﷽
(١) - ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾؛ أي: دنا وقتُ إظهار ما للعبد وما عليه ليُجازَى بهما.
والحسابُ: إخراجُ الكميَّة من مبلغ العِدَّةِ.
والاقترابُ بالنِّسبة إلى ما مضى، لا عند الله تعالى؛ إذ لا نسبة للكائنات بالقرب والبعد إليه تعالى، أو لأنَّ مبدأه الموت، أو هو كنايةٌ عن ظهور بعض أماراته، ويناسبه:
﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ تنكيرُها للتعظيم؛ أي: وهم مستقرُّون في غفلة عظيمة لا يُعرف كُنْهُها، وهذا من قَبيل نسبة فعل الأكثر إلى الكلِّ، فلا ينافي كونَ تعريف (النَّاس) للجنس، كما في قوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ الآية [مريم: ٦٦].
واللَّام صلة لـ ﴿اقْتَرَبَ﴾، أو تأكيدٌ لإضافة (الحساب) إليهم، كما في قولهم: لا أبا لك، والأصل: اقترب حساب النَّاس، ثمَّ: اقترب للنَّاس الحساب، ثمَّ: اقترب للنَّاس حسابهم، ونحوُه في التَّأكيد تكرير الظَّرف، كقولهم: فيك زيد راغب فيك.
[ ٧ / ٧ ]
﴿مُعْرِضُونَ﴾ عن أسباب التَّنبيه؛ كلَّما كُرِّرَ عليهم التَّنبيه (^١)، وجُدِّدَ لهم التَّذكير، وقُرِعَتْ لهم العصا (^٢)، وأُحْدِثَ لهم ذِكْرٌ من الآيات التي تُتلى وقتًا بعد وقتٍ = ما تنبَّهوا بواحدٍ من تلك الأذكار، وما استيقظوا مرَّة من تلك المِرَار، إلَّا استمعوه مستسخرين لاهين يلعبون، فقوله:
(٢) - ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾.
﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ تقرير لتماديهم في الإعراض والغفلة بأنَّ الله تعالى يجدِّد لهم الذِّكر ويكرِّر على أسماعهم الوعظ ليتَّعظوا، فما يزيدهم استماعُ ذلك إلَّا لعبًا واستخسارًا وتلهِّيًا راسخًا في قلوبهم، وجدًّا وعزيمةً في اللَّهو؛ يعني أنَّهم وإنْ فطِنوا فهُم في قلَّة جدوى فطنتهم، وتمادي ذُهولهم وغفلتهم عن التَّأمُّل والتَّبصُّر، كأنَّ الذُّهولَ مركوزٌ في قلوبِهم، لا فطنةَ لهم أصلًا.
قوله: ﴿فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ خبران، أو الظَّرف حال من المستكِنِّ في ﴿مُعْرِضُونَ﴾.
﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ صفة لـ ﴿ذِكْرٍ﴾، أو صلة لـ ﴿يَأْتِيهِمْ﴾.
﴿مُحْدَثٍ﴾ لم يُرَدْ به حدوثُ نفسه بمعنى مسبوقيَّته بالعدم وإنْ كان صحيحًا؛ لأنَّ الكلام اللَّفظي حادث عند الجمهور، ولا حدوثُ تنزيله كما زعمته الحنابلة المنكِرون حدوثه؛ لأنَّ كلًّا منهما لا يناسب المقام، ولا يلائم
_________________
(١) "كلما تكرر عليهم التَّنبيه" سقط من (ف)، وفي (م): "كرر" بدل: "تكرر".
(٢) (قرع العصا) أصله من قولهم: إن العصا فرعت لذي الحلم، يضرب لمن إذا نبَّه انتبه، وانظر قصة المثل في "مجمع الأمثال" للميداني (١/ ٣٨)، و"فتوح الغيب" للطيبي (٢/ ٢٩) و(١٠/ ٢٨٥).
[ ٧ / ٨ ]
مساقَ الكلام، بل المراد تجدُّد الذكر وقتًا بعد وقت؛ لِمَا عرفْتَ أنَّه أشدُّ تأثيرًا في التَّذكير.
وقرئ بالرَّفع حملًا على المحلِّ (^١).
﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ حال عن الواو، وكذلك:
(٣) - ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.
﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: استمعوه جامعين بين الاستهزاء والتَّلهِّي، فهما حالان مترادفان.
وهي من لَهِيْتُ عن الشيء لُهِيًّا ولُهْيانًا: إذا سَلَوْتُ عنه وتركْتُ ذِكْرَه وأضربْتُ عنه، ويعدَّى بـ (عن) و(من) عند الأصمعي (^٢)، وهو في الحديث من باب عَلِمَ؛ أي: مِن لَهِيَ عنِّي يَلْهَى: إذا ذَهَل وغَفَل.
ويجوز أن يكون حالًا من واو ﴿يَلْعَبُونَ﴾، فالحالان متداخلان، وقرئت بالرَّفع (^٣) على أنَّه خبر آخر، فالحال واحدة.
وفي قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ مبالغةٌ؛ لأنَّ النَّجوى لا تكون إلَّا خفيَّة؛ أي: بالَغوا في إخفائها (^٤).
_________________
(١) نسبت لابن أبي عبلة. انظر: "الكشاف" (٣/ ١٠١)، و"البحر المحيط" (١٥/ ١٧٩).
(٢) انظر: "الصحاح" (مادة: لها).
(٣) نسبت لعيسى. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩١).
(٤) في هامش (ف): "وينتظم هذا جعلَهم بحيث خفي تناجيهم بها، فمن أخذه مقابلًا له لم يصب، كما لا يخفى. منه".
[ ٧ / ٩ ]
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بدل من واو ﴿وَأَسَرُّوا﴾، وفائدةُ الإبدالِ: الإشعارُ بأنَّهم الموسومون بالظُّلم الفاحش فيما أسرُّوا به، أو منصوب على الذَّمِّ، أو مرفوع بالابتداء، خبره ﴿وأسروا النَّجوى﴾، قُدِّمَ عليه.
وفائدةُ التَّقديمِ: الاهتمامُ ببيان إسرارهم النَّجوى بالتَّسجيل عليهم بأنَّه ظلمٌ؛ لأنَّ الأصل: وهم أسرُّوا النَّجوى، فوُضع المظهَرُ موضع المضمَر، وقدِّم الإسرار؛ لِيُفهَم منه أنَّ الإسرارَ هو الظُّلمُ.
ثم بيَّنَ أنَّ النَّجوى ما هو؟ بقوله: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ليتمكَّنَ في أنفس السَّامعين بالإبهام (^١) والتَّبيين، ويتحقَّق عندهم أنَّ ذلك هو الظُّلم الفاحش بالدَّليل الواضح؛ لتسميتهم المعجِزَ سحرًا مُبينًا، وادِّعائهم أنَّ كونه سحرًا مشاهدًا بيِّنٌ، واعتقادِهم أنَّ رسولَ اللهِ لا يكون إلَّا مَلَكًا، وأنَّ مَن ادَّعى الرِّسالة من البشر فهو ساحرٌ، وإنكارِهم أن يَحضروا السِّحر الذي لا شكَّ فيه.
وإنَّما أسرُّوا تشاورًا في استنباط ما يهدم أمرَه، ويُظهر للنَّاس فسادَه؛ تثبيطًا عنه، وعادةُ المتشاورِين الكتمانُ.
وما ذكر كلُّه في محلِّ النَّصب بدلًا من ﴿النَّجْوَى﴾، أو مفعولًا لـ (قالوا) مضمرًا.
(٤) - ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿قُلْ﴾ وقرئ: ﴿قَالَ﴾ (^٢)؛ إخبارًا عن الرَّسول وحكاية لقوله:
﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ هو آكد من قوله: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [طه: ٧]؛ لأنَّه
_________________
(١) في (س) و(م): "بالإيهام".
(٢) قرأ حفص وحمزة والكسائي بالألف، وباقي السبعة بغير ألف. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٤).
[ ٧ / ١٠ ]
عامٌّ يشملُ السِّرَّ والجهرَ، كأنَّه قال: يعلمُ السِّرَّ كلَّه وغيره، كما أنَّ قولَه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ آكَد من قوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨]؛ لعمومه، فعمَّم ولم يقل في مقابلة: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: (يعلم السِّرَّ)؛ ليؤكِّدَ بالطَّريق البرهانيِّ.
ثم قرَّر ذلك وبيَّن بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾؛ أي: مطلقًا دون غيره، فكيف يخفى عليه ما يسرُّون.
* * *
(٥) - ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾.
﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ ﴿بَلِ﴾ الأولى: إضرابٌ عن تجاوزهم في شأن الرَّسول ﵇ وما ظهر عليه من الآيات إلى تقاوُلهم في أمر القرآن.
والثَّانية: لإضرابهم عن كونه أباطيل خُيِّلَتْ إليه وخُلِّطَتْ عليه إلى كونه مفتريات اختلقَها من تلقاء نفسه.
والثَّالثة: لإضرابهم منه إلى أنَّه كلامٌ شعريٌّ يُخيِّلُ إلى السَّامع معاني لا حقيقة لها، ويرغِّبه فيها.
ثمَّ إنَّهم تفنَّنوا في مدارج الإضراب، واعتبروا في كلِّ نحوٍ منه نوعًا من الاعتبار اللَّطيف.
قيل: أضربوا عن قولهم: ﴿هو سحر﴾ إلى قوله (^١): ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾؛
_________________
(١) كذا في النسخ، ولعل الأحسن: (قولهم).
[ ٧ / ١١ ]
أي: تخاليط رؤيا، ثمَّ إلى أنَّه كلام افتراء، ثمَّ إلى أنَّه قولُ شاعرٍ، على عادة كلِّ مبطِلٍ في اللَّجلَجةِ والتَّزلزل في التحيُّر واللعثمة (^١)، وذلك يدلُّ على فساد قولهم وبطلانه.
ولا يذهبْ عليك أنَّ حقَّ النَّظم حينئذ: (قالوا بل)، لا: ﴿بَلْ قَالُوا﴾.
وأمَّا ما قيل: يجوز أن يكون الكلُّ من اللهِ تعالى تنزيلًا لأقوالهم في دَرْج الفساد؛ لأنَّ كونه شعرًا أبعدَ من كونه مفترًى؛ لأَنَّه مشحون بالحقائق، والحكم ليس فيه ما يناسب قول الشُّعراء، وهو من كونه أحلامًا (^٢)؛ لأنَّه مشتملٌ على مغيَّبات طابقَتِ الواقع، والمفترَى لا يكون كذلك، بخلاف الأحلام، وهو [أبعد] من كونه سحرًا لأنَّه يجانسه من حيث إنهما من الخوارق (^٣) = فمبناه على أن يكون بين الشِّعر والحكمة بونًا بعيدًا، وعلى أن يكون السِّحر كالمعجزة من خوارق العادات، ولا صحَّة لواحدٍ منها:
أمَّا الأوَّل: فظاهرٌ، وكأنَّ هذا القائل غافل عن قوله ﵇: "إنَّ مِنَ الشِّعرِ لحكمةٌ" (^٤).
وأمَّا الثَّاني: فلأنَّ الحقَّ أنَّ السِّحر إمَّا تمويهٌ لا حقيقةَ له، أو ترتيبٌ لأسبابٍ خفيَّة، وعلى كِلَا التَّقديرين ليس فيه شيءٌ مِن خَرْقِ العادة.
_________________
(١) في (ف): "التحيز والقلسمة"، وفي (ك): "التحير والعثلمة"، وفي (م): "التحير والعلثمة"، وفي (س): "التحيز" والثانية غير واضحة. ولعل الصواب هو المثبت.
(٢) قوله: "وهو" الضمير فيه راجع لـ"كونه مفترى"، وقوله: "من كونه" متعلق بـ (أبعد) مقدرًا. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٤٢). فالمعنى: وكونه مفترى أبعد من كونه أحلامًا.
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ٤٦)، وما بين معكوفتين منه.
(٤) رواه البخاري (٦١٤٥) من حديث أبي بن كعب ﵁.
[ ٧ / ١٢ ]
﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾: بمعجزةٍ عظيمةٍ، وصحة التشبيه في قوله:
﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ من حيث إنَّه في معنى: كما أتى الأوَّلون بالآيات العظيمة كاليدِ والعصا وإحياء الموتى وإبراء الأكمَهِ؛ لأنَّ إرسالَ الرُّسلِ متضمِّنٌ للإتيان بها. هذا إذا كان (ما) مصدرَّيةً، وأمَّا إذا كانت موصولة، والمعنى: كالتي أرسل بها الأوَّلون، فالتَّشبيه على ظاهره (^١).
* * *
(٦) - ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أراد بالقرية: أهلَها، فالإيجاز من جهة المجاز لا من جهة الحذف، ولذلك قال في التَّوصيف:
﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ دون (أهلكناهم)، يريد (^٢): إهلاكهم عند إنكارهم ما اقترحوا من الآيات لَمَّا جاءتهم.
﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ عند إتيانها، وفي إيلاء الهمزة فاءَ التَّعقيب إنكارُ إيمانهم بعدما لم يؤمن أولئك؛ لأنَّ هؤلاء أعتى منهم وأشدَّ عنادًا وتعنُّتًا، فلو أتوا بما يقترحون لكانوا أعصى منهم وأشدَّ كفرًا، وتنبيهٌ على أنَّ عدم الإتيان (^٣) بما اقترحوا إبقاءٌ عليهم؛ إذ لو أتوا به لم يؤمنوا، واستوجبوا عذاب الاستئصال كمَنْ قبلَهم.
* * *
_________________
(١) في هامش (ف): "فيه رد للقاضي، حيث فسَّر الكلام على الثَّاني، وأوَّل التَّشبيه على الأوَّل، فتأمَّل. منه".
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "يريدون"، والمثبت من (س).
(٣) في (ك): "الإيمان".
[ ٧ / ١٣ ]
(٧) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ جوابٌ لقولهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾.
فإنْ شككتم فيه:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ إنَّما أمَرَهم بذلك ليخبروهم أنَّ الرُّسلَ كانوا بشرًا ولم يكونوا ملائكةً.
والمراد من ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أهلُ الكتاب، وإنما أحالهم إليهم للإلزام؛ فإنَّهم كانوا يشاورونهم في أمرِ الرَّسولِ والرَّدِ عليه، ويثقون بقولهم. وبهذا التَّقرير تبيَّن ما في تحرير القاضي من التَّقصير والخلَل، فتأمَّل.
أو: علماءُ الأخبار، والإحالةُ إليهم لأنَّ إخبارَ الجمِّ الغفير يوجب العلم وإن كانوا كفَّارًا، وتمام الكلام في هذا المقام قد سبق تفسيره في (سورة النحل).
* * *
(٨) - ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾.
﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ﴾؛ أي: ما جعلنا كلَّ واحدٍ منهم، كقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥].
﴿جَسَدًا﴾ الجسدُ: جسم الحيوان، مخصوصٌ به كالبدن، بخلاف الجسم والجِرم، وهو عبارة عن روح وجسد، والرُّوح ما لطف، والجسد ما غلظ، وأصله لجمع الشَّيء واشتداده؛ أي: ما جعلناهم جسدًا محضًا ليس فيه (^١) روحٌ متصرف حتى يتحلَّل فيحتاجَ إلى البدل، فقوله:
_________________
(١) "فيه" من (ك) و(م).
[ ٧ / ١٤ ]
﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ تقريرٌ وتأكيدٌ لذلك المعنى، وجوابٌ لقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]، ولما كان التَّغدي به من لوازم التَّحليل المؤدِّي إلى الفَناء كان قوله: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ تقريرًا وتأكيدًا له، ونفيٌ عن الرُّسل لِمَا اعتقدوا اختصاصه بالملَك؛ تحقيقًا لكونهم من جنس البشر.
* * *
(٩) - ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾.
﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾؛ أي: في الوعيد، فنصب بانتزاع الخافض.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ﴾ ممَّا حَلَّ بقومِهم ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾، يعني: المؤمنين، ومَن في إنجائه (^١) حكمة كَمَن سيؤمن هو أو بعض ذرِّيته، ولذلك حُميت العرب عن عذاب الاستئصال.
﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾: المجاوزين الحدَّ بالكفر، ويفهم منه دخول بعض الكافرين تحتَ ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾.
