﷽
(١) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾: جمع نَفْلٍ، وهو الغنيمة، وأصله الزِّيادة، ومنه نوافل العبادات، وإنَّما سُمِّيَتِ الغنيمة نفلًا لأنها زيادةٌ على القيام بالجهاد وحمايةِ الحَوْزَة والدُّعاء إلى الله تعالى، وعبارةُ ﴿عَنِ﴾ صريحه في أن السُّؤال سؤالُ الاستفتاء، فالمطلوب بيانُ حكمِها.
وقرئ بدون ﴿عَنِ﴾ (^١)، فيكون السُّؤالُ سؤالَ استعطاءٍ (^٢)، وما يشترطه (^٣) الإمامُ لمن يقتحم خطرًا زائدًا على سهمه يُسمَّى أيضًا نفلًا، فالمعنى: يسألك المقتحِمون للخطر ما شرطْتَ لهم.
وقرئ: (عَلَّنْفَال) (^٤) بحذف الهمزة وإلقاءِ حركتها على اللام وإدغام نون ﴿عَنِ﴾ فيها.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٨)، و"المحتسب" (١/ ٢٧٢).
(٢) في (م) و(ك): "الاستعطاء".
(٣) في (م): "يشترط".
(٤) تنسب لابن محيصن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٨).
[ ٤ / ٢٢٥ ]
﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ أي: حكمُها مختصٌّ بالله ورسوله، يأمر (^١) اللهُ تعالى رسولَه ﵇ بقسمتها على مقتضى حكمته، ويمتثلُ (^٢) الرَّسول ﷺ أمره تعالى فيها، فيقسمُها على حسب أمرِه، ليس لأحد فيها حكم.
وسببُ نزوله اختلافُ المسلمين في غنائم بدر؛ أنها كيف تقسم؟ ومَنْ يقسمُ المهاجرون منهم أو الأنصار؟
وقيل: شرَط رسولُ الله ﷺ لمن كان له غَناءٌ أن ينفلِّه، فتَسارعَ شبَّانهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين، ثم طلبوا نفلَهم، وكان المال قليلًا، فقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرَّايات: كنا رِدْءًا لكم، وفئةً تنحازون إليها، فنزلت (^٣).
وعلى هذا يكون ما شُرِعَ بالسُّنَّةِ منسوخًا بالكتاب قبل العمل به، فلا متمسَّكَ فيه للشافعي ﵁ في أنه لا يلزم الإمامَ أن يفي بما وعدَ.
وعن ابن عباس ﵄: أن هذه الآية نزلَتْ أوَّلًا، فصارت الأنفال لرسول الله ﷺ، ثم نزلت: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، فقسَم الله تعالى ذلك الخمسَ لرسوله ولمن سمَّى (^٤) فيها (^٥).
ويوافق هذا ما رُوي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: نزلَتْ فيَّ هذه
_________________
(١) في (ف): "بأمر".
(٢) في النسخ: "وتمثيل"، والصواب المثبت.
(٣) رواه أبو داود (٢٧٣٧) عن ابن عباس ﵄، وانظر: "تفسير الطبري" (١٣/ ٣٦٨)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٣١).
(٤) في (ف): "يسمى".
(٥) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٩٤٨٣)، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٣٤٢)، والطبري في "تفسيره" (٩/ ١٧٥).
[ ٤ / ٢٢٦ ]
الآية، وذلك أنَّه لما كان يومُ بدرٍ قُتل أخي عمير وقتلتُ سعيد بن العاص، وأخذت سيفه فأتيت به رسول الله ﷺ واستوهبتُه منه، فقال: ليس هذا لي ولا لك، فاطرحه في القَبَضِ، فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ سَلَبي، فما جاوزت إلا قليلًا حتى نزلَتْ سورةُ الأنفال، فقال لي رسول الله ﷺ: "سألْتني السَّيفَ وليس لي، بيانه قد صار لي فاذهب (^١) فخذه" (^٢).
وعلى هذا يكون المعنى: الأنفال للرَّسول، ويكون ذكر الله تمهيدًا؛ لتعظيم شأنه ﵇، والتنبيهِ (^٣) على أنه ﵇ يتصرَّف فيها على ما يرتضيه تعالى، وتقتضيه الحكمة (^٤).
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الاختلاف والتَّخاصم، وكونوا متحابِّين متآخين في الله.
﴿وَأَصْلِحُوا﴾ بالمواساة والمساعدة فيما رزقكم الله تعالى وتفضَّلَ به عليكم، وتسليمِ أمرِه إلى اللهِ والرَّسولِ.
﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ذات البين: هي (^٥) الأحوال التي تقع بين النَّاس؛ أي: بينكم من الأحوال، ولمَّا كانت ملابِسةً للبَيْن قيل لها: ذات البين، بالإضافة كقوله: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، أي: مضمَراتها من السرائر.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في تفويض أمركم إليهما والتسليمِ لحكمهما.
_________________
(١) "فاذهب" سقط من (ك).
(٢) رواه بنحوه الإمام أحمد في "المسند" (١٥٥٦)، وأصل الحديث رواه مسلم (١٧٤٨).
(٣) في (ف): "وللتنبيه".
(٤) في (م) و(ك): "ويقتضيه الحكم".
(٥) في (ف): "هي من".
[ ٤ / ٢٢٧ ]
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إيمانًا يُعتدُّ به، قد جعلَ التَّقوى وطاعةَ اللّهِ ورسولِه وإصلاحَ ذاتَ البَيْنِ من لوازم الإيمان وشرائطه؛ إيذانًا بأنَّ كمالَ الإيمان موقوفٌ عليها، حتى إذا فُقِدَتْ كانَ كَلَا إيمانٍ، كما تقول: إن (^١) كنت من الرجال فأوفِ بعهدك، تشير إلى لزوم الوفاء للرُّجولية.
* * *
(٢) - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
واللام في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ إشارةٌ إليهم، والمراد: الكاملون في الإيمان، والدلالة عليه قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، كأن غيرهم ليسوا بمؤمنين حقيقةً.
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فرغَتْ لِذِكْرِه؛ استعظامًا له، وتهيُّبًا من جلاله، فلا يخالفونه في أمره، وقيل: هو الرَّجل يهمُّ بمعصيته، فيقال: اتقِ الله، فيفزع عنه خوفًا من عقابه.
وقرئ: (وَجَلَتْ) بالفتح (^٢)، وهي لغة فيه، و(فَرِقَتْ) (^٣)؛ أي: خافت.
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: يقينًا وطمأنينةَ نفسٍ، فإنَّ للإيمان مراتبَ في القوَّة والضَّعف، ورسوخُ اليقين إنما هو بتظاهُر الأدلة (^٤).
_________________
(١) في (ك): "لأن".
(٢) نسبت ليحيى وأبي واقد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٨).
(٣) نسبت لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: "الكشاف" (٢/ ١٩٦)، و"البحر المحيط" (١١/ ١٣).
(٤) انظر: "تفسرِ البيضاوي" (٣/ ٤٩)، وفيه: ورسوخ اليقين بتظاهر الأدلة، أو بالعمل بموجبها، وهو =
[ ٤ / ٢٢٨ ]
وقيل: لزيادة المؤمَن به، ويلزمه تخصيص الآيات بالتي تُلِيَتْ أوَّلًا.
وقيل: وبالعمل بموجبها على قوِل مَن قال بدخول العمل في الإيمان، ويلزمه تخصيصًا بالتي يتعلق بالأعمال زيادة على التَّخصيص الأوَّل، فتأمَّل.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في تقديم الجار والمجرور على الفعل إشارةٌ إلى أنَّ المؤمنين بالإيمان الكامل حقُّهم أن لا يفوِّضوا أمورَهم إلَّا إليه، ويسلِّموا تسليمًا.
* * *
(٣) - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قد مرَّ تفسيره في أوائل (^١) (سورة البقرة).
* * *
(٤) - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قد جمع في الآية بين أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل وبين أعمال الجوارح من الصلاة والزكاة؛ لأنَّ الظاهرَ عنوانُ الباطن، والباطنُ أساسُ الظَّاهر، وكما أن الثلاثة الأُوَل أصولُ الأعمال القلبية وملاكُها، فالأُخريان أصول الأعمال القالبية وعيارُها، فهي مستتبعةٌ لسائرها.
﴿حَقًّا﴾ مصدرٌ مؤكَد لِمَا تقدَّم؛ أي: حَقَّ ذلك حقًّا، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إيمانًا حقًّا.
_________________
(١) = قول من قال: الإِيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بناء على أن العمل داخل فيه.
(٢) في (م) و(ك): "أول".
[ ٤ / ٢٢٩ ]
﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: كرامةٌ وعلوُ منزلةٍ ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لِمَا فرَطَ منهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أُعِدَّ لهم في الجنَّة، لا ينقطعُ عددُه، ولا ينتهي أمدُه.
لمَّا تقدَّمَتْ ثلاثُ صفاتٍ: قلبية وقالبيَّة وماليَّة، يترتَّبُ عليها ثلاثةُ أشياء، فقُوبلَتِ الأعمالُ القلبيَّة بالدَّرجات، والقالبيَّةُ بالغفران، والماليَّةُ بالرِّزق الكريم.
قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ متعلِّق بالمعطوفَين، كـ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقد مرَّ بيانُه في تفسير (سورة الأنعام).
* * *
(٥) - ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾.
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ في محلِّ الرَّفع خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: هذه الحالُ كحالِ إخراجك للحراب في كراهتهم إيَّاها (^١).
أو في محلِّ النَّصبِ صفةً لمصدر الفعل المقدَّر في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾؛ أي: الأنفال ثبتَتْ للهِ والرَّسول مع كراهتهم ثباتًا مثلَ ثباتِ إخراج ربك ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ - بالمدينة، أو المدينةِ نفسها؛ لأنها في اختصاصها به من حيث إنها مسكنه ومهاجَرُه كاختصاص البيت بصاحبه - مع كراهتهم إيَّاه.
﴿بِالْحَقِّ﴾ صفةٌ للمصدر (^٢)؛ أي: إخراجًا ملتبِسًا بالحق.
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ حال؛ أي: أخرجَكَ في حال كراهتهم.
وفيه دلالة على أن كراهة الإخراج إنما كانت من بعضهم.
_________________
(١) في (ف): "إياهما".
(٢) في (ف): "المصدر".
[ ٤ / ٢٣٠ ]
وسببُ إخراجِه أنَّ عيرَ قريشٍ أقبلَتْ من الشام فيها تجارةٌ عظيمةٌ، وفيها أربعون راكبًا، فأَخبرَ جبريلُ رسولَ الله ﷺ، فأَخبرَ المسلمين، فأعجبهم تلقِّي العير؛ لكثرة الخير، وقلَّة القوم، فلما خرجوا بلغَ الخبرُ أهل مكَّة، فنادى أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكَّة، النَّجاءَ النَّجاءَ، على كلِّ صَعبٍ وذَلولٍ، عيرَكم أموالَكم، إنْ أصابَها محمَّدٌ لن تفلحوا بعدَها أبدًا.
فخرج أبو جهل بجميع أهل مكَّة - وهو (^١) النفير في المثل السائر: لا في العير ولا في النَّفير (^٢) - فقيل [له]: إنَّ العيرَ أخذَتْ طريقَ السَّاحل ونجَتْ، فارجعْ بالنَّاس إلى مكَّة، فقال: لا والله لا يكون ذلك أبدًا حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ببدر، فيتسامعَ جميعُ العرب بمخرجنا، وأنَّ محمدًا لم يُصبِ العيرَ، وأنَّا أعضضناه (^٣)، فمضى بهم إلى بدر وهو ماء كانت العرب تجتمع عليه لسُوقهم يومًا في السنة.
وكان رسول الله ﷺ بوادي دفران، فنزل جبريل ﵇ بالوعد بإحدى الطَّائفتين؛ إمَّا العير وإمَّا النَّفير (^٤)، فاستشار فيه أصحابه ﵃ فقال بعضهم:
_________________
(١) في "الكشاف" (٢/ ١٩٧): "وهم"، وما سيأتي بين معكوفتين منه.
(٢) قوله: "لا في العير ولا في النفير": قال المفضل: أول من قال ذلك أبو سفيان بن حرب حين انصرف بنو زهرة إلى مكة: يا بني زهرة، لا في العير ولا في النفير! عني بالعير: عمر قريش التي أقبلت مع أبي سفيان من الشام، وبالنفير: من خرج من المشركين لاستنقاذها من أيدي المؤمنين، وكان ببدر ما كان. قال الأصمعي: يضرب للرجل يحط أمره ويصغر قدره. انظر: "فتوح الغيب" للطيبي (٧/ ٢٣).
(٣) قوله: "أعضضناه" أي: استخففنا به وشتمناه، وهي شتيمة عند العرب يريدون بها: عضضت بظر أمك، ومنه قول أبي جهل لعتبة يوم بدر: لو غيرك يقول هذا أعضضته، أي: شتمته. انظر المصدر السابق.
(٤) في (م) و(ك): "قريش".
[ ٤ / ٢٣١ ]
هلَّا ذكرْتَ لنا القتال حتى نتأهَّب له، إنَّا خرجنا للعير. وهم المراد من الفريق المذكور، وتمام القصة يطلب من كتاب السِّير.
* * *
(٦) - ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾.
﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ يحتمل أن يكون في موضع الحال من الضمير في ﴿لَكَارِهُونَ﴾ ويحتمل أن يكون استئنافَ إخبارٍ.
وجدالهم: قولهم: ما كان خروجنا إلَّا للعير، ولو عرفنا لاستعدَّينا للقتال.
والحقُّ هنا: نصرة دين الإسلام بالجهاد.
﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ أي: بعدَ تَبيُّنِه بإعلام الرَّسول أنَّهم ينصرون، وهذا أبلغ في الإنكار لجدالهم.
﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ حال؛ أي: يجادلونك مُشْبِهين مَنْ يُساق إلى الموت.
﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ حال من ضمير ﴿يُسَاقُونَ﴾، شبَّه حالهم في شدَّة فزعهم وفَرْطِ رعبهم لقلَّة عَدَدِهم وعُدَدهم بحالِ مَن يُساق بالذُّل والصَّغار إلى القتل المتيقَّن، وهو مشاهِدٌ لأسبابه، ناظِر إليها.
* * *
(٧) - ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ على إضمار (اذكر)، و﴿إِحْدَى﴾ ثاني مفعولي ﴿يَعِدُ﴾، وقد أُبدل عنها ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بدلَ الاشتمال.
[ ٤ / ٢٣٢ ]
﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ هي العير؛ لأنَّه لم يكن فيها إلا أربعون فارسًا، وكانوا يكرهون النَّفْر لشوكتهم بكثرة العَدَد ووفرة العُدَد.
والشَّوكة: الحِدَّة، استُعيرَتْ في الأصل من واحد الشَّوك، فقلبت في كلِّ قوَّة وحدَّة، ومنه: شائك السِّلاح.
﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ أي: يثبِّته ويُعليَه (^١).
﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بآياته المنزَلَة في محاربة ذات الشوكة، أو بأمر الملائكة بالنُّزول لنصرتهم، وبما قضى وقدَّر من قتلهم وأسرهم.
وقرئ: (بِكَلِمَتِهِ) (^٢)؛ أي: بأمره.
﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ يستأصلَهم، والدَّابر: الآخِر، مِنْ دَبَرَ: إذا أدبرَ، وإذا (^٣) قطعَ آخرهم لم يبق منهم أحد.
والمعنى: أنَّكم تتمنَّون أن تصيبوا مالًا ولا تلقوا مكروهًا، وهو من سَفْساف (^٤) الأمور، والله يريد إعلاء الدِّين وإظهار الحقِّ، وما فيه فوز الدَّارين، وهو من معالي الأمور.
* * *
(٨) - ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.
﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ متعلق بمحذوف، أي: فعَل ذلك، ويجوز أن يكون متعلِّقًا بـ ﴿وَيَقْطَعَ﴾.
_________________
(١) في (م) و(ك): "ويغلبه".
(٢) نسبت لمسلمة بن محارب. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٩).
(٣) "أدبر وإذا" زيادة من (م) و(ك).
(٤) في (ف) و(م): "سفاق".
[ ٤ / ٢٣٣ ]
ويجب أن يُقدَّر الفعلُ مؤخَّرًا ليفيد معنى الاختصاص، وأنَّه ما فعلَ إلا لذلك.
وليس بتكريرٍ؛ لأنَّ الأوَّل لبيان المراد وما (^١) بينه وبين مرادهم من التفاوت، والثاني لبيان الدَّاعي إلى حمل الرَّسول على اختيار ذات الشوكة ونصره عليها.
﴿وَلَوْ كَرِهَ﴾ ذلك، الجملة في موضع الحال.
* * *
(٩) - ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بدل من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾، أو نصبٌ بإضمار (اذكرْ)، ويجوز أن يكون متعلِّقًا بقوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾.
واستغاثتُهم لأنهم لَمَّا (^٢) علموا أنَّه لا بدَّ من القتال أخذوا يَدْعون الله يقولون: أي ربِّ، انصرنا على عدوِّك، يا غِيَاث المستغيثين أَغِثْنا.
﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ أصله: بأني ممدكم، فحذف الجارَّ وسلِّط عليه (استجاب).
وقرئ: (إنِّي) بالكسر (^٣)؛ إجراء للقراءة مُجرى القول.
﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ بكسر الدال، من رَدِفه: إذا تبعه (^٤)، أي: مُتْبعين بعضُهم بعضًا المؤمنينَ ليحفظوهم، أو أنفسَهم المؤمنين، أو يتقدَّمونهم
_________________
(١) في (م): "فيما"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ٥١).
(٢) في (م): "أنهم"، وفي (ك): "أنهم لما".
(٣) رويت عن أبي عمرو والمشهور عنه الفتح كقراءة الجمهور. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص:٤٨).
(٤) في (ف): "اتبعه".
