﷽
(١) - ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
﴿سُبْحَانَ﴾ علَمٌ للتَّسبيح بمعنى التَّنزيه البليغ، وذلك من جهة الاشتقاق من السَّبح، وهو الإبعاد في الأرض، والنَّقلِ إلى التَّفعيل، والعدولِ عن المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصَّةً، والعاملُ فيه الفعل الذي من معناه لا من لفظه؛ إذ لم يجئ من لفظه الفعل، فالتَّقدير: أُنَزِّهُ اللهَ تنزيهًا، فوقع ﴿سُبْحَانَ﴾ مكانَ: تنزيهًا.
ولَمَّا كان حديث الإسراء مَظِنَّةَ أنْ يذهبَ الوهمُ إلى أنَّه تعالى زمانيٌّ أو مكانيٌّ صدَّره بما هو عَلَمٌ في تبعيده تعالى عمَّا لا يليق بشأنه.
ويجوز أن تكون كلمة ﴿سُبْحَانَ﴾ للتَّعجُّب بها، أشير إلى أعجبِ أمرٍ جرى بينَه وبينَ أفضل خلقه.
﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ الإسراء: سيرُ الليل خاصَّة، فقوله:
﴿لَيْلًا﴾ لقَطْع مجاز السير خُفيةً، كما أنَّ قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ بعدَ قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] لقطع مجاز السَّير (^١) السَّريع.
_________________
(١) في (ك) و(م): "سير".
[ ٦ / ١٢٣ ]
والتَّنكير لتقليل مدَّة الإسراء، فإنَّه كما يدلُّ على البعضية في الأفراد كذلك يدلُّ على البعضية في الأجزاء، دلَّ على ذلك قول الشَّيخ عبد القاهر في "دلائل الإعجاز": إن التَّنكير في ﴿حَيَاةٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] للدِّلالة على أنَّ تلك الحياة بعض حياة المهموم بقتله (^١).
والثَّاني (^٢) هو المراد، يشهد لذلك قراءة: (مِنَ اللَّيلِ) (^٣)، أي: بعضه.
وهذا الإسراء كان جسمانيًّا، ولذلك كذَّبَتْ قريش به، وفي عبارة العبد إشارةٌ إلى ذلك.
﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بعينه، أو من الحَرَم؛ فإنَّه مسجدٌ كلُّه.
﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾: بيتِ المقدس، سُمِّي أقصى لأنَّه لم يكن وقتئذ مسجد وراءَه.
﴿الَّذِي بَارَكْنَا﴾ البركةُ: دُرور الخير وثبوتُه، وهي دينيَّة ودنيويَّة (^٤)، وكلاهما مُرادٌ هاهنا؛ لأنَّه مَهبط الوحي ومعبدُ الأنبياء ﵈ (^٥)، ومحفوف بالأنهار والأشجار.
والالتفات من الغيبة إلى التَّكلُّم لتعظيم تلك البركات والآيات.
_________________
(١) انظر: "دلائل الإعجاز" (ص: ٢٨٩).
(٢) أي: دلالة التنكير على البعضية في الأجزاء.
(٣) تنسب لعبد الله بن مسعود وحذيفة ﵄. رواها عن حذيفةَ الطبريُّ في "تفسيره" (١٤/ ٤١٣)، وقال: وكذا قرأ عبد الله.
(٤) في (م): "ودنياوية".
(٥) في هامش (ف) و(م): "قال القاضي: من لدن موسى ﵇. وفيه نظر. منه ".
[ ٦ / ١٢٤ ]
﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ كقطعه مسيرةَ شهرٍ، ومشاهدتهِ بيتَ المقدس في برهةٍ من الزَّمان، وتمثُّلِ الأنبياء ﵈، والوقوفِ على مقاماتهم.
وأمَّا البُراق وسرعة سيره فليسا منها؛ لأنَّه ﵇ رأى الأوَّل قبل السَّير، والثاني قبل الوصول إلى المسجد الأقصى، فلا ترتُّب لرؤيتهما على السَّير إليه (^١).
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ بلا أُذُنٍ ﴿الْبَصِيرُ﴾ بلا بَصَرٍ. دلَّ على ذلك صورةُ الحصر، فلا تحتاج إلى قرب المسموع وحضور المبصَر (^٢)، فلا يختصُّ بمكانٍ دونَ مكانٍ، فلم يكن الإسراء لأجله، بل أَجْلِ عبدِه.
بدأَ بعبارة التَّنزيه، وختم بإشارته، فتجاوبَ طَرَفا الكلام.
* * *
(٢) - ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾.
﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التَّوراة.
﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا ﴿تَتَّخِذُوا﴾ (^٣) قرئ بالياء على: لئلَّا يتَّخذوا، وبالتَّاء (^٤) على: أنْ لا تتخذوا، كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا (^٥).
﴿مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾: ربًّا (^٦) تَكِلون إليه أموركم.
_________________
(١) في هامش (ف) و(م): "فيه إصلاح لما في كلام القاضي من الخلل، فتأمل. منه ".
(٢) في (م): "البصر".
(٣) زيادة من (م).
(٤) قرأ بالياء أبو عمرو وباقي السبعة بالتاء. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٩).
(٥) في هامش (ف): "كتب أن فعل كذا"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٦٤٨)، والكلام منه، وفيه: (وبالياء على: أي لا تتخذوا).
(٦) في (ف) و(ك): "ما".
[ ٦ / ١٢٥ ]
(٣) - ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.
﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ نصب على الاختصاص، أو النّداء إن قرئ بالتَّاء الفوقانيَّة على النَّهي، أو على أنَّه أحد مفعولَي (لا تتخذوا)، و﴿مِنْ دُونِي﴾ حال من ﴿وَكِيلًا﴾.
وقرئ بالرَّفع (^١) على أنه خبر مبتدأ (^٢) محذوف، أو بدلٌ من واو ﴿تَتَّخِذُوا﴾.
وفيه تذكيرٌ بإنعام الله تعالى عليهم في إنجاء آبائهم من الغرق، وإيماءٌ إلى أنَّ ذلك لكونهم أتباعَ نوح ﵇.
ثم قال في تعليل تلك الفضيلةِ الجليلةِ الثَّابتةِ له ﵇:
﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ وفيه حَثٌّ للذُّرية على الاقتداء به.
* * *
(٤) - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.
﴿وَقَضَيْنَا﴾ أصل القضاءِ: الإحكام والإتمام، وإنَّما قال:
﴿إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لتضمين معنى الإنزال؛ أي: أعلمنا إعلامًا محكَمًا متمَّمًا منزلًا إليهم في التَّوراة. وتفسير القضاء بالوحي يأباه.
﴿فِي الْكِتَابِ﴾ كما لا يخفى على ذوي الألباب.
_________________
(١) نسبت لمجاهد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٥). وانظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٣٧)، و"البحر المحيط" (١٤/ ١٥).
(٢) "مبتدأ" سقط من (م) و(ك).
[ ٦ / ١٢٦ ]
﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾ جوابُ قسمٍ محذوف، ويجوز أن يجري القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قال: وأقسمنا لتفسدن.
﴿مَرَّتَيْنِ﴾ أولاهما: مخالفة أحكام التَّوراة وقتلُ شعيا (^١) ﵇، وثانيهما قتل يحيى وزكريا ﵉.
ولا حاجة (^٢) إلى ما (^٣) قيل: إن المقتول في الأولى زكريَّا ﵇، وفي الثَّانية يحيى ﵇؛ لأنَّ الكرَّة الآتي ذكرها (^٤) لم تتخلَّل بينهما.
﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ هو غلبة المفسدين منهم على المصلِحين إفراطًا مجاوزًا عن القَدْر. والعُلُوُّ لغةً: هو الغلبة، بحقٍّ كانَ أو باطلٍ.
* * *
(٥) - ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾؛ أي: وقتُه، والوعد بمعنى الموعود، وهو العقاب، فلا حاجة إلى تقديره (^٥).
_________________
(١) في (ف) و(م): "شعيب "، وهو تحريف. انظر: "تفسير الطبري" (١٤/ ٤٦٩)، و"تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٢ - ٢١).
(٢) في هامش (م): "ولا وجه ".
(٣) في (ك): "لما" بدل "إلى ما".
(٤) في هامش (م): "بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ منه ".
(٥) أي: العقاب، ويشير إلى تقدير البيضاوي حيث قال: (وعد عقاب أولاهما). وجاء في هامش (ف) و(م): "نعم ألا، حاجة إلى تقدير الوقت؛ لأن المعنى على مجيئه لا على مجيء نفس الموعود. منه".
[ ٦ / ١٢٧ ]
﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾ هذا البعث من قبيل تولية بعض الظالمين على بعض، وكان على مقتضى الحكمة ولذلك أسنده تعالى إلى نفسه دون الجَوْس الآتي ذكره، فلا حاجة لصرفه (^١) عن معناه إلى معنى التَّخلية.
﴿عِبَادًا لَنَا﴾ سنحاريب (^٢) وجنوده، وقيل: بُخْتَ نصَّر، وقيل: جالوت.
قطع إضافتهم عن نفسه (^٣) لعدم استحقاقهم للتَّشريف المستفاد منها، وأيضًا ما في التَّنكير من التَّهويل يناسب المقام.
﴿أُولِي بَأْسٍ﴾: ذي قوَّة وبطش في الحرب.
﴿شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ وقرئ: (خَلَلَ) (^٤)، وهو واحد الخِلال، كجَبَلٍ وجِبالٍ، ويجوز أن يكون الخِلال أيضًا واحدًا، أي: تردَّدوا وتخلَّلوا بين الدُّور في طلبكم للقتل (^٥) والسَّبي.
وقرئ بالحاء (^٦)، وهما أخوان.
﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾؛ أي: لا بُدَّ أنْ يُفعَل.
* * *
_________________
(١) في (م): "إلى صرفه ".
(٢) في (ك): "سنجاريب ".
(٣) في هامش (م): "يعني لم يقل: (عبادي)، كما في قوله: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾. منه ".
(٤) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٥)، و"البحر" (١٤/ ٢٠).
(٥) في (ف) و(ك): "في القتل".
(٦) أي: (فحاسوا)، ونسبت لأبي السمال. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٥)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٢٠)، إلا أنه وقع في "الشواذ": بالحاء والشين.
[ ٦ / ١٢٨ ]
(٦) - ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾.
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ﴾؛ أي: الدَّولة والغَلَبة ﴿عَلَيْهِم﴾؛ أي: على الذين بُعِثوا عليكم.
﴿عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ممَّا (^١) كنتم.
والنَّفيرُ: مَن ينفرُ معَ الرَّجلِ، ولا يلزم أن يكون من قومه، وقيل: جمعُ نَفَرٍ، وهم المجتمعون لأمرٍ، ولا يلزم أن يكون للذَّهاب إلى العدوِّ.
* * *
(٧) - ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ لأنَّ جزاءَه لها.
﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، أي: فالإساءة لها، واللام للاستحقاق كما في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الرعد: ٣٤].
ولا وجهَ للحمل على الاختصاص؛ لأنَّ نفعَ الإحسان وضررَ الإساءة قد يتعدَّيان إلى الغير، على ما دلَّ عليه الأخبار وشهد له الآثار، وأمَّا الازدواج فإنَّما يصارُ إليه عند تعذُّر المعنى الحقيقيِّ.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: وقتُ موعودِ المرَّة الآخرة، وجوابُ (إذا) محذوفٌ دلَّ عليه جواب الأولى، أي: بعثناهم، وإنَّما عطف بالفاء مع أنَّه مِنْ تفصيل المجمل
_________________
(١) في (ك) و(م): "كما".
[ ٦ / ١٢٩ ]
- والظَّاهر فيه العطف بالواو - للدِّلالة على أنَّ مجيءَ وعدِ الآخرة لم يتراخَ عن كثرتهم وثروتهم، وذلك أنَّهم كلَّما ازدادوا عددًا وعُدَّة ازدادوا عدوانًا وطغيانًا، إلى أن تكاملَتْ أسبابُ العزَّة، ففاجأهم الله تعالى على العزَّة.
﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ بياء الغائبة على الجمع (^١)؛ أي: ليسوءَ هؤلاء وجوهكم، وإنَّما عدَّى المساءَة إلى الوجوه وإن كانت عليهم لأنَّ آثار الأعراض النَّفسانية ظهورها (^٢) في الوجه.
وقرئ بياء الغائبة على الواحد (^٣)، والضَّمير للقائهم للقراءة السابق (^٤) ذكرها، أو لله تعالى للقراءة بالنُّون وفتح الواو (^٥).
﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾: بيت المقدس، ويخرِّبوه ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وخرَّبوه.
﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾؛ أي: ليدمِّروا (^٦) ﴿مَا عَلَوْا﴾: ما غلبوه واستولَوا عليه، أو: مُدَّةَ علوِّهم.
﴿تَتْبِيرًا﴾: تفتيتًا. ومنه: التِّبرُ، لفُتاتِ الذَّهبِ.
* * *
_________________
(١) بعدها في (ف) زيادة: "وإنما"، ولا وجه يظهر لها.
(٢) في (ف): "ظهورًا ".
(٣) وهي قراءة ابن عامر وحمزة وأبي بكر. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٩).
(٤) في (م): "السابقة".
(٥) وهي قراءة الكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٩).
(٦) في (ف) و(م): "ليدبروا". والمثبت من (م) وهو الصواب. انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٣٢).
[ ٦ / ١٣٠ ]
(٨) - ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾.
﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ وعدٌ مِنَ الله تعالى أن يكشف (^١) عنهم بعد المرَّة الآخرة.
﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ نوبةً أخرى ﴿عُدْنَا﴾ مهو مرَّة ثالثةً إلى عقوبتكم. وقد عادوا فبعثَ اللهُ تعالى عليهم نبينا ﵇.
هذا مآلهم في الدُّنيا، ثمَّ ذكرَ مآلهم في الآخرة بقوله:
﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾: محبسًا ضيِّقًا. قال القشيري: يُقال للذي يُفرَش: حصير؛ لحَصْر بعضه على بعض بالنَّسج (^٢).
* * *
(٩) - ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾.
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي﴾: للطَّريقة (^٣) التي ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾ الطُّرق.
﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ الفسقُ لا ينافي الإيمان ولا العمل الصَّالح، فلا خروجَ للفسَقَة بأحد القيدَيْن المذكورين، فلا حاجة إلى المكابرة بأن يُقال: كان النَّاس حينئذ إمَّا مؤمن تقي وإمَّا مشرك، وإنَّما حدث الفاسق بعد ذلك.
* * *
_________________
(١) في (ف): "ينكشف".
(٢) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٣٣).
(٣) في (ف): "للطريق ".
[ ٦ / ١٣١ ]
(١٠) - ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ عطفٌ على ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا﴾.
والمعنى أنَّه يبشِّر المؤمنين ببشارَتَيْن: ثوابهم (^١)، وعقابِ أعدائهم.
﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في زيادة ﴿أَعْتَدْنَا﴾ هاهنا إنباءٌ عن شدَّة الغضب في حقِّهم.
* * *
(١١) - ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾.
﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ حذفت الواو من (يدعو) لفظًا لاستقبال اللَّام السَّاكنة، كما في قوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، وحذفت في الخطِّ أيضًا (^٢)، لكنَّها غير محذوفة معنًى.
﴿بِالشَّرِّ﴾ هو دعاؤه على نفسِه وأهله (^٣) ومالِه عندَ الضَّجر بما لا يحبُّ (^٤) أن يُستجاب له.
﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾: مثلَ دعاءِه بالخير.
يعني أنَّ القرآن يهديهم إلى ما فيه السَّلامة، وهم يأبون إلَّا أنْ يأتوا بما فيه النَّدامة.
ثمَّ ذكرَ أنَّ ذلك مِنْ عدمِ تثبُّته وقلَّة صبره فقال:
_________________
(١) في (ك) و(م): "ثواب".
(٢) "أيضًا" من (م).
(٣) "وأهله" من (م).
(٤) في (ف) و(م): "لا يجب".
[ ٦ / ١٣٢ ]
﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ العَجلَةُ: طلبُ الشَّيء قبلَ وقته الذي ينبغي أن يقعَ فيه، والسُّرعةُ: عملُ الشَّيء في أوَّلِ وقته.
* * *
(١٢) - ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾.
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ تدلَّان على القادر الحكيم (^١) بتعاقُبهما على نسقٍ يترتَّب عليه آثارٌ غريبة وأحكامٌ (^٢) عجيبةٌ.
﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ الفاء فصيحة؛ كأنَّه قيل: وخالفنا بين الآيتين: فَجعلنا الآيةَ التي هي اللَّيل لِمَحْوِهِ؛ أي عديمَ النُّور، والآيةَ التي هي النَّهار مبصرةً؛ أي: مضيئةً أهلَه مبصرةً للنَّاس، مِن أبصره فبصُر، فإنَّ الإضاءة لازم الإبصار، على أنَّ الإضافة في الآيتين للتَّبيين.
وقيل: آيةُ اللَّيل القَمَرُ، ومحوه: إخلاؤه عن (^٣) النُّور؛ فإنَّ ما يُرَى فيه نورُ الشَّمس، وآيةُ النَّهار الشَّمسُ، وإبصارُها: نورُها الذي يقع به الإبصارُ.
﴿لِتَبْتَغُوا﴾ تعليل لجعلِ آيةِ النَّهار مبصرةً.
﴿فَضْلًا﴾: رزقًا ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ والابتغاءُ: الطَّلبُ، والمعنى: لتقدروا في بياض النَّهار على تحصيل أسباب المعاشِ.
_________________
(١) "الحكيم" من (م).
(٢) في (ف): "وآثار".
(٣) في (ك): "من".
[ ٦ / ١٣٣ ]
وفي عبارة الفضل إشارة إلى أنَّه لا يجبُ على اللّه تعالى أن يرزقَ عبادَه، وإنَّما ذلك تفضُّلًا، ففيه رَدٌّ على المعتزلة.
﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ تعليل لمحو آية اللَّيل؛ أي: تعلموا باختلاف الجديدين عددَ السِّنين وجنسَ الحساب، وما تحتاجون إليه منه، أو: الحسابَ المتعلِّق بالأوقات، على أنَّ (^١) التَّعريف للعهد، بقرينة ﴿عَدَدَ السِّنِينَ﴾، أو بنقص نور القمر شيئًا فشيئًا؛ لأنَّ معرفة السَّنة القمريَّة المعتبَرة عند العرب بذلك.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ كلمة ﴿وَكُلَّ﴾ للتَّكثير والتَّفخيم، لا للتَّعميم والإحاطة، كما سبق إلى وَهمِ مَن قال: مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم (^٢).
﴿شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ بيَّنَّاه بيانًا كافيًا. والمقامُ مقامُ الامتنان بإتمام الإحسان، لا مقام الإلزام والإفحام (^٣)، كما سبق إلى بعض الأفهام.
* * *
(١٣) - ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾.
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ أرادَ بالطَّائر: حظَّه من الخير والشَّر، كأنَّه طير إليه من عشِّ الغيب ووكر (^٤) القدر.
لما كانوا يتيمَّنون ويتشاءمون بسُنوح الطَّائر وبُروحه، استُعِيْرَ لِمَا هو (^٥) سببُ الفرحِ والتَّرح مِنْ قدَرِ اللهِ تعالى.
_________________
(١) "أن" سقط من (ك).
(٢) المراد البيضاوي القائل: وَكُلَّ شَيْءٍ تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا.
(٣) في (ف) و(م): "والإقحام".
(٤) تحرفت في النسخ إلى: "وذكر"، والمثبت من "تفسير البيضاوي".
(٥) في (ف): "هي".
[ ٦ / ١٣٤ ]
﴿فِي عُنُقِهِ﴾ خصَّ العُنُقَ بالإضافة إليه مِن بين سائر الأعضاء؛ لأنَّ فيه يكون الزائن من القلائد والأطواق، والشَّائن من الأغلال والأوهان، فاستُعِيْرَ لمحلِّ إلزام الخير والشَّرِّ.
