عن سهْلِ بنِ سعدٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ: "إنَّ لكلِّ شيءٍ سَنامًا، وسنامُ القرآنِ سورةُ البقرةِ" (^١).
ولا حُجَّةَ فيه على مَن استَكرَهَ أنْ يُقال: سورةُ البقرةِ، وقال: ينبغي أنْ يُقال: السُّورةُ التي يُذكر فيها البَّقرةُ، كما قال ﵇: "السُّورة التي يُذكر فيها البقرةُ فُسطاطُ القرآنِ" (^٢)؛ لأنَّ ما يُكره من الأمة قد لا يُكره منه ﵇، ألَا ترى أنَّه قال: "لا يُؤمنُ أحدُكم حتَّى يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليهِ ممَّا سِواهما" (^٣)، وقد أَنْكرَ قولَ الأعرابيِّ: ومَن عصاهُما فقَدْ غَوى، وقال: "بِئْسَ خطِيبُ القومِ أنتَ" (^٤).
_________________
(١) رواه العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٦)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٨)، والطبراني في "الكبير" (٥٨٦٤). وفي إسناده خالد بن سعيد المدني، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه، قال: وفي فضل سورة البقرة رواية أحسن من هذا الإسناد وأصلح بخلاف هذا اللفظ وأما في تمثيل القرآن فليس فيه شيء يثبت.
(٢) رواه الديلمي في "الفردوس" (٣٥٥٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٣١٥١)، والبخاري (١٦)، ومسلم (٤٣)، من حديث أنس ﵁. ولفظ الصحيحين: "ثَلَاثٌ من كُنَّ فيه وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إليه مِمَّا سِوَاهُمَا … ".
(٤) رواه مسلم (٨٧٠) من حديث عدي بن حاتم ﵁. وكلام المؤلف هذا فيه نظر، فقد روى البخاري (١٧٥٠)، ومسلم (١٢٩٦)، عن الأَعْمَش، قَالَ: سَمِعْتُ الحَجَّاجَ، يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا البَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آل عِمْرَانَ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا =
[ ١ / ٣٥ ]
(١ - ٢) - ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﷽
﴿الم﴾ في الفواتح المقطَّعة أوجُهٌ، والأوجَهُ أنَّها أسماءُ السُّورة، وعليه الأكثر، ومحلُّها رفعٌ على الابتداء، وقيل: نصبٌ أو جرٌّ على حذْف حرفِ الجرِّ وإضمارهِ.
والمرويُّ عن الصدر الأوَّل في التهجِّي أنَّها أسرارٌ بينَ الله تعالى ونبيِّه.
وقال بعضُ الكُمَّلِ: قد يجري بينَ المحرمينِ كلماتٌ مُعمَّاةٌ تُشير إلى سرٍّ بينَهما (^١).
والمقطَّعاتُ في أوائل السُّورِ من هذا القَبيلِ، فإنَّه تعالى قد وضَعَها مع نبيِّه ﵇ في وقتٍ لا يسعُهُ فيه ملَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسَل، ليَتكلَّم بها معه على لسان جِبْرائيلَ ﵇ بأسرارٍ وحقائقَ لا يطَّلعُ عليْها جبرائيل ﵇.
ويدلُّ على هذا ما رُوي في الأخبار أنَّ جبرائيل ﵇ لمَّا نَزلَ بقوله تعالى: ﴿كهيعص﴾، فلما قال: كاف، قال النبيُّ ﷺ: "علمتُ"، فقال: ها، قال:
_________________
(١) = النِّسَاءُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِيَ حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ اعْترَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَالَ: "مِنْ هَا هنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ قَامَ الَّذِي أنزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ ﷺ ". قال الآلوسي في "روح المعاني" (١/ ٣١٧): وهو معارِض لما روي من منع ذلك، وتعيُّنِ أن يقال: السورة التي يذكر فيها البقرة، وكذا في سور القرآن كله، ومن ثمة أجاز الجمهور ذلك من غير كراهة.
(٢) هذا الكلام للسجاوندي كما في "فتوح الغيب" للطيبي (٢/ ٣٣)، و"نواهد الأبكار" للسيوطي (١/ ٢٦٩)، وزادا: وتفيد تحريض الحاضرين إلى استماع ما بعد ذلك، وهذا معنى قول السلف: حروف التهجي ابتلاء لتصديق المؤمن وتكذيب الكافر.
[ ١ / ٣٦ ]
"علمتُ"، فقال: يا، قال: "علمتُ"، فقال: عين قال: "علمتُ"، فقال: صاد، قال: "علمتُ"، فقال جبرائيلُ ﵇: كيفَ علمتَ ما لم أعلمْ (^١)؟
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أصلُ (ذلك): (ذا) اسمٌ مبهَم للإشارة، واللامُ عِوضٌ عن (ها) التي للتنْبيهِ، ولهذا لا يُجمع بينَهما، والكافُ للخطاب، فلا دلالةَ في أصل وضْعِه للبُعد (^٢)، وإنَّما ذلكَ بحَسَبِ العُرفِ الطَّارئِ، فالإشارةُ به هاهنا إلى الحاضر: إمَّا على الوضْع اللُّغويِّ، أو لأنَّ ما لا يُحسُّ بالبصرِ فالإشارةُ إليه بلفظ (ذلك) و(هذا) سواءٌ؛ لأَنَّه من حيثُ إنَّه لا يُحسُّ بالبَصر أشبهَ المحسوسَ الغائبَ، ومن حيثُ إنَّه مُدرَكٌ بالعقل أو السَّمعِ أشبهَ المحسوسَ الحاضرَ، فصحَّ فيه استعمال اللفظين، ولهذا قال جمعٌ من أئمة التَّفسيرِ والعربيَّة: إنَّ معنى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا الكتابُ، وتذكيرُه لأنَّ المُشار إليه المسمَّى - وهو ذلكَ البعضُ من القرآن - ليسَ بمؤنَّثٍ، وكذا اسمُهُ المذكورُ وهو ﴿الم﴾ ليس بمؤنَّث.
نَعَم له اسمٌ آخرُ مؤنَّثٌ وهو السُّورة، لكنَّ الإشارةَ ليستْ باعتبارها، فلا حاجةَ إلى التَّأويل في تذكيره.
وهو مبتدأٌ ثانٍ، و(الكتابُ) خبرُه، والجملةُ خبرُ المبتدأ الأوَّل، والمعنى: إنَّ ذلك هو الكتابُ الكامل.
أو خبرُ المبتدأ و(الكتابُ) صفتُه، ومعناه: هو (^٣) ذلك الكتابُ الموعود، مصدرٌ بمعنى المفعول.
_________________
(١) لم أجده، ولا يصلح هذا حجة لما قاله المؤلف؛ فإن مثله يحتاج لدليل صحيح ثابت.
(٢) في "د" و"ك" و"م": (إلى البعد).
(٣) في "م": (ومعناه وهو)، وفي "ف": (والمعنى هو).
[ ١ / ٣٧ ]
قال الراغبُ: الكَتْبُ: ضمُّ أَديمٍ إلى أديْمٍ بالخياطة، وفي المُتعارف: ضمُّ الحروفِ بعضِها إلى بعض [بالخطِّ، وقد يقالُ ذلك للمضمومِ بعضِها إلى بعضٍ] في اللَّفظ، ولهذا سُمِّيَ كتابُ الله (^١) - وإنْ لم يُكتَبْ - كتابًا (^٢).
فمَن قال (^٣): أُطلق على المنْظوم عبارةً (^٤) قبلَ أنْ يُكتبَ؛ لأنَّه مما يُكتب (^٥)، فكأنَّه لم يُفرِّقْ بين الخطِّ والكتابةِ.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في محلِّ الحال، والعاملُ فيه معنى الإشارةِ، وفيه إشارةٌ إلى كماله في نفسه.
وقوله: ﴿هُدًى﴾ إشارةٌ إلى كونه مُكمِّلًا لغيره، فيكونُ وصفًا له بالتكمِيْل بعدَ وصْفِه بالكمال.
قال الراغبُ في الفرْق بينَ الشكِّ والمِريةِ والرَّيْب:
إنَّ الشكَّ: وقوفُ النَّفْس بينَ شيئينِ متقابلينِ بحيثُ لا يترجَّح أحدُهما على الآخر بأَمارة.
والمِريةُ: التردُّد في المتقابلَينِ، وطلبُ الأمارةِ، مأخوذٌ من مَرَى الضَّرع؛ أي: مسَحَه ليدُرَّ، فكأنَّه يحصلُ مع الشكِّ تردُّدٌ في طلب ما يَقتضي غلبةَ الظنِّ.
_________________
(١) في المصدر: (كلام الله).
(٢) انظر: "المفردات في غريب القرآن" للراغب (ص: ٦٩٩) (مادة: كتب)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) في هامش "م": (رد على البيضاوي)، وفي هامش "ف": (البيضاوي. منه).
(٤) في "ح " و"ف" و"ك": (عبارته)، والمثبت من "د" و"م"، وهو الموافق لما في المصدر.
(٥) انظر: "تفسير البيضاوي" (١/ ٣٦).
[ ١ / ٣٨ ]
والرَّيبُ: أنْ يُتوهَّمَ في الشَّيء أمرٌ (^١) ما، ثُمَّ يَنكشفَ عمَّا تُوهِّم (^٢) فيه (^٣).
ولمَّا كان الرَّيبُ أضعفَ كان نفيُه أبلغَ.
ثمَّ إنَّ المَنفيَّ عنه مَنشأُ الرَّيب لا نفسُه؛ لأنَّه حالةٌ قائمة بالمُرتاب لا يَحتمِلُ أنْ توجدَ في جنس الكلامِ، فلا حاجةَ إلى نفْيِها؛ بل لا وَجهَ لهُ في مقامِ المدحِ، فتَأخيرُ الظَّرف لا (^٤) لأنَّ الحصر المستفادَ من تقديمه باطلٌ؛ لأنَّ باقيَ الكتبِ السَّماوية ليسَ بمعجِز فلا قاطعَ لعِرْقِ الرَّيب فيه، بل لتجريدِ الكلام لمَا سيْقَ له، فإنَّ المفهومَ من الحصر المذكورِ فضلةٌ في المقام (^٥)، واختيارِ ما هو أحسنُ نظمًا، وتوسيعِ دائرة القراءة (^٦) على ما ستَقِفُ عليه بإذن الله تعالى.
وقُرئ: (لا ريبٌ) بالتَّنوينِ والرَّفع (^٧)، والفرْقُ بينَها وبين المشهورةِ: أنَّ المشهورةَ تُوجب الاستغراقَ وهذه تُجوِّزُه.
﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: المشارِفينَ للتَّقوى الصائِرينَ إليه، ففيه مجازٌ وإيجازٌ وهما من أقوى أسبابِ الإعجازِ، ونكتةُ المجازِ: التنْبيهُ على قوَّة ترتُّبِ اهتدائهم على هدايتِه بحيثُ لا يتخلَّلُ بينهما زمانٌ، فكأنَّ هدايتَه بالذينَ يهتدون به هدايةٌ بالمهتدِينَ.
وإنَّما لم يقل: هدًى للطالبينَ؛ لئلا يَندرجَ تحتَ عمومه المطبوعُ على قلوبهم.
_________________
(١) في "ف": (أمرًا). ومثله في "تفسير الراغب"، ولفظه: (أن تتوهم في الشيء أمرًا).
(٢) في "ح " و"ف" و"ك": (يتوهم)، وفي "تفسير الراغب": (توهمت).
(٣) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ١١٥).
(٤) كلمة: (لا) سقطت من "ح " و"ف" و"ك".
(٥) في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (في الكتاب المقام)، والمثبت من "د".
(٦) في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (القرآن)، والمثبت من "د".
(٧) عزاها ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢) لزهير الفرقبي.
[ ١ / ٣٩ ]
(هدى) مبتدأٌ خبرُه (فيه) قُدِّم عليه محقَّقًا على قراءةِ مَن وقفَ على: (لا ريب)، ومقدَّرًا على قراءةِ مَن وَقفَ على (فيه)؛ للعناية والاهتمام، تنبيهًا على أنَّ المقصودَ بالإخبار كونُ الكتاب متضمِّنًا لهدايتهِم لا كونُهم مُهتدينَ به، وللمُحافظة على الفاصلة. وإيثارُ الظَّرف على الضَّمير المُنفصِل للإشارة إلى أنَّ الهدايةَ من بعضِ الفوائد التي تضمَّنَها.
وتنكيرُه للتَّعظيم، والهدى في الأصل مصدرٌ على (فُعَل) كالسُّرَى، وقد مرَّ تفسير الهداية وما يَتعلَّقُ به.
والتَّقوى على ما قال عليٌّ ﵁: ترْكُ الإصرارِ على المعصية، والاغترارِ بالطَّاعةِ (^١).
والمتَّقي: اسمُ فاعلٍ من قولهم: وَقَى فاتَّقى (^٢)، والوِقاية: فرْطُ العِنايةِ.
وقيل: التَّقيُّ (^٣) مَنْ سلَكَ سبيلَ المُصطفى، ونبذَ الدُّنيا (^٤) وراءَ القَفا، وكلَّفَ نفسَه الإخلاصَ والوفا، واجتنبَ الحرامَ والجَفا.
ولو لم يكنْ فضلٌ إلَّا ما فُهِم من هنا فكَفى، فإنَّه تعالى بيَّنَ في غيرِ موضعٍ أنَّ القرآنَ هدىً للنَّاس، وقال هنا: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فكأنَّه يقول: إنَّ المتَّقينَ هم كلُّ النَّاسِ فمَنْ لا يكونُ متَّقِيًا ليس منهم.
ولمَّا كان معنى قولِه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: للَّذين يتقون (^٥)، صحَّ أنْ يكونَ قولُه:
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير الخازن" (١/ ٢٧).
(٢) في "م": (وقاه فاتقاه).
(٣) في "ك": (المتقي).
(٤) في "ك": (الدينار).
(٥) في "ح " و"ف": (الذين ينفقون)، وفي "ك" و"م": (الذين يؤمنون)، والمثبت من "د".
[ ١ / ٤٠ ]
(٣) - ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ موصولةً بالمتَّقينَ (^١) على أنَّه صفةٌ مجرورة، أو مدحٌ منصوبٌ بتقدير: أعني أو أمدحُ، أو مرفوعٌ بتقديرِ: هم.
وأمَّا فصْلُه عنه على أنَّه مرفوعٌ بالابتداء مخبَرٌ (^٢) عنه بـ ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ فضعيفٌ (^٣)؛ لانفلاته ممَّا قبلَه، والذَّهابِ به مذهبَ الاستئنافِ، مع وضوح اتِّصاله بما قبلَه وتعلُّقِه به، ومبْنى الاستئنافِ على تقدير أن يُسألَ: ما بالُ المتَّقينِ مخْصوصينَ بذلكَ؟ فلا يتِمُّ الجواب إلَّا بمجموعِ القصَّتينِ، فيكونُ القطْعُ بينَهما لكمال الاتِّحاد، والظَّاهرُ أنَّه لكمال الانفصالِ في الغَرضِ والأسلوب، على ما شهِد لذلك تصديرُ القصَّة الثَّانية بـ (إنَّ) المشعرةِ بالأخذ في فنٍّ آخرَ.
والإيمان: إفْعالٌ من الأمْن، يقال: أمِنْتُه، وآمَنَنيه غيري، ثم نُقل إلى التصديق فقيل: آمَنَه [إذا صدَّقه، وحقيقتُه: آمَنه] (^٤) التكذيبَ والمخالفة، ثم ضُمَن معنى أقرَّ واعترفَ فعُدِّي بالباء.
﴿بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: بما غاب عن الحسِّ والعقل غيبةً كاملة حيثُ لا يُدركه واحدٌ منهما لا بالبديْهة ولا بالاستدلال، يعني: أحوالَ البعثِ والجنَّة والنار؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج: ٢٢ - ٢٦].
_________________
(١) في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (للمتقين)، والمثبت من "د". وجاء في هامشها: (فيه رد للقاضي التفتازاني)، ومثله في هامش "م" لكن فيه: (للفاضل) بدل: (للقاضي).
(٢) في "م": "مخبرًا".
(٣) في "م": (ضعيف)، وجاء في هامشها وهامش "ف": (فيه رد للزمخشري والبيضاوي ومن تبعهما. منه).
(٤) ما بين معكوفتين من "الكشاف" (١/ ٣٨).
[ ١ / ٤١ ]
ولقوَّة غَيْبَتِه - حيثُ غاب عن مَظهَري الحسِّ والعقل - عبَّر عنه بالمصدر؛ كما يقال لمَن بلغ الغايةَ في العدالة: عَدْلٌ.
ولكماله في معنى الغَيبة - حيثُ لم يُمكنِ استحضارُه لا بالبديهة ولا بالنظر - عُرِّفَ بتعريف الجنس، كأنَّ معنى الغَيبة إنما تمَّ فيه، وباقي الغائبينَ بمنزلة الشاهد نظرًا إليه.
ففيه إشارةٌ إلى قوَّة تصديقهم برسول الله ﷺ، ووفورِ اعتقادِهم بنبوَّته، حيثُ صدَّقوه في أخبارٍ لا طريق إلى العلم بصِدْقها لا بالحسِّ ولا بالعقل، لا بالبديهة ولا بالكسب.
وعدمُ التعرُّض للتَّصديق بالمبدأ للتنبيه على أنَّ شأنَه تعالى أظهرُ الأمور، بحيثُ كان التصديقُ به تصديقًا بأجلى المعلومات، فلا يناسب ذكره في مقام المدح بالتَّصديق بأخفى المجهولات.
وفيه نعيٌ على الدَّهْرية على أبلغ وجهٍ.
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: إقامةُ الشيء: جعْلُه قائمًا، والقيامُ: انتصابُ القامة، ولمَّا كانت هيئةُ الانتصاب أكملَ هيئاتِ مَن له القامةُ وأحسنَها استُعيرت الإقامةُ للتكميل والتَّحسين، ومنه: أقام الأمرَ: إذا أتمَّه، وجاء به معطًى حقوقَه.
وأيضًا لمَّا كان استعمالُ مَن له القامةُ بإقامتها، استُعيرت الإقامةُ للاستعمال أيضًا، ومنه: أقام القومُ سيوفَهم: إذا استعمَلوها ولم يُعطِّلوها.
فالمعنى على الأول: يُعدِّلون أركانها ويُكمِّلون حدودها.
وعلى الثاني: يحافظونَ عليها في مواقيتِها ولا يُعطِّلونها.
والصَّلاةُ: الأذكار المعروفةُ، والأفعالُ المشهورة، وأصلها: الدُّعاء، قال الله
[ ١ / ٤٢ ]
تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: ادعُ لهم، وفيما نقلَها الشَّرع إليه اشتمالٌ على الدُّعاء.
وفائدةُ الإطنابِ بزيادة الإقامة: التنبيهُ على أنَّه لم يُرِدْ إيقاعَها فقط، ولهذا لم يأمرْ بالصَّلاة ولم يمدحْ بها إلَّا بلفظ الإقامة، نحو: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] و﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، ولم يقلْ: والمصلين، إلا في المنافقين حينَ قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥].
ومنْ ثمَّة قيل: المصلُّون كثير، والمقيمونَ لها قليلٌ، كما قال [ابن] عمر ﵁: الحاجُّ قليلٌ والرَّكبُ كثيرٌ (^١).
وكثيرٌ من الأفعال التي حَثَّ الله تعالى على تَوفية حقِّه ذَكَره بلفظِ الإقامة؛ نحو: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦]. و﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩].
ولمَّا كان المعنى: يَعبدون الله تعالى بكلٍّ من نوعي العِبادة البَدنيَّة والماليَّة، عقَّبه بقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وقدَّم ما هو الأشقُّ، وبالتقديم أحقُّ؛ لأنَّه أمُّ العبادات وعِمادُ الدِّين.
ولم يقلْ: ويؤتون الزكاة، لئلا يختصَّ المدحُ بالأغنياء.
_________________
(١) في "د" و"ف" و"م": (والراكب كثير). والمثبت موافق لما في المصادر. انظر: "قوت القلوب" لأبي طالب المكي (٢/ ١٩٢)، و"الإحياء" (١/ ٢٦٣)، وما بين معكوفتين منهما. وروى عبد الرزاق في "المصنف" (٨٨٣٦) عن مجاهد قال: قال رجل عند ابن عمر: ما أكثر الحاج! فقال ابن عمر: ما أقلهم! و(٨٨٣٧) عن سعيد بن جبير قال: سمعت شريحًا العراقي يقول: الحاج قليل والركبان كثيرة.
[ ١ / ٤٣ ]
وأيضًا لمَّا ذَكَر البدنيّةَ مطلقةً شاملةً للواجبة منها وغيرِ الواجبة، ناسَبَ أنْ يَذكرَ الماليةَ أيضًا على وجهِ الإطلاق.
والرِّزقُ: اسمٌ لكلِّ ما يَنْتفِعُ به الحيوانُ، وأصله: الحظُّ والنَّصيب مِن أَيِّ نوعٍ كانَ، ثمَّ شاع إطلاقُه (^١) على ما أعطى اللهُ تعالى عبْدَه ومكَّنه من التَّصرُّف فيه حلالًا كان أو حرامًا؛ لقوله ﵇: "لقد رَزَقكَ اللهُ طيِّبًا، فاخترتَ ما حَرَّم اللهُ عليكَ مِن رِزقه مكانَ ما أحلَّ اللهُ لكَ مِن حلالهِ" (^٢).
وأمَّا ما قيلَ: لو لمْ يكنْ الحرامُ (^٣) رِزقًا لم يكنْ المُغذَّى به طولَ عُمُره مَرزوقًا، وليسَ كذلكَ؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
فيَرِدُ عليهِ: أنَّ الملازمةَ مسلَّمةٌ، وكذلكَ بُطلانُ التَّالي مسلَّمٌ إنَّما الشَّأن في وقوع المقدَّم فافْهَم.
نَعمْ هو محمولٌ هاهنا على المُباح دونَ المحظورِ، بقرينة إضافتهِ إلى الله تعالى، فإنَّ ما يُضاف إليهِ تعالى بخصوصه مُفصَّلًا حقُّه أنْ يكونَ خاليًا عن الكراهة فضْلًا عن الحُرمةِ، وإنْ كان قد تُضاف إليه الأفعالُ كلُّها على سبيل العمومِ والإجمال.
_________________
(١) كلمة: (إطلاقه) من "د" و"م".
(٢) رواه ابن ماجه (٢٦١٣) من حديث صفوان بن أمية ﵁، وفيه قصة. وفي إسناده يحيى بن العلاء البجلي وبشر بن نمير، وهما متهمان متروكان. قال الذهبي في "الميزان" في ترجمة يحيى ابن العلاء: قال أبو حاتم: ليس بالقوي، وضعفه ابن معين وجماعة، وقال الدارقطني: متروك، وقال أحمد بن حنبل: كذاب يضع الحديث، وروى عباس عن يحيى: ليس بثقة. ثم ذكر هذا الحديث وقال: وبشر هالك، فلعل الحديث من وضعه.
(٣) في "ح " و"ف" و"م": (الحلال). والصواب المثبت. انظر: "تفسير أبي السعود" (١/ ٣١).
[ ١ / ٤٤ ]
وأمَّا الحثُّ على الإنْفاق والمدحُ للمُنفِق وكونُه من المتَّقينَ، فإنَّما يَصلُح قرينةً لكون المنفَقِ مُباحًا، ولا دلالةَ فيه على عدم كونِ الرِّزق الذي ذلك المنفقُ بعضٌ منه مشتمِلًا على الحرام.
وزيادةُ حرْف التبْعيض للحثِّ على الاقتصاد المحمود؛ لأنَّه الجودُ الذي هو وسطٌ بينَ الإسراف والإقتارِ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، ففيه إخبارٌ صريحٌ في حقِّ الغابرينَ (^١) ونهيٌ ضِمنًا في حقِّ الحاضرِينَ.
وأمَّا التبذيرُ فلا حاجةَ للاحتراز عنهُ إلى أداة التَّبْعيض؛ لأنَّه بمعْزِلٍ عن مَظنَّة المدحِ به، كيفَ وهو حرامٌ منهيٌّ عنه بأبلغِ وجهٍ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]؟
بخلافِ الإسرافِ، فإنَّه قد شاعَ أنَّه لا إسراف في الخير، فكانَ مظِنَّة أنْ يُمدحَ به.
ولمَّا كان المدحُ باعتبار تخصيصِهم الإنفاقَ بالبعض الحلالِ من رِزْقِهم لا بالإنفاق مُطلقًا، كان ذِكرُ المفعولِ وتعيينُه أهم (^٢) من الإخبار عن نفْس الفعلِ، فقدَّمه عليه إظهارًا للاهتمام به والاعتناءِ بشِأْنه، ومحافظةً على الفاصلة.
والإنْفاقُ: صرْفُ المالِ إلى ذي الحاجة، لا إنفاقهُ وإذهابه مطلقًا، فالإحراقُ مثلًا ليس بإنفاق.
* * *
_________________
(١) في "ك" و"م": (الغائبين).
(٢) في "ك": (أتم).
[ ١ / ٤٥ ]
(٤) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ هم مؤمِنو أهلِ الكتابِ كعبدِ الله بن سَلامٍ وأضرابِه، معطوفون (^١) على ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، داخلونَ معهم في جُملة المتَّقينَ دخولَ أخصَّ (^٢) تحتَ أعمَّ؛ إذْ المرادُ بأولئك: الذينَ آمنوا وليْسوا بأهل الكتابِ، وبهؤلاء مُقابِلوهُم، فكانتْ الآيتانِ الكريمتان تفْصيلًا للمتَّقين.
وانَّما قدَّم غيرَ الكتابيِّ لأنَّ تصديقَهم بتلك المغيَّباتِ أغربُ، إذْ هم لم يسمعوا شيئًا منها إلى أنْ أَخبر به النبيُّ ﷺ، فهُم بالمدح بذلك الوصفِ أحقُّ، ومن ذلك تبيَّن وجهُ تخصيصِ التَّعبيرِ بالغيبِ عن المصدَّقِ به في حقِّهم، مع أنَّ مُتعلَّق التَّصديق لكلا الفريقينِ واحدٌ، وظهر أنَّ ما فُصِّل بقوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآيةَ هو بعَيْنه ما عُبِّر عنه إجمالًا بقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾.
﴿إِلَيْكَ﴾ أصله: إلَاكَ، قُلِبَ فرْقًا بينَ الإضافة إلى المُكنى وغيرِه.
والإنزال: نقْلُ الشَّيءِ من أعلى إلى أسفلَ، وهو إنَّما يَلحق المعانيَ بتوسُّطِ لُحوقه الذَّواتِ الحاملةَ لها؛ كما في إنزال القرآنِ، فإنَّه أُنزل جملةً من اللَّوح إلى سماء الدُّنيا، ثمَّ نُزِّل منها على لسان جبريلَ مُنجَّمًا على الرَّسول ﵇، أو للنُّقوش الدالةِ عليها؛ كما في إنزال التَّوراةِ، فإنَّها قد أُنزلت على موسى ﵇ مكتوبةً على الألواح، فإنْ كان المرادُ جميعَ ما أُنزل عليه ﵇ إلى حينِ نُزول هذه الآية كما هو الظاهر، فالأمرُ هيِّنٌ، فإن الإيمان (^٣) بالمُترقَّب غيرُ واجبٍ وذلك بيِّنٌ،
_________________
(١) في "ف": (عطف).
(٢) في "ح " و"د" و"ف": (أخصين).
(٣) في "ح " و"ف": (فالأمر حين الإيمان)، وفي "ك" و"م": (فالأمر بين فإن الإيمان"، والمثبت من "د".
[ ١ / ٤٦ ]
وإنْ كان المرادُ مجموعَ القرآن والشريعةِ فمَبْناه على تنزيلِ المترقَّبِ منزلةَ النّازلِ؛ لتحقُّق وقوعهِ، أو لارتباطِ بعضهِ ببعضٍ كالشَّيء الواحد، ونظيرهُ قولكَ: كلُّ ما خطَب به فلانٌ فهو فصيحٌ، ولا تريدُ به الماضيَ فقطْ بل الآتي أيضًا، أو تغليبِ (^١) النَّازلِ على ما لم ينزلْ.
وفي ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ القرآنَ غيرُ متفاوِتِ الأبعاضِ في البلوغِ إلى حدِّ الإعجازِ، فمَن آمنَ ببعضِه يؤمِنُ بكلِّه لا محالةَ.
والعدولُ عن صيغة الماضي إلى المستقبل لِمَا فيهِ مِن الحدوث والتَّجدُّدِ المتضمِّنِ للإشارة إلى أنَّ إيمانَهم بما أُنزل إليه ﵇ يَتجدَّدُ بحسب تجدُّدِ نزولِ الآيات والأحكامِ، وإلى أنَّ إيمانَهم بما أُنزل مِن قبلِه إيمانٌ حادثٌ لا إيمانٌ ثابتٌ؛ لأنَّ إيمانَهم السابقَ إنكارٌ له في الحقيقة لا تصديقٌ به.
وقدَّم الإيمان بما أُنزل إليه لأصالَتهِ، حيثُ كان صحةُ إيمانهم بما أُنزل من قَبله في ضِمن الإيمان بما أُنزل إليه وسببِه، ولهذه النُّكتةِ لم يُكرَّر الباءُ في قوله:
﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كما كرِّر في: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] والمراد بذلك: ما أنزل على الأنبياء الذينَ كانوا قبلَ محمَّدٍ عليه وعليهم السَّلام، والإيمانُ به واجبٌ إجمالًا؛ لأنَّ الله تعالى ما تعبَّدَنا الآنَ به حتى يُلزمَنا معرفَته تفْصيلًا.
نَعم إنْ عرفنا شيئًا من تفاصيلهِ فهناكَ يجب علينا الإيمانُ بتلك التفاصيلِ.
﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ تأنيثُ الآخِرِ، صفةٌ للدَّارِ كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣]، أو النَّشأةِ كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، سمِّيت بذلك لأنَّها متأخِّرةٌ عن الدُّنيا أو النَّشأةِ الأُولى زمانًا.
_________________
(١) عطف على (تنزيل) في قوله: (على تنزيل المترقب …).
[ ١ / ٤٧ ]
وقيل: الدُّنيا دُنيا لأنَّها أَدنى من الآخرة رُتبةً.
﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ تقديمُ الظَّرف للقَصر عليه؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨]. وتقديمُ المسندِ إليهِ وهو ضميرٌ مع بناء الفعلِ عليه أيضًا للقَصر عليه؛ كما في قولك: أنا سعيتُ في حاجتِكَ، والقَصران إضافيانِ كما هو الغالِبُ في استعمالاتِ البُلغاء.
والمعنى المستفادُ من القَصر الأوَّل: أنَّ (^١) إيقانَهم مقصورٌ على حقيقة الآخرة لا يتعدَّاها إلى ما هو على خلافِ حقيقتِها، وتعريضٌ (^٢) بسائر أهلِ الكتاب وبما هُم عليه من أمر الآخرةِ.
والمعنى المستفادُ من القَصر الثاني: أنَّ الإيقانَ المذكورَ لا يتعدَّاهُم إلى غيرهِم، وهذا تصريحٌ بأنَّهم على جهالةٍ في أمرِ الآخرةِ، والإيقانُ إيقانُ العِلم بإزالة الشكِّ والشُّبهة عنه، فاليقينُ: هو العِلم بالشَّيء بعدَ أنْ كان صاحبُه شاكًّا فيه، ولذلك لا يُطلق على عِلمه تعالى.
قال الإمام: ويقالُ ذلكَ في العِلم الحادث بالأمورِ، سواءٌ كان ذلكَ العِلم ضرورّيًا أو استدلاليًّا، فيقولُ القائل: تيقَّنتُ ما أردتُه بهذا الكلامِ، وإنْ كان قد عَلِم مرادَه بالاضطرار، ويقول: تيقَّنتُ أنَّ الإلهَ واحدٌ، وإنْ كان قد عَلمه اكتسابًا (^٣).
* * *
_________________
(١) كلمة: (أن) من "د" وليست في باقي النسخ.
(٢) في "م": (أو تعريض).
(٣) انظر: "تفسير الرازي" (٢/ ٢٧٨).
[ ١ / ٤٨ ]
(٥) - ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾؛ أي: أهلُ هذه الصِّفاتِ، فيُبتنَى الحكمُ على الوصفِ فيَنتفي بانتفائِه، وهذا معنى الاختصاصِ.
و(أولاءِ): كلمةٌ معناها الكِنايةُ عن الجماعة نحو: (هم)؛ جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، بُني على الكسر، والكافُ للخطاب، والجملةُ استئنافٌ لا محل لها، فكأنَّه نتيجةُ الأحكامِ والصفات المتقدِّمةِ.
﴿عَلَى هُدًى﴾ مَثَلٌ لتَمْكُّنهم مِن الهدى، شُبِّهتْ حالُهم بحالِ مَن اعْتلى الشَّيءَ ورَكِبَهْ، ونكَّر (هدًى) ليُفيد ضربًا مُبْهمًا لا يُبلَغُ كُنْهُه؛ نحوَ: لقد وقعتُ على لحمٍ.
ومعنى كونِهم على الهدى: تمسُّكُهم بمُوجَبِ الدَّلائل؛ لأنَّ الواجبَ على المتمسِّك بالدَّليل (^١) أنْ يدومَ على ذلكَ، فكأنَّه تعالى لمَّا مدَحَهُم بالإيمان بما أَنزل اللهُ عليه أولًا، مدَحَهم بالإقامة على ذلكَ ثانيًا.
﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ بنَفْي (^٢) الكسْبِ، وإثباتِ كونهِ لمحضِ العِناية والعطاءِ كالشَّيء الذَّاتيِّ المقارِنِ لوجودِهم في أوَّل الكونِ، وفيه زيادةُ تعظيمٍ لتلك الهدايةِ.
وإضافةُ الربِّ إليهم للتَّشريف، فكما تُفيد إضافةُ العبد إليهِ تعالى تشريفَه، فكذلك إضافتُه تعالى إليه تفيدُه، بلْ ذلك أقوى إفادةً له.
﴿وَأُولَئِكَ﴾ أعاد اسمَ الإشارةِ تنْبيهًا على أنَّ المقتَضِيَ للفلاح أيضًا هو اتِّصافُهُم بتلكَ الصِّفاتِ، وأنَّ كلَّ واحدةٍ من الأثرتينِ لهم بالاستقلال والانفرادِ،
_________________
(١) في (م): "بالدلائل".
(٢) في "د": (نفي)، وتحرفت في "ح " إلى: (مع).
[ ١ / ٤٩ ]
لا بتبَعيَّةِ إحداهما للأُخرى، ولو انفردتْ إحداهما لكفَتْ في تفوُّقهم بالكمال وإنافتِهم على غيرهم.
وتوسيطُ العاطفِ لتناسُبِهِما في الوجود حيثُ كان أحدُهما علةً للآخَرِ، وتغايُرِهما في المعنى المقصودِ، فإنَّ الهدى حاصل في الدُّنيا والفلاحَ في الآخرة، فالجملتانِ متوسِّطتانِ بين كمال الاتِّصال وكمالِ الانقطاعِ، بخلافِ ﴿كَالْأَنْعَامِ﴾ و﴿الْغَافِلُونَ﴾ فإنَّهما شيءٌ واحدٌ بحسب المقصودِ والمآلِ، وإنْ تعدَّدا بحسب اللَّفظ والمفهومِ (^١).
﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (هم) فصلٌ يفصِلُ الخبرَ عن الصِّفة، وُيؤكِّد النِّسبة، ويُفيد اختصاصَ المسنَدِ بالمسنَد إليهِ، أو مبتدأٌ و(المفلِحون) خبرُهُ، والجملةُ خبرُ (أولئك).
والمفلحُ: الظافرُ بمطلوبه، والفلاحُ: الخيرُ المقطوع، ومنه يقال: الفلَّاحُ، للمُكاري والأكَّارِ؛ لقَطْعِهما الأرضَ في الكِراءِ والكرابِ (^٢).
وفي المثَلِ: (الحديدُ بالحديد يُفْلَحُ) (^٣)؛ أي: يُقْطَعُ ويُصْلَحُ.
والتعريفُ للدَّلالة على أنَّ المتَّقينَ هم الناسُ الذين بلغكَ أنَّهم المفلِحونَ في الآخرة، أو الإشارةِ إلى ما يَعرفُه كلُّ أحدٍ من حقيقة المُفلِحينَ وخصوصيَّاتِهم.
_________________
(١) يعني أن ﴿كَالْأَنْعَامِ﴾ و﴿الْغَافِلُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ وإن اختلفا مفهومًا فقد اتحدا مقصودًا، إذ لا معنى للتشبيه بالأنعام إلا المبالغة في الغفلة، فالجملة الثانية مع مشاركتها للأولى في المحكوم عليه مؤكدة لها فلا مجال للعطف. انظر: "حاشية الشهاب الخفاجي على البيضاوي" (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، و"روح المعاني" (١/ ٣٧٧).
(٢) الكراب: إثارة الأرض للزرع. انظر: "القاموس" (مادة: كرب).
(٣) انظر: "مجمع الأمثال" (١/ ١١)، و"المستقصى" (١/ ٤٠٣).
[ ١ / ٥٠ ]
ولا دلالةَ في الآية على خلودِ الفُسَّاقِ من أهل القِبلةِ في العذاب؛ لأنَّ الفائزَ بمطلوبهِ في الآخرة مَن زُحْزِحَ عن النَّار وأُدْخِلَ الجنَّةَ، فالمعذَّبُ بالنَّار وإنْ لم يُخلَّدْ فيها غيرُ مفلِحٍ.
نَعَم، لو قيل: إنَّ فيها دلالةً على أنَّ الفاسقَ - بل تاركُ الصَّلاة - وإنْ كان تائِبًا لا بدَّ له مِن العذاب = لاحْتِيْجَ في جوابه إلى أنْ يقال: إنَّ المرادَ بالمُفْلحِينَ: الكاملون في الفَلاح.
* * *
(٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لمَّا أنجزَ الكلامَ في تقرير ما سيْقَ له إلى ذِكْر خاصَّةِ عِباده وخُلاصةِ أوليائه بصفاتهم التي أهَّلتُهم للهُدى والفلاح، قفَّى على أثرِهِ بذِكْرِ أضدادِهم، وهُم العُتاةُ المَرَدَةُ من الكفَّار المطبوعِ على قُلوبهم، بحيثُ لا ينجعُ فيهِم الهُدى، ولا يَجري إليهم اللُّطفُ والدَّعوةُ والإنذارُ، وإنَّما فصَل بينهما لتَباينِهِما في الغرض، فإنَّ الأُولى سيْقَت لبيان شأنِ الكتابِ، والثانيةَ سوقُها لشرح تمرُّدهِم وانهماكِهم في الضَّلال.
والتأكيدُ بـ (إنَّ) لأنَّ الخبرَ قد بَولِغَ فيهِ، وعُلِّل بما عسى أنْ يُستنكَرَ ويُستَبْعَدَ.
والتعريفُ للإشارة إلى أُناس معهودِينَ؛ أَخرجَ ابنُ جريرٍ وغيرُه بسنَدٍ صحيح عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: أنَّ المرادَ به الكفارُ من اليهود خاصَّةً (^١).
وهو الظاهرُ بقرينةِ إيلاءِ المؤمنينَ من أهل الكتابِ، ولأنَّ السُّورةَ مدنيَّةٌ وأكثرُ الخِطاب فيها لليهود.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٥٨).
[ ١ / ٥١ ]
والكُفْر - بالضم والفتح (^١) - في اللغة: السَّتْر، ومنه سمِّي الزَّارعُ كافرًا، فإنَّه يسترُ البذرَ، ونُقلَ في الشَّرع إلى عدَم قَبُول ما عُلِم مجيءُ الرَّسولِ ﵇ به عقْدًا أو قَولا؛ لِمَا فيه مِن سَتْر نورِ الفِطرةِ الأصليَّةِ الذي هو بذْرُ الكمالِ، هذا هو الكفر المقابِلُ للإيمان المُنْجي.
وأمَّا الكفرُ المقابلُ للإيمان الشَّرعي الذي لا بُدَّ فيه من الاحتراز عن أمارات عدَمِ قَبول ما ذُكِر، فيَكفي في تحقُّقهِ (^٢) وجودُ إحدى تلك الأماراتِ.
والإخبارُ بلفظ الماضي نظرًا إلى حال المخاطَبِ؛ لأنَّه مقصودٌ بالإفادة، والمتكلِّمُ (^٣) ليس بزمانيٍّ، فلا يختلفُ الإخبارُ (^٤) - بحسب دلالتِها على الأزمنة الثلاثةِ - نظرًا إليه.
﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾؛ أي: مستوٍ، عُدِل عنه مبالغةً، وإيثارُ الاسم (^٥) على الوصف؛ لتَجرُّده عن معنى الحدوثِ، وتمحُّضهِ للدَّلالة على الثُبوت.
والسَّواءُ: الاعتِدالُ في الوسَط، والوسَط: الاعتدال في المقدار، ولكون ذلكَ الاستواءِ ضارًّا (^٦) لهم غيرَ نافعٍ، قال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقلْ: سواءٌ لهم.
والفعلُ في تأويل المصدَرِ، وإنَّما عُدل عنه لِما في الفِعل من إيهام التَّجدُّد،
_________________
(١) في هامش "د" و"ف" و"م": (قال الراغب: يقال: كفر كفرًا وكفورًا، نحو: شكر شكرًا وشكورًا. منه).
(٢) في "ح " و"ف" و"ك": (في الحقيقة)، وفي "د": (في تحقيقه)، والمثبت من "م".
(٣) في "ف" و"ك": (والتكلم).
(٤) في "ح " و"ف" و"ك": (الإخبار بزيادة).
(٥) في "ح " و"د" و"ف" و"م": (وإيثارًا للاسم)، والمثبت من "ك".
(٦) في "م": (صار).
[ ١ / ٥٢ ]
وحَسُنَ دخولُ الهمزة و(أَمْ) عليه لتقريرِ معنى الاستواءِ وتأكيدهِ، فإنَّهما جُرِّدتا عن معنى الاستفهامِ لمجرَّد الاستواءِ.
والمعنى: سواءٌ عليهمُ الإنذارُ وعدمُه، فالإنذارُ وما عُطف عليه مبتدأٌ في المعنى، و(سواءٌ) الخبرُ، والجملة خبر (إنَّ).
وإنَّما قلنا: إنَّ (سواءٌ) هو الخبر؛ لأنَّ موضعَ الفائدة الخبرُ، والشكُّ إنَّما وقَع في استواء الإنذار وعدمهِ لا في نفي الإنذارِ، ومن هاهنا خرجَ وجْه العناية الدَّاعيةِ إلى تقديمه، ولفظُ الاستفهامِ لا يَمنعُ من ذلكَ، إذْ المعنى على اليَقِين (^١) والتَّحقيقِ لا على الاستفهام؛ لِمَا عرفتَ من أنَّ الهمزةَ هنا مستعارةٌ للتَّسوية.
والإنذارُ: الإعلامُ بالتَخويفِ.
وقال ابنُ عطيَّةَ: ولا يكادُ يكونُ إلَّا في تخويفٍ يَسعُ زمانُه الاحترازَ، فإنْ لم يَسعْ زمانُه الاحترازَ كان إشعارًا (^٢).
والاقتصارُ عليه لأنَّ الكفارَ ليْسوا أهْلًا للبِشارة المُطلَقة (^٣)، والبِشارةُ المعلَّقة على الإيمان تنقلبُ في حقِّهم إنذارًا؛ لأنَّهم مُصِرُّون على الكفر مصمِّمونَ. عليه، فيَنتظِم الإنذارُ هذا القسمَ من البِشارة في حقِّهم.
_________________
(١) في "ح " و"ف": (التعيين).
(٢) لم أجده في "المحرر الوجيز"، لكن عزاه إليه أيضًا السيوطي في حاشيته على "تفسير البيضاوي" المسماة "نواهد الأبكار وشوارد الأفكار" (١/ ٣٤٢)، والشهاب الخفاجي في حاشيته على "تفسير البيضاوي" المسماة "عناية القاضي وكفاية الراضي" (١/ ٢٧٢)، وقاله القرطبي في "تفسيره" (١/ ٢٨١) دون عزو لقائل.
(٣) في هامش "م": (فكأنه قيل: فما وجه الاقتصار على الإنذار؟ قال: لأن الكفار ليسوا أهلًا للبشارة المطلقة).
[ ١ / ٥٣ ]
﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مفسِّرةٌ لإجمال ما قبْلَها، فلا محلَّ لها من الإعراب، أو خبرُ (إنَّ)، وما قبلها اعتراضٌ.
ولا دلالةَ في الآية على وقوعِ التَّكليف بما لا يُطاق؛ لأنَّ الإخبارَ بوقوع الشَّيء أو عدمِهِ لا ينفي القدرةَ عليه، واستحالةُ الكذبِ على الله تعالى اللَّازمِ على تقدير وقوعِ ما أَخبر بعدم وقوعِه، إنَّما تدلُّ على عدم وقوعِ الملزومِ، لا على عدم كونِه مَقْدورًا، فإنَّ استحالةَ اللازمِ لا تستلزمُ استحالةَ الملزومِ.
وفائدةُ الإنذار بعدَ العِلم بأنَّه لا ينجَعُ: إلزامُ الحُجَّة، وحيازةُ (^١) الرسولِ ﵇ فضلَ الإبلاغِ، ولذلكَ حَكَم بالتَّسوية نظرًا إليهم دونَ إليه ﵇.
* * *
(٧) - ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
ولمَّا كان مظنَّةَ أن يُسألَ عن سبب الحُكم السَّابقِ لغَرابته استُؤنفُ الجوابُ عنه بقوله:
﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ الختْمُ والطَّبعُ: الأثرُ الحاصلُ عن نقشٍ، ويُتجوَّز بهِ عن الاستيثاق عن الشَّيء والمنعِ منه، نظرًا إلى ما يَحصلُ بالختْم على الكُتب والأبواب بالمنْع، وقد يقالُ ذلك وُيعنى به بلوغُ آخرِ الشَّيء نظرًا إلى أنَّه آخرُ فصلٍ في إحراز الشَّيء، ومنه: ختمتُ القرآن.
