحظون الجبل، وكذلك يسجد اليهود، وكذلك في "التيسير" في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾. منه".
(٢) في (ك): "وزيد".
(٣) في (ف): "بدأكم".
(٤) "لا" سقطت من (ف).
[ ٤ / ٣٥ ]
باقتضاءِ القضاءِ الأزلي كما زعمت (^١) الجبريةُ؛ لأن القضاء تابعٌ للمقضيِّ (^٢) لا متبوعٌ له، وانتصابُه بفعلٍ مضمَرٍ يفسِّره ما بعده؛ أي: أضلَّ، كقولك: زيدًا مررتُ به.
﴿إِنَّهُمُ﴾؛ أي: إنَّ (^٣) الذين حقَّ عليهم الضلالةُ ﴿اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فأطاعوهم، تعليل للمفسَّر أو تحقيق للمفسِّر.
﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ولولا حسبانُهم هذا لكان فيهم تأثيرٌ لإنذار (^٤) النذير، فهو تتميمٌ للتعليل أو التحقيق، وتنبيهٌ على أن الضلال إنما حَقَّ على مَن ضلَّ وزعم أنه اهتدى، ومن هنا ظهر أن المكلَّفين غيرُ محصورين في الفريقين المذكورين، فإن المعاند بمعزلٍ عن الحسبان المزبور (^٥).
* * *
(٣١) - ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ إنما خاطبهم بهذا (^٦) تذكيرًا لسُنَّةِ أبيهم آدمَ ﵇ في ستر العورة.
_________________
(١) في (ف): "زعمته".
(٢) في (ك): "لمقضي".
(٣) "إن" ليست في (ك).
(٤) في (ف): "لكان فيه تأثير لإنذار"، وفي (ك): "لكان فيهم تأثير للإنذار"، وفي (م): "لكان فيهم تأثير الإنذار". والصواب المثبت.
(٥) في هامش (ف): "فيه رد لمن زعم أن فيه دلالة على أن الكافر المخطئ والمعاند سواءٌ في استحقاق الذم".
(٦) في (ف): "بها".
[ ٤ / ٣٦ ]
﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾؛ أي: لباسكم الموارِي لعوراتكم، والزينة (^١) فِعْلةٌ من التزيُّن، وهو اسم ما يُتجمَّل به من ثيابٍ وغيرها، والمأمورُ بأخذه هنا ما يستر العورة.
﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ أي: عند كلِّ قصدةٍ للطواف (^٢)، دلَّ عليه سببُ النزول، فإنهم كانوا يدَعون ثيابهم وراء المسجد عند الطواف. أو: للصلاة؛ فإن ستر العورة فيها واجب.
والسنَّة أن يأخذ الرجل أحسنَ هيئةٍ للصلاة اعتبارًا لظاهر عبارةِ الزينة.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾؛ أي: لا تضيِّقوا على أنفسكم فيما وسَّعه الله تعالى من الأكل والشرب.
روي: أنهم كانوا لا (^٣) يصلُّون في ثيابهم، ويقولون: لا نصلي في ثيابٍ أَذْنبنا فيها، ولا يأكلون من الطعام إلا قُوتًا، ولا يأكلون دسِمًا في أيام حجِّهم، يعظِّمون بذلك حِجِّتهم (^٤)، فقال المسلمون: يا رسول الله! نحن أحقُّ بذلك أن نفعل، فنزلت الآية (^٥).
ولمَّا كان حذفُ المفعول في الموضعين مَظِنَّةَ التعميم والتوسيعِ لدائرة الرخصة في الأكل والشرب كمًا وكيفًا، تُدُورِكَ دفعُه بقوله:
_________________
(١) بعدها في (ف): "اسم".
(٢) "للطواف": ليست في (م) و(ك).
(٣) "لا" سقطت من (ف).
(٤) في (ك): "حجهم".
(٥) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٢٦) عن الكلبي.
[ ٤ / ٣٧ ]
﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾؛ أي: في التغدِّي بالتعدِّي من الحلال إلى المحظور، بل من الطيِّب إلى المحذور (^١).
﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الله تعالى، والإضمار قبل الذكر للتفخيم.
﴿لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾؛ أي (^٢): لا يرتضيهم لإسرافهم، وهذا أبلغ في ذم الإسراف، وصيغةُ الجمع للتعميم لأنواعه، فإنه مذمومٌ في كلِّ أمر حتى في التصدُّق، على ما مر في سورة الأنعام.
* * *
(٣٢) - ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ﴾ معنى الاستفهام: إنكارُ تحريم هذه الأشياء، وتوبيخُ محرِّمها، والاستفهام إذا تضمَّن الإنكارَ لا جواب له.
﴿زِينَةَ اللَّهِ﴾ الإضافةُ إليه تعالى تعظيمًا لنعمة الزينة؛ للدلالة على عدم التحريم من جهته تعالى.
﴿الَّتِي أَخْرَجَ﴾ من الحيوان كالحرير والصوف، والنبات كالقطن والكتان، والمعدن كالحديد وسائر الأجساد.
﴿لِعِبَادِهِ﴾ في عبارة العباد إشارةٌ إلى أن الإخراج المذكور لمصلحة العبادة، فلهذا آثرها على الناس.
_________________
(١) في هامش (ف): "الحلال ما لا خطر فيه والطيب ما لا […] فيه". وما بين معكوفتين كلمة غير واضحة.
(٢) "أي": ليست في (م) و(ك).
[ ٤ / ٣٨ ]
﴿وَالطَّيِّبَاتِ﴾؛ أي: المحلَّلات؛ فإن المحرَّم ليس بطيِّبٍ وإن كان مستلذًّا.
﴿مِنَ الرِّزْقِ﴾: من المآكل والمشارب، فوصفُ الطِّيب هنا في مقابلة الإضافة إلى الله تعالى قرينةٌ (^١) في إفادة المعنى المهم في المقام وهو كونُهما غيرَ محرَّمَينِ في الشرع، فلا دلالةَ في الآية على أن الأصل في المطاعم والملابس والمشارب وأنواع التجمُّلات الإباحةُ (^٢).
﴿قُلْ هِيَ﴾؛ أي: جملةُ ما ذُكر من الزينة والطيبات.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ غيرَ خالصةٍ لهم؛ لكون الكفار شركاءَهم فيها، وإنما لم يقل: للَّذين آمنوا ولغيرهم؛ تنبيهًا على أنها خُلقت لهم بالأصالة والكفارُ تَبَعٌ لهم فيها (^٣)، وإقحام ﴿الْحَيَاةِ﴾ للإشعار إلى وجه التشريك بإفهامِ أنها للحاجة إليها في الحياة.
﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لا يشاركُهم فيها غيرهم، وانتصابُها على الحال من الضمير المستكنِّ في الجارِّ والمجرور الواقع (^٤) خبرًا لـ ﴿هِيَ﴾. وقُرئ بالرفع (^٥) على أنها خبرٌ بعد خبرٍ.
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: كتفصيلنا لكم (^٦) هذه الأحكامَ في الحلال والحرام نفصِّل لكم جميع ما بكم حاجةٌ إليه من شرائع الإسلام، وإنما قال:
_________________
(١) في (م) و(ك): "في قرينه".
(٢) في هامش (ف): "ومن الجمال الأجساد السبعة".
(٣) "فيها" ليست في (ف).
(٤) في (ف): "والواقع في".
(٥) هي قراءة نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٩).
(٦) في (ف): "تفصيلنا لهم".
[ ٤ / ٣٩ ]
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ تفضيلًا للعلماء على غيرهم بتخصيص التفصيل لهم، وتغليبًا للذكور على الإناث لأصالتهم في أهلية الخطاب بإعلام الأحكام وإفهامِ الحلال والحرام.
* * *
(٣٣) - ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾؛ أي: لم يحرِّم الزينة والطيِّبات وإنما حرَّم القبائح التي زاد قبحُها.
والتحريم: المنع من الفعل بإقامةِ الدليل على وجوب تجنُّبه، وضدُّه التحليل وهو: الإطلاق في الفعل ببيان جواز تناوُله.
﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قال ابن عباس ﵄: كانوا لا يرون بالزنا سرًا بأسًا، وكانوا يستقبحونه عَلَانيَةً، فنُهوا عنه جميعًا (^١).
وتخصيصُها بالذكر مع انتظامها في سلكِ الآتي ذكرُه للاهتمام.
﴿وَالْإِثْمَ﴾ أريد به: ما بين العبد وبينه تعالى من الذَّنْب.
﴿وَالْبَغْيَ﴾ أريد به: ما بينه وبين الغير، وهو التعدي مبتدئًا كان أو منتصِرًا، وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ زيادةُ بيانٍ؛ لأن ما كان بحقٍّ لا يكون بغيًا.
﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ تهكُّمٌ بهم، إذ معلومٌ أنه لا برهانَ عليه حتى ينزل، فهو من قبيل:
_________________
(١) رواه الطبري (٩/ ٦٦٠).
[ ٤ / ٤٠ ]
ولا ترى الضبَّ بها يَنجحِرْ (^١)
وإذا لم يَجزْ إنزال البرهان بالإشراك كان ذكرُ ذلك استهزاءً.
ثم إن في السلطان مزيَّةً على البرهان، من حيث إن البرهان: إظهارُ صحة المعنى وفسادِ نقيضه، والسلطان: إظهارُ ما يُتسلط به على نقيض المعنى بالإبطال، ولا يخفى ما في اعتبار هذه المزية واشتراطِ نزوله دون ظهوره من تعظيم أمر الشرك.
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾: وأن تفتروا عليه ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إنما ذكره إظهارًا لزيادة قبح ما فعلوه، وإلا فالافتراء لا يكون عن عِلم.
* * *
(٣٤) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ الأمة: الجماعة التي على مقصدٍ واحد، والأجل: الوقت المضروب لانقضاء المُهَلِ، ففيه إشارةٌ إلى تقارُب أعمار (^٢) أهل العصر الواحد، وأما الوعيدُ فمبناه على أن يكون المراد من الأجل مدةَ نزول العذاب، ولا يساعده أخذُ الكلِّية على ظاهرها.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ أي: لا يتقدَّمون ولا يتأخَّرون.
_________________
(١) عجز بيت تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١]، ومعناه: لا ضب ولا انجحار، وصدره: لا تفزعُ الأرنبَ أهوالُها
(٢) في (ف): "إعمال".
[ ٤ / ٤١ ]
وإنما قال: ﴿سَاعَةً﴾؛ لأنها أقصر الأوقات في العرف، يقول (^١) المستعجِل لصاحبه: في الساعة؛ أي: أقصرِ وقت.
وإنما قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾؛ لأنَّه قبل المجيء يُقبَل التقدُّم والتأخُّر بخلاف ما بعده، على ما أفصح عنه في قوله تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤].
والمراد من مجيء الأجل: مجيءُ قربه، على ما دلَّ عليه قوله: ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، وهذا كما يقال: جاء الشتاء، وجاء الصيف، إذا قارَب (^٢) وقته.
* * *
(٣٥) - ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ إنما (^٣) أُوثر هذا التعبير لِمَا فيه من التذكير (^٤) لأول الرسل منهم.
﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هي (إنْ) الشرطيةُ زيدت عليها (ما) لتأكيد معنى الشرط، ولذلك لزمت فعلَها النونُ الثقيلة أو الخفيفة، وجواب الشرط الجملة الشرطية الآتية.
﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ إنما جاء في إتيان الرسل بحرف الشك تنبيهًا على أنه غير واجب كما زعم أهل التعليم (^٥).
_________________
(١) في (م) و(ك): "يقول".
(٢) في (ف): "فات".
(٣) في (م) و(ك): "وإنما".
(٤) في (م) و(ك): "التذكر".
(٥) في (ف): "أهل التنطح". والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٢). وقد اختلف شراحه في المقصود بهذا اللفظ، فهم في قول الشهاب: الفلاسفة، قال: =
[ ٤ / ٤٢ ]
﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ القَصَصُ: وصل الحديث بالحديث (^١)، وأصله: إتْباع الشيء بالشيء.
﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ الشرك والمعاصيَ ﴿وَأَصْلَحَ﴾ العمل والإسلام (^٢)
﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من الوقوع في العقوبات، وهذا ثمرة (^٣) الاتقاء.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوات الثواب، وهذا ثمرةُ الإصلاح، وليس فيه إبطالُ مخافات القيامة؛ لأنَّ المراد به العاقبة، فهو كقول الطبيب: لا بأس عليك ولا خوف، وإن كان في وجعٍ وضعف.
* * *
_________________
(١) = (قالت الفلاسفة: إنه - أي: إرسال الرسل لهداية البشر - واجب على الله؛ لأنَّه يجب عليه تعالى أن يفعل الأصلح، وهم يسمون أهل التعليم). وقال القونوي: (هم الإسماعيلية، وهم طائفة من الشيعة، فهم ذهبوا إلى أن المعرفة لا تحصل بدون معلم). والذي يفهم من كلام ابن التمجيد أنهم ليسوا جماعة بعينها بل ولا تخالُف بينهم وبين أهل السنة، حيث قال: (قوله - يعني البيضاوي -: كما ظنه أهل التعليم؛ أي: كما ظن وجوبه أهل التعليم، قالوا: إن من فوائد بعثة النبي ﷺ أن يعلم الصناعات الضرورية النافعة المكملة لأمر المعاش … إلخ)، ولعل سكوت شيخ زاده عن شرحها من هذا المعنى. وذهب الآلوسي إلى أن المراد بالرد هم المعتزلة لكن دون نعتهم بأهل التعليم، فقال: (وفي الإتيان بـ (إنْ) تنبيه على أن إرسال الرسل أمر جائز لا واجب، وهو الذي ذهب إليه أهل السنة، وقالت المعتزلة: إنه واجب على الله تعالى؛ لأنَّه سبحانه - بزعمهم - يجب عليه فعل الأصلح). انظر: "حاشية شيخ زاده" (٤/ ٢١٤)، و"حاشية الشهاب" (٤/ ١٦٦)، و"حاشية القونوي" (٨/ ٣٧٧)، وبهامشها "حاشية ابن التمجيد"، و"روح المعاني" (٩/ ٩٦).
(٢) "بالحديث" ليست في (ف).
(٣) في (ف): "العمل في الإسلام".
(٤) في (ك): "ثمر".
[ ٤ / ٤٣ ]
(٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ أي: تعظَّموا عن قبولها، والمعنى: واستمروا على التكذيب، فإن الاستكبار يلزمه الاستمرارُ على خلافِ مَن اتَّقى وأصلح.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ الملازِمون لها لتكذيبهم بآياتنا.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لاستمرارهم عليه (^١)، وإنما أورد في جواب ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ الفاء (^٢) دون جوابِ ﴿وَالَّذِينَ﴾؛ للمبالغة في الوعد والمسامحةِ في الوعيد.
* * *
(٣٧) - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾: أفحشُ ظلمًا، والفاء للترتيب على ما فُهم مما تقدم؛ من عِظَم شأن الافتراء حيث قُرن بالشرك بالله، وشأنِ التكذيب حيث أُخبر بأن جزاءه الخلود في النار.
والاستفهامُ للاستعظام، وقد مرَّ بيان طريقته في تفسير (سورة الأنعام).
﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ الافتراء: اختراع أمر لا أصل له في حق مَن يَشينه، ولهذا
_________________
(١) في (ك): "عليها"، وسقطت من (ف)، والمثبت من (م)، والضمير يعود على التكذيب.
(٢) "الفاء" سقطت من (ك).
[ ٤ / ٤٤ ]
يتعدَّى بـ (على) فقوله: ﴿كَذِبًا﴾ تصريحٌ بما عُلم التزامًا؛ إظهارًا لِمَا في الافتراء من مزيدِ قبحٍ حيث جَمع بين القبيحين.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ لم يقل: أو كذَّبه؛ لأن مَن كذَّب كلام الله تعالى إنما كذَّبه منكِرًا لكونه كلامَه، وإنما قال: ﴿بِآيَاتِهِ﴾ لينتظِم المعجزات الفعليةَ.
﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ﴾ النيل: هو وصول النفع إلى الغير إذا أُطلق، وإنْ قيِّد وقع على الضرر؛ لأن أصله الوصول إلى الشيء.
﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: مما كُتب لهم من الأرزاق والأعمار؛ أي: هؤلاء مع نهاية (^١) ظلمهم لا يَحرِمهم في الدنيا، بل يَصل إليهم حظُّهم في الدنيا مما كُتب لهم في الكتاب السابق.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ﴾ غايةٌ لنَيلهم نصيبَهم واستيفائه (^٢)، وهي التي تقع بعدها الجملة.
﴿رُسُلُنَا﴾؛ أي: ملك الموت وأعوانه.
﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾: يستوفون أرواحهم، حال من الرسل
﴿قَالُوا﴾ جوابُ ﴿إِذَا﴾: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، حقُّ (ما) أنْ تُفصل لأنها موصولةٌ، ولكن وقعت موصولةً في خط المصحف بـ (أين) فاتُّبع سُنَّتُه.
﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: تعبدونه من الآلهة ترجون شفاعتَهم ومَعُونتهم.
﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾: غابوا عنا فلا نراهم.
﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾؛ أي: اعترفوا بكفرهم بلفظة الشهادة التي
_________________
(١) في (ف): "زيادة".
(٢) في (م) و(ك): "واستبقائه".
[ ٤ / ٤٥ ]
هي تحقيقُ الخبر، ولا يخالف هذا ما تقدم في سورة الأنعام من قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؛ لأن إنكارَهم ذلك عند غيبة آلهتهم على ما بيِّن فيما سبق، واعترافَهم هذا عند حضورهم على ما أَفصح عنه قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦].
* * *
(٣٨) - ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿قَالَ﴾ أي: يقول الله تعالى لهم على ألسنة الملائكة يوم القيامة: ﴿ادْخُلُوا﴾.
ويجوز أن يكون الأمر (^١) للتسخير؛ كما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦]، فيكون دخولهم في النار بلا قدرةٍ منهم واختيار (^٢)، كما هو الظاهر من قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ [الملك: ٨].
﴿فِي أُمَمٍ﴾؛ أي: كائنين في عدادِهم ومصاحِبين (^٣) لهم، فإن كلمة (في) تجيء بمعنى (مع).
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: مضت؛ لأنَّ مَن مضَى بالهلاك فقد انتَفَى عن مكانه فخلا مكانُه عنه، إلا أنه قَلب فنَسب الخلوَّ إليه.
_________________
(١) "الأمر": ليست في (م).
(٢) في (م) و(ك): "قدرة واختيار منهم".
(٣) في (ف): "أو مصاحبين"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (٢/ ١٠٢)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ١٢).
[ ٤ / ٤٦ ]
﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قدَّم الجنَّ على الإنس لأصالتهم في الإغواء والإضلال (^١)؛ لأن المقام مقامُ التحقير.
﴿فِي النَّارِ﴾ متعلِّق بـ ﴿ادْخُلُوا﴾، والدخول في النار وإنْ لم يقتضِ كونَ الفريقين من الكفَّار، لكن الأمر بالمشركين بالكون منهم في معرض العقاب دل على ذلك.
﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ﴾؛ أي: في النار ﴿أُمَّةٌ﴾ من تلك الأمم ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾: مِثْلَها في الدِّين التي ضلَّت هي بها.
وقيل: بالاقتداء بها. وَيرِدُ عليه: أنه يلزم حينئذ أن تكون سلسلة الأمم الداخلةِ في النار متناهية.
﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا﴾ وقرئ: (تداركوا) (^٢)؛ أي: تلاحَقوا، وهو الأصل، ثم وقع الإدغام فاحتيج إلى ألف الوصل.
﴿فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾ منزلةً، وهم الأتْباع والسَّفِلة.
﴿لِأُولَاهُمْ﴾ لأَجْل أولاهم؛ لأن الخطاب مع الله تعالى لا معهم، وهم الرؤساء والقادة.
﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ بأنْ دعونا إلى ذلك وأمرونا به، قال تعالى خبرًا عنهم: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣٣] فلا حاجة إلى الصرف عن الظاهر المتبادِر.
﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾: مضاعفًا؛ لأنهم ضلُّوا (^٣) وأضلُّوا.
_________________
(١) "لأصالتهم في الإغواء والإضلال": ليست في (م) و(ك).
(٢) تنسب لابن مسعود والأعمش. انظر: "المحتسب" (١/ ٢٤٧)، و"البحر" (١٠/ ٨٦).
(٣) في (ك): "أضلوا".
[ ٤ / ٤٧ ]
﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾؛ أي: لكلٍّ منكم ومنهم ضعفٌ: مِثْلٌ زائد على مِثْلٍ؛ لأن كلًّا من الفريقين ضالٌّ ومُضلٌّ، وهذا في حق القادة ظاهرٌ، وأمَّا في حق الأتْباع فلأنهم بالاتِّباع لهم وصدورهم عن رأيهم زادهم في طغيانهم وثباتهم على الضلال، وقوتهم على الإضلال، وقد أَفصح عن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]، وأما التقليد في الباطن (^١) فلا يصلح وجهًا له؛ لعدم اختصاصه بالأتباع، فإن القادة أيضًا قد يكونون مقلِّدين (^٢).
﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك؛ كيلَا يحصلَ لهم نوعُ سلوةٍ وسرور، فإنه لو علم كلٌّ منهم ما بالأخرى (^٣) بسبب إضلالهم إياهم لكان لهم فيه تسلِّ وخفَّةٌ. وقرئ بالياء على الانفصال (^٤).
* * *
(٣٩) - ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.
﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ مرتَّبًا كلامُهم على جوابه تعالى لآخريهم.
_________________
(١) في (ك): "الباطل".
(٢) في هامش (ف): "ويرد عليه أنه يلزم في أن يكون سلسلة الأمم الداخلة في النار غير متناهية؛ لأن موجب ما ذكر أن يكون لكل أمة داخلة في النار قادة مضلة لها، وهي أيضًا من الأمم الداخلة فيها، فيلزم أن يكون لها أيضًا قادة فضلًا هكذا إلى ما لا نهاية له".
(٣) في (م) و(ك): "كل منهم بالآخر".
(٤) هي رواية شعبة عن عاصم، والباقون بالتاء. انظر: "التيسير" (ص: ١١٠).
[ ٤ / ٤٨ ]
﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾؛ أي: فقد ثبت أنْ (^١) لا فضل لكم علينا، بل إنَّا وإياكم متساوون في الضلال والإضلال، واستحقاقِ العذاب بهما.
﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ كما نحن نذوقُه بما كنا نكسبه، فليس هذا القول منهم (^٢) تشفِّيًا، كيف والمقام لا يحتمل الإخبار عن حالٍ فيها نوعُ سرورٍ لهم؟
* * *
(٤٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ قد سبق تفسيره.
﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ﴾؛ أي: لأدعيَتِهم وأعمالهم أو لأرواحهم كما تفتح للمؤمنين، فهو بمنطوقه وعيد للكفار، وبمفهومه وعد للمؤمنين؛ إذ لولاه لمَا كان (^٣) وعيدًا لهم.
والحاجة إلى صيغة الجمع في قوله: ﴿أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ لمصلحةِ المفهوم؛ إذ لا حاجة إليها في المنطوق.
وقرئ: ﴿تُفَتَّحُ﴾ بالتشديد لكثرة الأبواب، وبالياء لأن تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ والفعلُ مقدَّم (^٤).
_________________
(١) "أن": ليست في (م).
(٢) "منهم" ليست في (ف).
(٣) في (ف): "لولاه لكان".
(٤) قرأ أبو عَمْرو بالتَّاءِ خَفيفًا، وحمزة والكسائِيّ بالياءِ خَفيفا، والباقُونَ بالتَّاءِ شديدًا. انظر: "التيسير" (ص: ١١٠).
[ ٤ / ٤٩ ]
وعلى البناء للفاعل ونصب الأبواب: بالتاء على أن الفعل للآيات (^١)، وبالياء على أنه لله تعالى (^٢).
﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ الولوج: التقحُّمُ في الشيء، وإنما خُص الجمل من جنس البعير بالذِّكر لأنَّه أكبرُ وأصلب من الناقة.
﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ في ثقبة الإبرة، وهو من باب التعليقِ بالمحال؛ إذ المعنى: لا يدخلون الجنة حتى يدخل ما هو مِثْلُ الجمل (^٣) في عظَم الجِرْم فيما هو مَثَلٌ في ضيقِ المسلك، وذلك مما لا يكون أبدًا، فكذلك ما علِّق به.
وقرئ: (الجَمْل) كالحَبْل، و: (الجُمَل) كالنُّغَر، و(الجُمْل) كالقُفْل، و: (الجُمُل) كالنُّصُب، و: (الجُمَّل) كالقُمَّل (^٤)، وهي (^٥): الحبل الغليظ، وقيل: حبل السفينة.
و: (سُمِّ) بالضم والكسر، [وقرأ عبد الله]: (في سمِّ المِخْيَط) (^٦)، وهو والخيَاط: ما يُخاط به؛ كالحِزام والمِحْزَم.
_________________
(١) في النسخ: "للأبواب"، والتصويب من "الكشاف" و"البيضاوي" انظر التعليق الآتي.
(٢) أي: (لا تَفْتَحُ -أو: لا يَفْتَحُ- لهم أبوابَ السماء). انظر: "الكشاف" (٢/ ١٠٣)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ١٢).
(٣) "الجمل" ليست في (ف)، ولها وجه بأن يكون الضبط هكذا: "مَثَلٌ".
(٤) انظر هذه القراءات في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٣)، و"المحتسب" (١/ ٢٤٩)، و"الكشاف" (٢/ ١٠٣)، وعنه نقل المؤلف.
(٥) في (ك): "وهو"، والصواب المثبت؛ لأن هذا الضمير بعود على كل ما سبق من القراءات؛ أي: على جمع، فيناسبه التأنيث لا التذكير.
(٦) انظر هذه القراءات في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٣)، و"الكشاف" (٢/ ١٠٣)، والكلام وما بين معكوفتين منه.
[ ٤ / ٥٠ ]
﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: ومِثْلَ ذلك الجزاء الفظيعِ ﴿نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: الكافرين الموصوفين بالجُرم الكامل، وإنما وضع ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ موضع الضمير تسجيلًا على المكذِّبين بالإجرام، وإيذانًا بأن الإجرام هو السبب الموجِب للحرمان، الموصلُ إلى العقاب المؤبَّد في النيران، ولذلك كرَّر الجزاء وسجَّل عليهم بالظلم تأكيدًا.
* * *
(٤١) - ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾: جمع مَهْدٍ، وهو الوِطاء الذي يُفترش، ومنه: مَهْد الصبيِّ، وتمهيدُ الأمور: تسويتُها وإصلاحها، فهو على طريقة قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، ولهذا - أي: لِمَا (^١) في لفظ المهاد من التهكُّم - آثره على لفظ الفراش مع ما فيه من صنعة التجنيس؛ اعتبارًا لجانب المعنى، وترجيحًا للمزيَّة المعنويَّة على اللفظيَّة.
﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: جمع غاشيةٍ، وهي لباسٌ مجلِّل، والتنكيرُ فيها وفي ﴿مِهَادٌ﴾ للتعظيم والتهويل.
ولما كان في المهاد اختصاصٌ لجهة التَّحت، بخلاف الغاشية فإنها خِلْوٌ عن الاختصاص بجهةٍ، وكان المراد التغطيةَ من جهة (^٢) الفوق، فلا جَرَمَ احتيج إلى قوله: (مِن فوقهم) دون: مِن تحتهم، وقد ذُكرا في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] لقيام الحاجة إلى تعيين الجهة
_________________
(١) في (م): "ولما".
(٢) في (ك) و(م): "جانب".
[ ٤ / ٥١ ]
في الموضعين، قوله: ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ يرشدك إلى إرادة معنى الجمع من (^١) المهاد (^٢).
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم بالإصرارِ على عدم الإيمان، والاستكبارِ عن الإذعان.
* * *
(٤٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ اعتراض بين المبتدأ وخبره للإشارة أولًا إلى أن المذكور في معرض الشرط الأعمالُ التكليفية، وثانيًا إلى أنه غير معتبَر في حق غير المكلَّفين والمعذورين.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ على عادته تعالى في أن يَشفع الوعيد بالوعد، و﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى أنَّ استحقاق الخلود في النعيم بسبب اتِّصافهم بالإيمان والأعمال الصالحة مع سهولتهما وتعظيم لشأنهما (^٣).
* * *
_________________
(١) في (ف): "في".
(٢) في هامش (ف): "يرشدك إلى هذا قول الزمخشري في "الأساس": مهد المهد والمهود والمهاد والمهد، وإن لم يساعده ما في "الكشاف" من تفسيره بالفراش".
(٣) في (م): "شأنهما".
[ ٤ / ٥٢ ]
(٤٣) - ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ النزع: رفع الشيء عن مكانه المتمكِّنِ فيه: إما بتحويله عنه، وإما بإعدامه. والمراد هنا هو الثاني.
والغل: هو الحقد الذي يصل بلطفه إلى صميم القلب، ومنه: الغلول، وهو الوصول بالحيلة إلى دقيق الخيانة.
والصُّدور: ما يَصدر (^١) من جهة التدبير والرأي، ومنه قيل للرئيس: الصَّدر.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ زيادةً في حبورهم وسرورهم، والنَّهْر: المجرى الواسع من مجاري الماء، ومنه: النهار؛ لاتساع ضيائه، والجريان: انحدار المائع.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ بالدلالة إلى ما يوصلنا إليه من الإيمان والعمل الصالح.
﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ زيادةُ اللام لتأكيد النفي؛ أي: وما كان (^٢) يصح ويستقيم لنا أن نكون من المهتدين إلى ذلك مع تيسُّره (^٣) لولا هدايةُ الله تعالى وتوفيقُه.
وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف دل عليه ما قبله.
_________________
(١) في (م): "والصدر ما يصدق".
(٢) في (م): "وما كنا".
(٣) في (م) و(ك): "سيره"، ولعله محرف عن: (يسره).
[ ٤ / ٥٣ ]
وقرئ: ﴿مَا كُنَّا﴾ بغير واوٍ (^١) على أنها جملةٌ مبيِّنةٌ للأولى، وعلى القراءة المشهورة اعتراضيةٌ للتأكيد (^٢).
﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ فاهتدَيْنا إلى هذا بإرشادهم، وهو كلام وارد على سبيل الاغتباط والتبجُّح بما نالوا، والسرورِ بما شاهَدوا.
﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ النداءُ الدعاء (^٣) على طريقةِ: يا فلان، كأنه قيل لهم: يا أيها المؤمنون.
و﴿أَنْ﴾ هي المخفَّفة من الثقيلة، تقديره: بأنه، والضمير ضميرُ الشأن. أو المفسِّرة؛ لأنَّ النداء في معنى القول.
﴿الْجَنَّةُ﴾ صفة ﴿تِلْكُمُ﴾، وهي (^٤) مبتدأٌ خبرُه ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾.
أو ﴿الْجَنَّةُ﴾ خبرٌ، و﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ (^٥) حالٌ، والعامل معنى الإشارة في ﴿تِلْكُمُ﴾؛ أي: مُورَثةً لكم، والإشارة بـ (تلك) لقصد التعظيم.
وإنما سماها ميراثًا لأنها ليست مما يُستحق بالعمل، بل هو مَحْضُ فضل الله ووعدِه على الطاعة؛ كالميراث من الميت لا يكون عوضًا مستحَقًّا عن شيء، بل هو عطيةٌ خالصة، ففيه حفظ (^٦) السامع عن المتبادِر إلى الفهم من الباء السببية في قوله:
_________________
(١) وهي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١١٠).
(٢) في (م): "لتأكيد".
(٣) في (ف): "النداء الذي".
(٤) في (م) و(ك): "ومن"، ولعلها محرفة عن المثبت، والضمير (هي) عائد على: ﴿تِلْكُمُ﴾.
(٥) في (م) و(ك): "أورثتموها".
(٦) في (ف): "خط"، وهو تحريف.
[ ٤ / ٥٤ ]
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من أن تكون تلك الأعمالُ أسبابًا حقيقيَّةً لِمَا يُعطى لهم في الدار (^١) الآخرة، فإن سببيَّتها له إنما هي بحكم الوعد، وهذه طريقةٌ بليغةٌ سميناها في بعض رسائلنا المعمولة في أسرار البلاغة بـ: التقدُّم بالحفظ، وهي أبلغ من طريقة التدارُك، وقد غفَل عنها القوم.
* * *
(٤٤) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ قد مرَّ أن (نادى) معناه دعاءٌ، غير أن في النداء معنى امتداد الصوت ورفعه، وليس كذلك الدعاءُ؛ لأنَّه قد يكون بعلامةٍ كالإشارة من غير صوت ولا كلام.
والصاحب هو المقارِن على نيَّةِ طول المدة، والصُّحبةُ والمقارَنة نظيران، إلا أن في الصحبة معنى (^٢) الإرادة.
﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ (أنْ) في المواضع الأربعة محتمِلةُ الوجهين كالتي مرت آنفًا.
ووَجَدْنَا من الوجود، و﴿حَقًّا﴾ مفعوله الثاني، أو من (^٣) المصادفة و﴿حَقًّا﴾ حال.
﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ﴾ الوعد عند الإطلاق ينتظِم الخيرَ والشر، بخلاف الوعيد فإنه يختصُ بالثاني.
_________________
(١) "الدار": ليست في (م).
(٢) معنى" من (ف).
(٣) "من" من (ك).
[ ٤ / ٥٥ ]
﴿رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ إنما قالوه (^١) تبجُّحًا بحالهم، وتحسيرًا لأصحاب النار، ولذلك ذُكر مفعول (وعد) في الأول وتُرك في الثاني، فإن أهل الجنة يستبشِرون بحصول موعودهم، فذكروا ما وعدهم الله تعالى مضافًا إليهم، وأطلقوه حين سألوا أهل النار ليشمل كلَّ موعود؛ من البعث والحساب والثواب والعقاب، وسائرِ ما في أحوال القيامة من الأهوال؛ تنبيهًا على تكذيبهم (^٢) بأمور كثيرة ليست مخصوصةً بهم ساءهم كلَّها، وتكون إجابتهم بـ ﴿نَعَمْ﴾ تصديقًا بجميع ما وعد الله بوقوعه في الآخرة للصنفين، واعترافًا منهم بحصول موعود المؤمنين؛ ليتحسَّروا على ما فاتهم من نَعْيمهم، إذ نعيم أهل الجنة مما يَحزُنهم ويزيد في عذابهم.
﴿قَالُوا نَعَمْ﴾ وقرئ: ﴿نَعَمْ﴾ بكسر العين (^٣) فرقًا بين (نَعمْ) التي هي جوابٌ، وبين نَعَمٍ هي التي اسم للإبل والبقر والغنم.
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أُبهم للتنكير، ونُكر للتعظيم، وهو ملَك ينادي بأمر الله تعالى نداءً يسمعه أهل النار زيادةً في تحسيرهم، فمعنى ﴿بَيْنَهُمْ﴾: بين القائلين ﴿نَعَمْ﴾، ولو كان المعنى: بين الفريقين، لقيل: بينهما كما قيل: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦].
﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: الكفارِ؛ إطلاقًا لاسم الجنس على الفرد الكامل، بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ وقرئ: ﴿أَنْ لَعْنَةُ﴾ بالتشديد والنصب (^٤).
وقرئ: (إنَّ) بالكسر (^٥) على إرادة القول، أو إجراء التأذين مجراه.
_________________
(١) في (م) و(ك): "قالوا".
(٢) في (ف): "تنبيههم".
(٣) هي قراءة الكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١١٠).
(٤) هي قراءة ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١١٠).
(٥) بكسر الهمزة والتشديد ونصب (لعنةَ). انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٤٠٣)، و"البحر" (٤/ ٩٩).
[ ٤ / ٥٦ ]
(٤٥) - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صفةٌ مقرِّرة لـ ﴿الظَّالِمِينَ﴾، أو نصبٌ على الذمِّ، أو رفع عليه. والصَّدُّ: الصَّرفُ عن الخير خاصةً.
﴿وَيَبْغُونَهَا﴾؛ أي: يبغون بها، والضمير للسبيل وهو يذكَّر ويؤنَّث.
﴿عِوَجًا﴾ العِوَج بالكسر في المعاني (^٦) والأعيان ما لم تكن منتصبةً، وبالفتح في المنتصِبة كالحائط والرمح. أي: يطلبون بها زيغًا وميلًا إلى الباطل.
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾؛ أي: كانوا بها جاحدين.
لمَّا كان مناداةُ الفريقين مُنْبئةً عن القرب بينهما، ومَظِنَّةَ أنْ يُتوهَّم وصولُ رَوح الجنة إلى أهل النار وقبحِها إلى أهل الجنة، دفعه بقوله:
(٤٦) - ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾.
﴿وَبَيْنَهُمَا﴾؛ أي: بين (^٧) الفريقين لا بين الدارين؛ لأنَّه قال في مواضع آخر: ﴿بَيْنَهُمَ﴾.
﴿حِجَابٌ﴾ الحجاب: هو (^٨) الحاجز المانع عن الإدراك، والمراد هاهنا (^٩): السور المذكور في قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣].
_________________
(١) في (م): "المعنى".
(٢) في (م): "وبين".
(٣) في "ك": (وهو)، وليست في (م).
(٤) في (م) زيادة: "هو".
[ ٤ / ٥٧ ]
﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ﴾؛ أي: أعرافِ الحجاب وهو أعاليه، جمع عُرْفٍ، وهو ما ارتفع من الشيء فإنه بارتفاعه وظهوره أعرفُ من غيره، ومنه: عُرْفُ الديك.
﴿رِجَالٌ﴾: قومٌ عَلَتْ درجاتهم؛ كالأنبياء ﵈ والشهداءِ (^١)، أو خيارِ المؤمنين، أو ملائكة يُرون في صورة الرجال.
وقيل: جمع قصَّروا في العمل، أو تساوت حسناتُهم وسيئاتُهم، ويأباهما عبارةُ الرجال؛ لأن الأمر المذكور لا يختصُّ بالذكور.
﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ من أهل الجنة والنار ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها؛ كبياض الوجه وسواده، فِعْلَى مِن سام إبله: إذا أرسلها في المرعى معلَّمةً، أو عِفْلَى مِن (وَسَم) على القلب؛ كالجاه من الوجه.
وقد دل الباء السببية على أنهم يعرفونهم بالأمارات الظاهرة، فلا وجه لِمَا قيل: وعرفانُهم ذلك يجوز أن يكون بالإلهام من الله تعالى، أو بتعريف الملائكة (^٢).
﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: إذا نظروا إلى أهل الجنة نادَوهم بالتسليم عليهم، وقد دل على هذا تمامُ الكلام فلا حاجة إلى تقديره.
﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ استئنافٌ، أو صفةٌ لـ ﴿أَصْحَابَ﴾ (^٣)؛ أي: لم يَدْخلوها بعدُ، وفيه دفعُ (^٤) ما يتبادر إلى الفهم من عبارة ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾، ودفعُ وهمِ مخالفته لِمَا يأتي من قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾.
_________________
(١) كذا في النسخ، وفي "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٤): (أو الشهداء).
(٢) رد على الزمخشري والبيضاوي. انظر: "الكشاف" (٢/ ١٠٧)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ١٤).
(٣) في (ف): "للأصحاب". وضعف هذا الوجه من حيث إنه فَصَل فيه بين الموصوف وصفته بجملة قوله: "ونادَوا" وليست جملةَ اعتراض. انظر: "الدر المصون" (٥/ ٣٣٠).
(٤) في (ف): "رفع".
[ ٤ / ٥٨ ]
﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ منهم، والطمع: توقُّع المحبوب، ونقيضُه اليأس: وهو القطع بعدم حصوله.
* * *
(٤٧) - ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ (^١) الصرف إمالة الشيء من جهة إلى أخرى.