[ ٤ / ٢٣٤ ]
فيُتْبِعونهم أنفسَهم. أو من أردفته: إذا جئْتَ بعدَه؛ أي: متَّبعين بعضَهم بعضًا، أو متَّبعين المؤمنين (^١).
وقرئ بفتح الدَّال (^٢)، بمعنى: مُتبعين؛ أي: كانوا مقدِّمة الجيش، ومُتْبَعين؛ أي: كانوا ساقَتَهم.
وقرئ: (مردِّفين) بكسر الراء أو فتحها (^٣) وتشديد الدَّال (^٤)، وأصله: مُرْتَدِفين، بمعنى: مترادفين (^٥)، فأدغمت الدال في الفاء، فالتقى ساكنان، فحرِّكت الرَّاء بالكسر على الأصل، أو بالضم على الإتباع.
وقرئ (بآلاف) (^٦)، فيوافق ما في (سورة آل عمران).
_________________
(١) للزمخشري والبيضاوي وشراحهما كلام كثير في تفسير هذه الكلمة وما فيها من الوجوه، وذلك من خلال التفريق بين معنى (اتَّبع) المشدد ومعنى (أَتْبع) المخفف اللذين يحتملهما (أردف)، وما تحتمله الآية من معاني على كل واحد منهما. انظر ذلك في "حاشية شيخ زاده" (٤/ ٣٦٧)، و"حاشية الشهاب" (٤/ ٢٥٦)، و"حاشية القونوي" (٩/ ٢٤)، وبهامشها "حاشية ابن التمجيد"، وكذلك "روح المعاني" (١٠/ ٣٨ - ٣٩). وملخصه كما قال أبو حيان في "البحر" (١١/ ٢٩): أنَّ اتَّبع مشددًا يتعدى إلى واحد، وأَتْبع مخففًا يتعدى إلى اثنين، وأردف أتى بمعناهما، والمفعول لـ (اتَّبع) محذوف، والمفعولان لـ (أَتْبع) محذوفان، فيقدر ما يصح به المعنى.
(٢) قرأ بها نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١١٦).
(٣) في (م): "أو فتحها".
(٤) بكسر الراء مع تشديد الدال. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٩)، و"المحتسب" (١/ ٢٧٣). وبفتح الراء مع تشديد الدال. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٩١)، و"المحتسب" (١/ ٦٠). وروي عن الخليل أنها بضم الراء إتباعًا لحركة الميم. انظر: "البحر المحيط" (١١/ ٢٨).
(٥) في (ف): "مرادفين"، و(ك): "مردوفين".
(٦) تحرفت في النسخ وفي مطبوع "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٩) إلى: "بالألف"، =
[ ٤ / ٢٣٥ ]
ووجهُ القراءة على التَوحيد إذا لم يفسَّر الإرداف بإتباع ملائكة آخرين (^١) أنَّ المرادَ بالألف: الذين كانوا على المقدِّمة أو السَّاقة، أو وجوههم وأعيانهم، والباقي أتباع لهم، أو مَن قاتل منهم.
* * *
(١٠) - ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
واختُلف في مقاتَلتهم، وقد رُوي أخبار تدلُّ عليها، والظَّاهرُ من قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: الإمداد ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾: إلَّا بشارةً ﴿لَكُمْ﴾ بالنَّصر ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ فيزولَ ما بها من الوَجَل لقلَّتكم وعدم عُدَّتكم = أنهم لم يكونوا نازلين (^٢) للقتال.
وللمخالِف أن يقول: إن الضمير في ﴿جَعَلَهُ﴾؛ لقوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ فلا ينافي أن يكون نزولهم للقتال، والله أعلم بحقيقة الحال.
وقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ عطٌ على ﴿بُشْرَى﴾ من جهة المعنى، والمراد به مطلق الحدث المدلول عليه ضمنًا على الاتِّساع، كما في قوله: تسمَعُ بالمُعَيديِّ
_________________
(١) =والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٠٢)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٥٠٤)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٥١)، و"البحر" (١١/ ٢٨)، و"الدر المصون" (٥/ ٥٦٦)، وقد نص السمين على أنها على وزن: (أحمال).
(٢) أي: إذا لم يفسر المردِفين بإرداف الملائكة ملائكة آخرين، والمردِّفين بارتدافهم غيرهم. انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٠٢).
(٣) في النسخ: "تاركين"، والصواب المثبت بدلالة السابق واللاحق، ويؤيده قول الألوسي في "روح المعاني" (١٠/ ٤٢): (وفي الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالًا، وهو مذهب لبعضهم).
[ ٤ / ٢٣٦ ]
خيرٌ من أن تراه، فالمعنى: إلا لبشارتكم ولطمأنينة قلوبكم.
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا من الملائكة ولا من المقاتلة، أي (^١): وما النَّصرُ بالملائكة وسائر الأسباب إلا من عند الله، والمنصورُ مَنْ نصرَه اللهُ تعالى.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: منيعٌ لا يُغالَب ﴿حَكِيمٌ﴾ في أقواله وأفعاله.
* * *
(١١) - ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾.
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ بدلٌ ثانٍ من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾؛ لإظهار نعمة ثالثة، أو منصوب بـ ﴿النَّصْرُ﴾ أو بما في ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ من معنى الفعل، أو بما ﴿جَعَلَهُ﴾، أو بإضمار (اذكر).
وقرئ بالتَّخفيف (^٢)، مِنْ أَغشَيْتَهُ الشَّيء: إذا غَشَّيْتَهُ إيَّاه (^٣)، والفاعل هو الله تعالى.
وقرئ: ﴿يَغْشَاكُمُ﴾ بفتح الياء، ورفع ﴿النُّعَاسُ﴾ (^٤)، من غَشِيَ.
والنُّعاس: ابتداءُ حال النَّوم قبل الاستقلال.
﴿أَمَنَةً﴾ مفعولٌ له من جهة المعنى؛ فإنَّ قولَه: ﴿يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ يتضمَّنْ معنى تنعسون و﴿يَغْشَاكُمُ﴾ بمعناه، والأَمَنَةُ فعلٌ لفاعله.
_________________
(١) في (ف) و(م): "أو".
(٢) قرأ بها نافع. انظر: "السبعة في القراءات" (ص: ٢٨٢)، و"جامع البيان في القراءات السبع" للداني (٣/ ١١٣٥)، و"النشر" (٢/ ٢٧٦)، وسقطت هذه القراءة من مطبوع "التيسير".
(٣) أي: من الإغشاء بمعنى التغشية. انظر: "روح المعاني" (١٠/ ٤٣).
(٤) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١١٦).
[ ٤ / ٢٣٧ ]
﴿مِنْهُ﴾ صفة لـ ﴿أَمَنَةً﴾؛ أي: أمنًا لكم حاصلًا منه تعالى.
ويجوز أن يُراد بها الإيمان، فيكون فعلَ المغشيِّ، وأنْ يُجعَلَ على القراءة الأخيرة فعلَ النُّعاس على المجاز؛ لأنها لأصحابه، أو لأنَّه كان من حقَّه أن لا يغشاهم (^١) لشدَّة الخوف، فلما غَشِيَهم فكأنه حصلت له أمنة من الله تعالى لولاها لم يَغْشَهم، كقوله:
يَهابُ النَّومُ أنْ يغشى عيونًا … تهابُكَ فهو نفَّارٌ شَرُودُ (^٢)
والمعنى: تنعسون في وقتٍ كان ما بكم من الخوف مانعًا من النَّوم، فأمَّنكم اللهُ فنعستم لأَمْنكم.
وقرئ: (أَمْنَةً) كرحمة (^٣)، وهي لغة فيه.
﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ من الحدَثِ والجنابة.
﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: الجنابةَ؛ فإنها من تخييله ووسوسته إليهم، وتخويفهم من العطش والجنابة، وذلك أن الشَّيطان تمثَّل لهم، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء، ونزل المؤمنون في كثيبٍ أحمرَ تسوخُ فيه الأقدام على غير ماءٍ، وناموا فاحتلم أكثرهم، فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمَّد تزعمون أنكم على الحقِّ، [وإنَّكم تصلون على غير وضوءٍ، وعلى الجنابة، وقد عطشتم، ولو كنتم على حقٍّ] (^٤) ما غلبكم هؤلاء على الماء، وما يَنتظرون (^٥) بكم إلا أن يجهدكم العطش،
_________________
(١) في (م) و(ك): "يغشيهم".
(٢) نسب البيت للزمخشري. انظر: "فتوح الغيب" (٧/ ٤٠)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي" (٤/ ٢٥٨)، و"روح المعاني" (١٠/ ٤٤).
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٠٣)، و"البحر المحيط" (١١/ ٣٣).
(٤) ما بين معكوفتين زيادة من "الكشاف" (٢/ ٢٠٣).
(٥) في (ك): "ينظرون".
[ ٤ / ٢٣٨ ]
فإذا قَطع العطش أعناقكم مشَوا إليكم، فقتلوا مَنْ أحبُّوا (^١) وساقوا بقيتكم إلى مكَّة، فأشفقوا (^٢)، فأُنْزِلَ المطرُ، فمُطروا ليلًا حتى جرى الوادي، واتَّخذ رسول الله ﷺ وأصحابُه ﵃ الحِياضَ على عُدوة الوادي، وسقَوا الرِّكاب، واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبَّد الرَّمل الذي كان بينهم وبين العدو، حتى ثبتت (^٣) فيه الأقدام، وزالت وسوسة الشيطان (^٤).
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾؛ أي: يشدَّها ويقوِّيَها بالسُّكون وحُسن الظَّن وزوالِ الاضطراب والارتياب.
﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ أي: في مواقف الالتقاء للقتال.
والضمير في ﴿بِهِ﴾ للرَّبط؛ فإنَّ القلب إذا قويَ باليقين والوثوق بالله تعالى تثبتُ القدمُ في المعركة، وحينئذ يكون الثُّبوت من لوازم الرَّبط، ويظهر وجهُ عدم الفصل بينهما بإعادة أداة التعليل، كعدم الفصل بين التطهير والإذهاب المذكورين قبل هذا.
وقيل: للمطر؛ فإن به يتلبَّد الرَّمل فلا تسوخ القدم فيه.
وَيرِدُ عليه أنه حينئذ لا يكون الثُّبوت من لوازم الربَّط، فحقُّه أن يعاد فيه أداة التعليل.
* * *
_________________
(١) في (ف): "أجيدكم"، و(م): "احتداء"، وفي (ك): "أخذ"، والمثبت من "الكشاف".
(٢) في (ف): "فاستقوا". وفي "الكشاف": (فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا).
(٣) في (ف): "تثبتت".
(٤) روى نحوه الطبري في "التفسير" (٩/ ١٩٥)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٧٨). وهذا السياق من "الكشاف" (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤).
[ ٤ / ٢٣٩ ]
(١٢) - ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾.
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ وبدل ثالث، أو متعلق بـ (يثبِّت).
﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ أُعينكم في تثبيت المؤمنين، وهو مفعول ﴿يُوحِي﴾، وقرئ: (إنِّي) بالكسر (^١)؛ إجراء للوحي مجرى القول.
﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالبشارة، أو بتكثير سوادهم، أو بمحاربة أعدائهم، فيكون قوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ كالتفسير لقوله: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا﴾؛ إذ لا إعانة كإلقاء الرُّعب في قلوب الأعداء، أو نوع آخر من الإعانة.
والرُّعب: الخوف الذي علا القلب، من قولهم: رَعَبَ السَّيلُ الواديَ: إذا مَلأهُ (^٢)، أو يقطع القلبَ من ترعيبِ السَّنام، وهو تقطيعه.
﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ أعاليَها؛ أي: المذابحَ والرؤوس (^٣) والهامات.
﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾: أصابع؛ أي: الأطراف (^٤)؛ أي: حزُّوا رقابهم واقطعوا أطرافهم.
وزاد هنا عبارة ﴿كُلَّ﴾ المتعدِّد في الأطراف، والمراد: استيفاؤهم بالقطع، أمر الملائكة بأن يقتلوهم على وجهٍ لا يمتنعون على من (^٥) قصدَ أسرهم.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٠٤)، و"البحر المحيط" (١١/ ٣٨).
(٢) في (ف): "ملأ".
(٣) في (م) و(ك): "أو الرؤوس".
(٤) في (م): "أي أصابع الأطراف"، وفي (ك): "أي الأطراف".
(٥) "من" سقط من (ف).
[ ٤ / ٢٤٠ ]
وفيه دليل على أنهم قاتلوا، ومَن أنكره، قال: قوله: ﴿سَأُلْقِي﴾ إلى قوله: ﴿كُلَّ بَنَانٍ﴾ تلقينٌ لهم معنى تثبيتهم، كأنَّه قال لهم قولوا للمؤمنين قولي هذا، أو تفسير للخطاب بأن يكون ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطابَ الملائكة، والباقي خطابَ المؤمنين.
* * *
(١٣) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إشارة إلى ما أصابَ الكفَّار من القتل والعقاب بسبب مُشاقَّتهم لله تعالى وللرسول ﵇، والخطاب للرسول ﵇، أو لكلِّ واحد (^١)، وهو أبلغ لدلالته على فظاعة الأمر، والمشاقَّةٌ مشتقَّة من الشَّقِّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتعادِين في شَقٍّ خلاف شَقِّ الآخر، كالمعاداة من العدوِّ، والمخاصمة من الخَصْمِ، وكلاهما الجانب.
﴿يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ تقريرٌ للتَّعليل ووعيدٌ لهم بما أُعِدَّ لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدُّنيا بسبب المشاقَّة، ومَنْ شاقَّ فلا يقتصر (^٢) على هذا، فإنَّ اللهَ شديدٌ عقابُه في الآخرة.
* * *
(١٤) - ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾.
والخطابُ في قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ للكفرة على طريقة الالتفات، وهو رفعٌ
_________________
(١) في (م) و(ك): "أحد".
(٢) في (ف): "ومن يشاق فلا يقتصرن".
[ ٤ / ٢٤١ ]
بالابتداء أو الخبر، أي: ذلكم العقاب، أو العقاب ذلكم، أو نصبٌ بفعل يفسِّرُه قولُه: ﴿فَذُوقُوهُ﴾ والفاء (^١) عاطفة؛ أي: ذوقوا ذلكم فذوقوه، أو: باشروا، قيل: أو عليكم ذلكم، ولا وجهَ له لأن (عليكم) من أسماء الأفعال لا تُضْمَر.
وهذه الجملة تأكيدٌ وتقريرٌ لِمَا سَبَقَ؛ لأنَّ الأولى دالَّة على استحقاقِهم العذابَ العاجلَ مع العذابِ الآجلِ، ولمَّا كان عذاب الدُّنيا بالنِّسبة إلى عذاب الآخرة يسيرًا سُمِّيَ ما أصابهم فيه ذوقًا؛ لأنَّ الذَّوق يُعْرَفُ به الطَّعمُ (^٢)، وهو يسيرٌ.
﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ عطفٌ على ﴿ذَلِكُمْ﴾ رفعًا ونصبًا، ويجوز أن يكون مفعولًا معه على أنَّ الواو بمعنى (مع)؛ أي: ذوقوا هذا العذابَ العاجلَ مع العذابِ الآجلِ الذي لكم في الآخرة، ووُضع الظَّاهرُ فيه موضعَ المضمرِ للدَّلالة على أنَّ الكفرَ سببُ العذابِ الآجلِ، أو الجمع بينهما.
وقرئ: (وإنَّ) بالكسر (^٣)، على الاستئناف.
ولَمَّا كانت النَّارُ إعدادُها للكفَّار على ما نطقَ به قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، صَحَّ تقديمُ الجار والمجرور المفيدِ لاختصاصِ عذابها المُعَدِّ لهم.
* * *
(١٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ حالٌ من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
_________________
(١) في (م) و(ك): "الفاء".
(٢) في (م) و(ك): "بالطعم"، والمثبت من (ف) وهو الموافق لما في "البحر" (١١/ ٤٤).
(٣) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٩).
[ ٤ / ٢٤٢ ]
والزَّحْفُ: الجيشُ الدَّهْمُ الذي يُرَى لكثرته كأنَّه يزحفُ؛ أي: يَدبُّ، مِنْ زَحفَ الصبيُّ: إذا دَبَّ على استِه قليلًا، سُمِّيَ بالمصدر.
﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ كنايةٌ عن الفرار، ولا يلزمه الانهزام على ما أفصح عنه الاستثناء الآتي ذِكْرُه؛ أي: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير وأنتم قليل فلا تَفِرُّوا، فضلًا أن تُدانوهم في العَدَدِ والعُدَدِ، أو تساووهم (^١).
* * *
(١٦) - ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾: هو الكَرُّ بعدَ الفَرِّ لتغريرِ العدوِّ، وهو من باب خدعِ الحرب ومكائدها، يختلُ للعدوِّ أنَّه منهزِمٌ، ثم يعطِفُ عليه.
﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾: منحازًا ﴿إِلَى فِئَةٍ﴾: إلى (^٢) جماعة أخرى من المسلمين على القُرْبِ منه؛ لِمَا روى ابنُ عمرَ ﵄: أنَّه خرجَتْ سريَّة وأنا فيهم، ففرُّوا (^٣)، فلَمَّا رجعوا إلى المدينة استحيَوا فدخلوا البيوت، فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ، نحنُ الفرَّارون. فقال: "بل أنتم العكَّارون، وأنا فئتُكم" (^٤).
_________________
(١) في (م): "وتسَاووهم".
(٢) في (ك): "أي".
(٣) "ففروا" سقط من (ك).
(٤) رواه أبو داود (٢٦٤٧)، والترمذي (١٧١٦)، وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد، ومعنى قوله: "بل أنتم العكَّارون"، العكَّار: الذي يفر إلى إمامه لينصره ليس يريد الفرار من الزحف.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
وانتصاب ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ و﴿مُتَحَيِّزًا﴾ على الحال، و﴿إِلَّا﴾ لغوٌ لا عملَ له، أو الاستثناء من المولِّين؛ أي: إلَّا رجلًا متحرِّفًا أو متحيِّزًا.