ولم يُرِدْ به هنا الختمَ في بَدْءِ الفِطرةِ ليكونَ التَّكليفُ ضائعًا، ويخالفَ ما رُوي عن النبيِّ ﵇ شائعًا مِن أنَّ: "كلّ مولودٍ يُولدُ على الفِطرةِ" (^٢)؛ أي: على
_________________
(١) في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (وصيانة)، والمثبت من "د".
(٢) رواه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٥٤ ]
الخِلقةِ القابلةِ للإسلامِ، ويُخرجَ النَّعيُ (^١) عليهم شناعةَ صفتهم مُخرجَ التَّشنيعِ على فاقد البصرِ بعَدَم الإبصارِ؛ بل أرادَ الخَتْم بعدما أعرَضوا عن الحقِّ وأصرُّوا على ذلكَ على ما وردَ في قوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥].
وأفصَحَ عنه ما رَوى ابنُ عُمرَ ﵁ مرفوعًا قال: "الطَّابعُ (^٢) معلَّقٌ بقائمة العَرشِ، فإذا اشتكتِ الرَّحمُ، وعُملَ بالمعاصي، واجتُرئَ على اللهِ تعالى، بعثَ اللهُ الطابعَ فطبَعَ على قلبهِ فلا يعقِلُ بعدَ ذلكَ شيئًا" (^٣).
فالإسناد إليه تعالى مجازيٌّ، لكنَّ المسنَدَ على حقيْقَتهِ (^٤).
﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أُريد بالقلب محلُّ القوَّة العاقلةِ مِن الفؤاد.
﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ السَّمع: محلُّ القوَّةِ السَّامعةِ مِن الأُذنِ، وكانَ في الأصلِ مصْدرًا، ولذلكَ وُحِّدَ في مَواضع الأمنِ عن اللَّبسِ جَرْيًا على مُقتضى الأصلِ.
وإعادةُ الجارِّ للدَّلالة على أنَّ الختْم على السَّمع بالاستقلال والأصالةِ لا تَبَعًا لختْم القلبِ؛ لأنَّ الختْمَ على السَّمع لا يتبعُ الختْمَ على القلب، بل الأمرُ على العكس، فإنَّ الختمَ على السَّمع يتبعُهُ الختْمُ على القلبِ في الجملة، ولذلكَ تركَ إعادةَ الجارِّ حيثُ قدَّمَ ختْمَ السَّمعِ على ختْم القلبِ في قوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣].
_________________
(١) في "ح " و"ف": (النفي)، وفي "م": (للنعي)، والمثبت من "د" و"ك"، وهو الصواب.
(٢) في "ف" و"م": (الطابع فطبع)، وفي "ح " و"ك": (الطابع مطبع). والمثبت من "د" وهو الصواب.
(٣) رواه البزار في "مسنده" (٥٩٨١)، والعقيلي في "الضعفاء" (٢/ ١٣٩)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٢٨٦). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٦٩): فيه سليمان بن مسلم الخشاب، وهو ضعيف جدًّا.
(٤) في "ح " و"ف": "المسند على رد حقيقة"، ومثله في "ك" لكن بلفظ: (حقيقته).
[ ١ / ٥٥ ]
وأمَّا ذِكْره في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ فليسَ بإعادة؛ لأنَّه متعلِّقٌ بما بعدَه، فإنَّ الأبصارَ داخلةٌ في حُكمِ التَّغشيةِ دونَ الختْم بخلافِ الأسماعِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] وللوفاقِ على الوقف على ﴿سَمْعِهِمْ﴾ دونَ ﴿قُلُوبِهِمْ﴾، ولأنَّ التَّغشيةَ ليستْ بمانعةٍ للسامعةِ عن الإدراك بخلاف الباصِرةِ.
﴿غِشَاوَةً﴾ رفعٌ على الابتداء، وتقديمُ الخبرِ للاهتمامِ، فإنَّ المقصودَ بالإخبارِ كونُها على الأبصارِ، والعدولُ إلى الاسميَّةِ لإفادةِ الدَّوامِ والثبوتِ تقويةً لحُكم التَّغشيةِ، وجبْرًا لِنُقصانهِ عن حُكم الختْمِ.
وقُرئ بالنَّصب (^١) عَطفًا على المختوم من باب الاستغناءِ بأحدِ (^٢) الفِعلينِ عن الآخرِ، فإنَّ العربَ إذا اجتمعَ فعلانِ متقاربانِ في المعنى، ولكلِّ واحدٍ متعلَّقٌ على حِدَةٍ، جوَّزتْ ذِكْرَ أحدِهما وعطفَ متعلَّقِ الآخرِ المتروكِ على المذكور؛ كقوله:
متقلِّدًا سيْفًا ورُمحًا (^٣)
والمصيرُ إلى تقدير فعل أو الحذفِ والإيصالِ في مثل هذا مِن ضِيْق العَطَن.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢).
(٢) في "ح " و"ف": (استغناء أحد).
(٣) أي: وحاملا رمحًا. وهذا عجز بيت كثير الدوران في كتب التفسير والنحو للاستدلال على هذه المسألة، وقائله عبد الله بن الزبعرى، وهو في ديوانه (ص: ٣٢)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٦٨)، و"الخصائص" لابن جني (٢/ ٤٣١)، وغيرها، وصدره: يا ليت زوجك قد غدا
[ ١ / ٥٦ ]
ولو لا الوفاقُ على الوقف على ﴿سَمْعِهِمْ﴾ لجازَ أنْ يكون (غشاوةً) اسمًا وُضِعَ موضعَ مصدرٍ من معنى ﴿خَتَمَ﴾ (^١)؛ لأنَّ معنى (خَتَم): غشَّى وسَتَر، كأنه قيل: تغشيَةً، على سبيل التأكيدِ، وتكونُ قلوبُهم وسمعُهم وأبصارُهم مختومًا عليها مغشَّاةً.
ولمَّا كان الختْم والتّغشيةُ مسبَّبًا ممَّا (^٢) اقترَفوه، ناسبَ تعقيْبَهُ بوعيدٍ وبيانٍ لِمَا يستحقُّونه، لا على وجْهِ التقْريعِ كيْلا يُتوهَّمَ أنَّ ما سبَق من الختْم والتَّغشيةِ سببٌ لذلكَ فقيلَ:
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ اللَّامُ الجارَّةُ إذا اتَّصلتْ بالضمير غيرِ الياءِ بُنيتْ على النَّصب، والعذابُ: كلُّ ما يمنعُ من المطلوب، يُقال (^٣): عَذِبَ الرجلُ وعَذَبَ: لم يأكل غيرَ صائمٍ.
والعِظَمُ: شِدَّةُ القوَّةِ، ومنه العَظْم، أو الزائدُ القَدْرِ، وذلك في الدنيا الإسَار، وفي العُقبى النَّارُ.
والمعنى: أنَّ تلكَ الطائفةَ مخصوصةٌ من بينِ الطَّوائف بنوع من العذاب، على أنَّ التَّنوينَ للتنويع كما في (غِشاوة)؛ أي: نوعٌ من العذاب لا يتعارَفُه النَّاسُ، وفائدتُه التَّهويلُ، وتوصيْفُه بالعظيم تأكيدٌ له، وترْكهُ في الغِشاوة تنْبيهًا على الفرق بين مَقامي التَّهويل، فإنَّ الأوَّلَ في أحوال الدُّنيا، والثاني في أحوال الآخرة، وكم بيْنَ الحالين وما فيهِما مِن الهَولَينِ.
_________________
(١) في "ك": (الختم).
(٢) في "ح ": (سببا مما)، وفي "م": (سببا فيما).
(٣) في "م" و"ك": (ويقال).
[ ١ / ٥٧ ]
(٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
ثُمَّ بعدَ ذِكْرِ المؤمنينَ وأحوالِهم، والكافرينَ وأفعالِهم، ذَكَر المنافقينَ وأقوالَهم وأعمالَهم وخصالَهم بقوله:
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (الناس) أصله: أُناسٌ جمعُ: إنسان، ولذلكَ لا يُستعمل إلَّا في معنى جماعةٍ، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢]، فحُذفت الهمزةُ وعُوِّض عنها حرفُ التَّعريفِ، وهي هنا للعهد.
و(مَن) في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ موصولةٌ، والقولُ عبارةٌ عن جملةِ ما يتكلَّم به المتكلِّمُ على وجه الحكايةِ، وَحَّدَ (يقول) نظرًا إلى لفظ: (مَن)، وجَمعَ (مَن) نظرًا إلى معناها؛ اعتُبرت جهةُ وحدتِه عند ذِكْر مقالِهم، وجهةُ تعدُّده عند بيانِ أحوالِهم، إشارةً إلى أنَّهم وإنْ كانوا متفرِّقينَ على عقائدَ شتَّى في الكُفر الباطنِ، لكنَّهم مجتمعون على كلمة واحدةٍ في إظهار النِّفاقِ.
خَصَّ هذا الصنفَ مِن بينِ الأصناف بمبالَغات وتشديداتٍ، وأبرزَ نظْمَ قصَّتِهم إبرازًا غريبًا حيثُ قدَّم الخبرَ على المبتدأ، وأبهَمهُ غايةَ الإبهام، ووصفَه بصفاتٍ عجيبةٍ؛ ليتشوَّقَ السَّامعُ إلى ذِكْر ما بعدَه مِن قبائِحهم، ونكَّرهم نعْيًا عليهم وتعجيبًا من شأنهم، يعني: انظُروا إلى هؤلاء الخَبَثةِ وقبيحِ ما ارتكبوه، كيفَ اختصُّوا مِن بينِ سائرِ النَّاس بِما لم يرضَ العاقلُ أنْ يَنْتسبَ (^١) إليه.
ولمَّا كانت فائدةُ الإخبارِ بكونهِم مِن بعض النَّاسِ استعظامَ أنْ يكونَ من جنسهِ مَن اختصَّ بمثلِ هذه الصفاتِ، فإنَّها تُنافي الإنسانيةَ بحيثُ كان ينبغي أنْ لا
_________________
(١) في "ك "و"م": (ينسب).
[ ١ / ٥٨ ]
يُعدَّ المتَّصفُ بها من جنس الإنسِ، ناسَب تصديرَ الكلامِ به (^١) وإنْ كان حقُّه التأخيرَ، وهذا النَّوعُ من الاعتبار اللطيف مدارهُ على دلالةٍ رائعةٍ خطابيةٍ لا يعتبرُها البليغُ إلا بمعونة المقامِ واقتضاءِ الحالِ، فلا يُطالَبُ بالاطِّراد.
وهذا الصنفُ أبغضُ الكفرةِ إلى الله تعالى، وأمقتُهم عنده؛ لاستعدادِهم الاهتداءَ وإمكانِ قَبولِهم لذلكَ لعدم انطفاءِ نور الفِطرةِ فيهم، مع بقائهم على الكفر، وخَلْطِهم بالكفر تمويهًا وتلبيسًا واستهزاءً وخداعًا.
وقصَّتُهم عن آخرها معطوفة على قصَّة المصرِّينَ، والاقتصارُ في وصفه الكفارَ الصِّرفَ المطبوعَ على قلوبهم على آيتين، والإطنابُ في وصْف المنافقين في ثلاثةَ عشرَ آيةً؛ للإضراب عن أولئكَ صفْحًا؛ إذ لا ينجعُ فيهم الكلامُ، ولا يُجدي لهم الخطابُ، وأمَّا المنافقونَ فقدْ يَنجعُ فيهم التَّوبيخُ والتَّعييرُ، وعسى أنْ يرتدِعوا بالتَّشنيع عليهم وتفظيعِ شأنِهم وسيرتِهم، وتهجينِ عادتِهم، وخُبْثِ نيَّتهم وسريرتِهم، وينتبهوا (^٢) بتَقبيْح صورةِ حالِهم، وتفضيحِهم بالتَّمثيل بهم وبطريقتِهم، فتلينُ قلوبُهم، وتنقادُ نفوسُهم، وتتزكَّى (^٣) بواطنُهم، وتضمحلُّ رذائلُهم، فيرجعون عمَّا هم عليه، وَيصيرونَ من المستثنَينَ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] (^٤).
_________________
(١) "به" ليست في "ك" و"ف".
(٢) في هامش "م": (وتنبيههم).
(٣) في "خ"و"ك": (بتزكي).
(٤) هذا التعليل للاقتصار والإطناب في وصف كل من الكافرين والمنافقين فيه نظر، فالمنافق كما يظهر من استقراء السيرة والواقع ليس أقل بعدًا عن الإيمان من الكافر، وإنما كان الإطناب - والله أعلم - في وصف المنافقين للتعريف بهم وبخطرهم العظيم على المجتمع المسلم؛ لمحاولتهم إخفاء=
[ ١ / ٥٩ ]
﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر﴾، أي: يومِ البعثِ، وتوصيفُه بالآخِرِ لتأخُّره عن الدُّنيا، والمرادُ: صدَّقنا بالمبدأ والمعادِ، وفيه إحاطةُ الإيمان بقُطريه، وفي تكرير الجارِّ ادعاءُ التعريفِ بكلٍّ منهما على الأصالة.
وما قيلَ: فيه إيذان بأنَّهم منافقون فيما يظنُّونَ أنَّهم مخلصونَ فيه، فكيفَ بما يقصدونَ به النفاقَ، فإنَّ القومَ كانوا يهودًا، وكانوا يؤمنون بالله واليوم الآخرِ إيمانًا كلا إيمانٍ، لاعتقادهِم التَّشبيهَ واتخاذَ الولدِ، وأنَّ الجَنَّة لا يدخلُها غيرُهم، وأنَّ النّارَ لم تمسَّهم إلّا أيامًا معدودةً وغيرَها، ويرونَ المؤمنينَ أنَّهم آمنوا مثْلَ إيمانِهم (^١) = مبناهُ على أنْ يكونَ التصرُّفُ بتخصيصها بالذِّكر في الحكاية دونَ المحكيِّ، وذلك خلافُ الظَّاهرِ.
ثُمَّ إنَّ تَمْشيةَ ما ذُكَر على تقديرِ أنْ لا يكونَ مرادُهم من الإيمان بالله وباليوم الآخرِ التصديقَ بجميع ما لا بدَّ منه في دين الإسلامِ، والظاهرُ خلافه على ما مرَّ الإشارةُ إليه.
ثمَّ إنَّ بيانَه بقوله: فإنَّ القومَ كانوا ..، إنَّما يُفيد أنَّهم مخطئونَ فيما يعتقدونَ أنَّهم مصيْبون فيه، لا أنَّهم منافقونَ فيما يظنُّونَ أنَّهم مُخلِصونَ فيه؛ لأنَّ الخطأَ لا يستلزمُ النِّفاقَ، وذلك ظاهرٌ؛ بل نقولُ: شرْطُ النِّفاق الكتمُ، وهم لا يكتمونَ ذلكَ.
﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (ما) نائبةٌ عن (ليس)، ولهذا أُعقبتْ بالباء، والضميرُ للمعهودِينَ، والمعنى: نفيُ ما انتَحلوا إثباتَه، ولأجل التَّأكيدِ والمبالغة في نفْي إيمانِهم
_________________
(١) = حقيقتهم، وتسترهم بستار الدين، فكان لا بد من التوسع في التعريف بهم، بينما الكفار معروفون مكشوفون، بل كثيرًا ما تجد الكافر بعيدًا عن سمة النفاق، واضحًا في إظهار حقيقته، والله أعلم.
(٢) القائل البيضاوي في "تفسيره" (١/ ٤٤).
[ ١ / ٦٠ ]
جاءت الجملةُ المنفيَّةُ اسميةً مصدَّرة بـ (هم)، وسُلِّط (^١) النَّفي على اسم الفاعلِ الذي ليس مُقيَّدًا بزمانٍ ليشملَ (^٢) النَّفيُ جميعَ الأزمان، ويُجرَّد الكلام للدَّلالة على ما سيقَ له، ولم يُؤت بشيءٍ زائدٍ عليه إلَّا ما يشدُّ من عضُدِه كحرف الباء لتأكيد النَّفي.
وإطلاقُ الإيمان في سياق النَّفي - وكان مقيَّدًا في الإثبات - لأنَّه غيرُ منجَّزٍ، فمَن أخلَّ ببعضِ ما لا بدَّ منه ليس بمؤمنٍ أصلًا، لا أنَّه مؤمنٌ ببعضٍ دونَ آخر.
والآيةُ الكريمةُ لا تنهضُ حُجَّة على الكرَّاميَّة، لا لأنَّهم (^٣) يشترطونَ في كون الشَّهادتينِ إيمانًا عدمَ مخالفة القلبِ اللسانَ، أعمَّ من أنْ يكونَ موافقًا له أو فارغًا عنهما؛ لأنَّ احتجاجَهم بأنَّه تواترَ أنَّ الرسول ﵇ والصحابةَ والتَّابعين - رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعينَ - كانوا يَقنَعون بالكلمتين ممَّن أتى بهما، ولا يَستَفسرونَ عن علمه وتصديقه القلبيِّ وعملِه، فيَحكمون بإيمانه بمجرَّد الكلِمتينِ، فعلمنا أنَّه الإيمان بلا عِلم وعملٍ، صريحٌ (^٤) في عدم الاشتراط بالقيد المذكور، بل لأنَّ كلامَهم - على ما دلَّ سياقُ احتجاجِهم - في الإيمان الشَّرعيِّ المعتبرِ عندنا في إجراء أحكامِ الإسلام في الدُّنيا، لا الإيمانِ الحقيقي المعتبر عند الله تعالى المُنْجي عن (^٥) الخلود في النَّار، فلا يندفعُ قولُهم بالإجماع على أنَّ المنافقَ كافرٌ، ولا بالإجماع على أنَّ مَن هَمَّ بالشَّهادتينِ فمنَع مانعٌ من خرَسٍ أو خوفٍ مؤمنٌ.
_________________
(١) في "ح " و" ف" و"ك" و"م": (وسلطوا)، والمثبت من "د".
(٢) في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (يشمل)، والمثبت من "د". وكلمة (النفي) بعدها ليست في "ح ".
(٣) في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (لأنهم) بإسقاط (لا)، والمثبت من "د"، وهو الصواب.
(٤) قوله: (صريح) خبر (أنَّ) في قوله: (لأنَّ احتجاجَهم …).
(٥) في "ف": (من).
[ ١ / ٦١ ]
(٩) - ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ يعني: رسولَه، فالتجوُّزُ في الإسناد تفخيمًا لشأنه ﵇، وتنبيهًا على أنَّ المعاملةَ معه فيما يتعلَّق بالرِّسالة معامَلةٌ مع المرسِل في الحقيقة، وكونُهم من أهل الكتابِ العارفينَ بأنَّه تعالى لا ينخدعُ، فلا يُناسبهم قصدُ خداعهِ، وإنَّما يُناسبهم قصدُ خداعِ الرَّسولِ؛ لأنَّهم يُنكرون نبوَّته، كفى قرينةً (^١) للمجاز.
والمعنى: يعملون له عملَ المخادعِ.
والخِداعُ: إظهارُ ما يخالفُ (^٢) الإضمارَ، ويرادُ به التغريرُ، ومنه: الأخْدَعانِ؛ لاستتارِهما تارةً وظهورِهما أُخرى، وأنَّه مفاعلةٌ من واحد نحو: طارقتُ النَّعلَ، وعاقبتُ اللِّصَّ، وما في الصِّيغة من المبالغة للإفصاح عن بلوغهم الغايةَ في وجهَي النِّفاقِ؛ لأنَّه بيانٌ لـ (يقولُ) تابعٌ لصلة (مَن).
أو لا محلَّ له من الإعراب في موضع الاستئنافِ بذِكْر ما هو الغرَضُ منه، كأنَّه سئلُ عن أصل دعواهُم، وعن كيفية مبالغتِهم فيه المُنْفهمةِ من ذِكر الإيمان بقُطريه وتكرير الباءِ، فأُجيبَ عنهما معًا: عن الأصْل بالأصلِ، وعن الوصْف بالوصف.
وعلى تقديرِ اعتبارِ الخداع من الجانبينِ يزيدُ البيانُ على قَدْر الحاجةِ، وُيفصَل الكلامُ عن مُقتضى المقامِ.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ يجوزُ أنْ يكونَ ذِكرُ اللهِ تعالى توطئةً، والمرادُ مخادعةُ المؤمنين، مِن قولهم: أعجبَني زيدٌ وكرمُه، وفائدةُ هذه الطريقةِ بيانُ قوة اختصاصِهم، وكونِهم من اللهِ تعالى بمكانٍ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧].
_________________
(١) في "ح ": (يكفي قرينته)، وفي "ف" و"ك" و"م": (كفى قرينته)، والمثبت من "د".
(٢) في "ح" و"ف" و"ك": (يخاف).
[ ١ / ٦٢ ]
﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ نفْسُ الشَّيءِ: ذاتُه، وهي من النَّفاسة.
يقال: خادَعَ إذا لم يبلغْ مرادَه، وخدَعَ: إذا بلَغ مرادَه، فلمَّا لم يَنفُذْ خداعُهم فيما قصدوا كان مخادعةً، ولمَّا وقعَ (^١) ضررُ فعلِهم على أنفُسِهم كان في حقِّ أنفُسهم خَدْعًا (^٢)؛ أي: لم يرجعْ وبالُ خداعِهم إلَّا إليهِم؛ لأنَّهم لمَّا سلَكوا مسْلَكَ الخِداع نزلوا بقدَمِ النِّفاقِ الدَّرْكَ الأسفلَ مِن النَّار (^٣)، فكانتْ مفسدةُ خداعِهم راجعةً إلى أنفُسِهم.
والواو عاطفةُ الجملةِ على الجملة، وفي ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ واوُ الحال، أو بالعكس.
والشُّعور: هو الإدراكُ الحِسِّيِّ، ومشاعرُ الإنسان: حواسُّه الظاهرةُ والباطنة؛ أي: ما يُحِسُّون أنَّ ضررَ الخِداع لا يلحقُ إلَّا بهِم؛ لِتمادِي غفلتِهم، فإنَّه منْ شِدَّة ظهورِه كالمحسوس المشاهَدِ، فكأنَّه لا حِسَّ لهم أصلًا.
وليس نفْيُ الشُّعورِ هنا كنَفيهِ في قوله تعالى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨]؛ لأنَّه لبيانِ العُذر (^٤) من جهتِهم، وهذا لتعظيم الأمرِ على المنافقينَ، وأنَّهم مع جهلهِم يجهلون جهلَهم؛ كما قال:
جهلتَ ولم تعلمْ بأنَّكَ جاهلٌ … وذاكَ لَعَمري من تمَام الجهالةِ
_________________
(١) في "ك": (كان).
(٢) في "م": (خداعًا).
(٣) في هامش "م": (أي: لما قصد المنافقون أن يخدعوا بالسلوك مسلك الخداع وإن لم يصل المطلوب لعدم نفود خدعهم إلى الله ورسوله، نزلوا بقدم النفاق الدرك الأسفل من النار).
(٤) في "ح " و"ك": (بيان للعذر)، وفي "ف" و"م": (بيان العذر).
[ ١ / ٦٣ ]
(١٠) - ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ آثَر حرفَ الظَّرفِ على أداة الملابَسةِ؛ ليدلَّ على الاستقرار (^١) والرُّسوخ.
﴿مَرَضٌ﴾؛ أي: تردُّدٌ واضطرابٌ، استُعيرَ المرضُ للعَرَض النَّفسانيِّ، وتنكيرُه للتنويع؛ أي: نوعُ مرضٍ ليس ما يتعارفُه النَّاسُ، شبَّههم بمرضَى لاضطرابهم في الدِّين؛ لأنَّهم كانوا يُظهرونَ الموافقةَ للمؤمنينَ بالقول، ويُضمِرونَ لهم الخلافَ بالقلب، فكان حالُهم كحالِ المريض إذ هو مشرِفٌ على الموت، ويُرجى الإقبالُ منه ثانيًا.
وأمَّا سائرُ الكفَرةِ فإنَّهم لم يضطَرِبوا في الدِّين، بل أظهَروا بالقول ما أضمَروا بالقلب، فسمَّاهم اللهُ تعالى موتى، وسمَّى المؤمنينَ أحياءً؛ لأَنَّهم اطمَأنوا على الإيمان قولًا وعقيدةً.
﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ بتكرير الوحي وازديادِ التَّكاليف، ولا تجوُّزَ في الإسناد كما تَوهَّم مَن لا يرى صدورَ القبيحِ عنه تعالى، ولا يدري أنَّ القبيحَ بالنسبةِ إلى الكاسبِ لا بالنِّسبة إلى الفاعل، وأصلُ الكلامِ: فزاد اللهُ مرضَهم.
وإنَّما عدَل إلى ما في النَّظم لنكتة سَرِيةَّ، فلا دلالةَ في تنكير المرضِ الثاني على مغايرته للأوَّل حقيقةً، كيفَ وفي تصدير الكلامِ بالفاء دلالةٌ على تفريع الثاني على الأوَّل؟
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: مؤلِمٌ؛ نحو: سميعٍ وخَصيبٍ، بمعنى: مُسْمِعٍ ومُخْصِبٍ، ذَكَره الرَّاغب (^٢)، وُصفَ (^٣) به العذابُ للمبالغةِ.
_________________
(١) في "ح" و"ف" و" ك": (الاستمرار).
(٢) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ١٠٠).
(٣) في "م": (ووصف).
[ ١ / ٦٤ ]
وإنَّما وُصف عذابُ المختومِ على قلوبهم بالعِظَم؛ لأنَّهم حُرموا عن جدوى المشاعرِ، وحُجِبوا عن عالَم النُّور، وحُبِسوا في سجون الظُّلماتِ، فما أعظَم عذابَهم وإن لم يُحسُّوا بإيلامهم كعُضوِ الميِّت والمفلوجِ! وعذابُ المنافقينَ بشدَّة الإيلامِ؛ لأنَّ مشاعرَهم غيرُ مؤوفة (^١)؛ لعدَم انطفاءِ نورِ فطرتِهم، والألمُ بقدْر إدراكِ المؤلمِ، فلمنافاة نورِ استعدادِهم لِمَا رسخَ فيهم من الرذائل والملَكات الرَّديَّة والصِّفاتِ الظُّلمانيَّة يتألَّمون، وكان إدراكُهم لذلك أشدَّ إيلامًا، وعذابُهم أقوى وأنكى، وإنْ كان عذابُ الأوَّلينَ - لشدَّة حِجابِهم وغايةِ بُعدِهم من النُّور - أعظمَ؛ لعدَم منافاةِ ذواتِهم لصفاتهم، وضعفِ إدراكِهم لذلكَ، فلم يُحسُّوا بالألم بخلاف هؤلاء.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ بسبب ثباتِهم واستمرارِهم على الكذب، وزيادةُ (كان) للثَّبات، وصيغةُ الفعل للاستمرار التَّجَدُّدِي.
وفيه دلالةٌ على أنَّ العذابَ الأليمَ لاحقٌ بهم من أجْل كذبِهم الذي هو أدنى حالِهم في الكفر والنِّفاقِ، فكيفَ سائرُ الأحوال؟
ولا دلالةَ فيه على أنَّ الكذبَ - وهو الإخبار بالشَّيء على خلاف الواقعِ - يُستحَقُّ به العذابُ مطلقًا، كيفَ وقد صُرِّح في كتب الفقهِ أنَّ الكذبَ لإحياء الحقِّ مباحٌ؟
قال الإمامُ الغزاليُّ: إذا اختفى مسلمٌ من ظالم وسألَ عنه وجبَ الكذبُ بإخفائه (^٢).
_________________
(١) المؤوفة بزنة معونة - بفتح فضم يليه واو ونون وهاء -: هي التي أصابها ما أفسدها وأبطل إحساسها. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (١/ ٢٨٢).
(٢) انظر: "إحياء علوم الدين" (٣/ ١٣٧)، و"الأذكار" (ص: ٣٠١)، وعنه نقل المؤلف.
[ ١ / ٦٥ ]
(١١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ عطفٌ على (يقولُ) فلا محلَّ له من الإعراب، ولا بأسَ بالتخلُّل بين أجزاء الصِّلة بالبيان والاستئنافِ؛ لأنَّه ليس بأجنبيٍّ، فالآياتُ على سَنن تعديد قبائحِهم وتوصيفِهم بالأوصاف المذكورة قصدًا واستقلالًا.
ويحتملُ أنْ تكونَ مستأنفةً؛ إذ هذه الجملةُ والجملتانِ بعدَها من تفاصيل الكذبِ ونتائجِ النِّفاقِ.
ألَا ترى قولَهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]، وقولَهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، وقولَهم عند لقاءِ المؤمنينَ: ﴿آمَنَّا﴾ [البقرة: ٨] كذبٌ محضٌ، فناسَب جعْلُ ذلك جُملًا مستقلَّةً ذُكرتْ لإظهار كذبِهم ونفاقِهم.
والإفسادُ: جعْلُ الشَّيءِ فاسدًا خارجًا عمَّا ينبغي أنْ يكونَ عليه، وعن كونِه منتفَعًا به، وكان (^١) من إفسادِهم في الأرض (^٢) هَيْجُهم الحروبَ والفِتنَ؛ لمُخادعة المسلِمينَ، وممالأةِ الكفَّارِ عليهم، بإفشاءِ الأسرارِ إليهم.
والظَّاهرُ أنَّ القائلَ مَن شافَهَهُم من الرَّسول والصَّحابة، والثاني أقرب.
﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ لمَّا كان نهيُهم عن الإفساد مُشعِرًا بأنَّ فيه إفسادًا نَفَوا ذلك عن أنفسِهم بادِّعاءِ أنَّهم مقصورونَ على الاصلاحِ من غير شائبةِ إفسادٍ، وآثروا (إنَّما) دلالةً على أنَّ ذلكَ الدعوى ظاهرٌ بيِّنٌ لا ينبغي أنْ يُشكَّ فيه.
_________________
(١) في "ح "و"م": (فكان).
(٢) (في الأرض) ليست في "ح " و"ف" و"ك".
[ ١ / ٦٦ ]
وفيه تنبيهٌ على أنَّهم يتصورونَ إفسادَهم بصورة الإصلاحِ لِمَا في قلوبِهم من المرض؛ كما قال اللهُ تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]. وقوله: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. فردَّ الله تعالى ذلكَ بقوله:
* * *
(١٢) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ قصْرُ قلبٍ؛ أي: هم مقصورون على الإفساد لا ينتظِمونَ في جملة المصلِحينَ أصلًا، مع المبالغةِ على أبلغ الوجوهِ وآكدِها؛ من الاستئنافِ المقصودِ به تمكُّنُ الحكمِ في ذهن السَّامعِ فضْلَ تمكُّنٍ؛ لحصوله بعد التشويقِ الحاصلِ من ذِكْر ادِّعائِهم الإصلاحَ على وجهٍ أبلغَ مع توغُّلهم في الإفساد، فإنَّه يُشوِّق السامعَ أنْ يعرفَ (^١) ما حَكَم اللهُ عليهم، والشَّيءُ إذا وُجِد بعد الطَّلبِ يكونُ أعزَّ ممَّا فوجِئَ (^٢) به من غيرِ النَّصَب.
وتصديرِ (^٣) الجملةِ بـ (ألَا) و(إنَّ) للتنبيهِ والتَّحقيقِ، وذلكَ أنَّ (ألَا) مركَّبةٌ مِن همزةِ الاستفهامِ وحرفِ النَّفي لإعطاء معْنَى التنْبيهِ على تحقّقِ ما بعدها، والاستفهامُ إذا دخلَ النَّفيَ أفاد التَّقريرَ والتَّحقيقَ؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِر﴾ [القيامة:٤٠]، وتكونُ همزة الاستفهام بهذه المثابةِ من التَّحقيق تُتَلقَّى بما يُتلقَّى به القسَمُ، وأختُها (^٤)
_________________
(١) في "ح " و"ك" و"م": (يصدق)، وفي "ف": (يقصد)، والمثبت من "د".
(٢) في "م": (جيء).
(٣) قوله: (وتصديرِ …) معطوف على كلمة (الاستئناف) في قوله: (من الاستئناف المقصود به …). وانظر ما سيأتي بعد تعليق.
(٤) أي: أخت (ألا).
[ ١ / ٦٧ ]
التي هي (أمَا) من مقدِّمات القسَمِ وطلائعهِ، وتوسيطِ (هم)، وتعريفِ الخَبرِ، والاستدراكِ (^١) بقوله:
﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُون﴾ وهذا أَولى من نفي العِلم مُطْلقًا، المستلزمِ لنفْيِ العِلم الخاصِّ؛ لأنَّ مَن لا يشعرُ بالضَّروريات لا سيَّما المحسوساتُ منها أَولى أنْ لا يعلمَ غيرَها، وهذا من هذا الوجه؛ لأنَّه نفيٌ مع دليلٍ، ولأنَّه يُنادي عليهم بانحطاطِ رُتبتهم عن رُتبة البهائمِ، ويُؤذِن بأنَّ معلومَه من أجلِّ المعلوماتِ، ولا كذلك: لا يعلمون، وهذا الأخير هو الأصل والباقي مؤيِّد.
(١٣) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا﴾ نُهوا عن الإفساد ثُمَّ أُمروا بالسُّلوك إلى (^٢) سبيل الرَّشادِ، وبدأ بالمنهيِّ عنه لأنَّه الأهمُّ وهو ترْكٌ، والتركُ أسهلُ عن إتيان المأمورِ به، فكان في ذلكَ تدريجٌ لهم.
﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ (كما آمن) في محلِّ النَّصبِ على المصدرَّيةِ، وهو في الحقيقة
_________________
(١) قوله: (وتوسيط … وتعريف … والاستدراك) كلها مجرورة بالعطف على (الاستئناف)، كما تقدم في قوله: (وتصديرِ …)، ومعنى الكلام: أي: مع المبالغة على أبلغ الوجوه: بالاستئناف المقصود به تمكين الحكم في ذهن السامع، وبالتأكيد بحرفي التنبيه والتحقيق المقصود بهما تنبيه السامع للحكم، وتقرره عنده بحيث لا مجال فيه للريبة، وبتعريف الخبر المفيد للحصر، وبتوسط ضمير الفصل المؤكد لذلك، وبقوله (ولكن لا يشعرون) الدال على أن كونهم مفسدين مما ظهر ظهور المحسوس، لكن لا إحساس لهم ليدركوه.
(٢) في "م" و"ك": (في).
[ ١ / ٦٨ ]
صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إيمانًا مثلَ إيمانِ النَّاسِ، واللَّامُ في (النَّاس) للجنْس، إمَّا لأنَّهم الكاملون في الإنسانيَّةِ من بابِ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، وإمَّا لأنَّ غيرَهم ليس بناسٍ حقيقةً؛ لقُصُورهم وانحطاطِهم عن رُتبةِ الإنسانيَّةِ، بل رتبةِ البهيميَّةِ، وفي الأول نظرٌ إلى كمال المؤمنينَ، وفي الثاني إلى قُصور غيرِهم على نحو:
إِذِ النَّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زمانُ (^١)
وهذا أبلغُ في هذا المقامِ، ولا دلالةَ فيه على قَبول توبةِ الزِّنديقِ؛ لأنَّ النِّفاق غيرُ الزَّنْدقةِ، كيفَ ويُقتلُ الزِّنديقُ دونَ المنافقِ؟ ولم يقلْ أحدٌ: إنَّ في عدمِ قتْله ﵇ المنافقَ (^٢) دلالةٌ على عدم قتْلِ الزِّنديق.
ثُمَّ إنَّ دلالةَ التقييدِ على أنَّ في أفراد الإيمانِ تفاوتًا بالكمال والنُّقصانِ، لا على أنَّ الإقرارَ باللِّسان وحدَه إيمانٌ.
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ﴾ الاستفهامُ للإنكارِ.
﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ لمَّا كان المأمورُ به مشبَّهًا آتَوا بإنكارهم مشبَّهًا (^٣)، واللَّامُ للعهد والإشارةِ إلى الناس، والسَّفهُ: خِفَّةٌ في البَدَنِ أو في المقال يقْتَضِيْها نقصانُ العقلِ، والحِلْم: رَزانةٌ في البَدنِ يقتَضيْها وفورُ العقلِ.
نَصحُوهم بأمرين (^٤): تقبيحِ ما هُم (^٥) فيه لأدائهِ إلى الفساد والفِتنةِ، وتبصيرِهِم
_________________
(١) عجز بيت كما في "يتيمة الدهر" للثعالبي (٤/ ٣١١)، وصدره: بلاد بها كنا وكنا نحبها (٢)
(٢) في "ح " و"ك" و"م": (عدم قتله دم المنافق)، وفي "ف": (عدم قتل المنافق)، والمثبت من "د".
(٣) في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (شبيهًا أتوا بإنكارهم شبيهًا)، والمثبت من "د".
(٤) في "ح " و"ف" و"ك": (يصحون بأمر من)، والمثبت من "د" و"م".
(٥) في "م" و"ك": (حالهم).
[ ١ / ٦٩ ]
طريقَ الهدى والصَّلاحِ، فما كان جوابُهم إلَّا أنْ سفَّهوهم وادَّعوا الصلاح فيما كانوا عليهِ بجهلِهم المركَّبِ، وتماديْهِم في غيِّهم، وإفراطِهم في السَّفه، واعتقادِهم أنَّ ما هم عليه هو الحقُّ، وأنَّ ما عليه المؤمنون هو الباطلُ، فكانوا عندَهم سفهاءَ.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ردٌّ على وجه المبالغةِ في تجهيْلِهم، فإنَّ الجاهلَ الجازمَ على خلافِ ما هو الواقعُ أتمُّ جهالةً وأعظمُ ضلالةً من المتوقِّف المعترِفِ بجهلِه، فإنَّه ربَّما يُعذرُ (^١) وتنفعُه الآياتُ والنُّذرُ.
والتفصيلُ بـ (لا يعلمون) (^٢)؛ لأنَّ تسفيْهَهم العلماءَ الأعلامَ لا يكونُ إلا لغاية السَّفهِ والجهل المركَّبِ، ومعرفةُ الحقِّ والإيمانُ به، وكونُ المؤمنينَ على الحقِّ، وكونُهم على الباطل، أمرٌ نظريٌّ لا يتعلق بالحسِّ، بخلافِ الفسادِ في الأرض، ولأنَّ ذِكْرَ العِلم مع السَّفهِ - وهو جهْلٌ - أحسنُ طباقًا.
(١٤) - ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تقول: لَقيْتُه ولاقَيْتُه: إذا استقبَلْتَه قريبًا منه، بيانٌ لمعاملَتِهم مع المؤمنينَ والكفارِ، وما سبَقَ سيْقَ لبيانِ مذهبِهم وتمهيدِ نفاقِهم، فلا تكرير، على أنَّ المعنى: من النَّاس مَن يتفوَّه (^٣) بالإيمان نِفاقًا للخداع، وذلكَ
_________________
(١) في "ح " "ف" و"ك": "يفيد"، وفي "م": (يعتذر)، والمثبت من "د".
(٢) في هامش "م": (أي: تفصيل هذه الآية بـ (إلا يعلمون)، والآية السابقة بـ (لا يشعرون). منه.) وتحته: (التفصيل من الفاصلة كالتقفية من القافية. منه).
(٣) في "ح " و"ف" و"ك" و"م": "ينفق"، وفي "د": (يتفق). والمثبت من "حاشية الشهاب على البيضاوي" (١/ ٣٣٨)، و"روح المعاني" (١/ ٤٤٣).
[ ١ / ٧٠ ]
عندَ لقاءِ المؤمنينَ، وفيهِ زيادةُ بيان أنَّهم ضَمُّوا إلى الخداع الاستهزاءَ، ولا يتفوَّهون بالكلمة إلَّا عند الحاجةِ.
﴿قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا﴾ تقول: خلَوْتُ به وإليه: إذا انفَرَدْتُ معه.
﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ الشيطان: فيْعالٌ مِن شَطَنَ: إذا بَعُدَ؛ لِبُعدِه عن الحقِّ، أو فَعْلانُ من شاطَ: إذا بطَل، ومن أسمائه: الباطلُ.
وقال الرَّاغبُ: مِن شاطَ: إذا احترقَ غضَبًا (^١).
والمراد: متَمرِّدوهُم وشُطَّارُهُم.
﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ خاطَبوا المؤمنينَ بالجملة الفعليَّةِ ادِّعاءً لإحداث الإيمانِ، إذ لا يَروجُ عنهم دعوى التَّحقيقِ (^٢)، أو (^٣) لا تساعدهم أنفسُهم على ذلك، إذْ ليسَ لهم صِدْقُ رغبةٍ ولا قوَّةُ داعٍ. وشياطينَهم بالاسميَّة مع التأكيدِ؛ لوجود الأمرينِ، ونفْيِ الشكِّ والتردُّدِ عنهم في كذب قولهم: (آمنَّا)، واستمرارِهم على دينهم وموافقتِهم.
ولكَ أنْ تقولَ: إنَّ مقتضَى المقامِ في الأوَّل تجريدُ الكلامِ عن جنْس المؤكِّد؛ لأنَّ التأكيدَ والتقويةَ فيه لا يخلو عن تذكيرٍ لنفاقهم، من حيثُ باعتبارِ أنَّ فيه دلالةً على إنكار المخاطَبِ وسوءِ ظنِّه، وهمْ في صدد التجنُّبِ فيه، والاحترازِ عن مظانِّه.
ومقتضَى المقامِ في الثاني تحليةٌ به؛ لأنَّ إظهارَهم الإيمانَ وموافقتَهم المسلمينَ في ظاهر الأحكامِ كان مظنّةً لإنكارِ المخاطَبينَ ثباتَهم على اليهوديَّةِ (^٤).
_________________
(١) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ١٠٣).
(٢) أي: لا يتوقعون رواج ادعاء الكمال في الإيمان على المؤمنين من المهاجرين والأنصار مع ما هم عليه من الرزانة والذكاء. انظر: "تفسير البيضاوي" (١/ ٤٧)، و"روح المعاني" (١/ ٤٤٦).
(٣) في "ف": (إذ)، والمثبت من باقي النسخ وهو الصواب. انظر المصدرين السابقين.
(٤) (على اليهودية) ليست في "ح" و"ف" و"ك".
[ ١ / ٧١ ]
﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ الهُزءُ: السُّخرية من شيء يحقُّ عند صاحبهِ ولا يحقُّ عندَ الهازئِ.
استئنافٌ، كأنَّهم اعترَضوا عليهم حين قالوا: (إنَّا معكم)، فقالوا: فما بالُكُمْ توافقونَ؟ فقالوا: (إنَّما نحنُ مستَهزئونَ).
ويجوز أنْ يكونَ تأكيدًا لقوله: (إنا معكم)؛ لأنَّه لمَّا كان معنى قوله: (إنَّا معكم) هو: إنَّا معكم قُلوبًا، وتوهَّم أصحابُ محمدٍ الإيمانَ، وقَع قولهُ: (إنما نحن مستهزئون) مقرِّرًا له؛ لأنَّ الاستخفافَ بالشَّيء إنكارٌ له، ودفع للاعتداد به، ودفعُ نقيضِ الشَّيء تأكيدٌ لثُبوته.
أو أنْ يكونَ بدلًا؛ لأنَّ مَن حقَّر الإسلامَ فقدْ عظَّم الكفرَ.
والأولُ أوجهُ؛ لزيادة الفائدةِ، وكونِ المحرِّكِ للسؤال - أعني قوله: (إنا معكم) - في غاية الظُّهورِ.
(١٥) - ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ﴾ يقال: هَزِئْتُ واستَهْزَأتُ، نحو: أجَبْتُ واستَجَبْتُ، والصحيحُ أنَّ الاستهزاءَ: ارتيادُ الهُزءِ، وإنْ كان قد يُعبَّر به عنهُ، وكذا الاستجابةُ في الأصل معناها مخالفٌ للإجابةِ، وإنْ كان قدْ يجري مجراها، كذا قال الراغب (^١).
لمَّا ذَكرَ استِهزاءَهم بالمؤمنينَ استأنفَ الكلام إظهارًا للسُّخط، وإنَّما قال: ﴿يَسْتَهْزِئُ﴾ ليدلَّ على دوامِ تجدُّد الاستهزاءِ وقتًا فوَقتًا، وفي الجملة الاسميَّةِ والخبر
_________________
(١) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ١٠٣).
[ ١ / ٧٢ ]
الفعليِّ مع المعنى المذكورِ تقوِّي الإسنادِ؛ لتكرُّره والتخصيصِ؛ أي: هو الذي يتولَّى الاستهزاءَ بهم - خاصةً - الاستهزاءَ الأبلغَ الأقوى الذي يكونُ استهزاؤُهم بالنِّسبة إليه كلَا استهزاءٍ، ولا يُحْوجُ المؤمنينَ إلى معارضتهم.
﴿بِهِمْ﴾ ذُكِر هاهنا لعدم الدَّاعي إلى الحذف، بخلافِ ما تقدم، فإنَّ فيه باعثًا لَفظيًّا وهو المحافظةُ على الفاصلة، وداعيًا مَعنويًّا وهو تحرُّجُهم من إبلاع المؤمنينَ، وإبقاءُ اللفظِ محتمَلًا ليكونَ لهم مجالُ التَّوجيهِ عندَ الحاجةِ إليه، والمعنى: أنَّه تعالى عاملَهم في الدُّنيا على وَفقِ معامَلَتِهم، فإنَّهم أظهَروا الإيمانَ وفي باطنهم النِّفاقُ، واللهُ تعالى أظهرَ لهم في الحال الأمانَ، وعاقبتُهم الإحراقُ (^١) بالنيران، وعلى هذا يكونُ الكلامُ المذكورُ من قَبيل الاستعارةِ التبعيَّةِ.