﴿تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي: حِذاءَهم، وهي جهةُ اللقاء تِفْعالٌ استُعمل ظرفَ مكان، وفيه دلالةٌ على أن نظرهم إلى أهل الجنة نظرُ رغبةٍ وارتضاء، وأما نظرُهم إلى أهل النار فليس كذلك، بل لا ينظرون إليهم لكراهتهم ونفرتهم منهم، ولا يتأتَّى منهم النظر إليهم طوعًا، حتى كأنَّ صارفًا صَرَف نظرهم إليه كرهًا ليَعلموا قَدْرَ ما هم فيه، ولهذا كان الأول مقابَلًا (^٢) بالتسليم والثاني بالاستعاذة.
﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ استعاذوا بالله تعالى من مصاحبتهم صريحًا، وفي ضمنها الاستعاذةُ من النار، ولا يخفى ما في هذا الاعتبار من تقديم الفِرار من عذاب صُحبة الفجَّار على الفرار من عذاب النار، بناءً على أن الأول روحانيٌّ والثاني جسمانيٌّ، والروحانيُّ أشد إيلامًا.
* * *
(٤٨) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾ من رؤوس الكفرة وأعيان الفجرة.
_________________
(١) في (م): "أبصارهم" جاءت بعد "أخرى".
(٢) في "ك": (متقابلًا).
[ ٤ / ٥٩ ]
﴿يَعْرِفُونَهُمْ﴾ في الدنيا ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ المعهودِ عندهم، فهذه معرفتُهم بأشخاصهم، وما سبق معرفتهم من حيث إنهم من أهل الجنة أو من أهل النار.
﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ﴾ استئناف لبيانِ ما نودي به.
﴿جَمْعُكُمْ﴾: كثرةُ خَدَمكم وأعوانكم، أو: جمعُكم المالَ.
و﴿مَا﴾ في ﴿مَا أَغْنَى﴾ استفهاميةٌ للتوبيخ والتقريع، ويجوز أن تكون نافيةً، وفي ﴿وَمَا كُنْتُمْ﴾ مصدريةٌ؛ أي: وكونُكم.
﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الحق (^١)، أو: على الخلق، وقرئ: (تستكثرون) بالتاء المثقلة (^٢).
* * *
(٤٩) - ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ من تتمة قولهم للرجال، والإشارة إلى فقراء أهل الجنة، والخطاب لرؤساء الكفرة الذين كانوا يستهينون (^٣) بهم ويحتقرونهم لفقرهم، يُقسمون أن الله لا يدخلهم الجنة، وقد مرَّ تفسير النَّيل.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ من كلام أهل الأعراف لفقراء أهل الجنة (^٤)، لمَّا أشاروا
_________________
(١) في (ف): "الخلق".
(٢) القراءتان في "المحتسب" (١/ ٢٤٩)، و"الكشاف" (٢/ ١٠٧)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٠٦)، و"البحر" (١٠/ ١٠٨).
(٣) في (م): "يستخفون".
(٤) من قوله: "لرؤساء الكفرة .. " إلى هنا سقط من "ك".
[ ٤ / ٦٠ ]
إليهم بـ (هؤلاء) معيِّرين لرؤساء الكفرة، قالوا لهم إخبارًا من الله تعالى ملتفِتينَ إليهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾.
وقرئ: (أُدْخِلوا) على البناء للمفعول، وقرئ: (دَخَلوا) على الاستئناف، والتقدير: أُدخلوا - أو: دَخَلوا - مقولًا لهم (^١).
﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ فيما يأتي ﴿وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ على ما فات، وفيه تعريض لأصحاب النار بأنهم يحزنون.
* * *
(٥٠) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ أي: الكفارُ على ما ستقف عليه.
﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ إن قلت: كيف النداء وبينهما حجاب؟
قلت: إن في الجنة كُوًى ينظر أهلها منها إلى أهل النار.
﴿أَنْ أَفِيضُوا﴾ من الفيض وهو السيلان عن الامتلاء، ولمَا فيه من معنى الإحسان قالوا:
﴿عَلَيْنَا﴾؛ أي: أحسِنوا علينا مما ازداد منكم ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾ فلا دلالة فيه على أن الجنة فوق النار.
﴿أَوْ مِمَّا﴾ من فضلةِ ما ﴿رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من نوعٍ آخَر من جنس المشروب، وإنما خصّهم بالطلب لمَا بهم من غلبة العطش وشدة الحرارة، ولهذا أتوا بأداة التنويع، ولو
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ١٠٧).
[ ٤ / ٦١ ]
كان المراد الطعامَ لَمَا عدلوا عن العطف بأداة الجمع إذ لا بد لهم من طلب الماء.
ولمَّا كان في سؤالهم ما دلَّ على أن التماسهم (^١) من الفضلة وما لا حاجة لهم به، وكان الامتناعُ عن الإجابة في مثله مَظِنَّة البخل، أجابوا بما يندفع به هذا الوهم، ثم إنهم عدَلوا عن الجواب بالمنع الصريح إلى ذكر سببه؛ محافظةً بجانب الكرم مهما أَمكَن، وقطعًا لإطماعهم على وجهٍ أحسن:
﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ لم يقل: عليكم، تضمينًا لمعنى التعليل، وتعميمًا (^٢) للجواب لغير السائلين من جنسهم.
والتحريم: المنع، وتعديته بـ ﴿عَلَى﴾ كتعديَةِ الشهادة بها؛ كما في قوله تعالى ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، ولا خفاء في أن المعنى اللُّغويَّ أبلغُ من التحريم الشرعيِّ، فلا وجه لِمَا قيل: مَنعَهما عنهم مَنع المحرَّم عن المكلَّف.
* * *
(٥١) - ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الاتِّخاذ: أخذُ الشيء بإعداد الأمر من الأمور، ولا يخفى لطف موقعه هاهنا من حيث تضمُّنُه الإشارةَ إلى أن حقَّ الدِّين الجِدُّ والاهتمام بشأنه، دون الهزل واللعب، فكان فيه نعيٌ لهم بتقبيح صَنيعهم.
﴿لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ كتحريم البَحيرة، والتَّصديةِ حول البيت.
وأصل اللهو: الانصراف عن الشيء، والمراد: ما ينصرف إليه مما لا يعني.
_________________
(١) في (ف): "إلقاءهم".
(٢) في (ف): "وتتميما".
[ ٤ / ٦٢ ]
واللعب: طلب الفرح (^١) بما لا يَحسُن أن يُطلب به، واشتقاقه من اللعاب وهو المرور على غير الاستواء (^٢).
﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ التغرير: تزيين الباطل للوقوع فيه.
﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ نفعلُ بهم فعل الناسِينَ بتركهم في النار ترك المنسيِّ.
﴿كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾؛ أي (^٣): كما فعلوا به فلم يُخْطروه ببالهم، ولم يستعدُّوا له، ولم يُهمُّوا به، والمراد من اليوم: الواقعةُ، ولهذا أضافه إليهم.
﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ معطوفٌ على ﴿كَمَا نَسُوا﴾ (^٤)، و(ما) فيهما مصدرية، والكاف في ﴿كَمَا﴾ للتعليل؛ أي: لنسيانهم (^٥) وكونِهم جحدوا بآيات الله.
* * *
(٥٢) - ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ التنكير للتعظيم، وفي التعبير بـ ﴿جِئْنَاهُمْ﴾ (^٦) زيادةُ تعظيم له.
﴿فَصَّلْنَاهُ﴾؛ أي: جعلناه فُصولًا هي أصول الأمور الدينية والدنيوية.
_________________
(١) في (ك): "المرح"، وفي (م) تحتمل: "المزح" وتحتمل: "المفرح"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٥).
(٢) قوله: "واشتقاقه من اللعاب … " لم أجد من ذكر هذا المعنى.
(٣) "أي" من (م).
(٤) في (ف): "على ما نسوا".
(٥) في (ك): "كنسيانهم".
(٦) في (م) و(ك): "بجئنا به".
[ ٤ / ٦٣ ]
﴿عَلَى عِلْمٍ﴾: عالِمِين كيف يجب أن يُفصَّل حتى جاء حكيمًا.
وقرئ: (فضَّلناه) (^١)؛ أي: رجَّحناه على سائر الكتب عالِمين بوجهِ رجحانه، وأنَّه حقيقٌ بذلك.
﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ حالٌ من الهاء، أو مفعول له؛ أي: لأجْلِ هدى.
* * *
(٥٣) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: ما ينتظرون، والانتظار: هو الإقبال على ما يأتي بالتوقُّع له، وإنما قيل لهم: ينتظرون، وإن كانوا جاحدين؛ لأنهم بمنزلة المنتظِر في أن يأتيَهم لا محالةَ إتيانَ المنتظَر.
﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ التأويل: ما يَؤول إليه حال الشيء.
﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾؛ أي: يَتبيَّن صدقُه بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد.
﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾: تركوه تركَ الناسي.
﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: قد تبيَّن أنهم جاؤوا بالحق وظهر ما أَخبروا عنه.
﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ اليوم، حُذف النون للنصب بالفاء جوابًا للتمنِّي.
﴿أَوْ نُرَدُّ﴾: أو هل نرد إلى الدنيا؟ وجوابه: ﴿فَنَعْمَلَ﴾.
_________________
(١) تنسب لابن محيصن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٤).
[ ٤ / ٦٤ ]
وقرئ: (أو نردَّ) بالنصب (^١) عطفًا على (يَشفَعوا)؛ أي: فيَشفَعوا لنا (^٢) أو فنُردَّ، أو حملًا لـ ﴿أَوْ﴾ على معنى: إلى أن؛ أي: فيَشفعوا حتى نُردَّ فنعملَ.
وقرئ بنصب (نُردَّ) ورفعِ (فنَعملُ) (^٣)؛ أي: فنحن نعملُ، فالمعنى على الرفع: تمنِّي الشفاعة أو الرد، وعلى أولِ وجهي النصب تمنِّي الشفيع للشفاعة بدون الرد أو للرد، وعلى ثانيهما تمنِّي الشفيع للشفاعة (^٤) مُفضيًا إلى الردِّ وسببًا ووسيلةً إليه.
﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ من الكفر والمعاصي.
﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ في الدنيا بإبطال استعدادهم، فلا يجدي الرد على ما أفصح عنه في قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] استئناف لبيان حالهم على وجهٍ يتضمن الحكمة في عدم استجابتهم.
﴿وَضَلَّ﴾؛ أي: وغاب ﴿عَنْهُمْ﴾ في الآخرة ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: ما كانوا يعبدون (^٥) من آلهتهم.
* * *
_________________
(١) تنسب لابن أبي إسحاق. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٤)، و"المحتسب" (١/ ٢٥١).
(٢) "لنا" ليست في (ف).
(٣) نسبت للحسن. انظر: "الكشاف" (٢/ ١٠٩). وعبارة: "وقرئ بنصب ونرد ورفع نعمل" ليست في (م).
(٤) "بدون الرد أو للرد، وعلى ثانيهما تمنِّي الشفيع للشفاعة" سقط من "ك".
(٥) في (م): "يعبدونه".
[ ٤ / ٦٥ ]
(٥٤) - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي﴾؛ أي: ليس ربُّكم وحافظُكم ومدبرِّكُم ما عبدتُموه من الأصنام والكواكب والملائكة والجن والإنس (^١)، بل كلُّ ذلك مربوبٌ ومخلوقٌ ومحتاجٌ إلى مدبِّر وحافظ، بل ربُّكم وحافظكم الله (^٢) الذي ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وما بينهما على ما بيَّنه في موضعٍ آخر، جعل الخبر موصولًا بناءً على كون ذلك معهودًا عند السامع، ومفروغًا من تحقيق النسبة والعلم به.
﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: "أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: خلق الله ﷿ التربةَ يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق الظلمة يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدوابَّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخِرَ الخلق في آخِرِ ساعة من ساعات يوم الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل" (^٣).
والمراد من اليوم: مقدار دورة العرش من الزمان (^٤).
_________________
(١) "والإنس": ليست في (م) و(ك).
(٢) في (م): "الله وخالقكم".
(٣) رواه مسلم (٢٧٨٩)، ورواه أيضًا الإمام أحمد في "المسند" (٨٣٤١)، وانظر في حواشيه كلام العلماء في هذا الحديث، وأن الأصح فيه أنه من كلام كعب الأحبار. وقد نبه الآلوسي إلى إشكال فيه من حيث المعنى فقال في "روح المعاني" (٩/ ١٣٥): (ولا يخفى أن هذا الخبر مخالف للآية الكريمة، فهو إما غير صحيح - وإن رواه مسلم - وإما مؤول).
(٤) ليته ذكر ما هو البرهان الذي استدل به على هذا الكلام.
[ ٤ / ٦٦ ]
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استوى (^١) عليه بالتأثير في إيجاد الأشياء بإثباتِ صورها عليه قصدًا مستويًا (^٢) من غير أن يَلويَ إلى شيء آخَرَ، فهو شأنه الذي عليه كلَّ يوم.
ولمَّا ذكر الاستواء على العرش وهو إخبارٌ عن نَفاذ أمره وكمالِ ملكه واطِّرادِ تدبيره، بيَّن ذلك في عِيَانٍ فقال:
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾؛ أي: يغطِّيه به، ولم يَذكر عكسَه لا لأن اللفظ يحتملُهما إذ لا بد من إرادة أحدهما على التعيين، بل للعلم به.
﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ من الحثِّ، وهو الحمل على السرعة، حالٌ من ﴿اللَّيْلَ﴾ تقديره: حاثًّا، أو من ﴿النَّهَارَ﴾ وتقديره: محثوثًا، ويجوز أن ينتصِب نعتًا لمصدرٍ محذوف؛ أي: طلبًا حثيثًا؛ أي: حاثًا أو محثًا (^٣).
والمرادُ من طلبِ الليلِ النهارَ: تَعاقُبُه اللازم، فكأنه طالبٌ له لا يدركه، بل هو في أثره بحيث يكاد يدركه.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ عطف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾.
﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ حالٌ منها ﴿بِأَمْرِهِ﴾ متعلِّق بـ ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾.
وقرئ كلُّها بالرفع على الابتداء والخبر (^٤).
_________________
(١) في (ك): "استولى".
(٢) "مستويا" ليست في (ف).
(٣) انظر: "البحر" (١٠/ ١٢٠)، وفيه: (حاثا أو محثوثا)، وهو الصواب، وقد وقع في بعض نسخه مثل ما هنا: (أو محثا) كما نبهنا عليه في حاشيته.
(٤) هي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١١٠).
[ ٤ / ٦٧ ]
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾؛ أي: هو الذي أَوجَد الأشياء وصرَّفها بإرادته كيف يشاءُ، جملةٌ اعتراضية مبيِّنة لِمَا ذكر من التوحيد كالمقصود منه، ولذلك صدَّرها بحرف التنبيه، وقدَّم فيها الظرف للتخصيص؛ إيذانًا بأن أهم الأشياء اعتقادُ التوحيد في الخَلق والتدبير.
﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: فذلك هو الربُّ للجميع لا ربَّ سواه، فلْيَجِبْ تعظيمه، اعتراضٌ آخر لبيان تعظيمه بالوحدانية في الألوهيَّة والربوبية للكل؛ أي: تعاظَمَ الواحد الموجِدُ للكلِّ المتصرِّف فيه بالربوبية (^١).
وتوجيهُه: أن الكفرة كانوا متَّخذينَ أربابًا، فدعاهم إلى التوحيد بالحكمة والحجة، وصدَّر الآية بـ ﴿إِنَّ﴾ لإنكارهم، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ﴾ المستحِقَّ للربوبية ليس إلا واحدًا وهو ﴿اللَّهُ﴾ الموجِدُ للكل على الترتيب المحكَم المتقَن الدالِّ على العلم والحكمة والقدرة، الذي أنشأ ملكَه على ما يشاهَدُ (^٢) ثم عمَد إلى تدبيره كالملِك المتمكِّن في مملكته لتدبير ملكه، فصرَّف الدهر على ما يُرى (^٣) من تصريف الملَوَينِ، وسخَّر الإجرام السماوية بأمره، ونفَّذ أمره بقضائه وقدره، ثم صرَّح بما هو فذلكةُ التقرير في بيان التوحيد بالجملة الاعتراضية الأولى، وأفصح عن المقصود من التركيب كالنتيجة بالجملة الاعتراضية الثانية، ثم أمرهم بتخصيصه بالعيادة والدعوة متضرِّعين متذلِّلين ذوي خِيفةٍ (^٤) بقوله:
_________________
(١) "بالربوبية" ليست في (ف).
(٢) في (ف) و(م): "نشاهد".
(٣) في (ك): "نرى".
(٤) في (ف): "حقيقة".
[ ٤ / ٦٨ ]
(٥٥) - ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ التضرُّع: التذلُّل، وهو التكلُّف في إظهار الذل الذي في النفس.
﴿وَخُفْيَةً﴾ كيلا يشوبَ الدعاء معنى الرياء، والإخفاء: إغماض الشيء بحيث لا يقع عليه الإدراك، وفي التعبير عن قسيم الدعاء خُفْيةً بما ذكر إشارةٌ إلى أن الدعاء جهرًا إنما يصلح مأمورًا به إذا كان مقرونًا بالاستكانة والتذلُّل.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ استئنافٌ لتعليل ما قدَّمه عبارةً وإشارةً.
والاعتداء: تجاوُز الحد الذي لا ينبغي تجاوُزُه؛ أي: إن الله تعالى لا يحب المجاوِزين ما أُمروا به في كلِّ شيء من الدعاء وغيره، ففيه تنبيه على أنه لا ينبغي الصياح في الدعاء والإسهابُ فيه، وطلب ما لا يليق (^١).
* * *
(٥٦) - ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر والمعاصي ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ ببعثِ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وشرعِ الأحكام.
﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: خائفين من عقابه طامعين في ثوابه، والخوف هو الانزعاج بما لا يؤمَن من المضارِّ، والطمع: توقُّع المحبوب، وإنما قدَّم الخوف لأنَّه أهم.
_________________
(١) في (ف): "وطلب ما يليق به".
[ ٤ / ٦٩ ]
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ استئناف لتعليل ما قدَّمه من القيدين عبارةً وإشارةً:
أمَّا الأول: فظاهر؛ فإن الأخبار التأكيدي عن قرب (^١) رحمته تعالى مطمع.
وأما الثاني فلأنَّ اشتراط الإحسان - وهو وراء الإيمان والإسلام - مظنةُ الخوف لعامة المؤمنين، وقد قال كثير من العلماء: ينبغي أن يغلَّب الخوف على الرجاء طولَ الحياة، فإذا جاء الموت غلِّب الرجاء، ومن هنا اتَّضح وجه آخرُ لتقديم الخوف على الطمع.
وتذكير ﴿قَرِيبٌ﴾ لأن تأويل الرحمة بالرُّحم (^٢) أو التَّرَحُّم، أو لاكتسابها التذكيرَ من المضاف إليه كما ذكروا في قراءة: (ما إنَّ مَفاتحه ليَنوءُ) بالياء التحتانية (^٣)، أو لكونه صفةَ محذوفٍ؛ أي شيءٌ قريبٌ، أو على تشبيهه بفعيلٍ بمعنى مفعولٍ، أو بفعيلٍ الذي هو المصدر كالنقيض، أو للفرق بين القريب من النسب والقريب من غيره، وأما التذكير لكون التأنيث غيرَ حقيقي فوهمٌ؛ لوجوب التأنيث في نحو: الشمس طالعة، و: الموعظة نافعة (^٤).
* * *
_________________
(١) في (ف): "قريب".
(٢) بضم الراء وسكون الحاء، وبضمهما، بمعنى الرحمة. "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٤/ ١٧٥).
(٣) تنسب لبديل بن ميسرة، وستأتي في مكانها عند تفسير سورة القصص.
(٤) انظر: "الكشاف" (٢/ ١١١)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ١٦)، و"روح المعاني" (٩/ ١٥٣) وما بعدها، وقد ذكر الآلوسي هذه الأوجه وزاد عليها وجوهًا أخرى وتعقبها جميعًا في بحث حسن.
[ ٤ / ٧٠ ]
(٥٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ وقرئ: ﴿الرِّيَاحَ﴾ على الوحدة (^١)، والأولُ أولى؛ لأن الغالب استعمال الجمع في الرحمة واستعمالُ المفرد في العذاب، ولهذا قال ﵇: "اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا" (^٢).
﴿نُشُرًا﴾ بضمتين: جمع نَشُور بمعنى: ناشرٍ.
و: ﴿نُشْرًا﴾ تخفيف نُشُرِ؛ كرُسْلٍ ورُسُلٍ.
و: (نَشَرًا) بمعنى: منشوراتٍ، فَعَلٌ بمعنى: مفعولٍ.
و: ﴿نَشْرًا﴾ بفتح النون على أنه مصدر في موقع الحال بمعنى: ناشرات، أو مفعولٌ مطلق فإن النشر والإرسال متقاربان.
و: (بُشُرًا) جمع بشير، و: ﴿بُشْرًا﴾ الخفيفة، و: (بَشْرًا) بفتح الباء مصدرٌ من بَشَره بمعنى: بشَّره، و: (بُشْرَى) (^٣).
_________________
(١) هي قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١١٠).
(٢) رواه الشافعي في "مسنده" (٥٠٢)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٤٥٦)، والطبراني في "الكبير" (١١٥٣٣)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٣٥١)، والبيهقي في "الدعوات" (٣٦٩)، من طريقين عن ابن عباس كلاهما ضعيف. انظر: "الكاف الشاف" (ص: ١٢٩).
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ١١١)، وعنه نقل المؤلف هذه القراءات جميعًا، وهي منها المتواتر ومنها الشاذ. فالمتواتر: عاصم: ﴿بُشْرًا﴾ بالباء مضمومة وإسكان الشين حيثُ وقع، وابن عامر بالنُّون مضمومة وإسكان الشين، وحمزة والكسائيّ بالنُّون مفتوحَة وإسكان الشين، والباقون بالنُون مضمومة وضم الشين. انظر: "التيسير" (ص: ١١٠).
[ ٤ / ٧١ ]
﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أمامَ نعمته، وهو (^١) الغيث الذي هو من أهمِّ النِّعم وأعمِّها (^٢) نفعًا، وقد سبق في أوائل السورة في قوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ﴾ (^٣) بيانُ ما في عبارة ﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ من الدلالة على القرب، ولهذا تُؤْثَر على عبارة الأمام والقدَّام (^٤).
قيل: أن الصَّبا تُثير (^٥) السحاب، والشَّمالَ تجمعُه، والجَنوب تُدِرُّه، والدَّبُور تفرِّقه.
﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ﴾: حملت ورفعت، واشتقاقُ الإقلال من القِلَّة؛ لأن الرافع المُطيق يرى ما يرفعُه قليلًا.
﴿سَحَابًا ثِقَالًا﴾ بالماء، وجمعَه (^٦) لأن السحاب جمع سحابة.
﴿سُقْنَاهُ﴾ الضمير للسحاب على لفظه، ونُسب السَّوقُ إليه تعالى بنون العظمة الْتفاتًا؛ لِمَا فيه من عظيم (^٧) المنَّة وجليلِ النعمة.
_________________
(١) في (م) و(ك): "وهي".
(٢) في (ف): "وأتمها".
(٣) قوله: "في أوائل السورة في قوله: ثم لآتينهم": ليس في (ك) و(م).
(٤) في هامش (ف): "ولعله عبر فيه باليدين اليمنى واليسرى لدلالته مع ما فيه من الفخامة على أنه تارة يكون رحمة، وتارة عذابًا كما كان على قوم نوح، وإن كانت الرحمة فيه أغلب، وهي ذات اليمين، وتارة بمعنى الرياح جامعة لها لحفظه الماء، وتارة مفرقة مبللة لها، وتارة مقومة للزروع، وتارة مهيئة لها أو مهلكة، وكذا وكذا من المناسبات. منه".
(٥) في (ك): "تنشر"، وفي (م): "ينشر"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٧)، و"روح المعاني" (٩/ ١٦٣).
(٦) في (ف) و(ك): "جمعه".
(٧) في (ف): "عظم".
[ ٤ / ٧٢ ]
﴿لِبَلَدٍ﴾؛ أي: لأجْله (^١)، ولا يلزم أن يصل له، بل يكفي أن يكون وصولُه لِمَا وَصل له لمصلحته، فينتظِم المسوقَ إلى الجبال والأودية، ومن هنا ظهر وجهُ مزيَّة اللام على (إلى).
﴿مَيِّتٍ﴾ استُعير الموت لجَدْبه وعدمِ نباته؛ لأنَّه (^٢) من حيث عدمُ الانتفاع به كالجسد الذي لا روح فيه.
﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ﴾؛ أي: بالبلد، أو: بالسَّوق، أو: بالسحاب والباء للسببية، وعلى الأول يحتمِل الظرفية والإلصاق.
﴿الْمَاءَ﴾ المعهودَ، وهو ما ثقل به السحاب.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾؛ أي: بالماء لأنَّه أقرب لفظًا ومعنًى، لا إلى البلد على أن الباء للظرفية؛ لقوله: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ فإن جميع أنواعها لا يخرج في البلد، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] صريح في المعنى الأول، والقرآن يفسِّر بعضه بعضًا.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مِثلَ ذلك الإخراجِ - وهو إخراج الثمرات - ﴿نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ من الأجداث، قال الكلبي: وذلك (^٣) إذا مات الناس كلهم أَمطرت (^٤) السماء أربعين يومًا كمنيِّ الرجال، فينبتون في قبورهم بذلك المطر كما ينبتون في بطون أمهاتهم، ثم يُخرجون في النفخة الآخرة، وبينهما أربعون سنة.
_________________
(١) في هامش (ف): "قوله: لأجل بلد ميت، ليس فيه حيًا - مقصور - وهو الخصب، الجوهري: أحيا القوم، صاروا في الحيا وهو الخصب، وأحييت الأرض: وجدتها خصبة".
(٢) "لأنَّه" ليست في (ت).
(٣) "وذلك" ليست في (ف).
(٤) في (ف) و(ك): "مطرت".
[ ٤ / ٧٣ ]
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فتعلمون أنَّ مَن قدر على هذا قدر على ذلك.
* * *
(٥٨) - ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾: الأرض الكريمةُ التربةِ، وتخصيص البلد بالذكر لأنَّه أصلحُ مَنْبِتًا على ما نُبِّه عليه في الخبر المأثور، وهو قوله: الرجال من القرى (^١)، ولهذا سقط (^٢) في مقابِلهِ.
﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: بتيسيره، عبَّر به عن كثرة النبات وحُسنه لأنَّه أوقعه في مقابَلَة:
﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ السَّبخةُ التي لا تُنبت ما تَنتفِع به.
﴿لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ النَّكِد: الذي لا خير فيه، ونصبُه على الحال تقديره: لا يخرج نباته إلا نكدًا، فحُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه - وهو الضمير المجرور - مقامه، فانقلب مرفوعًا مستكنًا لوقوعه موقع الفاعل، أو تقديره: ونباتُ الذي خبُث.
وقرئ: (يُخْرِجُ) من أَخْرَجَ (^٣)، فيكون ﴿نَكِدًا﴾ مفعولًا.
وقرئ: ﴿نَكِدًا﴾ بفتح الكاف على المصدر (^٤)؛ أي: ذا نَكَدٍ، و: (نَكْدًا) بإسكانها للتخفيف (^٥).
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) في (م) و(ك): "أسقطه".
(٣) أوردها صاحب "النشر" (٢/ ٢٧٠) رواية عن أبي جعفر، وهي خلاف المشهور عنه.
(٤) هي قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٧٠).
(٥) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٤).
[ ٤ / ٧٤ ]
﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذلك التصريفِ والترديدِ ﴿نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نردِّدها ونكررها ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ الله ويتفكَّرون فيها ويعتبرون بها.
والآية مَثَلٌ لمَن تَدبَّر الآيات وانتَفع بها، ولمَن لم يَرفع إليها رأسًا ولم يتأثَّر بها.
* * *
(٥٩) - ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ جوابُ قسم محذوف (^١)، ولا يكاد تقع هذه اللام إلا مع (قد)؛ لأن الجملة القسمية مَظِنَّةُ التردُّد، ونوح ﵇ أولُ مَن شُرعت له الشرائع، وسُنَّت له السُّنَن، وليس بينه وبين إدريس ﵇ نبيٌّ، وإنما قال:
﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾ لأن بعثته كانت مخصوصةً لقومه كبعثةِ سائر الأنبياء ﵈، غيرَ نبيِّنا ﷺ فإن بعثته عامةٌ خاصةٌ، ولا ينافي هذا قولَ نوح ﵇: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] لأن مَن لم تعمَّ له دعوته لا يدخل تحت هذا الدعاء.
﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ﴾ أتى هنا بالفاء الدالَّةِ على التعقيب بدون الإمهال دلالةً على الاستعجال في الامتثال:
_________________
(١) في هامش (ف): "وفي تفسير القاضي عضد الدين وجه الربط: قال ابن عباس: معنى ﴿أَرْسَلْنَا﴾: بعثنا، وقال الآخرون: معناه: حمَّلناه رسالة يؤديها، فعلى هذا البعثُ كالتابع، وهذا البحث ينبني على خلاف في الأصول؛ أي: من شرط الرسول أن يعرِّفهم على لسانه من الأحكام ما لا سبيل لهم إليها بعقولهم، أو الحكمة مجرد تأكيد ما في العقول، وهذا البحث لا يليق إلا بمذهب المعتزلة؛ لأنهم القائلون بالحُسن والقبح العقليين. انتهى".
[ ٤ / ٧٥ ]
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: وحِّدوه وأَفرِدوه بالعبادة لتفرُّده بالألوهية.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ بيانٌ لوجه اختصاصه بالعبادة، وقرئ: ﴿غَيْرُهُ﴾ بالجرِّ على اللفظ (^١)، والرفع على المحلِّ؛ كأنه قال: ما لكم إلهٌ غيرُه، وبالنصب على الاستثناء (^٢)؛ أي: ما لكم من إلهٍ إلا إيَّاه.
﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ وعيدٌ، وبيانٌ للداعي إلى عبادته تعالى، وموقعُها الاعتراض.
﴿عَذَابَ﴾ العذاب: هو الألم الجاري على الاستمرار.
﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة، أو يومُ نزول العذاب وهو الطُّوفان.
* * *
(٦٠) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ الملأ: الجماعة الشريفة؛ لأنهم يملؤون النفس والعين بجلالهم وجمالهم، على أنه مأخوذ من المَلْء، ويحتمل أن يكون مأخوذًا مِن: تمالأ القوم على أمر؛ أي: توافَقوا، ومنه قول علي ﵁: ما قاتلتُ عثمان ولا مالَأْتُ في دمه (^٣).
والملأُ صفةٌ غالبة، وجمعُه: أملاءٌ، وليس من باب رَهْطٍ وإن كانا اسمين للجمع؛ لأن رهطًا لا واحدَ له من لفظه، وملأٌ يوجد من لفظه: مالئ، قال أحمد بن يحيى: المالئ: الرجل الجليل الذي يملأ العين، فهو كعازبٍ وخادم، فإن اسم جمعهما عَزَبٌ وخَدَمٌ (^٤).
_________________
(١) هي قراءة الكسائي، وباقي السبة بالرفع. انظر: "التيسير" (ص: ١١٠).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٤).
(٣) انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٤١٥). ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٧٦٧٩).
(٤) انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٤١٥).
[ ٤ / ٧٦ ]
﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ القوم: الجمع الذي (^١) يقوم بالأمر لا نسوةَ فيهم، وفائدةُ التقييد بالوصفين: تجريد المسنَد إليه عن ناقصات العقول كيلا يُتوهَّم أن هذا القول صدر عن بعض ضعفائهم في العقل والرأي، فأُسند (^٢) إلى الكل إسنادَ فعلِ واحد إلى الجماعة.
﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ استعاروا (^٣) الرؤية للعلم بلا شبهةٍ، تمهيدًا لِمَا ادَّعوا من الظهور في المعلوم.
﴿فِي ضَلَالٍ﴾: منغمِسًا فيه، والضَّلال: الذهاب عن صَوْب الصَّواب، والتنكيرُ للتعظيم.
﴿مُبِينٍ﴾: بالغ فيه كيفًا بعدما بالغ كمًّا.
* * *
(٦١) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾ إضافة إلى نفسه تمهيدًا لِمَا يأتي من دعوى الإخلاص والإمحاص.
﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ قدَّم الجارَّ والمجرور للتعريض لهم به، وزيدت التاء للتقليل؛ أي: ليس بي أقلُّ قليلٍ من الضلالة فضلًا عن الضلال العظيم الظاهر.
وما يَتخايل من أن نفي الماهية أبلغُ؛ لأن نفي الشيء مع قيد الوحدة قد يكون
_________________
(١) في (ك) و(م): "الذين".
(٢) في (ف): "وأسند".
(٣) في (ف): "استعار".
[ ٤ / ٧٧ ]
بانتفاء الوحدة - مضمحِلٌّ بأن الوحدة ليست صفةً مقيِّدةً، بل اللفظ موضوعٌ للجزاء الأقلِّ المتحقِّق (^١) مع الكثرة.
﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ﴾ استدراكٌ بطريق الكناية؛ كأنه قال: ولكني على هدًى كاملٍ في الغاية لأني رسول.
قابَلَ تصريحهم بالتعريض الذي هو أوقعُ في البلاغة، وبالكناية التي هي أقوى في النِّكاية (^٢)، وأداةَ ظرفه بأداة الملابَسة لأنها أوسع دائرة، ففي النفي تكون أقطعَ لدابر احتمالِ الضلال، وأداةَ تعظيمه في التضليل بأداة التحقير والتقليل، ولا يخفى ما في هذه المقابلة على وجه المقالبة من المبالغة في المغالبة.
﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: فيه إشارةٌ إلى أن رسالته لمصلحةِ تربيتهم، ففيه إظهارٌ لمكابَرتهم وفَرْطِ عنادهم، حيث وَصفوا مَن هو بهذه المنزلة من الهدى الباهرِ بالضلال المبينِ الظاهر.
* * *
(٦٢) - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ استئناف (^٣) لبيان كونه رسولًا. والإبلاغ: إيصال ما فيه بيانُ الإفهام، ومنه: البلاغة، وهي إيصال المعنى إلى النفس بأحسن صورةٍ من اللفظ.
﴿رِسَالَاتِ﴾ الرسالة: جملةٌ من البيان يحملها القائم بها ليؤدِّيَها إلى غيره (^٤)،
_________________
(١) في (ف): "موضوع للخبر الأقل المستحق".
(٢) في (ف): "التي هي أبلغ في الكناية".
(٣) "استئناف" ليست في (ك).
(٤) في (م) و(ك): "غيرها".
[ ٤ / ٧٨ ]
وإنما جمعها باعتبار تعدُّدها بحسب الأوقات، أو باعتبار تنوُّعها بحسب المعاني.
وفي قوله: ﴿رَبِّي﴾ بعد قوله: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارةٌ إلى أن في الرسالة تربيتين: عامةً وهي للمرسَل إليهم، وخاصةً وهي للمرسَل.
﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ النصيحة: الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهيُ عما فيه الفساد، ومنه قوله ﵇: "الدِّين النَّصيحة" (^١) والنُّصحُ كذلك، وخلافُه الغشُّ.
وفي زيادة اللام تأكيدٌ في إمحاض النصح لهم، ومبالغةٌ في أنها خالصةٌ للمنصوح له مقصودٌ بها جانبه لا غير، فرُبَّ نصيحة ينتفِع بها الناصح أيضًا (^٢).
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ، وتقريرٌ لِمَا في قوله:
﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: أعلم من قدرته وشدة بطشه، أو من جهته بالوحي شيئًا لا يتيسر لكم علمُه.
* * *
(٦٣) - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ الهمزة للإنكار، والواو للعطف على محذوفٍ تقديره: أكذَّبتُم وعجِبْتُم، والعجب تغيُّر النفس بما خفيَ سببُه، وخرج عن العادة مثلُه.
﴿أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كلُّ ما يأتي من الله تعالى فله حكمُ النزول، فكأن ﴿جَاءَكُمْ﴾ معناه: نزل، فحسُن معه أن يقال: ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ ولا حاجةَ إلى تقدير: لسان.
_________________
(١) رواه مسلم (٥٥) من حديث تميم الداري ﵁.
(٢) "أيضًا" ليست في (ك).
[ ٤ / ٧٩ ]
﴿مِنْكُمْ﴾: من جنسكم، فإنهم كانوا يتعجَّبون من إرسال (^١) البشر، ويقولون: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]؛ أي: بإرسال (^٢) البشر.
وإنما لم يقل: على بشر، بل آثر الإطناب على الوجه المذكور؛ لأن المناسب لإنكار تعجُّبهم أن يبيَّن مجيءُ الرسالة على مقتضَى الحكمة، وهو أن يكون الرسول من جنسهم، ولا يكونَ أنثى ولا صغيرًا.
﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾: ليحذركم عاقبةَ الكفر والمعاصي (^٣)، اكتفى بأحد القرينينِ عن الآخر (^٤)، وإنما خصَّ الإنذار بالذكر دون الإبشار لأنَّه أعمُّ وأهمُّ.
﴿وَلِتَتَّقُوا﴾: وليوجَدَ منكم التقوى؛ ولم يُعتبر بسببية (^٥) الإنذار له، وإلا لقيل: فتَتَّقوا.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لتقواكم، والعطف بالواو دون الفاء للتنبيه على أن الترحُّم من الله تعالى تفضُّلٌ لا يوجبه التقوى، فهو في بقعة الإمكان، وكلمة الترجي لترجيح جانب الوقوع، حتى تزداد الرغبة في تحصيل التقوى، ولا تعتمدَ عليه كلَّ الاعتماد.
* * *
_________________
(١) في (ف): "إرسال الرسل".
(٢) في (م): "إرسال".
(٣) في هامش (ف): "والإنذار هو الإعلام بموضع المخافة، والتحذير هو الزجر عن موضع المخافة، والغرض من الإنذار إنما هو التحذير، فيجوز أن يستعار له. منه".
(٤) في (ف): "القرينتين عن الأخرى".
(٥) في (ك): "سببية".
[ ٤ / ٨٠ ]
(٦٤) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ الفاء فصيحةٌ، وقد ذكر ما حذف هنا في موضع آخر (^١).
ولك أن تقول: في الوصل بينهما بأداة التعقيب تنزيلٌ للتكذيب منزلة العذاب الذي ترتَّب (^٢) عليه، ولا يخفى ما فيه من التهويل والتعظيم لأمر التكذيب (^٣).
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ من البشر وسائر أنواع الحيوان، وفي العبارة المذكورة إشارةٌ إلى أن نجاتهم بسبب متابعتهم وبركة مصاحبتهم، فقوله:
﴿فِي الْفُلْكِ﴾ متعلِّق بـ ﴿مَعَهُ﴾؛ أي: الذين (^٤) صَحِبوه في الفلك، واشتقاقه من فَلَّكَ ثدي المرأة: إذا استدار، سميت السفينة فُلْكًا لأنها تدور على الماء كيف أُديرت.
﴿وَأَغْرَقْنَا﴾ الإغراق: الغوص المتلِف (^٥) في الماء.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ كان إغراقُهم بسبب تكذيبهم على ما أشير إليه، وإغراق سائر أنواع الحيوان بشؤم معاصيهم.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ استئنافٌ على سبيل التعليل، وإنما قال: قومًا على تغليب الذكور على الإناث تنبيهًا على تبعيَّتهِنَّ للرجال في الضلالة الحاصلة بسبب كونهم عُمْيَ القلوب غيرَ مستبصرين، وقرئ: (عامِين) (^٦)، والأول أبلغ لدلالته على الثبات.
_________________
(١) قوله: "فأنجيناه .. إلى .. موضع آخر" جاء في (م) بعد قوله: "لأمر التكذيب".
(٢) في (م): "يترتب".
(٣) من قوله: "ولك أن تقول .. " إلى هنا سقط من "ك".
(٤) في (م): "الذي".
(٥) في (ف): "الإغراق التلف".