ووزن متحيِّز (^١): مُتفَيْعِل، لا مُتفعِّل، وإلَّا لكان: متحوِّزًا؛ لأنَّه مِنْ حازَ يحوزُ؛ يقال: حاز الشَّيءَ، أي: ضمَّه وجمعَه، والحيِّز: مجتمَع (^٢) القوم؛ فَيْعَل مِنَ الحوز، والتَّحيُّز الانضمام إليهم والدُّخول في جملتهم، وهو تفعُّل (^٣) من الحيِّز.
والفئة: الجماعة المنقطِعة عن غيرها، مِنَ الفأو (^٤)، وهو قطعُ الرَّأس بالسَّيف.
وإنْ جُعِلَ ﴿زَحْفًا﴾ حالًا من المؤمنين يكون إشعارًا لهم بما سيكون منهم يوم حُنَين، وحين تقدَّمه نهيٌ تولَّوا مدبرين (^٥) وهم اثنا عشرَ ألفًا، ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ أمَارة عليه.
﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: استوجبَه.
﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ هذا إذا لم يَزِدِ العدوُّ على الضِّعْف؛ لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٦]، وقيل: هذه الآية مخصوصة بأهل بدرٍ، أو الحاضرين معه في الحرب.
_________________
(١) في (ف): "متحيزًا".
(٢) في (ك): "مجمع".
(٣) في النسخ: "تفعيل" والصواب المثبت.
(٤) في النسخ: "من الفاء" والصواب المثبت. انظر ما سيأتي في هذه السورة عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾.
(٥) قوله: "وحين تقدمه نهي تولوا مدبرين"، كذا في النسخ، ولعل الصواب إسقاط الواو قبل "حين"، وحذف جملة: "تقدمه نهي" كما جاء في المصادر. انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٠٦)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٥٣)، و"البحر" (١١/ ٤٩)، و"روح المعاني" (١٠/ ٥٥).
[ ٤ / ٢٤٤ ]
﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ هي؛ أي: جهنَّم.
* * *
(١٧) - ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ بقوتكم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ بنصركِم، وإمدادِ الملائكة، وإلقاءِ الرُّعب في قلوبهم وتقويةِ قلوبكم، وهو كالتَّعليل لِمَا تقدَّم من النَّهي عن الانهزام بسبب كثرة العدو.
ورُويَ أنَّه لَمَّا التقى الجمعان يومَ بدرٍ تناولَ رسول الله ﷺ كفًّا من الحصى فرمى بها في وجوههم، وقال: "شاهَتِ الوجوهُ"، فلم يبقَ مشركٌ إلا شُغِلَ بعينه، فانهزموا، ورَدِفَهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، ثم لمَّا انصرفوا أقبلوا على التَّفاخُر، فيقول القائل (^١): قتلْتُ وأسرْتُ، فنزلت الآية (^٢)؛ صيانةً لهم عن الإعجاب، وتنبيهًا على أن الله تعالى هو الذي هيَّأ لهم هذه الأسباب.
وكذا الحال في الخطاب الآتي ذكره.
وقيل: الفاءُ جوابُ شرطٍ محذوف، تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم، ولكنَّ اللهَ قتلهم.
ويأباه عطف قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ أنتَ (^٣) تلك الرَّمية العجيبة يا محمَّد ﴿إِذْ
_________________
(١) في (ف) ت "القاتل".
(٢) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٠٧)، والكلام بهذا السياق مجموع من عدة أخبار. انظر: "تفسير الطبري" (١١/ ٨٧ - ٨٤)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٥/ ١٦٧٢ - ١٦٧٣).
(٣) "أنت": ليست في (م).
[ ٤ / ٢٤٥ ]
رَمَيْتَ﴾ لأنَّك لو رميتها لمَا زاد تأثيرها على تأثير رمي البشر ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ حيث أثَّرَتْ ذلك الأثر العظيم.
أثبَتَ الرَّميةَ لرسول الله ﷺ لأنَّ صورتها وُجِدَتْ منه، ونفاها عنه لأنَّ أثرَها الذي لا يقدر عليه البشر فعلُ الله تعالى، فكانَ الله فاعلَها على الحقيقة لا الرَّسولُ، والفعل قد يُطلَق ويُرادُ به مُسمَّاه، وقد يُطلَق ويراد به كماله والمقصودُ منه - أي: غايته (^١) - مجازًا.
﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: وليُنْعِمَ عليهم ﴿مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ إنعامًا جميلًا؛ أي: وللإنعام على المؤمنين ذلك (^٢) الإنعامَ العظيم بالنُّصرة والغنيمة ومشاهدةِ الآيات فَعَلَ ما فعلَ، وما فعلَ (^٣) إلا لذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لدعائهم واستغاثتهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالهم ونياتهم.
* * *
(١٨) - ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرَّفع؛ أي: المقصود ذلكم، أو: الأمر ذلكم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ معطوفٌ على ﴿ذَلِكُمْ﴾؛ أي: المقصود بلاء المؤمنين وتوهينُ الكافرين، وقرئ: ﴿وَأَنَّ﴾ بالفتح (^٤)؛ أي: ولأن الله تعالى مُعِينٌ للمؤمنين كان ذلك.
_________________
(١) في (ف): "والمقصود منه أنها غاية".
(٢) في (ف): "وذلك".
(٣) "وما فعل" سقط من (ف).
(٤) هي قراءة نافع وابن عامر وحفص، والباقون بكسرها. انظر: "التيسير" (ص: ١١٦).
[ ٤ / ٢٤٦ ]
(١٩) - ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ خطابٌ لأهل مكَّة على سبيل التَّهكُّم، وذلك أنَّهم حين أرادوا أن يَنفِروا تعلَّقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللَّهمَّ انصر أعلى الجندَيْن وأهدى الفئتَيْن وأكرم الحزبَيْن (^١).
﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ عن الكفرِ وعداوة رسول الله ﷺ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لتضمُّنه سلامة الدَّارين وخير المنزلَيْن.
﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ لمحاربته ﴿نَعُدْ﴾ في نصرته عليكم.
﴿وَلَنْ تُغْنِيَ﴾: ولن تدفع ﴿عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ﴾: جماعتكم ﴿شَيْئًا﴾ من الإغناء ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ فئتكم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنَّصر والمعونة.
كذا قالوا، ويُشْكِلُ هذا بيوم أحدٍ، فإنهم عادوا فيه للمحاربة وكانت الغلَبة لهم.
وقيل: الخطاب للمؤمنين، والمعنى: إن تستنصِروا فقد جاءكم النَّصر، وإن تنتهوا عن التَّثاقل في القتال والرَّغبة عما يستأثره الرَّسول فهو خير لكم، وإن تعودوا إلى (^٢) التثاقل نَعُدْ بالإنكار، ولن تغني عنكم كثرتكم حينئذ إذا لم يكن معكم بالنَّصر، وأن الله مع الكاملين إيمانًا.
ويؤيِّد هذا حسنَ الالتئام مع قولِه:
(٢٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٠٨).
(٢) في (ف): "عن".
[ ٤ / ٢٤٧ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾؛ أي: ولا تتولَّوا عن الرَّسول؛ فإنَّ المرادَ الأمرُ بطاعته ﵇، والنَّهيُ عن الإعراض، وذكر الله تمهيدٌ (^١) لاختصاص الرَّسول ﷺ به تعالى (^٢)، كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].
وفيه تنبيهٌ على أن طاعة الله وطاعة الرَّسول شيءٌ واحدٌ، و﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
ويجوز أن يرجعَ الضَّمير في ﴿عَنْهُ﴾ إلى الأمر بالطَّاعة؛ أي: ولا تتولوا عن هذا الأمر.
﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾؛ أي: تسمعونه، أو تسمعون القرآنَ والمواعظَ سماعَ فهمٍ وتصديقٍ.
* * *
(٢١) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا﴾ كالكفرة والمنافقين ادَّعوا السَّماع.
﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ لأنهم ليسوا بمصدِّقين، فكأنَّهم غيرُ سامعين أصلًا.
والمعنى: إنكم تصدِّقون القرآنَ والنُّبوَّة، فإنْ تولَّيتم عن طاعةِ الرَّسول ﷺ في بعض الأمور كقسمة الغنائم كانَ تصديقُكم كلَا تصديقٍ، وأشبهَ سماعكُم سماعَ مَنْ لا يؤمن.
_________________
(١) في (م): "تمهيدًا".
(٢) في هامش (ف) و(م): "ولولا ذكر التمهيد لأعيد ﴿أَطِيعُوا﴾ كما أعيد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. منه".
[ ٤ / ٢٤٨ ]
(٢٢) - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾: شرَّ مَنْ يدُبُّ على وجه الأرض، أو: شرَّ البهائم.
﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ قد مَرَّ تفسيرُه في (سورة البقرة)، جعلهم كالبهائم في عدم انتفاعِهم بالمشاعر والجوارح، ثم جعلهم شرَّها لإبطالهم ما مُيِّزُوا به عنها وفُضِّلوا به عنها (^١).
* * *
(٢٣) - ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾؛ أي: شيئًا من جنس الخير (^٢).
﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ سماعَ تفهُّم؛ أي: لا يُسْمِعهم لأنَّه لا يجدي فيهم نفعًا، فقوله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾؛ أي: لم ينتفعوا به، تقرير وتأكيد له، فهو مِنْ قَبِيل العطفِ على ما قبلَه باعتبار المعنى.
التَّولي قد يكون للتردُّد والتدبُّر فقوله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ تأسيسٌ لا تأكيدٌ.
* * *
(٢٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ وحَّدَ الضَّمير لأنَّ دعوةَ الله تُسمعُ من الرَّسول ﷺ، وقصدُ التَّمهيد يأباه إعادةُ الصِّلة.
_________________
(١) كذا في النسخ: "عنها" والأنسب بالسياق: (عليها). وفي "تفسير البيضاوي" (٣/ ٥٥): (ما ميزوا وفضلوا لاجله).
(٢) في هامش (ف): "فلا حاجة إلى قيد اعتبره مَن قال: وقد علم الله أن لا خير فيهم. منه".
[ ٤ / ٢٤٩ ]
﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ من العلوم الدِّينية؛ فإنها حياة القلب، والجهلُ موته:
الجاهلُ ميتٌ وإنْ لمْ يُدفَن … بيتُه قبرٌ وثوبُه كفن (^١)
وقيل: لجهاد الكفَّار؛ لأنهم لو تركوه لغلبوهم وقتلوهم (^٢)، فهو سبب حياتهم، كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
وقيل: للشهَّادة؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
المرادُ بالاستجابةِ: الطَّاعة والامتثال، وبالدَّعوة: البعث والتَّحريض.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ تحذيرٌ عن تأخير الاستجابة.
وزيادة ﴿وَاعْلَمُوا﴾ لمزيد التَّأكيد؛ أي: إن القلوب بيدِ اللهِ تعالى يقلِّبها كيفَ يشاء، فعجِّلوا بالاستجابة قبل أنْ يُحدِثَ اللهُ تعالى في قلوبِكم ما يشغلنا عنها (^٣)، ويمنعكم عن الامتثال بالأمر.
وقرئ: (بَين المرِّ) بتشديد الرَّاء على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الرَّاء وإجراء الوصل مجرى الوقف (^٤)، على لغةِ مَن يشدِّد فيه.
_________________
(١) لم أقف على قائله، وفي "الكشاف" (٢/ ٢١٠): لَا تُعْجِبَنَّ الْجَهُولَ حُلَّتُهُ … فَذَاكَ مَيْتٌ وَثَوْبُهُ كَفَنُ قال الشهاب في "حاشيته على البيضاوي" (٢/ ٢١٠): (البيت المذكور للزمخشري من قصيدة مدح بها المؤتمن بالله الخليفة). وقال الطيبي في "فتوح الغيب" (٧/ ٦٤): البيت من قول أبي الطيب: لا يُعجِبنّ مَضيمًا حُسنُ بزّته … وهل تروقُ دَفينًا جودَةُ الكفنِ
(٢) في هامش (ف) و(م): "يأتي في سورة التوبة ما يتعلق بهذا. منه".
(٣) قوله: "ما يشغلنا عنها" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (ما يشغلها عنا).
(٤) نسبت للحسن والزهري. انظر: "المحتسب" (١/ ٢٧٦).
[ ٤ / ٢٥٠ ]
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فيجازيكم على النَّقير والقِطمير من أعمالكم وأحوالكم، قالبيَّةً كانت أو قلبيَّة.
وفيه زيادةُ تحذيرٍ عن التَّقصير بالتَّأخير، وأشير إلى هذا في قوله ﵇: "عجِّلوا بالصَّلاةِ قبلَ الفَوْتِ، وعجِّلوا بالتَّوبة (^١) قبلَ الموتِ" (^٢).
* * *
(٢٥) - ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ أراد بالفتنة: الظُّلمَ الفاحش، بقرينة ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، والتنكيرِ الدَّال على التَّكثير.
﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ جواب الأمر؛ أي: إصابتُكم لا تصيب (^٣) الظَّالمين خاصَّة، بل تعمُّ الطَّالح والصَّالح، ثم تكون للظالم عقوبةً، ولغيره كفَّارةً.
والنُّون لتضمُّنه معنى النَّهي، والتأكيدُ بها للمبالغة في النَّهي، و(مِن) للتَّبعيض.
قال ابن عباس ﵄: هذا في تركِ الأمرِ بالمعروفِ عند غلبةِ المنكرِ، فيصيب الفسَقَة بفسقِهم، وغيرَ الفسقة بتركهم الأمر بالمعروف (^٤).
وهذه الفرقة أيضًا وإن كانوا مذنبين، لكنهم ليسوا من الذين ظلموا؛ أي: باشروا الظلم.
_________________
(١) في (ف): "بالطاعة".
(٢) أورده الصاغاني في "الموضوعات" (٣٤).
(٣) في (ك): "لا تصيبن".
(٤) رواه بمعناه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢١٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٨٢).
[ ٤ / ٢٥١ ]
أو نهيٌ بعدَ أمرٍ، كأنَّه قيل: واحذروا ذنبًا أو عقابًا، ثم قيل: لا تتعرضوا للظُّلم فيصيبَ العقابُ أو وبالُ الذَّنب مَنْ ظلمَ منكم خاصَّة.
أو صفةً لـ ﴿فِتْنَةً﴾ على إرادة القول؛ أي: فتنة مقولًا عندها: لا تصيبن، كقوله:
جاؤوا بمَذْقٍ هَلْ رأيْتَ الذِّئبَ قَطّ (^١)
و(مِن) على هذين الوجهين للتَّبيين.
ويعضد الأخير قراءة: (لتُصيبن) (^٢) على جواب قسمٍ محذوف.
وفي تقييد الظالمين بـ ﴿مِنْكُمْ﴾ في الوجهين الأخيرين تنبيهٌ على أن الظُّلمَ منكم أقبحُ منه من غيركم.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وعيدٌ شديدٌ، وفي (^٣) زيادة ﴿وَاعْلَمُوا﴾ مزيدُ تهديد.
* * *
(٢٦) - ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَاذْكُرُوا﴾: وأخطروا ببالكم أوَّل حالكم ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ قيل: في أوَّل الإسلام قبل أن تكملوا أربعين، وقيل: قبل الهجرة، والخطاب للمهاجرين.
_________________
(١) الرجز دون نسبة في: "البيان والتبيين" للجاحظ (٢/ ٢٨١)، و"الكامل" للمبرد (٢/ ١٠٥٤)، و"خزانة الأدب" (٢/ ١٠٩).
(٢) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٩)، و"الكشاف" (٢/ ٢١٢).
(٣) في (م): "في".
[ ٤ / ٢٥٢ ]
﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ مقهورون في أرض مكَّة، لم يقل: (ذليل) مع ما فيه من حُسن (^١) الازدواج بـ ﴿قَلِيلٌ﴾؛ تفاديًا عن إطلاقه على مَنْ هو عزيزٌ بعزِّ الإسلام.
وقيل: الخطاب لعامَّة العرب؛ لأنهم كانوا مغلوبين لأهل فارس والروم.
﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ لأنَّ النَّاس كانوا جميعًا لهم أعداء. والتَّخطفُ: الأخذُ والانتزاعُ بسرعة.
﴿فَآوَاكُمْ﴾ إلى المدينة، وجعل لكم مأوًى تتحصنون به عن أعدائكم.
﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ على الكفَّار بمظاهرةِ الأنصار، وبإمداد (^٢) الملائكة يوم بدر.
وعلى تقدير أن يكون الخطاب لقريش يكون المعنى: فآواكم إلى الحرم، ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الغنائم ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إرادةَ أن تشكروا هذه النِّعم.
وعلى المعنى الآخر يكون المراد من ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾: الثَّمرات؛ لقوله: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
* * *
(٢٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الخون: النَّقص، كما أنَّ الوفاءَ
_________________
(١) في (ف): "جنس".
(٢) في النسخ: "بإمداد" دون واو، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٢١٣).
[ ٤ / ٢٥٣ ]
التَّمامُ، ومنه تخوَّنه: إذا تنقَّصُه، ثم استُعمل في مقابلة الأمانة والوفاء؛ لأنك إذا خنْتَ (^١) الرَّجل فقد أدخلْتَ عليه النُّقصان.
ذكر ﴿اللَّهَ﴾ تعالى للتَّمهيد، وخيانتُهم للرَّسول ﷺ بأن يُضمروا خلاف ما يظهرون، أو بالغُلول في الغنائم.
روي أنَّها نزلَتْ في أبي لُبابة ﵁، وقصَّتُه مذكورة في كتب التَّفاسير (^٢).
﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ فيما بينكم؛ أي (^٣): لا يصدر منكم خلافُ ما هو من حكم الإيمان، جزمٌ داخل في حكم النَّهي، أو نصبٌ بإضمار (أنْ)، كقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢].