وقيل: إنَّ معناه: يُجازيهِم في الآخرة جزاءَ استهزائهم، والعربُ تُسمِّي الجزاءَ باسم الابتداءِ، قال عمرو بن كلثومٍ:
ألَا لا يَجْهلَنَّ أحدٌ علَيْنا … فنَجْهَلَ فوقَ جهْلِ الجاهِليْنا (^٢)
وفي القرآن العظيمِ (^٣): ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]. وهذا توسُّعٌ مخصوصٌ غير المشاكلةِ.
وقيل: إنَّه تعالى يجعلُ المؤمنينَ يطَّلعونَ على المنافقينَ من الجَنَّة، فيقولون لهم: أتُحبُّون أنْ تخرجوا من النَّار وتدخلونَ الجنَّةَ، فيقولون: نعَم، فيُفتح لهم بابٌ من النَّار، فيَقصِدون إليه فيُغلَق عليهم، ثمَّ يُفتحُ بابٌ آخرَ فتقصدُونه فيُغلَق،
_________________
(١) في "ف": (وعاقبهم بالإحراق)، وفي "م": (وعاقبهم الإحراق).
(٢) انظر: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري (ص: ٤٢٦).
(٣) (العظيم): ليست في "م" و"ك".
[ ١ / ٧٣ ]
ولا يزالُ يُفعَل بهم كذلكَ والمؤمنونَ يضحكونَ منهم، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]. إلى أنْ قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] (^١). وعلى هذا يكون التجوُّزُ في إسناد الاستهزاءِ إلى الله تعالى.
﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ مِن مَدَّ الجيشَ وأَمدَّهُ: إذا زادَه وأَلحقَ به ما يقوِّيهِ ويُكثِّرُه، لا مِن المدِّ في العُمُر فإنَّه يُعدَّى باللَّام كـ (أُمْلِي لهُم)، والحذفُ والإيصالُ خلافُ الأصلِ فلا يُصارُ إليه إلَّا بدليل، وهنا دليل على خلافه، وهو قراءةٍ: (ويُمِدُّهم) (^٢).
﴿فِي طُغْيَانِهِم﴾ الطغيانُ بالضمِّ والكسْرِ: تجاوُزُ الشَّيء عن مكانه، والمرادُ: غلُوُّهم في الكفرِ وتجاوزُهم الحدَّ في العتوِّ، وإنَّما أُضيفَ إليهم (^٣) لأنَّه أُريد الطُّغيانُ الذي عُرفَ لهم، واشتُهِر بصُدوره عنهم، فلا دلالةَ في إضافته إليهِم على أنَّه فعلُهم.
﴿يَعْمَهُونَ﴾ في محلِّ النَّصبِ بالحال مِن مفعول (يَمُدُّهم) أو فاعلِ (طغيانِهم).
العَمَه في البَصيرة، والعَمى في البصر، وهو التحيُّر والتَّردُّد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤].
_________________
(١) رواه بنحوه البيهقي في "الأسماء والصفات" (١٠١٨) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. والكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس.
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢)، وعزاها لابن محيصن. ومحل الشاهد أن (يمدهم) بضم الياء من المزيد لم يسمع في مد العمر. انظر: "روح المعاني" (١/ ٤٥١).
(٣) في "ف": (لهم).
[ ١ / ٧٤ ]
(١٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ استئنافٌ جارٍ مجرى التَّعليلِ لاستحقاقهم الاستهزاءَ الأبلغ، والمدِّ في الطُّغيان، ويحتملُ (^١) أنْ تُجعلَ مقرِّرةً لقوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
واستُعيرت (^٢) الضَّلالةُ - وهو الجورُ عن القصد - للذَّهاب عن الحقِّ والصوابِ في الدِّين، والهدى - وقد مرَّ بيانُ معناه - للنُّور الفِطريِّ والدِّينِ القيِّم الأصليِّ، والاشتراءُ - وهو إعطاءُ بدلٍ وأخذُ آخرَ - للاستبدال؛ أي: اختاروا الضَّلالةَ واستبْدَلوها بالهُدى.
﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ الرِّبحُ: الفَضلُ على رأس المالِ. والتَّجارةُ: تعاطي الأمتِعةِ بالبيْع والشِّراءِ للرِّبح، وعدمُ الرِّبحِ كِنايةٌ عن الخُسران، ويسْبتهُ إلى التِّجارة على التوسُّع الشائعِ.
قال الرَّاغبُ: والرِّبحُ والخُسرانُ يُنسبانِ مرَّةً إلى صاحب السِّلعةِ، ومرةً إلى السِّلعة، ومرةً إلى الصَّفقة (^٣)؛ إذْ لا اشتباهَ فيه (^٤).
وحُسْنُ تلكَ الكِنايةِ التي هي ترشيحٌ للاستعارةِ (^٥) المذكورة يظهرُ في وجه قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ أي: لطريق التِّجارةِ؛ فإنَّه كنايةٌ عن إضاعة الطَّلِبةِ الأصليَّةِ وهي سلامةُ رأسِ المال؛ لأنَّ مَن لم يهتدِ لطريق التِّجارةِ تكثرُ الآفاتُ في أمواله، ويعمُّ الحِرمانُ أكثرَ أحوالهِ.
_________________
(١) في "ف": (ويجوز).
(٢) في "ف": (استعيرت).
(٣) في "ح " و"م": (الصفة)، وفي "ف" و"ك": (الصنعة)، والمثبت من "د".
(٤) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ١٠٦).
(٥) في "ف" و"م": (الاستعارة).
[ ١ / ٧٥ ]
وقد استبانَ من هذا التَّوضيحِ أنَّه يَشدُّ من عَضُد التَّرشيحِ، وزيادةُ (كان) لاستمرار النَّفي، على أنَّ النَّفي اعتُبِرَ أوَّلًا ثمَّ قُيِّدَ، والتَّعويلُ في مثل هذا على القرائنِ.
(١٧) - ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ لمَّا بيَّنَ أوصافَهم عقَّبها بضرْب المَثَلِ زيادةً في الكشْفِ والتَّبيينِ، فإنَّه أوقعُ في القلب، وأقمعُ للخصْم الألدِّ؛ لأنَّه يُريكَ المتخيَّلَ محقَّقًا والمعقولَ (^١) محسوسًا.
ولشأنِهِ العجيبِ في إبراز الحقائقِ المستورةِ، ورفعِ الأستار عن وجه الخفيَّاتِ، أكْثَرَ اللّهُ تعالى في القرآن وسائرِ كُتبهِ الأمثالَ، وفَشَتْ في كلام رسولِ اللهِ ﷺ وسائرِ الأنْبياءِ.
والمثلُ في الأصل بمعنى: النَّظير، ثُمَّ نُقل في العُرف إلى القول السَّائرِ الممثَّل مَضْرِبُه بموردهِ، ولم يُسيِّروه ولم يجعلوهُ مَثَلًا إلَّا إذا خُصَّ بنوع من الغَرابة، ولهذا لم يُغيِّروه عمَّا وردَ عليه، ثُمَّ استُعير للصِّفة والحالِ والقصَّةِ إذا كانت عجيْبةَ الشَّأنِ وفيها غرابةٌ.
فالمعنى: حالُهم العجيبُ الشَّأنِ كحال المُستوقِد، فلا حاجةَ إلى معنى الجمعِ كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ [الجمعة: ٥].
_________________
(١) في "ح" و"ك": (المقول).
[ ١ / ٧٦ ]
واستَوقدَ: من الوُقود، وهو سُطوع النَّار وارتفاعُ لهَبِها، وسينُ الاستفعالِ ليس للطَّلب والسؤال، بل للاهتمام والمبالغةِ في الإيْقاد.
والنَّارُ: جسمٌ لطيفٌ مُحرِقٌ، اشتقاقُها من نارَ ينورُ نَوْرًا: إذا نفَر؛ لأنَّ فيها حركةً واضطرابًا.
﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ الإضاءةُ: فرْطُ الإنارةِ، من الضوء الذي هو النُّور البالِغُ القويُّ، ومصداقُه قوله تعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]. وتأليفُ الحولِ: للدَّورانِ والإطافةِ، وقيل للعامِ: حَوْلٌ؛ لأنَّه يدورُ.
و(أضاءتْ) إمَّا متعدٍّ و(حولَه) مفعولٌ به، و(ما) زائدة. أو (ما) موصولةٌ مفعولٌ به، و(حوله) ظرفٌ صِلتُه؛ أي: جعلتْهُ النَّارُ مُضيْئًا.
وإمَّا لازمٌ مستنِدٌ إلى (ما حوله)، و(ما) موصولةٌ؛ أي: أضاءت الأماكنُ التي حولَ المستوقِدِ. أو إلى النَّار، و(ما حولَه) ظرفٌ لغوٌ لـ (أضاءت)، و(ما) زائدة، أو (حول) ظرفٌ في موضع الصِّلةِ، و(ما) موصولةٌ عبارة عن الأمكنة، والموصولُ مع الصِّلة مفعولٌ فيه.
وجوابُ (لمَّا) إمَّا قولُه: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ والضميرُ لـ (الذي)، وجمعُه للحمل على المعنى، وإنَّما لم يقلْ: بنارهم؛ لأنَّ في النار شيئينِ: حرارةً ونورًا، والله تعالى أذهبَ النُّورَ، وبَقيَ عليهم الحرُّ المحذور.
وإمَّا محذوفٌ دلَّ عليه ما بعدَه كما حُذِف في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥]؛ لاستطالة الكلامِ مع الأمنِ مِن اللَّبْس (^١)، وفي الحذف إيجازٌ مع
_________________
(١) ولا يخفى ما فيه على من له أدنى إنصاف، وإن ارتضاه الجم الغفير، ويُجل عن مثل هذه الألغاز كلام الله تعالى اللطيف الخبير. انظر: "روح المعاني" (١/ ٤٦٥).
[ ١ / ٧٧ ]
الإفصاحِ (^١) عن الصِّفة التي عليها المستوقِدُ بما هو أبلغُ في الدَّلالة على المعنى من اللَّفظ وهو العقلُ، كانه قال: فلمَّا أضاءت ما حوله خمدتْ فبَقُوا خابطينَ (^٢) في ظلام، متحَسِّرينَ على فوات الضَّوء، خائبينَ بعدَ الكدحِ في إحياء النَّارِ. وما ذُكِر استئنافٌ؛ أي: جوابٌ للسؤال عن وجه الشَّبهِ لعدم ظهورهِ، أو بيانٌ لجملة المثَل (^٣).
وإسنادُ الإذهابِ إلى الله تعالى لقصْد (^٤) المبالَغةِ، ولذلكَ عُدِّي الفعلُ بالباء دونَ الهمزةِ؛ لِما فيها من معنى الاستِصْحابِ والاستمساكِ، يقال: ذهبَ السُّلطانُ بماله، إذا أخذَهُ، وما أخذَه اللهُ تعالى وما أمسكَه فلا مرسلَ لهُ.
وعدَلَ عن الضَّوء الذي هو مقتضَى الظَّاهرِ إلى النُّور، فإنَّه لو قيلَ: ذهبَ اللهُ بضوئهم، احْتَمَلَ أنْ يكونَ الذَّاهبُ ما في الضَّوء مِن الزِّيادة، والغرضُ إزالةُ النُّورِ عنهم رأسًا، ألا ترى كيفَ قرَّر ذلك وأكَّد بقوله:
﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فذَكرَ الظُّلمةَ التي هي عدمُ النُّورِ والطُّمأنينةِ بالكلِّيّة، وجمَعَها ونكَّرها، ووصَفَها بالخلوص.
و(ترَكَ) بمعنى: طرَح وخلَّى، و(في ظلمات) متعلِّقٌ به، و(لا يُبصرونَ) في موضعِ الحالِ. أو (في ظلمات) في موضع الحال فيتعلَّق بمحذوفٍ، و(لا يبصرونَ) حالٌ أيضًا: إمَّا من الضمير في (تركَهم)، وإمَّا مِن الضمير المستكنِّ في المجرور.
_________________
(١) في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (الإيضاح)، والمثبت من "د".
(٢) في "ف "و"م": (خائضين).
(٣) في "ف": (لجملة المستوقد).
(٤) في "ك": (بقصد).
[ ١ / ٧٨ ]
وإنْ ضمِّنَ (تَرَك) معنى: صيَّر، يكونُ ثاني المفعولَينِ (في ظلمات)، و(لا يبصرون) حال، ولا يجوزُ العكسُ؛ لأنَّ الخبرَ لا يكونُ مؤكِّدًا. وقولُ الشَّاعر:
فتَركْتُه جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ (^١)
يَحتمِلُ الوجهينِ لأنَّ (جَزرَ السِّباع) وإنْ كانَ معرفةً يَحتمِلُ الحالَ، كما أنَّ (يسبُّني) في قوله:
ولقدْ أَمُرُّ على اللَّئيمِ يَسُبُّنِي (^٢)
يحتملُ الصِّفةَ وإنْ كانَ (اللَّئيم) معرفةً.
والظُّلمة مأخوذة من ظلَمَه: إذا منَعَ حقَّهُ؛ لأَنها تَمنعُ البصرَ من النُّفوذِ وتسدُّه. وظلماتُهم: ظلمةُ الجهلِ، وظلمةُ الكفْرِ، وظلمةُ النِّفاقِ.
وقيل: يجوزُ أنْ يُرادَ بالنَّار: نارٌ مجازَّيةٌ كنارِ فتنةٍ أو حربٍ، وليس بقويٍّ؛ لأنَّ الغرضَ من التمثيل إبرازُ المعقولِ في صورة المحسوسِ ليكونَ مُشاهدًا، وعلى هذا التقديرِ يفوتُ الغرضُ منه.
وفي الآيةِ دلالةٌ على أنَّ وجودَ النُّورِ شرْطٌ لرُؤية الألوانِ لا لوجودِها، إذ حينئذٍ يَمتنعُ الإبصارُ فلا يخرجُ قولُه: (لا يبصرون) مخرجَه.
_________________
(١) صدر بيت لعنترة من معلقته، وهو في "الكشاف" (١/ ٧٤)، وعجزه كما في "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري (ص: ٣٤٧): ما بينَ قُلَّةِ رأَسِه والمِعْصمِ
(٢) صدر بيت لشمر بن عمر الحنفي، وعجزه كما في "الأصمعيات" (ص: ١٢٦): فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يعنيني
[ ١ / ٧٩ ]
(١٨) - ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.
﴿صُمٌّ﴾ جمعُ الأصمِّ (^١)، النَّعتُ من الصَّمَم، وهو انسدادُ خرُوقِ المَسامعِ، ومنه: القناةُ الصماءُ التي ليستْ بمجوَّفة، وكذا كلُّ فعلٍ كان نعْتًا مما هو خلقةٌ فجمعه: الفُعْلُ، ومثلُه: البُكْم والعُمْيُ، وإنْ كان اسمًا فعلى الأَفاعِل يُجمع؛ كالأرنب والأرانِبِ، والأعجم والأعاجِم، وإنْ كان نعْتًا لِمَا هو آفَةٌ فعلى الفَعْلى؛ كالأعجَف والعَجْفى، والأحْمَق والحَمْقى.
﴿بُكْمٌ﴾ من البَكَم: وهو الخرَسُ، وهو آفَةٌ في اللِّسان لا يَتمكَّنُ معها أنْ يعتمدَ مواضعَ الحروفِ.
﴿عُمْيٌ﴾ من العَمَى، الأعمى في العيْن وجمعُه: العُمْيُ، ومن القلب: العَمِي، وجمعُه: العَمُونَ، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [النمل: ٦٦].
لمَّا سَدُّوا مسامعَهم عن الإصاخَة إلى الحقِّ، وأبَوا أنْ يُنْطِقوا به ألسنتَهم، ويُبْصِروا الآياتِ بأبصارِهم، جُعلوا كأنَّما فُقِدت مشاعرُهم، ولم توجدْ قُواهم.
وإيرادُ هذه الصِّفاتِ مع سلامةِ حَواسِّهم تشبيهٌ بليغٌ؛ إذْ شرْطُ الاستعارةِ الإعراضُ عن المستعارِ له صَفْحًا ونسْيانُه مُطلَقًا، وهاهنا وإنْ حُذِفَ المبتدأُ الذي هو ضميرُ المنافقينَ لكنَّه في حُكمِ المقدَّر المنْويِّ؛ لاستنادِ الخبرِ إليه، ونظيرُه قولُه:
صُمٌّ إذا سمِعوا خيْرًا ذُكرْتُ بهِ … وإنْ (^٢) ذُكِرتُ بسُوءٍ عندَهم أَذِنوا (^٣)
_________________
(١) في "م": (لأصم). (^٢» (وإن) ليست في "ك"و"ف".
(٢) البيت لقعنب بن أم صاحب كما في "عيون الأخبار" لابن قتيبة (٣/ ٩٦)، و"الصحاح" (مادة: أذن)، ودون نسبة في "الكشاف" (١/ ٧٦).
[ ١ / ٨٠ ]
وأمَّا قولُه:
أَسدٌ عليَّ وفي الحُروبِ نَعامَةٌ (^١)
ففي كونِه من هذا البابِ نظرٌ.
﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: جوابًا؛ لأنَّ مَن اشتدَّتْ عليه تلكَ المشاعرُ لا يمكنُ أنْ يَرجعَ جوابًا؛ بل يخاطبُه لا بالعبارة ولا بالإشارة، من الرَّجْع بمعنى الصَّرفِ، لا من الرجوعِ بمعنى الانصرافِ، فإنَّ (رجَعَ) لازمٌ ومتعدٍّ.
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩].
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ مجرورٌ بمضافٍ محذوفٍ؛ أي: كمَثَل ذَوي صيْبٍ.
﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ صفةٌ في محلِّ الجرِّ.
أمَّا تقديرُ المَثَل فلا بد منه للعطف على السَّابق، وأمَّا تقديرُ (ذَوِي) فلقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، وإلَّا فنَفْسُ التَّشبيهِ لا يقْتَضي تقديرَ شيءٍ، إذْ لا يلزمُ في التَّشبيه المركَّب أنْ يكونَ ما يلي الكافَ هو المشبَّهَ بهِ كما في قوله:
وما النَّاسُ إلَّا كالدِّيارِ وأهْلُها (^٢)
_________________
(١) صدر بيت لعمران بن حطان السدوسي يؤنب الحجاج، كما في "تاريخ خليفة بن خياط" (ص: ٢٧٤)، و"الأغاني" (١٨/ ١٢٢)، وعجزه: فتخاءُ تجفلُ من صفيرِ الصافر
(٢) صدر بيت للبيد، وعجزه كما في "الأغاني" (١٥/ ٣٦٢)، و"الكشاف" (١/ ٨١): بها يومَ حلُّوها وغَدْوًا بلاقعُ
[ ١ / ٨١ ]
و(أو) في الأصل للتَّساوي في الشكِّ، ثمَّ اتُّسع فيْها فأُطلق للتَّساوي من غيرِ شكٍّ؛ مثلَ: جالِسِ الحسنَ أو ابنَ سيرينَ، ومعناهُ: أنَّ قصَّة المنافقينَ مشبَّهةٌ بهاتينِ القصَّتينِ، وألَهما سواءٌ في صحَّة التَّشبيهِ بهما.
وتثْنيَةُ التَّمثيلِ كشفٌ بعدَ كشفٍ، وإيضاحٌ غِبَّ (^١) إيضاحٍ، وكما يجبُ على البليغ في مظانِّ الإجماعِ والإيجازِ أنْ يُجملَ ويُوجزَ، فكذلكَ الواجبُ عليهِ في موارد التَّفصيلِ والإشباعِ أنْ يفصِّلَ ويُشبعَ، أنشدَ الجاحظُ:
يَرمونَ بالخُطَبِ الطِّوالِ وتارةً … وحْيَ المُلاحظِ خِيفةَ الرُّقَباءِ (^٢)
والصيِّبُ يقالُ للمَطَر والسَّحابِ، وفي الآية يحتملُهما، وتنكيرُه للتَّعظيم؛ كتَنْكير النَّارِ في المثَل الأوَّلِ.
والسماءُ: هذه المُظِلَّةُ، قد يُطلق على جهة الفَوقِ، وهو المراد هاهنا.
وتعريفُها للدَّلالة على إطباق ذلكَ الصَّيِّبِ (^٣) الآفاقَ كلَّها، فإنَّ كلَّ أُفُقٍ يُسمَّى سماءً، أمدَّ بهِ (^٤) ما في (صيِّبٍ) من المبالغة مِن جهة التَّركيبِ، فإنَّ الصَّادَ
_________________
(١) = قال الطيبي في حاشيته على "الكشاف" المسماة "فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب" (٢/ ٢٦١): قوله: (بلاقع) خبر مبتدأ محذوف، و(غدوًا) متعلق به، والجملة حال عطفًا على قوله: (وأهلُها بها)، و(يوم) ظرف للمقدَّر في (بها) الذي هو الخبر؛ أي: الناس كالديار مأهولة يوم حلوا فيها، وبلاقع يوم رحلوا عنها.
(٢) في "م": (بعد). والمعنى واحد.
(٣) انظر: "البيان والتبيين" (ص: ٣٨ و٩٦) وعزاه لأبي دؤاد بن جرير، و"الكشاف" (١/ ٧٩)، وعنه نقل المؤلف.
(٤) في "م" و"ف": (الغيث).
(٥) قوله: (أمدَّ به …) خبرٌ آخر لقوله: (وتعريفها)، وأمدَّ بمعنى: قوَّى وأكَّد. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (١/ ٣٩٤).
[ ١ / ٨٢ ]
من المستَعليَة والياءَ مشددةٌ والباءَ من الشَّديدة، ومن جهةِ المعنى فإنَّ الصَّوبَ: فرطُ الانسكابِ والوقوعِ، ومن جهة البِناءِ فإنَّ فَيْعلًا صفةٌ مشبَّهةٌ دالَّةٌ على الثُبوت، ومن جهة العارِضِ؛ لأنَّ التَّنكيرَ للتَّعظيم والتَّهويلِ.
﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ صفةٌ أُخرى في محلِّ الجرِّ، و(ظلماتٌ) مرفوعٌ بفاعلية الظَّرفِ بالاتِّفاق (^١)؛ لاعتمادهِ على الموصوف، والمعنى: في أثنائه وتضاعيفِه إنْ أُريدَ بالصَّيِّب المطرُ، وجَعلُه مكانًا للرَّعد والبرْقِ؛ لأنَّهما في أعلاه ومنْحَدَرِه جُعلا كأنَّهما فيه بطريقِ استعار كلمةِ (في) للتَّلبُّس المخصوصِ الشبيهِ بتلبُّس الظَّرفيةِ الحقيقيَّةِ، والظُّلماتُ: تكاثفُ المطرِ بتَتابُعِ القَطْر والسَّحابِ وسُحْمتِه وتطبيقه معَ ظلمةِ اللَّيلِ.
وإنْ أُريدَ به السَّحابُ ففيهِ الرعدُ والبرْقُ، وأمَّا الظُّلمات فما ذُكِرَتْ بعَيْنِها إلَّا المطرَ، فإنَّه قد يكونُ وقد لا يكونُ (^٢).
والرَّعدُ: الصَّوتُ الذي يُسمَع من السَّحاب عندَ تمزيقِ الرِّيح إياه، وهو تحريق (^٣) الدُّخانِ البُخارَ عندَ احتِقانهِ فيه بتكاثُفه.
والبَرْقُ: ما يَلمَعُ مِن السَّحاب إذا تحاكَّتْ أجزاؤُه، مِن بَرَقَ الشَّيءُ بريْقًا: إذا لَمَعَ.
_________________
(١) قوله: (بالاتفاق)، كذا قال الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٨٣)، وتابعه البيضاوي في "تفسيره" (١/ ٥١)، والمؤلف كما هنا، لكن أجاز غيره فيهما الابتداء والخبر. انظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب (١/ ٨١)، و"الإملاء" للعكبري (١/ ٣٥)، و"تفسير القرطبي" (١/ ٣٢٧)، و"روح المعاني" (١/ ٤٨٠). وذكره أيضًا أبو حيان لكنه استبعده بقوله: ولا حاجة إلى هذا؛ لأنَّه إذا دار الأمر بين أن تكون الصفة من قبيل المفرد، وبين أن تكون من قبيل الجمل، كان الأولى جعلها من قبيل المفرد. انظر: "البحر المحيط" (١/ ٢٤١) ط: الرسالة، بتحقيقنا.
(٢) وقعت العبارة في "د" هكذا: (وأما الظلمات فما ذكرت بعينها فما ذكرت فإنه قد لا يكون).
(٣) في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (تحريف)، والمثبت من "د".
[ ١ / ٨٣ ]
ولم يُجمَع (رعدٌ وبرقٌ)، وإنْ كان الجمعُ أشدَّ مناسبةً لقوله تعالى: (ظلماتٌ) وأكثرَ مبالغةً كما في قول البُحتريِّ:
يا عارِضًا مُتَلفِّعًا بِبُرودِه … يَختالُ بيْنَ بُرُوقهِ ورُعودِهِ (^١)
لكونِهما في الأصل مصدَرينِ، فإنْ أُريد العينانِ رُوعِي الأصلُ فلمْ يُجمَعا، وإنْ أُريد الحدَثانِ؛ أي: الإبراقُ والإرعادُ فحقُّهما الإفراد، وأيضًا قُصِدَ التَّهويلُ المناسب للمقامِ بغرابةِ (^٢) نوعهما المستفاد من التنْكير، لا بتَعدُّدِ أفرادهما المسْتَفادِ مِن صيغةِ الجمْعِ.
﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم﴾ جملةٌ استِئْنافيّةٌ، وذلك أنَّه لمَّا ذَكَر الظلماتِ والرَّعدَ والبَرْق على ما يُؤذِنُ بالهول والشدَّةِ، فكأنَّ قائلًا قال (^٣): فكيفَ حالُهم مع ذلك الرعدِ؟ فقال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم﴾، ثمَّ قال: فكيفَ حالُهم مِن ذلك البرقِ؟ فقيل: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، ثم قال: فكيفَ حالُهم مع تلك الظلماتِ؟ فقيل: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾.
أو صفةٌ للمضاف المحذوفِ في محلِّ الجرِّ؛ أي: ذوِي صيِّبٍ يجعلونَ، وصحَّ رجوعُ الضَّمير إلى ذلك المضافِ لكونهِ في الحكم المذكورِ.
وفي ذِكر الأصابعِ من المبالغة ما ليسَ في ذِكر الأناملِ، ومبناها على أنْ تكونَ الأصابعُ بمعناها لا بمعنى الأناملِ، وفي العُدول عنْ: (يُدخلون) - وهو الظاهرُ - إلى المذكور نوعُ تقويَةٍ لتلك المبالغةِ.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٨٣). العارض: السحاب. يقال: تلفعت، أي: تلحَّفْتُ كما تلحَّفَتِ المرأة بمرطها، والاختيال: التبختر. انظر: "فتوح الغيب" (٢/ ٢٦٩).
(٢) في "ف": (بقرينة).
(٣) في "م": (بالهول فقال: يجعلون أصابعهم في آذانهم ثم قال).
[ ١ / ٨٤ ]
ثمّ إنَّه كنايةٌ عن كمال الحَيْرةِ وفرْطِ الدَّهشةِ، فيَستقيم المعنى بلا حاجةٍ إلى تنزيلِ الكلام عَن درجتِه البَليغةِ حذَرًا عن عدم مطابقتِه للواقع (^١).
﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ متعلِّق بـ (يجعلون)؛ أي: مِن أجلها يَجعلون، كقولك: سقاهُ من العَيمة (^٢).
والصَّاعقةُ: قصفةُ رعدٍ تنقَضُّ معها شُقَّةٌ من نارٍ لطيفةٍ حديدةٍ لا تمرُّ بشيءٍ إلَّا أتتْ عليه، لكنَّها مع حدَّتِها سريعةُ الخُمودِ لِلَطافَتِها، وهي تنْقدحُ مِن السَّحاب إذا اصطَكَّتْ أجرامُه.
أو جِرْمٌ ثقيلٌ مُذابٌ مفرَغٌ من الأجزاء اللَّطيفةِ الأرضيَّة الصَّاعدةِ المُسماةِ دخانًا، والمائيَّةِ المُسماة بخارًا، حارٌّ حادٌّ في غاية الحدَّةِ والحرارة لا يقعُ على شيءٍ إلا ثُقب وأُحرق (^٣) ونفذَ في الأرض حتى بلغَ الماءَ فانطفى ووقفَ، ومنه الخارصينُ (^٤).
من الصَّعق: وهو شدَّةُ الصَّوتِ، وقد يُطلق على كلِّ هائلٍ مسموعٍ أو مشاهَدٍ، ويقال: صعَقَتْهُ الصَّاعقةُ: إذا أهلَكَتْهُ بالإحراق أو شدَّةِ الصَّوتِ.
وقُرِئ: (من الصَّوَاقع) (^٥) وهو ليس بقلبٍ لـ (الصواعق)؛ لاستواءِ البِناءينِ في
_________________
(١) في "م": (مطابقة الواقع).
(٢) في "م": (القيم)، وفي "ف": (القيامة). والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب، والعيمة: شهوة اللبن، والعطش. انظر: "القاموس" (مادة: عيم).
(٣) في "م": (أو أحرق).
(٤) هو التوتياء: معدن صلب أبيض ضارب إلى الزرقة يلين بالإحماء ويطرق، ويستعمل لتغطية سطوح البيوت القلية الانحدار، ويطلى به الحديد فيقيه الصدأ، وربما استعملوا بعض أملاحه سمادًا وسيطًا. انظر: "معجم متن اللغة" (مادة: خرص).
(٥) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣)، و"الكشاف" (١/ ٨٥).
[ ١ / ٨٥ ]
التَّصرُّف، يقال: صَقعَ الدِّيكُ (^١)، وخطيِبٌ مِصْقَعٌ، ونظيرُه (جبَذ) في (جذَب)، وهي في الأصل إمَّا صفةٌ لقَصْفة الرَّعدِ أو للرَّعد، والتاءُ للمبالغةِ كما في الرَّاوية، أو مصدرٌ كالعافية والكاذبةِ.
﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ منصوبٌ على المفعول لهُ، والموتُ: زوالُ الحياةِ.
﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ جملةٌ اعتراضيّة لا محلَّ لها، وإحاطةُ اللهِ بالكافرينَ مجازٌ، معناه: أنَّهم لا يَفوتونَهُ كما لا يفوتُ المُحاطُ به المحيطَ.
(٢٠) - ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ (كادَ) من أفعال المقارَبةِ، وُضِعتْ لمقاربةِ الخبرِ مِن الوجودِ لعُروض سببِه، لكنَّه لم يوجدْ: إمَّا لفَقْد شرْطهِ، أو لعُروض مانعٍ.
والخطفُ: الأخذُ بسرعةٍ.
﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ المشيُ: السَّيرُ السَّهل، و(أضاءَ)؛ إنْ جُعل متعدِّيًا؛ أي: أضاءَ لهم ممشًى، ورجَع الضَّميرُ في (فيه) إليه لكونِه مَنْوِيًّا، ويُؤيِّده قراءةُ: (كلَّما ضاء لهم) (^٢).
_________________
(١) أي: صاح. انظر: "القاموس" (مادة: صقع).
(٢) قوله: (ويؤيده قراءة: كلما ضاء لهم) كذا قال المؤلف، وفي الاستدلال بها على التعدي وهم، فهي دليل للُّزوم لا للتعدي. انظر: "الكشاف" (١/ ٨٦)، و"البحر المحيط" (١/ ٢٥٣)، و"روح المعاني" (١/ ٤٨٩).
[ ١ / ٨٦ ]
وإنْ كان لازمًا - وهو الظاهرُ - كأظْلَم، ومعناه: مشَوا في الضَّوء؛ أي (^١): في مَطْرَحه أو به، أو كلَّما نارَ البريق (^٢) فأَنارَ الطريقَ مشَوا فيهِ.
﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ (أظلَمَ) غيرُ متعدٍّ على الظَّاهر، وَيحتملُ أنْ يكونَ متعدِّيًا من: ظَلِمَ الليل، ويعضُدُه قراءةُ: (أُظلِم) على ما لم يُسمَّ فاعلُه (^٣).
ومعنى (قاموا): وقَفُوا وثَبَتوا في مكانهم، ومنهُ قامتِ السُّوقُ: إذا ركَدتْ، وقامَ الماءُ: إذا جَمَدَ.
وإنَّما جاء مع (أضاء) بـ (كلَّما)، ومع (أظلم) بـ (إذا)؛ لقوَّة دواعيهِم إلى مكان المشْي، والخلاصِ عمَّا هم فيه من الشدَّة والحَيْرةِ، وحرصِهم على ما همُّهُم به معقودٌ من السَّعي والحركةِ، فلا يَسعُهم الإهمالُ (^٤) وتركُ الفرصةِ، أمَّا الوقوفُ فليس كذلكَ لأنَّه يلزمُهم للعجز.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾؛ أي: ولو شاء اللهُ أنْ يَذهبَ بسمْعِهم وأبصارِهم، وقُرئ: (لأذْهبَ بأسماعِهم) (^٥) بزيادة الباءِ؛ كقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
_________________
(١) في "ك"و"م": (أو).
(٢) في "ف": (البرق).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٨٦)، و"المحرر الوجيز" (١/ ١٠٤).
(٤) في "م": (الإمهال)، وفي "ك": (الآمال).
(٥) في النسخ: (لأذهب الله بأسماعهم) بزيادة لفظ الجلالة، وزيد بعده في بعضها: (تعالى)، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (١/ ٨٧)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ٥٢)، و"البحر المحيط" (١/ ٢٥٧)، وقد نبهنا على مثل هذا الخطأ أيضًا في "روح المعاني" (١/ ٤٩٠).
[ ١ / ٨٧ ]
شاعَ حذفُ مفعولِ (شاء) و(أراد) مع حرفِ الشَّرط لدلالة الجوابِ عليهِ، حتَّى لا يكادُ يُذْكَر إلَّا إذا كان مسْتَغرَبًا، كقوله:
ولو شِئتُ أنْ أبْكي دَمًا لَبَكَيْتُهُ (^١)
أرادَ: ولو شاء اللهُ لزاد في قَصيْف الرَّعد فأصمَّهم، وفي خُفوق البرقِ فأعْماهم.
وفائدةُ هذه الشَّرطيَّةِ: التنْبيهُ على أنَّ كلَّ محنةٍ معها مِنْحةٌ، وأنَّ نعمةَ الدَّفع تفوقُ نعمةَ النَّفعِ.
ولا دلالةَ فيه على وجود ما يقتضي الجزاءَ المذكورَ، ولا على أنَّ تأثيرَ الأسبابِ شرْطٌ لمشيئة اللهِ تعالى، وأمَّا أنَّ الكلَّ واقعٌ بقدرتهِ تعالى فالتنبيهُ عليه بقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ تقريرٌ لِمَا تقدَّم، ولا اختصاصَ لـ (الشَّيء) بالموجود، كيفَ وهو أعمُّ العامِّ يقعُ على الواجب والمُمكن والممتنعِ؟ نصَّ على ذلك سيبَويْه حيثُ قال في "كتابه": إنَّ (الشَّيء) يقعُ على [كلِّ] ما أُخبرَ عنه (^٢).
وخُصَّ هاهنا بالممكنِ بدليل العقلِ وقرينةِ القدرةِ؛ إذ القدرةُ هي مبدأُ الأفعالِ المتضادَّةِ على نسبةٍ متساويةٍ، والواجبُ راجحُ الوجودِ، والممتنعُ راجحُ العدمِ، فلا يمكنُ تساوي الطَّرفينِ الذي هو شرطُ تعلُّقِ القدرةِ إلَّا في المُمكن، فكأنَّه قيل: على كلِّ شيءٍ ممكنٍ قديرٌ.
_________________
(١) انظر: "الكامل" للمبرد (٤/ ٣)، و"ذيل الأمالي" للقالي (ص: ٢٢١)، و"الكشاف" (١/ ٨٧). وهذا صدر بيت للخريمي كما ذكر البكري في "اللآلي" (٣/ ٥٧)، قال: والخريمي - وقد كثر التصحيف في اسمه - هو أبو يعقوب إسحاق بن حسان بن قُوهي من شعراء الدولة العباسية. وعجز البيت: عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
(٢) انظر: "الكتاب" (١/ ٢٢).
[ ١ / ٨٨ ]
نعَم إنَّه في الأصل مصدرُ (شاء)، إلَّا أنَّ إطلاقَه بمعنى مشيءٍ (^١) لا يَستلزِمُ الوجودَ في الجملة؛ لأنَّ متعلَّق المشيئةِ قد يكونُ زوالَ الوجودِ، وعدمَ الإيجادِ.
واشتقاقُ القُدر من القَدْر؛ لأنَّ القادرَ يُوقعُ الفعلَ على مِقدار قوَّته (^٢)، والقادرُ هو الذي يصحُّ منه الفعلُ والتَّركُ.
وأمَّا الذي إنْ شاءَ فعلَ وإنْ لم يشأْ لم يفعلْ فهو المختارُ، ولا يلزمه أنْ يكونَ قادرًا؛ لجواز أنْ تكونَ مشيئة (^٣) الفعلِ لازمًا لذاته، وصحَّةُ الشَّرطيةِ لا تقتضي وجودَ المقدَّم.
واعلم أنَّ ما ذُكر تَتميمٌ لتمثيل شدَّة الأمرِ على المنافقينَ بشدَّته على أصحاب الصيِّب من الحَيرة والخوفِ والدَّهشةِ، بحيثُ إذا صادَفوا خفقةً من البرق انتهزُوها فرصةً، مع خوفِ أنْ يخطفَ أبصارَهم، فخَطَوا خُطواتٍ يسيرةً، وإذا انطوتْ وانطَفتْ حُبسوا عن الحركة وبَقوا متحيِّرينَ خائبينَ.
ثمَّ إنَّ التَّمثيلينِ المذكورينِ جازَ أنْ يكونا مُفْرديْنِ، إلَّا أنَّ الأصحَّ الأفصحَ الذي عليه الفحولُ من علماء البيانِ أنْ يكونا من التمثيلات المركَّبةِ، لا يُتكلَّف لكلِّ جزءٍ جزءٍ من أجزاء الجملةِ الممثَّل لها فُرادى بشيءٍ مشبَّهٍ به من أجزاء الجملةِ الممثَّل بها مُفرَّقةً، كما في قول امرئِ القيْس:
كأنَّ قلوبَ الطَّيرِ رَطْبًا ويابِسًا … لدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحشَفُ البالِي (^٤)
_________________
(١) في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (شيء)، والمثبت من "د".
(٢) في "م": (قدرته).
(٣) في "ك": (نسبة).
(٤) انظر: "ديوان امرئ القيس" (ص: ٣٨)، و"الكشاف" (١/ ٨٠). العناب: ثمر، والحشف: اليا بس الفاسد من التمر.
[ ١ / ٨٩ ]
بل تشبَّهُ هيئةٌ حاصلةٌ من أشياءَ تضامَّتْ وتآلَفَت (^١) وصارت شيئًا واحدًا بأخرى مثلِها مِن غيرِ مراعاةِ أفرادِهما، والنَّظرُ إلى تشبيه شيءٍ من هذه بشيءٍ من تلكَ، فإنَّ الغرضَ تشبيهُ حالِ المنافقينَ في حيرتِهم، وما خبَطوا فيه من الضَّلالة وشدَّةِ الأمرِ عليهم، وخِزيهم وافتضاحِهم، بحالِ مَن يُكابد شدَّةَ أمرهِ عند انطفاءِ نارهِ بعدَ إيقادها ورجاءِ الانتفاعِ بها والتَهدِّي بإضاءتها، أو بحالِ مَن أخذتهُ السماءُ في ليلةٍ مظلمةٍ مع رعدٍ وبرقٍ وخوفٍ من الصواعق والموتِ.
(٢١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ التفَتَ من الغَيبة إلى الخطاب؛ لأنَّ الكلامَ السَّابق كان في تعداد فِرَقِ المكلَّفينَ، وحكاياتِ أحوالِهم وبيانِ مآلِهم، ويناسبُه أسلوبُ الغَيبةِ، وأمَّا هذه الآيةُ فمُصدَّرةٌ بأمرٍ وتكليفٍ، وحقُّ الأوامرِ والنَّواهي أن يُسلكَ فيها مَسْلكَ الخطاب، خصوصًا إنْ كان ما كُلِّف به مما فيه مشقَّةٌ، فإنَّ فيه جَبرًا لتلك الكلفةِ بلذة المخاطبةِ.
والنِّداءُ: إحضار الغائب، وتنبيهُ الحاضر، وتوجيهُ المُعرِض، وتفريغُ المشغول، وتهييجُ الفارغ.
و(يا) حرْفٌ وُضِعَ في أصله (^٢) لنداء البَعيدِ، واستعمالهُ هاهنا في نداء القريبِ لبُعدهِ عمَّا خوطِبَ به معنىً، وقد يُستعمل لنداءِ القريبِ الفَطِنِ للدلالة على أنَّ الخِطابَ المذكورَ بعدَه معنيٌّ به جدًا.
_________________
(١) في "م": (وتلاقت).
(٢) في "ف": (ويا حرف في أصله وضع).
[ ١ / ٩٠ ]
وأمَّا نداءُ الدَّاعي المتضرِّعِ لربِّه بقوله: (يا ربِّ) مع علمهِ بأنَّه أقربُ إليه من حبل الوريدِ، فلِهَضم نفسهِ؛ استقصارًا لها، واستبعادًا من مظانِّ القُربة والزُّلفى.
و(أي): وصلة إلى نداءِ ما فيه الألفُ واللَّام؛ لتعذُّر الجمعِ بينَ حرفي التَّعريف، وهو اسمٌ مبهَمٌ يَفتقر إلى ما يُزيل إبهامَه؛ من اسم جنسٍ، أو ما يجري مجراهُ صفةً له حتى يحصلَ المقصودُ بالنِّداء.
وكلمةُ التنْبيهِ لمُعاضدة حرفِ النِّداءِ بتأكيد معناه، ووقوعِها عِوضًا عمَّا يستحقُّه (أي) من الإضافةِ.
و(النَّاسُ) صفة لـ (أي) واجبٌ رفْعُها، خاطبَهم مُقبِلًا عليهم بالنِّداء لأنَّ فيه هزًّا لِما يُلقيه إليهم من أمر العبادةِ لهُ.
﴿اعْبُدُوا﴾ قد مرَّ تفسيرُ العبادةِ، والأمرُ به يعمُّ أفرادَ المكلَّفين؛ لأنَّ اسمَ الجمع المحلَّى باللام للعموم حيثُ لا عهدَ، وما رُوي عن علقمةَ أنَّ كلَّ ما نزلَ فيه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فمَكِّيٌّ (^١)، إنْ صحَّ (^٢) فلا يوجبُ تخصيصَه بالكفَّار، وليسَ المرادُ إحداثَ العِبادةِ خاصَّةً؛ بل ما يعمُّه والمواظبةَ عليها، فإنَّ هذا هو المناسبُ للمقام، وإنْ كان الأولُ هو المتبادرَ من الكلام، والعبرةُ في الكلام البليغِ لمقتضى المقامِ لا لِما (^٣) يتبادرُ إلى الأفهام.
_________________
(١) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٣٦٧)، وصحح إسناده الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٨٩).
(٢) في هامش "د" و"م": (وإنما قال: إن صح؛ لأنَّه بعيد عن الصحة، كيف فإن سورة النساء مدنية وأولها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾. منه).
(٣) في "ف": (بمقتضى الكلام لا لما)، وفي "ك" و"م": (بمقتضى الكلام لا بما).
[ ١ / ٩١ ]
واعلمْ أنَّ النبيَّ ﵇ بُعث بدعوة (^١) الكفَّارِ إلى الإيمان، وورد في ذلك نصوصٌ، وأنَّهم أُخبِروا في بعض النُّصوصِ بأنَّ العبادةَ لا صحةَ لها بدونه، وبعدَ هذا أمَرَهُم بالعبادة في هذا النصِّ وغيرِه، وإنْ وردَ مطلقًا عن قيْد الإيمانِ لفظًا، لكنَّه مقيَّدٌ به معنىً بحكم النَّصِّ المخبِر عن اشتراط صحةِ العباداتِ بالإيمان، وليس في ذلك أمرٌ بالإيمان في ضِمن الأمر بالعبادة حتى يلزمَ إيجابُ الأصلِ تبَعًا لإيجاب الفرعِ فيُنافيَ حكمَ الأصالةِ.
﴿رَبَّكُمُ﴾ عبارةُ الربِّ صادَفَ (^٢) مَحزَّها؛ إذ هو السيِّد والمُصلِح، ومَن كان مالكًا أو مُصلِحًا أحوالَ العبدِ فجديرٌ أن يُعبدَ ولا يُشركَ به.
ولمَّا أَمر بعبادته - وهي موقوفةٌ على معرفة وجودِه - ناسَب أنْ يَذكرَ من الأوصاف ما يتضمَّنُ الدَّليل على وجوده واستحقاقِه العبادةَ، فقال:
﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ فالتوصيفُ المذكور للتَّعليل كما هو الأصلُ في ترتيب الأمر بالشيء على الموصوف والموصول، وفي التَّعليل المذكورِ باعتبار تضمُّنه الإشارةَ إلى أنَّ ما لا قدرةَ له على الخَلْق والإيجاد لا استحقاقَ له للعبادة تعريضٌ للمشركين حيث عَبدوا ما لا قدرةَ له على شيء.
وما قيل: على تقديرِ أنْ يكون الخطاب للمشركين يكونُ الوصف المذكور للتَّخصيص، وهمٌ منشؤه عدمُ فهم معنى (ربكم)، فإنَّ المعنى المتبادِرَ منه: الرَّبُّ المشترَكُ فيما بينَهم، وليس ذلك إلا اللهُ تعالى؛ لأنهم ما اتَّفقوا على واحدٍ من معبوداتهم الباطلةِ، فإذًا لا شركةَ في معنى (ربكم)، فلا حاجةَ إلى مخصّصٍ.