(٦) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٤).
[ ٤ / ٨١ ]
(٦٥) - ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ﴾ عطفٌ على ﴿نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ وهم قومٌ سُموا باسم أبيهم، وهو عاد بن عَوْصِ بن إرَمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ ﵇، ومعنى ﴿أَخَاهُمْ﴾: نسيبُهم، وإنما جعل منهم لأنهم أفهمُ لمقاله، وأعرفُ بحاله، وأرغب في اقتدائه.
﴿هُودًا﴾ عطفُ بيان لـ ﴿أَخَاهُمْ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾ استئنافٌ على تقدير سؤالِ سائلٍ قال: فما قال لهم؟ فقيل: قال: ﴿يَاقَوْمِ﴾ وكذا جوابه هاهنا.
فإن قلتَ: ما وجه اختصاص قولِ نوح ﵇ بالعطف والربط اللفظيِّ، وقولِ هود ﵇ بالاستئناف والربطِ المعنوي؟
قلتُ (^١): قصة نوح ﵇ ابتداءُ كلام فليس مَظِنَّةَ سؤالٍ، بخلافِ قصة هود ﵇ فإنها معطوفة على قصة نوح ﵇، فكانت مظنةَ أن يقال: أقال هود مثلَ ما قال نوح ﵉ أم لا؟
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قد سبق تفسيره.
﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ عاقبةَ الشرك، الهمزة للإنكار، والفاءُ لترتيبه على ما تقدَّم من مُوجَب التوحيد، فهي مقدَّمة على الهمزة معنًى وإن أُخرت عنها لفظًا محافَظةً على حق صدارتها.
وكأنهم كانوا واقفين على نزول العذاب على مشركي قوم نوح ﵇ لقرب عهدهم منهم، فلهذا أَنكر عليهم بهذه الصيغة.
* * *
_________________
(١) في (م) و(ك): "قلنا".
[ ٤ / ٨٢ ]
(٦٦) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ التقييد بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ للتنبيه على أن في أشراف قومه مَن آمن به (^١)، كمَرثد بن سعدٍ الذي أسلم وكتم إيمانه، ولا مساغ لهذا التنبيه في قصة نوح ﵇، ولهذا لم يُذكر ذلك القيد (^٢) ثمة، وأما ذكره فيها في سورة المؤمنين فلِلذَّمِّ، والمميِّز وإن كان في معرض اللزوم فلا كذلك الإلزام (^٣).
﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ متمكِّنًا في خفةِ عقلٍ راسخًا فيها، حيث خالفت أشراف قومك وأسلافَك، ولما كان هذا تخطئةً له ﵇ في فعله قالوا: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ على سبيل (^٤) القطع واليقين، وقوله:
﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ تخطئةً له (^٥) في قوله، ولا علم عندهم بحقيقة الحال، إنما متمسَّكهم فيه التقليدُ بآبائهم قالوا: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ﴾.
* * *
_________________
(١) في هامش (ف): "لا للاحتراز عمن آمن منهم لعدم الحاجة إليه، فإنه معلوم لكل أحد أن القول المذكور لا يصدر عمن آمن. منه".
(٢) في (ف): "التقييد".
(٣) في (ف): "إلزام".
(٤) "سبيل" من (م).
(٥) "له": ليست في (م) و(ك).
[ ٤ / ٨٣ ]
(٦٧ - ٦٩) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ اكتفَى بنفي السَّفاهة إيماءً إلى أن الإقدام على الكذب في مثل هذا الأمر الخطير لا يخلو عن نوعِ سَفَهٍ فنفيُه رأسًا يغني عن نفي الكذب.
﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ قد سبق تفسيره.
وفي إجابة الأنبياء ﵈ أممَهم المكذِّبين عن كلماتهم الحمقَى بما أجابوا به والإعراضِ عن مقابَلتهم كمالُ الشفقة وهضمِ النفس وحُسنِ المجادلة وكرمِ الخُلق؛ ليقتديَ بهم المؤمنون في آداب المناظرة والمعاشرة مع الخَلْق.
وفي قوله: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ تنبيهٌ على أنه مشهورٌ فيما بينهم بالنُّصح والأمانة.
﴿وَاذْكُرُوا﴾ حذَّرهم من انتقام الله ثم ذكَّرهم بإنعامه.
﴿إِذْ جَعَلَكُمْ﴾ مفعولٌ به لا ظرفٌ؛ أي: اذكروا ذلك الوقتَ.
﴿خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾؛ أي: خلَفْتُموهم في مساكنهم أو في الأرض، أو: جعلكم ملوكًا فإن منهم شدادَ بنَ عاد.
﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ في القامة (^١) والقوة والبَدانة، وهو تعميمٌ بعد تخصيص.
_________________
(١) في (م): "في العلم القامة"، ولعلها: (في العلم والقامة).
[ ٤ / ٨٤ ]
﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾؛ أي (^١): فاشكروا (^٢) نعم الله تعالى، وفي الكناية بالذكر عن الشكر تنبيه على أن هذه النِّعم بحيث يَستتبع ذكرُها الشكرَ عليها، ففي تذكُّرها (^٣) غنًى عن الحث على الشكر عليها.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لعل الشكر عليها يفضي إلى الفلاح.
* * *
(٧٠) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا﴾ كان له ﵇ مكانٌ يتحنَّث فيه معتزلًا عن قومه كما كان لرسول الله ﷺ بحراء، فلمَّا أُوحي إليه جاء قومَه يدعوهم.
وَيحتمِل أن لا يراد حقيقةُ المجيء، ولكنِ التعرُّضُ بذلك والقصدُ؛ كما يقال: ذهب يَشتمني، ولا يراد حقيقةُ الذهاب؛ كأنهم قالوا: قصَدْتَنا.
﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ وتعرَّضْتَ لنا بتكليف ذلك.
﴿وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أنكروا واستبعدوا اختصاصَ الله تعالى بالعبادة والإعراضَ عن الآلهة التي اعتكف عليها آباؤهم؛ حبًّا لِمَا نشؤوا (^٤) عليه، وإلفًا لما صادفوا أسلافهم يتديَّنون به.
_________________
(١) "أي" ليست في (ك)، ووقع قبلها في (ف) زيادة: "فإن الذكر هنا كنايةٌ عن الشكر؛ لأن الذكر حقيقةٌ لا يتخلَّف عن المتذكَّر، فلا حاجة للأمر به بعده بل لا وجه له لتفريعه عليه".
(٢) في (م) و(ك) زيادة: "على".
(٣) في (ك): "تذكيرها".
(٤) في (م) و(ك): "شاؤا".
[ ٤ / ٨٥ ]
﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ استعجالٌ منهم لِمَا خوَّفهم منه من العذاب تكذيبًا.
* * *
(٧١) - ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ﴾: قد حَقَّ ووَجَب ﴿عَلَيْكُمْ﴾، أو على جعل المتوقَّع الذي لا بدَّ من وقوعه بمنزلة الواقع.
﴿مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ﴾ عذابٌ، من الارتجاس وهو الاضطراب ﴿وَغَضَبٌ﴾ إرادةُ انتقام.
﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾؛ أي: أسماءٍ بلا مسمَّياتٍ؛ لأنكم سمَّيتُموها آلهةً واستحال فيها معنى الألوهية.
﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ تهكُمٌ بهم؛ لأن المستحيل لا يمكن إثباته بالحجة ولا نزول الوحي به، فجَمع بينهما إظهارًا لفَرْط جهالتهم.
﴿فَانْتَظِرُوا﴾؛ أي: لمَّا تبيَّن الحقُّ وأنتم مُصرُّون على العناد فانتَظِروا العذاب.
﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ هذا غايةٌ في التهديد والوعيد، ونهايةٌ في الوثوق بما يَحلُّ بهم، وأنَّه كائن لا محالة.
* * *
[ ٤ / ٨٦ ]
(٧٢) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ الفاء فصيحةٌ، وما حذف هنا مذكور (^١) في موضعٍ آخر. الإنجاء: التخليص من الهلاك، وأصله: من النجوة وهي الارتفاعُ من الأرض.
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾؛ أي: الذين اتَّبعوه ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ عليهم، لا بقوةٍ وتدبيرٍ منهم.
فيه إشارةٌ إلى أن هودًا ﵇ مع رتبته في النبوَّة ودرجته في الرسالة إنما نجا برحمةٍ من الله ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق الذات (^٢)، ولا باستيجاب الصواب من العمل، وإنما تكون بفضل (^٣) من الله ورحمةٍ ابتداءً.
﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قَطْعُ دابرهم: استئصالُهم عن آخرهم؛ لأن الدابر: الذي يَدْبُر القوم ويأتي خلفهم، فإذا انتهى القطع إلى ذلك لم يبق أحد.
وفي قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ دلالةٌ على أنه كانت لهود ﵇ معجزاتٌ، ولكنْ لم تُذكر لنا بخصوصها.
﴿وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ تعريضٌ بمَن (^٤) آمن منهم كمرثدٍ، وتنبيهٌ على أن الفارق بين مَن نجا ومَن هلك هو الإيمان، وأن النجاة مرتَّبةٌ عليه كما أن الهلاك مسبَّب عن التكذيب؛ كأنه قيل: قطعنا دابر الذين كذَّبوا بآياتنا ولم يكونوا ممن آمَن.
* * *
_________________
(١) في (ف): "ذكر".
(٢) "الذات": ليس في (م).
(٣) في (م) و(ك): "لفضل".
(٤) في (م): "لمن".
[ ٤ / ٨٧ ]
(٧٣) - ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ بمنع الصرف اسمُ القبيلة، وقرئ: (ثمودٍ) بالصَّرف (^١) بتأويل الحي، أو باعتبار الأصل لأنَّه اسم أبيهم الأكبرِ.
﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ﴾ قد سبق وجه الاستئناف.
﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾: معجزة ظاهرةُ الدلالة على صحة نبوتي (^٢) حيث جاءتكم ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لتصديقي في دعوى النبوَّة.
﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ استئنافٌ لبيانها، وإضافة الناقة إلى الله تعالى للتعظيم، ولأنها وجدت معجزةً من عنده تعالى من غير أسبابٍ ووسائطَ معهودةٍ فأُضيفت إليه.
﴿لَكُمْ آيَةً﴾ نصب على الحال من ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ والعامل فيها معنى الإشارة.
و﴿لَكُمْ﴾ بيان لمَن هي له آيةٌ وهم ثمود، فإن دعوة هود ﵇ كانت مخصوصةً لهم، فمعجزتُه كانت لأجلهم، ومَن وهَم أنها كانت معجزةً لهم خاصةً لأنهم عاينوها وسائرُ الناس أُخبروا عنها فقد وَهِم؛ إذ بعد ظهور المعجزة الأخبارُ المتواترة كافيةٌ بغير المشاهدة (^٣).
_________________
(١) تنسب ليحيى بن وثاب والأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٤)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٢٠)، و"البحر" (١٠/ ١٦٣).
(٢) في (م): "نبوتي".
(٣) في هامش (ف): "وتوسطها في إيجاب تلك المعجزة للإيمان لا يوجب اختصاص إعجازها بالحاضرين، وهذا ظاهر وإن خفي على بعض الناظرين في هذا المقام. منه".
[ ٤ / ٨٨ ]
وهو حال من ﴿آيَةً﴾، أو ﴿نَاقَةُ﴾ بدلٌ من ﴿هَذِهِ﴾ أو عطف بيان، والخبر ﴿لَكُمْ﴾ والعامل ما فيه من معنى الاستقرار.
﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾؛ أي: الناقةُ ناقةُ الله، والأرضُ أرض الله، فذروها تأكل فيها من العشب، فليست الأرض أرضَكم، ولا ما فيها من النبات نباتكم.
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ قد سبق أن في المسِّ أمرًا زائدًا على معنى الإصابة، وهو تأثير الحاسة به، وأن سوء العذاب أفظعُه (^١)، فلا وجه لِمَا قيل: نهى عن المسِّ الذي هو مقدمةُ الإصابة (^٢) بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغةً في الأمر وإزاحةً للعذر.
﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ جواب للنهي.
* * *
(٧٤) - ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ لم يقل: من عاد؛ لِمَا بينهما خلائف هو خلائف (^٣) عاد بالذات.
_________________
(١) في (م): "سوء العذاب لاحق"، وسقطت العبارة من (ك)، والمثبت من (ف).
(٢) من قوله: "وهو تأثير الحاسة .. ". إلى هنا ساقط من (ك).
(٣) في (ف): "خلائق هم خلائق"، وفي (م): "خلائق هو خلائق"، والمثبت من (ك). ومعنى الكلام كما جاء في "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٤/ ١٨٤)، و"روح المعاني" (٩/ ٢٠٣): (لم يقل: خلفاء عاد، مع أنه أخصر، إشارةً إلى أنَّ بينهما زمانًا طويلًا).
[ ٤ / ٨٩ ]
﴿وَبَوَّأَكُمْ﴾: نزَّلكم المباءةَ، [والمباءة]: المنزلُ (^١) ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أرضِ الحِجر.
﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا﴾ السهل: ما ليس فيه مشقَّةٌ على النفس من عملٍ أو أرض.
﴿قُصُورًا﴾ القصر: هو الدار الكبيرة بسورٍ تكون به مقصورةً، قيل: كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء.
﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾؛ أي: من الجبال، فحُذف الجارُّ وأُوصل الفعل إليه، دل على ذلك قولُه في سورة الحجر: ﴿يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ﴾ [الحجر: ٨٢] (^٢).
والنَّحت: النَّجْر والنَّشْر في الشيء الصلب كالحجر والشجر.
﴿فَاذْكُرُواْ﴾ ما مرَّ من الذكر اللساني، وهذا من الذكر القلبي.
﴿آلَاءَ اللَّهِ﴾: أنواع نعمه؛ من التمكين في الأرض، والتسخير حتى تبوَّءوا القصور وشيَّدوا المنازل والدورَ، مع طول الآمال، وتبليغِ الآجال.
والمراد: الأمر بالشكر على تلك النعمة بطريق الكناية، وفيها إيماء إلى أنها من النعم الجسام التي لا مانع عن القيام بشكرها إلا الغفلةُ عنها.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة.
* * *
_________________
(١) في (ك) و(م): "المنزلة"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "البحر المحيط" (١٠/ ١٦٧)، وما بين معكوفتين منه.
(٢) في هامش (ف): "لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، فلا وجه لما قيل: انتصاب بيوتًا على الحال المقدرة، أو تنحتون بمعنى تتخذون. منه".
[ ٤ / ٩٠ ]
(٧٥) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: عن متابعةِ صالح ﵇؛ لأن الاستكبار طلبُ الكِبر فوق القَدْر حتى يؤدِّي صاحبه إلى إنكار ما دُعي (^١) إليه من الحق أنفةً من اتِّباع الداعي إلى الحق (^٢).
﴿مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الاستضعاف: طلبُ الضعف بالأحوال التي يَقعد (^٣) صاحبُها عما يمكنُ غيره من القيام بالأمر، وبناء المجهول لأنهم غيرُ مقصورين على مَن استَضعَفهم تلك الملأ (^٤) واستذلَّهم.
﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل من (الذين استُضعفوا) بتكرير العامل بدلَ البعض من الكلِّ، سواءٌ كان الضمير لـ (الذين) أو لـ ﴿قَوْمِهِ﴾؛ لأن من المستضعَفين مَن لم يؤمن، وإنما آثر اختلاف المرجعين من حيث إنه على الأول لا يكون الاستضعاف مقصورًا عليهم بحكم دلالة اللفظ، بخلاف الثاني (^٥).
﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ كلام قالوه على سبيل الاستهزاء
_________________
(١) في (ف): "ما دل"، والمثبت من (م)، وسقطت العبارة من (ك).
(٢) من قوله: "لأن الاستكبار .. " إلى هنا سقط من "ك".
(٣) في (ف): "تبعد".
(٤) "الملأ" سقطت من (ف).
(٥) في هامش (ف): "وقد اعترف بهذا من قال به بدل البعض من الكل على تقدير أن يكون الضمير للذين، فلم يبق له محال يمنعه على تقدير أن يكون الضمير لقومه، إذ مبناه على أن يكون منهم من لم يؤمن. منه".
[ ٤ / ٩١ ]
والسخرية؛ كما تقول للمجسِّمة: أتعلمون أن الله تعالى فوق العرش، ولهذا لم يقولوا: نعم، بل أجابوا بما نقل عنهم في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ إيذانّاَ بَأن إرساله أظهرُ من أن يشكَّ فيه عاقل (^١)، أو يَخفى على أحد فيحتاجَ إلى السؤال عنه؛ لغاية وضوحه وإنارة برهانه، إنما الكلام في وجوب الإيمان به فنخبركم أنا به مؤمنون.
* * *
(٧٦) - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ كان الجواب المطابق: إنا بما أرسل به كافرون، إلا أنهم لمَّا عدلوا عن الظاهر بأنْ جعلوا الإرسال مسلَّمًا معلومًا كان جواب الكفرة أيضًا معدولًا به عن الظاهر؛ أي: ليس ما جعلتُموه مسلَّمًا معلومًا (^٢) من ذلك القبيل، وأيضًا لم يريدوا أن يتفوهوا (^٣) بإثباتِ الرسالة له (^٤).
* * *
(٧٧) - ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
_________________
(١) "عاقل": ليس في (م).
(٢) في (م) و(ك): "معلومًا مسلمًا".
(٣) في (ف): "يتوهم".
(٤) في هامش (ف): "وليس فيه عدول عن الجواب السوي؛ لأنَّه على تقدير أن يكون السؤال استخبارًا. منه".
[ ٤ / ٩٢ ]
﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ أسند الفعل إلى الجميع (^١) لأنهم أَمروا صاحبهم فتعاطَى فعَقر، على ما يأتي التفصيل في سورة القمر، ومَن غفل عن هذا زعم أن الإسناد إليهم للملابسة.
والعَقر: الجَرح الذي يأتي على أصل النَّفْس، وهو من عُقر الحوض وهو أصلُه.
﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ هو (^٢) ما بلَّغه صالح ﵇ بقوله: ﴿فَذَرُوهَا﴾، وعُتوُّ الأمر: مخالفتُه على وجه التهاوُن به والاستكبار عن قبوله.
﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب، والإبهامُ لقلة الاهتمام ذريعةٌ إلى التحقير في أمثال هذا المقام، والوعد يُذْكر في الخير والشر، ويُعْرف بالقرينة عند الإطلاق.
﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ استعجالُهم للعذاب (^٣) إظهارٌ للجزم في تكذيبهم.
* * *
(٧٨) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: الزَّلزلة المحرِّكة.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾؛ أي: في بلدهم، ولذلك وحِّد.
﴿جَاثِمِينَ﴾ بارِكينَ على رُكبهم غيرَ قادرين على الحركة؛ لقوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾ [الذاريات: ٤٥] ثم صاروا ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] وهو المذكور في سورة القمر.
_________________
(١) في (ف): "الجمع".
(٢) في (م): "وهو".
(٣) في (ف): "بالعذاب".
[ ٤ / ٩٣ ]
(٧٩) - ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾.
﴿فَتَوَلَّى﴾ صالحٌ ﵇ ﴿وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، والظاهر أنه كان يتولى عنهم، حين رأى العلامات قبل نزول العذاب تولى ذاهبًا عنهم منكرًا لإصرارهم.
* * *
(٨٠) - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَلُوطًا﴾؛ أي: وأرسلنا لوطًا ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ وقتَ قوله (^١) لهم: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ مِن أتى المرأة: إذا غَشِيَها، إنكارٌ وتوبيخ لهم، وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح، واللام في ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ للجنس، كأنها الفاحشةُ على الحقيقة وما عداها ليس من جنسها نظرًا إلى فُحش التفاوت بينهما (^٢) في ذلك المعنى.
﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ الباء للتعدية ﴿مِنْ﴾ الأولى زائدةٌ لتأكيد النفي والاستغراق، والثانية للتبعيض؛ أي: ما عمِلها أحد قبلكم قط، وهو جملة استئنافية مقرِّرة للإنكار، وبَّخهم أولًا بإتيان الفاحشة، ثم باختراعها فإنه أسوء وأفحش؛ لعدم المجال للاعتذار بالتقليد.
_________________
(١) يريد أن ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظرف لـ (أرسلنا) كما قال الزمخشري وغيره. واعترض بأن الإرسال قبل وقت القول، لا فيه كما تقتضيه هذه الظرفية، ودُفع بأنه يعتبر الظرف ممتدًّا كما يقال: زيد في أرض الروم، فهو ظرف غير حقيقي يُعتبر وقوع المظروف في بعض أجزائه. وجوز أن يكون (لوطًا) منصوبا بـ (اذكر) محذوفًا، فيكون من عطف القصة على القصة، و﴿إِذْ﴾ بدل من (لوطًا) بدل اشتمال بناءً على أنها لا تلزم الظرفية. انظر: "روح المعاني" (٩/ ٢١٦).
(٢) في (م): "بينها".
[ ٤ / ٩٤ ]
(٨١) - ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.
﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ بيان لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ والهمزة مثلُها في الإنكار والاستقباح كرِّرت لتأكيد الإنكار تفصيلًا وإجمالًا، وهي مع (إنَّ) أبلغُ في الإنكار.
وقرئ ﴿إِنَّكُمْ﴾ (^١) على الإخبار المستأنَف.
وفي التقييد بقوله: ﴿شَهْوَةً﴾ - وهي مطالبةُ النفس بفعلِ ما فيه اللذةُ - زيادةُ استهجان، ووصفٌ لهم بالبهيميَّة الصرفة، ولا ذم أعظم منه؛ أي: لا حاملَ لكم عليه إلا مجردُ الشهوة، لا طلبُ النسل وبقاءُ النوع الذي هو مقتضَى العقل، فهو مفعولٌ له، أو مصدرٌ في موقع الحال؛ أي: مشتَهِين تابعين للشهوة.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ نصبٌ على الحال من ﴿الرِّجَالَ﴾؛ أي: منفرِدينَ، والمعنى: تَطَؤون الرجال لمجرَّد (^٢) الشهوة البهيميَّة ولكم عنها بدل! ففيه تذكيرٌ لتجاوُزهم المعتادَ المطبوع المشروع، وإظهارٌ لعدم الضرورة الداعيَة إلى ذلك الفعلِ القبيح، وفي ذكر الرجال دون الذكور المقابلِ للنساء زيادةُ تقبيح لصنيعهم الشنيعِ بإظهارِ أنهم يفعلونه بأمثالهم في الرُّجولية، وذلك لا يخلو عن الإيماء إلى أنهم يفعلونه كُرهًا؛ لأن مقتضى الرُّجولية الامتناعُ عنه.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أنكر عليهم مخالفةَ العقل، ثم أَضربَ عن الإنكار بالإخبار عنهم بحالهم التي هي أمُّ الرذائل، ومُوجِب ارتكاب جميع القبائح؛ أي: فليست هذه غريبةً عن عادتهم حتى تُنكَر عليهم، وهي أنهم قوم عادتُهم
_________________
(١) هي قراءة نافع وحفص. انظر: "التيسير" (ص: ١١١).
(٢) في (ف): "بمجرد".
[ ٤ / ٩٥ ]
الإسراف وتجاوُزُ الحد في كلِّ شيء، فمِن ثَمة أسرفوا في باب الشهوة أيضًا.
* * *
(٨٢) - ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾؛ أي: وما جاؤوا بما هو جوابٌ له عمَّا كلَّمهم به ونصح لهم فيه من إنكار الفاحشة واستعظامِها؛ لغايةِ دعارتهم وخبثهم، ولكنهم قابلوا نصيحته ووعظَه بالأمر بإخراجه ومَن معه من المؤمنين من قريتهم، وهي من القَرْي وهو الجمع، سميت بها ما فيه (^١) الأبنيةُ لأنها مجتمَع الناس في الإقامة، إلا أنه صار بالعرف عبارةً عن مجتمَع الناس (^٢) في منازلَ متجاورةٍ بقرب ضيعةٍ يأوي إليها الأسرة (^٣).
﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ استئنافٌ بطريق الاستهزاء؛ كأنه قيل لهم: لِمَ تُخرجوهم من قريتكم؟ فقالوا: لأنا قوم ملوَّثون بالفواحش وهم أناس يبالغون في التنزُّه منها (^٤)، فلا وجه لاختلاط الطاهرين بالخبائث. وهذا غايةُ السخرية منهم، وهذا ليس بجوابٍ عن إنكاره وتوبيخه، لكنهم قالوه تضجُّرًا منه عَقيب إنكاره وتوبيخه (^٥)، وفي إطلاق الجواب عليه إشارةٌ إلى أنهم كانوا مُلزَمين مبهوتين حتى لم يقدروا على أن يتكلموا في معرِض الجواب بشيء سوى هذا، وهذا قريب من أسلوب الشاعر:
_________________
(١) بعدها في (ك) و(م) زيادة: "من".
(٢) "الناس" ليست في (ك).
(٣) في (م) و(ك): "الأكثر".
(٤) في (ف): "عنها".
(٥) "وتوبيخه" من (م).
[ ٤ / ٩٦ ]
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم … بهنَّ فلولٌ من قراع الكتائب (^١)
ولما كان مآل المعنى أنهم لم يقدروا على الجواب، وكان السلوك إلى الطريق المذكور (^٢) للمبالغة في عدم قدرتهم عليه (^٣)، اندفع وهمُ المنافاة بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، وبين قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧]؛ لأن المنقول فيهما أيضًا ليس بجوابٍ حقيقةً وإن كان مذكورًا في مَعرض الجواب، والله أعلم بالصواب.
* * *
(٨٣) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ الفاء فصيحةٌ، والمحذوف هنا مذكور في موضع آخر، والمراد من الإنجاء: إخراجه من بينهم قبل نزول العذاب.
﴿وَأَهْلَهُ﴾: أهل بيته، لا من تبعه في الدين؛ لقوله:
_________________
(١) البيت للنابغة الذبياني. انظر: ديوانه (ص: ١١). وفي الاستدلال بهذا البيت هنا نظر؛ لأنَّه عادة ما يذكر مثالا على أسلوب المدح في صورة الذم، وهنا عكسه تماما؛ إذ ليست غاية القائلين هي المدح بل الذم، كما أن الصيغة المستعملة ليس ظاهرها الذم بل المدح، فيمكن أن يقال: إنه من أسلوب الذم في صورة المدح، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، وقولِ الشاعر: وقلت لسيدنا يا حليم … إنك لم تأسُ أسوًا رفيقا وأسلوب الذم في صورة المدح ذكره البطليوسي في "التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف" (ص: ٩٨)، وعنه نقلنا المثالين المذكورين من الآية والبيت.
(٢) في (ف): "الطريقة المذكورة".
(٣) "عليه": ليس في (م).
[ ٤ / ٩٧ ]
﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ فإنها كانت تسرُّ الكفر.
﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا، والتذكير لتغليب الذكور.
* * *
(٨٤) - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ يقال في العذاب: أَمْطَرتْ، وفي الرحمة: مَطَرتْ، وتعديَتُه بـ (على) لِمَا فيه من معنى النزول.
﴿مَطَرًا﴾: نوعًا من المطر عجيبًا غيرَ معهود، إذ كان الممطور عليهم الحجارةَ على ما بيِّن في موضعٍ آخر.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ من قوم نوح وهود وصالح ولوط ﵈، والمراد نظرُ التفكُّر، أو نظر البصر فيمَن بقيت له آثارُ منازل ومساكن، وفيه اتعاظٌ وانزجارٌ أن تسلك هذه الأمة ذلك المسلك الفظيع.
* * *
(٨٥) - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾؛ أي: وأرسلنا إليهم، وهم أولاد مدين بن إبراهيم ﵇، وشعيبٌ هو ابن مكيل بن يشجر بن مدين، وكان يقال له: خطيبُ الأنبياء، لحُسن مراجعته قومه.
[ ٤ / ٩٨ ]
﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قد سبق تفسيره.
﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: معجزةٌ شاهدةٌ بنبوتي، ولم يذكر في القرآن، فإن ما ذكر فيه وفي (^١) التفاسير متأخر عن هذه المقاولة (^٢).
﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ أي: آلةَ الكيل، لا لقوله (^٣): ﴿وَالْمِيزَانَ﴾؛ لأنَّه يجيء بمعنى الوزن (^٤)، بل لقوله في سورة هود: ﴿الْمِكْيَالَ﴾ [الآيتان: ٨٤ و٨٥].
ويجوز أن يكون الميزان (^٥) مصدرًا كالميعاد والميلاد، والمراد: الإيفاءُ في الكيل والوزن، أو يراد: الكيلَ ووَزْنَ الميزان، على الإضمار، أو إطلاقُ الكيل على المكيال (^٦) كالعيش على المَعاش (^٧).
هذا ما عند القوم، والذي هو عندي - ولعله أدقّ وبالقبول أحقّ - قد سبق في تفسير سورة الأنعام، والمراد بإيفاء الكيل والميزان: إيفاءُ ما يكال وما يُوزن (^٨)،
_________________
(١) وقع بعدها في (ف) كلمة هذا رسمها: "التا".
(٢) في (ف) و(ك): "المقاولة".
(٣) في (ف): "بقوله".
(٤) في (م): "الموزون".
(٥) في (ك): "المكيال"، وهو خطأ.
(٦) في (ك): "المكال"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٣)، وانظر التعليق الآتي.
(٧) أي: يراد بالكيل ما يكال به مجازًا كالعيش بمعنى ما يعاش به. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٤/ ١٨٨)، و"روح المعاني" (٩/ ٢٣٥). وبهذا يظهر أن الصواب: المكيال، لا المكال الذي جاء في (ك).
(٨) في (م) و(ك): "ما يكال ويوزن".
[ ٤ / ٩٩ ]
فنُسب إلى الفعل مجازًا، أو إلى الآلة للمُلابسة. كانوا أهل بَخْسٍ للمكاييل والموازين فأمرهم بالإيفاء.
ولمَّا كان المحظور بالأمر المذكور التعدِّيَ إلى جانب النقصان لا إلى جانب الزيادة نبَّه على ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ ولا تَنقُصوا حقوقهم (^١)، وإنما قال: ﴿أَشْيَاءَهُمْ﴾ للتعميم؛ لأنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير، أو كانوا مَكَّاسين لا يَدَعون شيئًا إلا مَكَسوه.
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر والحَيفِ ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ بعد ما أصلح فيها الأنبياء ﵈ بالإيمان والعدل.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مطلَقًا ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بزعمكم؛ لأن قضية الإيمان العدالةُ.
أو: خير لكم في الإنسانية وحُسنِ الأحدوثة، أو فيما تطلبون من التكسُّب والتربُّح (^٢) وزيادة المال؛ لأن الناس إذا عرفوا منكم الأمانةَ والعدالة رغبوا في مُتاجَرتِكم، إن كنتم مصدِّقين لي فيما أقول لكم.
* * *
(٨٦) - ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
_________________
(١) "ولا تنقصوا حقوقهم" من (م).
(٢) في (ف): "والربح".
[ ٤ / ١٠٠ ]
﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾: ولا تقتدوا بالشيطان (^١) في قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] فتقعدوا بكلِّ منهجٍ من مناهج الدِّين؛ لقوله:
﴿تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ وطريق الحق وإن كان واحدًا لكنْ يتشعَّب إلى عقائد ومعارف حقَّةٍ، وفضائلَ وأخلاقٍ حميدة (^٢)، وحدودٍ وأحكام كثيرةٍ، فكانوا إذا رأوا أحدًا يسلك طريقًا منها أو يتكلَّم فيها منعوه وأَوْعَدوه وصدُّوه.
وقيل: كانوا يقعدون بالمراصد ويقولون لمن يريد شعيبًا: إنه كذَّاب لا يَفتِنَنَّكَ عن دينك، كما كان يفعل قريش بمكة، ويُوْعِدون مَن آمَن به.
وقيل: كانوا يقطعون الطريق.
ومحل ﴿تُوعِدُونَ﴾ وما عُطف عليه النصبُ على الحال؛ أي: لا تقعدوا مُوْعِدين وصادِّين وباغيها عوجًا، و﴿مَنْ آمَنَ﴾ مفعول ﴿تَصُدُّونَ﴾ على إعمال الأقرب، ومفعول ﴿تُوعِدُونَ﴾ محذوف لدلالته عليه، ولو كان مفعولَ ﴿تُوعِدُونَ﴾ لقال: وتصدونهم، إلا أن يُجعل ﴿تَصُدُّونَ﴾ بمعنى: تُعْرضون، لازمًا.
والضمير في ﴿بِهِ﴾ لـ ﴿اللَّهِ﴾؛ أي: تُوعدون وتصدُّون مَن آمن بالله عن سبيله ﴿وَتَبْغُونَهَا﴾؛ أي: تطلبون سبيلَ الله عوجًا تصفونها للناس بالعوج، وأنها مُعوجَّة وغيرُ مستقيمة فلا تسلكوها، أو بإلقاء الشُّبه.
وقيل: الضمير المذكور راجع إلى (كلِّ صراط)؛ أي: تُوعدون مَن آمَن به وتصدون عنه، فوُضع الظاهر الذي هو (سبيل الله) موضعَ الضمير تقبيحًا لِمَا كانوا
_________________
(١) في النسخ: "ولا تقعدوا الشيطان" والتصويب من "الكشاف" (٢/ ١٢٨).
(٢) في (م) و(ك): "جميلة".
[ ٤ / ١٠١ ]
عليه، ودلالةً على عظم ما يصدُّون عنه، ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ تهكُّمٌ بهم؛ أي: تطلبون ما هو محالٌ.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ عَدَدًَا أو عُدَدًا.
﴿فَكَثَّرَكُمْ﴾ بالبركة في النسل والمال (^١).
﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ من قوم نوح وهود ولوط وصالح ﵈، وكانوا قريبي العهدِ مما أصاب المؤتفِكة، والمراد من النظر: الاعتبار بهم.
* * *
(٨٧) - ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ﴾ من الطَّوف، صفةٌ غالبة أُقيمت مقام الموصوف، مأخوذةٌ من الاجتماع على الطَّواف (^٢).
﴿آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أطلقه هنا إيماءً إلى أن عدم الإيمان بما أُرسل به نبيٌّ يَستلزم عدم الإيمان بما أرسل به سائر الأنبياء ﵈؛ لأن كلًّا منهم يصدِّق الآخرين.
﴿فَاصْبِرُوا﴾ الصبر: حبسُ النفس عما تُنازع إليه من الجزع؛ أي: فتربَّصوا وانتظِروا ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾: بين الفريقين بنصر المحقِّين على المبطِلين، فهو وعدٌ للمؤمنين ووعيدٌ للكافرين.
_________________
(١) في (ف): "أو المال".
(٢) في (ف): "الطريق".
[ ٤ / ١٠٢ ]
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾؛ لأن حكمه حقٌّ وعدل، لا يخاف حيفًا ولا ميلًا (^١)، والحكم: المنع من الخروج عن الحق.
* * *
(٨٨) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾.
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾؛ أي: آمنوا بما أُرسلت به تابعِين لك.
﴿مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾؛ أي: ليكوننَّ أحد الأمرين: إما إخراجُكم عن القرية، وإمَّا عودُكم في الكفر.
والعود: هو الرجوع إلى الحالة التي كان عليها؛ لمَّا شركوا شعيبًا ﵇ في الإخراج مع الذين اَمنوا معه شركوه في العود تغليبًا للجماعة على الواحد، وإن لم يكن ﵇ في ملتهم قط؛ لأن الأنبياء ﵈ لا يجوز عليهم الكفر مطلقًا، وكذلك (^٢) أجرى شعيب ﵇ جوابه على التغليب.
ويجوز أن يكون قولهم على زعمهم وقولُه ﵇ للمشاكَلة (^٣).
ويجوز أن يكون العود بمعنى الصيرورة؛ كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]؛ أي: صار.
_________________
(١) قوله: "لا يخاف حيفا ولا ميلا" كذا في النسخ، ولا يناسب السياق، وعبارة "الكشاف" (٢/ ١٢٩): (لا يخاف فيه الحيف).
(٢) في "ك": (ولذلك).
(٣) في (ف): "على المشاكلة".
[ ٤ / ١٠٣ ]
﴿فِي﴾ أبلغ من: إلى؛ لدلالته على الاستقرار والتمكُّن؛ كأنهم لم يرضَوا بأن يتظاهروا أنهم من أهل ملتهم.
﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ الواو للحال، والهمزة للاستفهام الإنكاري؛ أي: أنعود فيها ونحن كارهون لها، أو: أتُعيدوننا (^١) فيها على كراهتنا إياها.
* * *
(٨٩) - ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾.
﴿قَدِ افْتَرَيْنَا﴾ إخبارٌ مقيَّد بالشرط، وهو بمعنى المستقبل لأنَّه لم يقع لكنه جُعل كالواقع للمبالغة، وأُدخل عليه ﴿قَدِ﴾ لتقريبه من الحال؛ أي: قد افترينا الآن إنْ همَمنا بالعود في ملَّتكم بعد أنْ وفقنا الله تعالى للنجاة منها بالتوحيد؛ لأنَّا (^٢) علمْنا أنْ لا شريك له، فإنْ زعمْنا أن له ندًا فلا افتراءَ أعظمُ من افترائنا، وقد سبق معنى الافتراء ووجه تقييده بقوله: ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (^٣).
﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ شرط جوابه محذوف دل عليه ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا﴾ وهو استئناف في معنى التعجُّب؛ كأنهم قالوا: ما أكذبَنا على الله تعالى إن عدنا؛ لأنَّا تحقَّقْنا التوحيد وتيقَّنَّاه فادِّعاءُ النِّد مع اعتقاد التوحيد افتراءٌ في غاية القبح.
وقيل: جواب قسم على تقدير حذف اللام؛ أي: لقد افترينا على هذا التقدير.
_________________
(١) في النسخ: "أتعيدنا"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ١٣٠)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٤).
(٢) في (م): "ولأنا".
(٣) تقدم في هذه السورة عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٤٤].
[ ٤ / ١٠٤ ]
﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾؛ أي: حفظَنا عنها، فإن النجاة الحقيقية إنما تكون بعد الابتلاء، ولا ابتلاء هنا، فلا بد من المصير إلى أقربِ المجاز.
﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا﴾ وما يصحُّ لنا ﴿أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا﴾ وقتَ ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ عودَنا، هذا هو الذي يقتضيه المساق، وتقدير الخذلان من خذلان التقدير (^١).
﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ لم يقل: قدرةً، أو إرادةً (^٢) لأن الإخبار عن سعة قدرته أو إرادته (^٣) لكلِّ شيء إنما يناسب المقام إذا كان مَساق الكلام للإشعار بوقوع المستثنَى، وأما إذا كان مَساقُه للإشعار بعدم وقوعه فلا يناسب ذلك، إنما المناسب حينئذٍ الإخبار عن سعة علمه وحكمته، وفائدة هذا الأشعارِ حسمُ طمعهم في العود بالتعليق على ما لا يكون.
وفي زيادة ﴿رَبُّنَا﴾ مع تمام الكلام بدونه نوعُ تأييد للإشعار المذكور، وفضلُ تأكيد للحسم المزبور، من حيث إنَّ الربَّ في الأصل بمعنى التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا.
﴿عَلَى اللَّهِ﴾ خاصة ﴿تَوَكَّلْنَا﴾ في (^٤) أن يثبتنا على الإيمان، ويحفظَنا من الشر والعدوان.
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾: احكُم بيننا وبينهم ﴿بِالْحَقِّ﴾ والفَتَاحة: الحكومة، والفتَّاح: القاضي.
_________________
(١) في هامش (ف): "دس الزمخشري هنا مذهبه الباطل ولم يتفطن البيضاوي. منه". وانظر: "الكشاف" (٢/ ١٣٠)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٤)، و"البحر" (١٠/ ٢٠٢)، و"روح المعاني" (٩/ ٢٤٦).
(٢) في (ف): "وإرادة".
(٣) في (ف): "وإرادته".