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنكم تخونون؛ أي: وأنتم علماء تميِّزون الحسَنَ من القبيح.
* * *
(٢٨) - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ جعلَ الأموالَ والأولاد فتنةً؛ لأنها سببُ الوقوع في الفتنة، وهي الإثم والعذاب، أو: محنةٌ وبلاءٌ، فلا يحملنكم فيه على الخيانة كأبي لبابة ﵁، وعليكم أن تحافظوا فيهم على حدود الله تعالى، وهي من جملة ما نزلَ فيه.
_________________
(١) في (ك): "أخنت".
(٢) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٨)، و"تفسير الطبري" (١٣/ ٤٨١)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٥/ ١٦٨٤)، و"دلائل النبوة" للبيهقي (٤/ ١٥)، و"الكشاف" (٢/ ٢١٤).
(٣) في (ف): "أو".
[ ٤ / ٢٥٤ ]
﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أن تُؤثروا حبَّ اللهِ تعالى على حبِّهم، وتزهَدوا في الدُّنيا، ولا تحرصوا على حبِّ المال والولد.
وفي قوله: ﴿عِنْدَهُ﴾ تشريفٌ للأجر (^١) المذكور، وبيانٌ أنه مصونٌ عن الضياع.
* * *
(٢٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾: هدايةً ونورًا في قلوبكم، وتوفيقًا وشرحًا لصدوركم، تفرِّقون به بينَ الحقِّ والباطلِ، أو نصرًا يفرِّق بينَ المحِقِّ والمبطِلِ، بإعزاز الإسلام وأهله، وإذلالِ الكفر وحزبه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١].
أو: ظهورًا يُشْهِرُ أمرَكم وينشرُ صيتكم في أقطار الأرض، من قولهم: بِتُّ أفعل كذا حتى سطع الفرقان؛ أي: الصُّبح.
﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: صغائرَ ذنوبكم، أراد بالكفَّارة الإزالةَ، ولذلك قال: ﴿عَنْكُمْ﴾، وهي بالحسنات لقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبَكم؛ كبائرَها، والغَفْرُ: السَّترُ، ضمَّنه معنى الرَّحمة، ولذلك قال: ﴿لَكُمْ﴾، وكنَّى به عن العفو والتجاوز عنها، وذلك بالاستغفار والشفاعة.
_________________
(١) في (م): "الأجر".
[ ٤ / ٢٥٥ ]
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ باللُّطف الوافي (^١) في الدُّنيا، والإحسان الباقي في دار القرار، لِمَا عرفْتَ أنَّ العبدَ أُعْطِيَ جزاءَ حسناته بإزالة سيئاته، فكان ما وصل إليه من اللُّطف والإحسان فضلًا من الله تعالى، ووعدُه على التَّقوى أيضًا تفضُّل، فإطلاق (^٢) الأجر على ما وعده في مقابَلته بطريق الاستعارة.
* * *
(٣٠) - ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ذكَّرَه ﵇ ما مُكِرَ به حين كان بمكَّة؛ ليشكرَ نعمة الله تعالى عليه في إنجائه من مكرهم وتسليطه عليهم، أي: واذكر وقتَ مكرِهم بك وتسليطه، وتفصيلُه مذكور في كتب التفاسير.
﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: ليَسجنوك، أو يُوْثقوك، أو يُثْخنوك بالضرب والجَرح، من قولهم: ضربَه حتى أثبتَه لا حراكَ به ولا بَرَاحَ، وقرئ: (لِيُبَيِّتُوكَ) من البَيَاتِ (^٣).
﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكَّة.
﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ بإخفاء المكائد له ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ بإخفاءِ ما أعدَّ لهم حتى يأتيَهم بغتة، أو بردِّ (^٤) مكرهم عليهم، أو بمعاملة الماكرين معهم حيث أخرجهم
_________________
(١) في (ك): "الموافي".
(٢) في (ك): "لإطلاق".
(٣) نسبت لإبراهيم النخعي. انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٥٠)، و"الكشاف" (٢/ ٢١٥)، و"البحر المحيط" (١١/ ٨٢).
(٤) في النسخ: "يرد"، والمثبت أنسب بالسياق.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
إلى بدر وقلَّل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فقُتلوا (^١).
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ إذْ مكرُه أنفذُ من مكر غيره وأبلغُ تأثيرًا.
قيل: وإسناد المكر إلى الله تعالى للمزاوجة والمشاكَلة، ولا يجوز إطلاقها عليه تعالى ابتداءً؛ لِمَا فيه من إيهام الذَّم، وكأن هذا القائل غافل عن قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] (^٢).
* * *
(٣١) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ هذا غاية مكابرتهم وفَرْطُ عنادهم؛ إذ لو استطاعوا ذلك فما منعَهم أن يشاؤوا، وقد تحدَّاهم وقرَّعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف، فلم يعارضوا سورة، مع أَنَفهم (^٣) وفَرْطِ استنكافِهم أن يُغلبوا، خصوصًا في باب البيان.
قيل: هو قول النَّضر بن الحارث، وهو كان موسومًا بينهم بالنُّبل والفَهم، فكان إذا قال قاله كثير منهم واتَّبعوه عليه، كما يفعله الناس اقتداء بعلمائهم.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ما سطَّرَه الأوَّلون من القصص، قد سبق ما يتعلَّق بالأساطير.
* * *
_________________
(١) "فقتلوا" سقط من (ف).
(٢) في هامش (ف) و(م): "قد مر هذا القول ورده في تفسير سورة آل عمران. منه".
(٣) الأنَف كالَأنَفة معناهما الاستنكاف من أَنِفَ: استنكف. انظر: "القاموس" (مادة: أنف).
[ ٤ / ٢٥٧ ]
(٣٢) - ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿وَإِذْ قَالُوا﴾؛ أي: واذكر إذ قالوا، وهذا أيضًا من كلام ذلك القائل أبلغُ في الجحود.
روي أنَّه لمَّا قال النضر: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، قال له النبيُّ ﷺ: "ويْلَكَ إنَّه كلامُ الله تعالى". فقال:
﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (^١)؛ أي: إن كان القرآن حقًّا منزلًا فأَمطرْ علينا حجارةً خاصَّةً عقوبةً لنا على إنكاره، والمرادة التَّهكُّم وإظهار اليقين والجزم التَّام بكونه باطلًا؛ إغراقًا في الإنكار، وإظهارًا للجرأة فيه، جَحَد القرآن أوَّلًا بأن جعله مثل كلامهم، وسمَّاه أساطير الأولين، ثم بالَغَ في الجحود بشبهةٍ جعلها كالدَّليل على بطلانه زاعمًا أنه برهان، وهو لو كان حقًّا لاستحقَّ منكِرُه العقاب، لكنَّا لم نعاقَبْ بإنكارِه، فلم يكن حقًّا.
وقرئ: (الحَقُّ) بالرفع (^٢)، على أنَّ ﴿هُوَ﴾ مبتدأٌ لا فَصل.
وفائدة التعريف: أنَّه (^٣) كانَ هو الحقَّ الذي يدَّعيه رسولُ الله ﷺ من أنه كلام الله تعالى منزلٌ عليه؛ لأنَّه لم ينكروا كونَه مطابقًا للواقع كالأساطير (^٤).
_________________
(١) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٥٧) والكلام منه، و"تفسير الطبري" (٩/ ٢٢٣)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٥/ ١٦٩٠)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٣٦). وأخرج البخاري (٤٦٤٨)، ومسلم (٢٧٩٦) عن أنس ﵁ أن قائل ذلك هو أبو جهل.
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٩).
(٣) في (ف) و(ك): "أنه إن".
(٤) بعدها في (ف): "الأولين". وعبارة البيضاوي في "تفسيره" (٣/ ٥٨): (وفائدة التعريف فيه الدلالة =
[ ٤ / ٢٥٨ ]
وفائدة التقييد بكونه ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ مع أنَّ الأمطار لا تكون إلَّا منها: كونها حجارةً مسوَّمة للعذاب، وهي السِّجِّيل، فوُضِعَتْ: ﴿حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ موضعَه، ولهذا قال:
﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؛ أي: بنوعٍ من عذابٍ أليمٍ سواه، إشارةً إلى أنَّ السجِّيلَ نوعٌ أليم من العذاب.
* * *
(٣٣) - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾؛ أي: ليس في عادته تعالى ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ بيانُ سببِ (^١) إمهالهم، والتَّوقُّفِ في إجابة دعائهم.
واللام لتأكيد النَّفي، والدلالةِ على أن تعذيبهم حالَ كون النبي ﵇ فيهم غيرُ جائز في الحكمة؛ لأن سنَّة الله تعالى جاريةٌ أن لا يَستأصل قومًا بالعذاب ما دام نبيُّهم بين أظهرهم.
وفيه إشعارٌ بأنهم مُرصَدون للعذاب إذا هاجر عنهم، لدلالة قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ …﴾ إلخ على إثبات التعذيب، كأنه قال: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وهو معذِّبُهم إذا فارقْتَهم.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ لمَّا كانت كينونتُه ﵇ فيهم سببًا لانتفاء
_________________
(١) = على أن المعلق به كونُه حقًا بالوجه الذي يدعيه النبي ﷺ وهو تنزيله - لا الحق مطلقًا؛ لتجويزهم أن يكون مطابقًا للواقع غير منزل كأساطير الأولين) وبها تتضح عبارة المؤلف.
(٢) في (ك): "بسبب".
[ ٤ / ٢٥٩ ]
تعذيبهم أكَّدَ خبر ﴿كَانَ﴾ باللام على رأي الكوفيين، أو جعل خبر ﴿كَانَ﴾ الإرادةَ المنتفيَةَ على رأي البصريين، وانتفاءُ الإرادة للعذاب أبلغ من انتفاء العذاب، ولمَّا كان استغفارهم دون تلك الكينونة الشريفة لم يؤكَّد باللَّام، فشتان ما بين استغفارهم وكينونته ﵈ فيهم.
﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ حالٌ لقوله: ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، والمراد باستغفارهم: إمَّا استغفار مَن بقي فيهم من المؤمنين، أو قولُهم: اللهم غُفرانك، أو فَرْضُه على معنى: لو استغفروا لم يُعذَّبوا، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧].
* * *
(٣٤) - ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾: وما لهم مما يمنع تعذيبهم متى زال ذلك، وكيف لا يُعذَّبون ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وحالُهم ذلك، ومِن صدهم عنه إلجاءُ رسول الله ﷺ والمؤمنين إلى الهجرة، وأما إحصارهم عام الحديبية فقد كان بعد قتل النضر ونظرائه، فلا انتظام له مع ما سيق الكلام له في هذا المقام.
﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ مستحقِّين ولاية أمره مع شركهم، وهو ردٌّ لِمَا كانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، فنصدُّ مَن نشاء، وندخلُ من نشاء.
﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: الذين لا يعبدون فيه غيره؛ أي: ما استحقُّوا لولاية البيت وما حظٌّ لهم منها؛ لأنها مخصوصة بالمتقين من المسلمين، ليس كلُّ مسلم يصلح لذلك، فكيف بالمشركين من أعداء الدِّين؟
[ ٤ / ٢٦٠ ]
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنْ لا ولاية لهم عليه، نبَّهَ بالأكثر على أنَّ فيهم مَن يعلم ذلك، ولكن يعاند.
لمَّا نفى عنهم أن يكونوا من ولاة البيت، ذكرَ من فعلهم القبيحِ ما يؤكِّدُ ذلك، وأنَّ مَن كانت صلاته ما يُذكَرُ لا يستأهل أن يكونوا أولياءَه، وما ذكر بقوله:
(٣٥) - ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ من جملة مَوانع استحقاقهم للولاية، وموجبات استحقاقهم للعذاب، كما ذكر بقوله: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾.
والمراد بـ ﴿صَلَاتُهُمْ﴾: ما يضعونه موضِعَها ويسمُّونه صلاةً، وفيه من التَّهكُّم ما لا يَخفى.
وقرئ: (صلاتَهم) بالنَّصب (^١)، على أنه الخبر المقدَّم.
﴿إِلَّا مُكَاءً﴾: صفيرًا، فُعال مِنْ مَكايَمْكو: إذا صَفَر، وقرئ بالقصر كالبُكَا (^٢).
﴿وَتَصْدِيَةً﴾: تصفيقًا، تَفْعِلةً من الصَّدى، ومن الصَّد، على إبدال أحد حرفي التَّضعيف بالياء، يعني: أنهم يضعون الصَّفير والتَّصفيق موضعَ الصَّلاة، ولهذا أورد قوله:
﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ بفاء السَّببية؛ أي: بسبب هذا الكفر ذوقوا وباله في الدُّنيا، والمرادُ عذاب القتل والأسر يوم بدر.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٩)، و"المحتسب" (١/ ٢٧٨).
(٢) أي: بالقصر منونًا (مكًا). انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٩).
[ ٤ / ٢٦١ ]
والظاهر أن تكون اللام للعهد، والمعهودُ ما ذكر في قوله: ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
ووضعُهم المكاء والتَّصدية موضعَ الصلاة: أنهم كانوا يطوفون بالبيت عُراةً الرجالُ والنساءُ وهم مُشبِّكون بين أصابعهم يَصفُرون فيها ويصفِّقون، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول الله ﷺ في صلاةٍ يخلِّطون عليه، وُيرون أنهم يصلُّون أيضًا.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أتى بصيغة المضارع، وزاد عليها عبارة ﴿كُنْتُمْ﴾ للدلالة على الاستمرار التَّجدُّدي، والمراد: ما كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتَّصدية مكان الصلاة.
ولا يجوز أن يكون المرادُ من العذاب عذابَ الآخرة؛ لأن الفاء تأباه، وذلك لأن السببيَّة للعذاب مطلقًا قد استُفيدَتْ من الباء، والفاءُ إنما تفيد إذا كان ذلك العذاب السَّببَ بما ذكره (^١) معجلًا.
* * *
(٣٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عن دينه واتِّباع رسوله.
نزلت في المُطْعِمين يومَ بدرٍ، وكانوا اثني عشر رجلًا من قريش، يطعمُ كلُّ واحدٍ منهم كلَّ يوم عشرَ جُزر (^٢).
_________________
(١) في (ك): "ذكر".
(٢) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٦٤ - ٦٦٦)، و"المغازي" للواقدي (١/ ١٤٤)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ١٤١).
[ ٤ / ٢٦٢ ]
وقيل: في أبي سفيان، استأجر ليومِ أُحِدٍ ألفين من الأحابيش، سوى مَن استجاشَ (^١) من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقيَّة (^٢).
وقيل: في أصحاب العير؛ فإنَّه لَمَّا أُصيْبَ قريش ببدرٍ قالوا لكلِّ مَنْ له تجارة في العير: أعينوا بهذا المال على حربِ محمَّد؛ لعلنا ندرك منه ثأرنا، ففعلوا (^٣).
﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا﴾ فائدة تكرارِ ذكر الإنفاق: أنَّ مساقَ الأوَّل لبيانِ الغرضِ منه، والثَّاني لبيان عاقبته ومآل أمره، وأنَّ غرضَهم لا يحصل منه ويُعْقِب الخيبة.
هذا ما قالوا، ويأباه زيادة السين في الثاني، وترتيبه بالفاء على الأوَّل، وكذا يأبى هذا الأخير حملُ الأوَّل على ما كان في يوم بدر، والثاني على ما كانوا في يوم أحد، فالوجه أنْ يُحمَل الأوَّلُ على عزمهم على الإنفاق، والثاني على وقوعه عن قريب متفرِّعًا على ذلك العزم.
﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ لاستلزام إنفاقهم الأموال ندامةً، وسرعةِ انقلابه إليها كأن ذاتها تصير ندامةً مبالغةً.
والحسرة: غمٌّ بما انكشف من فوتِ استدراك الخطيئة، وذكر الغمِّ يسمَّى ندامةً، وأصلها الكشف، من قولهم: حَسَر عن ذراعيه، والحاسر ضد الدَّارع.
﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾: ثم لا يبقى حالهم على النَّدم والحسرة لفَقْد الأموال وفقدان الغرض، حتى يصير آخر الأمر إلى المغلوبية التي هي ضد الحالة التي قصدوها،
_________________
(١) في (ف) و(م). "اجتاش".
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (١١/ ١٧٠)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٥/ ١٦٧٩).
(٣) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٦٠)، و"تفسير الطبري" (١١/ ١٧٣)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٥/ ١٦٩٨).
[ ٤ / ٢٦٣ ]
فيرجعون طلقاء (^١)، وإن كانت الحرب بينهم وبين المؤمنين قبل ذلك سجالًا.
ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ في الموضعين: غاية بُعْدِ ما بين غرضهم في الإنفاق وبين ما يحصل منه ويقع بعده.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ثبتوا على الكفر إذ أسلم بعضهم وحسُن إسلامه.
﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ خاصَّة ﴿يُحْشَرُونَ﴾: يُجمعون بالسَّوق من جهاتٍ متعددةٍ. وفائدة تقديم الجار والمجرور دفعُ وَهمِ القرار في مجمع (^٢) آخر.
* * *
(٣٧) - ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾؛ أي: الفريقَ الكافر من الفريق المؤمن ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ﴾؛ أي: الكافرَ ﴿بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾؛ أي: يجمعهم ويضمَّهم حتى يتراكموا، كقوله: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]؛ أي: لفرط ازدحامهم ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ جعلَ الكفَّارَ في الانضمام والازدحام والاجتماع في النَّار شيئًا مركومًا، كحطبٍ مرتكبٍ بعضه على بعض، مجموعٍ ملقًى في جهنَّم مبالغةً.
أو: المالَ الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوةِ رسولِ اللهِ ﷺ من المالِ الطَّيب الذي أنفقه المسلمون في نصرته، فيجمَعُ الخبيثَ الذي أنفقه المشركون فيجعله في جهنم من جملة ما يُعذَّبون به كمال الكافرين.