﴿وَنُخْرِجُ لَهُ﴾ اللَّام للاختصاص ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: وقتَ الموت، فإنَّه القيامة الصُّغرى. قال ﵇: "مَن مات فقد قامَتْ قيامتُه" (١).
﴿كِتَابًا﴾: هيكلًا مصوَّرًا يصوِّر (٢) أعمالَه.
﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ لظهور تلك الهيئات فيه بالفعل مفصَّلةً، لا منطويةً كما كانت قبلَ ذلك عندَ كونها فيه بالقوَّة، وهما صفتان للكتاب، أو الأوَّل صفة والثاني حال من مفعوله.
وقرئ: (يُلقَّاهُ) على البناء للمفعول (٣)، مِنْ لُقِّيتُه كذا.
* * *
(١٤) - ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾.
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ على إرادة القول، فيقرأُ قارئًا كان أو غيرَ قارئ؛ لأنَّ الأعمال
_________________
(١) أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" (١١١٧) من حديث أنس ﵁. قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (٣٦٨٠) (٢/ ١٠١٣): (رواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الموت" بإسناد ضعيف). ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٦٨) موقوفًا من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. وهذا القول نقله المؤلف عن الرازي في "تفسيره" (٢٠/ ٣١١)، وهو خلاف الظاهر.
(٢) في (م): "مصدرًا مصور"، وفي (ك): "مصدرًا بصور".
(٣) قرأ بها ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٩).
[ ٦ / ١٣٥ ]
هناك متمثلةٌ (^١) بصورها وهيئاتها، يعرفها كلُّ أحد، لا على سبيل الكتابة بالحروف فلا يعرفَها إلا مَن يقرأ، وهذا وجهُ ما روي عن قتادة: يقرأ ذلك اليومَ مَن لم يكن في الدنيا قارئًا.
﴿كَفَى بِنَفْسِكَ﴾ الباء مزيدة للإشارة إلى لصوق ذلك الوصف ولزومه لها.
﴿الْيَوْمَ﴾ قدِّم الظرف لتخصيص الحكم المذكور بذلك الوقت.
﴿عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ حاسبًا أو كافيًا، نصبٌ على التمييز، وتعديتُه بـ (على) لتضمُّنه معنى الشهادة، وتذكيرُه على أن الحساب والشهادة مما يتولَّاه الرجال، فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلًا حسيبًا، وتقديم الصلة للإشارة إلى أنَّ لكلِّ امرئٍ يومئذ شأنٌ يغنيه عن الْتفاتٍ إلى غيره.
* * *
(١٥) - ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾: فجزاءُ اهتدائِهِ له.
﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ فوبالُ ضلالِه عليها.
وأمَّا أنَّ الغير لا ينتفع ولا يتضرَّر بضلاله فلا دلالة فيما ذكر عليه، ولا صحَّة له أيضًا؛ لِمَا قدَّمناه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ لِمَا مرَّ من تفسيره في سورة الأنعام.
_________________
(١) في (م): "متمثلًا".
[ ٦ / ١٣٦ ]
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ الجمهور على أنَّ هذا في حكم الآخرة خاصَّة، وقالت فرقة: إنه في حكم الدُّنيا والآخرة. ذكره القرطبي (^١).
وعلى كلَا التَّقديرَيْنِ لا دلالة فيه على أنَّه لا وجوب قبل الشَّرع: أمَّا على الأوَّل فظاهر، وأمَّا على الثَّاني فلأنَّه لا يلزم من تعليقِ مجموع الحكمَيْن على البعثة تعليقُ كلٍّ منهما عليها.
وإنَّما نفى الكينونة دون البعث لأنَّ المراد الإخبار عن عادته تعالى لا الوعدُ، فعدمُ العذاب مقطوع به إلى وقت البِعْثَة.
وكلمة ﴿حَتَّى﴾ لبيان غاية الأمن عن العذاب، لا لبيان (^٢) غاية عدم العذاب حتى يتعيَّنَ العذاب عند البعثة.
ولَمَّا ذكر تعالى أنَّه لا يعذِّب أحدًا حتى يبعثَ إليه رسولًا بَيَّنَ بعدَ ذلك علَّة (^٣) إهلاكهم بعد البعث - وهي مخالَفة أمر المبعوث إليهم - فقال:
(١٦) - ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ أي: إذا تعلَّقَ إرادتُنا في الأزل لإهلاك قريةٍ بما فيها في وقتٍ مخصوصٍ.
﴿أَمَرْنَا﴾ أي: وُجِدَ منَّا الأمر قبلَ مجيء (^٤) ذلك الوقت.
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٤٣).
(٢) "غاية الأمن عن العذاب، لا لبيان" سقط من (م).
(٣) "علة" من (ك).
(٤) "مجيء" من (م).
[ ٦ / ١٣٧ ]
﴿مُتْرَفِيهَا﴾: منعَّميها (^١)، خصَّهم بالذِّكْرِ - مع عموم الأمر (^٢) للفريقَيْن بدلالةِ أنَّ الكلام في بيان سبب استحقاق أهل القرية لعذاب الاستئصال - لأنهم الرؤساء المتبوعون، ولأنهم مأمورون بنوعي العبادة البدني والمالي.
﴿فَفَسَقُوا﴾ فَوُجِدَ (^٣) الفِسْقُ - وهو الخروج عن الطَّاعة - منهم؛ أي: من أهل القرية كلِّهم؛ لِمَا نبَّهْتُ على أنَّ غير المتوفين أيضًا مأمورون، لكنه استغنى بذكر المتوفين عن غيرهم كما اكتفى بذكر الملائكة عن ذكر الجنِّ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [الإسراء: ٦١] على ما مرَّ تحقيقه في تفسير سورة البقرة.
وقرئ: (أَمِرْنا) (^٤)، بمعنى: كثَّرنا، لقول العرب: أَمِرَ القومُ - بكسر الميم -؛ أي: كثروا، وأمَرهم اللّه - بالفتح -، أي: كثَّرهم، فصارَتِ الحركة مما يصير به الفعل متعدِّيًا، كما في شَتِرَتْ عينُ الرَّجل بكسر التَّاء، وشَتَرها الله بفتحها (^٥).
_________________
(١) في (ف): "متنعمها".
(٢) في النسخ: "مع عدم الأمر"، والصواب المثبت. وانظر: "روح المعاني" (١٤/ ٤٤٤)، ولفظه: (مع توجه الأمر إلى الكل ..).
(٣) في (ف) و(م): "فوجدوا".
(٤) نسبت ليحيى بن يعمر. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٦).
(٥) وفي كلام المؤلف هنا قصور؛ فإن هذه القراءة تنقض ما ذكره من أمر التعدية واللزوم في الفعل المذكور؛ لأن الرواية فيها بكسر الميم ومع ذلك فهي متعدية، وبها رد البعض ما ذكر من الكلام في قصر التعدية على الفتح واللزوم على الكسر، فذكروا أن وكسر الميم لغةٌ كفتحها، ومعناها: كثرنا، حكى أبو حاتم عن أبي زيد: أمَر الله مالَه وأمِره - بفتح الميم وكسرها -؛ أي: كثره. انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١١٩)، و"معاني القرآن" للنحاس (٤/ ١٣٣)، و"البحر" (١٤/ ٤١) وفيه تفصيل المسألة.
[ ٦ / ١٣٨ ]
ويؤيِّده قراءة: (آمَرْنا) بالمد (^١)، و: (أمَّرْنا) بالتَّشديد (^٢).
﴿فِيهَا﴾ فيه دلالة (^٣) على أنَّ هلاك نفس القرية أيضًا داخل (^٤) تحت المراد، فلا مجاز في لفظ القرية (^٥)، كما لا مجاز في الإرادة والأمر.
﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا﴾ أي: على القرية بما فيها.
﴿الْقَوْلُ﴾: هو وعيد الله تعالى الذي قاله رسولهم ﵇.
﴿فَدَمَّرْنَاهَا﴾ التَّدمير: الإهلاك مع طمس (^٦) الأثر وهدم البناء مع إهلاك أهلها.
﴿تَدْمِيرًا﴾ ذكر المصدر للمبالغة في العذاب الواقع بهم.
* * *
(١٧) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ (كم) في موضع نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، و﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ بيان لـ (كم) وتمييز له؛ أي: كثيرًا من القرون أهلكنا.
﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ خصَّه بالذِّكْرِ لأنَّه أوَّلُ مَنْ حَلَّتْ بقومه عقوبة الاستئصال.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يدرِك بواطنها وظواهرها، فيعاقب عليها.
_________________
(١) نسبت لخارجة عن نافع. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٦).
(٢) نسبت لأبي عثمان النهدي، ورويت عن أبي عمرو وعاصم في غير المشهور عنهما. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٦).
(٣) "دلالة" سقط من (ف)، و"فيه" سقط من (ك).
(٤) في (ك) و(م): "داخلة".
(٥) "في لفظ القرية" من (م).
(٦) في (ف) و(م): "طمث".
[ ٦ / ١٣٩ ]
وتقديم الخبير لتقدُّم متعلَّقه (^١) من المعتقدات والنِّيِّات، فإنَّها أقدم على الأعمال الظَّاهرة التي هي متعلَّقات البصر، والعقاب عليها أشدُّ، والعفو عنها أقلُّ.
* * *
(١٨) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾: مَنِ استمرَّ على إرادة الدَّار العاجلة ولم ينقطع عنها، دلَّ على ذلك زيادة ﴿كَانَ﴾ (^٢) هنا دون قَسِيمه، وأما اعتبارُ قصر الإرادة عليها بمعونة (^٣) المقابلة فيردُّه عدم صحَّة اعتباره في المقابل، ولا وجه لتخصيصه (^٤) مع الاشتراك في العلَّة.
﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ قيَّد المعجَّل والمعجَّل (^٥) له بالمشيئة والإرادة على اختلاف العبارة؛ لأنَّه لا يجدُ كلُّ مريدٍ ما أراده، ولا كلُّ واحدٍ جميعَ مراده.
ومدلولُ الكلام: أنَّ حصول المرام موقوفٌ على مشيئة الله تعالى، وأمَّا أنَّه لا دخل فيه للهمِّ وللإرادة فلا دلالة عليه فيه؛ فإنَّه يجوز أن يكون ذلك (^٦) من الأسباب العادية، ومشيئة اللّه تعالى إنَّما تتعلَّق بشيءٍ بعد تمام الأسباب العادية إلَّا في خوارق العادات.
_________________
(١) في النسخ: "وتقديم الخبر تقديم متعلقه"، والصواب المثبت. انظر: "روح المعاني" (١٤/ ٤٤٩).
(٢) "كان" سقط من (ف).
(٣) في (ك): "لمعونة".
(٤) في (ك) و(م): "للتخصيص".
(٥) "والمعجل" من (م).
(٦) "ذلك" من (م).
[ ٦ / ١٤٠ ]
و﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ بدل من ﴿لَهُ﴾ بدلَ البعض من الكل.
وقرئ: (يشاء) (^١)، والضمير فيه لله تعالى، ليطابق المشهورة (^٢).
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا﴾: صيَّرنا ﴿لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا﴾ حال من الضمير في (^٣) ﴿لَهُ﴾، أو من ﴿جَهَنَّمَ﴾.
﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾: مطرودًا من رحمة الله تعالى.
* * *
(١٩) - ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾: حقَّها من السَّعي، وهو الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي بالجدِّ.
قال الرَّاغبُ: السَّعيُ: المشيُ السَّريع، وهو دونَ العَدو، ويُستعمَل للجدِّ في الأمر خيرًا كان أو شرًّا (^٤).
وفائدة اللَّام اعتبار النِّيِّة والإخلاص
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ هو الشَّرط الأعظم، فلا ينبغي السَّعيُ إلَّا به.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٦)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٤٤٦)، و"البحر" (١٤/ ٤٤).
(٢) في (ف): "المشهور".
(٣) "الضمير في "من (م).
(٤) انظر: "المفردات في غريب القرآن" (مادة: سعى).
[ ٦ / ١٤١ ]
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارة إلى مَنِ اتَّصف بهذه الأوصاف ﴿كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ من اللّه تعالى؛ أي: مقبولًا عنده مثابًا عليه.
* * *
(٢٠) - ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾.
﴿كُلًّا﴾ كِلَا (^١) الفريقَيْن، والتَّنوين بدلٌ مِنَ المضاف إليه ﴿نُمِدُّ﴾ الإمدادُ: المواصلةُ بالشَّيء ﴿هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ بدل (^٢) من ﴿كُلًّا﴾ بدل تفصيل (^٣).
﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ متعلِّق بـ ﴿نُمِدُّ﴾، والعطاء بمعنى المعطَى.
﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾: ممنوعًا عن عباده؛ مؤمنًا كان أو كافرًا.
* * *
(٢١) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾.
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ في العطاء، وانتصاب ﴿كَيْفَ﴾ بـ ﴿فَضَّلْنَا﴾ على الحال.
﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ من درجات الدُّنيا، و﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصوب على التَّمييز.
﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾؛ أي: التَّفاوت فيها أكبر (^٤)؛ لأنَّه بالجنَّة ودرجاتها وبالنَّار ودركاتها.
_________________
(١) في (ك) و(م): "كل من".
(٢) في (م): "بدلان"، وفي (ك): "بدلا".
(٣) في (ف) "من تفصيل"، والمثبت من (ك) و(م)، والمعنى: بدل من ﴿كُلًّا﴾ بدلَ كلِّ على جهة التفصيل، أي: نمد هؤلاء المعجل لهم وهؤلاء المشكور سعيهم. انظر: "روح المعاني" (١٤/ ٤٥٥).
(٤) "أكبر" من (م).
[ ٦ / ١٤٢ ]
(٢٢) - ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾.
﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الخطاب للإنسان، أو للنَّبيِّ ﵇ والمراد أمَّته.
والجَعْلُ بمعنى التَّصيير بالعقد (^١).
﴿فَتَقْعُدَ﴾: فتبنى عاجزًا؛ فإن القعود ممَّا يُكنى به عن العجز.
﴿مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾: جامعًا على نفسك الذَّمَّ من الملائكة والمؤمنين، والخذلانَ من اللّه تعالى.
* * *
(٢٣) - ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾: أمرَ أمرًا مقطوعًا به ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾: بأن لا تعبدوا ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ويجوز أن تكون (أنْ) مفسِّرة، و(لا) ناهية.
قال القرطبي: في مصحف عبد الله: (ووصَّى ربك)، وذكر أبو حاتم عن ابن عباس ﵄ أنه (^٢): (ووصَّى ربك) فالتصقت إحدى الواوين بالصَّاد، فقُرِئتْ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾، إذ لو كان على القضاء ما عصى اللهَ أحدٌ. وقالَ الضَّحَّاك مثلَ ذلك.
_________________
(١) "بالعقد" من (م). والتصيير يكون بالفعل نحو: صيرت الحديد سيفًا والسبيكة سوارًا، وقد يكون بالقول كالتسمية في ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ وقد يكون بالعقد. انظر: "حاشية الشهاب" (٢/ ١٦).
(٢) "أنه" من (ف).
[ ٦ / ١٤٣ ]
ثم أبى أبو حاتم أن يكون ابن عبَّاسٍ قال ذلك، وقال: لو قلنا هذا لطعن الزَّنادقة في مصحفنا، وأمَّا التَّعليل الذي نسبوه إليه فهو منافٍ لِمَا نُقِلَ عنه مِن أنَّه ليسَ قضاءَ حكمٍ بل هو قضاءُ أمرٍ (^١).
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾: وبأن تحسنوا بالوالدين ﴿إِحْسَانًا﴾ ويجوز أن تتعلَّق الباء بالإحسان، وقد مرَّ في تفسير سورة (^٢) الأنعام تحقيقُ وجهِ جواز تقدُّم صلة المصدر.
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ ﴿إِمَّا﴾ هي (إنْ) الشَّرطيَّة زيدت عليها (ما) تأكيدًا لها، ولذلك صحَّ دخول النُّون المؤكِّدة في الفعل، و﴿أَحَدُهُمَا﴾ فاعل ﴿يَبْلُغَنَّ﴾، وبدلٌ من الألف الراجع إلى الوالدين على قراءة: (يَبْلُغَانِّ) (^٣)، و﴿كِلَاهُمَا﴾ عطف على ﴿أَحَدُهُمَا﴾ على الاحتمالَين، ولا احتمال لأن يكون تأكيدًا لضمير (يبلغان)، لا لكونه معطوفًا على البدل؛ لأنَّه لا يقتضي أن يكون بدلًا فإن عطف التأكيد على البدل شائع، بل لأنَّ فيه دلالة على أنَّ التَّأكيد غير مراد في المقام؛ لأنَّ فائدة تأكيد التَّثنية الشُّمول والإحاطة، ولو قصدت تلك الفائدة لَمَا قيل: ﴿أَحَدُهُمَا﴾، فالمانع ذكره لا عطفه على البدل.
وإنَّما قيَّد بقوله: ﴿عِنْدَكَ﴾ لأنَّ مراعاة الأدب مع طول المصاحبة أشقُّ، فكانت مظنَّة التَّقصير، فتدُورك به.
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٥٠)، وانظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٢٠)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٦). و"تفسير ابن أبي حاتم" (٧/ ٢٣٢٣)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٤٤٧). وجاء في هامش (ف): "وحكي عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأها: (ووصى ربك)، قال: إنهم ألصقوه بالصاد، فصار قافًا. من تفسير البغوي. منه".
(٢) في (ك): "مر تفسيره في سورة".
(٣) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٩).
[ ٦ / ١٤٤ ]
وإنَّما خَصَّ حالةَ الكبر لأنَّ مَنْ بلغَها يسوءُ خُلُقُه، فكان فيه تقويةٌ لِمَا ذُكِرَ آنفًا من المظنَّة، وأيضًا هي حالة يحتاجان فيها إلى برِّه؛ لتغيُّر الحال عليهما بالضَّعف.
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا﴾ أراد تعميم النَّهي لكلٍّ منهما، لا تقييدَه بحالة اجتماعهما؛ لعدم تحمُّله أحدَ التَّقديرَيْن.
﴿أُفٍّ﴾: صوتٌ يدلُ على التَّضجُّر، وقيل: اسم الفعل الذي هو أتضجَّر، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين.
وتنوينه في قراءة نافع وحفص للتَّنكير، وقرئ بالفتح على التَّخفيف (^١)، وقرئ منونًا وبالضَّم للإتباع (^٢).
والنَّهي عن هذه اللَّفظة الدَّالة على التَّضجر والبَرَم (^٣) يُفصح عن النَّهي عن سائر أنواع الإيذاء بطريق الدِّلالة.
وقال الأصمعيُّ: الأفُّ: وسخ الأذن، والتُّفُّ وسخ الأظفار، فكثر استعماله حتى ذكر في كلِّ ما يُتأذَّى به (^٤). وعلى هذا يكون النَّهي عن الكلِّ بطريق العبارة.
﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ النَّهْرُ: الزَّجْرُ والغِلْظَة.
﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ وهو السَّالمُ عن كلِّ عيب.
_________________
(١) قرأ نافع وحفص بالتنوين وكسر الفاء، وابن كثير وابن عامر بفتح الفاء من غير تنوين، وبافي السبعة بكسرها من غير تنوين. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٩).
(٢) انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٥٧)، وفيه: (وقرئ: أفّ، بالحركات الثلاث، منونًا وغير منون: الكسر على أصل البناء، والفتح تخفيف للضمة والتشديد كثم، والضم إتباع كمنذ). وانظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٦)، و"المحتسب" (٢/ ١٨).
(٣) (البرم): السآمة والضجر. انظر: "القاموس" (مادة: برم).
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (١٤/ ١٨١).