* * *
(١٠) - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾: صِيْتُكم وشرفُكم (^٢)، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، أو: موعظتُكم، أو: ما تطلبون به حُسنَ الذِّكر من مكارم الأخلاق.
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "إلجائه"، والمثبت من (س).
(٢) في (م): "وما شرفكم".
[ ٧ / ١٥ ]
والكتابُ: القرآنُ، والخطابُ لقريشٍ أو لعامَّة العرب.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتؤمنوا به، والفاء كالتي في: ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦]، وكذا الاستفهام.
* * *
(١١) - ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾.
﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾ واردةٌ عن غضبٍ (^١) شديدٍ؛ لأنَّ القَصْمَ أفظعُ الكسر؛ لأنَّه كسرٌ يَبيْنُ تلاؤمَ الأجزاء، بخلاف الفصم - بالفاء -، ولإيردها في صورة التَّكثير.
﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ لَمَّا أُقيْمَتِ القريةُ مقامَ أهلِها، أو تجوُّزَ بها عن (هم) (^٢)، وُصِفَتْ بصفتهم، فقيل:
﴿كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا﴾: بعد إهلاكها.
﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ مكانهم، وللدلالة على تعدِّي الغضب في شأنهم - أي: إهلاك قريتهم أيضًا بإخراجها عن صلاحية الانتفاع بها - قال: ﴿بَعْدَهَا﴾، ولم يقل: (بعدهم)؛ إظهارًا للتَّوسُّع السَّابق، واعتبارًا لما يقتضيه اللَّاحق، فإنَّ الضَّمير في قوله:
(١٢) - ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾.
_________________
(١) أي: دالةٌ عليه؛ للتعبير فيها بالقصم وهو كسر يفرِّق الأجزاء ويُذهب التئامها، ولذا أتى فيه بالقاف الشديدة، بخلاف الفصم بالفاء الرخوة فإنه لمَا لا إبانة فيه فأتى بتركيب اللفظ على وفق المعنى. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٤٤).
(٢) في (ف): "عنهم".
[ ٧ / ١٦ ]
﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا﴾ لأهل القرية ﴿بَأْسَنَا﴾؛ أي (^١): أدركوا بالحسِّ عيانًا ومشاهدةً شدَّة عذابنا، على الاستعارة في الإحساس، ويجوز أن يكون من قَبيل الاستعارة في البأس.
﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا﴾: من القرية، و﴿إِذَا﴾ للمفاجأة.
﴿يَرْكُضُونَ﴾ الرَّكضُ: ضربُ الدَّابة بالرِّجْلِ؛ أي: يهربون مسرعين، على الكناية.
ويحتمِلُ التَّمثيلَ على تشبيههم في الإسراع وشدَّة العَدْوِ بمَنْ (^٢) يرَكِضُ الدَّابةَ، وأن يكون:
(١٣) - ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾.
﴿لَا تَرْكُضُوا﴾ قولًا بلسان الحال يشير إلى أنَّهم خُلقاء بأنْ يُقال لهم ذلك وإن لم يُقَلْ، أو يُقالُ (^٣) استهزاءً، والقائل (^٤) مَلَكٌ أو مَن ثمَّةَ مِنَ المؤمنين. أو حديثًا تُحدِّثُ به أنفسُهم تحسُّرًا.
﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ من العيش الرافهِ (^٥) والتَّنعُّم.
والإترافُ: إبطار النِّعمة، والاسم: التَّرفه.
أو: ارجعوا إلى وبالِ ما أُترفتم فيه.
﴿وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ في النَّار، أو: التي كانت لكم.
_________________
(١) "أي" من (م).
(٢) "بمن" سقط من (م).
(٣) في (س) و(ف) و(ك): "أو المقال".
(٤) في (س) و(ك) و(م): "أو القائل".
(٥) في (ك): "والترفه".
[ ٧ / ١٧ ]
﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ غدًا عن أعمالكم، أو كنايةٌ عن العذاب؛ فإنَّ السُّؤال مُقدِّمتُه، أو تهكُّمٌ وتوبيخٌ؛ أي: ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم حتى يَسألَكم مَن ينفذ فيه أمرُكم ونهيُكم، أو يسألكم النَّاس في أنديتكم المعاونة (^١) في نوازل الخطوب أو يسألكم الوافدون عليكم ويستمطِرون (^٢) سحابَ ما في أيديكم.
* * *
(١٤) - ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
ولَمَّا أخذهم العذاب ولم يروا وجهَ النَّجاة: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ اعترفوا بالاقتراف حين لا ينفع الاعتراف.
* * *
(١٥) - ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾.
﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ الإشارة إلى ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ لأَنَّها دعوى؛ أي: فما زالَتْ تلك الدَّعوى دعواهم.
والدَّعوى: الدَّعوة؛ لأن المُوَلْوِلُ يدعو الويلَ، ويقول: يا ويلُ تعال (^٣) فهذا أَوانُكَ.
والويلُ: الوقوعُ في الهلكة.
_________________
(١) في (ف): "المقاولة"، وفي "الكشاف" (٣/ ١٠٦): (المعاون)، وهي جمعُ المعونة.
(٢) في (م): "وافدون عليكم ويستخطرون".
(٣) في (م): "يقال".
[ ٧ / ١٨ ]
﴿تِلْكَ﴾ اسم ﴿فَمَا زَالَتْ﴾، و﴿دَعْوَاهُمْ﴾ خبرُه، أو بالعكس، وتعيُّنُ الأوَّل إنَّما هو في نحو: ضرب موسى عيسى، مما يَختلف أصل المعنى باختلاف الإعراب.
﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ﴾ الضَّمير المنصوب هو الذي كان مبتدأً، و: ﴿حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ كانا خبرين، فنصبَهما (جَعَل) جميعًا على المفعوليَّة، لا على أنها تقتضي ثلاثة مفاعيل، بل على أن الأخيرين (^١) في حكم الواحد؛ أي: جعلناهم جامعِينَ لمماثلة (^٢) الحصيد والخمود، كقولهم: هذا حلوٌ حامضٌ؛ أي: جامعٌ للطَّعْمَين.
شُبِّهوا في استئصالهم وسقوطهم بالزَّرع المحصود، وفي دمارهم وسكونهم بالنَّار الخامدة.
وإفراد ﴿حَصِيدًا﴾ دلَّ على أنَّ المِثْلَ مرادٌ، فخرج الكلام عن حدِّ الاستعارة إلى حدِّ التَّشبيه.
* * *
(١٦) - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ﴾: ما في جهة العلوِّ والسُّفلِ.
﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من العجائب والبدائع ولطائف الصَّنائع.
﴿لَاعِبِينَ﴾ كما يصنع أبناء الدُّنيا، إنَّما خلقناهما تسبيبًا لِمَا تنتظِم به أمورُ
_________________
(١) في (ف): "الآخرين".
(٢) في (م): "بمماثلة".
[ ٧ / ١٩ ]
العباد في المعاش والمعاد، وتبصرةً لأولي الألباب والأبصار، وتذكرةً لذوي الاعتبار من النُّظَّار، فليَعتبرْ بها طلَّابُ الكمال، ولا يغترُّوا بزخارفها، فإنَّها سريعةُ الزَّوال، ثمَّ بيَّنَ بقولِه:
(١٧) - ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ﴾ أنَّ السبَّبَ في تركِ اتِّخاذ اللَّهوِ هو الحكمةُ البالغةُ، وإلَّا فالقدرة الباهرة (^١) لا تنحسر عن ذلك إن أراد فعله، فإنَّه على كلِّ ما يشاء قدير، والحكمةُ وإنْ لم تكن منافيةً لاتخاذ (^٢) اللَّهوِ - وهو ما يُتلهَّى به، ويندرج فيه اللَّعب - لكنَّها منافيةٌ لأنْ يَفعلَ فعلًا يكون به لاهيًا.
﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: مِن عالَم الغيب، لا من عالَم الشَّهادة؛ لأنَّه أشنعُ وأبعدُ من شأن الحكيم.
﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ذلك، ويدل على جوابه الجوابُ المتقدِّمُ.
وقيل: ﴿إِنْ﴾ نافية، وزيادة ﴿كُنَّا﴾ لاستمرار النَّفي، لا لنفي الاستمرار؛ لأنَّه لا يناسب المقام، والجملة كالنَّتيجة للشَّرطيَّة.
* * *
(١٨) - ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾.
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ إضراب عن اتِّخاذ اللَّهو، وتنزيهٌ لذاته من
_________________
(١) من هنا وقع سقط في (م) بمقدار صحيفتين وينتهي عند قوله: "من جملتها"، وسننبه على انتهائه في مكانه.
(٢) في النسخ: "لإيجاد"، والمثبت من "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٤٦)، و"روح المعاني" (١٧/ ٣٩).
[ ٧ / ٢٠ ]
اللَّعب؛ أي: بل من شأننا أن نغلِّبَ الحقَّ الذي من جملته الجدُّ على الباطل الذي من عداده (^١) اللَّهو.
﴿فَيَدْمَغُهُ﴾: فيَمحقُه ويُفنيه، من دُمِغ الرَّجلُ: إذا شُجَّ شجَّةً تبلغُ أمَّ الدِّماغ، فلا يحيى صاحبُها بعدَها أبدًا (^٢).
استعار القذف - الذي هو الرَّميُ البعيدُ المستلزِمُ لصلابة المرميِّ - لإبطال الباطل بالحقِّ؛ تصويرًا لإبطاله به ومحقِه في صورة جِرمٍ صلبٍ - كالصَّخرة مثلًا - قُذِفَ به على جِرْمٍ رخوٍ أجوفَ فدمغه؛ قضاءً لحقِّ البلاغة.
وقرئ: (فيدمَغَه) بالنَّصب (^٣)، ووجهُه - مع بُعْدِه - الحملُ على المعنى، والعطف على ﴿بِالْحَقِّ﴾.
﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾: هالكٌ، الزُّهوق: ذهابُ الرُّوح، وذكرُه لترشيح المجاز.
﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾: ممَّا تصفونه ممَّا ينافي حكمته ويستحيل عليه، وهو في موضع الحال، و(ما) مصدرَّية، أو موصولة، أو موصوفة.
* * *
(١٩) - ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكًا.
_________________
(١) في (ف): "عداد".
(٢) "أبدًا" من (ف).
(٣) نسبت لعيسى بن عمر. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩١)، و"البحر" (١٥/ ١٩٣).
[ ٧ / ٢١ ]
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ منزلةً ومكانةً، لا منزلًا ومكانًا؛ يعني: الملائكة. شُبِّهوا في كرامتهم عندَ الله وقربهم بالمقرَّبين عند الملوك من زمرة خواصِّهم؛ بيانًا لشرفهم.
ويوقف على ﴿وَالْأَرْضِ﴾؛ لأنَّ (مَن) مبتدأٌ خبرُه: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾: لا يتعظَّمون عنها.
ويجوز أن يكون معطوفًا على ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، والمعنى: له مَن في عالَم الشَّهادة ومَن في عالَم الغيب.
﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾: ولا يَعيَون منها، وإنَّما نُفي الاستحسارُ - وهو مبالغةٌ في الحسور - للإيماء إلى أن ما هم فيه من دوام العبادة والدور بلا فترةٍ يوجب غاية الحسور (^١)، وهم لا يحسرون، وإلَّا لكان نفي أدنى حسورٍ أبلغ (^٢).
* * *
(٢٠) - ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾.
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ينزِّهونه ويعظِّمونه دائمًا.
﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾ حال من الواو في ﴿يُسَبِّحُونَ﴾، وهو استئنافٌ، أو حالٌ مِن الضمير قبلَه (^٣).
_________________
(١) من قوله: "للإيماء … " إلى هنا ساقط من (ف) و(ك).
(٢) مراد المؤلف والله أعلم: أن صيغة الاستفعال المنبئةِ عن المبالغة في الحُسور ليست لإفادة نفي المبالغة في الحسور مع ثبوت أصلِه في الجملة، بل للتنبيه على أن عباداتِهم بثقلها ودوامها حقيقةٌ بأن يُستَحسَرَ منها ومع ذلك لا يستحسرون. انظر: "تفسير أبي السعود" (٦/ ٦٠)، و"روح المعاني" (١٧/ ٤٥).
(٣) في النسخ: "من ضمير قبله"، والصواب المثبت، والمراد: ضمير الواو في ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾.
[ ٧ / ٢٢ ]
(٢١) - ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً﴾ ﴿أَمِ﴾ هي المنقطعة بمعنى: (بل) والهمزة؛ للإضراب عمَّا قبلها، والإنكارِ لِمَا بعدَها، وهو اتِّخاذُ آلهةٍ أرضيَّة، وفي قوله:
﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ سواءٌ كانَ صفة للآلهة، أو متعلِّقًا بالفعل على معنى الابتداء، تجهيلٌ لهم واستركاك لقولهم، وقوله:
﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ تهكُّم بهم، ولومٌ لهم؛ فإنَّهم وإن كانوا لا يصرِّحون بذلك لكنَّه يلزمهم بادِّعاء الإلهيَّة لها، فإنَّ الإلهَ هو الذي يقدر على كلِّ ممكن، والإنشار من جملتها (^١)، وهم يُنكِرون نسبةَ البعث وإنشار الموتى إلى الله تعالى القادرِ على كلِّ شيء، ويثبتون الإلهيَّة لأصنام نحتوها فلزمهم حصر الإنشار فيهم، فلذلك (^٢) أورد ﴿هُمْ﴾ المفيدَ للحصر؛ مبالغةً في التَّجهيل والتَّوبيخ والتَّهكُّم بآلهتهم، وهو توبيخٌ في توبيخ.
* * *
(٢٢) - ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾: صفة لـ ﴿آلِهَةٌ﴾، بمعنى: غيرُ الله؛ لتعذُّر الاستثناء (^٣)، فإنَّ ﴿آلِهَةٌ﴾ جمعٌ منكورٌ غيرُ محصور، لا يشمل الله حتى يُستثنى منه، ولدلالته على أنَّ الفساد إنَّما يلزم من وجود آلهة فيهما دونه، والمرادُ لزومُ الفسادِ من وجودِها مطلقًا سواءٌ (^٤) كانت معه أولا.
_________________
(١) هنا نهاية السقط في (م).
(٢) في (م): "ولذلك".
(٣) في هامش (ف): "لَمَّا تعذَّر الاستثناء تعذَّر الرَّفع على البدل؛ لأنَّه مفرَّع عليه. منه".
(٤) "سواء" من (م).
[ ٧ / ٢٣ ]
ثمَّ إنَّ الفسادَ الآتيَ ذكرُه لزومُه - على ما ستقف عليه - على تقدير مطلق التَّعدُّد في الإله، وإنَّما فَرَض الآلهةَ غيرَ الله تعالى على وَفق معتقَدِهم؛ لزيادة تجهيلهم في هذا الأمر الجليل الشَّأن، فكأنَّه ضمَّنَ إثباتَ مطلقِ (^١) التَّوحيد إبطالَ معتقدهم على أفحشِ وجهٍ وأشنعِه (^٢).
﴿لَفَسَدَتَا﴾: لبطلتا؛ لِمَا يكون بينهما من التَّمانُع؛ إذ لا مجال للتَّوافق في المراد، وإلَّا يلزم أن تتطارد عليه القُدَر.
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ﴾ المحيطِ بجميعِ الأجرام، الذي هو محلُّ التَّدابير، ومنشأ التَّقادير.
﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾: عمَّا يصفونه به ممَّا لا يليق بشأنه.
* * *
(٢٣) - ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾.
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لعلوِّ سلطنته، وكمالِ علمِه وعظمتِه، وتفرُّدِه بالألوهيَّة، ولَمَّا كان الملوك والجبابرة عادتهم أن لا يُسألوا عن أفعالهم وتدابيرهم في ملكهم تهيُّبًا وإجلالًا مع جواز الخطأ عليهم، فلَأَنْ لا يُسأل ربُّ الأرباب ومَلك الملوك خالقُ الكلِّ أولى، مع استحالة ذلك عليه.
﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ لأنَّهم مملوكون مستعبَدون، والضَّمير للآلهة أو للعباد.
* * *
_________________
(١) في (س) و(ف) و(ك): "مطلب".
(٢) في هامش (ف): "لا يخفى ما في تقرير القاضي من الخلل فتأمل. منه".
