﷽
(١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أخبر بأنه تعالى حقيقٌ بالحمد باعتبار ذاته المستجمِعة لجميع صفات الكمال (^١)، وعامَّةِ نُعوت الجلال والجمال، ونبَّهَ على استحقاقه له باعتبار أفعاله العظام وآثاره الجِسام أيضًا حُمد أو لم يحمد؛ ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون.
وجمع السَّماوات دون الأرضين (^٢) مع أنها مثلهنَّ (^٣) في التَّعدد؛ لأن طبقاتها مختلفة بالحقيقة - على ما ورد في الأخبار - دون الأرض، وأمَّا دلالة آثارها وحركاتها على تعدُّدها (^٤) فمبناها على أصولٍ فلسفيَّة باطلة.
وقدَّمها لا لتقدُّمها وجودًا؛ لأنَّه على خلاف ما ورد في الأخبار الصحيحة
_________________
(١) في (م) زيادة: "وغيره".
(٢) في (ك). "الأرض".
(٣) في (م): "مثلها".
(٤) في (م): "تعدادها".
[ ٣ / ٢٦٣ ]
على ما مرَّ بيانه في تفسير سورة البقرة (^١)، بل لشرفها وعلوِّ مكانها.
وعبَّر بهما باعتبار أنَّهما قُطرَا العالم من جميع الأجسام لطيفِها وكثيفِها، كما عبَّر بالظُّلمات والنُّور عن جميع الأعراض محسوسِها بالبصر، وغائِبها عنه.
﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾: أنشأهما.
والفرقُ بين (خلق) و(جعل) المتعدي إلى مفعول واحد: أنَّ الخلق فيه معنى التَّقدير والتَّسوية، والجَعْل المذكور فيه معنى التعلُّق والارتباط بالغير بأن يكون فيه أو منه أو إليه، لا بأن يصير إيَّاه؛ لأنَّه معنًى آخرُ للجعل؛ فإنه حينئذٍ يتعدَّى إلى مفعولَيْن (^٢).
ولهذا - أي: ولكون الارتباط بالغير معتبرًا في معناه - آثره هاهنا؛ تحقيقًا لمَا في الظُّلمة والنُّور من معنى القيام بالغير، وتضمينًا للردِّ على الثَّنويَّة بتقدير عدم صلاحيتهما للقيوميَّة.
وجمع الظُّلمات دون النُّور لاختلاف أجناس ما غاب عن البصر اختلافًا فاحشًا بحسب اختلاف مظاهره من القِوى الظَّاهرة والباطنة بخلاف النُّور.
وقدَّمها لتقدم جنس الغائب عن البصر ظهورًا، فإنه يظهر للإنسان وهو جنين، ولا يظهر له ما يدرَك بالبصر ما لم يُولَد، ولرعاية المناسبة لما تقدَّم.
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: بالآخرة، على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، عطف على ﴿خَلَقَ﴾ (^٣).
_________________
(١) انظر تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩].
(٢) في هامش (ف): "رد لمولانا سعد الدين".
(٣) في (ح) و(ف): "عطف على قوله" وبعدها في (ح) بياض بمقدار كلمة. وذكر الآلوسي=
[ ٣ / ٢٦٤ ]
وفي (ثمَّ) معنى استبعاد ترك الإيمان بعد أن قام عليه البرهان، كأنه قيل: حصل ما أوجب توحيدَه مِن خلق السماء والأرض وما بينهما، بناءً على أنَّه لو كان فيهما آلهةٌ أُخَر (^١) لفَسَدَتا.
﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ حُذف المفعول حفظًا (^٢) على الفواصل، تقديره: يعدلون غيره؛ أي: يشركون به، وأصل العدل: المساواة؛ أي: ساوَوا بين اللّه تعالى خالق العالَم، وبين أصنامهم العاجزين عن الخلق.
ثم إنَّ هذا العطف ليس على قصد أنَّه صلةٌ أخرى أو بعضُ الصِّلة، بل على قصد أنه من الروادف لتلك الصلة (^٣)، ولهذا حسُن كلمة الاستبعاد دون كلمة التَّشريك (^٤)، ولتمحُّضها له (^٥) تمحُّض الفاء للسببية في قولنا: ما تأتيني فأكرمَك، انقطع عنه (^٦) عُلقةُ التَّشريك، فلم يكن في معنى (الحمدُ للّه) الذي عدَلوا به، ولتضمُّنه البشارة بالإشارة إلى غاية لطفه، ونهاية حِلمه (^٧)، زاد وجه ذلك الإرداف حسنًا ولطافة.
_________________
(١) = احتمالات العطف فقال: "إما معطوفة على جملة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إنشاءً أو إخبارًا، أو على قوله سبحانه. ﴿خَلَقَ﴾ صلة ﴿الَّذِي﴾، أو على ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ مفعول ﴿وَجَعَلَ﴾. انظر: "روح المعاني" (٨/ ٢٣).
(٢) في (ك) و(م): "آلهة إلا الله".
(٣) في (ف): "عطفًا".
(٤) "بل على قصد أنه من الروادف لتلك الصلة" من (ك) و(م).
(٥) يريد: أن العطف بـ (ثم) يفيد الاستبعاد، فاستخدامه هنا أحسن من استخدام حرف العطف الواو أو الفاء الذي يفيد التشريك.
(٦) في (ك) و(ح): "وبتمحضها له". وفي هامش (ف): "كيف تتمحض له وقد عرف أنها عاطفة. منه".
(٧) "عنه" سقط من (ح) و(ف).
(٨) في (ف): "حمله"، وفي (ح): "علمه".
[ ٣ / ٢٦٥ ]
ويجوز عطفه على ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (^١)، والمعنى: أنَّه تعالى حقيقٌ بالحمد على ما خلقه تعالى نعمةً على العباد، ثم الذين كفروا به يعدلون عنه فيكفرون نعمتَه، وحذف صلة ﴿يَعْدِلُونَ﴾ إيقاعًا للإنكار على نفس الفعل، ووضع المظهَر (^٢) موضع الراجع إلى الموصول؛ تنبيهًا على أنه خلق هذه الأشياء أسبابًا لتكوُّنهم وتعيُّشهم، فمن حقِّه أنْ يُحْمَدَ عليها ولا يُكْفَر، ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ على هذا الوجه: استبعاد عُدولهم عنه بعد ذلك.
* * *
(٢) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾؛ أي: خلقَ أصلَ مادَّتِكم وهو الأغذية التي تتكون منها النُّطفة، أو مادَّة أصلِكم وهو آدم ﵇= كائنةً من طين، وللتَّباعد بين الخَلْق الصُّوري والتَّقدير المعنوي قال:
﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾: نوعًا من الأجل يحتمِل التَّجاوز عنه ﴿وَأَجَلٌ﴾ آخَرُ لا يحتمل، دلَّ على ذلك (^٣) قوله:
﴿مُسَمًّى﴾؛ أي: مثبَتٌ معيَّن (^٤)، وقد أفصح عن هذا التَّفصيلِ قولُه تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: ٤] على ما تقف عليه وعلى ما بين الفاصلتين من المواصلة المعنوية في تفسير سورة نوح ﵇، والذي عبَّر عنه ثمَّةَ بإضافة الأجل إلى اللّه تعالى هو المعبَّر عنه هاهنا بقوله:
_________________
(١) في هامش (ف): "فلم يصب النفي بمدخولها على ما حقَّقه ابن هشام في شذور الذهب".
(٢) في (ك): "وضع المظهر"، وفي (م): "وضع المظهر به".
(٣) في (م): "عليه".
(٤) في (م): "معنى".
[ ٣ / ٢٦٦ ]
﴿عِنْدَهُ﴾ أثبت (^١) تعيُّنَه، ثم أخبر بأنَّ ذلك التَّعيّن عنده؛ حسمًا لطمع التَّغيُّر (^٢).
ولكون ذلك الأجلِ مبهمًا نظرًا إلينا ذُكِرَ منكَّرًا، وإنما قُدِّمَ وهو نكرةٌ على خبره وهو ظرفٌ لفاصلٍ بينهما بما هو مخصِّص له.
﴿أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ الامتراء: التردُّد في المتقابلَين، مأخوذ من مَرَى الضرع؛ أي: مسَحه، والفرق بينه وبين الرَّيْبِ والشَّكِ قد مرَّ بيانه في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (^٣)، والامتراء لهم فيما ذكر حقيقةٌ، إلا أنهم (^٤) لانهماكهم في حبِّ الحياة، كأنهم شاكُّون في الموت.
وإنما ذكر ﴿ثُمّ﴾ مع زيادة الالتفات في ﴿أَنْتُمْ﴾ تنبيهًا على زيادة الاستبعاد، فإن دلالة كلٍّ من دليلي المبدأ والمعاد على المراد وإن كانت ظاهرة، إلا أن ما تؤخذ مبادئه من الأنفُس أقرب إلى الناظرين مما تؤخذ مبادئه من الآفاق، كأنه قيل: خُلقتم من جماد لا حظَّ له من الحياة، وعشتم مرة، فكيف تشكُّون مع ذلك وتَردَّدون في أمر البعث بإعادة تلك الحياة الزائلة، وهي أهون من الإحداث ابتداء (^٥).
* * *
_________________
(١) في (م): "أي ثبت".
(٢) في (م): "التغيير".
(٣) في هامش (ح): "قال الراغب في الفرق بين الشك والريب والمرية: إنَّ الشكَّ وقوف النفس بين شيئين متقابلين، بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر بأمارة، والمرية: التردد في المتقابلين، وطلب الأمارة مأخوذ من مرى الضرع: إذا مسحه باليد، فكأنه يحصل مع الشك تردد في طلب ما يقتضي غلبة الظن، والريب: أن يتوهم في الشيء أمرًا ما، ثم ينكشف عما يتوهم فيه. هذه عبارته في البقرة".
(٤) "إلا أنهم" من (ك) و(م).
(٥) من قوله: "فإن دلالة كل من دليلي المبدأ والمعاد .. " إلى هنا من (م).
[ ٣ / ٢٦٧ ]
(٣) - ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾.
﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ الضمير للّه تعالى، و﴿اللَّهُ﴾ خبره.
﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ متعلِّقٌ بمعنى اسم اللّه تعالى؛ أي: هو المستحِق للعبادة فيهما لا غير، أو: هو المتوحِّد بالألوهيَّة فيهما لا غير.
ويجوز أن يتعلَّق الظَّرف بقوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ ويكفي لصحَّة الظَّرفية كون المعلوم فيهما، كقولك: رميت الصَّيد في الحرم، إذا كنت خارجَه والصيدُ فيه، أو بالمصدر وهو بمعنى المفعول فليس بمقدَّر بحرفِ مصدر وصلته حتى يلزمَ تقدُّم صلته عليه (^١)، والجملةُ خبرٌ ثانٍ، أو هي الخبر و﴿اللَّهُ﴾ بدل.
ويجوز أن يكون الظَّرف مستقرًّا وقع خبرًا بمعنى: أنَّه لكمال علمه بما فيهما كأنَّه فيهما، وفي الجملة (^٢) الفعليَّة الواقعة حالًا عن ضمير الاستقرار في الظَّرف بيانٌ وتقريرٌ له.
﴿سِرَّكُمْ﴾: باطنكم؛ أي: نفوسَكم (^٣).
﴿وَجَهْرَكُمْ﴾: ظاهرَكم؛ أي: أبدانَكم.
_________________
(١) رد على البيضاوي في قوله: (وليس متعلَّق المصدر لأن صلته لا تتقدم عليه). والمراد أنه مُتَعَلِّقٌ بِمَفْعُولِ ﴿يَعْلَمُ﴾ وَهُوَ ﴿سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾، والتَّقديرُ: يَعْلَمُ سِرَّكُم وجهركم في السماوات وفي الأرضِ. قال أبو حيان مؤيدًا اعتراض البيضاوي: وهذا يضعفُ لأنَّ فيه تقديمَ معمولِ المصدرِ الموصولِ عليه، والعَجَبُ مِن النَّحَّاسِ حيثُ قال: هذا مِن أحسنِ ما قيل فيه. انظر: "تفسير البيضاوي" مع حاشية الشهاب (٤/ ١٨)، و"البحر" (٩/ ٢٥).
(٢) في (م): "والجملة".
(٣) في (ح) و(ف): "باطنكم ونفوسكم".
[ ٣ / ٢٦٨ ]
وعلى تقدير تعلق الظَّرف بالفعل المذكور يكون المعنى: يعلم نفوسَكم المفارِقة في السماوات ونفوسكم المقارنة لأبدانكم في الأرض.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ بالقوى النفسانيَّة والجوارح البدنيَّة؛ لأنَّه تعالى خالق والخلق (^١) كاسب، ولمَّا كان مقتضى العلم بذلك كونَه خالقًا له، وهو مظنَّة الاشتباه - حتى ضلَّ فيه كثير من النَّاس - أعادَ الفعل؛ اهتمامًا لتحقيق ذلك المقتضى.
ولمَّا أثبت المبتدأ (^٢) مع ما يتوقف عليه المبتدأ للّه (^٣) من التَّوحيد، ثم أثبت المعاد مع ما يتوقَّف عليه الإعادة من العلم= بيَّن ثبوت النُّبوَّة بشهادته، وأوعد (^٤) المنكرين بقوله:
* * *
(٤) - ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى مزيدة (^٥) للاستغراق، دلَّ عليه وقوع آية في سياق النَّفي، والثَّانية للتَّبعيض، كأنه قيل: وما تأتيهم بعضٌ من الآياتِ أيَّ بعضٍ كان، فلا منافاةَ بينَ هذا التَّبعيض والاستغراق.
والآيات: هي المعجزات الظَّاهرة لهم، وإسنادُها إلى الرَّبِّ للتَّعظيم والتَّنبيه على أنَّها صادرة عنه تعالى تصديقًا للنَّبيِّ ﵇.
_________________
(١) في هامش (ح): "والمخلوق".
(٢) في (ك): "المبدأ".
(٣) في (م) و(ك): "البداية"، وفي (ف): "المبتدأية"، والمثبت من (ح).
(٤) في (ح) و(ف): "وواعد".
(٥) في (ح) و(ف): "زيادة".
[ ٣ / ٢٦٩ ]
﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾: تاركين لها غيرَ ملتفتين إليها؛ لكونهم غيرَ مبالين بالعواقب، وفي العدول عن صيغة الفعل وزيادة (كان) دلالةٌ على شدَّة إعراضهم، وقوَّة ثباتهم فيه، وزيادة تمرُّنهم عليه.
* * *
(٥) - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ كلامٌ كاللازم لمَا قبلَه؛ أي: إذا أعرضوا عن الآيات كلِّها فقد كذَّبوا بالحقِّ.
﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: بها، أو كالدَّليل عليه؛ أي: إنْ هم أعرضوا عن الآيات كلِّها (^١) فلا عجبَ؛ فقد كذَّبوا بما هو أعظم الآياتِ كلِّها وأجلُّها، وهو الحقُّ لمَّا جاءَهم؛ أي: القرآن الذي تُحدُّوا به فعجزوا عن الإتيان بمثله، وكأنَّه لوضوحه معلومٌ عندَ الكلِّ أنَّ الحقَّ هو (^٢) لا يحتاج إلى تسميته (^٣)، وعلى هذا معنى الإبهام في ﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا﴾ تعظيم القرآن وتفخيم شأنه؛ أي: سيعلمون بأي شيء استهزؤوا، وينكشف لهم أنَّه لم يكن بموضع (^٤) استهزاء.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ يعني: أنَّ الإتيان كائنٌ لا محالة وإن تأخَّر، ففائدته تأكيد الوعد وتثبيته، لا بيانُ كونه متأخرًا (^٥).
﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أخبار ما استمرُّوا على تجديد الاستهزاء به حينًا
_________________
(١) "كلها"من (ك) و(م).
(٢) في (ح) و(ف): "عند الكل أنه الحق وهو".
(٣) في (ح): "تسمية".
(٤) في (م) و(ك): "في موضع".
(٥) "يعني أن الإتيان .. " إلى هنا من (م) و(ك).
[ ٣ / ٢٧٠ ]
فحينًا، تارة بنسبته إلى السِّحر والكَهانة، وأخرى إلى الشِّعر وأساطير الأولين، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩]، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨].
والمراد من أخباره: ما فيه من الوعد للمصدِّقين والوعيد للمنكرين آجلًا وعاجلًا، وهذا منهم غاية العصيان ونهاية التَّمادي في الطُّغيان، حيث أعرضوا عمَّا هو آية بيِّنة أوِّلًا، وكذَّبوه ثانيًا، وسخروا به ثالثًا، فمنَّ عليهم الرَّحمن بزيادة فضله وإحسانه (^١) إذ أخَّرهم إلى حين، ولم يعجِّل لهم بالعذاب المهين، شدَّد عليهم النَّكير وهدَّدهم (^٢)، ثم جاءهم بالموعظة والتَّذكير بقوله (^٣):
(٦) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾.
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ ﴿كَمْ﴾ مفعول ﴿أَهْلَكْنَا﴾، و﴿مِنْ﴾ تبيين لإبهامها؛ أي: كثيرًا من القرون أهلكنا، وكلُّ أهل عصرٍ قرنٌ لمن بعدهم؛ لأنهم يتقدمونهم، مأخوذ من قرن الشَّمس، وهو أعلاها، وأوَّل ما يبدو منها.
وقال الزجَّاج: عندي القرن هو أهل كلِّ مدَّة (^٤) كان فيها نبيٌّ أو طبقة من العلماء، قلَّتِ السنون أو كثرَتْ، والتَّقدير يردُّه (^٥) قوله ﵇: "خيركم قرني "؛ يعني
_________________
(١) في (م) و(ك): "ومن الرحمن زيادة فضل وإحسان ".
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "هدد لهم "، والمثبت من (ف).
(٣) "بقوله "من (ك) و(م).
(٤) في (ك): "ملة".
(٥) قوله: "والتقدير يرده "، جاء بدلا منه في "معاني القرآن" للزجاج: "والدليل على هذا"، والمؤدى واحد، وهو نفي التقدير في مقدار القرن.
[ ٣ / ٢٧١ ]
أصحابه ﵃، "ثم الذين يلونهم "؛ يعني التابعين "ثم الذين يلونهم" (^١)؛ يعني تابعي التَّابعين (^٢).
﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أثبتناهم فيها ممكِّنين إيَّاهم، وإثباتهم فيها كناية عن طول عمرهم، كما أنَّ تاليَه (^٣) كنايةٌ عن بسط معيشتهم.
﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ مكَّنه أبلغ من مكَّن له (^٤)؛ أي: جعل له مكانًا، فكأنه قيل (^٥): آتيناهم ما لم نؤتِ لكم ما يقرب منه، والالتفات للتَّنبيه والتَّمييز بينهم وبين المحكيِّ عنهم، والخطاب لأهل مكَّة.
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾: السَّماء هي المُظلَّة، والمرسَل المدرار هو المطر والسَّحاب، فلا بدَّ من التَّجوُّز في المسنَد إليه، أو في الإسناد.
والمدرار: مِفْعال، يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، معناه: كثير الدُّرور.
﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ﴾ لم يقل: وأجرينا (^٦) الأنهار، جريًا على مجرى قرينه السَّابق؛ لأن النهر إنما يطلق على الماء حال كونه جاريًا، فليس له أن يجري وأن لا يجري وهو نهر، بخلاف الماء (^٧) النازل من السماء والسحاب؛ فإنه قد يُحْبَس وقد يطلق وهو هو.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٥)، من حديث عمران بن حصين ﵁.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٢٩).
(٣) في (ف) و(ح): "كما أنه تأكيد".
(٤) في هامش (ف): "لم يفرق القاضي بينهما حيث فسر الأول بتفسير الثاني. منه ".
(٥) في (ك): "قال".
(٦) في (ح) و(ف): "وجرينا".
(٧) "الماء" من (م) و(ك).
[ ٣ / ٢٧٢ ]
وإنَّما صدَّره بالواو الدَّالة على الاستقلال دون الفاء؛ لأن المقام مقام تعداد (^١) النِّعم العِظام، وفي ضمنه الإشارة إلى أنَّ الأنهار إمدادها (^٢) لا يلزم أن يكون من الأمطار، فافهم هذا الاعتبار.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ خصَّ هذا الوصف بالذِّكر لأنَّه مما يتعاظمه النَّاس، ألا ترى إلى قول فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١].
﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ الفاء فصيحة تفصح عن محذوفٍ تقديره: بطرَتْ معيشتُهم، كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨].
﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ تحقيق لأمر الوعيد بتسهيل شأن الإهلاك، فإنَّ مَن قدر على إنشاء القرون لا يتعاظم عنده إهلاك (^٣) بعضهم بذنوبهم.
وفي عبارة الإنشاء إشارة إلى أنهم قُلعوا من أصلهم واستؤصلوا فلم يبقَ أحد من نسلهم، ويعضد ذلك ما رواه ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى لم يهلك قومًا أو يعذِّب قومًا فجعل لهم نسلًا" (^٤).
﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ يَعْمُر بهم (^٥) بلادهم.
وحاصل الوعيد: أنَّه تعالى كما قدر (^٦) أن يهلك مَن قبلهم كعاد وثمود وينشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده قدر أن يفعل مثل ذلك بكم، قيل: جماعة من قريش
_________________
(١) في (ك): "تقدير".
(٢) في (م) و(ك): "إيرادها ".
(٣) في (ج) و(ف): "هلاك ".
(٤) رواه مسلم (٢٦٦٣).
(٥) في (م) و(ك): "به ".
(٦) في (م) و(ك): "يقدر".
[ ٣ / ٢٧٣ ]
قالوا: يا محمَّد، لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله، فنزلت (^١).
* * *
(٧) - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾ (نزَّل) هاهنا بمعنى: أنزل، كخبَّر بمعنى: أخبر.
﴿كِتَابًا﴾: مكتوبًا ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾: ورق.
لم يقتصر على رؤيتهم الكتاب عيانًا في قرطاس، بل زاد عليه التقييد بقوله:
﴿فَلَمَسُوهُ﴾ تقوية للإدراك البصري بالإدراك اللَّمسي مبالغةً في الظُّهور، وليس فيه دفعُ ما عسى أن يقولوا: سكِّرت أبصارنا وما نزل من السماء شيء، إذ باللَّمس إنما يندفع احتمال كون المرئيِّ مخيَّلًا، وأما نزوله من السماء فلا يثبت به، ثم إن اللَّمس أبلغ من المسِّ؛ لأنَّه لصوق بإحساس، والمس لصوق فقط، ولذلك آثر اللَّمس عليه.
﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ إنما قيَّد به؛ لأنَّ اللُّصوق بالإحساس يكون بجميع الأعضاء، ولليد خصوصية في الإحساس ليست في سائرها، وأما التَّجوز باللَّمس عن الفحص كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: ٨] فلا يندفع به؛ إذ لا بُعْدَ في أن يكون ذلك لبيان مباشرتهم (^٢) للفحص بأنفسهم، بل يندفع بكون المعنى الحقيقي أنسبَ للمقام، ولمَا سيق له الكلام.
﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عدل عن الظَّاهر حيث لم يقل: لقالوا، تنبيهًا على أن هذا ليس بأوَّل كفرٍ منهم، ويجوز أن يكون تعريف الموصول للعهد، والمراد به أشخاصٌ
_________________
(١) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٠٨)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٨٥).
(٢) بعده في (ح) و(ف) زيادة: "بل ".
[ ٣ / ٢٧٤ ]
بأعيانهم توغلوا في التَّعنُت والعناد، على وفق ما ذكر في سبب النُّزول، فيكون التَّوصيف بيانًا لسبب تقوُّلهم هذا.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ توصيف السِّحر بالمبين في مقابلة توصيف المنزَّل بكونه ملموسًا بأيديهم، فكأنهم عارضوا تأكيده الفعليَّ في الإظهار بتأكيدهم القوليِّ بالإنكار، وهذا دليل على (^١) غاية عنادهم ونهاية خبثهم وفسادهم.
* * *
(٨) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ﴾: هلَّا أنزِل ﴿عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ يكلِّمنا أنه نبيٌّ (^٢).
﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ جواب لقولهم، وبيانُ المانع من إنزال مقترحهم.
والقضاء: الإتمام والإلزام، والمعنى: لتمَّ أمرهم؛ لوجوب العذاب بعد ذلك، وهذا لأنهم لا يؤمنون ولو نزل عليهم (^٣) الملك؛ كما أخبر الله تعالى به في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١]، وسنَّة الله تعالى في الكفار قد جرَّتْ على أنَّه متى اقترحوا آيةً قاهرةً فظهرت ثم لم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب، على ما (^٤) أفصح عن ذلك آية المائدة (^٥)،
_________________
(١) "على": ليست في (م) و(ك).
(٢) في هامش (ح): "قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا﴾ استثناء أو عطف على جواب (لو)، و(عليه) فيه التفات عن ضمير المخاطب في (عليك). قطف الأزهار".
(٣) في (م): " نزل عليه "، وفي (ح): "نزلنا عليهم ".
(٤) في (م) و(ك): "كما".
(٥) وذلك عندما طلب قوم عيسى ﵇ منه أن ينزل الله تعالى عليهم مائدة من السماء، فأنزلها الله تعالى وقال: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥].
[ ٣ / ٢٧٥ ]
ولكنَّ الله تعالى أبى من استئصالهم به (^١) تعظيمًا لنبيِّه، كما أخبر به في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: لا يُؤجَّلون ولا يُمهلون، قال قتادة: ولو أنزلنا ملكًا ثم لم يؤمنوا (^٢) لَعُجِّلَ لهم العذاب، ولم يُؤخَّروا طرفةَ عين (^٣). يعني: بعد عدم إيمانهم، لا بعد نزول العذاب.
وفي لفظة (ثم) إشارة (^٤) إلى أن لهم مهلةً (^٥) قَدْرَ أنْ يتأمَّلوا فيما نزل، فيؤمنوا بالاختيار والاختبار، لا بالإلجاء والاضطرار، فافهم هذا الاعتبار.
* * *
(٩) - ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾.
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: ا لرَّسولَ ﴿مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: لمثَّلنا ﴿رَجُلًا﴾ كما مُثِّل جبريل ﵇ في صورة دِحْية، وذلك لأنَّ أبصار عامَّة البشر لا تقدر (^٦) على النَّظر إلى صورة المَلَكِ؛ للُطفه وضعفِ شعاع إبصارهم.
جوابُ اقتراح ثانٍ، فإنهم تارةً يقولون: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]، وتارة يقولون: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤]، واحتمال أن يكون جوابًا ثانيًا على
_________________
(١) "به" سقطت من (ف).
(٢) في (ح): "يرضوا".
(٣) أخرج نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٤٣)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٦٧).
(٤) في هامش (ف): "رد لمن قال: إن معنى ثم بعد ما بين الأمرين. منه ".
(٥) في (م): "مهلًا".
(٦) في (م) و(ك): " يقدرون ".
[ ٣ / ٢٧٦ ]
أن الضمير للمَلَك المُقْتَرح إنزالُه تأباه عبارة: ﴿جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾، فإن المناسب حينئذ أن يقال: ولو أنزلناه ملكًا لجعلناه رجلًا.
وإنما لم يقل: بشرًا، مع أنه المناسب لمقابِل (^١) المَلَك، تضمينًا للكلام معنًى زائدًا على أصل المرام، وهو الإشارة إلى أن شأن الرِّسالة البراءةُ عن النُّقصان، ولا بدَّ من رعايته على التَّقدير المذكور حتى لا يصح أن يكون الرَّسول المفروضُ في صورة امرأة ولا في صورة صبيٍّ.
ولما كان تفصيل ما ذكر: أنه لا نفع لهم فيما سألوا؛ لأنَّه إذا كان في صورة رجل لا يعلمون أنه ملك، فلا (^٢) يُجدي نفعًا في دفع شبهتهم= اتَّجه أن يقال: يجوز أن يكون له آثار المَلَك في صورة الرَّجل، فيندفع الاشتباه بذلك، تُدورِكَ دفعه بما مرجعه إلى أنه لا بدَّ من الالتباس والاشتباه كيلا (^٣) تفوت حكمة التَّكليف، فقوله:
﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ من تتمة الجواب، قرئ باللَّامَيْن على تقدير شرط آخر (^٤)، وقرئ بلام واحدة على العطف، وبالتَّشديد فيهما للمبالغة (^٥).
_________________
(١) في (م) و(ك): "لمقابلة".
(٢) في (م): "ولا"، وفي (ك): " لا ".
(٣) في (ح): "كيما".
(٤) أي: ولو جعلناه رجلًا للبسنا. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٥٥). وكأن الداعي إليه إعادة لام الجواب، فإنه يقتضي استقلاله، وأنَّه لا ملازمة بين إرسال الملك واللبس عليهم، فإنه ليس سببا له بل لعكسه. انظر: "روح المعاني" (٨/ ٥٥).
(٥) قرأ ابن محيصن: (ولبسنا) بلام واحدة، وقرأ الزهري: (وللبَّسنا) بالتشديد. انظر: "الكشاف" (٢/ ٨)، و"المختصر في شواذ القرآن" (ص: ٣٦).
[ ٣ / ٢٧٧ ]
﴿عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾؛ أي: لخلَطنا عليهم ما يخلِطون على أنفسهم الآن فيقولون: ما هذا إلَّا بشر مثلكم.
ثم قال تسليةً له ﵇ عن (^١) استهزائهم به بأنَّ له في الأنبياء ﵈ أسوةً، وأنَّ ما يفعلون به يحيق بهم كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ﵈، وتنبيهًا لنا على أن قولهم ذلك على سبيل الاستهزاء، وإلَّا فهم عقلاء يعلمون أنَّ رسول قومٍ لا يكون إلَّا من جنسهم.
* * *
(١٠) - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ﴾؛ أي: أحاط بسبب ذلك الاستهزاء ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا﴾ (^٢) والمراد: الإهلاك، من إحاطة العدو، فالحيقُ لا يستعمل إلا في الشَّرِّ.
﴿مِنْهُمْ﴾ تنبيه على أن ضرر سخريتهم لا يتعدى أنفسهم، وهو مدلول القول الآتي: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٦].
﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ من العذاب الذي كان الرُّسل يخوفهم بنزوله، فلا تجوُّز لا (^٣) في الإسناد، ولا في المسند إليه.
_________________
(١) في (ك): "من".
(٢) بعدها في (م) و(ك): "منهم".
(٣) "لا" ليست في (ح)، والمعنى واحد ثبتت أو حذفت.
[ ٣ / ٢٧٨ ]
لمَّا ذكر إهلاك المستهزئين المكذِّبين أمر بالسَّير في الأرض للاعتبار بحالهم من مساكنهم، فقال:
(١١) - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى أن تُشرفوا على (^١) ديار قوم نزل بهم العذاب، فاختبروا واعتبروا.
ولمَّا كان في هذا السَّير المأمور به من الامتداد جيء بكلمة التراخي في قوله:
﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ فإن النَّظر وإن لم يكن متراخيًا عن السَّير باعتبار الانتهاء لكنه (^٢) متراخٍ عنه باعتبار الابتداء، وأمَّا قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ [النمل: ٦٩] فلعل المراد من الأرض فيه ما هو المعهود (^٣) من أرض قومٍ نزل العذاب بساحتهم، فجيء بحرف التعقيب تنبيهًا على أنَّ السَّير إنَّما أُمر به لأجل النَّظر فحقُّه أن لا يتأخَّر عنه.
وما قيل: معناه: إباحة السَّير في الأرض للتِّجارة وغيرها من المنافع، وإيجابِ النظر في آثار الهالكين، ونبَّه على ذلك ب ﴿ثُمَّ﴾ لتباعد ما بين الواجب والمباح = يأباه سلامة الذَّوق؛ لأنَّ إقحام أمرٍ أجنبيٍّ - وهو بيان إباحة السَّير للتِّجارة - بين الإخبار عن حال المستهزئين وما يناسبه ويتصل (^٤) به من الأمر بالاعتبار بآثارهم، ممَّا يخلُّ بالبلاغة إخلالًا ظاهرًا.
_________________
(١) في (ح): "إلى"، وليست في (م) و(ك).
(٢) في (م) و(ك): "ولكنه".
(٣) في (م) و(ك): " المشهور".
(٤) في (ك): "وما يتصل".
[ ٣ / ٢٧٩ ]
﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: كيف أهلكهم الله تعالى بعذاب الاستئصال، وإنما عبَّر عنهم بالمكذِّبين دون المستهزئين إشارةً إلى أن مآل مَن كذَّب إن كان كذلك، فكيف الحال في مآل (^١) مَن جمع بينه وبين الاستهزاء.
* * *
(١٢) - ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلزام وتبكيت؛ لأنهم لا يقدرون أن يضيفوا خلقهما وملكهما إلى غيره تعالى، ولذلك عقَّبه بقوله:
﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ تقريرًا لهم، أي: لا خلاف بيني وبينكم في ذلك، وفيه أنهم مع كونهم مقرِّين بذلك على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] تثاقلوا في الجواب وانقمعوا لِمَا ظهر من كونهم محجوجين، فقرَّر عليهم ذلك (^٢).
﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وفي الدَّارين، أي: التزمها تفضّلًا وإحسانًا، لا أن (^٣) ذاته أوجبها على نفسه بمقتضى حكمته.
وهذا استعطاف منه تعالى للمتولِّين عنه إلى الإقبال (^٤) إليه، وإخبار بأنه رحيم بالعباد، لا يعجل في العقوبة، ويقبل الإنابة والتَّوبة.
_________________
(١) في (ح): "حال "، وسقط من (ك).
(٢) في (م) و(ك): "ذلك عليهم ".
(٣) في (ك): "أنه ".
(٤) في (م): "للإقبال ".
[ ٣ / ٢٨٠ ]
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ ضمَّن الجمع معنى الحشر، ولذلك قال:
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، أي: إلى واقعتها في موقفها (^١)، كيوم بدر (^٢)، استئناف، وقسَم للوعيد على إشراكهم، كأنه قيل: وما تلك الرَّحمة؛ فقيل: هي أنَّه تعالى ليجمعنكم إلى يوم القيامة، وذلك لأنَّه لولا خوف الحساب والعذاب لحصل الهرج والمرج، وارتفع الضبط وكثر الخبط، فتقرير (^٣) العقاب في العُقبى من أعظم أسباب الرَّحمة في الدُّنيا.
ولك أن تقول: بيَّنَ بقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ كمالَ رحمته بالإمهال ورفْعِ عذاب الاستئصال، بعدَ ما قدَّم بيان كمال قدرته بقوله: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ ليتعيَّن من أوَّل الأمر أن إمهاله ذلك عن رحمة لا عن عجز، ثم بيَّنَ بقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيجازيكم على (^٤) شرككم أنَّه يمهل ولكن لا يهمل، بل يحشرهم ويحاسبهم على نَقير وقِطمير.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: في اليوم، أو الجمع.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ نصب على الذَّم، أو رفعٌ عليه، أو مبتدأ خبره:
﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ والفاء للسببية، فإن الخسران بتضييع رأس مالهم - وهو نور الفطرة - يوجب الإصرار على الكفر.
_________________
(١) في (م) و(ك): "موقعها".
(٢) في هامش (ف): "فإن العرب يطلقون الأيام على الوقائع، ومنه قولهم: شهد يوم بدر؛ يعني الواقعة المشهورة، وتعديته بـ ﴿إِلَى﴾ لما في الجمع من معنى الحشر والسوق، وفيه تنبيه على أن أرض المحشر ومحل الواقعة غير ما هم قبروا فيها على ما نطق به بعض الأحاديث. منه ". وتحته: "وهي المراد من الأيام في قوله تعالى: ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾. منه ".
(٣) في (م) و(ك): "فتقدير".
(٤) في (م): "عن ".
[ ٣ / ٢٨١ ]
(١٣) - ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: لمَّا ذكر أن له ملكُ ما حوى المكان من السماوات والأرض، ذكر أن له ما حوى الزَّمان، واشتمل عليه المَلَوَان (^١)، وكل واحد من المكان والزمان وإن كان مستلزمًا للآخَر، لكن التَّنصيص عليهما أبلغُ في مقام التَّقرير والبسط، وقدَّم المكان لأنَّه أقرب إلى العقول والأذهان من الزَّمان (^٢).
والظَّاهر أنه استئنافُ إخبارٍ وليس مندرِجًا تحت ﴿قُلْ﴾.
و﴿سَكَنَ﴾ مِن السُّكنى، وهو يتعدَّى بـ (في) كما يتعدَّى بنفسه يقال: سكنوا الدَّار، وسكنوا فيها، لا من السكون على الاكتفاء بأحد الضِّدين عن الآخر؛ لأنَّه لا يناسب البسط الظَّاهر قصدُه من تفصيل قُطرَي المكان وصِنْفَي الزَّمان.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وعيدٌ للمشركين على أقوالهم وأفعالهم.
* * *
(١٤) - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ أَدخل همزة الاستفهام على الاسم دون الفعل؛ لأن الإنكار يتوجَّه إلى اتخاذ الغير وليًّا، لا إلى اتخاذ (^٣) الولي مطلقًا، ولا دخل في ذلك لتقديم المفعول؛ لأنَّه لازم لدخول همزة الاستفهام، فكان ثابتًا تبعًا له. وإنما عبَّر
_________________
(١) الملوان: الليل والنهار، والواحد: ملًا، مقصور.
(٢) في (ك): " الأزمان ".
(٣) في (م): "لا لاتخاذ".
[ ٣ / ٢٨٢ ]
عن المعبود بالولي لأن (^١) أوَّل درجة العبادة لشخصٍ اتِّخاذه وليًّا، فكان نفيُه أبلغ (^٢).
﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبدعِهما، وجرَّه على الصِّفة لـ ﴿اللَّهِ﴾، فإنه بمعنى الماضي، ويؤيده قراءة: (فَطَر) (^٣).
ويجوز أن يكون بدلًا، ويرجِّحه أن الفصل بين المبدَل منه والبدل أسهل من الفصل بين المنعوت والنَّعت، بناء على ما هو المشهور من أن البدل على تكرار العامل.
وقرئ بالرفع والنصب على المدح (^٤).
والجملة تقريرٌ لإنكار اتخاذ غير الله تعالى وليًّا وتعليلٌ له، وكذا قوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾، أي: المنافع كلُّها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع، فخصوص الطُّعم غير ملحوظ، بل هو من باب تنزيل جزء الشَّيء (^٥) منزلة كلِّه.
وقرئ: (ولا يَطْعَم) بفتح الياء (^٦).
وبعكس الأول (^٧) على أن الضمير لـ (غير الله) تعالى، فإن الكلام وإن كان مع
_________________
(١) في (ح) و(ف): "لأنَّه".
(٢) في هامش (ف): "مأخوذ من تفسير أبي حيان. منه ".
(٣) نسبت للزهري. انظر: "الكشاف" (٢/ ٩)، و"المختصر في شواذ القرآن" (ص: ٣٦).
(٤) انظر: "الكشاف" (٢/ ٩)، و" البحر " (٤/ ٥٦).
(٥) في (ك): "من تنزيل الشيء"، وفي (م): "من باب تنزيل الشيء".
(٦) نسبت للأعمش وغيره. انظر: "المختصر في شواذ القرآن" (ص: ٣٦)، و"البحر المحيط" (٤/ ٥٦).
(٧) أي: (يُطْعَم ولا يُطْعِم) ببناء الفعل الأول للمفعول والثاني للفاعل. ونسبت هذه القراءة ليعقوب في رواية ابن المأمون عنه، وهي خلاف المشهور عنه. انظر: "الكشاف" (٢/ ٩)، و"البحر" (٩/ ٥٦).
[ ٣ / ٢٨٣ ]
عبدة الأصنام إلا أنه نظر إلى عموم غير الله تعالى، وتغليب أولي النُّهى لأن فيه إنكار أن تصلح الأصنام للألوهية بطريقِ الأَولى، والمعنى: كيف أُشرك بمن هو فاطر السماوات والأرض ما هو نازلٌ عن مرتبة الحيوانيَّة.
وببنائهما للفاعل (^١)، على أنَّ الثَّاني من أَطْعَمَ بمعنى اسْتَطْعَم (^٢)، أو على أنه يُطعم تارةً ولا يُطعم أخرى؛ أي: وهو الباسط والقابض بحسب الحكمة والمصلحة (^٣)، كقولك: هو يعطي ويمنع.
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾؛ لأنَّ النَّبيَّ ﵇ سابقُ أمَّتهِ في الإسلام، وهذا على طريق التَّحريض على الإسلام، كما يأمر الملك رعيَّته بأمرٍ ثم يُتْبعه بقوله: أنا أول مَن يفعل ذلك؛ ليَحملهم على فعله.
﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ عطفٌ على معنى قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ﴾ فإنه بمعنى: قيل لي: كُنْ أوَّل مَن أسلم، فلا حاجة إلى تقدير: (وقيل لي: لا تكونن) (^٤)؛ أي: أُمِرْتُ بالمسارعة إلى الإسلام، ونُهِيْتُ عن الشِّرك.
ولتعلُّق الأمر بالمسارعة دون نفْس الإسلام لم يؤكَّد تأكيدَ النَّهي المتعلِّق بنفس (^٥) الشرك.
وقيل: يجوز عطفه على ﴿قُلْ﴾.
_________________
(١) نسبت للأشهب. انظر: "الكشاف" (٢/ ٩)، و"البحر" (٩/ ٥٧).
(٢) أي: (يُطْعِم ولا يَستطْعِم). انظر: "الكشاف" (٢/ ٩).
(٣) "والمصلحة" من (ك) و(م).
(٤) في (ح) و(ف): " "قيل في لا تكونن ".
(٥) في (ف) و(ك) و(م): "لنفس ".
[ ٣ / ٢٨٤ ]
وَيرِدُ عليه: أنَّ سلامة النظم تأبى عن فصل الخطابات التبليغية (^١) بعضِها عن بعضٍ بخطاب ليس منها (^٢).
* * *
(١٥) - ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ الشرط معترِض بين الفعل والمفعول، وجوابه محذوف دلَّ عليه الجملة.
والأنبياء ﵈ وإن كانوا معصومين عن الكفر إلا أنه قد يُفرض (^٣) إذا تعلَّق به غرض صحيح؛ من المبالغة في قطع أطماعهم؛ والتعريضِ لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب (^٤)، فلا دلالة في الآية على أنه ﵇ كان يخاف على نفسه من الكفر.
* * *
(١٦) - ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾.
﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾؛ أي: العذاب، وهذا أبلغ؛ لتضمُّنه معنى أن يقال: إن انصراف العذاب رحمة من الله تعالى سواءٌ كان الصارف هو أو غيره، فإنَّ فيه تنبيهًا على أن الغير كالشُّفعاء وإن كان صارفًا للعذاب عن العصاة لكن صرفهم ذاك بإذن الله تعالى.
_________________
(١) في (ك): "البليغة".
(٢) في (ف)، و(ح): "منها".
(٣) في (ح): " يعترض "، وفي (ف): " يعرض ".
(٤) في (م) و(ك): "مستوجبو العذاب ".
[ ٣ / ٢٨٥ ]
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ وقرئ: ﴿يُصْرَفْ﴾ مبنيًا للفاعل (^١)، على أن الضمير فيه لله تعالى، ويعضُده القراءةُ بإظهاره (^٢)، ويناسبه الجزاء، والمفعول به محذوف لظهوره مما قبله، أو ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ على أن يراد منه هولُه، فلا حاجة إلى تقدير المضاف.
وفي عبارة الصَّرف إشارة إلى أنَّ الآية فيمَنْ استحقَّ العذاب.
﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ رحمةً هي ذلك الصَّرْفُ نفْسه، ونظير هذا قوله ﵇: "لن يَجْزيَ ولدٌ والدَه إلَّا أن يجدَه مملوكًا فيشتريَه فَيُعْتِقَهُ" (^٣) " يعني: بالاشتراء المذكور، ووجهُ ذلك: أن اختلاف العنوان يكفي في صحَّة التَّرتيب والتَّعقيب.
ولك أن تقول: إنَّ الرَّحمة سببٌ للصَّرْف سابقٌ عليه، على ما لوَّح إليه، حيث أتى (^٤) بصيغة الماضي وصيغته مستقبل، والتَّرتيبُ باعتبار الإخبار عنها (^٥).
﴿وَذَلِكَ﴾، أي: صَرْفُ العذاب عنه وهو مستحِقٌّ له.
_________________
(١) قرأ بها حمزة وأبو بكر والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٠١).
(٢) نسبت هذه القراءة لأبي بن كعب ﵁. انظر: "الكشاف" للزمخشري (٢/ ١٠)، و"البحر" (٩/ ٥٩).
(٣) رواه مسلم (١٥١٠) من حديث أبي هريرة ﵁. ومحل الشاهد أن قوله: "فَيُعْتِقَهُ" ليس معناه استئناف العتق فيه بعد الملك؛ لأن الإجماع منعقد على أن الأب يعتق على الابن إذا ملكه في الحال، وإنما معناه: أنه إذا اشتراه فدخل في ملكه، عتق عليه. فلما كان الشراء سببًا لعتقه، أضيف العتق إلى عقد الشراء. انظر: "جامع الأصول" لابن الأثير (١/ ٤٠٠).
(٤) في (م) و(ك): " أوتيت ".
(٥) العبارة في "روح المعاني" (٨/ ٨١): (… ولك أن تقول: إن الرحمة سبب للصرف سابق عليه على ما تلوِّح إليه صيغة الماضي والمستقبل، والترتيبُ باعتبار الإخبار)، والمعنى واحد، وقد عزاه الآلوسي لبعض الكاملين، ولعل المراد المؤلف حيث إن الآلوسي نقل - كلام المؤلف في الآية بتمامه عدا ما أشرنا إليه من الاختلاف في بعض الألفاظ.
[ ٣ / ٢٨٦ ]
﴿الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ ظهورُ الفوز يزداد بازدياد الاستحقاق المعتبَر فيمَنْ صُرِفَ عنه العذاب.
* * *
(١٧) - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ الضُّرُّ - وهو سوء الحال - أخصُّ من الشَّرِّ المقابل للخير، وإنما خصَّه بالذِّكْرِ لشدَّة الحاجة فيه إلى الكشف.
﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾: فلا مزيلَ له عنك.
﴿إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْر﴾ حذف جوابه؛ لدلالة جواب مقابِله عليه.
ثم أكَّد الجوابين بشمول قدرته على كلِّ شيء فقال: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يقدر غيره على مخالفته.
* * *
(١٨) - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ معنى الفوقية هاهنا: تصويرٌ للقهر والعلوِّ بالغلبة والقدرة، لا بالجهة، وفي القهر معنًى زائدٌ ليس في القدرة (^١)، وهو منع غيره عن بلوغ المراد.
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في أمره وتدبيره إيَّاهم ﴿الْخَبِيرُ﴾ بأحوالهم وخفاياهم.
_________________
(١) في (م) زيادة: "لا بالجهة" ولعله سهو أو سبق نظر من الناسخ.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
(١٩) - ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾: روي أنَّ قريشًا قالوا: يا محمَّد، لقد سألنا عنك اليهود والنَّصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذِكْرٌ ولا صفة، فأرِنا مَنْ يشهد لك أنَّكَ رسولُ الله، فنزلَتْ (^١).