[ ٦ / ١٤٥ ]
(٢٤) - ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾؛ أي: قل لهما قولًا كريمًا بدلَ القول اللَّئيم، وهو أفٍّ، وافعل لهما الفعل اللَّطيف بدل الفعل العنيف، وهو النَّهْرُ. نهى (^١) عن قولٍ وفعلٍ، وأمر بقولٍ وفعلٍ بدلًا عنهما.
وفي تقرير الثَّاني وجهان:
أحدهما: الطَّائر إذا أراد الطَّيران والارتفاع نشرَ جناحه (^٢)، وإذا أراد ترك ذلك خفض جناحه، فصار خفض الجناح مجازًا مرسلًا مرتَّبًا على الكناية عن فعل التَّواضع.
والثَّاني: أنَّ الطَّيرَ (^٣) إذا ضمَّ فرخه إليه للتَّربية خفضَ له جناحَه، فخفضُ الجناح في الأصل كناية عن حسن التَّدبير، فكأنَّه قيل للولد: اكفل والديك بضمِّهما إلى نفسك كما فُعِلَ ذلك بك حال صغرك، يرشدك إلى هذا قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، ويقوِّي الأوَّل إضافة الجناح إلى الذُّل بطريق الاستعارة التَّخييلية.
وقرئ: (الذِّلِّ) بالكسر (^٤)، وهو الانقياد.
﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾: من فَرْط رحمتك إليهما، حيث افتقرا إلى مَن كان (^٥) أفقر خلق الله إليهما.
_________________
(١) في (ف): "نهر".
(٢) في (ك): "جناحيه".
(٣) "أن الطير" من (م).
(٤) نسبت لأبي بكر الصديق ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٦).
(٥) في (ف) و(م): "حيث افتقر إلى من هو"، وسقطت "هو" من (ك). والمثبت من المصادر. انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٣٨)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٥٢)، و"تفسير أبي السعود" (٥/ ١٦٧).
[ ٦ / ١٤٦ ]
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾: وادعُ اللهَ تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتفِ برحمتك الفانية، والكفر لا يمنع عن ذلك ما داما حيَّيْن؛ لأنَّ الهداية إلى الإيمان من جملة الرَّحمة بل من معظمها. وصحَّة التَّثنية في قوله:
﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ باعتبار أن التربية لا تكون إلا عن رحمة، فذكرُ تلك التربيةِ ذكرٌ للرحمة اقتضاءً، فكأنه قال: كما رحماني وربَّياني صغيرًا، وبالعبارة المذكورة نبّه على العلة الموجِبة للإحسان إليهما واسترحامَ الله تعالى لهما، وهي تربيتُهما له صغيرًا، وتلك الحالة مما يزيد إشفاقًا لهما ورحمةً؛ إذ هي تذكير بحالة إحسانهما له وقتَ أنْ لا يقدر على الإحسان لنفسه.
* * *
(٢٥) - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ من قَصْدِ البرِّ إليهما، واعتقادِ ما يجب لهما من التَّوفير. وكأنَّه تهديدٌ على أنْ يُضْمِرَ لهما كراهةً واستثقالًا (^١).
﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾: قاصدين الصلاح ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ﴾ الأوَّابُ: الرَّجَّاعُ عن ذنبه بالتَّوبة.
﴿غَفُورًا﴾ ما فرط منهم عند حرج الصَّدر من أذيَّة أو تقصير، وفيه تشديدٌ عظيمٌ.
ويجوز أن يكون عامًّا لكل تائبٍ، ويندرج فيه الجاني على أبويه التَّائبُ من جنايته اندراجًا أوَّليًّا؛ لوروده على أثره.
* * *
_________________
(١) في (م): "واستقلالًا".
[ ٦ / ١٤٧ ]
(٢٦) - ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾.
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ لَمَّا أمرَ ببرِّ الوالدين أمرَ بصلة القرابة.
والحقُّ هنا: ما يتعيَّن له من صلة الرَّحم، وسدِّ الخلَّة، والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكلِّ وجهٍ.
﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ قد مرَّ تفسيرهما.
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ أصل التَّبذير: التَّفريق، من إلقاء البِذر في الأرض، وهو تفريق حبَّاته.
والفرق بينه وبين الإسراف: أنَّ الإسراف تجاوز في الكميَّة، وهو جهل بمقادير الحقوق، والتَّبذيرُ تجاوزٌ عن موضع الحقِّ، فهو جهلٌ بمواقعها، وكلاهما مذمومان، والثَّاني أدخلُ في الذَّمِّ، ويُفصح عن التَّفاوت بينهما قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقوله:
(٢٧) - ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾.
﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾: أتباعَهم الملازِمين لهم، فإنَّ العرب تسمِّي الملازم للشيء أخًا له، فتقول: أخو المكارم: إذا كان مواظبًا عليها.
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾: كثيرَ الكفران لِنِعَمه، جَحودًا لحقوقه. ودخول (كان) فيه إخبارٌ لعادته ومذهبه (^١).
* * *
_________________
(١) في (م) زيادة: "في القديم".
[ ٦ / ١٤٨ ]
(٢٨) - ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.
﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾؛ أي: إن عرضَتْ لك حاجةٌ أحوَجَتْك إلى الإعراض عن هؤلاء المحتاجين لضيقِ يدٍ انتظارَ الرِّزق ترجوه من اللّه تعالى.
﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ فلا تدعْ تعهُّدَهم بالقول الجميل، والميسورُ مَن يُسِرَ الأمرُ، مثل: سُعِد ونُحِس.
كان النَّبيُّ ﵇ إذا سُئِلَ ولم يكن عنده ما يعطيه سكتَ انتظارًا لرزقٍ يأتي من اللّه تعالى؛ كراهةَ الرَّدِّ، فنزلَتْ هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا سُئِلَ ولم يكن عنده ما يعطي قال: "رزقنا اللّه وإيَّاكم من فضله" (^١).
وذلك قوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾؛ أي: لا تسكت فيكونَ إيحاشًا لهم، ولا تؤيسهم (^٢) فيكونَ إيلامًا لهم.
ولا يجوز أن يتعلق ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾ الجواب؛ لأنَّ ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها في غير باب (أمَّا) وما يلحق بها في المذهب المنصور، إلَّا إذا أريد التَّعلُّقُ المعنويُّ، فيُضمَرُ ما يَنصبه (^٣)، ويُجعل المذكور جاريًا مجرى التفسير.
* * *
_________________
(١) ذكرته كتب التفسير دون. انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٣٦)، و"التفسير الوسيط" للواحدي (٣/ ١٠٥)، و"المحرر الوجير" (٣/ ٤٥٠).
(٢) في (ك): "توئسهم"، وفي (ف): "تومسهم").
(٣) في النسخ: "فيضمن ما تضمنه". والتصويب من "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٧)، و"روح المعاني" (١٤/ ٤٨٨).
[ ٦ / ١٤٩ ]
(٢٩) - ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾.
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ تمثيلان لمنع الشَّحيح وإتلاف المبذر، نهى عنهما أمرًا بالاقتصاد الذي هو بين التَّبذير والإمساك، وأمَّا الكرم فلا اختصاصَ له ببذل النَّوال، بل يعمُّ سائر الأحوال.
﴿فَتَقْعُدَ﴾: فتبنى عاجزًا.
﴿مَلُومًا﴾: يلومُك النَّاسُ على الشُّحِّ، وهذا أثر المنهيِّ أولًا (^١).
﴿مَحْسُورًا﴾: منقطعًا عن النَّفقة والتَّصرُّف بسبب التَّبذير، وهذا أثر المنهي ثانيًا.
والأوجه أن يكون كلاهما مرتَّبًا على الثَّاني، وأمَّا الأوَّل فقد اكتُفي فيه (^٢) بما فُهم من تمثيله على أقبح وجهٍ في التَّصوير.
* * *
(٣٠) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.
﴿رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾: يوسعه ويضيِّقه لمن يشاءُ، لا لعجزٍ ولا لبخلٍ.
﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ عالمًا بخفيَّات أمورهم.
﴿بَصِيرًا﴾ بمصالحهم، فيوسع لقومٍ ويضيِّق لآخرين على مقتضى علمه وحكمته.
ويجوز أن يكون المعنى: أنَّ البسط والقبض يليق له تعالى العالِمِ بالسَّرائر
_________________
(١) في النسخ: "ولا"، والصواب المثبت.
(٢) في (ك) و(م): "اكتفى به".
[ ٦ / ١٥٠ ]
والظَّواهر، وأمَّا العباد فحقُّهم أن يقتصدوا، أو أنَّه تعالى يبسط تارة ويقبض أخرى، فاستنُّوا بسنَّته ولا تُفْرِطوا (^١) ولا تُفرِّطوا، وعلى كِلا التَّقديرَيْن يكون جاريًا مجرى الاستئناف للتَّعليل.
ويجوز أن يكون تمهيدًا لقوله:
* * *
(٣١) - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾: مخافة فقرٍ، وكان هذا نهيًا عن وأدِ البنات، وكانوا يفعلونه.
﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ﴾ لا أنتم، فلا وجهَ لقتلهم بسبب الرِّزق، وزيادة قوله:
﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ لبيان أنَّ رزق الآباء أيضًا على الله تعالى، فكيف يتولَّى رَزْقَ الغير مَن يعجزُ عن رَزْق نفسه.
﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ لِمَا فيه من قطع التَّناسل وانقطاع النَّوع.
قرأ الجمهور: ﴿خِطْئًا﴾ بكسر الخاء وسكون الطاء والهمزة والقصر، وقرأ ابن عامر: (خَطَأً) بفتح الخاء والطَّاء والهمزة والقصر (^٢)، وقرأ ابن كثير: (خِطَاءً) بكسر الخاء وفتح الطَّاء والهمزة (^٣) والمدِّ (^٤).
_________________
(١) "ولا تفرطوا" من (م).
(٢) هي رواية ابن ذكون عنه. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٠).
(٣) "والهمزة" من (م).
(٤) انظر: "التيسير" (ص: ١٣٩ - ١٤٠).
[ ٦ / ١٥١ ]
وقال النَّحاسُ: لا أعرف لهذه القراءة وجهًا (^١)، ولذلك جعلها أبو حاتم غلطًا.
وقال أبو علي: هي مصدر خاطأ يُخاطئ، وإنْ كنَّا لا نجد: خاطأ، ولكن وجدنا: تخاطأ، وهو مطاوع خاطأ فدلَّنا عليه (^٢).
والخِطْءُ والخَطَأ مصدر خَطِئ يَخْطأُ كالحِذْر والحَذَر.
ويقال: خَطِئَ: إذا أثم، وأخطأ: ضدُّ تعمَّد.
والخِطْءُ - بالكسر - لا يكون إلَّا تعمُّدًا، والخَطَأ - بالفتح - قد يكون عمدًا، وقد يكون خطأً.
* * *
(٣٢) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ بمباشرةِ مقدِّماته، وهذا نهيٌ عنه بأبلغ وجهٍ.
﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾: فعلةً ظاهرةً في القبح متناهيةً فيه.
﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: وبئس طريقًا طريقُه، لا لأَنَّه غصب على الإبضاع؛ لأَنَّه غير لازم له، بل لأَنَّه يؤدِّي إلى النَّار.
* * *
(٣٣) - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للنحاس (٤/ ١٤٧).
(٢) انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي (٥/ ٩٧)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٤٥٢)، و"البحر" (١٤/ ٦٧ - ٦٨)، وعنه نقل المؤلف.
[ ٦ / ١٥٢ ]
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قَتْلَها بأنْ عصَمها وحقن دمها بالإسلام، أو بالعهد.
﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلَّا بحقٍّ يوجب قتلَها كالرَّجم، أو يبيحه كالقِصاص.
قيل: إلَّا بإحدى ثلاثٍ: كفرٍ بعد إيمانٍ، وزنًا بعد إحصانٍ، وقتلِ مؤمن معصوم عمدًا. وفيه نظرٌ ذكرناه في تفسير (^١) سورة الأنعام (^٢).
﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ غير موجَب لقتله، ولا مبيحٍ له، سواءٌ كان محمدًا أو خطأ، فإن الظُّلم غير مشروط بالعمد، شهد (^٣) بذلك أنهم شرطوا الأوَّل في الشَّهيد دون الثَّاني.
﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ﴾: هو مَن له حقُّ الطَّلب بدمه شرعًا.
﴿سُلْطَانًا﴾ تسلُّطًا بالمؤاخذة بمقتضى القتل على مَن عليه.
﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ نهيٌ عمَّا كانت الجاهلية تفعلُه مِن قتلِ الجماعة بالواحد.
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بتاء المخاطبة جزمًا، والخطاب للوليِّ، وقرأ الباقون بياء الغائبة جزمًا، والضمير يرجع إلى الوليِّ (^٤).
ورجوعه إلى القاتل وتوجيهُ الخطاب إليه، تأباه عبارة الإسراف؛ فإنَّ حقَّه النَّهيُ عن القتل مطلقًا.
_________________
(١) "تفسير" من (ك).
(٢) لم يرد أي نظر على ما ذكر من هذه الثلاثة عند تفسير شبيهتها في سورة الأنعام.
(٣) في (ف): "شهيد".
(٤) انظر: "التيسير" (ص: ١٤٠). ونسبها لحمزة والكسائي فقط. وقال في "البحر المحيط" (١٤/ ٧٢): في نسخة من "تفسير ابن عطية": "وابن عامر. وهو وهم".
[ ٦ / ١٥٣ ]
﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ تعليلٌ للنَّهي على الاستئناف، والضَّمير للوليِّ لتناسق الضَّمائر.
ونصرُه بتسليط الله تعالى إيَّاه على القاتل، وأمرِ (^١) الولاة بمعاونته.
ووجه التَّعليل: أنَّ الوليَّ إن (^٢) أسرف في القتل وتجاوز عن حدِّ الشَّرع ينقلب عليه الأمر ويدخل تحت القاتلِ ظلمًا.
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ قد مرَّ الكلام في نظيره (^٣).
والنَّفسُ ميَّالة إلى المال والمباشرةِ دون القتل، ولهذا خُصَّ النَّهيُ عن القربان بالأوَّلَين.
﴿إِلَّا بِالَّتِي﴾: إلَّا بالطَّريقة الَّتي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ الطَّرائق.
﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قد مَرَّ في (سورة الأنعام).
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ عامٌّ لِمَا عقده الإنسان بينه وبين ربِّه، وما عقده بينه وبين آدميِّ في غير معصية.
﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾؛ أي: مسئولًا عنه، فحذف الجارُّ وأوصل ﴿مَسْئُولًا﴾ إلى الضَّمير، كما في قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] أي: به.
_________________
(١) في (ف): "وأمره".
(٢) في (ك) و(م): "إذا".
(٣) "في نظيره" من (م)، والمراد ما جاء في شبيهة هذه الآية من سورة الأنعام.
[ ٦ / ١٥٤ ]
وقيل: إنَّ العهد يُسألُ تبكيتًا لناقضه، فيُقال: لم نقضْتَ؟ كما تسألُ الرَّحم عن وصلِها وقطعها.
قيل: ويجوز أنْ يُراد: صاحبُ العهد كان مسؤولًا، وعلى هذا لا يظهر وجهٌ للعدول (^١) عن الضَّمير إلى الاسم الظاهر.
وقيل: أي: مطلوبًا يُطلَب من العاهد أن لا يضيِّعه ويفيَ به.
وفيه تعسُّف لفظًا ومعنًى؛ أمَّا الأوَّل فظاهر إذ حينئذٍ يكون المسؤول عدمَ تضييعه لا نفسَه، وأمَّا الثَّاني فأظهر؛ لأنَّه حينئذ لا يزيد على معنى: أوفوا بالعهد، وقد ذُكِرَ في مقام التَّعليل له على الاستئناف.
* * *
(٣٥) - ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾؛ أي: لا تبخَسوا فيه، وفائدةُ قوله: ﴿إِذَا كِلْتُمْ﴾ - أي: وقتَ كيلِكم - تضمُّنُ النَّهي عن الكيل بنقصانٍ ما ثم تكميلِه (^٢) بعد زمان.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ القسطاسُ: الميزانُ صغيرًا كان أو كبيرًا، وقيل: هو القبَّان، لفظٌ روميٌّ عُرِّبَ، والإجراء على قانون لغة العرب ليس بشرط في التَّعريب على ما حقَّقناه في رسالتنا المعمولة فيه.
و﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾: السَّويُّ.
﴿ذَلِكَ خَيْر﴾ في الدُّنيا؛ لأنَّه أمانةٌ توجب المحمَدة والرَّغبة في معاملته.
_________________
(١) في (ك): "العدول".
(٢) في (ف) و(م): "تم تكميله"، وفي (ك): "تم كيله". والصواب المثبت. والمراد: أنْ لا يَتأخَّرَ الإيفاءُ عن وقتِ الكيلِ، بأنْ يكيلَ به بنقصانٍ ما ثُم يوفِّيه بَعْدُ.
[ ٦ / ١٥٥ ]
﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: عاقبةً، إذ لا يبقى عليه تَبعة في الآخرة، تفعيل من آل: إذا رجع. ففيه نفع الدَّارين.
* * *
(٣٦) - ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ لا تَتبع (^١) ما لا علم لك به من قولٍ أو فعلٍ، نهى أنْ يقولَ ما لا يعلمُ وأنْ يعملَ بما لا يعلم، ويدخل فيه التَّقليد على العمياء، يقال: قَفَوْتُه وقَفَيْتُه: إذا تَبِعْتَ أثره، ومنه القافَة (^٢) لتتبُّعهم الآثار، وقافيةُ كلِّ شيء (^٣) آخرُه.
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ﴾: إشارة إلى الثلاثة المذكورة، ولا اختصاص له بالعقلاء.
قال الزَّجَّاج ووافقه الطَّبري: إنَّ العرب تعبِّر عمَّا يعقل وعمَّا لا يعقل بـ (أولئك)، وأنشد قول الشاعر:
والعيشَ بعدَ أولئكَ الأيَّامُ (^٤)
_________________
(١) بتشديد التاء وتخفيفها. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٣١).
(٢) في (ف) و(م): "القافية".
(٣) في (ف): "كلٍّ"، وفي (ك): "كلِّ بيت".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٣٩)، و"تفسير الطبري" (١٤/ ٥٩٦)، و"البحر" (١٤/ ٧٧). وفي قوله: "ووافقه الطبري" نظر؛ لأنَّه يوهم المتابعة، في حين أنهما متعاصران، ولفظ أبي حيان أكثر دقة حيث قال: (وحَكَى الزَّجَّاج أن العرب تُعبِّرُ عمَّن يَعْقِلُ وعمَّا لا يَعقلُ بأولئك، وأَنشدَ هو والطَّبريُّ …). والبيت لجرير. انظر: "ديوانه" (٢/ ٩٩٠)، وفيه: (أولئك الأقوام)، وصدره: ذُمَّ المنازلَ بعدَ منزلةِ اللِّوى
[ ٦ / ١٥٦ ]
وإنْ نُظر إلى (^١) غلبة استعماله في العقلاء فنقول: لَمَّا كانت تلك الأعضاء مسؤولةً عن أحوالها شاهدةً على صاحبها أُجْرِيَتْ مجرى العقلاء.
﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ ﴿عَنْهُ﴾ في موضع نصب، والضَّمير عائد على معنى ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أي: عن كلِّ واحدٍ ممَّا تقدَّم، و﴿مَسْئُولًا﴾ فيه ضمير يعود على ﴿كُلُّ﴾ (^٢) من حيث اللَّفظ، وهذا الضَّمير هو المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله.
ويجوز أن يكون ﴿مَسْئُولًا﴾ مسندًا إلى ﴿عَنْهُ﴾ كقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، والمجرور بالحرف لا يلتبس بالمبتدأ، ومنع تقديم الفاعل وما يقوم مقامه كان لذلك.