[ ٧ / ٢٤ ]
(٢٤) - أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: من دون الله ﴿آلِهَةً﴾: كرَّره استعظامًا لكفرهم، واستفظاعًا لأمرهم، وتبكيتًا وإظهارًا لغاية جهلهم، وضمًّا لإنكار أن يكون لهم دليل من العقل إلى إنكار أن يكون لهم دليل من النَّقل، ولهذا رتَّب على الأوَّل دليلَ العقل، وعلى الثَّاني دليلَ النَّقل (^١)؛ يعني: أوجدوا آلهة يُنشرون الموتى فاتَّخذوهم آلهة لِمَا وجدوا فيهم من خواصِّ الألوهية، أم وجدوا في الكتب الإلهيَّة المنزَّلة الأمرَ بإشراكهم (^٢) فامتثلوا الأمر؟!
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ من العقل والنَّقل؛ فإنَّه لا يصحُّ القولُ بما لا دليل عليه، كيف وقد تطابقت الحُجَج على بطلانه عقلًا ونقلًا؟
﴿هَذَا ذِكْرُ﴾؛ أي: هذا الوحي الوارد على الأنبياء ﵈ كلِّهم (^٣) عِظَةُ ﴿مَنْ مَعِيَ﴾ يعني: أمَّته ﵇ ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يعني: أممَ الأنبياء الماضين ﵈، فانظروا هل تجدون فيها إلَّا الأمرَ بالتَّوحيد، والنَّهيَ عن الشِّرك؟
وقرئ: (ذكرٌ مَن معي وذكرٌ مَنْ قبلي) بالتَّنوين (^٤)، على أنَّ (مَن) منصوب المحلَّ مفعولٌ للذِّكْرِ، وهو الأصل، والإضافة عارضة.
_________________
(١) في هامش (ف): "وبالجملة: الإعادة لزيادة الإفادة، فإنَّ الأوَّل للإنكار من حيث العقل، والثاني من حيث النقل. منه".
(٢) في (ف) و(ك): "باشتراكهم".
(٣) في (م): "كله".
(٤) انظر: "الكشاف" (٣/ ١١١)، و"البحر المحيط" (١٥/ ٢٠١).
[ ٧ / ٢٥ ]
وقرئ: (مِن معي ومِن قبلي) (^١) على (مِن) الجارَّة، وإدخالُها على (مع) غريب، والوجه أنَّه ظرفٌ نحو: قبلُ وبعدُ وعندَ (^٢) ولَدُنْ وما أشبه ذلك، فدخلت عليه (مِن) كما دخلت على أخواته.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ بل عندهم (^٣) ما هو أصل الشَّرِّ والفساد وأسُّ الغيِّ والضَّلال، وهو الجهل وعدم التَّمييز بين الحقِّ والباطل، فلذلك كانت عادتهم الإعراض عن الحقِّ من التَّوحيد واتِّباعَ الباطل.
وقرئ: (الحقُّ) بالرَّفع (^٤)، على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، وهي جملةٌ مؤكِّدة وسّطت بينَ السَّبب والمسبَّب؛ أي: كون الجهل المحض سببًا للإعراض هو الحقُّ، وقُدِّمَتْ على المسبَّب لشدَّة الاهتمام والاعتناء بأنَّ سبب الإعراض ليس إلَّا الجهل، ويجوز حمل المنصوب على هذا المعنى، كقولك: هذا عبدُ الله الحقَّ لا الباطلَ، و﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ فعلٌ منسيُّ المفعول، جارٍ مجرى اللَّازم؛ لسلب (^٥) مطلق العلم عنهم رأسًا، وهذا الوجه أفصح وأعرب.
* * *
_________________
(١) أي: بـ (مِن) الجارة مع تنوين (ذكر) كالتي قبلها، نسبت ليحيى بن يعمر. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩١)، و"المحتسب" (٢/ ٦١)، و"الكشاف" (٣/ ١١١)، و"البحر المحيط" (١٥/ ٢٠١).
(٢) "قبل" ضبطت في نسخة نفيسة من "الكشاف" بالضم فوق اللام والتنوين تحتها، وكذا "بعد" بالضم والتنوين، و"عند" بالفتح والتنوين، إشارة إلى جواز الوجهين في كل منها.
(٣) "بل عندهم" من (س).
(٤) نسبت لابن محيصن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩١).
(٥) في (ف) و(ك): "لسبب"، وهو تحريف.
[ ٧ / ٢٦ ]
(٢٥) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ تعميمٌ بعدَ تخصيصٍ؛ لأنَّ ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ هو خبرٌ للمُشارِ إليه بـ ﴿هَذَا﴾، فلا يتناول إلَّا ذكر الموجودين بينَ أظهُرهم، وهو الكتب الثَّلاثة، والآية مقرِّرة لِمَا سبقها من آي التَّوحيد.
* * *
(٢٦) - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ نزلَتْ في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بناتُ اللهِ (^٦).
﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهٌ له تعالى عن ذلك.
﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أضربَ عنه ثمَّ أثبت أنهم عباد، والعبوديَّة (^٧) تنافي الولادةَ، لكنهم مكرَمون مقرَّبون، فمِن ذلك أخطؤوا وزلَّتْ أقدامُهم.
* * *
(٢٧) - ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾.
﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾: لا يقولون شيئًا حتى يقولَه، كما هو دَيْدَنُ العبيد المؤدَّبين، وأصله: لا يَسبق قولُهم قولَه، فنسبَ السَّبق إليه وإليهم، وجعلَ القولَ أداتَه ومحلَّه؛ تنبيهًا على استهجان السَّبق المعرَّض به للقائلين على الله تعالى ما لم يقله.
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٣٦).
(٢) في (م): "والمعبودية".
[ ٧ / ٢٧ ]
وأُنيب اللَّام مناب الإضافة اختصارًا وتحاميًا (^١) عن تكرير الضَّمير.
وقرئ: (لا يَسبُقونه) بالضَّمِّ (^٢)، من سابقتُه فسبقتُه أسْبُقُهُ.
﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: كما لا يسبقونه بالقول لا يسبقونه بالعمل، فلا يعملون إلَّا ما أمرهم به.
* * *
(٢٨) - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ كالعلَّة لِمَا قبلَه، والتَّمهيدِ لِمَا بعده؛ أي: إنهم بعين الله تعالى يعلَم ما قدَّموا وما أخَّروا من أعمالهم؛ أي: لا يخفى عليه خافية، فلإحاطتهم بذلك يَضبطون أنفسهم ويتحفَّظون ممَّا (^٣) لم يؤمروا به قولًا وفعلًا.
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ﴾ مهابةً منه ﴿إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾: لمن ارتضاه وأهَّله للشَّفاعة.
﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾؛ أي: إنَّهم مع ذلك كلِّه قاضون حقَّ الهيبة والعظمة على حذرٍ ورِقْبَةٍ (^٤).
والخشيةُ: خوفٌ مع تعظيمٍ، ولذلك خُصَّ بها العلماء.
_________________
(١) في (ف): "وتجافيًا".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩١).
(٣) في (م): "عما".
(٤) في (م): "ورقية".
[ ٧ / ٢٨ ]
والإشفاقُ: خوفُ مع الاعتناء؛ فإنْ عُدِّي بـ (مِن) فمعنى الخوف فيه أظهرُ، وإنْ عُدِّيَ بـ (على) فبالعكس.
* * *
(٢٩) - ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾: مِنَ الملائكة، أو مِنَ الخلائق:
﴿إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ بعدَ أنْ وصفَهم بالكرامة والقُرْب والأوصاف الجميلة والأفعال المرضيَّة هدَّدَ مَن أشركَ منهم على سبيل الفَرْض والتَّقدير، وأنذره بالوعيد الشَّديد، مع إحاطة علمه بأنَّه لا يكون؛ تفظيعًا لشأن المشركين، وتهديدًا لهم بتهديد مدَّعي الرُّبوبيَّة، ومبالغةً في نفي الولد؛ إذ لو أمكنَ لكان ربًّا من جنسه.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: مَن ظلمَ بالإشراك وادِّعاء الرُّبوبيَّة.
* * *
(٣٠) - ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أولم (^١) يعلموا، تقريرٌ، والواو للعطف على مقدَّر؛ أي: أنكروا قدرتنا على البعث ولم يعلموا، والكفرةُ وإن لم يعلموا لكنَّهم متمكِّنون من العلم به بالاستفسار من الأخبار (^٢) ومطالعة الكتب، فكأنَّهم علموا.
_________________
(١) في (م): "أو".
(٢) كذا في النسخ، ولعل الصواب: "من الأحبار"، ففي "روح المعاني" (١٧/ ٧٥): "أو استفسارا من=
[ ٧ / ٢٩ ]
وقيل: بالنَّظر؟، فإنَّ الفتقَ به عارضٌ مفتَقِرٌ إلى مؤثِّرٍ موجِبٍ بالذَّات ابتداءً أو بوسط (^١).
وفيه أنَّ أصالة الرَّتق وعروضَ الفَتق ممَّا لا يستقلُّ في معرفته (^٢) العقلُ.
﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا﴾ إنَّما قال: ﴿كَانَتَا﴾ دون: كنَّ؛ لأنَّ المراد جماعة السَّماوات وجماعة الأرَضين.
﴿رَتْقًا﴾: ذاتَ رتقٍ، وهو الالتحام، أو: مرتوقتين؛ أي: كانتا شيئًا واحدًا، وحقيقةً متَّحدةً.
وقرئ: (رَتَقًا) بفتح التَّاء (^٣)، على تقدير: شيئًا رَتَقًا، فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ، كالنّقَضِ (^٤) والرَّفَض.
﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ بالتَّنويع والتَّمييز بالصُّوَر المختلفة.
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾: وخلقنا من الماء كلَّ حيوانٍ؛ لأنَّه أعظم موادِّه، أو لفرط احتياجه إليه وامتناع وجوده وبقائه بدونه، أو صيَّرنا كلَّ شيء حيِّ بسببٍ من الماء.
_________________
(١) = علماء أهل الكتاب الذين كانوا يخالطونهم ويقبلون أقوالهم .. أو بمطالعة الكتب السماوية"، ونحوه في "تفسير البيضاوي" (٤/ ٥٠).
(٢) في (ف): "بوسيط"، والمثبت من باقي النسخ و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٥٠).
(٣) في (ك): "معرفة".
(٤) نسبت لأبي حيوة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩١).
(٥) في (م): "كالنفض"، وهو تمثيل صحيح أيضًا، وهو بمعنى المرفوض، ومعناه: ما سقط من الورق والثمر.
[ ٧ / ٣٠ ]
وقرئ: (حيًّا) (^١) على أنَّه صفة ﴿كُلَّ﴾ أو مفعول ثانٍ والظَّرفُ لغوٌ.
﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ مع ظهور الآيات.
* * *
(٣١) - ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: ثابتات، مِن رَسى: إذا ثبتَ.
﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ مفعول له؛ أي: كراهةَ أنْ تميدَ بهم، وقيل: لئلَّا تميدَ بهم، فحذف (لا) لأَمْن اللَّبس (^٢).
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾: في الأرض أو الرَّواسي (^٣).
﴿فِجَاجًا﴾: جمع فجٍّ، وهو الطَّريق الواسع، وإنَّما قُدِّمَ على: ﴿سُبُلًا﴾ - وهو صفةٌ له - ليصير حالًا مقدَّرةً، فيدلَّ على أنَّه حين خلقَها خلقَها مستعدَّة لذلك، أو ليُبدل منها ﴿سُبُلًا﴾ فيدلَّ ضمنًا على أنَّه خلقَها ووسَّعها للسَّابلة، مع ما يكون فيه من التَوكيد، وأُخَر في قوله: ﴿سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢٠] للبيان والتَّوضيح بعد الإبهام.
﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: ليهتدوا بها إلى مقاصدهم.
* * *
_________________
(١) نسبت لحميد ومعاذ القارئ وابن أبي عبلة. انظر: "زاد المسير" (٥/ ٣٤٨)، و"البحر المحيط" (١٥/ ٢١٠).
(٢) في (ف): "فحذف لأمن الإلباس".
(٣) في (ك) و(م): "أو في الرواسي".
[ ٧ / ٣١ ]
(٣٢) - ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ بقدرتنا من أنْ تقع على الأرض بغير عَمَدٍ (^١).
﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا﴾: أحوالِها الدَّالةِ على وجود الصَّانع وكمال قدرته وحكمته، وهو ما يُحَسُّ منها من الكواكب وحركاتها وأوضاعها، وما يُعلَمُ مِنْ عِلْمَي الهيئة والطَّبيعة.
﴿مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: هم قوم عادتهم الإعراض (^٢).
* * *
(٣٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ بيانٌ لبعضِ تلك الآيات، والمراد بـ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ جنسَ الطَّوالع؛ اكتفاءً بأَبْيَنهما.
﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ التَّنوين في ﴿كُلٌّ﴾ عوضٌ من المضاف إليه؛ أي: كلُّهم.
﴿يَسْبَحُونَ﴾ حالٌ من ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، كقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، أو استئناف، أو خبر ﴿كُلٌّ﴾.
والمراد بالفُلْكِ: الجنسُ، كقولهم: كساهم الأميرُ الحُلَّة.
_________________
(١) في هامش (س) و(ف) و(م): "قيل: أو استراق السمع بالشُّهب، ويأباه قوله: ﴿سَقْفًا﴾ فإنَّه حينئذ يضيع، ولا يحمله شأن البلاغة و[…] الإعجاز. منه". وما بين معكوفتين كلمة لم تجود، ورسمها مثل: "أتيّ".
(٢) في هامش (ف) و(م): "مبنى هذا على أنَّه لا يقال: مُعرِض، إلَّا لمن صدر عنه الإعراض مرارًا. منه".
[ ٧ / ٣٢ ]
قالوا: إنَّ تحتَ السَّماء فُلكًا هو موجٌ مكفوفٌ فيه الكواكب كلُّها، ولذلك قال: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ كما يسبح الإنسان في الماء.
وقيل: شُبِّهَتْ حركتُهما في الإسراع بسباحة السَّابح.
ويردُّه: أنَّ حقَّ التَّشبيه أن يكون المشبَّه به أقوى من المشبَّه في وجه الشَّبه، وعكسه اللَّازم على ما ذُكِرَ مردودٌ في الكلام البليغ، فكيف في المعجِزِ؟!
وإنَّما جُمِعَ جمعَ العقلاء لأَنَّهم وُصِفُوا بوصفِهم.
* * *
(٣٤) - ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾.
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ كانوا يقولون: نتربَّص به ريب المنون، فنزلَتْ (^١).
والفاء في قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ لتعليق الشرطيَّة بما قبلَها من التَّمهيد، والهمزةُ لإنكارها بعدما تقرَّر ذلك.
* * *
(٣٥) - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: كلُّ نفسِ حيوانٍ تذوقُ مرارة مفارقتها جسدها، وهو تقريرٌ لِمَا مهَّده، وبرهانٌ على ما أنكره.
﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾: ونعاملكم معاملةَ المختبِر ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾: بما يجبُ فيه الصَّبر من البلاء، وما يجب فيه الشُّكر من النِّعم، وإنَّما قدَّم الشَّرَّ لأنَّه أنسبُ بالابتلاء.
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٦/ ٢٧٥).
[ ٧ / ٣٣ ]
﴿فِتْنَةً﴾: ابتلاءً، مصدر من غير لفظه.
﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ فنجازيكم على حسَب ما يوجد منكم من الصَّبر والشُّكر، والجزَع والكفر.
وفيه إيماءٌ إلى أنَّ المقصودَ من هذه الحياة الدُّنيا الابتلاءُ، والتَّعريضُ للثَّواب والعقاب؛ تقريرًا لما سبق.
* * *
(٣٦) - ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.
﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾؛ أي: ما يتخذونك إلا مهزوًّا به، ويقولون:
﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾؛ أي: بسوءٍ، وإنَّما أطلقَه لدلالة الإنكار والتَّعجُّب المفهومَيْن مِن قولهم: ﴿أَهَذَا﴾.
﴿وَهُمْ﴾ خاصَّةً ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: بذكرك للرَّحمن بالخير، وما يجب أن يُذْكَر به كالتَّوحيد والثَّناء عليه بما هو أهله من التَّسبيح والتَّمجيد.