والشيء يُطلَق على كلِّ موجود، وقد مرَّ تفصيله في تفسير سورة البقرة، ووضعُه موضع شهيد للمبالغة في التعميم.
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هو الجواب، ثم ابتدئ: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ كرَّر البَيْن ولم يقل: بيننا؛ للإيماء إلى معنى التَّفصيل المترتِّب على الشهادة المقبولة.
ويجوز أن يكون الجوابُ (^٢): ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ﴾، فهو على الأول للتَّسلق من إثبات التَّوحيد إلى إثبات النُّبوة بأن هذا الشَّاهد الذي لا أَصْدَقَ منه شهد لي بإيحاء هذا القرآن، وعلى الثَّاني من الأسلوب الحكيم؛ لأن الوهم لا يذهب إلى أن هذا الشاهد يحتمل أن يكون غيرَه تعالى، بل الكلام في أنَّه: هل يشهد لنبوَّته أو لا (^٣)؟
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٤٠) عن الكلبي. وانظر: "تفسير الطبري" (٦/ ٣١)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٤/ ١١٢٠)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٠٣)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٧٥٠).
(٢) " الجواب " سقط من (ك) و(ح).
(٣) في (ك): "أم لا". وجاء في هامش (ح): "قوله: ويجوز … إلخ، قال أبو حيان: هذا الوجه أرجح من الأول؛ لأنَّه لا إضمار فيه مع صحة معناه، وفي الأول إضماران أولًا وآخرًا".
[ ٣ / ٢٨٨ ]
﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن، والخطاب لكفَّار مكَّة، وليس فيهم ما يصح أن يبشَّروا به، ولذلك خصَّ الإنذار بالذِّكر.
﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ (مَن) (^١) في موضع نصبٍ عطفًا على مفعول ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾ (^٢)؛ أي: ومَن بلغه (^٣) هذا القرآنُ من العرب والعجم.
وقيل: من الثَّقلين ممن وجد ويوجد إلى يوم القيامة، وهو دليل على أن أحكام القرآن تعمُّ كلَّ من يبلغه إلى يوم القيامة، وأما أنه لا يؤاخذ بها مَن لم تبلغه (^٤) فلا دلالة فيه عليه إلا عند مَن قال بحجيَّة المفهوم (^٥).
ويجوز أن يكون في موضع رفع عطفًا على الضمير المستكنِّ في ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾، وجاز ذلك للفصل بينه وبين الضمير؛ أي: ولينذِر به مَن بلغه القرآن.
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً﴾ (^٦) تقرير لهم مع إنكارٍ واستبعاد، ولمَّا كانت تلك الآلهة حجارة وخشبًا أجريت مجرى المفرد تحقيرًا لها، فوُصِفَتْ بما يُوْصَفُ به المفرد، وقيل: ﴿أُخْرَى﴾.
﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ شهادتكم بأنَّ معه آلهة.
﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: قل: أشهد أن لا إله إلا هو (^٧).
_________________
(١) "من": من (ف).
(٢) في (م) و(ك) زيادة: "لأنذركم به ".
(٣) في (ح) و(ف): "بلغ ".
(٤) "من لم تبلغه" من (ك) و(م)، وزيد بعدها في (م): "إلى يوم القيامة".
(٥) في هامش (م): "رد على القاضي البيضاوي".
(٦) في (ك) و(م): "آلهة أخرى" والصواب عدم إثباتها هنا لما سيأتي.
(٧) في (ك): "إلا الله".
[ ٣ / ٢٨٩ ]
﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أُمِرَ أوَّلًا بأن يخبرهم بأنه لا يوافقهم في الشهادة، ولا يَلزم من ذلك إفراد الله تعالى بالألوهية، فأُمِرَ به ثانيًا، ثم أُمِرَ (^١) ثالثًا بأن يخبرهم بالتَّبري من إشراكهم، وهو التأكيد لمَا قبله.
* * *
(٢٠) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ يعني: اليهودُ والنَّصارى يعرفون رسولَ الله (^٢) ﷺ بحِلْيته ونعته الثابت في الكتابَيْن معرفةً حقَّةً.
﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ بِحُلَاهم.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ من المشركين وأهل الكتاب بتضييعهم ما يُكتسَب (^٣) به الإيمان من النور الفطري.
﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قد مرَّ وجه السَّببية المستفادة من الفاء، على أنه لا يلزمها السَّببية، بل يكفي أن يكون ما بعدها لازمًا لما قبلها، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨].
* * *
(٢١) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
_________________
(١) في (م) و(ك) زيادة: "به" والصواب المثبت.
(٢) في (م) و(ك): "النبي".
(٣) في (ف) و(ح): "يكتب".
[ ٣ / ٢٩٠ ]
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بقولهم: الملائكة بنات الله تعالى، و: هؤلاء شفعاؤنا عند الله تعالى، وغير ذلك.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ بالقرآن، أو بالمعجزات، وإنما جاء بـ ﴿أَوْ﴾ مع كونهم جامعينَ بين الكذب والتَّكذيب؛ تنبيهًا على أن كلًّا منهما وحده بالغٌ غاية الإفراط في الظُّلم على النَّفس، لا ظلمَ فوقَه.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ جاء بضمير الشأن مع (إنَّ)، للإجمال والتَّفصيل، والتَّنبيه على أن الظالم قط لا يفلح (^١)، فكيف بمن لا أحدَ أظلم منه؟
* * *
(٢٢) - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ منصوب بمضمر حُذف تهويلًا للأمر ومبالغةً في التَّخويف، تقديره: كان ما لا يدخلُ تحتَ الوصف. والحشر: السَّوقُ من جهاتٍ مختلفةٍ إلى مكانٍ واحدٍ.
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وقرئ: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾ بالياء فيهما (^٢).
﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ سؤالُ توبيخٍ، وإنما أضيف الشركاء إليهم لأنَّه لا شركةَ في الحقيقة بين الأصنام والمعبود بحقٍّ، وإنما أَوقع عليها اسمَ الشريك لمجرَّد (^٣) تسميتهم لهم شركاء، فأُضيف إليهم بهذه النسبة، ويعضده التعبير عن اعتقادهم بالزَّعم، فإنه كالعَلَم في الباطل (^٤)، ولا يخفى ما فيه من التَّهكُّم.
_________________
(١) في هامش (ف): "ليست عبارة قط من محلها. منه ".
(٢) وهي قراءة يعقوب. انظر: "النشر" (٢/ ٢٥٧).
(٣) في (م): "بمجرد".
(٤) كذا قال المؤلف ﵀، وهو في القرآن كذلك، فإنه كما قال الراغب في "مفرداته" (مادة:=
[ ٣ / ٢٩١ ]
﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم شركاءُ لله، حذف المفعولان لدلالة سياق الكلام عليه.
وهذا السؤال ظاهرٌ في غيبة الشركاء، وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] نصٌّ فيها، فلا وجه لمَا قيل: يجوز أن يَحضروا ويشاهِدوا، ولكنْ لما لم ينتفعوا بهم ولم يكن فيهم ما رَجَوا من الشفاعة لهم جُعِلوا كأنهم غُيَّبٌ عنهم، وهو أبلغ في التوبيخ؛ إذ وجودهم أضرُّ من العدم.
وأما ما قيل: يجوز أن يُحال بينهم وبينها حينئذ ليتفقدوها في الساعة (^١) التي علَّقوا بها الرجاء فيها، فيَرِدُ عليه: أنه حينئذ ينكشف الحال عندهم، ويعلمون أنه لا منفعة لهم في آلهتهم، بل مضرِّة، فلا احتمال للتفقُّد.
* * *
(٢٣) - ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
_________________
(١) =زعم): جاء في القرآن في كلّ موضع ذمّ القائلون به. لكنه في غير القرآن ليس معناه مقتصرًا على الباطل كما ذكر بعض العلماء، قال الحافظ في "الفتح" (١/ ١٥٢): الزعم يطلق على القول المحقق أيضًا كما نقله أبو عمر الزاهد في "شرح فصيح" شيخه ثعلب، وأكثر سيبويه من قوله: زعم الخليل، في مقام الاحتجاج. وقال النووي في "شرح مسلم" (١/ ٤٥): وقد كثر الزعم بمعنى القول، وفي الحديث عن النبي ﷺ: "زعم جبريل" وفي حديث ضمام بن ثعلبة ﵁: زعم رسولك، وقد أكثر سيبويه في "كتابه" المشهور من قوله: زعم الخليل كذا، في أشياء يرتضيها سيبويه، فمعنى زعم في كل هذا: قال.
(٢) في (ك) و(م): "الشفاعة"، والمثبت من (ح) و(ف)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٢/ ١٢)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١٥٧).
[ ٣ / ٢٩٢ ]
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ جوابُهم، وإنما سُمِّي فتنةً لأنَّه معذرتُهم التي توهَّموا تخلُّصَهم بها، من قولك: فتنتُ الذهب: إذا خلَّصتَه.
وقيل: كفرُهم، والمراد عاقبتُه.
﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾، وقرئ بالتاء الفوقانية ونصب ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾، على تقديرِ ﴿أَنْ قَالُوا﴾ مؤنثًا؛ أي: ثم لم تكن فتنتَهم إلا مقالتُهم، وهذا أحسن من اعتبار التأنيث في الخبر، وقرئ: بالتاء الفوقانية والرفع على أنها الاسم، وقرئ: ﴿يكن﴾ بالياء التحتانية ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ بالنصب، على أن الاسم: ﴿أَنْ قَالُوا﴾ (^١).
﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين﴾ كذبوا وحلفوا - مع علمهم بأنه لا ينفع - حيرةً ودَهَشًا، وقرئ: ﴿رَبِّنَا﴾ (^٢) بالنصب على النداء أو المدح (^٣).
* * *
(٢٤) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بنفي الشِّرك عنها.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ يَحتمِلُ أن يكون عطفًا على ﴿كَذَبُوا﴾ فيدخل في حيِّز ﴿انْظُرْ﴾، ويحتمل أن يكون إخبارًا مستأنفًا، فلا يدخل في حيِّزه.
_________________
(١) ملخص ما ذكره المؤلف ثلاث قراءات كلها سبعية، وهي التاء مع كل من الرفع والنصب، والياء مع النصب. انظر تفصيلها ومن قرأ بكل منها في "السبعة" (ص: ٢٥٤)، و"التيسير" (ص: ١٠١)، و"النشر" (٢/ ٢٥٧). وثمة رابعة وهي الياء مع الرفع ذكرها ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣٦) عن عاصم من رواية المفضل وعن الأعمش. ووقع في (م) و(ك) في هذا النص تقديم وتأخير لكن المؤدى واحد.
(٢) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٢).
(٣) في هامش (ف): "فيلزم عطف الإخبار على الإنشاء. منه".
[ ٣ / ٢٩٣ ]
﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: غاب عنهم ما كانوا يفترونه من الشركاء؛ أي: يفترون إلهيَّته وشفاعته.
* * *
(٢٥) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ حين تتلو القرآنَ، روي أنَّ جماعة من كفَّار قريش استمعوا رسول الله ﵇، فقالوا للنَّضر: ما يقول محمد؟ فقال: ما يقول إلا أساطير الأولين، مِثلَ ما أحدِّثكم عن القرون الماضية، وكان صاحبَ أخبار، فنزلت (^١).
﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾: جمعُ كِنَان، وهو ما يستر الشيء كالغطاء.
﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: كراهةَ أن يفقهوه، ويجوز أن يكون مفعولًا لما دلَّ عليه الكلام المذكور؛ أي: منعناهم أن يفقهوه.
﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: ثقلًا، الأَكِنَّةُ في القلوب والوَقْرُ في الآذان مثلٌ في نبوِّ قلوبهم ومسامعهم عن قبوله واعتقاد صحته.
وما قيل: لما كان القرآن معجزًا من حيث اللفظ والمعنى أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللفظ (^٢)، يَرِدُ عليه أنهم ما عجزوا عن إدراك اللفظ المسموع
_________________
(١) انظر: "أسباب النزول " للواحدي (ص: ٢١٤). وجاء في هامش (ف): "ذكره القاضي في تفسير سورة بني إسرائيل. منه ".
(٢) في هامش (ف): "من جملة تأويلات المعتزلة لأمثال هذه الآية. منه ".
[ ٣ / ٢٩٤ ]
- على ما دل عليه ما مر في سبب النزول - إنما عجزوا عن إدراك اللفظ المطبوع الحامل للخواص والمزايا.
﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ لفرط عنادهم، ولا بد من تخصيص الآية بغير (^١) الملجئة دفعًا للمخالفة بينه وبين قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤].
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هي التي يقع بعدها الجمل (^٢)، والجملة بعدها هي الشَّرطية، ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ في محل الحال، وجواب الشرط:
﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^٣) وفيه وضع المظهَر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالكفر والعناد مع وضوح الآيات.
ويجوز أن تكون ﴿حَتَّى﴾ هي الجارَّة و﴿إِذَا﴾ لمجرد الظرفية في محل الجر فلا يكون له جواب؛ أي: حتى وقت مجيئهم، و﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾ تفسير لـ ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِين﴾ الأساطير: الأباطيل، الواحدة: الأُسْطُورة بالضم، وإِسْطارةٌ بالكسر، وجَعْلُ أصدق الحديث خرافات الأولين غايةُ التَّكذيب.
ويجيء الأساطير جمع أَسْطَارٍ، جمع سَطَرٍ بالتحريك (^٤)، بمعنى الخط والكتابة، وعلى هذا ينطبق ما روي عن النضر فيما سبق، وأما السَّطْر بالسكون فجمعُه (^٥) أَسْطرٌ وسُطُورٌ.
_________________
(١) في (ح): "غير"، وفي (ف): "لغير".
(٢) في هامش (ف): "ويعضده زيادة قوله في سورة يونس ﵇: ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]، فافهم".
(٣) في هامش (ف): "ومن وهم أن ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ جواب فقد وهم. منه ".
(٤) في هامش (ف): "ليت شعري أنى قال القاضي: إن السطر بالسكون جمعه على أسطار. منه ".
(٥) في (م) زيادة: " على ".
[ ٣ / ٢٩٥ ]
(٢٦) - ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾؛ أي: ينهون النَّاس عن القرآن أو الرَّسول واتِّباعه والإيمان به.
﴿يَنْهَوْنَ﴾: يَبعدون ﴿عَنْهُ﴾ بأنفسهم، فيَضلُّون ويُضلُّون.
﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ﴾: وما يهلكون بذلك ﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أن ضرر ذلك لا يتعدَّاهم إلى غيرهم، وإن كانوا يظنُّون أنهم يضرُّون رسولَ الله ﷺ.
* * *
(٢٧) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ مِن وقَفه؛ أي: حبسه؛ لأنَّه قال في موضع آخر: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩] (^١)؛ أي: يُحبسون، والقرآن يفسِّرُ بعضَه بعضًا، وضمَّنه معنى الاطِّلاع، دلَّ على ذلك قوله: ﴿عَلَى النَّارِ﴾، والمعنى: إذ وُقِفوا مطَّلعين عَلَى النَّارِ (^٢).
وقرئ على البناء للفاعل (^٣)، من وَقف عليه وقوفًا.
وإنما حذف الجواب تهويلًا؛ أي: لو تراهم حين يوقَفون عليها حتى يعاينوها، أو يطَّلعون عليها وهي تحتهم، أو يدخلونها فيعرفون مقدار عذابها (^٤)، لرأيت أمرًا شنيعًا لا يدخل تحت الوصف.
﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا﴾ تمنوا الرجوع إلى الدنيا.
_________________
(١) في هامش (ف): "الوزع غير الوقف، فكيف يفسره؟ منه ".
(٢) في هامش (ف): "ليس فيه دلالة على ما ذكره؛ لأن حبسهم فوق النار وهي تحتهم. منه ".
(٣) نسبت هذه القراءة لابن السميفع وزيد بن علي. انظر: "البحر المحيط" (٩/ ٩٦).
(٤) في هامش (ف): "فأين التضمين الذي ذكره، فأين جزمه بأن الوقف بمعنى الحبس. منه ".
[ ٣ / ٢٩٦ ]
﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرئ بنصب ﴿نُكَذِّبَ﴾ و﴿نَكُونَ﴾ (^١) بإضمار (أنْ) بعد الواو، لا على جواب التَّمني؛ لأن الواو لا تقع في جواب الشرط، ولا ينعقدُ مما (^٢) قبلها وما بعدها شرطٌ وجواب (^٣)، وإنما هي واو الجمع يعطف ما بعدها على المصدر المتوهَّم قبلها، والأفعال الثلاثة متمناهٌ على سبيل الجمع بينها، لا أن كل واحد متمنًّى على حِدَة، إذ التقدير: يا ليتنا يكون لنا ردٌّ مع انتفاء التكذيب وكونِنا من (^٤) المؤمنين.
أو واوُ الحال (^٥) على أن مدخولها حال من الضمير في ﴿نُرَدُّ﴾، أي: يا ليتنا نُرَدُّ غير مكذبين وكائنين من المؤمنين.
وقرئ برفعهما عطفًا على ﴿نُرَدُّ﴾، فيكونان داخلَين في التمني، وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ راجع إلى ما تضمنه التَّمني من الوعد (^٦).
[وقرأ ابن عامر برفع الأول على العطف على ﴿نُرَدّ﴾، (^٧) أو على الاستئناف، ونصب الثاني عطفًا على مصدر متوهَّم مقدَّر من الجملة السابقة، وتكون (أنْ) مضمرة بعد الواو، فالتقدير: يكون منا ردٌّ وكونٌ من المؤمنين.
_________________
(١) وهي قراءة حمزة وحفص، وقرأ ابن عامر برفع الأول ونصب الثاني، والباقون بالرفع فيهما. انظر: "التيسير" (ص:١٠٢).
(٢) في (ح) و(م): "ما".
(٣) في هامش (ف): "لا نسلم ذلك، ألا ترى إلى تقدير صاحب الكشاف: إن رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين. أي: ممن قال على الجواب، والله أعلم بالصواب. منه ".
(٤) في (ح) و(ف): "مع ".
(٥) في هامش (ح) (ف): "احتمال الحال ظاهر في قراءة الرفع، فذكره هنا دون بيان وجه قراءة الرفع ليس كما ينبغي، فإن الحال المفردة لا تحلى بالواو. منه ".
(٦) انظر شرح هذا الكلام في "حاشية شيخ زاده على البيضاوي" (٤/ ٣١).
(٧) ما بين معكوفتين مستفاد من "البحر" (٩/ ٩٨).
[ ٣ / ٢٩٧ ]
(٢٨) - ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ إضرابٌ عن إرادة الإيمان المفهوم من التَّمني؛ أي: ظهر لهم في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم ما كانوا يخفون من النَّاس من فضائحهم وقبائحهم، فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجرًا لا عزمًا على أنهم لو رُدوا لآمنوا.
﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ إلى الدنيا ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ من الكفر والمعاصي.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما وعدوا من أنفسهم.
* * *
(٢٩) - ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ استئناف أو عطف على ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (^١)، لا على ﴿لَعَادُوا﴾، ولا على ﴿نُهُوا﴾ (^٢)، إذ حينئذ حقُّ قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أن يُؤخَّر عن المعطوف، أو يُقدَّم على المعطوف عليه.
﴿إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ الضمير للحياة.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ إلى الحشر والجزاء.
* * *
(٣٠) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ للتوبيخ والسؤال (^٣)، كما يوقف العبد الجاني بين يدي
_________________
(١) في هامش (ف): "وإنهم لكاذبون جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه فلا عناد. منه ".
(٢) في (م) و(ك): "لما نهوا".
(٣) في (ف) و(ح): "والسؤال للتوبيخ ".
[ ٣ / ٢٩٨ ]
سيِّده ليعاتبه، ضمَّنَ الوقوف معنى العرض، ولذلك قال: ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾، والمعنى: إذ عرضوا على ربهم موقوفين، وقد أفصح عن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢].
وقيل: معناه (^١): وقفوا على قضاء ربهم أو جزائه، أو عرِّفوا حقَّ التعريف.
وجواب (لو) محذوف كما مرَّ (^٢).
﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ استئنافٌ، كأنَّه قال (^٣) قائل: ماذا قال لهم ربهم حينئذ؟ فقيل: قال (^٤)، والهمزة للتقريع والتعييرِ من الله تعالى على التَّكذيب وإنكارِ البعث والجزاء حين سمعوا حديثه وقالوا (^٥) ما هذا بحق، والإشارة إلى البعث والجزاء.
﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ إقرارٌ مؤكَّدٌ باليمين.
﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بسبب كفركم.
* * *
(٣١) - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: بالبعث وما يتَّصل به من أحوال الآخرة.
_________________
(١) "معناه"من (م).
(٢) "كما مر"سقط من (ك).
(٣) في (م) و(ك) زاد: " لهم ".
(٤) في (م) و(ك) زيادة: "إلخ ".
(٥) في (ك): "قالوا".
[ ٣ / ٢٩٩ ]
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾: القيامة، ﴿حَتَّى﴾ غايةٌ للتَّكذيب لا للخسران (^١)؛ فإنَّ خسرانهم لا غاية له، والكلام فيها وفيما (^٢) بعدها من الجملة كما مرَّ في ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ﴾.
﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً، وهي مجيء الشيء بسرعة من غير خطورٍ ببالك، حال؛ أي: باغتةً، أو مصدر؛ لأنها نوع من المجيء.
﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا﴾ تعالي فهذا أوانكِ، والحسرة: شدَّة النَّدم.
﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾: قصَّرنا مع القدرة على عدم التَّقصير (^٣).
﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الحياة الدُّنيا، أُضْمِرَتْ لأنها معلومة وإن لم يَجْرِ لها ذكر، أو: في السَّاعة؛ أي: في شأنها والإيمانِ بها، كما في قوله: ﴿فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦].
﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ مَن قال بالميزان واعتقَد (^٤) وزنَ الأعمال وأذعن حصول الثِّقل لها يوم الجزاء فليس له أن يقول: إنَّه تمثيل لثقل أوزارهم (^٥)، والمعنى: أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساةَ مَنْ يحمل ثقلَه على ظهره؛ لأنَّه (^٦) مظنَّةُ الإنكار بما ذكر.
_________________
(١) في (م) و(ك): "لكذبوا لا لخسر".
(٢) في (ح) و(ف): "وما".
(٣) في هامش (ف): "فرَّط: قصَّر مع القدرة على ترك التَّقصير".
(٤) في (م) و(ك): "أو اعتقد".
(٥) في هامش (ف): "لما يلزم من إنكاره شيء إذا قال: الموزون كتب الأعمال، على ما حُقِّق في الكلام؛ فإن حصول الأعراض في الميزان مع حصول الثقل لها لا يُعقل ".
(٦) في (ك): "لأن ".
[ ٣ / ٣٠٠ ]
والجملة حال من الضمير في ﴿قَالُوا﴾.
﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ اعتراضٌ، والمخصوص بالذَّم محذوف؛ أي: بئس شيئًا يزرون وِزرُهم، أو الذي يَزِرونه، و﴿سَاءَ﴾ على وزن فَعَلَ، متعدٍّ تقديره: ساءهم.
* * *
(٣٢) - ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أراد بالحياة الدُّنيا: أعمالها المخصوصةَ بها، بحيث لا يظهر أثرها في الحياة الأخرى، ولذلك قال:
﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ فإنَّ مطلق أعمالها الشاملة (^١) للعبادات ليس كذلك، ومن هنا ظهر وجه السلوك إلى طريق المجاز؛ شبِّهت أعمال الدنيا باللعب واللهو لقلَّة جدواها وسرعةِ زوال منافعها، أو لأنَّه (^٢) يُلهي الناس وَيشغلهم عما يُعْقِب منفعة دائمة ولذة حقيقية، وهو جواب لقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩].
﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إيراد لام الابتداء، وإثبات ما فيها للذين يتقون، والتأكيدُ بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، إشعارٌ (^٣) بأن ما سوى أعمال المتقين لهو ولعب يَشتَغِل به مَن لا يَعقل، وأنَّ العاقل هو الزَّاهد في الدنيا.
وقرئ: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ على الإضافة (^٤)، أي: دارُ الحياة الآخرة.
_________________
(١) في (م): "المخصوصة الشاملة".
(٢) في (ف): " ولأنه ".
(٣) في (م): "إشعارًا".
(٤) وهي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٢).
[ ٣ / ٣٠١ ]
وقرئ: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ بالتاء على خطاب المخاطَبين به (^١)، أو تغليبًا على (^٢) الغائبين.
* * *
(٣٣) - ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ﴾ ﴿قَد﴾ هاهنا من باب استعمال اللفظ في نقيضه للمبالغة؛ لأنَّه بمعنى تكثير الفعل وزيادته، كما تستعمل (ربَّما) لذلك، كأنه إيماءٌ إلى أنَّ كلَّ ما يفهم من وقوع مرَّات (^٣) الفعل وزيادته بالنِّسبة إلى ما يُراد منه قليلٌ، ويقوِّيه في تفخيم الفعل وكثرته إيراد ضمير الشأن ولام الابتداء في المعلوم المفيد للاعتبار به (^٤) وتحقُّقِ وقوعه؛ ليلزم من كثرة وقوع المعلوم كثرةُ العلم به، ومن دوامه دوام العلم (^٥).
﴿لَيَحْزُنُكَ﴾ قرئ بفتح الياء وضمها (^٦) من أَحْزنَ.
﴿الَّذِي يَقُولُونَ﴾؛ أي: كثيرًا ما نعلم حزنك من قولهم: ساحر كذَّاب، أو: كاهن، وأمثاله، فتسلَّ والْهُ عن حزنك.
﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ المراد بنفي تكذيبه ﵇: استعظامُ تكذيبه بجعله تكذيبَ الله تعالى، لا نفيُه حقيقة.
_________________
(١) هي قراءة نافع وابن عامر وحفص بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٢).
(٢) في (م) و(ك): "تغليب الحاضرين على".
(٣) في (ح): "وقوع مرات وقوع ".
(٤) في (ح) و(ف): "الابتداء والمعلوم المفيد للاعتبارية".
(٥) في (ك): "الفعل ".
(٦) قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي، والباقون بفتح الياء وضم الزاي. انظر: "التيسير" (ص: ٩٢).
[ ٣ / ٣٠٢ ]
﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ بل يكذِّبون الله تعالى بجحود آياته والاستهانة بكتابه، فتكذيبك تكذيبُه، ووَضْعُ (^١) الظَّاهر موضعَ الضَّمير تسجيلٌ (^٢) عليهم بالظُّلم، وأنَّ جحودهم مسبَّب عن تمرُّنهم وإفراطهم في الظُّلم.
والالتفاتُ في اسم الله تعالى بيانٌ لعظم ما ارتكبوه، والباء لتضمُّن الجحود معنى التَّكذيب.
وقرئ: ﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بالتخفيف (^٣)، من أكذبه: إذا وجده كاذبًا، أو نَسَبه إلى الكذب، ومعنى كذَّبه: جعله كاذبًا في زعمه (^٤).
روي أن أبا جهل كان يقول: ما نكذِّبك، وإنَّك عندنا لمصدَّق، وإنما (^٥) نُكذِب ما جئتنا به فنزلَتْ (^٦).
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "وضع ".
(٢) في (م) و(ك): "للتسجيل ".
(٣) وهي قراءة نافع والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٢).
(٤) في "البحر المحيط" (٩/ ١٢١) تفريق جيد بينهما قال ﵀: "فقيل: هما بمعنى واحد نحو كثَّر وأكثر. وفيل: بينهما فرق، حكى الكسائي أنَّ العرب تقول: كذَّبت الرجل إذا نسبت إليه الكذب، وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دون أن تنسبه إليه ". قلت: ولعل ما سيأتي في سبب النزول فيه إشارة لما ذهب إليه الكسائي.
(٥) في (ك): "وإنا".
(٦) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٢٤٦) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه. وانظر: "الكشاف" (٢/ ١٨)، و"البحر المحيط" (٩/ ١٢٣).
[ ٣ / ٣٠٣ ]
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ تسليةٌ لرسول الله ﷺ على التَّكذيب، ومبناها على وقوع التَّكذيب، فدلَّ هذا على أنَّ المعنى ما قدَّمناه (^١).
﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾؛ أي: على تكذيبهم وإيذائهم، قياس (^٢): واصبر كما صبروا؛ فإنَّ مع الصَّبر النَّصر.
﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ فيه إيماء إلى وعد النَّصر للصَّابرين.
﴿ا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّه﴾؛ أي: لمواعيده، من قولِه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ الآياتِ الثلاث [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: بعضُ أنبائهم وما كابدوا من مصابرة أعدائهم، ويجوز أن يكون الفاعل ضميرًا يعود على ما دلَّ عليه المعنى من الجملة السابقة؛ أي: ولقد جاءك هذا الخبر من تكذيب أتباع الرُّسل للرُّسل والصبر على الإيذاء إلى أن نُصروا، و﴿مِنْ نَبَإِ﴾ في موضع الحال، وذو الحال ذلك الضمير.
* * *
(٣٥) - ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ﴾: شقَّ وثقلَ.
﴿عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ عمَّا جئْتَ به.
_________________
(١) في (م) و(ك): "قدمنا".
(٢) في (م): "فقاس بهم ".
[ ٣ / ٣٠٤ ]
﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾: مَنفذًا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض فتُطْلع لهم آية.
﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، أي (^١): مصعدًا تصعد به إلى السماء فتُنزل منها آية، جوابُ ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾ محذوف، أي: فافعل، أي: إنك لا تستطيع ذلك، والمراد بيان حرصه وتهالُكه ﵇ على إسلام قومه.
والشرطية جواب الشَّرط الأوَّل، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صفةٌ لـ ﴿نَفَقًا﴾، أو متعلق بـ ﴿تَبْتَغِيَ﴾، وكذا ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ صفة لـ ﴿السَّمَاءِ﴾، أو متعلق بالفعل.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ولكن لم يشأ، فلا تتهالك على إيمانهم.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾: من الذين يجهلون ذلك وَيرومون خلافه؛ أي: لا تحرص على ما لا يكون، ولا تجزع في مقام الصبر، فإن ذلك من دأب الجهلة.
* * *
(٣٦) - ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾، أي: لا يستجيب دعوتك إلى الإيمان إلا الذين يسمعون فيفهمون ويتدبَّرون، دون الموتى، وهؤلاء الذين تحرص على إيمانهم موتى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠].
﴿وَالْمَوْتَى﴾ استعار (الموتى) للجهَّال؛ لأنَّ العلمَ حياةُ القلب، فالذين لا يسمعون إنما لا يسمعون لأنَّ قلوبهم موتى بالحقيقة.
_________________
(١) في (م) و(ك): "أو".
[ ٣ / ٣٠٥ ]
﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فيُعْلمهم حين لا ينفعهم الإيمان، وأنت لا تقدر على إعلامِهم.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ للجزاء.
* * *
(٣٧) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ (^١) عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ مع كثرة ما أنزل إليه من الآيات، لعدم اعتدادهم بها عنادًا كأنه لم ينزل عليه شيء، أو آيةٌ مما اقترحوها (^٢).
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ﴾ وقرئ بالتشديد (^٣)، على أن نزَّل بمعنى أنزل.
﴿آيَةً﴾ مما (^٤) اقترحوا، أو: آيةً إن جحدوها أخذهم العذاب، وهو من لوازم الآيات الملجئة (^٥).
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللّهَ تعالى قادر على إنزالها، ولكن يفعل على مقتضى حكمته.
* * *
(٣٨) - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.
_________________
(١) في جميع النسخ: "أنزل"، والمثبت موافق للتنزيل، ولم أجد قراءة توافق ما وقع في النسخ.
(٢) في (ك): "بما اقترحوا".
(٣) قرأ بالتخفيف ابن كثير، وقرأ الباقي بالتشديد. انظر: "التيسير" (ص: ٧٥).
(٤) في (ك): "بما".
(٥) في هامش (ف): "رد لمن أخذه مقابلًا لها. منه ".
[ ٣ / ٣٠٦ ]
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: تستقرُّ فيها، وفائدته: تحقيق المقابلة بينها وبين قرينها المقابل، فإن بعض الطير (^١) يتحرك على وجه الأرض إلا أنه لا يستقرُّ فيها (^٢).
﴿وَلَا طَائِر﴾ وقرئ بالرفع على المحل (^٣).
﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ تصوير لتلك الهيئة الغريبة الدَّالة على القوَّة الباهرة، والمقامُ مقامُ بيانِ كمالِ قدرته تعالى.
وقيل: إنَّه لقطعِ مجازِ السُّرعة، وقيل: للتَّعميم.
ويَرِدُ عليهما أنَّه لو قيل: (ولا طائرٍ في السماء) لكان أَخصرَ (^٤)، وفي إفادة ذَيْنِكَ الأمرين (^٥) أظهر، مع ما فيه من رعاية المناسبة بين القرينين بذكر جهة العلوِّ في أحدهما وجهة السُّفل في الآخر.
﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ محفوظةٌ أحوالُها، مقدَّرةٌ (^٦) أرزاقُها وآجالُها، والمقصودُ من ذلك: بيانُ كمالِ قدرته، وشمول علمه، وسعة تدبيره؛ ليكون كالدَّليل على أنه قادرٌ على أن ينزل آية، وحُمل ﴿أُمَمٌ﴾ على المعنى فجُمِعَ تقويةً للعموم المستفاد من وقوع النَّكرة في سياق النَّفي مصحوبة بـ ﴿مِنْ﴾ التي تفيد الاستغراق.
_________________
(١) في (م) و(ك): "الطائر".
(٢) في هامش (ف): "لا يلزم أن يكون لازمًا مساويًا لها حتى لا يصح المقابلة. منه ".
(٣) نسبت لابن أبي عبلة. انظر: "الكشاف" (٢/ ٢١)، و"البحر المحيط" (٩/ ١٤١).
(٤) في هامش (ف): "لو قيل: في السماء، لم يشمل أكثر الطيور لعدم استقرارها في السماء، ثم يجوز أن يقصد التصور مع قطع المجاز أو التعميم إذ لا تمانع. منه ".
(٥) في (ح) و(ف): " للأمرين ".
(٦) في (ف): "مقررة ".
[ ٣ / ٣٠٧ ]
ولمَّا دل بها على كمال قدرته وإحاطة علمه، أوعدهم على ما فَرَط منهم من الإنكار بقوله:
﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ وقرئ بالتَّخفيف (^١) ﴿فِي الْكِتَابِ﴾؛ أي: ما أغفلنا وما أهملنا في اللَّوح المحفوظ.
﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ما لم (^٢) نكتبْهُ ولم نبيِّنْه، أيَّ شيء كان، فلا بدَّ من كتابة أعمالكم وعقائدكم وأحوالكم.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: إلى ذلك القادر لا إلى غيره.
﴿يُحْشَرُونَ﴾ كلُّهم فيجازيهم، وإنما أجريت مجرى العقلاء لإطلاق الأمم عليهم، أو غلَّبَ العقلاء لكونهم المقصودين.
و﴿مِنْ﴾ مزيدة، و﴿شَيْءٍ﴾ في موضع المصدر، أو مفعولٌ به على تضمين فرَّط معنى أهمل أو أغفل.
والمقصود: أنَّ مَنْ يضبطُ أحوالَ الدَّوابِّ والطَّير كلِّها وأعمالَها، ويحشرها (^٣) فيُنصف بعضها من بعضٍ - كما روي أنه يأخذ للجمَّاء من القرناء (^٤) - ويجازي كلَّها، كيف يهملكم سُدًى (^٥).
وقيل: حشرُها موتها.
_________________
(١) نسبت إلى علقمة. انظر: "الكشاف" (٢/ ٢١)، و"البحر المحيط" (٩/ ١٤٥).
(٢) في (م): "مما لم ". وسقطت "لم " من (ف).
(٣) "ويحشرها": ليست في (م) و(ك).
(٤) رواه مسلم (٢٥٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بلفظ: "لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرْنَاءِ".
(٥) "سدى" من (ك) و(م).
[ ٣ / ٣٠٨ ]
ويردُّه أنَّ الحشرَ بعثٌ من (^١) مكانٍ إلى آخر، وتعديتُه بـ ﴿إِلَى﴾ تنصيصٌ على هذا المعنى.
* * *
(٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ خبرٌ ثالثٌ كناية عن عمَى البصيرة، ناظر (^٢) إلى ﴿عُمْيٌ﴾ (^٣) في قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]، وهذا أبلغ إن (^٤) جعلت ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ ظرفًا لهم، وجُمِعَتْ لاختلاف جهات الضلالة من الكفر والجهل والعناد والتقليد.
ولمَّا لخص من الدلائل القاطعة على ربوبيته وقدرته وعظمته، ووجوبِ التَّيقظ لِمَا أَوْعدَ عليه، والإقرارِ به وبالحشر= قال: والمكذِّبون بآياتنا صمٌّ وإلا (^٥) سمعوا كلام المنبِّه فاستيقظوا ورجعوا، وبُكْمٌ وإلا نطقوا بالإقرار بالحقِّ، خابطون في ظلمات أنواع الضَّلالة فلا ينتهون (^٦) لذلك ولا يتأمَّلون ويتفكرون (^٧)
_________________
(١) في (م) زيادة: "كل ".
(٢) في (م): "ناظرًا".
(٣) أي: واقع موقعه.
(٤) في (ك) و(م): "إذا ".
(٥) في (ح): "فما".
(٦) في (م): "يتنبهون ".
(٧) في (م): "ولا يتفكرون".
[ ٣ / ٣٠٩ ]
فيه، ثم أكَّد ما بيَّن (^١) مِنْ شدَّة جهلهم وعميهم (^٢) واحتجاجهم بقوله:
﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ إيذانًا بأنهم من أهل الطَّبع والختم، ومَن يُضللِ الله فلا هادي له (^٣).
﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ كان الظاهر أن يقال: (^٤) ومَن يشأ يَهْده، وإنما عدل عنه لأن هدايته تعالى - وهي إرشاد إلى الهدى - غيرُ مختصَّة ببعضٍ دون بعضٍ، بل عامَّةٌ للكلِّ.
* * *
(٤٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾: أخبِروني، لمَّا كان العلم سببَ الإخبار وضعَ طلبَ العلم موضعَ طلبِ الخبر، فصورتُه استفهامٌ، ومعناه الأمر، لاشتراكهما في الطَّلب.
والكاف حرف الخطاب، أكّد به الضَّمير للتأكيد، لا محل له من الإعراب، والفعل معلَّق، أو المفعول محذوف تقديره: أرأيتكم آلهتكم تنفعُكم إذ تدعونها.
﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ تعالى كما أتى مَنْ قبلَكم.
﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾: هولُها.
﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ تبكيتٌ لهم.
_________________
(١) في (ح): "بينه ".
(٢) في (ف): "عمهم "، وفي (ح): "عمههم ".
(٣) "فلا هادي له" من (ك) و(م).
(٤) في (م) و(ك): "يقول ".
[ ٣ / ٣١٠ ]
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ أنَّ الأصنام آلهة، وجوابه محذوف؛ أي: فادعوه.
* * *
(٤١) - ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾.
﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾: بل تخصُّونه بالدُّعاء، كما حكي عنهم في مواضع، وتقديم المفعول للتَّخصيص.
﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ وأرادَ أن يتفضَّل عليكم.
﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: آلهتكم التي تشركونها به تعالى، لمَا ركز في العقول أنَّه القادر على كشف الضُّرِّ دون غيره.
* * *
(٤٢) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: قبلك، و﴿مِنْ﴾ زائدة.
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ الفاء فصيحة؛ أي: كذَّبوا فكفروا (^١) الرُّسل فأخذناهم، والأخذُ: الإمساكُ بقوَّة وقهر، والمراد هاهنا مبالغةُ العقوبة والملازَمة (^٢).
﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾: البؤسِ والشدَّة (^٣) كالقحط والفقر.
﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: الضرِّ والآفات؛ وهما صيغَتا (^٤) تأنيثٍ لا مذكَّر لهما.
_________________
(١) " فكفروا " من (ك) و(م). وفي "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٦٢): (أي: فكفروا وكذبوا المرسلين فأخذناهم).
(٢) في (م): " والملامة ".
(٣) في (م): "الشدة".
(٤) في (ح) و(ف) و(ك): "صفتا"، وسقطت "وهما" من هذه النسخ، والمثبت من (م).
[ ٣ / ٣١١ ]
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾: يتذلَّلون لنا، ويتوبون عن الذُّنوب؛ فإنَّ البلاء يليِّن القلوب.
* * *
(٤٣) - ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ معناه: نفي التَّضرُّع في ذلك الوقت مع قيام (^١) الدَّاعي وعدم المانع، وذلك أنه لما جاء بـ ﴿فَلَوْلَا﴾ التَّحضيضيَّةِ الدَّاخلة على الماضي للتَّنديم دلَّت على أنه (^٢) لا مانع لهم من التَّضرع الذي اقتضاه الحال، ولما كان التَّضرع مِن لِين القلب كان المعنى: لم يتضرَّعوا ولم يَلينوا (^٣)، فاستدرك بقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فالاستدراك عن كلامٍ غير ملفوظٍ، بل مدلول عليه معنًى.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: لا مانع لهم من التَّضرع إلَّا قسوةُ قلوبهم، وشدَّةُ شكيمتهم في عنادهم، وإعجابُهم بأعمالهم التي زيَّنها لهم الشيطان.
* * *
(٤٤) - ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ من البأساء والضَّراء؛ أي: تركوا الاتِّعاظ به ولم ينزجروا.
_________________
(١) "قيام "سقط من (ك).
(٢) في (م) و(ك): "أن ".
(٣) في (ف) و(ك): "لم يلينوا"، وفي (ح): "ويلينوا"، والمثبت من (م).
[ ٣ / ٣١٢ ]
﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ المراد بـ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾: التَّكثيرُ، دون التَّعميم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].
والفتحُ المذكور تعبيرٌ عن تيسير مطالبهم الدُّنيويَّة؛ أي: امتحنَّاهم بالضرَّاء والسرَّاء، وابتليناهم بالشدَّة والرَّخاء؛ مخاشنةً (^١) وملاطفةً؛ إلزامًا للحجَّة وإزاحةً للعلَّة.
ويجوز أن تكون التَّوسعة عليهم مكرًا واستدراجًا؛ لِمَا روي في "مسند أحمد بن حنبل" عن عقبةَ بن عامر ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا رأيْتَ اللهَ يعطي العبدَ مِنَ الدُّنيا على معاصيه ما يحبُّ فإنَّما هو استدراج "، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الآية (^٢).
فالتَّوسعة قهرٌ خفيٌّ في صورة اللُّطف، كما أنَّ الأخذ بالبلاء لطفٌّ خفيٌّ في صورة القهر.
وقرئ ﴿فَتَحْنَا﴾ بالتَّشديد (^٣)، للتَّكَثير.
﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾: بَطِرُوا وأُعجِبُوا (^٤) ﴿بِمَا أُوتُوا﴾ من النِّعَم.
﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾؛ أي: أهلكنا هم فجأة، وهو أشدُّ الإهلاك، إذ لم يتقدَّم شعورٌ به فتُوطَّنَ النَّفس على لقائه.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "محاسنة".
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٧٣١١)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/ ٣٣٠)، وحسَّن إسناده العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (ص: ١٤٧٧).
(٣) وهي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٢).
(٤) في (ح) و(ف): "وعجبوا ".
[ ٣ / ٣١٣ ]
﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ المُبْلِسُ: الشَّديدُ الحسرة، والبائس الحزين.
* * *
(٤٥) - ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: استؤصلوا ولم يبقَ منهم أحد.
والدَّابر: التَّابع للشَّيء مِن خلفه، يقال: دَبَرَ الولدُ الوالدَ يَدْبُرُه دبرًا ودُبورًا (^١): إذا تَبِعه، ووُضع ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ موضع الضمير للتسبُّب (^٢)، أي: حَقَّ عليهم الدَّمار والعذاب بسبب تمادي ظلمهم وتناهيهِ حتى (^٣) لم يبقَ لهم مطمع في صلاحهم.
﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ على إهلاكهم، وفيه إيذان بأن إهلاك الظَّلمة من أجَلِّ النِّعَم وأحقِّها بأن يُحْمَد عليه؛ لأن وجودهم في الخلق بلاءٌ وعناءٌ، وشرُّهم متعدٍّ ومفسدةٌ دينًا ودنيا، فتخليص المؤمنين من شؤم أعمالهم وعقائدهم خيرٌ عظيمٌ ونعمةٌ سَنيَّةٌ.
* * *
(٤٦) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ لمَّا كان هذا التَّهديد أخفَّ من التَّهديد السَّابق اكتفى هنا بخطاب الضَّمير، ولم يؤكِّد بحرف الخطاب كما أكَّد (^٤) ثمَّة.
_________________
(١) "ودبورًا" زيادة من (ك).
(٢) في (ك): "للتسبيب ".
(٣) في (ك): "حين ".
(٤) في (م) و(ك): " أكده ".
[ ٣ / ٣١٤ ]
﴿سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾؛ أي: أصمَّكم وأعماكم.
﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾: غطَّى عليها ما يُذهِبُ فهمَكم وعقلَكم.
﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾؛ أي: بذلك، إجراءً للضَّمير مجرى اسم الإشارة، أو: بما أَخَذ وختم عليه، أو بأحد هذه المذكورات.
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نكرِّرها متنوعةً؛ تارة بالمقدِّمات والحجج العقليَّة، وتارة بالوعد والوعيد والتَّرغيب والتَّرهيب، وتارة بالتَّنبيه والتَّذكير بأحوال الأمم الماضية.
﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾: يُعرضون (^١)، و﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد الإعراض عن الآيات بعد تصريفها وظهورها، ولذلك قدَّم الضَّمير على الفعل المضارع وصيَّر الجملة اسمية؛ أي: هم المكرَّر عليهم الآيات متنوعةً لا غيرهم، يجدِّدون الإعراض دائمًا مع تجدُّد التَّصريف، فما أبعد حالهم عما فعلنا بهم!
* * *
(٤٧) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ لمَّا كان التَّهديد شديدًا جمعَ بين أداتَي الخطاب.
﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ لمَّا كانت البغتة هجومَ الأمر من غير ظهورِ أَمَارة وشعورٍ به تضمَّنَتْ معنى الخفيَة، فصحَّ مقابَلتها للجهرة، وبُدئ بها لأنها أردع من الجهرة، وإنَّما لم يقل: (خُفْيَة)؛ لأن الإخفاء لا يناسب شأنه تعالى، وقرئ بواو الجمع (^٢).
_________________
(١) "يعرضون" من (م) و(ك).
(٢) أي: بالواو العاطفة. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٤/ ٦٤).
[ ٣ / ٣١٥ ]
﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ معنى الاستخبارِ النَّفيُ؛ أي: ما يُهلك به هلاك سخط وقهر ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ بالإعراض عن الآيات عنادًا؛ لاستحقاقهم ذلك بإلزام (^١) الحجَّة وإزالة العذر.
وقرئ: (يَهْلِكُ) (^٢) من هلك.
* * *
(٤٨) - ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ للمطيعين بالجنَّة ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ للعاصين بالنَّار، وانتصابُهما على الحال، وفيهما معنى العِلِّيَّة؛ أي: أرسلناهم للتبشير والإنذار، لا لأنْ يُقْترَحَ عليهم (^٣) ويُسْتَهزأَ بهم.
﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ ما (^٤) يجب إصلاحُه مما شُرعِ لهم.
﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من العذاب ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوات الثَّواب.
* * *
(٤٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ جعل العذاب ماسًّا كأنه حيٌّ يَطلُبُ إيلامَهم بالوصول إليهم، واستغنى بالتَّعريف عن التَّوصيف.
_________________
(١) في (ف): " بالإلزام ".
(٢) نسبت لابن محيصن. انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٢٩٣)، و"الكشاف" (٢/ ٢٤).
(٣) أي: أن يقترح الكفار عليهم الآيات. انظر: "البحر المحيط" (٩/ ٦٨).
(٤) في (م): "أي ما"، وفي (ك): "أي ".
[ ٣ / ٣١٦ ]
﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب خروجهم عن التَّصديق والطَّاعة.
* * *
(٥٠) - ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾: جمع خزينة وخِزانة، وهي ما يُخْزن؛ أي: يُحْرز ويحفظ بحيث لا تناله الأيدي، وخزائن الله تعالى: مقدوراتُه؛ أي: لا أملك أن أفعل ما أريد مما تقترحونه (^١)، وليس المراد التَّبرِّيَ عن دعوى الألوهية وإلَّا لقيل: لا أقول لكم إنِّي إله، كما قيل: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وأيضًا في الكناية عن الألوهيَّة (^٢) بـ ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّه﴾ ما لا يَخْفَى من البشاعة، بل هو جوابٌ عن اقتراحهم عنه ﵇ أن يوسِّع عليهم خيرات الدنيا.
﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ عطف على ﴿وَلَا أَقُولُ﴾، فليس معمولًا له بل للأمر، ولذلك احتيج إلى إعادة ﴿وَلَا أَقُولُ﴾ في قوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ فإنَّه على تقدير العطف على ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ لا حاجة إلى إعادته، وإنما لم يأتِ فيه بنفي القول للفرق الدَّقيق بينه وبين قرينه، وهو أن مفهومَي ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ و﴿إِنِّي مَلَكٌ﴾ معلومان عند النَّاس فلا حاجة إلى نفيهما، إنَّما الحاجة (^٣) إلى نفي ادعائهما (^٤) تبرُّؤًا عن الدَّعوى الباطل بخلاف مفهوم ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾، فإنَّه كان مجهولًا عندهم، بل
_________________
(١) في (ح) و(ف): " اقترحوه ".
(٢) في (ح) و(ف): "عن دعوى الألوهية"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٤/ ٦٥)، و"روح المعاني" (٨/ ١٧٣).
(٣) "إلى نفيهما إنما الحاجة" زيادة من (م) و(ك).
(٤) في (ك) و(م): "إعادتهما "، وفي هامش (م) نسخة: " ادعايتهما ".
[ ٣ / ٣١٧ ]
كان الظَّاهر من حاله ﵇ الاطِّلاعَ على الغيب، فلذلك نسبوه إلى الكهانة، فالحاجة هنا إلى نفيه.
ثمَّ إنَّ هذا النَّفي تضمَّن الجواب عن قولهم: إنْ كنْتَ رسولًا فأخبِرْنا بما يقع في المستقبل من المصالح والمضارِّ، فنستعدَّ (^١) لتحصيل تلك ودفع هذه.
ونفيُ دعوى الملَكيَّة تضمَّن الجواب عن قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧].
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ في الدَّعاوى والأحكام (^٢) والإخبارات، ففيه تتميمٌ لِمَا قدَّمه (^٣) من نفي الأمور الثَّلاثة، وبيانُ أنَّ منزلته (^٤) الرِّسالةُ التي هي أقصى المنازل البشرية.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ مثلٌ للضَّال والمهتدي، أو العالم والجاهل، أو لمدَّعي المحال كالملَكية ومدَّعي الممكن الصَّحيح كالنُّبوة.
﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ فتهتدوا كالبصير، ولا (^٥) تكونوا ضالِّين كالأعمى، أو: فتعلموا أنِّي ما ادَّعيت إلا ما يصحُّ للبشر، وأنَّ اتِّباع الوحي واجبٌ، فتكونوا بُصراءَ لا عميانًا.
* * *
(٥١) - ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
_________________
(١) في (ك): "فتستعد".
(٢) في (م): " في الدعوى والأحكام "، وفي (ف): "في الدعاوى من الأحكام ".
(٣) في (م) و(ك): "تقدم ".
(٤) في (ف) و(ح): "منزلة".
(٥) "لا"سقط من (ك).
[ ٣ / ٣١٨ ]
﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾؛ أي: بما يُوحي.
﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾: هم المقرُّون بالبعث من المؤمنين المقصِّرِين في العمل، أو من أهل الكتاب، أو المتردِّدون (^١) فيه كالمشركين المستعدِّين الذين علم الله تعالى أن ينجع فيهم، دون المنكرين الجازمين بانتفائه.
﴿لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ في موضع النصب على الحال من ﴿يُحْشَرُوا﴾ (^٢)؛ أي: يخافون أن يحشروا غيرَ منصورين من أحد من دون الله تعالى، ولا مشفوعًا لهم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يحذرون سوء العاقبة، فيعملون عمل أهل التَّقوى، أو يؤمنون فيتَّقون.
ولمَّا أمر بالإنذار غيرَ المتَّقين ليتَّقوا، أمرَ بإكرام المتَّقين (^٣) وتقريبهم؛ تكميلًا لأمر التَّحريض على التَّقوى بالتَّرهيب والتَّرغيب، فقال:
(٥٢) - ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ﴾ وقرأ ابن عامر وحده بضم الغين وإسكان الدال وإثبات واوٍ (^٤) بعدها (^٥)، وفيه أنَّها معرفة، ولو كانت نكرةً لجاز فيها الإضافة كما جاز: غداة يوم الجمعة.
_________________
(١) في (ك) و(م): " المترددين ".
(٢) أي: من الضمير فيه، وهو الواو. ولفظ المؤلف منقول من "الكشاف" (٢/ ٢٦).
(٣) "ليتقوا أمر بإكرام المتقين" سقط من (ف)، و(ح).
(٤) في (م): "الواو".
(٥) انظر: "التيسير" (ص: ١٠٢).
[ ٣ / ٣١٩ ]
وقال أبو علي الفارسي: الوجه: الغداة؛ لأنها تستعمل نكرة وتعرَّف باللام، وأما غُدْوةٌ فمعرفة أبدًا، وهو عَلَمٌ صيغ له (^١).
وقال ابن خالويه في توجيهه: إن العرب تُدخل الألف واللام على المعرفة إذا جاؤوا بما فيه الألف واللام؛ ليزدوج الكلام (^٢)، قال الشاعر:
رأيتُ (^٣) الوليد بن اليزيد مباركًا (^٤)
فأدخل الألف واللام على (اليزيد) لمَّا جاور (الوليد).
ومنهم مَن قال: إنها (^٥) إنما تكون معرفة إذا أردتَ غدوةَ نهارك، وهاهنا لم يُردْ ذلك، وكان التعريف جنسيًّا (^٦).
وقال الجوهري: سِير على فرسِكَ غُدْوَةَ وغُدْوَةً [وغُدْوَةُ وغُدْوَةٌ] فما نوِّن من هذا فهو نكرة، وما لم ينوَّن فهو معرفة (^٧).
﴿وَالْعَشِيِّ﴾، أي: يعبدون الله تعالى دائمًا، فإنَّ المراد من (الغداة والعشي): الدَّوام على أكثر استعمالهما.
وقيل: يصلُّون الصُّبح والعصر.
_________________
(١) انظر: "الحجة للقراء السبع" لأبي علي الفارسي (٣/ ٣١٩).
(٢) انظر: "الحجة في القراءات السبع" لابن خالويه (ص: ١٤٠).
(٣) في (ف) و(ح): " وجدنا ".
(٤) صدر بيت لابن ميادة، انظر: "ديوانه" (ص: ١٩٢)، وعجزه: شديدًا بأعباء الخلافة كاهلُه
(٥) "إنها"ليست في (ك).
(٦) في (م): "حينًا".
(٧) انظر: "الصحاح" (مادة: غدا) وما بين معكوفتين منه.
[ ٣ / ٣٢٠ ]
وقَّت دعوتهم بالغداة والعشي؛ لأنها من الأعمال الظَّاهرة وهي مؤقَّتة، وأدام إرادتهم، فاستغرقت جميع أوقاتهم؛ لأنها من الأحوال (^١) الباطنة، وهي مؤبَّدة.
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ لا دنياهم بكرائمها، ولا عُقباهم بعظائمها، والوجه يعبَّر به عن ذات الشيء وحقيقته، والمراد بإرادة وجه الله تعالى: الإخلاص، رتَّب النَّهي على مواظبتهم على دعاء ربهم وعبادته مع الإخلاص؛ إشارة إلى أنها الموجِبةُ لإكرامهم، وأن مِلاك الأمر في العبادة الإخلاص، فلا يعتبَر بدونه.
لمَّا قصّر لهم لسان المعارَضة سكتوا متضرِّعين بقلوبهم بين يدي الله تعالى، داعين له بحسن الابتهال، فتولَّى ﷾ خصومَتهم فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ إلخ (^٢): لا تنظر يا محمَّد إلى خِرقتهم (^٣) على ظواهرهم، وانظر إلى حُرقتهم في سرائرهم، كانوا مستورين فشهَرهم الله تعالى.
قال الإمام أبو منصور: ذهب عامَّة أهل التَّأويل إلى أن النبيَّ ﵇ همَّ بطرد فقراء المسلمين طمعًا في إسلام رؤساء المشركين، فعاتبه الله في ذلك وأنزل (^٤) عليه هذه الآية. ولكنَّه بعيدٌ سمجٌ، ينسبون النبيَّ ﵇ إلى أقبح فعلٍ وأوحشه، ولا يحتمل أن يكون النبي ﷺ يقرِّب الأعداء ويبعد الأولياء، ولو فعل ذلك لوجد الكفرة عليه مطعنًا، يقولون: يدعو الناس إلى الإيمان والتَّوحيد
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(ح): "أحوال"، والمثبت من (م).
(٢) في (ح): "الآية".
(٣) في (ف) و(م): "حرفتهم"، وفي (ح): "حرقتهم". والمثبت من (ك) وهو الموافق لما في "لطائف الإشارات" (١/ ٤٧٥).
(٤) في (ح) و(ف): "رؤساء المشركين فأنزل الله".
[ ٣ / ٣٢١ ]
والاتِّباع له (^١)، فإذا فعلوا ذلك وأجابوه طردهم وأبعدهم، هذا لَعمري مدفوعٌ في عقل كلِّ عاقل، ولكن يجوز أن يكون طلبَ ذلك منه أولئك، فأمَّا أنْ يهمَّ هو به فلا، ويجوز أن يكون هذا من الله تعالى ابتداءَ تأديب وتعليم له في صحبة (^٢) أصحابه ﵃ ومعاملتهم، وإخبارًا عن قَدْرهم عنده (^٣).
﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ كقوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ (^٤) [الشعراء: ١١٣].
وذلك أن المشركين طعنوا في دينهم وإخلاصهم، فشهد (^٥) الله تعالى لهم بالإخلاص، وقال لنبيه ﵇: ما عليكَ من حسابهم من شيءٍ كما لا عليهم من حسابكَ من شيءٍ؛ أي: لا يلزمُك اعتبار بواطنهم وإخلاصهم (^٦) بعد اتِّسامهم بسيرة المتَّقين وصلاحِ ظواهرهم، إنما ذلك على الله تعالى أو عليهم، أَخلصوا أو لم يُخلصوا لا عليك، فحالهم في ذلك بالنسبة إليك كحالك بالنسبة إليهم سواءً لا يتعدَّى ذنب أحد إلى صاحبه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فالجملتان في تأدية المعنى المراد بمنزلة جملة واحدة.
وقيل: حساب رزقهم؛ أي: فقرهم.
_________________
(١) "له" سقط من (ح) و(ك).
(٢) في (ف): "صحبته".
(٣) انظر: "تفسير الماتريدي" (٤/ ٩١).
(٤) "لو تشعرون": ليست في (م) و(ك).
(٥) في (م): "وشهد".
(٦) "وإخلاصهم" من (م).
[ ٣ / ٣٢٢ ]
وقيل الضمير للمشركين؛ أي: لا يؤاخَذون بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يَهمَّك إيمانهم فتطرد المؤمنين لأجلهم.
﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جواب النَّفي؛ أي: ما عليك شيء من حسابهم فتطردهم.
﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ جواب النهي؛ أي: ولا تطردهم فتكون من الظالمين، وجوِّز (^١) عطفُه على ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ على وجه التَّسبُّب، ولا يساعده المعنى فإن الطرد إنما يستقيم جوابًا للنَّفي على تقدير أن يكون حسابهم عليه، وحينئذ لا يكون سببًا للظلم إلَّا أن يُقدَّرَ: فتطردهم بقول المشركين.
* * *
(٥٣) - ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الفَتْنِ العظيم، وهو اختلاف أحوال النَّاس في الدُّنيا ﴿فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾؛ أي: ابتلينا بعضَ النَّاس ببعض، فقدَّمنا فقراء المسلمين على أشراف قريش بالسَّبْقِ إلى الإيمان.
﴿لِيَقُولُوا﴾؛ أي: ليقول المشركون، اللام للعاقبة، وإنْ ضمِّن (فتناهم) معنى: خذلناهم، فللتعليل (^٢) على أصل القائلين بصحة تعليل أفعاله تعالى بالأغراض؛ أي: خذلناهم مفتونين ليقولوا، فكان افتتانُهم سببًا لهذا القول، فإنَّه لا يقوله إلا مفتون مخذول.
_________________
(١) "جواب النهي أي ولا تطردهم فتكون من الظالمين وجوِّز" سقط من (ف) و(ح)، وفيهما بدلا منه: "ويجوز"، والمثبت من (م) و(ك).
(٢) في (م): "فالتعليل".
[ ٣ / ٣٢٣ ]
﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ إشارة إلى أولئك المؤمنين واستحقارٌ لهم، كقولهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١].
﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾؛ أي: أنعم الله عليهم من بيننا (^١) بالتَّوفيق لمَا يُسْعِدهم عندَه من الإيمان وإصابة الحقِّ من دوننا، ونحن الرُّؤساء والمقدَّمون، وهمُ الضُّعفاء والعبيد؟ وهو إنكار منهم لأن يكون أمثالهم على الحقِّ وممنونًا عليهم بالخير دونهم، كقولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١].
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ الاستفهام للتقرير؛ أي: الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفِّقه لذلك، وبمن لا يقع منه فيخذله.
* * *
(٥٤) - ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ هم الذين يَدْعون ربهم، وصَفهم بالمواظبة على الطَّاعة، ثمَّ بالإيمان بالله وآياته من الحجج والبيِّنات بعد النَّهي عن طردهم، ثم أمَره ﵇ بقوله:
﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ بأنْ (^٢) يبدأ بالتسليم عليهم، أو يبلِّغَ سلام الله تعالى إليهم، ويبشِّرهم بسَعَة رحمته وفضله عليهم، وأن الله تعالى التزم لهم ذلك إيذانًا بأنهم الجامعون لفضيلَتِي العلم والعمل، ومَن كان كذلك وجب إعزازه وإكرامه، وأن يبشَّر مِنَ الله تعالى بالسَّلامة في الدُّنيا والرَّحمة في الآخرة.
_________________
(١) "أي: أنعم الله عليهم من بيننا" سقط من (ك).
(٢) في (ح) و(ف): "بأنه".
[ ٣ / ٣٢٤ ]
وقيل: إنَّ قومًا جاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: إنَّا أصبنا ذنوبًا عظامًا، فلم يردَّ عليهم شيئًا، فانصرفوا، فنزلَتْ (^١).
﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا﴾ استئناف وتفسير للرَّحمة (^٢)، وقرئ بالفتح (^٣) على البدل منها.
﴿بِجَهَالَةٍ﴾ في موضع الحال؛ أي: عملَه وهو جاهل، أو ملتبسًا بجهالة.
﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعد العمل السُّوء.
﴿وَأَصْلَحَ﴾ بالتَّدارك والعزم على أن لا يعود إلى مثله.
﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فتَحه مَن فتَح الأول (^٤) - غير نافع (^٥) - على إضمار مبتدأ أو خبر؛ أي: فأمرُه أو: فله غفرانُه (^٦).
* * *
(٥٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك التفصيلِ البيِّن ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: آياتِ القرآن في وصف المطيعين والمجرمين، الأوَّابين منهم والمصرِّين.
_________________
(١) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٩٠).
(٢) في (م) و(ك) و(ح): "تفسير الرحمة".
(٣) وهي قراءة عاصم وابن عامر ونافع ويعقوب. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٢)، و"النشر" (٢/ ٢٥٨).
(٤) في (م) و(ك): "الأولى".
(٥) يعني أن نافعًا قرأ بالكسر. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٢).
(٦) انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي (٣/ ٣١٢)، وفيه شرح هذا الكلام حيث قال: (وأمّا فتحها بعد الفاء من قوله: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فعلى أنَّه أضمر له خبرًا تقديره: فله أنَّه غفور رحيم، أي: فله غفرانه، أو أضمر مبتدأ يكون أنَّ خبره، كأنَّه فأمره أنَّه غفور رحيم".
[ ٣ / ٣٢٥ ]
﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ استبان يجيء لازمًا ومتعديًا كتبيَّن، وقرئ بالتاء والياء مع رفع السَّبيل؛ لأنها تذكر وتؤنث، وقرئ بالتاء ونصب السبيل على خطاب الرَّسول ﵇ (^١).
وهو إمَّا عطفٌ على علَّةٍ محذوفةٍ؛ أي: ليَظهر الحقُّ ولتستبين، أو علةٌ لمحذوفٍ؛ أي: ولتستبين سبيل المجرمين فصَّلنا ذلك التَّفصيل.
واكتفى بذكر ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ليتبيَّن سبيلُ غيرهم منه، ولم يعكس؛ لأنَّ ذِكْرَه أهمُّ، والنَّفس إلى التَّرهيب أطوع منها إلى التَّرغيب.
* * *
(٥٦) - ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾ صُرِفْتُ وزُجِرْتُ بنور فطرتي وصفاء عقلي، وبما أُوْحِيَ إليَّ ونُصِبَ لي من الدَّلائل ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: عن (^٢) عبادة ما تعبدون من دون الله أو تدَّعونها آلهة.
﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ تأكيدٌ لقطع أطماعهم، واستجهالٌ لهم، واستركاكٌ لعقولهم، وإشارةٌ إلى علَّة النَّهي ومُوجِب الامتناع عن مشايعتهم (^٣)، وبَيانٌ لسبب
_________________
(١) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بالياء والباقون بالتاء، وقرأ نافع: (سبيلَ المجرمين) بنصب اللام والباقون برفعها. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٣).
(٢) في (م) و(ك): "من".
(٣) في (م): "متابعتهم".
[ ٣ / ٣٢٦ ]
ضلالتهم، وذمٌّ لطريقتهم، وأنَّ ما هم عليه مجرَّد هوًى فارغٌ عن (^١) الدَّليل، مخالفٌ لمقتضى (^٢) العقل، ومعنى:
﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ إن اتَّبعتكم فقد ضللت؛ لأنَّه مركوزٌ في العقل أنَّ كلَّ من اتَّبعَ الهوى فهو ضالٌّ، وفيه تنبيهٌ على أنَّ كلَّ مَنْ طلبَ الحقَّ فلْيَجتنبِ الهوى، وليتمسَّك بالحجَّة، وليلزم طريقَ العقل فإنه الهدى، ثمَّ أكَّده بقوله:
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ على الجملة الاسميَّة الدَّالة على المنافاة الكليَّة بين متابعة الهوى والهدى، مع المبالغة بناءً على أنَّ ﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أبلغ من: مُهتدٍ، وهو أبلغ من اهتدى، وأنَّ القيدَ دخلَ النَّفيَ؛ أي: وما أنا من الهدى في شيء ما دمْتُ أنا أنا؛ يعني: أنتم كذلك، وفيه غايةُ التَّنفير عن طريقتهم.
ولما بالغ في نفي كون الهوى متَّبعًا نبَّه على ما يجبُ اتِّباعه بقوله:
(٥٧) - ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾.
﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ البيِّنة: الحجَّة الواضحة التي تفصِل الحقَّ عن الباطل، فقَيْدُ الوضوح معتبرٌ في مفهومِها، لا مستفادٌ من التَّنكير، وهي أعمُّ من أن تكون وحيًا، أو دليلًا عقليًّا، أو كشفًا.
﴿مِنْ رَبِّي﴾ متعلِّقٌ بالظَّرف، أو صفةٌ لـ ﴿بَيِّنَةٍ﴾؛ أي: إنِّي من معرفةِ ربي ووحدانيَّته على يقين وحجَّة واضحة.
_________________
(١) في (م): "من".
(٢) في (ح) و(ف): "مقتضى".
[ ٣ / ٣٢٧ ]
﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: بربي حيث أشركتم به غيره، أو بالبيِّنة حملًا على المعنى، وهو القرآن.
﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾؛ يعني: العذابَ الذي استعجلوه بقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ في تأخير العذاب، لا لي، وإلَّا عجَّلته.
﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ في كلِّ ما يرجعُ إليه (^١) من التَّعجيل والتَّأخير، ﴿الْحَقَّ﴾ صفة للمصدر؛ أي: القضاءَ الحق، أو مفعولٌ به؛ أي: يصنعُ الحقَّ، من قولهم: قضى الدِّرع: إذا صنعها، فيرجع إلى القراءة الثَّانية معنى.
قال الزَّجَّاج: هذه كتبت هاهنا بغير ياء على اللَّفظ؛ لأن الياء سقطت لالتقاء السَّاكنين، كما كتبوا: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] (^٢).
وقرئ: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ (^٣)؛ أي: يَتَّبع ما هو الحقُّ، مِن قصَّ أثرَه: إذا اتَّبعه (^٤)، لا من قصَّ الخبر؛ لعدم ملاءمته ما في السِّباق واللحاق من الحكم والفصل.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾؛ أي: القاضِينَ، وأصل القضاء: الفَصْلُ بين الحقِّ والباطل.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(ح): "به".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٥٦) ..
(٣) هي قراءة عاصم ونافع وابن كثير، وقرأ باقي السبعة بالأولى، أي: (يقضِ). انظر: "التيسير" (ص:١٠٣).
(٤) في (م): "تبعه".
[ ٣ / ٣٢٨ ]
(٥٨) - ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾.
﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي﴾؛ أي: في قدرتي ووسعي (^١) ﴿مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذاب.
﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: لأهلكتُكم عاجلًا غضبًا (^٢) لربي، وانقطع ما بيني وبينكم، استعظامٌ (^٣) لتكذيبهم؛ أي (^٤): أنتم إذ كذَّبتم بما هو أبينُ شيءٍ أحِقَّاءُ بأن تغافَصْتُم (^٥) بالعذاب المستأصِل، لكنَّه لا قدرةَ لي، ولو كان عندي أشدُّ العذاب لأوقعْتُه بكم (^٦) معجَّلًا.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ تسجيلٌ عليهم بأنَّ الشِّركَ الذي هم عليه أعظمُ (^٧) الظُّلم، والظُّلم مُوجِبٌ لاستحقاق العذاب، لكنَّ اللهَ أعلمُ بما يجب من عذابهم وبوقته (^٨).
* * *
(٥٩) - ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "ووسعتي".
(٢) في (ك): "لأهلكنكم غضبًا عاجلًا"، والمثبت من باقي النسخ و"الكشاف" (٢/ ٣٠).
(٣) في (ح): "استعظامًا".
(٤) في (ف) و(ح): "إذ".
(٥) في (م): "بأن يعاجلكم". وانظر: "الكشاف" (٢/ ٣٠). والمغافصة: الأخذ على غِرَّةٍ.
(٦) "بكم": ليست في (م) و(ك).
(٧) في (م) و(ك): "أظلم".
(٨) في (ف) و(ح): "يوقته".
[ ٣ / ٣٢٩ ]
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ المفاتح: جمع مَفْتَح بفتح الميم، وهو المخزن الذي يُفتَح ويُغلَق، أو جمع مِفْتَح بكسرها، وهو المفتاح، ويؤيده قراءةُ مَن قرأ: (مفاتيح) (^١)، استعار المفاتح (^٢) لِمَا أَوْدعَ فيه الغيبَ من خزائنه، أو لِمَا يُتوصَّل به إليه، وخُصِّصَتْ به بتقديم الظَّرف؛ لأنَّه لا اطِّلاع [لأحد] (^٣) عليه ولا يُمْكِنُه التَّوصلُ إليه.
﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: هو المطَّلع على مكامن غيبه وحده، أو هو ما به يتوصل إليه، كأنَّه في مخزن (^٤) مغلَقٍ أبوابُه، لا يعلم أحدٌ مفاتيحه إلا هو؛ أعني: أسبابَه التي توجِب إحداثه وإظهاره في عالم الشَّهادة؛ أي: يعلم أوقاتها وما في تأخيرها وتعجيلها من الحكمة، فيُظهرها على ما اقتضته مشيئتُه بحسَب حكمته، وهذا الوجه أنسب لِمَا قبله.
وقيل (^٥): فيه دليل على علمه تعالى بالأشياء قبل وقوعها.
وَيرِدُ عليه أنَّ علمه تعالى ليس بزمانيٍّ، فلا قَبْليَّة بينه وبين الأشياء الواقعة في الزَّمان.
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ كما يعلم ما في الغيب كلِّه يعلم ما في الشَّهادة كلِّها.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٣١)، ونسبت لابن السميفع كما في: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٥٤٠)، و"البحر المحيط" (٩/ ١٩٩).
(٢) في (م) و(ك): "المفتاح".
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) في (ح) و(ف) و(ك): "مخدع".
(٥) في (م): "قيل".
[ ٣ / ٣٣٠ ]
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾؛ أي: هو المطَّلعُ (^١) تأكيد لعلمِه بالجزئيَّات ممَّا في البر والبحر.
﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ أرادَ: ظلمةَ بطنها، وظلمةَ داخل الشَّجر، وظلمةَ جوف الثَّمر، عبَّرَ بالحبَّة الموصوفة بهذه الصِّفة عمَّا هو في مبدأ أمره من جنس النَّامي، وبالورقة السَّاقطة عما بلغ منتهى شأنه منه.
﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ معطوفان (^٢) على ﴿وَرَقَةٍ﴾، وقوله:
﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ كالتَّكرير لقوله: ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾؛ لأن معناه ومعنى ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ متَّحدٌ، أما (^٣) إذا أريد بـ (الكتاب المبين) علمَ الله تعالى فظاهر، وأما إذا أريد به اللَّوح المحفوظ فلأن كونه فيه (^٤) كنايةٌ عن كونه من جملة معلوماته تعالى، فهو آيلٌ إليه في المعنى.
وقرئت بالرفع (^٥) على العطف على محل ﴿مِنْ وَرَقَةٍ﴾، أو على الابتداء، والخبر: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
* * *
(٦٠) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
_________________
(١) "أي هو المطلع" من (م).
(٢) في (م) و(ك): "معطوف"، وفي (ف): "معطوفات"، والمثبت من (ح).
(٣) في (م): "واحد أما"، وفي (ك): "واحد وأما".
(٤) "فيه" من (ك) و(م).
(٥) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٧١)، و"الكشاف" (٢/ ٣١)، و"البحر المحيط" (٩/ ٢٠٣).
[ ٣ / ٣٣١ ]
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ في وقت النَّوم، وإنما عبَّر عنه بـ (الليل)، وعن وقت الكسب بـ (النَّهار)؛ لأنهما معظم (^١) أوقاتهما، أو خصَّهما بالذِّكْر جريًا على ما هو المعتاد، واستعير (^٢) التَّوفِّي من الموت للنَّوم لمشابهته إيَّاه في زوال الإحساس والتَّمييز (^٣) به، وأصله: قبض الشيء بتمامه.
﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾: ما كسبتم فيه، ومنه إطلاق الجوارح للأعضاء الكاسبة، والواو حالية لا ناسقة (^٤)، وإلَّا لَأُخِّرَتْ عن قوله:
﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾: في النَّهار، والبعث: الإثارة، لا الإيقاظ، غايتُه بعث النائم يكون بإيقاظه، فلا ترشيح فيه للتَّوفِّي.
﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ في علم الله تعالى، وقضاءُ الأجل: فصلُ مدَّة العمر من غيرها، ويلزمه البلوغ إلى نهاية تلك المدة، وهو المراد (^٥) هاهنا.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ بالبعث بعد الموت، والمراد: الرجوع إلى موقف (^٦) حسابه تعالى.
﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ﴾: يخبرُكم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الخير والشر، فهذا وعدٌ ووعيدٌ.
وقيل: الخطابُ للكفرة، والمعنى: إنكم مُلقَون كالجيف في اللَّيل وكاسبون للآثام في النَّهار، وإنه تعالى مطَّلع على أعمالكم، يبعثكم من القبور في شأن ما قطعتم
_________________
(١) في (م) و(ك): "معظمًا".
(٢) في (م): "وقد استعير".
(٣) في (ف) و(ح) و(م): "التميز"، والمثبت من (ك).
(٤) في (م): "حالية ناسقة"، وقال في الهامش: "لا عاطفة".
(٥) في (م) و(ك) زيادة: "بقوله".
(٦) "موقف" من (ك) و(م).
[ ٣ / ٣٣٢ ]
به أعماركم من الغفلة والمعاصي في اللَّيل والنَّهار؛ ليقضي المدة التي ضربها لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم، ثم إليه مرجعكم بالحساب، ثم يخبركم بأعمالكم بالجزاء.
وعلى هذا يكون الضمير في ﴿فِيهِ﴾ عائدًا إلى مضمون كونهم متوفَّين (^١) وكاسبين، وتكون (في) بمعنى لام التعليل، والأجلُ المسمَّى مدة الكون، ولا يخفى ما فيه من التَّعسُّف المُسْتَغنَى عنه بما قُدِّمَ من الوجه الظَّاهر.
* * *
(٦١) - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾.
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ قد مرَّ تفسيره في هذه السورة (^٢)، قدَّمه على ذكر إرسال الحَفَظة؛ ليُعْلم أنَّ إرسالهم لم يكن لحاجته (^٣) إلى ذلك؛ لأن المحتاج لا يكون قاهرًا، بل لحكمة، وهي أنْ يكونَ العبادُ على حذرٍ، وهذا أبلغ في الزجر؛ لأن مَنْ علمَ أنَّ عليه رُقباءَ كانَ أجدرَ بالحذر؛ فإنَّ العبد إذا وثق بلطف مولاه، واعتمد على عفوه، لم (^٤) يحتشم منه احتشامه من خدَمه المتطلِّعين (^٥) عليه.
_________________
(١) في (ح): "مستوفين"، وفي (ف): "مستوفون"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٤/ ٧٤)، و"روح المعاني" (٨/ ٢١٠).
(٢) في هامش (ح): "في تفسير البغوي: القاهر: الغالب، وفي القهر زيادة معنى على القدرة، وهو منع غيره عن بلوغ المراد".
(٣) في (م) و(ك): "لحاجة".
(٤) في (ح) و(ف): "لم يكن".
(٥) في (ف): "المطلعين".
[ ٣ / ٣٣٣ ]
﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ الجمهور على أنهم حفظةُ الأعمال، وقيل: إنهم الذين يحفظون أنفاس الخلق وَيعدُّونها إلى وقت انقضائها، ثم يقبضون الرُّوح، ويناسبه ما بعده.
و﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿يُرْسِلُ﴾، كما في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾ (^١) [الرحمن: ٣٥]، وهم لتمكُّنهم منَّا جُعِلوا مستولين علينا.
ويجوز تعلُّقه بـ ﴿حَفَظَةً﴾؛ أي: حافظين عليكم.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي: أسبابُه ﴿تَوَفَّتْهُ﴾: قبضَتْ روحَه، وقرئ بألفٍ ممالة (^٢).
﴿رُسُلُنَا﴾ جاء جمعًا، عُني (^٣) به ملك الموت وأعوانه، وفي عبارة ﴿رُسُلُنَا﴾ إشارةٌ إلى أن ذلك بأمرِه تعالى، ولذلك أسنده إلى نفسه في موضعٍ آخر، وقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ جملة حالية أو استئنافية، قرئ بالتشديد والتخفيف (^٤)، فالتَّفريطُ: التَّواني والتَّأخير عن الحد، والإفراطُ: مجاوزةُ الحدِّ؛ أي: لا ينقصون مما أُمروا به ولا يزيدون فيه.
* * *
_________________
(١) بعدها في (م): "من نار".
(٢) وهي قراءة حمزة. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٣).
(٣) في (ح) و(ف): "جاؤوا جميعا يعني".
(٤) التشديد قراءة الجمهور، والتخفيف تنسب للأعرج. انظر: "المحتسب" (١/ ٢٢٣)، و"البحر المحيط" (٩/ ٢١٠).
[ ٣ / ٣٣٤ ]
(٦٢) - ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.
﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ فيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، ومن التَّكلم إليها، وذلك لأن الردَّ يناسبه اعتبار (^١) الغيبة وإن لم تكن حقيقة، فإنهم ما غابوا عن قبضته (^٢) لحظة، ولا خرجوا عن (^٣) حُكْمِه نظرةً ولا لفظةً، فالردُّ من البرزخ إلى موقف العرض للسؤال والجواب.
﴿مَوْلَاهُمُ﴾: الذي يتولَّى أمرهم، والمراد منه في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] معنى المعين والنَّاصر، فلا منافاة.
﴿الْحَقِّ﴾: العدل الذي لا يحكمُ إلَّا بالحق، وقرئ بالنَّصب على المدح (^٤).
﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ يومئذ لا حكمَ لغيره فيه.
﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ إذ لا يشغلُه حساب عن حسابٍ، ولا لبث في السؤال والجواب.
* * *
(٦٣) - ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي، وقرئ بالتَّخفيف (^٥).
_________________
(١) "اعتبار" سقط من (ك).
(٢) في (ح) و(ف) و(م): "قبضه".
(٣) في (ف) و(ح): "من".
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣٧)، و"الكشاف" (٢/ ٣٢)، و"البحر المحيط" (٩/ ٢١٢).
(٥) هي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
[ ٣ / ٣٣٥ ]
﴿مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: من شدائدهما، استُعِيْرَت الظُّلمة للشِّدَّة للمشاركة بينها وبين معنى الظُّلمة في الهول وإبطال الأبصار، فقيل لليوم الشديد: يومٌ مظلِم، ومن جملة تلك الشدائد الخسفُ في البر، والغرقُ في البحر.
﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ مظهرين بلسان (^١) الضراعة وهي شدَّةُ الفقر والحاجة إلى الشيء، ومسرِّين الطلب على وجه الإخلاص بالقلب.
أو: إظهارًا وإسرارًا.
وقرئ: (خِفْية) بالكسر (^٢).
﴿لئن أنجيتنا﴾ وقرئ: ﴿أَنْجَانَا﴾ (^٣)؛ ليوافق قوله تعالى: ﴿تَدْعُونَهُ﴾.
﴿مِنْ هَذِهِ﴾ إشارة إلى الظُّلمات.
﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ جواب القسم المحذوف، ولا حاجة إلى تقدير القول؛ لدلالة ﴿تَدْعُونَهُ﴾ عليه.
* * *
(٦٤) - ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾.
﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف (^٤).
﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ عبارة ﴿كُلِّ﴾ للمبالغة في التَّكثير المناسِبة للمقام (^٥)، فإنَّ كلَّ نَفْسٍ عند كُلِّ نَفَسٍ في مَعرض الآفات التي لا تعدُّ ولا تحصى، والله تعالى ينجيها
_________________
(١) في (ح) و(ف) و(ك): "باللسان".
(٢) وهي قراءة أبي بكر. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٣).
(٣) هي قراءة الكوفيين: حمزة والكسائي وعاصم. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٣).
(٤) الكوفيون وهشام عن ابن عامر قرؤوا مشددًا والباقي مخففًا. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٣).
(٥) في (م): "لمناسبة المقام".
[ ٣ / ٣٣٦ ]
منها، وهي نعمة الدَّفع، قلَّما يتنبَّه لها الإنسان، والأُولى نعمة النَّفع، وهي ونعمة الدَّفع (^١) ظاهرتان، وتعذَّر الخروج عن عهدة الشُّكر لعدم إمكان التَّذكُّر (^٢) لأفراد النَّوع الأول بتفاصيلها؛ لأنَّ الشُّكرَ على النِّعمة نعمةٌ أخرى.
ثم إنَّ الكلام المذكور على طريقة ذِكْر أحد الفعلين، وعطف متعلَّق المحذوف على المذكور على حسب ما يقتضيه لفظه (^٣)، حتى كأنَّه شريكه في أصل الفعل؛ إجراءً لأحد المتقاربَين مجرى الآخر، كقولك: تقلَّدْتُ (^٤) السَّيف والرُّمح.
الكربُ: الغمُّ الشَّديد، أصلُه من كَرْب الأرض، وهو قَلْبُها بالحَفْرِ، فالغمُّ إذا اشتدَّ يثيرُ النَّفس إثارةَ ذلك.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: لا تُخلِصون حين تتخلَّصون، ولا تشكرون بل تشركون.
و﴿ثُمَّ﴾ استبعادٌ لشركهم (^٥) مع إقرارهم بأنَّه لا يكشفُ الضرَّ إلا الله تعالى، ووضع ﴿تُشْرِكُونَ﴾ موضعَ (لا تشكرون) مبالغة؛ لأنَّ مَنْ يشركْ بالله تعالى فهو في غاية البعد مِنْ شُكْرِه.
* * *
_________________
(١) في (ح): "والأولى نعمة الدفع، وهي ونعمة الدفع"، وفي (ك) و(م): "والأولى نعمة الدفع، وهي ونعمة النفع"، وفي (ف): "والأولى نعمة الرفع، وهي ونعمة الدفع"، ولعل المثبت هو الصواب. وفي (م) و(ك): "ونعمة النفع".
(٢) في (ف): "التذكير".
(٣) في (ف) و(م) و(ح): "لفظة"، والمثبت من (ك).
(٤) في (ح): "كقولهم: تقلدت"، وفي (ف): "كقولهم: لم تقلدت".
(٥) في (ف): "إشراكهم".
[ ٣ / ٣٣٧ ]
(٦٥) - ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾.
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾؛ أي: هو الذي عرفتموه أنَّه الكامل في القدرة الذي لا قدرةَ لأحدٍ سواه، ومعنى الآية الوعيدُ بأحد أصناف (^١) العذاب المذكورة.
﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ كما أمطر (^٢) على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ كما خسف بقارون وأغرق فرعون. أو من الجهتين معًا كطوفان نوح ﵇.
وقيد ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ لقطع المجاز، كما في ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
ولك أن تقول: أُريدَ بالأوَّل ظلمُ السَّلاطين، وبالثَّاني تسلُّط (^٣) السَّفِلة، وبالثَّالث الهَرْج والمرج (^٤)، ولما كان بين هذه الثلاثة منع الجمع بحسب العادة أتى بأداة التَّعريف.
﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: فِرَقًا، بأن يخلط أمرهم خلْطَ شِقاق لا وِفاق، فيجعلهم مختلفي الأهواء ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: يقاتل بعضكم بعضًا، نعوذ بالله من الفِتن ما ظهرَ منها وما بطنَ.
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾: نحوِّلها من نوعٍ إلى آخر من أنواع الكلام تقريرًا للمعنى، وتقريبًا إلى الفهم.
_________________
(١) في (ك): "بأصناف".
(٢) في (م) و(ك): "أمطرنا".
(٣) في (ف): "تسليط".
(٤) "والمرج" سقط من (ك).
[ ٣ / ٣٣٨ ]
وقيل: بالوعد والوعيد، ولا يناسبُه قولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾.
* * *
(٦٦) - ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾.
﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن ﴿قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ حال من الضمير في ﴿بِهِ﴾، أو استئناف، أخبرَ بأنَّ القرآن الصدق.
﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: بحفيظ، وُكِلَ إليَّ أمرُكم أمنعكم من (^١) التَّكذيب إجبارًا، إنما أنا منذرٌ، واللهُ الحفيظُ.
* * *
(٦٧) - ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾ النَّبأ: خبرٌ ذو خطرٍ.
﴿مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أي: لكلِّ شيءٍ يُنبَّأُ به (^٢) في القرآن وقتُ استقرارٍ وحصولٍ لا بدَّ منه.
﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عند وقوعه في الدُّنيا والآخرة، وهذا كقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨].
* * *
(٦٨) - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ بالاستهزاء بها، والطَّعن فيها، والخوضُ أصلُه
_________________
(١) في (ك): "عن".
(٢) "به": ليست في (م) و(ك).
[ ٣ / ٣٣٩ ]
في الماء، ثم استُعمِلَ بطريق الاستعارة في غمرات الأشياء التي هي مجاهل؛ تشبيهًا لها بغمرات الماء.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أمرَهَ ﵇ بعدمِ التَّوجُّهِ إليهم، وتركِ الإقبال عليهم، ويلزمه النَّهي عن مجالستهم بطريق المبالغة.
﴿حَتَّى يَخُوضُوا﴾: إلى أن يخوضوا ﴿فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾: غير القرآن، وليس هذا من قَبيل عود الضَّمير على الآيات باعتبار المعنى، بل من قَبيل عودِه إلى ما عُلِمَ من سِياقِ الكلام.
﴿وَإِمَّا﴾ (ما): زائدة بعد (إنْ) الشَّرطيَّة، وما أحسنَ مجيءَ الشرط الأول بـ (إذا) التي هي للمحقَّق أو غالب الوقوع، ومجيءَ هذا الشَّرط بـ (إنْ) التي هي (^١) للمشكوك.
﴿يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾: وإن شغَلَكَ بوسوسته (^٢) حتى تنسى النَّهي عن مجالستهم.
وقرئ: ﴿يُنْسِيَنَّكَ﴾ بالتشديد (^٣).
﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾: فقم كما ذَكَرْتَ (^٤).
﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: معهم، فوضع الظَّاهر موضعه دلالةً على أنهم ظَلموا بوضعهم التَّكذيب والاستهزاء موضع التَّصديق والاستعظام.
* * *
_________________
(١) "هي" سقط من (ف) و(ح).
(٢) في (ح) و(ف) و(م): "بوسوسة".
(٣) وهي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٣).
(٤) في "الكشاف" (٢/ ٣٥): "بعد أن تذكر النَّهي".
[ ٣ / ٣٤٠ ]
(٦٩) - ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: وما على المتقين الذين يجالسونهم.
﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾: مما يحاسبون عليه من ذنوبهم واستهزائهم.
﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: مَن كان نقيَّ الثَّوب عن ارتكاب الآثام كانَ بمعزلٍ يوم النُّشور عن ملاقاة الآلام.
﴿وَلَكِنْ﴾ عليهم أن يذكِّروهم ﴿ذِكْرَى﴾ - إذا سمعوهم يخوضون فيها - بالموعظة والنَّهي، ثم القيامُ وإظهار الكراهة، فـ ﴿ذِكْرَى﴾ نصبٌ على المصدر، ويجوز أن يكون مرفوعَ المحل؛ أي: عليهم ذكرى.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: يجتنبون الخوض حياءً أو كراهةً لمساءتهم، ويجوز أن يكون الضمير لـ ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾؛ أي: لعلهم يثبتون على التَّقوى ويزدادون منها (^١).
ولا يجوز عطفه على محل ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأن ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ يأباه؛ لأنَّه حال من ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ قُدِّمَ عليه، فصار قيدًا للعامل، فإذا عطف ﴿ذِكْرَى﴾ عليه (^٢) كانت جهة القيد معتبرةً فيه بحكم الاستعمال في عطف المفرد على المفرد، لا سيَّما بحرف الاستدراك، فيؤول المعنى إلى أنَّ عليك (^٣) من حسابهم ذكرى، وذكرى ليس من حسابهم (^٤).
_________________
(١) في (ف) و(ح): "ويزدادونها".
(٢) أي: على ﴿شَيْءٍ﴾. انظر: "نواهد الأبكار" للسيوطي (٣/ ٣٦١).
(٣) في (ح) و(ف): "عليك"، والمثبت هو الموافق لما في المصدر السابق.
(٤) من قوله: "فإذا عطف ذكرى .. " إلى هنا جاءت في (ح) و(ف) بعد قوله: "المسجد الحرام فنزلت"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في المصدر السابق. وجاء في هامش (م): "الظاهر أن =
[ ٣ / ٣٤١ ]
روي: أنَّ المسلمين قالوا (^١): لئن كنَّا نقوم كلَّما استهزؤوا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، فنزلت (^٢).
* * *
(٧٠) - ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾: الذين كُلِّفُوه.
﴿لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ حيث سخروا به، أو بنوا (^٣) أمر دينهم على التَّشهي، وتديَّنوا بما لا نفع فيه أصلًا؛ كعبادة الصَّنم، وتحريم البحائر والسَّوائب، أو جعلوا (^٤) عيدهم الذي جُعِلَ ميقاتَ عبادتهم زمانَ لهوٍ ولعبٍ.
والمعنى: أعرضْ عنهم، ولا تبالِ بأفعالهم وأقوالهم.
ويجوز أن يكون تهديدًا لهم كقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]؛ أي: كِلْهُم إلى ما اختاروا فإنَّا أعتدنا لهم من خفيِّ المكر
_________________
(١) = محل هذا قبيل قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ والغلط من الناسخ". قلت: والظاهر من السياق المتفق مع المصدر أن مكانها هنا، وأن هذا ما جاء في هذا التنبيه على هامش (م) وكذا ما وقع في (ح) و(ف) هو الغلط. والكلام منقول من السعد التفتازاني على ما صرح به السيوطي.
(٢) في (ح) و(ف): "قالوا للنبي ﵇"، والمثبت من (ك) و(م) والمصادر وستأتي.
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٥)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٣٠٤)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١٦٧).
(٤) في (ح) و(ف): "وبنوا"، والمثبت من (ك) و(م) وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٦٧).
(٥) في (ح) و(ف): "وجعلوا"، والمثبت من (ك) و(م) وهو الموافق لما في المصدر السابق.
[ ٣ / ٣٤٢ ]
ما إذا حللنا بهم كسَرنا عليهم (^١) خمار الغفلة (^٢) وكشفنا عنهم خمار الوهم والجهلة، فلا ضرورة في جعله منسوخًا بآية السَّيف بحمله على الأمر بالكفِّ عنهم (^٣) وترك التَّعرض لهم.
﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ اعتراض لبيان أنهم إنما بنوا أمر دينهم على اللَّعب واللَّهو؛ لأن الحياة الدُّنيا غرَّتهم حتى أنكروا البعث.
﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ مخافةَ أن تُمْنَعَ نفسٌ من النَّجاة، وتُسلَمَ إلى الهلَكَة والعقاب (^٤) بسبب كسبها، وتُرْهَنَ بسوء عملِها، كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، أو تُبسرَ بسوءِ (^٥) كسبها وعذابه، كقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤].
الإبسال والبَسْل: المنع، ومنه أسد باسلٌ: مانع أن يُفْلِتْ فريسته (^٦)، ويقال: بَسَرَ (^٧) الرَّجل: إذا اشتدَّ عبوسه، فإذا زاد قالوا: بَسلَ.
﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ يدفعُ عنها العذاب.
_________________
(١) في (م) و(ك): "كسر ما عليه".
(٢) في (م) زيادة: "وكشفنا خمار الغفلة".