ولا دلالة في الآية على أنَّ العبدَ مؤاخذٌ بالعزيمة؛ إذ يجوز أن يكون ما سُئِلَ عنه الفؤاد الظُّنونَ والعقائد.
* * *
(٣٧) - ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾.
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ﴾ المشي إنَّما يكون في الأرض، فالتَّقييد به لقطع المجاز شائعٌ فيه كما في الذَّهاب.
﴿مَرَحًا﴾ نصب على الحال؛ أي: ذا مرح (^٣)، ولا بُدَّ مِنَ التَّقدير؛ لأنَّ المبالغة المستفادةَ من التَّوصيف بالمصدر لا تناسب المقام؛ لأنَّ المرادَ النَّهيُ عن أصل المرح، لا عن المبالغة.
_________________
(١) "إلى" من (م).
(٢) "كل" زيادة من (م).
(٣) في النسخ: "ذات مرح"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٦٧)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٥٥)، و"البحر" (١٤/ ٧٩).
[ ٦ / ١٥٧ ]
وقرئ: (مَرِحًا) بالكسر (^١).
والمرحُ: هو الخيلاء والكبر، وقد دلَّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] على أنَّ المرح هو مشي المختال.
﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ بشدَّة وَطأتك ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ بتطاوُلك، وهو تهكُّم بالمختال.
* * *
(٣٨) - ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾.
﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾ قرئ بالرَّفع والإضافة إلى السَّيِّئ منه؛ لأنَّه سبق ذكر المأمور به والمنهيِّ عنه، فكان القبيح بعضَه.
وقرئ منوَّنًا غيرَ مضافٍ (^٢)، على أنَّها خبرُ ﴿كَانَ﴾، والاسم ضمير ﴿كُلُّ﴾، والإشارة إلى المنهيات من الخصال المذكورة.
﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ بدل من ﴿سَيِّئُهُ﴾ أو صفةٌ لها، ولا حاجة إلى الحمل على المعنى؛ لأنَّها في حكم الصِّفات، ولا اعتبار بتأنيثه، ويجوز أن يكون حالًا من المستكِنِّ في ﴿كَانَ﴾، أو [في] الظرف (^٣) على أنه صفةٌ لـ ﴿سَيِّئُهُ﴾.
والمراد به: المبغوض المقابل للمرضيِّ، لا ما يقابل المراد (^٤).
_________________
(١) نسبت ليحيى بن يعمر. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٧).
(٢) القراءة الأولى بالرفع والإضافة قراءة الكوفيين وابن عامر، والقراءة الثانية بالنصب والتنوين؛ أي: "سيئةً" قرأ بها الباقون. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٠).
(٣) في النسخ: "ظرف"، والصواب المثبت. انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٥٥)، و"البحر" (١٤/ ٨١)، و"روح المعاني" (١٤/ ٥١٥).
(٤) في (ف): "لا مقابل المراد"، وفي (ك): "لا تقابل المراد"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في=
[ ٦ / ١٥٨ ]
(٣٩) - ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الأحكام المتقدِّمة ﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾؛ أي (^١): من الأشياء الموضوعة في مَواضعَها، متعلق بـ ﴿أَوْحَى﴾، أو بدلٌ من ﴿مِمَّا﴾ (^٢)، أو حال من الضَّمير المنصوب المحذوف العائد على ﴿مَا﴾.
﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ للتَّنبيه على أنَّ التَّوحيد مبدأ الأمر (^٣) ومنتهاه، ورتَّب عليه أوَّلًا ما هو عائدُه في الدُّنيا، وثانيًا ما هو نتيجته (^٤) في العُقْبى، فقال:
﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ تلوم نفسك ﴿مَدْحُورًا﴾: مطرودًا مبعَدًا، على سبيل الإهانة والاستخفاف به.
* * *
(٤٠) - ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾.
﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ خطاب للذين قالوا: الملائكة بنات الله تعالى. والهمزة للإنكار؛ [أي] (^٥): أفخصَّكم ربُّكم على وجه الخلوص والصَّفاء بأفضل الأولاد وهم البنون، لم يجعل فيهم نصيبًا لنفسه.
_________________
(١) = "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٥٦)، وفيه: (لا ما يقابل المراد لقيام القاطع على أن الحوادث كلها واقعة بإرادته تعالى).
(٢) "أي" من (م).
(٣) في (ك) و(م): "أو بدل من ما"، والمثبت من (ف)، وهو الصواب.
(٤) في (ف): "للأمر".
(٥) في (ف): "نتيجة".
(٦) زيادة يقتضيها السياق.
[ ٦ / ١٥٩ ]
﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾: بناتًا لنفسه، هذا خلاف المعقول، والتَّعبير عن البنات بالإناث لإظهار جهةِ خساستهن.
﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ بإضافة الأولاد إليه، وهي خاصَّةُ بعض الأجسام لسرعة زوالها، ثمَّ بتفضيل أنفسكم عليه حيث تجعلون له ما تكرهون، ثم بجعل الملائكة الذين هم من أشرف (^١) الخلائق أدونَهم.
* * *
(٤١) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾: كرَّرنا هذا المعنى بوجوهٍ مِنَ التَّقرير، فتركُ الضَّمير لأنَّه معلوم.
﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾: في مواضعَ منه، ويجوز أنْ يُرادَ بـ ﴿هَذَا الْقُرْآنِ﴾: إبطالُ إضافة (^٢) البنات إليه تعالى؛ لأنَّه ممَّا صرَّفه وكرَّر ذكره، بتقدير: ولقد صرَّفنا القولَ في هذا المعنى، أو أوقعنا التَّصريف (^٣) فيه.
وقرئ: (صَرَفْنا) بالتَّخفيف (^٤)، وكذلك:
﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ قرئ مشددًا ومخففًا (^٥)؛ أي: كرَّرناه ليتَّعظوا ويعتبروا ويطمئنُّوا إلى ما يحتجُّ به عليهم.
_________________
(١) في (م): "أشراف".
(٢) "إضافة" زيادة من (م).
(٣) في (ف) و(م): "التعريف"، وفي هامش (م): "التصريف".
(٤) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٧).
(٥) قرأ حمزة والكسائي بإسكان الذال وضم الكاف مخففًا، والباقي بفتحها مشددًا. انظر: "التيسير" (ص:١٤٠).
[ ٦ / ١٦٠ ]
﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ التَّصريف المذكور ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ عن الحقِّ، والنُّفورُ مقابلُ الطَّمأنينة.
* * *
(٤٢) - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ أيَّها المشركون، والكاف في موضع نصب؛ أي: مثلَما، وقرئ بالياء (^١)، على أنَّ الكلام مع الرَّسول ﵇.
﴿إِذًا لَابْتَغَوْا﴾؛ أي: طلبوا متواصلين ﴿إِلَى ذِي الْعَرْشِ﴾؛ أي: مغالَبته وإفساد ملكه، أشير إلى ذلك بالتَّعبير عنه تعالى بـ ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾.
﴿سَبِيلًا﴾ لأنهم شركاؤه على الغرض المذكور، كما يفعل الملوك بعضُهم بعضًا، وهذا على وفق قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
* * *
(٤٣) - ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزَّه تنزيهًا ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا﴾: تعاليًا ﴿كَبِيرًا﴾: متباعدًا غايةَ البُعْد عمَّا يقولون.
* * *
(٤٤) - ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وينزِّه عما هو
_________________
(١) قرأ ابن كثير وحفص بالياء، والباقون بالتَّاء. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٠).
[ ٦ / ١٦١ ]
من عوارض الإمكان ولواحق الحدوث بدلالته على الصَّانع القديم الواجب لذاته قطعًا لسلسلة الحاجة.
﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ﴾ إيُّها القاصرون عن النَّظر الصَّحيح ﴿تَسْبِيحَهُمْ﴾ في (^١) عبارة قوله: ﴿تَفْقَهُونَ﴾ دلالة على أنَّ تسبيحهم من جنس ما يُفْهَم بدقَّة النَّظر؛ لا (^٢) من جنس ما يدرك بآلة السَّمع، فتعيَّن حمله على معنى الدِّلالة، ولم يبنَ وجهٌ للحمل على المشترك بينها وبين اللَّفظ.
﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على الغفلة والشِّرك ﴿غَفُورًا﴾ لمن تاب منكم.
* * *
(٤٥) - ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾.
﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا﴾ هو يسترك عنهم.
عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: لما نزلت سورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]، أقبلت العوراء أمُّ جميل بنت حرب وفي يدها فِهْرٌ والنَّبيُّ ﷺ قاعد في المسجد ومعه أبو بكر ﵁، فلمَّا رآها أبو بكر قال: يا رسول اللّه، لقد أقبلَتْ وأخاف أن تراك، قال رسول اللّه ﷺ: "إنها لن تراني"، وقرأ قرآنًا، فوقفَتْ على أبي بكرٍ ولم ترَ رسولَ اللّهِ ﷺ (^٣).
_________________
(١) في (ف): "وفي".
(٢) في (ف): "لأنَّه".
(٣) روى نحوه البزار في "مسنده" (١٥)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٥)، وابن حبان في "صحيحه" (٦٥١١) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٦ / ١٦٢ ]
ومَن وهَم أنَّه حجاب الفَهْم، كأنَّه ما فَهِم أنَّه بينهم وبين القرآن، لا بينهم وبين النبي ﷺ.
﴿مَسْتُورًا﴾ عن أعين النَّاس؛ أي: ليس من جنس الحجُب الظَّاهرة.
* * *
(٤٦) - ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾.
﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أغطيةً، جمع كنان، وإنَّما لم يقل: (وجعلنا قلوبهم في أكنَّة) مع أنَّه أبلغ في تصوير المعنى المقصود؛ للإشعار بأنَّه أمرٌ عارضٌ كسبيٌّ، لا ذاتيٌّ خَلْفيٌّ، فإنَّ كلَّ مولودٍ يُولَد على الفطرة السَّليمة.
﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: كراهةَ أن يفقهوه (^١)، والضَّمير لما يُدْعَون إليه، ويجوز أن يكون مفعولًا لِمَا دلَّ عليه قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: منعناهم أن يفقهوه.
﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ لم يقل: (أن يسمعوه)؛ اكتفاءً بما فُهِمَ بقرينة قرينه (^٢).
وهذه حكايةٌ لِمَا كانوا يقولونه، على ما دلَّ عليه قوله: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٤، ٥].
قوله (^٣): ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (^٤) صريحٌ في أنَّ عدمَ سماعهم بسبب إعراضهم
_________________
(١) "كراهة أن يفقهوه" من (م).
(٢) "قرينه" من (ك).
(٣) في (ف): "قولهم".
(٤) من قوله: " ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا﴾ …﴾ … " إلى هنا سقط من (ك).
[ ٦ / ١٦٣ ]
لا لمانعٍ في آذانهم، فقولهم: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ إظهارُ كراهة منهم، لا إخبارٌ عن عارضتهم، ومَن غفل عن هذا قال: ولَمَّا كان القرآن معجزًا من حيث اللَّفظُ والمعنى أثبَتَ لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللَّفظ.
ولم يدرِ أنَّ الأوَّل موقوف على الثَّاني، فالجعل الثَّاني على تقدير كونه حقيقةً كان (^١) في الأمرين.
وأيضًا مبنَى ما ذكره على أنْ يكون الضَّمير في ﴿يَفْقَهُوهُ﴾ للقرآن، ويأباه قوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ﴾ إذْ لا وجهَ للعدول عن الضَّمير إلى الاسم الظَّاهر.
وأيضًا ما في الآية الأخرى قوله: ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ بدلَ: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ ظاهر في خلافه.
﴿وَحْدَهُ﴾: واحدًا غيرَ مشفوعٍ به آلهتُهم.
قال سيبويه: (وحدَه): اسمٌ موضوع موضعَ المصدر وهو: إيحاد، الموضوعُ موضع الحال وهو: مُوْحِد (^٢).
﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾: نافرين من استماع التَّوحيد، على أنَّ النُّفور جمعُ نافر، كشهود في جمع شاهد، ويجوز أن يكون مصدرًا على غير الصَّدر (^٣)، أو كان قوله: ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ بمعنى: نفروا، وهذا دليل على أنهم قادرون على الاستماع، لا وقر في آذانهم حقيقةً.
* * *
_________________
(١) في (ف): "كما".
(٢) انظر: "الكتاب" (١/ ٣٧٦ - ٣٧٨)، و"البحر" (١٤/ ٩١).
(٣) في النسخ: "المصدر"، والصواب المثبت. انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٩٦)، و"البحر" (١٤/ ٩١).
[ ٦ / ١٦٤ ]
(٤٧) - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾: بسببه الدَّاعي إلى الاستماع؛ مِن الهزء بك وبالقرآن، ومن اللَّغو.
﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ظرف لـ ﴿أَعْلَمُ﴾، وكذا: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾: يتناجَوْنَ بالطَّعْنِ في القرآن؛ أي: نحن أعلم بغرضهم من الاستماع في حالَتي الإصغاء والإعراض بالتَّناجي.
و﴿نَجْوَى﴾: مصدر، ويحتمل أن يكون جمع نَجِيٍّ.
﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ بدلٌ من ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ على وضع (الظالمين) موضعَ الضَّمير للدِّلالة على أن تناجيَهم بقولهم هذا.
والمسحورُ: مَنْ سُحِرَ فاختلَّ به عقلُه.
* * *
(٤٨) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ في أمر الحشر والبعث، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨].
وإنَّما قال هنا: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ لأنَّهم ضربوه بعبارات شتَّى وصورٍ متعدِّدة.
وقيل: مثَّلوك بالشَّاعر والسَّاحر والكاهن والمجنون.
ويردُّه أنَّهم ما مثَّلوه ﵇ بما ذُكِرَ (^١)، بل قالوا تارةً: إنه ساحر، وأخرى:
_________________
(١) "بما ذكر" من (م).
[ ٦ / ١٦٥ ]
إنه شاعر ..، إلى غير ذلك، وأيضًا لو كان المعنى ما ذكر لقيل: فيك، لا ﴿لَكَ﴾؛ لأنَّه ﵇ حينئذ يكون (^١) مَن ضُرِبَ فيه الأمثال.
﴿فَضَلُّوا﴾ عن الحقِّ ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إليه.
* * *
(٤٩) - ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾.
﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ بيانٌ لِمَا ضربوه، ولولا الفَصْلُ بينه وبين المبيَّن بالجمل التَّفريعيَّة لكان حقُّه التَّصديرَ بالفاء التَّفصيليَّة.
والعامل في (إذا) ما دلَّ عليه ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾، تقديره: أنُبعث إذا كنَّا عظامًا، والاستفهام للإنكار.
﴿وَرُفَاتًا﴾ صدِّر بالواو العاطفة إخراجًا له مخرجَ الاستقلال في كونه منشأً للاستبعاد.
والرُّفاتُ: الأجزاء المفتَّتة (^٢) مِنْ كلِّ شيء مكسَّر، ولمَا فيه من زيادة معنى التَّفتُّت أُوثرَ على الحُطَام، ولم يُلْتَفَتْ إلى ما فيه من صنعة الجناس.
﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ على الإنكار والاستبعاد لِمَا بَيْن غضاضة الحيِّ ويبوسة الرَّميم من المباعدة والمنافاة. و﴿خَلْقًا﴾: مصدر أو حال.
* * *
(٥٠) - ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾.
﴿قُلْ﴾ جوابًا لهم: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ ردَّ قوله: ﴿كُونُوا﴾ على قولهم:
_________________
(١) "يكون "من (م).
(٢) في (ك): "المتفتتة".
[ ٦ / ١٦٦ ]
﴿كُنَّا﴾، كأنَّه قيل: كونوا حجارة أو حديدًا ولا تكونوا عظامًا، فإنَّه يقدر على إحيائكم، أوثر في الحجارة صيغةُ الجمع رعاية للمناسبة لـ ﴿كُونُوا﴾، والعدول في الحديد إلى صيغة الإفراد لِمَا في مفرده من صنعة (^١) الجناس مع الجديد.
* * *
(٥١) - ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾.
﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾؛ أي: ممَّا يكبر عندكم عن قَبول الحياة؛ لكونه أبعد شيء منها، فإنَّ قدرته تعالى لا تقصُر عن إحيائكم؛ لاشتراك الأجسام في قَبول الأعراض، فكيف إذا كنتم عظامًا ورفاتًا وقد كانت غضَّة موصوفة بالحياة قبلُ (^٢)؟! والشَّيء أصلٌ لِمَا عهد فيه مما لم يُعهد.
وإنَّما قال: ﴿فِي صُدُورِكُمْ﴾ لأنَّ أثر الاستعظام البليغ يظهر فيها، فإنَّ القلب يضطرب عند ذلك لِمَا يعتريه من الخشية.
﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وكنتم ترابًا، وما هو أبعدُ منه من الحياة.
﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ يقال: أنغضَ رأسَه؛ أي: حرَّكه كالمتعجِّب من الشَّيء، وكلُّ حركة في ارتجاف نَغْضٌ.
والعدول من التَّعدية إلى (إلى) لتضمُّنه التَّوجُّه والالتفات.
_________________
(١) في (ف): "صنعة"، وسقطت "من" من (ك) و(م).
(٢) في (ف): "قيل".
[ ٦ / ١٦٧ ]
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ انتصابه على الخبر أو الظَّرف، و﴿أَنْ يَكُونَ﴾ اسم ﴿عَسَى﴾، أو خبره والاسم مضمر.
أجابهم بقرب وقوعه، لا لأنَّ كلَّ آتٍ قريبٌ، بل لأنَّه مضى أكثر الزَّمان وبقي أقلُّه.
ولم يجبهم (^١) بتعيين وقته لأنَّ ذلك مما استأثره اللّه تعالى بعلمه.
ولم يوردوا تلك الأسئلة استرشادًا بل عنادًا واستهزاءً، وقد أُخْرِجَتْ أجوبتهم بطريق الجِدِّ (^٢) والتَّحقيق وعدم المبالاة باستهزائهم، وفيه نوعُ تمهيد للأمر بحسن المجادلة الآتي ذكرُه.
* * *
(٥٢) - ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ بدلٌ من ﴿قَرِيبًا﴾.
والدُّعاءُ: النِّداء إلى المحشر بكلامٍ يسمعه الخلائق؛ قال ﵇: "إنَّكم تُدْعَونَ يوم القيامة بأسمائكم وأسماءِ آبائكم، فأحسِنوا أسماءَكم" (^٣).
﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ الاستجابة: موافقة الدَّاعي فيما دعَا إليه بالفعل لأجْل دعائه.
_________________
(١) في (ك): "يجئهم".
(٢) في (ك): "الحد".
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢١٦٩٣)، وأبو داود (٤٩٤٨)، من طريق عبد اللّه بن أبي زكريا الخزاعي عن أبي الدرداء ﵁، ولم يسمع عبد اللّه من أبي الدرداء ﵁. انظر: "المراسيل" (ص: ٩٧).
[ ٦ / ١٦٨ ]
﴿بِحَمْدِهِ﴾ حال منهم؛ أي: حامدين لله (^١) تعالى على الإحياء، أو على كمال قدرته؛ عن سعيد بن جبير ﵁: ينفضون التُّراب عن رؤوسهم، ويقولون: سبحانك اللَّهم وبحمدك (^٢).
﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (تظنون) معلَّقة عن العمل، فالجملة بعده في موضع نصب، وقلَّما ذكر النَّحويُّون في أدوات (^٣) التَّعليق (إنْ) النَّافية.
وانتصاب ﴿قَلِيلًا﴾ على أنَّه نعتٌ لزمانٍ محذوفٍ؛ أي: إلَّا زمانًا قليلًا؛ كقوله: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣]، ويجوز أن يكون نعتًا لمصدرٍ محذوفِ.