_________________
(١) في "ح" و، "ف": (لدعوة).
(٢) في "ح" و"ك" و"م": (صادق).
[ ١ / ٩٢ ]
وأصلُ الخَلْق: التَّقديرُ، يقال: خَلَقَ النَّعْل: إذا قدَّرها وسوَّاها بالقياس، والمراد: إيجادُ الشيء على تقديرٍ واستواء.
﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ذَكَر خَلْقَ مَن قبلَهم؛ لأنهم أصولُهم، وخَلْقُ الأصول إنعامٌ على الفروع، وقدَّم خَلْق المخاطَبين وإنْ تَقدَّم خَلْقُ مَن قَبْلَهم زمانًا؛ لأنَّ علمَ الإنسان بحالِ نَفْسه أظهرُ مِن عِلمهِ بأحوالِ غيره، ولأنَّهم المواجَهون به بالعبادة، فتنبيهُهم أولًا على أحوال أنفسهم أهمُّ وآكَدُ.
وبدأ أوَّلًا بصفةِ الخلق إذ كانت العرب مُقرَّةً بأنَّ الله تعالى خالقُهم، وهم المخاطَبون.
ولك أن تقول: أخرجه (^١) مُخرج المقرَّر المعلوم: إمَّا لاعترافهم به كما أَفصحَ عنه قولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]، أو مبالغةً في ظهوره حيث نُزِّل - لتمكُّنهم من العلم به بأدنى نَظَرٍ - منزلةَ المعلوم.
ودخلت (مِن) على الزمان، إذ التقديرُ: مِن زمنٍ قبلَ زمانِ خَلْقِكم.
وقُرئ: (مَن) بفتحِ الميم (^٢) على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ هو صدرُ الصلة، تقديرُه: والذين هم أناسٌ قبلَكم، وحذفُ صدرِ الصِّلة كثيرُ الدَّور في الكلام، وفيه تأكيدُ إبهام (^٣) يتضمَّن التنبيهَ بما فيه مِن التفخيم على أنَّ خَلْقَ مَن قبلَهم أَدخلُ في القدرة، وعلى هذا تكون (مَن) موصوفةً و(قبلَكم) صفتَها، ويحتمِلُ أن تكون موصولًا مقحَمًا كما أُقحم (تيم) في:
_________________
(١) في "ف": (إخراجه).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٩١).
(٣) في "ف" و"م": (إيهام).
[ ١ / ٩٣ ]
يا تيمُ تيمَ عَدِيٍّ (^١)
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ أي: تجعلون العبادةَ وقايتَكم (^٢)، و(لعلَّ) فيها لغاتٌ، ولم يَجئْ في القرآن إلا أفصحُها، وهي للترجِّي والإطماع، وذلك بالنِّسبة إلى المخاطَبين، والمعنى: إذا عبدتُم ربَّكم رَجَوْتُم حصولَ التَّقوى، وهي التي تحصلُ بها الوقايةُ من النار والفوزُ بدار القَرار، فتعلَّقت جملةُ الرجاء بـ ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾.
وقيل: تعلُّقها بـ (خَلَقكم).
ولا يُعجبني ذلك؛ لأنَّ الذي سِيقَ الكلامُ لأجْله هو الأمرُ بالعبادة، وذُكر الموصولُ وصلتُه لِمَا قُصد بالتبَّع، فلم يَجئ الموصولُ ليُحدَّث عنه، وكذا صلتُه، كيف وهي لتتميم ما قبلَها، فلا يناسبُ أن يتعلَّق بها ترَجٍّ، بخلافِ (اعبدوا)، فإنها الجملة المفتَتَحُ بها أوَّلًا، والمطلوبةُ من المخاطَبين، وإذا تعلَّقت بـ (اعبدوا) ناسَبَ خطابَ (لعلكم).
(٢٢) - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿الَّذِي﴾ نصبٌ على أنَّه صفةٌ بعد صفةٍ، ولزومُ توسيطِ الأجنبيِّ بين الوصفين لا يُضعفُه؛ لأنَّه أولى من توسيطه بين الموصوف والصفة، الواقعِ في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]، أو على المدح، أو رفعٌ عليه على أنه خبرُ مبتدأ محذوف (^٣)، …
_________________
(١) قطعة من بيت لجرير، وهو في ديوانه (١/ ٢١٢)، وتمامه: يا تيم تيم عدي لا أبا لكم … لا يوقعنكم في سوءة عمر
(٢) في هامش "د" و"م": (ضمن تقدير الكلام الرد لما سبق إلى بعض الأفهام. شراح الكشاف. منه).
(٣) في النسخ عدا "د": (أو على أنه خبر مبتدأ محذوف) وسقطت العبارة كلها من "د"، والصواب المثبت، يعني: بحذف (أو) لأنها تفصح عن وجه جديد والصواب أنه وجه واحد، يعني: الرفع على المدح هو الرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف. انظر: حاشية الطيبي على "الكشاف" المسماة "فتوح=
[ ١ / ٩٤ ]
أو بالابتداءِ (^١) وخبرُه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا﴾، وفيه ضعفٌ لمُضيِّ الصلة، فلا يناسبُ دخولَ الفاء في الخبر، وللربط بالاسم الظاهر.
﴿جَعَلَ﴾ الجعل هاهنا بمعنى التصيير، فيتعدَّى إلى مفعولين ثانيهِما ﴿فِرَاشًا﴾.
﴿لَكُمُ﴾ فيه منَّةٌ على عباده، وفي تقديمِه (^٢) إشارةٌ إلى عزَّة عبيدِه، وفضيلتِهم على (^٣) باقي المخلوقات، حيث خَلَق السماوات والأرضَ لأجْلهم خاصَّةً.
﴿الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ الفِراش والمِهاد والبِساط متقارِبةُ المعاني، والمرادُ: ما يُفرش، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الأرض لم تُخلق مبسوطًا، بل خُلِقَت على وضعٍ آخر ثم بُسطت، على ما أَفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠].
ومَن ظنَّ أن (فراشًا) حالٌ فقد اشتبه عليه حقيقةُ الحال.
﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ مصدرٌ سمِّي به المبنيُّ.
﴿وَأَنْزَلَ﴾ عطف على (جعل).
﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ متعلِّق بـ (أنزل)، أو في موضع الحال فيتعلقُ بمحذوف، والمعنى: من جهة السماء؛ لأن الأصل الذي لا يُعدل عنه إلا بصارفٍ: أنَّ المعرفة إذا أُعيدت تكون الثانيةُ عينَ الأولى، و(مِن) للابتداء.
﴿مَاءً﴾ هو جوهرٌ سيَّالٌ يضادُّ النارَ برطوبتهِ وبرودتهِ، وتنكيرُه للتنويع، يعني:
_________________
(١) = الغيب في الكشف عن قناع الريب" (٢/ ٣٠٢).
(٢) في هامش "د" و"م": (فيه رد للكشاف ومن لم يفرق بين الرفع على الابتداء والرفع به في صدد توجيه كلامه. منه).
(٣) في "ف" و"ك": (وتقديمُه).
(٤) في "م" و"ك": (عند).
[ ١ / ٩٥ ]
أَنزل من السماء نوعًا مَن الماء، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ في ذلك الجنسَ ما لم يَنزل من السماء، وهو ما يَحدث في الأرض بطريق الانقلاب من الهواء وغيره.
﴿فَأَخْرَجَ بِه﴾ الخروج في الأصل: الانفصال من المحيط إلى الخارج (^١)، ويلزمُه الظهور، وإنما عُطف على (أنزَلَ) بحرف التعقيب - وإنْ كان متراخيًا عنه - لسرعةِ خروجِ النَّبات بالمطر، كأنَّه (^٢) لم يتخلَّلْ بينهما زمان تصويرًا لشدَّة قدرته تعالى، وفي توسيط الأسباب حِكَمٌ ليست في الإنشاء بغتةَّ.
ثم إنَّه تعالى جَعَل بلطفه منافعَ السماء متَصلةً بمنافع الأرض، فإنَّ أكثرَ ما يخرجُ من الأرض بما ينزلُ من السماء، ليُعلم أنَّ منشأها واحدٌ؛ لأنَّه لو كان منشأُ هذا غيرَ الآخَر لم تتَصل منافعُ هذا بمنافعِ الآخر (^٣) على بُعد ما بينَهما، وتوهُّمِ خلافِ أحدِهما الآخَرَ، فلمَّا دلَّ هذا على أنَّ مُنشئها واحدٌ (^٤) لا شريك له فلا تجعلوا له أندادًا.
﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الثمرةُ أصلُها: الزيادةُ والنَّماء، لِقال: ثمَّر اللهُ ما لَه؛ أي: زاده وكثَّره، وحَملُ الشجرة يسمَّى ثمرةً لهذا، ويُجمع على ثَمَرٍ بحذفِ الهاء التي هي للتَّوحيد، ثم على ثمارٍ؛ كالبلد يُجمع على البلاد، ثم الثمارُ يُجمع على الثُّمُرِ؛ كالحِمَار يُجمع على الحُمُر، وهذه جموعُ تكسير، وجمعُ السَّلامة هو الثَّمَرات.
والمراد منها هاهنا: المأكولاتُ كلُّها من الحبوب والفواكه وغيرِها ممَّا يَخرج من الأرض والشجر، وقد بسَط الله تعالى ما اختصَره في هذه الآية في آيةٍ أخرى فقال:
_________________
(١) في النسخ: (الانفصال من الحصن إلى العورة)، والمثبت من هامش "د"، وهو الموافق لما في "الكليات" لأبي البقاء (ص: ٤٤٩).
(٢) في "ك": (فكأنه).
(٣) في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (بمنافع الأرض)، والمثبت من "د".
(٤) في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (على منشئ واحدٍ)، والمثبت من "د".
[ ١ / ٩٦ ]
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ [الأنعام: ٩٩].
وقولُه تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] صريحٌ في عموم الثمرة؛ لأنَّ الحصاد إنَّما يكون للزَّرع.
واللامُ لتعريف الجنس، وإنَّما جُمع لاختلافِ أنواعه.
ثمَّ إنَّ جمع التصحيح إنما يكونُ للقِلَّة إذا لم يعرَّف باللام، فلا حاجةَ إلى أن يقال: إنَّ الجموع يَتعاوَرُ بعضُها في موضعِ بعضٍ.
و(مِن) للتبعيض؛ فإن ما يَصلح رزقًا لنا بعضُ الثمرات المخرَجة، ولا يَصلح للتبيين إذ لم يتقدَّم ما يبيَّن (^١).
﴿رِزْقًا﴾ مصدر، فيكون مفعولًا له، وَيحتمِلُ أن يكون بمعنى: مرزوقًا، فينتصب على الحال، وعلى الأول تكون الكاف في: ﴿لَكُمْ﴾ مفعولًا به، واللامُ مقوِّيةً لتعدِّي المصدر إليه، وعلى الثاني يكون في موضع الصِّفة، فتعلَّق اللام بمحذوف؛ أي: كائنًا لكم، ولا يَمتنِعُ عكسُ ذلك، وَيجوزُ أن يتعلَّق بـ (أَخْرَج).
﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ نِدُّ الشيء: مُشارِكُه في الجوهر (^٢)، وذلك ضربٌ من المماثلة، فإن المِثْلَ يقال في أيِّ مشاركةٍ كانت، فكلُّ ندٍّ مِثْلٌ ولا ينعكس.
_________________
(١) في هامش "د": (لا لفظًا ولا تقديرًا لأن مرزوقًا لا يصلح أن يكون مفعولًا به لأخرج كما ذكر سائر المفسرين. منه). وفيه أيضًا: (إذا قلت: أكلت من هذا الخبز، يكون للتبعيض لا غير، وإذا قلت: من هذا الخبزِ الجيدَ المطبوخَ، يكون هذا بيانا، وكان الجيدَ مفعولا. ط). قلت: يعني أن (الجيد) في هذه العبارة بالنصب كما صرح بذلك الطيبي في "فتوح الغيب" (٢/ ٣٠٥).
(٢) في "م" و"ك": (مشاركته فيما يحويه).
[ ١ / ٩٧ ]
ولمَّا كانوا اتخذوا أندادًا جاء النهيُ عن جَعْلِ الأنداد للهِ تعالى على حَسَب الواقع، وإلا فحقُّ النَّهي أن يتعلَّق بجَعْلِ ندٍّ له تعالى.
وهذه الجملة متعلِّقة بـ (الذي) على ما جعلناه خبرَ مبتدأ محذوف؛ أي: هو الذي منَّ عليكم بأنواع النِّعَم العِظام: مِن خَلْقِ السماء سقفًا مرفوعًا، وجَعْلِ الأرض فراشًا موضوعًا، وإخراجِ النبات بالمطر رزقًا مجموعًا، فلا تجعلوا لله أندادًا.
وإنَّما عدل إلى الظاهر نعيًا عليهم بأنَّ جَعْلَهم له أندادًا جَعْلُ الأنداد لذات موصوفةٍ بصفةٍ لا شريكَ له فيه، فأنَّى الشركاء؟
ويجوز أن يكون متعلِّقا بقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] والفاء للسبب، أي: تَسبَّبَ عن إيجاد هذه الآيات الباهرةِ النهيُ عن اتخاذكم الأندادَ، ولولا هذا الاعتبارُ لكان الأنسبَ عطفُه بالواو كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ﴾ [النساء: ٣٦].
ويجوزُ أن يكون نفيًا منصوبًا بإضمارِ (أنْ) على جواب الأمر كما في: زُرْني فأُكرمَكَ.
لا يقال: شرط انتصاب المضارع بإضمار (أنْ) في جواب الأمر - وهو كونُ الأول سببًا للثاني -مُنْتفٍ هاهنا. لأنَّه يجوز أنْ يُكتفَى بسببيةِ الأول للإخبار بمضمون الثاني؛ كما اكتُفي بسببية الشرط للإخبار بمضمون الجزاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (^١).
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: والحالُ أنتم من أهل العلم، على أنَّ (تعلمون) من الأفعال المنزَّلة مَنزلةَ اللازم فلا يقدَّرُ له مفعولٌ، ويجوزُ أن يقدَّر له المفعول على
_________________
(١) في هامش "د": (رد للشريف).
[ ١ / ٩٨ ]
أنَّ المعنى: وأنتم تعلمون امتناعَ الأنداد (^١) وأنها لا تفعل مثلَ هذه الأفعال، وعلى هذا فالمقصودُ منه التوبيخُ والتنبيه (^٢) على قبح فعلهم؛ لأنَّ مرتكبَ القبيح مع علمه بقُبحه أعظمُ جرمًا، لا تقييدُ الحكم وتخصيصُه (^٣) به، فإنَّ العالِم والجاهل المتمكِّنَ من العلم سواءٌ في التكليف.
وإنَّما خَصَصْنا التوبيخَ بالوجه الأخير لأنَّ الظاهر أنَّ المراد على الأوَّل الهزُّ (^٤) لترك الأنداد، ووجْهُ ذلك: أنَّ التلطيف بعد التَّغليظ أَدْخَلُ في الأسماع وأَعْوَنُ على الإصغاء من التَّغليظ بعد التَّغليظ؛ ألا ترَى كيف وصَّى رسوله إذ أُرسل إلى عدوِّه وقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤].
(٢٣) - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ لمَّا قرَّر وحدانيته، وبيَّن الطريق الموصِلَ إلى العلم بها، عقَّبه بذِكر ما هو الحجَّةُ على نبوَّة محمدٍ ﵇، وهو القرآنُ المعجِز بفصاحته، وعرَّف ما يُتعرَّفُ به إعجازه، ويُتيقَّن أنه من عند الله.
ثمَّ إنَّه سلك مَسْلَكَ الإطناب حيث لم يَقُل: وإن ارتبتُم، سَوقًا للكلام على وَفْق
_________________
(١) في "د" و"م": (النداء)، وفي "ح" و"ف": (الند)، والمثبت من "ك".
(٢) في "ح" و"ك" و"ف": (أو التنبيه).
(٣) في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (وتحقيقه)، والمثبت من "د".
(٤) في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (النهي)، والمثبت من "د".
[ ١ / ٩٩ ]
حالهم، وتنبيهًا على توغُّلهم في الارتياب، واستمرارِهم على ذلك، واستقرارِهم فيه، وتضمينًا للنَّعي عليهم حيث بلَغوا النهاية فيما لا يجوز لأُولي الألباب الوقوعُ في بدايته، وهل هذا إلا (^١) غايةُ الغباوة والغواية؟
وأتى بكلمة الشك مع تحقُّق الريب على خلافِ الظاهر؛ تكميلًا للنَّعْي عليهم بتنزيلِ حالهم المحقَّقِ منزلةَ المقدَّر؛ للتنبيه على أنَّ مثلَ ذلك الحالِ حقيق بأنْ يُعدَّ من قَبيل ما يُفرض كما يُفرض المحالُ.
والتنكيرُ في (ريبٍ) للتحقير، وفيه تنبيهٌ على أنَّ وضوح دلائل الإعجاز في المنزَّل المذكور بلغ إلى حدٍّ لا ينبغي أن يُفرض فيه ريبٌ إلا على وجه القِلَّة.
و(مِن) تحتمِلُ (^٢) ابتداءَ الغاية والسببيةَ، و(ما) موصولةٌ؛ أي: مِن الذي نزَّلنا، والعائدُ محذوفٌ؛ أي: نزَّلناه، وتضعيفُ (نزَّلنا) بمنزلةِ همزةِ النَّقل، ويؤيِّده قراءةُ: (أنزلنا) (^٣)، ولا دلالة فيه على نزوله منجَّمًا في أوقاتٍ مختلفة؛ لأنَّ مَبناه على أن يكون التضعيفُ للتكثير، وذلك في المتعدِّي نحو: جرَّحتُ (^٤) وقطَّعتُ، ولا يكون في اللازم إلا نادرًا نحو قولهم: مات المالُ وموَّت (^٥)، إذا كثُر ذلك فيه، وحينئذ لا يجعله متعديًا كيلا يلزمَ الجمع بين
_________________
(١) في "ح" و"ف" و"ك": (إلا أنه)، وفي "د": (إلا آية)، والمثبت من "م".
(٢) في "م" زيادة: (أن تكون).
(٣) هي قراءة يزيد بن قطيب. انظر: "المحرر الوجيز" (١/ ١٠٦)، و"البحر المحيط" (١/ ٢٨٦).
(٤) في "ح" "ف" و"ك": (خرجت)، والمثبت من "د" و"م" وهو الصواب؛ لأن (خرج) قبل التضعيف لازم، والكلام في الأفعال التي تكون متعدية قبل التضعيف. انظر: "البحر المحيط" (١/ ٢٨٧)، و"روح" المعاني" (٢/ ٢٩).
(٥) في "د": (مات الإبل وموت الإنسان).
[ ١ / ١٠٠ ]
معنى التضعيف، وذلك غيرُ جائز، وفيما نحن فيه لا بدَّ من معنى التعدية، فلا مجالَ لإرادةِ معنى التكثير.
والتَّعبير بـ (ما نزلنا) دون: القرآن، للتنبيه على أن الريب فيه باعتبارِ ذلك الوصف.
والعبادةُ لمَّا كانت أشرفَ الخصال، والتَّسمِّي به أنفسَ الحظظ، حتى قال الشاعر:
لا تَدعُنِي إلا بيا عبده … فإنه أشرفُ أسمائي (^١)
سمَّى نبيَّه عبدًا وأضافه إلى نفسه تنويهًا بذكره، وتنبيهًا على أنه مختصٌّ به ومنقادٌ لأمره لا يخالفُه (^٢)، فكأنه يقول: على الرسولِ الذي كلُّ ما يبلِّغه من عندنا.
وقد شارَكَه ﵇ في ذلك التشريفِ بعضُ الأنبياء ﵈، إنما اختصاصُه ﵇ بتسميته بالعبد المطلَق، فإنه لم يُسمَّ غيره إلا بالعبد المقيَّد باسمه؛ كما قال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ [ص: ١٧] ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص: ٤١] وغيرهما، وذلك لأنَّ كمال العبودية ما تهيَّأ لأحدٍ من العالَمين إلا لحبيبه ﵇، وكمالُ العبودية في الحرِّية عمَّا سوَى اللهِ تعالى، وهو مختصٌّ بهذه الكرامةِ كما أَثنى الله تعالى عليه بذلك فقال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٦].
_________________
(١) البيت لمحمد بن إسماعيل أبي عبد الله المغربي الزاهد، كما في "طبقات الصوفية" للأزدي (ص: ١٩٦)، وهو دون نسبة في "تفسير القرطبي" (١/ ٣٤٩)، و"البحر المحيط" (١/ ٢٨٨)، و"روح المعاني" (٢/ ٣٠). ووقع في النسخ: (عبده)، والمثبت من المصادر وهو الصواب؛ لقوله قبله: يا قوم قلبي عند زهراءِ … يعرفه السامع والرائي
(٢) في "ح" و"ف": (لا محالة). وفي "ك": (لا مخالفة).
[ ١ / ١٠١ ]
فلمَّا اختصَّ بهذه الحريَّة أُكرم باسم العبد المطلَق، كما قال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠].
وقرئ: (على عبادنا) (^١) يعني: النبيِّين الذين أُنزل عليهم الكتب، وفيه تنبيهٌ على أن مَن شكَّ في القرآن مع ظهورِ إعجازه فهو شاكٌّ في سائر الكتب الإلهية أيضًا حقيقةً أو حكمًا.
ويجوزُ أن يراد: مَن أَخبر بنبوةِ محمدٍ ﵇ وبشَّر بمجيئه من الأنبياء كموسى وعيسى ﵉.
والأمرُ في ﴿فَأْتُوا﴾ للتعجيز؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، والفاءُ لأنَّه جوابُ الشرط، وبدونها يقال: (ايتوا) الألِفُ مجتلَبة والهمزةُ صارت ياءَ لكسرةِ ما قبلَها، وسقطت همزتُها كراهةَ التقاء الهمزتين، وتثبت الياء كتابةً في قوله: ﴿ثُمَّ ائْتُوا﴾ [طه: ٦٤]؛ لأنَّه يُوْقَف على ﴿ثُمَّ﴾ ويبدأ: ﴿ائْتُوا﴾ ولا تثبت في قوله: ﴿فَأْتُوا﴾ وفي قوله: ﴿وَأُتُوا﴾ لتعذر الفصل بين الفاء والكلمة، وكذا بين الواو والكلمة.
والسورة مأخوذةٌ من قولهم: سَار يسُور: إذا ارتفع وعلا، وسمِّي الجدار المحيط بالمدينة سورًا لارتفاعه، فالسورةُ من القرآن: مجموعُ آياتٍ مفصَّلةٍ ارتَفَعتْ وعَلَتْ وظهرت وصارت كالعَلَم في مُغايَرتها لسائر السُّوَر.
وهي بإطلاقِها تتناولُ أقصرَ السُّوَر، وهي في القرآن سُورة الكوثر، وهي ثلاثُ آياتٍ قِصَارٍ، وهذا أبلغُ إلزامٍ وأتمُّ قطعٍ لأهل الخصَام، فقد كان التحدِّي أولًا بالإتيان
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٩٧).
[ ١ / ١٠٢ ]
بمثلِ كلِّ القرآن لقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، ثم أَخبر (^١) عن عجزهم عن ذلك بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] ثم بعشرِ سورٍ مِثْلِه بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] ثم لمَّا ظهر عجزهم عنها أيضًا تحدَّاهم بسورةٍ بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ وقد عجزوا عن ذلك كلِّه.
﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ في محلِّ الجر صفةً لـ (سورةٍ)؛ أي: بسورةٍ كائنةٍ مِن مِثله، والضميرُ لـ (ما نزَّلنا)، والمعنى: إنْ كنتم في شكٍّ مما أنعمْنا على عبدنا لحُسنِ استعداده (^٢) في كمالِ العبودية بإنعام الوحي، ومن (^٣) نعمة القرآن في أنَّه من عندنا، زاعِمِين أنَّ معارضته بإيرادِ المثلِ مقدورٌ للبشر - على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]- ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾؛ أي: مثلِ المقدور للبشر في زَعْمِكم، وقد أَفصح عن هذا المعنى في التحدِّي بعشرِ سورٍ، ولولا القصدُ إلى هذا لكان الظاهرَ أنْ يقال: فأتوا بمِثْلِ سورةٍ منه.
ورجوعُ الضميرِ للمنزَّل عليه لا يساعدُه المقامُ ولا الكلام:
أمَّا الأولُ: فكما عرفتَ فيما تقدَّم أنَّ المقام مقامُ توسيعِ دائرة التحدِّي، حيث تنزَّل من التحدِّي بكلِّ القرآن إلى التحدِّي بعشرِ سورٍ، ثم إلى التحدِّي بسورةٍ، فلا يناسبه التضييقُ باشتراطِ أنْ يكون الآتي به أميًّا في هذه الصورة دون الصور السابقة.
_________________
(١) في "ح" و"م": (أخبرهم).
(٢) في "ح" و"ف" و، "ك": (بحسن اعتقاده).
(٣) في النسخ عدا "م": (ومنه)، والمثبت من "م".
[ ١ / ١٠٣ ]
وأمَّا الثَّاني: فلأنَّ قوله: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في مَعْرِض ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]- في قولكم: إنه مفترًى، اخْتلَقه محمدٌ ﵇ من عند نفسِه فأعانه عليه قومٌ آخرون (^١) - فهو أمرٌ بأن يستعينوا بكلِّ مَن يُعينهم في ذلك (^٢).
فعلى هذا لا وَجْهَ للاشتراط المذكور.
وأيضًا لا بُدَّ من اعتبارِ قيدِ المماثَلةِ بين المنزَّلِ والمأمورِ بإتيانه، وعلى تقديرِ عودِ الضمير المذكورِ إلى المنزَّل عليه يلزم أن يكون الكلام خلوًا عن ذلك القيدِ المهم.
والشُّهداءُ: جمع شهيد، معناها على ما قال ابن عباس ﵄: أعوانكم؛ لأنَّ الشاهد كالعون للمدَّعِي في استخراج حقِّه، والمراد من الدعاء: دعاءُ استصراخٍ.
وكلمة (دون) لها معانٍ، والمراد هاهنا معنَى (غير)، وهي في الأصل اسمٌ، ولهذا دخله الخافضُ وخَفَضَها، ولكنها تُستعمل استعمالَ الحروف مفردةً عن اللام الذي هو للتعريف والتنوينِ الذي هو للتنكير - وهما من خصائص الأسماءِ - لأنها تفيد المعنى في غيرها كالحروف، فأُجريت مُجراها لذلك.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم السابق ذكرُه، والصدق: الإخبارُ المطابِقُ للواقع، هذا إذا كان وصفًا للمتكلِّم، وأمَّا إذا كان وصفًا للكلام فهو الخبرُ المطابق للواقع.
_________________
(١) ما بين حاصرتين زيادة من "م".
(٢) في "م": (يعينهم على ذلك في زعمهم).
[ ١ / ١٠٤ ]
ولمَّا كان الأمر المذكور أمرَ تهكُّم وتعجيزٍ أَخبر أنهم ليسوا قادرينَ على إتيان المأمور به بقوله:
(٢٤) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ لمَّا أَرشدهم إلى الدليل الذي يتبيَّن به أمرُ النبيِّ ﵇ وصِدقُه، وكونُ ما جاء به حقًّا، صرَّح بنتيجته لاستلزامِ نفي اللازم - وهو امتناعُ معارضته - نفيَ الملزوم الذي هو انتفاءُ الرَّيب فلزمَهُم تصديقُه والإيمانُ به، وإلا استوجَبوا أشدَّ العذاب.
وإنَّما أَوْردَ الفعلَ في موضع الإتيانِ لأنَّه ما من شيءٍ من الأحداث إلا ويصحُّ أن يعبَّر به عنه وذلك؛ لِمَا ذكره الرَّاغبُ: أنَّ معناه أعمّ من معنى سائرِ أخواته نحوَ العمل والصُّنع والإحداث (^١).
فالمعنى: فإنْ لم تأتوا بسورةٍ مِن مِثْله ولن تأتوا بسورةٍ مِن مِثْله، ولا يخفى ما فيه من حسن الإيجاز (^٢).
وأتَى بكلمة (إنْ) دون: إذا، مع تحقّقِ الشرط: إمَّا تهكُّمًا به، وإمَّا بناء على ظنِّهم قبل ظهور العجزِ عن المعارضة.
و(لم) كلمةُ نفي تدخلُ على المستقبل وتجعلُه بمعنى الماضي، ثم دخولُ (إنْ)
_________________
(١) انظر: "تفسير الراكب" (١/ ١١٩).
(٢) في هامش "د" و"م": (فيه رد لمن زعم أنه من باب الكناية لأنَّه من قبيل ذكر العام في موضع الخاص، فإن أريد معنى الخاص بخصوصه فمجاز مرسل وإلا فحقيقة. منه).
[ ١ / ١٠٥ ]
وهو للشرط يجعلُه بمعنى المستقبل، فكأنه فيه إشارةٌ إلى انقلاب حال المخاطَبين.
ولا محلَّ لقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾؛ لأنَّه اعتراضٌ قبل تمام المَرام، وهو من محاسن الكلام، إثارةً لهمَمِهم؛ ليكون عجزُهم بعد ذلك أبلغَ، ومعناه: لستُم بفاعلين ذلك أبدًا؛ لأنَّ (لن) لتأكيد النفي في المستقبل، فيشاركُ (لا) في نفيه ويُبايِنُه في التأكيد والتَّشديد.
واختُلف في أصله فقيل: (لا أنْ)، وقيل: (لا) أُبدلت ألفُه نونًا، والظاهرُ أنه حرفٌ مقتضَبٌ برأسه، كما هو قولُ سيبويه وإحدى الروايتين عن الخليل (^١).
قيل: فيه دليل على صحَّة نبوَّته ﵇ حيث أَخبر عن الغيب على ما هو به.
وفيه: أنه من باب الكرامة، ولا اختصاصَ لها عند أهل الحقِّ بالأنبياء.
وأمَّا الاستدلالُ بعدم كونه ﵇ شاكًّا في أمره فممَّا لا وجه له؛ لأن مَبْنَى دلالته على صحَّة دعواهُ على ثبوتِ عصمته عن الخطأ، وهو فرعُ ثبوتِ (^٢) نبوَّته، فإثباتُه به مصادَرةٌ.
﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ جوابُ الشرط، وكُنيَ به عن ترك العناد تقريرًا للمكنيِّ عنه، وتهويلًا لشأن العناد، وتصريحًا بالوعيد مع الإيجاز، وذلك (^٣) أن مَن عانَدَ بعد وضوح الحقِّ له استَوْجَب العقاب بالنار، واتِّقاءُ النار من نتائج تركِ العناد.
و(النار): هي نار جهنم.
_________________
(١) انظر: "العين" (٨/ ٣٥٠)، و"الكتاب" (٣/ ٥).
(٢) كلمة: (ثبوت)، ليست في "م".
(٣) في "ف": (في ذلك) بدل: (وذلك).
[ ١ / ١٠٦ ]
وقيل: النار مجازٌ عن العناد، وهذا (^١) أشدُّ تهويلًا؛ لِمَا فيه من إبراز العناد في صورة النار بخلافِ الأولِ، فإنَّ النار حينئذٍ على حقيقتِها، والتهويلُ إنما جاء من إنابةِ اتِّقاءِ النار مَنابَ ترك العناد.
ثم إنَّ الأمر بالاتِّقاء أبلغُ من الأمر بالترك في النَّهي عن ملابَسة العناد.
وتعريفُها بناء على أنَّ تلك النارَ كانت معلومةً للمخاطَبين بسماعهم من النبيِّ ﵇ بالذات أو بواسطةِ المؤمنين، وأيضًا هذه الآيةُ مدنيَّةٌ، فنزولُها بعدَ نزولِ قوله تعالى: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] لأنَّها مكيةٌ، فصحَّ تعريفها لكونها معروفةً قبل ذلك؛ ضرورةَ أن المكيَّات لنزولها (^٢) قبل الهجرة متقدِّمةٌ على المدنيات النازلةِ بعدها.
ولتفظيعِ شأن العناد هوَّلَ (^٣) وصفَ النار بقوله: ﴿الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وكونُ الصلة معلومةً إنما اشتُرط في غير مقام التفخيم والتهويل، ألَا يُرى إلى قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]؟
والوَقود - بالفتح - ما يوقَدُ به النار، وبالضَّم: التهابُها، فهو مصدرٌ والأولُ اسمٌ، وقد جاء في المصدر بالفتح والاسمِ بالضمِّ، وقُرئ بهما (^٤).
والظاهرُ المناسبُ لبلاغة القرآن: أن يكون المراد به المصدرَ على أنَّ المجازَ
_________________
(١) في "ف": (وهو).
(٢) في هامش "م": (فيه تنبيه أن المكي ما نزل قبل الهجرة لا ما نزل بمكة كما يفهم من كلام الكشاف وكلام القاضي).
(٣) في "ح" و"ف": (بقول)، وفي "م": (وهو)، وفي "ك": (بهول)، والمثبت من "د".
(٤) هي بفتح الواو قراءة الجمهور، أما القراءة بالضم فتنسب لعيسى بن عمر وغيره. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٤)، و"المحتسب" لابن جني (١/ ٦٣).
[ ١ / ١٠٧ ]
عقليٌّ؛ فإن الغرض - وهو المبالغةُ في التهويل - يَحصل حينئذٍ على وجهٍ أتمَّ وأكملَ، وفي المصير إلى حذفِ المضاف تنزيلٌ لشأن التنزيل.
و(الناس) هنا هم الكفار، و(الحجارة): جمع حَجر؛ كالجَمَل والجِمالة، وهذا جمعٌ على غير قياسٍ، والقياسُ فيه: الأحجار؛ كالشَّجر والأشجار.
وقد صحَّ عن ابن عباس ﵁ على ما أخرجه ابن جريرٍ في "تفسيره"، وعن ابن مسعود ﵁ على ما أخرجه البيهقيُّ في "البعث والنُّشور": أنها حجارةُ الكبريت (^١).
وإنَّما خُصَّت من بين أنواعِ الأحجار لأنها أسرعُ وُقودًا، وأبطأُ خمودًا، وأنتنُ رائحةً، وأكثرُ دخانًا، وأشدُّ حرًا، وألصقُ بالبدن.
والظاهرُ: أنَّ مرادَهما بيانُ الواقع لا تفسيرُ المراد هاهنا من لفظ الحجارة، فلا يتَّجهُ أنه تقييدٌ للمطلَق بغيرِ دليلٍ، فهي على إطلاقها، فلا يَفوت ما قُصد به من تهويلِ شأنِ تلك النارِ وتَفاقُمِ لهبها حيث تَتَّقد بما لا يَتَّقد به غيرُها.
وأمَّا احتمالُ أنْ يراد بها الأصنامُ فيأباه العموم المستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] فإن بعض ما عَبدوا ليس من جنس الحجر، ومعنى ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾: أن تلك النارَ لا تَتَّقد إلا بها.
﴿أُعِدَّتْ﴾ إن (^٢) الإعداد - وهو التهيئةُ والإرصاد - أكثرُ استعماله في الموجود،
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤) عن ابن عباس وابن مسعود، والبيهقي في "البعث والنشور" (٥٠٣) عن ابن مسعود، ورواه عنه أيضا عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٤٠).
(٢) كلمة: (إن) ليست في "ك".
[ ١ / ١٠٨ ]
وقد يُستعمل فيما هو في معنى الموجود؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] فدلالةُ الآية على أنَّ النار مخلوقةٌ الآن كما هو مذهبُ أهل الحق ليست بقويَّةٍ.
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ ختمٌ بما وقع به البدءُ؛ أي: اتَّقوا الكفر الموجِبَ للنار فإنها أُعدَّت للكفار، والجملةُ استئنافٌ يؤيِّدُه عطفُ (وبُشِّرَ) - على لفظِ المبنيِّ للمفعول (^١) - عليه.
وقيل: صلةٌ بعد صلةٍ بلا عاطفٍ بينهما على قياسِ ما يقع في الأخبار والصفات، ويؤيدُه قولُه تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وأمَّا العطفُ بترك العاطف فتجويزُه يؤدِّي إلى الإلباس في مواضعِ الفصل والوصل.
ودلالةُ لام الاختصاص على أنَّ إعداد تلك النَّار للكفار، ولا يلزمُ من ذلك اختصاصُها بهم، كما لم يَلزم من اختصاص إعداد الجنة للمتَّقين أنْ لا يدخلها غيرُهم، فلا حاجة إلى أنْ يقال: إنَّ النار التي وقودُها الناسُ والحجارة هي للكفَّار خاصةً ولغيرهم نارٌ غيرها (^٢).
(٢٥) - ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
_________________
(١) هي قراءة زيد بن علي كما في "الكشاف" (١/ ١٠٤). وهي شاذة، وقراءة الجمهور بالمبني للمعلوم.
(٢) في هامش "د": (رد).
[ ١ / ١٠٩ ]
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ البشارة في اللغة اسمٌ لخبرٍ يغيِّر بَشَرةَ الوجهِ مطلَقًا سارًّا (^١) كان أو محزنًا، إلَّا أنَّه غَلب استعمالُها في الأول، وصار اللفظ حقيقةً له بحكم العُرف حتى لا يُفهمُ منه غيرُه، واعتُبر فيه الصدقُ على ما نُصَّ عليه في الكتب الفقهيَّة، فالمعنى العُرفيُّ للبشارة: الخبر الصادقُ السارُّ الذي ليس عند المُخبَر به علمُه.
والمأمورُ بالتبشير على قراءةِ: (بشِّر) على لفظ المبنيِّ للفاعل: الرسولُ ﵇.
ولا وجهَ للتعميم لكلِّ مَن يقدرُ على البشارةِ مِن غيرِ تعيينٍ؛ لِمَا عَرَفْتَ أنَّ مدار البشارة على الصِّدق، فحقُّها أن يكون المبشِّرُ صادقًا ومُصدَّقًا، كأنه ما اتَّكل في أمرِ التبشير على كلِّ قادرٍ عليه، بل نصَّ على أعظمِهم وأصدقِهم؛ ليكون ذلك أوثقَ عند المبشَّرين، وأقطعَ في الإخبارِ بهذه البشارةِ الجليلة، وفيه من التعظيم لأمرِ البشارة والمؤمنين ما لا يَخْفَى.
والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلَها عطفَ قصةٍ على قصةٍ بينهما جهةٌ جامعةٌ بحيث تقتضي أنْ يُقفَّى (^٢) ذكرُ إحداهما بذكرِ الأخرى؛ توفيةً لحقِّ الكلام، ورعايةً لِمَا يقتضيه المقام، وذلك أنَّ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا﴾ خطابٌ عامٌ يشمل الفريقين: الموافقَ والمخالفَ.
ثم إنَّ قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ مختصٌّ بالفريق الأوَّل ومضمونُه الإنذارُ، وأنَّ قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^٣) مختصٌّ بالفريق الثاني ومضمونُه البشارةُ، كأنه أوحَى
_________________
(١) في "م": (مُسرًا).
(٢) في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (يقع)، والمثبت من "د".
(٣) في "د": (وبشر الذين)، وفي "ك": (وبشر المؤمنين).
[ ١ / ١١٠ ]
إلى نبيِّه أن يدعوَ الناس قاطبةً إلى عبادته وتوحيده وتصديقِ رسوله، ثم أَمر أن يُنذِر مَن أبَى وعانَدَ، ويبشِّرَ من آمن وعَبد، وهذا هو المعتمَد.
وقيل: معطوفةٌ على مقدَّرٍ بعد ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: فأنذِر الذين كفروا بتلك النارِ وبشِّر الذين آمنوا، وعلى هذا تكون الواو فصيحةً كما في قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]؛ أي: فاحذَرْني [واهجُرني] (^١).
وقيل: معطوفةٌ على قولٍ مقدَّرٍ قبل ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: قل كذا وكذا وبشِّر المؤمنين، ولا يأبى عن ذلك قولُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، فإنه قد جاء في كلام الله تعالى في غيرِ موضعٍ (^٢)، منها قولُه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧]، قالوا: كان حقُّه: على قلبي، لكنه جاء على حكايةِ كلامِ الله تعالى؛ كأنه قال: قلْ ما تكلَّمتُ به.
وجوِّز أن تكون معطوفة على قوله: ﴿فَاتَّقُوا﴾ على أنه ليس جوابًا للشرط، بل هو محذوف، وهذا مرتَّب عليه، فعلى هذا يكون تقديرُ الكلام: إذا تَبيَّن عجزُكم عن المعارضة فقد صحَّ عند المعاند والموافق (^٣) صدقُه، وإذا كان كذلك فاحذَروا أيها المعانِدون العقابَ وبشِّر يا محمدُ المصدِّقين بالثواب، وعطفُ الأمر لمخاطَبٍ على الأمرِ لمخاطَبِ آخَرَ مما أخطأ في منعه النُّحاة؛ لوقوعه قطعًا في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩]، وستقف على تتمة هذا الكلام في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
_________________
(١) ما بين معكوفتين من "الكشاف" (٣/ ٢١).
(٢) في هامش "د": (من وهم أن فيه تعسفًا فقد وهم. سعد الدين).
(٣) في "ك": (والمنافق).
[ ١ / ١١١ ]
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الصالحة نحوُ الحسنة في جَرْيها مَجرى الاسم، وهي ما ورد به الأمر إيجابًا أو ندبًا من الأعمال، وتأنيثُها على تأويل الخصلة، والتَّعريفُ للجنس، لكن لم يُرَد بالصالحات جنسُ الجمع، بل جميعُ الجنس باعتبار التوزيع، واللازمُ منه أن يَعمل كلُّ مكلَّف ما يَختصُّ به من مَواجِب التكليف؛ كما في: لَبِس القوم ثيابهم، ودخلوا مساجدهم، لا أنْ يَعمل كلُّ واحد منهم عملًا واحدًا منها كيف ما كان.
وفي مقارنةِ الإيمان والعمل الصالح في القرآن إيذانٌ بأنهما كالمتلازِمَين في توقُّف مجموع النَّجاة والثواب عليهما، وهذا لا ينافي لكون الإيمان المجرَّد عن العمل الصالح منجيًا.
ثم إنَّ (بشَّر) يتعدَّى إلى مفعولٍ بنفسه وإلى آخَرَ بحرف الجر، وهو قوله:
﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ وحُذف منه الحرفُ، وهو في موضع نصبٍ على مذهبِ الخليل (^١)، لا في موضعِ جرٍّ، خلافًا لمن قال: مذهبُه أنه في موضع جرٍّ (^٢)، وهو ابنُ مالكٍ، قاله في "التسهيل" (^٣)، وهو قليلُ الإلمام بكتابِ سيبويه.
واللامُ للاختصاص، إلا أنَّ التَّخصيص بفضلِ الله تعالى لا بالاستحقاقِ الذَّاتيِّ، والمختصُّ بهم منازلُ عاليةٌ من دارِ الثَّواب لا الدارُ نفسُها حتى يُشْكِلَ بالنُّصوص الدالَّة على عدم اشتراطِ العملِ في الدخول بها، ولذلك قال: ﴿جَنَّاتٍ﴾ دون: الجنة؛ فإنها عَلَمٌ لتلك الدَّارِ.
_________________
(١) ذكره عنه سيبويه في "الكتاب" (٣/ ١٢٧)، لكن سيبويه قوَّى القول بالجر أيضًا.
(٢) في هامش "د": (كذا قال أبو حيان).
(٣) انظر: "شرح التسهيل" (٢/ ١٥٠)، وتابعه في نسبة القول بالجر للخليل أبو حيان في "البحر" (١/ ٣٠٨).
[ ١ / ١١٢ ]
وحملُ الجنَّات على الجِنَانِ الثمانيةِ لا يلائمُه مقابلةُ الجمعِ بالجمع؛ لأنَّ مقتضاها الانقسامُ والتوزيع، وقد رُوعيَ (^١) ذلك في قَرِينتها السَّابقة، ولا مجالَ لرعايتها هاهنا لعَدَم العهد في توزيعها.
ثم إنَّ ذلك الاختصاصَ مشروطٌ بسلامةِ العاقبةِ؛ لأنَّ الاعتبار للخاتمة على ما أَفصح عنه قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وأمَّا الاستمرار على الإيمانِ المقارنِ (^٢) بالعمل الصالح فليس بشرط.
والجَنَّة في الأصلِ: المرَّةُ من الجَنِّ، وهو مصدر جَنَّه: إذا ستره، ومدارُ التركيب على ذلك، سمِّي به الشجر المظلِّل لالتفاف أغصانه وسترِ ما تحته، ثم البُستانُ لِمَا فيه من الأشجار المتكاثفةِ المُظلَّة، ثم دارُ الثواب لِمَا فيها من الجِنَان.
والمراد هاهنا: الغرفُ، وهي المواضع العالية والمنازلُ الرَّفيعة من بساتين الجَنة، على ما أَفصح عن ذلك في قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [العنكبوت: ٥٨] فإنَّ القرآن يفسِّر بعضُه بعضًا.
وتنكيرُ الجنات للتعظيم؛ أي: جنَّاتٍ أيَّ جنَّاتٍ (^٣) لا يُكتَنه وصفُها، ثم أكَّده بالأوصاف الغريبة (^٤).
_________________
(١) في النسخ عدا "د": (روي)، والمثبت من "د".
(٢) في "د": (القارن).
(٣) (أي جنات): من "م" و"ك".
(٤) في "ح" و"ف" و"م": (القريبة).
[ ١ / ١١٣ ]
ويجوز أن يكون المراد: جنَّات شتَّى مرتبة في مراتبَ بحسب طبقاتهم ودرجات أعمالهم وعلومهم وأخلاقهم.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الضمير للجنات، يعني: من تحت تلك الغرف، وفيه تنبيهٌ على أنها منازلُ عالية، وقد جاء في الآثار: أن الجنة درجاتٌ والنارَ دركاتٌ (^١).