_________________
(١) في (ف) و(م): "فيخرجون حلفاءه"، وفي (ك): "فرحون طلقاءه"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٢١٩).
(٢) في (ف): "القرار في تجمع"، وفي (م): "الفرار في مجمع".
[ ٤ / ٢٦٤ ]
واللَّام في قوله: ﴿لِيَمِيزَ﴾ على الأول متعلق بـ ﴿يُحْشَرُونَ﴾، أو ﴿يُغْلَبُونَ﴾، وعلى الثاني بـ ﴿تَكُونُ﴾.
وقرئ: ﴿لِيَمِيزَ﴾ من التميُّز (^١)، وهو أبلغ من المَيز.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى الفريق الخبيث على الأوَّل، وإلى الذين كفروا على الثَّاني.
مَنْ قال: أو إلى المتَّقين، فكأنه غفل عن أنَّ منهم مَنْ أسلمَ وحسُن إسلامه.
﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الكاملون في الخسران؛ لأنَّهم خسروا أنفسهم وأموالهم.
* * *
(٣٨) - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: لمن بقي من كفَّار قريش بعد مَنْ قُتلَ منهم ببدر، واللَّام للتبليغ.
﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ عن معاداة الرسول ﷺ وقتاله بالدُّخول في الإسلام.
﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ من ذنوبهم؛ لأن الإسلام يجبُّ ما قبله.
وقرئ بالتَّاء والكاف على الخطاب (^٢).
﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ إلى قتاله ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ تعليلٌ للجواب أُقيم
_________________
(١) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ٩٢).
(٢) أي: (إن تنتهوا يغفر لكم)، ونسبت لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥١).
[ ٤ / ٢٦٥ ]
مقامه، والتقدير: وإن تعودوا انتقمنا منهم وأهلكناهم، فقد مضَتْ سنَّةُ الأولين في أنَّا انتقمنا منهم وأهلكناهم بتكذيب أنبيائهم ﵈.
* * *
(٣٩) - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: إلى أن لا يوجد فيهم شرك.
﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ بأن تضمحل الأديان الباطلة كلُّها، ويبقى فيهم (^١) دين الإسلام وحده.
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عمَّا يجب الانتهاء عنه، والفاء للتَّرتيب على ما تقدَّم.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تعليلٌ لِمَا تضمَّنه الجواب من عدم التَّقصير في المجازاة، تقديره: فيجازيهم على الامتثال ولا يَضيع نقيرٌ وقطميرٌ من التروك والأعمال.
وقرئ: ﴿تعملون﴾ بالتَّاء (^٢)، على معنى: فإن الله تعالى بما تعملون من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر بصيرٌ يجازيكم عليه، ويكون تعليقه بـ ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ - على الغيبة - للتَّغلب؛ أي: إنه بصير بعملكم وعملهم، فينبئكم جميعًا، ويجازي كلًّا بحسب عمله، ومَن وَهَمَ أن إثابتهم للتَّسبُّب فقد وَهِمَ.
* * *
_________________
(١) "فيهم" سقط من "ف".
(٢) هي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ١٧٦).
[ ٤ / ٢٦٦ ]
(٤٠) - ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الامتثال.
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ ناصركم ومتولِّي أموركم، فلا تبالوا بمعاداتهم، وثِقوا بولايته تعالى، وفي زيادة (اعلموا) - لتضمُّنه الدلالة على تنزيلهم منزلة الجاهل لنكتة خطابية تناسب المقام، وتزيد في البلاغة درجةَ الكلام - مزيدُ تهييجٍ لهم على ذلك.
﴿نِعْمَ الْمَوْلَى﴾ هو، فلا يُضيع مَن تولَّاه ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ فلا يُغلَب مَن يَنصره.
* * *
(٤١) - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾؛ أي: الذي أخذتُموه من الكفَّار قهرًا ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: من أقلِّ ما يقع عليه اسم الشيء، حتى المِخْيَط والخيط، وتصدير الكلام بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ لزيادة الاهتمام.
﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ دخلت الفاء في خبر (أنَّ) لتضمُّن العموم الذي دلَّ عليه ما في معنى الشَّرط، و(أن لله) في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فالحكم أنَّ للهِ خمسَه.
والجمهور على أن ذكر الله تعالى تمهيدٌ لِذِكْرِ الرَّسول وما عطف عليه؛ تعظيمًا وتخصيصًا للمعطوفِينَ به، كما في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، وأن (^١) المراد قسم الخُمْسِ على الخمسة المعطوفين.
_________________
(١) "أن" ليست في (ف).
[ ٤ / ٢٦٧ ]
﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ كأنه قال: فأنَّ لله خمسه يصرف إلى هؤلاء الأخصِّينَ به تفضيلًا (^١) لهم على غيرهم.
وليس المراد من قوله: (اعلموا) مجرد العلم يستوي فيه المؤمن والكافر، بل العلمُ المستلزِم للعملِ؛ فإن المقصود بالذَّات من العلم إذا أُمِرَ به هو العمل، والعلمُ مقصودٌ بالعَرض.
وهو متعلق بمحذوفٍ دلَّ عليه: ﴿وَاعْلَمُوا …﴾ إلخ؛ أي: اجعلوا الخُمسَ لله وأحبابِه للتقرُّب إليه، فاقطعوا أطماعكم عنه، واصرفوا إلى مَن عيَّنَ من المخصوصين به، واقتنِعوا بالأخماس الأربعة.
والحكم بعدُ باقٍ، إلَّا أنَّ سهمَ الرَّسولِ يُصرَفُ إلى ما كان يُصْرَفُه مِن مصالحِ المسلمين، كما كان يفعله الشَّيخان، وقيل: إلى الإمام، وقيل: إلى الأصناف الأربعة الباقية، وعند أبي حنيفة سقط سهمه ﵇ بوفاته، وسهم ذوي القربى لأنهم استحقُّوه بالنُّصرة والمظاهرة حينئذٍ، وصار الكلُّ مصروفًا إلى الثَّلاثة الباقية، وعندَ مالكٍ يفوَّض إلى رأي الإمامِ، يصرفه إلى ما يراه أهم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمدٍ ﵇ من الآيات والملائكة والنُّصرة، معطوف على ﴿بِاللَّهِ﴾.
وقرئ: (عُبُدِنَا) بضمتين (^٢)؛ أي: الرسول والمؤمنين.
﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: يومَ بدرٍ، فإنه فُرِّقَ فيه بين الحقِّ والباطل ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ المسلمون والكفار، واليوم الأوَّل بمعنى الوَقْعَة، والثَّاني بمعنى الوقت.
_________________
(١) في (م): "تفضلًا".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٠)، و"البحر المحيط" (١١/ ١١٣).
[ ٤ / ٢٦٨ ]
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ختمَ بصفة القدرة؛ لأنَّه تعالى أدالَ المؤمنين (^١) على قلَّتهم على الكافرين على كثرتهم ذلك اليوم.
* * *
(٤٢) - ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ ﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾.
﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾: القُرْبَى؛ يعني: من المدينة، و(العدوة) بالحركات الثلاث: شطُّ الوادي، وقرئ بها، والمشهور الضمُّ والكسر (^٢).
﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾: البُعدى؛ تأنيثُ الأقصى، وكان قياسُه قلبَ الواو ياءً كالدنيا والعليا، وكذا كلُّ فعلٍ من بناء الواو تفرقةً بين الاسم والصِّفة، فجاء على الأصل، كالقَوَد وهو أكثر استعمالًا من القُصيا.
﴿وَالرَّكْبُ﴾؛ أي: العيرُ وقوَّادها.
﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ في مكانٍ أسفلَ من مكانِكم؛ يعني السَّاحلَ، نصبٌ على الظرف، وهو مرفوعُ المحل لأنَّه خبر مبتدأ، والجملةُ حالٌ من الظَّرف قبلَه.
_________________
(١) أدال الله ﷿ فلانًا من فلان؛ أي: جعل له الدولة عليه، والدالُّ الظافر. انظر: "الغريبين" (٢/ ٦٥٨).
(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر العين، وباقي السبعة بضمها. انظر: "التيسير" (ص: ١١٦). أما القراءة بفتح العين فنسبت إلى الحسن وزيد بن علي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٠)، و"المحتسب" (١/ ٢٨٠)، و"البحر المحيط" (١١/ ١١٤).
[ ٤ / ٢٦٩ ]
وفائدةُ التقييد به وتعيينِ مراكز الفريقين: بيانُ الحالة (^١) الدَّالة على شوكة الكفَّار، وعُدَّةِ غَلَبتهم، واستظهارِهم بالرَّكب، وحرصِهم على المقاتلة عنها، وتوطينِ نفوسهم على أن لا يُخلوا مراكزهم، ويبذلوا جهدهم، وضعفِ شأن المسلمين، والتياث (^٢) أمرهم، واستبعاد غلبتهم عادةً، وأنَّ ظفرَهم بالعدوِّ وغلبتَهم في مثل هذه الحالة ليست إلَّا بتأييدٍ من الله تعالى ونصرِه؛ ليعلموا أنَّ الحولَ والقوَّة والقدرة كلَّه لله تعالى، وأنَّ الفتحَ كان صُنعًا إلهيًّا من خوارق العادات، فيزدادوا إيمانًا وثقةً، وذلك أن مركز المؤمنين كان أيضًا رخوةً تَسُوخ فيها الأقدام، ولا يُمْشَى [فيها] (^٣) إلَّا بتعب، ولم يكن بها ماء، بخلاف العُدْوة القُصوى، ويقوِّيه (^٤) قوله:
﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾؛ أي: ولو تواعَدْتم أنتم وهم القتالَ، ثم علمتم حالهم في الكثرة والقوة والشَّوكة وتمهُّد العُدَّة، وحالَكم في القلَّة والضَّعف وعدم أسباب الظَّفَر، لاختلفتم أنتم تهيُّبًا منهم وتأبِّيًا من الظَّفر عليهم وظنًّا بالمغلوبيَّة.
﴿وَلَكِنْ﴾ دبَّرَ اللهُ تعالى ذلكَ حيثُ وعدَ إحدى الطَّائفتين مبهَمةً، وأخرجكم راغبين في العير، وأخرجهم ليمنعوا عِيرهم (^٥)، وسبَّب الأسبابَ، وجمع بينكم وبينهم على هذه الحالة.
_________________
(١) في (ك) و(م): "للحالة".
(٢) قوله: "والتياث أمرهم"؛ أي: صعوبته والتباسه عليهم، من قولهم: التاثت عليه الأمور وألبست واختلطت. انظر: "حاشية الشهاب غلى البيضاوي" (٤/ ٢٧٧).
(٣) ما بين معكوفتين من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٦١).
(٤) في (م) و(ك): "وبقربه".
(٥) في النسخ: "غيرهم"، والصواب المثبت.
[ ٤ / ٢٧٠ ]
﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾: حَقيقًا بأن يُفعل، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه.
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ بدل منه، أو متعلِّق بقوله: ﴿مَفْعُولًا﴾، استُعيرَ الهلاكُ للكفرِ والحياةُ للإسلامِ، كما يُستَعارُ الموتُ والحياةُ للجهل والعلم؛ أي: ليكون كفرُ مَن كفرَ عن وضوحِ بيِّنةٍ حتى لا يبقى عند الله تعالى مَعذرةٌ، وَيصدرَ إسلامُ مَنْ أسلمَ أيضًا عن يقينٍ بأنه دينُ الحقِّ الذي يجب الدُّخولُ فيه والتَّديُّنُ به، وذلك أنَّ وقعةَ بدرٍ كانت من الآيات الواضحة التي مَنْ كفرَ بعدها كان مكابرًا لنفسه مغالطًا لها.
وقرئ: ﴿مَنْ حَيَّ﴾ التَّضعيف (^١)، لموافقة مستقبلهِ (^٢).
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بكفرِ مَنْ كَفَرَ وعقابِه، وإيمانِ مَنْ آمنَ وثوابِه، والجمع بين الوَصْفَيْنِ لاشتمالِ الأمرَيْنِ على القول والاعتقاد.
* * *
(٤٣) - ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ بدلٌ ثانٍ من ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾، أو نصبٌ بإضمار: اذكر، أو بقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: سميع بأحاديث نفوسكم في كراهة القتال،
_________________
(١) وهي قراءة نافع والبزي وأبي بكر. انظر: "التيسير" (ص: ١١٦). ووقع في النسخ: "وحيي"، والصواب المثبت.
(٢) أي: مضارعه وهو يَحْيَى، فكما لم يدغم فيه لم يدغم في الماضي. انظر: "روح المعاني" (١٠/ ١٣٢).
[ ٤ / ٢٧١ ]
عليم بتدابير أموركم، وتسوية مصالحكم؛ إذ يريكهم في نومك (^١) قليلًا، أراهم الله تعالى إيَّاه في رؤياه قليلًا، فأخبر به (^٢) أصحابَه، فثبَّتهم ذلك، وشجَّعهم على عدوهم.
﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ الفشل: صنفٌ (^٣) من الوَجَل.
لم يقل: (لفشلتَ)؛ لأنَّه ﵇ كان معصومًا من النَّقائص، فأسندَ الفشل إليه ﵇ على طريقة التَّغليب؛ رعايةً لجانِبَي الكلام والمقام.
﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: أمرِ القتال، وتفرَّقَتْ آراؤكم بينَ الفرار والقرار.
والتَّنازع: الاختلاف الذي يحاول كلُّ واحدٍ منهما نزعَ الآخرِ صاحبِه (^٤) مما هو عليه.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾: أنعمَ بالسَّلامة من الفشل والتنازع، وعصمَكم منهما.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ مما سيكون فيها من الجبن والجرأة والصبر والجزع، وما يغيِّر (^٥) أحوالها.
* * *
(٤٤) - ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
_________________
(١) في النسخ: "نومكم"، والصواب المثبت.
(٢) في (ف) و(م): "فأخبره".
(٣) في (ك) و(م): "ضعف".
(٤) قوله: "صاحبه" بدل من "الآخر"، وكان يكفي أحدهما كما في "تفسير الرازي" (١٥/ ٤٨٨): (.. نزع صاحبه ..).
(٥) في (ك): "وما تعسر".
[ ٤ / ٢٧٢ ]
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ حتى قال ابن مسعود ﵁ لمن إلى جنبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مئة (^١)؛ تثبيتًا لهم.
وقيل: تصديقًا لرؤيا الرَّسول، وفيه نظر.
والضميران مفعولا (يُري)، و﴿قَلِيلًا﴾ نصب على الحال (^٢).
﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ حتى قال أبو جهل: إنَّ محمدًا وأصحابه أَكَلَةُ جَزُورٍ (^٣).
قلَّلهم في أعينهم قبل الْتِحام القتال له ليَجْترؤوا (^٤) عليهم، ولا يستعدُّوا لهم، ثم كثَّرهم بعده حتى رأوهم مثلَيْهم لتُفاجئهم الكثرة فتهيبهم (^٥) وتكسر حدَّتهم وشوكتهم، وذلك من عظائم آيات تلك الوقعة (^٦)، وليس هذا التَّفاوت في الإبصار مع تساوي الشروط إلا بخرق العادة.
﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ كرَّره لاختلاف الفعل المعلَّل به، أو لأنَّ المرادَ بالأمرِ ثمَّةَ: الالتقاءُ على وجه المحكي، وهاهنا: إعزاز الإسلام وأهله، وإذلالُ الكفر وحزبه.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ فلا رادَّ لقضائه ولا تغيير لتقديره.
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٧٨٣٣)، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٧١٠).
(٢) أي: من المفعول الثاني. انظر: "روح المعاني" (١٠/ ١٣٣).
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٢٥)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٦١). دون ذكر اسم القائل عند الزمخشري.
(٤) في (ف): "ليتجرؤوا"، وفي (م): "ليجرؤوا".
(٥) في (ك): "فئتهم"، وفي (م): "فيتهم".
(٦) في (ف): "الواقعة".
[ ٤ / ٢٧٣ ]
(٤٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ﴾؛ أي: حاربتم؛ فإنَّ اللِّقاء مما غلبَ في القتال.
﴿فِئَةً﴾ الانقطاع معتبر في مفهوم الفئة، أصلها من فَأَوْتَ رأسَه بالسَّيفِ: إذا قطعتَه، والجماعة المنقطعة عن المؤمنين كفَّارٌ أو بغاةٌ، ومَن لم يقف على هذه الدَّقيقة الأنيقة قال: ولم يصفهم لأنَّ المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفَّار (^١).
﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ في مواطن الحرب، داعين (^٢) له، مستظهِرين بذكره (^٣)، ومترقِّبين لنصره.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: تظفرون بالنُّصرة والمثوبة.
وفيه تنبيه على أنَّ المؤمن يجب أن يداوم على ذكر الله تعالى، خصوصًا عند الشَّدائد؛ ليجتمع همُّه ولا يتوزَّع باله، ويتشجَّع (^٤) قلبه، ويطمئنَّ بالتَّوجُّه نحوَه، ويستمدَّ منه فيتأيَّد، ويستظهرَ بقوَّته وحَوْلِه.
* * *
_________________
(١) رد على الزمخشري ومن تابعه. انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٢٦)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٦٢)، و"البحر" (١١/ ١٢١). وتعقبه الآلوسي بقوله: (ومنهم من زعم أن الانقطاع معتبر في معنى الفئة لأنها من فاوت؛ أي: قطعت، والمنقطع عن المؤمنين إما كفار أو بغاة، وبني على ذلك أنه لا ينبغي أن يقال: لم توصف لظهور إلخ وليس بشيء كما لا يخفى) انظر: "روح المعاني" (١٠/ ١٤٢).
(٢) في (ف) و(ك): "دائمين".
(٣) في (ك): "لذكره".
(٤) في (م): "ويشجع".
[ ٤ / ٢٧٤ ]
(٤٦) - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ باتفاق الكلمة ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ باختلافها، تنازُعَكم بأحد.