* * *
(٥٣) - ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي﴾ يعني: المؤمنين ﴿يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: الكلمةَ التي هي أحسن، ولا يخاشِنوا المشركين.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾: يلقي بينهم الفساد بالوسوسة، ويغري بعضهم على بعض لتقعَ بينهم المشارَّة (^٤) والمشاقَّة، وقد مَرَّ في آخر (الأعراف) تحقيق معنى النَّزغ.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾: ظاهرَ العداوة.
_________________
(١) في (ف): "الله".
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٣٣٤).
(٣) في (ك): "أداة"، وفي (م): "أدات".
(٤) المشارَّة: المخاصمة. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: شرر).
[ ٦ / ١٦٩ ]
أُمِروا بحسن المجادلة، ونُبِّهوا على أنَّه قد يكون من الشيطان إجراء (^١) وإغواء، وذُكِّروا بعداوته القديمة لهم.
* * *
(٥٤) - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بالتَّوفيق للإسلام ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بالإماتة على الكفر.
وكلمة ﴿أَو﴾ للدلالة على الانفصال الحقيقي بين الشَّيئين.
والجملة تفسير لـ ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وما بينهما اعتراض؛ أي: قولوا لهم هذه الكلمة ونحوَها، ولا تصرِّحوا بأنَّهم مِن أهل النَّار؛ فإنه يَهيجهم على الشَّرِّ.
قيل: مع أنَّ ختام أمرهم غيبٌ لا يعلمه إلَّا الله.
وفيه: أنَّ الظَّاهر عموم النَّهي للتَّصريح بما ذُكِرَ، ولو كان مؤوَّلًا بمعنى: أنَّ عملَهم عملُ أهل النَّار، وهذه الضَّميمة لا تصلح علَّة له.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾: موكولًا إليك أمرهم تقسرهم على ما أُمروا به.
وإنما قال: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ دون: إليهم؛ إفادةً لمعنى القسر والإلجاء.
* * *
(٥٥) - ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
_________________
(١) في (م): "إعزاء".
[ ٦ / ١٧٠ ]
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيختارُ منهم لنبوَّته وولايته مَن يليقُ بهما (^١)، وهو رَدٌّ لاستبعاد قريش أن يكون يتيمُ أبي طالب نبيًّا، وأن يكون العراةُ الجُوَّعُ أصحابَه.
﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ بالرِّسالة، وبكونه صاحب شريعة، وبكونه من أولي العزم، وبكونه خاتم الأنبياء.
﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ يعني: أنَّ (^٢) داود ﵇ وإن لم يكن من أولي العزم، ولا صاحبَ شريعة، لكنَّه من جملة المفضلين بالرِّسالة، حيث أوتي كتابًا، وقد مَرَّ ما يتعلق بالزَّبور من الكلام في آخر سورة النِّساء (^٣).
* * *
(٥٦) - ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّها آلهة ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى، كالملائكة وعُزَيرٍ والمسيح ﵈.
﴿فَلَا يَمْلِكُونَ﴾: فلا يستطيعون ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ كالمرض والفقر (^٤) والقحط ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾: ولا تحويلَ ذلك منكم إلى غيركم.
* * *
_________________
(١) في (م): "بها".
(٢) "أن" من (م).
(٣) لم يرد هناك سوى قوله: (وقرئ: ﴿زَبُورًا﴾ بالضم، وهو جمع زِبْرٍ بمعنى مَزبورٍ).
(٤) في (ف): "والقهر".
[ ٦ / ١٧١ ]
(٥٧) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾، أي: يدعونهم آلهةً (^١) ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾: القُرْبَة بالطَّاعة.
﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ بدل من واوِ ﴿يَبْتَغُونَ﴾؛ أي: ينبغي مَن هو أقربُ منهم إلى الله الوسيلة، فكيف بغيرِ الأقرب؟!
﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ كسائر العباد، فكيف يزعمون أنهم آلهة؟!
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾: حقيقًا بأنْ يَحذره كلُّ أحدٍ حتى الملائكة والرُّسل.
* * *
(٥٨) - ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾.
﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾: مخرِّبوها ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ عن مقاتل: وجدت في كتب الضَّحَّاك في تفسير هذه الآية: أمَّا مكَّة فيخربها الحبشة، وتهلك (^٢) المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالتُّرك، والحبال بالصَّواعق والرَّواجف، ثمَّ ذكرها بلدًا بلدًا (^٣).
_________________
(١) في النسخ: "يدعون آلهة"، والصواب المثبت، يعني: أولئك الذين يدعونهم ويسمونهم آلهة. انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ١٠٦)، و"البحر" (١٤/ ١١٠)، و"روح المعاني" (١٤/ ٥٦٠).
(٢) "تهلك" سقط من (ك).
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٧٤).
[ ٦ / ١٧٢ ]
﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا﴾، أي: معذِّبو أهلِها، على أنَّ المجاز في الإسناد دون المسنَد، وإلَّا لقيل: أو معذِّبوهم.
﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ بالقتل وأنواع البليَّة.
﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ﴾: في اللَّوح المحفوظ ﴿مَسْطُورًا﴾: مكتوبًا.
* * *
(٥٩) - ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾.
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ المقترَحة، استُعير المنع للتَّرك؛ للمبالغة، ولا يجوز استعارته للصرف؛ لأنَّه أيضًا ممتنعٌ في حقِّه تعالى.
والباء للتَّعدية، فإنَّ أرسل يتعدى بنفسه وبالباء، قال كُثَيرٌ:
لقدْ كذبَ الواشونَ ما بُحْتُ عندَهم … بِسِرٍّ ولا (^١) أرسلْتُهم برسولِ (^٢)
﴿إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾: إلَّا لتكذيب أمثالهم في الطَّبع من الأمم السَّالفة كعاد وثمود؛ يعني أنَّها لو أُرْسِلَتْ لكذَّبوا بها تكذيبَ أولئك الأمم، واستوجبوا الاستئصال على مقتضى مستثناه، وهو خلاف مقتضى الحكمة، لا لأنَّ فيهم مَن يؤمنُ؛ لأنَّه غير مانع مِن (^٣) استئصال المعاندين خاصَّة كما وقع في قوم نوح ﵇، بل لأنَّ فيهم مَنْ يلد مَن يؤمن.
_________________
(١) في (ك) و(م): "وما".
(٢) انظر: "ديوانه" (ص: ٢٧٨) وفيه: (بليلى) بدل "بسر"، و(برسيل) بدل "برسول".
(٣) في (ك) و(م): "عن".
[ ٦ / ١٧٣ ]
ثمَّ ذكرَ بعضَ مَنْ كذَّبَ بالآيات المقترحة فاستؤصِلَ بقوله:
﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾ باقتراحهم ﴿مُبْصِرَةً﴾ نصب على الحال، وهي قراءة الجمهور، وقرئ بالرَّفع (^١) على إضمار مبتدأ؛ أي: هي مبصرةٌ، أضيف الإبصار إليها مجازًا لَمَّا كانت يبصرها النَّاسُ.
وقرئ: (مَبْصَرَةً) بفتح الصَّاد، اسم مفعول (^٢).
﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾؛ أي: جحدوا بها.
﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ﴾ المقترَحة ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ من نزول العذاب المستأصِل، وإن لم يخافوا نزل.
* * *
(٦٠) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ﴾: واذكر إذ أوحينا إليك ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ فهُم في قبضة قدرته، وأحاط بقريش؛ أي: أهلكهم؛ يعني في وقعة بدر، والتَّعبير بالماضي لتحقُّق وقوعه.
﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ ليلةَ المعراجِ، وكانت رؤيةَ عينٍ إلا أنَّها لَمَّا كانت باللَّيل سُمِّيَت (^٣) رؤيا، كما يُقال: بات يفعل كذا: إذا فعل ليلًا، فيسمَّى ما يفعله:
_________________
(١) نسبت لزيد بن علي. انظر: "البحر المحيط" (١٤/ ١١٤).
(٢) نسبت لقتادة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٧)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٤٦٧).
(٣) "سميت" سقط من (ف) و(م).
[ ٦ / ١٧٤ ]
بيوتةً (^١) وإنْ لم يكن نومًا، فلا متمسَّك فيه (^٢) لمن زعم أنَّها كانت في المنام، بل نقول: إنْ تمسَّكَ به يكون حجَّةً عليه لا له؛ لأنَّ رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحدٌ ينكرها، وقد كانت تلك الرؤية فتنة على ما نطقَ به قوله:
﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ وهي ارتدادُ قومٍ من المسلمين حين أخبرهم النَّبيُّ ﵇ أنَّه أُسْرِيَ به.
﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ عطف على ﴿الرُّؤْيَا﴾، وهي شجرة الزَّقُّوم، واللَّعنُ لطاعمها، وإنَّما وصفت هي به مجازًا للمبالغة، أو قيل ذلك لأنَّها في أَبْوَرِ مكانٍ من الرَّحمة، وهي أصل الحميم، أو لأنَّها مكروهة، ويأباهما قوله:
﴿فِي الْقُرْآنِ﴾ قال أبو جهل ومَنْ معه: هذا محمَّد يتوعَّدكم بنار تحرق الحجارة، ثمَّ يزعم أنها تنبت الشَّجرة، والنَّار تحرق الشَّجرة؟! وما نعرف الزَّقُّوم إلَّا التَّمر بالزُّبد. ثمَّ أمرَ أبو جهل جاريةً له فأحضر تمرًا وزبدًا، وقال لأصحابه: تزقَّموا، فافتتن بهذه المقالة (^٣) بعضُ الضعُّفاء (^٤).
ولم (^٥) يعلموا أنَّ مَنْ قدرَ أن يحمي وَبَر السَّمندل (^٦) من أن تأكله النَّار،
_________________
(١) في (ف) و(م): "سيّوتة".
(٢) "فيه" من (م).
(٣) في (م): "المقابلة".
(٤) روى نحو هذه القصة الإمام أحمد في "المسند" (٣٥٤٦)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٧٢٠)، وانظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٦٨).
(٥) في (ف) و(م): "وما".
(٦) في (ف) و(م): "من وبور السمندر". والسمندل: طائر بالهند لا يحترق بالنار، وسماه بعض أهل اللغة: سندل بغير ميم، ومنهم من سماه: سمند بغير لام، وقيل: إنه حيوان كالفأر، ولك أن تقول: إنه فارسيّ بالراء - كما وقع في أشعارهم - وعرب باللام. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٤٥).
[ ٦ / ١٧٥ ]
وأحشاءَ النَّعامة من أذى الجمر، قدرَ أن يخلق في النَّار شجرةً لا تحرقها.
وقرئ بالرَّفع على الابتداء (^١)، والخبر محذوف؛ أي: والشَّجرةُ الملعونةُ في القرآنِ كذلك.
﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ بأنواع التَّخويف ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ التَّخويف ﴿إِلَّا طُغْيَانًا﴾: عتوًّا ﴿كَبِيرًا﴾: متجاوزًا عن الحدِّ.
* * *
(٦١) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ قد مَرَّ تفسيرُه. ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾: لمن خلقتَه من طينٍ، فنصب على نزع الخافض، ويجوز أن يكون حالًا من الرَّاجع إلى الموصول؛ أي: خلقتَه وهو طين، إنكارٌ وتعليل على ما صرَّح به في قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، أو من الموصول؛ أي: أسجد له وأصله (^٢) طين؟! وَيرِدُ عليه أنَّه حينئذ يضيع قوله: (خلقته).
* * *
(٦٢) - ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٧٦)، و"البحر المحيط" (١٤/ ١٢١).
(٢) في (ف): "وهو"، والمثبت من باقي النسخ، وعبارة "الكشاف" (٢/ ٦٧٦) جمعت بينهما، حيث قال: (حال من الموصول والعامل فيه (أسجد)، على: أأسجد له وهو طين، أي: أصله طين).
[ ٦ / ١٧٦ ]
﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ الكاف للخطاب لا محل له من الإعراب على ما مرَّ تحقيقه في سورة الأنعام، و﴿هَذَا﴾ مفعول أوَّل، و﴿الَّذِي﴾ صفتُه، والمفعول الثَّاني محذوف لدلالة صلته عليه.
والمعنى: أخبرني عن هذا الذي كرَّمته عليَّ بأمري بالسُّجود له لِمَ كرمته عليَّ؟! والإكرامُ: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحمَدُ عليه، وتعديته بـ (على) لتضمُّنه معنى التَّفضيل.
﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ كلام مبتدأ، واللَّام موطِّئة للقسم، وجوابه:
﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾: لَأقود منهم حيث شئتُ، من قولهم: حنكْتُ الفرسَ: إذا جعلْتَ في فيه الرَّسَن، وكذلك: احتَنكْتُه.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ لا أقدر على أن أقاوم شكيمتَهم، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥].
قال الحسنُ: ظنَّ ذلك لأنَّه وسوسَ [إلى] آدمَ ﵇ فلم يجد له عزمًا (^١).
* * *
(٦٣) - ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾.
﴿قَالَ اذْهَبْ﴾ لشأنك الذي اخترتَه. أمره أمرَ إهانةٍ، وعقَّبه بذكر ما جزاه بسوء فعله من جزائه وجزاء أتباعه فقال:
﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾: جزاؤك وجزاؤهم، فغلَّب المخاطب على الغائب.
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ١١٧)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٦ / ١٧٧ ]
﴿جَزَاءً﴾ نصبٌ على المصدر بإضمار فعله، أو بما في ﴿جَزَاؤُكُمْ﴾ من معنى: تُجازَون، أو حالٌ موطِّئة لقوله:
﴿مَوْفُورًا﴾: مكمَّلًا لا نقصان فيه عن قَدْرِ الاستحقاق، مِنْ وَفَرْتُه وَفْرًا (^١).
* * *
(٦٤) - ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾: واستَخِفَّ، أصله القطع بشدَّةٍ، يقال: فزَّزَ الثَّوبَ: إذا قطَّعه بشدَّةِ تخريق، والمعنى (^٢): استَزِلَّه بقطعك إيَّاه عن الحقِّ.
﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ أن تستفزَّ ﴿بِصَوْتِكَ﴾: بدعائك إلى الفساد.
﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ الإجلاب: السَّوق بجلَبَةٍ من السَّائق، وهو الصِّياح.
﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾: بأعوانك من راكب وراجلٍ، والرَّجْل: اسم جمعٍ لراجل، كرَكْبٍ وصَحْبٍ، اسم جمعِ راكبٍ وصاحبٍ.
وقرئ بكسر الجيم (^٣)، [وبالضم] وهي لغة فيه كنَدِسٍ ونَدُسٍ (^٤).
﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ بحملهم على جمعها من غير وجهها (^٥) وإنفاقها في غير حقِّها.
_________________
(١) "وفرًا" ز من (م).
(٢) في (ف): "المعنى".
(٣) قرأ حفص بكسر الجيم، والباقون بإسكانها. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٠).
(٤) في (ك) و(م) "كفرس ونوس"، وفي (ف): "كفرس وندس"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٦٧٨)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٦١)، وما بين معكوفتين منهما.
(٥) "من غير وجهها" من (م).
[ ٦ / ١٧٨ ]
﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ بالحثِّ على تحصيلهم بالوجه المحرَّم، والاشتراك فيهم بتسميتهم بعبد العُزَّى ونحوه، والتَّضليل بالحمل على الأديان الزَّائغة.
﴿وَعِدْهُمْ﴾ المواعيدَ الباطلة، كشفاعة الآلهة والاتِّكال على كرامة الآباء، وتأخير التَّوبة بطُول الأمل.
﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ اعتراضٌ لبيان مواعيده. والغرورُ: ما اغتُرَّ به.
* * *
(٦٥) - ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾.
﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ يعني: المخلصين، والإضافة للتَّشريف.
﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ﴾: على إغوائهم ﴿سُلْطَانٌ﴾: قدرة (^١).
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (^٢) يتوكَّلون به في الاستعاذة منك.
* * *
(٦٦) - ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾؛ أي: هو الذي يزجي، والإزجاءُ: السَّوق.
﴿لَكُمُ﴾: لمنافعكم ﴿الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: من رزقه.
﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ حيث سهَّلَ لكم ما تعسَّر من أسبابه.
* * *
_________________
(١) في (ف): "وقدرة".
(٢) "لهم" من (م).
[ ٦ / ١٧٩ ]
(٦٧) - ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾.
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾: خوفُ (^١) الغرق ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ﴾: ذهب عن أوهامكم (^٢) مَن تدعونه في حوادثكم.
﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وحدَه؛ فإنَّه حينئذ لا يخطر ببالكم سواه، ولا تدعون لكشفه إلَّا إيَّاه.
وقيل: ضَلَّ كلُّ مَنْ تعبدونه من إعانتكم إلَّا إيَّاه.
وفيه: أنَّ هذا المعنى لا اختصاص له بوقتِ الخوف.
﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾: خلَّصكم عن هول البحر وأخرجكم ﴿إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الإخلاص في العبادة.
﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ كالتَّعليل للإعراض، ولم يخاطبهم بذلك، بل أسنده إلى الجنس لطفًا بهم.
* * *
(٦٨) - ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾.
﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ الهمزةُ للإنكار، والفاء للعطف على محذوفٍ تقديره: أنجوْتُم فأمِنْتم فحملكم ذلك على الإعراض.
﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ الخسفُ: أنْ تُهارَ الأرضُ بالشَّيء، وتعديتُه بنفسه، و﴿بِكُمْ﴾ حالٌ؛ أي: مصحوبًا بكم.
_________________
(١) في (ك): "فرق".
(٢) "عن أوهامكم" من (م).
[ ٦ / ١٨٠ ]
قال الجوهري: خَسَفَ به الأرضَ؛ أي: غاب به فيها (^١).
﴿جَانِبَ الْبَرّ﴾: ناحيةُ الأرض، وسمَّاه جانبًا؛ لأنَّه يصير بعد الخسف جانبًا.
﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾: ريحًا تَحصِبُ؛ أي: ترمي بالحصباء رميًا متتابعًا.
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ يحفظكم من ذلك. وفي (^٢) عبارة ﴿ثُمَّ﴾ إشارةٌ إلى أنَّه تعالى يحفظهم مرَّة، ولا يعود إليه بعد الكفران والعودِ إلى الشِّرك.
* * *
(٦٩) - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾.
﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾ (^٣): في البحر، لم يقل: (إليه)؛ إذ لا يلزم من العود إلى الشَّيء التَّلبّس (^٤) به.
﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ بخَلْق الدَّاعي إلى ذلك.
﴿فَيُرْسِلَ (^٥) عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾: لا تمرُّ بشيءٍ إلا قصَفته؛ أي: وكسرته بشدَّة.
﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ قرئ بالتَّاء (^٦)، على إسناده إلى ضمير الرِّيح.
_________________
(١) انظر: "الصحاح" (مادة: خسف).
(٢) في (ف): "في".
(٣) في (م): "نعيدكم" بالنون، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، قرأا: (أن نخسف) (أو نرسل) (أن نعيدكم) (فنرسل) (وفنغرقكم) بالنُّون في الخمسة، وقرأ باقي السبعة بالياء. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٠).
(٤) في (ف): "التلبيس".
(٥) في (م): "فنرسل"، وهي قراءة سبعية كما تقدم.
(٦) قرأ بها أبو جعفر من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٣٠٨).
[ ٦ / ١٨١ ]
﴿بِمَا كَفَرْتُمْ﴾: بسبب كفرانكم نعمة الإنجاء.
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ﴾: بسبب ما فعلنا ﴿تَبِيعًا﴾: مُطالبًا به (^١) يَتْبعنا بانتصار. قال الفرَّاء: التَّبيعُ: طالبُ الثَّأرِ (^٢).
* * *
(٧٠) - ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ تكريمًا مشتركًا فيما بينهم، بحيث لا يختصُّ ببعض دون آخر (^٣)، ولهذا أتى بصيغة الجمع، والمراد: الكرامة البدنيَّة، ولهذا عبَّرَ عنهم بوصف البنوَّة.