والنَّهَر - بالفتحتين، وبسكونِ الثاني (^٢) -: المَجْرَى الواسع، والمراد: الأنهارُ المعهودة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] فإنَّ الأصل في التعريف العهدُ، ولا يُعْدَل عنه إلا عند التعذُّر ولا تعذُّرَ هاهنا؛ إذ لا حاجةَ في ثبوت العهد إلى سبق نزول تلك الآية؛ فإن المخاطَب بتبليغ البشارة هو النبيُّ ﵇، فكفى عملُه بها بإعلامٍ من الله تعالى، وفي البيان بقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ دلالةٌ قاطعة على أن المراد: ماءُ الأنهار، على التجوُّز فيها أو الإضمار.
﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ صفةٌ ثانية لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾، أو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: هي (^٣)، أو جملة مستأنفة على تقدير سؤال يَختلج في ذهن السامع: أَثِمارُها من جنسِ ثمار جنات الدنيا أم أجناسٌ أُخَر؟ فقيل: من جنسها.
و﴿مِنْ﴾ الأولى لابتداء الغاية، وكذا الثانيةُ، واقعتان موقع الحال، و﴿رِزْقًا﴾
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٤/ ٣٠٤).
(٢) في هامش، "د" و"م": (من قال بالفتح والسكون فكأنه غافل عن قوله تعالى: ﴿خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾).
(٣) في هامش "د": (وهنا بحث، وهو أن الجملة المحذوفة المبتدأ إما أن تجعل صفة أو استئنافًا، فاعتبار الضمير لغو، وإما أم يكون كلاما مبتدأ غير صفة ولا استئناف، فليكن بدون اعتبار الحذف كذلك. سعد الدين).
[ ١ / ١١٤ ]
مفعول ثان بمعنى: المرزوق، وأصل الكلام ومعناه: كلَّ حينٍ أو مرةٍ رزقوا مرزوقًا مبتدأً من الجنات مبتدأً من الثمرة، قيِّد الرزق المطلقُ بكونه من الجنات، ثم المقيَّدُ بكونه من الجنات قيِّد بكونه مبتدأً من أيِّ ثمرةٍ من ثمارها، فصاحب الحال الأولى ﴿رِزْقًا﴾ وصاحب الحال الثانية ضميرُه المستكِنُّ في الحال.
ويجوز أن تكون الثانيةُ للتبعيض؛ أي: كلَّما رزقوا من تلك الجنات بعضَ الثمرات، على أنه مفعول ثان، و﴿رِزْقًا﴾ حال أو نصبٌ على المصدر (^١).
وليس المراد من الثمرة: الثمرةُ الواحدة بالشخص، وإنما المرادُ النوع الواحد من أنواع الثمار، يقال: فلانٌ أدركتْ ثمرةُ بستانه، والمراد الجنس.
ويجوز أن تكون بيانًا؛ كما تقول: رأيت منك أسدًا؛ أي: أنت أسدٌ، وعلى هذا الوجهِ يصحُّ أن يراد بالثمرة النوعُ، والجَناةُ الواحدةُ.
﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبلِ هذا في الدنيا، والمقول جملة تشبيهية لقوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ أي: هذا مثلُ الذي - أو: كالذي - رزقنا من قبلُ، حُذف حرف التشبيه لاستحكام الشَّبَه كأنَّ ذاتَه ذاتُه.
وإنما جُعل ثمارُ الجنة من جنس ثمار الدنيا لتميل النفس إليها أولَ ما رأت، فإنه لو لم يكن من جنسها لأَمْكَن أن تنفرَ منها طباعُهم وتعافَها نفوسُهم في أول الوهلة
_________________
(١) في "م": (المصدرية). ولم يلتفت المحققون إلى جعل الثانية تبعيضية في موقع المفعول، ورِزْقًا مصدر مؤكد أو في موقع الحال من ﴿رِزْقًا﴾؛ لبُعده، مع أن الأصل التبيين والابتداء فلا يعدل عنهما إلا لداع، على أن مدلول التبعيضية أن يكون ما قبلها أو ما بعدها جزاء لمجرورها لا جزئيًّا، فتأتي الركاكة هاهنا. انظر: "روح المعاني" (٢/ ٥٢).
[ ١ / ١١٥ ]
وبادئ النظر (^١)، وهذا لا ينافي الْتذاذَه به فوقَ الْتذاذِه (^٢) بمَأْلوفاتِه بعد الوقوف على طعمه، ولا يخالفُ ما اشتَهَر فيما بينهم من أنَّ لكلِّ جديد لذةً، ولأنهم إذا صادفوا ما الْتذُّوا به وأَلِفوه من جنسِ ما (^٣) كان معهودًا لهم، ورأوا بينه وبين ما عَهِدوه تفاضُلًا بيِّنًا وتفاوتًا عظيمًا، عرفوا قَدْر النعمة وحقَّها، وبلغ استلذاذُهم به واستحسانُهم له إلى ما لا يمكن وصْفُه؛ لكونه نعمةً غيرَ مترقَّبةٍ، ولو كان من جنسٍ آخر - وإنْ فاق وبلغ غايةَ الحُسن وراق - لحسبوا (^٤) أن ذلك الجنسَ لا يكون إلا كذلك، ولم يقع في أنفسهم وَقْعَ تلك النعمةِ.
وتكرارُهم هذا القولَ واستئنافُهم له عند كلِّ ثمرةٍ يُرزقونها دليل على تناهي الأمرِ في الفضيلة والمزيَّة، وأن ذلك الفرقَ البيِّنَ والتفاوتَ العظيم هو الذي يستدعي تلفُّظَهم بذلك ويَستنطقُهم ويَستَهِشُّهم فرحًا وحبورًا، ولا يدعُهم يَقَرُّوا ويسكتوا بل يستفزُّهم لذةً وسرورًا.
وعن مسروقٍ: نخل الجنة نضيدٌ من أصلها إلى فرعها (^٥)، كلما نُزعت
_________________
(١) في هامش "د": (قوله - أي: قول صاحب "الكشاف" -: "لأنَّ الإنسان بالمألوف آنس" هذا جيد لو لم يضم إليه قوله: "وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه" فإنَّ بطلانه ظاهر، ولكل جديدة لذة، والحديث المعتاد مثلٌ في الكراهة. سعد الدين). ونقله الشهاب في "حاشيته على البيضاوي" (٢/ ٧٠) ثم تعقبه بقوله: وليس بشيء. وفيه: (… والحديث المعاد …).
(٢) في "د": (فوق ما التذ).
(٣) في النسخ عدا "د": (من جنسها)، والمثبت من "د".
(٤) في النسخ عدا "د": (ظنوا)، والمثبت من "د".
(٥) في هامش "د": (أي: نخل ثمارها [كذا، ولعل الصواب: ثمار نخلها] منضود من أولها إلى آخرها، يعني أن الثمر في كل جزء من أجزاء النخلة، لا في بعضها كما في الدنيا. قطب الدين).
[ ١ / ١١٦ ]
منها ثمرةٌ عادت مكانها أخرى، وأنهارُها تجري في غيرِ أُخدود (^١).
والضمير في ﴿بِهِ﴾ يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة؛ لاشتمال الكلام عليهما (^٢)؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أي: بجنسي الغنيِّ والفقير، ولو رجع إلى المذكور لقال (^٣): أولى به.
ويجوز أن يكون المعنى: مِن قَبْلِ هذا في الجنة؛ لأن طعامها متشابهُ الصورة، كما حكى الحسن: يؤتَى أحدُهم بالصَّحْفة (^٤) فيأكل منها، ثم يؤتَى بالأخرى فيقول: هذا الذي أُتينا به من قبلُ، فيقول الملَك: كُلْ، فاللَّونُ واحدٌ والطَّعمُ مختلِفٌ (^٥). وعلى هذا يرجع الضمير إلى الرزق المطلَق كما أن ﴿هَذَا﴾ إشارةٌ إليه.
ولا يَخفَى أن الوجه هو الأولُ؛ لعدم المساعدة في نكتة ﴿كُلَّمَا﴾ للأخير. والجملة اعتراضيةٌ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] (^٦)، والواوُ في: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ عاطفةُ الجملة من تتمَّة وصفِ ثواب المؤمنين.
_________________
(١) رواه الثوري في "تفسيره" (ص: ٢٨٠)، ومن طريقه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٢٦٧)، وهناد في "الزهد" (١٠٤).
(٢) في "ح" و"د" و"ك" و"م": "عليها"، والمثبت من "ف".
(٣) في "د": (لقيل)، وفي "ك": (لكان).
(٤) في هامش "د": (هي القصعة التي يأكل منها خمسة رجال).
(٥) انظر: "الكشاف" (١/ ١٠٩)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٤١٠) من قول يحيى بن أبي كثير.
(٦) في هامش "د": (هذا على تجويز الاعتراض في آخر الكلام، والأكثرون يسمونه تذييلًا. سعد الدين).
[ ١ / ١١٧ ]
و﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ بالتوحيد، و(مُطهَّراتٌ) بالجمع (^١)، لغتان فصيحتان في وصف ﴿أَزْوَاجٌ﴾ لكونه جمعَ التكسير وإن كان جمعَ المؤنث الحقيقيِّ، بخلافِ ما لو قال: زوجاتٌ، لسلامة الواحد فيه فلم يجز إلا: مطهراتٌ، كأنه قال: جماعةُ (^٢) أزواج مُطهَّرةٌ.
وبناؤه للمفعول أفخمُ؛ إذ فُهِم أنَّ لها مطهِّرًا، وليس إلا اللهُ تعالى، فتكون (^٣) طهارتُهن أعظمَ من كلِّ طهارة.
فإن قيل: هذا معارَض بأن فيه إشعارًا بسابقةِ التلوُّث (^٤) بما يُستقذَر، والكمالُ في كون الطهارة خَلْقيَّةً، بخلافِ بناء الفاعل فإن المتبادِر منه بمعونةِ المقام أن تكون طهارتُهن خَلْقيَّةً.
قلنا: نعم، هو (^٥) كذلك، إلا أن الأول أرجحُ لكونه أدخَلَ في البلاغة؛ لِمَا فيه من تعظيم المؤمنين، وهو المناسبُ للمقام، ورعايةِ جانبِ مَن سيقَ له الكلامُ، وتطهيرُهنَّ من الأوصاف القبيحةِ في الخَلْق والخُلق.
لمَّا كانت مَجامعُ اللَّذةِ في المسكن الهنيِّ، والمشرَب الرَّوِيِّ، والمَطعَم الشهيِّ، والمنكَحِ الرَّضيِّ (^٦)، ذكَرها تعالى فيما يبشَّر به المؤمنُ، وبدأ بالمسكنِ
_________________
(١) هي قراءة تنسب لزيد بن علي. انظر: "الكشاف" (١/ ١١٠).
(٢) في "ك": (جمع).
(٣) في "ح" و"ف" و"م": (لتكون).
(٤) في "ح" و"ف": (التعويث)، وفي "ك": (التغويث)، وفي "م": (التلويث).
(٥) كلمة: (هو) من "م".
(٦) في "د": (العرضي)، وفي "ح" و"ف" و"ك": (الوحي)، والمثبت من "م".
[ ١ / ١١٨ ]
لأنَّه به الاستقرارُ، ثم بالمشرب والمطعم لأن بهما قوامَ الجسم، وقدَّم المشرب لِمَا فيه من تشريف المسكن، ثم بالأزواج لأنَّ بها تمامَ اللذة والأُنس.
ولمَّا ذكر مجامعَ اللذةِ وذلك يَنقُصُ (^١) بخوفِ الزوال، فنَفَاه بقوله:
﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ الخلد: البقاء الدائم الذي لا يَنقطِع؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وتقييدُه بالتأبيد بقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] يقطعُ التجوُّزَ، فإنَّ استعماله في الثبات المديدِ وإن لم يَدُمْ متعارَفٌ شائع (^٢).
(٢٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ لمَّا بيَّن التَّوحيدَ، وأَثبت صحَّة النبوَّة بالبرهان، وهداهم أساس الدِّين وأصلَ الإيمان، وأرشدهم إلى معرفة حقيقةِ القُرآن، وأفحمَهم بالتحدِّي، ورتَّب الوعيدَ على الكفر به والوعدَ على الإيمان، شَرَع في إبطال الاعتراضات والشُّبهات التي طَعن لها الجاحدون الجهَلةُ:
كقولهم: إن الله أجلُّ قَدْرًا وأعظمُ شأنًا من أن يمثِّل بهذه المحقَّرات كالذُّباب والعنكبوت.
وقولهِم: أمَا يستحي ربُّ محمد؟
_________________
(١) في "ف": (ينتقص)، وفي "د": (ينفضّ).
(٢) في هامش "د": (رد للقاضي).
[ ١ / ١١٩ ]
فأجابهم بما دلَّ على أن التمثيل أمرٌ يستدعيه حالُ الممثَّل له، فكلَّما كان أعظمَ كان الممثَّلُ به أعظمَ، وكلَّما كان أحقرَ كان الممثَّلُ به أحقرَ؛ كقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] فيَلزم أن يكون لآلهتهم المثلُ الأدنى؛ لأنها جماداتٌ لا قوةَ لها ولا شعور؛ إذ الغرضُ من التمثيل تصويرُ المعقول بصورةِ المحسوس، وتقريرُ المعنى المرادِ في النفس، ولا يعارض العقلَ في المعاني المعقولةِ إلا الوهمُ؛ لميله إلى الحسِّ وامتناعِ إدراكه المعانيَ الكليَّةَ، فإذا تمثَّل المعنى العقليُّ (^١) بصورةٍ محسوسةٍ أَذعن له وانقاد، وقَبِل المعنى المراد، ولهذا كثُر التمثيل في كلام البلغاء والحكماء والأنبياء، وفشا في الكتب الإلهية.
ولا يتعلَّق حالُ المثَل في الحُسْن والقبح بحالِ الممثِّلِ إلا فيما يُصار إليه من وجه الشَّبَه (^٢) بين الممثَّل به والممثَّل له، فإنْ لم يكن مطابقًا بأنْ لا يكون الوصف المشترَك المقصودُ إظهارُه في الممثَّل به أجلى وأقوى وأشهرَ كان الممثِّل قاصرًا في البلاغة، منسوبًا إلى الدناءة.
وإن كان مطابقًا بأنْ كان المعنى المرادُ إفهامُه في الممثَّل به أبلغَ وأتمَّ، وأكملَ وأعمَّ، كان الممثِّل أجلَّ قَدْرًا وأعلى شأنًا.
ولهذا كان تمثيلُ الله تعالى آلهتَهم بالبعوضة فما فوقها في المعنى الممثَّل له من الحقارة؛ أي (^٣): ما هو أحقرُ منها كجناحها ومخِّها - وكما قيل: أقلُّ من لا شيء - في غايةِ الحُسن والجزالة، ونهايةِ الفصاحة والبلاغة؛ كما تقول: فلانٌ أقلُّ قَدْرًا من الكلب، فيقول صاحبك: وفوق ذلك؛ أي: في قلَّة القَدْر.
_________________
(١) في "ح" و"ك": (للعقل)، وفي "ف": (العقل).
(٢) في "د": (التشبيه)، وسقطت من (م).
(٣) في النسخ عدا "د": (إلى)، والمثبت من "د".
[ ١ / ١٢٠ ]
وقد جاء في الإنجيل تمثيلُ غلِّ الصدر بالنخالة، ومعارضةِ السفهاء بإثارة الزنابير، وفي كلام العرب: أصرد (^١) من جرادٍ، وأسمعُ من قُرادٍ.
وَيحتمِل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ العنكبوتَ والذُّباب، وما ورد في المثَل مما هو أعظمُ من البعوضة، ردٌّ لِمَا استنكروه؛ كما قيل: فلانٌ بخيلٌ بدرهم، فتقول: إنه بخيل بدانق فما فوقه؛ أي: فضلًا عما فوقه في العِظَم من الدرهم.
والحياء: انقباضُ النفس بمخافةِ الذَّمِّ، وهي الوسطُ بين الوقاحةِ التي هي الجرأةُ على القبائح وعدمُ المبالاةِ بها، والخجالةِ التي هي انحصار النفس عن الفعل مطلقًا.
واستعمالُ الاستحياء لله تعالى مجازٌ على سبيل التمثيل؛ أي: لا يَترك ضربَ المثل بالمحقَّرات تَرْكَ مَن يَستحْيِي بحقارتها، وقد جاء في الحديث: "إنَّ الله ليستحيي (^٢) من ذي الشَّيبةِ المسلمِ أن يعذِّبه" (^٣).
وفي التمثيلِ من المبالغةِ ما لا يَخْفَى على الفَطِن؛ للتَّخييل، وتصويرِ المعقول بصورة المحسوس أو الوجدانيِّ (^٤) المدرَك بالضرورة.
_________________
(١) في النسخ: (أجرد)، وفي هامش "م": (لعله: أبصر). والصواب المثبت، يقال: صَرِدَ الرجل يَصْرَد صَرَدًا فهو صَرِدٌ ومصْراد: للذي يجد البرد سريعًا، وذلك أن الجرادة لا تُرى في الشتاء أبدًا لقلة صبرها على البرد. انظر: "الكشاف" (١/ ١١٢)، و"فتوح الغيب" (٢/ ٣٧٧).
(٢) في "م": (يستحيي).
(٣) أخرجه البيهقي في "الزهد" من حديث أنس بنحوه، وابن أبي الدنيا في كتاب "العمر" من حديث سلمان بنحوه. انظر: "نواهد الأبكار" (٢/ ١٤٣). وروى ابن أبي عاصم في "السنة" (٢٣)، والطبراني في "الأوسط" (٥٢٨٦)، عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا: "إن الله ﷿ ليستحيي من ذي الشيبة المسلم إذا كان مسدَّدًا لَزومًا للسنَة أن يسأل الله فلا يعطيه". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٤٩): وفيه صالح بن راشد وثقه ابن حبان وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات.
(٤) في النسخ عدا "د": (أو القصد إلى)، والمثبت من "د".
[ ١ / ١٢١ ]
ويجوز أن يكون وقوعه على سبيل المقابلة وتطبيقِ الجواب والسؤال، فإنه لمَّا جاء في كلام الكفَرة: أمَا يَستحيي ربُّ محمدٍ أن يضرب المثَل بالذباب والعنكبوت، قابلَه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ﴾ وهو في كلامهم نوعٌ بديعٌ وفنٌّ عجيبٌ يستحبُّونه ويَرتضونه لمراعاةِ المشاكَلة.
وضربُ المثل: صُنْعُه واعتمالُه، من ضَرْبِ اللَّبِن وضربِ الخاتم، وأصله: وَقْعُ شيء على آخَرَ، والاستحياءُ يتعدَّى بنفسه وبـ (مِن)، فعَلى الأول يكون ﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾ منصوبَ المحلِّ على المفعولية، وعلى الثاني يكون مجرورَ المحل بتقدير: (مِن)، أو منصوبًا (^١) بنزع الخافض حذفًا (^٢)، وتعديَةُ الفعل إليه بنفسه.
و(مثَلًا) مفعولٌ لـ (يضربَ)، و(ما) إبهاميةٌ منصوبةُ المحلِّ صفةُ ﴿مَثَلًا﴾ تزيدُه شياعًا وعمومًا وإبهامًا وسدًّا لباب التقييد، أو مزيدةٌ للتأكيد كما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. أي: مَثَلًا حقًّا.
و(بعوضةً) منصوبٌ بدلٌ أو مفعولٌ به، وقيل: عطف بيان لـ (مثلًا)، وفيه: أنه لا يكونُ في النكرات عند الجمهور.
و(مثلًا) حالٌ متقدِّمةٌ عليها لتنكيرِها، أو مفعولٌ ثانٍ لـ (يضربَ) إجراءً لـ (ضَرَب) مُجرى جَعَل وصَيَّر.
وإنْ رفعتَ (بعوضةٌ) (^٣) فـ (ما) موصولةٌ حُذف صدرُ صِلَتها؛ كما في قوله
_________________
(١) في النسخ: (منصوب)، والمثبت هو الجادة.
(٢) في هامش "د" و"م": (أي: حُذف نسيًا منسيًا لا مقدرًا كالملفوظ. منه). وزاد في "م" قبل (كالملفوظ): (لأنَّه) أو: (بأنه).
(٣) وبها قرأ جماعة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٤)، و"المحتسب" لابن جني (١/ ٦٤).
[ ١ / ١٢٢ ]
تعالى: (تمامًا على الذي أحسنُ) بالرفع (^١)، أو موصوفةٌ كذلك؛ أي: صفتُها جملةٌ محذوفةُ المبتدأ، ولـ (ما) الوجوهُ الأربعةُ المذكورةُ في (بعوضةً) بالنصب، ووجهٌ آخرُ أعربُ وأفصحُ، وهو أن تكون (ما) استفهاميةً مبتدأً خبرُه (بعوضةٌ)؛ أي: ما البعوضةُ فما فوقها؟ كما يقال: فلان لا يبالي ما دينارٌ وديناران؟
والبعوضُ من البَعْضِ؛ كالقَطوع والخَموش من القَطْع والخَمْش، ومعنى البَعْض: القَطْع كالبَضْع والعَضْب، ومنه: بعضُ الشيء؛ لأنَّه قطعةٌ منه، وهو في الأصل صفةٌ غلبت على هذا النوع.
﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ عطفٌ على (بعوضة)، أو على (ما) إنْ جُعل اسمًا.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (أمَّا) حرف التفصيل، وفيه معنى الشرطِ، ولذلك يجاب بالفاء، يفيد الكلامَ توكيدًا؛ تقول: زيد ذاهب، فإذا أكَّدتَ قلتَ: أمَّا زيدٌ فذاهبٌ.
وما بعدَ (أمَّا) جملةٌ جزائية حقُّها أن تصدَّر بالفاء لولا دخولُ (أمَّا) عليها، فأخِّر إلى الخبر لوجودها، وجُعل المبتدأ سادًّا مسدَّ الشرط المحذوف لفظًا.
ومعنى التفصيل في (أمَّا) وتصديرِ الجملتين بها: أن بين الفريقين غايةَ البُعد والتضادِّ في فضل الفريق الأول وتحقيقِهم في علمِهم وإصابةِ نظرهم وهدايتهم وسدادهم، ونقصِ الفريق الثاني وتعمُّقِهم في جهلهم وإزاغة بصرهم وغوايتهم وزيغهم، أو عنادِهم ومكابرتهم؛ لأنهم بين أن لا يتفطَّنوا لوجهِ التمثيل وحسنه وحقيقته، وبين أن يُعانِدوا ويكابروا كِلَا الأمرين، وفيه بُعْدٌ عن مقتضى الفطرةِ،
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ١١٥).
[ ١ / ١٢٣ ]
وسقوطٌ عن درجة الإنسانية، وتجافٍ عن الصَّواب والسَّداد، وانهماكٌ في الغيِّ (^١) والفساد.
والحقّ: هو الأمر الثابت الصحيح في نفس الأمر، الذي لا يَسوغُ عند العقل إنكارُه، يقال: حَقَّ الأمرُ: إذا ثبت.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ﴾ إنما قال في مقابلةِ قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَقُولُونَ﴾؛ لدلالته على عدم العلم بأبلغ الوجوه وآكَدِ البرهان، فإن صُدور القول المذكور منهم يدلُّ على فَرْط الغباوة من عدم التفطُّن، أو مخالفةِ العلم بالمكابرة، وإهمالُ العمل بمقتضى العلمِ جهلٌ أيضًا.
﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ يحتمل أن تكون (ما) استفهاميةً، و(ذا) بمعنى الذي وما بعدَه صلتُه، والمجموعُ خبرُ (ما)، وأن يكون مع (ما) اسمًا واحدًا بمعنى: أيَّ شيء، منصوبَ المحل على المفعولية، مثلَ: ما أراد الله؟ والأحسنُ في جوابه الرفعُ على الأول والنصبُ على الثاني؛ ليطابق الجوابُ السؤالَ.
والإرادة: نَزْعُ النفس وميلُها إلى الشيء، وهو نقيضُ الكراهة التي هي النُّفرة.
وإرادةُ الله تعالى ليست بصفةٍ زائدةٍ على ذاته كإرادتنا، بل هي عينُ حكمته التي تخصِّص وقوعَ الفعل على وجهٍ دون وجهٍ، وحكمتُه عينُ علمه المقتضي لنظام الأشياء على الوجه الأصلح والترتيبِ الاكمل، وانضمامها مع القدرة هو الاختيار.
وفي لفظةِ (هذا) استرذالٌ واستحقارٌ، كما في قول عائشة ﵂ في عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: يا عجبًا لابن عمرٍ وهذا (^٢).
_________________
(١) في "ح" و"ف": (وانهما كما في البغي)، وفي "م" و"ك": (وانهما كما في النفي)، والمثبت من "د".
(٢) قطعة من حديث رواه مسلم (٣٣١).
[ ١ / ١٢٤ ]
و(مثلًا) نصب على الحال، كقوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [هود: ٦٤]، أو على التمييز كما في قولك لمن أجاب بجواب ضعيف: ما أردتَ بهذا جوابًا؟
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ بيانٌ للجملتين المصدَّرتين بـ (أمَّا)، وتقريرٌ لأنَّ العلم بكونه حقًّا من بابِ الهدى الذي ازداد به المؤمنون نورًا إلى نورهم، والجهلَ به واستنكارَه من باب الضلال والفسق الذي ازداد به الجهلةُ ظلمةً إلى ظلمتهم، وفيه تسجيلٌ على الفريقين بهداية المحقِّقين (^١) ورشدِهم وضلالةِ المنكِرين وفسقِهم، وكونِ كلٍّ منهما موصوفًا بالكثرة في أنفسهم لا بالقياس إلى الآخر، أو الضالين بالعدد والمهديِّين بالقَدْر والحقيقة؛ كما قال:
إنَّ الكرامَ كثيرٌ في البلاد وإنْ … قَلُّو كما غيرُهم قَلٌّ وإنْ كَثُروا (^٢)
فإنَّ المهديِّين أقلُّ من الضالين بالعدد، ولهذا قدم ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾.
وأمَّا احتمالُ كونه جوابًا لما في (ماذا)؛ أي: المراد إضلالُ كثيرٍ وهدايةُ كثيرٍ، أو: أراد إضلالَ كثيرٍ وهدايةَ كثيرٍ، فيأباه قوله: (مثلًا) فإن التمثيل لا يناسب أن يراد به الإضلال، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿الحشر: ٢١].
﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ الفسق لغةً: هو الخروج عن القصد؛ قال رؤبةُ:
فَوَاسِقًا عن قَصْدِها جَوَائِرا (^٣)
_________________
(١) في "د" و"ك" و"م": (المحقين).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ١١٨).
(٣) وقبله: يَهوِين في نجد وغورًا غائرا
[ ١ / ١٢٥ ]
ويستعمل في مجرد الخروج، يقال: فسقتِ الرطبة عن قشرها.
وشرعًا: هو الخروج عن أمر الله تعالى بارتكاب الكبيرة.
والمراد بالفاسقين هاهنا: الخارجون عن الإيمان؛ لدلالة ما بعده عليه، وقَصْرِ الخسران عليهم، وترتيبُ الضلال على الفسق يدلُّ على كونه مسبَّبًا عن الفسوق (^١).
(٢٧) - ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ منصوبُ المحل صفة لـ (الفاسقين) للذمِّ، أو مبتدأٌ خبرُه ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ويكون بيانًا للفاسقين، وتسجيلًا عليهم بالخسران.
والنقض: الفسخُ وفكُّ التركيب (^٢)، وأصلُه في طاقات الحبل، واستعمالُه في العهد من باب الاستعارة بالكناية بإيرادِ صفة المستعارِ منه دون إيراده، لينبِّه (^٣) بالرمز
_________________
(١) = وعزاه لرؤبة أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (١/ ٤٠٦)، وابن الأنباري في "الزاهر" (١/ ١٢٠)، وهو في ملحق ديوانه (ص: ١٩٠)، وعزاه سيبويه في "الكتاب" (١/ ٩٤) للعجاج. القصد: الطريق المستقيم، والنجد: ما ارتفع من الأرض، والغور: ما انخفض منها، و(غائرًا) صفة له من لفظه مؤكِّدة كـ: ليل أليل، و(غورًا): عطفٌ على محل الجار والمجرور، يصف نوقًا يمشين في المفاوز يذهبن عن استقامة الطريق. انظر: "فتوح الغيب" (٢/ ٤٠١)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي" (٢/ ١٠١).
(٢) في "م" و"ك": (سببًا على الفسق)، وفي "ح" و"ف": (مسببا عن الفسق)، والمثبت من "د".
(٣) في "م": (الترتيب).
(٤) في النسخ عدا "د": (بعينه)، والمثبت من "د"، وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (١/ ١٢٠)، و"نواهد الأبكار" (٢/ ١٦٨).
[ ١ / ١٢٦ ]
على أن العهد حبلٌ (^١) في ثبات الوصلة بين المتعاهدين، وعلى هذا لا يَلزم أن يكون النقضُ مستعمَلًا في معنى الإبطالِ منقولًا عن معناه الأصلي (^٢)، كما أن استعارة الأسد للشجاع واستعارةَ البحر للعالِم بطريق الكناية (^٣) لا يلزمها (^٤) خروج الافتراس والاغتراف عن معناهما الأصليين، بل نقول: مقتضى تلك الاستعارةِ أن يكون ما به الكنايةُ قارًّا في معناه الأصلي حتى يكون من خواصِّ المستعارِ منه حقيقةً.
والعهد: المَوْثِقُ، ولهذا قال في الوصية: عهد الله في كذا، إذا وصَّاه به ووثَّقه عليه، ووضْعُه لِمَا (^٥) يُحفظ وُيراعى ويُتعهد كالوصية والشرط واليمين، ويقال للدار التي تراعَى والتاريخِ الذي يُحفظ: عهد.
وهذا العهدُ: إمَّا العهدُ المأخوذ بالفعل، وهو الحجَّة القائمة على عباده الدالَّةُ على جميع تصديقه في الإيمان، وعلى هذا أُوِّل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] أو المأخوذ بالرسل على الأمم بأنهم إذا بُعث إليهم رسول الله المصدَّق بالمعجزات صدَّقوه واتَّبعوه، ولا تكتموا أمره، ولم يخالفوا حُكمه، وإليه (^٦) أشار بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
_________________
(١) في "ح" و"ف" و"م": (حبال)، والمثبت من "د" و"ك"، وهو الموافق لما في المصادر. انظر: "الكشاف" (١/ ١١٩)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ٦٤)، و"روح المعاني" (٢/ ٧٠).
(٢) في هامش "د" و"م": "فمن قال استعارة النقض للإبطال إنما جازت بعد استعارة الحبل للعهد لم يصب. منه". وكتب فوقها في "د": (سعد الدين).
(٣) في نحو قولك: عالم يغترف منه الناس، وشجاع يفترس أقرانه. انظر: "روح المعاني" (٢/ ٧٠).
(٤) في النسخ عدا "د": (يلزم)، والمثبت من "د".
(٥) في النسخ عدا "د": (ووصفه بما)، والمثبت من "د".
(٦) في (م): "وإلى ذلك".
[ ١ / ١٢٧ ]
﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ الميثاقُ ما وثِّق به العهد من القبول الإلزام والحَلِف وأمثاله، مِفْعَالٌ من الوَثاقة، والأصل في مفعالٍ أن يكون صفةً كمعطارٍ، أو آلةً كمِحْراث.
وقال ابن عطيةَ: اسمٌ بمعنى المصدر (^١)، ولا نعلم مفعالًا جاء مصدرًا ولا عَدُّوه في أبنيته.
والضمير عائدٌ على العهد إنْ عُني به ما وثِّق به العهد، وعلى الله أو عليه إن عُنيَ به معنى (^٢) المصدر.
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ يحتمل كلَّ قطيعة، لكن الظاهر أنه توصيفٌ للفاسقين بأنهم يضيعون حقَّ خَلْقِ الله تعالى بعد توصيفهم بأنهم يضيِّعون حقَّه تعالى، وتضييعُ حقِّه (^٣) تعالى بنقضِ عهده، وتضييعُ حقِّ خَلْقه بقطيعةِ أرحامهم.
والأمرُ: طلب الفعل ممن هو دونك، وبه سمِّي الأمر الذي هو واحدُ (^٤) الأمور تسميةً للمفعول به بالمصدر، كأنَّ الداعيَ الذي يدعو إليه ويبعث عليه آمرٌ يأمر به، فهو مأمور به، كما سمي شأنًا، والشأن: الطلب والقصد، يقال: شَأَنْتُ شَأْنه؛ أي: قَصَدْتُ قَصْدَه.
و(أنْ يوصل) مخفوضُ المحلِّ بدلٌ من الضمير في (به) للاشتمال، أو على تقدير اللام.
﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بقطع الزرع والنسل، وهَيْجِ الحروب والفتن، وإحداثِ الهَرْج والمَرْج، ولذلك قصر في قوله:
_________________
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (١/ ١١٣).
(٢) قوله: (معنى)، وقع في "ك" بدلًا منه: (غير)، وسقط من "ف" و"م".
(٣) في "ف": (حقوقه).
(٤) في "ف": (أحد).
[ ١ / ١٢٨ ]
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الخسارَ عليهم؛ لخروجهم عن مقتضى الفطرةِ، واستبدالِهم ظلمةَ الجهل بالنور الفِطري، والغوايةَ بالهداية الأصلية التي هي نور العقل، والنقضَ بالوفاء، والقطعَ بالوصل، والفسادَ بالصلاح، والعقابَ بالثواب.
(٢٨) - ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ (كيف) للاستفهام عن الحال، والمراد: الإنكار والاستبعاد والتعجُّب، وليس فيه معنى الإخبارِ وإلا يلزم الجمع بين المعنى الحقيقيِّ والمجازيِّ.
ولمَّا عُلم امتناعُ وقوع الشيء على غير حالٍ من الأحوال، كان إنكار حالٍ مّا من (^١) أحوال الكفر إنكارَ نفسِ الكفر على الطريق البرهاني، فيكونُ من باب الكناية بنَفْي اللازم عن نفي الملزوم، فيفيدُ كونَ الكفر بالله مع العلم بالحالةِ الآتي ذكرُها كالمستحيل في نفسه؛ لقوَّة الدليل الموجِبِ للإيمان؛ فإنها آياتٌ بيِّنات، ولهذا كان الاستفهام الإنكاري بـ (كيف) أبلغَ من الاستفهام الإنكاري بالهمزة.
وحملُ الكفر على معنى الكفران المقابلِ للشكر (^٢) تأباه الباء في قوله:
﴿بِاللَّهِ﴾ لأنَّه لا يقال: كَفَر بالمنعِم وبالنعمة، بل يقال: كَفَر المنعِمَ والنعمةَ، ولأن بعضَ ما ذُكر ليس من النِّعم كما لا يخفى.
_________________
(١) في النسخ عدا "م": (هي)، والمثبت من "م".
(٢) في هامش "د": (رد للقاضي حيث جوز ذلك).
[ ١ / ١٢٩ ]
والخطاب مع الذين كفروا؛ لمَّا وَصَفهم بالكفر، وسوءِ المقال، وخُبثِ الفعال، خاطَبهم على طريق الالتفات، ووبَّخهم على كفرهم مع علمه (^١) بحالهم المقتضيةِ خلافَ ذلك.
﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾؛ أي: أجسامًا لا حياة لها عناصرَ وأغذيةً، ونطفًا ومضغًا.
والأموات: جمع الميْت؛ كالأقيال جمع القيْل (^٢)، وإطلاقُها على تلك الأجسام من قَبيل إطلاق المقيَّد على المطلَق مجازًا كإطلاق المَرْسن (^٣) على الأنف.
وقيل: بطريق الاستعارة؛ للاشتراك مع الأموات الحقيقية، وهي التي زال عنها الحياة في عدم الروح والإحساس، وفيه نظر (^٤).
والواو للحال، والمنصوبُ على الحال ليس فعلًا واحدًا بل جملةُ قوله: ﴿وَكُنْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾، وهي وإن كانت بعض أجزائها ماضيًا وبعضُها مستقبلًا، ولا يصحُّ كونها حالًا حتى يكون فعلًا مقارنًا لوجود ما هو حالٌ عنه، لكن معناها: وحالُكم المشهورةُ وفضلكم (^٥) المعلومةُ هذه، فيَؤُول معناها إلى قوله: كيف تكفرون في حال علمكم بهذه القصة.
﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بنفخ الأرواح فيكم، وأمَّا خلقُ الأرواح فلا دليل على تأخُّره عما
_________________
(١) في "د": (علمه)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ٦٥).
(٢) القيل: ملك من ملوك حمير دون الملك الأعظم، وأصله: قيِّل، بالتشديد، كأنه الذي له قول؛ أي: ينفذ قوله، ومن جمعه على أقيال لم يجعل الواحد منه مشددًا. انظر: "فتوح الغيب" (٢/ ٤١٥).
(٣) المرسن: أنف فيه رسن، ويستعار لمطلق الأنف. انظر: "فتوح الغيب" (١٢/ ١١٧).
(٤) في هامش "م": "وجه النظر هو أن حق الاستعارة أن يكون المستعار منه أقوى من المستعار في وجه الشبه وهنا على عكس هذا. منه".
(٥) كذا في "ح" و"ف" و"ك" و"م"، وفي "د": (وفضكم).
[ ١ / ١٣٠ ]
ذكر، بل الظاهرُ من بعض الأحاديث تقدُّمُه عليه، والعطفُ بأداةِ التعقيبِ لأنَّه متصلٌ بما عُطف عليه من (^١) غيرِ ترَاخٍ عنه بخلافِ البَوَاقي.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجالكم.
﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالنشورِ، يومَ يُنفخ في الصور، لا للسؤال في القبور؛ إذ لا يناسبه التنزيلُ منزلةَ البديهيِّ في الظهور.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بعد الحشر ليجازَيكم بأعمالكم، أو: تُنشرون إليه من قبوركم للحساب.
وهذه الأمورُ بعضُها معلومٌ بالضرورة، وبعضُه - لوضوح أدلَّته النقليَّة - جُعل كالمعلوم بالبديهة لقوةِ التَمكُّن من العلم به.
(٢٩) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ لأَجْلكم، ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم: أمَّا الأولُ فظاهر، وأمَّا الثاني فبالنَّظرِ فيه وما فيه (^٢) من عجائبِ الصنع الدالَّةِ على الصانع القادر الحكيم، يعني: إنَّ الحكمة والمصلحة في خَلْقه انتفاعُكم، وهذا لا يُنافي التوقُّفَ في الانتفاع به على الرخصة من جهةِ الشرع، حتى يكون فيه دلالةٌ على أن الأصل في الأشياء الإباحةُ، ولا الاختصاصَ في البعضِ ببعضِ الطارئ بسببِ
_________________
(١) "من": ليس في (م) و(ك).
(٢) قوله: (وما فيه) من "م".
[ ١ / ١٣١ ]
بعضِ العوارض، حتى يُحتاج إلى أن يقال: إن الكل للكلِّ على التوزيع، فإنَّ المعتبرَ صلاحيةُ الانتفاع بالفعل.
وإيرادُ الضمير مبتدأً، وبناءُ (الذي) عليه دونَ إيقاعه صفةً لله تعالى، يفيدُ التخصيصَ والتعظيم؛ أي: هو الخالقُ لِمَا ذُكر دون غيرِه.
والمراد من (الأرض): الجهةُ السفلية، فـ (ما في الأرض) يتناولُ الأرضَ وما فيها.
﴿جَمِيعًا﴾ نصبٌ على الحال من (ما في الأرض)، وهو للمبالغة في التكثير لا (^١) للاستغراق؛ كلفظ (كل) في قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وقولهِ: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل: ٦٩]؛ لأن في الأرض ما لا صلاحيةَ فيه للانتفاع، ولا هو في مَعرِض الاعتبارِ لكونه مستورًا عن النظر.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الاستواء: الاعتدال والاستقامة، مِن استوى العُودُ: إذا قام واعتدل، واستوى إليه: قَصَده قَصْدًا مستويًا لا اعوجاجَ فيه؛ كالسهم المرسَل من غيرِ ميلٍ إلى غيره، وسوَّاه: عَدَّله وقوَّمه.
والاستواءُ (^٢): طلبُ السَّواء، وإطلاقُه على الاعتدال لِمَا فيه من تسويةِ وضعِ الأجزاء، ولا يمكن حملُه عليه لأنَّه من خواصِّ الأجسام.
وقيل: استوى إليه، بمعنى: استوى عليه ومَلَك؛ قال:
قد استَوَى بِشرٌ على العِراق (^٣)
_________________
(١) كلمة: (لا) سقطت من النسخ عدا "د".
(٢) في هامش "ف" و"م": (لم يقل: وأصل، كما قال القاضي، لما تقدم من الإشارة إلى دفعه. منه).
(٣) صدر بيت منسوب للأخطل كما في "المحرر الوجيز" (١/ ١١٥)، و"التاج" (مادة: سوى وعزاه=
[ ١ / ١٣٢ ]
والأولُ أوفق للأصل، والتسويةِ المرتَّبة عليه.
والمرادُ من السماء: هذه الأجرامُ العلويَّةُ، أو جهاتُ العلوِّ.
﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (هن): ضميرٌ مبهَمٌ فسَّره (سبعَ سماوات) بيانًا (^١) له.
وقيل: راجع إلى (السماء) لأنَّه في معنى الجنس، و(سبعَ سماوات) حال، وقيل: جمع سماءةٍ، والوجهُ الأولُ.
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ جملة اعتراضية.
و(ثمَّ) للتفاوت بين الخَلْقَين، وبيانِ فضلِ خَلْقِ السماء على الأرض، استُعيرَ من معنى التَّراخي لبُعدِ خَلْقِ السماء مِن خَلْقِ الأرض في الرُّتبة، ولهذا عضَده ورشَّحه بالإبهام والتفسيرِ ليفيدَ عظمةً ورِفعةً في النَّفس، ثمَّ قوَّاه بالجملةِ الاعتراضيةِ؛ لإفادةِ أنَّ مثلَ ذلك الخَلْقِ لا يكونُ إلا عن علمٍ تامٍّ بالغٍ فوقَ كلِّ ذي علمٍ، فمعنى (ثمَّ): أنه مع خَلْق هذه الأشياءِ البديعة العجيبة أَقْدَم على خَلْق ما هو أبدعُ منها وأعجبُ، وأبعدُ من الوهم والقياس، من غيرِ ميلٍ إلى شيءٍ غيرِه، فلا يدلُّ على تأخُّر خلقِ السماء عن الأرض بالزمان، بل على شدة تبايُنهما وتفاضُلهما.
(٣٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) = المرزوقي في "الأزمنة والأمكنة" (١/ ٣٨) للبعيث، وهو دون نسبة في "الصحاح" (مادة: سوى). وقال ابن القيم في "مختصر الصواعق المرسلة" (ص: ٣٥٩): وهو غير معروف في شيء من دواوين العرب وأشعارهم التي يرجع إليها.
(٢) في النسخ عدا "د": (بيان)، والمثبت من "د".
[ ١ / ١٣٣ ]
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (إذ) ظرفٌ ينتصِب بإضمارِ: اذكُرْ، فيكون عطفًا على قوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾ على الوجه الذي جُعل (^١) عطفَ قصةٍ على قصة، وما تخلَّلَ ليس بأجنبيٍّ بل مِن تمامِ القصة.
وأحسنُ منه لقرب مأخذه وصحتِه على الأوجهِ أن يقدَّر: (فتدبَّرْ) أو نحوُه، بعد قوله: ﴿وَهُوَ (^٢) بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ويكون (واذكر) عطفًا عليه، ولمَّا كان هذا من أجلِّ النِّعم على نوع البشر، ومن أدلِّ الدليل على عناية الباري تعالى بشأن (^٣) هذا النوع، كان العطف عقيبَ تعداد النعم مناسبًا؛ كأنه قيل: فتدبَّرْ ذلك واذكر هذه النعمةَ خاصةً فإن فيها بلاغًا لمَن تَذكَّرَ.
ويجوز أن ينتصب بـ ﴿قَالُوا﴾، وحينئذٍ يتعيَّن أن يكون عطفَ قصةٍ على قصةٍ متقدِّمةٍ من قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾، أو من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ وقد سبق أنها قصةٌ واحدة في المساق والغرض (^٤)، وأنَّه لا يجبُ مراعاة الخبر والطلب في هذا الضرب.
والملائك: جمع ملأكٍ على الأصل؛ كالشمائل في جمع شمألٍ، وإلحاقُ التاء لتأنيث الجمع، كما في الصَّياقِلة في جمع صَيْقَلٍ.
والخليفة: فَعيلةٌ بمعنى الفاعل، مَن خَلَفَ غيرَه: إذا قام مَقامَه، والتاءُ فيه للمبالغة.
_________________
(١) في "ح" و"ف": (على الوجه الأول جعل)، ومثله في "م" و"ك" لكن بإسقاط كلمة: (جعل)، والمثبت من "د"، وانظر ما تقدم من وجوه في إعراب ﴿وَبَشِّرِ﴾.
(٢) في النسخ عدا "م": (والله)، والمثبت من "م".
(٣) في "ك": (بنشأة).
(٤) في "ك": (والعرض).
[ ١ / ١٣٤ ]
﴿فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ كانا في الأصل مبتدأً وخبرًا انتَصَبا بمفعولي ﴿جَاعِلٌ﴾ من (جَعَل) المتعدِّي إلى مفعولين بمعنى (صيَّر)، والمعنى: إني جاعلٌ في الأرض خليفةً مني؛ أي: مَن يخلُفني ويقومُ بأمري في الأرض.
وقيل: منكم؛ أي: مَن يخلُفكم ويسكنُ مكانَكم؛ لأنهم كانوا قبل آدم سكانَ الأرض، فخلَفهم منها آدمُ وذرَّيتُه، واستُغنيَ بذكر آدم عن ذكر ذريته كما يُستغنَى بذكر أبي القبيلة عنها في قولك: مُضَرُ وهاشمٌ.
أو أُريدَ به الجنس؛ أي: مَن يخلُفكم.