(٤) "في": ليس في (م).
[ ٤ / ١٠٥ ]
أو: أظهِرْ أمرنا ينفتحْ ما بيننا وينكشف، ويتميز المحقُّ من المبطِل بإنزال العذاب عليه وإنجاء المحق، مِن فَتَح المُشكل: إذا بيَّنه.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ على المعنيَين.
* * *
(٩٠) - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾؛ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ فيما أمركم به ونهاكم عنه في معاملاتكم.
﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾؛ أي: حينئذٍ - هو اسم زمان - ﴿لَخَاسِرُونَ﴾ الأموالَ، وهو سادٌّ مَسدَّ جواب الشرط والقسمِ الموطَّأ باللام.
* * *
(٩١) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: الزلزلةُ الحادثة من الصيحة المذكورة في سورة هود (^١) ﵇.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ قد سبق تفسيره.
* * *
(٩٢) - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾.
_________________
(١) في هامش (ف): "من قال في سورة الحجر فقد أخطأ. منه".
[ ٤ / ١٠٦ ]
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ مبتدأ ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ خبرُه، وكذا ما بعده؛ أي: كأنْ لم يقيموا فيها؛ يقال: غَنِيَ بالمكان: إذا أقام به، والمَغاني: المنازل.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ بالَغَ في تقرير هلاكهم بوجوهٍ:
بالاستئناف (^١) وإيرادِ الموصول كأنه قال: الذين كذبوا شعيبًا هم المخصوصون بالاستئصال أحقَّاءُ به لتكذيبهم. وبقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾؛ أي: ما بقي أثرٌ منهم كأنْ لم يكونوا قط. وبالتكرير على الوجه الأول، وبكونهما اسميتين، وتعريفِ ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ بلام الماهية، وبإطلاقه - أي: ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ - في الدارين، وبتوسيط ﴿هُمُ﴾ في الثانية؛ أي: هم الأخصَّاء بالخسران المطلق لا الذين صدَّقوه واتَّبعوه كما زعموا، فإنهم الرابحون فيها.
كلُّ ذلك ردًّا لمقالة الملأ فيما بينهم، وتسفيهًا لرأيهم، واستهزاءً بنصح بعضهم لبعض.
* * *
(٩٣) - ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ كلام قاله بعد هلاكهم تأسُّفًا وتحزُّنًا عليهم، ثم أنكر على نفسه أسفه وشدةَ حزنه عليهم فقال:
﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ ليسوا بأهلٍ للحزن عليهم؛ لاستحقاقهم ما حل بهم بكفرهم.
_________________
(١) في (ك): "الاستئناف".
[ ٤ / ١٠٧ ]
أو قاله اعتذارًا عن عدم شدة حزنه عليهم؛ أي: لقد أَعذَرْتُ إليكم (^١)، وبالغتُ في الإبلاغ، وبذلت وسعي في النصح لكم والتحذير عما نزل بكم، فلم تصدقوا قولي، فكيف آسى عليكم؟ أي: فلا أحزن عليكم بعد اللُّتيَّا والَّتي (^٢)؛ لكفركم وكونِكم غيرَ مستحقِّين لذلك.
* * *
(٩٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾ تعديةُ (أَرسل) بـ (إلى)، وإنما أتى بـ ﴿فِي﴾ اعتبارًا بمعنى الاستقرار، فإنه يدل على الاستمرار في أمر الإبشار والإنذار، وعند ذلك يظهر استحقاقهم بالأخذ الآتي ذكره.
﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا﴾؛ أي: إلا آخذين أهلها، فهو استثناءٌ مفرَّغ من الأحوال.
﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾: بالبؤس والفقر.
﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: والضرِّ والمرض؛ لاستكبارهم عن اتِّباع النبي وتَعزُّزهم، والشدة والبلاء تُلين القلوب القاسية الأبية، وتذلِّل النفوس الطاغية القوية.
﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾: لكي يتذلَّلوا ويضعوا تيجان العز والكبر والنخوة.
* * *
(٩٥) - ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "إليهم".
(٢) في (ف) و(م): "التي واللتيا".
[ ٤ / ١٠٨ ]
﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ لفظة ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على امتداد تلك الحالة، ويؤيده ما في عبارة المكان من الإشعار بالتمكُّن؛ أي: ثم أوردنا مكان الحالة السيئة الحالةَ الحسنة مبدِّلين إحداهما بالأخرى إكمالًا لأمر الابتلاء، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨].
والحكمة فيه: أن النفوس الجافية الغليظة تنقهِر وتنكسر بالبلاء والشدة، والنفوسَ اللطيفة تنقاد وتطيع بالسعة والنعمة.
﴿حَتَّى عَفَوْا﴾: كثروا عَددًا وعُددًا بالنموِّ في أنفسهم وأموالهم، من عفا النباتُ: إذا كثُر، ومنه قوله ﵇: "وأعفوا اللحى" (^١).
﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ بطرًا وأشرًا بالنعمة، ونسيانًا للنقمة، واعتقادًا أن هذه عادةُ الدهر يُضيق تارة ويوسع أخرى، ويتعاقب فيه المحنة والمنحة كما عليه حال آبائنا، فلم يروا ذلك ابتلاء من الله تعالى.
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ لمَّا لم يتنبهوا من غفلتهم بإحدى الحالتين فلم يبق إلا أن أخذناهم أشدَّ الأخذ بالعذاب، وهو الأخذ فجأة من غير شعورٍ لأنَّه أعظم حسرةً.
* * *
(٩٦) - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ اللام للعهد والإشارةِ إلى القرى التي دلَّ عليها ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩/ ٥٢)، من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٤ / ١٠٩ ]
﴿آمَنُوا﴾ وصدَّقوا بدل كفرهم وتكذيبهم ﴿وَاتَّقَوْا﴾ بدل عصيانهم.
﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ لوسَّعنا عليهم الخير في كل شيء ومن كل جهة ويسَّرنا لهم، وقيل: لآتيناهم المطر والنبات.
﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾ الرسل ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: بسوء كسبهم المعتادِ من التكذيب والعصيان.
* * *
(٩٧) - ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾.
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ الفاء للعطف على ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ وكذا الواو في ﴿أَوَأَمِنَ﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ إلخ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، والهمزة للإنكار؛ أي: أَبَعْدَ أخذِنا إياهم بتكذيبهم أَمِنَ أهل هذه القرى.
﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ البيات إن كان بمعنى البيتوتة فظرف؛ أي: وقتَ بيات، وإن كان بمعنى التبييت فحال؛ أي: مبيِّتًا أو مبيَّتين، أو مصدر لأن التبييت نوعٌ من الإتيان؛ كأنه قال: أن يبيِّتهم بأسُنا تبييتًا.
﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ حال من ضميرهم البارز أو المستتر في ﴿بَيَاتًا﴾.
* * *
(٩٨) - ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾.
﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى﴾ نصب على الظرف، والضُّحى بين البُكرة والضَّحوة (^١).
_________________
(١) في هامش (ف): "أول اليوم هو الفجر، وبعده الصباح، ثم الغداة، ثم البكرة، ثم الضحى، ثم =
[ ٤ / ١١٠ ]
﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾: يشتغلون بأمور الدنيا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦]، والعدول إلى صيغة المضارع للدلالة على التجدُّد المناسب للَّعب.
* * *
(٩٩) - ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ تكريرٌ للتأكيد، وتقريرٌ للجملتين على سبيل التعميم باستعارةٍ لطيفةٍ، وهي استعارةُ المكر للأخذ بغتةً بلا شعورٍ منهم استدراجًا.
﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ أي: إذا كان استدراجه وأخذُه على هذا الوجه فلا يأمن مكر الله إلا الذين خسروا أنفسهم بالكفر وتركِ النظر والاعتبار، وفي تكرير ﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾ (^١) تهويل وتربيةٌ للمهابة (^٢).
* * *
(١٠٠) - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾
_________________
(١) = الضحوة، ثم الحر، ثم الظهر، ثم الرواح، ثم المساء، ثم العصر، ثم الأصيل، ثم العشاء الأولى، ثم العشاء الآخر، وذلك عند مغيب الشفق الأول، كذا في تفسير الأفاضل. منه". وفي هامش (م): "في الصحاح: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم من بعده الضحى، وهي حين تشرق الشمس، وهي مقصورة تؤنث وتذكر، ثم بعده الضَّحاء ممدود مذكر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى، ويضحى ضحيًا بلا هاء".
(٢) بعدها في (ف) و(ك): "دون فلا يأمن مكر الله"، والمثبت من (م)، وهو الصواب.
(٣) في (م): "للماهية".
[ ٤ / ١١١ ]
قرئ: ﴿يَهْدِ﴾ بالياء على أن قوله: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ﴾ فاعلُه، وبالنون (^١) على أنه مفعوله.
و﴿أَنْ﴾ مخفَّفة من الثقيلة مُعْمَلةٌ في (^٢) ضمير الشأن.
وتعديةُ فعل الهداية باللام إلى المفعول الأول لِمَا فيها من معنى التبيين (^٣)؛ أي: أولم يهدِ وَيتبيَّنْ للَّذين يَخلفون مَن مضى قبلَهم في ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأنُ وهو أنَّا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم (^٤) كما أصبنا مَن قبلَهم، وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا الموروثين، أو: أولم نبيِّن لهم ذلك.
﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ عطفٌ على ما دل عليه ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾؛ أي: يغفلون عن الهداية ونطبع، أو كلامٌ مبتدأ عطفَ الجملة على الجملة؛ أي: ونحن نطبع.
ولا يستقيم عطفه على ﴿أَصَبْنَاهُمْ﴾ بمعنى: وطبعنا؛ لأنَّه في سياقِ ﴿لَوْ﴾، فيؤدي إلى نفي الطبع، والقومُ مطبوع على قلوبهم.
وأما عطفه على ﴿يَرِثُونَ﴾ فيَلزمه الفصلُ بين إبعاض الصلة بالأجنبي (^٥)؛ لأن المعطوف على الصلة صلةٌ، ولا تعلق لقوله: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ بشيء من الصلة.
﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ سماعَ تفهُّم واعتبار.
_________________
(١) القراءة بالياء قراءة الجمهور، وبالنون تنسب لقتادة ومجاهد وأبي عبد الرحمن السلمي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٥)، و"إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ١٤٠)، و"روح المعاني" (٩/ ٢٦٥).
(٢) في (م): "معموله".
(٣) بعدها في (ف): "أي: لو نشاء ﴿أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ ".
(٤) "بذنوبهم" ليست في (ف).
(٥) في (ف): "بأجنبي".
[ ٤ / ١١٢ ]
(١٠١) - ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾؛ أي: قرى الأممِ المارِّ ذكرُهم ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ حالٌ منها؛ كقوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، أو خبر ثان، أو ﴿الْقُرَى﴾ صفةُ ﴿تِلْكَ﴾ و﴿نَقُصُّ﴾ خبرٌ.
و﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ أي: نقصُّ عليك بعضَ أنبائها، إذ لهم (^٦) أنباءٌ غيرُها لم نقصَّها (^٧) عليك.
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عند مجيء الرسل بالبينات ﴿بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾: بما كذبوه من قبلِ الرسل بل كانوا مستمرِّين على التكذيب.
أو: فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذَّبوا أولًا حين مجيء الرسل؛ أي: استمرُّوا على التكذيب مع تكرار (^٨) المواعظ وتتابُع البينات، ولم تلن قلوبهم حتى ماتوا.
وتأكيد النفي باللام للدلالة على أن الإيمان كان منافيًا لحالهم في تصميمهم على الكفر طُول عمرهم، وشدةِ (^٩) شكيمتهم في عنادهم.
﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذلك الطبع العظيم ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ فلا تلين شكيمتُهم بالآيات والنُّذر، وفيه إيذان بأن سبب الطبع كفرُهم الأصلي.
_________________
(١) في (ف): "ولهم" بدل: "إذ لهم".
(٢) في (ف): "نقصصها".
(٣) في (ف): "تكرر".
(٤) في (ف): "ولشدة".
[ ٤ / ١١٣ ]
(١٠٢) - ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾.
﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾؛ أي: لأكثر الأمم المذكورين؛ لأن الأقل من كلٍّ منهم آمنوا، أو: للناس على الإطلاق، والجملةُ اعتراضية.
﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ أراد بنفي العهد نفيَ الوفاء به على سبيل المبالغة، يقال: ما له عهد، لمن ينكثُ العهد، والمراد من العهد: إما ميثاق الفطرة في الإيمان والتقوى، وإما قولُهم عند الضر والمخافة: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]، أو عهدهم مع الأنبياء ﵈ كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤].
﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾؛ أي: علِمناهم، من: وجدتُ زيدًا ذا الحفاظ (^١)؛ لدخول (إنْ) المخفَّفة واللامِ الفارقة فيه، وذلك لا يجوز إلا في المبتدأ والخبر والأفعالِ الداخلة عليهما، وعند الكوفيين (إنْ) للنفي واللامُ بمعنى: إلا.
* * *
(١٠٣) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ البعث: الإرسال، وهو في الأصل: النقل باعتمادٍ يوجب الإسراع إلى الشيء.
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الضمير للرسل أو للأمم.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ١٣٦)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٦). ومعنى "ذا الحفاظ": صاحب الحفاظ، وهو المحافظة والمراقبة، ويقال: إنه لذو حفاظ ومحافظة، إذا كان له أنفة. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٤/ ٢٠٠).
[ ٤ / ١١٤ ]
﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾: بمعجزاتنا ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾؛ أي: الأشرافِ من قومه، وفرعون كان لقبًا لمَن مَلَكَ مصر من العمالقة.
﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وتعديتُه بالباء لتضمينه معنى الجَحْد، والمراد مِن ظلمهم: اختيارُهم الكفر على الإيمان.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ النظر: تحديق القلب إلى المعنى لإدراكه، فكأنه قيل: فانظر بعين القلب كيف كان عاقبتهم بسبب إفسادهم، وموضع ﴿كَيْفَ﴾ نصبٌ؛ لأنَّه خبر ﴿كَانَ﴾، وتقديره: انظر أيَّ شيء كان آخِرَ أمر الذين أفسدوا.
* * *
(١٠٤) - ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ﴾ خطابٌ له بأحسن ما يُدْعَى به، وإجهالُه لِمَا عرفتَ أنه من الألقاب الشريفة المخصوصة بملوك العمالقة، ففيه ائتمارٌ بالأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤].
﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لم يقل: إليك؛ لعدم اختصاص رسالته ﵇ له.
ولمَّا كان فرعون قد ادَّعى الربوبيةَ فاتحه موسى ﵇ بما ينبِّهه على أنه مُبطِلٌ في الوصف الذي ادعاه.
* * *
(١٠٥) - ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
[ ٤ / ١١٥ ]
﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾ جواب لتكذيبه إياه في دعوى الرسالة المفهومة من قوله: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾، وقرئ: ﴿عَلَىَّ﴾ بالتشديد (^١)؛ أي: واجبٌ عليَّ، وعلى قراءة التخفيف معنى الحقيق: جدير (^٢) وخليق، إلا أنه ضمِّن معنى المجبول، ولذلك عُدِّي بـ ﴿عَلَى﴾؛ أي: مجبول على ذلك جديرٌ به، وفيه إشارة إلى أن مَن هو في مقام الرسالة يكون في غاية العصمة عن وصمة الكذب حتى لو قصده لا يَقدر عليه.
﴿عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ إنما قال: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ لأن في الرسالة تحميلَ العهدة على المرسِل الذي نقل عنه الرسالة.
﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: بما يُبين أني رسول من رب العالمين، ادَّعى الرسالة ثم أردفها بما يدل على صحتها.
ولمَّا قرَّر رسالته فرَّع عليها تبليغَ الحكم بقوله: ﴿فَأَرْسِلْ﴾؛ أي: فأطلق ﴿مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطنُهم ومولد اَبائهم، وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال تغلُّبًا منذ تُوفِّي يوسف ﵇ وانقرضت الأسباط.
* * *
(١٠٦) - ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عند مَن أرسلك ﴿فَأْتِ بِهَا﴾: فأَظْهِرها وأحضِرها عندي ليَثبت بها صدقُك ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في الدعوى.
* * *
_________________
(١) هي قراءة نافع، وباقي السبعة بالتخفيف. انظر: "التيسير" (ص: ١١١).
(٢) في (ك) و(م): "معنى حقيق وجدير".
[ ٤ / ١١٦ ]
(١٠٧) - ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.
﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ أصل (ألقى) من الإلقاء الذي هو الانفصال (^١)
﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾: أزال اتِّصالها مما كان، وعصا: عود يابس، وأصله: الامتناع ليبسه، يقال: عصى: إذا امتنع، ومنه: العصا لمن عصى.
﴿فَإِذَا هِيَ﴾ (إذا) للمفاجأة والفاء للتعقيب.
﴿ثُعْبَانٌ﴾: حية عظيمة، يقال: انْثَعبَ الماء: إذا جرى باتِّساع، والمَثْعَب: هو المجرى الواسع، ومنه: الثعبان؛ لأنَّه يجري باتِّساع لعظمته.
﴿مُبِينٌ﴾ أبان عن نفسه أنه ثعبانٌ حقيقةً، لا شيءٌ يشبه الثعبان كما تكون الأشياء المزوَّرة بالشعوذة والسحر.
* * *
(١٠٨) - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾.
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾؛ أي: أخرجها من جيبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ [النمل: ١٢]، والنزع: إخراج الشيء مما كان متَّصلًا به ومُلابسًا له.
﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ لها شعاعُ يكاد يُغشي الأبصار ويسدُّ الأفق، وفي قوله: ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ دلالةٌ على أن بياضها كان شيئًا يجتمع النَّظَّارة على النظر إليه لخروجه عن العادة.
وقيل: بيضاءُ للنُّظَّار، لا أنها كانت بيضاءَ حقيقةً.
ويردُّه قوله تعالى في موضع آخر: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢]؛ لأنَّه صريح في انقلابها أبيض؛ لأن مَظِنَّة السوء عند ذلك.
_________________
(١) في (ك) و(م): "من اللقاء الذي هو الاتصال".
[ ٤ / ١١٧ ]
(١٠٩) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ وفي موضع آخر: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ [الشعراء: ٣٤]، وذلك أنه قال هو وأشرافُ قومه على سبيل التشاور في أمره، فحُكي عنه تارةً وعنهم أخرى، وفي عبارة (الملأ) نوعُ إشارة إلى هذا من حيث إن الملأ جماعةٌ يجتمعون للتشاور.
﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾: فائق في علم السحر، وهو لطف الحيلة في إظهار أعجوبةٍ تُوهم خرقَ العادة لخفاءِ سببه.
* * *
(١١٠) - ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.
﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ بسحره، بأن يُلقي العداوة والفُرقة بينكم، ويستميلَ بعضكم ليحارب به بعضَكم فيخرجَكم من بلادكم.
﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (ماذا) مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿تَأْمُرُونَ﴾ على سبيل التوسُّع فيه بأنْ حُذف منه حرف الجر، والمفعول الأول محذوف؛ أي: بأيِّ (^١) شيء تأمرونني، من آمَرْتُه فأمرني بكذا: إذا شاورْتَه فأشار عليك برأيٍ.
تحيَّر عند غلبته سلطان المعجزة فنسي دعوى الألوهية ومرتبةَ كونه آمرًا وناهيًا، حتى خاطبهم خطاب الأذلاء المقهورين المأمورين.
* * *
_________________
(١) في (ك): "أي" وهو الموافق لما في "البحر" (١٠/ ٢٣٣)، والمثبت من (ف) و(م) وهو الموافق لما في "روح المعاني" (٩/ ٢٨٣)، وكلاهما صواب، على أن أحدهما تقدير مع الباء، والآخر بعد حذفها.
[ ٤ / ١١٨ ]
(١١١) - ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَرْجِهْ﴾ من الإرجاء، وهو التأخير؛ أي: أخِّر أمره، وهذا يدل على تقدُّم همٍّ من فرعون (^١) بقتله، على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر: ٢٦]، فقالوا: أخِّر قَتْلَه واغلبه بالحجة كيلا يُدخل على الناس الشبهةَ، توهموا أنهم بالتأخير، وتقديم التدبير، وبذلِ الجهد (^٢) والتشمير، يغيِّرون شيئًا من التقدير.
﴿وَأَخَاهُ﴾ يعني: هارون، وكان معه على ما ذكر في موضع آخر.
﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ الحشر: السَّوق من جهاتٍ مختلفةٍ إلى مكانٍ واحد (^٣)، وتعدية (أرسل) بـ (إلى)، وإنما أتى بـ ﴿فِي﴾ تضمينًا لمعنى الاستقرار؛ ليفيد الاهتمام في أول (^٤) أمر الحشر، ولأن المقصود إتيان مَهَرة السحرة ومَن هم في الطبقة العليا من ذلك الجنس، وهو لا يكون إلا بالتتبُّع والتفحُّص، فلا بد من مكث في مظانهم من المدائن.
* * *
(١١٢) - ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.
﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ مِثْلِه في عمل (^٥) السحر وعلمه، وقرئ: ﴿سَحَّارٍ﴾ (^٦) وهو أبلغ لأن اعتبار المبالغة في وصف مَن يؤتى للمغالبة أولى.
_________________
(١) في (م) و(ك): "تقدم من هم فرعون".
(٢) في (م) و(ك): "الجد".
(٣) بعدها في (م) و(ك): "أي أخر أمره" ولعل هنا ليس مكانها حيث تقدمت قريبًا.
(٤) "أول": ليس في (م) و(ك).
(٥) "عمل": ليس في (م) و(ك).
(٦) هي قراءة حمزة والكسائي، وباقي السبعة ﴿سَاحِرٍ﴾. انظر: "التيسير" (ص: ١١٢).
[ ٤ / ١١٩ ]
وفي دخول كلمة (كلّ) على المفرد دلالةٌ على أنَّ كل واحد منهم منفرد (^١) عن الآخرين، مطلوب بالإتيان ومقصودٌ أصالة وبالذات.
* * *
(١١٣) - ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾.
﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: فأرسل الحاشرين وجاء السحرة، فالواو فصيحة كالفاء في قوله تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ﴾ [الشعراء: ٣٨].
﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ استئناف على تقدير سائل سأل: ما قالوا إذ جاؤوه؟ فأُجيب بقوله: ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ استفهامًا، والقراءة بالإخبار (^٢) أوقعُ للدلالة على إيجابهم عليه أجرًا عظيمًا، كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر كثير، ومثلُ هذا التنكيرِ في إفادة التعظيم والتكثير قولُهم: إن له لإبلًا وإن له لغنمًا.
والأجر: الجزاء بالخير، فإن الجزاء قد يكون بالخير والشر بحسب العمل وبحسب ما يقتضيه العدل، والغلبة: إبطال المقاومة بالقوة.
* * *
(١١٤) - ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
﴿قَالَ نَعَمْ﴾ مجيبًا لهم عما سألوه ﴿وَإِنَّكُمْ﴾ الواو للعطف كأنه قال: نعم لكم ذاك وإنكم ﴿لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ إلى مراتب الجلالة التي يكون فيها الخاصَّة (^٣) ولا
_________________
(١) في (م) و(ك): "منفردًا".
(٢) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية حَفْص: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ مَكْسُورَة الألف على الخَبَر، وباقي السبعة على الاستفهام. انظر: "التيسير" (ص: ١١٢).
(٣) في (م) و(ك): "الحاجة".
[ ٤ / ١٢٠ ]
يتخطَّى إليها العامة، حقَّق أمنيتهم وزاد على ذلك ما لم يتصوَّروه مع المبالغة بـ (إنَّ) واللام؛ أي: لا أقتصرُ على الثواب العظيم، وإن لكم مع الثواب ما يقلُّ معه الثواب وهو التقريب والتعظيم، تحريضًا لهم.
* * *
(١١٥) - ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾.
﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ الإلقاء: إرسال المعتمد إلى جهة السُّفلِ وضدُّه الإمساك، و﴿إِمَّا﴾ للتخيير، والتقدير: إمَّا أن تلقي أنت أولًا وإما أن نلقي نحن أولًا، دليله ما في موضع آخر: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥].
قيل: أظهروا الاقتدار وقالوا: إن بدأت أنت أو بدأنا فلا خوف علينا ولا حذار.
وقيل: بل احترموا وببركة ذلك أسلموا، ولمَّا (^١) كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله فنبَّهوا عليها بتغيير النظم إلى ما فيه رجحان طرفهم في الإلقاء؛ من الجملة الابتدائية والتأكيد بتوسيط الضمير وتعريف الخبر.
* * *
(١١٦) - ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿قَالَ أَلْقُوا﴾ لمَّا كارموه بالتخيير أكرمهم (^٢) موسى ﵇ وسوَّغ لهم ما تراغبوا به؛ إظهارًا للفضيلة وتحقيرًا لهم وازدراء بشأنهم، وثقةً بالله تعالى وما خصَّصه به من التأييد السماوي، وأن المعجزة لن يغلبها سحر أبدًا.
_________________
(١) في (ف): "ولكن".
(٢) في (ك): "كرمهم".
[ ٤ / ١٢١ ]
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾: خيَّلوا إليهم بالحقيقة بخلافه، وأَرَوهم بالحيل والشَّعوذة ما لا وجود له، ومن هنا ظهر أن السحر لا يقلب عينًا وإنما هو من باب (^١) التخييل.
﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾؛ أي: أرهبوهم إرهابًا شديدًا كأنهم استدعوا رهبتهم.
وقيل: استفعل هنا بمعنى: أفعل، كأبلَّ واسْتبَلَّ (^٢). والرهبة: الخوف مع الفزع.
﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ وصفه بالعظيم لبُعد مرام الحيلة فيه وشدةِ التمويه، حتى أوجس موسى عليه وسلم في نفسه خِيفةً.
* * *
(١١٧) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مصدرية، ويجوز أن تكون مفسِّرة (^٣)؛ لأن في الوحي معنى القول.
﴿فَإِذَا هِيَ﴾ (إذا) فجائيةٌ والفاء فصيحة؛ أي: فألقاها فإذا هي، ونكتة الحذف في مثل هذا قد مر بيانها في تفسير قوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٦٠] من سورة البقرة.
﴿تَلْقَفُ﴾ تبتلع تناولًا بفيها سرعةً منها، ويؤيده قراءة: ﴿تَلْقَفُ﴾ (^٤)؛ أي: تبتلع كاللقمة.
_________________
(١) "باب" من "ك".
(٢) أي: حسنت حاله بعد الهزال. وتحرفت في النسخ إلى: (أبيل واستبيل)، والصواب المثبت. انظر: "البحر" (١٠/ ٢٤٠).
(٣) في (م): "المفسرة".
(٤) انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٤٣٩)، و"البحر" (١٠/ ٢٤٤).
[ ٤ / ١٢٢ ]
﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ الإفك: قلب الشيء عن وجهه، و﴿مَا﴾ موصولة؛ أي: ما يأفكونه، أو مصدرية؛ أي: إفكهم، تسميةً للمأفوك إفكًا مبالغةً.
* * *
(١١٨) - ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ الوقوع: ظهور الشيء بوجوده نازلًا إلى مستقرِّه، والحق: كون الشيء في موضعه الذي اقتضته الحكمة.
﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من السحر والمعارضة.
* * *
(١١٩) - ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾.
﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾؛ أي: عند ذلك الجمع.
﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾؛ أي: رجعوا إلى المدينة أذلَّاء مقهورين، والضمير لفرعون وقومه.
* * *
(١٢٠) - ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾.
وإنما قال: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ دون: وخروا سجَّدًا، للمبالغة كأنهم (^١) ألقاهم ملق لشدة خرورهم؛ لأن الحق بهرهم واضطَرَّهم إلى السجود بحيث لم يبق لهم تمالكٌ، وقد وفَّقهم الله تعالى لذلك ودبَّر الأمر؛ لينكسر فرعون وقومه بالذين أراد بهم كسر موسى ﵇ (^٢).
_________________
(١) في (م) و(ك): "كأنما".
(٢) رد القاضي حيث زعم أن فيها وجوهًا وأصله رجه وأرجه. منه.
[ ٤ / ١٢٣ ]
(١٢١ - ١٢٢) - ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.
﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لمَّا استشعروا أنْ يتُوهَّم أنهم أرادوا فرعون تداركوا بقولهم:
﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ بأنْ أبدلوه منه.
* * *
(١٢٣) - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ﴾ استفهامٌ على سبيل الإنكار والتوبيخ؛ أي: أفعلتم هذا الفعل الشنيع، وقرئ بالإخبار (^١)، وهو أيضًا تقريع وتشنيع بدلالة ما بعده.
﴿بِهِ﴾؛ أي: بموسى ﵇ لا بالله تعالى؛ لأن قوله في سورة الشعراء: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] لا ينتظِمه.
﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ فيه إيذانٌ بوهن أمره، حيث جعل ذنبهم مفارقة الإذن دون نفس الإيمان به.
﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: صنعُكم هذه الحيلةَ احتَلْتُموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد وتواطأتم عليها.
﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾: القِبط، وتَخْلُصَ لكم ولبني إسرائيل، قاله تمويهًا على الناس لئلا يتَّبعوا السحرة في الإيمان.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ ما فعلتُم، وعيد مُجمَلٌ مفصَّله:
_________________
(١) قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر بالاستفهام، وباقي السبعة بالإخبار. انظر: "التيسير" (ص: ١١٢).
[ ٤ / ١٢٤ ]
(١٢٤) - ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾: من كل شقٍّ طرفًا، وذلك للتشديد في العذاب والتغليظ، فإن الإنسان لا يتعيَّش برجل واحدة ويد واحدة إذا كانتا من جانب (^١) واحد، بخلافِ ما إذا كانتا من جانبين، ولهذا تُقطع رجل السارق في المرة الثانية من خلافٍ، وإذا كان القطع من وفاقٍ يأسًا من الانتفاع بالحياة الباقية يكون الموت بعده راحةً، بخلاف ما إذا كان القطع من خلافٍ، فإن في الموت بعده - خصوصًا إذا كان متراخيًا - ألمًا جديدًا، فأراد فرعون أن يضمِّن وعيدَه الشديدَ بتجديد العذاب بالقتل بعد ما زال ألم القطع وعاد لذة الحياة، على ما دل عليه كلمة ﴿ثُمَّ﴾ في قوله تعالى:
﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تفضيحًا لكم وتنكيلًا لأمثالكم، قيل: إنه أول مَن قطع وصلب.
* * *
(١٢٥) - ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾.
﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾: إنا لا نبالي بوعيدك لانقلابنا إلى ربنا ورحمته، كأنهم استطابوا شغفًا إلى لقاء الله تعالى، أو: إنا جميعًا - أي: إنك وإيانا - منقلبون إليه فيحكم بيننا.
* * *
(١٢٦) - ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.
_________________
(١) في (م): "جنس".
[ ٤ / ١٢٥ ]
﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ النقمة: الأخذ بالعقوبة، وتعديتُه بـ (من) لتضمُّنه معنى: تنال، وعلى هذا يكون قوله: ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ مفعولًا من أجله استثناءً مفرَّغًا؛ أي: ما تنال منا أخذًا إيانا بالعقوبة لشيء من الأشياء إلا لأنْ آمنا، وهذا ما أشار إليه عطاء في تفسيره حيث قال: أي: ما لنا عندك ذنب تعذِّبُنا عليه إلا أنْ آمنا (^١).
ثم فزعوا إلى الله تعالى بقولهم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾؛ أي: على وعيد فرعون؛ لعلمهم أن الصبر مَطهَرة لهم استعارةً بالكناية، شبَّه الصبر بالماء فأورد الإفراغ؛ أي: أَفِضْ علينا من الصبر ما يَغمرنا ويَفيض عنَّا كما يُفْرَغ الماء إفراغًا، والتنوين للتعظيم؛ أي: صبرًا واسعًا كثيرًا.
أو: ما يطهِّرنا من أوضار الآثام كما يطهِّر الماءُ من الأقذار.
﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ ثبِّتنا على السلام إلى الممات.
قيل: إنه فعل بهم ما أَوعدهم.
وقيل: لم يقدر عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]. وفيه نظر؛ لأن المراد مَن اتبعهما قبل غلبتهما فلا يتناول السحرة.
* * *
(١٢٧) - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾.
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بتغيير الناس عليك ودعوتهم إلى مخالفتك.
_________________
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٢٢١)، و"البحر" (١٠/ ٢٥٠)، وعنه نقل المؤلف.
[ ٤ / ١٢٦ ]
﴿وَيَذَرَكَ﴾ عطفٌ على (يُفسدوا في الأرض)، بدؤوا أولًا بالعلة العامة، ثم أتبعوه بالخاصة، قدَحوا بذلك زَنْدَ (^١) تغيُّظه على موسى ﵇ وقومه؛ ليكون ذلك أبقى عليهم منازلهم؛ إذ هم الأشراف، وبترك موسى ﵇ وقومِه بمصر يذهب ملكهم وشرفهم. وإنما نسبوا الفساد إلى الجميع والتركَ إلى موسى ﵇ خاصةً؛ لأن الترك المذكور راجع إلى أمر الدِّين وقومُه تابعون له فيه، فذِكرُ تركِه كافٍ، بخلاف الفساد لأنَّه من جهة الدنيا والملك وهم مستقلون فيه.
أو جوابٌ للاستفهام بالواو على معنى: أيكونُ منك تركُ (^٢) موسى ﵇ وقومِه ويكون [منه] تركُه إياك وآلهتك؟!
وقرئ بالرفع عطفًا على ﴿أَتَذَرُ﴾ (^٣)؛ أي: أتذرُه ويذرُك، بمعنى: تطلق له ذلك (^٤)؟ أو استئنافًا، أو حالًا؛ أي: وهو يذرُك وآلهتك.
وقرئ بالجزم (^٥)، كأنه قيل: يفسدوا ويذرْك، جوابًا للاستفهام كقوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠].
_________________
(١) في (م): "يزيد".
(٢) في (ف): "أن يكون منك ترك"، وفي (ك): "أن يكون منكر بترك"، وفي (م): "أن يكون منكرا بتركه"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ١٤٢)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٩)، وما سيأتي بين معكوفتين منهما.
(٣) تنسب للحسن بخلاف عنه ولنعيم بن ميسرة. انظر: "المحتسب" (١/ ٢٥٦)، و"الكشاف" (٢/ ١٤٢)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٤١)، و"البحر" (١٠/ ٢٥٢).
(٤) في النسخ: "يطيق"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ١٤٢).
(٥) تنسب للحسن بخلاف عنه وللأشهب العقيلي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٥)، و"المحتسب" (١/ ٢٥٦)، و"الكشاف" (٢/ ١٤٢)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٤١)، و"البحر" (١٠/ ٢٥٢).
[ ٤ / ١٢٧ ]
﴿وَآلِهَتَكَ﴾ قيل: كان يعبد الكواكب.
وقيل: صنع لقومه أصنامًا وأمرهم أن يعبدوها تقرُّبًا إليه، ولذلك قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤].
وقرئ: (إلاهتك)؛ أي: عبادتك (^١).
﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾: سنعيد عليهم ما كنا محنَّاهم به (^٢) ليعلموا ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾؛ أي: وأنَّا على ما كنا عليه من القهر والغلبة عليهم، وأنْ لا أثر لغلبة موسى في ملكنا، وأن لا (^٣) يتوهَّم العامة أنه هو المولود الذي حكَم المنجِّمون والكهَنة بذهاب ملكنا على يده.
* * *
(١٢٨) - ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ لمَّا جزع قوم موسى ﵇ من قول فرعون: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ وتضجَّروا سلَّاهم بقوله:
﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ذكَّرهم ما وعَده الله تعالى من إهلاك القِبْط وتوريثهم أرضَهم وديارهم، فاللام في ﴿الْأَرْضَ﴾ للعهد، والأفصح أن تكون للجنس فتتناولَ المعهود - وهو أرض مصر - تناوُلًا أوليًا.
_________________
(١) تنسب لابن مسعود وجماعة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٥)، و"المحتسب" (١/ ٢٥٦)، و"الكشاف" (٢/ ١٤٢)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٤١)، و"البحر" (١٠/ ٢٥٤).
(٢) في (ف): "ما كنا فعلناه بهم".
(٣) أي: (ولئلا) كما في "الكشاف" (٢/ ١٤٣).
[ ٤ / ١٢٨ ]
وعلَّق إيراث الأرض (^١) بالمشيئة فأَجمَلَ، ثم بيَّنه بقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ للبشارة بعد الإبهام بأنَّ العاقبة التي تستأهل أن تُسمى عاقبةً - أي: العاقبةَ المحمودة كأنَّ ما عداها ليست بعاقبة - مخصوصةٌ بالمتقين منكم ومن القِبْط؛ إشعارًا بأنهم هم المتقون والعاقبةُ لهم.
وقرئ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ بالنصب عطفًا على اسم ﴿إِنَّ﴾ (^٢).
* * *
(١٢٩) - ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: بنو (^٣) إسرائيل: ﴿أُوذِينَا﴾ بقتل الأبناء، والاستعباد (^٤)، والامتهان بالخدمة، وأنواع التعذيب. والأذى: ضرر لا يبلغ بصاحبه أن يأتي على نفْسه.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ بالرسالة، والإتيانُ ينتظِم المجيءَ وما يقابلُه وهو الذهاب.
﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ بإعادته علينا.
﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ تصريحٌ بما رمز إليه من البشارة، وهو إهلاك فرعون وقومَه واستخلافُهم في الأرض.
_________________
(١) في (ف): "الميراث"، وفي (م): "الإيراث".
(٢) تنسب لابن مسعود وأبيٍّ ﵄. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٥)، و"الكشاف" (٢/ ١٤٣)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٤٢)، و"البحر" (١٠/ ٢٥٥).
(٣) في (م): "بني" وأشار في الهامش: "ظ: بنو".
(٤) في (م): "والاستبعاد".
[ ٤ / ١٢٩ ]
﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ شكرًا أو كفرانًا، طاعةً أو معصيةً (^١)، فيجازيكم بحسَبه.
* * *
(١٣٠) - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ اَثر عبارة الآل (^٢) على عبارة القوم (^٣) لانتظامها الإناثَ حقيقةً، ولا نكتةَ للتغليب، وللتنبيه على أن أخذهم بذلك لاتِّباعهم فرعون، فيُفهم منه سلامةُ مَن اَمَن مِن قومه، ودخولُ فرعون في الحكم المذكور بطريق الدلالة.
﴿بِالسِّنِينَ﴾ بالجدوب؛ لقلة الأمطار والمياه والنبات، والسَّنةُ غلبت على عام القحط لكثرة ما يذكَر عنه ويؤرَّخ به، فصارت كالدابة والنجم، ثم اشتقوا منها فقالوا: أَسْنَتَ القوم، إذا قُحطوا، وجمعت على سنين.
﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ قال ابن عباس ﵄: أما السِّنونَ فكانت لباديتهم، وأما نقصً الثمرات فكانت في أمصارهم (^٤).
_________________
(١) في (ف): "أو معصية أو طاعة"، وفي (م): "بإطاعة أو معصية". وفي "ك": (طاعة أو معصية).
(٢) في (ك): "آثر الآل". وجاء في هامش (م): "الآل: أهل الرجل وأتباعه وأولياءه، ولا يستعمل إلا فيما فيه شرف غالبًا، فلا يقال: أهله، وأصله: أهل، أبدلت الهاء همزة فصارت أأل، وتوالت همزتان فأبدلت الثانية ألفًا، تصغيره: أويل وأهيل. ق".
(٣) في هامش (م): "القوم: الجماعة من الرجال والنساء معًا، أو للرجال خاصة، أو تدخله النساء على تبعية، ويؤنث في أقوام".
(٤) انظر: "الكشاف" (٢/ ١٤٤).
[ ٤ / ١٣٠ ]
﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: لكي يتنبَّهوا (^١) أنَّ ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم، أو يتَّعظوا فتَلينَ قلوبهم وتَرِقَّ بالشدائد فيفزعوا إلى الله ويتضرَّعوا.