(٣) "عنهم" من (ك) و(م).
(٤) في (م) و(ك): "والعذاب".
(٥) في (م): "أو يقبس بسوء"، وفي (ف) و(ح): "تعبَّ سوءَ"، والمثبت من (ك).
(٦) في (م): "يفلت فريسة"، وفي (ح): "يغلب فريسة".
(٧) في (ف): "بسل"، وفي (ك) و(م): "أبسر"، والمثبت من (ح)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٢/ ٣٦).
[ ٣ / ٣٤٣ ]
﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾: وإنْ تَفْدِ كُلَّ فِداءٍ، والعَدْلُ: الفِديةُ؛ لأنَّها تعادِل المفدَى، و﴿كُلَّ﴾ نصب على المصدر.
و﴿يُؤْخَذْ﴾ في قوله: ﴿لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ مسندٌ إلى ﴿مِنْهَا﴾، لا إلى ضمير العدل إلَّا بطريق الاستخدام (^١)؛ لأنَّ العدلَ هاهنا مصدرٌ لوقوعه مفعولًا مطلقًا، وهو ليس بمأخوذ، بخلاف قوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] لأنَّه المفدَى به (^٢).
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾؛ أي: أُسلموا إلى العذاب بسبب قبائح أعمالهم، استعمل الإبسال للإسلام إلى العذاب؛ لأنَّ المُسْلَمَ إليه يمنعُ المُسْلِم.
﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ بما شربوا من القَهوات (^٣) ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بما تناولوا من الشَّهوات ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ أي: هم بسبب كفرهم بينَ ماءٍ مغليٍّ يتجرجَر في بطونهم، ونارٍ تشتعلُ بأبدانهم.
* * *
(٧١) - ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
_________________
(١) الاستخدام على طريقة السكاكي وأتباعه: أنْ يُؤْتَى بلفظٍ له معنيانِ فأكثرُ مُرادًا به أحدُ معانيهِ ثم يُؤْتَى بضميرِه مُرادًا به المعنَى الآخر. ولابن جماعة فيه وجه آخر. انظر: "الإتقان" للسيوطي (٣/ ٢٨٨).
(٢) "به" زيادة من (م) و(ك).
(٣) في (م): "الفهوات". والمراد بالقهوات: جمع القهوة: وهي الخمر، سميت بذلك لأنها تقهي شاربها عن الطعام، أي: تذهب بشهوته؛ أو تُشبعه، هذا هو الأصل في اللُّغة ثم أطلقت على ما يشرب الآن من البُنِّ لثمرِ شجرٍ باليمن. انظر: "تاج العروس" (مادة: قهو).
[ ٣ / ٣٤٤ ]
﴿قُلْ أَنَدْعُو﴾: نعبد ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا﴾ إنْ أطعناه ﴿وَلَا يَضُرُّنَا﴾ إنْ عصيناه (^١).
﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾؛ أي: نرتدُّ عن ديننا ونرجع إلى ورائنا ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ فأنقذَنا منه ورزقَنا الإسلام، والمعنى: إنكارُ الرُّجوع إلى الشرك بعد الاهتداء (^٢) إلى التَّوحيد.
﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾: مردة الجن ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ استهوى: استفعل، من هوى في الأرض: إذا ذهبَ فيها، كأن معناه: طلبَتْ هواه وحرصَتْ عليه.
وزعم أبو علي أنه من الهُويِّ؛ أي: ألقته في هُوَّة، ويكون استفعل بمعنى أفعل، نحو استزلَّ في أزلَّ (^٣)، ويأباه ما بعده.
﴿حَيْرَانَ﴾ نصب على الحال، ولم ينصرف لأن أنثاه حَيرى، كسَكْران وسَكرى، والحيرانُ: هو الذي لا يهتدي لجهةٍ حَيرةً.
﴿لَهُ أَصْحَابٌ﴾: رفقة ﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾: إلى الطريق المستقيم، سمى الطَّريق بالهدى تسمية بالمصدر (^٤) للمبالغة.
﴿ائْتِنَا﴾ يقولون له: ائتنا، وأضمر القول لدلالة ﴿يَدْعُونَهُ﴾ (^٥) على ذلك.
_________________
(١) في هامش (ح): "ولما تقرر أن غير الله لا يمنع من الله بنوع، لا آلهتهم التي زعموها أنها شفعاؤهم ولا غيرها، ثبت أنهم على غاية البينة من أن كل ما سواه لا ينفع شيئًا ولا يضر، فكان في غاية التبكيت، قوله: ﴿قُل أَنَدْعُواْ﴾ بقاعي".
(٢) في (م): "الاهتداء به".
(٣) انظر: "الحجة للقراء السبعة" لأبي علي الفارسي (٣/ ٣٢٥). وجاء في (ك): "استزل وأزل".
(٤) في (ح) و(ف): "للمصدر".
(٥) في (ف): "يدعون".
[ ٣ / ٣٤٥ ]
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾؛ أي: الإسلام ﴿هُوَ الْهُدَى﴾ وحده، وما عداه ضلالٌ.
﴿وَأُمِرْنَا﴾ في محل النصب عطفًا (^١) على محل: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ على أنه مقول، واللام في: ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ للتعليل؛ أي: وأُمرنا بذلك لِنُسلِمَ.
وزعم الكسائي والفرَّاء أن لام (كي) تقع في موضع (أنْ) في (أردتُ وأمرتُ) (^٢)، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦].
* * *
(٧٢) - ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
وقيل: بمعنى الباء (^٣). وقيل: زائدة. ويقوِّيهما عطف: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ عليه؛ كأنَّه قيل: وأمرنا بأن نسلم وأن أقيموا، وعلى الأول معناه: وأمرنا بذلك الإسلام وإقامة الصلاة وتقوى (^٤) الله تعالى، فـ (أنْ) (^٥) المصدريهُ إذا دخلت على الأمر ينسبك منه مصدر ولا يلاحَظ فيه معنى الأمر، وقيل (^٦): موقع العلة موقع المأمور به، فعطف على موقعها.
﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ يوم القيامة.
_________________
(١) "عطفًا" زيادة من (ك) و(م).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٦١ و٣٣٩)، وانظر: "روح المعاني" للآلوسي (٥/ ٤٦٢، و٨/ ٢٤٢).
(٣) أي: (وأمرنا بالإسلام). وتعقبه أبو حيان بأنه غريب لا تعرفه النحاة. انظر: "البحر" (٩/ ٢٣٤)، و"روح المعاني" للآلوسي (٨/ ٢٤١).
(٤) في (ح) و(ف): "وبتقوى".
(٥) في (م) و(ك): "فإن أن".
(٦) في (ك): "قيل".
[ ٣ / ٣٤٦ ]
(٧٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ في موضع النَّصب على الحال؛ أي: قائمًا بالحقِّ والحكمة.
﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾؛ أي: وحين (^١) يقول لشيء من الأشياء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ذلك الشيء.
و﴿يَوْمَ﴾ منصوبٌ بما دل عليه ﴿بِالْحَقِّ﴾، أو بـ ﴿خَلَقَ﴾؛ أي: ويقوم بالحق يوم يقول، أو: خَلَق السماوات يوم يقول، و﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مبتدأ وخبر، قُدِّم (^٢) فيها الخبر لا للحصر؛ لأنَّه لا يناسب المقام، بل لكونه الشَّائعَ في الاستعمال مثل: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤].
وقيل: ﴿قَوْلُهُ﴾ (^٣) على هذا الوجه يجوز أن يكون فاعلَ ﴿فَيَكُونُ﴾ و(^٤) ﴿الْحَقُّ﴾ صفتَه؛ أي: ويوم يقول بالحق يوم يأمر كلَّ شيء بقوله: كن، فيكون قوله الحق. ولا يخلو عن تعسُّفٍ.
أو منصوبٌ بفعل الاستقرار على أن ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مبتدأ، و﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ خبر (^٥) مقدَّم، كقولك: يومَ الجمعة القتال، أو ﴿قَوْلُهُ﴾ مبتدأ و﴿الْحَقُّ﴾ خبره، و﴿يَوْمَ﴾ ظرفٌ للقول أو للحقِّ.
_________________
(١) في (ف) و(م) و(ح): "وهو"، والمثبت من (ك).
(٢) في (م): "فقدم"، وفي (ك): "مقدم".
(٣) في (ك) زيادة: "قوله".
(٤) سقطت الواو من النسخ عدا (ك).
(٥) في (ك): "خبره".
[ ٣ / ٣٤٧ ]
﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ ظرفٌ لقوله: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾، كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، أو بدل من ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ على أنَّ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بمعنى الإحياء والبعث، و﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾: قوله (^١) يوم القيامة.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ رفعٌ على المدح؛ أي: هو عالم الغيب، أو خبرٌ بعد خبر.
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ كالفذلكة للآية.
* * *
(٧٤) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ هو عطف بيان لـ (أبيه).
قال الفرَّاء والزجَّاج: ليس بين النَّسَّابين اختلافٌ في أنَّ اسمَ أبِ إبراهيم ﵇ تارخ، والذي في القرآن يدلُّ على أن اسمه آزَر، فكأنَّ آزر لقبٌ له (^٢).
قال ابن الأنباري: قد يغلب على اسم الرَّجل لقبُه حتى يكون به أشهرَ منه باسمه، فيجوز أن يكون آزرُ لقبًا أَبطل الاسم لشهرته، فخبَّر الله تعالى به لذلك (^٣).
وقيل: نعتٌ مشتقٌّ من الأَزْر، ومُنع صرفه للعُجمة والعلميَّة، أو للوصفيَّة ووزن الفعل.
_________________
(١) في (م) و(ك): "وقوله".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٤٠)، و"معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٦٥).
(٣) انظر: "التفسير الوسيط" للواحدي (٢/ ٢٨٩)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (٢/ ٤٦).
[ ٣ / ٣٤٨ ]
وقيل: المراد به الصنم، ونصبُه بفعل مضمر يفسِّره ما بعده؛ أي: أتَعْبدُ ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ تفسير وتقرير (^١)، ويعضُده قراءة: (أأزرًا) بفتح الهمزة وكسرها بعد همزة الاستفهام وسكونِ الزاي ونصبِ الراء منوَّنة (^٢)، على أنه اسم (^٣) صنم، وتوجيهُها على الأول أنه كان (^٤) اسمَ صنم يعبده، فلقِّب به للُزومه عبادته، أو أطلق عليه بحذف المضاف.
وقرئ بالضم على النداء (^٥)، وهذا ظاهر في حذف المضاف؛ لِمَا في نداء الابن أباه باسم العلم [من] (^٦) غلظة واستخفاف لا يليق بشأن إبراهيم ﵇ الموصوفِ بغاية الحلم، المعروفِ بمحبَّة أبيه ورعايته، يرشدك إلى هذا قوله: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ظاهر الضلالة، حيث لم يقل: أنت وقومك في ضلال مبين؛ رعايةً لحسن الأدب في مخاطبته.
_________________
(١) أي: تفسير وتقرير للوجه المذكور من كونه منصوبًا بفعل مضمر، وكلام المؤلف في بعض الغموض، يظهر ذلك من عبارة الزمخشري والبيضاوي، قال البيضاوي في "تفسيره" (٢/ ١٦٩): (وقيل: المراد به الصنم، ونصبه بفعل مضمر يفسره ما بعده؛ أي: أتعبد آزر؟ ثم قال: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ تفسيرًا وتقريرًا). وانظر عبارة الزمخشري في التعليق الآتي.
(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٧٦)، و"القراءات الشاذة" (ص: ٣٨)، و"المحتسب" (١/ ٢٢٣)، و"الكشاف" (٢/ ٣٩)، و"البحر" (٩/ ٢٤٨)، و"روح المعاني" (٨/ ٢٥١). ومن قرأ بهذه القراءة قرأ (تتخذ) بلا همزة الاستفهام كما صرح بذلك النحاس وأبو حيان والآلوسي، وهو الظاهر من كلام الزمخشري حيث قال: وقرئ: (أإزرا تتخذ أصناما آلهة) … وهو اسم صنم ومعناه: أتعبد إزرًا؟ على الإنكار، ثم قال: (تتخذ أصناما آلهة) تثبيتًا لذلك وتقريرًا، وهو داخل في حكم الإنكار؛ لأنَّه كالبيان له).
(٣) "اسم" من (م).
(٤) في (م): "أن كلها كان".
(٥) وهي قراءة يعقوب. انظر: "النشر" (٢/ ٢٥٩).
(٦) زيادة يقتضيها السياق.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
(٧٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ مثلَ ذلك التَّبصير نُبصِّرُ إبراهيم، قد سبق أن اسم الإشارة في مثل هذا المقام إشارةٌ إلى هذه الإراءة، لا إلى شيء آخر يشبَّه به، هذه جملةٌ (^١) اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه.
ومعنى الاعتراض: بيان الإرشاد والهداية بطريق الاستدلال الموصِل إلى مرتبةِ الإيقان الذي انكشف به (^٢) ضلال قومه، ولذلك استحضر الماضي حالًا فقال: ﴿نُرِي﴾ على الحكاية؛ تصويرًا وتعظيمًا.
وقرئ بالتاء ورفع الملكوت (^٣)، ومعناه: نُبْصِّرُه دلائلَ الرُّبوبية.
﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فَعَلوتٌ من الملك، وزيادة التاء للمبالغة، ومعناه: ما يُملك به الشيء؛ أي: نُرِي ربوبيةَ الله تعالى للسماوات والأرض وما يدبِّرهما (^٤) ويملكهما به من عجائب الملكوت.
﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾؛ أي: فعلنا (^٥) ذلك ليكون من المحققِّين، أو فصَّلنا ذلك (^٦)، قيل: أي: ليستدلَّ وليكونَ، ويأباه اللام والواو؛ فإنهما لا يذكران بين الاستدلال وما يترتَّب (^٧) عليه.
_________________
(١) في (م): "هذه الجملة".
(٢) في (ح) و(ف): "الذي يكشف".
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٤١)، و"البحر المحيط" (٩/ ٢٥٣).
(٤) في (ف): "نورهما".
(٥) في (ف): "فصلنا".
(٦) "أو فصلنا ذلك": ليست في (م) و(ك).
(٧) في (ح): "والترتيب"، وفي (ف): "والمترتب".
[ ٣ / ٣٥٠ ]
(٧٦) - ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾، أي: سترَه بظلامه.
﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ قيل: كان (^١) الكوكب الزُّهَرةَ أو المشتري (^٢).
﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ على سبيل الوضع، فإن المستدِلَّ على فساد قول يحكيه على ما يقول (^٣) الخصم، ثمَّ يَكرُّ (^٤) عليه بالإفساد، وفي تقديم الاعتراض المذكور تنبيهٌ على هذا، فإنَّه لولا ذلك البيان لسبق إلى الوهم أنه استدلال لنفسه (^٥)، وأما بعد تقديمه فلم يبقَ ذلك الاحتمال.
من هنا (^٦) تبيَّن أنه لا مجال لأنْ يكون قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ تفصيلًا وبيانًا لذلك؛ لأن ما ذُكِر طريقُ النَّظر والاستدلال الشَّائعِ الذائع بين أصحاب الظَّواهر المقصورِ نظرُهم على عالَم الملك، فلا يصلح بيانًا لحالِ مَن يترقَّى منه إلى درجة الوقوف على سرائر عالَم الملكوت أو المشاهدةِ (^٧) لأسرار الربوبيَّة، فتَعيَّن عطفه على ﴿قَالَ (^٨) إِبْرَاهِيمُ﴾ فإن أباه وقومه كانوا يعبدون الأصنام والكواكب، فأراد أن ينبِّههم على (^٩) ضلالتهم ويرشدَهم إلى الحق من طريق النظر والاستدلال.
_________________
(١) "كان" سقط من (ك).
(٢) في النسخ عدا (م): "والمشتري".
(٣) في (م): "يقوله".
(٤) في (ف) و(ح): "لم ينكر عليه بالاوصي"، والمثبت من (م) و(ك) وهامش (ح).
(٥) في (ح) و(ف): "بنفسه".
(٦) في (م) و(ك): "ومن هاهنا".
(٧) في (م) و(ك): "والمشاهدة".
(٨) في (ف) و(ح): "نري" وهو خطأ. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٦٩).
(٩) في (م): "ينهيهم عن"، وفي (ك): "ينهاهم عن". والمثبت موافق لما المصدر السابق.
[ ٣ / ٣٥١ ]
﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ الأفول: الغروب.
﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾: الأربابَ المنتقلين من حالٍ إلى حالٍ، المحتجِبين بالغروب والانتقال، فضلًا عن أنْ أعبدهم، فالتعبير (^١) بالانتقال من مكان إلى مكان من خواصِّ الأجرام المحتاجة إلى الرَّبِّ فلا تصلح للرُّبوبيَّة.
* * *
(٧٧) - ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾.
﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ البزوغ: الطُّلوع.
﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ كأنَّه غاب عن نظره، أو لم يكن حين رآه في ابتداء الطُّلوع بل كان في وراء الجبل ثم طلع منه، أو في (^٢) جانبٍ آخر لا يراه، وإلَّا فلا احتمال لأن يطلع القمر من مطلعه بعد أفول الكواكب (^٣) ثمَّ يَغرب قبلَ طلوع الشَّمس.
﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ تنبيهًا لقومه على أن مَن اتَّخذ الآفل المتغيِّر إلهًا فهو ضالٌّ، وأنَّ الهدايةَ إلى الحقِّ إنما تكون من فضل الرب (^٤) وعطائه، وهذا طريقُ مَنْ يتلطَّف في البحث والإرشاد بإظهار المناصحة لنفسه وإمحاضِ النُّصح حين أراد لصاحبه ما أراد لنفسه، ويَنسب الذَّمَّ والتَّقريع إلى نفسه لا يواجه به الخصم ليكون أبعد من امتعاضه وعناده، وأشدَّ تليينًا لعريكته، وكسرًا
_________________
(١) في (ح) و(ت): "فإن التغيير".
(٢) في (ف) و(ح): "وفي".
(٣) في (ح) و(ف): "الكوكب".
(٤) في (ح) و(ف): "من فضله".
[ ٣ / ٣٥٢ ]
لعود شكيمته، كما قال صاحب يس: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢]، وفيه تقريعٌ قويٌّ.
* * *
(٧٨) - ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ ذكَّر اسم الإشارة لتذكير الخبر، أو لأنَّه لا يفرَّق في غير لغة العرب بين المذكَّر والمؤنث في الإشارة (^١)، فأجرى الكلام على قاعدة تلك اللُّغة في مقام الحكاية، وعلى قاعدة العربية في مقام الإخبار.
وأما ما قيل: وكان (^٢) اختيار هذه الطَّريقة واجبًا لصيانة (^٣) الرَّبِّ عن شبهة التَّأنيث، فيَرِدُ عليه: أن هذا الوجوب في الرَّبِّ الحقيقيِّ مسلَّم، وأما الذي فرض بالإبطال بإظهار ما فيه من الأوصاف النَّافية للرُّبوبية فالوجوب المذكور فيه ممنوع، بل المناسب حينئذ إظهار علامة التَّأنيث؛ لما فيه من الإشارة إلى ما سِيْقَ له العبارة.
﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ من باب مراعاة النَّصَفَةِ أيضًا مع الخصم، ويحتمل أن يكون تجريد اسم الإشارة عن علامة التأنيث أيضًا من هذا الباب، كأنه يفرضُ ما يفرضه ربًّا متجنبًا عمَّا يمكن التجنُّب عنه ممَّا (^٤) يوهم ما لا يليق بشأن الرَّبِّ.
﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ من الأجرام المحدَثة المتغيرة
_________________
(١) "في الإشارة" من (ك).
(٢) في (م) و(ك): "فكان".
(٣) في (ف) و(ح): "بصيانة".
(٤) في (ك): "ما".
[ ٣ / ٣٥٣ ]
المحتاجة (^١) إلى محدِثٍ ومدبِّرٍ مغيِّرٍ، وهذا صريحٌ في أنَّ الكلام مع القوم، وقد دلَّ قولُه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ على أنه عارفٌ (^٢) بأنَّ له ربًّا يستحقُّ العبادة، ومنه الهداية، وأنَّ قومَه على الضَّلالة، وأشعرَ بأنَّ محاجَّته كانت مع منكِرٍ مبالِغٍ في الإنكار؛ حيث احتيج إلى القَسَم، فإنَّ اللام في ﴿لَئِنْ﴾ موطِّئة للقسَم، وفي ﴿لَأَكُونَنَّ﴾ جواب قسَم.
لمَّا تمَّ استدلاله وظهرَ بالحجَّة، ولم يبقَ شبهةٌ يتمسَّك بها الخصم، صرَّحَ بالمقصود، وأظهرَ التَّبرِّيَ ممَّا كانوا يشركون به عن (^٣) آخرها، والتوجُّهَ إلى مَنْ دلَّتْ عليه الممكناتُ المتغيِّرة من موجِدها ومبدِعها فقال:
(٧٩) - ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إنَّما استدلَّ بالأفُول دون البزوغ - مع دلالته أيضًا على التَّغيُّر والانتقال من حالٍ إلى حالٍ - لتعدُّد دلالته من جهة الانتقال والاختفاء وانتفاء التَّورَية، ولأنه لا مجال للاستدلال بالبزوغ في الكوكب؛ لأنَّه رآه في وسط السماء حين قرَّر (^٤) الاستدلال.
* * *
_________________
(١) "المتغيرة المحتاجة" ليست في (ف)، و"المتغيرة" ليست في (ح).
(٢) في (م): "عارفًا"، وفي (ك): "كان عارفًا".
(٣) في (ح) و(ف): "على".
(٤) في (ف) و(ح): "قرار".
[ ٣ / ٣٥٤ ]
(٨٠) - ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾: خاصموه في توحيده (^١) تعالى ونفي الشركاء عنه.
﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي﴾ وقرئ بتخفيف النُّون (^٢).
﴿فِي اللَّهِ﴾: في وحدانيته تعالى، أنكر مخاصمتهم فيها بعد أن حجَّ عليهم بالبرهان، كما أشار إليه بقوله تعالى:
﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ إلى توحيده، وكانوا خوَّفوه أنَّ معبوداتهم تصيبه بسوء، فقال:
﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾؛ أي: ولا أخاف معبوداتكم وقتًا مّا؛ لأَنَّها لا تضرُّ ولا تنفع ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ نصب على الظَّرف؛ أي: إلَّا وقتَ مشيئةِ ربِّي ﴿شَيْئًا﴾ يُخافُ من جهتها، مثل أن يصيبني مكروه من جهة الكواكب والشَّمس والقمر، فإنْ كان فذلك منه تعالى لا منها.
﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ اعتراض كالتَّعليل للاستثناء؛ أي: لا أعلم، والله أحاط علمًا بكلِّ شيء، فلا يبعد أن يكون في علمه أن يصيبني مكروهٌ من جهتها.
﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أَبَعْدَ ما لخَّصتُه من الدَّليل لا تتذكَّرون مؤدَّاه؟ وهو أنْ لا مؤثر إلَّا الله تعالى، والفاء للعطف على مقدَّر؛ أي: أتخوفونني فلا تتذكرون (^٣)، فتميِّزوا بين الصَّحيح والفاسد والقادر والعاجز.
* * *
_________________
(١) في (م) و(ك): "توحيد الله".
(٢) وهي قراءة نافع وابن عامر بخلاف عن هشام. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٤).
(٣) من قوله: "مؤداه … " إلى هنا من (م) و(ك).
[ ٣ / ٣٥٥ ]
(٨١) - ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
ثم تعجَّب من جهلهم بقوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ ولا تأثيرَ له في شيءٍ ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ وأنتم لا تخافون ما يوجب كمال (^١) الخوف، وهو إشراككم بالله القادر على كلِّ شيء ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ بإشراكه ﴿عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ تهكُّمٌ بهم؛ فإنَّ إقامةَ الحجَّة على التَّركِ (^٢) ممتنع وتعريض بوجود (^٣) الحجَّة على نفيه.
ولمَّا دلَّ الكلام على أنهم يخافون المأمونَ مِنْ كلِّ وجهٍ وهم لا يخافون المخُوف من جميع الوجوه قال: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ الموحِّدون أم المشركون، ولم يقلْ: فأيُّنا أنا أم أنتم؛ حفظًا للأدب واحترازًا عن تزكية النَّفس.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما يحقُّ أنْ يُخافُ منه، ثم استأنف جواب الاستفهام (^٤) بقوله:
(٨٢) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾؛ أي: ولم يخلِطوه بشركٍ، كنسبة التَّأثير إلى الغير بعد التَّصديق بالله تعالى، لمَا روي أن الآية لمَّا نزلت شقَّ ذلك على الصَّحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وقالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال ﷺ:
_________________
(١) في (ك): "كل".
(٢) في (م): "الشرك".
(٣) في (ف): "بوجوب".
(٤) في (ف) و(ح): "القسم"، والصواب المثبت.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
"ليس ما تظنُّون، إنَّما هو ما قال لقمانُ لابنه (^١): ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] " (^٢).
وقيل: بمعصيته.
ويؤيِّد الأوَّل كونُه جوابًا للاستفهام من المشرِك والموحِّد.
﴿أُولَئِكَ﴾ الموحِّدون ﴿لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ دون غيرهم ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ خاصَّة.
* * *
(٨٣) - ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَتِلْكَ﴾: إشارةٌ إلى ما احتجَّ به (^٣) إبراهيم ﵇ على قومه من قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
﴿حُجَّتُنَا﴾ خبرُ (تلك).
﴿آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾: ألهمناها إيَّاه، ووفَّقناه لها ﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿حُجَّتُنَا﴾، و﴿آتَيْنَاهَا﴾ خبر بعد خبر، أو جملة مبيِّنة (^٤)، أو ﴿حُجَّتُنَا﴾ بدل، و﴿آتَيْنَاهَا﴾ خبر، و﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾ متعلِّق بمحذوفٍ دلَّ عليه مفعول ﴿آتَيْنَاهَا﴾؛ أي: آتيناها (^٥) حجَّة على قومه.
_________________
(١) "لابنه" زيادة من (م) و(ك).
(٢) رواه البخاري (٣٣٦٠)، ومسلم (١٢٤)، من حديث ابن مسعود ﵁.
(٣) "به" من (م) و(ك).
(٤) في (ف) و(ح) و(ك): "مبنية"، والمثبت من (م) وهو الصواب.
(٥) في (ك): "آتيناه". وفي "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٧٠): (آتيناها إبراهيم حجة على قومه).
[ ٣ / ٣٥٧ ]
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ في العلم (^١) والحكمة، وقرئ: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ بالتنوين (^٢).
﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في رفعِه وخفضِه ﴿عَلِيمٌ﴾ بحالِ المرفوع والمخفوض، واستحقاقِ كلٍّ منهما بما فُعِلَ به.
* * *
(٨٤) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾؛ أي: كلًّا منهما هدينا ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل إبراهيم ﵇.
وقومُ نوحٍ ﵇ أوَّلُ قومٍ عبدوا الأصنام، ووحَّدَ هو اللهَ تعالى، ففي عبارة ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ إشارة إلى أنَّ فيه أسوةً حسنةً لإبراهيم ﵇، وأمَّا عَدُّ هداه نعمةً لإبراهيم ﵇ من حيث إنه أبوه (^٣)، وشرفُ الوالد يتعدَّى، فحقُّه أن يَذكرَ نوحًا ﵇ بعلاقته لإبراهيم ﵇ كما ذُكِرَ مَنْ ذُكِرَ (^٤) بعدَه كذلك.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضَّميرُ لإبراهيم ﵇؛ لأنَّ الكلامَ فيه، ويونس ﵇ من ذريَّته؛ لِمَا ذكرَ في "جامع الأصول" أنه كان من الأسباط في زمن شعيب ﵇، أرسله الله تعالى إلى نينوى من بلد الموصل (^٥).
_________________
(١) في (ف) و(ح): "الحكم".
(٢) قرأ الكوفيون عاصم وحمزة والكسائي بالتنوين، والباقون بغير تنوين. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٤).
(٣) في (م) و(ك): "ابن".
(٤) "من ذكر": ليست في (م) و(ك).
(٥) انظر: "جامع الأصول" لابن الأثير (١٢/ ١١٥).
[ ٣ / ٣٥٨ ]
ولا بُعدَ في عَدِّ لوط ﵇ من ذرية إبراهيم ﵇ باعتبار أنه كان ابن أخيه، هاجر معه إلى الشَّام، فلا ضرورةَ داعيةَ إلى تخصيص البيان بالمعدودين في الآية الأولى والثانية، وعطفِ المذكورين في الثالثة على نوح ﵇.
وقيل: لنوح ﵇؛ لأنَّه أقرب، وفيه أنه يلزم حينئذ إفرادُ إسماعيل ﵇ عن باقي ذريَّة إبراهيم ﵇.
﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ﴾ أيوب بن أموص (^١) من أسباط إسحاق ﵇ ﴿وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثلَ ذلك الجزاء العظيم الذي جزينا إبراهيم ﵇؛ مِنْ رفعِ درجاته، وكثرة أولاده، والنُّبوَّةِ فيهم ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: الذين أحسنوا في عبادتنا.
* * *
(٨٥) - ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾: هو المسيح ابن مريم ﵉، دلَّ (^٢) ذكرُه على تناولِ الذُّريَّة لأولاد البنت.
﴿وَإِلْيَاسَ﴾: هو من سبط هارون ﵇، وقيل: هو إدريس جدُّ نوح ﵉، فيكون البيان مخصوصًا بمن في الآية الأولى.
﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: الكاملين (^٣) في الصَّلاح، وهو الإتيانُ بما ينبغي، والتَّحرُّزُ
_________________
(١) في (ف): "أيرص"، وهو تحريف، وجاء في كثير من المصادر: (موص). انظر: "روح المعاني" (٨/ ٢٨٧).
(٢) "دل" من (م) و(ك).
(٣) في (م) و(ك): "من الكاملين".
[ ٣ / ٣٥٩ ]
عمَّا لا ينبغي، وفي توصيف الأنبياء ﵈ بالصلاح تنويهٌ بشأن تلك الصِّفة، وتنبيهٌ على عظيم قَدْرها كما في وصف الأنبياء ﵈ والملائكة بالإيمان؛ فإنَّ (^١) أوصافَ الأشرافِ أشرافُ الأوصاف.
* * *
(٨٦) - ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ﴾ هو اليسَع بن أخطوب، وقرئ: (اللَّيْسَعَ) كضَيْغَمٍ (^٢)، وعلى القراءتين هو علم أعجمي، قيل: أُدخل عليه اللام كما أدخل على اليزيد في قوله (^٣):
رأيْتُ الوليدَ بنَ اليزيدِ مُبارَكًا
ويردُّه لزوم اللَّام له، فالوجه ما قال ابن مالك: ما قارنَتْ (أل) نقلَه كالنَّضر والنُّعمان، أو ارتجالَه كاليسع والسَّمَوأل، فإنَّ الأغلب ثبوتَ (أل) فيه (^٤).
﴿وَيُونُسَ﴾: هو يونس بن متَّى ﵇.
﴿وَلُوطًا﴾: هو ابن هاران ابن أخِ إبراهيم ﵇.
﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ بالنبوَّة على مَن ليس من الأنبياء، ولا بدَّ من هذا القيد كيلا يلزمَ تفضيل كلٍّ منهم على الآخر، أو تفضيلُ كلٍّ من المعاصِرين على الآخر (^٥).
_________________
(١) في (م): "بأن".
(٢) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٤).
(٣) لابن ميادة، انظر: "ديوانه" (ص: ١٩٢)، وقد تقدَّم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ﴾ [الأنعام: ٥٢].
(٤) انظر: "شرح التسهيل" لابن مالك (١/ ١٧٦).
(٥) في (ح) و(ف): "الآخرين".
[ ٣ / ٣٦٠ ]
(٨٧) - ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ في محل النَّصب عطفًا على (كلًّا) أو ﴿نُوحًا﴾، و(من) للتَّبعيض؛ إذ (^١) منهم مَن لم يكن نبيًّا ولا مهديًّا.
﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ عطفٌ على ﴿فَضَّلْنَا﴾ ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تقريرٌ لبيان ما هُدوا إليه.
* * *
(٨٨) - ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى ما دانوا به ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فيه دليل على أن الهداية بمشيئته تعالى، وأمَّا أنَّه متفضِّل بها فمبناه على عدم لزوم المشيئة لذاته تعالى، وذلك غير ظاهرٍ من الكلام.
﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ مع فضلِهم وتقدُّمِهم وعلوِّ درجاتهم ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: لكانوا كغيرهم في بطلان أعمالهم بسقوطِ ثوابها عنهم.
* * *
(٨٩) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: جنسه ﴿وَالْحُكْمَ﴾: الحكمة، أو فصلَ الأمر على ما يقتضيه الحقُّ ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ قد يأتي الفرق بينها وبين الرسالة في سورة الأعراف.
_________________
(١) في (م) و(ك): "لأن".
[ ٣ / ٣٦١ ]
﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾؛ أي: بهذه الثَّلاثة، أو بالأخير منها ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أهل مكَّة ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾: هم مؤمنو أهلِ المدينة، قاله ابن عباس ﵄ (^١).
ومعنى توكيلهم: توفيقُهم للإيمان بها والقيامِ بحقوقها كما يوكَّل الرَّجل بالشيء ليقوم به ويعتمده، فمعنى المراعاة داخل في مفهوم التَّوكيل.
﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ الباء الأولى صلة الكافرين، والثانية توكيد للنَّفي (^٢).
* * *
(٩٠) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ الإشارة (^٣) إلى الأنبياء المتقدِّم ذكرُهم.
﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ تقديم ﴿فَبِهُدَاهُمُ﴾ للتَّخصيص؛ أي: فاخْتَصَّ (^٤) هداهُم بالاقتداء، ولا تقتدِ إلَّا بهم.
والمراد بهداهم: الإيمان والتَّوحيد وأصل الدِّين مما (^٥) اشترك الكلُّ فيه، دون الفروع من الشرائع المختلفة والأديان، فإنها تختلف بحسب الأزمان، بقي قسم آخر وهو الفروع من (^٦) المتَّفق عليه كالصَّوم والصَّلاة وحرمة الكذب والزِّنا، فيدخل هذا القسم من الفروع مع الأصول تحت مطلق الهدى من
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥١٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٣٩).
(٢) " ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ الباء الأولى صلة الكافرين، والثانية توكيد" سقط من (ف) و(ح).
(٣) في (ك): "إشارة".
(٤) فعل أمر لا ماض.
(٥) في (ف) و(ح): "ما".
(٦) "من" سقط من (ف) و"ح".
[ ٣ / ٣٦٢ ]
المشترك المضاف إلى الكل، فيصلح متمسَّكًا في الجملة على قولِ مَن قال (^١): إنَّه ﷺ كان متعبَّدًا بشرائعِ مَن قبله.
والهاء في ﴿اقْتَدِهْ﴾ للوقف، ومَن أثبتها في الدَّرج ساكنةً أجرى الوصل مجرى الوقف (^٢)، ووجهُ إشباعها أن تُجعَلَ كنايةً عن المصدر.
﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على التَّبليغ ﴿أَجْرًا﴾: جُعْلًا من جهتكم، كما لم يسأل الأنبياء ﵈ (^٣) السَّابقون.
قيل: هذا (^٤) من جُملة ما أُمِرَ بالاقتداء بهم فيه، وفيه اعترافٌ بعدم اختصاص الهدى المذكور بالأصول، فلا وجه لنفي التَّمسُّكِ المارِّ ذِكْرُه.
﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: التَّبليغ أو القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾: تذكرةٌ وعظةٌ لهم.
* * *
(٩١) - ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: وما عرفوه حقَّ معرفته في الرَّحمة على عباده، والإنعام عليهم ببعثة الرُّسل وإنزال الكتب، أو في السَّخط على الكافرين والبطش بهم حين أنكروا الوحي والنبوَّة وأقدموا على تلك المقالة العظيمة.
_________________
(١) في (م) و(ك): "لمن قال".
(٢) قرأ ابن ذكوان بكسر الهاء وصلتها، وهشام بكسرها من غير صلة، وحمزة والكسائي يحذفان الهاء في الوصل خاصة، والباقون يثبتونها ساكنة في الحالين. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٥).
(٣) "الأنبياء ﵈" سقط من (ف).
(٤) في (م) و(ك): "وهذا".
[ ٣ / ٣٦٣ ]
﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ والقائلون هم اليهود، بدليل إلزامهم بإنزال التَّوراة على موسى ﵇.
وقيل: القائلون قريش، وإنما أُلزِموا بإنزال التَّوراة لأنَّه كان من المشهورات الذَّائعة عندهم، ولذلك كانوا يقولون: ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧].
﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾: ﴿نُورًا وَهُدًى﴾ حالان؛ أي: جامعًا بين كونِه نورًا تتبيَّن به الأحكام والشَّرائع، وبينَ كونِه هدًى للنَّاس إلى التَّوحيد والمعاد.
﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ اعتراض لبيان سوءِ حملِهم للكتابِ وفِعْلهم به (^١) ما ينافي كونه نورًا وهدًى للنَّاس؛ توبيخًا لهم وتعييرًا.
﴿قَرَاطِيسَ﴾: ورقات متفرِّقةً ليتمكنوا بتفريقها على ما قصدوا من الإبداء والإخفاء.
﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ قراءة الجمهور: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ﴾؛ نقضًا لكلامهم وإلزامًا لهم، وقرأ بعضهم بالياء التحتانيَّة (^٢)؛ حملًا على ما (^٣) ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَمَا قَدَرُوا﴾، ولتضمين الإلزام توبيخَهم على تبعيضِ التَّوراة وتحريفها، وإبداءِ بعضٍ وإخفاءِ بعضٍ، وعلى هذا التفت إلى الغيبة تبعيدًا لهم بسبب فعلهم القبيح، ثم التفت ثانيًا إلى الخطاب تنبيهًا على أن الغائبين هم المخاطبون، وما أحسن الالتفاتين: حيث
_________________
(١) في (ف) زيادة "في".
(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء في الثلاثة، والباقون بالتاء. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٥).
(٣) كلمة: "ما" كذا وقعت في النسخ، ولعل الصواب على حذفها.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
أُريدَ نسبة القبيح إليهم أعرض عنهم حتى لا يواجَهوا به، وحيث نسبَ إليهم الحسن وهو عِلْم ما لم يعلموا به خاطبَهم به.
﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾ خطاب لليهود؛ أي: على لسان محمَّد ﷺ.
﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ﴾ مع كونكم حملَةَ الكتاب ﴿وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ الأقدمون الذين كانوا أعلمَ منكم من (^١) الحكم والمواعظ والقصص زيادةً (^٢) على ما في التَّوراة، وبيانًا لِمَا التبسَ عليكم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]، وعلى القول الثاني الخطاب لمن آمن من قريش، كقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦].
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أمرٌ بالجوابِ عنهم؛ إشعارًا بأنَّ الجوابَ متعيِّنٌ لا يَلتبسُ عليهم، ولا يناكرون (^٣) فيه، وهو: اللهُ أنزله، حذف الخبر لدلالة ﴿أَنْزَلَ﴾ في السُّؤال عليه، لكنَّهم بُهِتوا محجوجين (^٤) مُلزَمين لا يقدرون على الجواب خوف (^٥) الفضيحة.
﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد الكلام بعد الإلزام؛ أي: لا كلام إلا هذا، ولهذا سمَّى كلامَهم غير هذا خوضًا في الباطل؛ أي: هراءً (^٦) وهذَيانًا، وسمَّاهم لاعبين لأنَّ الكلام الذي ليس بنافع ولا معقول لعبٌ.
ومعنى ﴿ذَرْهُمْ﴾: لا عليك بعد إلزام الحجة إن لم يسكتوا فاتركهم، ﴿يَلْعَبُونَ﴾:
_________________
(١) في هامش (ح): "الظاهر بالأحكام والحكم".
(٢) في (ك): "وزيادة".
(٣) في (ح) و(ف): "ينكرون".
(٤) في (م): "محجوبين".
(٥) في (ك): "فوق".
(٦) في (ف) و(م): "هواء".
[ ٣ / ٣٦٥ ]
حالٌ من ﴿ذَرْهُمْ﴾ (^١)، و﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ صلةٌ له (^٢)، أو لـ ﴿يَلْعَبُونَ﴾، أو حال منه (^٣)، أو من ﴿خَوْضِهِمْ﴾ (^٤) وهو صلة لـ ﴿ذَرْهُمْ﴾.
* * *
(٩٢) - ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.
﴿وَهَذَا﴾؛ أي: القرآن. والتَّعظيمُ الذي قصد بـ ﴿ذَلِكَ﴾ في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] حصَل من تنكير ﴿كِتَابٌ﴾ فحصل التَّعادل بين القولين (^٥).
﴿أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ كثيرُ المنافع الثَّابتة والفوائد الباقية، فإنَّ البركة: ثبوت الخير على الازدياد.
﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الإنجيل وسائر الكتب الإلهيَّة المخبِرة عن رسالةِ
_________________
(١) أي: من مفعول ﴿ذَرْهُمْ﴾ كما هي عبارة "البحر"، وعبارة المؤلف من "الكشاف".
(٢) أي: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ حال من ضمير ﴿خَوْضِهِمْ﴾، ويجوز أن يكون حالًا من فاعل ﴿يَلْعَبُونَ﴾. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٤)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١٧٢).
(٣) أي: لـ ﴿ذَرْهُمْ﴾.
(٤) أي: من مفعول ﴿ذَرْهُمْ﴾ كما هي عبارة "البحر"، وعبارة المؤلف من "الكشاف".
(٥) في هامش (ح): "قال في قطف الأزهار: لما قرر بطلان قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾، وأثبت إنزاله بإنزال الكتاب - أعني كتاب موسى المتفق عليه عند الخصم - عطف عليه إنزال هذا الكتاب القرآن؛ لأنَّه يلزم مَن سلَّم إنزال التوراة إنزال القرآن، بجامع أن الله قادر على الإنزال، واستظهر عليه بقوله: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ لأن الموافقة في الكتب وتصديق بعضها بعضًا شاهد على أن المتكلم واحد".
[ ٣ / ٣٦٦ ]
نبيِّنا ﷺ، والمبشِّرة عن بعثته، وموجبة (^١) إلى تصديقه ﵇ في دعوى النبوَّة، وهو من المقاصد الأصليَّة من إنزال القرآن.
﴿وَلِتُنْذِرَ﴾ عطفٌ على ما دلَّ عليه صفة الكتاب؛ أي: للبركات وللتَّصديق وللإنذار، اكتفى بذكره عن مقابليه وخصَّه بالذِّكْرِ لعمومه.
وقيل: يجوز عطفه على صريح الوصف؛ أي: كتاب مبارك وكائن للإنذار، وعطفُ الظَّرف على المفرد في (^٢) باب الصفة والخبر كثير.
أو علةٌ لمحذوف (^٣)؛ أي: ولتنذر أنزلناه (^٤)، وقرئ بالياء (^٥)، والضمير لـ ﴿كِتَابٌ﴾.
﴿أُمَّ الْقُرَى﴾: أهلَ مكَّة، وإنَّما سُمِّيَتْ به (^٦) لأنَّها قِبْلةُ أهل القُرَى ومحجُّهم، ومكانُ أوَّلِ بيتٍ وُضِعَ للناس، ولأنَّها أعظمُ القرى شأنًا.
﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: من أهل الشرق والغرب (^٧)، وإنَّما خصَّهم بالذِّكْرِ مع أنَّ أصلَ الإنزال للإنذار العام؛ لأن نزوله عربيًّا لأجلهم، على ما أفصح عنه في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧].
_________________
(١) في (م) و(ك): "ومرجعه"، وفي (ح) و(ف): "وموجهة"، والمثبت من هامش (ح).
(٢) في (ح) و(ف): "من".
(٣) "أو علةٌ لمحذوف .. " عطف على: "عطفٌ على ما دل عليه صفة .. ".
(٤) في (ك): "أنزلنا".
(٥) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٥).
(٦) في (ف) و(ح): "وإنما سُمِّيَتْ أمَّ القرى".
(٧) في (ح): "من أهل الشرف والعرب"، وفي (ك) و(م): "من العرب"، والمثبت من (ف)، والموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٧٢).
[ ٣ / ٣٦٧ ]
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ لأنَّ التَّصديق بالآخرة يحمِلُ صاحبَه على النَّظر والتَّدبُّر خوفَ العاقبة، حتى يؤمنَ بالكتاب وبالنبيِّ ﷺ ويحافظَ على الطَّاعات.
﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ المراد بالمحافظة على الصلاة: المحافظةُ على الطَّاعات كلِّها، وإنَّما خصَّ الصَّلاة بالذِّكرِ لأنَّها عمادُ الدِّين، فاروق (^١) بين الكفر والإسلام، ناهيةٌ عن الفحشاء والمنكر، فمَن واظبَ عليها واظبَ على كلِّها.
* * *
(٩٣) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأنَّه بعثه الله تعالى نبيًّا؛ كمسيلمةَ كذَّاب (^٢) اليمامة، والأسود كذَّاب صنعاء، أو اختلقَ (^٣) عليه أحكامه (^٤) كعمرو بن لحيٍّ ومتابعيه (^٥).
﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾: هو عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح القرشي، كان يكتب لرسول الله ﷺ، فلمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] كان رسول الله ﷺ يملي عليه، حتى إذا بلغ قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ
_________________
(١) "فاروق" سقطت من (ف) و(ح).
(٢) في (ف): "الكذاب".
(٣) في (ف) و(م): "اختلف".
(٤) في (ح): "أحكامًا".
(٥) في (م): "كعمرو بن طُر وتابعيه".
[ ٣ / ٣٦٨ ]
خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] تعجَّبَ ظ (^١) عبد الله من أطوار خلقة الإنسان (^٢)، فقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فقالَ ﵇: "اكتبها، فكذلك نزلَتْ"، فشكَّ عبدُ الله وقال: لئن كان محمَّدٌ صادقًا لقد أُوحِيَ إليَّ كما أُوحِيَ إليه، ولئن كان كاذبًا لقد قلْتُ كما قال، فارتدَّ عن الإسلام ولحق بمكَّة، ثم رجع مسلمًا قبل فتح مكة (^٣).
﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ كالنَّضر بن الحارث وأشباهه حيث قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١].
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ اللام إمَّا للعهد والإشارةُ إلى المذكورين من اليهود والمتنبِّئةِ وسائر المُدَّعين، وإمَّا للجنس ودخل هؤلاء تحته دخولًا أوليًّا.
وحذف جواب (لو) وهو: لرأيت أمرًا عظيمًا؛ إيماء إلى أنه لا يمكن وصفه لشدَّته.
وحذف مفعول ﴿تَرَى﴾ لدلالة ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ عليه؛ أي: ولو ترى الظَّالمين.
﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أصلُ الغَمْرَة: ما يَغمر من الماء، فاستُعيرَتْ (^٤) للشدَّةِ الغالبةِ.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ إليهم: حال ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ على تقدير القول؛ أي: يقولون: أخرجوا أرواحكم إلينا من أجسادكم.
_________________
(١) في (ك): "فعجب".
(٢) في (ح) و(ف): "من أطوار خلقه".