وإنما أخبرهم بذلك ليَعرفوا بسؤالهم وجوابه حكمةَ الله تعالى في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ إذ الملائكةُ تطَّلع على تفاصيل وجوده وخواصِّ قُواه؛ من الإفسادِ في الأرض وسفكِ الدماء المختصَّين بالقُوى الشَّهْوانية والغَضَبية، ولا تطَّلع على خواصِّ الهيئة الاجتماعية، وعلى خواصِّ ما فوق أطوارهم من المعارف والأسرار الإلهية، أو قاسُوا الإنسَ على الجنِّ حيث أُسكنوا الأرض قبل الملائكة فأفسدوا فيها، ولذلك استبعَدوه وتعجَّبوا منه.
وليس فيه تعليمُ المشاوَرة؛ لأنَّه ليس بطريقِ المشورة؛ قال الراغب: ليس قولُه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ على [سبيل] الاستشارة، فإنَّ (^١) الاستشارةَ استمدادٌ في العلم من المستشار، واللهُ منزَّهٌ عن ذلك، وإنَّما هو إعلامٌ كإعلامه إيانا كثيرًا من الكائنات لمصلحةٍ مّا (^٢). ولا البشارةُ بوجود المجعول؛ لأنها إنما تكون بالخبر السارِّ، والقيدُ المذكور مقصودُ (^٣) هاهنا على ما يُفصح عنه قولُهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ … إلخ.
_________________
(١) في "م" و"ك" (لأن).
(٢) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ١٤٠)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) في "د": لعلها (معقود) أو (مفقود).
[ ١ / ١٣٥ ]
﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ لمَّا كان قول الملائكة مع عصمتهم ظاهرَ الاعتراض، تأوَّله العلماء على وجوهٍ أحسنُها عندي: أنهم كانوا حين الخطاب لهم مجمَلين، وإبليسُ مندرجٌ في جملتهم، فورد منهم الجوابُ مجمَلًا، فلمَّا انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه واستكباره انفصَل الجواب إلى نوعين: فنوعُ الاعتراض كان عن إبليس، ونوعُ التقديس والتسبيح كان من الملائكة، فانقسم الجواب إلى قِسمَين كانقسام الجنس إليهما، وناسَبَ كلُّ جوابٍ لمن ظَهر عنه.
وكان (^١) الظاهر المطابق للخطاب السابق أن يقولوا: أتجعلُ فيها خليفةً مَن يُفسد؟ وإنما عدَلوا عنه إلى ما ذُكر صرفًا للتعجُّب إلى جعلِ المفسِد وخلْقهِ في الأرض مع قطع النظر عن معنى الخلافة، يعني: إن وجودهم فيها محلُّ استبعادٍ فأنَّى كونُهم خليفة.
وَيحتمِل أن يكون القصد تجريدَ التعجب عن شَوْب التعصب، فإن في ذكرهم بوَصْفِ الخلافة تعرُّضًا لِمَا هو مطمحُ نظرهم.
وأمَّا قصدُ الاستكشاف عمَّا خَفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسدَ، والاستخبارِ عمَّا يرشدهم ويزيحُ شبهتهم كسؤالِ المتعلِّم معلِّمَه (^٢)، فيأباه ما في توصيفهم أنفسَهم بالتسبيح والتقديس من التَّعريض، وما في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من عدمِ البيان لِمَا اشتَبهَ عليهم لا يناسبه.
﴿مَنْ يُفْسِدُ﴾ أحد مفعولي (تَجعلُ)، والثاني ﴿فِيهَا﴾ وإنما قدَّم للاهتمام، وفي تكرير ﴿فِيهَا﴾ تنبيهٌ على أنَّ ما كان محلًّا للعبادة لا يناسب أن يكون محلًّا للفساد.
_________________
(١) في النسخ عدا "م": (كان) دون الواو، والمثبت من "م".
(٢) في هامش "د" و"م": (عبارة القاضي: عن معلمه، ولا وجه لها؛ لأن سأل يتعدى إلى أول المفعولين بالذات وإلى ثانيهما بعن. منه).
[ ١ / ١٣٦ ]
والسَّفْكُ والسَّبْكُ والسَّفْحُ والسَّنُّ والشَّنُّ والصَّبُّ متقاربةٌ وبينها فروق: فالصبُّ أعمُّ من هذه الألفاظ والسَّفكُ يقال في الدم والدمع، والسبكُ في الجواهر المذابة، والسفحُ في الصبِّ من أعلى، والشَّنُّ والسَّنُّ للصبِّ عن القِربة ونحوِها.
﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ الواو في ﴿وَنَحْنُ﴾ للحال؛ كما تقول: أتُحْسِنُ إلى فلان وأنا أحقُّ منه بالإحسان؟!
وقوله: ﴿بِحَمْدِكَ﴾ في محل الحال؛ أي: ملْتبِسِينَ بحمدك، بمعنى: حامِدِينَ لك.
والتسبيح: تنزيهُ الله (^١) تعالى من النقص والسوء قولًا واعتقادًا، أصله من السَّبْحِ وهو سرعةُ الذهاب في الماء، واستُعير لمرِّ النجوم في الفلك ولجَرْي الفَرَس، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧]؛ أي: سعةَ ذهاب.
وسبَّحْتُه عن كذا؛ أي: نزَّهْتُه.
والتقديس: التطهير، من قَدَسَ في الأرض إذا ذهب فيها وأَبْعَدَ، ثم استُعمل في التطهير لأنَّ مطهِّر الشيء مبعدُه عن الأقذار.
ومعنى (نقدِّس لك): نقدِّسُك، واللامُ مزيدةٌ.
وقيل: نقدِّس نفوسَنا لأجلك، كأنهم قابَلوا الفسادَ بالتسبيح، وسفكَ الدماء بتطهير النفس، وليس ذلك إظهارًا للمنة، بل هو على حسَبِ ما يقول مجتهدٌ يجب أن يفوِّض صاحبه إليه خدمةً مّا، فيقول: تأمر الخدمة لغيري (^٢) وأنا مجدٌّ فيها، وعلى ذلك قولهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦].
_________________
(١) في "م": (لله).
(٢) في "د" و"م": (بغيري).
[ ١ / ١٣٧ ]
﴿قَالَ﴾ تعالى في جوابهم (^١): ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فعرَّض ولم يصرِّح هاهنا؛ ليُريَهم فضيلة الإنسان وما خُصوا به من العلم والعمل اللذَين يَقصُر الملَك عنهما عِيانًا ومشاهَدةً، وإنما أَبْهم بيانَ استحقاقه فيه ليُقرُّوا بالعبودية، ويعرفوا أن له وراء علمهم علمًا هم عنه محجوبون، وكفى العبادَ علمُهم بذلك ليزدادوا تعظيمًا له، ويتبيَّنوا نقصَهم وكمالَه.
ثم بيَّن لهم بعضَه فيما بعدُ ليَعظُم عندهم وقعُه، فيرجعوا ويسلِّموا ويعترفوا بنقصهم، وتلينَ شكائمُهم.
هنا جملةٌ محذوفة يَتمُّ بها المعنى ويصحُّ (^٢) العطف، وتقديرُها: فجعل في الأرض خليفةً، وسماه آدمَ، فالواوُ المذكورةُ فصيحةٌ.
(٣١) - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ التعليم حقيقةً: فعلٌ يترتَّب عليه العلم ولا يتخلف عنه، وقد يُطلق مجازًا على إلقاء مقدِّمات العلم، وهو الذي يترتب عليه العلم غالبًا، وقد يتخلف عنه، وهو المراد في قولهم: علَّمتُه فلم يَتعلَّم.
ومعنى تعليمِ الأسماء: أنه أراه أجناس المخلوقات، وبيَّن أن هذا اسمُه فرس وأن هذا اسمُه بقر، على أن المراد من (الأسماء): الألفاظُ الموضوعة للمعاني مفردةً كانت أو مركَّبةً مخبَرًا عنها أو خبرًا، أو رابطةً بينهما.
_________________
(١) في "ك": (في شأنهم).
(٢) في "ك": (ويصلح).
[ ١ / ١٣٨ ]
أو بيَّن أن هذا للركوب وهذا للحرث، على أن المراد منها سماتُ (^١) الأشياء وخصائصُها.
ولا علم لنا بطريق تعليمه تعالى آدم الأسماء (^٢).
واعلم أنهم بعدما اتفقوا على أن دلالة الألفاظ وضعيَّةٌ اختلفوا في تعيين الواضع: فذهب قوم إلى أنه هو الله تعالى، ويسمى هذا المذهب مذهبَ التوقيف.
وذهب قوم إلى أنه هو الناس، ويسمى هذا المذهب مذهبَ الاصطلاح.
وبعضُهم إلى التوزيع (^٣)؛ أي: بعضُه توقيفيٌّ وبعضُه اصطلاحيٌّ.
وذهب بعضهم إلى التوقُّف (^٤).
فإن كان النزاع في الظهور لا في القطع فالظاهرُ من الآية (^٥) هو الأول المذكور، وعلى المذهب الثاني لا يلزم من الحاجة إلى سابقةِ اصطلاحٍ التسلسل؛ إذ يجوز أن يُعرف القَدْرُ المحتاجُ إليه في الاصطلاح بالترديد والقرائن كما يُعرف الأطفال، والله أعلم بحقيقة الحال.
وآدمُ وزنه فاعَل - كآزرَ وعازَرَ وشالَخَ وفالَغَ - إن كان عجميًا (^٦)، وأَفْعَلَ على أنه مشتقٌّ من أديم الأرض إنْ كان عربيًّا.
_________________
(١) في "ح": (مسماة)، وفي "ف": (مسمى)، وفي "م" و"ك": "مسميات".
(٢) في "ك": (الأشياء).
(٣) في "د": (التوضيح).
(٤) وقع هنا في النسخ اضطراب كثير، وتقديم وتأخير، وتحريف أحيانًا، والمثبت إن شاء الله هو الصواب. انظر لتوضيح ذلك: "المزهر" للسيوطي (١/ ١٨)، وقد جعل التوقُّف مذهب المحققين.
(٥) بعدها في "م": (المذكورة).
(٦) في "ك": (أعجميًا).
[ ١ / ١٣٩ ]
قال الجواليقي في "المعرَّب": أسماء الأنبياء كلُّها أعجمية إلا أربعةَ أسماء، وهي: آدمُ وصالحٌ وشعيبٌ ومحمدٌ ﵈ (^١).
وقد صحَّ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنَّما سُمي آدمُ لأنَّه خُلق من أديم الأرض. أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في "الأسماء والصفات" (^٢).
وورد مثلُه عن عليٍّ وابن مسعود ﵄ أخرجه ابن جرير (^٣).
وأديمُ الأرض: ظاهرُ وجهِها.
وقرئ: (عُلِّمَ) على البناء للمفعول ورفعِ (آدمُ) (^٤).
ومُنِعَ الصَّرفَ للعَلَمية والعُجمة أو وزنِ الفعل.
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ الضميرُ للمسمَّيات المدلولِ عليها - كما في قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ [النساء: ١١]- إن كان الألف واللام في ﴿الْأَسْمَاءَ﴾ للجنس، أو المقدَّرةِ إن كان التعريف باللام عوضًا عن التعريف بالمضاف إليه على أن المراد: أسماء المسميات؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، وإنما ذكِّر الضمير للتغليب فإن في المسمَّيات العقلاءَ.
ولفظة ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على تأخير الغرض عن التعليم وذلك ليتحقَّق (^٥)
_________________
(١) انظر: "المعرب" (ص: ٦١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣٧٠) و(٨٢٤٠)، والحاكم في "المستدرك" (٣٤٣٦)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٨١٦).
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١/ ٥١٢).
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٤).
(٥) في النسخ عدا "د": (لتحققه)، والمثبت من "د".
[ ١ / ١٤٠ ]
ويظهرَ فضلُ آدم وجهةُ أحقِّيَّته للخلافة وقتَ قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فإنه يَدلُّ على أنهم غيرُ صادقين في زعمهم أنهم أحقَّاءُ للخلافة، وذلك بثبوت فضل آدم في ذلك الوقت.
﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الإنباء: إخبارٌ فيه إعلامٌ، ولذلك أُجري مُجرى كل واحد منهما، فقيل: أنبأتُه بكذا، كقولك: أخبرتُه بكذا، وأنبأته كذا، كقولك: أَعلمتُه كذا. ولمَّا كان المراد هاهنا معنى الإخبار قال: ﴿بِأَسْمَاءِ﴾.
ثم إنه لا يقال: (نبأٌ) إلا لخبرٍ فيه خطرٌ، ففي عبارة الإنباء تعظيمٌ لشأن علمِ الأسماء.
وإنما استنبأهم للتبكيت، والردِّ عليهم فيما أظهَروا من عدمِ استحقاقه للخلافة، وما أبطَنوا من أولويَّتهم بذلك، لا للتكليف، لا لأنَّه من باب التكليف بالمُحال لأنَّه معلَّق، بل لأن التعليق المذكورَ لا يناسبُ التكليفَ.
وجواب الشرط في ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ محذوف دل عليه ﴿أَنْبِئُونِي﴾.
فإن قيل: الصدق إنما يتعلق بالخبر، وهم استَخبَروا ولم يُخبِروا، فكيف يصدَّقون أو يكذَّبون؟
قلتُ: الصدق والكذب وإن كانا لا يتعلقان بالاستخبار بالقصد الأول ومن حيث المنطوقُ، فقد يتعلقان به بالقصد الثاني ومن حيث المفهومُ، وذلك إذا كان الاستخبار على وجهٍ يُفهم منه معنى الخبر، وقد نبَّهت فيما تقدَّم أن الأمر فيما نحن فيه كذلك، فإن مَساق كلامهم لمَّا كان كاشفًا عن زعمهم أنَّهم أحِقَّاءُ للخلافة كان استخبارُهم متضمِّنًا لمعنى الخبر.
[ ١ / ١٤١ ]
فإن قيل: أليس زعمهم المذكورُ فاسدًا متضمنًا لتجويزهم صدورَ ما (^١) يخالف الحكمة عن الله تعالى، وشأنُ الملائكة أعلى من ذلك؛ لأنهم عِبَاد مُكرمون لا يَسبقونه بالقول وهم بأمرِه يعملون.
قلت (^٢): الآن قَوِيَ الإشكال، وقد مرَّ منَّا الإشارةُ إلى وجه الانحلال بإرجاع الزعم المذكور إلى إبليس، واللهُ أعلم.
(٣٢) - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تنزيه منهم له تعالى عن فعلِ ما لا مصلحةَ فيه ولا حكمةَ؛ أي: نُبعِّدك عن فعلِ ما يمكنُ أن يكون أصلحُ منه.
وأمَّا الإشعارُ بأن سؤالهم كان استفسارًا محضًا فلا يناسب المقام؛ لِمَا فيه من التَّلبيس، ولأنه مردودٌ بقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ على ما تقف عليه بإذن الله تعالى.
و(سبحان) من المصادر اللازمِ حذفُ فعلها سماعًا، وهو عَلَم التسبيح يجري ذِكْرُه مَجرى ذكر الفعل؛ أي: نسبِّحك تسبيحًا.
﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ اعترافٌ منهم بالنَّقص ولزومِ الحدِّ؛ أي: لا يمكننا الاكتساب والتَّرقِّي.
ولمَّا كان قولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ من باب الشكر، أفادت الآية أن العبد ما ينبغي له أن يغفل عن نقصانه، وعن فضل الله وإحسانه.
_________________
(١) في "ح، و"ف" و"ك": (ما لا)، والمثبت من "د" و"م" وهو الصواب.
(٢) في "م": (قلنا).
[ ١ / ١٤٢ ]
وفي وجه هذا الجوابِ من الحُسن ما يبهر الألباب، حيث قدَّموا بين يديه تنزيهَ الله تعالي، ثم اعترفوا بالجهل، ثم نَسبوا العلم لله تعالى، وأَردفوا صفةَ العلم صفةَ الحكمة، إذ بان لهم وصفُ الحكمة في قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقدَّموا وصف العلم لأن الذي ظهرت به المزيَّةُ لآدم هو العلم، ولأن الحكمة من آثاره.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ سلبٌ للعلم والحكمة عن أنفسهم بقَصْرهما عليه، وإنَّما قصَروهما عليه بتوسيط الضمير، وإيرادِ اللام وصدَّروا الجملة بـ (إنَّ) التوكيديِّ الرافعِ للشكِّ والإنكار؛ لإيهام كلامهم بأن استخلافَ آدمَ على خلافِ مقتضى العلم والحكمة، ودعواهم العلمَ لأنفسهم، وشكِّهم في استحقاقه وإنكاره لمزيَّته (^١) عليهم، فرجعوا عن ذلك وأقرُّوا بأنَّ ماهيةَ العلم والحكمة مخصوصةٌ به دون غيره، وأنَّه محقَّق عندهم.
و(الحكيم) فعيلٌ بمعنى مُفْعِلٍ؛ أي: محكِمٌ لمبدَعاته، وذلك لأنَّه لا يفعل إلا ما فيه حكمةٌ بالغة.
(٣٣) - ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ ناداه باسمه العَلَمِ، وكذا سائرُ الأنبياء ﵈، وهو خطابُ تعريفٍ، ونادى محمدًا ﵇: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤] و: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] وهو خطاب تشريف، فانظر تفاوتَ ما بين النداءَين (^٢)،
_________________
(١) في النسخ عدا "د": (بمزيته)، والمثبت من "د". ولعل الصواب: (وإنكارهم لمزيته).
(٢) في "ف": "الخطابين".
[ ١ / ١٤٣ ]
وقال الله تعالى: ﴿أَنْبَأَهُمْ﴾ فجَعل مَن اعترضوا به معلِّمًا لهم، ومنبئَهم بما تقاصرت علومُهم عنه؛ ليظهر بذلك فضلُه عليهم.
﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ بَيْنَ هذه الجملة والتي قبلها جملةٌ محذوفة تقديرها: فأنبأهم، فالفاءُ المذكورة فصيحةٌ؛ أي: أخبَرهم بها وعَلِموا فضلَه وظهر عجزهم وقصورهم.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ إنكارٌ داخلٌ على النفي فيفيدُ التقريرَ؛ لأن نَفْيَ النَّفي إثباتٌ.
﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ استحضارٌ لقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ لكنه جاء به (^١) على وجهِ البَسْطِ ليكونَ كالحجة عليه، وإضافةُ ﴿غَيْبَ﴾ بمعنى (في) كـ: ضَرْبُ اليومِ؛ أي: ما غاب في السماوات والأرض.
والغيبُ هاهنا: ما خفي عنهم فيهما، وفي الأصل: ما غاب عن الحس؛ أي: الغائبُ المقابلُ للشهادة بمعنى الشاهد.
﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ عطفٌ على ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ لا على ﴿أَعْلَمُ﴾؛ لأنَّه ما كان مقولًا لهم في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فهو مقولٌ لذاك (^٢).
ويجوز أن يكون واوَ الحال، والمراد بـ (ما تبدون): ما صدَر عنهم من التصريح والتلويح، فينتظمُ ما تعرَّضوا له بطريق التعريض، وبـ (ما تكتمون): ما أسرَّه إبليسُ من الكبر والعصيان، فهو من قبيل خطاب الجمع بفعلِ الواحد منهم كما في قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ [هود: ٦٥].
_________________
(١) في "م": (قد جاء به).
(٢) في "ح" و"ف": (لذلك)، وفي (م): (فهو مقول لذلك القول لا لذاك).
[ ١ / ١٤٤ ]
واعلم أن في (^١) هذه الآيات دلالةً على شرف الإنسان، ومزيَّةِ العلم وفضلهِ على العبادة، وأنَّه شرطٌ في الخلافة، بل العمدةُ فيها، وأن التعليم يصحُّ إسناده إلى الله تعالى وإن لم يصحَّ إطلاقُ المعلِّم عليه؛ لاشتهاره فيمَن يَحترف بالتعليم وإن لم يكن مختصًا به، على ما يُفصِح عنه تلقيبُ الفارابيِّ بالمعلِّم الثاني.
(٣٤) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ نَظْمُه بما قبلَه من حيث إنَّ في أول هذه الآية كشفَ ما أُجمل في ضمِّ تلك الآية مما نُسب إليهم من كتمان إبليس من الكبرِ والعصيان.
و(إذ) هذه عطفٌ على التي قبلَها إنْ نصَبْتَها بإضمارِ: اذْكُرْ، وإنْ نصبْتَها بـ ﴿قَالُوا﴾ فهذه منصوبةٌ بـ (اذكُرْ) مقدَّرٍ، والواو حينئذٍ عاطفةُ الجملة على الجملة.
ولك أن تقول: إن العامل محذوف بتقدير (^٢): انقادوا فسجدوا؛ لأن السجود كان ناشئًا عن الانقياد.
وفي ﴿قُلْنَا﴾ خروجٌ عن ضميرِ المتكلِّم المفرَد إلى ضمير الجمع؛ لأن التعظيم (^٣) من حيث إنه أَدْعى لامتثالِ الأمر من غير بُطءٍ يناسبُ المقام.
﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فيه إيجازٌ ونقلٌ للأمر التعليقيِّ إلى صورة التنجيز اعتبارًا للحاصل، على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ﴾
_________________
(١) (في): ليست. في "م".
(٢) في "م": (تقديره).
(٣) في "ف": (لأنه للتعظيم).
[ ١ / ١٤٥ ]
سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] فإنه صريحٌ في أن الأمر بالسجود كان قبلَ تسوية خلق آدم ﵇، فلمَّا لم يكن أمرُهم بالسجود (^١) مرتَّبًا على إنبائهم بالأسماء بل على ظهورِ شأنِ نفخِ الروح في قالبِ آدمَ ﵇، لم يَصلُح (^٢) أن يكون ذلك اعترافًا بفضله وأداءً لحقِّه واعتذارًا عمَّا قالوا فيه.
قال أبو عمرٍو: يقال: سجد: إذا طأطأ رأسَه وانحنى (^٣).
فالسجود: التطأطؤُ مع خفضِ الرأس، وبه يفارقُ الركوعَ.
وأمَّا التذلُّلُ فاعتبارُه في مفهومه العُرفيِّ دون اللغويِّ، وقد جاء في المثَل: (أَسْجَدُ مِن هُدْهُدٍ) (^٤) وليس في سجوده تذلُّلٌ.
وفي الشرع: وضعُ الجبهة على الأرض، ولا يَلزم أن يكون على قَصْدِ العبادة، فإنَّ صلاة المُرائي صلاةٌ حقيقةً وليست على قَصْدِ العبادة.
والسجودُ المأمورُ كان على سبيل التَّكرمة؛ كسجودِ إخوةِ يوسفَ ﵇ له.
وكونُ السجود لله تعالى على أن يكون آدمُ ﵇ قِبلةً يَردُّه قوله تعالى نقلًا
_________________
(١) قوله: (بالسجود) ليس في "ك".
(٢) في "م": (يصح).
(٣) انظر قول أبي عمرو في "الصاحبي في فقه اللغة" لابن فارس (ص: ٤٥)، و"تهذيب اللغة" للأزهري (١٠/ ٣٠٠)، و"الصحاح" (مادة: سجد)، و"المغرب" للمطرزي (مادة: سجد)، و"تفسير القرطبي" (١/ ٤٣٤)، و"المزهر" للسيوطي (١/ ٢٣٦)، وعندهم جميعًا: (أسجد)، مكان (سجد). وزاد الأزهري والمطرزي نقلًا عن أبي عمرو أيضًا: وسَجَدَ إِذا وضعَ جبهتَه بالأرضِ.
(٤) انظر: "مجمع الأمثال" (١/ ٣٥٦).
[ ١ / ١٤٦ ]
عن إبليس: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] لأن الاعتراض بكونه طينًا إنما يتَّجه أنْ لو كان مسجودًا حقيقةً لا قبلةً للسجدة (^١) كالكعبة شرَّفها الله تعالى.
قال الإمامُ أبو منصورٍ: فيه دليل على أن الكتاب نُسخ بالسنَّة، فإن جواز السجود لغير الله تعالى ثبت بقصةِ آدم ﵇، ثم نُسخ ذلك بالخبر (^٢).
وقيل: هو بيانُ استغنائه عن عبادتهم إياه، وإنكارِه عليهم قولَهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فقال لهم: لا حاجة إلى عبادتكم وخدمتكم فاخدموا عبدًا من عبادي لم يخدمني كثيرَ خدمةٍ.
﴿فَسَجَدُوا﴾ عن وهب قال: أولُ مَن سجد (^٣) جبريلُ ﵇، ثم ميكائيلُ، ثم إسرافيلُ، ثم عزرائيلُ، ثم سائرُ الملائكة، وكان ذلك كما نُفخ فيه الروحُ من غيرِ تأخيرٍ بقوله ﷿: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] فإن الفاء للتعقيب بلا تراخٍ.
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ استثناءٌ متَّصلٌ، لا لأنَّه من جنس الملائكة ولا ينافيه قولُه تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ لأن صنفًا منهم يُطلق عليه الجنُّ على ما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]، ولا لأنَّه كان جنيًّا واحدًا بين أظهُر الألوف من الملائكة مغمورًا بهم فغلِّبوا عليه في قوله: ﴿لِلْمَلَائِكَةَ﴾ ثم استُثنيَ منهم استثناءَ واحدٍ منهم؛ لِمَا في قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] دلالةٌ على أنَّ تناوُلَ الأمر إياه بطريق الدلالة؛ لأن المعنى: أمرُكَ دائرٌ بين أن تكونَ أدنى من المأمورين بالسجود فيتناولكَ الأمر دلالةً فيلزم الاستكبار،
_________________
(١) في "م" و"ك": (للسجود).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" لأبي منصور الماتريدي (١/ ٤٢١).
(٣) في "ك": (أولهم).
[ ١ / ١٤٧ ]
أو أعلى منهم فتكونَ من زمرة العالينَ الذين لم يتناولهم الأمر= بل لأنَّ تقدير الكلام: فسجد المأمورون (^١) به تبعًا، إلا إبليسَ فإنه امتنع عن السجود، واستَعظَمَ نفسَه، ورفَعها عن حيِّزِ المأمورين تبعًا.
وهذا ما قيل: إن الجن أيضًا كانوا مأمورين مع الملائكة، إلا أنه استُغنيَ بذكر الملائكة عن ذكرهم؛ لأنَّه إذا عُلم أن الأكابر مأمورون بالتذلُّل لأحد عُلم أن الأصاغر أيضًا مأمورون به، وليس مَبْنَى هذا على أنْ يرجعَ الضمير في ﴿فَسَجَدُوا﴾ إلى القبيلَين؛ لأن قوله: ﴿فَسَجَدُوا﴾ هنا في موضع: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الحجر: ٣٠] في آيات أُخَر.
وامتَنع (إبليس) من الصرف للعَلَمية والعُجْمة، ومَن جعله مشتقًّا من الإبلاس بمعنى اليأس قال: وشِبْهِ العُجْمة؛ لكونه لم يُسمَّ به أحدٌ من العرب، فصار خاصًا بمَن أطلقه الله عليه، فكأنه دخيلٌ في لسانهم، وهو عَلَمٌ مُرْتجَل.
والإباء: امتناعٌ بالاختيار.
والتكبُّر: أن يرى الرجلُ نفسَه أكبرَ من شأنه، والاستكبارُ: طلبُ ذلك بالتشبُّع، فهو من أفعال القلوب، وإنما قُدِّم الإباءُ عليه وإن كان أدلَّ؛ لأن مفهوم الاستثناء - وهو عدمُ صدور السجود عنه - ناشٍ عن إبائه، وإباؤه ناشٍ عن استكباره، فرُوعيَ هذا الترتيبُ واستُؤنف في ﴿أَبَى﴾ لأنَّه موضعُ سؤالٍ؛ لاحتمالِ أن يكون تركُ السجود لعذرٍ دون استكبارٍ (^٢)؛ لظهورِ أن الامتناع بالاختيار أمرٌ فيه تذلُّلٌ لا يكون إلا عن الاستكبار، وكان استكبارُه مسبَّبًا (^٣) عن كفره الأصليِّ، ولهذا ذيَّله بالجملة الاعتراضيَّة للتعليل، وهو قوله:
_________________
(١) في "د": (فسجدوا والمأمورون).
(٢) في النسخ عدا "م": (استكبر)، والمثبت من "م".
(٣) في "د": (سببًا).
[ ١ / ١٤٨ ]
﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: كان أصله من كَفَرة الجنِّ، فلذلك ارتكبَ المعصية، على ما أَفصح عنه قولُه تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].
قيل: أي: صار منهم باستقباحه أمرَ الله تعالى. ولو كان المعنى هذا لقيل: فكان من الكافرين.
(٣٥) - ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ﴾ عطف على (إذ قلنا) لا على (قلنا)، وفائدةُ النداء تنبيهُ المأمور لِمَا يُلقى إليه من الأمر.
﴿اسْكُنْ﴾ من السُّكنَى؛ أي: اتَّخِذْها مسكَنًا، ولهذا ذُكر متعلَّقُه بدون (في)، لا من السكون بمعنى تركِ الحركة، وإن كان ذلك في الحقيقةِ راجعًا إلى السكونِ؛ لأنَّه نوعٌ من اللَّبْث والاستقرار.
﴿أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ معطوفٌ على الضميرِ المستكنِّ في ﴿اسْكُنْ﴾ المؤكَّدِ بـ ﴿أَنْتَ﴾، والفصلُ بالتأكيدِ لتصحيحِ الوصلِ على سبيل التغليب؛ إشعارًا بدنوِّ رُتبتها وتَبَعيَّتِها، وكأنَّ فيه توطئةٌ للاكتفاء بذكره في قوله ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.
﴿الْجَنَّةَ﴾ اللام للعهد، والمعهودُ دار الثواب لا غير.
﴿وَكُلَا مِنْهَا﴾ عدل هاهنا عن أسلوب التغليب تنبيهًا على أن تبعيَّتها لزوجها في السُّكنَى دون الأكل.
﴿رَغَدًا﴾ وصفٌ للمصدر؛ أي: أكلًا رغدًا، والرَّغَدُ: العيشُ الدارُّ الهنيُّ الذي لا عناءَ فيه كما ذكره القرطبيُّ (١).
[ ١ / ١٤٩ ]
وقال الليث (^١): الرَّغد أن يأكل ما شاء إذا شاء حيث شاء.
﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (حيث) للمكان المبهَم، أي: أيَّ مكانٍ من الجنة شئتُما، ومحلُّ ﴿حَيْثُ﴾ مضافًا إلى الجملة النصبُ على الظرفيَّة علَّقه بالأكل مع ظهورِ تعلُّقه بالسُّكنى؛ لأن إباحة الأكل من أيِّ مكانٍ كان وفي أيِّ وقتٍ كان مستلزِمةٌ لإباحة السُّكنى فيه بحسَب العادة، بدون العكس.
وإنما أُطلق لهما الأكلُ من الجنة حيث شاءا ومتى أرادا مع سعتها وكثرةِ أشجارها، ولم يقيَّد بوقتٍ ولا موضعٍ ولا أكلٍ مخصوصٍ بشيءٍ دون شيءٍ؛ كي لا يبقى لهما عذرٌ في التناول من شجرةٍ واحدةٍ مَنْهيِّ عنها بتلك المبالَغة.
﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ نهى عن الأكل منها بطريق الكناية مبالغةً، فلا نهي عن القرب منها، وقد أفصحَ عن هذا قو له: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٠] حيث أشار بما يشار به إلى القريب.
ثم إنه لم يقل: عن القُرْب من هذه الشجرة.
و﴿الشَّجَرَةِ﴾ نعتٌ أو عطفُ بيانٍ، واختلفوا في تعيينها، وقال ابن جَريرٍ: والأَوْلى أنْ لا تُعيَّن؛ لأنَّ العلم بها علمٌ لا ينفعُ، والجهلَ بها جهلٌ لا يَضُرُّ (^٢).
ولك أن تقول: في التَّعيين بأنها الكَرْمةُ - كما ذهب إليه بعضُهم - فائدةُ الإشارةِ إلى أنَّ الخمر أمُّ الخبائث؛ لأنَّ أصلها هو الذي كان السببَ في الخروج من الجنة أولًا، فيجب الاجتنابُ عنها لئلَّا يكونَ مانعًا من العَوْدِ إليها.
_________________
(١) في "م": (أبو الليث)، والمثبت من باقي النسخ وهو الصواب. انظر: "الوسيط" للواحدي (١/ ١٢١).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (١/ ٥٥٦ - ٥٥٧).
[ ١ / ١٥٠ ]
﴿فَتَكُونَا﴾ مجزومٌ عطفٌ على ﴿تَقْرَبَا﴾، أو منصوبٌ بتقدير (أنْ) جوابًا للنَّهي، والفاء تفيدُ السببيَّة سواءٌ جعلْتَه للعطف على النَّهي أو الجوابِ له.
وفي جَعْلِه سببًا للكون المذكورِ مبالغةٌ أخرى في تأكيدِ النهي.
﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسَهم بنقصِ حقوقِها بالعصيانِ، وحطِّها عن درجةِ القُرْبِ والكرامات إلى مَهُول الحرمانِ والهوان، و(الظالم) أبلغُ من (الذي ظَلَم) ففيه أيضًا مبالغةٌ.
(٣٦) - ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: حملهما على الزَّلَّةِ.
والضمير في: ﴿عَنْهَا﴾ للشجرة؛ أي: بسببها، وتحقيقُه: أَصدر الشيطان زلَّتَهما عنها، و(عن) هذه مثلُها في قوله تعالى ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢].
قيل: يجوز أن يكون الضمير للجنة؛ أي: أذهبهما عنها وأبعدهما، مِن زلَّ: إذا ذهب، يقال: زلَّت عن الشهر (^١) كذا: إذا ذهبت، ويأباه قراءةُ حمزة: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ (^٢) إذ على هذه القراءةِ لا يكون إلا للجنة، والفرقُ بينهما: أنَّ (أزلَّ) من الزَّلَل وهو عثورُ القدم، و(أَزالَ) من الزَّوال وهو التنحية ويقوِّي هذه القراءةَ أنهما أُمرا بالثبات والاستقرار في الجنة، فناسب أن يقال بعد ذلك: فأزالهما
_________________
(١) قوله: (زلت عن الشهر) كذا في النسخ، وفي المصادر: (زل من الشهر). انظر: "الكشاف" (١/ ١٢٨)، و"البحر المحيط" (١/ ٤٣٩). قال أبو حيان: وزَلَّ مِن الشَّهْرِ كذا؛ أي: ذَهَبَ وسَقَطَ.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٥٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٣).
[ ١ / ١٥١ ]
الشيطان بالمعصية عن المكان الذي أُمرا بالثبات فيه على وجهِ الطاعة.
وإزْلالُه بقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] وقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] ومقاسمتِه إياهما بقوله: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] وهذا صريحٌ في أن إلقاءَه إليهما كان مشافَهةً لا على طريق الوسوسة، وهو قولُ ابن عباس وابن مسعود (^١) وجمهورِ العلماء.
واختُلف في كيفية توصُّله إلى إزْلالهما بعدما قيل له: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤ وص: ٧٧].
فقيل: إنه مُنع من الدخول على جهةِ التقريب والتكرمة كدخول الملائكة، ولم يُمنع من الدخول على جهةِ الوسوسة ابتلاءً لآدمَ وحواءَ (^٢).
وقيل: قام عند الباب فناداهما.
ويردُّه قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] لأن الوسوسة لا تُجامِع النداء.
وقيل: أَرسل بعضَ أتباعه فأزلَّهما.
ورجِّح هذا الوجهُ بأنهما يَعْرفانه، وَيعْرفان ما عنده من العداوة والحسد، فيستحيل في العادة أنْ يقبَلا قوله.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٦٣).
(٢) في هامش "د" و"م": (وأما ما قيل: دخل في فم الحية أو متمثلًا بصورة دابة، فلا يصلح جوابًا للإشكال).
[ ١ / ١٥٢ ]
ويردُّه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] لأنَّه صريحٌ في مباشَرة الشيطان للإزلال، والله أعلمُ بحقيقة الحال.
﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ من النعيم والكرامة، والإبهامُ للتعظيم؛ أي: مما لا يدخل تحت الوصف، أو من الجنة إنْ خُصَّ الضمير في ﴿عَنْهَا﴾ بـ ﴿الشَّجَرَةَ﴾.
والإسناد هنا وفيما تقدَّم مَجازيٌّ؛ لأن الفاعل في الحقيقة هو الله تعالى، والشيطانُ سببٌ عادي.
﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ هبط لازمٌ ومتعدٍّ، ومصدر المتعدي: الهَبْط، ومصدر اللازم: الهبوطُ، وهو النزولُ من عُلوٍ إلى سُفلٍ.
والخطابُ لآدم وحواء؛ لقوله تعالى في موضعٍ آخَرَ: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣]، والخطابُ تلوينٌ على ما تقف عليه، فلا مجال للتعدُّد، فلا وجه لِمَا قيل: المراد هما وإبليسُ، وكذا لِمَا قيل: المراد هما وذريتُهما؛ لأن ما وُضع لخطابِ المشافَهة لا يَنتظِم المعدومَ حالَ الخطاب، لا عبارةً ولا دلالةً، خلافًا للحنابلة.
وإنما جُمع الضمير هنا رفعًا لشأنهما؛ كما جُمع الضمير (^١) في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ جملة في محلِّ النصب بالحال، استُغني بالضمير عن الواو؛ أي: مُتعَادِينَ، والمعاداةُ: فقدانُ الملاءَمةِ والموافَقة، ومنه قيل: مكان ذو عدوٍّ، و(^٢) قومٌ عِدًى، للأعداء والغرباء (^٣)؛ لِمَا بينهم من فقدانِ الملائمة، وذلك بين الرجل
_________________
(١) قوله: (جمع الضمير)، من "م".
(٢) في "د": (على أو) وفي "ح": (عدم أو) وفي "م": (عدوى أو).
(٣) في (م): "والغربى".
[ ١ / ١٥٣ ]
والمرأةِ كثيرٌ في الخَلْق والخُلُق، حتى إن عامَّة ما يُحمد من أخلاق الرجال يُذمُّ من المرأة، وليس الأمر تكليفيًّا حتى يَلزمَ الإذنُ في المعاداة بناءً على أن الحال قيدٌ والأمرُ بالمقيَّد يتناول القيدَ.
﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ إمَّا حالٌ برأسها بالواو، وإمَّا عطفٌ عليها.
والمستقَرُّ: إما موضعُ استقرارٍ أو استقرارٌ (^١)، والقرارُ: هو السكونُ عن برودةٍ، ولمَّا كان من شأنِ البرودة السكونُ ومن شأن الحرارةِ الحركةُ قيل في الساكن: بَرَد، وفي المتحرِّك: اشتَعَلَ والْتَهَبَ، حتى يشبَّهُ السريع بنارٍ متَّقدةٍ والساكنُ بماءٍ (^٢) جامد.
﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ المتاع: انتفاعٌ ممتدُّ الوقت، ومنه قيل: متَّعه الله بكذا، والمراد بالحِين: وقتُ الحَين (^٣)، إذ لا انتفاعَ تمتُّعٍ بعده.
وجَعْلُ ابتداءِ يومِ القيامة من الموت تكلُّفٌ مستغنًى عنه، وكذا جَعْلُ السُّكنى في القبر تمتُّعًا في الأرض.
(٣٧) - ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ التَّلَقِّي كالتَّلَقُّنِ، إلا أن التَّلقِّيَ يقتضِي استقبالَ الكلام وتصوُّرَه، والتَّلَقُّنَ يقتضِي الحذقَ في تناوله، والتلقُّفُ يُقارِبُه لكنْ يقتضِي الاحتيالَ في التناول.
وصيغةُ التفعُّل للتكلُّف؛ أي: تكلَّف في لقائها بالجهد في التفصُّل والتوجُّه.
_________________
(١) أي: إما اسم مكان، أو مصدر ميمي. انظر: "روح المعاني" (٢/ ١٢٦).
(٢) في النسخ عدا "د": (بما هو)، والمثبت من "د".
(٣) الحَين: الهلاك. انظر: "القاموس" (مادة: حين).
[ ١ / ١٥٤ ]
وعلى قراءة النصبِ في (آدمُ) والرفعِ في (كلماتٌ) (^١): تكلَّفتِ الكلماتُ في الوصول إليه؛ ليكون تزكيةً وتصفِّي قلبه بالتوبة متدرِّجًا، وفي إسنادِ التلقِّي إلى الكلمات مجازٌ، شبِّه نزولُها على التدرُّج بالتكلُّف في النزول إليه.
وحاصل المعنى: استقبلَها بالقبول والعمل، أو استقبلتْه بالبلوغ والو صول إليه.
واختُلف في المراد بالكلمات، وأكثر المفسرين على أنها قوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وقيل غيرُه.
وأصل الكلمة: الكَلْم، وهو التأثيرُ المدرَكُ بإحدى الحاسَّتين: السمعِ والبصرِ، والكلام [مُدرَكٌ بحاسَّة السَّمْع والكَلْم] بحاسَّة البصر، فكلَمْتُه: جَرَحْتُه جِراحةَ بانَ أثرُها، ذكره الراغب (^٢).
ولتضمُّن البناء (^٣) في قوله: ﴿فَتَلَقَّى﴾ معنى التوبة قال:
﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ مضمِّنًا إياه معنى العطف؛ أي: فرجع متعطِّفًا عليه بالقبول والرحمة بعد إعراضه، وأُخبر عنه وحده لأنَّه هو المواجَهُ بالأمر والنهي وهي تابعةٌ له، أو طُويَ ذكرُها كما طُويَ في قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وطيُّ ذكرِ النساء في القرآن والحديثِ كثيرٌ.
﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ﴾ الرجَّاع على عباده بالمغفرة، وأصلُ التوبة: الرُّجوعُ، وتوبةُ العبد: رجوعُه إلى ربِّه من ذنبه، وتمامُها من العبد بالنَّدَم على ما كان، وتركِ الذنب الآنَ، والعزمِ على أن لا يعود إليه في مستأنَفِ الزمان، وفي المظالم لا بدَّ مع ذلك من إرضاءِ الخصم.
_________________
(١) هي قراءة ابن كثير من السبعة. انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٣).
(٢) انظر: "المفردات في غريب القرآن" للراغب (مادة: كلم)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) في "ح" و"ف" و"ك": (ويتضمن البناء)، وفي "م": (ولتضمن الفاء)، والمثبت من "د".
[ ١ / ١٥٥ ]
﴿الرَّحِيمِ﴾: المبالغُ في الرحمة، يَرحَمُ التائبَ فيغفرُ حَوبتَه ويقبلُ توبتَه.
(٣٨) - ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ كُرِّر هذا لا لأنَّ الأولَ من الجنة إلى سماءِ الدنيا والثاني منها إلى الأرض؛ لأنَّه مردودٌ بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾، ولا لاختلاف المقصود حيث دلَّ الأولُ على أن هبوطهم إلى دارِ بليَّةٍ يتعادَون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعَرَ بأنهم أُهبطوا للتكليف؛ لأن ما ذُكر لا يقتضي التكرار، فإن الدلالتين المذكورتين يمكنُ أن تُجمعا= بل لتعليق الزيادةِ به في قوله:
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ ليدلَّ على أن هذا الغضب مسبوقٌ برحمةٍ إلى رحمةٍ، ولهذا أورد (ما) لتأكيد الملازمة، والتزموا لتقويتها زيادةَ النون في الشرط، وإنما أورد كلمة الشك - مع أنَّ إتيانَ الهدى محقَّق عنده - نظرًا إلى أنه محتملٌ في نفسه غيرُ واجب عقلًا، وفي هذا النظر إظهارٌ لِمَا (^١) فيه من جهة التفضل والإحسان، فلذلك حسن.
و﴿جَمِيْعًا﴾ حال في اللفظ تأكيدٌ في المعنى، كأنه قال (^٢): اهبطوا أنتم أجمعون، ولذلك لا يستدعي اجتماعهم على الهبوط في زمانٍ واحد كقولك: جاؤوا جميعًا.
﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ (مَن) شرطيَّةٌ، ويجوز أن تكونَ موصولةً، ويعضدُه إتيان الموصول في قَسيمه، ودخولُ الفاء على الجملة الخبريَّةِ جائزٌ هنا، جُعل الهدى
_________________
(١) في النسخ عدا "د": (بما)، والمثبت من "د".
(٢) في "ح" و"ف ": (قال).
[ ١ / ١٥٦ ]
بمنزلة الإمام المتبع المقتدَى به، وفي إضافته إليه من التعظيم ما لا يكونُ لو أتى (^١) معرَّفًا باللام وإن كان ذلك سبيلَ ما يكون نكرةً ثم يُعاد.
وجواب ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾: ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾.
﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ أي: فلا خوفٌ عليهم من الضلالة في الدنيا، ولا حزنِ الشقاوة في العُقبى؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣].
وقدِّم انتفاءُ الخوف على انتفاءِ الحزن لأنَّ انتفاءَ الخوف فيما هو آتٍ أكثرُ من انتفاءِ الحزن على ما فات، ولذلك أُبرزت الجملة الأولى (^٢) مصدَّرةً بالنكرة التي هي أدخلُ في باب النفي، وأُبرزت الثانيةُ مصدَّرةً بالمعرفة، وفيها إشارةٌ إلى اختصاصهم بانتفاءِ الحزن وإلى غيرهم بالحزن (^٣).
(٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ عطف على (من تبع هداي ..) إلخ، قَسيمٌ له، وهو أبلغ من قوله: ومَن لم يَتْبع هُداي، وإن كان ظاهرُ التقسيم يقتضيهِ؛ لأنَّ نفي الشيء قد يكون لعدمِ القابليَّة في المحل، فأُبرز القَسيم في صورةٍ ثُبُوتيَّةٍ مُزِيلةٍ لهذا الاحتمالِ.
_________________
(١) في "ك": (لو أن كان)، وغير واضحة في "ح" و"ف"، والمثبت من "د" و"م".
(٢) في النسخ عدا "م": (أبرزت جملة)، والمثبت من "م".