﴿هُمْ كَافِرُونَ﴾ فهم أحقُّ أنْ يُتَّخذوا هزوًا؛ لأَنَّك محقٌّ وهم مبطلون، فتقديم ذكر الرَّحمن على الكفر دلالةٌ على تخصيصهم الكفرَ بذكر الرَّحمن دون آلهتهم، فإنَّهم عاكفون على ثنائهم وتعظيمهم.
والجملة في محلِّ النَّصب على الحال؛ أي: يتخذونك هزوًا وحالُهم أنَّهم على شيءٍ هو أصل الهزءِ والسُّخرية.
* * *
[ ٧ / ٣٤ ]
(٣٧) - ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾.
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ جعلَ ما طُبِعَ عليه بمنزلةِ ما طُبِعَ هو منه مبالغةً في فرط استعجاله وقلَّة تأنِّيه، وهو تمهيد لنهيهم عن الاستعجال، ومِن عَجَلَتِه استعجالُ الوعد.
﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾: نقماتي في الدُّنيا كوقعة بدر، وفي الآخرة عذاب النَّار.
﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ بالإتيان بها.
والمفهومُ ممَّا تقدَّم أنَّ الإنسان إذا خُلِّيَ وطبعَه يكون على العجلة، وهذا لا ينافي النَّهي عنها بل يستوجبه.
* * *
(٣٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: وقتُ وعدِ العذاب، أو القيامةِ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعنون النَّبيَّ ﵇ وأصحابَه ﵃.
* * *
(٣٩) - ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ ذكر الوجوه لأنَّها أشرف ما (^١) في ظاهر الإنسان، ومحلُّ حواسِّه، وهو أحرص على الدِّفاع عنه من غيره من أعضائه.
_________________
(١) في (ف) و(م): "بما"، وفي (ك): "مما"، والمثبت من (س)، وهو الصواب.
[ ٧ / ٣٥ ]
﴿وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، و﴿حِينَ﴾ مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾؛ أي: لو يعلمون الوقت الذي يستسخرون عنه بقولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾، وهو وقتٌ صعبٌ تحيط بهم النَّار فيه من قدَّامٍ وخلف، فلا يقدرون على دفعها من (^١) أنفسهم، ولا يجدون ناصرًا ينصرهم = لَمَا كانوا بتلك الصِّفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكنَّ جهلهم به هو الذي هوَّنه عليهم، أو: لَمَا استعجلوا مستهزئين.
أو منصوب بمضمَر، و﴿يَعْلَمُ﴾ مطلَق بلا مفعول، مُجرًى إجراء اللَّازم؛ أي: لو كان لهم علم لَمَا كانوا مستعجلين، حين (^٢) لا يكفُّون عن وجوههم النَّار ولا عن ظهورهم يعلمون أنَّهم كانوا على الباطل، وينتفي عنهم هذا الجهل العظيم.
وإنَّما وُضعَ الظَّاهر فيه موضِعَ المضمَر (^٣) للدِّلالة على ما أوجب لهم ذلك.
* * *
(٤٠) - ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾: فجأة، مصدر أو حال، أضرب عن كفِّ النَّار عن وجوههم وظهورهم؛ أي: لا يكفُّونها، بل تفجأهم.
﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾: فتغلبُهم، يقال للمغلوب في المحاجَّة: مبهوت.
_________________
(١) كذا في النسخ، ولعل الأنسب بالسياق: (عن).
(٢) "حين" منصوب بما سيأتي من قوله: "يعلمون"، وهذا الفعل هو المضمر الذي أشار إليه بقوله: "أو منصوب بمضمر".
(٣) في (ف) و(ك): "الضمير".
[ ٧ / ٣٦ ]
وقرئ الفعلان على التَّذكير (^١)، والضَّمير للوعد أو للحين، وعلى التَّأنيث يجوز أن يرجع إلى العِدَةِ أو الموعدة أو الحين، على تأويل السَّاعة أو النَّار أو البغتة.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾: فلا يقدرون على دفعها.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: يمهلون، وفيه تذكيرٌ لهم بإمهالهم في الدُّنيا.
* * *
(٤١) - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: تسلية لرسول الله ﷺ.
﴿فَحَاقَ﴾: فحلَّ ونزلَ ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾ جزاء ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وعدٌ له ﵇ بأنَّه يحيق بهم ما يفعلونه به (^٢)، كما حاقَ بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا.
* * *
(٤٢) - ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أمرَ رسولَه ﵇ بسؤال المستهزئين عمَّن يحفظهم دائمًا، وإنَّما قدَّم اللَّيل لأنَّ الحاجة إلى الحفظ أكثر وأظهر.
﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾: مِن بأسِه إن أراد بكم.
_________________
(١) نسبت للأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩١).
(٢) في (ف): "يفعلون به".
[ ٧ / ٣٧ ]
قيل: في ذكر اسم ﴿الرَّحْمَنِ﴾ تنبيهٌ على أنْ لا كالئ غيرُ رحمته العامة، وأنَّ اندفاع البأس عن النَّاس لا يكون إلَّا بها.
وعندي أنَّ التَّنبيه فيه على أنَّ رحمته العامةَ لا تمنعه عن الغضب، فلا تغترُّوا بها، ولا يخفى أنَّ هذا هو الأنسب للمقام.
﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ إضرابٌ عن مقدَّر؛ أي: إنهم غير معرضين عن ربهم، وليسوا بغافلين عنه، حتى لا يجدي السُّؤال عنه، كيف وهم يتَّخذون الآلهة ويعبدونها في كلِّ وقت للشَّفاعة عنده تعالى، بل معرضون عن ذكره، فالتذكير يناسب حالهم (^١).
وهذا المعنى مع ظهوره من مَساق الكلام، ووضوح انطباقه لمقتضى المقام، قد خفي على النَّاظرين فيه حتى قالوا (^٢): لا يُخْطرونه ببالهم، فضلًا أن يخافوا بأسه، حتى إذا كُلِئوا منه عرفوا مَنِ الكالئ، وصلحوا للسؤال عنه.
ولم يتنبَّهوا أنَّه حينئذ لا يبقى وجه للأمر بالسُّؤال، وأيضًا حينئذٍ تضيع عبارة الذِّكر، بل تخلُّ بالمقصود؛ لإيهامها الشُّعور في الجملة.
* * *
(٤٣) - ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾.
﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ﴾ تحفظهم مانعين العذاب ﴿مِنْ دُونِنَا﴾ أضربَ عمَّا تقدَّم، منكرًا لكلاءة آلهتهم ومنعهم من العذاب متجاوزًا منه تعالى، أو من عذاب
_________________
(١) في هامش (س) و(ف): "فإن الإعراض عن الشيء يكون كناية عن الغفلة والنسيان بخلاف الإعراض عن ذكره فإنه ينبئ عن حضوره في الذهن وشعوره. منه".
(٢) القائل هو الزمخشري وتابعه البيضاوي.
[ ٧ / ٣٨ ]
يكون من عنده، بما في ﴿أَمْ﴾ من معنى (بل) والهمزةِ، وهذا الإضراب ليس للإبطال ولا للتَّرقي بل للانتقال من كلام إلى آخر.
قيل: والإضرابان عن الأمر بالسُّؤال على التَّرتيب، فإنَّه عن المعرِض الغافل عن الشَّيء بعيد، وعن المعتقِد لنقيضه أبعد.
وقد عرفْتَ فساد مبناه، ثمَّ إنَّه لا ينتظِم مع ذلك الاعتبارِ ما في الإضراب الثاني من زيادة الإنكار، وبعد اللُّتيا والَّتي قوله (^١): المعتقِد لنقيضه، فريةٌ ما فيها مريةٌ؛ لِمَا نبَّهت عليه آنفًا.
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾: يجارون، يُقال: صَحِبَكَ الله؛ أي: حفظك وأجارَك، استئناف بإبطال ما ذُكِرَ؛ فإنَّ مَن لا يقدر على نصر نفسه ولا يحفظه الله كيف ينصرُ غيرَه ويحفظه؟!
* * *
(٤٤) - ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.
﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ ثمَّ أضرب عن المتوهَّم المتبادِر من ظاهر حالهم بعدما أنكره ببيان أنَّ ما هم عليه من الحفظ والكلاءة إنَّما هو منَّا لا من مانعٍ يمنعهم من إهلاكنا، وإنَّما حفظناهم للاستدراج، وهو تمتيعه تعالى إيَّاهم وآباءهم بما قُدِّرَ لهم من الأعمار، حتى حسبوا بسبب طول (^٢) مدَّة الإمهال أنَّهم لا يزالون كذلك، وأنَّه بسبب (^٣) ما هم عليه.
_________________
(١) في (ك): "قول".
(٢) في (ك): "بطول" بدل "بسبب طول".
(٣) في (س) و(ك): "سبب".
[ ٧ / ٣٩ ]
ثمَّ عقَّبه بما يدلُّ على أنَّه أملٌ (^١) كاذب وغرورٌ باطل، وهو قوله تعالى:
﴿يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ﴾: أرض الكفر ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بتسليط المسلمين عليها، وهو تصوير ما كان الله تعالى يجريه على أيدي المسلمين، وفي إضافة إتيانهم بأمره إلى نفسه تعظيمٌ لشأنه.
﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ إنكارٌ لغلبتهم على الرَّسول ﵇ والمؤمنين بعدَ هذه المغلوبيَّة المتجدِّدة دائمًا.
وفي التَّعريف تعريضٌ بأنَّ أعداءهم هم (^٢) المعروفون المتعيِّنون بالغلبة دونهم.
* * *
(٤٥) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾.
﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾: بما أوحيَ إليَّ من الله تعالى، لا مِن قِبَلِ نفسي.
﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ وقرئ: ﴿وَلَا يَسْمَعُ﴾ من الإسماع - على خطاب الرَّسولِ - ونصبِ ﴿الصُّمُّ﴾ (^٣)، وبالياء على إضماره (^٤)، و: ﴿لَا يَسْمَعُ﴾ مبنيًا للمفعول (^٥)، من أُسْمِعَ.
_________________
(١) في (ف): "أصل".
(٢) "هم" من (س) و(ك).
(٣) قرأ بها ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٥).
(٤) أي: (يُسْمِعُ) على إضمار الفاعل الذي هو الرسول ﷺ، هكذا ذكرها الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ١١٩) ولم ينسبها. وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي عن اليزيدي عن أبي عمرو: (ولا يُسمِعُ الصُّمَّ الدعاءُ) على إسناد الفعل إلى الدعاء اتساعًا، والمفعول الثاني محذوف، كأنه قيل: ولا يُسمِعُ النداءُ الصمَّ شيئًا. انظر: "البحر المحيط" (١٥/ ٢٢٦).
(٥) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩١).
[ ٧ / ٤٠ ]
وفي قراءة: ﴿يَسْمَعُ﴾ المبني للفاعل التفاتٌ وتنويهٌ بذكر الرسول وتعظيمٌ له.
وإنَّما سمَّاهم الضُمَّ ووضعه موضع ضميرهم للدِّلالة على فرط تصامِّهم، وعدمِ انتفاعهم بالأسماع (^١)، وإنْ جعلنا اللَّام للجنس كان أبلغَ؛ لِمَا فيه من معنى البرهان بالتَّعميم، ونوع من الكناية، وهو أبلغ مِن التَّصريح.
﴿إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ منصوب بـ ﴿يَسْمَعُ﴾ لا بـ ﴿الدُّعَاءَ﴾ لأنَّه مصدر، فلا يعمل إلَّا منوَّنًا.
والتَّقييد به لكون الكلام في الإنذار، وللمبالغة في أنَّهم لا يتأثرون به وقت الإنذار، فضلًا عن أن يسمعوه ثم يَذهلوا عنه، ولكونه كالقرينة في الكناية، كأنَّه أمره بقوله: ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾، ثمَّ قال: ولا يؤثر فيكم، فأنتم صمٌّ، ولا يسمَعُ هذا الجنسُ الدُّعاءَ.
* * *
(٤٦) - ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ﴾ أصل النَّفْحِ: هبوب رائحة الشَّيء، ويستعمل في كلِّ قلَّة، يُقال: نفحَتْهُ (^٢) الدَّابةُ: إذا رمحتْه رَمحًا يسيرًا، ونفحه بعطيَّة: إذا رضخه (^٣)، ففيه مبالغة من جهة مادَّته الدَّالة على معنى النَّزارة، ومن جهة صيغته؛ أي: بناءِ المَرَّة، فإنَّها لأقلِّ ما ينطلق عليه الاسم، ومن جهة تنكيره الدَّال على التَّقليل.
_________________
(١) في (ف): "بأسماعهم".
(٢) في (ف): "نفحت".
(٣) رضخَ له: أعطاه قليلًا. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: رضخ).
[ ٧ / ٤١ ]
وأمَّا المس فهو أقوى من الإصابة؛ لِمَا في مفهومه من قيدٍ زائد عليها (^١)، وهو أنْ تتأثر منه حاسَّة الممسوس (^٢)، فإيثاره هنا على الإصابة للدِّلالة على أن عذاب الله تعالى وإنْ كان في غاية (^٣) يتأثر منه مَن يصيبُه.
﴿مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾؛ أي: ولئن مسَّهم أدنى شيءٍ من العذاب الذي يُنذَرون به لأذعنوا واعترفوا بظلمهم في تصامِّهم وإعراضهم، داعين على أنفسهم بالويل.
* * *
(٤٧) - ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾.
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾: صفة ﴿الْمَوَازِينَ﴾، ولم يُجمَع لأنَّه مصدر وصفت به للمبالغة كلِّها في أنفسها، عدل، وجاز أن يكون على حذف المضاف؛ أي: ذواتِ القسط، وقد سبق ما يتعلَّق بوضع الموازين في سورة الأعراف، وما يدل على أنَّه حقيقةٌ لا تمثيل.
واللام في: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ للوقت؛ أي: في يوم القيامة.
وقيل: معناه: لجزاء يوم القيامة، أو لأهلهم؛ أي: لأجْلهم، على الحذف.
_________________
(١) في هامش (س) و(ف): "والقاضي مع اعترافه بهذا على ما صرح به في سورة البقرة كيف قال هنا: (وفيه مبالغاتٌ: ذكرُ المس ..). منه".
(٢) في النسخ: "المحسوس"، والصواب المثبت. انظر: "روح المعاني" (١٧/ ١١٢). ولم يرتض الآلوسي هذا الكلام.
(٣) لعل المراد: "في غاية القلة".
[ ٧ / ٤٢ ]
﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ بنقصٍ من ثوابه الموعود، أو زيادةٍ في عذابه المعهود، ويجوز أن يكون معناه: شيئًا من الظُّلم.
﴿وَإِنْ كَانَ﴾ أي: ما يُفعَل به مِنَ النَّقص والزِّيادة أو الظُّلم ﴿مِثْقَالَ﴾ مقدارَ ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ وقرئ: ﴿مِثْقَالَ﴾ بالرَّفع (^١) على (كان) التَّامة.
وتأنيثُ ضمير المثقال في: ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ لإضافته إلى الحبَّة، كقولهم: ذهبتْ بعضُ أصابعه.
أي: أحضرناها، وقرئ: (آتينا) (^٢)، بمعنى: جازينا بها، من الإيتاء، فإنَّه بمعنى الإعطاء (^٣)، أو من المؤاتاة، فإنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء.
﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا.
* * *
(٤٨ - ٤٩) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾ هذه الثَّلاثة هي التَّوراة؛ فهي فرقانٌ بينَ الحقِّ والباطل، وضياءٌ يُستضاءُ به ويُتوصَّل به إلى سبيل النَّجاة في ظلمات الحيرة والجهالة، وذِكْرٌ؛ أي: شرفٌ، أو وَعْظٌ وتنبيهٌ، أو ذِكْرُ ما يحتاج إليه النَّاس في مصالح دارهم.
_________________
(١) قرأ بها نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٥).
(٢) نسبت لابن عباس ومجاهد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩١).
(٣) في هامش (ف): "لا قريب منه كما توهم. منه".
[ ٧ / ٤٣ ]
ودخلت الواو على الصِّفات كما في قوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٩] ٣٩]، وقرئ: (ضياءً) ثم بغير واو (^١)، على أنَّه حال من ﴿الْفُرْقَانَ﴾.