﴿فَتَفْشَلُوا﴾ نصبٌ بإضمار (أنْ) (^١)، أو جزمٌ داخلٌ في حكم النَّهي.
وقرئ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ بالتاء والنصب عطفًا على الأول، وبالياء والجزم على الثاني (^٢).
أي: تذهب دولتكم، على أن الرِّيح مستعارَة للدَّولة، شبِّهت في تمشِّي أمرها ونفاذه بالرِّيح في جريها وهبوبها، يقال: هبت رياح فلان: إذا آلت إليه الدولة، ومنه قولُ عليٍّ ﵁:
ولا خيرَ في ودِّ امرئ متلوِّنٍ … إذا الريحُ مالت مالَ حيث تميلُ (^٣)
وقيل: ذهاب الريح على ظاهره؛ فإنه لم يكن نصرٌ قطُّ إلَّا بريحٍ يبعثُها اللهُ تعالى، كما قال ﵇: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدَّبورِ" (^٤).
﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالكلاءة والنصر.
* * *
_________________
(١) "أن" سقط من (ف) و(ك).
(٢) نسبت لعيسى بن عمر. انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٢٦)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٥٣٦).
(٣) نسب البيت للشافعي. انظر: "تاريخ ابن عساكر" (٤٣/ ١١)، أما البيت الذي نسب لعلي ﵁ كما في "ديوانه" (ص: ٣٤) في القصيدة المسماة بـ "الزينبية": لا خير في ودِّ امرءٍ متملقٍ … حلوِ اللسان وقلبه يتلهب
(٤) رواه البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠)، من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
(٤٧) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾؛ يعني: قريشًا حين خرجوا لحماية العير.
﴿بَطَرًا﴾ البَطَرُ: سوء احتمال الغنى (^١)، ومن آثارِه: الفخرُ والأَشرُ.
﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ ليُثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة.
نزلت في أبي جهل وأصحابه، خرجوا من مكَّة لنصرة العير بالقَيْنات والمعازف، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا مثل هؤلاء بَطِرين طَرِبين مُرائين بأعمالهم. ويلزمه الأمرُ بالتَّقوى والإخلاصِ بناءً على أنَّ النَّهي عن الشَّيء يستلزمُ الأمرَ بضدِّه.
وأمَّا ما قيل: وذلك أنَّهم لما بلغوا الجُحْفَةَ (^٢) وأتاهم رسولُ أبي سفيان أنِ ارجعوا فقد سلِمَتْ عيرُكم، فقال أبو جهلٍ: لا والله حتى نقدَم بدرًا، ونشرب بها الخمور، وتَعزف علينا القِيَان، ونُطعم بها مَن حضَرنا من العرب (^٣). فوافَوها ولكن سُقُوا كأسَ المنايا، وناحَتْ عليهم النَّوائح (^٤) = فلا يصلح وجهًا لخروجهم من مكَّة بَطِرين ومرائين.
﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ﴾ نصب على الحال، أو المفعول لهما.
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عطفٌ عليهما: حالَين مطلقًا، ومفعولًا لهما على تأويل المصدر؛ أي: وصدُّوا عن سبيل الله.
_________________
(١) في (ف): "الفتى".
(٢) في (م) و(ك): "جحفة".
(٣) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦١٨)، و"تفسير الطبري" (١١/ ٢١٧).
(٤) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٢٧).
[ ٤ / ٢٧٦ ]
﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؛ أي: عالمٌ به فيجازيكم عليه، وعيدٌ وتهديدٌ لمن بقيَ مِنَ الكفَّار.
* * *
(٤٨) - ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ منصوب بـ ﴿اذْكُرْ﴾.
﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ التي عملوها في معاداةِ الرَّسولِ ﷺ.
﴿وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ﴾ خبر ﴿لَا غَالِبَ﴾؛ أي: كائنٌ لكم، أو صفتُه، وليس صلتَه بمعنى: لا غالب إيَّاكم، وإلَّا لكان منصوبًا، كقولك: لا ضاربًا زيدًا عندَنا.
﴿الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ والجار: هو المجير الذي يعطي الخائفَ الأمانَ.
روي عن ابن عباس ﵄: أن المشركين تخوَّفوا من بني بكر بن كنانة؛ إذ كانوا قَتلوا منهم قتيلًا، فلم يأمنوا يومَ خروجهم إلى بدرٍ أن يأتوهم من ورائهم، فتصوَّر لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك وهو من بني بكر، وقال: أنا جارٌ لكم من بني بكر، فركنوا إلى قوله، وساروا وهو معهم، حتى إذا التقى المسلمون والكفَّار أسلمهم شرَّ مَسْلَمٍ، وتبرَّأَ منهم، ولَمَّا نكصَ على عقيبه أخذ الحارث بن هشام بيده فقال: أعلى هذه الحالة تخذلُنا؟ قال: إني أرى ما لا ترون، قال الحارث: والله ما نرى إلا جَعاسيس يثرب (^١)، قال: إني أخاف الله، قال الحارث: فهلَّا كان هذا أمس، فدفع
_________________
(١) الجعسوس، بالضم: القصير الدميم اللئيم الخلقة والخلق القبيح. "تاج العروس" (مادة: جعس).
[ ٤ / ٢٧٧ ]
في صدر الحارث وانطلق، فانهزم النَّاس، فلما قدموا مكَّة، قال: هزم النَّاسَ سراقةُ بن مالك، فقال: بلغني أنكم تقولون: إني هزمْتُ النَّاسَ، فوالله ما شعرْتُ بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، فقالوا: ما أتيتنا يومَ كذا؟ فحلف لهم، فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان (^١).
وذهب بعضهم إلى أن التَّزيين (^٢) في هذه الآية وما بعده من الأقوال هو (^٣) بالوسوسة والمحادثةِ في النُّفوس، ولا يخفَى ضعفه؛ فإن قوله: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ ليس مما يُلْقَى بالوسوسة، وكذا النُّكوص (^٤) على عقيبه وما بعده من الأقوال، وليس مما يُلْقَى بها.
﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ تراءت: تفاعَلَت من الرُّؤية؛ أي: رأى كلٌّ من الفريقين الأخرى، وهذه الحالة قبل الالتقاء.
﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ لبيانِ أنَّه انهزم على أسوأ الحال.
﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾: إني رجعت عمَّا كنْتُ ضَمِنْتُ لكم من الأيمان.
﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ تعليلٌ لبراءته، قاله (^٥) حينَ رأى إمداد المسلمين بالملائكة، كأنه يقول: إني كنْتُ مجيرَكم من النَّاس، وضمنْتُ لكم الغلبة
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٢١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٧١٥). وانظر الخبر في: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٦٢).
(٢) في النسخ: "التزين"، والصواب المثبت.
(٣) "هو" ليس في (ك).
(٤) في هامش (م): "نكص الشيطان؛ أي: رجع القهقرى خوفًا مما يرى. زيادة، وقوله: على عقيبه".
(٥) في (ف) و(م): "قال".
[ ٤ / ٢٧٨ ]
عليهم، وأرى ما ليس من جنسهم (^١) جاؤوا لمحاربتكم.
﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾: إني أخاف عقابه على أيدي مَن أراهم ولا ترونهم أنتم.
قال قتادة وابن الكلبي: إن هذه معذرةٌ كاذبة، ولم تلحقه قطُّ مخافةٌ (^٢).
وقال الزجَّاج وغيره: بل خاف مما رأى من الأمر وهوله أنه يومُه الذي أُنظر إليه (^٣).
﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لا يُرَدُّ عقابه بشيء ولا يُقاوَم، والظَّاهر أنَّه من كلامه؛ إذ على تقدير كونه مستأنفًا يكون تقريرًا لمعذرته، ولا يقتضيه المقام، فيكون فضلةً في الكلام.
* * *
(٤٩) - ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ بالمدينة ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: والذين ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام، بل كانوا على حرف.
وعن الحسن: هم المشركون (^٤).
_________________
(١) في (م): "جنسكم".
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٥٣٩)، و"البحر المحيط" (١١/ ١٢٩). ورواه عنهما عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٢٦٠)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٢٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٧١٦)، عن قتادة قال: (ذُكر لنا ..). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٦٦) عن قتادة وابن إسحاق.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٢١).
(٤) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٢٨).
[ ٤ / ٢٧٩ ]
ويحتمل أن يكون صفةً للمنافقين، والواو للجمع بين الصفتين؛ أي: الجامعون بين النفاق والشرك.
﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: المسلمين (^١) ﴿دِينُهُمْ﴾ حيث وثقوا به، وتعرَّضوا لِمَا لا يَدَيْ (^٢) لهم به، فخرجوا وهم ثلاثُ مئة وبضعةَ عشر إلى زُهاء ألف.
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ جواب لهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: غالبٌ لا يَذلُّ مَن استجارَ به وإنْ قلَّ، ويتسلَّط بتأييده على الكثير القوي.
﴿حَكِيمٌ﴾ يفعل بحكمته ما يستبعده العقل ويعجز عن إدراكه.
* * *
(٥٠) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
﴿وَلَوْ تَرَى﴾: ولو رأيت؛ فإن (لو) تردُّ المضارع ماضيًا، كما تردُّ (إنْ) الماضي مضارعًا، وإنما عدل عن الماضي إلى المستقبل لتصوير الحال الماضية بالاستحضار استفظاعًا لها.
﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ ببدر، و﴿إِذْ﴾ ظرفُ ﴿تَرَى﴾ (^٣)، والمفعول محذوف؛ أي: ولو ترى الكفرةَ أو حالَهم حينئذ.
_________________
(١) "أي المسلمين": من (م).
(٢) في (ف): "لما بدى"، وفي (ك) و(م): "لما بدا"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٦٣)، و"روح المعاني" (١٠/ ١٤٨)، وهو الصواب. و(يدي) مثنى يد بمعنى القدرة؛ أي: لا طاقة لهم به، وهذا التركيب سمع من العرب بهذا المعنى، وحذفت نون التثنية منه كما أثبتت الألف في: لا أبًا لك؛ لتقدير الإضافة فيها. انظر: "حاشية الشهاب" (٤/ ٢٨٢).
(٣) "ترى" سقط من (ك).
[ ٤ / ٢٨٠ ]
و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ فاعل ﴿يَتَوَفَّى﴾، ويدل عليه قراءة: ﴿تَتَوَفَّى﴾ بالتاء (^١)، والأصل في القراءتين التوفيق بينهما مهما أَمْكَن، فلا وجه لِمَا قيل: ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى، وهو مبتدأ خبره: ﴿يَضْرِبُونَ﴾ في ﴿وُجُوهَهُمْ﴾ والجملة حال من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، واستُغني فيه بالضمير عن الواو، وهو على ما ذكرنا حالٌ منهم، أو من ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾، أو منهما؛ لاشتماله على الضميرين.
﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾: ظهورَهم وأستاهَهم، وتخصيصُها بالضَّرب (^٢) لكونِ الخزي والنَّكال في ضربها أشد، ويجوز أن يكون المراد (^٣) تعميمَ الضَّرب لِمَا أقبلَ منهم وما أدبر.
وحُذف جواب ﴿وَلَوْ﴾ للتَّفظيع والتَّهويل؛ أي: لرأيْتَ أمرًا عظيمًا لا يمكن وصفُه.
﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: ويقولون: ذوقوا عذاب النَّار؛ فإنَّ الحريقَ اسمُ النَّار، قيل: كانت معهم (^٤) مقامعُ من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار.
* * *
(٥١) - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ الضَّرب والعذاب ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: بسببِ ما كسبتُم من الكفر والمعاصي، وهو خبر لـ ﴿ذَلِكَ﴾، يحتمل أن يكون من كلامهم، وأن يكون من كلام الله تعالى.
_________________
(١) وهي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١١٦).
(٢) "وتخصيصها بالضرب" من (م).
(٣) "المراد" من (م).
(٤) "معهم" من (م).
[ ٤ / ٢٨١ ]
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ جملة حاليَّة لتقرير ما فُهِمَ ممَّا سبَقَ مِن أن ما يُفعل بهم إنما يُفعل (^١) جزاءً بما كسبوه، فيكون عدلًا مَحْضًا.
ولو قيل: (ليس بظالم) لكان أبلغَ (^٢)، والعدولُ عنه إلى صيغة المبالغة للتَّنبيه على أن شأنه تعالى يقتضي أن يكون كلُّ وصفٍ يثبت له بالغًا إلى حدِّ الكمال.
ومَنْ لم يتنبَّه لهذه الدَّقيقة الأنيقة زعم أنه لأَجْل العبيد (^٣)، ولم يدرِ أنَّ ما يُقالُ: إنَّ اللهَ تعالى ليس بظلَّام للعبيد، نفيٌ للمبالغة (^٤)، ونفي مبالغة الظُّلم لا يستلزم نفي أصله، بل ربَّما يوجب إثباته بدليل الخطاب، وبرجوع النَّفي إلى القيد لا يندفع بما ذُكر؛ إذ المعنى حينئذ نفيُ ظلمه تعالى عن الكلِّ، ولا يلزمه نفيُه عن كلِّ واحد، فإنَّ رفعَ الإيجاب الكلِّيِّ لا ينافي الإيجاب الجزئيَّ.
وقيل: (أنَّ الله) تعالى عطفٌ على (ما قدَّمت)؛ أي: ذلك العذاب بسببين: بسبب ما كسبوا، وبسبب أنَّ الله ليس بظلَّام؛ لأن تعذيب الكفَّار من العَدْل.
_________________
(١) "إنما يفعل" ليس في (ف).
(٢) يعني: نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته، ونفي الكثرة لا ينفي أصله بل ربما يشعر بوجوده. وإنما قال المؤلف هذا ليتبعه ببيان العلة في العدول عنه إلى لفظ التنزيل، ولو قال: الكان أبلغ في الظاهر) لكان أولى؛ لئلا يوهم أن يكون لفظ أبلغ من لفظ القرآن.
(٣) في هامش (م): "قاضي". والمراد به البيضاوي، فقد قال في "تفسيره" (٣/ ٦٣) حيث قال: و(ظلام: التكثير لأجل العبيد). والمراد: أنه كثِّر توزيعا على الآحاد، كأنه قيل: ليس بظالم لفلان، ولا بظالم لفلان، وهكذا، فلما جمع هؤلاء عدل إلى ظلام لذلك. انظر: "روح المعاني" (١٠/ ١٥٣).
(٤) في (م): "إن الله تعالى ليس بظالم أصلًا"، والمثبت من (ك)، وعبارة: "ليس بظالم أصلا" موجودة فيها لكن مضروب عليها.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
وَيرِدُ عليه: أنا سلَّمنا ذلك، لكنَّ تركَ التَّعذيب من مستحقِّه ليس بظلم، بل فضلٌ، فلا ينتهِض نفيُ الظُّلم سببًا للتَّعذيب (^١).
وقيل: إنَّ العطف المذكور للدلالة على أن سببيَّته مقيَّدة بانضمامه؛ إذ لولاه لأَمكنه أن يعذبهم بغير ذنوبهم.
وفيه: أنَّ الحاجة إلى ما ذُكِرَ لانحصار السببية فيما كسبوا، بحيث لا يكون التَّعذيب بسببٍ آخر محتملًا، وذلك غير مُستَفادٍ من الكلام، وليس بمقتضًى للمقام.
* * *
(٥٢) - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الكاف في محل الرفع؛ أي: دأبُ هؤلاء مثلُ دأب آل فرعون. والدَّأبُ: العادة والعمل الذي دَأَبُوا فيه؛ أي: واظبوا عليه.
﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من قبلِ آل فرعون.
﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ تفسيرٌ لِدَأبهم.
﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ كما أخذ هؤلاء.
﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ لا يغلبُه شيء ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لا يُطَاقُ عقابُه، ولا يردُّه شيء.
* * *
_________________
(١) في (ك) و(م): "بسبب التعذيب"، والمثبت من (ف)، وهو الصواب. انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٦٣)، و"حاشية الشهاب" (٤/ ٢٨٤).
[ ٤ / ٢٨٣ ]
(٥٣) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما حلَّ بهم ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾: بسببِ أنَّ اللهَ تعالى ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا﴾: مبدِّلًا ﴿نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ﴾ بالنقمة ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا﴾: يبدِّلوا ﴿مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾: ما بهم من الحالِ إلى حالٍ أسوأ منها، كما بدَّلَتْ قريشٌ حالَهم في صلة الرَّحم وعدَمِ التَّعرُّض للآيات والرُّسل وإن كانوا كفرةً؛ لأن الكفرَ لا يمنع النِّعمة الدُّنيوية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦] بمعاداة (^١) الرَّسول ﷺ ومَن تابعه، وإيذائهم، والسَّعي في قتلهم، والاستهزاء بالآيات، إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد البعث، فبدَّلَ اللهُ تعالى ما أنعمَ به عليهم من الإمهال وحُسن الحال في العاجل، وعاجلهم بالعذاب.
أي: سنَّةُ الله تعالى جارية بأنْ يغيِّر نعمته على من أنعم عليهم عند تغييرهم حالَهم، فالسبب مفهومُ ما ذُكِرَ لا مَنطوقُه.
وأصل ﴿يَكُ﴾: يكون، فلمَّا دخلها ﴿لَمْ﴾ جزَمتْها، فالْتَقى ساكنان، فحذف الواو، فبقي: لم يكن، ثمَّ لَمَّا كثر استعماله حذفوا النُّون تخفيفًا، فإذا تحركت أثبتوها، قالوا: لم يكنِ الرَّجل، كذا قال الجوهري (^٢).
والذي ذكره ليس بحتْمٍ؛ فإنَّ النون قد تثبت عند السُّكون كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وقوله: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ [الحجر: ٣٣].
﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوالهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالهم وأحوالهم.
* * *
_________________
(١) قوله: "بمعاداة" متعلق بقوله: "بدلت"؛ أي: (كما بدلت قريش حالها في صلة الرحم … بمعاداة).