(٣) قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٢/ ٤٠١): (غريب، وذكره الثعلبي عن ابن عباس ﵄ [في "تفسيره" (٧/ ٤٣)] … وكذلك الواحدي في "أسباب النزول" [(ص: ٢٢٠)] عن الكلبي عن ابن عباس ﵄. قلت: والكلبي متروك.
(٤) في (م) و(ك) و(ح): "فاستعير".
[ ٣ / ٣٦٩ ]
وقيل: باسطوها بالعذاب ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾: خلِّصوها من أيدينا، أي: لا يقدرون على الخلاص، تشبيه لهم بالمطالِب المعنِّف والغريم المشدِّد، الذي لا يمهِل ولا يخفِّف، بل يلحُّ ويبرِّح، تصويرًا لعنفهم في إزهاق الرُّوح، والغلظ في المطالبة والقبض من غير تنفيس، أو بالمؤاخذ الباطش القائل لأسيره تهكُّمًا: خلِّص نفسك منِّي (^١)؛ يريد تعجيزه وأنَّه لا يقدر على الخلاص البتَّة.
﴿الْيَوْمَ﴾ يريد به: وقتَ الإماتة، أو الوقتَ الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له (^٢).
﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ إضافة العذاب إلى الهون لإفادة الأصالة فيه والتمكُّن والعراقة، كما يقال (^٣): رجلُ سوءٍ.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ﴾: بسبب قولكم ﴿عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ كنسبة الولد (^٤) والشريك إليه، ودعوى النبوَّة والوحي كاذبًا.
﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾: وباستكباركم من الآيات فلا تؤمنوا بها.
* * *
(٩٤) - ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ للحساب والجزاء.
_________________
(١) في (م) و(ك): "عني".
(٢) "له" من (م) و(ك).
(٣) في (م) و(ك): "تقول".
(٤) في (ف): "الولاد"، وفي (ح): "الولاء".
[ ٣ / ٣٧٠ ]
﴿فُرَادَى﴾: منفردين عن أموالكم وأولادكم وسائر ما آثَرْتموه من دنياكم وأعوانكم وأوثانكم التي زعمتم أنها شفعاؤكم (^١)، وهو جمع فَرْدٍ، أو جمع فَريدٍ، كقَرينٍ وقُرانَى، ورَديفٍ ورُدَافَى، والألف للتَّأنيث ككُسالى.
وقرئ: (فُرادًا) بالتنوين، قيل (^٢): كرُخال (^٣)، وفيه: أنه بالضم اسم جمع، وبالكسر جمع رخِل بكسر الخاء، وقد يقال: الرُّخال بالضم أنه جمع إمَّا تجوُّزًا وإمَّا لقلب الكسرة ضمة، وقرئ: (فُرادَ) كثُلاثَ، و: (فَرْدى) (^٤) كسكرى (^٥).
﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ صفة لمصدر؛ أي: مجيئا مثلَ خَلْقِنا لكم أول مرة (^٦)، أو صفةٌ لـ ﴿فُرَادَىنَ﴾، أو بدل منه؛ أي: على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو حال ثانية، أو حالٌ عن ضمير في ﴿فُرَادَى﴾؛ أي: مشبِهين ابتداءَ خلقكم عراة حفاة غرلًا بهما.
وانتصب ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ على الظَّرف.
﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾؛ أي (^٧): أعطيناكم وتفضَّلنا به عليكم في الدُّنيا فشُغِلْتم به عن الآخرة.
_________________
(١) "وسائر ما آثرتموه من دنياكم وأعوانكم وأوثانكم التي زعمتم أنها شفعاؤكم" سقط من (ك).
(٢) "قيل" من (ف) و(ح)، والسياق يقتضيه، وهو ما سيورَد عليه بقوله: "وفيه .. ".
(٣) جمع رخل، وهو الأنثى من أولاد الضأن، ويجمع على: أرْخُلٌ ورِخالٌ، ويُضَمُّ، ورِخْلانٌ ورَخَلَةٌ ورِخَلَةٌ. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: رخل).
(٤) في (ف) و(ح): "وقرئ".
(٥) انظر هذه القراءات في: "الكشاف" (٢/ ٤٧)، و"البحر المحيط" (٩/ ٢٩٤).
(٦) "أول مرة" من (م).
(٧) "أي": ليست في (م) و(ك).
[ ٣ / ٣٧١ ]
﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ مبالغةٌ في التَّرك وعدم الانتفاع به بحيث لا يمكنه النَّظر إليه.
﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ صريح في أنه يحال بينهم وبينهم ابتداءً، والاستفسار (^١) عنهم عند ذلك، ثم إنهم يُجمعون معهم على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ [النحل: ٨٦]، وقد مرَّ ما يتعلَّق بهذا في هذه السُّورة.
﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾: في ربوبيتكم واستحقاقِ عبوديتكم.
﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ والمعنى: وقع التفرُّقُ بينكم.
أكثر القراء رفع ﴿بَيْنَكُمْ﴾ (^٢) على إسناد الفعل إلى الظَّرف على الاتساع، كما يقال: قُوتِل خلفُكُم وأمامُكُم، ومَن نصب فعلى تأويل إسناد الفعل إلى المصدر، كما تقول: وقع التقطُّع بينكم، كما يقال: جُمع بين الشيئين، إذا (^٣) أُوْقعَ الجمع بينهما، وأصله: (لقد تقطَّعَ ما بينكم)، وقد قرئ به (^٤).
وقيل: إنَّ البَيْنَ مصدرٌ، وهو من الأضداد، يجيء بمعنى الفَصْل والوَصْل، فمعناه: تقطَّع وصلُكم وتشتَّت جمعكم، ولا تأباه قراءة النَّصب؛ إذ حينئذ تكون حركتُه حركةَ بناءٍ لإضافته إلى المبنيِّ، وهو ضمير الخطاب، فيكون فاعلًا لـ ﴿تَقَطَّعَ﴾، فتستوي القراءتان.
﴿وَضَلَّ﴾: غاب.
_________________
(١) في (ف) و(ح): " وللاستغناء".
(٢) قرأ نافع وحفص والكسائي بنصب النون والباقون برفعها. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٥).
(٣) في (م) و(ك): "أي".
(٤) نسبت لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣٩)، و"الكشاف" (٢/ ٤٧)، و"البحر المحيط" (٩/ ٢٩٨).
[ ٣ / ٣٧٢ ]
﴿عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنَّها شفعاؤكم، يرشدك إلى هذا قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤].
* * *
(٩٥) - ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ بالنَّبات والشَّجر، أخبر عنه بشقِّ النَّواة مع شدَّتها وصلابتها، ويخرج منه نبتًا أخضر لينًا ما لو اجتمع كل الخلائق على إخراج مثله ما قدروا عليه.
وقيل: المراد به الشُقاق الذي في النَّواة والحنطة مثلًا.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ جملة مبينة لمَا قبله؛ لأنَّ فلقَ الحبِّ بالنَّبات والنَّواة بالشَّجر إخراجُ الحيِّ من الميت؛ لأنَّ النَّاميَ في حكم الأحياء؛ لقوله تعالى: ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]، إلَّا أنَّه أعمُّ ليكون (^١) كالدَّليل.
﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ﴾: ما لا ينمو من النُّطف والحبِّ (^٢).
﴿مِنَ الْحَيِّ﴾: من الحيوان والنَّبات، ذكره بلفظ الاسم حملًا على ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: ذلكم القادر على تلك الأمور العجيبة هو الذي يحق له العبادة.
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: تُصرَفون عنه إلى غيره، وفيه دلالة على أنَّ هناك صارفًا لهم عن مقتضى فطرتهم، وأنَّه غير الله تعالى.
_________________
(١) في (ف) و(ح): "فيكون".
(٢) "والحب" سقط من (ف) و(ح).
[ ٣ / ٣٧٣ ]
(٩٦) - ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: شاقُّ ظلمةِ الإصباح، وهو الغبش (^١) في آخر اللَّيل الذي علا الأفقَ من الصبح، أو شاقُّ محمود الصبح عن بياض النَّهار، يقال: انشقَّ عمودُ الصُّبح وانصدع الفجر (^٢)، وسمَّوا الفجر فَلْقًا بمعنى مفلوق.
و﴿الْإِصْبَاحِ﴾ في الأصل مصدر أصبح: إذا دخل في الصبح، سمي به الصبحُ (^٣).
وقرئ بفتح الهمزة على الجمع (^٤)، وقرئ: ﴿فَالِقَ﴾ بالنَّصب على المدح (^٥).
﴿وَجَاعَلُ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ السَّكن: ما يُسْكَنُ إليه ويُسْتأنَسُ به، ومنه قيل للنَّار (^٦): سكن؛ لأنَّه يُستأنَسُ بها، واللَّيل يَستأنِسُ به التَّعِب، وَيسكنُ إليه للاستراحة فيه، ونصبه بفعلٍ دلَّ عليه ﴿وَجَاعَلُ﴾ لا به؛ لأنَّه قُصد به معنى المضيِّ، وَيعضُده قراءة: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ (^٧) حملًا على معنى المعطوف عليه، فإن ﴿فَالِقُ﴾ بمعنى: فَلَق، ولذلك قُرئ به (^٨).
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "الغلس"، والمثبت من (ح)، وهو الموافق لما في المصادر. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٩)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١٧٤)، و"البحر" (٩/ ٣٠٤).
(٢) "الفجر" زيادة من (م) و(ك).
(٣) "سمي به الصبح" من (م) وهو الموافق لما في المصادر السابقة.
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣٩)، و"الكشاف" (٢/ ٤٩)، و"البحر المحيط" (٩/ ٣٠٥).
(٥) نسبت لإبراهيم النخعي. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٩)، و"البحر المحيط" (٩/ ٣٠٦).
(٦) في (ف) و(ح): "للنهار".
(٧) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي، والباقون: (وجاعل) على وزن فاعل. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٥).
(٨) يعني: (فَلَق الإصباحَ)، ونسبت لإبراهيم النخعي. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٩).
[ ٣ / ٣٧٤ ]
أو به (^١) على أن المراد منه جعلٌ مستمرٌّ في الأزمنة.
وما يقال: إنَّه لمَّا بَعُدَ بمعنى المضيِّ عن شَبَهِ الفعل فبمعنى (^٢) الاستمرار أولى، ليس بشيء؛ لأن شبهه الخاص إنما هو بالمضارع، وباعتباره يعمل، ولهذا يشترط معنى الحال أو الاستقبال الذي هو حقيقةُ المضارع عند الجمهور، والمضارع قد يجيء للاستمرار (^٣) كثيرًا، فاسم الفاعل بالاستمرار لا يَبْعُدُ عن شَبَهِ الفعل بخلافِ معنى المضيِّ.
وعلى هذا التَّقدير يجوز أن يكون ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ عطفًا على محلِّ ﴿اللَّيْلَ﴾، والأحسن نصبهما على إضمار فعل دلَّ عليه ﴿جَاعِل﴾.
وقرئ بالجرِّ (^٤) عطفًا على ﴿اللَّيْلَ﴾، ولا دلالة فيه على أن نصبهما عطفًا على محل ﴿اللَّيْلَ﴾ حتى ينافيَ حُسنَ نصبِهما على إضمار فعلٍ (^٥).
وقرئ بالرفع (^٦) على الابتداء، والخبر محذوف؛ أي: والشَّمسُ والقمرُ محسوبان.
﴿حُسْبَانًا﴾؛ أي: جُعِلا حُسبانًا، جعلهما علمَي (^٧) حسبان؛ لأن حُسبان الأوقات
_________________
(١) أي: بـ (جاعل). وانظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٧٤).
(٢) في (م) و(ك): "فمعنى".
(٣) في (م) و(ك): "بمعنى الاستمرار".
(٤) يعني: (والشمسِ والقمرِ). انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣٩)، و"الكشاف" (٢/ ٤٩).
(٥) من قوله: "دل عليه جاعل … " إلى هنا سقط من (ف) و(ح).
(٦) انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٩)، و"البحر المحيط" (٩/ ٣٠٩).
(٧) قوله: "جعلهما علمي حسبان" كذا جاءت في جميع النسخ، ولعل المعنى: جعلهما علمين على نوع من الحساب؛ لأن حساب الأوقات يعلم بحركتهما، وفي مطبوع "الكشاف" (٢/ ٥٠): =
[ ٣ / ٣٧٥ ]
يُعْلَم بسَيرهما ودَورهما، يعني: على أدوارٍ مختلفةٍ تُحْسَبُ بها الأوقات، ويكونان علمَي (^١) الحسبان، وعلى قراءة الجرِّ نُصب ﴿حُسْبَانًا﴾ بفعلٍ مقدَّرٍ؛ أي: جُعِلا كما مرَّ في ﴿سَكَنًا﴾.
والحُسْبَان كالكُفْران مصدرُ حسَبَ بفتح العين، وأما مصدر حسِبَ بالكسر فالحِسْبان كالفِقْدَان.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: جَعْلُهما حسبانًا؛ يعني: ذلك التَّسيير بالحساب المعلوم ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ الذي قهَرَهما وسخَّرَهما ﴿الْعَلِيمِ﴾ بتدبيرهما وتدويرهما (^٢) على الأدوار المختلفة.
* * *
(٩٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) = (جعلهما على حسبان؛ لأنّ حساب الأوقات يعلم بدورهما وسيرهما) والمعنى عليه واضح، وكذا جاء في "فتوح الغيب" (٦/ ١٧٥)، لكن لفظ المؤلف جرى التنبيه عليه في هامش نسخة خطية جيدة من "الكشاف" أنه في نسخة منه: (علمي)، وأما البيضاوي فقد وقع الاختلاف في مطبوعاته، ففي طبعة إحياء التراث (٢/ ١٧٤)، وطبعة "حاشية الشهاب" (٤/ ١٠٢): (﴿حُسْبَانًا﴾؛ أي: على أدوار مختلفة يحسب بهما الأوقات ويكونان علمي الحسبان)، وفي طبعة "حاشية شيخ زاده" (٤/ ١٠٢)، وطبعة "حاشية القونوي" (٨/ ٢٠٥): (على الحسبان)، ولم ينبه أحد من أصحاب الحواشي المذكورة على هذا الاختلاف بين اللفظين، ولكل منهما وجه كما علمت.
(٢) في (ف) و(ح): "ويكون على"، وفي (ك): "ويكونان على"، والمثبت من (م). وانظر التعليق السابق.
(٣) "وتدويرهما" سقط من (ف) و(ح).
[ ٣ / ٣٧٦ ]
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ إجمالٌ؛ أي: خلقَها لأجلِكم (^١)؛ فإنَّ لكم فيها منافع، وهو دليلُ إضماره في الكلِّ من ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾، و﴿وَجَاعَلَ اللَّيْلَ﴾ و﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾؛ لأنَّه في مَعرضِ الامتنان، وتعديد (^٢) النِّعم على الإنسان.
﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ يتبيَّن بإفراد بعض منافعها بالذِّكْرِ إشارةٌ إلى أنَّه أكثرُ منافعها وأجلُّها.
﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: في ظلماتِ اللَّيل في البرِّ والبحر، وإضافتها إليهما للملابَسَة، أو: في مشتبِهات الطُّرق، وسمَّاها ظلماتٍ على الاستعارة.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾: بيَّناها فصلًا فصلًا، وإنَّما قال (^٣):
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ لِمَا علمْتَ أنَّ ذلك التَّفصيل في معرض الامتنان، وهو لا يكون إلَّا للعالِمِ بما امتنَّ به (^٤).
* * *
(٩٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: هو آدم ﵇.
﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: فلكُم استقرار في الرَّحم أو فوقَ الأرض، واستيداعٌ في الصُّلب أو تحتَ الأرض.
_________________
(١) في (ف) و(ح): "لآجالكم".
(٢) في (ف) و(ح): "وتقدير ".
(٣) في (م) و(ك): "وإنما قال".
(٤) في (ك) و(م): "للعالم به لما امتن به".
[ ٣ / ٣٧٧ ]
وقال ابن الحنفيَّة: المستقرُّ الصُّلْب، والمستودعُ الرَّحم (^١)؛ لتقدُّم (^٢) ذِكْره على المستودَعَ.
أو: فلكم محلُّ استقرار واستيداع.
وعلى قراءة كسر القاف (^٣): فمنكم مستقِرٌ؛ اسم فاعل، ومنكم مستودعَ اسم مفعول؛ لأن الاستقرار منَّا دون الاستيداع، وهو جعل (^٤) الشيء في الشيء للاحتفاظ به.
قال الحسن: المستقِرُّ مَن مات، والمستودعَ أنتم (^٥).
وأُنْشِدَ:
فُجِعَ الأحبَّةُ بالأحبَّة قبلَنا … فالنَّاس مفجوعٌ به ومفجَّعُ
مستودعٌ أو مستقِرٌّ قدْ خلا (^٦) … فالمستقِرُّ يزورُه المستودعُ
وكان يقول: يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك. ويُنشد (^٧):
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٥٦)، و(٦/ ٢٠٠٣).
(٢) في (م) و(ك): "لتقديم".
(٣) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٥).
(٤) في (ف) و(ح): "حصر".
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٧٣).
(٦) قوله: "قد خلا" كذا في النسخ، وفي "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٧٤): (مدخلا)، ومثله في "روح المعاني" (٨/ ٣٣٥). وعزاهما الثعلبي والآلوسي لسليمان بن زيد العدوي.
(٧) في (ح) و(ف): "وأنشد". ومثله في "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٧٤)، والمثبت من (ك) و(م)، ومثله في "روح المعاني" (٨/ ٣٣٤).
[ ٣ / ٣٧٨ ]
وما المالُ والأهلونَ إلَّا وديعةٌ … ولا بُدَّ يومًا أنْ تُرَدَّ الودائعُ (^١)
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ فرَّق بينَ الفاصلتين فذَكَرَ مع ذِكْرِ النُّجوم والاهتداء بها: ﴿يَعْلَمُونَ﴾؛ لظهور أمرها (^٢)، ومع إنشاء الخلق (^٣) من نفسٍ واحدة: ﴿يَفْقَهُونَ﴾؛ لأن تصريفهم بين أطوارٍ وأحوالٍ مختلفةٍ يحتاج إلى دقَّةِ نظرٍ وروَّية.
* * *
(٩٩) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: من جانبها أو من السحاب.
﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ على تلوين الخطاب ﴿بِهِ﴾: بالماء ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: نبتَ كلِّ صنفٍ (^٤) من أصناف النَّامي، وفيه إيماءٌ إلى عجيبِ صنعِه، وبديعِ خلقِه، من كون السَّبب واحدًا، والمسبَّبات أشياءَ مختلفةً، كقوله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤].
﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾ من النَّبات ﴿خَضِرًا﴾: شيئًا غضًّا أخضرَ، وهو ما تشعَّب من أصل النَّبات الخارج من الحبَّة.
_________________
(١) البيت للبيد. انظر: "ديوانه" (ص: ١٧٠).
(٢) في (ف) و(ح): "لظهوره".
(٣) في (ف) و(ح): "إنشائهن".
(٤) "صنف" من (م) و(ك).
[ ٣ / ٣٧٩ ]
﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾: من الخَضِر ﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾: هو (^١) السُّنبل.
﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا﴾ الطَّلْعُ: أوَّلُ ما يخرجُ من النَّخلة في أكمامها (^٢).
﴿قِنْوَانٌ﴾ وهو الأعذاق: جمع عِذقٍ. مبتدأٌ و﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ خبره، و﴿مِنْ طَلْعِهَا﴾ بدل منه (^٣)، كأنه قيل: وحاصلةٌ من طلع النخل قنوانٌ، ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا لدلالة (أخرجنا) عليه؛ أي: ومخرَجةٌ من طلع النَّخل قنوانٌ (^٤).
ومَن قرأ: (حبٌّ متراكبٌ) (^٥) عَطَف ﴿قِنْوَانٌ﴾ على (حبٌّ).
وقرئ بضم القاف وبفتحها (^٦) على أنه اسمُ جمع؛ إذ ليس فَعلان من أبنية الجمع.
﴿دَانِيَةٌ﴾: قريبةُ التَّناول؛ لأنَّ النَّخل تُثمر (^٧) على قِصَرها، أو قريبةٌ بعضُها من بعض، وصف القنوان بالدانية؛ لأنَّ النَّعمة فيها أكثرُ وأهنا، واستغنى بها عن ذِكْرِ مقابِلها، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾.
﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ بالكسر في محل النصب، عطفٌ على ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
_________________
(١) في (م): "وهو".
(٢) في (م) و(ك): "أكمامه".
(٣) بدل بعض من كل بإعادة العامل. انظر: "روح المعاني" (٨/ ٣٣٩).
(٤) "ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا لدلالة أخرجنا عليه أي: ومخرجه من طلع النخل قنوان" سقط من (ف) و(ح).
(٥) أي: (يُخرَج منه حبٌّ متراكب). انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣٩)، و"الكشاف" (٢/ ٥١)، و"الدر المصون" (٥/ ٦٩). وهي على بناء (يخرج) للمفعول كما صرح بذلك السمين.
(٦) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣٩)، و"المحتسب" (١/ ٢٢٣)، و"الكشاف" (٢/ ٥١).
(٧) في (م): "تغمر"، وفي (ك): "تعمر".
[ ٣ / ٣٨٠ ]
وقرئ بالرفع (^١) على الابتداء؛ أي: ولكم - أو: وثمَّة - جنَّاتٌ من الأعناب؛ أي: مع النَّخل، ويجوز عطفه على ﴿قِنْوَانٌ﴾، ولا يلزم أن يكون المعنى: ومن النَّخيلِ جنَّاتٌ من أعناب؛ إذ حينئذ يكون ﴿مِنْ أَعْنَابٍ﴾ عطفًا على (من النخيل)، فيصير من عطف مفرد على الابتداء، وأخِّرَ على (^٢) خبرُه، وقدِّم الظَّرف في المعطوف عليه للتَّخصيص وأخِّر في المعطوف لعدم اختصاص الجنَّات (^٣)، غايته أن المعطوف على المبتدأ يكون نكرةً غيرَ مخصوصة، ولم يُعرَفْ منعُ ذلك، كيف وقد قال الشاعر:
عندي اصطبارٌ وشكوى عند قاتلتي … فهل بأعجبَ من هذا امرؤٌ سمعا (^٤)
﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ أيضًا عطف على ﴿نَبَاتَ﴾، أو نصب على المدح، لعزَّة هذين الصِنْفَين عندَهم.
﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ حال، وتقديره: والزيتون مشتبهًا وغير متشابه، والرُّمان كذلك، كقوله:
كنْتُ منه ووالدي … بريئا (^٥)
_________________
(١) وهي فراءة الأعمش. انظر: "القراءات الشاذة" (ص: ٣٩)، و"البحر المحيط" (٩/ ٣١٥).
(٢) "على"من (م) و(ك).
(٣) في (م): "الاختصاص بالجنات".
(٤) البيت بلا نسبة في "شرح التسهيل" لابن مالك (١/ ٢٩٢)، و"مغني اللبيب" (ص: ٦١٠).
(٥) جزء من بيت، وتمامه: رَمانِي بأَمْرٍ كنتُ مِنه ووالِدِي … بَرِيئًا ومن جُولِ الطَّوِىِّ رَمانِي ويروى: ومن أجل الطويِّ. وقد اختلف في نسبته؛ فعزاه سيبويه في "الكتاب" (١/ ٧٥) لابن الأحمر، وهو في "ديوانه" (ص: ١٨٧)، ونُسب للأزرق بن طرفة بن العمرَّد الفراصي، كما في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ١٦١)، وانظر: "لسان العرب" (١١/ ١٣٢).
[ ٣ / ٣٨١ ]
أي: بعضُه متشابهٌ وبعضُه غيرُ متشابهٍ، في (^١) القَدْرِ واللَّون والطَّعم والشَّكل، وذلك دليل القدرة.
وقرئ: (متشابهًا) (^٢)، والاشتباه والتَّشابه بمعنًى واحد، وكثيرًا ما يشترك الافتعال والتَّفاعل بمعنى.
﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ إلى ثمر كلِّ واحدٍ من ذلك، وقرئ بضم الثاء (^٣)؛ جمعُ ثَمَرَةٍ، كخَشَبَةٍ وخُشُبٍ، أو ثِمارٍ ككتابٍ وكُتُبٍ.
﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾: إذا أخرج ثمره، نظرَ استبصارٍ واعتبار واستدلال على قدرة مقدِّره ومدبِّره وناقله من حال إلى حال، كيف يخرجُ ضئيلًا حقيرًا لا ينتفع به (^٤).
﴿وَيَنْعِهِ﴾ وإلى حال نضجه، أو إلى نضيجه كيف يعود شيئًا جامعًا لمنافِعَ وملاذَّ.
واليَنْعُ: مصدرُ يَنَعَ، بفتح الياء في لغة (^٥) الحجاز، وضمها في بعض لغةِ نجد، يقال: ينعَتِ الثَّمرة: إذا أَدركت ونَضِجت.
وقيل: جمعُ يانع، كتَجْرٍ وتاجر.
وقرئ بالضم (^٦)، وهو لغة فيه، و: (يَانعِهِ) (^٧).
_________________
(١) في (ف) و(ح): "وفي".
(٢) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٢)، و"البحر المحيط" (٩/ ٣١٨).
(٣) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٥).
(٤) في (ف): "كيف سبيلًا حقيرًا ولا ينتفع به"، وفي (ح): "كيف سنبلًا حقيرًا ولا ينتفع به". وانظر: "الكشاف" (٢/ ٥٢).
(٥) في (م): "لغة أهل".
(٦) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٢)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٣٢٨)، و"البحر المحيط" (٩/ ٣٢٠).
(٧) نُسبَتْ لابن محيصن. انظر: "القراءات الشاذة" (ص: ٣٩)، و"الكشاف" (٢/ ٥٢).
[ ٣ / ٣٨٢ ]
﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لآياتٍ دالَّةً على وجودِ قادرٍ حكيمٍ وتوحيدِه لمن (^١) نظرَ واعتبرَ، وظهورُ الآياتِ لا تنفعُ إلَّا لمن قدَّرَ اللهُ تعالى له الإيمان، فنبَّه على ذلك بتوصيف (^٢) القوم بالإيمان، فهو من قَبيل: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
ولمَّا ذكرَ ما دلَّ على صانعٍ قادرٍ حكيمٍ لا نِدَّ له ولا ضِدَّ وَبَّخَ مَنْ أشرك به واستعظم (^٣) ذلك فقال:
(١٠٠) - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ ﴿لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ مفعولا (جعلوا) (^٤)، و﴿الْجِنَّ﴾ منصوبٌ بمحذوف جوابًا عن سؤال، كانه قيل: مَنْ جعلوه شركاء لله؟ فقيل: الجنَّ، أو بدل من ﴿شُرَكَاءَ﴾، أو ﴿شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ مفعولاه، و﴿لِلَّهِ﴾ متعلِّق بـ (جعلوا)، أو حال من ﴿شُرَكَاءَ﴾، و﴿شُرَكَاءَ﴾ ثاني مفعوليه (^٥).
وقرئ: (الجِنُّ) بالرَّفع (^٦)، كأنه قيل: مَن هم؟ فقيل: الجنُّ؛ أي: هم الجنُّ، وبالجر على الإضافة للتبيين (^٧).
_________________
(١) في (م) و(ك): "بمعنى".
(٢) في (ف) و(ح): "توصيفه".
(٣) في (ك) و(م): "أو استعظم"، وسقطت به من (ح) و(ف).
(٤) في (ك) و(م): "مفعولان لجعلوا".
(٥) في (ف) و(ح): "أو شركاء الجن مفعوليه".
(٦) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٩)، و"الكشاف" (٢/ ٥٢)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٣٢٩)، و"البحر المحيط" (٩/ ٣٢٥).
(٧) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٢)، و"البحر المحيط" (٩/ ٣٢٥).
[ ٣ / ٣٨٣ ]
وفائدةُ تقديمِ ﴿لِلَّهِ﴾ استعظامُ أن يكون لله شركاء، أيِّ شيء كان، جنيًّا أو إنسيًّا أو غير ذلك، وكذا فائدة تقديم ﴿شُرَكَاءَ﴾ على ﴿الْجِنَّ﴾، والظاهر أن المراد به الملائكة، وسمَّاهم جنًّا لاجتنانهم تحقيرًا لشأنهم، ويجوز أن يُرادَ بالجنِّ الشياطين؛ لأنهم أطاعوهم كما يجب أن يطاع الله تعالى، وعبدوا الأوثان بتحريضهم وتسويلهم، فهم عبدوهم في الحقيقة.
وقيل: المراد به الثَّنويَّه القائلون بيزدان وأهرمن (^١)، من الذين زعموا أنَّ اللهَ تعالى خالقُ كلِّ خيرٍ ونافعٍ، وإبليس خالقُ كلِّ شرٍّ وضارٍّ.
﴿وَخَلَقَهُمْ﴾؛ أي: الجاعلين (^٢)، معناه: وقد علموا أنَّ اللهَ خالقَهم دونَ الجنِّ، فكيفَ يجعلون مَنْ لا يخلقُ شريكَ الخالق.
أو: الجنَّ؛ يعني: وخلقَ اللهُ الجنَّ، فكيفَ يجعلونَ مخلوقَه شريكًا له.
وقرئ: (وخَلْقَهم) بسكون اللام (^٣)، عطفًا على ﴿شُرَكَاءَ﴾ على الوجه الأول؛ أي: اختلاقَهم للإفك، معناه: وجعلوا لله افتراءهم، وهو ما (^٤) نسبوا قبائحهم إلى الله تعالى في قولهم: إنَّ اللهَ حرَّم هذا، وقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨]، وأمثال ذلك.
_________________
(١) حيث قالوا: إن الله - تعالى - وإبليس أخوان، فالله - تعالى - خلق الناس والدواب والأنعام وكل خير، ويعبرون عن الله بيزدان، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب وكل شر، ويعبرون عن إبليس بأهرمن. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٧٥)، و"جامع البيان" للإيجي (١/ ٥٦٣)، والشرح الذي ذكرناه لفظه.
(٢) في (ف): "الجاهلين".
(٣) نسبت ليحيى بن معمر. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣٩)، و"المحتسب" (١/ ٢٢٤).
(٤) في (ح) و(ف): "وهم". وسقطت منهما: "ما".
[ ٣ / ٣٨٤ ]
﴿وَخَرَقُوا﴾: افتعلوا الإفكَ، يقال: خلقَ الإفكَ وخرقَه واختلقَه واخترقَه بمعنى، ويجوز أن يكون من خرَقَ الثَّوب: إذا شقَّه؛ أي: اشتقُّوا له بنين وبنات.
وقرئ: ﴿وَخَرَقُوا﴾ بالتَّشديد (^١) للتَّكثير لقوله (^٢): ﴿بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ على الجمع.
وقرئ: (حرَّفوا له) (^٣)؛ أي: وزوَّروا (^٤) له أولادًا؛ لأن المزوِّرَ محرِّفٌ مغيِّرٌ للحقِّ إلى الباطل، هو قولُ أهل الكتابَين في المسيح وعُزَيرٍ ﵉، وقولُ قريشٍ في الملائكةِ.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: منْ غيرِ أنْ يعلموا حقيقةَ ما قالوه، أي: قولًا عن جهالةٍ وعمًى منْ غيرِ فكرٍ وروَيَّةٍ (^٥)، وهو في موضعِ الحالِ؛ أي: خرقوا مُلْتَبسينَ (^٦) بالجهالة، أو المصدر؛ أي: خرقًا بغير علمٍ.
ولما ذكر إثباتهم الشُّركاء للهِ (^٧) تعالى، واختلاقَهم بنسبةِ ما لا يجوز نسبتُه إليه تعالى، نزَّهَهُ عن ذلك بقوله:
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وهو أنَّ له شريكًا أو ولدًا.
_________________
(١) قرأ بها نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٥).
(٢) في (ف) و(ح): "ليكثر بقوله"، وفي (م): "تكثير لقوله".
(٣) نسبت هذه القراءة لابن مسعود وابن عباس ﵃. انظر: "المحتسب" (١/ ٢٢٤)، و"البحر المحيط" (٩/ ٣٢٧).
(٤) في (ف) و(ح): "زوروا".
(٥) "وروية" سقط من (ك).
(٦) في (م): "متلبسين".
(٧) في (م) و(ك): "له".
[ ٣ / ٣٨٥ ]
(١٠١) - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من إضافة الصِّفة إلى فاعِلها؛ أي: بُدِعَتْ سماواتُه وأرضُه، أو إلى الظَّرف؛ أي: بديعٌ فيهما، بمعنى: عديم النَّظير فيهما، كقولك: فلانٌ ثَبْتُ الغَدْرِ؛ أي: ثابتٌ فيه.
وقيل: بمعنى: المبدع، وقد مرَّ أن فَعِيلًا يجيء بمعنى المُفْعِل كأليم وحكيم.
وهو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: هو بديع، أو مبتدأٌ خبرُه: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾؛ أي: مِنْ أين - أو: كيف - يكون له ولدٌ؟ أو فاعلُ (تعالى).
وقرئ بالجرِّ صفةً لله تعالى، أو بدلًا من ضمير ﴿سُبْحَانَهُ﴾، وبالنَصب على المدح (^١).
﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ يكون منها الولد، وقرئ بالياء (^٢)، للفصل، أو لأنَّ الاسمَ ضميرُ الله (^٣)، أو ضمير الشَّأن.
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا تخفى عليه خافيةٌ، وإنما قال: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾، ولم يقل: (به)؛ لأن الأوَّل اختصَّ بالمخلوقيَّة.
وفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه: أحدها: أنَّه تعالى مُبدِعُ الأجسامِ كلِّها، ومبدعُ الأجسام كلِّها لا يكون
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣٩)، و"الكشاف" (٢/ ٥٣).
(٢) نسبت لإبراهيم النخعي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٠)، و"المحتسب" (١/ ٢٢٤).
(٣) أي: "ضميرٌ يعود على الله". انظر: "البحر المحيط" (٩/ ٣٢٨).
[ ٣ / ٣٨٦ ]
جسمًا، والولادةُ إنَّما تكون من صفات الأجسام، فلم يكن له ولا.
وثانيها: أنَّ الأجسامَ مُبدَعةٌ، والمُبدِعُ هو الذي لا يوجَدُ من مادَّةٍ، والولد لا يكون إلَّا من مادَّة شخص، فالمبدِعُ ليس بوالدٍ.
وثالثها: أنَّ الولدَ لا يكون إلَّا عن زوجةٍ تُجانس الوالدَ، وهو غير مجانَسٌ، فلا زوجةَ له، فلا ولدَ.
ورابعها: أنَّه تعالى خالقُ الكلِّ، والمخلوقُ ممكِن محتاجٌ إلى الخالقِ، والخالقُ واجبٌ مستغنٍ، فلا يشابهه شيءٌ من خلقِه.
وخامسها: أنَّه تعالى عالمٌ بكلِّ شيءٍ لذاته، ومَنْ عداهُ ليس كذلك بالإجماع، فلا يجانسُه غيرُه، والولدُ إنَّما هو مجانسٌ للوالد (^١)، فلم يكن له ولدٌ.
* * *
(١٠٢) - ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.
﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارة إلى الموصوف بما سبق من الصِّفات، وهو مبتدأ وما بعده أخبارٌ مترادفة، وهي: ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ويجوز أن يكون البعض خبرًا، والبعض بدلًا أو صفة.
﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ مسبَّب عن مضمون الجملة؛ أي: مَن استجمع هذه الصفات وجبَ عبادته، ولا تحقُّ العبادة إلَّا له.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾؛ أي: هو مع تلك الصِّفات متولي أموركم، فكِلُوا إليه أمورَكُم وتوصَّلوا (^٢) إليه بعبادته ليجازَيكم بها.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "والوالد إنما هو يجانس الولد".
(٢) في (م) و(ك): "وتوسلوا"، والمؤدى واحد.
[ ٣ / ٣٨٧ ]
(١٠٣) - ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾: لا تحيط به ﴿الْأَبْصَارُ﴾ فإذا لم يُحِطْ به الكلُّ فعدمُ إحاطةِ كلِّ واحدٍ منها به (^١) بطريقِ الأَوْلى، وهذا (^٢) الوجه للعدول عن المفرد إلى الجمع، وإذا كان المنفيُّ الإدراكَ الخاصَّ فلا متمسَّكَ فيه لمن أنكر الرؤية، وأمَّا الجواب عنه بتخصيص الحكم ببعض الأوقات أو ببعض الأشخاص فلا يتحمَّله الكلام على الوجه المذكور المناسب للمقام.
و﴿الْأَبْصَارُ﴾: جمع بصر، وهو حاسَّة العين؛ أي: قوتها التي بها تدرك، وقد تطلق على العين مجازًا.
﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾: يحيطُ بها (^٣) علمًا.
﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فيدرِكُ ما لا يُدرَكُ بالبصر، ويجوز (^٤) أن يكون الأوَّل ناظرًا إلى قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، والثَّاني إلى قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، كأنه قيل: لا تدركه الأبصار لأنَّه اللطيف، وهو يدرك الأبصار لأنَّه الخبير بكلِّ خفيَّة وجليَّة، والمراد من ﴿اللَّطِيفُ﴾: ما لا يتعلَّق به حاسّة النَّظر؛ لعدم حظِّه من الكثافة بطريق الاستعارة.
_________________
(١) "به" من (م) و(ك).
(٢) في (م): "وهذا هو".
(٣) في (ف) و(ح): "به".
(٤) "الواو" ليست في (م).
[ ٣ / ٣٨٨ ]
(١٠٤) - ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ البصائر: جمع بصيرة، وهي نورٌ للقلب (^١) يدرِك به الحقائق (^٢) ويستبصِر، وهي للقلب بمنزلة البصر للعين، سُمِّيَتْ بها الدلالة لأنها يُجلى بها الحقُّ ويبصَر بها.
﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾؛ أي: أبصرَ الحقَّ بهذه الدَّلائل فآمن (^٣) به ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أبصر، وإيَّاها نفعَ.
﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾؛ أي: عميَ عن الحقِّ وأنكر ﴿فَعَلَيْهَا﴾ عميَ، وإيَّاها ضرَّ؛ إذ ليس وباله إلَّا عليه (^٤).
وهذا الكلام واردٌ على لسانِ النَّبيِّ ﷺ لقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾: وما أنا عليكم برقيب يحفظ أعمالكم ويجازيكم بها، بل اللّه هو الحفيظ، وما أنا إلَّا منذرٌ.
* * *
(١٠٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ ومثلَ ذلك التَّصريف نصرِّفُ، وهو نقلُ الشيء من حالٍ إلى حالٍ.
﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ علَّةُ فعلٍ محذوف؛ أي: وليقولوا درسْتَ نصرِّفها، واللام للعاقبة.
_________________
(١) في (ف) و(ح): "بصر وهو نور القلب".
(٢) في (م) و(ك): "الحق".
(٣) في (م) و(ك): "وآمن".
(٤) في (م) و(ك): "عليها".
[ ٣ / ٣٨٩ ]
كذا قالوا، والظَّاهر أنها لام الأمر، والفعل مجزوم بها، لا منصوب بإضمار أن (^١)، ويؤيِّده قراءة من قرأَ بتسكين اللَّام (^٢)، والمعنى عليه متمكِّن (^٣)، كأنَّه قيل: ومثلَ ذلك نصرِّف الآيات ولْيقولوا هم ما يقولون، وهو أمرٌ معناه الوعيد والتَّشديد، وعدمُ الاكتراث بهم وبما يقولون.
والدَّرس: استمرار التِّلاوة، وقرئ: ﴿دَارَسْتَ﴾ (^٤) العلماءَ، و: ﴿وَدَرَسْتَ﴾ (^٥) من الدُّروس، أي: قَدُمَتْ هذه الآياتُ وعَفتْ، كقولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الفرقان: ٥].
وقرئ: (دَرُسَتْ) بضم الرَّاء (^٦)؛ مبالغة في دَرَسَتْ.
و: (دُرِسَتْ) على البناء للمفعول (^٧)، أي: قُرِئَتْ هذه الآيات، أو: عَفيَتْ.
و: (دَارَسَتْ) (^٨) بمعنى: دَرَسَتْ، أو: دارسَتِ اليهودُ محمَّدًا ﷺ، وجاز الإضمار؛ لأنَّ اليهود كانت مشهورة عندهم بالدِّراسة، ويجوز أن يكون الضَّمير للآيات، والمرادُ أهلُها، وهم أهل الكتاب.
_________________
(١) هذا القول الذي نفاه هو قول الجمهور في الآية. انظر: "البحر المحيط" (٩/ ٣٣٧).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للنحاس (٢/ ٤٦٩)، و"الكشاف" (٢/ ٥٥)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٣٣١)، و"البحر المحيط" (٩/ ٣٣٩).
(٣) في (ح) و(ف): "ممكن".
(٤) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٥).
(٥) وهي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٥).
(٦) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٥)، و"البحر المحيط" (٩/ ٣٣٥).
(٧) نسبت للحسن كما في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٠)، ولابن عباس ﵄ كما في "المحتسب" (١/ ٢٢٥).
(٨) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٠).
[ ٣ / ٣٩٠ ]
و: (دَرَسَ) (^١)؛ أي: درسَ محمَّدٌ ﷺ.
و: (دَرَسْنَ) (^٢)؛ أي: عَفَوْن.
و: (دارسات)؛ أي: قديمات، أو: ذات درس؛ كـ ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧] (^٣).
﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ اللام للتعليل على الحقيقة أو بطريق الاستعارة، على اختلاف الأصلين في جواز أن يكون فعلُ الله تعالى معلَّلًا بالغرض، وأعيد الضمير مفردًا على معنى الآيات وهو القرآن، ولما كان التصريف (^٤) اعتبر فيه وحدةُ المعنى كان لتوحيد الضمير هاهنا باعتبار المعنى موقعٌ حسَن.
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وجه التَّخصيص ما ذُكر في قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
* * *
(١٠٦) - ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ بالتَّديُّن به.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ اعتراض أكَّد به إيجابَ اتِّباع الوحي، أو حالٌ مؤكِّدة من ﴿رَبِّكَ﴾ بمعنى: منفردًا في الألوهيَّة.
_________________
(١) نسبت لابن مسعود. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٠).
(٢) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: "المحتسب" (١/ ٢٢٥). وانظر هذه القراءات وغيرها في "البحر المحيط" (٩/ ٣٣٥)، وقد أورد في "البحر المحيط" ثلاث عشرة قراءة لهذه الكلمة.
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٥)، و"البحر المحيط" (٩/ ٣٣٦). وقد أورد في "البحر المحيط" ثلاث عشرة قراءة لهذه الكلمة منها ما ذكر هنا ومنها ما لم يذكر.
(٤) في (ح) و(ف): "التزييف"، وفي (م) و(ك): "التعريف". والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٥).
[ ٣ / ٣٩١ ]
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: ولا (^١) تحفلْ (^٢) بأقوالهم ولا تلتفت إليهم، ومن جعله منسوخًا بآية السَّيف حمل الإعراض على ما يعمُّ الكفَّ عنهم، ولا ضرورة فيه.
* * *
(١٠٧) - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ توحيدَهم وعدمَ إشراكهم ﴿مَا أَشْرَكُوا﴾ دليل على أنَّ الله تعالى لا يريدُ إيمانَ الكفار، وأنَّ مرادَه تعالى واجبُ الوقوع.
﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: رقيبًا.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ يقومُ بأمورِهم.
* * *
(١٠٨) - ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: لا تذكروا آلهتهم التي يعبدونها بما فيها من القبائح ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ ليتسبَّب سبُّكم لأنْ يسبُّوا الله.
فيه تلوين الخطاب بالعدول عن (^٣) خطابه ﷺ وحده إلى الخطاب في ضمن الكلِّ؛ لِمَا في مواجهته ﵇ بما ذكر من خلافِ ما كان عليه من الأخلاق الكريمة، إذ لم يكن فحَّاشًا (^٤) ولا سبَّابًا.
_________________
(١) في (م) و(ك): "أي لا".
(٢) في (ف) و(ح): "تحتفل".
(٣) في (ف) و(ح): "فمن"، وفي (ك): "من"، والمثبت من (م).
(٤) في (ك): "فاحشًا".
[ ٣ / ٣٩٢ ]
قال الإمام أبو منصور: كيفَ نهانا الله تعالى عن سبِّ مَنْ (^١) يستحقُّ السَّبَّ لئلا يُسَبَّ مَنْ لا يستحقُّه، وقد أمرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهم قاتلونا (^٢)، وقَتْلُ المؤمن بغير حقٍّ منكرٌ، وكذا أُمِرَ النَّبيُّ ﷺ بتبليغ الوحي والتِّلاوة عليهم، وإن كانوا يكذِّبونه؟
ثم قال في جوابه: إنَّ السَّبَّ لأولئك مباحٌ غيرُ مفروضٍ، وقتالهم فرضٌ، وكذا التَّبليغ، وما كان مباحًا فإنَّه يُنهى عما يَتولَّد منه وَيحدث، وما كان فرضًا لا يُنهَى عن المتولِّد منه، وعلى هذا يقع الفرق لأبي حنيفة فيمَنْ قطعَ يدَ قاطعِ يده قصاصًا فمات منه (^٣)، فإنَّه يضمن الدِّية؛ لأنَّ استيفاء حقِّه مباحٌ، فأُخِذَ بالمتولِّد منه (^٤)، والإمام إذا قطع يدَ السَّارقِ فمات لم يضمن؛ لأَنَّه فرضٌ عليه، فلم يُؤْخَذْ بالمتولِّد منه. إلى هنا كلامه (^٥).
وعلى هذا لا دلالة في الآية على أنَّ الطَّاعة الواجبة يجب أنْ تُترَك إذا أدَّت إلى معصية راجحة كالنَّهي عن المنكر.
بقي هاهنا شيء: وهو أنهم كانوا مقِرِّين بالله تعالى وعظمته، وأن الأصنام إنما تُعبَد ليكونوا شفعاء عند الله تعالى، فكيف يسبُّونه؟
وأجيب عنه: بأنهم لا يفعلون ذلك صريحًا، لكن ربَّما يُفضي فعلهم إلى ذلك، كما قالوا: اترك شتمَ آلهتنا وإلا شتمناك ومَنْ يأمرك بذلك.
_________________
(١) في (م): "ما".
(٢) في (ك) و(م): "قتلونا"، في (ح) و(ف): "فقتلوا"، والمثبت من "تأويلات أهل السنة".
(٣) "منه" زيادة من (م).
(٤) "وعلى هذا يقع الفرق لأبي حنيفة فيمن قطع يد قاطع يده قصاصًا فمات منه، فإنه يضمن الدية لأن استيفاء حقه مباح، فأخذ بالمتولد منه" سقط من (ك).
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٢٠٧).
[ ٣ / ٣٩٣ ]
ويعضد ذلك قوله: ﴿عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أي: تجاوُزًا عن الحقِّ إلى الباطل على جهالة.
حالٌ (^١)؛ أي: عادِين، أو مفعولٌ له؛ أي: لعدوانٍ فيهم، أو مصدرٌ للنَّوع؛ أي: سبًّا عَدْوًا.
وقرئ: ﴿عَدْوًا﴾ بضم الدَّال وتشديد الواو (^٢).
وبما قرَّرناه تبيَّن الخلَّل فيما قيل: إنه ﵇ كان يطعن في آلهتهم، فقالوا: لتنتهينَّ عن سَبِّ آلهتنا أو نهجونَّ إلهك، فنزلت (^٣).