* * *
(١٣١) - ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ﴾ الفاء فصيحةٌ لترتيب (^٢) مدخولها على مقدَّر دلَّ عليه سياق الكلام ولحاقُه من عدم تنبُّههم لِمَا ذكر، وتفصيل ذلك:
﴿الْحَسَنَةُ﴾ الخصب والرخاء والسعة.
﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾؛ أي: لكرامتنا خاصة (^٣) واستحقاقِنا لها (^٤).
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: جدبٌ وشدةٌ وضيقٌ ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ وقالوا: هذا بشؤمهم، ولولا مكانُهم فينا لَمَا أصابنا (^٥) التطيُّرُ والتشاؤم، وأصله: التفاؤل بالطير، ومنه: الطائر الذي هو سبب الخير والشر، فغلَب التطيُّر على الشر.
وأصل ﴿يَطَّيَّرُوا﴾: يتطيَّروا، فأُدغم.
وإنما عرَّف الحسنة بلام العهد الذِّهني، مع (إذا) الدالَّةِ على الوقوع،
_________________
(١) في (م) زيادة: "على".
(٢) في (ف) و(ك): "الفاء الفصيحة ترتيب".
(٣) "خاصة" من (م).
(٤) في (م) و(ك): "بها".
(٥) في (م): "أصبنا".
[ ٤ / ١٣١ ]
وصيغةِ الماضي الدالةِ على الاستمرار بأنَّ جنسها مقطوعُ الوقوع (^١) لكثرته واتساعه، ونكَّر السيئة مع حرف الشكِّ وصيغةِ المضارع؛ لقلَّتها ونُدور وقوعها وتجدُّدها يناسب الإيقاظَ والاتِّعاظ، والحسنة لا يخلو عنها أحد والسيئة لا يقع منها إلا شيء (^٢).
وهذا إغراقٌ (^٣) في وصفهم بالقساوة والجَفوة والغباوة، بأنَّ الشدائد التي ترقِّق القلوب، وتذلِّل النفوس، وتُلين العرائك، وتكسِر الشكائم، لم توثِّر فيهم، ولم يزدادوا بها إلا انهماكًا في الغي وعُتوًّا في الكفر، ولذلك بولغ في إنكار التطيُّر بموسى ﵇ ومَن معه بإسنادِ الشر والخير إلى الله تعالى على القصر بـ ﴿إِنَّمَا﴾، وتصديرِ الجملة بحرف التنبيه، حيث قال:
﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ﴾ سببُ خيرهم وشرهم ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: كلٌّ بقضائه ومشيئته، وهو الذي أيهما شاء أصابهم به، وليس بيُمن أحد ولا بشؤمه، والتأكيدِ بقوله:
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أنَّ (^٤) ما يصيبهم من الله تعالى ومن شؤم أعمالهم.
* * *
(١٣٢) - ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "بلام العد الذهني الدالة على الوقوع".
(٢) في (ك): "سيء"، وفي (م): "شر"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٢/ ١٤٥)، وفيه: (ولا يقع إلا شيء منها)، وكذا نقله عنه الآلوسي في "روح المعاني" (٩/ ٣٠٥)، وجاء في "البحر" (١٠/ ٢٦١) نقلًا عنه أيضًا: (ولا يقع إلا يسير منه).
(٣) في (م): "اعتراف".
(٤) في (ف): "أي".
[ ٤ / ١٣٢ ]
﴿وَقَالُوا مَهْمَا﴾ أصله: (ما) الشرطيةُ ضمَّت إليها (ما) المزيدةُ للتأكيد (^١)، ثم قُلبت ألفها هاءً لئلا يُتوهم (^٢) التكرير، وهو مبالغةٌ في التعميم.
ومحلُّها الرفع على الابتداء، أو النصبُ بفعلٍ يفسِّره: ﴿تَأْتِنَا بِهِ﴾؛ أي: أيَّ شيء تُحْضِرنا تأتنا به ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ بيان لـ ﴿مَهْمَا﴾ وإنما سمَّوها آيةً استهزاءً، ولذلك قالوا: ﴿لِتَسْحَرَنَا بِهَا﴾؛ أي: لتسحر بها أعينَنا، والضميران لـ (مهما) (^٣): الأول باعتبار اللفظ، والثاني باعتبار المعنى.
وعدلوا في الجزاء عن: لن نؤمن، إلى الجملة الاسمية مع تأكيد النفي بالباء، وتحقيقِ الجزاء بزيادة (ما)، حيث قالوا: ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: فلا تشتغل بإيرادها فما نحن لك بمصدقين أنها من عند الله تعالى، وهذا منهم غايةُ الضلالة والعناد؛ إذ كذَّبوه بما لم يأت به بعدُ، وأظهروا أنهم مصرُّون على كفرهم أبدًا، غيرُ منقادين للحق وإن ظهر وبدا.
* * *
(١٣٣) - ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ قال ابن عباس ﵄: الطوفان هو الماء المُغرِق (^٤).
_________________
(١) في هامش (م): "ما هذه في موضع لن في الأصل، بل في لن معنى زائد وهو تأكيد نفي الاستقبال. فتأمل".
(٢) في (ك): "يوهم".
(٣) في النسخ: "والضميران لما"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ١٤٦)، و"البحر" (١٠/ ٢٦٣)، و"روح المعاني" (٩/ ٣٠٨).
(٤) انظر: "الكشاف" (٢/ ١٤٦)، و"البحر" (١٠/ ٢٦٣). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٧٩ و٣٨٠).
[ ٤ / ١٣٣ ]
وقال جماعة: هو المطر المتتابع المُضِرُّ.
وهو في اللغة: ما طاف بالقوم وغلبهم من ماءٍ أو مرضٍ أو غيرهما.
﴿وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾: هي كبار القُراد (^١) ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾: جمع ضِفْدِع ﴿وَالدَّمَ﴾.
روي أنهم مُطروا (^٢) ثمانيةَ أيام في ظلمة شديدة لا يرون شمسًا ولا قمرًا، ولا يقدر أحدهم أن يخرج من داره، ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل مشتبكة ببيوتهم ولم يدخلها قطرة، وفاض الماء على وجه أرضهم فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف، فقالوا لموسى ﵇: ادع لنا ربك يكشفْ عنا ونحن نؤمن بك، فدعا فكشف عنهم ونبت لهم من الزرع ما لم يُعهد مثله فلم يؤمنوا، فبعث الله تعالى الجراد فأكلت عامة زروعهم (^٣) وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف والثياب، ولم يدخل بيوتَ بني إسرائيل منها شيءٌ، ففزعوا إلى موسى ﵇ ووعدوه التوبة، فرُفع عنهم ثم لم يؤمنوا، فسلط الله تعالى عليهم القمَّل فأكل ما أبقاه الجراد، وكان يقع في أطعمتهم ويدخل بين (^٤) أثوابهم وجلودهم فيمصُّها، ففزعوا إليه ﵇ فرُفع عنهم، فقالوا: قد تحقَّقْنا الآن أنك ساحر، ثم أرسل الله تعالى عليهم الضفادع بحيث لا يُكشف ثوب ولا طعام إلا وُجدت فيه، وكانت تمتلئ منها مضاجعهم، وتَثِبُ إلى قدورهم وهي تغلي، وأفواهِهم عند التكلُّم، ففزعوا إليه ﵇ وتضرَّعوا، فأخذ عليهم العهود
_________________
(١) في (ف) و(م): "القرد".
(٢) في هامش (م): "على ما سبق آنفًا صوابه: أمطروا". قلت: و(مُطروا) صحيحة أيضًا. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: مطر).
(٣) في (ك): "زرعهم".
(٤) في (ف): "في".
[ ٤ / ١٣٤ ]
ودعا فكَشف الله تعالى عنهم فنقضوا العهد، ثم أرسل الله تعالى عليهم الدمَ فصارت مياههم دمًا، حتى كان يجتمع القِبْطيُّ مع السِّبْطيِّ على إناء، فيكون ما يليه دمًا وما يلي السِّبطيَّ ماءً، ويمصُّ الماء من فم السِّبْطي فيصيرُ دمًا في فيه.
﴿آيَاتٍ﴾ نصبٌ على الحال ﴿مُفَصَّلَاتٍ﴾ مميَّزاتٍ بعضها من بعضٍ، بين كل اَيتين فصلٌ ومدةٌ، ليُتأمل في كلِّ واحدة حقَّ التأمل، كانت إذا أتتهم اَيةٌ [منها] (^١) أقامت عليهم أسبوعًا ثم تُقلع عنهم شهرًا، ثم تأتيهم أخرى تأكيدًا للحجة عليهم، كأنه يقول: قد قالوا: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لكنا تابعنا لهم الآية ولم نقطع عنهم البراهين بما أَظهروا من الجهالات.
﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾: فتعاظَموا عن الانقياد للحق والإيمانِ بموسى ﵇، وكانوا قد اعتادوا الآثام والإجرام، واكتسابَ أنفسهم العذابَ اللِّزام.
* * *
(١٣٤) - ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾؛ أي: الطاعون، فمات من القِبْط سبعون ألف إنسان.
وقيل: هذا العذابُ المفصَّلُ. وفيه: أن المناسب حينئذٍ تصدير الكلام بـ: كلما.
﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ فيه آيةُ غايةِ عنادهم، حيث قالوا: ﴿رَبَّكَ﴾ دون: ربَّنا؛ إظهارًا للإصرار على الإنكار في مقام العجز والاضطرار.
_________________
(١) "منها" سقط من "ك".
[ ٤ / ١٣٥ ]
﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾؛ أي: بذمامك ومَيلك (^١) إليه، فهو يعمُّ جميع الوسائل بين الله تعالى وبينه ﵇ من طاعةٍ منه ونعمةٍ من الله تعالى.
وهو صلةٌ لـ ﴿ادْعُ﴾؛ أي: ادع لنا ربَّك يكشف عنا العذاب بحقِّ ما عندك من عهدِ الله، أو بمعنى الحال؛ أي: متوسلًا إليه بعهده عندك، أو قسمٌ جوابه ﴿لَنُؤْمِنَنَّ﴾؛ أي: بعهد الله عندك ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾، ويجوز أن تكون موصولةً؛ أي: بالذي عَهِدَه إليك أن تدعوَه به فيجيبَك.
وفي إسناد الكشف إليه ﵇ حيدةٌ عن إسناده إلى الله تعالى لعدم إقرارهم به.
﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إنما زاد قوله: ﴿مَعَكَ﴾ لأنَّه ﵇ كان طالبًا لإرسالهم معه حيث قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧].
* * *
(١٣٥) - ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ الفاء فصيحة عاطفةٌ على مقدَّر؛ كأنه قيل: فدعا موسى ربه فكشف عنهم الرجز فلما .. إلخ.
﴿إِلَى أَجَلٍ﴾: إلى حدٍّ من الزمان ﴿هُمْ بَالِغُوهُ﴾ مهلَكون فيه، وهو وقت الغرق.
لا يقال: إن منهم مَن مات قبل الغرق، ومنهم من بقي بمصر. لأن لحاق (^٢) الكلام يدفعه على ما ستقف عليه.
_________________
(١) في (ف): "بزمانك ومنك"، وفي (م): "بزمانك وميلك".
(٢) في (ف) و(ك): "إلحاق".
[ ٤ / ١٣٦ ]
بولغ في وصف الأجل بالجملة الاسمية مع تجريد الخبر عن شائبة الحدوث؛ إشارةً إلى ضرورة بلوغهم الحدَّ المقدَّر لهم ولزومِه.
﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ جواب لـ (لمَّا)؛ أي: لمَّا كشفنا عنهم الرجز فاجؤوا بالنكث وبادروه من غير توقُّفٍ وتأمُّل.
* * *
(١٣٦) - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: أحللنا بهم النقمةَ، وهي ضد النعمة.
﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾ الفاء تفسيرية كما في قولك: رُزق زيدٌ المالَ فمنع المعروف فلم يُحسن إلى الفقراء (^١).
﴿فِي الْيَمِّ﴾ وهو البحر الذي لا يدرَك قعره، وقيل: هو لجَّة البحر ومعظَم مائه، وهذا صريح في أن الناكثين كلَّهم هلكوا بالغرق.
﴿بِأَنَّهُمْ﴾: بسبب أنهم ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ والآيات: هي المعجزات التي ظهرت على يد موسى ﵇
﴿وَكَانُوا عَنْهَا﴾؛ أي: عن آياتنا ﴿غَافِلِينَ﴾ غفلتُهم من جهة دلالتها على صدق موسى ﵇ في دعوى الرسالة غفلةُ عن تلك الآيات في الحقيقة؛ لأنها بدون الدلالة المذكورة لا تبقى آياتٍ، وهذه الغفلة هي سببُ التكذيب.
* * *
_________________
(١) في هامش (ف): "صاحب الكشاف مع وقوفه بهذه الفاء ومع إيراده هذا المثال في تفسير سورة المؤمن ذهب هنا إلى صرف انتقمنا عن ظاهره. منه".
[ ٤ / ١٣٧ ]
(١٣٧) - ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ بالاستبعاد وهم بنو إسرائيل ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ﴾ يعني: أرضَ الشام ﴿وَمَغَارِبَهَا﴾.
ملَّكهم الله تعالى بعد الفراعنة والعمالقة نواحيَها الشرقيةَ والغربيةَ، وتصرَّفوا فيها كيف شاؤوا، وصيغة الجمع للمبالغة في سعتها من جهة الخصب والبركة.
﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالخصب وسعة العيش، وهذا ظاهر في أن المراد أرضُ الشام لا أرضُ مصر، ولأن (^١) القوم المستضعفين لم يعودوا إلى ديار مصر بل أقاموا في الأرض المقدسة.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ تحقَّقت عِدَتُه الحسنى بالتمكين في الأرض وتقرَّرتْ بالإنجاز، وهي قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦].
وقرئ: (كلمات ربك) (^٢)؛ لأنها كانت مواعيد.
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: بسبب صبرهم، وكفى به حاثًّا على الصبر.
﴿وَدَمَّرْنَا﴾: خرَّبنا ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ من القصور والعِمارات ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ من الجنات، أو ما كانوا يرفعون من البنيان كصرح هامان، وأصل التعريش: الترفع (^٣).
_________________
(١) في (م): "لأن" دون واو.
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٥).
(٣) في هامش (م): "في نسخة: الترفيع".
[ ٤ / ١٣٨ ]
(١٣٨) - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾؛ أي: البحرَ الذي غرق فيه فرعون وقومه، وهو بحر القُلْزُم.
لم يقل: وجاوز بنو إسرائيل البحر، تنبيهًا على أن جوازه كان خارقًا للعادة، خارجًا عن طور (^١) البشر، ثم إن: جاوَزَ به، أبلغ من: أجازه، كما أن: ذَهَب به، أبلغ من: أَذْهَبه.
ذكر ما أَحدثوه بعد هلاك (^٢) عدوِّهم وإنجائهم من الأمور الشنيعة عقيبَ ما رأوا من الآيات العظام والنِّعم الجِسام؛ تسليةً لرسول الله ﵇ مما رأى منهم بالمدينة، وإيقاظًا للمؤمنين لئلا يغفلوا عن سياسة نفوسهم ومحاسَبتها، وحراسةِ أحوالهم ومراقبتها.
﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ﴾ فمروا عليهم ﴿يَعْكُفُونَ﴾ يقيمون ﴿عَلَى أَصْنَامٍ﴾ على عبادتها، قيل: كانت تماثيلَ بقر، وذلك أولُ شأن العجل، وإنما قال:
﴿لَهُمْ﴾ تنبيهًا على غاية حماقتهم، حيث عبدوا ما يملكونه.
﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾: صنمًا نعكف عليه ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾: أصنامٌ يعكفون عليها، و(ما) كافَّةٌ للكاف، ولم يقل: كآلهتهم؛ لأن مشابهَتَها غيرُ مقصودة، إنما مقصودهم أن يكون لهم أيضًا إلهٌ.
﴿قَالَ﴾ موسى ﵇: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تعجَّب من قولهم بعد ما رأوا
_________________
(١) في (م): "طوق".
(٢) في (م): "إهلاك".
[ ٤ / ١٣٩ ]
الآية العظمى والمعجزة الكبرى فجهَّلهم، وأكَّد جهْلَهم بالإطلاق، وتكرير النسبة، وتقويتِها بـ (إنَّ)، وإيرادِ الفعل المضارع الدالِّ على التجدُّد الدائم؛ إشعارًا بأن ذلك منهم كالطبع والغريزة لا ينتقلون عنه في حال (^١).
* * *
(١٣٩) - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: عبدةَ تلك التماثيل ﴿مُتَبَّرٌ﴾ مكسَّر مدمَّر ﴿مَا هُمْ فِيهِ﴾؛ أي: يُتبِّر [الله] (^٢) الذي هم عليه على يديَّ ويحطِّم أصنامهم ويجعلُها رُضاضًا (^٣).
﴿وَبَاطِلٌ﴾: مضمحِلٌّ ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من عبادتها.
بالَغ في تحذيرهم وتنفيرهم عمَّا طلبوا إليه بإيراد (^٤) ﴿هَؤُلَاءِ﴾ اسمًا لـ ﴿إِنَّ﴾، وتقديم الخبر في الجملتين بعده، وإيقاعِ ﴿كَانُوا﴾؛ أي: إن هؤلاء الذين عبدوا الأصنام هم المعيَّنون المعرَّضون بوسمهم وعبادتهم لها للتتبر (^٥)، وأنَّه لا يَعْدُوهم البتةَ، وأنَّه لهم ضربةُ لازبٍ، وهباءٌ ما هم فيه، وما عملوا من شيء من عبادتها فيما سلف من الزمان إلا وهو باطل مضمحلٌّ (^٦)، وإن كان في زعمهم أنه تقرُّبٌ إلى الله تعالى.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "الحال".
(٢) ما بين معكوفتين من "الكشاف" (٢/ ١٥٠)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٣٢)، و"روح المعاني" (٩/ ٣٢٤).
(٣) في (ف) و(م): "ركاضًا".
(٤) في هامش (م): "لعله لفظ صلة هنا ساقط".
(٥) كذا في النسخ، ولعل الأنسب بالسياف: (للتتبير)؛ لأنَّه هنا من: تبَّر، ومصدره: التتبير.
(٦) "مضمحل" من (م).
[ ٤ / ١٤٠ ]
ثم أنكر عليهم ما طلبوا وتعجَّب من طلبهم عبادة غير الله تعالى مع كونهم مغمورين في نعمه (^١) بالهمزة وتقديم المفعول فقال:
(١٤٠) - ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ﴾؛ أي: أغير المستحِقِّ للعبادة ﴿أَبْغِيكُمْ﴾: أطلب لكم ﴿إِلَهًا﴾: معبودًا ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: وهو الذي فعل بكم ما فعل دون غيره؛ من الاختصاص بالنعمة التي لم يُنعم بها على أحد من العالمين.
وفيه تنبيه على سوء مقابَلتهم، حيث قابلوا تخصيص الله تعالى إياهم من أمثالهم بما لا يستحقُّونه تفضُّلًا بأنْ قصدوا أن يُشركوا به أخسَّ شيء من مخلوقاته.
والمراد من ﴿الْعَالَمِينَ﴾: عالَمِي زمانهم.
وانتصب (غيرَ) مفعولًا بـ ﴿أَبْغِيكُمْ﴾ و﴿إِلَهًا﴾ تمييز عن (غير) أو حال، أو على الحال و﴿إِلَهًا﴾ المفعول، فكان (غير) صفةً فلما تقدَّم انتصب حالًا.
* * *
(١٤١) - ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
ثم ذكر نعمة الإنجاء وما يتبعه: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: واذكروا صنيعه معكم في هذا الوقت.
﴿يَسُومُونَكُمْ﴾: يبغونكم، استئنافٌ لبيان ما أنجاهم، أو حالٌ من المخاطَبين، أو من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، أو منهما، ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾: شدتَه ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ بدل منه مبيِّنٌ، والمعنى مبيَّنٌ فيما سبق.
_________________
(١) في (ك): "نعمته".
[ ٤ / ١٤١ ]
﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى الإنجاء أو العذاب ﴿بَلَاءٌ﴾: نقمةٌ، أو محنةٌ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ وزيادة قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يرجِّح المعنى الأول.
* * *
(١٤٢) - ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾: ذا القعدة ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا﴾ الضمير عائد للمُواعَدة المفهومة من (واعدنا) ﴿بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجة، وحذفت الهاء من (عشر) لأن العدد من مؤنث.
﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ الميقات: وقتٌ قدِّر فيه عملٌ من الأعمال، وفي عبارة ﴿رَبِّهِ﴾ إشارةٌ إلى أنه لمصلحته ﵇ وتربيته.
﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ مفعولٌ به لـ (تَمَّ)؛ لأن معناه: بلغ، ويجوز أن يكون تمييزًا منقولًا من الفاعل وأصله: فتمَّ أربعون ميقاتِ ربه؛ أي: كملت، ثم أسند التمام لـ ﴿مِيقَاتُ﴾ وانتصب (أربعون) على التمييز.
ودلت الآية على أن التاريخ بالليالي دون الأيام، وهذا لأن اللياليَ أوائلُ الشهور، روي أنه ﵇ وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مَهلك فرعون بكتابٍ من الله تعالى فيه بيانُ ما يأتون وما يذَرون، فلمَّا هلك سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين، فلما أتم أنكر خُلوفَ فيه فتسوَّك، فقالت الملائكة: كنا نَشْتمُّ (^١) منك رائحة المسك فأفسدْتَه بالسواك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرًا.
_________________
(١) في (ك): "نشم".
[ ٤ / ١٤٢ ]
﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾: كن خليفتي فيهم ﴿وَأَصْلِحْ﴾ ما يجب أن يُصلح من أمورهم، أو: كن مصلِحًا فيهم.
﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: لا تتَّبع المفسدين في سبيلهم، كقوله: ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]؛ أي: لا يهدي الخائنين في كيدهم، وهو أسلوب بديعٌ لم يتنبه له الناظرون في كلام الله تعالى، ويجوز أن يكون على طريقةِ التَّضمين؛ أي: ولا تسلك سبيل المفسدين متَّبعًا لهم.
* * *
(١٤٣) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾: لوقتنا الذي وقَّتنا له وحدَّدناه، واللام للاختصاص؛ أي: اختَصَّ مجيئه بميقاتنا.
﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ بغير واسطةٍ، كما يكلِّم الملائكةَ، وروي أنه ﵇ كان يسمع ذلك الكلامَ من كل جهةٍ، وذلك لأن الله تعالى ليس في جهةٍ، وكلامَه ليس من جنس كلام المحدِّثين.
والعدول عن الظاهر وهو: وكلَّمناه، إلى ما ذكر كالعدول عن: ميقاتنا، إلى ﴿مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ والنكتةُ مشترَكة بينهما.
﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾: أرني نفسك بأنْ تتجلَّى لي فأنظرَ إليك وأراك، وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزةٌ في الجملة؛ لأن طلب المستحيل على الأنبياء
[ ٤ / ١٤٣ ]
﵈ محالٌ، وخصوصًا بما (^١) يتعلق بمعرفة الله تعالى ويقتضي الجهلَ به، وردُّه بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ليس لامتناع رؤيته تعالى في نفس الأمر، وإلا لقال: لن أُرى، بل لقصورِ الطالب عن رؤيته لبقية الحجاب، فهي موقوفة على ارتفاعه.
وجَعْلُ السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] ليس بشيء؛ لأن حقَّه ﵇ في أن يجهِّلهم ويزيلَ شبهتهم كما فعل بهم حيث قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾.
والاستدلال على استحالتها بالجواب أبعدُ عن الصواب؛ إذ لا دلالة فيه على أن لا يراه ﵇ أبدًا، ولا على أنْ لا يراه غيرُه أصلًا، فضلًا من أنْ يدل على استحالتها، ودعوى الضرورة فيه مكابرةٌ أو جهالةٌ لحقيقة الرؤية.
﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾؛ أي: لن تُطيق أنت أن تراني.
﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ استدراك يريد أن يبيِّن به أنْ لا يطيقُه، فإنَّ الجبل مع شدته وصلابته إذا لم يستقرَّ فالآدميُّ مع ضعف بِنيته أولى أن لا يستقرَّ، وهذا تسكين لقلب موسى ﵇، وتخفيفٌ عنه ثقلَ أعباء المنع.
ولا يذهبْ على مَن نَظر بعينِ الإنصاف وتجنَّب عن التعصُّب والاعتساف أنه ليس بجوابِ مَن سأل محالًا، وقد قال الله تعالى لنوح ﵇: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] فلو سأل موسى ﵇ محالًا لكان في الجواب زجرًا مّا.
﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ بعد رفعِ الموانع من البين علَّق رؤيته بالاستقرار، وهو أمر ممكنٌ في نفس الأمر، ففُهم منه أنه ممكنٌ في نفسه، لكن المانع
_________________
(١) في (ف): "ما".
[ ٤ / ١٤٤ ]
من جهته على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] حيث قال: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ ولم يقل: ما كان له تعالى، أتى بالتعليق ثم بالتسويف مبالغةً في تعذُّر المطلب: أما التعليقُ فلبيانِ أن الطاقة البشرية لا تتحمل رؤيته تعالى، وأما التسويف فلبيانِ أنه على تقدير التحمُّل لا بد من ارتفاع موانع زوالها تدريجيٌّ يقتضي مهلةً ومدةً.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾؛ أي: ظهر له ظهورَ المرئيِّ للرائي بأنْ خلق الله تعالى فيه حياةً وحسًّا، وهذا المعنى هو المرويُّ عن ابن عباس ﵄ (^١)، وهو الموافق لمساق الكلام، المطابقُ لأصل أهل السنَّة والجماعة، ومَن صرَفه عن الظاهر فقد دسَّ فيه مذهب الاعتزال.
﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ الدكُّ والدقُّ أخوان كالشَّكِّ والشَّقِّ، وإنما قال: ﴿دَكًّا﴾ مبالغةً - كـ: رجلٍ عدلٍ - والمجازُ عقليٌّ، فمَن فسره بالمدكوك على أنه مصدرٌ بمعنى مفعولٍ والمجازُ لغويٌّ فقد أخرجه إلى شيء مغسول، على طريقة كلامٍ عاميٍّ مرذول.
فإن قلتَ: أليس صحةُ (^٢) المرام وصدقُ الكلام يقتضي معنى المدكوك؟
قلت: لا نزاع فيه، إنما الخلاف في طريقة (^٣) إفادته وكيفية إرادته من عبارة الدك.
وقرئ: ﴿دَكَّاءَ﴾ (^٤) أي: أرضًا مستوية.
وقُرئ: (دُكًّا) (^٥)؛ أي: قطعًا، جمعُ دكَّاءَ تأنيثِ أَدَكّ.
_________________
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٤٥١)، و"البحر" (١٠/ ٢٩٦).
(٢) في (ك): "حجة".
(٣) في "ك": (طريق).
(٤) هي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١١٣).
(٥) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٥).
[ ٤ / ١٤٥ ]
﴿وَخَرَّ﴾: سقط ﴿مُوسَى صَعِقًا﴾ مغشيًّا عليه كحالِ مَن تصيبه الصَّعقةُ، لا لهولِ ما رأى من تلاشِي الجبل وإلا لكان حقُّ النظم العطفَ بالفاء، ولمَّا عُطف بالواو عُلم أنه أيضًا ترتَّب على التجلِّي للجبل.
﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾؛ أي: من غشيته ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال الإمام أبو نصر: خرج هذا الكلام منه ﵇ مخرجَ العادة عند رؤية الأفزاع حسَب ما يجري على ألسنة الأنام عند الأخطار، لا عن ذنبٍ يتذكَّرونه فيتوبون عنه، ونظيرُ هذا التسبيحِ ما في قول عيسى ﵇: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] ونظير ذكر التوبةُ من غير ذنب ما في قول النبيِّ ﵇ في كلِّ يوم مئةَ مرة: "أستغفر الله وأتوب إليه" (^١).
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بما أُخبرت به في حق الرؤية من أنه لا يُطيقها هذه البنية للبشر (^٢)، وإنما أخفى ﵇ عليه إلى (^٣) ذلك الوقتِ أنه لا يُعطي الخلق رؤيته في الدنيا مع جوازها ليوجَد منه ﵇ سؤالُ الرؤية بناءً على معرفة جوازها؛ ليتحقق جواز الرؤية بسؤاله ﵇ ذلك، فيكونَ حجة قاطعة لأهل الحق على المنكرين له من أهل البدعة.
* * *
(١٤٤) - ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧٠٢) من حديث الأغر المزني ﵁.
(٢) في (ف): "للبشرية".
(٣) تحرفت في (ف) و(ك) إلى: "أي"، وسقطت من (ف) و(م): "عليه".
[ ٤ / ١٤٦ ]
﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ اخترتك ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ الموجودين في زمانك، وهارون ﵇ وإن كان نبيًّا وأكبرَ منه سنًّا لكنه كان وزيرًا له مأمورًا باتِّباعه، لا كليمًا ولا صاحب شرع (^١).
﴿بِرِسَالَاتِي﴾ قرئ على الجمع؛ إذ الذي أُرسل به ضروبٌ، وعلى الإفراد على أن محل الرسالة محل المصدر الذي هو الإرسال (^٢).
﴿وَبِكَلَامِي﴾ يعني: أسفارَ التوراة، وإنما أخره لأن الرسالة أسبق زمانًا، أو للانتقال من الشريف إلى الأشرف.
﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾: أعطيتك من الرسالة والحكمة ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ من المعروفين بالشكر، وهذا أبلغ من الأمر بالشكر على النعمة بوجوه.
روي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وإعطاء التوراة يوم النحر.
* * *
(١٤٥) - ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾.
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لفظ ﴿كُلِّ﴾ هنا للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].
والألواح: جمع لوح، وهو الصحفة المهيَّأة للكتابة فيها، وإنما قال: ﴿لَهُ﴾
_________________
(١) في هامش (م): "فالنظم خلو عن التنبيه على الاصطفاء بالتكلم وهو في هذا الباب أبلغ من غيره".
(٢) هي قراءة نافع وابن كثير، وقرأ باقي السبعة بالجمع. انظر: "التيسير" (ص: ١١٣).
[ ٤ / ١٤٧ ]
لأن الوقوف (^١) بالمكتوب فيها على تفصيل كل شيء كان مخصوصًا به ﵇.
﴿مَوْعِظَةً﴾: تحذيرًا بما يَزجر عن القبح، وتبصيرًا (^٢) بمواقع الخوف والحذر، وهي مفعول له لا البدل من الجار والمجرور؛ لأن المعنى الذي ذكرنا مقصودٌ بالإفادة في المقام.
﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من المصالح الدينية والدنيوية.
﴿فَخُذْهَا﴾ عطف على (كتبنا) على إرادة القول؛ أي: فقلنا: خذها، والضمير للألواح.
﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجدٍّ وعزيمة.
﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ بواجباتها؛ فإنها أحسنُ من غيرها، أو: بما هو واجب وندبٌ فإنه أحسنُ من المباح، أو: بأحسنِ ما فيها، ما هو حسنٌ وأحسنُ كالصبر بالنسبة إلى الانتصار؛ أي: مُرهم باختيار الأفضل على طريقة الندب.
﴿سَأُرِيكُمْ﴾ من رؤية العين، ولهذا تعدَّت إلى اثنين.
﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ الذين أهلكهم الله تعالى بفسقهم، فينتظِمُ دارَ فرعون وقومه، ودارَ العمالقة، ومنازلَ عادٍ وثمودَ، وموعظةً بليغةً تجري مجرى الوعيد على ترك الطاعة؛ أي: وأمر قومك يأخذوا بأحسنها، ويطيعوا ولا يهملوها وَيفسقوا، سأريكم (^٣) دارَ مَن فَسَق منعوه بهلاكهم ليعتبروا.
_________________
(١) في (ف) و(م): "الموقوف".
(٢) في (م): "وتصييرًا". وفي (ك): "وتبصير".
(٣) في (م): "ولا يفسقوا فسأريكم".
[ ٤ / ١٤٨ ]
وقرئ: (سأُوريكم) (^١)؛ أي: سأبيِّن لكم، من أَوْرَيتُ الزَّند، وهي لغة فاشية بالحجاز.
وقرئ: (سأورثكم) (^٢) على وفق قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ﴾.
* * *
(١٤٦) - ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ في الآفاق حتى لا يتفكَّروا في خلقها ولا يعتبروا بها، وفي الأنفس حتى لا يروا فناها (^٣) ويُعجَبوا بها.
﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾: يتعظَّمون عن الانقياد للأنبياء ﵈ طلبًا (^٤) للعلوِّ والرئاسة.
وإنما قال: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ إشارة إلى كونهم من العالم السفلي الذي لا يليق الرفع بشأنِ مَن كان منها (^٥)، ففيه تمهيدٌ لقوله:
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ أي: بدون الاستحقاق، حالٌ من فاعل ﴿يَتَكَبَّرُونَ﴾ أو صلةٌ؛
_________________
(١) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٥ - ٤٦)، و"المحتسب" (١/ ٢٥٨)، و"البحر" (١٠/ ٣٠٨).
(٢) نسبت لابن عباس وقسامة بن زهير. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٦)، و"البحر" (١٠/ ٣٠٩).
(٣) "فناها"من (م).
(٤) في (م): "طالبًا"، وقال في الهامش: في (ظ): "طالبين ".
(٥) في (ك): "فيها".
[ ٤ / ١٤٩ ]
أي: يتكبرون بما ليس بحق، أي: بباطل، وفيه إنذارٌ للمخاطبين من عاقبة المتكبرين الذين طُبعوا على قلوبهم بسبب شآمة (^١) التكبُّر، فلا يتفكروا في آيات الله تعالى.
﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ إذ لا يعتبرون بها غفلةً وانهماكًا فيما يشغلهم عنها من شهواتهم.
﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾، لاستيلاء الشيطنة عليهم، وقرئ: ﴿الرُّشْدِ﴾ بفتحتين (^٢)، وقرئ: (الرَّشاد) (^٣)، وثلاثتُها لغة.
﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ أراهم الله تعالى السبيلين، قال الله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ورأوهما فآثروا الغيَّ على الرّشد، قال (^٤) الله تعالى ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾؛ أي: ذلك الصرفُ بسبب تكذيبهم بآياتنا وغفلتهم عنها، أو نصب على المصدر؛ أي: سأصرفهم ذلك الصرفَ بسببهما، ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ استئنافُ إخبارٍ منه تعالى عنهم؛ أي: من شأنهم أنهم كانوا غافلين عن الآيات وتدبُّرها فأورثَتْهم (^٥) الغفلةُ التكذيبَ بها.
هذا ما قيل، والوجه عندي هو أن يكون إشارةً إلى التكبر؛ لأن سبب الصرف قد طُم من قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ لِمَا تقرر في الأصول أن ترتيب
_________________
(١) قوله: "المتكبرين الذين طبعوا على قلوبهم بسبب شامة" من (م).
(٢) هي قراءة حمزة والكسائي، وقرأ باقي السبعة ﴿الرُّشْدِ﴾. انظر: "التيسير" (ص: ١١٣).
(٣) نسبت لعلي ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٦).
(٤) في (م): "وقال".
(٥) في النسخ: "وتدبيرها وأورثهم "، والمثبت من "البحر" (١٥/ ٣١٢)، والكلام منه.
[ ٤ / ١٥٠ ]
الحكم على الموصول يدلُّ على علِّيَّة الصلة له، إنما المحتاج إلى البيان سببُ ذلك التكبُّر (^١)، فالكلام على ما ذكرنا يكون على أحسن وجوه الانتظام، حيث يُشار فيه أولًا إلى أن سبب الصرف هو التكبُّر عن الانقياد للأنبياء ﵈، ثم يصرَّح بأن سبب التكبر تكذيبُ المعجزات الدالةِ على صدقهم، ثم ينبَّه على أن سبب التكذيب انهماكُ المتكبرين في أسباب الغفلة عن جهة دلالة الآيات المذكورة على صدقهم في دعوى النبوة، وإعراضِهم عن النظر فيها، ولا بد من صرف القول المذكور عن ظاهره، وتأويله بالوجه المزبور، كيلا يكون مَظِنّةَ الاعتذار من جهتهم.
* * *
(١٤٧) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ من باب إضافة المصدر إلى المفعول به؛ أي: لقائهم (^٢) الآخرةَ، أو إلى الظرف؛ أي: ولقاءِ ما وعد الله في الآخرة.
﴿حَبِطَتْ﴾؛ أي: بَطَلت وتلاشت ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ فلا ينتفعون بها، واحتمالُ عموم الأعمال للسيئات أيضًا قد اندفع بقوله:
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا يجزون إلا جزاءَ ما عملوا من الكفر والمعاصي.
* * *
_________________
(١) في "ك ": (التذكر).
(٢) في (م): "ولقاءهم".
[ ٤ / ١٥١ ]
(١٤٨) - ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد مفارقته ﵇ إياهم إلى الطور للميقات.
﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ الذي استعاروا من القِبْط حين همُّوا بالخروج من مصر، وإضافتُها إليهم للملابَسة؛ لأنها كانت في أيديهم، وأما ما قيل: إنهم ملَكوها بعد المهلَكين فلا صحة له لفظًا ولا معنى:
أما الأول: فلأن التدافُع بين الوجهين يأبى عن عبارة التلاوة (^١).
وأما الثاني: فلأن المهلَكين هم الرجال والحليُّ كانت لنسائهم.
وقيل: هذا الحليُّ ما أخذه بنو إسرائيل من قوم فرعون بعد الغرق، وعلى هذا يصح الوجه الثاني.
والحُليُّ بضم الحاء: جمعُ حَلْيٍ؛ كثُدِيٍّ وثَدْيٍ، وهو اسمُ ما يُتزين به من الذهب (^٢)، وقرئ: ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ بكسرها (^٣) بالإتْباع كدِليٍّ، وقرئ بالإفراد (^٤).
﴿عِجْلًا﴾ لمَّا كان المتبادِرُ أن يكون عجلًا حقيقةً أبدل عنه قوله: ﴿جَسَدًا﴾ لا روح فيه، لم يقل: بدنًا؛ لأن الرأس وسائرَ الأطراف خارجٌ عنه.
_________________
(١) في (ف) و(م): "العلاوة".
(٢) في (م) زيادة: "والفضة".
(٣) هي قراءة حمزة والكسائي، وقرأ باقي السبعة: ﴿حُلِيِّهِمْ﴾. انظر: "التيسير" (ص: ١١٣).
(٤) هي قراءة يعقوب. انظر: "النشر" (٢/ ٢٧٢).
[ ٤ / ١٥٢ ]
﴿لَهُ خُوَارٌ﴾: صوت البقر، قيل: إن السامري لمَّا صاغ العجل ألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل ﵇ فصار حيًّا.
وقيل؛ صاغه بنوع من الحيل، فيدخل الريح جوفَه ويصوِّت.
ونسبة الاتخاذ إليهم لا لأنهم رضوا بفعله، بل لأن المراد اتخاذُهم إياه إلهًا على ما دل عليه التشنيع الآتي ذكرُه، وإنما حُذف قوله: إلهًا، لدلالة مساق الكلام عليه، وفيه إيهام أن ما صنعوا أمر منكر مع قطع النظر عن عبادته، وقرئ: (جُؤار) (^١)، أي: صياح.
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ تقريع على فَرْط ضلالهم وإضلالهم بالنظر، أي: ألم يروا حين اتخذوه إلهًا أنه لا يقدر على التكلُّم ولا على الإرشاد كآحاد البشر، حتى حسبوا أنه خالق الأجسام والقُوى والمُدر.
ولما كان الإرشاد إلى السبيل ممكنًا بالإشارة كان نفيُ الثاني أبلغَ فأخِّر على طريقة التَّرقِّي.
﴿اتَّخَذُوهُ﴾ تكريرٌ للذم؛ أي: أقدَموا على ما أقدَموا عليه من المنكَر الفظيع.