(٢) انظر: "الصحاح" (مادة: كون).
[ ٤ / ٢٨٤ ]
(٥٤) - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ تكريرٌ للتأكيد، وفي تفسير تغييره (^١) زيادةُ دلالة على كفران النِّعم وجحود الحقِّ (^٢)؛ لِمَا في لفظ الرَّبِّ المضاف إليهم من الإشعار بكونه منعِمًا عليهم.
وقيل: الأوَّل لتشبيه الكفر والأخذ به، والثَّاني لتشبيه التغيير في النِّعمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم.
وفيه: أنَّه لا مساعدة للتَّخصيص المذكور، لا من جهة المقام، ولا من جهة نظم الكلام.
﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾؛ أي: عاجلًا ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ على العموم، دلالةُ الباء على السببية المطلقة، والسببيةُ للعذاب العاجل (^٣) إنما تُستفاد من الفاء (^٤).
﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ على الخصوص، وفيه بيان الأخذ بالذُّنوب.
وفي قوله: ﴿وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ إشارة إلى أنَّ سببَ الأخذ ظلمُهم، وفيه تقرير لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥١]؛ أي: المشبَّهون الذين هم قتلى قريش، والمشبَّه بهم الذين هم آل فرعون والذين من قبلهم، كلُّهم كانوا ظالمين أنفسَهم بالكفر والمعاصي، فتشبهُ (^٥) شدَّة ظلمهم لعقابهم، فما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
_________________
(١) في (ف): "تغيير تفسيره".
(٢) في هامش (ف): "كيف وقضية التغيير من تتمة التشبيه الأول. منه".
(٣) "العاجل" من (م).
(٤) "من الفاء" سقط من (ك).
(٥) في (ف) و(م): "فشبه".
[ ٤ / ٢٨٥ ]
(٥٥) - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: أصرُّوا على الكفر ورسخوا فيه؛ لأنَّ (^١) بمجرَّد الكفر لا يصحُّ الإخبار عنهم بعدم الإيمان.
﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فلا يُتوقَّع منهم الإيمان لكونهم مطبوعًا على قلوبهم.
معنى الفاء السَّببية: التَّنبيه على أن كفرهم في الرُّسوخ بحيث يوجبُ انتفاءَ صدور الإيمان منهم.
* * *
(٥٦) - ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بدلَ الكلِّ أو البعض؛ للبيان أو التَّخصيص، وهم يهود قريظةَ، عاهدهم رسولُ الله ﷺ أن لا يمالئوا عليه، فأعانوا المشركين بالسِّلاح، وقالوا: نسينا، ثم عاهدهم فنكثوا، ومالؤوهم عليه يوم الخندق، وركبَ كعبُ بن الأشرف إلى مكَّة فحالفهم (^٢).
وإنما قال: ﴿مِنْهُمْ﴾ لتضمُّن المعاهدة معنى (^٣) أخذِ الميثاق.
والمراد من المرة في قوله: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾: مرةُ (^٤) المعاهدة أو المحاربة.
وإنما كانوا شرَّ الدَّواب؛ لأنَّ نقضَ العهد خروج عن المروءةِ والإنسانيَّة،
_________________
(١) في (ك): "لا".
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (١١/ ٢٣٥)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ١٥٢)، و"الكشاف" (٢/ ٢٣٠).
(٣) في (ف) و(م): "مع"، وفي هامش (م): "لعله: معنى"، والمثبت من (ك).
(٤) "مرة" من (م).
[ ٤ / ٢٨٦ ]
فخالفوا مقتضى فطرتهم بالكفر ونقض العهد الأوَّل الفِطري، فانحطُّوا عمَّا جُبِلوا عليه، ثم أصرُّوا على ذلك، ثم نكثوا العهد الظَّاهر، فكانوا شرَّ الدَّواب؛ لكونها على ما جُبلَتْ عليه.
﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ عاقبةَ الغدر، ولا يبالون بوخامتها في الدُّنيا والآخرة، مِنَ العار والنَّار.
* * *
(٥٧) - ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ وتظفرون بهم؛ أي (^١): تقتلهم شرَّ قِتلة، والثَّقف: الإدراك بسرعة.
﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾؛ أي: فنكِّل هؤلاء تنكيلًا يكون سببًا لشرود مَن وراءهم خوفًا منك. والتَّشريد: التَّفريق على اضطراب.
وقرئ: (فَشَرِّذْ) بالذال المعجمة (^٢)، وكأنه مقلوبٌ من: شَذِّر.
وقرئ: (مِنْ خَلْفِهُم) (^٣)، والمعنى واحد، فإنه إذا شرَّد مَن وراءهم فقد فعَل التشريد في الوراء.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل المشرَّدين ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾: يتَّعظون (^٤).
* * *
_________________
(١) في (م): "أو".
(٢) نسبت لابن مسعود. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٠)، و"المحتسب" (١/ ٢٨٠).
(٣) نسبت لأبي حيوة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٠).
(٤) في (ك): "يتفطنون".
[ ٤ / ٢٨٧ ]
(٥٨) - ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾.
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ﴾ معاهدين ﴿خِيَانَةً﴾ بأمارةٍ تلُوح لك (^١). الخيانة: نقضُ عهدٍ فيما ائتُمِن عليه.
﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ النَّبذُ: إلقاءُ الخبر إلى مَن لا يعلمه بما يوجِبُ أنَّه حربٌ.
﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ استواءِ حالٍ من (^٢) النَّابذ والمنبوذ إليهم؛ أي: ألقِ إليهم الخبر أنَّك نقضْتَ العهد الذي بينك وبينهم؛ لتكونوا أنتم وهم في العلم بالنَّقض على استواء؛ أي: مُسْتوين فيه، ولا تحاربهم قبلَ الإعلام؛ فإنه خيانة.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ تعليل للأمر بالنَّبذِ، والنَّهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال على طريقة الاستئناف.
* * *
(٥٩) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ خطاب للنَّبيِّ ﷺ، وقوله (^٣): ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ مفعولاه.
وقرئ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بياء الغيبة (^٤)، والفاعل ضمير يعود على الرسول ﵇ أو على السَّامع، والمفعول الأوَّل: ﴿الَّذِينَ﴾، والثاني: ﴿سَبَقُوا﴾.
_________________
(١) في النسخ: "تلوح ذلك"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٣١)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٦٤).
(٢) سقطت اللوحة رقم (٢٥١) من (ك)، وكررت اللوحة (٢٥٤). وتبدأ اللوحة من هنا، وتنتهي قبل قوله: "مقاومة الكثير من الكفار".
(٣) "وقوله" من (م).
(٤) قرأ بها حفص وابن عامر وحمزة. انظر: "التيسير" (ص: ١١٧).
[ ٤ / ٢٨٨ ]
وقيل: أصله: أنْ سَبَقوا، فحُذفت (أنْ)، كما في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، ودليله قراءة ابن مسعود ﵁: (أنهم سبقوا) (^١).
وهذه القراءة (^٢) لم ينفرد بها حمزة كما تُوهِّم (^٣)، بل وافقه ابن عامر وعاصم في رواية حفصٍ عنه.
﴿أنَّهم لا يُعْجِزون﴾ تعليلٌ للنَّهي؛ أي: لا تحسبنَّهم سبقوا فأَفلتوا؛ لأنهم لا يفوتون الله، ولا يجدونه طالبَهم عاجزًا عن إدراكهم.
وقرئ ﴿إِنَّهُمْ﴾ بالكسر (^٤)، على أنه تعليلٌ على سبيل الاستئناف، والمراد: الإزاحة لِمَا يُحذر به من نبذ العهد وإيقاظ العدو.
عن الزهري: أنَّها نزلَتْ فيمَنْ أَفلَت مِن فَلِّ المشركين (^٥).
* * *
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤١٤)، و"حجة القراءات" لابن زنجلة (ص: ٣١٢)، و"الكشاف" (٢/ ٢٣١). وهذا الوجه من الإعراب ذكره الفراء وتعقبوه بأن حذف (أنْ) المصدرية ضعيف في القياس شاذ في الاستعمال، فلا ينبغي أن يخرج عليه كلام الله تعالى. انظر: "روح المعاني" (١٠/ ١٦٤).
(٢) أي قراءة: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء.
(٣) المتوهم الزمخشري إذ قال في "الكشاف" (٢/ ٢٣١): (وليست هذه القراءة التي تفرد بها حمزة بنيرة). وقد ردوا عليه بأنها - كما نقل الآلوسي - أنور من الشمس في رابعة النهار، وأن جمعا من كبار الأئمة قد قرؤوا بها أيضا منهم ابن عامر، وهو - كما قال أبو حيان - من العرب الذين سبقوا اللحن، وقرأ على عثمان ﵁. انظر: "البحر" (١١/ ١٤٢)، و"روح المعاني" (١٠/ ١٦٣).
(٤) هي قراءة الجمهور عدا ابن عامر فقد قرأ بفتحها. انظر: "التيسير" (ص: ١١٧).
(٥) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٣١). وكلمة: "فل" سقطت من (ف).
[ ٤ / ٢٨٩ ]
(٦٠) - ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.
﴿وَأَعِدُّوا﴾ أيُّها المؤمنون ﴿لَهُمْ﴾ لناقضي العهد، أو للكفار ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ مِنْ كلِّ ما يُتقوَّى به في الحرب، وعن عقبة بن عامر ﵁: سمعته ﵇ يقول على المنبر: "ألا إنَّ القوَّة الرَّمي"، قالها ثلاثًا (^١). والمراد: أنه أقواها.
﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الرِّباط: شدٌّ أيسر من العقد، يقال: ربَطَه يَربِطُه رَبْطًا ورِبَاطًا، وصار اسمًا للمربوط، إلَّا أنَّه لا يستعمل إلا في الخيل (^٢)، فالإضافة باعتبار عموم المفهوم الأصلي (^٣)، ويحتمل أن يكون جمع ربيط، كفصيل وفصال.
وقرئ: (رُبط الخيل) بضم الباء وسكونها (^٤)، جمع رباط.
وعطفُها على ﴿قُوَّةٍ﴾ كعطف جبرائيل وميكائيل على الملائكة ﵈.
_________________
(١) رواه مسلم (١٩١٧).
(٢) في هامش (ف): "فيه رد لمن وهم وقال: إنه اسم للخيل التي تربط. منه". والقائل لذلك الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٢٣٢). وفي هامش (ف) أيضًا: "رد لمن وهم أنَّه إضافة الشيء إلى نفسه: منه"، وفوقه: "سعد الدين"، والصواب أن قائله الطيبي تعقيبا على قول الزمخشري، ولفظه: قوله (أي: الزمخشري): (والرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله): قيل: فإذن يلزم من إضافته إلى الخيل إضافة الشيء إلى نفسه. انظر: "فتوح الغيب" (٧/ ١٤١).
(٣) في (م): "باعتبار عموم مع مفهوم الأصل". والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "نواهد الأبكار" للسيوطي (٣/ ٤٧٧)، والكلام منقول عن السعد التفتازاني كما صرح السيوطي.
(٤) بالضم نسبت إلى الحسن، وبالسكون لأبي حيوة. انظر: "مختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٠).
[ ٤ / ٢٩٠ ]
﴿تُرْهِبُونَ﴾ الإرهاب: إزعاج النَّفس بالخوف، ﴿بِهِ﴾؛ أي: بما استطعتم، أو بالإعداد ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾؛ يعني: كفَّار مكَّة.
﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾: من غيرهم من الكفرة، قيل: هم اليهود، وقيل: المنافقون، وقيل: الفرس.
﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾: لا تعرفونهم بأعيانهم ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾: يعرفهم.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ جزاؤه، وفي عبارة ﴿يُوَفَّ﴾ بعد بيان ما ينفَق بقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ إشارةٌ إلى أنه وإنْ كان قليلًا فجزاؤه جليل.
﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ بتضييع العمل.
قيل: أو نقصِ الثَّواب. ومَبناه على استحقاق العبد بالعمل للثواب، وقد عرفت ما فيه في تفسير: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥].
* * *
(٦١) ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾: مالوا، ومنه الجَناح، وتعديتُه باللام أو إلى.
﴿لِلسَّلْمِ﴾: للصلح والاستسلام ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ وعاهِدْ معهم. وتأنيث الضمير لحمل السّلم على نقيضها وهو الحرب.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: ولا تخف من إبطالهم خداعًا فيه؛ فإنَّ الله تعالى يَعصمك منه ويُحيقه بهم ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم وأحوالهم.
[ ٤ / ٢٩١ ]
والآية مخصوصة بأهل الكتاب لاتِّصالها بقصتهم، وقيل: عامَّة نسخَتْها آيةُ السَّيف.
* * *
(٦٢) - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بالصُّلح ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ ﴿حَسْبَكَ﴾ بمعنى: مُحْسِبُكَ وكافيْكَ، قال جريرٌ:
إِنِّي وَجَدْتُ مِنَ المَكَارِمْ حَسْبَكُم … أَنْ تَلْبسُوا حُرَّ الثِيَابِ وَتَشْبَعُوا (^١)
﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بجماعة المؤمنين واتفاقِ كلمتهم، على ما دلَّ عليه قوله:
﴿وَأَلَّفَ﴾؛ أي: أوقع التَّأليف ﴿بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ حتى صاروا كنفسٍ واحدةٍ بعد ما كان فيهم من العصبية والغضبية في أدنى شيء، والتَّهالكِ على الانتقام، بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان، كما بيَّنَه بقوله:
﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: تناهي عداوتهم إلى حدٍّ لو أنفق منفقٌ في إصلاح ذاتِ بينِهم ما في الأرض من الأموال لا يقدرُ على الألفة والإصلاح.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بقدرته البالغة؛ فإن المالك للقلوب يقلِّبها كيف يشاء.
_________________
(١) اختلف في نسبة البيت؛ ففي "الكتاب" لسيبويه (٣/ ١٥٣)، و"أدب الدنيا والدين" للماوردي (ص: ٢٣٩) نسب لعبد الرحمن بن حسان. وفي "الحماسة البصرية" (٢/ ٢٦٥)، و"شرح أبيات سيبويه" للسيرافي (٢/ ٢٦٨) نسب لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. وفي "تاريخ بغداد" (٩/ ٤٧٦)، و"تاريخ دمشق" (٢٩/ ١٨١) نسب لحسان بن ثابت ﵁. وفي "الكشاف" (٢/ ٢٣٣) لجرير.
[ ٤ / ٢٩٢ ]
﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ﴾ تامُّ القدرةِ والغَلَبةِ، لا يُعصى عليه ما يريدُه.
﴿حَكِيمٌ﴾ يعلم (^١) أنه كيف ينبغي أن يَفعل ما يريد.
وقيل: الآية في الأوس والخزرج، وكان بينهم من الحرب والوقائع ما أهلَكَ سادتهم ورؤساءهم، ولم يكن لبغضائهم أمدٌ ومُنتهًى، وبينهما التَّجاوُر (^٢) الذي يَهيجُ الضَّغائن ويُديمُ التَّحاسد، وكان كلٌّ من الطَّائفتين يتجنَّب ما آثَرتْه الأخرى، ويكره ما أحبَّته، فأنساهم الله تعالى ذلك كلَّه حتى توافقوا على الإسلام والطَّاعة، وتصادَقُوا وتصافَوْا وتحابُّوا، وصاروا أنصار الله، وذلك من المعجزات الباهرة، والآيات الظَّاهرة (^٣).
* * *
(٦٤) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: كفاك الله تعالى وكفى أتباعك من المؤمنين ناصرًا، وكفاك الله تعالى وكفاك المؤمنون، على أنَّ (مَن اتَّبعك) في محل النَّصب على المفعول معه، كقولك: حسبك وزيدًا درهم، أو الرفعِ عطفًا على اسم الله.
نزلت في البيداء في غزوة بدر (^٤).
وقيل: نزلت عند إسلام عمر ﵁ (^٥).
_________________
(١) "يعلم" من (م).
(٢) في (ف) و(م): "التجاوز"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٢٣٤).
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٣٤)، وانظر: "تفسير الطبري" (١١/ ٢٥٦)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٧٠).
(٤) انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٥٤٩).
(٥) رواه الطبراني في "الكبير" (١٢٤٧٠) وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٨): (فيه إسحاق بن بشر الكاهلي، وهو كذاب). وقال القرطبي في "تفسيره" (١٠/ ٦٧): (وقع في =
[ ٤ / ٢٩٣ ]
(٦٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ التَّحريضُ: المبالغةُ في الحثِّ على الأمر، من الحَرَضِ، وهو أن يُنهكه المرض حتى يُشرف على الموت. وقرئ: (حَرِّصْ) بالصَّاد المهملة (^١).
﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ على القتال ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾ صابرة عليه ﴿يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تكرار المعنى الواحد بالأعداد المتناسبة في المقاومة للدّلالة على أنَّ حكمَ القليل والكثير واحد.
وشَرَط في الوعد والبشارة بغلبة الجماعة من المؤمنين على عشرةِ أمثالٍ من الكفَّار الصَّبرَ حتى يؤيِّدهم بعونه ونصره، ثم قال:
﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: بسبب أنَّ الكفَّارَ قومٌ جهَلة لا يقاتلون لله تعالى، ولا يثبتون ثبات المؤمنين الذين يبتغون (^٢) بالقتال رضا الله تعالى، فلا يستحقُّون النُّصرة والمعونة؛ لكون دواعيهم منبعثةً من الهوى والشَّيطنة، فاستحقُّوا الهوان والخذلان لتوليهم الشيطان.
* * *
(٦٦) - ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
_________________
(١) = السيرة خلافه ..) وانظر باقي كلامه ثمة، وانظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٣٤٢).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٠).
(٣) في (ف): "يثبتون".
[ ٤ / ٢٩٤ ]
﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ كان في أوَّلِ الأمر لخواصِّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ زيادةُ استبصار وقوَّةُ قلب، حتى لقي حمزة ﵁ في ثلاثين راكبًا أبا جهل في ثلاث مئة راكب (^١).