فإنَّ عبارة: (نهجونَّ) تأبى عن التَّأويل المذكور، وقد ذكر في "التيسير" (^٤) سبب النزول على وفق ذلك (^٥) التأويل.
﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أي: مثلَ ذلك التَّزيين العظيم - وهو تزيينُ سبِّ الله تعالى - زيَّنا لكلِّ أمَّة من أمم الكفَّار سوء عملهم بالخذلان والتَّخلية بينهم وبين أعمالهم حتى تزيَّن لهم.
_________________
(١) في (ف) و(ح): "قال".
(٢) وهى قراءة يعقوب. انظر: "المبسوط في القراءات العشر" (ص: ٢٠٠)، و"النشر" (٢/ ٢٦١).
(٣) أخرج نحوه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٣٠٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٧٧)، عن ابن عباس ﵄ وعن غيره. وانظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٢١)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٣٣٨).
(٤) هو كتاب: "التيسير في التفسير" لنجم الدين، أبي حفص: عمر بن محمد النسفي الحنفي، المتوفى بسمرقند سنة (٥٣٧). انظر: "كشف الظنون" (١/ ٥١٩).
(٥) "ذلك" من (م) و(ك).
[ ٣ / ٣٩٤ ]
وقيل: هو عامٌّ؛ أي: زيَّنَّا (^١) لكلِّ أمَّةٍ عملَهم من الخير والشرِّ بإحداث ما يمكِّنهم منه ويحملهم عليه توفيقًا وتخذيلًا.
ويقوِّي الأوَّلَ كونُ الكلام في الكفَّار، والمشبَّهُ به تزيين سبِّ الله تعالى لهم، والتَّهديدُ بقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بالمجازاة والمعاقبة.
* * *
(١٠٩) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مصدر في موقع الحال؛ أي: جاهدين أيمانهم جَهدًا، وإنما أقسموا بالله تعالى مؤكِّدين تحكُمًا على رسول الله ﷺ في طلب الآيات واقتراحها وعدمِ الاعتداد بما رأوا منها.
﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ من مقترَحاتهم ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا عندي؛ أي: هو القادر عليها لا أنا حتى آتيكم بها.
﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ استفهامُ إنكارٍ للسَّبب (^٢) مبالغةً في المسبَّب؛ أي: لا تدرون أيُّها المؤمنون أنَّ الآيات المقترحة إذا جاءتهم لا يؤمنون بها (^٣)، بل أنا أعلم بذلك؛ يعني: أنَّ سببَ عدمِ إنزال الآية التي يقترحونها (^٤) علمُ اللهِ تعالى بأنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، وذلك أنَّ المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم
_________________
(١) "أي زينا" زيادة من (م) و(ح).
(٢) في (ك): "للمسبب".
(٣) "بها" من (م).
(٤) في (ت) و(ح): "يفترونها".
[ ٣ / ٣٩٥ ]
ويتمنَّون مجيئها ليؤمنوا، فأجيبوا بذلك، ودليله قوله تعالى: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠].
ومنهم من جعل ﴿لَا﴾ مزيدةً في القراءة بالفتح (^١).
وقرئ: ﴿لَا تُؤْمِنُونَ﴾ بالتَّاء (^٢)، على أن الخطاب للمشركين.
وقرئ: ﴿وَمَا يُشْعِرُهُمْ﴾ (^٣)؛ أي: ولا (^٤) يعلمون أنَّ قلوبهم إذا جاءت كانت كما كانت (^٥) مطبوعًا عليها فلا يؤمنون بها.
وقيل: ﴿أَنَّهَا﴾ بمعنى: لعلَّها، من قول العرب: ائت السوق أنك تشتري لحمًا، ويؤيِّده قراءة أُبيٍّ ﵁: (لعلَّها) (^٦).
وقرئ: ﴿أَنَّهَا﴾ بالكسر (^٧)، على أنَّ ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ كلامٌ قد تمَّ؛ أي: وما يشعركم ما يكون منهم، ثم ابتدأَ فأعلمهم بقوله: إنها إذا جاءت لا يؤمنون البتَّة.
* * *
(١١٠) - ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
_________________
(١) أي: فتح ألف ﴿أَنَّهَا﴾، والقراءة بالفتح سبعية وسيأتي تخريجها.
(٢) وهي قراءة ابن عامر وحمزة. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٦).
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٨).
(٤) في (م) و(ك): "وما".
(٥) "كما كانت" زيادة من (م) و(ك).
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٥٠)، و"الكشاف" (٢/ ٥٧)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٣٣٣).
(٧) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم، وباقي السبعة بالفتح. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٦).
[ ٣ / ٣٩٦ ]
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ عطف على ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، داخلٌ في حكم الاستفهام، وكذا ﴿نَذَرُهُمْ﴾؛ أي: وما يشعركم أنَّا نقلِّب أفئدتهم؛ أي (^١): نطبع على قلوبهم ونُعمي أبصارهم كما كانت، ولم يذكر أسماعهم إذ لا يناسبه التَّغليب، ولهذا أيضًا لم يقل: قلو بهم، بدل ﴿أَفْئِدَتَهُمْ﴾.
ويجوز أن يكون ﴿كَمَا﴾ في قوله: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ للتعليل، و(ما) مصدريَّة؛ أي: يفعل بهم ذلك لكونهم لم يؤمنوا به؛ أي: بما أنزل من الآيات أوَّل وقتٍ جاءهم (^٢) هدى اللهِ تعالى، ويناسب هذا المعنى آخر الآية.
﴿وَنَذَرُهُمْ﴾: نخلِّيهم ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ متحيِّرين، لا نهديهم هداية المؤمنين.
وقرئ: (ويُقلِّبُ … وَيذَرهُم) على الغيبة (^٣).
وقرئ: (وتُقَلَّبُ) على البناء للمفعول ورفع (أفئدتُهم وأبصارُهم) (^٤).
* * *
(١١١) - ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ كما قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١].
_________________
(١) بعدها في (ح) و(ف): "وما يشعركم".
(٢) في (م): "وجاهم".
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٨)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٣٣٤)، و"البحر المحيط" (٩/ ٣٥٥).
(٤) نسبت للأعمش وغيره. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٠)، و"الكشاف" (٢/ ٥٨)، و"البحر المحيط" (٩/ ٣٥٥).
[ ٣ / ٣٩٧ ]
﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ كما قالوا: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾ [الدخان: ٣٦].
﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ كما قالوا: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] (^١)، والقُبُل. جمع قبِيلٍ، بمعنى كفيل؛ أي: كفلاءَ بما بشِّروا به وأنذروا، أو جمعُ قَبِيلٍ جمعِ قَبيلَة؛ أي: جماعاتٍ، أو مصدرٌ بمعنى: مقابلَةً (^٢).
وقرئ: (قِبَلًا) بكسر القاف وفتح الباء (^٣)؛ أي: عِيانًا.
حالٌ على الوجوه (^٤) كلِّها من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ لعمومه (^٥).
﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لا لما (^٦) سَبَق عليهم القضاء بالكفر (^٧)؛ لأن فيه تعليلَ الحوادث بالتقدير الأزليِّ، ولا يخفى فسادُه؛ [بل] (^٨) لبطلان استعدادهم وتبدُّل فطرتهم القابلة بسوء (^٩) اختيارهم.
_________________
(١) في (ك): "قبلًا".
(٢) في (ح) و(ف): "مقابل".
(٣) قرأ بها نافع وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٦).
(٤) في (ح) و(ف): "القراءات"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الأنسب لأنَّه لم يذكر سوى قراءتين بينما ذكر ثلاثة وجوه.
(٥) في (ح) و(ف): "بعمومه".
(٦) في (ت) و(ح): "بما"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق "تفسير البيضاوي". ويصح في (لما) تشديد الميم وتخفيفها. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٤/ ١١٣).
(٧) هكذا علله البيضاوي. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٧٨). وما سيأتي رد عليه.
(٨) ما بين معكوفتين من "حاشية الشهاب" (٤/ ١١٣)، وقد نقل كلام المؤلف لكنه لم يعين قائله، وكذا نفله الآلوسي في "روح المعاني" (٨/ ٣٨٦) وسماه بعض الأفاضل، وفيه مناقشة حسنة للمسألة فانظرها ثمة.
(٩) في (ف): "سوء"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصدرين السابقين.
[ ٣ / ٣٩٨ ]
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ظرف؛ أي: إلا وقتَ أن يشاء الله.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ أنَّهم لو أُتوا (^١) بكل آية لم يؤمنوا، فيُقسمون بالله (^٢) جهد أيمانهم على ما لا يشعرون (^٣)، ولذلك أُسند الجهل إلى أكثرهم مع أنَّه يعمُّهم؛ لأنَّ المقسِمين بعضُهم.
أو: ولكنَّ أكثرهم يجهلون أنَّهم لا يؤمنون عند مجيء الآيات، فيطمعون في إيمانهم ويتمنَّون نزولها، بيَّنَ أنَّ الآيات وإنْ توالَتْ، وشُموسَ البرهان وإنْ تعالَت، فمَنْ قصمَتْه العزَّة (^٤)، ووكسته القسمة (^٥)، لم يزدْه ذلك إلا ضلالًا، فلم يَستجدْ إلَّا للقسوة حالًا (^٦).
* * *
(١١٢) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾؛ أي: كما جعلنا لك عدوًّا جعلنا لكلِّ نبي سبقك عدوًّا، والحكمة في ذلك الابتلاءُ والامتحان؛ ليظهر الثَّبات والصَّبر، وكثرةُ الثَّواب والأجر.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "أوتوا"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الصواب لأن المراد الإتيان لا الإيتاء.
(٢) "بالله": ليست في (ك).
(٣) "على ما لا يشعرون" من (م) و(ك).
(٤) في (ف): "العدة"، وفي (م): "الغيرة"، وفي (ك): "العرة"، والمثبت من (ح).
(٥) في (م): "القسمية".
(٦) جاءت العبارة في "لطائف الإشارات" (١/ ٤٩٥): "لأن الآيات وإن توالت، وشموس البرهان وإن تعالت، فمن قصمته العزّة وكبسته القسمة لم يزده ذلك إلا حيرة وضلالا، ولم يستنجز إلا للشقوة حالًا".
[ ٣ / ٣٩٩ ]
﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ متمردي الصِّنْفَين، بدل من ﴿عَدُوًّا﴾، أو هما مفعولان و﴿عَدُوًّا﴾ مفعوله الثاني (^١)، و﴿لِكُلِّ﴾ متعلق به، أو حال منه.
﴿يُوحِي﴾: يلقي في خُفيةٍ ﴿وَبَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: شياطينُ الجنِّ إلى شياطينِ الإنس، أو بعضُ أحد الصنفين إلى بعضٍ آخر منه.
﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾: مُزيَّنَه ومموَّهَه (^٢) بالأباطيل.
﴿غُرُورًا﴾ حال؛ أي: غارِّين، أو: مغرورين، أو مفعول له للغرة (^٣).
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ حذف المفعول لدلالة: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ عليه؛ أي: لو شاء ربك أن لا يفعلوا معاداةَ الأنبياء وإيحاءَ الزَّخارف - على أنَّ الضمير لمَا ذُكر (^٤) - ما فعلوه، ولكن ما شاء مما (^٥) اقتضته حكمته، ويجوز أن يكون الضمير للإيحاء.
وفي الآية دلالةٌ على أن الشُّرور صدورها عنه تعالى بمشيئته.
﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: إذا عرفْتَ أنَّ ذلك بمشيئته تعالى، ومشيئتُه (^٦) تابعةٌ لحكمته، فاتركهم وَكُفْرَهم، وفيه تهديدٌ ووعيدٌ.
_________________
(١) "وعدوا مفعوله الثاني" من (م).
(٢) في (ح) و(ف): "تزيُّنه وتموُّهه".
(٣) قوله: "للغرة" كذا في النسخ، وفي "روح المعاني" (٨/ ٣٩٢) (﴿غُرُورًا﴾ مفعول له؛ أي: ليغرُّوهم).
(٤) أي: ما فعلوا ذلك، يعني: معاداة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وايحاء الزخارف. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٧٨).
(٥) في (م) و(ك): "لما".
(٦) "ومشيئته" من (م).
[ ٣ / ٤٠٠ ]
(١١٣) - ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾.
﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ عطفٌ على ﴿غُرُورًا﴾ إنْ جُعِلَ علَّة، أو علَّةٌ لمحذوف؛ أي: ولتصغَى إليه جعلنا لكلِّ نبيٍّ عدوًّا، واللَّام للتَّعليل أو للعاقبة على الاختلاف في جواز أن يكون فعلُه تعالى معلَّلًا بالغرض، وليست لامَ الأمر، وإلَّا لقيل: (ولْتَصْغَ) بحذف الألف، ولا لامَ القسم؛ لأن عطف قوله: ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ يأباه، وهذا يدفع كونها للأمر أيضًا.
والضَّمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ و(ليرضوه) لِمَا له ضمير ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾.
والصَّغو: الميل لغرضٍ من الأغراض، يقال: أصغيتُ الإناء: إذا أَمَلْتَه لتجمع ما فيه.
﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾: لأنفسهم ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾: وليكتسبوا ﴿مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ من الآثام، فيتميَّز الشَّقي من السَّعيد.
وترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة؛ لأنَّه أوَّلًا يكون الخداع، فيكون الميل، فيكون الرِّضى (^١)، فيكون فعلُ الاقتراف، فكان كلُّ واحدٍ مسبَّبًا (^٢) عمَّا قبلَه.
* * *
(١١٤) - ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "الرضاء".
(٢) في (ف) و(ح) و(ك): "سببًا".
[ ٣ / ٤٠١ ]
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ على إرادة القول؛ أي: قل لهم يا محمد، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على ما دلَّ عليه ما قبله؛ أي: أأشكُّ (^١) لكثرة الجاحدين المفترين (^٢)، فغيرَ اللّه تعالى أبتغي - أي: أطلبُ - حكمًا يحكم بيني وبينكم، وَيفصل المحقَّ منَّا من المُبطل.
روي أن مشركي قريش قالوا لرسول الله ﷺ: اجعل بيننا وبينك حكمًا (^٣) من أحبار اليهود، وإن شئت من أساقفة النصارى؛ ليخبرنا (^٤) عنك بما في كتابهم عن أمرك، فنزلت (^٥).
و(غيرَ) مفعولُ ﴿أَبْتَغِي﴾، وفي تقديمه إيماءٌ إلى وجوب تخصيصه تعالى بالابتغاء والرضى بكونه (^٦) حكمًا، و﴿حَكَمًا﴾ حال منه، ويحتمِل عكسَه.
وجوِّزَ أن يكون ﴿حَكَمًا﴾ تمييزًا عن (غير)، كقولهم: إن لنا غيرها إبلًا، وهو أبلغ من الحاكم، قيل: ولذلك لا يُوصَفُ به إلا العادل، وفيه: أن المبالغة من جهة التَكرُّر، ولا دلالةَ فيه على الوصف.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ﴾ الواو للحال ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآن ﴿مُفَصَّلًا﴾ مبيَّنًا فيه الحق والباطل، مميَّزًا به الصَّادق مِن المفتري، وفيه تنبيهٌ على أنَّ القرآنَ بإعجازه وتقريره مغنٍ عن سائر الآيات.
_________________
(١) في (ح): "الشك"، وفي (ف) و(ك): "أتشك".
(٢) في (ف) و(ح): "الجاهلين المقترفين".
(٣) في (ح) و(ف): "اطلب حكمًا يحكم بيننا وبينك".
(٤) في (م): "فيخبرنا".
(٥) انظر: "النكت والعيون" (٢/ ١٦٠)، و"زاد المسير" (٣/ ١١٠).
(٦) في (ح) و(ف): "والرضاء يكون".
[ ٣ / ٤٠٢ ]
ثم أكَّدَ الدّلالة على أنَّ القرآنَ حقٌّ - يعلمُ أهلُ الكتاب أنَّه حقٌ؛ لتصديقه ما عندهم وموافقته لهم من غير قراءته ﷺ لكتابهم (^١) - بجملة استئنافية وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ﴾ قرئ بالتَّخفيف والتَّشديد (^٢).
﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ إنما وصف الكلَّ بالعلم تنزيلًا للجاهلين منهم لتمكُّنهم منه منزلةَ العالم،
وقيل: المراد: مؤمنو أهل الكتاب.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أنهم يعلمون ذلك، أو أنَّه منزَّل من ربِّك بالحقِّ لكثرة جحودهم وكفرهم، وهو (^٣) من باب التَّهييج والإلهاب.
أو خطاب لكل أحد؛ أي: لفَا تعاضدت الأدلَّة وبَهَرت فلا ينبغي لأحدٍ أن يرتاب فيه.
وقيل: الخطاب للرَّسول ﵇ والمراد أمته.
* * *
(١١٥) - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ﴾؛ أي: تمَّتْ كلُّ كلمةٍ من ربك (^٤)، ومعنى (تمت): استمرَّتْ، لا أنه كان بها نقصٌ فكمَلتْ وبلغت الغاية.
_________________
(١) في (ف) و(ح): "قراءة كتابهم".
(٢) قرأ بالتشديد ابن عامر وحفص، والباقون بالتخفيف. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٦).
(٣) في (م) و(ك): "فهو".
(٤) "من ربك" من (ك) و(م).
[ ٣ / ٤٠٣ ]
﴿صِدْقًا﴾ في الأخبار والمواعيد ﴿وَعَدْلًا﴾ في الأحكام والأقضية، نُصبا على الحال، أو التَّمييز، أو المفعول له.
﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لا أحد يقدر أن يحرف شيئًا منها شيوعًا وذياعًا كما فُعِلَ بالتَّوراة، على أنَّ المراد بها القرآن، فيكون ضمانًا من الله تعالى بحفظه، إذ لا نبيَّ ولا كتاب بعدَه ينسخُه ويبدِّل أحكامه.
وقرئ: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ (^١)؛ أي: ما تكلَّم به، أو القرآن.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِمَا يقولون ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما (^٢) يُضمرون، فلا يُهملهم وإن أمهلهم.
* * *
(١١٦) - ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أكثرَ النَّاس ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لأنَّ أكثرهم يتَّبعون أهواءَهم.
وقيل: المراد بـ ﴿الْأَرْضِ﴾: أرض مكَّة.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: الآراءَ الفاسدة والأهواء الباطلة، وظنُّوا أنَّ آباءهم كانوا على الحقِّ، وهم يقلدونهم (^٣)، فإنَّ الظَّنَّ يُطلَقُ على ما يُقابلُ العلم.
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: يُقَدِّرونَ أنَّهم على شيءٍ، أو يكذبون في قولهم: إنَّ اللهَ حرَّم كذا وأحلَّ كذا، فإنَّ الخَرْصَ التقديرُ والكذبُ.
_________________
(١) وهي قراءة الكوفيين عاصم وحمزة والكسائي، وقرأ باقي السبعة بالجمع. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٦).
(٢) في (ف) و(ح): "لما".
(٣) في (ف) و(ح): "يقتدونهم".
[ ٣ / ٤٠٤ ]
(١١٧) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾؛ أي: أعلم بالفريقَيْنِ، و﴿مَنْ﴾ إمِّا موصولة أو موصوفة، وهي في محل النصب بفعلٍ دلَّ عليه ﴿أَعْلَمُ﴾، لا به؛ لأن (أفعل) لا يعمل في الظاهر في مثل هذه الصورة.
أو في محلِّ الجرِّ لا بإسقاط حرف الجر وإبقاء عمله لدلالة ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾ عليه؛ لأن مثله لا يجوز إلَّا في ضرورة الشِّعر، بل بإضافة ﴿أَعْلَمُ﴾ إليه.
أو استفهامية في محلِّ الرَّفع بالابتداء، والخبر ﴿يَضِلُّ﴾ والجملة معلَّق (^١) عنها الفعل المقدَّر، وعلى هذا صَرفه عن وفاق قسيمه تعجيبًا من (^٢) شأن المضلِّين المتَّبعين للظنِّ الكاذبين (^٣)، وإبعادًا لهم.
وقرئ: (مَن يُضِلُّ) بضم الياء (^٤)؛ أي: يضلُّه الله؛ أي: أعلمُ المضلِّين، من قوله تعالى (^٥): ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٨٦]، أو أضلَلْتُه (^٦): إذا وجدْتَه ضالًّا.
والتفضيل في العلم بكثرته، وإحاطته بالوجوه التي من شأن العلم أن يتعلَّق بها، ولزومه (^٧)، وكونه بالذَّات لا بالغير.
_________________
(١) في (ف): "متعلق".
(٢) في (ح) و(ف): "تعجبًا في".
(٣) في (م): "الكاذب".
(٤) نسبت للحسن وغيره. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٠)، و"المحتسب" (١/ ٢٢٨).
(٥) في النسخ: "من قولهم"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٧٩).
(٦) في (ف) و(ح): "أو أضله".
(٧) في (م): "ولدوامه"، والمثبت من باقي النسخ و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١٨٠).
[ ٣ / ٤٠٥ ]
(١١٨) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: مسبَّبٌ عن إنكارِ (^١) اتِّباع المضلِّين الذين يحلُّون الحرام ويحرِّمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تعبدون الله، فما قتلَ اللهُ أحقُّ أن تأكلوا مما قتلتم أنتم، فقيل للمسلمين: إن كنتم متحقِّقين بالإيمان فكلوا مما ذُكِرَ اسمُ الله عليه خاصَّة، دونَ ما ذُكِرَ عليه اسمُ غيره من آلهتهم، أو ماتَ حتفَ أنفِه.
وما ذُكِرَ اسمُ الله عليه هو المذكَّى باسم الله تعالى.
﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ فإنَّ الإيمان بها يقتضي ما ذُكِرَ، وقد دلَّ (^٢) هذا على شرطٍ محذوفٍ جوابُه: ﴿فَكُلُوا﴾.
* * *
(١١٩) - ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾.
﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا﴾: وأيُّ غرضٍ لكم في أن لا تأكلوا.
﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وتتحرَّجوا من (^٣) أكله.
قيل: هو كلام على القلب؛ إذ المراد: أن تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، فقلبَ مبالغةً في صونهم عن أكل ما حُرِّمَ عليهم، وأنهم ليسوا مما يَهُمُّون بذلك فيحتاجون (^٤)
_________________
(١) في (م) و(ك): "سبب عن إنكارهم"، والمثبت من باقي النسخ و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١٨٠) ..
(٢) في (ك): "حل".
(٣) في (م): "ويتحرجوا من"، وفي (ف) و(ح): "ويتحرجوا عن"، والمثبت من (ك).
(٤) في (ف) و(ح): "محتاجون".
[ ٣ / ٤٠٦ ]
إلى التَّنبيه، وأنهم من شدَّة (^١) الاحتراز عن الحرام كادوا يتركون ما أُحِلَّ لهم تورعًا، ولهذا رتَّب الوعيد على تجاوز الحدِّ.
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾: وقد بيَّنَ لكم ما حرَّم عليكم مما لم يحرِّم؛ يعني في هذه السُّورة؛ لأنها على ما نُقِلَ مكيَّة، ونزلَتْ (^٢) في مرَّة واحدةٍ، والتفصيل الواقع في (البقرة) و(المائدة) متأخِّر (^٣) في النُّزول؛ لأنهما مدنيتان.
وقرئ: ﴿فَصَّلَ﴾ على البناءين، وكذا ﴿حَرَّمَ﴾ (^٤).
﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ استثناء متَّصل؛ أي: ممَّا حُرِّمَ عليكم (^٥)، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ مصدريَّة، و﴿مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾ (^٦) في محلِّ النَّصب على الظَّرف، والاستثناء مفرَّغ؛ أي: ما حُرِّمَ عليكم في جميع الأوقات إلا وقتَ اضطراركم إليه؛ يعني في حال الضَّرورة، فإنَّه حينئذٍ حلال.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ فيحللِّون ويحرِّمون ﴿بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: بتَشهِّيهم من غير تمسُّكٍ بدليلٍ يفيد العلم.
_________________
(١) في (م) و(ك): "لشدة".
(٢) في (ف) و(ح): "ويذكر".
(٣) في (ك): "مأخرة".
(٤) قرأ الكوفيون ونافع ﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾ بفتح الفاء والصاد، والباقون بضم الفاء وكسر الصاد، وقرأ نافع وحفص: ﴿مَا حَرَّمَ﴾ بفتح الحاء والراء، والباقون بضم الحاء وكسر الراء. انظر: "التيسير" (ص:١٠٦).
(٥) "عليكم" سقط من (ك).
(٦) في (م) و(ك): "أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية وما في ﴿مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾ "، وهذا يوهم أن المصدرية هي غير التي في ﴿مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾، والصواب أنها هي.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
وقرئ: ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ بضم الياء وفتحها (^١).
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾: المتجاوِزين الحقَّ إلى الباطلِ، والحلالَ إلى الحرامِ.
* * *
(١٢٠) - ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾.
﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾: ما يُعلَن به وما يُسَرُّ، أو: ما يعمل بالجوارح وما بالقلب،
وقيل: الزِّنا في منازلهنَّ واتِّخاذِ الأخدان؛ قال الضَّحَّاك: كان أهل الجاهلية يرون ما كان من الزِّنا سرًّا حلالًا، فحرِّم بهذه الآية (^٢).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾: يكتسبون (^٣).
* * *
(١٢١) - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.
﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ظاهر في تحريم المتروك عليه اسم الله تعالى عمدًا أو نسيانًا، وعليه أحمدُ ومالكٌ وداودُ، خلافًا للشافعي؛ لقوله عليه
_________________
(١) قرأ الكوفيون: ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ بضم الياء، والباقون بفتحها. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٦).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ١٤).
(٣) في (م) و(ك): "يكسبون".
[ ٣ / ٤٠٨ ]
السلام: "ذبيحةُ المسلمِ حلالٌ وإنْ لم يَذكر اسم الله عليه" (^١)، وفرَّق أبو حنيفة بين العمد والنِّسيان، وأوَّلَه (^٢) بالميتة، وما ذُكر اسمُ غير الله عليه، لقوله (^٣): ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الواو للاستئناف، أو للعطف على جملة استئنافية للتعليل، حُذِفَتْ لدلالة باقي الكلام عليها؛ أي: إنه حرام وإنه لفسق، الضمير لمصدر الفعل الذي دخل عليه النَّهي؛ أي: وإن الأكل منه لفسق، أو للموصول إما بحذف المضاف؛ أي: وإنَّ أكلَه، وإما بجعل ما لم يذكر اسم الله عليه نفسَ الفسق، ويجوز أن يكون الضَّميرُ الثَّاني على تقدير التقدير لعدم ذكر اسم الله تعالى.
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾؛ أي (^٤): لَيُوَسْوِسُونَ ﴿إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ من المشركين ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بقولهم المنقول فيما سبق، وهو يؤيِّدُ التَّأويلَ بالميتة.
﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في استحلال ما حُرِّمَ ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ لأنَّ مَنِ اتَّبع غيرَ الله تعالى في دينه فقد أشرك، جوابُ قسمٍ مقدَّرٍ (^٥) قبل الشرط سادٌّ مسدَّ جوابه؛ أي: والله.
وقيل: حُذف الفاء لدخول الشرط على الماضي، ورُدَّ بأنَّه يقع ضرورةً فلا تكون في القرآن.
_________________
(١) رواه أبو داود في "المراسيل" (٣٧٨) عن الصلت السدوي، وعلته مع الإرسال جهالة الصلت كما ذكر ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام"، ورواه الحارث ابن أبي أسامة كما في "بغية الباحث" (١/ ٤٧٨ - ٤٧٩) عن راشد بن سعد. قال البوصيري في "إتحاف الخيرة" (٥/ ٢٨١): هذا إسناد مرسل ضعيف. وانظر: "نصب الراية" للزيلعي (٤/ ١٨٣).
(٢) في النسخ جميعها: "أولاه"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٨٠).
(٣) "لقوله" سقط من (ف) و(ح).
(٤) "أي": ليست في (م) و(ك).
(٥) في (م) و(ك): "القسم المقدر".
[ ٣ / ٤٠٩ ]
(١٢٢) - ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ الهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدَّرٍ دلَّ عليه ما قبله؛ أي: هل يكون المهتدي كالضَّالِّ ومَنْ كان ميتًا فأحييناه.؟
وقرئ: ﴿مَيْتًا﴾ على الأصل (^١).
﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ﴾ إنما زاد: ﴿فِي النَّاسِ﴾ تقويةً للنُّور؛ فإنَّ المشي بينهم يعجز عنه مَنْ (^٢) في نور بصره ضعفٌ.
﴿كَمَنْ مَثَلُهُ﴾: صفتُه، وهو مبتدأ خبره: ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ على سبيل الحكاية، يعني: أنَّه إذا وُصف يقال له ذلك، والجملة صلة (^٣) (مَن)؛ أي: كمَن صفته هذه، وقوله:
﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ حالٌ من المستكنِّ في الظَّرف، والعاملُ معنى (^٤) الاستقرار، لا مِن البارز في ﴿مَثَلُهُ﴾ للفصل.
وهو مَثَلٌ لمَن بقي في الضَّلالة (^٥) لا يفارقها بحال، وما سبق مَثَلٌ لمَن هداه الله تعالى وأنقذه من الضلال (^٦)، وجَعل له نورَ البصيرة يميِّز به بين الحق والباطل بالتَّأمُّل
_________________
(١) وهي قراءة نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٦).
(٢) في النسخ جميعها: "ما"، ولعل الصواب المثبت.
(٣) في (م) و(ك): "صفة".
(٤) في (ف): "يعنى".
(٥) في هامش (ف): "من قال: على الضلالة، كأنه غافل عن قوله تعالى: ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤]. منه".
(٦) "لا يفارقها بحال وما سبق مثل لمن هداه الله تعالى وأنقذه من الضلال" سقط من (ك).
[ ٣ / ٤١٠ ]
في الآيات والبيِّنات، وكلاهما من قَبيل الاستعارة التَّمثيلية؛ إذ لا ذكر للمشبَّه صريحًا، ولا دلالة بحيث (^١) ينافي الاستعارة، وهذا كما تقول في الاستعارة الإفرادية: أيكون الأسد كالثعلب؟ أي: الشَّجاعُ كالجبان (^٢)؟.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مِثْلَ ذلك التَّزيين، والإشارةُ إلى ما في قوله: ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، أو قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١].
﴿زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والآية نزلت في حمزة وأبي جهل، وقيل: في عمر أو عمَّار ﵄ وأبي جهل (^٣).
* * *
(١٢٣) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: كما جعلنا في مكَّة أكابر مجريها ليمكروا فيها ﴿جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ ﴿جَعَلْنَا﴾ بمعنى: صيَّرنا، ومفعوله (^٤) الأول ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾، و﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ مفعولُها الثاني. ويجوز أن يكون ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ ظرفًا لغوًا، والمفعولُ الثاني ﴿لِيَمْكُرُوا﴾ على أنَّ الجَعْلَ بمعنى التَّمكين (^٥). و﴿أَكَابِرَ﴾ على هذين الوجهين مضاف إلى مُجْرِمِيهَا﴾.
_________________
(١) في (ف) و(ح): "حيث".
(٢) في (ف) و(ح): "كالمحتال".
(٣) انظر ما ورد من روايات في الأسباب المذكورة في "تفسير الطبري" (٩/ ٥٣٣ - ٥٣٤)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٤/ ١٣٨١)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٢٤)، و"الدر المنثور" (٣/ ٣٥٢).
(٤) في (ح) و(ف): "ومفعولها".
(٥) في هامش (ف): "ومن وهم أن الجعل على كلا الوجهين بمعنى التمكين فقد وهم. منه".
[ ٣ / ٤١١ ]
وأجاز أبو البقاء أن يكون ﴿مُجْرِمِيهَا﴾ بدلًا من ﴿أَكَابِرَ﴾ (^١).
وأجاز ابن عطية أن يكون ﴿مُجْرِمِيهَا﴾ المفعولَ الأوَّل، و﴿أَكَابِرَ﴾ المفعولَ الثانيَ، والجَعْلُ بمعنى التَّصيير، أو بمعنى التَّمكين، على أن يكون الكلام من قبيل: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] (^٢).
ويردُّهما أنَّ أفعل التفضيل إذا كان بـ (مِن) (^٣) ملفوظًا بها أو مقدَّرًا أو مضافًا إلى نكرة، كان مفردًا مذكَّرًا دائمًا، سواءٌ كان لمذكَّرٍ أو مؤنَّثٍ، مفردٍ أو مثنًّى أو مجموعٍ، فإذا أنِّث أو ثُنِّيَ أو جُمِعَ طابَقَ ما هو له في ذلك، ولزمه أحد الأمرين: إما الألف واللام، أو الإضافة إلى معرفة، وعلى الوجهين المذكورين يلزم أن يبقى ﴿أَكَابِرَ﴾ مجموعًا، وليس فيه الألف واللام، ولا هو مضافٌ إلى معرفة، واللازم باطل (^٤).
وتخصيص الأكابر (^٥) لأنَّهم أقوى على استتباع الناس في المكر بهم.
وقرئ: (أكبر مجرميها) (^٦)، وعلى هذه القراءة يمكن تمشية الوجهين المردودين على القراءة السابقة.
﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ لأن وباله يحيق بهم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك.
_________________
(١) انظر: "الإملاء" (ص: ٥٣٦).
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٣٤١).
(٣) في (ف) و(ح): "من من".
(٤) انظر: "البحر المحيط" (٩/ ٣٨٤)، وتعقبه الشهاب في "حاشيته على البيضاوي" (٤/ ١٢٢).
(٥) "وليس فيه الألف واللام ولا هو مضاف إلى معرفة واللازم باطل وتخصيص الأكابر" سقط من (ك).
(٦) انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٣)، و"البحر المحيط" (٩/ ٣٨٥).
[ ٣ / ٤١٢ ]
(١٢٤) - ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾.
﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾؛ أي: بتلك الآية ﴿حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ لم يقولوا: مثل ما أوتي محمَّد؛ لأنهم كانوا في مقام الإنكار لذلك، وفيما روي أنَّ أبا جهل قال: زاحمْنا بني عبد مناف، حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منَّا نبيٌّ يُوحَى إليه، والله لا نرضى به ولا نتَّبعه إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت (^١).
قولُه: (كما يأتيه) لا يناسب النكتة المذكورة (^٢)، وعلى صحَّة ما روي الجمعُ في (قالوا) لأن مَنْ تبعَه من (^٣) قريش رضُوا بقوله، فنُزِّلوا منزلةَ القائلين.
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ استئناف للردِّ عليهم بأنَّ النُّبوَّةَ ليسَتْ بكبر النَّفس ولا بالمال والجاه، إنَّما هي لخصائصَ (^٤) يخصُّ الله تعالى بها مَن يشاء من عباده، وَيصطفي بها مَن يعلم أنَّه يصلح لها، وهو يعلم بالمحل الذي يضعُها فيه.
فناصب ﴿حيث يعلم﴾ محذوفٌ مدلول (^٥) عليه بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، لا به؛ لأن أفعل التفضيل لا يعمل في المفعول به، ﴿حَيْثُ﴾ هاهنا مفعولٌ به (^٦)؛ لِمَا عرفتَ أن
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٧٨)، و"زاد المسير" (٣/ ١١٨). والخبر أيضًا في "سيرة ابن هشام" (٢/ ١٥٧)، ونحوه في "معجم الطبراني" (٢٤/ ٣٤٧).
(٢) "المذكورة" من (م) و(ك).
(٣) في (ح) و(ف): "في".
(٤) في (م) و(ك): "بخصائص".
(٥) في (م) و(ك): "محذوفًا مدلولًا".
(٦) في هامش (ف): "صرح بذلك في "مغني اللبيب"، وفيه رد لاعتراض سعد الدين بأن فيه إخراجَ =
[ ٣ / ٤١٣ ]
المعنى: أنَّه تعالى يعلم نفس المحلِّ المستحِقِّ لوضع الرِّسالة فيه لأشياء في (^١) المحل.
وقرئ: ﴿رِسَالَاتِهُ﴾ (^٢).
﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ من أكابرها ﴿صَغَارٌ﴾: هوان وحقارةٌ (^٣) بعد كِبْرِهم وعظمتهم مكانَ ما يفترون من عزِّ (^٤) النُّبوَّة وحشمة الرِّسالة، وفيه دلالةٌ على أنَّ المجرم يستحقُّ الذُّلَّ والهوان، وأنَّ الرُّسل إنما فازوا بتلك العزَّة لعصمتهم (^٥) عن الجرائم.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يوم القيامة، وقيل: تقديره: من عند الله، ويأباه الفصل به (^٦) بين الصَّغار والعذاب؛ لأن كلاهما من عند (^٧) الله تعالى.
ويمكن أن يُقال: إنه من قَبيلِ الفصل بين المعطوفين بما له تعلُّق بهما، ويأتي نظيره في هذه السورة.
﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الدَّارين من القتلِ والأسْرِ وعذابِ النَّارِ.
﴿بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾: بسبب مكرهم، أو جزاء عليه.
_________________
(١) = (حيث) عن الظرفية. منه".
(٢) في (م): "فيه لا يتنافى"، وفي (ك): "فيه لا تنافي".
(٣) قرأ ابن كثير وحفص: ﴿رِسَالَتَهُ﴾، والباقون بالجمع وكسر التاء. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٦).
(٤) في (ح) و(ف): "وحقار"، وفي (ك): "وحقرة".
(٥) في (ف) و(ح): "مكان ما يقترفون من غير".
(٦) في (ح) و(ف): "بتلك بعصمتهم".
(٧) "به" من (م).
(٨) في (ف) و(ح): "من عذاب".
[ ٣ / ٤١٤ ]
(١٢٥) - ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾: يوفقَه للإيمان، ويعرِّفَه طريق الحقِّ (^١).
﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ شرح الصَّدر وتوسيعه كنايةٌ عن تنويرِ الباطن وتصفية الاستعداد (^٢) عمَّا ينافي قَبول الحقِّ من ظلمات الشُّكوك والشُّبَه، فيصدق الرَّغبةَ في الإيمان.
﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾؛ أي: يخذلَه ولا يوفِّقَه.
﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد (^٣).
ضِيْقُ الصدر كنايةٌ عمَّن (^٤) يكدِّر الباطن، ويزيل الاستعداد، ويُميل النَّفس إلى الشَّهوات، فينبو (^٥) عن الحقِّ، وينقبضُ عنه فلا يقبله.
﴿حَرَجًا﴾: شديد الضيق، وقرئ بفتح الراء (^٦) وصفًا بالمصدر.
﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ مثَلٌ لمن يزاولُ أمرًا ممتنعًا لا تَسَعه (^٧) قدرته؛ لأن
_________________
(١) في هامش (ف): "يعني: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ﴾. منه".
(٢) في (ف): "وتصفيته للاستعداد".
(٣) قرأ جمهور السبعة: ﴿ضَيِّقًا﴾ بتشديد الياء، وابن كثير بتخفيفها. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٦).
(٤) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (عما).
(٥) في (م) و(ك): "فيتبرأ".
(٦) قرأ نافع وأبو بكر بكسر الراء، والباقون بفتحها. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٦).
(٧) في (ك): "بسعة".
[ ٣ / ٤١٥ ]
صعود الإنسان إلى السماء أمرٌ خارج عن طوقه العاديِّ، وقيل لمن ينبو عن الشيء ويتباعد مبالغًا في الهرب منه والتَّجافي (^١).
وأصل ﴿يَصَّعَّدُ﴾: يَتَصعَّد، وقد قرئ به (^٢)، وقرئ: ﴿يَصَّعَّدُ﴾ من صَعِد (^٣)، و(يُصْعِدُ) من أَصْعَدَ (^٤)، و﴿يَصَّاعَدُ﴾ بمعنى يتصاعد (^٥).
ومعنى ﴿فِي السَّمَاءِ﴾: في مدارج السَّماء، وهذا أبلغ من: إلى السماء.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي (^٦): مِثْلَ ذلك التَّضييق ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾: العذاب، أو الخذلان، أو الفعل المؤدِّي إلى العذاب.
﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وضع المُظهَر (^٧) موضع المُضمَر للتَّعليل.
* * *
(١٢٦) - ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾.
_________________
(١) وفي هذا النصّ معجزة من أبلغ المعجزات القرآنية، وذلك أنه تبيّن في عصرنا أنّ الضغط الجوي يخف كلما ارتفع الإنسان في الجو حتى يتلاشى، وأن الإنسان كلما صعد في السماء ضاق صدره حتى يصل لدرجة الاختناق. وحينما تركبُ الطائرةَ لا تشعرُ بشيء مِن هذا القبيلِ؛ لأنّ أجهزةَ الطائرةِ قد ضَغَطَت الهواءَ ثمانيةَ أمثالٍ، ليكونَ الضغطُ الجويُّ ونسبةُ الأكسجين موافقةً لِمَا هي عليه في سطحِ الأرض، فلو تعطلتْ أجهزةُ الضغط فجأةً في الجوِّ فسوف يموت الرُّكابُ إن لم تهبط الطائرة.
(٢) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٢).
(٣) وهي قراءة ابن كثير. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٦).
(٤) انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٤).
(٥) وهي قراءة أبي بكر عن عاصم. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٧).
(٦) "أي": ليست في (م) و(ك).
(٧) في (م) و(ك): "الظاهر".
[ ٣ / ٤١٦ ]
﴿وَهَذَا﴾؛ أي: الإسلام، أو ما ذكر من التَّوفيق والخذلان ﴿صِرَاطُ رَبِّكَ﴾: طريقُه الذي ارتضاه، أو طريقه الذي اقتضته حكمته.
﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا عوج فيه، ولا ميل إلى شيء من الجوانب، أو عادلًا مطَّردًا، وهو (^١) حالٌ مؤكِّدةٌ؛ لأنَّ صراطه تعالى لا يكون إلَّا مستقيمًا، والعامل فيه (^٢) معنى الإشارة.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾؛ ليعلموا (^٣) أنَّه القادرُ على ما يشاء، وأنَّ الخيرَ والشَّرَّ بقضائه وقَدَره، وأنَّه عالمٌ بأحوال العباد، عادلٌ فيما يفعل (^٤).
* * *
(١٢٧) - ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ إضافةُ الدَّار إن كانت إلى السَّلام الذي هو اسم من أسماء الله تعالى فتعظيم ورفع من شأنها، وإشارةٌ إلى أنها دارٌ لا نقص فيها ولا آفَةَ ولا عيب، وإلَّا فبمعنى السَّلامة من المكاره، أو: دارٌ تحيَّتُهم فيها سلام.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: في نُزُلِهِ وضِيافَتِه، كما نقولُ: نحن اليوم عند فلان؛ أي: في كرامته وضيافته، ويحتمِل أن يكون قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ فيما سبقَ من قوله تعالى: ﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ بهذا المعنى على التهكُّم، وقيل: في ضمانه، كقولك: له عندي حقٌّ.
﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾: محبُّهم، أو: ناصرهم (^٥) على أعدائهم
_________________
(١) "وهو" من (م) و(ك).
(٢) في (م) و(ك): "فيها"، والحال تذكر وتؤنث.
(٣) في (م) و(ك): "فيعلمون".
(٤) في (م) و(ك) زيادة: "بهم".
(٥) في (م) و(ك): "وناصرهم"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٤)، و"روح المعاني" (٨/ ٤٣٠).
[ ٣ / ٤١٧ ]
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: بسبب أعمالهم، أو متولِّيهم بجزائها.
* * *
(١٢٨) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ منصوبٌ بإضمار: نقول، أو قائلين ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ وهذا أولى من إضمار اذكر مفعولًا به (^١)؛ لخروجه عن الظَّرفية، والحاجةِ إلى تقدير القول في ربط ما بعده، والضمير لمن يُحشَرُ من الثَّقلين (^٢).
وقرئ: ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ بالياء (^٣).
والمراد من الجن: الشياطين.
﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾: من إغوائهم، أو: منهم بأن جعلتُموهم أتباعَكم فحشروا معكم، يقال: استكثر الأمير من الجند (^٤).
﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ الذين أطاعوهم: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ استمتع الإنسُ بالجنِّ لدلالتهم على شهواتهم، وما يُتوصَّل به إليها من الحِيَل،
_________________
(١) أي: من نصب اليوم مفعولا به بفعل مضمر هو: اذكر. انظر: "البحر المحيط" (٩/ ٣٩٧).
(٢) في هامش (ف): "قال الليث: المعشر كل جماعة أمرهم واحد نحو معشر المسلمين من التهذيب. منه".
(٣) وهي قراءة حفص، وقرأ الباقون: (نحشرهم). انظر: "التيسير" (ص: ١٠٧). ووقع في النسخ جميعها: "يحشر".
(٤) في (ف) و(ح): "الجنود".
[ ٣ / ٤١٨ ]
واستمتع (^١) الجن بالإنس لطاعتهم ومساعدتهم على مرادهم وما يشتهون من إغوائهم.
وقيل: استمتاع الإنس بهم ما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦]، واستمتاع الجن بهم اعترافُهم للجن (^٢) بأنهم يقدرون على الدَّفع عنهم وإجارتهم لهم.
﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾؛ أي: البعثَ، وهو اعتراف منهم بطاعة الشيطان (^٣) في الدُّنيا، والتَكذيبِ بالبعث، وتحسُّر على حالهم.
﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾: منزلُكم، أو: ذاتُ مثواكم (^٤).
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حالٌ، عاملُها ﴿مَثْوَاكُمْ﴾ إنْ جُعل مصدرًا، ومعنى الإضافة إن جُعل مكانًا.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ من عصاة المؤمنين، واستعمال (ما) في ذوي العقول شائع، كما في قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]، وفي قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣].
أو: من الأوقات التي يخرجون فيها من النَّار، وهو ما ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، مِنْ أنَّه يُفتَح لهم وهم في النَّار بابٌ إلى الجنَّة،
_________________
(١) في (ك): "واستمتاع".
(٢) في (م) و(ك): "بالجن".
(٣) في (م) و(ك): "الشياطين".
(٤) في (م) و(ك): "منزلكم".
[ ٣ / ٤١٩ ]
فيُسْرِعون نحوه، فإذا صاروا إليه (^١) سُدَّ عليهم الباب، وذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤].
وقيل: من الأوقات التي يُنقَلون فيها من النَّار إلى الزَّمهرير. وفيه من الحاجة إلى صرف النار من (^٢) معناها العلمي إلى معناها (^٣) اللغوي.
وقيل: إلا ما شاء الله (^٤) قبل الدَّخول.
ولا وجه له؛ لأنَّ حكمَ الخلود والأبد بعد الدُّخول، ومن (^٥) جهة المنتهَى لا من جهة المبتدأ (^٦).
﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في أفعاله وأقواله ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالِ عباده وأحوالهم.
* * *
(١٢٩) - ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ما فعلْنا من تمكين الجنِّ من إغواء الإنس ﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾؛ أي: نجعلُ بعضَ الظَّالمين واليًا على بعضٍ يسخِّرونهم ويُغوونهم (^٧)،
_________________
(١) "إليه": ليست في (م) و(ك).
(٢) في (ح) و(ف): "عن". ووقع في (ك): "إلى حرف"، مكان: "إلى صرف النار".
(٣) "معناها" من (م). والمراد بالمعنى العلمي: أنها دار العذاب. انظر: "روح المعاني" (٨/ ٤٣٧).