وعبارته وإن كانت لم تتناول آدم ﵇، لكن دلالته متناولة له ﵇، وذلك أنَّ ترتيب التَّكريم على وصف البنوَّة المضافة إليه لا تخلو عن دلالة على أنَّه ﵇ منشأُ التَّكريم ومبدؤه، فلا حاجة إلى تأويل بني آدم بنوع الإنسان، بل لا وجه له؛ إذ حينئذ تفوت الدِّلالة على التَّكريم المشترك (^٤).
ولما أَبهم في جهة التَّكريم للتَّعظيم، وأَتى بالتَّعميم في جانب المكرَّم حيث ذكره بصيغة الجمع النَّصِّ في التَّكثير، دون اسم الجنس المحتمِل للقليل والكثير (^٥)،
_________________
(١) "به" سقط من (ك).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٢٧).
(٣) في (ف): "دون بعض آخر".
(٤) "المشترك" من (م).
(٥) في (م): "للقليل والتكثير"، وفي (ف): "التقليل والكثير". والمثبت من (ك)، ويصح أيضًا: "للتقليل والتكثير".
[ ٦ / ١٨٢ ]
تضمَّنَ أوَّل الكلام وآخره المبالغة، فكان أحرى أن يصدَّر طرف الكلام بحرف التَّأكيد مرَّة بعد أخرى.
قيل: ومن جملة كرامته أنَّ كلَّ حيوان يتناول طعامه بفمه إلَّا الإنسان، فإنَّه يرفعه إليه بيده.
وفيه نظر؛ لأنَّ القردة مع أنَّها من الحيوانات الخسيسة تشاركه فيما ذكر، فلا يصلح كرامةً، ولا أنْ يُعَدَّ خاصيَّة له.
﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾؛ أي: حفظناهم فيهما، فإنَّ الحمل يتضمَّن الحفظ عادة، حتى لم تُخسف بهم الأرض، ولم يُغرقهم الماء، أو: حملناهم على الدَّوابِّ والسُّفنِ، من حملْتُه: إذا جعلْت له ما يركبه.
﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ مِنْ ضُروب الملاذِّ وفنون النِّعَم ما لم يجعله لشيءٍ من سائر (^١) الحيوانات.
لَمَّا فرغَ عن تفصيل بعض (^٢) وجوه تكريمهم (^٣) البدنيِّ شرعَ في الإخبار عن تكريمهم النَّفسانيِّ، وأجملَ فيه إشعارًا بقصور العبارة عن تفصيله.
﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ تفضيلًا مشتركًا كذلك ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ بالشَّرف والكرامة.
أتى بالتَّأكيد هاهنا اهتمامًا لكونه معنويًّا، بخلاف تلك الأحوال الثَّلاثة، ولأنَّ
_________________
(١) في (م): "شيء لسائر".
(٢) "بعض" من (م).
(٣) بعدها في (م) زيادة: "لواحد"، ولا يظهر لذكرها معنى.
[ ٦ / ١٨٣ ]
الأحكام المذكورة من شواهد هذا (^١) الحكم، فكأنَّ شهاداتها تأكَّدَتْ بعضُها ببعض، فظهر أثر تلك الشَّهادات في الدَّعوى.
ولَمَّا كان سياق الكلام في النِّعم المشتركة بين أفراد الإنسان شريفِها وخسيسِها - على ما نبَّهت عليه آنفًا - ظهرَ وجه تخصيص الحكم المذكور بالكثير؛ فإنَّ كلَّ فردٍ من أفراد الإنسان غيرُ مفضَّل على جميع ما عداها، وذلك ظاهر فيه (^٢)، ولا دلالة فيه (^٣) على عدم تفضيل جنسه على جنس الملائكة؛ لأنَّ في تفضيل جنسٍ على جنسٍ آخر لا حاجة إلى تفضيل جميع أفراد الثَّاني، بل يكفي تفضيل فردٍ من الأوَّل على جميع أفراد الثَّاني.
* * *
(٧١) - ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾ نصب بإضمار (اذكر)، أو ظرفٌ لِمَا دلَّ عليه ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾.
وقيل: هو على الإغراء؛ أي: احذروا يوم ندعو.
[وقرئ: (يُدْعَو)] على قلب الألف واوًا في لغةِ مَن يقول: أَفْعَو، [في: أَفْعَى]، ويجوز أن يقال: إنها علامة الجمع، كما في: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]، أو ضميرُه، و﴿كُلَّ﴾ بدل منه، والنونُ محذوفة لقلَّة المبالاة بها؛ فإنَّها ليست إلا علامة الرَّفع، وهو قد يقدَّر كما في: يدعى (^٤).
_________________
(١) "هذا" من (م).
(٢) "فيه" سقط من (ك).
(٣) "فيه" من (م).
(٤) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٦٢)، والكلام وما بين معكوفتين منه. وانظر القراءة المذكورة أيضًا =
[ ٦ / ١٨٤ ]
﴿كُلَّ أُنَاسٍ﴾: كلَّ جماعةٍ من الإنس. والأناس (^١): أصل النَّاس، وهو اسم جمعٍ، وقد مرَّ بيانه في أوائل سورة البقرة.
﴿بِإِمَامِهِمْ﴾: بمن ائتموا به من نبيٍّ أو مقدَّمٍ في الدِّين أو كتابٍ أو دِين.
وقيل: بكتاب أعمالهم؛ فإنه يرجع إليه في تعرّف الأعمال.
ويردّه: أنَّ المدعوَّ إلى كتاب الأعمال كلُّ واحد من الإنس، لا كلُّ جماعة منه؛ لعدم الاشتراك بين الاثنين في كتابٍ واحدٍ.
وقيل: بأمَّهاتهم، جمع أمٍ، كخِفافٍ في جمع خُفٍّ، والحكمة في ذلك: إجلال عيسى ﵇، وإظهار شرف الحسنينِ، وأن لا يفتضح [أولاد] الزنا (^٢).
ويردُّه أيضًا ما أشرنا إليه من كلِّ أمٍّ ليست مما يشترك فيه (^٣) جماعة من الإنس.
ثم إنَّ ثالث ما ذكر من وجوه الحكمة مردودٌ بما ذكر في الصَّحيحَيْن من الحديث الدَّال على أنَّ النَّاس يُدعَوْن في الآخرة بأسمائِهم وأسماءِ آبائهم (^٤).
_________________
(١) = في "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٧٣)، و"البحر" (١٤/ ١٣٧)، ونسباها للحسن.
(٢) في (ف): "وأناس"، وسقطت من (ك).
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٨٢)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٦٢)، وما بين معكوفتين منهما.
(٤) في (ك): "فيها"، وفي (م): "فيهما".
(٥) يشير إلى ما رواه البخاري (٦١٧٧)، ومسلم (١٧٣٥)، من حديث ابن عمر ﵁، ولفظ مسلم: "إذا جَمَعَ اللّهُ الأَوَّلينَ والآخِرِينَ يومَ القيامة يُرْفَعُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ فيقالُ: هذه غَدْرةُ فلانِ بنِ فلانٍ"، قال القرطبي: (فقولُه: "هذه غدرة فلان ابن فلان" دليلٌ على أن الناس يُدْعَون في الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وهذا يَرُدُّ على مَن قال: إنما يُدْعَوْن بأسماء أُمَّهاتهم لأن في ذلك سَترًا على آبائهم). انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ١٣١). قلت: وأوضح منه ما رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢١٦٩٣)، وأبو داود (٤٩٤٨)، من حديث أبي الدرداء ﵁، لكن إسناده ضعيف لانقطاعه، وقد تقدم في تفسير هذه السورة عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾.
[ ٦ / ١٨٥ ]
﴿فَمَنْ أُوتِيَ﴾ من المدعوِّين ﴿كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾؛ أي: كتابَ عمله.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ أورده جمعًا على معنى (مَن)، وقد حُمل على اللفظ أوَّلًا فأُفرد في قوله: ﴿كِتَابَهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿بِيَمِينِهِ﴾.
﴿يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ لكمال صحوهم، ووفور عقلهم، والذين يؤتَون كتابهم بشمالهم فهم لتحيُّرهم وتردُّدهم لا يقرؤون كتابهم، وأشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] حيث لم يذكر (^١) القراءة فيه.
وفي قوله: ﴿يَالَيْتَنِي﴾ دلالة ظاهرة على أنَّه لا يحبس ألسنتهم عن التَّكلُّم، وتعليق القراءة على إتيان الكتاب باليمين لا يخلو عن الدِّلالة على ما أشير (^٢) إليه بعدم ذكر القراءة في مقابله.
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: لا يُنقصون عمَّا يَستحِقُّون من الجزاء أدنى شيءٍ، وقد مرَّ شرح الفتيل في سورة النِّساء.
* * *
(٧٢) - ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾؛ أي: مَن كان في هذه الدَّار أعمى عن النَّظر في آيات اللّه تعالى وغيره فهو في الآخرة أعمى.
ولما نزل هذه الآية جاء عبد اللّه بن أمِّ مكتوم إلى رسول الله ﷺ وقال:
_________________
(١) في (ك): "يذكروا".
(٢) في (ف): "يشير".
[ ٦ / ١٨٦ ]
يا رسول اللّه، أنا في الدُّنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ فأنزل اللّه تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] (^١).
فلا دلالةَ فيما ذكر على أنَّ مَنْ أوتي كتابَه بشماله لا يقدر على القراءة لعدم بصرِه، وقد مرَّ في تفسير قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ ما يقلع عِرْق الشُّبهة.
وقد جُوِّزَ أن يكون الثَّاني بمعنى التَّفضيل، ويعضد ذلك ظاهر ما عطف عليه من قوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾، ومنْ ثمَّة قرأ أبو عمرو الأوَّل ممالًا والثَّاني مفخَّمًا (^٢)، لا لأنَّ أفعل التَّفضيل تمامه بـ (مِن)، فكانت ألفُه في حكم الواقعة في وسط الكلام، وأمَّا الأوَّل فلم يتعلَّق به شيء، فكانت ألفه واقعةً في الطَّرف متعرِّضة (^٣) للإمالة (^٤)؛ لأَنَّه منقوض بالإمالة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ [البقرة: ٦١]، بل لأنَّه أراد أبو عمرو أنْ يفرِّق بينهما لَمَّا اختلف معناهما، واجتمعا في آيةٍ واحدةٍ، وإنَّما أمال الأوَّل دون الثَّاني لِمَا ذُكِرَ؛ فإنَّه يصلح للإحجاز (^٥) وإن لم يصلح للغلبة.
﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ منه؛ لبطلان الاستعداد وفقدان الآلة والمهلة.
* * *
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٧)، وأورده البيضاوي في تفسير سورة الحج مقدما له بـ (قيل)، وهي صيغة التمريض عنده، وقال الشهاب: لعل تمريضه لعدم ثبوته عنده لأنّ ابن أم مكتوم ﵁ لا يخفى عليه مثله. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٣٠٣).
(٢) انظر: "التيسير" (ص: ١٤٠).
(٣) في (ف) و(م): "معترضة"، وفي "الكشاف": "معرضة".
(٤) انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٨٣)، وهنا آخر كلامه، وما بعده تعقب من المؤلف عليه.
(٥) "للإحجاز" كذا في النسخ، وجاء في هامش (م): "لعله: للإحجاج".
[ ٦ / ١٨٧ ]
(٧٣) - ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾.
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ (إن) هي المخفَّفة، واللَّام هي الفارقة، والمعنى: إنَّ الشَّأن قاربوا بمبالغتهم أن يخدعوك فاتنين بالاستنزال.
﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من الأحكام.
﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾: غيرَ ما أوحينا إليك.
نزلت في ثَقيفٍ، قالوا: لا ندخل في (^١) أمرك حتى تعطيَنا خصالًا نفتخرُ بها على العرب، لا نُعْشَر ولا نُحْشَر ولا نُجبِّي في صلاتنا، وكلُّ ربًا لنا فهو لنا، وكلُّ ربًا علينا فهو موضوع عنَّا، وأنْ تمتِّعنا باللَّات سنةً، وأنْ تحرِّم واديَنا كما حرَّمتَ مكَة، وإن قالت العربُ: لم فعلْتَ ذلك؟ فقل: إنَّ اللّه أمرني به (^٢).
وقيل: في قريش، قالوا: لا نمكِّنكَ من استلام الحجر حتى تُلِمَّ بآلهتنا وتمسكها بيدك (^٣).
_________________
(١) في (ف): "من".
(٢) ليس له رواية يحتج بها، فقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١١٨) عن ابن عباس، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ٦٧) في نزول هذه الآية وقال: رواه عطاء عن ابن عباس. ثم ذكر نحوه عن عطية عن ابن عباس. وذكره أيضًا (٢/ ١٩٦) في نزول قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣]، وقال: هذا قول ابن عباس في رواية الضحاك. وقال ابن حجر في "الكافي الشاف" (ص: ١٠٠): ذكره الثعلبي عن ابن عباس من غير سند. وقال العراقي كما في "روح المعاني" (١٥/ ٣٢): لم نجده في كتب الحديث. قلت: رواه ابن شبة في "أخبار المدينة" (٨٨٤) عن الكلبي.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٦/ ١١٧)، و"زاد المسير" (٥/ ٦٧)، قال ابن الجوزي: قاله سعيد بن جبير وهذا باطل.
[ ٦ / ١٨٨ ]
• أي: لو اتَّبعْتَ مرادهم ﴿لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ وخليلُهم بريءٌ من خلَّة اللّهِ تعالى.
(٧٤) - ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾.
﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ ولولا تثبيتُنا إيَّاكَ ﴿لَقَدْ كِدْتَ﴾: ﴿تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ جواب ﴿وَلَوْلَا﴾ يقتضي إذا كان مثبتًا امتناعَه لوجود ما قبله، فمقاربةُ الشَّيء القليل من الرُّكون - وهو الميل اليسير - لم يقع منه ﵇، فضلًا عن وقوع ذلك الشَّيء القليل من الميل اليسير، وهذا غايةُ المبالغة في تنزيهه ﵇ عن الميل إلى أهوائهم (^١)، والكون في صدد نفيه دلالة ظاهرة على أن قوله تعالى: ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ بيانُ قصدهم، لا فعلُه ﵇، أي: لو (^٢) قاربْتَ.
* * *
(٧٥) - ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾.
﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ الضِّعفُ بمعنى (^٣): المضاعف، وكان أصل الكلام: لأذقناك عذابًا ضِعفًا في الحياة الدُّنيا وعذابًا ضِعفًا في الممات، ثم حذف الموصوف، وأُقيْمَتِ الصِّفة مقامَه، وهو الضِّعف، ثم أضيف الصِّفة إضافة الموصوف، فقيل: ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾، والمعنى: لضاعفنا لك العذاب المعجَّل للعصاة في الحياة الدُّنيا، وما نؤخِّره لهم لِمَا بعد الموت.
_________________
(١) في (ك) و(م): "هواهم".
(٢) "لو" سقط من (ف).
(٣) "بمعنى" سقط من (ك).
[ ٦ / ١٨٩ ]
وفي ذكر الكيدودة وتقليلِ الميل مرَّة بعد أخرى مع إتْباعها الوعيدَ الشَّديد بالعذاب المضاعف في الدَّارين دليل بيِّن على أنَّ مَن كانت درجته أرفعَ وَنِعَمُ اللّه تعالى عليه أسبغَ كانَ وعدُ اللّه تعالى في حقِّه أبلغَ.
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ يدفع عنك عذابَنا بالغلَبة علينا.
* * *
(٧٦) - ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿وَإِنْ كَادُوا﴾ الضَّمير لأهل مكَّة ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ قد مرَّ معنى الاستفزاز.
﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: من أرض مكَّة ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ متعلِّق بـ ﴿كَادُوا﴾.
﴿وَإِذًا﴾؛ أي: لو أخرجوك منها ﴿لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ﴾: بعدَكَ، وقرئ: ﴿خِلَافَكَ﴾ وهو لغة فيه (^١)؛ أي: لم ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: قَدْرَ ما ينزل بهم العذابُ.
وما أخرجوه ﵇ منها، بل خرجَ بنفسه امتثالًا لأمر الهجرة، نعم أزعجوه ﵇، لكن التَّعليق على الإخراج لا على الإزعاج.
وقيل: الضَّمير ليهود المدينة، و﴿الْأَرْضِ﴾ أرضُها، وذلك أنَّهم أرادوا المكرَ برسول الله ﷺ، [فقالوا له: إن هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء، وإنما أرض الأنبياء بالشام] (^٢) ولكنَّك تخاف الرُّوم، فإنْ كنْتَ نبيًّا فأخرج إليها، فإنَّ اللّه سيحميك كما
_________________
(١) قرأ ابن عامر وحفص والكسائي: ﴿خِلَافَكَ﴾، بكسر الخاء وفتح اللام وألف بعدها، والباقون بفتح الخاء وإسكان اللام. انظر: "التيسير" (ص: ١٤١).
(٢) ما بين معكوفتين من "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٧٦).
[ ٦ / ١٩٠ ]
حمى سائر الأنبياء ﵈، فوقع ذلك في قلبه لِمَا يحبُّ (^١) من إسلامهم، فرحل من المدينة مرحلةً، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية (^٢).
وعلى هذا أيضًا لم يوجد إخراجه ﵇، كما هو الظَّاهر من قوله: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقرئ: (لا يلبثوا) (^٣)، منصوبًا بـ ﴿وَإِذًا﴾ (^٤) على أنَّه معطوف على قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا﴾، لا على خبر (كاد)، فإنَّ ﴿وَإِذًا﴾ لا يعمل إلَّا إذا كان معتمِدًا ما بعدها على ما قبلها.
* * *
(٧٧) - ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾.
﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ نصب على المصدر؛ أي: سَنَّ اللّهُ ذلك سُنّةً، وهو أن يُهلك كلَّ أمَّة أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم، فالسنَّة للمرسِل، والإضافة إلى المرسَل (^٥) لأدنى ملابَسةٍ، دلَّ على ذلك قوله: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ هو: تغييرًا.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(م): "يجب".
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٧٦). ورواه بنحوه البيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٢٥٤) عن عبد الرحمن بن غَنْم.
(٣) انظر: "المختصر في القراءات الشاذة" (ص: ٧٧).
(٤) في (ك): "بإذن".
(٥) في (ك): "للمرسل".
[ ٦ / ١٩١ ]
(٧٨) - ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: لزوالها، وقيل: لغروبها، وأصله: الميل، وهو ينتظِم المعنيين؛ قال ابن عطيَّة: الدُّلوكُ: هو الميل في اللُّغة (^١) فأوَّلُ الدُّلوك هو الزَّوال، وآخرُه هو الغروب (^٢).
وقال الماوردي: مَن جعل الدلوك اسمًا لغروبها فلأنَّ الإنسان يدلُكُ عينيه براحته ليتبيَّنها حالةَ المغيب، ومَن جعله اسمًا لزوالها فلأنَّه يدلك عينيه لشدَّة شعاعها عند ذلك (^٣).
واللَّام للسَّبب؛ لأنَّها إنَّما تجب بزوال الشَّمس.
﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: هو اجتماع اللَّيل وظلمته، وهو وقت صلاة العشاء الأخيرة.
وقيل: المراد بالصَّلاة: صلاة المغرب، وقوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ بيانٌ لمبدأ الوقت ومنتهاه، على أنَّ الدُّلوك هو الغروب، واستُدلَّ به على امتداد الوقت إلى غروب الشَّفق.
﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: وصلاةَ الصُّبح، سُمِّيَتْ قرآنًا لأنَّه ركنُها (^٤) كما سُمِّيَتْ ركوعًا وسجودًا لذلك، ولكنْ لا دلالة فيه على ذلك (^٥)، كما لا دلالة في تسميتها
_________________
(١) "في اللغة" سقط من (ك)، و"اللغة" سقط من (ف)، والمثبت من (م) وهو الموافق لـ "المحرر الوجيز".
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٧٧).