ولَمَّا انتفعَ بذلك المتَّقون خصَّهم الله تعالى بقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، ومحلُّ: ﴿الَّذِينَ﴾ جرّ على الوصفيَّة، أو نصبٌّ على المدح، أو رفع عليه.
﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ حال من الفاعل أو المفعول.
﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ﴾: القيامة وأهوالها.
﴿مُشْفِقُونَ﴾ الإشفاقُ: خوفٌ مع اعتناء.
وفي تصدير الضَّمير وبناء الحكم عليه مبالغةٌ وتعريضٌ.
* * *
(٥٠) - ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.
﴿وَهَذَا﴾ القرآن ﴿ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾: كثيرٌ خيرُه ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ على محمَّدٍ ﵇.
﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ استفهامُ توبيخ بعد وضوح إعجازه ووفور بركته.
* * *
(٥١) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾: الاهتداءَ لوجوه (^٢) الصَّلاح، وإضافتُه ليدلَّ على أنَّه رُشْدُ مِثْله (^٣)، وأنَّ له شأنًا.
_________________
(١) نسبت لابن عباس ﵄. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩١)، و"الكشاف" (٣/ ١٢١).
(٢) في (ف) و(م): "الاهتداء بوجوه"، وفي (ك): "للاهتداء بوجوه". والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٣/ ١٢١)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٥٣).
(٣) بإضافة "رشد" إلى "مثله"؛ أي: لتدل إضافة الرشد إلى إبراهيم على أن ما آتاه الله إياه من =
[ ٧ / ٤٤ ]
وقرئ (رَشَدَه)، وهو لغة (^١).
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: مِن قبلِ موسى وهارون ﵉، أو: مِن قبلِ محمَّد ﵇.
﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ علمنا أنَّه أهلٌ لما آتيناه، أو جامعٌ لمحاسن الأوصاف ومكارم الأخلاق.
* * *
(٥٢) - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾.
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ متعلِّق بـ ﴿آتَيْنَا﴾، أوبـ ﴿رُشْدَهُ﴾، أو بمحذوفٍ؛ أي: اذكر من أوقات رشده وقتَ قوله:
﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ تجاهلٌ منه وتَغَالبٍ لتحقيرِ شأنها وتوبيخهم على إجلالها؛ فإنَّ التِّمثالَ جمادٌ لا يضرٌّ ولا ينفعُ، أصله: الصُّورة المصنوعة مشبَّهةً (^٢) بمخلوقٍ من مخلوقات الله تعالى، ومنه تمثَّلْتُ الشَّيءَ بالشَّيءِ: إذا شبَّهْتهُ به.
واللام للتَّعليل؛ أي: لتعظيمها، و﴿عَاكِفُونَ﴾ مجرًى إجراءَ اللَّازم، غيرُ منويَّ
_________________
(١) = الرشد هو رشد رسول مثله، وهو رشد خاص كائن مما أوتي مثله من أولي العزم من الرسل. انظر: "حاشية القونوي" و"حاشية ابن التمجيد" (١٢/ ٥٣٥)، وما ذكرناه ملخص كلامهما، فمن أراد التمام فليراجعهما.
(٢) نسبت لعيسى الثقفي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٢)، و"البحر المحيط" (١٥/ ٢٣٥).
(٣) في (ف): "لشبهه"، وفي (ك) و(م): "شبهه".
[ ٧ / ٤٥ ]
المفعول؛ أي: فاعلون العكوفَ لأجلها، وهو اللُّزوم لأمرٍ من الأمورِ، أو لتضمُّنِ العكوف معنى العبادة؛ لزيادة التَّوبيخِ، ويعضده ما في جوابهم (^١) من قولهم: ﴿لَهَا عَابِدِينَ﴾
* * *
(٥٣) - ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾.
﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ جوابٌ عن التَّوبيخ بأنَّه طريقة أسلافنا، ما أحدثناها.
ولَمَّا ضمَّنوا جوابهم دعوى سواءِ (^٢) طريقهم بالإسناد إلى الآباء والأجداد، ردَّ عليهم حيث:
(٥٤) - ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ﴾ تأكيدٌ للمتَّصل في ﴿كُنْتُمْ﴾ ليصحَّ العطفُ عليه.
﴿وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ مستقرُّون في ضلالٍ ظاهر.
والتَّأكيد بالقسم ووصفُ الضَّلال بالمبين؛ لإفادة وضوح استقرار المقلِّدين في ضلالٍ لا يخفى على مَن له أدنى عقلٍ؛ لعدم تمسُّك الفريقَيْن بدليلٍ، والتَّقليد في الأصول غير جائزٍ أصلًا، وفي الفروع إنَّما يجوز لمن علم في الجملة كونَ المقلَّدِ على الحقِّ.
* * *
_________________
(١) في (ك): "جوابه".
(٢) في (ف) و(ك): "لرد"، والمثبت من (م)، ورسمها في (س) قريب من (م).
[ ٧ / ٤٦ ]
(٥٥) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ لاستبعادهم تضليلَه إيَّاهم وآباءَهم، حسبوا أنَّه إنَّما قال ما قال (^١) على وجه المزاح والملاعبة، فقالوا: أبجدٍّ تقولُ أم أنت لاعبٌ؟
وإنَّما غيَّروا النَّظم بإدخال الهمزة على الجملة الفعلية وقرينتها الجملة الاسميَّة لتوطينهم (^٢) أنفسَهم على أنَّه من اللَّاعبين، ورسوخِ ذلك الاعتقاد عندهم، وأمَّا القِسْمُ الأول فلم يثبت عندهم فأظهروا أنَّه إنْ ثبتَ فشيء اختلجَ في ظنِّه.
* * *
(٥٦) - ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ إضراب عن كونه لاعبًا بإقامة البرهان على ما ادَّعاه.
والضَّمير في ﴿فَطَرَهُنَّ﴾ لـ ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: أنشأهنَّ من غير شيءٍ، أو لـ ﴿التَّمَاثِيلُ﴾، وهو أَدخَلُ في تضليلهم وإلزام الحجَّة عليهم، فكأنه قيل: إنَّه تعالى خالقٌ وهنَّ مخلوقُه، فأنَّى يُعبَد المخلوق ويُجحَدُ الخالق! ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ﴾ المذكور من التَّوحيد.
_________________
(١) "ما قال" سقط من (ك).
(٢) في (ف): "لتوطنهم".
[ ٧ / ٤٧ ]
﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ أي: من المحققِّين له؛ لأنَّ الشَّاهد هو الذي تحقَّق لشَّيءَ وحققَّه، كأنَّه قال: وأنا أحقِّق ذلك وأُثْبته بالبرهان، لستُ مثلكم فأقولَ ما لا أقدر على إثباته (^١) بالحجَّة، وأتمسَّكَ بالتَّقليد كما تمسَّكتم به.
* * *
(٥٧) - ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾.
﴿وَتَاللَّهِ﴾ قرئ بالباء على الأصل (^٢)، والتَّاء بدل من الواو المبدلة منها.
والتَّاء في القَسَم تفيد معنى التَّعجب من المقسَم عليه، كأنَّه تعجَّب من تسهُّل ذلك الأمر الصَّعب على يده، ولهذا عبَّر عنه بالكيد المشتمِل على نوعٍ من الحيل.
﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ الكيدُ: الاحتيال في وصول الضَّرر إلى المَكيد.
﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾: بعد (^٣) ذهابكم عنها.
وعن قتادة: أنَّه قال ذلك سرًّا (^٤).
وقيل: سمعه رجلٌ واحدٌ (^٥).
فلمَّا ذهبوا بقي إبراهيم ﵇ فكسر الأصنام، فالفاء في قوله:
_________________
(١) في (ف): "ثباته".
(٢) نسبت لمعاذ بن جبل. انظر: "الكشاف" (٣/ ١٢٢)، وزاد في "البحر المحيط" (١٥/ ٢٣٩): الإمام أحمد.
(٣) في (م): "يعني".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٩٣).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٢٩٣) عن مجاهد.
[ ٧ / ٤٨ ]
(٥٨) - ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾.
﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ فصيحةٌ، والجُذَاذُ: فُعالٌ بمعنى مَفعولٍ - كالحُطام - من الجذِّ وهو القَطْع، أو جمع جُذَاذة كزُجاجة وزُجاج.
وقرئ بالكسر (^١)، وهو لغةٌ فيه، أو جمع جَذيذٍ، كخِفافٍ وخَفيفٍ.
وقرئ بالفتح (^٢)، و: (جُذُذًا) جمع جَذيذ، و: (جُذَذًا) جمع جُذَّةٍ (^٣). ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾: للأصنام، أو للكفَّار. وروي أنه ﵇ كسرها كلَّها بالفأس إلَّا كبيرَها فعلَّق الفأس في عنقه (^٤):
﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ﴾: إلى الكبير ﴿يَرْجِعُونَ﴾ فيسألونه عن كاسرها، فيتبيَّن (^٥) لهم عجزُه.
وقيل: إلى إبراهيم ﵇، فيحاجُّهم بقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ فيَحُجُّهم.
أو: إلى الله؛ أي: يرجعون إلى توحيده عند تحقُّقهم عجز آلهتهم، ويرِدُ عليه أنَّه حينئذ يكون قوله: ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أجنبيًّا في البَيْن.
* * *
_________________
(١) قرأ بها الكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٥).
(٢) نسبت لأبي نهيك وأبي السمال. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٢).
(٣) انظر القراءتين في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٢)، و"الكشاف" (٣/ ١٢٣) والكلام منه، و"البحر المحيط" (١٥/ ٢٤٢).
(٤) روي نحوه عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وابن إسحاق. انظر: "تفسير الطبري" (١٦/ ٢٩٦)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٦٣٧).
(٥) في (ف): "فيبين".
[ ٧ / ٤٩ ]
(٥٩) - ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿قَالُوا﴾ حين رأوا ذلك بعدَ ما رجعوا:
﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾: لشديدُ الظُّلم؛ لجراءته على الآلهة الحقيقَةِ بالإعظام.
* * *
(٦٠) - ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾.
﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ بسوءٍ، صفةٌ لـ ﴿فَتًى﴾ مصحِّحةٌ لتعلُّق السَّمع به، وهو أبلغ في نسبة الذِّكْرِ إليه، وقيل: مفعولٌ ثانٍ لسمع، وليس يَثبت.
﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ صفةٌ أخرى، و﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ فاعلٌ، يُقال: لأنَّ المراد به الاسمُ لا المسمَّى.
* * *
(٦١) ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾.
﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ في محلِّ النَّصب على الحال؛ أي: بمرأًى منهم ومَنظرٍ، بمعنى: معايَنًا مشاهَدًا متمكِّنًا صورتُه (^١) في أعينهم تمكُّنَ الرَّاكب على المركوب.
﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ عليه بما فعله، أو بما يُسمع منه، أو يحضرون عقوبتنا له.
* * *
_________________
(١) في (ك): "صورة"، وسقطت من (ف).
[ ٧ / ٥٠ ]
(٦٣ - ٦٢) - ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾.
﴿قَالُوا﴾ بعدما أحضروه: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ﴾ إبراهيمُ ﵇:
﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أَسند الفعل إلى السَّبب مجازًا؛ إذ الحاملُ على كسرهم هو؛ لأنَّه لَمَّا غاظه زيادةُ تعظيمهم له تسبَّب لمباشرته إيَّاه.
والأحسنُ الأفصح أنَّه من مَعاريض (^١) الكلام، وذلك أنَّه لم يُرِدْ أن ينسبَ الفعل إلى الصَّنم، بل أراد تقريرَه لنفسه على أسلوبِ تعريضٍ مع الاستهزاء بهم بالغًا به غرضَه (^٢) من إلزامهم (^٣) الحجَّة وتبكيتهم، لا نفيَه (^٤) عنْ نفسه وإثباتَه للصَّنم؛ لأنَّ إثباته للعاجز - والأمر دائرٌ بينهما - استهزاءٌ به وإثباتٌ للقادر، وما روي أنه ﵇ قال: "كذَب إبراهيمُ ثلاثَ كذبات" (^٥)، تسميةٌ للمَعاريض (^٦) بالكذب لَمَّا شابهت صورتُها صورتَه.
ويجوز أن يكون حكايةً لِمَا يؤدي إليه مذهبهم من جوازه، كأنَّه قال: ليس بمنكَرٍ أن يفعل هذا وأشدَّ منه مَن يُدْعى إلهًا.
_________________
(١) في (ك): "معارض".
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "غرضهم"، والمثبت من (س) وهو الصواب.
(٣) في (ك): "إلزام".
(٤) عطف على "تقريره".
(٥) رواه البخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (٢٣٧١)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) في (ك): "للمعارض".
[ ٧ / ٥١ ]
وقرئ: (فَعَلَّهُ كبيرُهم) (^١) بمعنى: فلعلَّه كبيرهم (^٢)؛ أي: فلعلَّ الفاعل كبيرهم.
* * *
(٦٤) - ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ ورجعوا إلى عقولهم ﴿فَقَالُوا﴾: فقال بعضهم لبعض: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ بعبادةِ مَن لا ينطقُ ولا يمكنه دفعُ الضرر عن نفسه، لا مَن ظلمتُموه بقولكم: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
* * *
(٦٥) - ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾.
﴿ثُمَّ نُكِسُوا﴾ النَكسُ: جعلُ الشَّيء أسفلَه أعلاه، ومنه نُكِس المريضُ: إذا رجعَ أوَل حاله.
وهو عبارةٌ عن إطراقهم رؤوسَهم خجلًا، وللمبالغة في هذا المعنى ضمَّنه معنى السُّقوط؛ أي: نُكِسُوا ساقطين ﴿عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾، وقولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ رميٌ عن حيرةٍ، ولهذا (^٣) أتَوا بما هو حجَّةٌ عليهم.
وقيل: انقلبوا إلى المجادلة بعدما استقاموا بالمراجعة، شبَّه عَودهم إلى الباطل بصيرورة أسفلِ الشَّيءِ أعلاه.
وَيرِدُ عليه أنَّه حينئذٍ يضيع قوله: ﴿عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾.
_________________
(١) نسبت لمحمد بن السميفع. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٢).
(٢) "كبيرهم": من (ف).
(٣) في (ف): "ولقد".
[ ٧ / ٥٢ ]
وقرئ: (نكِّسوا) بالتَّشديد (^١)، و: (نَكَسوا) على البناء للفاعل (^٢)؛ أي: نَكَسوا أنفسَهم على رؤوسهم.
﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فكيف تأمرنا بسؤالها؟ وهو على إرادة القول، كان أمرُه ﵇ بالسُّؤال للتَّوبيخ والتَّبكيت، وحملوه على الحقيقة تجاهلًا، ثم نزَّلوا المخاطب منزلةَ الجاهل بمضمون الخبر، فلذلك أكَّدوه بـ (قد) ولامِ القسم، فكأنَّهم قابلوا توبيخه بنوعٍ من التَّشنيع.
* * *
(٦٦) - ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾.
﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ﴾ إنكار لعبادتهم لها بعد اعترافهم بأنَّها جمادات لا تنفع ولا تضرُّ.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ﴾ إنْ عبدتموه ﴿شَيْئًا﴾ في موضع المصدر؛ أي: نفعًا مّا ﴿وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ إن لم تعبدوه.
* * *
(٦٧) - ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿أُفٍّ﴾: صوتٌ إذا صُوِّتَ به عُلِمَ أنَّ صاحبه متضجِّرٌ، أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم، وإصرارهم على الباطل بعد وضوح الحقِّ، فتأفًف بهم.
_________________
(١) نسبت لأبي حيوة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩١)، و"الكشاف" (٣/ ١٢٥).
(٢) نسبت لرضوان بن عبد المعبود. انظر المصدرين السابقين.
[ ٧ / ٥٣ ]
واللام في: ﴿لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لبيان المتأفَّف به؛ أي: لكم ولآلهتكم هذا التَّأفُفُ.
وقيل: معناه: قبحًا ونَتْنًا.
ثمَّ وبَّخهم (^١) على تمادي جهلهم بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: أَبَعْدَ وضوحِ الحقِّ وزهوق الباطل لا تدركون قُبْحَ صنيعكم؟!
* * *
(٦٨) ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
﴿قَالُوا﴾ أخذًا (^٢) في المضارَّة عند العجز عن المحاجَّة: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ بالنَّار؛ فإنَّها أهون ما يُعاقب به وأفظع.
﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ بالانتقام منه ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ فعلًا، وفيه تنزيلٌ لسائر أنواع العذاب منزلةَ العدم في هذا الباب، ولا يخفى لطف هذا التَّعبير البليغ على ذوي الألباب.
* * *
(٦٩) - ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.
﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ شُبِّهَتِ النَّار لمطاوعتها إرادة الله تعالى وأمرَه بمأمورٍ مطيعٍ لا يتوقَّف في الامتثال عند أمرِ الآمر المُطَاع، وبُولغ في ذلك بإقامة:
_________________
(١) في (ف) و(ك): "وطنهم".
(٢) في (ف): "أخذ".
[ ٧ / ٥٤ ]
كوني ذاتَ بردٍ، مقامَ: ابرُدي (^١)، ثمَّ حذف المضافَ وأقيم (^٢) المضافُ إليه مقامه.
﴿وَسَلَامًا﴾؛ أي: ابرُدي بردًا غيرَ ضارٍّ، وقيل: نصبُه (^٣) بفعله؛ أي: وسلَّمنا سلامًا عليه.
روي: أنَّهم وضعوه في المنجنيق مغلولًا فرموه في نارٍ عظيمة (^٤)، ولم يحترق منه إلَّا وثاقه، وعلى هذا تكون النَّار على حالها. ولا يناسبه المبالغةُ المذكورة في أمر تبريدها؛ فإنَّها ظاهرة في تحوُّلها (^٥) من الحرارة إلى البرودة.
ولا إشعار في قوله: ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ بعدم التَّحوُّل؛ لأَنَّه متعلِّق بقوله: ﴿وَسَلَامًا﴾، لا بقوله: ﴿بَرْدًا﴾، فالمفهوم منه اختصاصُ عدم إضرار البرد به ﵇ (^٦).
* * *
(٧٠) - ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾.
﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ احتيالًا في إضراره.
﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ بتصييرِ سعيهم برهانًا قاطعًا على أنَّه على الحقَ وأنَّهم على الباطل، وموجبًا لارتفاع درجته واستحقاقهم أشدَّ العذاب.
* * *
_________________
(١) بضم الراء من باب نصر وكرم. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٦٣).
(٢) في النسخ: "وإقامة"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٤/ ٥٥).
(٣) في (ف): "نصب".
(٤) في (ف): "عظيم".
(٥) في (ف): "تحويلها".
(٦) في هامش (س) و(ف) و(م): "لا اختصاص برودتها به ﵇".
[ ٧ / ٥٥ ]
(٧١) - ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: من العراق إلى الشَّام.
وبركاتُه الدِّينيَّة العامَّة: بعثُ أكثر الأنبياء ﵈، وانتشار شرائعهم التي هي مَبادي الخيرات في جميع أهل العالم.
وبركاته الدُّنيويَّة: كثرةُ النِّعم والخصب بكثرة الرَّوْضِ (^١) والماءِ والشَّجر، والرُّخصِ فيه، فهي الأرض التي بورك فيها مطلقًا.
و﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أبلغ من: باركناها؛ لدلالته على الظَّرفية والاستقرار، فكأنَّ تلك الأرض محيطة لأنواع البركات إحاطةَ الظَّرف للمظروف، وهي مستقرَّة فيها لا تزول عنها.
وروي: أن إبراهيم ﵇ نزل بفلسطين، ولوطًا (^٢) ﵇ بالمؤتفكة، وبينهما مسيرة يوم وليلة (^٣).
* * *
(٧٢) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ النَّافلةُ: ولد الولد، وهي في الأصل: الزِّيادة والفضل.
قيل: ﴿نَافِلَةً﴾ زيادةً على ما سألَ؛ لأنَّه ﵇ سأل إسحاق فأُعْطِيَه، وأُعْطِيَ يعقوب زيادة على ما سأل وفضلًا، حال مختَّصة، ولا بأس به للقرينة.
_________________
(١) الرَّوض والرياض: جمع روضة.
(٢) في (ك) و(م): "ولوط".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣١٣) عن ابن إسحاق.
[ ٧ / ٥٦ ]
﴿وَكُلًّا﴾؛ أي: من (^١) الأربعة المذكورين ﴿جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ لأنَّ الأنبياء هم المصلحون، وشرطُ الإصلاح هو الصَّلاح.
* * *
(٧٣) - ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ يقتدون بهم ﴿يَهْدُونَ﴾ النَّاسَ إلى الحقِّ ﴿بِأَمْرِنَا﴾ لهم بذلك.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ للاهتداء أوَّلًا، ثمَّ القيام بالهداية حتى يشملَهم وأممَهم (^٢) فعلُها، ويتمَّ كمالهم بانضمام العمل إلى العلم.
وأصلُه: أن تُفعل الخير ات، ثم: فِعلًا الخيراتِ، ثم: ﴿فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ بالإضافة، وكذلك قوله:
﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ وهو عطف الخاصِّ على العامِّ للتَّفصيل.
وحذف تاء الإقامة المعوَّضة من أحد (^٣) الألفين لقيام المضاف إليه مقامه.
﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ مخصِّصين بنا العبادة (^٤).
* * *
_________________
(١) "من" من (ف).
(٢) في (م): "وأمم".
(٣) في (ف): "إحدى".
(٤) في (ف): "العبودية".
[ ٧ / ٥٧ ]
(٧٤) - ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾.
﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾: حكمةً، وهو فعلُ ما ينبغي فعلُه وجوبًا أو ندبًا.
وقيل: نبوَّة، أو فصلًا بين الخصوم.
﴿وَعِلْمًا﴾ بما ينبغي علمُه للأنبياء ﵇.
﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ هي سدوم.
﴿الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ من اللِّواطة وسائر المنكرات التي كانوا يأتونها في ناديهم، وصَفها بصفة أهلها، وأسندَها إليها على حذف المضاف وإقامتها مقامه، على ما دلَّ عليه التعليل بقوله:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ ونكتةُ ذلك الإشعارُ بعلامة السَّببية، فإنَّ للتُّربة تأثيرًا في تغيير طبيعة أهلها من السَّداد إلى الفسادِ، ولذلك قال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾؛ أي: أخلصناه من تلكَ التُّربة الخبيثة.
* * *
(٧٥) - ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾؛ أي: في أهل رحمتنا، أو: في الجنَّة.
﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الذين سبقَتْ لهم منَّا الحسنى، وهو كالتَّعليل لِمَا تقدَّمَ.
* * *
(٧٦) - ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾.
[ ٧ / ٥٨ ]
﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى﴾؛ أي: دعا ربَّه على قومِه بالهلاك ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ المذكورين ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءَه.
﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ هو الطُّوفان، أو أذى قو مه، والكربُ: الغمُّ المفرِط.
* * *
(٧٧) - ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿وَنَصَرْنَاهُ﴾ فانتصر (^١) ﴿مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فتعديتُه بـ ﴿مِنَ﴾ بمدلوله إشارةً، لا بما في مفهومه من معنى المنع، ولا بتأويل (^٢): جعلناه منتصرًا (^٣).
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ تعليلٌ لِمَا تقدَّم، وتمهيدٌ لِمَا تأخَّرَ.
﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾ لذلك ﴿أَجْمَعِينَ﴾ عذاب الاستئصال لشدَّة الغضب، وهي لكمال استحقاقهم له.
* * *
(٧٨) - ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾.
_________________
(١) في (م): "فانتصرنا"، وسقطت من (ف).
(٢) في (ف): "بتأويله".
(٣) في هامش (ف): "فإن الانتصار لازِمُ نصره تعالى لا يتخلف عنه، ففي التَّعدية بذلك الاعتبار تنبيهٌ على أنَّ نصرته تعالى ليس من جنس نصر العباد، فافهم، والله الهادي إلى سبيل الرَّشاد. منه".
[ ٧ / ٥٩ ]
﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ نصب باذْكُرْ، ﴿إِذْ﴾ بدلٌ منهما ﴿يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ هو محلُّ الزَّرع.
﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال ابن السِّكِّيْتُ: والنَّفْشُ: مصدر نفشْتُ القطنَ وغيره، والنَّفْشُ: أن تَنْفُشَ الإبلُ باللَّيل فترعى (^١).
﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾ جمع الضَّمير لأنَّه أرادهما والمتحاكمَينِ إليهما، وقرئ: (لِحُكْمِهِما) (^٢).
﴿شَاهِدِينَ﴾: عالِمِين.
* * *
(٧٩) - ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ الضَّمير للحكومة، أو الفتوى.
روي (^٣) أن داود ﵇ حكم الغنم لصاحب الحرث، فقال سليمان ﵇ وهو ابن إحدى عشر سنة -: غير هذا أرفق بالفريقَيْن، فعزم عليه ليحكمَنَّ، فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها، والحرث إلى أرباب الغنم يقومون عليه حتى يعود كهيئة يوم أُفْسِدَ،
_________________
(١) انظر: "إصلاح المنطق" لابن السكيت (١/ ٣٨).
(٢) دون نسبة في "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٠٨)، ولابن عباس وابن مسعود وابن أبي عبلة في "زاد المسير" (٥/ ٣٧١).
(٣) في (ف): "يروى".
[ ٧ / ٦٠ ]
ثم يترادَّان، فقال: القضاءُ ما قضيْتَ، وأمضى الحكم بذلك (^١).
وكان ذلك باجتهاد منهما، وهذا كان في شريعتهم، وعدمُ انتقاض حكم الاجتهاد باجتهادٍ آخر في شريعتنا، فلا دلالة فيه على أنَّهما حَكَمَا بالوحي، أو كان حكم سليمان ﵇ وحدَه بالوحي.
ولَمَّا كان المتبادِر إلى الوهم من تخصيص سليمان ﵇ بتفهيم الحكومة أنْ لا يكون ما قضاه داود ﵇ حكمًا شرعيًّا دفعَه بقوله:
﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فالقول السَّابق دلَّ على أنَّ الأصوبَ كان حكمَ سليمان ﵇، وهذا القولُ دلَّ على أنَّهما جميعًا على الصَّواب، ففيه دليل على أنَّ كلُّ مجتهِدٍ مصيبٌ.
﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ حال بمعنى: مسبِّحاتٍ، أو استئنافٌ على تقدير سؤال سائل قال: كيف سخرهنَّ (^٢)؟ فقال: يسبِّحنَ؛ أي: يقدِّسْنَ اللهَ تعالى. و﴿مَعَ﴾ متعلِّقة به، أوبـ ﴿وَسَخَّرْنَا﴾، وتتمَّة الكلام تأتي في (سورة سبأ) بإذن الله تعالى.
﴿وَالطَّيْرَ﴾ عطف على ﴿الْجِبَالَ﴾، أو مفعول معه، وإنَّما قدَّم الجبال على الطَّير، وجعلَتْ أصلًا في التَّسبيح؛ لأنَّ تسخيرها وتسبيحها أدلُّ على القدرة، وأدخَلُ في الإعجاز، وأخرقُ للعادة؛ لأنَّها جماد. وقرئ بالرَّفع على الابتداء (^٣).
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٢٨). رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٢٢ - ٣٢٨) عن ابن مسعود وابن عباس ﵃ وغيرهما.
(٢) في (ك): "تسخرهن".
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ٥٧)، و"البحر المحيط" (١٥/ ٢٦١).
[ ٧ / ٦١ ]
﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾: قادرين على أمثاله، ليس ببِدْعٍ منَّا وإنْ كان عجيبًا عندكم، أو: فاعلين للأنبياء أمثالَ ذلك.
* * *
(٨٠) - ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ اللَّبوسُ: اللِّباسُ، والمراد الدِّرع؛ قال قتادة: كانت صفائح، فأوَّل مَن حلَّقها وسَرَدها داود ﵇، فجَمَعَتِ الخفَّةَ (^١) والتَّحصين (^٢).
﴿لَكُمْ﴾ متعلِّق بـ (علَّم)، أو صفةٌ لـ ﴿لَبُوسٍ﴾.
﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ بدل منه بدلَ الاشتمال بإعادةِ الجارِّ، والضَّمير لداود ﵇، أو لـ ﴿لَبُوسٍ﴾.
وقرئ بالتَّاء للصَّنعة، أو لـ ﴿لَبُوسٍ﴾ على تأويل الدِّرع، وقرئ بالنُّون لله تعالى (^٣).
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ أصله: فهل تشكرون؟ لاقتضاء الاستفهام الفعل، فعدل عن الجملة الفعلية إلى الاسميَّة (^٤)، ولم يقل: فهل أنتم تشكرون (^٥)؛ لئلا يُفْهَم منه رائحة التَّجدد، ويفهم منه طلبُ دوام الشُّكر، وهو أمرٌ أُخرِجَ
_________________
(١) في (ف) و(ك): "للخفة"، وفي (م): "الحصنة"، والمثبت من (س) و"الكشاف" (٣/ ١٢٩).
(٢) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٢٩). وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٢٩).
(٣) قرأ ابن عامر وحفص: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ بالتَّاء، وأبو بكر بالنُّون، والباقون بالياء. انظر: "التيسير" (ص:١٥٥).
(٤) في (ف): "اسمية".
(٥) في (ف) زيادة: "أصله"، ولا معنى لها.
[ ٧ / ٦٢ ]
في صورة الاستفهام، وأُفرغ في هذا القالب؛ للمبالغة في طلب دوام الشُّكر مع التَّقريع.
* * *
(٨١) - ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾.
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾: وسخَّرناها له، وإنَّما جيء باللَّام فيه وبـ ﴿مَعَ﴾ في داود ﵇ على تعلُّقه بـ (سخرنا)؛ لأنَّ نفع تسخير الرِّيح - وهي جريانها بأمره - مختصٌّ به، بخلاف تسبيح الجبال، بعد اشتراكهما في خرق العادة (^١).
﴿عَاصِفَةً﴾ وصف الرِّيحَ هنا بالعصف، وهو شدة الهبوب، وفي سورة (ص) بالرَّخاوة لكونها في نفسها رخيَّةً طيِّبةً كالنَّسيم (^٢)، وفي فعلها بكرسيه ﵇ وإذهابهِ في مدَّةٍ يسيرة عاصفةً.
وقيل: كانت عاصفةً تارة، ورُخاءً أخرى، على حسب إرادته.
﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾: بمشيئته، حال ثانية، أو بدلٌ من الأولى، أو حالٌ من ضميرها.
﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾؛ أي: حاملةً لكرسيِّه إليها؛ أي: إلى الشَّام، وكان (^٣) منزله بها، وتحمله الرِّيح من نواحي الأرض إليها.
﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ فنُجْريهِ على ما تقتضيه الحكمة.
* * *
_________________
(١) في هامش (ف): "في تقرير القاضي نوع قصور وخلل، فتأمَّل. منه".
(٢) في (م): "كالنسم".
(٣) في (ف): "وكانت".
[ ٧ / ٦٣ ]
(٨٢) - ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾.
﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ في البحار فيستخرجون نفائسها.
و﴿مَنْ﴾ منصوب المحلِّ، عطف على ﴿الرِّيحَ﴾، أو مرفوع بالابتداء، و﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ﴾ خبره قدِّم (^١) عليه، فساغ الابتداء بها وهي نكرة على أنَّها موصوفة.
﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾: ويتجاوزون ذلك إلى أعمالٍ أُخَر، على ما فصَّلَ في سورة (ص).
﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ أن يزيغوا عن أمره، أو يميلوا إلى الفساد الذي هو مقتضى جِبِلَّتهم.
* * *
(٨٣) - ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ نصب بإضمار (اذكر)، و﴿إِذْ﴾ بدل منه.
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ﴾؛ أي: بأني، وقرئ بالكسر (^٢) على إضمار القول، أو تضمُّنِ النِّداء معناه.
﴿الضُّرُّ﴾ بالفتح شائع في كلِّ ضرر، وبالضَّمِّ مختصّ بما في النَّفس من مرضٍ وهُزال.
_________________
(١) في (ف): "مقدم".
(٢) دون نسبة في "الكشاف" (٣/ ١٣٠)، ولأبي عمران الجوني في "زاد المسير" (٥/ ٣٧٥)، ولعيسى بن عمر في "البحر المحيط" (١٥/ ٢٦٨).
[ ٧ / ٦٤ ]
﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وصف ربَّه بغاية الرَّحمة بعدما وصفَ نفسَه بما يوجبها، واكتفى بذلك عن عرض المطلوب؛ رعايةً لحسن السُّؤال ولطفه، وقضاءً لحقِّ الأدب.