(٣) في "ح" و"د" و"ف" (وإلى غيرهم بحزن)، وعند غير المؤلف: (وأن غيرهم يحزن). انظر: "البحر المحيط" (١/ ٤٦٣)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي" (٢/ ١٤٢)، و"روح المعاني" (٢/ ١٣٢).
[ ١ / ١٥٧ ]
وإنَّما ذكر الصلتين ومعناهما واحد تقريرًا لقبائحهم، وتكريرًا لفضائحهم، كما قال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩].
والآيات: العلاماتُ الدالَّةُ على وحدانيَّةِ الله تعالى وصفاتهِ؛ من الكتبِ المنزلةِ وغيرِ ذلك، وسمِّيت آيةُ القرآن بها لأنها علامة لانقطاعِ كلامٍ عن كلامٍ وانفصالهِ.
وقيل: سمِّيت آيةً لأنها جماعةُ حروفٍ من القرآن وطائفةٌ من الكَلِم؛ كما يقال: خرج القوم بآيتهم؛ أي: بجماعَتِهم.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ الاصطحاب: اجتماع مع طول لبثٍ.
و﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، ويجوز أن يكون عطفَ بيان أو بدلًا فيكون ﴿أَصْحَابُ﴾ خبرًا عن ﴿وَالَّذِينَ﴾، و﴿هُمْ فِيهَا﴾ خبرٌ ثانٍ أو تفسيرٌ.
ولا متمسَّك للحشويَّة في هذه القصَّة على عدم عصمةِ الأنبياء ﵈؛ لأن مبناه على أن يكون آدم ﵇ حينئذ نبيًّا، وأن يكون النهي تكليفًا، وأن لا تكون التوبة إلا عن معصيةٍ، وواحدٌ منها غيرُ مسلَّم.
وأمَّا ما قيل: إنه أخطأ في اجتهاده، حيث ظنَّ أن الإشارة إلى عينِ تلك الشجرةِ فأكل غيرها من ذلك النوع، وكان الإشارةُ إلى النوع، فمردودٌ بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠]؛ لأنَّه صريحٌ في أنه كان الإزلال في المنهيِّ عنه.
(٤٠) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾.
[ ١ / ١٥٨ ]
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ انتظامُه بخَتمِ قصةِ آدم ﵇: أنه وَعَد متَّبعَ الهدى بالجنة وأَوْعَد مخالِفَه بالنار، وحثَّهم في هذه الآية على الوفاء بعهده، وهو الإيمان به والطاعةُ، ليُوْفيَ بعهدهم وهو إدخالُ الجنة.
والخطابُ لأولاد يعقوب ﵇، فإنَّ إسرائيل لقبَه معناه بالعبرانية: صفوةُ الله، وقيل: عبد الله، ولم يَنصرف للعجمة والعلَمية.
وأصل (بني): بنين، وهو جمع ابنٍ سقطتْ نونُه للإضافة، والبَنونَ يطلق على الذكور والإناث من الأولاد إذا اجتمعوا.
والابن (^١) من البناء، وهو وضع الشيء على الشيء (^٢)، شبِّه الأبً بالأسِّ والابنُ بما بُني عليه.
﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ أمرٌ من الذُّكر الذي هو مضموم الذال، وهو بالقلب خاصةً، فالمراد: الحفظُ الذي يضادُّ النسيان، أمرَ بذكر النِّعَم (^٣) - وكان المطلوبُ القيامَ بشكرها - إيماءً إلى أنها من النِّعم الجِسام التي لا مانعَ للعاقل من القيام بشكرها إلا الغفلةُ عنها.
واختيرَ تحريكُ الياء في ﴿نِعْمَتِيَ﴾؛ لأنَّه لقيَها الألِفُ واللامُ، فلم يكن بدٌّ من إسقاطها أو تحريكِها، وكان التحريكُ أولى لأنَّه أدلُّ على الأصل، وأَشكَلَ بما يَلزمُ اللامَ في الاستئناف من فتحِ ألِفِ الوصل، وإسكانُ الياء في قوله:
_________________
(١) في النسخ عدا "د": (والأبناء)، والمثبت من "د".
(٢) قوله: (على الشيء) من "م".
(٣) في "م": (النعمة).
[ ١ / ١٥٩ ]
﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] أجودُ؛ لأن مِن حقِّ ياء الإضافة أن لا تَثبت في النداء، وإذا لم تثبت (^١) فلا طريق إلى تحريكها.
﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ من السابقةِ واللاحقة، والظاهرةِ والباطنة.
والنعمة: اسمٌ للشيء المنعَمِ به، أضافها إلى ذاته أولًا، ثم أَسندها إليه تعظيمًا لها، ثم قيَّدها بهم هزًّا لهم، وحثًّا لطباعهم المجبولةِ على حبِّها على القيام بشكرها.
وأمَّا ما قيل: لأن الإنسان غيورٌ حسودٌ بالطبع، فإذا نظر إلى ما أَنعم الله تعالى على غيره حملَه الغيرةُ والحسد على الكفران والسخط - فإنما يصلحُ وجهًا لعدم تقييدها بغيرهم، وهو بمعزلٍ عن هذا المقام؛ لِمَا عرفْتَ أن المطلوب القيامُ بالشكر لا مجردُ الذكر.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الوفاء: مراعاةُ العهد، والغدرُ: تضييعُه، كما أن الإنجاز: مراعاة الوعد، والخُلفَ: تضييعُه، فالوفاءُ والإنجازُ في الفعل كالصدق في القول، والغدرُ والخُلف كالكذب فيه.
وأَوْفَى أبلغُ من وَفَى كما أن أَسْقَى أبلغُ من سَقَى.
والعهد هو (^٢) حفظُ الشيء ومراعاتُه حالًا فحالًا، قال الخليل: أصلُه الاحتفاظ بالشيء وإجدادُ العهد به، وسمِّي الموثقُ عهدًا للُزوم مراعاته، يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد وهاهنا أضيف إلى المفعول؛ أي: أوفوا بعهدي في أنْ لا تُؤْثِروا عليَّ غيري ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في أنْ لا أمنع منكم خيري.
_________________
(١) بعدها في "ف": (في النداء).
(٢) في "د" و"م": (وهو).
[ ١ / ١٦٠ ]
إيفاؤه تعالى بعهدهم: هو ترتيبُ إنجاز ما وعدهم على ذلك، وإنما سمَّاه عهدًا على سبيل المقابَلة، أبرزه في صورة المشروط الملتزَمِ به.
وانجزامُ ﴿أُوفِ﴾ على جواب الأمر، وهل ضمِّن الأمرُ معنى الشرط فانجزم، أو نابت عن الشرط إذ حُذفت جملتُه؟ قولان.
ويجوز أن تكون إضافتُه في الأول إلى الفاعل؛ أي: أوفوا بعهدي الذي قبلتُم يومَ الميثاق أُوفِ بعهدكم الذي ضمِنْتُ لكم يومَ التَّلَاق.
وقيل: هو ما أُخذ عليهم من العهد في كتابهم بالإيمان برسولنا محمدٍ ﵇؛ قال الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ من باب الإضمار على شريطة التفسير؛ كقولك: زيدًا رهبتُه، والفاءُ بتقدير الشرط؛ أي: وإياي ارهبوا إنْ كنتُم رهبتُم شيئًا فارهبون، وهو أوكدُ في إفادةِ التخصيص من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لتكرار (^١) الرهبة مضمَرةً ومظهَرةً، وإيقاعِها على المفعول مرَّتين مع التقدُّم في الأولى، وإخراجِ الكلام على الجملة الشرطية.
والرهبةُ: خوفٌ مع تحرُّز واضطرابٍ، ولتضمُّنه الاحتراز اختيرت على الخوف؛ لأن المقام مقامُ الحثِّ على التحرُّز عن نقض العهد.
وحُذف الياء من ﴿فَارْهَبُونِ﴾ لدلالة الكسرة عليه، وكونِ الفواصل كالقوافي.
_________________
(١) في "م": (لتكرار).
[ ١ / ١٦١ ]
(٤١) - ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾.
﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾؛ أي: بالقرآن الذي أنزلتُه على محمدٍ ﵇.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ من الكتب الإلهية، حيث نزل حسب ما نُعت فيها، حالٌ وذو الحال الضميرُ في ﴿أَنْزَلْتُ﴾، أو الموصولُ، ويحتمل أن تكون (ما) مصدرَّيةً، والتقدير: آمنوا بإنزال (^١) مصدِّقًا لِمَا معكم.
وفيه تنبيهٌ على أنه لا منافاةَ بين ما أتى به الأنبياءُ ﵈ من أصول العبادات، وإنَّما الاختلافُ بينهم في جزئيَّات الكلام وفروعِها كفاءَ ما يقضيه مصلحةُ كلِّ قوم وزمانٍ، فكلٌّ مصدِّقٌ للآخَر فيما أتى به، من حيث إنَّ كليات شرائعهم متساويةٌ وأن فروعَها حقٌّ بحسب الإضافة إلى زمانِ كلِّ واحد منهم وأمَّتهِ، حتى لو كان أحدهم في زمنٍ الآخَرُ لم يَرَ المصلحةَ إلا فيما أتَى به الآخَرُ.
وأمَّا قوله ﵇: "لو كان موسى حيًّا لما وسعه إلا اتِّباعي" (^٢) فليس وجهه هذا، بل كونُه ﵇ مبعوثًا لكافةِ الناس، فلا يَسَعُ مَن في زمنه كائنًا مَن كان إلا اتِّباعُه، بخلاف سائر الأنبياء ﵈.
﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ لا مفهومَ هنا لقوله: ﴿أَوَّلَ﴾ فيكونَ قد أُبيح لهم ثانيًا أو آخِرًا، وإنما ذُكرت الأوَّلية (^٣) لأنها أفحشُ؛ لِمَا فيها من الابتداء بالكفر، ولأنَّ المعنى: لا تكونوا أئمَّةً في الكفر، فيقتدي بكم أتباعُكم، فتكونوا حاملين لأوزارهم،
_________________
(١) في النسخ عدا "ك": (بإنزال)، والمثبت من "ك".
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٥١٥٦) من حديث جابر ﵁.
(٣) في "م": (الأولوية).
[ ١ / ١٦٢ ]
كما قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] فلا بدَّ من القيد المذكور لإفادته (^١).
وأُضيف إلى مفردٍ وإن كان قبلَه جمعٌ؛ لأن المفرد إذا كان صفةً جاز أن يطابقَ وأن يُفرَد، وقد جاء ذلك في قوله:
وإذا هم طَعِموا فأَلْأَمُ طاعِمٍ … وإذا هم جاعوا فشرُّ جِيَاعِ (^٢)
أَفْرَدَ في (طاعِمٍ) وطابَقَ في (جِيَاعٍ)، وتأوَّله النحاةُ فقدَّره الفرَّاء: أَلْأمُ مَن طَعِمَ (^٣)، وقدَّره غيرُه: أَلْأمُ فريقٍ طاعِمٍ.
والضمير في ﴿بِهِ﴾ للمنزَل أو المنزَلِ عليه، ويجوز أن يكون لِمَا معهم، فإن فيه نعتَه، فالكفرُ به كفرٌ لِمَا يصدِّقه، وعلى هذا أيضًا لا يكون القيدُ المذكور على ظاهره؛ لأنَّ مشركي العربِ سبقوهم إليه.
هذا بحَسَبِ جليلِ النظر، وأمَّا الذي بحَسَب دقيقِهِ: فهو أنَّه إنَّما وُجد الخبرُ عن ضمير الجمع؛ لأنَّ حكمهم (^٤) - لتَسانُدهم واتفاقِهم على ديدنٍ (^٥) واحد، واتِّحادِهم لذلك والأُلفةِ (^٦) فيما بينهم - كان حكمًا واحدًا فكأنهم شخصٌ واحد، وعلى هذا وردَ قوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦].
_________________
(١) في هامش "د" و"م": (فلا اتجاه لما في تفسير القاضي من السؤال والجواب).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٣)، و"النوادر" لأبي زيد (ص: ١٥٢)، و"الاشتقاق" لابن دريد (ص: ٤١٧)، ونسبه أبو زيد لرجل جاهلي.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٢).
(٤) بعدها في "م" زيادة: (استبان).
(٥) في هامش "د": (الديدن: الدأب والعادة).
(٦) في "م": (وللإلف).
[ ١ / ١٦٣ ]
و(أوَّلُ): أَفْعَلُ، ولا فعلَ له وزنُه أفعل (^١)، وأصله: ووَّل، أو أَوْأَل، أو أَأْوَل (^٢).
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ استُعير الاشتراءُ للاستبدال، والثمنُ القليل هو الرياسةُ التي كانت لهم في قومهم، فاستبدلوها (^٣) بآياتِ الله لأنهم خافوا فواتَها لو آمنوا بمحمدٍ ﵇ وصدَّقوا بكتابه، وما أقلَّها بالنسبة إلى الحقِّ الذي كلُّ كثيرٍ بالنسبة إليه قليل، والهدى الذي كلُّ كبيرٍ بالنسبة إليه حقيرٌ، فكيف بالمتاعِ الدُّونِ اليسيرِ، فلا مفهومَ لقوله: ﴿قَلِيلًا﴾، بل فيه التنبيهُ على خساسةِ أنفسِهم إذ يبدِّلون الشيء العظيم في تحصيل الشيء الحقير.
وإنما أُوثر الثمنُ على الشيء - مع أنه أبلغُ في التحقير - للتنبيهِ على أن الحظوظَ الدنيويَّة وسائلُ لا مقاصدُ، والنَّعْىِ على تعاكُس أحوالهم وأفعالهم، حيث جعلوا المثمَّن ثمنًا والثمن مثمَّنًا، وفي كلمةِ الباء والاستعارةِ السابقِ ذكرُها وجهُ تقويَةٍ لهذا المعنى.
﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ باتِّباعِ الحقِّ والإعراضِ عن الباطل، فُصلت الآية الأولى بالرهبة لأن التحذير فيها عن الكفران ونقضِ العهد وهما من المعاصي، وهذه الآيةُ بالاتِّقاء - وهو فرطُ الصيانة - لأنَّ التحذير هنا عن الكفو عَقْدًا (^٤) وعملًا.
_________________
(١) قوله: (أفعل) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (فَعَلَ)، قال الآلوسي في "روح المعاني" (٢/ ١٤٣): ولا فِعْلَ له؛ لأن فاءه وعينه واو، وقد دل الاستقراء على انتفاء الفعل لما هو كذلك، وإن وجد فنادر، وما في الشافية من أنه من (وَوَلَ) بيان للفعل المقدر. وانظر: "شرح الشافية" للرضي (٢/ ٣٣٥ و٣٤٠).
(٢) اضطربت هذه الألفاظ في النسخ، والمثبت من المصادر. انظر: "تفسير القرطبي" (٢/ ١٠)، و"البحر المحيط" (١/ ٤٧٠)، و"روح المعاني" (٢/ ١٤٣).
(٣) في النسخ عدا "م": (فاستبدلوا)، والمثبت من "م".
(٤) في (م): "عقلًا".
[ ١ / ١٦٤ ]
ولك أنْ تقول: إنَّ التقوى فوقَ الرَّهبةِ، فحيثُ ما خاطَبَ العامَّةَ عالِمَهم ومقلِّدَهم، وحثَّهم على شكر النعمة التي يشتركون فيها، أمرهم بالرهبة التي هي من مبادئ التقوى، وحيث خاطَبَ العلماءَ منهم خاصةً وحثَّهم على مراعاة آياته والتنبيهِ على ما يأتي به أولو العزم من الرسل أمرهم بالتقوى التي هي منتهَى الطاعة.
(٤٢) - ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ عطف على ما قبله، واللَّبْس والسَّتر أخَوان، وضدُّ السَّتر: الكشف، وضدُّ اللَّبس: الإيضاح.
واللباسُ: ما واريتَ به جسدَك، ومن جملة أسبابه الخلطُ.
وقد تقدَّم الكلام في الحق، وأمَّا الباطل فممَّا لا ثبات له عند الفحص عنه، والحقُّ يناقِضُه، وذلك عامٌّ في الاعتقاد والمقال والفعال.
والباء صلةٌ معناها الإلصاقُ؛ أي: لا تخلطوا الحقَّ بالباطل بأنْ تكتبوا في التوراة ما ليس منها. أو للاستعانة؛ أي: لا تجعلوه ملتبِسًا بسببِ الباطل الذي تكتبونه، فلا نظر حينئذٍ إلى معنى الاختلاطِ كما لا نظر في الأوَّل إلى معنى الاشتباه.
﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ بأنْ تقولوا: ليس وصفُ محمدٍ ﵇ أو هذا الحكمُ في التوراة، فليس المراد من الحقِّ في الموضعين شيئًا واحدًا.
و(تكتموا) جزمٌ داخلٌ تحت حكم النهي، بمعنى: ولا تكتموا، أو منصوبٌ بإضمار (أنْ)، والواوُ بمعنى الجمع، وحقيقتُه: لا يكنْ منكم لبسُ الحق وكتمانُ الحق، والقصدُ إلى أن يَنعيَ عليهم سوءَ فعلهم الذي هو الجمعُ بين أمرين كلُّ واحدٍ منهما مستقِلٌّ بالقُبح ووجوبِ الانتهاء عنه.
[ ١ / ١٦٥ ]
ويجوز أن يكون المرادُ من (الحق) في الموضعين واحدًا، ويكون إعادة صريحِ الحق دون ضميره لأنهم يكرِّرون أسماء الأجناس والأعلام كثيرًا، ولا سيَّما إذا قصدوا التفخيم، صرَّح به الإمامُ المرزوقيُّ (^١) والشيخُ عبدُ القاهر.
وعلى ذلك وردَ قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١].
وحينئذٍ يجوز أن يكون النهيُ عن الجمع؛ لأنَّ الخلط بالباطل قد يكون لترويج الحق وإسماعه، فإنَّ أسماع العوامِّ يَمُجُّون عن الحق الصرف لأنَّه مرٌّ، فخلطُ الباطلِ الحلوِ به لئلا يَنفرَ (^٢) عنه طبع السامع ليس مما يُنكَر كلَّ الإنكار، فإنَّ الضرر اليسيرَ قد يُتحمل للنفع الكثير، ومثلُ هذه الرخصة ترغيبًا للمخاطَب إلى الاستماع من مقتضياتِ البلاغة ومُوجبات الخطابة (^٣).
ألَا ترى قولَه تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] كيف سُرد فيه المقال على إبهام الحال، وإظهارِ التردُّد فيه توسعةً لدائرة الاحتمال.
وفي مصحف ابن مسعود ﵁: (وتكتمون) (^٤)، وهو في موضع الرفع على حذف المبتدأ؛ أي: وأنتم تكتمون.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ في محل النصب بالحال؛ أي: في حال عِلمكم بذلك وبقبحه، وإنما قيِّد به لأن الجهل ربما يُغتفرُ ويُجعلُ عذرًا، فعلى هذا يكون الحذفُ اختصارًا ورعايةً للفاصلة.
_________________
(١) انظر: "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي (ص: ٢٩ و٨٨ و٧٨٤).
(٢) في "د": (ينبو).
(٣) في النسخ عدا "د": (الخطاب)، والمثبت من "د".
(٤) انظر: "الكشاف" (١/ ١٣٣).
[ ١ / ١٦٦ ]
ويجوز أن يكون اقتصارًا؛ أي: وأنتم من ذوي العلم، ولا يناسبُ مَن كان عالمًا أنْ يكتم الحق وَيلْبِسه بالباطل، ففيه تعييرٌ لهم بأنهم يفعلون فعلَ الجهلاء، وتذكيرٌ لِمَا فيهم من صفة العلم، وحثٌّ على العمل بمقتضاه، وذلك أَدْخلُ في قبول الحقِّ وإسماعِه من التَّقريعات الشديدة.
(٤٣) - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ التعريفُ فيهما للعهدِ والإشارةِ إلى الصلاة المعلومةِ والزكاةِ المعيَّنة، أو للجنس كقولهم: هو الرجل، كأنَّ ما عدا صلاةَ المسلمين ليس بصلاةٍ وكذا الزكاةُ؛ لكونهما منه (^١) غيرَ مقبولَين.
والزكاةُ مِن زَكَى الزرعُ؛ أي: نمى، فإنها تُنمِّي المالَ باستجلابِ بركةِ الله تعالى.
أَمَرهم بفروع الإيمان بَعْدَما أمرهم بأصوله، فيَحْتمِلُ أن يكون الأمرُ الثاني مشروطًا بالامتثال بالأول، فلا تكون الآيةُ حجةً على المنكِرين؛ لكونِ الكفار مخاطَبين بالفروع.
﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ أي: في جماعتهم، فإن صلاة الجماعة تفضُل صلاةَ الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجةً؛ لِمَا فيها من فضيلةِ المشقَّةِ وفضيلةِ الانتظار، وقد تَقرَّرَ في موضعه أنَّ مَن أدركَ الإمامَ في الركوع فقد أَدْركَ فضيلةَ (^٢) الجماعة، والإدراكُ فيما قبله ليس بشرطٍ، ولا عبرةَ للإدراك فيما بعده، وهذا هو السرُّ في تخصيص الركوع بالذكر وإيثارِ عبارة ﴿مَعَ﴾ على عبارة: في.
_________________
(١) كلمة: (منه) ليست في "د".
(٢) كلمة: (فضيلة) ليست في "ك".
[ ١ / ١٦٧ ]
وأمَّا الاحترازُ عن صلاة اليهود فلا حاجة إليه بعدما أُريد من الصلاة فيما تقدَّم صلاةُ المسلمين.
وأصل الركوع: الانحناءُ، قال صاحب "العين": كلُّ شيءٍ يَنكبُّ لوجهه فتمسُّ ركبته الأرض أو لا تمسُّ بعد أن يطأطئ رأسه فهو راكعٌ (^١).
(٤٤) - ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ اعتراض، والبِرُّ: التوسُّعُ في أفعالِ الخير، واشتقاقُه من البَرِّ الذي هو الفضاءُ الواسع، ويتناولُ كلَّ معروف.
﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وتتركونها من البِرِّ، والنسيانُ يجيء بمعنى التركِ، ومنه: النِّسيُ، وهو ما يسقط في منازل المرتحلينَ من رُذالِ أمتعتهم.
والهمزةُ للتقرير، معناه: أن الأمر الذي ورد عليه الاستفهام مكشوفٌ لا يمكن للمخاطَب إنكارُه فإنه (^٢) مُلجئٌ إلى الإقرار، والتعجيبِ (^٣) من حالهم، والتوبيخِ على الجمع بين الأمر بالبِر وتركه في حق أنفسهم؛ رُوي أنها نزلت في أحبارِ اليهود، كانوا يأمرون سرًّا مَن نصحوه [باتِّباع محمدٍ ﷺ] ولا يتَّبعونه (^٤).
﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراةَ، تبكيتٌ بالحجَّة كقوله ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾،
_________________
(١) انظر: "العين" (١/ ٢٠٠).
(٢) في "ح" و"د" و"ف": (فلأنه)، وفي "ك": (ولأنه)، والمثبت من "م"، ولعل الأحسن: (فكأنه).
(٣) عطف على: (للتقرير).
(٤) يروى عن ابن عباس، انظر: "الكشاف" (١/ ١٣٣)، و"وتفسير البيضاوي" (١/ ٧٧)، وما بين معكوفتين منهما.
[ ١ / ١٦٨ ]
وفي عبار التلاوةِ إشارةٌ إلى وضوح ما في التوراة من النهي عن هذا الوصفِ الذميم، بحيث يقف عليه كلُّ مَن يتلوه من أهل اللسان.
والتلاوة: إتْباعٌ اللفظِ اللفظَ، سواءٌ تُدُبِّر المعنى أو لا.
وفي الآية التحريضُ على تقديم العمل على القول، والوعيدُ على مخالفةِ القول العملَ، والنَّعْيُ على مَن يَعِظُ الغيرَ ولا يَعِظُ نفسَه.
وكان المنكَرُ تركَهم أنفسَهم لا أمرَهم غيرَهم بالمعروف، إلا أنه بدأ بالتوبيخ به إيماءً إلى أن ذلك التركَ بلَغ في الشناعة غايةً خرج ما يقارنُه من الفعل المندوبِ إلى مَعرِض المستنكَر، وفيه من المبالغة في الإنكار على سوء صنيعهم ما لا يَخفى.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ توبيخ عظيمٌ بالهمزةِ وتوسيطِ الفاء؛ أي: أتفعلون ذلك فلا تعقلون، كأنكم مسلوبو العقولِ فلا تَفْطَنون لقبح ما ترتكبون فتنتهون.
والعقل أصله: المنع الشديد، ومنه: عقل البعير؛ لمنْعه إياه من الشرود، ومنه: العقل للدِّيَة لأنها تمنعُ وليَّ المقتول عن قتل الجاني.
وفي إيثار نفي العقل على نفي العلم نوعُ تأييدٍ لِمَا قدَّمناه، يعني: أن المحتاج في إداركه عند التلاوة إنما هو العقلُ الجِبِلِّيُّ لا الإدراكُ المكتسَبُ، ولا دلالةَ فيه على أنَّ قُبح هذه الأشياءِ عقليٌّ، بل دلالةٌ على أنه شرعيٌّ، حيث رتَّب التوبيخَ على ما صدر عنهم بعد تلاوة الكتاب.
والفاءُ للعطف، كان الأصل تقديمَها، لكنَّ الهمزة لها صدرُ الكلام فتقدَّمت على الفاء، وحكم الواو و(ثمَّ) في نحو: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الروم: ٩] و﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥١] حكمُ الفاء.
[ ١ / ١٦٩ ]
(٤٥) - ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.
﴿وَاسْتَعِينُوا﴾؛ أي: اطلبوا المعونة في دفع المكاره وجلبِ المنافع، فالاختصار للتعميم.
﴿بِالصَّبْرِ﴾ وهو حبسُ النفس، وقدِّمت الاستعانةُ بالصبر لتقدُّم تكاليفَ عظيمةٍ يَشُقُ التزامُها على مَن يألَفُها.
﴿وَالصَّلَاةِ﴾ كان رسول الله ﷺ إذا حزَبه (^١) أمر فزع إلى الصلاة، وهي أرفعُ منزلةً من الصَّبر؛ لأنها تجمع ضُروبًا من الصبر؛ إذ هي حبسُ الحواسِّ على العبادةِ، وحبسُ الخواطر والأفكار على الطاعة.
بل نقولُ: الأمر بالصبر تمهيدٌ للأمر بالصلاة؛ فإنَّ مرجع الجمعِ بينهما أن يصلُّوا صابرينَ على تكاليف الصلاة، محتمِلينَ لمشاقِّها وما يجبُ فيها من إخلاصِ القلب بدفعِ الوسواس ومُراعاةِ الآداب، ولهذا قال:
﴿وَإِنَّهَا﴾ وخصَّها بردِّ الضمير إليها دون (الصبر)، ولولا ذكرُ الصبرِ تمهيدًا لكان حقَّ (الصلاةِ) أن يعادَ فيها حرفُ الباء الدالَّةِ إعادتُها على الأصالة، والجملةُ اعتراضيَّةٌ.
وقيل: الصبر: الصوم؛ لأنَّه حبسٌ عن المفطِّرات، ومنه قيل: شهرُ رمضان شهرُ الصبر، وعلى هذا ردُّ الضميرِ إلى (الصلاة) ليس بطريقِ التخصيص، بل بطريقِ الاكتفاء بالأعمِّ أو الأقدم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] وقولهِ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا
_________________
(١) في "ح": (أخبر به)، وفي "ف": (أضربه)، وفي "م": (أحزنه).
[ ١ / ١٧٠ ]
إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] فإن الكناية في أحدهما (^١) ردّ إلى الفضة لأنها الأغلبُ والأعمّ، وفي الآخرِ إلى التجارة لأنها أفضلُ وأهمّ.
﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ من كبُر بمعنى عظُم، تمثيل وتصوير لمعنى ثقلِها وكونِها شاقَّةً على غير الخاشعين، لا من كبُر بمعنى ثقُل وشَقَّ حقيقةً أو مجازًا.
﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ يعني: لا تهونُ على أحد إلا على الخاشعين؛ لأنَّه استثناءٌ مفرَّغٌ من كلامٍ موجَبٍ، فلا بد من تأويل النفي.
والخشوع هيئةٌ في النفس يظهرُ منها في الجوارح سكونٌ وتواضعٌ، وفيه إشارةٌ إلى أن الصلاة التي تَخِفُّ على غير الخاشع مسماةٌ باسمها وليست هي في حكمِها.
فإن قيل: هلَّا يلزمُ أن يكون ثوابُ غيرِ الخاشع أكثرَ؛ لِمَا جاء في الخبر: أن أكثر الأعمال ثوابًا أشقُّها (^٢).
قلنا: لا يلزمُ ذلك؛ لأن مفهوم الخبر: أنَّ الأعمال المتساوية في اشتمالِ الأركان والشرائطِ وسائرِ ما يجبُ رعايتُه أو يستحبُّ أكثرُها (^٣) أشقُّها.
(٤٦) - ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ لمَّا كانت الملاقاةُ متعذِّرةَ الحملِ على الحقيقة
_________________
(١) في (م): "إحداهما".
(٢) انظر حديث عائشة عند البخاري (١٧٨٧)، ومسلم (١٢١١/ ١٢٦).
(٣) بعدها في "د": (ثوابًا).
[ ١ / ١٧١ ]
جُعلت كنايةً عن رؤيته تعالى، وهو الوجهُ فيما يُروى في الأخبار: "لقيَ اللهَ تعالى وهو عليه غضبانُ" (^١).
والظنُّ بمعنى العلم، ويعضدُه أنَّ في مصحفِ ابن مسعود ﵁: (يعلمون) (^٢)، ولا يُصار إلى التضمين إلا عند قيام القرينة اللفظية، وهي ذكر ما يتعلق بالمضمَّن، وهي مفقودةٌ هنا (^٣).
وفي عبارة الظن إشارة إلى أنه يكفي في حصول الخشوع الذي يزول به ثقل الصلاة أدنى مراتب الاعتقاد بملاقاته تعالى.
وقيل: المراد: ملاقاةُ (^٤) ثوابه، وحينئذ يكون الظنُّ بمعنى التوقُّع؛ لأنَّه وإنْ عَلِم أنه لا بد من ثوابٍ أو عقابٍ، لكنْ من أين يَعلم ما يُختم به عملُه، فلا بد مِن صرفِ الظن عن معنى العلم إلى معنى التوقُّع اللازم له.
ويأباه قولُه: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى مشهدِ حكومتهِ يومَ العرض والسؤال ﴿رَاجِعُونَ﴾ إذ لا يناسبه معنى التوقُّع، وتقديرُ عامل آخرَ له خلافُ الظاهر.
وإنما ثقُل على غيرهم لأنهم لم يعتقدوا بالجزاء (^٥)، ولم يرجوا الثوابَ، فكانت في حقهم مشقةً خالصةً، ولم تثقل عليهم لأنهم اعتقدوا بلقاء (^٦) الجزاء، وتوقَّعوا ما ادَّخر للصابرين على متاعها، فزاولوها برغبةٍ ونشاط وانشراح صدرٍ،
_________________
(١) قطعة من حديث رواه البخاري (٢٣٥٦)، ومسلم (١٣٨)، عن ابن مسعود ﵁.
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ١٣٤).
(٣) في هامش "د": (رد للقاضي).
(٤) في "ح" و"د" و"ف": "وقيل الملاقاة"، وفي (ك): (وقيل لملاقاة)، والمثبت من "م".
(٥) في "ك": (الجزاء).
(٦) في "ك": (لقاء).
[ ١ / ١٧٢ ]
واستلذُّوا بها، ومن ثَمَّةَ قال رسول الله ﷺ: "وجُعلتْ قرَّةُ عيني في الصَّلاة" (^١).
(٤٧) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ تكريرٌ تمهيدًا لتذكير نعمة التفضيل، وقد جاء تفصيلها في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]، وذكرُ تلك النعمة على الآباء إلزامُ الشكر على الأبناء؛ لأنهم يَشْرُفون بشَرَفهم، ولذلك قال:
﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ ولم يقل: فضَّلت آباءكم.
والفضل: الزيادة في الخير، والجملة في محلِّ النصب معطوفةٌ على معنى ما تقدم؛ أي: أنِّي أنعمتُ عليكم وأنِّي فضَّلتكم.
﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ الظاهرُ هو الاستغراق، وقد خرج إلى حيِّز النصِّ بقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] ولا حاجةَ إلى الصرف إلى الاستغراق العُرفيِّ بقرينةِ أن المتبادِر من الموجود المعتبر في مفهوم العالم الموجودُ (^٢) بالفعل؛ لعدم الدلالة فيه على التفضيل من كلِّ جهةٍ عمومًا، ولا من جهة القُرْب والمكانة عند الله تعالى خصوصًا، ولذلك لم يكن فيه متمسكٌ لمن فضَّل البشر على الملك.
_________________
(١) رواه النَّسَائِيّ (٣٩٣٩) و(٣٩٤٠)، والإمام أحمد في "المسند" (١٢٢٩٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (٣٤٨٢)، من حديث أنس. وإسناده حسن.
(٢) في "م" و"ك": (الوجود).
[ ١ / ١٧٣ ]
(٤٨) - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ يريد يوم القيامة، وعظَّمه بالتنكير، ثم بالتوصيف، والمقصود: بيان كون ذلك معيارًا للمخاوف بحيث لا يكون آنٌ من آنائه خاليًا عن الخوف، وهذا يجعل نفسَ اليوم مَخوفًا لا ما (^١) فيه.
﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾؛ أي: لا تقضي نفسٌ ما من النفوس عن نفسٍ - أيِّ نفسٍ كانت - حقًّا من الحقوق، و﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، ويجوز أن يكون في موضع المصدر؛ أي: قليلًا من الجزاء، وعلى قراءةِ: (لا تُجْزِئُ) (^٢) من أَجْزأَ عنه: إذا أَغْنَى عنه، لا يكون إلا بمعنى: شيئًا من الإجزاء.
والجملةُ في محل النصب صفة لـ ﴿يَوْمًا﴾ والعائد محذوفٌ؛ أي: لا تجزي فيه، وهل الحذف بتدريج، أم حذفٌ برمَّته ابتداءً؟ قولان.
﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ أي (^٣): أيَّةُ شفاعة كانت، والضمير في ﴿مِنْهَا﴾ راجعٌ إلى النفس الثانية العاصية، أي: إن جاءت بشفاعةِ شفيعٍ لم يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى الأولى؛ أي: لا تجزي منها شيئًا وإن شفعت لها لا يقبل، وقِسْ على هذا قولَه:
﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ والعدل: الفديةُ؛ لأنها تعادل المَفديَّ، والشفاعةُ من الشَّفع، كأن الجانيَ كان فردًا فجعله الشفيعُ شفعًا بضم نفسه إليه.
_________________
(١) في "ح": (لا يلو)، وفي "ك": (لأمر)، وفي"م": (لا أمن)، وغير واضحة في "ف"، والمثبت من "د".
(٢) تنسب لأبي السمال العدوي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٥)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (١/ ١٣٩).
(٣) كلمة: (أي) من "م" و"ك".
[ ١ / ١٧٤ ]
وضمير الجمع في ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يرجع إلى ما دلَّت عليه النفسُ المنكَّرة في سياق النفي الدالَّةُ على العموم، والتذكيرُ بمعنى العِباد والأناس، والنصر أخصُّ من المعونة؛ لاختصاصه بدفع الضرر.
وإنما عَدَل عن الجملة الفعلية المعطوفةِ على أخواتها إلى الاسمية؛ للدلالة على الدوام الوضعي؛ أي: ولا هم ينصرون دائمًا ما دامو هم هم، وفيه إيماءٌ إلى أنه يَنصرُ غيرَهم.
وإنما قنَّطهم الإقناطَ الكليَّ لأن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم الأنبياءَ يشفعون لهم.
ولمَّا كان الخطاب لليهود كان تقديره: لا تجزي نفسٌ ما منكم عن نفسٍ ما منكم، فلا دلالة فيه على أن الشفاعة لا تُقبل للعصاة مطلقًا.
وكأنه أُريدَ بالآية نفيُ أن يَرفع (^١) العذابَ أحدٌ عن أحدٍ من كلِّ وجهٍ محتمَلٍ، فإنه إمَّا أن يكون بإعطاء شيء أو مجانًا:
فإن كان الأولَ: فإما أن يكون بأداءِ ما كان عليه وهو الجزاءُ، أو غيره وهو الفدية.
وإن كان الثانيَ: فإما أن يكون على سبيل العطف وهو الشفاعةُ، أو على سبيل القهر وهو النصرةُ.
وإنما عدَل عن الترتيب الذي هو مقتضَى هذا التقسيمِ اختيارًا لأسلوب التَّرقِّي، كأنه قيل: النفسُ الأولى غيرُ قادرة على استخلاصِ صاحبها بقضاء الواجب وتدارُكِ التَّبِعات (^٢) لأنها مشتغلةٌ عنها بشأنها؛ كما أفصَحَ عنه قولُه تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ
_________________
(١) في "ك": (يدفع).
(٢) في "ك": (الفائت).
[ ١ / ١٧٥ ]
شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، ثم إنْ قَدَرتْ على سعيٍ ما مثلَ الشفاعة فلا يُقبل منها، وإن زادت عليها بأنْ يضمَّها الفداء فلا يؤخذُ منها، وإن حاولت الخلاصَ بالقهر والغلبةِ وأنَّى لها ذلك فلا تتمكن منه، فالترقِّي من السعي إلى السعي.
(٤٩) - ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ (إذ) نصبٌ بـ: اذكروا، والتنجيَةُ: التَّخليصُ من مكروهٍ وشدَّةٍ، ومثْلُه الإنجاءُ.
قيل: معنى ﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾: ألقيناكم على نَجْوةٍ من الأرض، وهي ما ارتفَع منه، هذا هو الأصل، ثم سمِّى كلُّ فائز ناجيًا، فالناجي: مَن خرج من ضِيقٍ إلى سعةٍ، ومعناه: خلَّصنا آباءَكم، وجعل ذلك نعمةً عليهم لأنهم نَجَوا بنجاتهم، ومن عادة العرب هذا؛ يقولون: قتلناكم يوم عكاظٍ، أي: قتل آباؤنا آباءَكم.
وقرئ: (نجَّيتُكم) (^١) فوافَقَ الضميرُ ضميرَ ﴿نِعْمَتِيَ﴾، وعطفُها عليها كعطف جبريل وميكائيل ﵉ على الملائكة، أو تفصيلٌ لِمَا أجمله في قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ والتفصيلُ لا يلزم أن يكون على وجه الاستيعاب، بل قد يكتفى فيه بذكر المعظَّمات.
﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أصل (آل): أهل؛ لأن تصغيره: أُهَيلٌ، فأُبدلت هاؤه ألفًا، وخُصَّ بالإضافة إلى أعلام الناطقين، دون النكرات والأمكنة والأزمنة والصناعات.
_________________
(١) تنسب للنخعي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٥).
[ ١ / ١٧٦ ]
و(فرعون) عَلَمُ شخصٍ سُمِّي (^١) به كلُّ مَن يملك العمالقة - وهم جبابرةُ مصر - وضعًا ابتدائيًّا (^٢)، دلَّ على ذلك منعُ صرفه، وجمعُه باعتبار الأفراد؛ كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك فارس.
ولشهرةِ الفراعنة بالعتوِّ اشتُقَّ منه: تَفَرْعَن، إذا عتَا وتجبَّر (^٣).
وآلُه: قومُه المناسبون له، وحقيقةُ الآل: هم الذين يَؤُولُ أمرُهم (^٤) إليه في نسبةٍ أو صحبة.
﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ حالٌ من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، أو استئناف (^٥) حكاية حال، والسَّوم أصلُه: الذهاب في ابتغاء الشيء، فهو لفظٌ مفردٌ بمعنًى مركَّبٍ من الذهاب والابتغاء، فأُجري مُجرى الذهاب في قولهم: سامت الإبل فهي سائمةٌ، ومُجرى الابتغاء في قولهم: سمْتُه كذا، ومنه: السَّومُ في البيع.
﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ نصب على المفعولية (^٦) لـ ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾، والسوء مصدرُ ساء؛ أي: قَبُحَ، ومعنى سوءِ العذاب - مع أن نفسه سيئٌ -: أقبحُه وأفظعُه.
﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ استئنافٌ، أو حالٌ من ضمير الفاعل في ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾، أو بدل منه، أو معطوفةٌ عليه حُذف منها حرفُ العطف، ويؤيِّدُه ثبوتُه في سورة إبراهيم ﵇.
_________________
(١) في "د" و"م": (يسمى).
(٢) في هامش "د" و"م": (وليس بلقب في أصل وضعه كما توهمه القاضي. منه).
(٣) "ك": (وفجر).
(٤) "د": (أمورهم).
(٥) في "د" و"م": (واستئناف).
(٦) في "ك": (المفعول).
[ ١ / ١٧٧ ]
﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ والاستحياء: استفعالٌ من الحياة؛ أي: يبقون بناتكم للخدمة، سمِّينَ بما يَؤُول إليه أمرُهن. ولمَا في صيغةِ الاستفعال من الدلالة على أنَّ إبقاءَهن كان لمصلحتهم، كان المذكور من جملةِ الشدائد.
﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ﴾ البلاء: هو الاختبار، ويكون بالشَّرِّ ليَصبروا فيكونُ محنةً، وبالخير ليشكروا فيكون مِنحةً، وكلاهما محتملٌ هاهنا بحسَب احتمالِ (^١) المشارِ إليه أن يكون مصدرًا لـ ﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾، أو مصدر (يسومون) و(يذبِّحون) و(يستحيون).
والأولُ أَوْفقُ بقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وأَليَقُ بأصل المقام، فإنه لتعديدِ النِّعم، والثاني أَلْصقُ (^٢) بمقامِ تفصيلِ المحن، وأنسبُ للتذييل بهذه الجملة الاعتراضية.
﴿عَظِيمٌ﴾ صفة ﴿بَلَاءٌ﴾.
وفيما ذُكر من المبالغة والتأكيد بالإجمال والتفصيل، والتسجيلِ بان الذبح (^٣) أشدُّ العذاب وأفظعُه، ما لا يَخفى، ولهذا ذيَّله بالاعتراض تأكيدًا وتقويَةً له.
(٥٠) - ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا﴾ الفَرْق والفَلْق كالفَصْل، لكنَّ الفلْقَ لا يكون إلا بينَ جسمين، والفرقَ يكون فيهما وفي المعاني.
وقرئ: (فرَّقْنا) (^٤) على بناء التكثير؛ لأنَّ المسالِكَ كانت اثني عَشَرَ بعددِ الأسباط.
_________________
(١) كلمة: (احتمال) من "م".
(٢) في "م" و"ك": (أليق).
(٣) في "م" زيادة: (المذكور).
(٤) تنسب للزهري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥)، و"البحر المحيط" (٢/ ٣٣).
[ ١ / ١٧٨ ]
والباء في: ﴿بِكُمُ﴾ للسببية؛ أي: بسببكم وبسببِ إنجائكم، ولا يجوز أن يكون للملابَسة؛ أي: مُلْتبِسًا بكم، ولا للاستعانة؛ أي: تسلكونها وتتفرَّقُ بكم كما يتفرَّقُ الشيء بالسكِّين عند قطعه؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] صريحٌ في أن انفصال البحر بعضِه عن بعضٍ وحصولَ المسالك كان بضربِ العصا قبل أخذِهم في السلوك، فإن في الفاء الفصيحة في قوله: ﴿فانفلق﴾ دلالةً على عدم تراخي الانفلاقِ عن الضرب.
﴿الْبَحْرَ﴾ هذا البحرُ كان قريبًا من مصرِ فرعونِ موسى ﵇، يقال له أسافًا، ويسمى اليوم: بحرَ القلزم (^١).
﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ من خطرِ عبورِ البحر، وأخرجناكم من ضِيقِ مسالكه إلى سَعةِ البرِّ، وهذه الفاءُ أيضًا فصيحةٌ.
﴿وَأَغْرَقْنَا﴾ غَرِقَ في الماء من حدِّ عَلِمَ؛ أي: رسب فيه، فهو غَرِقٌ إذا كان لم يَمتْ بعدُ، فإذا مات فهو غريقٌ وجمعه: الغرقى.
﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أتباعَه، فهو أول الغرقى وأَوْلى (^٢) به، فكان غرقه معلومًا دلالةً، وفيما في العدول من الضمير إلى المظهَر من التنبيه على أنَّ السبب لذلك الحال كونُهم (^٣) أتباعَه نوعُ تأييد لتلك الدلالة.
﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ تقلِّبون أبصارَكم في الجهات نظرَ المبهوت إذا فاجأه خطبٌ (^٤)،
_________________
(١) وهو المعروف اليوم بخليج السويس من البحر الأحمر. انظر: "معجم متن اللغة" (مادة: قلزم).
(٢) في"د": (وأدنى).
(٣) بعدها في "د": (فيما)، ولا يظهر لها وجه ارتباط بالسياق.
(٤) في "ك": (الخطب).
[ ١ / ١٧٩ ]
أو تنظرون ما يُفعل بأعدائكم، فعلى الأول يكون النظر بمعنى طلبِ (^١) الإبصار، وعلى الثاني بمعنى الانتظار.
رُوي أنه تعالى أمر موسى ﵇ أن يسري ببني إسرائيل، فأَتْبعهم فرعون وجنوده مشرقين، فلما تراءى الجمعان وهم على شاطئ البحر أوحى الله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، فضرب فظهر فيه اثنا عشر طريقًا يابسًا، فسلكوها حتى جاوَزوا البحر، ثم وصل إليه فرعون ورآه منفلِقًا اقتحم فيه هو وجنوده فالتطم عليهم وأغرقهم أجمعين (^٢).
(٥١) - ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ الوعد هو التَّرجيَةُ بالخير، وَعَد الله تعالى موسى ﵇ بعد هلاك فرعون أن يُنزل عليه كتابًا يَنتمون إليه ويتمسَّكون به، وعيَّن له ميقاتًا ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وإنما عبَّر عنه بالليالي لأنها غُرر الشهور.