فلمَّا اختلط بهم سائر الناس وفيهم مَن يكون به حبُّ الأهل والولد والمال، وأنَّه يضعف القلب عن (^٢) مقاومة الكثير من الكفَّار، خفَّف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين.
﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بتقديره وتيسيره ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالنُّصرة والمعونة، فكيف لا يَغلبون (^٣)؟
في ضمن الآية مبالغة في شدَّة المطلوبية، ولكونه أهمَّ أُثبت (^٤) في أُولى جملتي التَّخفيف، وحذف من الثانية لدلالة السَّابقة عليه.
* * *
(٦٧) - ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾؛ أي: ما صحَّ له وما استقام. وقرئ: (للنَّبيِّ) على العهد (^٥).
﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ وقرئ ﴿تكونَ﴾ بالتَّاء (^٦)، وقرئ: ﴿أُسَارَى﴾ (^٧).
_________________
(١) وهي سرية حمزة ﵁ إلى سيف البحر. انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٥٩٥).
(٢) إلى هنا تنتهي اللوحة التي سقطت من (ك) وتقدم التنبيه عليها.
(٣) في (ف) و(م): "لا يغلبوا".
(٤) في (م): "وأثبت".
(٥) نسبت لأبي الدرداء وأبي حيوة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٠).
(٦) قرأ بها أبو عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١١٧).
(٧) قرأ بها أبو جعفر من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٧٧).
[ ٤ / ٢٩٥ ]
﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ بإشاعة القتل؛ أي: يُضعفَ الكفر ويُذلَّه، وَيعزَّ الإسلامُ بالنَّصر (^١)، ثم يجوز له الأسر بعد ذلك، ولهذا لمَّا كثر المسلمون وضَربَ الإسلامُ بِجِرانِهِ (^٢) نزلَ: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤].
مِنْ أَثْخَنَهُ المرض: إذا أثقلَه، وأصله: الثَّخانة. وقرئ: (يُثَخِّنَ) بالتَّشديد (^٣)؛ للمبالغة.
﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾: حطامَها بأخذكم الفداء.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ لكم؛ أي: ثوابَ الآخرة، أو سببَ (^٤) نيله من إعزاز دينه وقمع أعدائه.
وقرئ بجرِّ: (الآخرة) (^٥)، على إضمار المضاف كقوله:
أَكُلَّ امرئٍ تَحْسَبِيْنَ امْرَأً … ونارٍ تَوَقَّدُ باللَّيلِ نَارا (^٦)
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يُغلِّب أولياءه على أعدائه.
﴿حَكِيمٌ﴾ يعلم ما يليقُ بكلِّ حالٍ ويخصُّه بها، كما أمر بالإثخان ومنع عن
_________________
(١) في (ف) و(ك): "بالقهر".
(٢) أي: ثَبَتَ واستقام، والجِرَانُ: الصَّدْر، والأصل فيه: أنْ يَبْرُك البعيرُ فيَضرِبَ بصدره الأرضَ، يقال ذلك للشيء إذا ثَبَتَ واستَقرَّ. انظر: "مجمع الغرائب" لعبد الغافر الفارسي (مادة: جرن).
(٣) نسبت ليزيد بن القعقاع ويحيى بن يعمر. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٠).
(٤) في النسخ: "بسبب"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٣٧)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٦٧).
(٥) انظر: "المحتسب" (١/ ٢٨١)، و"الكشاف" (٢/ ٢٣٧).
(٦) البيت لأبي دؤاد الإيادي، كما في "الكتاب" لسيبويه (١/ ٦٦)، و"الأصمعيات" (ص: ١٩١).
[ ٤ / ٢٩٦ ]
الافتداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخيَّر بينه وبين المَنِّ لَمَّا تحوَّلَتِ الحالُ، وصارت الغلبة للمؤمنين.
وروي: أنَّه ﵇ أُتِيَ يوم بدرٍ بسبعين أسيرًا فيهم العبَّاس وعقيل بن أبي طالب، فاستشار فيهم فقال أبو بكر: قومك وأهلك، استَبْقهم لعلَّ الله يتوب عليهم، وخُذْ منهم فديةً يقوَى بها أصحابك، وقال عمر ﵁: اضرب أعناقهم؛ فإنَّهم أئمَّة الكفر، وإنَّ الله أغناك عن الفداء، مكِّنِّي من فلانٍ - لنسيب له -، ومكِّنْ عليًّا وحمزةَ من أخويهما فلنضرب أعناقهم، فلم يهوَ ذلك رسولُ الله ﷺ، وقال: "إنَّ اللهَ ليُلينُ قلوبَ رجالٍ حتى تكون ألينَ من اللِّين، وإنَّ اللهَ تعالى يشدِّدُ قلوبَ رجالٍ حتى تكونَ أشدَّ من الحجارة، وإنَّ مَثَلكَ يا أبا بكر مَثَلُ إبراهيم قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومَثَلَك يا عمر مَثَلُ نوح قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، فخيَّر أصحابه ﵃ فأخذوا الفداء، فنزلت (^١).
قيل: فدخلَ عمرُ ﵁ على رسولِ اللهِ ﷺ، فإذا هو وأبو بكر يبكيان، فقال: يا رسول الله، أخبرني، فإن أجد بكاءً بكيْتُ وإلا تباكَيْتُ، فقال: "أبكي على أصحابِكَ في أخذِهم الفِداءَ، ولقدْ عُرِضَ عليَّ عذابَهم أدنى مِنْ هذه الشَّجرةِ" لشجرة قريبة (^٢).
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٣٦). ورواه مطولًا ومختصرًا الإمام أحمد في "المسند" (٣٦٣٢)، والترمذي (١٧١٤) و(٣٠٨٤) وحسنه، والطبراني في "الكبير" (١٠٢٥٨)، من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٣٦). ورواه "مسلم" (١٧٣٦) من حديث عمر بن الخطاب ﵁ باختلاف يسير. وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" (٢/ ٣٥).
[ ٤ / ٢٩٧ ]
وفيه: أنَّهم ما أخذوا الفداء إلا بعد تخييرهم صاحبَ الشرع فلا يستحقُّون العذاب، وفيما ذكر ما يُفصح عن استحقاقهم إيَّاه.
ثم إنَّ المذكور في سبب النُّزول صريحٌ في أنه ﵇ استشارَ بعضَ أصحابه رضي الله تعالى عنهم وأخذ برأي أبي بكر في القضية المذكورة، فلا دلالة في الآية المذكورة على أنَّ الأنبياء ﵈ يجتهدون، وأنَّه قد يكون خطأ ولكن لا يُقَرُّون عليه.
* * *
(٦٨) - ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿لَوْلَا كِتَابٌ﴾: حكم وقضاء ﴿مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ إثباتُه في اللَّوح: أني لا أعذِّب إلَّا بعد النَّهي، لعذَّبْتكم فيما صنعْتُم، ولم يكن نهاهم.
أو: أنَّ الفدية التي أخذوها ستُحَلُّ لهم؛ قال الحسن: إن الله تعالى أطعم هذه الأمَّة الغنيمة، وإنهم أخذوا الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤمروا به، فعاتب الله تعالى ذلك عليهم، ثم أحلَّه لهم (^١).
أو: أن لا يعذِّب أهلَ بدرٍ (^٢).
﴿لَمَسَّكُمْ﴾ المس (^٣): إصابةٌ يتأثَّر منه البشر ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾: بسبب ما أخذتم من
_________________
(١) رواه الطبري عنه في "تفسيره" (١١/ ٢٧٦).
(٢) وهذا أيضًا مروي عن الحسن، رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٨١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٧٣٥).
(٣) "المس" سقط من (ك).
[ ٤ / ٢٩٨ ]
الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، لما نزلت هذه الآية (^١) أمسكوا عن مدِّ أيديهم إلى شيءٍ من الغنائم، فنزل:
(٦٩) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ الفاء للسَّبب، والسَّبب محذوفٌ، تقديره: أحللْتُ لكم الغنائم فكلوا، وفي عموم (ما غنمتم) تدخل الفدية؛ لأنها من جملة الغنائم، وإذا كان تقدير الكلام ما ذُكِرَ، لا يكون فيه متمسَّكٌ لمن زعم أنَّ الأمرَ الوارد بعد الحظر للإباحة.
﴿حَلَالًا﴾ حالٌ من المغنوم، أو صفةٌ للمصدر؛ أي: أكلًا حلالًا، وفائدته: إزاحة ما وقع في نفوسهم بسبب العتاب، ولذلك وصفَه بقوله:
﴿طَيِّبًا﴾ لبيان أنَّه لا تبعةَ فيه، فإنَّ الحلالَ قد يكون مكروهًا، فإذا وُصِفَ بالطِّيبِ لا يبقى هذا الاحتمال، وأمَّا الإباحة فلا تجامعه الكراهة، فالمباح أخصُّ من الحلال، ومن هاهنا تبيَّن أنَّ حقَّ المقدر أن يكون: أحللْتُ، دون: أبحْتُ.
وجُوِّزَ أنْ تكون الفائدة ما وقع في نفوسهم بسبب حرمة الغنائم على الأولين.
وفيه: أنه ﵇ بعد ما رخَّص وخيَّر بين القتل والفداء لا وجه لأنْ يبقى في نفوسهم احتمال الحرمة، خصوصًا بعدما أقدموا على أخذ الفداء وعملوا بموجب الرُّخصة.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الإقدام على ما لم يُعهَد إليكم فيه حكمٌ.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ غفرَ ذنبَكم ﴿رَحِيمٌ﴾ أباحَ لكم ما أخذتم.
_________________
(١) في (ف): "الأمة"، وسقطت من (ك) و(م)، والصواب المثبت.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
ولا يخفى لطفُ موقع هذا الكلام وحسنُ انطباقه بمقتضى المقام، فإن في الأمر بالاتقاء ما يسبق إلى الأوهام من بقاءِ التَّبعة وشيءٍ من الآثام فيما صدرَ عنهم من الإقدام والالتزام.
* * *
(٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُم﴾ في ملكتكم (^١) كأنَّ أيديكم قابضةٌ عليهم ﴿مِنَ الْأَسْرَى﴾ وقرئ: ﴿من الأُسارى﴾ (^٢).
أُمرَ النَّبيُّ ﷺ باستمالة (^٣) الأُسارى الذين أخذ منهم الفداء؛ ترغيبًا لهم في الإسلام.
﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ إخلاصًا في الإيمان وصدقًا في النيَّة.
﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من الفداء: إمَّا في الدُّنيا إخلافًا، وإمَّا في الآخرة إثابةً.
روي أنَّها نزلَتْ في العبَّاس ﵁؛ كلَّفه رسولُ اللهِ ﷺ أن يفديَ نفسه وابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فقال: يا محمَّد! تركتني أتكفَّف قريشًا ما بَقيْتُ، فقال: "أينَ الذَّهب الذي دفعْتَ إلى أمِّ الفضل وقت خروجك، وقلْتَ لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حَدَث بي حدثٌ فهو لكِ ولعبد الله
_________________
(١) "في ملكتكم" من (م).
(٢) وهي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١١٧).
(٣) في النسخ: "باستحالة"، والصواب المثبت.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
وعبيد الله والفضل وقثم"، فقال: وما يدريك؟ فقال: "أخبرني ربي"، قال: فأشهد أنَّك صادقٌ، وأن لا إله إلا الله، وأنك رسوله، والله لم يطلع عليه أحدٌ إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد اللَّيل، قال العباس: فأبدلني الله خيرًا من ذلك، لي الآن عشرون عبدًا إن أدناهم ليَضرب في عشرين ألفًا، وأعطاني زمزمَ ما أُحبُّ أنَّ لي بها جميعَ أموال أهل مكَّة، وأنا أنتظر المغفرة من ربكم (^١). يعني: الموعودَ بقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
* * *
(٧١) - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾ يعني: الأسرى ﴿خِيَانَتَكَ﴾: نقضَ ما عهدوك (^٢) ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ﴾ بالكفر ونقضِ ميثاقه المأخوذ بالعقد ﴿مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾: فأَمْكَنك منهم؛ أي: فأَقْدَرك عليهم؛ يعني يومَ بدر، وهم ورؤساؤهم، فكيف بعد ذهابهم بالقتل؟ فإن عادوا للخيانة فيُمْكِنُك منهم.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بالأحوال ﴿حَكِيمٌ﴾ في الأفعال.
* * *
(٧٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
_________________
(١) روى نحوه الإمام أحمد في "المسند" (٣٣١٠) من حديث عبد الله بن عباس ﵄، والحاكم في "المستدرك" (٥٤٠٩) - وصححه - من حديث عائشة ﵂، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ١٤٢) عن الزهري وجماعة.
(٢) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (عاهدوك).
[ ٤ / ٣٠١ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ وهم المهاجرين، هجروا أوطانهم حبًّا لله ولرسوله.
﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ﴾ بأنْ صرفوها في الكراع والسلاح، وأنفقوا على (^١) المحاويج.
﴿وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بمباشرة القتال.
﴿وَالَّذِينَ آوَوْا﴾ أي: آووا المهاجرين إلى ديارهم ﴿وَنَصَرُوا﴾ على أعدائهم، وهم الأنصار.
﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في الميراث، وكان المهاجرون (^٢) والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأقارب حتى نُسِخَ بقوله:
﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥].
وقيل: بالنصرة والمظاهرة.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ذكر (^٣) ﴿آمَنُوا﴾ هاهنا دون الثاني؛ لأنَّ قوله: ﴿آوَوْا﴾ يغني عنه، بخلاف قوله:
﴿وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ بل يُوْهِمُ خلافَه.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: من تولِّيهم في الميراث ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾.
وقرئ: ﴿وِلَايَتِهِمْ﴾ بالكسر (^٤)؛ تشبيهًا للتولِّي بالعمل والصِّناعة كالكتابة والإمارة، كأنَّه بتولِّيه صاحبَه يزاول (^٥) عملًا.
_________________
(١) في (ك): "وأنفقوها في".
(٢) في (م): "المهاجرين".
(٣) "ذكر" سقط من (ف).
(٤) قرأ بها حمزة. انظر: "التيسير" (ص: ١١٧).
(٥) في (ف) و(م): "يزول".
[ ٤ / ٣٠٢ ]
﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾: فواجبٌ عليكم أن تنصروهم على المشركين.
﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: عهدٌ، فإنه لا يجوز أن يُنقض عهدهم بنصرهم عليهم.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تحذير عن تعدِّي حدِّ الشرع في الموالاة وتركها.
* * *
(٧٣) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ظاهرُه إثبات الموالاة بين الكفَّار، والمراد نهيُ المسلمين عن موالاتهم وموارثتهم؛ لأن الموالاة بينهم مترتِّبة (^١) على التَّناسب في الكفر، كترتُّبها بين المؤمنين على التناسب في الإيمان، فالمفهوم عدم الموالاة حيث لا تناسُبَ، فيلزم انتفاءُ موالاة المؤمنين (^٢) والكافرين في التَّوارث، ووجوبُ مصارفتهم ومباعَدتهم وإن كانوا الأقارب.
﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾: إن (^٣) لم تَمتثِلوا ما أمرتُكم به، ولم تتركوا موالاة الكفار، ولم تفضِّلوا (^٤) نسبة الإيمان على نسبة القرابة، وأخوَّةَ الإسلام على اتصال اللُّحْمية، ولم تقطعوا العلائق بينكم وبين الكفَّار، ولم تجعلوا القرابة دينيَّة فقط.
_________________
(١) في (ف): "مرتبة".
(٢) "على التناسب في الإيمان فالمفهوم عدم الموالاة حيث لا تناسب فيلزم انتفاء موالاة المؤمنين" زيادة من (م).
(٣) في (ف) و(م): "وإن".
(٤) في (ف) و(م): "تفصلوا".
[ ٤ / ٣٠٣ ]
﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾: تحصل فتنةٌ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ عظيمةٌ، هي ضعفُ الإسلام وقوَّةُ الكفر.
﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ في الدِّين؛ لأن المسلمين ما لم يصيروا يدًا واحدة على الكفرة لم يقم الدِّين، وازداد الفساد وكبر.
وقرئ: (كثير) (^١).
اكتفى بالتَّنكير في توصيف الفتنة بالكبير؛ للتَّنبيه على أنه لا يفي به التفسير.
* * *
(٧٤) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لمَّا قسم المؤمنين ثلاثةَ أقسام بيَّنَ أنَّ القسمَيْن الأوَّلَيْن المتواصلَيْن هم الكاملون في الإيمان، الذين حقَّقوا إيمانهم بتحصيل مقتضاه؛ من الهجرة والجهاد وبذل المال ونصرة الحق، وأثنى عليهم، ووعد لهم الموعد الكريم مخصوصًا بهم وبمن لحقهم، حيث قال:
﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾؛ أي: مغفرة عظيمةٌ ونوعٌ من الرِّزق لا تَبِعةَ ولا مِنَّةَ فيه، والتَّخصيصُ مستفادٌ من تقديم الجار والمجرور.
والآية الأولى للأمر بالتَّواصل بينهم والموالاة، وهذه لبيان فضلهم، فلا تكرار.
* * *
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٠).
[ ٤ / ٣٠٤ ]
(٧٥) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾: من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار؛ أي: حكمُ اللاحقين بهم المتَّسِمين بسِمَتِهم حكمُ السابقين إلى الهجرة وكمالِ الإيمان والموعد؛ ترغيبًا لهم وتكريمًا.
﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في التَّوارث من الأجانب.
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: في حُكمه، أو في اللَّوح المحفوظ، أو في القرآن، وهو آية المواريث، واستُدلَّ بها على توريث ذوي الأرحام.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيعلم الحكمة في التَّوريث بنسبة الإسلام والمظاهرة أوَّلًا، ثم بنسبة القرابة ثانيًا.
* * *
[ ٤ / ٣٠٥ ]