(٣) انظر: "النكت والعيون" (٣/ ٢٦٣).
(٤) في النسخ: "ركنه"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٦٤)، و"تفسير أبي السعود" (٥/ ١٨٩).
(٥) أي: على الركنية.
[ ٦ / ١٩٢ ]
قنوتًا على أنَّ القنوت ركنها، وكذا لا دلالة فيه على وجوب القراءة فيها، لجواز أن يكون التجوُّز بها لكونها (^١) مندوبة في الصَّلاة، نعم لو كان المجاز في ﴿الْفَجْرِ﴾ بأن يكون المراد منه الصلاةَ في ذلك الوقت لدلَّ الأمر بإقامتها على الوجوب فيها (^٢) عبارةً، وفي غيرها دلالة.
وانتصب ﴿قُرْآنَ﴾ عطفًا على ﴿الصَّلَاةَ﴾ قاله الفرَّاء (^٣). أو على الإغراء، أي: فعليك بقراءة الفجر، قاله الزَّجَّاجُ وعزاه إلى البصريِّين (^٤).
﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ "تشهده ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار"، رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ، وقال: هذا حديث حسن صحيح (^٥).
والآية جامعةٌ للصَّلوات الخمس إنْ فُسِّرَ الدُّلوكُ بالزَّوال، ولصلاة اللَّيل فقط إن فُسِّرَ بالغروب.
* * *
(٧٩) - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾ (مِن) للتَّبعيض، والفاءُ ناسقةٌ على مضمَرٍ؛ أي: قُم فتهجَّد به، أي: بالقرآن.
_________________
(١) أي: القراءة.
(٢) "فيها" من (م).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٢٩)، وفيه: "أي: وأقم قرآن الفجر".
(٤) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ١٤٢). وعنه نقل المؤلف القولين، ولم نجد قول الزجاج عند غيره.
(٥) رواه الترمذي (٣١٣٥). وانظر حديث أبي هريرة عند البخاري (٦٤٨)، ومسلم (٦٤٩).
[ ٦ / ١٩٣ ]
والتَّهجُّد: التَّيقُّظ من النَّوم، لا تركُ النَّوم (^١) مطلقًا.
قال الحجَّاج بنُ عمرٍو صاحبُ النَّبيِّ ﵇: أيحسب أحدكم إذا قام في اللَّيل كلِّه أنَّه قد تهجَّد؟! إنَّ التهجُّدَ الصلاةُ بعد رقدة، ثمَّ الصَّلاة بعد رقدة، ثم الصَّلاة بعد رقدة، كذلك كانت صلاة رسول اللّه ﷺ (^٢).
وهو من الهجود، يقال: تهجَّد: إذا ألقى الهجود - وهو النَّوم - عن نفسه، وهذا الفعل جارٍ مجرى تَحوَّبَ وتَحرَّجَ وتأثَّمَ وتحنَّثَ: إذا ألقى ذلك عن نفسِه.
﴿نَافِلَةً لَكَ﴾: زائدةً على (^٣) تلك الفرائض المذكورة في الآية السَّابقة، والزَّائد حقُّه أن يكون من جنس المزيد عليه، فالتَّهجدُ من الفرائض، وإنَّما قال ﴿لَكَ﴾: لأنَّه ليس بفرض في حقِّ أمَّته، وقد روي عنه ﵇: "ثلاثة عليَّ فريضة ولأمَّتي تطوُّع: قيام اللَّيل، والوتر، والسِّواك" (^٤).
ومَن زعمَ أنَّه تطوُّع في حقِّه أيضًا فسَّر النَّافلةَ بالزِّيادةِ؛ أي: زيادةً لك في الدَّرجات، وذلك لأنَّه ﵇ مغفورٌ له، فهو إذا تطوَّع بما ليس بواجب عليه كان ذلك زيادةً في درجاته، وغيرُه من الأمَّة تطوُّعهم كفَّارات لذنوبهم، وتدارُكٌ لخللٍ يقعُ في الفرائض.
_________________
(١) "لا ترك النوم" من (م).
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٣/ ٢٢٥) بإسناد فيه ابن لهيعة، وابن أبي خيثمة بإسناد فيه عبد الله ابن صالح كاتب الليث. وحسن إسناده ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٢/ ١٦) لاعتضاد الروايتين، وقال الآلوسي: أغرب الحجاج بن عمرو. انظر: "روح المعاني" (١٥/ ٥٤). قلت: والحجاج بن عمرو مختلف في صحبته، وقال أبو نعيم: شهد صفين مع علي. انظر: "الإصابة" (٢/ ٣٥).
(٣) في (م): "عن".
(٤) رواه الطبراني في "الأوسط" (٣٢٩٠)، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٢٦٤): فيه موسى بن عبد الرحمن الصنعاني وهو كذاب.
[ ٦ / ١٩٤ ]
﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿مَقَامًا﴾ نصب على الظَّرف على تقدير العامل أو تضمينه، إذ لا يصلحُ (^١) للعمل في مثل هذا الظَّرف إلَّا فعل فيه معنى الاستقرار، ويجوز أن يكون حالًا؛ أي: ذا (^٢) مقامٍ محمود.
وروى التِّرمذي عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمَّتي"، وقال: هذا حديث حسن (^٣).
فالمقام: الموضع الذي يقوم فيه الإنسان للأمور الجليلة، ومعنى كونه محمودًا: أنه تعالى يقيمه ﵇ فيه فيشفع، فيَحمده الخلقُ.
* * *
(٨٠) - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ المدخل والمخرج بضم الميم بمعنى: الإدخال والإخراج.
والصِّدق: بمعنى المرضيِّ، يقال: رجلُ صِدْقٍ؛ أي: مرضيُّ الخُلُق.
وقرئ: (مَدْخَلَ) و(مَخْرَجَ) بفتح الميم (^٤)، بمعنى الدُّخول والخروج، على معنى: أدخلْني فأدخلَ دخولًا وأخرجْني فأخرج خروجًا.
وقيل: المراد إدخاله مكَّة ظاهرًا عليها، وإخراجه منها آمنًا.
_________________
(١) في (ف): "يصح".
(٢) في النسخ: "ذات"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٦٨٧).
(٣) روى نحوه الترمذي (٣١٣٧).
(٤) نسبت لعلي بن أبي طالب وأُبي ﵄. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٧).
[ ٦ / ١٩٥ ]
وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالمًا.
وقيل: إدخاله المدينة وإخراجه من مكَّة.
وفيه: أنَّ المناسب حينئذٍ تقديم (^١) الإخراج على الإدخال.
وقيل: ﴿أَدْخِلْنِي﴾ فيما أمرتَني به، ﴿وَأَخْرِجْنِي﴾ عمَّا نهيتَني عنه.
والظَّاهرُ أنَّه عامّ في جميع موارده ﵇ ومصادره، دنياويَّةً وأخراويَّةً.
وقيل: المراد: الإدخال في القبر والإخراجُ منه، ليتَّصل بقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.
﴿وَاجْعَل لِى مِنْ لَّدُنكَ﴾ مَرَّ تفسير (لدن) في آل عمران.
﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: حجَّة تنصرني على المخالف، أو: مُلْكًا ينصر الإسلام على الكفر، فاستجاب له بقوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦].
والنَّصرُ: التَّمكينُ من الانتصار من العدوِّ.
* * *
(٨١) - ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ الإسلامُ ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾، أي: ذهب الكفر، يقال: زهق (^٢) روحُه: إذا خرج.
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ أي: لم يزل مضمحِلًّا.
* * *
_________________
(١) في (ف): "تقدم".
(٢) في (ف): "رهوق".
[ ٦ / ١٩٦ ]
(٨٢) - ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾.
﴿وَنُنَزِّلُ﴾ قرئ بالتَّخفيف والتَّشديد (^١).
﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ﴿مِنَ﴾ للتَّبيين، كقوله تعالى: ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] قدِّم المبهَم اهتمامًا؛ أي: كلُّ شيءٍ نزلَ من القرآن فهو شفاء للمؤمنين، يستصلِحون به دينهم، ويتَّعظون به في دنياهم، فموقعُه منهم (^٢) موقعُ الشِّفاء من المرضى.
وعن النَّبيِّ ﵇: "مَنْ لم يستشفِ بالقرآنِ فلا شفاهُ اللّهُ" (^٣).
أو للتَّبعيض، وليس معناه أَنَّه منقسمٌ إلى ما هو شفاء، وإلى ما ليس بشفاء، بل المعنى أنَّه نزلَ شيئًا فشيئًا، فالنَّازل في كلِّ وقتٍ بعضٌ.
﴿مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ كلُّه ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بتفريج الكروب، وتطهير العيوب، وتكفير الذُّنوب، مع ما تفضَّل به تعالى من الثَّواب في تلاوته.
﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾؛ أي: نقصانًا؛ لتكذيبهم وكفرهم، قال قتادةُ: ما جالسَ أحدٌ القرآنَ إلَّا قامَ بزيادةٍ أو نقصانٍ (^٤).
* * *
_________________
(١) قرأ أبو عمرو بالتخفيف وباقي السبعة بالتشديد. انظر: "التيسير" (ص: ٧٥).
(٢) "منهم" من (م).
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٢٩) من حديث رجاء الغنوي، وفي إسناده أحمد بن الحارث الغساني وهو متروك. انظر: "الكافي الشاف" (ص: ١٠٢). ورجاء الغنوي لا يصح حديثه ولا تصح له صحبة، كما في "التمهيد" (٢/ ٤٩٥).
(٤) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٥٦).
[ ٦ / ١٩٧ ]
(٨٣) - ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ بالصِّحة والسَّعة ﴿أَعْرَضَ﴾ عن ذكر اللّه كأَنَّه مستغنٍ عنه ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ تأكيدٌ للإعراض؛ لأن الإعراضَ عن الشَّيء: أن يولِّيه عرضَ وجهِه. والنَّأي بالجانب: أن يلوِيَ عنه عطفه ويولِّيه ظهره.
ويجوز أن يكون كنايةً عن الاستكبار؛ لأنَّه من عادة المتكبِّرين.
وقرئ: ﴿نَاءَ﴾ على القلب (^١) "أو على أنه بمعنى: نهض.
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾؛ أي: مرض أو فقر ﴿كَانَ يَئُوسًا﴾: شديدَ اليأس من رَوح اللّه تعالى.
* * *
(٨٤) - ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾.
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾: على طريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضَّلالة، يقال: طريق ذو شواكِلَ؛ وهي الطُّرق (^٢) التي تتشعَّب منه، ويشهدُ لذلك قوله:
﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾: أسدُّ مذهبًا وأبيَنُ طريقةً.
* * *
(٨٥) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الذي يحيَى به بدن الإنسان ويدبِّره (^٣).
_________________
(١) وهي قراءة ابن ذكوان. انظر: "التيسير" (ص: ١٤١). وفي (ف): "بالقلب".
(٢) في (ف) و(ك): "الطريقة".
(٣) أي: عن حقيقة الروح الذي هو مدبّرُ البدنِ الإنساني ومبدأُ حياتِه. انظر: "تفسير أبي السعود" (٥/ ١٩٢).
[ ٦ / ١٩٨ ]
﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ من الإبداعات الكائنة بأمر (كنْ) من غير مادَّةٍ ومدَّةٍ وتولُّدٍ من أصلٍ كأعضاء جسده.
وفيه إشارة إلى أن الرُّوح ممَّا لا يمكن معرفة ذاته إلَّا بعوارضَ تميِّزه (^١) عمَّن يلتبس به، فلذلك اقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى ﵇ في جواب: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣﴾ بذكر بعض صفاته، وهذا القدْر من البيان لا ينافي الإبهام المذكور فيما روي أنَّ اليهود قالوا لقريش: اسألوه عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الرُّوح؛ فإنْ أجابَ عنها أو سكتَ فليس بنبيِّ، وإنْ أجابَ عن بعضٍ وسكتَ عن بعضٍ فهو نبيٌّ، فبيَّنَ لهم القصَّتين وأبهم أمر الرُّوح (^٢)؛ لأنَّ السُّؤال كان عن حقيقته، وهي باقية على إبهامها.
وقيل: ﴿الرُّوحِ﴾ جبريلُ ﵇.
وقيل: خلق أعظم (^٣) من الملَك.
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ تستفيدونه بتوسُّط حواسِّكم؛ فإنَ اكتساب العلوم النَّظرية من الضَّروريَّات المستفادة من المحسوسات غالبًا، ولذلك قيل: مَن فقدَ حسًّا فقد (^٤) فقدَ علمًا، وأكثر الأشياء لا يدركه الحسُّ.
* * *
(٨٦) - ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾.
_________________
(١) "تميزه" من (م).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٦٩) عن قتادة.
(٣) في (ف): "عظيم".
(٤) "فقد" من (ك).
[ ٦ / ١٩٩ ]
﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴿لَنَذْهَبَنَّ﴾ جوابُ قسمٍ محذوف مع نيابته عن جزاء الشَّرط، واللَّام الدَّاخلة على (إنْ) موطِّئةٌ للقسم، والمعنى: إنْ شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه عن الصُّدور والمصاحف.
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ أي: لا تجد بعد الذَّهاب مَن يتوكَّل علينا باسترداده (^١) وإعادته محفوظًا مسطورًا.
* * *
(٨٧) - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾.
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ لكن لا نشاء ذلك رحمةً من ربِّك.
وقيل ة إلَّا أن يرحمك ربُّك فيردَّه عليك، كأن رحمته تتوكل (^٢) عليه بالردِّ، وهذا امتنانٌ من اللّه تعالى ببقاء القرآن محفوظًا بعد المنَّة العظيمة في تنزيله.
﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ إذ جعلَك سيِّد ولدِ آدم، وأعطاكَ المقامَ المحمود، وأنزل عليك هذا الكتاب، وأبقاه محفوظًا.
* * *
(٨٨) - ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ لم يذكر الملَكَ معهما، لا لأَنَّه قادر على الإتيان بمثله؛ لأنَّه مردود بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾
_________________
(١) في (م): "باسترداد به"، وفي (ك): "باستردادته".
(٢) في (ك): "متوكل".
[ ٦ / ٢٠٠ ]
[النساء: ٨٢]، بل لأنَّ الفعل المذكور ممَّا لا يليق لشأنه، ولا يجوز أن يُنْسَبَ إليه؛ لأنهم معصومون لا يفعلون إلا ما يُؤْمَرون.
﴿عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ في كمال بلاغته وحسنِ نظمه وجَودةِ تأليفه.
﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ جواب قسم محذوف دلَّ عليه اللَّام الموطِّئة، ولولا هي لكان جوابَ الشرط بلا جزمٍ؛ لكون الشَّرط ماضيًا.
والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر لتفخيم شأن ما عَجزَ عنه الثَّقلان.
ولما كان الاجتماع على أمرٍ قد يُوجَد بدون المظاهرة فيما بينهم كاجتماع المجتهدين على حكمٍ شرعيٍّ قال:
﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾: ولو تظاهروا على ما اتَّفقوا عليه من المعارضة بإتيان مثله، ولا يصلح هذا أن يكون تقريرًا لقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾؛ لأنَّ المقدِرة (^١) على الإتيان بمثله أصعب من القدرة على استرداد عينه، ونفيُ الشَّيء إنَّما يقرِّر نفيَ (^٢) ما دونه، لا ما فوقَه.
* * *
(٨٩) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ تفسيرُه في هذه السُّورة.
﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كل معنًى هو كالمثل في غرابته وحُسن موقعه.
﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ (أبى) مُتأوَّل بالنَّفي؛ أي: فلم يرضوا ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾: إلَّا جحودًا.
_________________
(١) في (ف): "القدرة".
(٢) "نفي" سقط من (ك).
[ ٦ / ٢٠١ ]
(٩٠) - ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ تعنُّتًا واقتراحًا بعدما لزمتْهم الحجَّة ببيان إعجاز القرآن وانضمام غيره من المعجزات: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ﴾ قرئ بالتَّخفيف والتَشديد (^١).
﴿لَنَا مِنَ الْأَرْضِ﴾: أرضِ مكَّة.
﴿يَنْبُوعًا﴾: هو عينٌ ينبع ماؤه؛ أي: يفور، يَفْعولٌ من نبعَ الماءُ، كيَعْبوبٍ من عبَّ الماء (^٢): إذا زَخَر.
* * *
(٩١) - ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾.
﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ﴾ هذا بالتَّشديد بالإجماع (^٣) لمكان ﴿الْأَنْهَارَ﴾.
﴿خِلَالَهَا﴾ وسطها ﴿تَفْجِيرًا﴾؛ أي: يكون لك بستانٌ يشتمِل على ذلك.
* * *
(٩٢) - ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾.
﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ يعنون قولَ الله تعالى: ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩] وهو القطَع (^٤) لفظًا ومعنًى.
_________________
(١) قرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح التاء وضم الجيم مخففّا، والباقون بضم التَّاء وكسر الجيم مشددًّا. انظر: "التيسير" (ص: ١٤١).
(٢) في النسخ: "عبة الأرض"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٦٩٣)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٦٦)، و"تفسير أبي السعود" (٥/ ١٩٤)، و"روح المعاني" (١٤/ ١١٦).
(٣) "بالإجماع" من (م).
(٤) في (م): "كقطع".
[ ٦ / ٢٠٢ ]
وقرئ: ﴿كِسْفًا﴾ بالسُّكون (^١)، وهو فِعْلٌ بمعنى مفعولٍ، كالطِّحْن، أو مخفَّف من المفتوح كسِدَرٍ وسِدْرٍ.
﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾؛ أي: عيانًا، والقَبيل بهذا المعنى المناسب للمقام الخالي عن التعسُّف مذكورٌ في "الصِّحاح" (^٢).
* * *
(٩٣) - ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾.
﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾: من ذهبٍ، وقد قرئ به (^٣)، وأصله الزِّينة.
﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ في معارجها، يقال: رقَى في السلَّم: إذا صعد إليها.
﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾: ولن نصدِّق لرقيِّك، فاللَّام للصِّلة، يقال: آمن له: إذا أذعن له، على ما مرَّ في سورة يوسف ﵇.
﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا﴾ من السَّماء فيه تصديقك.
﴿نَقْرَؤُهُ﴾ فلا يحتاج إلى نقلك إيَّاه. وهذا القيد لعدم اعتمادهم النَّبيَّ ﵇ في تبليغ القرآن.
﴿قُلْ﴾ وقرئ: ﴿قَالَ﴾ (^٤)؛ أي: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) قرأ نافع وعاصم وابن عامر بفتح السين والباقون بإسكانها. انظر: "التيسير" (ص: ١٤١).
(٢) انظر: "الصحاح" (مادة: قبل).
(٣) رويت عن عبد اللّه، وهي من قبيل التفسير لا القراءة. انظر: "تفسير الطبري" (١٥/ ٨٥)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٤٨٥)، و"البحر المحيط" (١٤/ ١٧٨).
(٤) وهي قراءة ابن كثير وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٤١).
[ ٦ / ٢٠٣ ]
﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ تعجُّبًا (^١) من اقتراحاتهم عليه، أو تنزيهًا للّه تعالى من أن يأتي، أو يُتحكَّم عليه.
﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ كسائر الرُّسل بشرًا مثلهم، وكان الرُّسل لا يأتون قومهم إلَّا بما (^٢) يُظهِرُ اللّهُ تعالى عليهم من الآيات، فليس أمرُ الآيات إليَّ، إنَّما هو إلى اللّه تعالى، فما بالُهم يتجبَّرون (^٣) عليَّ.
* * *
(٩٤) - ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾.
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ قد مرَّ تفسير المنع في هذه السُّورة.
﴿أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾: وما منعهم عن الإيمان بعد نزول الوحي ومجيء القرآن.
﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾: إلَّا قولُهم هذا، وكان المانع اعتقادَهم بموجَب ما قالوا مِن أنَّ اللّهَ تعالى أجَلُّ مِنْ أن يكون رسولُه من جنس البشر، إلَّا أنَّه عبر عنه بالقول تنزيلًا له وإخراجًا عن حيِّز الاعتقاد.
* * *
(٩٥) - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾.
_________________
(١) في (ف): "تعجيبًا".
(٢) "بما" من (م).
(٣) في (م): "يتحيرون".
[ ٦ / ٢٠٤ ]
﴿قُلْ﴾ في جوابهم: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ يتصرَّفون فيها بمشي قاطنين (^١) فيها، وليس لهم قدرة الصُّعود إلى السماء، فيسمعون من أهلها ويعلمون ما يجب علمُه.
﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ليكون من جنسهم فيفهمون كلامه ويسكنون إليه، فأمَّا أنتم فبشرٌ (^٢)، فبعثني اللّه إليكم بشرًا مثلكم؛ لتكون قلوبكم أسكن إليه، وأنتم لكلامه أفهم؛ فإنَّ مقتضى الحكمة أن يكون الرَّسول من جنس المرسَل إليه.
﴿مَلَكًا﴾ حال من ﴿رَسُولًا﴾، ويحتمِل أن يكون موصوفًا به، وكذا الحال في ﴿بَشَرًا﴾.
* * *
(٩٦) - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.
﴿قُلْ﴾ جوابًا لهم - حين قالوا: مَنْ يشهدُ لك (^٣) بأنَّك رسولُ اللّه؟ -:
﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ نصبَ ﴿شَهِيدًا﴾ على التَّمييز؛ أي: حسبي اللّه تعالى من الشهداء، أو على الحال؛ أي: كفى باللّه تعالى في حال شهادتنا.
والعدول من (بينَنا) إلى ما فيه (^٤) التَّكريرُ للتَّأكيد.
_________________
(١) في (ف): "بالخير"، وفي (ك) لعلها: "فالحين".
(٢) "فبشر" سقط من (ك).
(٣) "لك" من (م).
(٤) بعدها في (ك): "من".
[ ٦ / ٢٠٥ ]
﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ بخفيَّات أسرارهم ﴿بَصِيرًا﴾: مطَّلعًا على ما يظهر من أفعالهم وأقوالهم فيجازيهم عليه.
وفيه تسلية لرسول الله ﷺ ﷺ، وتهديدٌ للكفَّار.
* * *
(٩٧) - ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾ أتى هاهنا بضمير الجمع؛ تنبيهًا على أنَّ نسبة الضَّالين إلى المهتدين نسبةُ الجماعة إلى الواحد، ولذلك قال: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ مع أن نفي الولي الواحد أبلغ.
﴿مِنْ دُونِهِ﴾ يهدونهم.
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ مسحوبين عليها، أو: ماشين عليها.
روي في "الصحيحين" أنه قيل لرسول ﷺ اللّه ﷺ: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: "إنَّ الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على (^١) أن يمشيَهم على وجوههم" (^٢).
﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ إنهم يحشرون على هذه الصِّفة، ثم يخلق لهم ذلك قبل دخولهم في النَّار:
فأبصَروا؛ لقوله تعالى ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣].
وتكلموا؛ لقوله تعالى: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣].
_________________
(١) "على"من (م).
(٢) روى نحوه البخاري (٤٧٦٠)، ومسلم (٢٨٠٦)، من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٦ / ٢٠٦ ]
وسمعوا، لقوله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢].
وقيل: لا يبصرون ما يُقرُّ أعينَهم، ولا يسمعون ما يلذُّ مسامعهم، ولا ينطقون ما يُقبل منهم.
ويردُّه: أنَّ (^١) قولَه تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥] صريح في نفي القدرة على مطلَق التكلُّم عنهم، وأن قوله تعالى: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ دلَّ على أن ذلك في الموقف قبل الانصراف عنه إلى النَّار، وبهذا اندفع احتمالُ أن يكون ذلك بعد الدُّخول فيها أو عند المشارفة عليها.
﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾: سكن لهبها.
الخَبْوُ: سكون النَّار عن الالتهاب، وما قيل: بأنْ أكلَتْ جلودهم ولحومهم (^٢)، يردُّه قولُه تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ (^٣) [النساء: ٥٦]؛ لأنَّه صريح في النَّار لا يُتجاوز في تعذيبهم عن حدِّ الإنضاج إلى حدِّ الإغراق والإفناء (^٤).
﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾: توقُّدًا، وإنَّما قال: ﴿زِدْنَاهُمْ﴾ دون: زدناها، بناءً على أنَّهم
_________________
(١) "أن "سقط من (م).
(٢) القائل هو البيضاوي في "التفسير" (٣/ ٢٦٨)، وهذا المذكور أعلاه لفظه، متابعًا الزمخشري القائل: كلما أكلت جلودهم ولحومهم وأفنتها فسكن لهبها، بدِّلوا غيرها، فرجعت ملهبة مستعرة، كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل اللّه جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها وتفنيها ثم يعيدها، لا يزالون على الإفناء والإعادة، ليزيد ذلك في تحسرهم على تكذيبهم البعث، ولأنه أدخل في الانتقام من الجاحد. انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٩٥).
(٣) "غيرها" سقط من (ك) و(م).
(٤) ذكر على هذا الكلام ردودٌ ومناقشة تنظر في "روح المعاني" (١٥/ ١٣٣).
[ ٦ / ٢٠٧ ]
وَقودُها، على ما نطق به قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (^١) [البقرة: ٢٤].
* * *
(٩٨) - ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾.
﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ قد مَرَّ تفسيرُه في هذه السُّورة.
* * *
(٩٩) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ أي (^٢) أو لم يعلموا ذلك علمًا يقوم مقام العيان في حقِّ الإيقان.
﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وإذا قدر على خلق مثلهم قدرَ على إعادتهم خلقًا جديدًا.
﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هو (^٣) الموت، أو القيامة.
﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾: جحودًا.
* * *
(١٠٠) - ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾.
_________________
(١) "والحجارة" من (م).
(٢) "أي" من (م).
(٣) في (ف): "وهو".
[ ٦ / ٢٠٨ ]
﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ فاعلٌ لفعلٍ محذوفٍ يفسِّرُه ما بعده، تقديره: لو تملكون، فحذف (لملك) وأبدل من الضَّمير المتَّصل الذي هو الواو ضميرٌ منفصل وهو ﴿أَنْتُمْ﴾ لسقوط ما يتَّصل به من اللَّفظ، كقوله:
وإنْ هو لم يحمل على النَّفسِ ضيمها (^١)
وفيه دلالة على اختصاص المخاطبين في الإمساك مع الإيجاز.
﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾، أي: خزائنَ نِعَمه.
﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ﴾، أي: لأمسكتموها.
﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾: لأجْل خوف الفقر.
﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾: مضيِّقًا للنَّفقة.
وزيادة ﴿وَكَانَ﴾ لبيان أنَّ الإنسان مجبول على الشُّحِّ والضِّنة، ومَن يوقَ شحَّ نفسه إنَّما يوقَ بعِصْمة اللّه تعالى إيَّاه، وما ذكر جوابٌ قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، حتى نتوسَّع في المعيشة؛ أي: لو توسَّعتُم لبخلتُم أيضًا.
* * *
(١٠١) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قد مَرَّ تفسيرُه في سورة الأعراف، وليس
_________________
(١) للسموءل، انظر: "ديوانه" (ص: ٩٣)، وعجز البيت: فليس إلى حسن الثناء سبيلُ
[ ٦ / ٢٠٩ ]
انفجار الماء من الحجر وانفلاقُ البحر ونَتْقُ الطُّور منها، بدلالة أنَّ الخطاب في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] لفرعون، وهذه الآيات بعضها بعد هلاكه وبعضها عنده.
﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: فاسأل علماء بني إسرائيل ﴿جَاءَهُمْ﴾؛ أي: جاء أسلافهم.
والعامل في ﴿إِذْ﴾ محذوفٌ، تقديره: فاسأل عن حديث أو قصَّة بني إسرائيل إِذْ جَاءَهُمْ.
﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾؛ أي: ساحرًا، قاله الفرَّاء وأبو عبيدة (^١)، فوضع المفعول موضع الفاعل، كما تقول: هذا مشؤوم وميمون؛ أي: شائم ويامن، ويشهد لذلك قوله:
(١٠٢) - ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾.
﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ فإنَّه ظاهر في ردِّ أن تكون تلك الآيات سحرًا.
قرأ الكسائي: ﴿عَلِمْتَ﴾ هو بالضم (^٢)؛ أي: قال موسى: علمْتُ أنا، وقرأ البا قون: بالفتح؛ أي: علمْتَ أنت يا فرعون؛ لأنَّه عاند مع علمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤].
يقول: إنَّك لصحَّة عقلك وسلامة حسِّك تعلم أنَّ ما جئْتُ به من الآيات
_________________
(١) انظر: "زاد المسير" (٣/ ٥٧)، و"تفسير القرطبي" (١٣/ ١٨٣).
(٢) انظر: "التيسير" (ص: ١٤١).
[ ٦ / ٢١٠ ]
ليس بسحرٍ، بل هي حجَّة اللّه تعالى، التي مَن تأمَّلها استبصر فيها؛ أي: تيقَّنَ أنَّها مِن عنده تعالى.
وانتصب ﴿بَصَائِرَ﴾ على الحال، والعامل فيه محذوف، تقديره: أنزلها بصائر.
﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾: هالكًا وخاسرًا، وقيل: مصروفًا عن الخير.
وكان موسى ﵇ عالمًا بذلك بيقين، وإنما قال: (أظن) إظهارًا للتَّفريط في تقرير ما ادَّعاه، وفائدته: دفع وهم المبالغة فيه، وصونُه عن مظنَّة الإفراط (^١).
* * *
(١٠٣) - ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾.
﴿فَأَرَادَ﴾ فرعون ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾: أن يُخرج موسى ﵇ وقومَه بالنَّفي أو القتل، وقد مرَّ في هذه السُّورة ما يتعلق بمعنى الاستفزاز.
﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾: أرضِ مصر، أو الأرضِ مطلقًا.
﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾: فحاق به مكرُه.
* * *
١٠٤ - ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾.
_________________
(١) كذا علل الظن في كلام موسى ﵇، وكلام الزمخشري في ذلك أوضح وألصق بالسياق حيث قال: (قارع ظنه بطنه، كأنه قال: إن ظننتني مسحورًا فأنا أظنك مَثْبُورًا هالكًا، وظني أصح من ظنك؛ لأن له أمارةً ظاهرة وهي إنكارك ما عرفتَ صحته، ومكابرتك لآيات اللّه بعد وضوحها، وأما ظنك فكذب بحت؛ لأن قولك مع علمك بصحة أمري: (إني لأظنك مسحورًا) قول كذاب. انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٩٨).
[ ٦ / ٢١١ ]
﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد فرعون وإغراقه ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ التي أراد أن يستفزَّكم منها.
هذا على تقدير دخول موسى ﵇ ومَن معه من بني إسرائيل (^١) مصرَ بعد هلاك فرعون ظاهرٌ (^٢)، وأما على تقدير عدم ذلك - على ما ذهب إليه بعضهم - فلا بُدَّ من تعيين التَّعريف في ﴿الْأَرْضَ﴾ للجنس، أو القولِ بأنَّ الأمر المذكور (^٣) لأولادِ مَن معه ﵇ لا لهم (^٤).
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ يعني: قيام القيامة ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾: مختلطِين.
اللَّفيف: ما اجتمع من النَّاس من قبائل شتَّى، قال الأصمعي: اللَّفيف جمعٌ، وليس له واحد، وهو مثلُ الجميع (^٥).
* * *
(١٠٥) - ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾؛ أي: ما أنزلنا القرآن إلى سماء الدُّنيا إلَّا محفوظًا عن اعتراء البطلان، وما نزل على الرَّسول إلَّا كذلك.
وتكرير (الحق) باسمه الظَّاهر للتَّفخيم.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ بالثَّواب للمطيعين ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالعقاب للعاصين، وليس لك شيء وراء ذلك.
_________________
(١) "من بني إسرائيل" من (م).
(٢) في (م): "ظاهرًا".
(٣) "المذكور" من (م).
(٤) في (ك) و(م): "لأبيهم" بدل "لا لهم".
(٥) انظر: "معاني القرآن" للنحاس (٤/ ٢٠٤).
[ ٦ / ٢١٢ ]
(١٠٦) - ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾.
﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾: نزَّلناه مفرَّقًا منجَّمًا، وقرئ بالتَّشديد (^١)؛ لكثرة نجومه.
﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾: تثبُّتٍ وترسُّلٍ (^٢)، فإنَّه أيسر للحفظ، وقرئ بالفتح (^٣)، وهو لغةٌ فيه.
﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ على حسب الأسباب ومقتضى الحكمة.
* * *
(١٠٧) - ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾.
﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ يتضمَّن الإعراض عنهم، والاحتقار لهم، وعدمَ الاكتراث بهم، فإنَّ إيمانهم بالقرآن لا يزيده (^٤) فضلًا، وامتناعَهم عنه لا يورثه نقصًا.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وهم مؤمنو أهل الكتاب مثلَ عبد اللّه بن سلام وأضرابِه - تعليل له؛ أي: إن لم تؤمنوا به فقد آمن به مَن هو خيرٌ منكم.
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: من قبلِ نزولِ القرآنِ.
﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن (^٥) ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾: تعظيمًا لأمر اللّه تعالى، وشكرًا لإنجاز وعده في الكتب السابقة ببعثة محمَّد ﵇.
_________________
(١) نسبت لأبي وابن عباس ومجاهد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٨).
(٢) في (ك): "ترتل"، وفي (م) زيادة: "وترسل عنهم".
(٣) نسبت لقتادة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٨).
(٤) في (ك) و(م): "يزيدهم"، وهو تحريف.
(٥) "القرآن" من (م).
[ ٦ / ٢١٣ ]
والخُرورُ: السُّقوط بسرعة، وإنما ذكر الأذقان مبالغةً في التَّحامل على الجبهة والأنف، حتى كانه يلصقُ الذقن (^١) بالأرض، واللَّام بمعنى: على، وقيل: للاختصاص. وفيه ما فيه.
وانتصابُ ﴿سُجَّدًا﴾ على الحال.
* * *
(١٠٨) - ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾.
﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: في سجودهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾. عن خُلف الوعد ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾: إنه (^٢) كانَ وعدُه كائنًا لا محالة.
* * *
(١٠٩) - ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.
﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ كرَّره لاختلاف الحال أو السَّبب، فإنَّ الأول للشكر عند إنجاز الوعد، والثَّاني لِمَا أثر فيهم من مواعظ القرآن (^٣).
﴿يَبْكُونَ﴾ أتى هاهنا بالفعل إشعارًا للتَّجدد، فإنَّ منشأ البكاء - وهو (^٤) التَّفكُّر والتَّذكُّر - ممَّا يتجدَّد، بخلاف منشأ السُّجود.
﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ سماعُ القرآن ﴿خُشُوعًا﴾ كما (^٥) يزيدهم علمًا ويقينًا باللّه، وقد مرَّ تفسير الخشوع في سورة البقرة (^٦).
_________________
(١) "الذقن" من (م).
(٢) في (ك): "إن".
(٣) "القرآن" زيادة من (م).
(٤) في (ك): "هو"، وسقط من (م).
(٥) في (ك): "لما"، وسقط من (ف).
(٦) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. ووقع في (ف): "آل عمران".
[ ٦ / ٢١٤ ]
(١١٠) - ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ نزلت حين سمع المشركون رسول الله ﷺ يقول: "يا اللّه، يا رحمن"، فقالوا: إنه ينهانا أن نعبدَ إلهًا آخر، وهو يدعوه (^١)!
والمراد: التَّسوية بين اللَّفظين بأنهما يطلَقان على ذاتٍ واحدة وإن اختلفا في اعتبار الإطلاق:
عباراتُنا شتَّى وحُسْنُكَ واحدٌ … وكلٌّ إلى ذاك الجمالِ يشيرُ (^٢) والدُّعاء بمعنى التَّسمية، وهو يتعدَّى إلى مفعولَيْن، حذف أولهما استغناءً عنه. و﴿أَوِ﴾ للتخيير.
وقيل: نزلت حين قالت اليهود: إنَّك لَتُقِلُّ ذكرَ الرَّحمن وقد أكثرَه الله - تعالى - في التَّوراة (^٣).
والمعنى: أنهما سيَّان في حسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود، ويعضده قوله:
﴿أَيًّا مَاتَدْعُوا﴾. أصله: إلَّا ما تدعوه فهو حسنٌ، فوُضِعَ موضعَه.
﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ للمبالغة والدَّلالة على ما هو الدَّليل عليه. وكونها حُسنى لدلالتها على صفات الجلال والإكرام
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٢٣).
(٢) انظر: "البرهان في علوم القرآن" (٢/ ١٦٠).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٨٨)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ٩٩) عن الضحاك.
[ ٦ / ٢١٥ ]
والتَّنوين في ﴿أَيًّا﴾ عوض عن المضاف إليه، و﴿مَّا﴾ صلة لتأكيد ما في (أيّ) من الإبهام، والضَّمير في (له) للمسمَّى؛ لأنَّ التَّسمية له لا للاسم.
﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: بقراءةِ صلاتك، على حذف المضاف؛ حتى لا يَسمع المشركون؛ فإن ذلك يحملهم على السَّبِّ واللَّغو فيها.
﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ كلَّ المخافتة حتى لا تُسمع مَن خلفَك من المؤمنين.
والمخافتةُ: خفضُ الصَّوت.
﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ﴾: بينَ الجهر والمخافتة ﴿سَبِيلًا﴾: وسطًا؛ فإنَّ خير الأمور أوسطُها.
وقيل: معناه: لا تجهر بصلاتك كلِّها، ولا تخافت بها بأسرها، وابتغ بين ذلك سبيلًا؛ بالإخفات نهارًا والجهرِ ليلًا.
* * *
(١١١) - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾.
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ فيه ردٌّ لمن قال: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ولمن قال: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ولمن قال: الملائكة بنات اللّه.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: في الألوهيَّة، وفيه رَدٌّ للثَّنويَّة القائلين بتعدُّد الآلهة.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ من اليهود؛ لأنَّهم أذلُّ النَّاس، ففيه رد لقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].
[ ٦ / ٢١٦ ]
وقال الحسين بن الفضل: يعني: لم يذلَّ فيحتاجَ إلى وليٍّ وناصرٍ، فيجيرَه من الذُّلِّ بعزَّته وكبريائه (^١).
وهذا قول حسن يعضده قوله:
﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ التكبير أبلغ لفظةٍ للقرب في معنى التَّعظيم والإجلال، وإنَّما أكِّدَ بالمصدر تحقيقًا له، وإبلاغًا في معناه.
ولَمَّا كان اتِّخاذ الوليِّ قد يكون للانتصار والاعتزاز به والاحتماءِ من الذُّلِّ، وقد يكون بالتَّفضُّل والرَّحمة لمن والى (^٢) من عباده الصَّالحين، كانَ النَّفيُ لمن ينتصر به من أجل المذلَّة، أو كان مورد الولاية يحتمل هذين الوجهَيْن، فنفى الجهةَ التي لأجْل النقص (^٣)، بخلافِ الولد والشَّريك فإنهما نُفيا على الإطلاق لعدم احتمالهما الوجهَين في شأنه تعالى.
وإنَّما رتَّب الحمد على وصفه بنفي الولد والشَّريك (^٤) والذُّل؛ لأنَّ مَن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كلِّ نعمة، فهو الذي يستحق كلَّ الحمد.
وهذه السُّورة الكريمة ابتدأت بتنزيه اللّه تعالى واختُتمت به.
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ١٩٤).
(٢) في (ف): "ولي".
(٣) في (م): "النقض".
(٤) من قوله: "بخلاف الولد … " إلى هنا من (م).
[ ٦ / ٢١٧ ]