﴿وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾، أي: قومًا عادتُهم وضعُ الأشياء على (^٢) غير مواضعها، فلم يكن هذا بِدْعًا منهم ولا أولَ مناكيرهم.
* * *
(١٤٩) - ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
_________________
(١) نسبها ابن خالويه لأبي السمال العدوي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٦).
(٢) "على" من (م).
[ ٤ / ١٥٣ ]
﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ كنايةٌ عن اشتداد ندمهم وتحسُّرهم؛ لأن مِن شأن النادم الشديد التحسُّر أن يَعَضَّ يده غمًّا، فتصير يده مسقوطًا فيها؛ لأن فاه قد (^١) وقع في يده بلا اختيار.
وقرئ: (سَقط) على البناء للفاعل (^٢) كمرض (^٣)؛ أي: وقع العضُّ فيها.
وقال الزجَّاج: إنه تشبيه بما يحصل في النفس وتصويرٌ للمعقول في القلب، فمعناه: سقط الندم في أنفسهم؛ كما يقال: حصل في يده مكروه (^٤).
﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ﴾ وعلموا أنهم ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ باتخاذه ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ وقرئ: (ربَّنا) بالنصب على النداء (^٥).
انقطاع إلى الله تعالى، واعترافٌ بعظَم ما أَقدموا عليه، ولما كان ذنبُهم أعظمَ الذنوب بدؤوا بالرحمة التي وسعت كلَّ شيء، ومن نتائجها غفرانُ الذنب (^٦).
﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ بالتجاوز عن الخطيئة.
﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: من المغبونين في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) "قد"من (ك).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٧٨)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٦)، و"الكشاف" (٢/ ١٦٠)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٥٥)، و"البحر" (١٠/ ٣٢٠).
(٣) قوله: "كمرض"، كذا في النسخ، وهو خطأ؛ لأن المبني للفاعل من (سقط) هو من باب دخل كما في "مختار الصحاح" (مادة: سقط)، بل إن ابن عطية قيد القراءة فقال: (وقرأت فرقة: "سَقَط" بفتح السين والقاف حكاه الرجاج). أما (مرض) فهو مكسور العين فلا يطابق الممثَّل في الوزن.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٧٨) بنحوه.
(٥) هي قراءة حمزة والكسائي، قرأا: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾. انظر: "التيسير" (ص: ١١٣).
(٦) في (ف): "الذنوب".
[ ٤ / ١٥٤ ]
(١٥٥) - ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ﴾ صيغةُ مبالغةٍ ﴿أَسِفًا﴾: شديدَ الحزن على ما كان منهم في غيبته ﵇.
﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي﴾؛ أي: قمتُم مقامي وكنتم خلَفائي (^١) حيث لم تمنعوا من عبادة العجل، والخطاب لهارون ﵇ والمؤمنين معه، أو: بئسما خلفتُموني من (^٢) حيث عبدْتم العجل مكان عبادة الله تعالى، والخطاب لعَبَدة العجل.
﴿مِنْ بَعْدِي﴾: من (^٣) ذهابي عنكم، أو: من بعد ما رأيتم مني من التوحيد والدعوةَ إلى عبادة الله تعالى، والكفَّ عن عبادة غيره، ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة (^٤) المستخلِف.
(ما) نكرة موصوفةٌ مفسِّرةٌ للمستكنِّ في (بئس) منصوبةُ المحلِّ، ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ صفته، والمخصوصُ بالذم محذوف؛ أي: بئس خلافةً خَلَفْتُمونيها من بَعْدي خلافتكم.
﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾: أتركتُموه غيرَ تامٍّ، استفهامُ (^٥) إنكارٍ، يقال: عَجِلَ عن الأمر: إذا تركه غيرَ تام، إلا أنه ضمِّن معنى (سَبَق) فعُدِّي تعدِيَتَه، يعني: لم تَنْتَظروا
_________________
(١) في (ف) و(ك): "خلفا".
(٢) "من "من (ك).
(٣) قال في هامش (م): "لعله لفظ بعد هنا ساقط".
(٤) في (م) و(ك): "بسير".
(٥) "استفهام" من (م).
[ ٤ / ١٥٥ ]
وعدَ ربِّكم الذي وَعَدنيه من الأربعين فتركتُم الميعاد غيرَ تامٍّ؛ لقوله تعالى في موضع آخر: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦].
روي أنهم عدُّوا عشرين يومًا بلياليها، فجعلوها أربعين، ثم أحدَثوا ما أحدثوا بعد ما قال لهم السامريُّ: إن موسى ﵇ لن يرجع، وإنه قد مات، فغيَّروا ما غيرت الأمم بعد موت أنبيائهم ﵈.
﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾: طرحها من شدة الغضب وفَرْطِ الضجر حمية للدين.
قيل: إن التوراة كانت سبعة أسباع في سبعة ألواح، فلما ألقاها انكسرت فرُفعت ستة أسباعها، وكان فيها كلُّ شيء، وبقي سُبعٌ كان فيها المواعظ والأحكام، ويأباه قوله: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ لأن الظاهر منه (^١) أن المأخوذ هو المَلقيُّ بعينه.
﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ ولحيته على ما نصَّ عليه (^٢) في موضعٍ آخر.
﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ لفَرْط ما دَهمه من الأمر الذي استفزَّه، ظنًا بأخيه أنه قصَّر في الكف.
﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ في ذكر الأمِّ مع أنهما كانا أخوين لأبٍ وأمٍّ استعظامٌ واسترحامٌ لتذكيره أنهما من بطن واحد بلا شبهةٍ فيه، وأن مراعاة حقِّها أحقُّ وأوجب فإنه أعظم؛ لأنها هي التي قاست المخاوف والشدائد لأجله (^٣).
قرئ بكسر الميم وطرحِ ياء الإضافة اكتفاءً بالكسرة، وبالفتح لكونها أخفَّ، أو تشبيهًا بخمسةَ عَشَر (^٤).
_________________
(١) "منه" ليست في (ك).
(٢) "عليه" ليست في (م).
(٣) "لأجله" من (م).
(٤) قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وأبو بكر بالكسر، وباقي السبعة بالفتح. انظر: "التيسير" (ص: ١١٣).
[ ٤ / ١٥٦ ]
﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾؛ أي (^١): لم يَهابوني ولم يستَحْيوا مني.
﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾؛ أي: بذلْتُ وسعي في كفِّهم حتى قهروني وقاربوا قتلي، قاله إزاحةً لتوهُّم التقصير في حقِّه.
﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾: فلا تفعل ما هو أمنيتُهم من الاستهانة بي، وما يَشمتون بي لأجْله، والشماتةُ: فرحة (^٢) العدوِّ بمصائب عدوِّه.
﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: معدودًا في عدادهم بالمؤاخذة أو نسبةِ التقصير.
* * *
(١٥١) - ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما صنعت بأخي ﴿وَلِأَخِي﴾ ضم إليه أخاه في الاستغفار - إنْ عسى فرَّط في حُسن الخلافة (^٣) - ترضيةً له ودفعًا للشماتة عنه.
﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ بمزيد الإنعام علينا.
﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: أرحم بنا منَّا على أنفسنا، والو أو للعطف على مقدَّر؛ كأنه قيل: أنت الغفور وأنت أرحمُ … إلخ.
_________________
(١) "أي " ليست في (ك).
(٢) في (ف): "فرح".
(٣) قوله: (إن عسى فرط ..) كذا عبارة الزمخشري، وذكر الطيبي في هذا التركيب إشكالًا ثم أورد بحثا في حله حتى توصل إلى أن المعنى: (واستغفر موسى لأخيه إن فرط في حسن الخلافة)، قال: (ثم أقحم عسى لإعطاء تأكيد معنى إنْ الشرطية، وهو الخلو عن الجزم بوقوع الشرط). انظر: "فتوح الغيب" (٦/ ٥٩١ - ٥٩٢).
[ ٤ / ١٥٧ ]
(١٥٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾ هو ما أمرهم به من قتل أنفسهم، وإنما قال:
﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إشارةً إلى ما في ضمنه من أثرِ الرحمة حيث كان فيه قبول توبتهم، ولهذا قدمه على قوله: ﴿وَذِلَّةٌ﴾ إخراجًا لها عن حيِّز التربية لهم.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: هي خروجهم عن ديارهم، وقيل: الجزية.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الجزاء ﴿نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ على الله سبحانه، ولا فِرْيةَ أعظمُ من فِرْيَتهم: هذا إلهكم وإلهُ موسى، ولعله لم يَفترِ مثلَها أحد قبلهم ولا بعدهم.
* * *
(١٥٣) - ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ من الكفر والمعاصي.
﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا﴾: من بعد السيئات، وعبارةُ ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على أن التماديَ فيها لا يضرُّ بعد ما تاب عنها.
﴿وَآمَنُوا﴾؛ أي: أخلَصوا الإيمانَ؛ لأن أصل الإيمان قد ذكر فيما سبق.
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾: من بعد تلك العظائم ﴿لَغَفُورٌ﴾: محَّاءٌ لها وإنْ كبُرت كعبادة العجل، وكثرت كجرائم بني إسرائيل ﴿رَحِيمٌ﴾ بالإمهال وتركِ الاستعجال في الأخذ بالنَّكال.
[ ٤ / ١٥٨ ]
فكان في عبارة ﴿ثُمَّ﴾ تمهيد لهذا، وتكريرُ ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ مع ﴿إِنَّ﴾ واللامِ مبالغةٌ في شمول غفرانه وسعة رحمته، عظمت جريمتُهم أولًا ثم عقَّبها بتعظيم مغفرته ورحمته تعظيمًا لا كتعظيمها بل أزيدُ وأزيد ليعلم (^١) أن الذنوب وإنْ جلَّت فإنَّ عفوه وغفرانه (^٢) وكرمَه وإحسانه إذا تاب صاحبُها وأخلصَ أجلُّ وأعظم، وفيه تحريض على التوبة وحث على الإخلاص.
* * *
(١٥٤) - ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾.
﴿وَلَمَّا سَكَتَ﴾ ضمَّنه معنى زال فعدِّي بـ (عن)؛ أي: زال ﴿عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ ساكتًا، وهو كلام في غاية البلاغة؛ لأن فيه تشبيهَ الغضب بشخصٍ كان يغريه (^٣) على ما فعل، ويقول له: قل لقومك كذا، وألقِ الألواح، وخُذ برأس أخيك، على طريقة الاستعارة بالكناية، فكونُ السكوت على حقيقته غيرَ مَجازٍ عن السكوت أبلغُ، أو طريقةِ الاستعارةِ التمثيلية على تشبيه الحال بسكوت الغضب بحال السكوت الناطق الآمر الناهي، وشرطُها أن يكون أجزاء الكلام على معانيها الأصلية.
وقال الزجَّاج: مصدر سَكَت الغضب: سَكْتًا، ومصدر سَكَت الرجل: سكوتًا (^٤).
_________________
(١) في (ف): "بل أزيد وليعلم".
(٢) "وغفرانه" من (م).
(٣) في (ك): "يقربه".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٧٩)، و"البحر" (١٠/ ٣٣١). وما جاء في النسخ من قوله: " … سَكْتًا … سكوتًا" بالنصب الصواب فيه الرفع على الخبرية، وهكذا جاء في "البحر" بالرفع.
[ ٤ / ١٥٩ ]
وهذا يقتضي أنه فِعْلٌ على حِدَ؛ وليس من سكوت الناس، ويؤيده قول يونسَ بن حبيب: تقول العرب: سال الوادي يومين ثم سكت (^١)، فعلى هذا ﴿سَكَتَ﴾ بمعنى: (سكَن) (^٢) وقد قرئ به (^٣).
وقرئ: (سُكّتَ) و(أُسْكِتَ) (^٤) على أن المسكِتَ هو اللهُ تعالى، أو أخوه بالاعتذار، أو قومه بتوبتهم، وفيه إشارة إلى حُسن إمهال الله تعالى العبدَ إذا تغيَّر عن حاله، وغَلَب عليه ما لا يطيق.
وإذا كان أولو العزم من الرسل يغلبه ما يَصرفه عن الاختيار فكيف الظن بمن دونه؟!
﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ التي ألقاها ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ النُّسخة فُعْلةٌ بمعنى مفعولٍ (^٥) كالخُطْبة وهي المكتوبة؛ أي: فيما نُسخ فيها، يعني: كُتب، والنسخ: النقل، فيقتضي نقل مكتوب من أصلٍ آخر، وقد يُطلق على الكتابة وإن لم يكن نقلٌ من آخَر.
ويجوز أن يكون المعنى: وفيما انْتَسَخ بنو إسرائيل من الألواح.
والوا وفي ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ للحال.
﴿هُدًى﴾: بيان للحق ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: وإرشاد إلى الصلاح والخير.
_________________
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٤٥٩)، و" البحر" (١٠/ ٣٣١).
(٢) في هامش (ف): "من هنا ظهر أن القاضي خلط بين المعنيين وغلّط. منه".
(٣) نسبت لمعاوية بن قرة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٦)، و"الكشاف" (٢/ ١٦٣)، و"البحر" (١٠/ ٣٣٢).
(٤) انظر القراءتين في المصادر السابقة.
(٥) "بمعنى مفعول" من (م).
[ ٤ / ١٦٠ ]
﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾: للَّذين يَخُصُّون (^١) رهبتهم بالله تعالى، والرهبة: خوف معه تحرُّزٌ واضطراب، واللام في ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ دخلت جابرةً للضعف العارض للفعل بسبب تأخُّره عن المفعول.
* * *
(١٥٥) - ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾.
﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾؛ أي: اختار موسى من قومه، فحذف الجارُّ وأُوصل الفعل إليه، وفيه إيهامُ تنزيلِ جلِّ القوم منزلةَ كلِّهم.
﴿سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ القوم لا يكون (^٢) إلا رجالًا، ففائدة قوله: ﴿رَجُلًا﴾ دفعُ احتمال التغليب، والتفخيمُ المستفاد من التنكير.
﴿لِمِيقَاتِنَا﴾ روي أنه تعالى أمره ﵇ بأن يأتيه في سبعين من نُجباء بني إسرائيل، فاختار من كلِّ سبط من الأسباط الاثني (^٣) عشر ستةً فزاد رجلان فقال: ليتخلَّف منكم رجلان، فتشاحُّوا (^٤)، فقال: إنَّ لِمَن قعد منكم مثلَ أجرِ مَن خرج، فقعد كالبٌ ويوشعُ وذهب مع الباقين، فلما دنوا من الجبل غشيه غمامٌ فدخل موسى ﵇ بهم الغمام، وخرُّوا سجَّدًا، فسمعوه تعالى يكلم موسى ﵇ يأمره
_________________
(١) في (ك): "يخضعون".
(٢) في (م): "يكونوا".
(٣) في (م): "اثني "، وقال في الهامش: لعله: "الاثني".
(٤) في (م): "فتشاجروا ".
[ ٤ / ١٦١ ]
وينهاه، ثم انكشف الغمام، فأقبلوا إليه ﵇ وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فأخذتهم الرجفة فصُعقوا منها.
﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الاهتزاز والتمايل للهول العظيم، وقيل: هي رجفة الجبل.
﴿قَالَ﴾ موسى ﵇: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ تمنى هلاكه وهلاكهم قبل أن يرى ما رأى، كما يقول المبتلَى ببلية: لو شاء الله لأهلكني قبل هذا، واستَرْحَم الله تعالى فقال: إنك قدرت أن تُهلكنا بسببٍ آخر؛ كإقدار فرعون علينا والإغراق بالبحر وغيرهما، فترحَّمت وأنجيتنا، فإن ترحَّمت مرة أخرى لم يَبْعُد من عَميم إحسانك.
﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ جميعًا ﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ من التجاسُر على طلب الرؤية، وكان القائل بعضَهم فسفَّههم.
وقيل: المراد به عبادة العجل، واختيارُ موسى ﵇ السبعين إنما كان لميقات التوبة، فغشيهم هيبةٌ قلقوا (^١) منها ورجفوا حتى كادت تَبين مفاصلهم، وأشرفوا على الهلاك، فخاف عليهم موسى ﵇، فبكى ودعا فكشفها الله تعالى عنهم.
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾: ابتلاؤك (^٢) حين أسمعتَهم كلامك فطمعوا في رؤيتك، أو: أحدثتَ في العجل خُوارًا فضلُّوا به، والضمير للفتنة.
﴿تُضِلُّ بِهَا﴾: بالفتنة ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ ضلالَه بالتجاوز عن حدِّه واتِّباعِ المخايل.
_________________
(١) في النسخ: "فألقوا"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٣٧) والكلام منه.
(٢) في (ف) و(ك): "ابتلاؤهم".
[ ٤ / ١٦٢ ]
﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ هدايتَه فتقْوَى بها إيمانه، وكذا كل ابتلاء.
﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾: مولانا القائمُ بأمرنا ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ بمغفرة ما قارفنا ﴿وَارْحَمْنَا﴾ بدفع العذاب عنا.
لمَّا كان هو وأخوه ﵉ من المعصومين من الذنوب، فحين سأل (^١) المغفرة له ولأخيه لم يؤكد المغفرة، بل قال: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١]، ولما كان قد اندرج قومه في قوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ وفي سؤال المغفرة والرحمة، وكان قومه أصحابَ الذنوب، أكَّد استعطاف ربه تعالى في غفران تلك الذنوب فقال:
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ تغفر الذنب الكبير بالعذر اليسير (^٢)، ثم تَجوده بالعطاء الجزيل الكثير.
* * *
(١٥٦) - ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَاكْتُبْ لَنَا﴾؛ أي: أَثبتْ لنا، الكَتْبُ يستعمل في كل ما يُخلَّد.
﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ زيادة ﴿هَذِهِ﴾ لتنزيل شأن الدنيا عن شأن الآخرة.
﴿حَسَنَةً﴾: عاقبةً وحياةً (^٣) طيبةً، وحُسنَ سيق وتوفيقًا للطاعة.
﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: وفيها حسنةً أيضًا، وهي الجنة وما فيها.
_________________
(١) في (م): "سأله".
(٢) "بالعذر اليسير" من (م).
(٣) بعدها في (ف) زيادة: "الدنيا".
[ ٤ / ١٦٣ ]
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾: تبنا إليك، مِن هاد يَهُود: إذا رجع.
وقرئ: (هِدْنا إليك) بكسر الهاء من هادَه يَهِيدُه: إذا حرَّكه وأماله (^١)، ويحتمل أن يكون مبنيًا للفاعل وللمفعول، بمعنى: أَمَلْنا أنفسَنا - أو: أُمِلْنا - إليك، ويجوز أن يكون المضموم أيضًا مبنيًّا للمفعول منه على لغةِ مَن يقول: عُود المريض.
﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ تعذيبَه بمقتضَى عدلي.
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لا يخلو منها مسلم ولا كافر، ولا شيءٌ من الأشياء، ولا اختصاصَ لرحمة الآخرة بمسلمٍ على ما بينَّاه في تفسير سورة الفاتحة.
﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾: فسأُثْبتها، والضمير للرحمة.
﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكفرَ والمعاصيَ ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ خصَّها بالذكر لا لإنافتها لأنها حقُّ الصلاة التي هي عماد الدين، بل لأنها كانت أشقَّ عليهم لحبهم الدنيا.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا﴾: بجميع آياتنا ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: لا يكفرون بشيء منها.
* * *
(١٥٧) - ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ إما جرُّ صفة لـ (الذين يتقون)، أو بدلٌ منه بدلَ الكلِّ على أن
_________________
(١) تنسب لأبي وجزة السعدي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٦)، و"المحتسب" (١/ ٢٦٠)، و"الكشاف" (٢/ ١٦٥)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٦٠)، و"البحر" (١٠/ ٣٤٠).
[ ٤ / ١٦٤ ]
المراد مَن آمَن منهم بمحمد ﷺ، أو البعضِ، أو نصبٌ على المدح، أو رفعٌ عليه، أي: هم الذين يتبعون، أو مبتدأ خبره: ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾.
﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ وصفَه بالرسالة باعتبارِ تبليغ الأحكام من الله تعالى، وقدَّمه لأنَّه الأعمُّ حيث يوصف به الملَك، ثم بالنبوة باعتبار إنبائه عن الله تعالى وصفاته، وإخبارِه عن الغيوب وأحوالِ الآخرة، وفيها جهةُ عموم إذا اعتُبر الرسالةُ في بني آدم، فلو اعتُبر بهذه الجهة يكون تقديم الرسالة بالنظر إلى أنه أرسله الله تعالى إلى الخَلق فأنبأهم عنه تعالى، ثم بكونه أميًّا تنبيهًا على أن كمال علمه مع أنه لم يقرأ شيئًا ولم يكتب أصلًا ليس إلا اختصاصًا من عند الله تعالى، واصطفاءً مِن لدُنه وإعجازًا.
والأميُّ: الذي هو على صفة أمة العرب؛ قال ﵇: "إنَّا أمَّةٌ أمِّيَّة لا نَكتبُ ولا نَحسُبُ" (^١) كأنه نُسب إلى الأم، فإن الولد يُولد من أمِّه غيرَ كاتبٍ ولا قارئ ولا حاسب.
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ﴾؛ أي: يجدون اسمه ونعتَه.
﴿مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ رفعٌ لذكره، وإشارةٌ بأنه مذكور في كتب الله تعالى أَخبر عنه الأنبياء السابقون، وأقرُّوا بنبوته، وزيادةُ قوله: ﴿عِنْدَهُمْ﴾ لإفادة أنه وجد في الكتابين المذكورَين حال كونهما محفوظَين عندهم (^٢)، فلا احتمالَ لأن يكون ذلك ملحقًا من خارج.
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ المعروف: ما عُرف بالشرع جهةُ حُسنه، والمنكر: ما عُرف به جهةُ قبحه.
_________________
(١) رواه البخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٥/ ١٠٨٠)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) "عندهم" من (م).
[ ٤ / ١٦٥ ]
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ التي حرِّمت عليهم كالشحوم وغيرها.
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ كالخمر ولحم الخنزير ونحوِهما، ونسبةُ الحِل والحُرمة إليه ﵇ لأنَّه مُظهِرُهما، والاختلاف في أداة التعدية لِمَا في الثاني من معنى التكليف دون الأول.
﴿وَيَضَعُ﴾: يَحطُّ ﴿عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ وقرئ: (أَصْرَهم) (^١) لأنَّه جنس فيصلح للجمع.
﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ الإصر والأغلال استعارتان لطيفتان للثقل الذي كان عليهم من التكاليف الشاقة المانعة عن حركاتهم بمقتضَى الهوى والقيودِ التي تمنعهم عن اختيارهم.
والإصر في الأصل: الثقل الذي يأصِرُ صاحبه؛ أي: يحبسُه عن الحركة.
أي؛ يخفِّف عنهم ما كلِّفوا به من التكاليف الشاقَّة: كاشتراطِ قتل النفس في صحة التوبة، وقطعِ الأعضاء الخاطئة، والقيودِ الصعبة: كقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريمِ السبت، وأمَّا تعيين القصاص في العمد والخطأ فقد مرَّ ما فيه فتذكَّرْ.
ولا خفاءَ في أن ما أريد بالآصار أشقُّ مما أريد بالأغلال وألصقُ منه، فلذلك ذكرها بالإضافة إليهم دون الأغلال.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾؛ أي: بمحمد ﷺ، تكريرٌ لتأكيد مدحهم وتعظيمِهم
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٦)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٦٤)، و"البحر" (١٠/ ٣٤٨).
[ ٤ / ١٦٦ ]
بالصفات المذكورة، وإعلامٌ بأنها هي الموجِبةُ لانحصارِ الفلاح فيهم، والفاءُ للترتيب على ما تقدَّم.
(وَعَزَرُوهُ): منعوه من العدوِّ حتى لا يَقْوَ ى عليه، وقرئ: ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ بالتشديد (^١)، أي: عظَّموه بالتقوية.
﴿وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾، أي: مع نبوَّته، أي: القرآن، وإنما سمي نورًا لأنَّه بإعجازه ظاهرٌ أمرُه ومُظهِرٌ غيرَه، أو لأنَّه كاشفُ الحقائق مُظهِرٌ لها، ويجوز أن يكون ﴿مَعَهُ﴾ متعلقًا بـ (اتبعوا)، أي: واتَّبعوا القرآن مع اتِّباع النبيِّ ﵇، فيكون إشارةً إلى اتِّباع السنَّة (^٢).
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الإشارة بـ ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى الموصوفين بالصفات المذكورة، وإلى أن استحقاقهم للفلاح إنما هو بسببها، وتوسيطُ ﴿هُمُ﴾ وتعريفُ الفلاح قد مرَّ ما يتعلقُ بهما غير مرةٍ.
ومضمونُ الآية جوابٌ لدعاء موسى ﵇، متضمِّنٌ لتوبيخ بني إسرائيل على ما صدر منهم من أنواع الكفر والمعاصي، والتعريضِ بهم في تكذيبهم بآيات الله العِظام التي أجراها على يد موسى ﵇ بقوله: ﴿وَالَّذِينَ
_________________
(١) هي بالتشديد قراءة الجمهور، والتخفيف قراءة شاذة وردت في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٦)، و"المحتسب" (١/ ٢٦١)، و"الكشاف" (٢/ ١٦٦)، و" المحرر الوجيز" (٢/ ٤٦٤)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٣٧)، و"البحر" (١٠/ ٣٥٠). وما شرح به المؤلف قراءة التخفيف قاله الزمخشري في التي بالتشديد، أما شرحه الآتي لقراءة التشديد فهو قول البيضاوي فيها. وكان الأولى بالمؤلف التصدير بالمتواتر بدل الشاذ.
(٢) في هامش (ف): "قال القاضي: اتباع الكتاب والسنة، ولا وجه له لأن إثبات الكتاب مذكور عبارة. منه ".
[ ٤ / ١٦٧ ]
هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾، وترغيبِهم في الإخلاص والعمل الصالح ببيان حال أعقابهم الذين يتَّبعون النبيَّ المبعوث في آخر الزمان، وتحريضِهم على التصديق بما في التوراة والإنجيل من نَعتهِ (^١)؛ ليوطِّنوا أنفسهم على الإيمان به طمعًا في الرحمة التي خصَّصها بهم في قوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ فيُحشروا معهم وهم عبد الله (^٢) ابن سلَامٍ وأضرابُه (^٣).
* * *
(١٥٨) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ الخطاب عامّ؛ كان كلُّ نبي مبعوثًا إلى قومه خاصةً، ورسولنا ﵇ إلى الناس كافةً، بل إلى الإنس والجن عامةً.
﴿جَمِيعًا﴾ حال من ﴿إِلَيْكُمْ﴾.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ صفةُ ﴿اللَّهِ﴾، أو بدلٌ منه، ولا يمنعُه الفصل بما هو في حكم المقدَّم، أو نصبٌ على المدح، أو رفعٌ عليه.
أو مبتدأٌ وخبره: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وهو (^٤) على الوجوه الأُوَل (^٥) بيانٌ للجملة التي هي الصلة؛ لأن مَن مَلك العالَم كلَّه لا يكون غيرُه إلهًا.
_________________
(١) "من نعته ": ليست في (م) و(ك).
(٢) في (ك): "وعبد الله" بدل: "وهم عبد الله".
(٣) في (ف) و(ك): "وأضرابهم".
(٤) أي: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
(٥) أي: ما تقدم من وجوه في إعراب ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ …﴾.
[ ٤ / ١٦٨ ]
وكذلك ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ بيانٌ لِمَا قبله؛ لأنَّه تقريرٌ لاختصاصه بالألوهية؛ إذ لا يقدر على الإحياء والإماتة غيرُه.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ لمَّا ذكر أنه (^١) رسولُ الله أمرهم بالإيمان به ﵇، وبدأ بالإيمان بالله تعالى لأنَّه أصلٌ يَتفرع عليه (^٢) الإيمان بالرسل ﵈، والتفتَ عن التكلُّم إلى الغيبة تعظيمًا له بتكرار ذكر الرسول وإعادته صفاتِ المدح، وتنبيهًا على أن الذي وجب الإيمان به واتِّباعُه هو (^٣) الموصوف بهذه الصفات لأجْلها كائنًا مَن كان، وإيقاظًا للسامع لئلا يغفل عنه فيتمكَّن وقعُه في نفسه.
﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾؛ أي: ما أَنزل الله عليه وعلى جميع الرسل من كتبه ووحيه.
وقرئ: (وكلمته) (^٤)؛ أي: جنسِ ما تكلَّم به، أو القرآنِ، أو عيسى ﵇، تعريضًا لليهود، وتنبيهًا على أنَّ مَن لم يؤمن به ﵇ لم يعتبر (^٥) إيمانه.
وقيل: كلمته التي أوجد بها الكلَّ، وهي قوله: كن.
﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ جعل رجاءَ الاهتداء أثرَ الأمرين تنبيهًا على أنَّ مَن صدَّقه ولم يتابعه بالْتزام شرعه فهو بعدُ في خِطَط (^٦) الضلالة.
_________________
(١) في (م): "أن ".
(٢) "عليه ": ليست في (م) و(ك).
(٣) في (م): "وهو".
(٤) نسبت لمجاهد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٦).
(٥) في (ف) و(ك): "يتيسر".
(٦) في (ف) و(م): (حطط)، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ٣٨). و(خِطط) بكسر الخاء: جمع خِطَّة، بكسرها أيضًا، وهي المنزل والدار من قولهم: اختط الدار، إذا=
[ ٤ / ١٦٩ ]
(١٥٩) - ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ يعني: بني إسرائيل ﴿أُمَّةٌ﴾ التنكير للتكثير ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ يُرشِدون الناس محقِّين، أو: بكلمة الحق.
﴿وَبِهِ﴾ وبالحق ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في الحكم بين الناس، وهم الثابتون في الإيمان القائمون بالحق من أهل زمانه، أتبع ذكرَهم ذكرَ عبدة العجل كما هو عادةُ القرآن في الجمع بين السعداء والأشقياء في الذكر؛ تنبيهًا على أنَّ تعارُض الخير والشر وتزاحُمَ أهل الحق والباطل أمر مستمرٌّ.
وفيه دفعُ (^١) ما أَوهم تخصيصُ الرحمة في جواب دعاء موسى ﵇ بالذين يتَّبعون الرسول في آخر الزمان أن غيرهم كلهم أهل الضلالة.
وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب.
وقيل: قوم وراء الصين رآهم رسول الله ﷺ ليلةَ المعراج فآمنوا به (^٢).
* * *
_________________
(١) = ضرب حدودها، وهذه خِطة بني فلان وخِططهم، فقوله: (في خطط الضلالة)؛ أي: نازل ومتمكن فيها، كما يقال: هو في ضلال وفي هدى. انظر: "حاشية الشهاب" (٤/ ٢٢٦).
(٢) في (ف) و(م): "رفع".
(٣) ورد هذا في خبر رواه عبد بن حميد عن مقاتل كما في "الدر المنثور" (٣/ ٥٨٦)، وليس في الأخبار الواردة في هذه الحكاية ما يصح، قال الآلوسي في "روح المعاني" (٩/ ٤١٤): وضعف هذه الحكاية ابن الخازن [في "تفسيره" (٢/ ٣٠٠)] وأنا لا أراها شيئًا، ولا أظنك تجد لها سندًا يعول عليه ولو ابتغيت نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء. اهـ. قلت: يعرض بما جاء في بعض الأخبار: أن الله تعالى فتح لهم نفقًا في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين.
[ ٤ / ١٧٠ ]
(١٦٠) - ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ مفعولٌ ثانٍ على تضمين (قطَّعنا) معنى: صيَّرنا، وتأنيثُه على تأويل القطعة أو الفرقة.
﴿أَسْبَاطًا﴾ بدلٌ منه ولذلك جُمع، أو تمييز لأنَّه أراد: اثنتَيْ عَشْرةَ قبيلةً كل قبيلة أسباطٌ، فوُضع (أسباط) موضع قبيلة للدلالة على أنَّ كلَّ واحد (^١) منها أسباط تحقيقًا، فعلى هذا (أسباط) قائم مقام المفرد.
﴿أُمَمًا﴾ بدل من ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾، أو من (أسباط)، أو نعتٌ لها، وفيه إشارةٌ إلى أن كلَّ واحد من الأسباط كانت أمةً كثيرةَ العدد يؤمُّ كلُّ واحدة منهم خلافَ ما تؤمُّه الأخرى، لا تكاد تأتلف (^٢) وتتَّفق، والباقي مر تفسيره في سورة البقرة.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ في التِّيه.
﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾، أي: فضرب فانبجست، وحذفُه لتقصير اللفظ وتكثير المعنى، وهو أبلغ وجوه الإيجاز (^٣)، وذلك أن فيه إشعارًا بأنَّ الانفجار مسبَّبٌ عن الإيحاء مرتَّب عليه، وأنَّ (^٤) الضرب لا تأثير له بذاته، وأمَّا أنَّ
_________________
(١) في (ف). "على أن كلا".
(٢) في (م) و(ك): "تأتلفه".
(٣) في (ف): "الإعجاز".
(٤) في (ف): "إذ"، وفي (ك): "أن".
[ ٤ / ١٧١ ]
موسى ﵇ لم يتوقَّف في الامتثال فلا دلالةَ عليه في قوله: فضرب، محذوفًا كان أو مذكورًا.
والانبجاس: خروج الماء الجاري بقلَّةٍ، والانفجار: خروجه بكثرة، وكان البدءُ بقلَّة ثم يكثر بالاتِّساع.
﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾: كلُّ سبطٍ، اسمُ جمعٍ كرُخالٍ (^١) وثُناءٍ، لا جمعُ تكسير، أو جمعُ إنس، أصلُه كسر الهمزة كشِعْبٍ وشِعَابٍ، فأبدلت الكسرة ضمَّةً.
﴿مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ ليَقِهم الحرَّ.
﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾؛ أي: وقلنا لهم: كلوا ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ قد مر تفسيره في سورة البقرة.
* * *
(١٦١) - ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ بإضمار: اذكر، والقرية: بيت المقدس.
﴿وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ مِثْلُ ما
_________________
(١) في النسخ: "كرخاء"، والمثبت من "الكشاف" (١/ ٥٤) و(٢/ ١٦٩)، و"البحر" (١٠/ ٣٥٧). ورخال براء مهملة وخاء معجمة ولام، واحده: رِخل أو رِخلة، وهي أنثى ولد الضأن. انظر: "حاشية الشهاب" (١/ ٣٠٢).
[ ٤ / ١٧٢ ]
في سورة البقرة (^١)، غيرَ أن هناك: ﴿وَادْخُلُوا﴾ وهنا: ﴿اسْكُنُوا﴾ والسكنى يتعقَّب الدخول، فأُمروا هناك بالمبدأ وهنا بما تسبَّب عنه، وهناك: (فكلوا) بالفاء وهنا بالواو، وذلك لأن الدخول حالةٌ منقضية (^٢) فحَسُنَ ذكر فاء التعقيب بعده، والسكنى حالةٌ مستمرَّة فحَسُنَ الأمر بالأكل معه لا بعده، وأثبت (رغدا) هناك بعد الأمر بالدخول لأنها حالةُ قدوم فالأكل فيها ألذُّ، بخلاف السكنى المذكور هنا، فإنها حالة استقرار واطمئنان فليس الأكل فيها كالأكل عند الدخول، وأما تقديم الحِطَّة على الدخول وتأخُّرُها عنه فلا تفاوت فيه لأن الواو للجمع لا للترتيب، وأما قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ﴾ في مقام ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ على حذف الفاعل للعلم به، وأما (أنزلنا) و(أرسلنا)، و﴿يَفْسُقُونَ﴾ و﴿يَظْلِمُونَ﴾ فمن وادٍ أحد.
﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ وعدٌ بالغفران والزيادةِ عليه بالإثابة.
قيل: وإنما أُخرج الثاني مخرج الاستئناف للدلالة على أنه تفضُّلٌ محضٌ ليس في مقابلةِ ما أُمروا به. ومبناه الغفولُ عن الواو الجامعة بينهما في سورة البقرة الدالةِ على التشريك في المقابلة المذكورة.
* * *
(١٦٢) - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
_________________
(١) الآية: (٥٨) منها، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾.
(٢) في (م) و(ك): "مقتضية" وهو تحريف.
[ ٤ / ١٧٣ ]
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ مر تفسيره في سورة البقرة.
* * *
(١٦٣) - ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾ المراد من سؤالهم التقريعُ بقديم كفرهم واعتدائهم حدودَ الله تعالى، والتقريرُ والإعلام بأن هذا من العلوم التي لا تحصل إلا بالتعليم أو بالوحي، فلم يتعلم ﵇ قطُّ فهو حجةٌ لأنَّه معجزة.
﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾: عن خبرها وحالِ أهلها، وهي أَيْلةُ (^١).
﴿الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْر﴾: قريبةً منه على شاطئه بين مَدْينَ والطُّور، وقيل: مدين، وقيل: طَبرية، والعرب تسمِّي المدينة قرية.
﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ إذ يتجاوزون حدَّ (^٢) الله تعالى في تعظيم السبت بالاصطياد، و﴿إِذْ﴾ ظرف لـ ﴿كَانَتْ﴾، أو ﴿حَاضِرَةَ﴾، أو للمضاف المحذوف، ولا يجوز أن يكون بدلًا منه (^٣) بدل الاشتمال؛ لأن (إذ) من الظروف التي لا تتصرَّف
_________________
(١) في (م) و(ك): "إيلياء"، وهو خطأ، وفيها أقوال المثبت واحد منها، وسيأتي غيره، وانظر: "روح المعاني" (٩/ ٤٢٧).
(٢) في (م): " حدود".
(٣) أي: بدل من المضاف المقدر، وهو: (أهل)، يعني: أهل القرية. وهذا ابتداء رد على الزمخشري والبيضاوي اللذين أجازا البدل المذكور، وهذا الرد منقول عن أبي حيان. انظر: "الكشاف" (٢/ ١٧١)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٣٩)، و"البحر" (١٠/ ٣٦٣).
[ ٤ / ١٧٤ ]
ولا يدخل عليها حرفُ جرٍّ، وجعلُها بدلًا يُجوِّز دخول (عن) عليها؛ لأن البدل على نية تكرير العامل، وإنما تُصرِّف فيها بأنْ أُضيف إليها بعض الظروف الزمانية، نحو: يومَ إذْ كان كذا.
وقرئ: (يَعَدُّون) (^١)، وأصله: يَعْتدون، أدغمت التاء في الدال ونُقلت حركتها إلى العين.
و: (يُعِدُّون) من الإعداد؛ أي: يُعِدُّون آلات الصيد في حال تعظيم السبت، أو يوم السبت وقد نهوا عنه وأمروا بأنْ لا يشتغلوا فيه بغير العبادة (^٢).
﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ ظرفٌ لـ ﴿يَعْدُونَ﴾، واحتمال الإبدال قد مرَّ وجه بُطلانه.
﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾: يوم تعظيمهم للسبت، مصدر سَبَتتِ اليهودُ: إذا عظَّمت سَبْتَهم بالتجرُّد للعبادة.
وقيل: اسم اليوم، والإضافةُ لاختصاصهم بأحكامٍ فيه.
ويرجِّح الأولَ قراءةُ: (يومَ إسباتهم) (^٣)، وقولُه: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾.
وقرئ: (لا يُسبِتون) مِن أَسْبَتَ، و: (لا يُسبَتون) على البناء للمفعول (^٤)، بمعنى: لا يدخلون في السبت.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٦).
(٢) انظر: "الكشاف" (٢/ ١٧٠)، و"البحر" (١٠/ ٣٦٣).
(٣) نسبت لعمر بن عبد العزيز. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٧)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٦٨)، و"الكشاف" (٢/ ١٧١)، و"البحر" (١٠/ ٣٦٤).
(٤) نسبت الأولى لعلي ﵁ والثانية للحسن. انظر المصادر السابقة.