وكان روميًّا من ولد عيص بن إسحاق ﵇، استنبأه الله تعالى، وكثر أهله وماله، فابتلاه الله تعالى بهلاك أولاده، وذهاب أمواله، والمرضِ في بدنه ثماني عشرةَ سنة، وقالت له امرأته يومًا: لو دعوْتَ اللهَ تعالى، فقال لها: كم كانت مدَّة الرَّخاء؟ قالَتْ: ثمانين سنة، فقال: أنا أستحي (^١) من الله تعالى أن أدعوَه وما بلغَتْ مدَّةُ بلائي مدَةَ رجائي (^٢).
* * *
(٨٤) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾.
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ عظيمٍ بالشِّفاء من مرضه.
﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ لَمَّا كشفَ اللهُ تعالى عنه أَحْيَى ولدَه بأعيانهم، ورزقَه مثلَهم معهم (^٣).
﴿رَحْمَةً﴾ على أيُّوب ﴿مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾: وتذكرةً لغيره من العابدين،
_________________
(١) في (ك): "أستحيي"، وكلاهما صواب.
(٢) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٣١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٦٦ - ٣٦٧) عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة. وخبر ابن مسعود ضعيف لانقطاعه؛ لأنَّه من رواية الضحاك عنه، وخبر ابن عباس ضعيف جدًّا لضعف رواته.
[ ٧ / ٦٥ ]
ليصبروا (^١) كما صبرَ، فيثابوا كما أُثِيْبَ في الدُّنيا والآخرة، أو: لرحمتنا للعابدين، وأنَّا نذكُرهم بالإحسان ولا ننساهم (^٢).
وإذا أوقعنا الرَّحمةَ والذِّكْرَ على العابدين، ولم نخصِّص الرَّحمةَ بأيُّوب، دخل هو فيهم دخولًا أوَّليًّا، وأفاد أنَّ الرَّحمة والذِّكر بالإحسان إنَّما كانا بسبب العبادة والصَّبر، فكلُّ عابدٍ مرحومٌ مذكورٌ بالإحسان، وكان مِن باب إقامةَ المظهَر مقامَ المضمَر، فكان آكَدَ وأبلغ لإثبات الرَّحمة له بالبرهان.
* * *
(٨٥) - ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ هو إلياسُ ﵇، وقيل: يوشعُ، وقيل: زكريَّا، سُمِّيَ بذلك لأنَّه كان ذا الحظِّ مِنَ الله تعالى، أو تكفَّل أمَّته.
وقيل: كان له ضِعفُ عمل أنبياء زمانه وضِعفُ ثوابهم، والكِفْلُ يجيء بمعنى النَّصيب والكفالة والضِّعف.
﴿كُلٌّ﴾ أي: كلُّ هؤلاء ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ على مشاقِّ التَّكاليف وشدائد النَّوائب.
* * *
(٨٦) - ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ قد سبق تفسيره، وتفسير: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "فيصبروا".
(٢) قوله: "أو لرحمتنا للعابدين … " إشارةٌ إلى أن رحمة وذكرى تنازعا قوله: ﴿لِلْعَابِدِينَ﴾ لا أنه متعلق بذكرى وحده كما في الوجه السابق. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٦٨).
[ ٧ / ٦٦ ]
(٨٧) - ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَذَا النُّونِ﴾: وصاحبَ الحوت يونسَ ﵇ ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ لقومِه؛ لكثرة ما قاسى في دعوتهم، وشدَّةِ سآمته لطول ما ذكَّرهم فلم يذَّكَّروا، فهاجر عنهم، أو: أغضبهم بمهاجرته لخوفِهم لحوق العذاب بهم، وكان عليه أن ينتظر الإذن، فلم يصبر، وظنَّ أنَّ المهاجرة أولى لكونها للغضب لله ودينه، والبغضِ للكفر وأهله، فابتليَ ببطن الحوت، وهو بناء المغالبة للمبالغة (^١)؛ لأنَّ المغالب يُنفذ وسعه في الفعل.
أو بمعنى: مُغْضَبًا، وقد قرئ به (^٢).
﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ من القَدْر وهو التَّضييق، لا من القدرة، ويعضده أنَّه قرئ مثقَّلًا (^٣)، ويجوز أن يكون ﴿نَقْدِرَ﴾ مخفَّفًا من القدرة، بمعنى: أنْ لن نُعمل قدرتنا فيه.
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: في الظُّلمة الشَّديدة المتكاثفة في بطن الحوت.
_________________
(١) قوله: "وهو من بناء المغالبة"؛ أي: المفاعلة، واختاره (أي: البيضاوي) لمجانسته المبالغة، ولأنّ التفاعل يكون بين اثنين يَجهد كل منهما في غلبة الآخر، فيقتضي بذل المقدور والتناهي، فاستعمل في لازمه للمبالغة دون قصد مفاعلة. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٦٩).
(٢) نسبت لأبي شرف. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٢)، و"الكشاف" (٣/ ١٣١).
(٣) نسبت لابن أبي ليلى وأبي شرف والكلبي ويعقوب. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٢). وقراءة يعقوب المشهورة عنه: ﴿يُقدَر﴾ بالياء مضمومة وفتح الدال. انظر: "النشر" (٢/ ٣٢٤).
[ ٧ / ٦٧ ]
وقيل: ظلمات بطن الحوت والبحر واللَّيل.
﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾: بأنَّه لا إله إلا أنت، أو بمعنى: أيْ.
﴿سُبْحَانَكَ﴾ أنْ يعجزك شيء.
﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لنفسي بالمبادرة إلى المهاجَرة.
* * *
(٨٨) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ بأنْ قذفه الحوت إلى السَّاحل. و﴿الْغَمِّ﴾: غمُّ الالتقام.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ من غمومٍ دعَوا الله بالإخلاص. وقرئ: (ننجِّي) مثقَّلًا (^١).
وفي "الإمام": ﴿نجي﴾، فلذلكَ أخفى الجماعة النُّون الثَّانية؛ فإنَّها تخفى مع حروف الفم (^٢)، ومَنْ شدَّد الجيم (^٣) فوجهُ صحَّته مشكلٌ، لا يكاد يتمشَّى.
_________________
(١) نسبت للجحدري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٢)، و"الكشاف" (٣/ ١٣١).
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ٥٩). قال الشهاب: قوله: (في الإمام) الإمام اسم للمصحف العثماني، ولا يختص بما كان عنده ﵁ وهو شهيد؛ لتعدده كما بيَّنه القراء، وقوله: (نُجي)؛ أي: رسم فيه بنون واحدة، وقوله: (ولذلك …) لا يخفى ما في هذا التعليل، فإنَّ القراءة مبنية على صحة الرواية لا مجرّد متابعة للرسم العثماني كما تُوهمه هذه العبارة، فالظاهر أن يؤوَّل بأن المراد: اختار الجماعة هذا على القراءة بنونين لكونه أوفَق بالرسم العثماني فتأمل، وقوله: (فإنها)؛ أي: النون (تخفى) بالبناء للمعلوم والمجهول، والإخفاء: حالة للحرف بين الإظهار والإدغام، وحروف الفم هي الحروف التي مخرجها من فضاء الفم، وهي ثلاثة: الجيم والشين والضاد، وتسمى: الأحرف الشجرية. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٧٠).
(٣) قرأ ابن عامر وأبو بكر: (نجِّي) بنون واحدة مشدَّدًا، والباقون بنونين مخففًا. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٥).
[ ٧ / ٦٨ ]
(٨٩) - ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾.
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾: وحيدًا؛ أي: ارزقني ولدًا يرثني.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ استسلام وتفويض بعد السُّؤال؛ لأنَّه اقتراح وجرأة على الله تعالى؛ أي: الأمرُ إليك، فإنْ لم ترزقني فلا بأسَ، وأنتَ خيرُ الوارثين.
* * *
(٩٠) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾.
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي: حسَّنَّا خُلُقَها، وكانت سيِّئة الخُلُقِ.
وقيل: جعلناها صالحة للولادة بعد عُقرها.
وفيه: أنَّ حقَّ النَّظم والتَّرتيب أن يذكر ﴿وَأَصْلَحْنَا﴾ قبل ﴿وَوَهَبْنَا﴾.
﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: الأنبياءَ المذكورين ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ المسارعةُ: المبادرة، وتعديتُها بـ (إلى)، وإنَّما عدلَ عنها إلى ﴿فِي﴾ للدِّلالة على أنَّهم لا يغترُّون (^١) بتحصيل بعض الخيرات، بل يُظهرون الجِدَّ والرَّغبة إلى تحصيل بعضٍ آخر منها، وهذه الدلالة تجعل الخيرات ما فيه المسارعة، لا ما إليه.
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾؛ أي: طمعًا وخوفًا، كقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه﴾ [الزمر: ٩]، وهما مصدران في موضع الحال، أو المفعولِ له؛ أي:
_________________
(١) تحتمل في بعض النسخ أو كلها: "يفترون"، والمثبت أوفق بحرف الجر المتعلق به.
[ ٧ / ٦٩ ]
للرَّغبة فينا والرَّهبة منَّا، وهو بإشارته إلى أنَّهم يعلمون أنَّ النَّفع والضُّرَّ مِن الله تعالى تمهيدٌ لِمَا دلَّ عليه قوله:
﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ من ثباتهم واستمرارهم، على تخضيص الخشوع له تعالى، وقد سبقَ تفسير الخشوع، والمعنى: أنَّهم ما استحقُّوا الإجابة إلى طلباتهم، وما نالوا من الله تعالى ما نالوا، إلَّا بهذه الخِصَال.
* * *
(٩١) - ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَالَّتِي﴾ واذكر التي؛ يعني: مريم، وإنَّما ذكرها بطريق الكناية لأنَّ تنويه الشَّأن بالأسماء حقُّ الرِّجال.
﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا﴾ الإحصانُ: إحرازُ الشَّيء عن الفساد، والفاء التفريعية في قوله:
﴿فَنَفَخْنَا﴾ قد دلَّت على أنَّ المراد: حفظُها من الحرام فقط؛ لأنَّ النكّاح مستحبٌّ، بل سُنَّة قديمة، فلا يصلح الاحتراز عنه منشأً للفضيلة.
﴿فِيهَا﴾ أي: فعلنا النَّفخ في مريم.
﴿مِنْ رُوحِنَا﴾: من جهته، والمراد من الرُّوح: جبريلُ ﵇، فإنه نفخ في جيب درعها، فوصل النَّفخ إلى جوفها، وإضافتُه إليه تعالى للتَّشريف.
﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا﴾؛ أي: حالها وهي ولادتها إيَّاه من غير فحلٍ (^١)، ولذلك وحَّدَ قوله:
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "محل"، والمثبت من (س) و"الكشاف" (٣/ ١٣٣).
[ ٧ / ٧٠ ]
﴿آيَةً﴾ والتَّقدير: وجعلناها آية وابنها كذلك، ويعضدُه قراءة: (آيتين) (^١).
﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ فإنَّ مَن تأمَّل حالَهما تحقَّق كمال قدرة الصَّانع تعالى.
* * *
(٩٢) - ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الأمَّة: الملَّة، والإشارة إلى ملَّة التَّوحيد والسَّلام؛ أي: إنَّ هذه الملَّةَ ملَّتكم التي يجب أن تكونوا عليها.
﴿أُمَّةً﴾: ملَّةً، حالٌ من معنى الإشارة في ﴿هَذِهِ﴾ أي: يُشار إليها أمَّة.
﴿وَاحِدَةً﴾ غيرَ مختلفةٍ فيما بين الأنبياء ﵈.
قرئ: (أمَّتكم) بالنَّصب على البدل من ﴿هَذِهِ﴾ و(أمَّةٌ) بالرَّفع على الخبر (^٢).
وقرئ برفعهما (^٣) على أنهما خبران أو قدِّر للثَّاني مبتدأ على: هي أمَّة.
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ ربٌّ واحدٌ لا إلهَ غيري ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ لا غيري.
* * *
(٩٣) - ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾.
﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ كان الخطاب السَّابق عامًّا للنَّاس كافَّة، فالتفتَ إلى الغيبة لينعى على الذين تفرَّقوا في الدِّين وكانوا شيعًا تقبيحَ فعلهم إلى غيرهم؛
_________________
(١) نسبت لابن مسعود وابن أبي عبلة. انظر: "زاد المسير" (٣/ ٢١١).
(٢) نسبت للحسن. انظر: "الكشاف" (٣/ ١٣٤).
(٣) نسبت للحسن وابن أبي إسحاق. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩١)، و"الكشاف" (٣/ ١٣٤).
[ ٧ / ٧١ ]
تمثيلًا لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فِرَقًا وأضرابًا شتَّى؛ أي: جعلوا أمرَ دينهم فيما بينهم قطعًا، كما يتوزَّع الجماعة الشَّيء ويقسمونه قطعة قطعة (^١).
﴿كُلٌّ﴾ ثمَّ توعَّدهم بأنَّ كلَّ واحدة من تلك الفِرَق.
﴿إِلَيْنَا﴾ خاصَّة لا إلى غيرنا ﴿رَاجِعُونَ﴾ فنجازيهم.
* * *
(٩٤) - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ بالله ورسوله.
﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ استُعير الكفران لمنع الثَّواب والحرمان كما استُعير الشُّكر لإعطائه وقيل: إنَّ اللهَ شكورٌ (^٢)، ونُفِيَ (^٣) نَفْيَ الجنس للمبالغة، فمانَّه أبلغ من أن يُقال: فلا نكفر سعيه.
ثمَّ بُولِغَ وأكِّد في عدم تضييع سعيه بـ (إنَّ) وتقديم الجارِّ والمجرور فقيل:
﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾؛ أي: لذلك السَّعي في صحيفة عمله مُثْبتون له، فلا تضييع بوجهٍ مّا.
* * *
_________________
(١) "قطعة" سقط من (ف) و(م).
(٢) يعني: الكفران مثل في حرمان الثواب، كما أن الشكر مثل في إعطائه إذا قيل لله: شكور. انظر: "الكشاف" (٣/ ١٣٤).
(٣) في (ك) و(م): "نفي"، والمثبت من (س) و(ف)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" مع حاشية الشهاب (٦/ ٢٧٣)، وفي "الكشاف" (٣/ ١٣٤): (وقد نفي نفي …).
[ ٧ / ٧٢ ]
(٩٥) - ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.
﴿وَحَرَامٌ﴾ وقرئ: ﴿وَحَرَامٌ﴾ (^١)، وهما لغتان، كحَلالٍ وحِلٍّ.
﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾ أي: ممتنعٌ على أهل قرية.
﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾: أردنا إهلاكها باستئصال أهلها.
﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: رجوعُهم إلى التَّوبة أو الحياة، و﴿لَا﴾ صلةٌ، أو: عدمُ رجوعهم للجزاء، و(إنَّ) مع اسمها وخبرها مبتدأ، خبره (حرام).
وقرئ: (إنهم) بالكسر (^٢)، على أنَّ الكلام تمَّ قبله، والمبتدأ محذوفٌ دلَّتْ عليه الآية المتقدمة؛ أي: وحرام على قرية أهلكناها ذلك؛ أي: العملُ الصَّالح والإيمانُ والسَّعيُ المشكور غيرُ المكفور، ثمَّ استُؤنف على سبيل التَّعليل، فقيل: إنَّهم لا يرجعون عن الكفر.
وعلى قراءة الفتح أيضًا لا يَبعد هذا الوجه؛ أي: لأنهم لا يرجعون.
* * *
(٩٦) - ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾.
﴿حَتَّى﴾ هي التي يُحكى بعدها الكلام، والكلام المحكيُّ الجملة من الشَّرط والجزاء؛ أعني:
﴿إِذَا﴾ وما في حيِّزها.
﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ المفتوح حقيقةً هو السَّدُّ المنسوب إليهما، وإنَّما
_________________
(١) قرأ بها أبو بكر وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٥).
(٢) نسبت للحسن. انظر: "معاني القرآن" للنحاس (٥/ ٤٩٠)، و"الكشاف" (٣/ ١٣٤).
[ ٧ / ٧٣ ]
أسند إليهما على التَّجوُّز؛ لعلاقةٍ ظاهرة، ونكتةٍ لا يَخْفَى لطفُ موقعها.