(٤) اسم الجلالة غير موجود في (ك).
(٥) في (ح) و(ف): "من" دون واو.
(٦) وقعت العبارة في (ك) هكذا: "ولا وجه له؛ لأنَّ صرفَ النَّار عن حكمِ الخلود والأبد بعد الدُّخول، ومن جهة المنتهى لا من جهة المبدأ".
(٧) في (م): "ويعدونهم".
[ ٣ / ٤٢٠ ]
أو: نجعل بعضَهم يتولَّى بعضًا يغويهم، أو: نجعل بعضهم أولياءَ بعض وقرناءَهم يوم القيامة كما كانوا في الدُّنيا.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي.
* * *
(١٣٠) - ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قدَّم الجنَّ لأنَّ الخطابَ للتَّوبيخ.
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾: مِنْ جُملتكم، وهم رسل الإنس.
عن الكلبي: كانت الرُّسل قبل نبيِّنا ﷺ يُبعثون إلى الإنس، وهو ﵇ بُعِثَ إلى الثَّقلَيْن (^١).
وقيل: من الجنِّ أيضًا رسُل، ولا دلالة في الآية على ذلك؛ إذ لم يقل: (رسل منكما) حتى يحتاج القول الأوَّل إلى التأويل بمثل ما ذُكِرَ في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢].
﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يعني: يوم القيامة.
﴿قَالُوا﴾ جوابًا: ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ بالجُرْمِ والعصيان، أرادوا شهادتهم عند وفاتهم، على ما نطقَ به قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٣٧]، ولذلك قالوا: ﴿شَهِدْنَا﴾ بلفظ الماضي.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٦)، و"البحر المحيط" (٩/ ٤٠٧).
[ ٣ / ٤٢١ ]
﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ ذمّ لهم، وتخطئةٌ لرأيهم، وتحذيرٌ لمن سمع للاتِّعاظ بهم.
* * *
(١٣١) - ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدَّم من إرسال الرُّسل وإنذارِهم، وهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك.
﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ تعليلٌ، و﴿أَنْ﴾ هي الناصبة للأفعال؛ أي: لئلا يكون، أو المخفَّفة من الثَّقيلة؛ أي: لأنَّ الشَّأنَ والحديثَ لم يكن ربُّك مهلك القرى، ويجوز أن يكونَ بدلًا من ﴿ذَلِكَ﴾ كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [الحجر: ٦٦]، وأن يكون خبرًا لـ ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: إرسالُ الرسل والإنذار لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم.
والباء للسببية؛ أي: بسبب ظلم (^١)، أو ﴿بِظُلْمٍ﴾ حال؛ أي: مُلْتبسين بظلم؛ يعني: أنَّه لو أهلكهم وهم غافلون لم ينبَّهوا برسولٍ وكتابٍ لكان ظلمًا، وهو تعالى مُنزَّه عن الظُّلم.
* * *
(١٣٢) - ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَلِكُلٍّ﴾؛ أي: ولكلِّ عاملٍ بطاعة أو معصية ﴿دَرَجَاتٌ﴾؛ أي: مراتبُ في الجزاء.
_________________
(١) فالجار متعلق بـ ﴿مُهْلِكَ﴾. انظر: "روح المعاني" (٨/ ٤٤٢).
[ ٣ / ٤٢٢ ]
﴿مِمَّا عَمِلُوا﴾: من أجل أعمالهم بحسَبها، فالمحسِن في رَوح الثَّواب متنعِّمٌ، والمسيء في نَوح العقاب متألِّمٌ.
﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قرئ بياء الغائبة ردًّا على الآية التي قبلها، وبتاء المخاطبة (^١) ردًّا على قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠].
والمعنى: وما ربك بغافل عمَّا يعملون من المعاصي، ولكن يؤخِّر تعذيبَهم رحمةً منه، كما قال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ الآية [إبراهيم: ٤٢]، أو: إنَّه تعالى على علمٍ بأعمالهم خلَقهم لا عن جهل.
لما أنَّ ضررَ أعمالهم يرجع إليهم لا إليه تعلَّق أبو يوسف ومحمَّد بظاهره في أنَّ الجنَّ لهم ثواب، وأبو حنيفة ذهب إلى التَّخصيص، والقراءة بتاء المخاطبة تشهد لهما.
* * *
(١٣٣) - ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾.
﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ فلا ينتفعُ بالطَّاعة ولا يتضرَّرُ بالمعصية، فليسَ التَّكليفُ لمصلحةِ نفسه، بل لتكميلهم وتبليغهم (^٢) إلى الدَّرجات والكمال.
﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فلا يُعاجل بالعقوبة، بل يُمهلهم عسى أن يتداركوا ما فاتهم.
أخبر بالأوَّل عن جلاله، وبالثَّاني عن إفضاله، فهم (^٣) في سماع هذه الآية بين
_________________
(١) قرأ ابن عامر بالتاء، والباقون بالياء. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٦).
(٢) "وتبليغهم "من (م) و(ك).
(٣) "فهم "سقط من (ف) و(ح).
[ ٣ / ٤٢٣ ]
احتياجٍ وارتياحٍ، وهذا تكملةٌ لِمَا قبلَه من إرسال الرُّسل للرَّحمة عليهم لا لانتفاعه بطاعتهم، وتأسيسٌ لِمَا بعدَه مِنْ قوله (^١):
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيُّها العصاة؛ أي: لغناه عنكم.
﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ من الخلق المطيع، لكنَّه أبقاكم ترحُّمًا عليكم.
﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾؛ أي: مِنْ نسلِ قومٍ كانوا قبلَكم.
وقيل: ﴿مِنْ﴾ للبدل؛ كما يقال: أعطيتك من دينارٍ ثوبًا؛ أي: أنشأكم بدلًا منه.
* * *
(١٣٤) - ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ﴾ من البعث وأحواله ﴿لَآتٍ﴾: لكائن لا محالة ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: بفائتين طالبَكم به؛ أي: يدرككم حيثما كنتم، يقال: قصدت فلانًا فأعجَزَني؛ أي: سبقني ففاتني.
* * *
(١٣٥) - ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ المكانة: مصدر مَكُنَ مكانةً: إذا تمكَّن أبلغَ التَّمكُّن، وقد يكون بمعنى المكان، يقال: مكان ومكانة، كما يقال: مقام ومقامة، أي: على غاية تمكُّنكم وأقصى استطاعتكم، أو: على مقامكم وحالتكم التي أنتم عليها
_________________
(١) في (ف) و(ح): "قصصه ".
[ ٣ / ٤٢٤ ]
مِنْ كفركم وعداوتكم لي، يقال (^١) للرجل: أثبت على مكانتك؛ أي: أثبت على ما أنت عليه من حالٍ، ولا تنحرف عنه.
وقرئ: ﴿مَكَانَتِكُمْ﴾ على الجمع (^٢).
﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾: فاعلٌ على قدرتي واستطاعتي (^٣)، أو: على مقامي وحالي في الإسلام والمصابرة معكم، فحُذِفَ (^٤) للاختصار والمبالغة في الوعيد، وللإشعارِ (^٥) بأنه حالة لا تقف؛ فإنَّه تعالى يزيده (^٦) على مرِّ الأيام قوَّةً ونصرة.
ومعنى الآية على الأوَّل: إظهارُ التَّجلُّد للعدوِّ وعدمِ المبالاة به (^٧)، غاية الوثوق بحفظ الله تعالى، والاعتماد على نصرته؛ أي: لا تبغوا عليَّ وأنفذوا وسعكم في عداوتي فإنِّي فاعل بكم ما أقدر عليه، وهذا غايةٌ في التَّهديد، وتعجيزِ الخصم (^٨).
وعلى الثاني: التخليَةُ، والتسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلَّا الشَّرُّ، فكأنَّه مأمورٌ به واجبٌ عليه ذلك لا يسعه خلافُه والإعراض عنه بالكليَّة، والإشعارُ بأنه لا مطمَع (^٩) في خيره؛ كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].
_________________
(١) في (ك) و(م): "وعداوتكم لما يقال".
(٢) قرأ بها أبو بكر. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٧).
(٣) في (م): "أو استطاعتي".
(٤) في (ح) و(ف): "فحذفا".
(٥) في (ح) و(ف): "والإشعار".
(٦) في النسخ جميعها: "يزيد"، والصواب المثبت. وانظر: "تفسير البيضاوي" (٥/ ٤٣).
(٧) "به "سقط من (م) و(ك).
(٨) (في (ح) و(ف): "الخصم".
(٩) في (ك) و(م): "مطيع ".
[ ٣ / ٤٢٥ ]
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ﴿مَنْ﴾ إمَّا استفهامية عُلِّقَ عنها الفعل، ومحلُّها الرَّفع على الابتداء، ما بعده خبره؛ أي: فسوف تعلمون (^١) أيُّنا تكون له العاقبةُ المحمودة التي لها هذه الدَّار. وإمَّا موصولةٌ محلُّها النَّصب على المفعوليَّة؛ أي: فسوف تعرفون الذي يكون له العاقبة، وعيدٌ وإنذارٌ لطيف المسلَك مع مراعاة حُسْنِ الأدب، والإنصافِ للخصم في القول عند الوثوق بسوء عاقبته وحُسْنِ عاقبة المُوْعِد، وكذا قوله:
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ إشعارٌ بظلم المخاطَبين، وأنَّ ظلمهم سببُ (^٢) امتناع فلاحهم، مع حسن العبارة، وإرخاء العنان، والمسامحة، والإيهام بأني إنْ كنْتُ أنا الظَّالمَ فلا فلاحَ لي، ولهذا ذكر الظُّلمَ دون الكفر، ثم بيَّنَ ظلمهم وكفرهم في الآية بعدها.
* * *
(١٣٦) - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
﴿وَجَعَلُوا﴾؛ أي: مشركو العرب ﴿لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾: خلَق، فيه إيماء إلى أنهم يرجِّحون ما لم يخلق شيئًا ولم يقدِرعلى شيء على مَنْ خلقَ أشياءَ (^٣)، فيُؤْثِرونه عليه بما خلقها وزكَّاها جهالةً، وكان العكس أولى (^٤)، ولهذا قال: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "فستعلمون".
(٢) في (ك): "بسبب"، وهو خطأ لأنَّه يقلب المعنى ويفيد عكس المراد.
(٣) "على من خلق أشياء" سقط من (ف) و(ح).
(٤) أي: هم من فرط جهالتهم أشركوا الخالق في خلقه جمادًا لا يقدر على شيء، ثم رجحوه عليه بأن=
[ ٣ / ٤٢٦ ]
﴿مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ لم يذكر هنا نصيبَ الشُّركاء إيجازًا واكتفاءً بذكره في التفصيل الآتي، وإيماءً إلى جهالتهم بأنهم جعلوا لمن له الكل نصيبًا مما (^١) خلقه، وأنَّ التَّسوية شيء لا يليق بالأدب التَّلفظُ به مراعاةً للحشمة.
﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ وقرئ بضم الزاي (^٢)، وهي لغةٌ فيه، وهو الظنُّ الخطأ، وقد جاء فيه الكسر أيضًا (^٣)، كَالْودِّ، وفيه تنبيا على أن ذلك من جهالاتهم وشرعِهم ما لم يأذن به الله تعالى.
﴿وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ كانوا يعيِّنون من حرثهم ونتاجهم نصيبًا لله تعالى ونصيبًا لآلهتهم، فإذا رأوا ما عيَّنوه لله تعالى أزكى رجعوا وجعلوه لآلهتهم، وإن (^٤) رأوا ما عيَّنوه لآلهتهم أزكى تركوه (^٥) لها، معلِّلين بأنَّ الله تعالى غنيٌّ، وإنما فعلوا ذلك حبًّا لآلهتهم وإيثارًا لها.
﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَا﴾ مصدرَّية، و﴿سَاءَ﴾ متعدِّية حُذف مفعولها لدلالة المعنى، تقديره: ساءهم حكمهم، أي: جلب لهم السوء.
_________________
(١) = جعلوا ما خلقه الخالق وزكاه لهذا الجماد الذي لا يخلق شيئا، والله سبحانه كان أولى بأن يجعل له الزاكي؛ لأنَّه هو الذي ذرأه وزكاه. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٨٤).
(٢) في (ح) و(ف): "بما".
(٣) قرأ بها الكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٦).
(٤) ولم يقرأ به؛ قال الفراء في "معاني القرآن" (١/ ٣٥٦): (ثلاث لغات، ولم يقرأ بكسر الزاي أحد نعلمه)، وقال في "البحر المحيط" (٩/ ٤١٩): "والكسر لغة لبعض قيس وتميم، ولم يقرأ به ".
(٥) في (م) و(ك): "وإذا".
(٦) في (ح) و(ف): "يتركوه".
[ ٣ / ٤٢٧ ]
(١٣٧) - ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثلَ ذلك التَّزيين، والإشارةُ إلى مضمون قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ الآية، أو إلى نفس هذا التَّزيين الذي هو تزيين قتل (^١) الأولاد، وقد مرَّ مثلُ هذا.
﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ﴾ بالوأد، وبنحرهم لآلهتهم.
﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ من الجنِّ أو من السَّدَنة.
قرئ: ﴿زَيَّنَ﴾ على البناء للفاعل وهو ﴿شُرَكَائِهِمْ﴾ ونصبِ ﴿قَتْلَ﴾ (^٢)، وعلى البناء للمفعول وهو (قتلُ)، ورفع ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (^٣) بإضمار فعل دلَّ عليه المذكور، كأنه قيل: مَنْ زيَّنه؛ فقيل: زَّينه شركاؤهم.
وأما قراءة ابن عامر: ﴿زَيَّنَ﴾ على البناء للمفعول، وهو القتل، ونصبِ الأولاد، وجرِّ الشُّركاء (^٤) على إضافة القتل إليه، والفصلِ بينهما بغير الظَّرف، فقد رُدَّتْ (^٥) بأن ذلك غير مقبولٍ في مقام الضَّرورة كما في قوله:
_________________
(١) في (ح) و(ف): "ومثل ذلك التزيين قتل".
(٢) وهي قراءة جمهور السبعة ما عدا ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٧).
(٣) نسبت لعلي بن أبي طالب ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤١).
(٤) انظر: "التيسير" (ص: ٤١).
(٥) في (ف) و(ح): "فقدرت".
[ ٣ / ٤٢٨ ]
زجَّ القَلوصَ أبي مزادة (^١)
فكيف به في غيره (^٢)؟
لكنَّه مردودٌ؛ لأنَّه مختلفٌ فيه بين النَّحويين على ما ذكره أبو حيَّان (^٣)، ووقوعه في قراءة متواترة دلَّ على الصِّحة؛ لأنَّ العربيَّة تثبت بالقرآن، وفَهمُ العكس مِن عكس
_________________
(١) صدره: فزججتها بمزجَّة وهو بلا نسبة في "الكتاب " (١/ ١٧٦)، و"معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٦٩)، و"الخصائص" لابن جني (٢/ ٤٠٦)، وقال البغدادي في "خزانة الأدب" (٤/ ٤١٥): قال ابن خلف: هذا البيت يروى لبعض المدنيين المولدين. وذكر في شرحه: (زج القلوص)؛ أي: زجًّا مثل زج القلوص، والقلوص: الناقة الشابة، والزَّج: الطعن بالزُّج، وهي الحديدة التي في أسفل الرمح.
(٢) هذا الكلام هو بعض ما قاله الزمخشري في رد قراءة ابن عامر، وقد شنع عليه العلماء رده لقراءة متواترة، حتى قال أبو حيان: اعْجَبْ لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح محضٍ قراءةً متواترة … واعجب من سوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقا وغربا .. إلى آخر ما قال. وكان الآلوسي ﵀ أكثر شدة في الرد حيث قال: وقد ركب في هذا الكلام عمياء وتاه في تيهاء، فقد تخيل أن القراء أئمةَ الوجوه السبعة اختار كل منهم حرفا قرأ به اجتهادا لا نقلًا وسماعًا كما ذهب إليه بعض الجهلة، فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه وأخذ يبين منشأ غلطه، وهذا غلط صريح يخشى منه الكفر والعياذ بالله تعالى، فإن القراءات السبعة متواترة جملة وتفصيلًا عن أفصح من نطق بالضاد ﷺ، فتغليط شيء منها في معنى تغليط رسول الله ﷺ، بل تغليط الله ﷿، نعوذ بالله سبحانه من ذلك. انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٠)، و"البحر المحيط" (٩/ ٤٢٣)، و"روح المعاني" (٨/ ٤٥١). والعجب من البيضاوي على إمامته تأثرًا بما ذهب إليه الزمخشري، فقال متابعًا له - كما ذكر الشهاب - في تضعيف هذه القراءة: وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر. انظر "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٨٤)، و"حاشية الشهاب " (٤/ ١٢٨).
(٣) انظر: "البحر المحيط" (٩/ ٤٢٣).
[ ٣ / ٤٢٩ ]
الفهم، ثم إنه لا ضرورة في الشِّعر المذكور كما توهَّم؛ لاستقامة الوزن والقافية بجرِّ (القلوص) ورفع (أبي).
واعتقاد الضَّعف في مثل تلك القراءة مِنْ ضعف الاعتقاد، مبناه عدمُ الاعتماد على القراءة والطَّعنُ في الإسناد، ولا يخفى ما فيه من الفساد.
﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾: ليُهلكوهم بالإغواء والإضلال، واللامُ للتعليل إن كان التَّزيين من الجنِّ، وللعاقبة (^١) إن كان من السَّدَنة.
﴿وَلِيَلْبِسُوا﴾: وليخلطوا ﴿عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ وهو ما كان عليه في الأصل من دين إسماعيل ﵇، أو دينهم الذي وجبَ عليهم أنْ يَتدينوا به (^٢).
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾؛ أي: ما فعل المشركون [ما زُين لهم من القتل]، أو: ما فعل الشياطين أو السَّدنةُ (^٣) التزيينَ أو الإرداءَ (^٤) أو اللبسَ، والأَولى أن يجري الضمير مجرى اسم الإشارة فيُرادَ (^٥) به الجمع.
﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾: وافتراءَهم، أو: الذي يفترونَ من الإفك.
* * *
(١٣٨) - ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
_________________
(١) في (م): "والعاقبة".
(٢) في (ح): "يتدينوا"، وفي (ف): "يدينوا".
(٣) في (ح) و(ف): "والسدنة".
(٤) في (ح): "الازدراء"، وفي (ك): "الأولاد"، وفي (م): "الأوداء"، والمثبت من (ف)، وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٠)، و"روح المعاني" (٨/ ٤٥٣)، وما بين معكوفتين منهما.
(٥) في (م) و(ك): "ويراد".
[ ٣ / ٤٣٠ ]
﴿وَقَالُوا هَذِهِ﴾ إشارة إلى ما جُعل ﴿أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: حرامٌ، مِنَ الحَجْرِ، وهو المنع، فِعْلٌ بمعنى مَفعولٍ (^١)، كالذِّبح، ويستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، والواحد والكثير؛ لأنَّ حكمَه حكمُ الأسماء لا الصِّفات.
وقرئ: (حُجْرٌ) بالضم (^٢).
وعن ابن عباس: (حِرْجٌ) (^٣)؛ أي: ضيق.
﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ يعني: خدمَ الأوثان، أو الرِّجالَ دون النِّساء.
﴿بِزَعْمِهِمْ﴾، أي: قولِهم الباطل.
﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ مِنَ البَحائر والسَّوائب والحوامي.
﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ في الذَّبح، وإنما يذكرون عليها أسماء أصنامِهم.
وقيل: لا يحجُّون ولا يلبُّون على ظهورها.
أي: قسموا أنعامهم أجناسًا بهواهم؛ فقالوا: هذه حِجْر، وهذه محرَّمة الظَّهر، وهذه لا يذكر عليها اسم الله تعالى.
﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾؛ أي (^٤): نَسبوا ذلك التَّجنيس إلى الله تعالى افتراءً عليه، نصبٌ على المفعول له، أو حال؛ أي: مفترِين على الله تعالى، أو مصدر مؤكِّد؛
_________________
(١) في (ف) و(ح): "المفعول".
(٢) نسبت للحسن وقتادة. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٩٩)، و"الكشاف" (٢/ ٧١).
(٣) بكسر الحاء وتقديم الراء على الجيم. انظر: "المحتسب" (١/ ٢٣١)، و"الكشاف" (٢/ ٧١)، و"تفسير الطبري" (٩/ ٥٧٩).
(٤) "أي" من (م) و(ك).
[ ٣ / ٤٣١ ]
لأن تقوُّلهم (^١) ذلك محضُ افتراء (^٢)، والجارُّ متعلق بـ (قالوا).
﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: بسببه.
* * *
(١٣٩) - ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾؛ يعني: ما في بطون هذه البحائر - ونحوِها - من الأجنَّة، وفي قول ابن عباس والشَّعبي ﵁: هي اللبن (^٣)، ويأباه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾.
﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾: حلال للذُّكور خاصَّة لا يشاركهم فيها الإناث، إن ولد حيًّا؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾.
ومعنى الاختصاصِ للذُّكور مهمٌّ في المقام؛ لأنَّه قرينةٌ لإرادة الإناث من الازدواج، وهو لا يفاد بعبارة المباح، فلذلك أورد عبارة ﴿خَالِصَةٌ﴾ عليها، مع (^٤) حقِّ المقابلة مع عبارة (محرم) لها.
والتَّاء في ﴿خَالِصَةٌ﴾ ليست للتَّأنيثِ، بل يقال في الاسم: خالصٌ وخالصةٌ.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "قولهم".
(٢) في (ك): "الافتراء".
(٣) انظر: "تفسير مجاهد" (ص: ٣٢٩)، و"تفسير الطبري" (٩/ ٥٨٤ - ٥٨٥)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٣٥٢). ووقع في النسخ: "هي ألبان"، والمثبت من المصادر المذكورة.
(٤) في (ح) و(ف): "مع أن".
[ ٣ / ٤٣٢ ]
أو حُمل ﴿خَالِصَةٌ﴾ في التَّأنيث على المعنى؛ لأن ما في بطونهم في معنى الأجنَّة، ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾ على اللَّفظ.
أو كانت التاء للمبالغة كراوية الشعر.
أو كان مصدرًا كالعافية (^١) وقعَتْ موقعَ الخالص (^٢)، أي: ذو خالصة، بمعنى: خالص، ويؤيِّده قراءة: (خالصةً) بالنَّصب (^٣)، على أنَّه مصدَرٌ مؤكِّدٌ، والخبر ﴿لِذُكُورِنَا﴾، ويجوز أن يكون حالًا من الضمير الذي هو فاعل الاستقرار في قوله: ﴿فِي بُطُونِ﴾، لا مِنَ الذي في ﴿لِذُكُورِنَا﴾؛ لأن العامل المعنوي لا يتقدَّم معمولُه عليه، ولا من الذُّكور؛ لأن المجرور لا يتقدَّم عليه حالُه.
وقرأ ابن عباس ﵄: (خَالِصُهُ) على الإضافة (^٤)، وهو بدلٌ من ﴿مَا﴾، أو مبتدأٌ ثانٍ.
وفي مصحف عبد الله: (خالصٌ) (^٥). وقرئ: (خالصًا) (^٦).
﴿عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ لم يقل: (على إناثنا) مع أن المراد من الأزواج الإناث، وهو (^٧)
_________________
(١) في (ف) و(ح): "كالعاقبة"، وكلاهما صواب.
(٢) في النسخ: "موقع النصب"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ٧١)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١٨٥)، و"روح المعاني" (٨/ ٤٥٦).
(٣) نسبت للزهري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤١).
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤١)، و"المحتسب" (١/ ٢٣٢).
(٥) عزاها في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤١) إلى ابن عباس ﵄، وفي "المحتسب" (١/ ٢٣٢) إلى ابن مسعود وابن عباس ﵃.
(٦) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤١)، و"المحتسب" (١/ ٢٣٢).
(٧) في (م) و(ك): "وهي".
[ ٣ / ٤٣٣ ]
المناسب أن يذكر في مقابلةِ الذكور؛ لأنَّ المقصود الإشارة إلى وجه تحريمها على الإناث - وهو كونهنَّ أزواج الرِّجال في الجملة - لا بيانُ حرمتها على الإناث، فإنها قد فُهِمَتْ مما تقدَّم، ولهذا صدَّره بأداة الوصل، فإنه لو أريد به بيان الحرمة على الإناث لكان حقُّه الفصلَ؛ لِمَا بيْنه وبين ما تقدَّم من (^١) كمال الاتصال.
﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ الضمير لِمَا في بطونها، وقرئ بالتاء الفوقانية على تأويل الأجنة، وقرأ ابن عامر بها ورفعِ ﴿مَيْتَةً﴾ (^٢) على كان التَّامة، وتذكيرُ الضمير في: ﴿فَهُمْ فِيهِ﴾ لأنَّ الميتة قد تكون ذكرًا فغلِّب، وقرئ بالياء التحتانية ورفع ﴿مَيْتَةً﴾ (^٣).
﴿شُرَكَاءُ﴾؛ أي: الذكور والإناث فيه سواءٌ.
﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ الكذب؛ أي: جزاءَ وصفهم الكذبَ على الله تعالى في التحريم والتحليل.
﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾ في جزائهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالهم.
* * *
(١٤٠) - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ يريد بهم العرب الذين يدفنون بناتهم أحياءً،
_________________
(١) "من" من (ك).
(٢) في هامش (ف): " (ومن وهم أن هذه قراءة ابن كثير حيث نسبها إلى مكة فقد وهم. منه ".
(٣) قرأ ابن عامر: ﴿وَإِنْ يَكُنْ﴾ بالتاء ﴿مَيْتَةً﴾ بالرفع، وابن كثير: ﴿يَكُنْ﴾ بالياء و﴿مَيْتَةً﴾ بالرفع، وأبو بكر عن عاصم: ﴿تكن﴾ بالتاء كابن عامر ﴿مَيْتَةً﴾ بالنصب، وباقي السبعة: ﴿يَكُنْ﴾ بالياء ﴿مَيْتَةً﴾ بالنصب. انظر: "السبعة في القراءات" (ص: ٢٧٠)، و"النشر" (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
[ ٣ / ٤٣٤ ]
فبعضهم يفعل ذلك خوف العَيلة والإقتار، وبعضهم خوف السبي والعار، وقرئ: ﴿قَتَلُوا﴾ بالتَّشديد (^١).
﴿سَفَهًا﴾ مفعول له، والسَّفه: خفَّة الحُلم بالعجلة؛ أي: ما لا ينبغي أن يُعجل إليه.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حالٌ أو صفةُ مصدر؛ أي: قتلًا بغير علم، فيه إشارةٌ إلى أن فعلهم ذلك لجهلهم (^٢) بأن الله تعالى هو الرزَّاق والمقدِّر للسَّبي وغيره.
﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ من البحائر ونحوها.
﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ قد مرَّ (^٣) وجوه الإعراب في مثله.
﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى الحق والصواب، وزيادة (كان) للدلالة على الاستمرار؛ أي: استمَروا على عدم الاهتداء، على أن القيد المذكور داخلٌ على (^٤) النَّفي في الاعتبار، وإن كان مدخولًا له (^٥) في الظاهر، وبهذا اندفع وهم القصور والتكرار (^٦).
* * *
(١٤١) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا
_________________
(١) وهي قراءة ابن كثير وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ٩٣).
(٢) في (ح) و(ف): "لجهلهم".
(٣) في (ف): "قدم ".
(٤) في (ح) و(ف): "في".
(٥) "له "من (م) و(ك).
(٦) في هامش (ف): "اللازم من نفي الاستمرار على الاهتداء وأما لزوم التكرار […] ظاهر. منه ".
[ ٣ / ٤٣٥ ]
أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ﴾ من الكروم ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾: مرفوعاتٍ على دعائم ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾: متروكات على الأرض.
وقيل: الأول ما غرسه النَّاس وعرشوه، والثاني ما نبت في الجبال والبوادي (^١)، ولم يغرس.
﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا﴾ حال مقدَّرة؛ لأنَّه لم يكن كذلك حال الإنشاء ﴿أُكُلُهُ﴾: ثمرُه الذي يؤكل، في الهيئة والكيفيَّة، والضَّمير للنَّخل (^٢)، والزرعُ داخل في حكمه لكونه معطوفًا عليه؛ لأنَّ الأصل أن يطلق الأكُل على الثَّمرة والجناتِ بالحقيقة، فغلِّب فيه الزَّرع. أو للزرع والباقي مَقيس عليه، أو للجميع (^٣) على تأويل: ذلك، أو: كل واحد منهما (^٤).
﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾: يتشابه (^٥) بعض أفرادهما في الكم والكيفية، ولا يتشابه بعضُها.
﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ الضمير لكلِّ واحد ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾ قد كان من المعلوم أنه (^٦)
_________________
(١) في (ح) و(ف): "في الجبال في البراري ". وتحتمل (ف): "البوادي".
(٢) في (ح) و(ف) و(ك): "والضمير في النخل"، والمثبت من (م) وهو الصواب.
(٣) في (ف) و(ك) و(م): "للجمع"، والمثبت من (ح)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٨٥).
(٤) في (ح) و(ف): "منها".
(٥) في (ف): "يشابه".
(٦) في (ف) و(ح): "أن".
[ ٣ / ٤٣٦ ]
لا يُؤْكَل قبل أن يُثمر، ففائدةُ القيد المذكور التَّنبيهُ على أن إباحة الأكل تثبت (^١) قبل الإدراك والإيناع، بخلاف وجوب الحقِّ الشَّرعيِّ المذكور في قوله:
﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ما يُتصدَّق به وقت الحصاد، وكان ذلك الحقُّ واجبًا حتى نُسِخَتْ بالزَّكاة، وقيل: هو الزَّكاة، والآية مدنية، والظَّرف لـ ﴿حَقَّهُ﴾ ليُعلم أن الوجوب وجوبُه بالإدراك لا بالتَّنقية (^٢)، لا للإيتاء للحاجة إلى التأويل، والتَّوقيتُ في الأوامر حقُه أن يحافظ على ظاهره كيلا يَشتبه (^٣) الموقَّت بالمطلق.
وقرئ: ﴿حِصَادِه﴾ هو بكسر الحاء (^٤)، وهو لغةٌ فيه.
﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾؛ أي: في التَّصدُّق، لا في الأكل، ولذلك اقتصر على نفي المحبَّة عنهم، وقد قيل: إنهم كانوا يعطون شيئًا سوى المقدَّر ويسرفون فيه، فنُهي عنه.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ الموصوفين بهذه الصِّفة، فإنه من أمارات الممكورين لا المشكورين.
* * *
(١٤٢) - ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ﴾ عطف على ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي (^٥): وأنشأ من الأنعام.
_________________
(١) في (م): "ثبت". وفي (ك): "ثبتت".
(٢) في (ح) و(ف): "بالتبعية"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٨٥). والمراد بالتنقية: تخليصه من القشر ونحوه. انظر: "حاشية الشهاب" (٤/ ١٣٠).
(٣) في (ك): "يشتبه".
(٤) قرأ ابن عامر وعاصم وأبو عمرو بفتحها والباقون بكسرها. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٧).
(٥) "أي "من (ح) و(ف).
[ ٣ / ٤٣٧ ]
﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ ما يحمل الأثقال، وما يُفرش للذَّبح، أو يُنسج من وبره وصوفه وشعره الفرش (^١).
وقيل: الأوَّل الكبار (^٢) التي تصلح للحمل، والثَّاني الصغار مثل الفُرُش، وهي الأرض المستوية التي يتوطؤها النَّاس.
﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: ما أُحلَّ (^٣) لكم منه، ولا دلالة فيه على أنَّ كلَّ رزقٍ مأكولٌ حتى ينتهِض حجَّةً للمعتزلة في أنَّ الحرام ليس برزق (^٤).
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: لا تقتفوا آثاره في التَّحليل والتَّحريم من عند أنفسكم اعتقادًا وقولًا وعملًا، وكان في الإتيان بعبارة الجمع إشارة إلى هذه الثلاثة.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ظاهرُ العداوة
* * *
(١٤٣) - ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ بدل من ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾، والزَّوج: ما معه آخَرُ من جنسه يزاوجه، وقد يقال لمجموعهما، والمراد هنا الأول.
﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾؛ أي: زوجين اثنين: الكبش والنَّعجة، وهو مع ما (^٥) بعده
_________________
(١) في (ح) و(ف): "للفرش".
(٢) في (ح) و(ف): "للكبار".
(٣) في (ك): "حل".
(٤) انظر الكلام في هذه المسألة في "تفسير الرازي" (١٣/ ٢١٦)، و"البحر المحيط" (٩/ ٤٥٠).
(٥) في (ح) و(ف): "وهو وما".
[ ٣ / ٤٣٨ ]
عطفُ بيان لـ ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، أو ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ بدل من ﴿الْأَنْعَامِ﴾ و﴿اثْنَيْنِ﴾ من ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾، أو من ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، إن جوَّزنا للبدل بدلًا.
وقرئ: (اثنان) على الابتداء (^١).
والضَّأن: جمع ضائن، كالتَّجر جمع تاجر، وقيل: هو (^٢) جمعٌ لا واحد له من لفظه، ويجمع على ضَئينٍ، كالعبد يجمع على عبيد، وقرئ بفتح الهمزة (^٣)، وهي لغة فيه.
﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾: التَّيس والعَنْز، وهي (^٤) جمع ماعز، وقرئ بالفتح (^٥)، وهو أيضًا جمع له؛ كحارس وحَرَسٍ، وقرئ: (المِعْزَى) (^٦).
﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾: ذكَرَ الضَّأن والمعز، والهمزةُ للإنكار ﴿حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: أم أُنثيَيْهما، ونصبُ الذَّكرين والأنثيين بـ ﴿حَرَّمَ﴾، وتقديمُ المفعول للتخصيص.
﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: حَوَته وانضمَّتْ عليه، ذكَرًا كان أو أنثى.
﴿أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الأرحام: جمع رحِم، وهو موضع الولد، وما كان في الحيِّ
_________________
(١) نسبت لأبان بن عثمان. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤١).
(٢) في (م) و(ك): "هي".
(٣) نسبت لطلحة بن مصرف وغيره. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤١)، و"المحتسب" (١/ ٢٣٤).
(٤) في (م) و(ك): "وهو".
(٥) هي قراءة ابن عامر وابن كثير وأبي عمرو، والباقون بكسرها. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٨).
(٦) نسبت لأبي ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤١)، و"البحر المحيط" (٩/ ٤٥١). ووقع في النسخ: "معزى" بلا (أل)، والصواب المثبت.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
منه عضو واحد، فالإضافة إلى الاثنين (^١) بالجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾: أخبِروني بأمرٍ معلومٍ من جهةِ اللهِ تعالى يدلُّ على أنَّه تعالى حرَّم (^٢) شيئًا من ذلك، عبَّر (^٣) عنه بالعلم مبالغةً؛ للتَّنبيه على أنَّ دليلَ التَّحريم لا بُدَّ أن يكون قطعيًّا.
وهو اعتراضٌ لطيفٌ بينَ أقسام التَّفصيل؛ للتَّأكيد في الاحتجاج على مَنْ حرَّم ما أحلَّ اللهُ تعالى لعباده، مَنَّ بالتَّفضُّل به عليهم مبالغةً في التَّحليل.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم أن الله تعالى حرَّم هذا.
* * *
(١٤٤) - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ كما سبق، والمرادُ إنكار (^٤) تحريمِ الله تعالى شيئًا من الأجناس المذكورة.
وذلك أنهم كانوا يحرِّمون ذكور هذه الأنعام تارةً وإناثَها أخرى، وأولادَها
_________________
(١) في (ف) و(ح): "اثنين".
(٢) في (ف) و(ح): "ما حرَّم"، وزيادة (ما) خطأ يقلب المعنى ويفيد عكس المراد.
(٣) "عبر": ليست في (م) و(ك).
(٤) في (م) زيادة: "التحريم".
[ ٣ / ٤٤٠ ]
كيفما كانت ذكورًا وإناثًا تارة، وينسبون تحريمها إلى الله تعالى، فأنكر ذلك عليهم.
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ معنى بل في (أم) المنقطعة: الإضرابُ (^١) عن طلب العلم والدليلِ القطعيِّ الدَّالِّ على التَّحريم من عند الله على سبيل المسامحة، ومعنى الهمزة: إنكار المشاهدة، وذكرُها تهكُّمٌ بهم وبدِينهم؛ لأنهم لم يؤمنوا بنبيٍّ ولا كتابٍ، وزعموا أن الله تعالى حرَّم هذا، فلم يبقَ إلَّا طريقُ (^٢) المشاهَدة والسَّماع، فقيل لهم: أشاهدتم ربَّكم ﴿إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾: حين وصَّاكم بهذا التَّحريم وأمركم (^٣)، والوصية مقدَّمة مؤكَّدة فيما يُفعل أو يُترك.
ولما ثبت أنْ (^٤) لا علم لهم أصلًا في هذا، فلم يبقَ إلَّا الافتراء وهو ظلم، قال (^٥): ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: نسَب إليه تعالى تحريمَ ما لم يحرِّم، وهو عَمْرُو بنُ لُحيِّ بنِ قمعة (^٦)، المؤسِّسُ لتبحير البحائر وتسييب السَّوائب.
﴿كَذِبًا﴾: كاذبًا، لا مخطئًا في ظنه، فإن فيه مندوحةً عن الكذب.
﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾؛ أي: عمِل عمل القاصد (^٧) إضلالَهم، من أجل دعائهم إلى ما فيه الضلالةُ وإن لم يقصد الإضلال، ولذلك قال: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
_________________
(١) في (م) و(ك): "للإضراب".
(٢) في (ح) و(ف): "بطريق".
(٣) في (ح) و(ف): "وأكرمكم".
(٤) في (ك) و(م): "أنه".
(٥) "قال" من (م).
(٦) ضبط (قمعة) على أربعة وجوه انظرها في "شرح مسلم" للنووي (١٧/ ١٨٩).
(٧) في (ح) و(ف): "عمل عملا قاصدا".
[ ٣ / ٤٤١ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ إلى دار الثَّواب؛ لأنهم يستحِقُّون العقاب.
* * *
(١٤٥) - ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيم﴾.
﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ كنَى بعدم الوجدان عن عدم الوجود، ومَبْنى هذه الكناية على أنَّ طريقَ التَّحريمِ التَّنصيصُ مِنَ الله تعالى عليه، ولا مساغَ للرَّأي فيه، ففيها ثبوتُ ذلك المبنى (^١) اقتضاء.
ثم إنَّ فيهما إشارةً إلى أنَّ من الأحكام المنزَّلة ما في العثور عليه حاجةٌ إلى التَّفقُّد (^٢) والتَّتبُّع لكونه بطريق الدّلالة الخفيَّة، وإنما قال:
﴿فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ دون: ما أُنزل عليَّ؛ لأنَّ النَّصَّ المحرِّم لا يلزم (^٣) أن يكون من جنس الكتاب (^٤).
﴿مُحَرَّمًا﴾ طعامًا محرَّمًا ﴿عَلَى طَاعِمٍ﴾: نكَّره تجريدًا له عن قيدٍ زائد حتى يَنتظِم الطَّاعمُ الظَّالمَ وغيرَ الظَّالم، فيَؤُول المعنى إلى أنَّه ليس من جنس المطعوم من حيث إنه مطعوم محرَّم إلَّا هذه الأربع، فلا يتَّجه النقض بحرمة المأكول ظلمًا؛ لأن حرمته مِن قيدِه لا مِن نفسه.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "المعنى".
(٢) في (ح) و(ف): "التصور".
(٣) في (م) زيادة: "من".
(٤) في هامش (م): "رد لمن فسر قوله: (ما أوحي إلي) بالقرآن. منه ".
[ ٣ / ٤٤٢ ]
وفائدة التَّوصيف بقوله: ﴿يَطْعَمُهُ﴾ قطعُ المجاز، كما في ﴿طَائِرٍ يَطِيرُ﴾ [الأنعام: ٣٨]؛ فإن الطَّاعم يطلَق على المطعِم مجازًا.
﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾؛ أي: إلَّا أن يكون المطعوم، فالاستثناء من المفهوم، وقرئ بالتاء - لتأنيث الخبر - وبرفع: ﴿مَيْتَةً﴾ (^١) على أن (كان) هي التَّامة.
والمراد من الميتة هاهنا: ما فقَدَ حياته بلا ذبح أصلًا؛ أي: شرعيًّا كان أو غيرَ شرعيٍّ، ولهذا احتيج إلى ذكر المحرَّم الرَّابع.
في قوله: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ دلالةٌ على أن جلد الميتة قبل الدِّباغ يحرم؛ لأنَّه قد (^٢) يُشوَى فيؤكل، وإذا دُفيَ خرج عن قابلية الأكل.
﴿أَوْ دَمًا﴾ عطف على ﴿مَيْتَةً﴾، أو على ﴿أَنْ﴾ مع ما في حيِّزه على اختلاف القراءتين فيهما، وإنما ذكرهما هنا منكَّرين وفي (سورة البقرة) و(المائدة) معرَّفتين؛ لأنَّ هذه السُّورة مكيَّة، وهما مدنيَّتان، فناسب أن يُذكرا فيهما (^٣) معرَّفين بتعريف العهد، وتعريفُهما في (سورة النَّحل) مع أنها أيضًا مكيَّة بناء على تأخُّر (^٤) نزول ما فيها من الآية المشتملة عليهما من (^٥) نزول ما في هذه السورة.
﴿مَسْفُوحًا﴾: مصبوبًا ضائعًا، يرشدك إلى اعتبار هذا القيد الزَّائد على معنى الصَّبِّ في مفهوم السَّفح (^٦)
_________________
(١) هي قراءة ابن عامر، وقرأ ابن كثير وحمزة بالتاء ونصب ﴿مَيْتَةً﴾. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٨).
(٢) "قد" من (م) و(ك).
(٣) "معرفتين لأن هذه السورة مكية وهما مدنيتان فناسب أن يذكرا فيهما" سقط من (ف)، و(ح).
(٤) في (ح) و(ف): "تأخير".
(٥) قوله: "من" كذا في النسخ، والأحسن: (عن).
(٦) بعدها في (ح) و(ف): "في".
[ ٣ / ٤٤٣ ]
إطلاقُهم السِّفاح (^١) على الزِّنا باعتبار تضييعه الماء، قال النبيُّ (^٢) ﵇: "وُلدْتُ مِنْ نِكاحٍ لا مِنْ سِفاحٍ" (^٣).
وإذا تقرَّرَ هذا ففي العبارة المذكورة إشارةٌ إلى أنَّ حقَّ هذا الدَّم التَّضييعُ والإهدار، لا الحفظُ والادِّخار، وإنَّما خصَّ الدَّم بالقيد المذكور لأنَّ ما اختلطَ باللَّحم منه وقد تعذر تخلصه من اللَّحم عفوٌ (^٤) مباحٌ، وأمَّا الطُّحال فليس بدمٍ (^٥) حقيقةً، وكذلكَ الكبد، فلا حاجة إلى الاحتراز عنهما إلى القيد (^٦) المذكور.
﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ إنما زيد ﴿لَحْمَ﴾ (^٧) لا لأنَّ كلَّه غير مأكول، وإلا لناسب زيادتها في الميتة أيضًا للاشتراك في العلة المذكورة، بل لئلا يسبق إلى الوهم أنَّه من قبيل (^٨) صيد البرِّ حتى لا يبقى محرَّمًا بعدما صار لحمًا.
ولما كان المأكول المحرَّم من الخنزير غيرَ منحصرٍ في اللَّحم تدارك الحكمَ في الباقي بالتَّعميم دلالة، حيث علَّل المذكور بقوله:
﴿فَإِنَّهُ﴾؛ أي: فإن الخنزير ﴿رِجْسٌ﴾؛ أي: قذرٌ ينفر عنه الطَّبعُ السَّليم؛ لتعوُّده أكلَ النَّجاسة.
_________________
(١) "السفاح" سقط من (ف) و(ح).
(٢) "النبي": ليست في (م).
(٣) رواه الطبراني في "الأوسط" (٤٧٢٥) من حديث علي ﵁. وانظر: "التلخيص الحبير" (٣/ ١٣٦).
(٤) في (ف) و(ح): "عضو".
(٥) في (ف) و(ح): "دمًا".
(٦) "القيد" سقط من (ف) و(ح).
(٧) في (م) و(ك): "عبارة اللحم".
(٨) "قبيل" من (م) و(ك).
[ ٣ / ٤٤٤ ]
ولا يخفى ما في الاعتراض بين المعطوفين للتَّعليل من الدلالة على سائر أجزائه القابلة للأكل.
ويجوز أنْ يُرادَ باللحم: ما يُؤكَل منه مطلقًا، على طريقة التَّعبير عن الكل بالجزء (^١)، وعلى هذا لا حاجة إلى صرف الضمير عن المضاف.
فإن قلْتَ: أليس في هذا التعليل غنًى عن إقحام اللحم لإفهام ما ذُكِرَ آنفًا؟
قلْتُ: لا؛ لأنَّ التَّعليل النَّحوي لا يلزم أن يكون بالعليَّة الشَّرعيَّة، بل قد يكون بالحكمة التي لا يلزمها الاطراد ولا الانعكاس، وإنَّما خصّص هذا والذي يليه بالتَّعليل عبارةً وإشارةً لأنَّ الطَّبع يساعد السَّمع في الأَوَّلَيْن بخلافِهما في الآخرَيْنِ.
﴿أَوْ فِسْقًا﴾ نصب عطفًا على ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، لا على أنه مفعول له، دَلَّ على ذلك قولُه تعالى في موضع آخر: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، سمي بالمصدر مبالغةً، فهو بعبارته تحذير منه (^٢)، وبإشارته تعليل لحرمته.
﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ صفة موضِّحة له، والإهلال به كنايةٌ عن ذبحه، وهو في الأصل: رفعُ الصَّوت بالشيء.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: دعته الضرورة إلى أكلِ شيء من ذلك ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على مضطرٍّ مثله ﴿وَلَا عَادٍ﴾ قَدْرَ الضرورة في تناوله.
﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ﴾ لِمَا عسى أن يفرط عند العمل بالرُّخصة ﴿رَحِيمٌ﴾ بالرُّخصة فيه.
_________________
(١) في (ك): "بالجل".
(٢) في (ف) و(ح): "عنه".
[ ٣ / ٤٤٥ ]
وقد استُدِلَّ بهذه الآية على انتساخِ الكتابِ بالسُّنَّة؛ لأن عبارتها وإن كانت ساكتة عن عدم محرَّم آخر، لكنَّ دلالتها ناطقةٌ بأنْ (^١) لا محرَّم غير هذه، وليس فيها توقيت، فلمَّا زيدَ محرَّم آخر بالسُّنَّة انتسخَ حُكْمُ تلكَ الدِّلالة.
* * *
(١٤٦) - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قال ابن عباس وجماعةٌ: هي (^٢) ذواتُ الظِّلف كالإبل والنَّعام، وما ليس بذي أصابع منفرجةٍ كالبطِّ والإوزِّ ونحوهما (^٣). واختاره الزَّجَّاج (^٤).
وفي قوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾ تكذيبٌ لليهود في قولهم: إن الله تعالى لم يحرم علينا شيئًا، وإنما حرَّمنا على أنفسنا ما حرَّمه إسرائيل على نفسه.
﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ﴾ عطف على ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، وقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ تبيين للمحرَّم منهما، ولا بدَّ من الإضافة للرَّبط.
وفي الإجمال ثمَّ التَّفصيلِ زيادةُ تقريرٍ وتأكيدٍ، ولولا القصد إلى ذلك لكان الظَّاهر أنْ يُقالَ: وشحومَ البقر والغنم، أو يقال: ومن البقر والغنم الشحومَ، والمعنى:
_________________
(١) في (ك): "بأنه".
(٢) في (ف) و(ح): "من".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٣٨ - ٦٣٩) عن ابن عباس وجمع من التابعين.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٠١).
[ ٣ / ٤٤٦ ]
حرَّمنا لحمَ كلِّ ذي ظفرٍ وشحمَه وكلَّ شيء منه، وتركنا البقر والغنم على التَّحليل، لم نحرِّم (^١) منهما إلا الشُّحومَ خاصَّة، وهي الثُّروب (^٢) وشحومُ الكُلى.
وكان بعض ذوات الظُّفر حلالًا لهم، فعمَّ التَّحريم بسبب ظلمهم، لقوله (^٣) تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠].
وتدَّعي النَّصارى أنَّ ذلك نُسِخَ في شرع عيسى ﵇، ويشهد (^٤) بذلك التَّخصيص المستفاد من تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾.
﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ إلَّا ما علقت بظهورهما (^٥).
﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ إنْ قُدِّرَ وزنها: (فواعِلَ) فجمع حاوية، كزاويةٍ وزوايا، أو جمع حاوياءَ؛ كقاصعاءَ وقواصِعَ، وإنْ قُدِّرَ وزنُها (فعائلَ) فجمع حَوِيَّةٍ، كمطيَّةٍ ومطايا، وهي الدُّوَّارَةُ التي تكون في بطن الشِّياه (^٦).
وقيل: هي (^٧) عطف على ﴿شُحُومَهُمَا﴾، و﴿أَوِ﴾ للتَّفصيل، فصِّل بها ما حرِّم من البقر والغنم.
_________________
(١) في (ك): (يحرم).
(٢) الثُّروبُ: جمع ثَرْب، والثَّرْبُ: شحمٌ رقيقٌ يُغَشَي الكَرِشَ والأمعاء. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: ثرب).
(٣) في (ح) و(ف): "بقوله".
(٤) في (ح) و(ف): "وشهد".
(٥) في (ح) و(ف): "بظواهرهما".
(٦) وهي ما تحوى من أمعاء الشاة. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: دور).
(٧) في (م) و(ك): "هو".
[ ٣ / ٤٤٧ ]
﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ كالأَلْيَة وما في القوائم والجُنُوب والرَّأس والعيون والآذان والمخ.
﴿ذَلِكَ﴾ التَّحريمُ أو الجزاء ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ بسبب ظلمهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرناهم.
* * *
(١٤٧) - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ في ذلك ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾؛ أي: لا تُعرِض عنهم، ولا تؤايسهم من (^١) رحمتي، بل كن ثابتًا في مقام الدَّعوة على قَدَمَيِ الإبْشار والإنذار، وذلك أن ما ذُكِرَ كلمةٌ جامعة لهما؛ أما الإبشار فلِمَا فُهِمَ من العبارة المذكورة من أنه تعالى يقبل التَّوبةَ ويغسل الحَوْبَةَ، فإنْ رجعوا عن التَّكذيب إلى التَّصديق فلهم الفوز والنَّجاة، وأما الإنذار فلِمَا فُهِمَ من إشارتها إلى أنَّه تعالى لسَعة (^٢) رحمته يمهل، ولمَّا كان في الإمهال مَظِنةُ الاندفاع (^٣) تداركه بقوله:
﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ حين ينزل ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ فلا تغترُّوا بإمهاله.
أو: فإن كذَّبوك في الإنذار وإيعاد العصاة، واعتلُّوا بأنَّ اللهَ واسعُ الرَّحمة فلا يؤاخذ بالبغي، فقل: ربكم ذو رحمة واسعة للمطيعين، وذو بأس شديد للمجرمين، فلا تَردُّ رحمتُه بأسَه عليهم، بل ربَّما أودعَ قهرَه في صورة لطفه استدراجًا، فلا تغترُّوا.
_________________
(١) في (ك): "تؤسهم عن"، وفي (م): "تؤيسهم عن".
(٢) في (ح) و(ف): "بسعة".
(٣) في (ح) و(ف): "الانتفاع".
[ ٣ / ٤٤٨ ]
(١٤٨) - ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾.
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ في ردِّ الدَّعوة وتكذيب الرَّسول: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ عطف على الضمير المرفوع في ﴿أَشْرَكْنَا﴾ بلا تأكيدٍ للفصل بـ (لا) (^١).
﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: ما صدر منَّا ومن آبائنا ما صدرَ إلَّا بمشيئة الله تعالى (^٢) وإرادته، أصابوا فيما قالوا على وَفق ما مرَّ في هذه السورة من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١٣٧]، ولكنهم أخطؤوا في تمسُّكهم به في الرَّدِّ على الرَّسول ﷺ، وزعمهم أنَّ فيه حجَّةً عليه؛ بناءً على ظنِّهم أنَّ ما أرادَه اللهُ تعالى لا يكون منهيًّا عنه، وما لم يُردْهُ اللهُ تعالى لا يكون مأمورًا به، فلا مساغ للنَّهي عن شركٍ دلَّ وقوعه على أنَّه مرادُ اللهِ تعالى، والأمرُ بالتَّوحيد دلَّ عدم وقوعه على أنَّه (^٣) لم يكن مرادًا له تعالى - لِمَا تقرَّر في (^٤) موضعه أنه لا تلازم بين الأمر والإرادة، بل ينفكُّ كلٌّ منهما عن الآخر، وكذا بين النَّهي وعدم الإرادة، ولذلك - أي: لعدم خطئهم في
_________________
(١) وهذا عند البصريين، ساغ العطف عندهم وإن لم يؤكد الضمير لأنَّه يكفي عندهم أي فاصل كان، وقد فصل بـ (لا) هاهنا، والكوفيون لا يشترطون في ذلك شيئا ويستدلون بما هنا. انظر: "روح المعاني" (٨/ ٤٨٨).
(٢) في (م) و(ك): "بمشيئته تعالى".
(٣) "مراد الله تعالى والأمر بالتوحيد دل عدم وقوعه على أنه" سقط من (م) و(ك).
(٤) في (ح) و(ف): "من". وقوله: "لما تقرر" متعلق بـ "أخطؤوا".
[ ٣ / ٤٤٩ ]
القول المذكور بل في احتجاجهم به عليه الصلاة السلام - ذمَّهم بالتَّكذيب دونَ الكذب، حيث قال:
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك التَّكذيب العظيم لك (^١) ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ للرُّسل، وهذا دليل على أنَّ مرادَهم التَّكذيبُ دونَ إبداء (^٢) العذر.
﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾: حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم.
وبيَّنَ أنَّ احتجاجهم ليس عن (^٣) علمٍ ويقينٍ، بل عن ظنٍّ وتخمينٍ بقوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾؛ أي: ليس عندكم بذلك علمٌ.
﴿فَتُخْرِجُوهُ﴾: فتظهروه ﴿لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾، أي: الذي لا يغني من الحقِّ شيئًا.
﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾: وما أنتم إلا تخمِّنون وتقدِّرون أنَّ الأمرَ كما زعموا، وليس كذلك، لِمَا مَرَّ مِنْ بطلان مبنى (^٤) ذلك الظنِّ، فلا متمسَّك فيما ذكر لأهل الزَّيغ والضَّلال من أصحاب الاعتزال، ولا حاجة إلى التَّوجيه والتَّأويل (^٥) بتقييد المشيئة أوَّلًا؛ أي: فيما مرَّ، وإجرائها على إطلاقها آخرًا، أي: فيما يستمر (^٦).
* * *
_________________
(١) "العظيم لك "من (م) و(ك).
(٢) في النسخ: "إبلاء"، والصواب المثبت.
(٣) في (م) و(ك): "من".
(٤) في (م): "معنى"، وسقطت من (ف)، والمثبت من (ح) و(ك).
(٥) في هامش (ف): "والعجب أنَّ البيضاوي مع وقوفه على ذلك وعلى ما دل عليه في تفسيره كيف التزم هنا بالتأويل والانصراف عن الظاهر. منه ".
(٦) في (م): "يستمر سيأتي"، وفي (ح) و(ف): "سبق"، والمثبت من (ك).
[ ٣ / ٤٥٠ ]
(١٤٩) - ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ الفاء للسَّببيَّة، والجملة مسببَّة عمَّا دلَّ عليه الكلام السَّابق، والمعنى: إذ قد ظهر عدمُ تمام حجَّتكم فالحجَّةُ التَّامة مختصَّةٌ به تعالى ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الفاء قامت مقام (إنَّ) في تحقيق ما دلَّ عليه الكلام السَّابق من كونهم محجوجين، وذلك أنَّ فيه إلزامًا لهم بناءً على قولهم؛ أي: بل قد (^١) صدَقتم، ولكن كما شاء كفركم لو شاء هدايتكم لهداكم كلَّكم، فبأي شيء علمتم أنَّه لم يشأ هدايتكم حتى أصررتم؟!
وهذا تهييجٌ لمن عسى أن يكون له استعدادٌ منهم فينقمعَ ويهتدي، فيرجعَ عن الشرك ويؤمنَ.
وفيه فائدة أخرى، وهي تداركٌ لِمَا يخطر بالبال من إبطال احتجاجهم أن يكون الاختلال في قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ بتصديقهم في ذلك المقال، ففيه حجَّة دامغة لأصحاب الاعتزال.
* * *
(١٥٠) - ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ ﴿هَلُمَّ﴾ من أسماء الأفعال، يجيء متعديًا كما هاهنا بمعنى: هاتوا، ولازمًا كقوله: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]؛ أي: تعالوا (^٢).
_________________
(١) "قد"من (ك) و(م).
(٢) في هامش (ف) و(م): "ومن قال هاهنا: إنه لازم في القول المذكور، وقال في تفسير سورة الأحزاب: معناه: قربوا أنفسكم إلينا، ثم قال: وقد بثنا أصله في الأنعام، لم يكن كلامه على سنن الانتظام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام ".
[ ٣ / ٤٥١ ]
وإنما أضاف الشُّهداء إليهم لأنها لو أُطلقت لكان المعنى: هلم ناسًا يشهدون، فكان ظاهره طلبَ الشُّهداء بالحقِّ، وذلك فاسد.
﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾؛ يعني: مرتضاهم وقدوتَهم، أمَرهم بإحضارهم ليُلزمهم الحجَّةَ ويُبكِّتَهم، فيظهرَ للمشهود لهم عند انقطاعهم أنهم ليسوا على شيء، ولهذا قال:
﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾: فلا تصدِّقهم، ولا تسلِّم لهم، كنَّى عن ذلك بالشَّهادة معهم مبالغةً في النَّهي؛ دلالةً على أنَّ الإصغاء إليهم دخول في عداد الشهداء بالباطل (^١).
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ من باب وضع الظَّاهر موضع الضَّمير، للدّلالة على أن المكذِّب بآيات الله تعالى لا يكون إلا متَّبع الهوى؛ إذ لو اتَّبع الدَّليلَ والعقل لكان مصدّقًا بها.
﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ كعبدة الأوثان ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾: يجعلون له تعالى عديلًا.
* * *
(١٥١) - ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ من التَّعالي، وأصله: أَمْرُ مَنْ كانَ في مكانٍ عالٍ لمن هو أسفل منه، فعُمِّمَ اتِّساعًا فيه لكثرة الاستعمال.
_________________
(١) في هامش (ف): "ويأبى عن الاستعارة والمشاكلة قوله: ﴿مَعَهُمْ﴾. منه ".
[ ٣ / ٤٥٢ ]
﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ﴿مَا﴾ موصولة منصوبة ب ﴿أَتْلُ﴾، أو استفهامية منصوبة بـ ﴿حَرَّمَ﴾، والجملة في محل النَّصب بـ ﴿أَتْلُ﴾؛ لأن التِّلاوة من باب القول (^١)؛ أي: أتلُ أيَّ شيءٍ حزَم ربُّكم.
﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلقة بـ ﴿حَرَّمَ﴾، و(أنْ) في قوله (^٢): ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ مفسِّرة، و(لا) للنَّهي؛ لعطف الأوامر عليه في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ لأن تقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا (^٣).
وعطفُ الأوامر على النَّواهي الواقعة بعد (أنْ) المفسِّرةِ لتلاوة المحرَّمات - مع القطع بأنَّ المأمور به لا يكون محرَّمًا - دل على أنَّ التَّحريمَ راجعٌ إلى أضدادها، وذلك أنَّه لمَّا علَّقَ (^٤) التِّلاوة بالتَّحريم إجمالًا ثم فسَّره بالتَّفصيل، وجبَ أن تكون التفاصيلُ كلُّها منهيَّاتٍ محرَّماتٍ، لكنْ عدلَ في بعضها إلى الأمر بأضدادها مبالغةً في النَّهي، وتنبيهًا على أن أضدادها واجبة، فيلزمها النَّهي عنها بأبلغ الوجوه.
ويحتمِل أن تكون الأوامر معطوفة على المناهي وداخلةً تحت (أنْ) التفسيرية (^٥).
﴿شَيْئًا﴾ يحتمل المصدر والمفعول، ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ أي: وأحسنوا
_________________
(١) في هامش (ف): "فلا حاجة إلى التضمين. منه".
(٢) "قوله": ليست في (م) و(ك).
(٣) "إحسانًا" من (م) و(ك).
(٤) في (ك): "لما أنه علق ".
(٥) في هامش "ف": "ويصح ذلك على تقدير محذوف تكون (أنْ) مفسرة له وللمنطوق قبله الذي دل على حذفه، والتقدير: وأما أمركم به، فحذف لدلالة ﴿مَا حَرَّمَ﴾ عليه، كما لا يخفى على من لب. منه".
[ ٣ / ٤٥٣ ]
بهما (^١) إحسانًا، وضعه موضع النَّهي عن الإساءة إليهما؛ للدلالة على أن ترك الإساءة في شأنهما غير كافٍ، بخلاف غيرهما.
ولك أن تقول: إنها معطوفة على قوله: ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ﴾، أمَرهم أوَّلًا بأمرٍ ترتَّب عليه ذِكْرُ مَنَاهٍ، ثم أمرهم ثانيًا بأوامر، ويتبعها المبالغة في النَّهي.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ النَّهي مطلقٌ، وإنَّما قال: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ ظهارًا لسوء صنيعهم؛ فإنهم كانوا يفعلون ذلك من أجله.
في "الأساس": أملَقَ الرَّجلُ: أنفق ماله حتى افتقر (^٢).
ولما كان الإملاق باعتبار بدايته إنفاقًا وباعتبار نهايته فقرًا جاز استعمالُه في كلِّ منهما.
وقد قيل: الخطاب هنا للفقراء، ولذا (^٣) قدِّم رزقُهم فقيل: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ منعًا لموجَب (^٤) ما كانوا يفعلون لأجله، واحتجاجًا عليهم، فناسب أن يفسَّر الإملاق هنا بالفقر، والخطاب في ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] للأغنياء، ولذا قدِّم رزقُ أولادهم، فقيل: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]، فناسب أن يفسَّر الإملاق ثمَّة بالإنفاق.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾: كبائر الذنوب ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ بدلٌ منه، والظَّاهر: ما بينك وبينَ الخلقِ، والباطن: ما بينك وبينَ الحقِّ.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "لهما".
(٢) انظر: "أساس البلاغة" للزمخشري (مادة: ملق).
(٣) في (ف) و(ح): "الخطاب من الفقراء وإنما".
(٤) في (ف) و(ح): "لموجبية".
[ ٣ / ٤٥٤ ]
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ لَمَّا كان في إطلاق النَّفس شمولٌ للنُّفوس الحيوانيَّة - والأصلُ في قتلها (^١) الإباحةُ - قيَّد بقوله: ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾، يعني: النَّفسَ الإنسانيَّة ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بما (^٢) يحقُّ به قتلها، ككفرٍ بعد إيمان، وزِنًى (^٣) بعدَ إحصانٍ، وقتلِ نفسٍ ظلمًا.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ تفصيلًا.
﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ لمَّا كانَ في الوصية معنى الاهتمامِ والمحافظة زيادةً على معنى الطَّلب استُعيرَتْ للأمر المؤكَّد، والموصَّى به نفسُ ما ذكرَ، لا حفظُه (^٤).
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ترشُدون؛ فإنَّ غايةَ العقلِ الرُّشد.
* * *
(١٥٢) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ نهى عن القُرْبِ الذي يعمُّ وجوهَ التَّصرُّف، وفيه سدُّ الذَّريعة.
﴿إِلَّا بِالَّتِي﴾؛ أي: بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ في حقِّ اليتيم، وإنما جيء بصيغة التفضيل مراعاةً لمال اليتيم.
_________________
(١) في (ف) و(ح): "فيها".
(٢) في (م) و(ك): "مما".
(٣) في (ح) و(ف) و(ك): "ورجم"، وفي (م): "وزنا رجم"، والصواب المثبت.
(٤) في هامش (م): "لما عرفت أن معنى الحفظ ينتظم مفهوم الوصية، فافهم ".
[ ٣ / ٤٥٥ ]
﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾: غايةٌ (^١) من حيث المعنى؛ أي: احفظوه عليه حتى يبلغَ أوانَ (^٢) الحُلُمِ مع الرُّشدِ، فادفعوه إليه.
والأَشُدُّ: جمعُ شِدَّة، كأَنْعُمٍ ونِعْمَةٍ (^٣).
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ الإيفاءُ مخصوصٌ بالكيل، والميزانُ عطفٌ عليه، على طريقة ذِكْرِ أحدِ الفِعلَيْن وعطفِ متعلَّق المحذوف على المذكور، على حسَب ما يقتضيه لفظه، حتى كاله شريكه في أصل الفعل، كقوله:
علفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا (^٤)
وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل والتَّسوية، متعلق بالفعل المحذوف؛ أي: وزنوا الميزان بالقسط؛ فإنَّه مظِنّة البخس، بحيث لا يتفطَّن له صاحبه، بخلاف الكيل (^٥).
_________________
(١) في (ف) و(ح): "غايته ".
(٢) في (ف) و(ح): "إبداء".
(٣) في هامش (ف): "كذا قال سيبويه في تهذيب الأزهري، قال أبو الهيثم: واحد الأنعم نعمة، وواحد الأشد شدة، ولا عبرة بما قاله الجوهري من أن فِعلة لا يجمع على أَفْعُل، تدبر. منه".
(٤) صدر بيت أنشده الفراء لبعض بني دُبَير - قبيلة من أسد - يصف فرسه. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٤)، و"تفسير الطبري" (١/ ٢٦٤)، و"الكشاف" (٢/ ١٠٨)، و" الخزانة" (١/ ٤٩٩). وعجزه: حَتَّى شَتَتْ هَمّالَةٌ عَيْناهَا
(٥) في هذا التخصيص نظر، ففي المكيال أيضًا مجال واسع للغش كما للميزان وإن اختلفت الطريقة، والغشاشون لا يعدمون طريقة لأي نوع من أنواع الغش وفي أي شيء كان مهما خفي على الناس أو ظُن أن لا مجال فيه للغش، فلا داعي لهذا التخصيص بوزن الميزان وإخراج الكيل من الحكم، لا بل يجب تعميم الحكم إلى غير الكيل والميزان مما يتعامل به الناس لاستيفاء حقوقهم، ولعل ذكرهما لكونهما أكثر ما يتعامل به الناس، أو لاقتصار الناس عليهما في ذلك الزمان.
[ ٣ / ٤٥٦ ]
﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الوُسع: ما احتملته الطَّاقة، وذكرهُ (^١) عَقيبَ الأمرِ للدّلالة على أنَّه لا يؤاخذها بتقصيرٍ يقع بعدَ الاجتهادِ في مراعاة العدل.
﴿وَإِذَا قُلْتُمْ﴾ أُرِيدَ بالقول هنا: ما لا يُطَّلَعُ عليه إلَّا بالقول؛ من أمرٍ وحكمٍ وشهادةٍ وخبرٍ وسفارةٍ (^٢) وغير ذلك.
﴿فَاعْدِلُوا﴾ فيه ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المقول إليه أو عليه ﴿ذَا قُرْبَى﴾: من ذوي قرابتكم.
﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: بما عاهدكم (^٣) الله من أوامره ونواهيه ﴿أَوْفُوا﴾ أو: بما عاهدتم الله عليه من أيمانكم ونذوركم.
﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾؛ أي: أمركم به وأكَّد الأمرَ (^٤).
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ لمَّا كان في هذه الأمور نوعُ خَفاء بالقياس إلى ما سبقَ بحيث يحتاج إلى الاجتهاد والذِّكْر الكثير ضُمَّتْ (^٥) يتذكرون.
* * *
_________________
(١) في (م): "وذكر".
(٢) في (م): "وخير وسعادة" وهو تصحيف فيهما.
(٣) قوله: "عاهدكم" لعل المراد: (عهد إليكم). وعبارة البيضاوي: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ يعني: ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع. وقال الآلوسي: أي: ما عهد إليكم من الأمور المعدودة … أو: ما عاهدتم الله تعالى عليه من أيمانكم ونذوركم. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٨٩)، و"روح المعاني" (٨/ ٥٠٠). قلت: وهذان الوجهان بحسب المضاف إليه، ففي الأول الإضافة إلى الفاعل، وفي الثاني إلى المفعول.
(٤) "الأمر" سقط من (ك).
(٥) في (ح) و(ف): "ضمنت"، وفي (ك): "ضمن"، والمثبت من (م).
[ ٣ / ٤٥٧ ]
(١٥٣) - ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ الصِّراط من (^١) السِّبيل: ما لا التواء فيه ولا اعوِجاج، بل يكون على جهة القصد، وإنما يُوصَف بالاستقامة للاحتراز عن الميل إلى شيء من الجوانب الأربعة بالصُّعود والهبوط ونحوهما، إلَّا (^٢) أنَّ الاحتراز المذكور حصل هنا با لإضافة، فقوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ حالٌ مؤكِّدة.
والإشارة إلى ما ذُكِرَ في السُّورة، فإنَّها بأسرها في إثبات التَّوحيد والنُّبوة وبيان الشَّريعة.
وقرئ: ﴿إنَّ﴾ بالكسر على الاستئناف، وبالفتح بتقدير اللَّام على أنه [علة] الأمر في قوله (^٣): ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾، وقرئ: ﴿أَنْ﴾ مخففَّة من الثَّقيلة (^٤)، وفيها ضمير الشَّأن.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾: الأديان المختلفة، أو الطُّرُق التَّابعة للهوى، والطَّريق: كلُّ ما يطرقه طارق معتادًا كان أو غير معتاد، والسَّبيل من الطُّرق (^٥): ما هو معتاد السُّلوك، أعمُّ مِنْ أن يكون على جهة القصد أو لا، وبهذا التفصيل تبيَّن وجه إصابة (^٦) كلٍّ من الصراط والسبيل محزَّه.
_________________
(١) "من "سقط من (ك).
(٢) "إلا" سقط من (ف) و(ح).
(٣) ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق مستفادة من عبارة البيضاوي في "تفسيره" (٢/ ١٨٩)، ولفظه: (على أنه علة لقوله).
(٤) قرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة، والباقون بفتحها، وخفَّف ابن عامر النُّون وشدَّدها الباقون. انظر: "التيسير" (ص:١٠٨).
(٥) في (ف): "الطريق".
(٦) في (م): "إصابة وجه".
[ ٣ / ٤٥٨ ]
﴿فَتَفَرَّقَ﴾ الفاء جواب النَّهي، والمضارع المحذوف التَّاءِ منصوبٌ بإضمار (أنْ)، وفاعله ضمير ﴿السُّبُلَ﴾، ومنهم مَن لم يحذف التَّاء بل أدغمها في تاء التفعُّل، فقرأها بتشديد التاء (^١).
والباء في: ﴿بِكُمْ﴾ للتعدية، وتعديتُه بـ ﴿عَنْ﴾ لتضمُّنه معنى الإزالة؛ أي: فتزيلَكم متفرِّقين.
﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فيه التفات وتفنُّن، وتنبيهٌ على أنَّ الطَّريقَ المنسوب إليه تعالى لا يكون إلا صراطًا مستقيمًا.
﴿ذَلِكُمْ﴾ الإشارة إلى مجموع الأمر والنَّهي.
﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ذكر أوَّلًا ﴿تَعْقِلُونَ﴾، ثم ﴿تَذَكَّرُونَ﴾، ثم ﴿تَتَّقُونَ﴾؛ لأنهم يعقلون ثم يستيقظون (^٢)، تم يتَّقون المحارم والمهالك.
* * *
(١٥٤) - ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ عطف على ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾، فـ ﴿ثُمَّ﴾ للتَّراخي في الإخبار، أو للتَّفاوت في المرتبة، كانه قيل: ذلكم وصاكم به قديمًا تمَّ آتينا، أو: ثم أعظمُ من ذلك أنَّا آتينا موسى الكتاب.
﴿تَمَامًا﴾ للكرامة والنِّعمة ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾: على مَن أحسن القيام، ويؤيده
_________________
(١) هي رواية البزي عن ابن كثير. انظر: "التيسير" (ص: ٨٣).
(٢) في (م): "يتفطنون". وفي (ك): (يتعظون).
[ ٣ / ٤٥٩ ]
قراءة ابن مسعود ﵁: (على الذين أحسنوا) (^١)، وقراءة أبيٍّ: (تمامًا على المحسنين) (^٢).
أو: على الذي أحسن بتبليغه (^٣)، وهو موسى ﵊.
أو: تمامًا على الذي أحسنه؛ أي: أجاده من العلم والشَّرائع، أي: زيادة على علمه إتمامًا له.
وقرئ بالرفع (^٤)، على أن تقديره: على الذي هو أحسنُ.
وقيل في وجه النَّصب: إنه خفضٌ، لكنه لا ينصرف ففُتح، وحينئذ يكون بدلًا عن ﴿الَّذِي﴾ وترجمةً (^٥) عنه؛ كقولك: مررت بالذي خيرٍ منك، بالخفض.
﴿وَتَفْصِيلًا﴾: بيانًا في غاية التَّفصيل، عطف على ﴿تَمَامًا﴾، ونصبُهما يحتمِل العلَّة والحال والمصدر (^٦).
﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يُحتاجُ إليه في الدِّين، ففيه (^٧) دلالةٌ على أنه لا اجتهاد في شريعة (^٨)
_________________
(١) انظر: "القراءات الشاذة" (ص: ٤١).
(٢) انظر: "البحر المحيط" (٩/ ٤٨٨). وعزاها السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٣٨٦) إلى الحسن رواها عنه ابن الأنباري في "المصاحف". وانظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٠٦).
(٣) "بتبليغه" زيادة من (م) و(ك).
(٤) نسبت إلى يحيى بن يعمر. انظر: "المحتسب" (١/ ٢٣٤)، وضعف ابن جني هذه القراءة.
(٥) في (ك) و(م): "وترجمته ".
(٦) في هامش (ف): "أي: يكون ﴿تَمَامًا﴾ مصدر أتمينا المحذوف المدلول عليه بـ ﴿آتَيْنَا﴾، تدبر.
(٧) في (م): "وفيه".
(٨) في (م): "شرعة".
[ ٣ / ٤٦٠ ]
موسى ﵊؛ لأنَّه فرعُ الإجمال في بعض الأمور الدِّينيَّة (^١).
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ يهوِّن عليهم مقاساة التَّكليف بما ذكر من التَّعريف.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعلَّ بني إسرائيل ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾: بلقاء ثوابه وعقابه يوم الجزاء ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدّقون.
* * *
(١٥٥) - ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿وَهَذَا﴾؛ أي: القرآن ﴿كِتَابٌ﴾ عظيم الشَّأن ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أسنده إلى نفسه بنون العظمة.
﴿مُبَارَكٌ﴾: كثير النَّفع، إنَّما فرَق بينه وبين قرينه بـ (أنزلنا) لأن الانتفاع به بعد نز وله.
﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾ مخالفته ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بذلك، علَّقها بكلمة التَّرجِّي لأن حصولها بالختم على الإيمان، وفيه خطر.
* * *
(١٥٦) - ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾.
_________________
(١) تعقبه الآلوسي بقوله: ولا دلالة فيه على أنه لا اجتهاد في شريعة موسى ﵇ خلافا لمن زعم ذلك، فقد ورد مثله في صفة القرآن كقوله تعالى في سورة [يوسف: ١١١]، ﵇: وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ولو صح ما ذكر لم يكن في شريعتنا اجتهاد أيضا. انظر: "روح المعاني" (٨/ ٥٠٩). وانظر أيضا كلام الشهاب عليه في "حاشيته على البيضاوي" (٤/ ١٣٩) و(٥/ ٢١٤).
[ ٣ / ٤٦١ ]
﴿أَنْ تَقُولُوا﴾: كراهةَ أن تقولوا، علَّةٌ لمقدَّر (^١) دلَّ عليه ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ فيما تقدم.
وقرئ بالتاء والياء (^٢)، وعلى الثاني فيه التفاتٌ من خطاب (^٣) ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾، وفي ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] التفات من الغيبة إلى الخطاب، وكلاهما في مَحَزِّه؛ حيث أعرض عنهم وجعلهم غائبين عند حكاية أقوالهم الرَّديَّة، ثم خاطبهم عند قصد توبيخهم وتبكيتهم.
﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ﴾: جنسُ الكتاب المنحصِر في التَّوراة والزَّبور والإنجيل؛ لقولهم: ﴿مِنْ قَبْلِنَا﴾، وأمَّا الصُّحف فليست من جنس الكتاب في العُرْفِ.
﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾؛ أي: اليهود والنصارى، ودل هذا على أن المجوس ليسوا (^٤) من أهل الكتاب؛ إذ لو كانوا منهم كانوا ثلاثَ طوائف.
﴿وَإِنْ كُنَّا﴾ إنْ) هي المخففَّة، دلَّ عليه دخول اللام الفارقة خبرَ (كان)؛ أي: وإنه كنا ﴿عَنْ دِرَاسَتِهِمْ﴾: قراءتهم ﴿لَغَافِلِينَ﴾ لا ندري ما هي؛ لأنَّه لم يكن على لغتنا (^٥) فلم نقدر على قراءته.
* * *
_________________
(١) في (م) و(ك): "لمصدر".
(٢) قرأ السبعة بالتاء، وقرأ ابن محيصن بالياء. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤١)، و"البحر المحيط" (٩/ ٤٩٢).
(٣) في (م) زيادة: "في ".
(٤) في (ح) و(ف): "ليس".
(٥) في (ح) و(ف): "لأنَّه ما لم يكن في لغتنا".
[ ٣ / ٤٦٢ ]
(١٥٧) - ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾.
﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ عطف على الأوَّل: ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى﴾: أرشدَ وأسرع اهتداء ﴿مِنْهُمْ﴾ لحدَّة (^١) أذهاننا وثَقابة أفهامنا، ولهذا تلقَّفنا فنونًا من العلم كالتَّواريخ والأشعار والخطب على أنَّا أمّيُّون.
﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: حجَّة واضحة تعرفونها. تبكيتٌ لهم وإلزام (^٢) الحجَّة، وفيه إيجاز بحذف الشرط إشعارًا بتصديقهم في دعوى الذَّكاء وحدَّة الذهن، وأنَّ مَنْ يدَّعي ذلك فليتنبَّهْ بمثل هذه النُكتة، وليدرك البيِّنة، وبعثًا (^٣) لأفهامهم، وتهييجًا وإيذانًا بأنَّ الأهمَّ هو الجزاءُ لا الشرط، والمعنى؛ إنْ صدَقتم في الدَّعوى فقد جاء أوان إظهار صدقه.
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ كالذي أنزل على مَنْ قبلكم.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾؛ أي: لنفسه وغيره، وقد مرَّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] تحقيق هذا النوع من الاستفهام.
﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بعدما عرف صحَّتها، وتمكَّن من معرفتها.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "بحدة".
(٢) في (م): "وإلزامهم".
(٣) في (ح) و(ف): "وبعث"، ولعله الصواب؛ لأنَّه معطوف على المرفوع وهو "تبكيت"، لكن وقع العطف عليها في النسخ كلها بالنصب في: "وتهييجًا وإيذانًا"، ولعل النصب في جميعها سهو.
[ ٣ / ٤٦٣ ]
﴿وَصَدَفَ﴾: صدَّ ﴿عَنْهَا﴾ النَّاسَ، فضلَّ وأضلَّ، وأما معنى الإعراض فقد حصل بالتَّكذيب.
﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: العذابَ السَّيِّئِّ، وهو الموصوف بنهاية النكاية.
﴿بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾: بسبب استمرارهم على تجديد الصَّدِّ وإحداثه حينًا فحينًا.
* * *
(١٥٨) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: ما ينظرون؛ يعني الذين قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا …﴾ إلخ [الإسراء: ٩٠].
﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ هذا ما ذكروه بقولهم: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢].
﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ هذا ما ذكروه بقولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وإنما عبَّر عنه بـ ﴿بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ تعظيمًا؛ لأنَّه أعظم الآيات الظَّاهرة قبل قيام الساعة.
﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾؛ يعني: الآيةَ المذكورة آنفا، لا بعضُ أشراط السَّاعة مطلقًا؛ لأنَّ الإيمان نافع بعدَ (^١) ظهورها، كيف ونزول عيسى ﵇ لدعوى الخلق إلى دين الحقِّ بعد خروج الدَّجَّال.
_________________
(١) في (ح) و(ت): "نافع عن".
[ ٣ / ٤٦٤ ]
﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ كالمحتضَر إذا صار الأمرُ عِيانًا، والإيمانُ المقبول برهانيًّا كان أو تقليديًّا ما يكون بالغيب.
﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ﴾ صفة ﴿نَفْسًا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلِّق بالمعطوفين (^١).
﴿أَوْ كَسَبَتْ﴾ عطف على ﴿آمَنَتْ ﴿فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ أُريدَ بالإيمان: المعرفة، يرشدك إلى هذا قراءة: (لا تَنفعُ) بالتاء (^٢)، وبكسب الخير: الإذعان والقَبول.
ونحن معاشرَ أهل السُّنَّة نقول بما هو مُوجَب النَّص: مِنْ أنَّ الإيمان النَّافع مجموعُ الأمرين، فلا حجَّة (^٣) فيه للمخالف؛ لأن مبناها على حمل الإيمان على المعنى الاصطلاحي المُخترَع بعد نزول القرآن، وتخصيصِ الخير بما (^٤) يكون بالجوارح، وكلٌّ منهما خلاف الأصل والظَّاهر، ولو سُلِّم فنقول: الإيمان النَّافع لا بُدَّ فيه من أمرين؛ الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللِّسان، وقد عبَّرَ عن الأول بقوله: ﴿آمَنَتْ﴾، وعن الثاني بقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ﴾؛ فإن الكسب يكون بالآلات البدنية ومنها اللسان، فمنطوق (^٥) الآية على وفق مذهبنا، والله أعلم.
﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾؛ أي: انتظروا إتيان أحد هذه الثلاثة ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ له (^٦)، وعيدٌ لهم، ووعدٌ لنا.
_________________
(١) في هامش (ف): "كـ: لا محالة، في قول صاحب "المفتاح": للكذب لا محالة أو للتهمة، قال الشارح: إنما فصل بقوله: لا محالة، بين المعطوفين إشعارًا بتعلقه بهما. منه ".
(٢) نسبت لابن عمر وابن سيرين. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٢).
(٣) في (ف): "حاجة".
(٤) في (م): "مما".
(٥) في (ف): "فنطق".
(٦) "له "من (م) و(ك).
[ ٣ / ٤٦٥ ]
(١٥٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾: بددَّوا ﴿دِينَهُمْ﴾ فآمنوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ، وافترقوا فيه، قال ﷺ: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقةً، كلُّها في الهاوية إلا واحدةً، وافترقت النَّصارى على اثنين وسبعين فرقةً، كلُّها في الهاوية إلا واحدةً، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقةً، كلُّها في الهاوية إلا واحدةً" (^١).
وقرئ: ﴿فَارَقُوا﴾ (^٢).
﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: فرقًا، جمعُ شيعة، وهي الفرقة المُتَّفقة على طريقٍ ومذهبٍ، مِنْ شاعه: إذا تبعَه، وأصله الشِّياع، وهو الحطب الصغار يوقَد به (^٣) الكبار.
﴿لَسْتَ مِنْهُمْ﴾: من أمرهم ﴿فِي شَيْءٍ﴾؛ أي: ليس إليك شيء من مجازاتهم والعفو عنهم، إنَّما عليك إنذارهم وتبليغ الوحي إليهم.
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ إن شاء عاجلهم بالعقوبة، وإن شاء أخَّرهم إلى الآخرة، وإن شاء وفَّقهم للرجوع عنها، فعفا عنهم.
﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: في الآخرة، ويجازيهم على ذلك.
* * *
_________________
(١) روى نحوه أبو داود (٥٤٩٦)، والترمذي (٢٦٤٢)، من حديث أبي هريرة ﵁، قال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٨).
(٣) في (ح) و(ف): "وهي الحطب الصغار توقد بها".
[ ٣ / ٤٦٦ ]
(١٦٠) - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ لم يقل: مَن عمل الحسنة؛ ليُعْلمَ أنَّ النَّظرَ إلى ما خُتمَ به، وعلى ذلك (^١) قال ﷺ: "الأعمال بالخواتيم " (^٢).
﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ على (^٣) إقامة صفة الجنس المميِّز مقامَ الموصوف، تقديره: عشرُ حسناتٍ أمثالِها، لم يُرِدْ به القصرَ، بل أراد به التفضُّل بالتضعيف، وهذا أقل ما وعد بالأضعاف، وقد جاء الوعد بسبعين، وبسبع مئة (^٤)، وبغير حساب.
وقرئ: ﴿عَشْرُ﴾ بالتنوين، و﴿أَمْثَالِهَا﴾ بالرَّفع على الوصف (^٥).
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾؛ أي: بواحدة (^٦)، هذا بحكم الوعد، لا باقتضاء العدل كما توهَّمه المعتزلة (^٧)؛ إذ لا حقَّ للخلق على الخالق.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقصِ ما وعد لهم من الأجر (^٨)، وبالعقاب (^٩) بلا استحقاق.
_________________
(١) في (ك): "ولذلك".
(٢) رواه البخاري (٦٦٠٧) من حديث سهل بن سعد ﵁.
(٣) "على"من (م) و(ك).
(٤) في (ح) و(ف): "وسبعمئة".
(٥) قرأ بها يعقوب من العشرة. انظر: " النشر" (٢/ ٢٦٦). ونسبت للحسن. انظر: "القراءات الشاذة" (ص:٤١).
(٦) في (ف) و(ح): "أي واحدة بعد واحدة"، وسقطت "أي " من (ك)، والمثبت من (م).
(٧) يرد بذلك على الزمخشري إذ قال في "الكشاف" (٢/ ٨٣): "ومضاعفة الحسنات فضل، ومكافأة السيئات عدل".
(٨) في هامش (ف): "لا ينقص الثواب مطلقًا لما عرفت من أن زيادته تفضيلًا. منه ".
(٩) سقطت الواو في (ف) و(ح) و(ك).
[ ٣ / ٤٦٧ ]
(١٦١) - ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: أرشدني إلى ما نصبَ من الحُججِ.
﴿دِينًا﴾ بدلٌ من محل ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾؛ لأن معناه: هداني صراطًا؛ لقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢٠]، أو مفعولُ فعلٍ مضمَر دلَّ عليه الملفوظ، أو حالٌ من ﴿صِرَاطًا﴾؛ لاختصاصه بالصِّفة، أو نصبٌ على المدح؛ أي: أعني - أو: أخصُّ - دينًا.
﴿قِيَمًا﴾ فَيْعِلٌ مِن قامَ، كسَيِّدٍ مِنْ سادَ، وهو أبلغ من المستقيم باعتبار الزِّنة، والمستقيمُ أبلغ منه باعتبار الصِّيغة؛ لأنَّه نَصٌّ في الاستقامة.
وقرئ: ﴿قِيَمًا﴾ (^١)، وهو مصدر بمعنى القيام، وُصِفَ به.
﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ عطفُ بيان لـ ﴿دِينًا﴾، إنَّما ذَكَرَ ذلك حثًّا لهم على اتِّباعه؛ لأنَّه دينُ أبيهم.
﴿حَنِيفًا﴾ حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ عطفٌ عليه.
* * *
(١٦٢ - ١٦٣) - ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾: عبادتي وتقرُّبي كلَّه.
_________________
(١) بكسر القاف وفتح الياء مخففة، وهي قراءة الكوفيين وابن عامر، والباقون بفتح القاف وكسر الياء مشددة. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٨).
[ ٣ / ٤٦٨ ]
وقيل: ذبحي، وجمع بين الصلاة والذَّبح كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].
وقيل: وحجِّي، من مناسك الحجِّ، وإنَّما خصَّه بالذِّكر لأنَّ المشركين كانوا يُدْخِلون الشِّرك في التلبية، وكذا تخصيص الذَّبح بالذِّكر على القول الأول.
﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾: وما أنا عليه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والطَّاعة، أو: طاعاتِ الحياة والخيراتِ المضافة إلى الممات كالوصيَّة والتَّدبير.
وقرئ: ﴿وَمَحْيَايَ﴾ وإسكان الياء (^١)؛ إجراءً للوقف مجرى الوصل.
﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾: خالصةً له لا أُشرك فيها (^٢) غيره.
﴿وَبِذَلِكَ﴾ الإخلاص ﴿أُمِرْتُ﴾، بدأ بقوله: ﴿قُلْ﴾ وختم بهذا؛ بيانًا أنه يقول ائتمارًا لا افتخارًا (^٣).
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ لأنَّ إسلامَ كلِّ نبيٍّ متقدِّم على إسلام أمَّته.
* * *
(١٦٤) - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ هذا أبلغُ من: أغيرَ الله أعبدُ؛ لدلالته على معناه بطريق البرهان (^٤)، وهو جوابٌ عن دعائهم له ﵇ إلى عبادة الأصنام.
_________________
(١) رواية ورش عن نافع بخلاف عنه. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٨).
(٢) "فيها" زيادة من (م) و(ك).
(٣) في هامش (م): "فيه رد لمن زعم أنه خارج عن مقول القول حيث قال: وبذلك القول والإخلاص. ح".
(٤) في هامش (ف): "من غفل هذا قال: فأشركه في عبادته. منه".
[ ٣ / ٤٦٩ ]
﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فلا يصلُح غيره أنْ يكون معبودًا أصلًا، فضلًا عن أن يكون شريكًا له تعالى في المعبوديَّة (^١)، وهو مستحِقٌّ لأن يكون معبودَ كلِّ شيءٍ، جملةٌ حالية في مقام التَّعليل للإنكار المذكور.
﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾؛ أي: لا تكون جنايةُ نفسٍ إلَّا عليها، ومعناه السَّلبُ الكلِّيُّ، لا سلبُ الكلِّ (^٢)، فأداةُ السور (^٣) داخلة على النَّفي معنًى (^٤)، وإن كانت مدخولةً له لفظًا.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ أي: لا تحملُ نفسٌ حاملةٌ حِمْلَ نفسٍ أخرى.
قال عطاء: قال الوليد (^٥) بن المغيرة: اتَّبعوا سبيلي أحملْ عنكم، فنزلت (^٦).
هذا نفيُ القدرة عن الغير على ذلك التَّحمل، وأمَّا نفيُ التَّحميل (^٧) من الله تعالى، فالآية ساكتةٌ عنه، فلا منافاةَ بينها وبين حديث أبي موسى المذكور في "صحيح مسلم "، وهو هذا: "يجيء يوم القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوبٍ أمثالَ الجبال، فيغفرُها الله تعالى لهم، ويضعُها على اليهود والنَّصارى" (^٨).
_________________
(١) في (ف) و(ح): "العبودية".
(٢) "لا سلب الكل": ليست في (م)، وفي (ف): "الكلي" بدل "الكل".
(٣) كذا في النسخ.
(٤) "معنى": ليست في (م) و(ك).
(٥) في (م): "وليد". وسقط من (ك): "عطاء قال".
(٦) ذكره الواحدي في "التفسير البسيط" (٨/ ٥٦٤) عن عطاء عن ابن عباس ﵄. وانظر: "تفسير البغوي" (٢/ ١٧٩)، و"زاد المسير" (٥/ ١٧).
(٧) في (ف): "التحمل".
(٨) رواه مسلم (٢٧٦٧).
[ ٣ / ٤٧٠ ]
﴿ثُمَّ﴾ متعلِّق بقولِه: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾، وقولُه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^١) إمَّا (^٢) معترِضٌ تأكيدٌ لما ذكره (^٣).
﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ لا إلى غيره ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ يوم القيامة ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ يبيِّن الرُّشْدَ من الغَيِّ، ويميِّزُ المحِقَّ من المبطِلِ.
* * *
(١٦٥) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾: خلائف الأمم الماضية في الأرض.
﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ في الخِلْقةِ والمَكِنَةِ والعلمِ والعمرِ.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾؛ أي: ليختبركم ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾: فيما أعطاكم من النِّعم بالشُّكر، وفيما ابتلاكم به من المحن بالصَّبر.
﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾؛ أي (^٤): لأعدائه، وإنما كان عقابه سريعًا لأنَّه لا يحتاج إلى استعمال آلات (^٥)، ولا يتوقف على استحصال أدوات.
﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: لأوليائه.
وصفَ العقاب ولم يُضِفه إلى نفسه، ووصف ذاته بالمغفرة وضمَّ إليه الوصفَ
_________________
(١) "وازرة وزر أخرى" زيادة من (ك).
(٢) قوله: "إما" كذا في النسخ، ولم يذكر لها قسيم.
(٣) في (ح) و(ف): "ذكر".
(٤) "أي" من (م) و(ك).
(٥) في (ف) و(ك): "الآلات".
[ ٣ / ٤٧١ ]
بالرحمة، وأتى ببناء المبالغة وعَلَمَي التأكيد (إنَّ) واللام؛ تنبيهًا على أنه تعالى غفورٌ بالذَّات معاقِبٌ بالعَرَض، كثيرُ الرَّحمة مبالغ فيها، قليلُ العقوبة مسامحٌ فيها؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]؛ أي: استخلافُكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلافُ مَن يختبر، ولا يلزم مِنْ هذا أن يكون الخطاب للمؤمنين خاصَّة.
وكلُّ مَن جاء بعدَ ما مضى فهو خليفتُه، والجمع: الخلائف، جاؤوا به على الأصل، مثل: كريمة وكرائم، وقالوا أيضًا: خلفاء، من أجل أنه لا يقع إلَّا على مذكَّرٍ (^١)، وفيه الهاء، جمعوه على إسقاط الهاء، مثل ظريف وظرفاء؛ لأن (فعيلة) بالهاء لا يجمع على (فعلاء)، واللهُ أعلمُ بالصَّواب (^٢).
* * *
_________________
(١) في (ف): "لا يقع إلا مذكرًا"، وفي (ح): "لا يقع إلا مذكر".
(٢) هنا تنتهي النسخة الخطية لمكتبة الحرم المكي والمرموز لها بـ (ح).
[ ٣ / ٤٧٢ ]