[ ٤ / ١٧٥ ]
و﴿شُرَّعًا﴾ حال من الحيتان، ومعناه: ظاهرةً على وجه الماء، مِن شَرَع علينا: إذا دنا وأشرف.
وقيل: أي: مقبِلًا إليهم مصطفًّا، كما تقول: أُشرعتِ الرماح: إذا مُدَّت مصطفَّةً.
والحيتان: جمع حوتٍ، وأكثرُ ما تَستعمل العرب الحوت في معنى السمكة، واختلف في إطلاق اسم السمكة على ما سوى الحوت من الحيوانات البحرية، والذي نصَّ عليه الشافعي في "الأم" و"المختصَر" أنها تطلق على الجميع، قال صاحب "الروضة": وهو الصحيح.
﴿كَذَلِكَ﴾، أي: مِثْلَ ذلك البلاء الشديد، والظاهرُ أن الإشارة إلى ابتلائهم بإتيان الحيتان يوم السبت وعدمِ إتيانها في سائر الأيام.
﴿نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: بسببِ استمرارهم على الفسق.
* * *
(١٦٤) - ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَتْ﴾ عطفٌ على ﴿وَإِذْ﴾ قبلها.
﴿أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾: جماعة من أهل القرية من صُلحائهم الذين بالَغوا في وعظهم، وبذلوا المجهود في نهيهم، حتى ملُّوا وأَيسوا من قبولهم، وتفرَّسوا من حالهم أن الوعظ لا يؤثِّر فيهم فتركوا، لآخرين (^١) منهم لم يتركوا موعظتهم:
_________________
(١) في النسخ: "الآخرين"، وهو خطأ، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ١٧١)، و"روح المعاني" (٩/ ٤٣٠).
[ ٤ / ١٧٦ ]
﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾؛ أي: قد أشرفوا على أن يُهلكهم الله تعالى فيَصْطَلِمَهم.
﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ غيرَ مصطَلِمٍ.
﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾؛ أي: موعظتُنا معذرةٌ إلى الله تعالى لئلا نُنسب إلى تقصير (^١) في النهي عن المنكر.
وقرئ: ﴿مَعْذِرَةً﴾ بالنصب (^٢)؛ أي: نَعِظُهم معذرةً، على أنه مفعولٌ له، أو: نعتذر معذرةً، على المصدر.
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: ولطمَعِنا في أنْ يتَّقوا بعضَ الاتِّقاء.
* * *
(١٦٥) - ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾: تركوا ﴿مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾: ما ذكَّرهم به الصُّلحاء، وجُعل التركُ نسيانًا مبالغةً؛ إذ أقوى أحوالِ الترك أن يُنسى المتروك.
﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ هي عامةٌ في المعاصي، ويدخل فيها صيدُ الحوت دخولًا أوليًّا.
﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالارتكاب للمنكَر، وفيه تنبيهٌ على أن العلة للأخذ هي الظلم.
_________________
(١) في (م): "التقصير".
(٢) هي قراءة حفص، والباقون بالرفع. انظر: "التيسير" (ص: ١١٤).
[ ٤ / ١٧٧ ]
﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾: شديدٍ، فعيلٌ من بَؤُسَ يبؤسُ (^١) بأسًا: إذا اشتدَّ.
وقرئ: (بَئِسٍ) كحَذِرٍ (^٢).
و: ﴿بَئِيسٍ﴾ وكظِئْرٍ على تسكين العين للتخفيف (^٣)، ونقلِ حركتها إلى الباء؛ ككِبْدٍ في كَبِدٍ.
وقرئ: ﴿بِيسٍ﴾ على قلب الهمزة ياءً كما قُلبت في ذيبٍ (^٤)، أو على أنه فعل الذمِّ وُصف به فجعل اسمًا.
وقرئ: (بَيِّسٍ) كرَيِّسٍ (^٥) على قلب همزة ﴿بَئِيسٍ﴾ (^٦) ياءً وإدغام الياء فيها.
و: (بَيْسٍ) على تخفيف (بيِّس) كمَيْتٍ في مَيِّتٍ (^٧).
﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: بسبب استمرارهم على الفسق.
* * *
_________________
(١) "يبؤس "من (م).
(٢) نسبت لأبي عبد الرحمن السلمي وطلحة بن مصرف. انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٤٦٩)، و"الكشاف" (٢/ ١٧٢)، و"البحر" (١٠/ ٣٧٠).
(٣) هي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١١٤).
(٤) هي قراءة نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١١٤).
(٥) انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٤٧٠)، و"الكشاف" (٢/ ١٧٢)، و" البحر" (١٠/ ٣٧٠).
(٦) هي قراءة أبي بكر بخلاف عنه، والوجه الآخر عنه: ﴿بَئِيسٍ﴾. انظر: "التيسير" (ص: ١١٤).
(٧) هي رواية خارجة عن نافع، وهي خلاف المشهور عنه. انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٤٦٩)، و"الكشاف" (٢/ ١٧٣)، و"البحر" (١٠/ ٣٧٠). ولم يُعن أحد بهذه القراءات كما عني بها أبو حيان رحمه في "البحر"، فقد ذكر فيها اثنتين وعشرين قراءة مع شرحها، وقد خرجناها وفصلناها بفضل الله في تحقيقنا له فلتنظر فيه.
[ ٤ / ١٧٨ ]
(١٦٦) - ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾: طَغَوا وتكبروا عمَّا نُهوا عنه، وزادوا عصيانًا وتَفَرْعُنًا.
﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ على طريقة الأمر التكويني: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾؛ أي: مسخناهم دفعةً.
﴿خَاسِئِينَ﴾: أذلَّاءَ مُبْعَدِين عن الناس، وقد مرَّ ما يتعلق بهذا في تفسير (^١) سورة البقرة.
والظاهر من المعنى: أن الله تعالى عذَّبهم أولًا بعذابٍ شديد، فلم ينتهُوا وعَتَوا بعد ذلك فمسخهم.
وقيل: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا﴾ تكريرٌ وتقريرٌ لقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾.
والعذاب الشديد: هو المسخ، وعن مجاهد: مُسخت قلوبهم لا أبدانُهم (^٢).
* * *
(١٦٧) - ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ ﴿تَأَذَّنَ﴾: عَزَم، وهو تفعُّلٌ من الإيذان وهو الإعلام؛ لأن العازم على الأمر يؤذِن نفسَه به ويحدِّثها، ومثلُه في التفعُّل بمعنى الإفعال: تَوَعَّدَ، بمعنى: أَوْعَدَ، وأُجري مُجرى القَسَم كعَلِمَ اللهُ وشَهِدَ اللهُ، ولذلك أُجيب بما يُجاب به القسم وهو:
﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾، أي: عزم ربك وأَوْجَب على نفسه ليسلِّطنَّ على اليهود ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ﴾: يكلِّفُهم ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ كالإذلال وضرب الجزية.
_________________
(١) "تفسير"من (م).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٥).
[ ٤ / ١٧٩ ]
بعث الله تعالى عليهم بعد سليمان ﵇ بُخْتَ نَصَّرَ، فخرَّب ديارهم، وقتل مقاتِلتَهم، وسبى نسائهم وذراريهم، وضرب الجزية على مَن بقي منهم، وكانوا يؤدُّونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمدًا ﷺ فضربها عليهم لا إلى آخر الدهر - كما قيل (^١) - بل إلى نزول عيسى ﵇؛ لأنَّه بعد نزوله من السماء يضع عنهم الجزية على ما ورد في الحديث المرفوع (^٢)، وعند ذلك ينقلبُ تكليف الجزية إلى أَشَدِّه وهو تكليفُ الإسلام بالقتل (^٣)، وسوءُ العذاب ينتظِمُهما (^٤).
ويجوز أن يكون المراد من يوم القيامة: وقتَ ظهور بعض شرائطها (^٥)، فحينئذ لا حاجة إلى تعميم سوءِ العذاب، والله أعلم بالصواب.
﴿نَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لا يحتاج إلى إعداد الآلات وإحضار الأسباب ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ من تاب وأناب.
* * *
(١٦٨) - ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
_________________
(١) "كما قيل": ليست في (م) و(ك). والقائل الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ١٧٣).
(٢) رواه البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥)، من حديث أبي هريرة ﵁. وتعقب الآلوسي ﵀ هذا الكلام بقوله: ولا ينافي ذلك [أي: كونُها مضروبة إلى آخر الدهر] رفْعَها عند نزول عيسى ﵊؛ لأن ذلك الوقتَ ملحق بالآخرة لقربه منها، أو لأن معنى رفعه ﵇ إياها عنهم أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام ويخيرهم بينه وبين السيف، فالقوم حينئذ إما مسلمون أو طعمةٌ لسيوفهم فلا إشكال. انظر: "روح المعاني" (٩/ ٤٣٨).
(٣) يعني: لا يقبل منهم إلا الإسلام، فيخيرون بينه وبين القتل. انظر التعليق السابق.
(٤) في (ف): "ينتظمها".
(٥) في (م): "أشراطها".
[ ٤ / ١٨٠ ]
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: وفرَّقناهم في أقطارها بحيث لا يخلو قطرٌ منهم، تتميمًا لإدبارهم حتى لا يكون لهم شوكةٌ بالاجتماع.
﴿أُمَمًا﴾ مفعولٌ ثانٍ أو حالٌ.
﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ الذين آمنوا [بالمدينة] ونظراؤهم (^١)، و﴿الصَّالِحُونَ﴾ فاعلٌ للظرف لاعتماده على الموصوف، أو مبتدأ و﴿وَمِنْهُمْ﴾ خبرُه والجملة صفة لـ ﴿أُمَمًا﴾.
﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ ﴿دُونَ﴾ صفةٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: ومنهم ناسٌ دون ذلك الوصف منحطُّون عن درجة الصلاح، وهم الفَسَقة والكَفَرة (^٢).
﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾: بالنِّعم والنِّقم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عما كانوا عليه بالانتهاء.
* * *
(١٦٩) - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾: من بعد المذكورين ﴿خَلْفٌ﴾ بدلُ سوءٍ، وهو مصدرٌ
_________________
(١) "ونظراؤهم"؛ أي: ممن يؤمن في غير المدينة، وما بين معكوفتين من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٤٠) والكلام منه. قال الشهاب في "الحاشية" (٤/ ٢٣١): وقوله (أي: البيضاوي): (وهم الذين آمنوا بالمدينة)، قيل: إنه خلاف الظاهر؛ لتفريع قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ عليهم، وضم المصنف ﵀ إليه نظراءهم ليخفَّ الإشكال.
(٢) في (م) و(ك): "والكفار".
[ ٤ / ١٨١ ]
نُعت به، ولذلك يستوي فيه الواحد والكثير، وقيل: جمع، قال ثعلبٌ: الناس كلهم يقولون: خَلَفُ صِدْقٍ، للصالح، و: خَلَفُ سوءٍ، للطالح.
وكأنه غافل عن قول حسَّان في المدح:
لنا القَدَمُ الأولى إليكَ وخَلْفُنا … لأوَّلنا في طاعةِ الله نافعُ (^١)
والمراد به: الذين كانوا في عصر رسول الله ﷺ.
﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾: التوراةَ من أسلافهم يقرؤونها ويقفون على ما فيها ولا يعملون.
وفي عبارة ﴿وَرِثُوا﴾ إشارة إلى أنها وصلت إليهم بلا استحقاقٍ منهم كما يصل المال الموروثُ من المورِّث الصالح إلى الوارث الطالح.
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾؛ أي: حطامَ هذا الشيء الأدنى، وهو ما يأخذونه من الرُّشا في الأحكام، وعلى تحريفِ الكلِم للتسهيل على العامة.
و﴿الْأَدْنَى﴾: إما من الدنوِّ بمعنى القُرْب؛ لأنَّ الشيء الحقيرَ سهلُ التناول قريبُ المأخذ، وإما من الدناءة بمعنى الخسَّة والمراد به الدنيا وما يُتمتَّع به منها.
والإشارة بـ ﴿هَذَا﴾ لمزيد التحقير، والجملة حالٌ من ضمير ﴿وَرِثُوا﴾، أو صفةٌ بعد صفةٍ.
﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ﴾؛ أي: إذا عُوتبوا على ذلك اعتذَروا بما يَرْجونه من سَعة رحمة الله تعالى، ويقولون: لا يؤاخِذُنا الله تعالى بما أَخذْنا وَيتجاوز عنا (^٢)، وهو يَحتمِل العطفَ والحالَ، والفعلُ مسنَدٌ إلى الجارِّ والمجرور، أو إلى مصدرِ ﴿يَأْخُذُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "ديوان حسان" (ص: ٣١٠).
(٢) "عنا" من (م).
[ ٤ / ١٨٢ ]
﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ حال من الضمير في ﴿يقولونَ﴾؛ أي: يرجُون المغفرة جازِمينَ بها وهم مصرُّون على ذنوبهم لا يتوبون عنها.
﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾؛ أي: العهدُ الذي في التوراة.
﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ عطفُ بيان للميثاق، أو متعلِّق به؛ أي: بأنْ لا يقولوا؛ أي: لا يفتروا على الله تعالى، وهو القطع بالمغفرة مع الإصرار على الذنب، وهو خلاف ميثاق الكتاب.
ويجوز أن تكون ﴿أَنْ﴾ مفسِّرةً، و﴿لَا يَقُولُوا﴾ نهيًا؛ كأنه قيل: ألم يقل لهم أنْ لا يقولوا .. إلى آخره.
وإنْ فسِّر الميثاق بما بيِّن فيه - وهو أنَّ مَن ارتَكب ذنبًا عظيمًا لا يُغفر إلا بالتوبة - كان ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا﴾ مفعولًا له؛ أي: لئلا يقولوا.
﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ الظاهر أنه عطفٌ على ﴿وَرِثُوا﴾، وقوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ اعتراضٌ أو حالٌ بتقدير (قد).
وقيل: عطفٌ على ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ من حيث المعنى لأنَّه تقرير له؛ كأنه قيل: أُخذ عليهم ميثاقُ الكتاب ودرَسوا ما فيه.
ومعنى الهمزة في ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ تقريعٌ وتوبيخٌ على أخذ الرشوة والقطعِ بالمغفرة، ولهذا (^١) قُبحَ فعلهم بوجوه:
أولها: أنه خلاف ميثاق الكتاب.
الثاني: أنه افتراء على الله تعالى.
_________________
(١) في (م) و(ك): "ولذا".
[ ٤ / ١٨٣ ]
الثالث: التأكيد بقوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾؛ أي: من اشتراط التوبة في غفران الذنب (^١).
الرابع: قوله: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾؛ أي: من ذلك العَرَض الخسيس ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الرُّشا، وهو تعريض بأنهم يستحبُّون الدنيا على الآخرة ويستبدلونها بها.
ثم التأكيد بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: أيأخذون العَرَض الحقير فلا يعقلون أن الدار الآخرة خيرٌ فلا يبيعون الشريف الباقي بالخسيس الفاني.
وقرئ: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ بالتاء على الالتفات (^٢).
وفي الإبهام بقوله: ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا﴾ تنبيهٌ على عظم ما يرتكبونه.
* * *
(١٧٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ تعريضٌ بأنهم لا يمسِّكون بالكتاب إذ يخالفونه، وأنهم لا يصلُّون، وتخصيصُها بالذكر لأنها عماد الدِّين وأمُّ العبادات.
والجملة عطف على ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، و﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ اعتراض بينهما، و(^٣): ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ اعتراضٌ آخر.
_________________
(١) في هامش (م): " قوله: من اشتراط التوبة، هذا عين مذهب المعتزلة، والمناسب أن يترك ويفسر بما ذكر في الكتاب من غيره ".
(٢) هي قراءة نافع وابن عامر وابن ذكوان وحفص، والباقون بالثاء. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٢).
(٣) الواو من "ك".
[ ٤ / ١٨٤ ]
أو مبتدأ خبره (^١): ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾؛ أي: منهم، أو على وضع الظاهر موضع الضمير تنبيهًا على أن الإصلاح كالمانع من التضييع، وإيماءً إلى أنهم مفسدون بما يفعلون.
أو استئنافٌ لتعليل الخبر المحذوف (^٢)، كأنه قيل: نوفيهم أجورهم لأنا لا نضيع أجر المصلحين (^٣).
* * *
(١٧١) - ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾؛ أي: فلَقْناه من الأصل ورفعْناه.
﴿فَوْقَهُمْ﴾ يقال: نتَقتِ الدابةُ صاحبَها حين تعدوا به؛ أي: حرَّكته ورفعته.
﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ في موضع الحال من ﴿الْجَبَلَ﴾، والظلَّة: كلُّ ما أظلَّ من سَقيفة أو سَحابٍ، وقرئ بالطاء المهملة من أَطَلَّ: إذا أشرف (^٤).
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾: ساقطٌ عليهم، وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لثِقَلها، فرفع الله تعالى الطُّور فوقهم وقيل لهم: إن قبلتُم (^٥) ما فيها وإلا ليقعنَّ (^٦)
_________________
(١) في (م) و(ك): "وخبره". والمراد بالمبتدأ قوله: (الذين يمسكون).
(٢) أي: خبر (الذين يمسكون) محذوف، وجملة: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ استئناف لتعليل هذا الخبر.
(٣) في (م): "المحسنين".
(٤) انظر: "الكشاف" (٢/ ١٧٥).
(٥) في (م) و(ك): "قبلتم".
(٦) في النسخ: "ليقض"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ١٧٥)، و"تفسير البيضاوي"=
[ ٤ / ١٨٥ ]
عليكم، وهذا لا يقتضي تيقُّنهم بوقوع الجبل بهم، وكذا عدمُ ثبوت الجبل في الجوِّ لا يقتضيه؛ لأنَّه على جَرْي العادة، وأما على تقدير خَرْقها (^١) فلا بُعد فيه، وعدمُ وقوع المتعلّق لا يصلح وجهًا لإطلاق الظن على الاعتقاد الجازم، لعدم الفرق بينهما في عدم الاقتضاء بوقوعه، فالوجه أن يكون الظنُّ هنا على حقيقته (^٢).
﴿خُذُوا﴾ على إضمار القول، أي: وقلنا: خذوا، أو قائلين: خذوا ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ من الكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجِدٍّ وعزم على احتمالِ تكاليفه ومشاقِّه، وهو حال من الواو.
﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ بالعمل فيه ولا تتركوه كالمنسيِّ.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ما أنتم عليه من قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق.
* * *
(١٧٢) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ أي: أَخرج من أصلابهم بَنيهِم على ما يتولَّدون قرنًا بعد قرن، ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من ﴿بَنِي آدَمَ﴾ بدلَ البعض، والضميرُ لآدم ﵇ وبنيهِ لا لبنيهِ خاصةً، ولا يلزم إخراجُ أولاده من حيِّز (^٣) الإرادة، وأما عيسى ﵇ فخارجٌ من ظهر جدِّه بواسطة أمِّه.
_________________
(١) = (٣/ ٤١)، و"روح المعاني" (٩/ ٤٤٧).
(٢) في النسخ: "خرقه"، والصواب المثبت. انظر: "روح المعاني" (٩/ ٤٤٦).
(٣) في هامش (ف): "يعني: أن اليقين المذكور بمعنى الاعتقاد الجازم كما هو المناسب لاعتبار البلغاء، لا الاعتقادِ المطابق للواقع كما هو مصطلح الحكماء".
(٤) في (ك): "غير".
[ ٤ / ١٨٦ ]
﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؛ أي: نَصَب لهم دلائلَ رُبوبيَّته، وركَّب في عقولهم ما يَدْعوهم إلى الإقرار بها، حتى صاروا بمنزلةِ مَن قيل لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ونزَّل تمكينَهم من العِلم بها وتمكُّنهم منزلةَ الإشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل، ويدلُّ عليه قوله:
﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (بلى) في سؤال النفي إثباتٌ، فكان إقرارًا والإقرارُ بدون الاعتقاد لا يكون شهادة، ولهذا ردَّ الله تعالى قول المنافقين قالوا: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] فالتصديق ثبت بمقتضى قولهم: ﴿شَهِدْنَا﴾.
﴿أَنْ تَقُولُوا﴾؛ أي: كراهةَ أنْ تقولوا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ لم نتنبَّه (^٤) عليه.
* * *
(١٧٣) - ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ عطفٌ على ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾، وقرئ كلاهما بالياء (^٥) على ما دَل عليه (^٦) أول الكلام من الغيبة.
﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدينا بهم (^٧)؛ لأن التقليد عند قيام الدليل والتمكُّن من العلم به لا يَصلح عذرًا.
_________________
(١) في (ف): "ننبه". وفي (ك): "يتنبه".
(٢) هي قراءة أبي عمرو، وباقي السبعة بالتاء. انظر: "التيسير" (ص: ١١٤).
(٣) "دل عليه" سقطت من (ف)، و"دل" سقطت من (م).
(٤) في (م): "فاقتديناهم".
[ ٤ / ١٨٧ ]
﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾؛ أي: أبعدَ تأسيس آبائنا الشركَ المبطلِين، وجَعْلِهم إياه سنةً لنا تُهلكنا بما فعلوه؟!
وقيل: لمَّا خلق الله تعالى آدم ﵇ أخرج من ظهره ذرِّيةً كالذَّرِّ، وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق، وألهمهم ذلك، لخبرٍ رواه عمرُ ﵁ (^١).
والمقصود من إيرادِ هذا الكلام هنا إلزامُ اليهود مقتضَى (^٢) الميثاق العامِّ بعدما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاجُ عليهم بالحجج السَّمعية، ومنعُهم عن التقليد، وحملُهم على النظر والاستدلال كما قال:
(١٧٤) - ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلَ ذلك التفصيلِ البليغ ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ قطعًا لعذرهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: نَميز بعضَها عن بعضٍ ليتمكَّنوا (^٣) من الاستدلال، ويرجعوا عن التقليد واتِّباع الباطل، والواو للعطف لمقدَّر نبَّهنا عليه.
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٤١) والكلام منه، و"تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" للبيضاوي أيضًا (١/ ١٠٥)، و"تفسير القرطبي" (٩/ ٣٧٦)، و"روح المعاني" (٩/ ٤٥٦). وقد ذكر هؤلاء عن عمر حديثًا في الآية رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٨٩٨ - ٨٩٩)، والإمام أحمد في "المسند" (٣١١)، وأبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥). وأعله ابن عبد البر في "التمهيد" (٦/ ٣) بجهالة الراوي عن عمر، ثم قال: لكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة ثابتة يطول ذكرها، من حديث عمر وغيره. اهـ. قلت: وثمة حديث آخر عن عمر ﵁ في هذا المعنى أورده الآلوسي (٩/ ٤٦٧)، ورواه الحاكم في "المستدرك" (١٦٨٢)، والبيهقي في " الشعب " (٤٠٤٠)، وأعله بأبي هارون العبدي، وقال الذهبي في "تلخيص المستدرك": أبو هارون ساقط.
(٢) في (م): "لمقتضى".
(٣) في (م) و(ك): "ليمكنوا".
[ ٤ / ١٨٨ ]
(١٧٥) - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على اليهود ﴿نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ هو أحد علماء بني إسرائيل، وقيل: من الكنعانيين، اسمه بَلْعَمُ بنُ باعُوراءَ، أُوتي علمَ بعض كتب الله تعالى.
﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ بأنْ كذبها (^١) وخرج عن حُكمها.
﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ خطواتِه، أي: جعَله تابعًا له، وقيل: استَتْبعه، أو: أتبعه ليُضلَّه، فأدركه ولحقه وصار قرينًا له.
﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾: فصار من الضالين.
وقيل: هو أمية بن أبي الصَّلت، كان قد قرأ الكتب، وعلِم أن الله تعالى مرسل في ذلك الزمان رسولًا، وتوقَّع أن يكون هو، فلما بُعث محمد ﷺ حسده (^٢) وكفر به.
* * *
(١٧٦) - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾، أي: إلى منازل الأبرار من العلماء؛ لأن مراد الله تعالى لا يتخلَّف، ولكن حكمته اقتضتْ أن يُتبع إرادتَه اختيارَ العبد.
_________________
(١) في (ك): "كفر بها"، وفي (م): "كفر".
(٢) في (ف): "جحده".
[ ٤ / ١٨٩ ]
وأُشير إلى هذا حيث قال في موقع (ولكنْ لم نشأ): ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ فذَكر فِعل العبد لا فِعله؛ أي: مال إلى الدنيا وإلى السَّفالة.
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ في إيثار الدنيا واسترضاءِ قومه، وأعرض عن مقتضى الآيات.
نسب إيتاء الآيات إلى الله تعالى، وخروجَه عن حكمها إليه؛ إشعارًا بأن الكل إنما يكون بحسب استعداد العبد بإعطاء (^١) أسباب الكمال، ولكنه بحسب استعداده إلى الجهة السفلية خرج عن حكمها فناسب الشيطان فأغواه فشَقي بها، وعلَّق رفعَه بمشيئة الله تعالى واستدرك عنه بفعل العبد تنبيهًا على أن المشيئة سببٌ لفعله الموجِب لرفعه، وأن عدمه دليلُ عدمها، لاستلزامِ انتفاءِ المسبَّب انتفاءَ السبب، وأن السبب الحقيقيَّ هو المشيئة، وأن الأسباب وسائطُ في حصول المسبَّب إذا تعلقت المشيئةُ به كذلك، ووضع قوله: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ موضع: أعرض عنها؛ إقامةً للسبب مقام المسيَّب، مبالغةً وتنبيهًا على أن موجِبَ إعراضه هوى (^٢) النفسِ وحبُّ الدنيا، وأنَّه رأس كلِّ خطيئة.
وكان مقتضى الظاهر أن يقول: ولكنه أخلد إلى الأرض فحطَطْناه، في مقابلةِ: (رفعناه)، فوَضَع قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ موضعَ فحططناه أبلغَ حطٍّ وأذلَّه مبالغةً؛ أي: صفتُه كصفة الكلب - الذي هو مَثَلٌ في الخسةِ - في أخسِّ أحواله وأذلِّها، وهو دوام اللَّهَثِ سواءٌ حُمل عليه وهِيج أو تُرك ولم يُهَجْ، على ما ذَكر بقوله:
﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ فإنه دائمًا يلهث لضعف قلبه
_________________
(١) في (ف): "فأعطاه"، وفي (م): "فأعطي".
(٢) في (ف): "هو".
[ ٤ / ١٩٠ ]
وحرارته، بخلاف سائر الحيوانات فإنه يلهث عند التحريك والإزعاج ولا يلهث عند التوريع والإحمام (^١).
واللَّهَث: هو إدلاعُ اللسان من النَّفَس الشديد الذي يَلحَقُ الإنسان وغيرَه من شدَّة الإعياء، وهو في الكلاب طبعٌ، وقد يكون من العطش.
محل الجملة الشرطية النصبُ على الحال؛ أي: كمَثَل الكلب لاهثًا في الحالين.
والمراد من التمثيل: أن الاستعداد الخبيث لا يكون من موجِبات الترقِّي (^٢) وأسبابِ الكمال والسعادة، بل يزيده (^٣) نقصًا وانحطاطًا وشقاوة، كما لا تنفعه الآيات بل زادته رجسًا إلى رجسه.
وجه (^٤) التمثيل: أن إيتاء الآيات وأسبابَ السعادات كالتوريع والإحمام، وضلالَه واستعدادَه كلَهَث الكلب وطبيعتِه، ولهذا قيل: معناه: إنْ وعظْتَه فهو ضالٌّ، وإن لم تَعِظْه فهو ضالٌّ.
﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ يعني: لا اختصاص للتمثيل المذكور بالذي ورد في حقِّه، بل يَعُمُّه وأمثالَه من المكذِّبين بآياتنا، كما لا اختصاص للأحكام النازلة بأسبابِ نزولها، ومن هنا يتَّضح وجه التفريع في قوله:
﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ المذكورة المشتمِلة على التمثيلات المشبِّهة لمَن حالُه كحالهم.
_________________
(١) في (ف): "التورية والإحمار". وفي (ك): "التؤدة والإحماد".
(٢) في (م): "لا يوجب الترقي "، وفي (ك): "لا موجبات الترقي".
(٣) في (م): "بل يزيد".
(٤) في (م): "ووجه".
[ ٤ / ١٩١ ]
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيه فيتَّعِظون به ويحذَرون مِثلَ عاقبته.
* * *
(١٧٧) - ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ ﴿سَاءَ﴾ بمعنى: بئس، وأصلُها التعدِّي، تقول: ساءني الشيء يَسُوءني، ثم لمَّا استعملت استعمالَ (بئس)، بُنيت على (فَعُلَ) وجرت عليها أحكام (بئس).
و﴿مَثَلًا﴾ تمييز للضمير المستكنِّ في ﴿سَاءَ﴾ فاعلًا، وهو مفسَّر بهذا التمييز، وهو من الضمائر التي يفسِّرها ما بعدَها، ولا بد أن يكون المخصوصُ بالذم من جنس التمييز، فاحتيج إلى تقديرِ مضافٍ (^١): إما في التمييز، أي: ساء أصحابُ مَثَلِ القوم، وإما في المخصوص، أي: ساء مَثَلًا مَثَلُ القوم، وهذه الجملةُ تأكيدٌ للجملة السابقة.
﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ بعد قيام الحجة وعِلمهم بها، إمَّا معطوف على ﴿كَذَّبُوا﴾ فيكون في حيِّز الصلة، أي: الذي جمعوا بين التكذيب والظلم على أنفسهم، وإمَّا كلام منقطِعٌ عن الصلة اعتراضًا للبيان؛ أي: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسَهم؛ لأن وباله لا يتعدَّى إلا إليها، ولهذا التخصيصِ قدِّم المفعول، وهذا الأخيرُ أحسن.
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ لمَّا تقدَّم ذكر المهتدِين والضالِّين أَخبر تعالى أنه المتصرّف فيهم بما شاء من هدايةٍ وضلال، وفيه تصريحٌ بأن الاهتداء مخصوصٌ بمَن يهدي اللهُ تعالى، وتنزيلٌ (^٢) للهداية التي
_________________
(١) "مضاف" من (م).
(٢) في (م): "وتنزيلًا".
[ ٤ / ١٩٢ ]
لم يترتَّب عليها الاهتداءُ منزلةَ العدم، وأما اختصاصُ هداية الله تعالى ببعضٍ دون بعضٍ، واستلزامُها للاهتداء، فيردُّه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] (^١).
وفي الإفراد في الأول والجمعِ في الثاني - لاعتبار اللفظ في الأول والمعنى في الثاني (^٢) - والتغيرِ (^٣) عن لفظ الضالين تنبيهٌ على أن المهتدين كنفسٍ واحدةٍ لاتحاد طريقهم، بخلاف الضالين فإن لهم طرقًا لا تنحصر، وأن اجتماعهم لا يُجدي نفعًا في دفع الخسران اللازم لضلالتهم.
وفي الاقتصار في الإخبار عمَّن هداه الله تعالى بالمهتدين تعظيمٌ لشأن الاهتداء، وبيانُ أنه في نفسه كمالٌ تامٌّ لو لم يكن لكَفَى نفعًا جليلًا وربحًا وافيًا؛ لأنَّه المستلزم للفوز الأكبر، والعنوانُ لجميع الكمالات.
* * *
(١٧٩) - ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾: خَلَقْنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ لمصلحته؛ فإنه مظهر (^٤) جلال الله تعالى
_________________
(١) رد على البيضاوي في قوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ تصريح بأن الهدى والضلال من الله، وأن هداية الله تختص ببعض دون بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء. انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٤٣).
(٢) "لاعتبار اللفظ في الأول والمعنى في الثاني" من (م).
(٣) في (م): "والتعبير"، ولعلها محرفة عن: (والتغيير).
(٤) في (ف) (ك): "يظهر".
[ ٤ / ١٩٣ ]
وقهره فلا يناسب الحكمَ تعطيلُه، وفيه تنبيهٌ على سبب خلقه تعالى مَن لا حظ له في (^١) الاهتداء.
﴿كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قدَّم الجنَّ على الإنس لأن الكلام في مقام التحقير والإذلال، وهم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا تَنجَع فيهم الدعوة إلى الحق والآيات.
﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ إذ لا يُلقُون أفهامَهم إلى النظر في الدلائل، ولا أذهانَهم إلى طلب الحق ومعرفته.
﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾، أي: لا ينظرون بها نظرَ اعتبارٍ إلى ما خلق الله تعالى.
﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ آياتِ الله تعالى سماعَ تدبُّر وتأمُّل، فكأنه لا إدراكَ لقلوبهم ومشاعرهم.
﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ لمَّا لم ينتفِعوا (^٢) بقلوبهم ومشاعرهم جعَلَها مسلوبةَ الفهم الإدراك ثم شبَّههم بالأنعام في عدم الفقه والاعتبار والفهم، أو في أن مشاعرهم لا تتوجه إلا إلى اللذات الحسِّية وأمورِ المعاش، لا تطمح أبصارهم ولا تلتفت بصائرهم إلى أمور المَعاد.
﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾؛ لأنها مع عدم العقل تجتنِبُ المضارَّ وتجلبُ أسباب المسارّ، بخلاف الكفار فإنهم على عكس هذا، كيف وهم يصرُّون على الكفر والإنكار؟ والإصرارُ يُورثُهم الإضرار في هذه (^٣) الدار ودارِ القرار.
_________________
(١) في (م): "من".
(٢) في (م): "ينفعوا".
(٣) في (م): "هذا".
[ ٤ / ١٩٤ ]
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: الكاملون في الغفلة، بيَّن به سببَ كونهم أضلَّ من الأنعام، وهو الغفلةُ عما أَعد الله تعالى لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.
وفي الآية تعريضٌ لليهود ببيان ما هو صورة حالهم.
* * *
(١٨٠) - ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ التي هي أحسنُ الأسماء؛ لدلالتها على المعاني التي هي أشرفُ المعاني.
﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ لا بغيرها، ولا تدعو غيرَه بها (^١).
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: واتركوا تسميةَ الذين يَميلون في أسمائه عن الحقِّ إلى الباطل فيسمُّونه بما لا توقيفَ فيه، أو بما يوهم معنًى فاسدًا، كقول أهل البدو: يا أب المكارم، يا أبيض الوجه، أو الذين يَزيغون في أسمائه فيُطلقونها على غيره تعالى، كقولهم: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فلا تبالوا بإنكارهم وإلحادهم (^٢)، أو ذروهم وإلحادَهم في إطلاقها على أصنامهم لتسميتهم آلهةً، أو اشتقاقهم أسماءها منها كاللات من الله، والعزى من العزيز، فلا توافقوهم فيها وأعرضوا عنهم فإن الله تعالى مُجازيهِم كما قال:
﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والتركيب على هذا الوجه أدلُّ.
_________________
(١) "بها" من (م).
(٢) في (م): "فلا تبالوا بإنكارهم واتركوهم وإلحادهم".
[ ٤ / ١٩٥ ]
وقرئ: ﴿يَلْحَدون﴾ بالفتح (^١)؛ يقال: لَحَدَ وأَلحَدَ: إذا مال عن المقصد.
ولمَّا قال ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا﴾ كالضالِّين الغافلين والملحدين قفَّاه بما دلَّ على أنه خلَق للجنة كثيرًا وهو قوله:
* * *
(١٨١) - ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ في الحكم؛ أي: في كلِّ قرنٍ طائفة بهذه الصفة؛ لقوله ﵇: "لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الحقِّ إلى أنْ يأتيَ أمرُ الله" (^٢)، ففيه دلالةٌ على صحة الإجماع.
* * *
(١٨٢) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾؛ أي: بآيات الله التي تضمَّنها القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ [القلم: ٤٤].
والمراد من الاستدراج: الاستدناءُ إلى الهلاك قليلًا قليلًا، يقال: دَرَج الكتابَ؛ أي: طوَاه شيئًا بعد شيء.
قال الخليل: أي: سنطوي عمرهم في اغترارٍ منهم (^٣). فهو من الدَّرْج بمعنى اللفِّ، ومنه أُدرِج الميت في أكفانه.
_________________
(١) هي قراءة حمزة. انظر: "التيسير" (ص: ١١٤).
(٢) رواه البخاري (٣٦٤٠)، ومسلم (١٩٢١)، من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣١٢)، و"زاد المسير" (٣/ ٢٩٤)، و"البحر" (١٠/ ٤١٧).
[ ٤ / ١٩٦ ]
وقيل: هو من الدَّرَجة، فهو في الأصل: التقريب من المقصود درجةً درجةً بالإصعاد أو الإهباط، ثم اتُّسع فأُطلق على التقريب منه قليلًا قليلًا (^١) ومنه: دَرَج الصبي، إذا قارَبَ بين خطاه.
والفرقُ بين المعنيين واضح وإن اشتبه على مَن ذكر المعنى الثانيَ وقال: ومنه دَرَج الكتابَ (^٢).
﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنه استدراج، حيث جدَّد لهم النعمة كلما (^٣) جدَّدوا ما يستحقُّون به النِّقمة، فاغترُّوا به: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤].
* * *
(١٨٣) - ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.
﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأُؤخِّرُ عذابهم، من المليِّ ثقيلةَ الياء؛ يقال: مضى عليه مَلِيٌّ من الدهر وملَاوةٌ - بفتح الميم وضمِّها وكسرها -؛ أي: قطعة منه، عطفٌ على ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ لا على (نستدرجهم)؛ إذ لا حاجة إلى إدخاله في حكم السين، فإن الإملاء يَلزمُه الاستدراج المذكور لزومًا بيِّنًا، فتأكيده يُغني عن تأكيد هذا، فمَن قال: عطفٌ على ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ (^٤)، ثم قال: وهو داخل في حكم السين، فقد أخطأ مرتين.
_________________
(١) "قليلا" الثاني من (ك).
(٢) "والفرق بين المعنيين واضح وإن اشتبه على مَن ذَكر المعنى الثاني وقال: ومنه درج الكتاب" من (م).
(٣) في (م): "كما".
(٤) في (م): "نستدرجهم"، والمثبت من (ف) و(ك)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٢/ ١٨٢)، وعليه تعقَّب المؤلف.
[ ٤ / ١٩٧ ]
وإنما لم يقل: نملي لهم، على وفق ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ للفرق بينهما، فإن الاستدراج بالتدبير العادي الذي توسَّط فيه المدبِّراتُ أمرًا، والإملاء بالتقدير الإلهي الذي لا دخل فيه لأحد.
﴿إِنَّ كَيْدِي﴾ الكيد: الأخذ على خفاءٍ، فإطلاقُها هنا على الحقيقة لا على التشبيه؛ كما زعمه مَن قال: وإنما سماه كيدًا لأنَّه على صورته، ولا يُعتبر فيه إظهار خلافِ ما أبطنه، وبه يفارق المكرَ، فإنه يشارك الكيدَ في الأخذ المذكور، ويمتاز عنه باشتماله القيدَ المذكور.
﴿مَتِينٌ﴾: شديد قوي، أصله من المَتْن، وهو اللحمُ الغليظ الذي على جانب الصُّلب، وهما متنان.
* * *
(١٨٤) - ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ الاستفهامُ للتعجب، والواو للعطف على محذوف تقديره: ألم يعلموا ولم يتفكَّروا.
﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ يعني: محمدًا (^١) ﷺ.
﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾؛ أي: جنونٍ، من مسِّ الجن، وكانوا يقولون فيه ﵇: شاعر مجنونٌ، بالَغَ في نفي الجنون عنه ﵇ بنفي الحقيقة منكِّرًا قاصدًا بتنكيرها التقليلَ (^٢)؛ أي: ليس به ﵇ شيءٌ من الجِنَّة، وبزيادة ﴿مِنْ﴾ الدالةِ على نفي (^٣)
_________________
(١) في (م): "بمحمد".
(٢) في (ت): "التمثيل".
(٣) "نفي" من (م).