و﴿حَتَّى﴾ متعلِّقة بـ ﴿وَحَرَامٌ﴾، أو بمحذوفٍ دلَّ عليه الكلام؛ أوبـ ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: يستمر الامتناع، أو الهلاك، أو عدم الرُّجوع، إلى قيام السَّاعة، وفتحُ السَّد من أمارتها كُني به عنه.
﴿وَهُمْ﴾ يعني: يأجوج ومأجوج ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾: مرتفَعٍ من الأرض، ولفظة ﴿كُلِّ﴾ للمبالغة في الكثرة.
أو المراد النَّاس كلُّهم، ويعضده قراءة ابن عباس ﵁: ﴿حَدَبٍ﴾ بالجيم والثَّاء (^١)، وهو القبر.
﴿يَنْسِلُونَ﴾: يسرعون.
* * *
(٩٧) - ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾؛ أي: القيامة.
﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جواب الشَّرط، و(إذا) للمفاجأة سدَّ مسدَّ الفاء الجزائيَّة؛ كقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]، فإذا جاء الفاء معها تظاهرت على وصل الجزاء بالشَّرط، فيتأكَّد (^٢)، وتوهُّمُ الجمع بين البدل والمبدَل ساقطٌ؛ لأنَّ (إذا) باقية على حالها، لم تُمحَّض بدلًا حتى يلزم الامتناع.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٢)، و"الكشاف" (٣/ ١٣٥).
(٢) في (ف): "فتأكد".
[ ٧ / ٧٤ ]
ويجوز أن يكون الضَّمير بعدها ضميرَ القصَّة، و﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ، ﴿شَاخِصَةٌ﴾ خبره، وأن يكون ضميرًا مبهمًا يفسِّره ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
﴿يَاوَيْلَنَا﴾ مقدَّر بالقول، واقع موقع الحال من الموصول.
﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ اليوم.
﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أنفسَنا بعدم الاعتبار بإنذار المنذِرين، إضرابٌ عن الإخبار عن استقرارهم في الغفلة، وإبطالٌ له بالاعتراف بما هو الحقُّ.
* * *
(٩٨) - ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾.
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أراد الأوثان؛ إذ الخطاب لقريش، لا الشَّيطانَ وأعوانَه؛ لِمَا سيأتي أن (ما تعبدون) لا يتناول ذوي العقول، ولا دلالة على ذلك فيما روي: أنَّه ﵇ لَمَّا تلا الآية على المشركين قال له ابن الزِّبَعْرَى: خَصَمْتُك وربِّ الكعبة! أليس اليهود قد عبدوا عزيرًا، والنَّصارى المسيحَ، وبنوا مليح الملائكة، فقال ﵇: "بل هم عبدوا الشَّياطين التي أمرتْهم بذلك"، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية [الأنبياء: ١٠١] (^١).
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٧٣٩)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٠٥)، من حديث ابن عباس ﵄. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٦٩): رواه الطبراني، وفيه عاصم بن بهدلة وقد وثق وضعفه جماعة. وانظر: "الكشاف" (٣/ ١٣٦)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٧٦). ورواه بنحوه دون ذكر الآية الإمام أحمد في "المسند" (٢٩١٨).
[ ٧ / ٧٥ ]
وليس فيه تخصيصٌ تأخَّر عن الخطاب؛ لأن (ما) لمن لا يعقل، فلا يتناولهم، دلَّ على ذلك ما رُوي أن النبيَّ (^١) ﵇ قال له: "ما أجهلك بلغة قومك! أما علمت أنَّ (ما) لما لا يعقل" (^٢)، فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ﴾ الآيةَ لدفع احتمال المجاز والتَّغليب، لا لتخصيص العامِّ كما سبق إلى بعض الأوهام.
﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الحَصَبُ: ما يُرْمَى به، فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ؛ أي: يُحصب بهم في النَّار، وقرئ بسكون الصَّاد (^٣) وصفًا بالمصدر.
﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾: استئناف أو بدل من ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، واللَّام معوَّضة من (على) للاختصاص والدِّلالةِ على أنَّ ورودهم لأجلها.
* * *
(٩٩) - ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾؛ لأنَّ الورود للنَّار (^٤) - وإن لم يلزمه العذابُ على ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]- ليس مِن شأنَّ المعبودِ المختارِ.
﴿وَكُلٌّ﴾ أي: العابد والمعبود.
﴿فِيهَا خَالِدُونَ﴾ إنَّما قُرِنوا بآلهتهم لزيادة تعذيبهم؛ فإنَّ ما أصابهم إنَّما أصابهم
_________________
(١) في (ف): "أنه".
(٢) قال ابن حجر في "الكافي الشاف" (ص: ١١١ - ١١٢): لا أصل له، والوضع عليه ظاهر.
(٣) نسبت لابن السميفع. انظر: "المحتسب" (٢/ ٦٦)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ١٠١).
(٤) في (م): "في النار".
[ ٧ / ٧٦ ]
بسببهم، فإذا قُرِنوا بهم ازداد غمُّهم وحسرتهم للِّقاء المؤذي، ولأنَّهم قدَّروا انتفاعهم في الآخرة بهم، وإذا وجدوا الأمر على عكس ما قدَّروا لم يكن شيءٌ بلا أبغضَ إليهم منهم، ومن هنا اتَّضح وجهُ خلودها في النَّار.
* * *
(١٠٠) - ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾.
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾: أنينٌ وتنفُّسٌ شديد، وفيه تجوُّزٌ من جهة نسبة فعل البعض إلى الكلِّ، وتغليبٌ من جهة إطلاقهم على مجموع العقلاء وغيرهم، ولا تأثير للتَّغليب في الأوَّل.
﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ من الهولِ وشدَّة العذاب، وذلك بعد حين؛ لِمَا وردَ في بعض الآيات من مكالمتهم مع (^١) خزنةَ النَّار.
* * *
(١٠١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾: الخصلة الحسنى، وهي السَّعادة القصوى، أو البُشرى بالثَّواب، أو التَّوفيق للطَّاعة.
﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ بدخول الجنَّة، سبقت الغاية في البداية، فظهرت الولاية في النِّهاية.
وفي عبارة ﴿مُبْعَدُونَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّهم يَرِدونها ويقربون منها أوَّلًا، ولمَّا كان ذلك مظنّةَ أن يتأذَّوا عنها عند ورودهم إيَّاها وقُربهم منها دفعَه بقوله:
_________________
(١) "مع" ليست في (ف).
[ ٧ / ٧٧ ]
(١٠٢) - ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾.
﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾: صوتَها الذي يُحَسُّ وحركةَ لهبها (^١)، حالٌ من ضمير ﴿مُبْعَدُونَ﴾؛ يعني: أنهم في حال سلامتهم عنها وعن آثارها المؤذية يَرِدُونها ويُبعدون عنها.
﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ الشَّهوةُ: طلبُ النَّفسِ اللَّذَّةَ؛ أي: دائمون في الاستغراق في مشتهياتهم، وتقديم الظَّرف للاختصاص، ومحافظةِ الفواصل.
* * *
(١٠٣) - ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾؛ أي: النَّفخةُ الآخرة (^٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧].
﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: تستقبلهم مهنِّئين.
﴿هَذَا يَوْمُكُمُ﴾: يومُ ثوابكم (^٣)، وهو مقدَّرٌ بالقول.
﴿الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدُّنيا.
* * *
(١٠٤) - ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "صوتها وحركتها التي سجى تلهبها".
(٢) في (ك): "الأخيرة".
(٣) في (ك) و(م): "تقربكم".
[ ٧ / ٧٨ ]
والعامل في ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ﴾، أو ﴿الْفَزَعُ﴾، أو ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ﴾.
والطَّيُّ: ضدُّ النَّشرِ، أو: المحوُ، من قولك: اطوِ عنِّي هذا الحديث.
﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾: كطيِّ الطُّومار لأجل الكتابة، أو: لِمَا يُكْتَب، أو كُتِبَ فيه، ويؤيِّده القراءة على الجمع (^١)؛ أي: للمعاني الكثيرة المكتوبة فيه.
وقيل: السِّجلُّ: مَلَكٌ يطوي كتبَ الأعمال إذا رُفِعَتْ إليه.
وفيه: أنَّ حقَّ التَّشبيه أن يكون بالمعهود المعروف، وطيُّ ذلك (^٢) الملَك لم يُعرَف إلَّا مِن هذا الكلام.
وقيل: كاتبٌ كانَ لرسول الله ﵇.
وفيه: أنَّه ليس لطيِّه خصوصيَّةٌ زائدة، وتخصيصُ التَّشبيه به يقتضي ذلك.
وقرئ: (السَّجْلِ) كالدَّلْو، و: (السُّجُلِّ) كالعُتُلِّ، وهما لغتان فيه (^٣).
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ مفعول ﴿بَدَأْنَا﴾، ومحلُّ الكاف النَّصبُ على المصدر، و(ما) كافَّة، أو مصدريَّة؛ أي: مثلَ ما بدأنا أوَّل خلقٍ نعيده.
أو مفعول (نعيد) مضمرٍ يفسِّره ما بعده (^٤)؛ أي: نعيدُ أوَّل خلقٍ كما بدأناه.
_________________
(١) قراءة حفص وحمزة والكسائي، وباقي السبعة بالإفراد. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٥).
(٢) "ذلك" من (س) و(ك).
(٣) انظر القراءتين في "الكشاف" (٣/ ١٣٧). والثانية نسبت لأبي هريرة ﵁ وصاحبه أبي زرعة بن عمرو بن جرير. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٣)، و"المحتسب" (٢/ ٦٧).
(٤) أي: ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ مفعول (نعيد) المضمر الذي يفسره ﴿نُعِيدُهُ﴾ المذكور، وهو ما يسمى النصب =
[ ٧ / ٧٩ ]
ويجوزُ أن تكون الكاف منصوبة بفعلٍ مضمرٍ يفسِّره ﴿نُعِيدُهُ﴾ (ما) موصولة و﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ نصب على الظَّرف (^١) لـ ﴿بَدَأْنَا﴾؛ أو نصب على الحال من ضمير الموصول المحذوف المقدَّر (^٢) في ﴿بَدَأْنَا﴾؛ أي: نعيدُ مثلَ الذي بدأنا ونعيده في أوَّل خَلْقِنا إيَّاه، أو حالَ كونه أوَّل خلقٍ، شُبِّهَتِ الإعادة بالإبداء في تعلُّق القدرة بهما على السَّواء، والمرادُ إثبات صحَّة الإعادة بالقياس على الإبداء؛ لشمول الإمكان الذَّاتي المصحِّح للمقدورية لهما؛ أي: كما أنَّ أوَّل إيجاده من عدم نعيده ثانيًا عن عدم.
وإنَّما وحَّد ﴿خَلْقٍ﴾ ونكَّر ليفيدَ تفصيلهم واحدًا واحدًا (^٣)، والمعنى: أوَّل الخلائق، كما تقول: أوَّل رجل جاءني، بمعنى: أوَّل الرِّجال، وإنَّما نُكِّرَتْ ووُحِّدَتْ ليفيد تفصيلهم رجلًا رجلًا، هذا تحرير ما قالوا.
والذي يظهر لي: أنَّ الخلق بمعنى المخلوق، وتقييده بالأوَّل لإخراج (^٤) المخلوق ثانيًا - وهو الرُّوح - عن متناوَل الكلام؛ لأنَّه في إعادة البدن، وهو المخلوق أوَّلًا؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، فتدبَّر.
﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ مصدر مؤكِّد؛ لأنَّ قوله: ﴿نُعِيدُهُ﴾ (^٥) عِدَةٌ للإعادة علينا؛ أي: علينا إنجازه.
_________________
(١) = على الاشتغال.
(٢) في (ف): "الظرفية".
(٣) في (ف): "والمقدر".
(٤) في (ف): "تفصيل واحد واحد".
(٥) في (م): "إخراج".
(٦) في (ف): "نعيد".
[ ٧ / ٨٠ ]
﴿كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: عازمين في الأزل على أن نفعل ذلك لا محالة، أو: قادرين على أن نفعل ذلك.
* * *
(١٠٥) - ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾: في كتاب داود ﵇ ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾؛ أي: التَّوراة.
﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾: أرضَ الجنَّة، أو الأرضَ المقدَّسة ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾: عامَّة المؤمنين، أو أمَّة محمَّد ﵇.
* * *
(١٠٦) - ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾.
﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾؛ أي: فيما ذكر من الأخبار والمواعظ والمواعيد ﴿لَبَلَاغًا﴾ للغاية، أو: لسبب بلوغ إلى البغية.
﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾: همُّهم العبادة دونَ العادة.
* * *
(١٠٧) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ لأنَّه (^١) جاء بما يسعدهم في الدَّارين، ويصلح معاشهم ومعادهم، وازديادُ كفر بعضهم بسببه إنَّما هو من عند أنفسهم وعنادهم لا منه.
_________________
(١) في (ف): "إنه".
[ ٧ / ٨١ ]
وقيل: كونه رحمة للكفَّار: أمْنُهم به من عذاب الاستئصال والمسخ والخسف، وتأخيرُ عقوبتهم.
* * *
(١٠٨) - ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (ما) في ﴿إِنَّمَا﴾ كافَّة، ويجوز أن تكون موصولة بمعنى: إنَّ الذي يوحى إليَّ.
﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لأنَّ المقصود الأصلي من بعثته (^١) هو التَّوحيد.
﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: مخلصون العبادة لله تعالى، على مقتضى الوحيِ المصدَّق بالحجَّة والتَّوحيد ممَّا يصحُّ إثباته بالسَّمع.
* * *
(١٠٩) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ وأعرضوا (^٢) عن التَّوحيد.
﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ﴾ آذنَ مِن أَذِنَ: إذا عَلِمَ؛ لكنَّه شاع استعماله في الإنذار؛ أي: أعلمتكم (^٣) ما أمرْتُ به، أو حربي (^٤) لكم.
_________________
(١) في (م): "بعثه".
(٢) في (ف): "وتعرضوا".
(٣) في (ف): "أعلمكم".
(٤) تحرفت في النسخ إلى: "جرى"، والمثبت من المصادر. انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ٦٢)، و"تفسير أبي السعود" (٦/ ٨٩)، و"روح المعاني" (١٧/ ٢٢٤)
[ ٧ / ٨٢ ]
﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ نصب على الحال من المخاطَبين؛ أي: مستوين في الإعلام به، أو: مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتُكم به، أو في المعاداة.
أو صفة مصدر محذوف؛ أي: إيذانًا (^١) على سواء.
وقيل: أعلمتكم وأنا على سواء؛ أي: عدلٍ واستقامةِ رأيٍ بالبرهان النَّيِّر.
﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾: وما أدري ﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾: ما توعدونه من غلبة المسلمين، أو من الحشر، لكنَّه كائن لا محالة.
* * *
(١١٠) - ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾.
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: ما يجهرون به من (^٢) الطَّعن في الإسلام.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾: ما تكتمونه من الإحَنِ والأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه.
* * *
(١١١) - ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾: وما أدري لعلَّ تأخير هذا الوعد افتتانٌ لكم وامتحانٌ لننظرَ كيف تعملون.
﴿وَمَتَاعٌ﴾: وتمتُّع واستدراجٌ لكم ﴿إِلَى حِينٍ﴾ ليكون ذلك حجَّة عليكم، وليقع الموعَد (^٣) به في وقتٍ قدَّره فيه بمقتضى حكمته.
_________________
(١) في (ف): "إنذارًا".
(٢) في (ف): "في".
(٣) في (ف): "الموعود".
[ ٧ / ٨٣ ]
(١١٢) - ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾: اقضِ بيننا وبين أهل مكَّة بالعدل، أمر باستعجال العذاب، فعُذِّبوا ببدر، وكان مقتضى العدل ذلك.
﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ﴾: كثير الرَّحمة على خلقه.
﴿الْمُسْتَعَانُ﴾: المطلوبُ منه المعونة.
﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾: ما تصفونه من الحال بأنَّ الشَّوكة تكون لهم، وأنَّ راية الإسلام تخفق أيامًا ثم تسكن، فخيَّب الله تعالى آمالهم، وكذَّب ظنونهم، ونصر رسوله ﵇ والمؤمنين عليهم.
* * *
[ ٧ / ٨٤ ]