[ ٤ / ١٩٨ ]
ما ينسب إليها أيضًا وإن لم يكن منها حقيقةً. وفي تقديم ﴿بِصَاحِبِهِمْ﴾ تعريضٌ لهم، وفي عبارة (^١) الصاحب إليهم إشارةٌ إلى أنه لو كان به ﵇ تلك الحال لَمَا خَفِيَتْ عليكم؛ لِمَا بينكم (^٢) من المصاحَبة والمخالطة.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ عن قتادة: أن النبي ﷺ علا الصَّفا فدعاهم فخذًا فخذًا يحذِّرهم بأس الله تعالى، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنونٌ بات يصوِّت إلى الصباح، فنزلت (^٣).
فالمعنى: ما هو ﵇ في تلك الحالة (^٤) إلا منذر ﴿مُبِينٌ﴾: موضحٌ إنذارَه بأعلى صوت.
* * *
(١٨٥) - ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ نظرَ استدلال ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فيما يدلَّان عليه من عظم ملكه، أو فيما يملك به السماوات والأرض من ملكوتيَّاتهما.
الملكوت: الملك العظيم، أو الملائكة؛ أي: جنسِ الملائكة المدبِّرة (^٥) لهما بأمره تعالى.
_________________
(١) قوله: "عبارة" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (إضافة).
(٢) في (م) و(ك): "بينكما".
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ١٨٢)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٤٤)، وفيهما: (.. بات يهوت ..)، ومعناه: يصيح.
(٤) في (ك): "الحال".
(٥) "المدبرة" ليست في (ك).
[ ٤ / ١٩٩ ]
ثم إنه لم يقتصِر على الحثِّ على النظر في الملكوت، بل نبَّه على أن كلَّ فردٍ من الموجودات محلٌّ للنظر والاعتبار والاستدلال على وجود الصانع ووحدانيَّته، كما قيل:
وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ … تدلُّ على أنه واحدُ (^١)
فقال: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾: وفيما خلق الله تعالى من كلِّ ما يقع عليه اسم الشيء مما لا يمكن حصرُه؛ ليدلَّهم على كمال قدرة صانعها ووحدةِ فاطرها، وعِظَم شأن مالكها ومدبِّرها، فيعلمون صحةَ ما يدعوهم إليه، وفي إمكان اقتراب أجلهم - فعلَّهم (^٢) يموتون عن قريبٍ - فيسارعون إلى النظر فيما يهديهم إلى الحق، ويبادرون من العمل إلى ما ينجيهم من العذاب قبل مغافَصة (^٣) الأجل وحلول العقاب، على ما ذكره بقوله:
﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ عطف على ﴿مَلَكُوتِ﴾، و(أنْ) مخفَّفة من الثقيلة، أصله: أنه، والضمير فيها وفي ﴿يَكُونَ﴾ ضمير الشأن والحديثِ؛ أي: وفي أنَّ الشأنَ عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، ولا يجوز أن تكون مصدريةً؛ لأنهم نصُّوا أنها تُوصَل بفعلٍ متصرِّفٍ، و(عسى) فعل جامدٌ فلا يجوز أن يكون صلةً لـ (أنْ).
ويجوز أن يراد باقتراب الأجل اقترابُ الساعة.
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾؛ أي: بعد القرآن.
﴿يُؤْمِنُونَ﴾ متعلِّق بـ ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾؛ أي: لعل أجلهم قد اقترب فما بالُهم
_________________
(١) البيت لأبي العتاهية، وهو في "ديوانه" (ص: ١٠٤).
(٢) في (ك): "فلعلهم".
(٣) من غافصه: فاجأه، وأخذه على حين غرة. انظر: "القاموس" (مادة: غفص).
[ ٤ / ٢٠٠ ]
لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت؟ وماذا ينتظرون بعد وضوحه ولزوم الحجة عليهم؟
وقيل: فواتُه ما هو إلا لكونهم مطبوعًا على قلوبهم.
لمَّا أرشدهم إلى الاستدلال، وحرَّضهم (^١) على النظر في إمكان قُرب الأجل، أنكر عليهم التثبُّط عن (^٢) الإيمان، ثم قرَّر معنى الإنكار وما يلزمُه وعلَّل ذلك بقوله:
(١٨٦) - ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ نفى نفيًا عامًّا أن يكون هادٍ لمَن أضلَّه الله تعالى، فتضمَّن اليأسَ من إيمانهم والمقتَ لهم.
﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ بالرفع اعتراضٌ للبيان؛ أي: وهو يذرهم (^٣)، وقرئ: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ بالياء، لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾، وقرئ به وبالجزم عطفًا على محل ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾، كأنه قيل: لا يَهْدِه أحدٌ غيره وَيذَرْهم (^٤).
﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في إفراطِ ترفُّعهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ مهو حال منهم.
* * *
_________________
(١) في (ك): "وحرصهم".
(٢) في (م) و(ك): "من".
(٣) قوله: "وهو يذرهم" كذا قال، وهذا من حق القراءة بالياء الآتية، وأما هنا على القراءة بالنون فالصواب أن يقوله: (ونحن نذرهم). انظر: "روح المعاني" (٩/ ٥١١).
(٤) قرأ عاصم وأبو عَمْرو: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ بالياءِ ورفع الرَّاء وحمزة والكسائيّ بالياءِ وجزم الرَّاء والباقون بالنُّون ورفع الرَّاء. انظر: "التيسير" (ص: ١١٥).
[ ٤ / ٢٠١ ]
(١٨٧) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾، أي: عن يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] وهو من الأسماء الغالبة، وإطلاقها على ذلك اليوم: أمَّا لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها، أو لأنها على طولها كساعةٍ عند الله تعالى.
وقيل: أصلها: ساعة قيام الناس، بالإضافة، فلما غَلبتْ تعيَّنتْ فاستَغْنتْ عن الإضافة، وعلى هذا لا حاجة إلى وجه التسمية.
﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ﴿أَيَّانَ﴾ بمعنى: متى، قيل: اشتقاقه من (أيٍّ) وهو من أَوَيتُ (^١)، لأن البعض آوٍ إلى الكل.
ويمكن أن يكون تركيبُها من (أيَّ) مع الآن (^٢)، فركَّبتْها له (^٣)؛ لأن معناه: أيَّ وقتٍ.
﴿مُرْسَاهَا﴾ مصدر، أي: إرساؤها (^٤)، أو اسمُ زمان، والإرساء: الإثبات، من الرُّسوِّ، وهو ثباتُ جسم ثقيلٍ وقرارُه، ومنه: رسا الجبل، ولا أثقل من الساعة.
_________________
(١) في (ف): "من أي وإن أو من أويت"، وفي (ك) و(م): "من أي والثامن أويت"، والصواب المثبت. انظر: "المحتسب" (١/ ٢٦٨)، و"الكشاف" (٢/ ١٨٣)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٤٤)، و"البحر" (١٠/ ٣٨٨)، و"روح المعاني" (٩/ ٥١٧).
(٢) في (ف): "مع آن".
(٣) "له" من (م).
(٤) في النسخ: "إرسائها"، والصواب المثبت.
[ ٤ / ٢٠٢ ]
كان النبيُّ ﷺ يدعوهم إلى الإيمان والطاعة، وينهاهم عن الكفر والمعصية، ويحذرهم قيام الساعة، فقالوا: متى هي؟
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ استأثره به لم (^١) يُطْلِع عليه ملَكًا مقرَّبًا ولا نبيًّا مرسلًا.
لمَّا كان السؤال عن الساعة عمومًا، ثم خصِّص بالسؤال عن وقتها، جاء الجواب عنها عمومًا بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ ثم خصِّص من حيث الوقت فقيل:
﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: لا يبيِّنها ولا يكشفُ أمرها للناس، واللام للتأقيت كما في ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، والمعنى: إن الخفاء بها مستمرٌّ على غيره إلى وقت وقوعه، ولا يُظهرها إلا في ذلك الوقت الذي تقع فيه بغتةً بنفس الوقوع لا بالإخبار عنها؛ ليكون أَدْعَى إلى الطاعة وأَنْهَى عن المعصية، كإخفاء الأجل الخاصِّ الذي هو وقت الموت.
﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: ثقُلت وكبُرت على أهلها من الملائكة والثَّقَلين، لشدة هولها وعظَمها، كأنه إشارةٌ إلى حكمة إخفائها، أي: لا يطيقون حمل إخبارها، أو: ثَقُلَ إخفاؤها عليهم، فإن ما خَفِيَ أمرُه ثقل على النفوس.
﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾: فجأةً على غفلةٍ منكم؛ كما قال: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩].
وقد ورد في الحديث: "إن الساعةَ تَهِيجُ بالناس والرجلُ يُصْلِحُ حوضَه، والرجل يسقي ماشيتَه، والرجل يقوِّمُ سلعته في السوق، والرجل يَخفضُ ميزانَه ويرفعُه" (^٢).
_________________
(١) في (م): "ولم".
(٢) انظر: "الكشاف" (٢/ ١٨٤)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٤٤)، و"البحر" (١٠/ ٤٢٨). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦١٠) عن قتادة عن النبي ﷺ مرسلًا. وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ رواه البخاري (٦٥٠٦)، ومسلم (٢٩٥٤).
[ ٤ / ٢٠٣ ]
﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ أي: عن الساعة ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، حَفِيَ عن الشيء: إذا بالغ في السؤال عنه، والتركيبُ للمبالغة، ومنه إحفاءُ الشارب، واحتفاءُ (^١) البقل: استئصاله، وأحفى في المسألة: إذا أَلْحفَ، فالمعنى: عالمٌ بها علمًا متقَنًا لأن مَن بالَغَ في المسألة عن الشيء استَحْكَم علمُه [فيه] وأَتقن، ولهذا عُدِّي بـ (عن)؛ أي: كأنك بليغ في السؤال عنها حتى أحكَمْتَ علمَها.
وقرئ: (حفيٌّ بها) (^٢)؛ أي: عليمٌ بليغ في العلم بها.
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ كرَّره بتكرير ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ لِمَا نِيطَ به من زيادةِ قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ للتأكيد والمبالغة.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ (^٣) علمَها عند الله تعالى لم يؤتهِ أحدًا مِن خَلْقه.
* * *
(١٨٨) - ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾: جلبَ نفعٍ ودفعَ ضرٍّ، وهو إظهار العبودية، وتبرّأ عما يختصُّ بالربوبية من علم الغيب؛ أي: كسائر المماليك والعبيد لا أملك لنفسي شيئًا ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ من ذلك فيُلهمني إياه ويوفِّقني له.
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾: ولو كنت أعلمه
_________________
(١) في (ف): "وإخفاء"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٢/ ١٨٤).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٧) عن ابن مسعود، و"المحتسب" (١/ ٢٦٩).
(٣) في (ف): "أي"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ٤٤).
[ ٤ / ٢٠٤ ]
لخالفت حالي (^١) ما هي عليه؛ من استكثار الخير باجتلاب المنافع، والاستخلاصِ عن الشر باجتناب المضارّ، كما هو مقتضى طبع البشر.
وفيه دلالة على أنه لا تأثير للتدبير، وإلا لمَا أَمكن التعبير (^٢) بالتدبير على تقدير العلم بأسباب النفع والضر فتدبر، فإنه موضع النظر.
عن ابن عباس ﵄: قال أهل مكة: ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلوَ، فنشتريَ فنربح، وبالأرض التي تريد أن تُجدب فنرحلَ عنها إلى ما أخصب؟ فنزلت (^٣).
﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾: إلا عبد أرسلت بشيرًا ونذيرًا.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ متعلِّق بالبشير، ومتعلَّق النذير محذوف للتعميم؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٢]، والقوم مختصٌّ بالرجال فالبشارةُ عبارةً تختصُّ بهم، ودلالةً تعمُّ النساء حيث علِّلت بالإيمان، فإن ترتيب أمرٍ بموصوفٍ (^٤) يدل على علِّيَّة الوصف له، وفيه تحريضٌ للكفار على الإيمان.
* * *
_________________
(١) في النسخ: "حال"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ١٨٥)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٤٥).
(٢) في (ف): "التغيير". وفي (ك): "التغير".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣١٣)، و"البسيط" للواحدي (٩/ ٥٠٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٥٦)، و"زاد المسير" (٢/ ١٧٦) عن ابن عباس، و"تفسير أبي الليث" (١/ ٥٧٣)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٢٨)، عن الكلبي، ولعل الوارد عن ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه. وجاء في أكثر المصادر: (.. فتشتري فتربح .. فترحل ..) بتاء المخاطب.
(٤) في (ف): "بموصوفه".
[ ٤ / ٢٠٥ ]
(١٨٩) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هو آدم.
﴿وَجَعَلَ مِنْهَا﴾: من جنسها؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢].
﴿زَوْجَهَا﴾: حواءَ ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ سكونَ الشيء إلى جنسه، فيأنسَ بها ويطمئنَّ إليها، وإنما ذكَّر الضمير ذهابًا إلى المعنى، ليبيِّن أن المراد منها آدم، ويؤكِّدَ معنى الأنس والميل؛ لأن الذَّكر بالأنثى آنسُ وإليها أميلُ، وليناسب (^١) قوله:
﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ التغشِّي كنايةٌ عن الجماع ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا﴾ الحمل بالفتح: ما كان في البطن (^٢)، وبالكسر: ما كان على ظَهر.
﴿خَفِيفًا﴾ لكونه نطفةً، أو خفَّت عليها ولم تَلْقَ منها ما يلقى الحبالى غالبًا من الكرب والأذى.
﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: فقامت به وقعدت، أي: تردَّدت به لخفَّته كما لم تكن تحبل، واستمرت به كما هو قراءةُ ابن عباس ﵄ (^٣)؛ أي: لم تزلق ولم تسقط (^٤) ولم تجزع.
_________________
(١) في النسخ: "ليناسب" دون واو، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ١٨٦)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٤٥).
(٢) في (ف): "بطن".
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٨)، و"المحتسب" (١/ ٢٧٠)، و"الكشاف" (٢/ ١٨٦)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٨٦)، و"البحر" (١٠/ ٤٤١).
(٤) في (م) و(ك): "تسقط".
[ ٤ / ٢٠٦ ]
وقرئ بالتخفيف (^١)، أي: فشَكَّت فيما أصابها: هل هو حملٌ أو مرض أو غيرهما؟
وقرئ: (فمارَتْ به) (^٢)؛ أي: جاءت وذهبت وتصرَّفت؛ كما تقول: مارت الريح مورًا (^٣).
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾: صارت ذات ثِقْلٍ بكِبَر الولد في بطنها؛ أي: حان وقتُ وضعه.
وقرئ: (أُثْقِلَتْ) على البناء للمفعول (^٤)؛ أي: أثقلها الحملُ.
﴿دَعَوَا اللَّهَ﴾ الضميرُ لآدم وحواء.
﴿رَبَّهُمَا﴾: مالكَ أمرهما، ومتعلَّق الدعاء محذوف يدلُّ عليه جملة جواب القسم.
﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾؛ أي: دَعَوَا الله ورَغِبَا إليه في أن يؤتيهما ولدًا سويًا قد صَلح بدنُه وكَمل خلقتُه.
_________________
(١) أي: (فمَرَتْ به)، نسبت لابن عباس وأبي العالية ويحيى بن يعمر. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٨)، و"المحتسب" (١/ ٢٦٩)، و"الكشاف" (٢/ ١٨٦)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٨٦)، و"البحر" (١٠/ ٤٤٠).
(٢) نسبت لعبد الله بن عمرو بن العاص والجحدري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٧ - ٤٧)، و"المحتسب" (١/ ٢٧٠)، و"الكشاف" (٢/ ١٨٦)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٨٦)، و"البحر" (١٠/ ٤٤٠).
(٣) وجعله الزمخشري مع المخففة - أي: (فمَرَتْ به) - من معنى واحد، فقال: (من المرية، كقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ و﴿أَفَتَمْرُونه﴾، ومعناه: فوقع في نفسها ظن الحمل، فارتابت به). انظر: "الكشاف" (٢/ ١٨٦)، و"البحر" (١٠/ ٤٤٠).
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٧)، و"الكشاف" (٢/ ١٨٦)، و"البحر" (١٠/ ٤٤١).
[ ٤ / ٢٠٧ ]
﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لك على نعمائك، ويدخل فيه دخولًا أوليًا الشكرُ على هذه النعمة المجدَّدة (^١).
* * *
(١٩٠) - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا﴾ أي: جعل أولادهما ﴿لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي: أتى أولادهما فسمَّوا عبدَ العُزى وعبدَ منافٍ، على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وكون الخطاب لغير آدم ﵇ يأباه قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾.
وقرئ: ﴿شِرْكًا﴾ (^٢)؛ أي: شركةً بأن أَشركا فيه غيرَه، أو: ذوي شرك؛ أي: شركاء.
* * *
(١٩١) - ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.
﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ الاستفهام بمعنى التوبيخ ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (هم) ضمير الأصنام جيء به على تسميتهم إياها (^٣) آلهةً.
* * *
_________________
(١) في (ف): "المحدودة"، ولعله تحريف، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ٤٥).
(٢) هي قراءة نافع وأبي بكر. انظر: "التيسير" (ص: ١١٥).
(٣) في (م): "إياه".
[ ٤ / ٢٠٨ ]
(١٩٢) - ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾.
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أي: لعبدتهم ﴿نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ فيدفعون (^١) عنها ما يعتريها.
* * *
(١٩٣) - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾.
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾؛ أي: المشركين ﴿إِلَى الْهُدَى﴾: إلى الإسلام ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾.
وقيل: الخطاب للمشركين، و(هم) ضمير الأصنام؛ أي: إن تدْعوهم إلى أن يهدُوكم لا يتَّبعوكم إلى مرادكم، ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله تعالى.
وقرئ: ﴿لا يَتْبِعوكم﴾ بالتخفيف (^٢).
﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ قد مر ما يتعلق به في تفسير سورة البقرة ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ إنما لم يقل: أم صمتُّم؛ لأن المراد أن يقال: سواءٌ عليكم أأحدثتُم الدعاء أم أنتم على ما أنتم عليه من عادةِ الصمت عن دعائهم فإنهم جماداتٌ، وهو حَسَبَ حالهم لأنَّه إذا دَهمهم (^٣) أمرٌ دعوا الله دون الأصنام؛ كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ﴾ [الزمر: ٨] وفيه مبالغةٌ في عدم إفادة الدعاء من حيث هو مسوًّى بدوام الثبات على الصمات.
* * *
_________________
(١) في (ف): "فيرفعون".
(٢) هي قراءة نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١١٥).
(٣) في (م): "همهم".
[ ٤ / ٢٠٩ ]
(١٩٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: تعبدونهم وتسمُّونهم آلهة ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ من حيث إنها مملوكةٌ مسخَّرة، وإنما سمى الأصنام عِبادًا لأنهم كانوا يعتقدون أنها تَضرُّ وتنفع.
﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنها قادرة على النفع والضر.
وقيل: ذلك استهزاءٌ بهم؛ أي: قُصارى أمرهم أن يكونوا أحياءً عقلاءَ، فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم لا تفاضُل بينكم، ثم أَبطل أن يكونوا عبادًا أمثالهم (^١) بإثبات أنهم أعجزُ منهم، [فقال]:
(١٩٥) - ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾.
﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾. ويأباه الفصل بقوله: ﴿فَادْعُوهُمْ﴾ إلخ فإنَّ انتظامه مع سياق الكلام والتئامَه للمقام على الوجه الأول كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
وقرئ: (إنِ الذين تَدْعون) بتخفيف (إنْ) ونصبِ (عبادًا) على أنها نافية عملت عملَ (ما) الحجازية فرفعت الاسم ونصبتِ الخبر، وفيه خلافٌ أجازه الكسائيُّ (^٢)
_________________
(١) في النسخ: "أمثالكم"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ١٨٩)، والكلام وما سيأتي بين معكوفتين منه.
(٢) كما في "الأزهية" لأبي عبيد الهروي (ص: ٤٦)، و"أمالي ابن الشجري" (٣/ ١٤٤)، و"مغني اللبيب" (ص:٣٥).
[ ٤ / ٢١٠ ]
وأكثرُ الكوفيين، ومن البصريين ابنُ السَّرَّاج (^١)، والفارسيُّ وابنُ جِنِّي (^٢)، ومنعه الفرَّاء (^٣) وأكثر البصريين واختلف النقل عن سيبويه (^٤) والمبرد (^٥)، والصحيحُ أنه لغةٌ ثبت في النظم والنثر (^٦).
_________________
(١) في "الأصول في النحو" (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٢) في "المحتسب" (١/ ٢٧٢). وذكره عنهما ابن مالك في "شرح التسهيل" (١/ ٣٩٣).
(٣) كما في "الأزهية" (ص: ٤٦)، و"أمالي ابن الشجري" (٣/ ١٤٤)، و"مغني اللبيب" (ص: ٣٥).
(٤) نقل عنه جواز الإعمال ابن مالك في "شرح التسهيل" (١/ ٣٩٣)، ونقله أيضًا السهيلي وأبو بكر بن طاهر كما ذكر أبو حيان في "التذييل والتكميل" (٤/ ٢٧٧ و٢٨٠). أما المنع فنقل عنه في "المقتضب" (٢/ ٣٦٢)، و"الأصول في النحو" (١/ ٢٣٥)، و"الأزهية" (ص: ٤٥)، و"أمالي ابن الشجري" (٣/ ١٤٣)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٨٩)، و"مغني اللبيب" (ص: ٣٥). والصواب أنه لم يرد في "الكتاب" أي تصريح بالجواز، والذين نقلوا عن سيبويه ذلك إنما اعتمدوا على تأويل بعض عباراته الواردة فيه، وهي تأويلات مردودة عند غيرهم من العلماء، بل نقل أبو حيان في "التذييل والتكميل" (٤/ ٢٧٧) عن ابن عصفور أن الذي يعطيه كلام سيبويه أنها لا تعمل، قال: (لأنه لم يذكرها في نواسخ الابتداء والخبر)، كما يرجح الفول بالمنع عنه أن ممن نقله المبرد في "المقتضب" كما تقدم، وكان أعلم الناس في زمانه بكتاب سيبويه، وقد أخذه عن تلامذة أبي الحسن الأخفش تلميذ سيبويه، والذي كان كما قيل: الطريق إلى كتاب سيبويه. وقد استوفينا الكلام في هذه المسألة في حواشي "البحر" (١٠/ ٤٤٨)، وعنه نقل المؤلف هذا البحث.
(٥) نقل المنع عنه السهيلي كما ذكر أبو حيان في "التذييل والتكميل" (٤/ ٢٧٧). لكن كلامه في "المقتضب" (٢/ ٣٦٢) صريح في جواز الإعمال، ونقله عنه ابن السراج في "الأصول في النحو" (١/ ٢٣٦)، والهروي في "الأزهية" (ص: ٤٦)، وابن الشجري في "أماليه" (٣/ ١٤٤)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٢/ ٤٨٩)، وابن مالك في "شرح التسهيل" (١/ ٣٩٣)، وابن هشام في "مغني اللبيب" (ص: ٣٥).
(٦) سقط من (ف) قوله: "والنثر"، والمثبت من باقي النسخ و"البحر". قال أبو حيان: وقد ذكرنا ذلك مشبعًا في "شرح التسهيل". قلت: يعني كتابه "التذييل والتكميل" وقد ورد هذا البحث =
[ ٤ / ٢١١ ]
﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ قرئ بكسر الطاء وضمها (^١)، وهما لغتان.
والبطش: الأخذُ بقوةٍ والقدرةُ على الإمساك، وبهذه الزيادة يكون الأخذ من خواصّ اليد من بين (^٢) الأعضاء، كما أن المشي بما فيه من الزيادة على مطلق الحركة يكون من خواصِّ الرجل، وإعادةُ أداة الاستفسار على وجه الإنكار دون أداةِ الجمع؛ للإشعار باستقلال انتفاءِ الكلِّ منهما في الإبطال والإثبات المذكورَين آنفًا.
﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعة فتقدَّر بـ (بل) والهمزة، وهو إضراب على معنى الانتقال لا على معنى الإبطال، وإنما هو تقرير على نفي كلِّ واحدة من هذه الجملة، وتوجه النفي إلى الوصف لأنهم كانوا يصوِّرون هذه الأعضاء للأصنام.
﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ من بابِ وضعِ الظاهرِ موضعَ المضمَر للتهكُّم بعد إثبات عجزهم؛ أي: استعينوا بهم على الضر إليَّ.
﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾؛ أي: بالِغوا فيما تقدرون عليه من مكروهي (^٣) أنتم وشركاؤكم.
﴿فَلَا تُنْظِرُونِ﴾: فلا تهملوني (^٤) فإني لا أبالي بكم، وهذا غايةُ الوثوق على ولاية الله تعالى وحفظه، ولهذا قال بعده على سبيل التأكيد بـ ﴿إِنَّ﴾: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾
_________________
(١) = فيه (٤/ ٢٧٧ - ٢٨١)، وقد نقلنا بعضًا من كلامه قبل قليل.
(٢) قرأ بضم الطاء أبو جعفر، وباقي العشرة بكسرها. انظر: "النشر" (٢/ ٢٧٤).
(٣) "بين" ليست في (ف).
(٤) في (ف): "مكروه". والمثبت من باقي النسخ و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٤٦)، ومعنى (من مكروهي): من أذيتي ومضرتي. انظر: "حاشية القونوي على البيضاوي" (٨/ ٥٧٧). وجاء في نسخة من "البيضاوي": (من مكر أنتم وشركاؤكم). انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٤/ ٢٤٦).
(٥) في (ك): "تمهلوني". وجاء في هامش (ف) و(م): "من لم يتنبه لهذا قال في تفسيره: فلا تمهلوني. منه".
[ ٤ / ٢١٢ ]
الآيةَ، لمَّا كان بلوغُهم إلى الغاية في بذل الجهد متراخيًا عن الاستعانة المذكورة عطَفه (^١) عليها بأداة التراخي، وكان عدم الإمهال مترتِّبًا (^٢) عليه صدَّره بأداة التعقيب.
* * *
(١٩٦) - ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾.
﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: ناصري وحافظي اللهُ الذي أكرمني بما نزال القرآن عليَّ (^٣) ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ ومن عادته أنه يتولَّى الصالحين من عباده (^٤).
* * *
(١٩٧) - ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: من دون الله تعالى ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾؛ أي: إنهم عاجزون عن نصرة أنفسهم فضلًا عن نصرة غيرهم، أعاد بيان عجزهم لأن الأول للتقريع والثاني لتعميم (^٥) التعليل لعدم مبالاتهم فلا تكرار.
* * *
_________________
(١) في (م): "عطف".
(٢) في (ف): "مرتبًا".
(٣) وقع بعدها في النسخ زيادة: "لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون أي أنهم عاجزون عن نصرة أنفسهم فضلًا"، وليس هذا مكانها، وستأتي في محلها المناسب قريبًا.
(٤) في هامش (ف) و(م): "قال البيضاوي [أي: زاد هنا بعد كلمة (عباده)]: فضلًا عن أنبيائه، وفيه: أن أعيان الأنبياء كيوسف وسليمان ﵉ طلبوا اللحوق بالصالحين والدخول في زمرتهم، فعبارة فضلًا لم تصادف محزها. منه".
(٥) في (م) و(ك): "لتتميم".
[ ٤ / ٢١٣ ]
(١٩٨) - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾ لأنها جمادٌ لا تحسُّ، وليس هذا موضعَ اشتباهٍ، بخلاف أمر النظر فإنهم صوَّروها بصورةِ مَن ينظر إلى مَن يواجهه، ولهذا قال:
﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ والحال أنه لا قدرةَ فيهم على الإبصار، فليس ما تراه على الحقيقة.
إنما تكرَّر القول في هذا وتردَّدت الآيات فيه لأنَّ أمر الأصنام وتعظيمِها كان متمكِّنًا من نفوس العرب في ذلك الزمان، ومستوليًا على عقولهم، فأطنب القول في ذلك من الله تعالى بهم (^١).
* * *
(١٩٩) - ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾؛ أي: السهلَ وما يتيسَّر (^٢) من أفعال الناس وأخلاقهم من غير كلفةٍ، ولا تطلب منهم الجهد وما يَشُقُّ عليهم من التكاليف، من العفو الذي ضدُّ الجَهد (^٣).
أو: الفضلَ من صدقاتهم وما يسهل عليهم ويتيسر لهم، وذلك قبل وجوب الزكاة.
﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: بالمعروف المستحسَن من الأفعال والأقوال والأحوال.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾: ولا تكافئ السفهاء بمثل سفَههم، ولا تمارِهم واحْلُم عنهم، وأعرض عن المذنبين.
_________________
(١) "بهم" ليست في (ف).
(٢) في (ف): "تيسر".
(٣) الجهد بالفتح: المشقة. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: جهد).
[ ٤ / ٢١٤ ]
وهذه الآية جامعةٌ لمكارم الأخلاق، روي (^١) أنه ﵇ سأل جبريل ﵇ عن معنى هذه الآية، فقال: أَعطِ مَن حَرَمك، وصِلْ مَن قَطَعك، واعْفُ عمَّن ظَلَمك، وأَحْسِنْ إلى مَن أساء إليك (^٢).
وقيل: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ: "يارب، كيف والغضب؟ " فنزل قوله:
(٢٠٠) - ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ (^٣). (إمَّا) كلمتان: (إنْ) التي هي للشرط، و(ما) التي هي صلةٌ زائدةٌ، والنون للتأكيد.
والنزغ: الإزعاج بالتحريك إلى الشر؛ أي: اعترَض لك الشيطان بإفسادِ شيء من هذه الأخلاق التي أمرتك بها ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾: فاعْتَصِم (^٤) به من الشيطان الرجيم.
﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ لكلامك ﴿عَلِيمٌ﴾ بمَرامك، كناية عن الاستجابة.
* * *
_________________
(١) في (م) و(ك): "وروي".
(٢) رواه بنحوه ابن مردويه من حديث جابر بن عبد الله ﵄، كما في "الدر المنثور" (٣/ ٦٢٨). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٤٣) من طريق سفيان بن عيينة عن رجل قد سماه، ومن طريق سفيان عن أُميٍّ الصيرفي، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٣٨) من طريق سفيان عن أميٍّ عن الشعبي، وكل هذه مرسلات كما قال ابن كثير عند تفسير الآية، وزادة "وقد روي له شواهد من وجوه أُخر". قلت: له شاهد من حديث عقبة بن عامر ﵁ عند أحمد (١٧٤٥٢).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٤٦) عن ابن زيد مرسلًا.
(٤) في (م) و(ك): "فاستعصم".
[ ٤ / ٢١٥ ]
(٢٠١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: إن المؤمنين المتقين الله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: إذا نالهم وسوستُه (^١).
قيل: كأنه: طافت بهم ودارت حولهم فلم تقدر أن تؤثِّر [فيهم] (^٢).
ومبناه الغُفول عن دلالة المسِّ على التأثير (^٣).
وقرئ: (طَيْفُ) (^٤)، والطَّيف والطائف: ما ألمَّ بالإنسان من عوارض الشيطان.
وقرئ: (طيِّفُ) بتشديد الياء (^٥)، قال الزجَّاج: طاف الخيال يَطيفُ: إذا ألمَّ به، وطاف عليهم يطوف، أي: دار (^٦). ومَن جعَل هذا من الطوف الواوي قال: (طَيْفٌ) أصله: (طيِّفٌ) بالتشديد، ثم خُفِّف كالهيْن والهيِّن.
والمراد من الشيطان الجنس ولذلك جُمع ضميره.
﴿تَذَكَّرُوا﴾ ما أَمر الله به ونهَى عنه ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ بسبب التذكُّر مواقعَ الخطأ (^٧) ومكائدَ الشيطان، فيحترزون عنها ولا يتَّبعونه فيها.
_________________
(١) في (م): "وسوسة".
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٤٧)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) في (ف) و(ك): "التأثر".
(٤) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١١٥).
(٥) تنسب لسعيد بن جبير. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٨)، و"البحر" (١٠/ ٤٦٣).
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٩٦).
(٧) في (ف): "الخطاب".
[ ٤ / ٢١٦ ]
والآية تقريرٌ لِمَا تقدَّم، وما فيه من وجوب الاستعاذة عند نزغ الشيطان، وبيانٌ أن المتقين عادتُهم إذا أصابهم أدنى نزغٍ وإلمامٍ (^١) بوسوسته (^٢) أن يستعيذوا ويتذكَّروا قبل أن يصير خاطرًا وجالت فيه النفس بالفكر.
* * *
(٢٠٢) - ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾.
﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ﴾، أي: إخوان الشياطين الذين لم يتَّقوا يمدُّهم الشياطين (^٣) ﴿فِي الْغَيِّ﴾ بالتزيين والحمل عليه.
وقرئ: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ (^٤) من أَمَدَّ.
و: (يُمادُّونهم) (^٥) كأنهم يعينونهم بالتسهيل والإغراء، وهؤلاء يعينونهم بالاتباع والامتثال.
﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾: لا يمسكون عن إغوائهم حتى يَردُّوهم، وهذا أشدُّ من الأول، ولهذا عطف عليه ﴿ثُمَّ﴾ (^٦) المستعارة للتراخي في الرتبة.
ويجوز أن يراد بالإخوان الشياطين، والضمير المضاف إليه للجاهلين،
_________________
(١) في (ف): (والأمر)، وفي (ك) (م): "والام"، وكلاهما تحريف، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ١٩١).
(٢) في (م) و(ك): "بوسوسة".
(٣) في (م): "الشيطان".
(٤) هي نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١١٥).
(٥) تنسب للجحدري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٨)، و"المحتسب" (٢/ ٢٧١). و"البحر" (١٠/ ٤٦٧).
(٦) في (م) و(ك): "بثم".
[ ٤ / ٢١٧ ]
فيكون الخبر جاريًا على ما هو له، والأول أوجه لأن ﴿إِخْوَانُهُمْ﴾ في مقابلة ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾.
* * *
(٢٠٣) - ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو مما اقترحوه.
﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾: هلا جمعْتَها افتراءً وتقوُّلًا مِن عند نفسك؛ لأنهم كانوا يقولون: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ [سبأ: ٤٣].
أو: هلَّا أخذتَها مقترَحة، من جبَاهُ: إذا جمعه، أو من جُبي إليه فاجتباه، أي: أخذه.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ لستُ بمختلِقٍ للآيات، أو لستُ بمقترحٍ لها.
﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: هذا القرآن بصائر للقلوب بها يُبصَر الحقُّ ويُدرك الصواب.
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ قد سبق تفسيره.
* * *
(٢٠٤) - ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ لمَّا ذَكر أن القرآن بصائرُ وهدًى ورحمةٌ أمر باستماعه إذا شُرِع في قراءته، وبالإنصات وهو السكوت مع الإصغاءِ إليه؛ لأن ما اشتمل على تلك الأوصاف حريٌّ بأنْ يُصغى إليه حتى يحصل منه للمنصِت المستمِع هذه النتائجُ العظيمة، فيَستبصِر من العمى وَيهتدي من الضلال، ويُرحم بها.
[ ٤ / ٢١٨ ]
وقيل: نزلت في الصلاة، كانوا يتكلمون فيها فأمروا باستماع قراءة القرآن والإنصاتِ له (^١).
وإطلاق الأمر يقتضي وجوبهما حيث يُقرأ القرآن مطلقًا، وعامةُ العلماء على استحبابهما خارج الصلاة، وفيه إشكال إذ حينئذ يلزم الجمع بين مَعْنييِ الأمر، ويمكن أن يقال: إنه جائز عند اختلاف المحل على ما ذهب إليه العراقيون من أصحابنا.
وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قرأ في المكتوبة، وقرأ أصحابه خلفه، فنزلت هذه الآية (^٢).
ومن هنا اتَّضح وجه احتجاج مَن لا يرى القراءة على المأموم بها، وأمَّا قولُ مَن قال: إنها في الخطبة، فضعيفٌ؛ لأن الآية مكية، والخطبة لم تكن إلا بعد الهجرة.
بقي هنا دقيقة أنيقة (^٣) لا بد من التنبيه عليها: وهو أن الإنصات مقدِّمة الاستماع فحقُّه أن يقدَّم في الذكر، وإنما أُخر هنا اهتمامًا لشأنه، وإخراجًا له عن حيِّز الإتْباع إلى حدِّ الاستقلال، وتنبيهًا على أنه مقصودٌ بالذات ومأمورٌ به أصالةً حتى لو كان في مجلس القراءة نائيًا عن القارئ، فحقه أن ينصت وإنْ لم يتيسَّر له الاستماع؛ تعظيمًا لشأن القرآن، وإحرازًا لإحدى الفضيلتين (^٤)، ولو قُدم الإنصات لتَبادَر إلى الفهم أن الأمر به لمصلحة الاستماع فلا يجب بدونها.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٥٨ و٦٥٩) عن ابن مسعود وأبي هريرة ﵄.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٦٤).
(٣) في (م): "أنيقة دقيقة".
(٤) في (ك): "الفضلين".
[ ٤ / ٢١٩ ]
(٢٠٥) - ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ عامٌّ في جميع الأذكار؛ من القراءة والدعاء والتهليل والتسبيح وغيرها؛ لأن الإخفاء في النفس أَدخَلُ في الإخلاص والخشوع.
﴿تَضَرُّعًا﴾ باللسان ﴿وَخِيفَةً﴾ بالقلب (^١)، مفعول من أجْله؛ أي: لتَضرُّعٍ وخِيفةٍ، أو مصدران منصوبان على الحال؛ أي: متضرِّعًا وخائفًا (^٢).
﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ معطوف على قوله: ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ أي: ذكرًا في نفسك، وذكرًا دون الجهر، أو على ﴿تَضَرُّعًا﴾؛ أي: وقائلًا قولًا دون الجهر، ولهذا جعل قوله: ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾ بيانٌ (^٣) للجهر.
﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: بأوقاتِ الغدوِّ؛ أي: غَدَوات، لمقارنة (الآصال)، وهي جمع أصيلٍ كاليمين والأيمان، وقيل: جمعُه: الأُصُل، وجمعُ الأُصُل: الآصال.
وقرئ: (والإيصال) (^٤) من آصَلَ: إذا دخل في الأصيل (^٥)، وهما عبارةٌ عن الليل والنهار، والمراد به الذكرُ على الدوام.
لمَّا أمر تعالى بالذكر أكَّد ذلك بالنهي عن ضدِّه فقال:
_________________
(١) "بالقلب": ليست في (م).
(٢) في (م) و(ك): "وخافيًا".
(٣) كذا في النسخ، والصواب: (بيانا).
(٤) نسبت لأبي مجلز لاحق بن حميد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٨)، و"الكشاف" (٢/ ١٩٢)، و"البحر" (١٠/ ٤٧٤). ووقع في النسخ: "بالإيصال"، والتصويب من المصادر.
(٥) في النسخ: "بالإيصال"، والتصويب من "الكشاف" (٢/ ١٩٢)، و"البحر" (١٠/ ٤٧٤).
[ ٤ / ٢٢٠ ]
﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ عن ذكر الله تعالى، خاطبه ﵇ والمرادُ نهيُ أمَّته عنها بأبلغ وجهٍ؛ أي: لا تقتدوا بالغافلين لكنْ بالملائكة الذين لا يغفلون، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٢٠٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هم الملائكة المقرَّبون، و﴿عِنْدَ﴾ بيانُ قرب الكرامة دون المكان، فإن الله تعالى يتعالى عن ذلك.
﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ كما أن الاستكبار مقدِّمةُ العصيان، كذلك عدمُه مقدِّمةُ الطاعة.
ثم ذكر الطاعة القلبية - وهو التنزيهُ والتطهير عن جميع ما لا يليق بذاته المقدَّسة - بقوله: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ والطاعةَ القالبيةَ - وهي الحال التي يكون العبد فيها أقرب إلى الله تعالى - بقوله: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾، وتقديم (له) للاختصاص؛ أي: ويخصُّونه بالعبادة لا يشركون به، وهو تعريضٌ بمَن عَدَاهم من المكلَّفين، ولذلك شُرع السُّجودُ لقراءته.
* * *
[ ٤ / ٢٢١ ]