وانتصابُ ﴿أَرْبَعِينَ﴾ على المفعول به، إذ هي الموعودة (^٣) على الاتِّساع المعهودِ بجَعْلِ الزمان (^٤) - لكونه شرطَ الموعود - موعودًا، ولا يجوز نصبه على الظرفيَّة (^٥)
_________________
(١) بعدها في "ح" و"ف": (الفعل)، وفي "ك": (فعل).
(٢) في هامش "د": (فيه رد للقاضي في قوله: وصادفوهم في شاطئ البحر). وفي هامش "م": (فيه رد للقاضي في قوله: فصبحهم. منه). وانظر: "تفسير البيضاوي" (١/ ٨٠)، وفيه: فصبحهم فرعون وجنوده، وصادفوهم على شاطئ البحر.
(٣) في "م": (الموعدة).
(٤) في "م": (على الاتساع والمفهوم الزمان). وسقطت العبارة من "ك".
(٥) في "د" و"م": (الظرف).
[ ١ / ١٨٠ ]
لأنَّه معدودٌ، فيلزم أن يكون وقوعُ العامل في كلِّ فردٍ فردٍ منها، وليس كذلك.
وقرئ: ﴿وَاعَدْنَا﴾ (^١) وقال الزجَّاج: هذا جيد؛ لأنَّ الطاعة في القبول بمنزلةِ المطاوَعة (^٢)، فمِن الله تعالى وعدٌ ومن موسى قبولٌ (^٣).
و(موسى) اسمٌ عجمي لا ينصرفُ للعُجمة والتعريف، رُوي أنَّ القِبْطَ يقولون للماء: مو، وللشجر: سا، فلما وُجد موسى ﵇ في التابوت عند ماءٍ وشجرٍ سُمي موسى.
﴿لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾؛ أي: اتَّخذْتُموه إلهًا، وحُذف المفعول الثاني للعلم به، ولسَمَاجةِ ذكرِه، وفيه تفظيعٌ لشأنه حيت ترك تطهيرًا؛ أي: جعلتُموه لأنفسكم معبودًا.
ونُسب الاتِّخاذ إلى جميعهم وإن كان بعضهم لم يتَّخذ ولم يرضَ به؛ لأن القبيلة قد تُذمُّ وتُمدح بما وقع من (^٤) بعضها، وفيه تنبيهٌ على زيادة القبح في ذلك الاتخاذ، حتى خرَّج البريء مخرج الذم لمقارنته (^٥) المباشِرَ له (^٦).
والتعريفُ في ﴿الْعِجْلَ﴾ للعهد، والمعهودُ ما ذكر في قوله تعالى: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨].
_________________
(١) هي قراءة السبعة عدا أبي عمرو فإنه قرأ: (وعدْنا). انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٣).
(٢) قوله: (المطاوعة) كذا في النسخ، والذي عند الزجاج: (المواعدة).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ١٣٣).
(٤) في "م" و"ك": (في).
(٥) في "م" و"ك": (بمقارنة).
(٦) في هامش "د" و"م": (فيه رد للقاضي في قوله باشر كلهم. منه).
[ ١ / ١٨١ ]
و﴿ثُمَّ﴾ للبعد بين مشاهَدة النعم المذكورة واتِّخاذِ العجلِ معبودًا؛ لأن معنى التراخي قد فُهم من قوله (^١):
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ الضميرُ لموسى ﵇، والمعنى: بعد غيبته، وهي بالمضيِّ إلى الطور.
﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ إخبارٌ بأن سجيَّتهم الظلم (^٢)، يرشدك (^٣) إلى هذا قولُه تعالى في موضعٍ آخَرَ: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨].
والاتخاذُ المذكورُ يدلُّ على أنهم مجسِّمة أو حُلوليةٌ.
(٥٢) - ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿ثُمَّ عَفَوْنَا﴾؛ أي: تجاوَزْنا ﴿عَنْكُمْ﴾ حين تبتُم.
فإنْ قلتَ: أنهم عُوقبوا بالقتل - على ما يأتي عن قريبٍ - فما معنى العفو؟
قلتُ: العفو قد يكون قبل العقوبة وقد يكون بعدها، بخلافِ الغفران فإنه لا يكون معه عقوبةٌ البتة (^٤)، على أن العقوبة كانت لبعضهم.
وأصلُ العفو: المحوُ، من عَفَتِ الريحُ الأثرَ: إذا أَذْهَبتْه، لا من عفا المنزلُ: إذا دَرَس، فإنه يَتعدَّى ولا يَتعدَّى.
_________________
(١) في هامش "د" و"م": (فيه رد للقاضي في قوله باشر الحكيم. منه).
(٢) في هامش "د" و"م": (فيه رد للقاضي في قوله: بإشراكهم. منه).
(٣) في "م": (يرشد).
(٤) في هامش "د" و"م": (نص على ذلك الإمام القرطبي. منه).
[ ١ / ١٨٢ ]
و﴿ثُمَّ﴾ للبُعد، فإنَّ العفو بعد ارتكابهم ما هو الموجِبُ لأشدِّ العذاب في غايةِ البعد.
و﴿ذَلِكَ﴾ في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ لتعظيم الشرك؛ أي: عفَوْنا من بعدِ ذلك الأمر العظيم البعيد عن العفو ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ العفو.
ومعنى الشكرِ في اللغة: عرفانُ الإحسانِ بالجَنان، ونشرُه باللسان.
وتفسير (لعل) بـ (كي) مردودٌ بأنَّ جمهور أئمَّة اللغة اقتصروا في بيان معناها الحقيقيِّ على الترجِّي والإشفاق، وعدمُ صُلوحها لمجرَّد معنى العلِّيَّة والغَرَضيَّة مما وقع عليه الاتِّفاق، ألَا تَرى تقول: دخلت على المريض كي أعودَه، وأخذتُ الماء كي أشربَه، ولا يصحُّ: لعل.
وحملُها على الإرادة إنما يصحُّ على أصل الاعتزال، وأمَّا على أصلِ أهلِ الحق فلا صحةَ؛ لأن إرادته تعالى تستلزمُ الوقوعَ عندهم ولم يقع، فلا بد من الحمل على كونهم في صورةِ مَن يُرجَى منه الشكرُ وإنْ لم يتعلَّق به الإرادةُ.
(٥٣) - ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ الواو بينهما هو التي توسَّطُ (^١) بين الصفات، والمفيدةُ كونَ الموصوف جامعًا لها؛ أي: الشيءُ الجامع بين كونه كتابًا منزلًا من عند الله وبين كونه فرقانًا يَفْرُق (^٢) بين الحقِّ والباطل، وهو التوراة.
_________________
(١) في النسخ عدا "م": (تواسط)، والمثبت من "م".
(٢) (يفرق): ليست في "م".
[ ١ / ١٨٣ ]
وفي توصيفه (^١) بالكتاب في مقام المدح إشارةٌ إلى نزوله من السماء مكتوبًا.
وحمل (الفرقان) على النصر الذي فرَق بينه وبين عدوِّه - كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يومَ بدر - لا يناسبُه قولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ باتِّباع ذلك الكتاب المنزَل والعملِ بما فيه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤].
(٥٤) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ القوم اسمٌ جمع لا واحدَ له من لفظه، ويختصُّ بالرجال.
﴿يَاقَوْمِ﴾ المنادى إذا أضفْتَه إلى نفسكَ جاز فيه حذفُ الياء وإثباتُها كما في قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، وفتحُها كما في قراءةِ مَن فتحَ الياء، والأجودُ الاكتفاء بالكسر.
﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾؛ أي: ضَرَرْتُم أنفسكم بإيجاب العقوبة عليها، أو نَقَصْتُموها ثواب الإقامة على عهدي، فإن الظلم في اللغة: النَّقصُ، وفي العُرف: الضررُ الخالي عن نفعٍ يزيد عليه، ودفع مَضرَّةٍ أعظمَ منه، وظلمُ الإنسان نفسَه أفحشُ من ظلم غيرها.
﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الفاء الأولى للسببية؛ لأن الظلم سبب التوبة، والثانيةُ للتعقيب، فإن كانت توبتُهم نفسَ القتل فقوله: ﴿فَاقْتُلُوا﴾ تفسير
_________________
(١) في "ك": (وصفه).
[ ١ / ١٨٤ ]
وتفصيلٌ لقوله: ﴿فَتُوبُوا﴾، ولا حاجة إلى تقدير العزيمة، وإن كانت تتمَّةَ التوبة وسببَ قبولها فمعناه: توبوا فأَتْبِعوا توبتكم القتلَ تمامًا لها، والتعديةُ بـ (إلى) لمَا في التوبة من معنى الرجوع.
وخُصَّ البارئُ بالذكر من (^١) سائر أسمائه؛ لأن البارئ هو الذي خلقهم أبرياءَ من التفاوُت في النوع والتشابُهِ في الشخص، وذلك من عجيبِ حكمته وبديعِ قدرته، فعيَّرهم على تركهم عبادةَ مَن هذا شأنُه إلى عبادةِ ما هو مَثَلٌ في الغباوة حتى عرَّضوا أنفسَهم لسخطه، فناسب خلقَهم وجَمْعَ بِنييهم باللُّطف قَتْلُهم وفكُّ تركيبهم بالقهر حيث تقابَلا.
والنفسُ هاهنا هي هذه البِنيةُ الإنسانيَّة، والقتلُ هو إزهاقُ الروح.
وحُمل قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ على الظاهر وهو النَّجْع؛ أي: قتل أحدٍ نفسَه، ويجوز أن يكون على التجوُّز بجَعل المقتولِ نفسَ القاتل؛ لِمَا (^٢) بينهما من التعلُّق والاتحاد في الاعتقاد، قيل: أُمروا أن يقتل بعضُهم بالسيف بعضًا، وقيل: مَن لم يعبدِ العجل أن يقتل العبَدةَ.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: ذلك القتلُ والرجوعُ أنفعُ لكم من الحياة بالإصرار المؤدِّي إلي العذاب المخلَّد في النار، ولمَّا كان ظهور نفعِه في الآخرة بالحياة الأبدية والبهجةِ السَّرْمديَّة نبَّه عليه بقوله:
﴿عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ وإعادة ﴿بَارِئِكُمْ﴾ كإعادة (الحق) في قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥].
_________________
(١) في "ف": (من بين).
(٢) في "ك" و"م": (بما).
[ ١ / ١٨٥ ]
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ إخبار بالتوبة، وعطفٌ على محذوفٍ؛ أي: فامتثَلْتُم ذلك فتاب عليكم.
وهاتان الجملتان مندرِجتان تحت الإضافة إلى الظرف الذي تقدَّم، والْتِفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، حيث عبَّر عنهم بطريق الغيبة بلفظ (قومه)، وأمَّا اندارجُه تحت قول موسى ﵇ على تقدير شرطٍ محذوف؛ أي: إنْ فعلتُم، ففيه أنَّ دخول الفاء الجزائية على الماضي المتصرِّف من غير (قد) غيرُ جائزٍ، وإضمارُها ضعيف، وحذفُ فعل الشرط وأداتهِ معًا وإبقاءُ الجواب مما نُوزع في صحته.
﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ المبالغةُ في الوصف الأول لكثرة توفيقه تعالى في (^١) التوبة وقبولها مرةً بعد أخرى، والمبالغةُ في الوصف الثاني لعدم الاستعجال في أمر العقوبة، والإهمالِ إلى زمان التوبة بدءًا وعودًا.
(٥٥) - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى﴾ يعدِّدُ عليهم ما صدر عنهم من سوء الاقتراح، وفي ندائهم موسى كليمِ الله باسمه دليلٌ على سوء أدبهم معه، وقد تكرَّر ذلك منهم.
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ تعديَةُ الإيمان باللام باعتبارِ تَضْمينهِ (^٢) معنى الوثوق.
وما قيل: أي: لأجل قولك، يأباه قوله: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ لأنَّ عدم إيمانهم لأَجْل قوله لا ينتهىِ عند رؤيته تعالى بل يستمر.
_________________
(١) كلمة (في) ليست في "د" و"م" و"ك"، وكلمة (تعالى) ليست في "ح" و"ف".
(٢) في "ك": (تضمنه).
[ ١ / ١٨٦ ]
والرؤية بصَريَّةٌ، وأكِّدت بقوله: ﴿جَهْرَةً﴾ - أي: غيرَ مستترٍ عنا بشيءٍ - مبالغةً في الإبصار، وانتَصَب على المصدر (^١) لأنها نوعٌ من الرؤية، أو على الحال بمعنى ذوي جهرةٍ.
وقرئ: (جهَرةً) (^٢) بفتح الهاء، وهي إمَّا مصدرٌ كالغلبة، وإمَّا جمعُ جاهرٍ.
وأوجَهُ الأوجُهِ هو أن يكونَ بمعنى (جَهْرة) لأنَّ كلَّ اسم كان ثانيهِ من حروف الحلْق يجوز تحريكُه قياسًا مطَّردًا كبَحْر وبَحَر، ونَهْر ونَهَر، والأصل في القراءتين التَّوافُقُ.
والجهرُ حقيقة في ظهور الشيء بإفراطٍ صوتًا (^٣) كان أو غيرَه.
والقائلون هم النُّقباءُ السبعون الذين خرج بهم موسى ﵇ إلى الطُّور.
وقيل: قاله عشرةُ آلافٍ منهم.
والمؤمَنُ به: أن هذا كتابُ الله تعالى، وأنك سمعتَ كلامه، وأنَّه أَمَرنا بقبوله والعملِ به.
﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ لا لاستحالة المسئول، بل لأنهم لم يَسألوا سؤالَ استرشادٍ (^٤)، بل سألوا سؤالَ تعنُّتٍ، وأساؤوا الأدب في السؤال حيث قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾.
والصاعقة: كلُّ أمرٍ هائلٍ مميتٍ، أو مزيلٍ للعقل والفهمِ غالبًا، والمراد: الصيحةُ
_________________
(١) في "ك": (المصدرية).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥).
(٣) في "ك": (صورة).
(٤) في "م" و"ك": (لم يسألوا الرسول استرشادا).
[ ١ / ١٨٧ ]
الهائلةُ الحاصلةُ بالرجفة؛ لقوله (^١) تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] وأصلها: الاضطراب، فخرُّوا صَعِقينَ ميتين يومًا وليلة.
﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ دلَّ هذا على أنها جاءتهم مُعاينةً بالنهار وهم أيقاظٌ يُبصرونها، وذلك أقطعُ وأشدُّ وقعًا.
(٥٦) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ البعثُ: إثارةُ الباركِ والنائمِ عن مكانه، ونشرُ الميت كبعثِ النائمِ، فالتقييدُ بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ - أي: بسبب الصاعقة - لتعيينِ المراد ودَفعِ الاشتِباه.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ البعث، أو نعمةَ الهداية بعد الضلالة.
(٥٧) - ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾؛ أي: وجَعلْنا الغمامَ يُظلُّكم، وذلك في التِّيه سخَّر الله تعالى لهم السحابَ يسيرُ بسَيرِهم يظلُّهم (^٢) من الشمسِ.
والظلُّ في اللُّغة: السَّترُ.
والغمامُ: جمع غمامةٍ، وهي ما ابيضَّ من السحاب، سمِّي بها لستره، فإن كلَّ ما يَستر شيئًا فهو غمَّةٌ.
_________________
(١) في "م" و"ك": (بقوله).
(٢) في "ك": (السحاب يسترهم ويظلهم).
[ ١ / ١٨٨ ]
﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ هو التَّرنجبينُ، وكان ينزل كهيئةِ الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
﴿وَالسَّلْوَى﴾ هو السُّمَانَى، وكانت ريحُ الجَنوب تحشرُه عليهم.
﴿كُلُوا﴾ على إرادة القول ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من المشتهَيَات الخاليات عن الأدواء والمَضرَّات، وعن الحُرمة والكراهة؛ لأن أمر الإباحة لا يتناولُهما.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ؛ أي: فظلموا بكُفرانهم هذه النِّعم وما ظلَمونا، فالواوُ فصيحةٌ.
ولمَّا أَخبر عن وقوع الظلم، ونَفَى أن يصل إليه، تشوَّقت (^١) النفسُ إلى ذكرِ مَن وقع به الظلمُ، واتَّصل به ضررُه، فاستدرك بيانَه فقال:
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فتقديمُ المفعول للتخصيص، والجمعُ بين (كان) وصيغةِ المضارع للدلالة على الاستمرار التجدُّديِّ.
(٥٨) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا﴾ الدخول: الانتقال من العورة إلى الحصن (^٢).
﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ هو كقولك: هذا المالُ، وذاك الرجلُ، تنبيهًا على كماله، فإن الشيء إذا عظُم أمرُه يُوصف باسمِ جنسه.
_________________
(١) في "ك": (تشوفت)، والمعنى متقارب.
(٢) تقدم نحو هذا عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢] فانظره لزاما.
[ ١ / ١٨٩ ]
والقرية: الأبنيةُ التي هي مجتمَعُ الناس، من قولك: قريتُ الماءَ في الحوض؛ أي: جمعتُه.
والمراد بالقرية هنا: بيتُ المقدس.
وقيل: إيلياء، وهي البلدةُ التي فيها بيتُ المقدس.
وقيل: أريحا، وهي بقربِ بيت المقدس.
أُمروا به بعد التِّيهِ، وقد أُمروا بالدخول في الأرض المقدَّسة مرةً (^١) أخرى، وذلك الأمرُ قبل التِّيه، دل على ذلك ما في سورة المائدة من ترتيبِ التِّيه على عدم امتثالهم بهذا الأمر.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أي: أَبَحْنا لكم ووسَّعْنا عليكم، فتعيَّشوا فيها أين شئتُم بلا تضييقٍ ولا منعٍ، وذُكر الأكلُ لأنَّه معظَمُ المقصود.
والفاءُ أفادَ تَسبُّب (^٢) دخولهم للأكل منها؛ لأنَّه كنايةٌ عن استيلائهم عليهم، وهو سببُ المِلك المعبَّرِ عنه بالأكل.
﴿رَغَدًا﴾ واسعًا، نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، ويجوز أن يكون في موضعِ الحال.
﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ يعني: بابَ القرية، قال مجاهد والسدِّيُّ: هو البابُ الثامن من بيت المقدس، يُعرف اليوم بـ: باب حِطَّة.
والأمرُ على لسانِ يوشَعِ بن نونٍ ﵇، فلا ينافي عدمَ دخولهم بيتَ المقدس في حياة موسى ﵇.
﴿سُجَّدًا﴾ أُمروا بالسجود عند الانتهاءِ إلى الباب شكرًا للهِ تعالى وتواضُعًا.
_________________
(١) بعدها في (م) زيادة: (بعد).
(٢) في "ك": (سبب).
[ ١ / ١٩٠ ]
وقيل: أُمروا بالدخول بخشوعٍ وإخباتٍ.
﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فِعْلة مِن الحَطِّ، وهو إنزالُ الشيء مِن عُلوٍ.
وحطُّ الذَّنبِ: إسقاطُه، وهو كإلقاءِ الحَملِ عن الظهر، وحَطَّ حَطًّا متعدٍّ، وحَطَّ حُطوطًا لازمٌ.
وهي خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: مسألتُنا حِطَّةٌ، أو: أمرُكَ حِطَّةٌ، والأصلُ النَّصبُ بمعنى: حُطَّ عنَّا ذنوبَنا حِطَّةً، وإنما رُفعتْ لتعطيَ معنى الثَّباتِ.
وقُرئ بالنصب على الأصل (^١) على أنه مفعولُ (قولوا).
وقيل: معناه: أمرُنا حطةٌ؛ أي: أن نَحُطَّ في هذه القريةِ ونُقيمَ بها.
﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ جواب الأمر، مترتِّبٌ على دخول الباب بقيدِ السجود وقولِ: ﴿حِطَّةٌ﴾.
الغَفْرُ والغُفْرانُ والمغفرةُ: السترُ، ومنه الجمُّ الغَفيرُ: الجمعُ الكثيرُ الذي يَستر بعضُه بعضًا.
والخطايا: جمع خطيئةٍ بمعنى الإثم، يقال: خَطِئَ: إذا أَثِمَ متعمِّدًا، وأخطأ: إذا لم يتعمَّدْ.
﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ثوابًا، يعني: مَن كان خاطئًا غفرْنا له خطاياه، ومَن كان مُحسنًا زِدْنا في عطاياه، ففي الكلام جمعٌ وتفريقٌ.
أمَّا عدمُ انْجِزامِ (سنزيدُ) مع عطفه على مجزومٍ فلِخروجه عن صورة الجواب بدخول السين المانعةِ عن (^٢) الانجزام.
_________________
(١) تنسب لابن أبي عبلة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥).
(٢) في "م" و"ك": (من).
[ ١ / ١٩١ ]
ونكتةُ الإخراج الدلالةُ على أنه يُفعل البتةَ؛ لأن تلك الزيادةَ إذا (^١) كانت عن وعدِ الله تعالى كانت أقطعَ مما إذا كانت مسبَّبةً عن فِعْلِهم.
(٥٩) - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وُضع المظهَرُ موضعَ المضمَرِ ليدلَّ على أن التبديل ظلمٌ، أو مسبَّبٌ عن ظلمِهم وعادتِهم في وضع الأشياء غيرَ مواضعها، وأن المبدِّلين بعضُهم لا كلُّهم.
﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: أمر وا بقولٍ معناه التوبةُ والاستغفارُ، فبدَّلوا به قولًا معناه غيرَ ذلك (^٢)، وليس الغرض أنهم أُمروا بلفظةٍ معيَّنةٍ فجاؤوا بغيرها؛ لأنهم لو قالوا مكان ﴿حِطَّةٌ﴾: نستغفرُك ونتوبُ إليك، وما أشبهَ ذلك ولم يؤاخَذوا به ولم يعذَّبوا.
وقيل: قالوا مكانَ ﴿حِطَّةٌ﴾: حنطةٌ، استهزاءً وإعراضًا عن طلبِ ما عند اللهِ تعالى إلى طلبِ ما اشتَهَتْ نفوسُهم.
﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الإظهارُ في موضعِ الإضمار للتَّنصيص على عدمِ تَعَدِّي العذابِ عن الذين ظلموا إلى غيرهم، فإنَّ منه ما يتعدَّى إلى غير الظالم على ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]،
_________________
(١) في "م": (إن).
(٢) في "م": (غيره)، وسقطت كلمهَ (ذلك) من "ح" و"د" و"ف"، والمثبت من "ك".
[ ١ / ١٩٢ ]
وأما الإشعارُ بأن الإنزال عليهم بظلمهم المذكور فقد حصل من الفاء الدالة على التسبُّب فيما تقدم.
﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ عذابًا في غايةِ الاشتدادِ، خارجًا عن حدِّ المعتاد، فإن النسبة إلى السماء للإشارةِ إلى هذا المعنى، رُوي أنه مات منهم بالطاعون في ساعةٍ واحدةٍ (^١) أربعةٌ وعشرون ألفًا، وقيل: سبعون ألفًا.
وهاهنا وجهٌ آخرُ وهو أن العذاب ضربان: ضربٌ يحصل بالأسباب (^٢) الظاهرة فيُظنُّ أنه يمكن دفاعه كالهدم والغرق، وضربٌ يحصل بأسبابٍ غير ظاهرةٍ فلا يُظن أنه يمكن دفاعه كالطاعون والصاعقة، وقد شاع في متعارَف الناس نسبةُ هذا الضرب إلى السماء.
والرِّجز إنما يطلق على العذاب الموجِب للاضطراب، يقال: ارتَجز، إذا ارتَعش.
﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب اعتيادهم بالخروج عن الطاعة.
(٦٠) - ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ الاستسقاء: طلبُ السَّقْي أو الإسقاء (^٣)، والسَّقْيُ:
_________________
(١) في "م" و"ك": (الساعة الواحدة).
(٢) في "م": (بالأشياء).
(٣) في "ك": (الاستقاء).
[ ١ / ١٩٣ ]
أن يجعل له ما يشربُه، والإسقاءُ: التعريضُ للماء وجعلُه له ليتناوله (^١) متى أراد، فهو أخصُّ معنًى من السَّقْي.
وقد دلَّ ذلك على أنهم عطشوا واشتدَّ حاجتُهم إلى الماء، وكان العطش والتضليل (^٢) في التِّيه، ودخولُ القرية بعدها، ولم يراعَ الترتيب في ذكرها لأن المقصود تعديدُ النعم (^٣) والتقريعُ على كفرانها نعمةً نعمةً على التفصيل، والتفريقُ أدلُّ على ذلك؛ لأنها لو وردت مرتَّبةً كانت قصةً واحدةً، فيُظنُّ أن المراد ذكرُ نعمةٍ واحدةٍ.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ كانت عصاه من آسِ الجنة وله شعبتان تتَّقدان في الظُّلمة، واللام في ﴿الْحَجَرَ﴾ للعهد على ما رُوي أنه كان حجرًا أَهبطه آدم ﵇ من الجنة، فوقع (^٤) إلى شعيبٍ ﵇، فأعطاه إليه مع العصا.
أو حجرًا طُوريًا حمله معه (^٥).
أو الحجر الذي فرَّ بثوبه لمَّا وضعه عليه ليغتسل وبرَّأه الله تعالى به عمَّا رمَوه [به] من الأُدْرة (^٦)، فأشار إليه جبريل ﵇ بحمله.
_________________
(١) في "م" و"ك": (يتناوله).
(٢) قوله: (والتضليل) من "د".
(٣) في النسخ عدا "م": (تقدير النعم)، والمثبت من "م"، وجاء في هامشها وهامش "د": (مبنى هذا على أن الأبناء ممنونة بنعمة الآباء على ما تقدم بيانه. منه).
(٤) في "م": (فرفع)، وفي "ك": (فدفع).
(٥) في النسخ عدا "م": (منه)، والمثبت من "م".
(٦) في "ك": (لما رموه بالأدرة)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"، وما بين معكوفتين منه.
[ ١ / ١٩٤ ]
أو للجنس على ما قيل: لم يأمره أن يضرب حجرًا معيَّنًا، ولكنْ لمَّا قالوا: كيف بنا لو أَفضينا إلى أرضٍ لا حجر بها؟! حمل حجرًا في مِخْلاته، وهذا أظهرُ في الحجة، والأول أنسبُ لتعريف قَرينه.
قال ابن عطيةَ: لا خلاف أنه كان حجرًا منفصِلًا مربَّعًا، تطَّردُ من كل جهةٍ ثلاثةُ عيون إذا ضربه موسى ﵇، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفَّت العيون (^١).
وإياك أن تتوهَّم أن هذا من قبيل ما يستنِدُ إلى الطبائع من الخواص؛ كجذب بعض الأحجار الحديدَ، وحلقِ بعضِها الشعرَ؛ لأنَّه لا يتبع الإرادة والحاجة، والحقُّ أن فتح باب أمثالِ هذا التوجيه الباطل في خوارق العادات الصادرةِ عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم سعيٌ في سد طريق دلالة المعجزة على صدق النبوة.
﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ متعلِّق بمحذوف يُفصح عنه الفاءُ الفصيحة، تقديره: فضَرب فانفجرت، ونكتةُ الحذف: الدلالةُ على سرعة الامتثال، وظهورِ الأثر في الحال، وعلى أنَّ المقصود بالأمر أثرُ الضرب لا الضربُ نفسه، والإشارةُ إلى أن ترتُّب الانفجار وإن كان في الظاهر على ضرب موسى ﵇ لكنه في الحقيقة على أمر الله تعالى به وبتعليقه عليه.
والفَجْرُ: الشَّقُّ، ومنه: الفاجر؛ لأنَّه فَسَقَ فشَقَّ عصا المسلمين بخروجه إلى الفِسق.
والعين: الينبوع، وهي مؤنَّثة سماعًا، ونُصب على التمييز.
وجاز اجتماعُ علامتي التأنيث في ﴿اثْنَتَىْ عَشْرَةَ﴾ لأنهما في شيئين.
_________________
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (١/ ١٥٢).
[ ١ / ١٩٥ ]
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ الأناس: اسم جمع لا واحد له من لفظه، والمراد: كلُّ سبط من أسباط بني إسرائيل، وكانوا على عدد العيون.
﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ المشرب: موضع الشرب، والعلمُ بموضعِ الشرب كنايةٌ عن عدم التجاوز عنه؛ كما يقال: فلان يعرف حده؛ أي: لا يَتجاوز عنه، ففي الكلام إيجاز بليغ حيث دل على سَبْق التعيين (^١) والتخصيص.
قيل: كانوا ستَّ مئةِ ألفٍ، وسعةُ العسكر اثني عشر ميلًا.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ على تقدير القول.
وقيل: الماء يَنبت منه الزرع والثمار، فهو رزق يؤكل منه ويشرب. ولا وجه له في هذا المقام؛ لأنهم في التِّيه ما كانوا يأكلون من زرع الماء وثمره.
(من رزق الله) من المنِّ والسلوى وماء العيون، (مِن) للابتداء أو للتبعيض، والرزق: المرزوق، والإسناد إلى الله تعالى لعدم التوقُّف على الكسب العادي، وإلا فالرزق كلُّه مستندٌ إليه تعالى خلقًا وإيجادًا.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لمَّا كان قد تهيَّأ لهم المأكولُ والمشروب من غيرِ تعبٍ نُهوا عن الفساد؛ إذ كان ذلك قد يدعو إليه؛ كما قال الشاعر:
إن الشبابَ والفراغَ والجِدَةْ … مَفْسدةٌ للمرءِ أيُّ مَفْسَدةْ (^٢)
والعِثِيُّ على ما ذُكر في "العين": أشدُّ الفساد (^٣)، والفسادُ: خروجُ الشيء عن أنْ يكونَ منتفَعًا به، وربما لا يكون منهيًّا بل يكون واجبًا؛ كهدم دُور المشركين وحرق
_________________
(١) في "م" و"ك": (اليقين).
(٢) البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه (ص: ٤٤٨).
(٣) انظر: "العين" (٢/ ٢٣١)، ولفظه: عثِي يعثَى في الأرض عِثِيًّا وعَثَيانًا: أفسد.
[ ١ / ١٩٦ ]
زروعهم، ولذلك قيِّد بقَصدِ (^١) الإفسادِ المستفادِ من قوله: ﴿مُفْسِدِينَ﴾، فإنَّ المفسِدَ مَن باشَرَ الفسادَ عَمْدًا، لا مَن صدر عنه الفسادُ مطلقًا ولو سهوًا.
وفائدةُ ما في مفهوم العِثِيِّ من الشدة: الدلالةُ على أنَّ أشدَّ الفساد غيرُ منهيٍّ إذا كان لمصلحةٍ فكيف (^٢) الفسادُ في الجملة (^٣).
قال الراغب: والعَيْثُ العِثِيُّ يتقاربان؛ نحو: جَذَبَ وجَبَذَ، إلا أنَّ العيثَ أكثرُ ما يقال فيما يُدرَكُ حِسًّا، والعُثُوَّ (^٤) فيما يدرَك حكمًا (^٥).
(٦١) - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ يعني: ما رزقوا به في التِّيه، قيل: كان
_________________
(١) في "م": (بقيد).
(٢) في النسخ عدا "م": (غير منتهي فكيف)، والمثبت من "م".
(٣) في هامش "ف" و"م": (من لم يتنبه لهذا قال: ورد الكلام نهيًا لهم عما كانوا عليه، وإلا فالفساد منكر منهي عنه كيف ما كان. منه). وفوقها في "ف": (كشاف وسعد الدين).
(٤) قوله: (والعثو) كذا في النسخ، والذي في "المفردات": (والعثي)، وهو الأنسب بالسياق وإن كان معناهما واحدًا.
(٥) انظر: "مفردات الراغب" (مادة: عثا).
[ ١ / ١٩٧ ]
ينزل عليهم المنُّ وحده، ثم ملُّوه فأُرسلت عليهم السلوى، وكان هذا الكلام منهم قبل نزول السلوى.
وقيل: أريد بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل، فلا ينافي التعدُّدَ.
﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ سَلْهُ لنا بدعائكَ إيَّاه وفي معنى التربية التي هي مأخَذُ الربِّ مناسَبةٌ للمقام.
﴿يُخْرِجْ لَنَا﴾ جزمٌ على أنه جوابُ ﴿فَادْعُ﴾، كأنهم طلبوا حصول ما طلبوه على سبيل خرق العادةِ؛ كنزول المنِّ والسلوى، ولذلك قالو ا: ﴿يُخْرِجْ﴾؛ أي: يُظهِرْ، ولم يقولوا: يُنبت.
وإنما كُرِّر (لنا) - مع أنَّ في الثاني منهما غنًى عن الأول - إظهارًا لصلة الدعاء النافع؛ اهتمامًا في شأنه.
﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ (مِن) للتبعيض، والإنبات: عمل طبيعةِ الأرض في تربية البذر ومادةُ النبات (^١) بتسخيرِ الله تعالى إياها وتدبيرِه، وذلك أمرٌ آخَرُ وراء إيجاده وإيجادِ أسبابه، والعملُ إنما يُسند حقيقةً إلى مَن باشرَه لا إلى مَن خلقه وأوجَدَه، فالمنبتُ والمولِّد والمصوِّر ونحو ذلك حقيقةً المباشرُ لأسباب (^٢) هذه الأعمالِ لا الباري تعالى، وإنما نُسب إليه كنسبةِ القتل والقطع والكسر إليه؛ لكونه الممكِّنَ منها.
﴿مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ تفسيرٌ وبيانٌ وقع موقعَ الحال من الضمير، تقديره: مما تنبتُ كائنًا من بقلها، أو بدلٌ بإعادة الجارِّ.
والبقل: كلُّ ما يؤكل مع الطعام مِن الخُضَرِ.
_________________
(١) في "ف": (الإنبات).
(٢) في "د" و"م": (بأسباب).
[ ١ / ١٩٨ ]
والفُومُ: الحنطةُ عند الأكثر، وقال مجاهد: الفوم: الخبز (^١)، يقال: فوِّموا لنا؛ أي: اختَبِزوا؛ قال الفرَّاء: هي لغةٌ قديمة (^٢).
وقيل: الثوم، ولا دلالة في قراءة: (وثومِها) (^٣) عليه؛ لأن الثاء تُبْدل من الفاء؛ كما قالوا: مغافيرُ ومغاثيرُ، وجَدَفٌ وجَدَثٌ، ولو كان المراد الثومَ لكان المناسبُ أن يُذكر بعد العدس (^٤).
والقثَّاء: جمع قُثَّاءةٍ وهو نوعٌ آخر من جنسِ الخيار، واختير صيغةُ الجمع هنا لفصاحتها، وأما معنى الجمعِ فقد بَطَل بالتعريف؛ لعدم مناسبة المقام.
قيل: كان القوم فلَّاحةً، فنزعوا إلى عَكَرهم واشتَهَوا ما أَلِفُوه.
﴿قَالَ﴾؛ أي: اللهُ، أو موسى ﵇؛ أي: دعا فأجابه الله تعالى لِمَا دعا، فقال الله تعالى - أو موسى ﵇ بإذنه -:
﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾؛ أي: أتطلبون تبديلَ الذي هو أدنى، والمنصوبُ هو الحاصل، والذي يَدخل عليه الباء هو الزائلُ، و(أدنى) أفعلُ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ١٦).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤١).
(٣) تنسب لابن مسعود ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦).
(٤) قوله: (لكان المناسب أن يذكر بعد العدس) كذا قال، ولم يَذكر السبب، ولعله يريد أن المناسب ذكره مع البصل لاقترانهما في العادة والأخبار، ولم يشترط غيرُه هذا الشرط لترجيح وجه الثوم، قال الآلوسي في "روح المعاني" (٢/ ٢٠٦): هو بالعدس والبصل أوفق. وقال أبو حيان في "البحر" (٢/ ١٢٧): وهو المناسب للبقل والعدس والبصل. وقال القرطبي في "تفسيره" (٢/ ١٤٦): قيل: هو الثوم لأنَّه المشاكل للبصل.
[ ١ / ١٩٩ ]
تفضيلٍ من الدنوِّ المستعار من القرب المكانيِّ للخسَّة؛ كالقرب المستعارِ للشرف والرِّفعة (^١)، أو من الدُّون وهو الرديءُ، فقُلب، أو أصله: أدنأ، فسُهِّلت همزتُه بإبدالها أَلِفًا من الدَّناءة، وقد قُرئ بالهمزة (^٢).
﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (^٣) المنُّ والسلوى، وإنما كان خيرًا لحصوله بلا تعبٍ، ووصوله من جهة الربِّ تشريفًا، وخلوصِه عن شبهة الخطر، وكونه ذا خطر بخلافِ البقول.
﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ انحدِروا إليه، فإن القادم على خطرٍ كأنه منصبٌّ عليه، والمِصرُ: البلد العظيم؛ أي: انزلوا بعضَ الأمصار إن كنتم تريدون هذه الأشياء.
ويحتمل أن يريد العَلَم؛ أعني: مصرَ فرعون وصرفُه لعدم سببٍ آخر على إرادة البلد، أو لسكونِ وسطه، ويؤيده أنه غيرُ منوَّنٍ في مصحف أبيٍّ وقراءةِ ابن مسعود (^٤).
وقيل: أصلُه: مصرائيم، فعرِّب، ولصرفه حينئذٍ وجهٌ آخر، وهو أنه لا اعتداد بالعُجمة؛ لوجود التعريب والتصرُّف.
﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ لمَّا كان هذا في قوةِ قوله: فوجدوا ما سألوهم، عُطف
_________________
(١) قوله: (كالقرب ..)، كذا قال، والصواب: (كالبعد)، فهو المستعار للشرف، فيقال: بعيد المحل بعيد الهمة، يريدون الرفعة والعلو. وأما القرب فهو كالدنو يعبر به عن قلة المقدار كما قال الزمخشري، لا عن الشرف كما ذكر المؤلف. انظر: "الكشاف" (١/ ١٤٥)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ٨٤)، و"روح المعاني" (٢/ ٢٠٧).
(٢) تنسب لزهير الكسائي - ويعرف أيضًا بالفرقبي - كما في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦).
(٣) بعدها في "م": (يريد)، وفي "ك": (يريد به).
(٤) انظر: "تفسير الطبري" (٢/ ٢٥)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦)، و"الكشاف" (١/ ١٤٥)، و"المحرر الوجيز" (١/ ١٥٤)، و"البحر المحيط" (٢/ ١٣١).
[ ١ / ٢٠٠ ]
عليه قولُه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ وفي الجمع بينهما إشارةٌ إلى أن الذلَّةَ والمسكنةَ من روادفِ ما ابتغَوه من الزراعة والحراثة (^١)، وقد جاء في الخبر: "والذلُّ في أذناب البقر" (^٢).
والكلامُ كنايةٌ عن كونهم أذلَّاء متصاغرين، مبناها على الاستعارة: أمَّا في (الذلَّة) - تشبيهًا لها بالقبَّة - فهي مَكْنيَّةٌ، وإثبات الضرب تخييلي (^٣)، وأمَّا في الفعل - أعني: (ضُربتْ) تشبيهًا لإلصاق الذلة ولزومها بضرب الطين على الحائط - فتكون تصريحيةً تبَعيةً.
والذلَّة: فِعْلةٌ من الذُّلِّ، كأنها هيئةٌ وحالٌ.
والمسكنة: من المسكين، وقال الزَّجَّاج: هي مأخوذةٌ من السكون، وهي هنا ذلُّ الفقر وخضوعُه، وإن وجد يهوديٌّ غني (^٤) فلا يخلو من زي (^٥) الفقر ومهانته مخافةَ أن تضاعَفَ جزيتُهم.
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: رجعوا به؛ أي: لزمَهم ذلك، ومنه قولُه ﵇ في دعائه ومناجاته: "أبوء بنعمتك" (^٦)؛ أي: أُقرُّ بها وأُلزمها نفسي، هذا على ما ذكره الفرَّاء أن (باء) بمعنى: رجع.
_________________
(١) في "م" و"ك": (والحرث).
(٢) رواه ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٨٤) من حديث أنس ﵁ وقال: حديث منكر.
(٣) في "ك" و"م": (تخييل).
(٤) في "ك": (غنيًا).
(٥) في "ك": (يخلو من ذل)، وفي "م": (يخلو منه).
(٦) قطعة من دعاء النبي ﷺ، رواه البخاري (٦٣٠٦) من حديث شداد بن أوس ﵁، وفيه: "أبوء لك بنعمتك … ".
[ ١ / ٢٠١ ]
وقال (^١) الكسائي: ولا يكون (باء) إلا بشيء، إما بخيرٍ وإما بشرٍّ، ولا يكون لمطلَق الانصراف.
أو: حَلُّوا مبوَّأهم ومعهم غضبُ الله تعالى؛ أي: عقوبتُه، وقوله: (بغضبٍ) في محلِّ الحال؛ نحو: خرج بسيفه، واستعمالُ (باءَ) للتنبيه على أنَّ مكانهم الموافقَ يلزمُهم فيه غضبُ الله فكيف غيره من الأمكنة؟ وهذا على ما ذكره الراغب من أنَّ أصل البَوَاء: مساواةُ الأجزاء في المكان، خلاف النَّبْو الذي هو منافاتُها (^٢).
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما سبق من الضرب والبَوْء.
﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بسبب أنهم جمعوا بين الثبات على أصل الكفر والدوامِ عليه وبين تجدُّد أنواعه، والمراد من الآيات: المعجزات، أو الكتبُ المنزلة.
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ أنهم قتلوا شعيبًا وزكريا ويحيى وغيرَهم صلوات الله عليهم أجمعين.
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ليس احترازًا إذ لا يقع قتلُ نبي إلَّا بغير الحق، فهو قيد لازم، نحو: دعوت الله سميعًا، وجاء تعظيمًا للشُّنعة والذنبِ الذي أَتَوه.
وما قيل: معناه: أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم، يردُّه أنهم كانوا يقولون: هؤلاء كاذبون، وما أتوا به تمويهاتٌ وليست من الله تعالى، ويقتلونهم بهذا الاعتقاد الباطل.
﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ إشارةٌ إلى السبب المذكور، والباءُ في ﴿بِمَا﴾
_________________
(١) في "ك": (قال) بلا واو.
(٢) انظر: "مفردات الراغب" (مادة: باء).
[ ١ / ٢٠٢ ]
للسببية، فيكون بيانًا لسببِ السبب مبالغةً في جوابِ اجتنابِ المعصية والاعتداء، بأنهما يُفضيان إلى الكفر بالآيات، وقتلِ الأنبياء، وهما من أشنع القبائح.
ويجوز أن يكون ذلك تكريرًا للدلالة على أن ضرب الذلة والمسكنة، والبوءَ بالغضب، مسبَّبٌ عن أمورٍ كثيرةٍ كلُّ واحدٍ منها يوجب ذلك.
والعصيان والاعتداء هنا من الأفعال التي جعلت لازمةً، وتركت مفاعيلُها نَسيًا منسيًا.
والاعتداءُ وإن كان في أصل وضعِه تجاوُزُ الحد في كلِّ شيء، لكنَّ عرفَه الظلمُ والمعاصي، والعدول عن قوله: واعتدوا، لمثلِ ما مر من النكتةِ في قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
وأما التأكيدُ ثمةَ دون هنا: فلأن الكفر بالمعجزات الباهرة، وقتلَ الأنبياء المبعوثين بالبينات الظاهرة، مظنةُ أن يُستبعد، بخلافِ مطلَق العصيان والاعتداء.
(٦٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بألسنتهم من غير مواطأةِ القلوب، لا بد من هذا القيد (^١) ليدخلوا في عداد الكفرة وينتظموا معهم، فيصحَّ الإبدال والإخبار بأن مَن آمن منهم إيمانًا خالصًا فله كذا.
﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ يقال: هاد يهودُ: إذا دخل في اليهودية، ويهود من هاد بمعنى تاب، سمُّوا بذلك لمَّا تابوا من عبادة العجل.
_________________
(١) في "ح" و"ف": (التقييد).
[ ١ / ٢٠٣ ]
﴿وَالنَّصَارَى﴾ اختُلف في أصلها، والأقربُ ما قيل: إن المسيح ﵇ كان من قريةٍ يقال لها: نصران، فإمَّا أن سُمُّوا بها ثم جمعته العربُ على نصارى؛ نحو: سكران وسكارى، أو جعلوا منسوبين إليها ثم جمعت (^١)؛ نحو: مَهْريٍّ ومَهَارَى، كذا قال الراغب (^٢)، فالياء في نصرانيٍّ للنسبة إلى تلك القرية، أو إلى ذلك الجيل، أو للفرق بين اسم الجمع والواحد كما في اليهوديِّ والمجوسيِّ.
﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ الصابئ مِن صبأ: إذا خرج من الدِّين، وهم قومٌ خرجوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة أو الكواكب (^٣).
﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ في محلِّ النصب بدلٌ من اسم (إنَّ) وما عُطف عليه، وخبر (إنَّ): ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ودخولُ الفاء لتضمُّن الموصول معنى الشرط.
أو في محل الرفع بالابتداء وخبره: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾، والجملة خبر (إنَّ).
والمعنى: مَن آمَنَ مِن هؤلاء الكفرة إيمانًا صادقًا، مصدِّقًا بقلبه بجميع ما يجب تصديقُه (^٤)، عاملًا بمقتضَى شرع نبيِّ أرسل إليه.
وما قيل في تفسيره (^٥): مَن كان منهم في دينه قبل أن يُنسخ، لا يناسب المقام؛ لِمَا عرفتَ أن المراد من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: المنافقون، والصابئون لم يَثبت لهم دينٌ سماويٌّ، ولذلك اختُلف في حلِّ نكاحهن.
_________________
(١) في "ك": (جعلت).
(٢) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ٢١٤).
(٣) في (م) و(ك): "أو الكواكب".
(٤) بعدها في "م": (به).
(٥) (في تفسيره) من "م" و"ك".
[ ١ / ٢٠٤ ]
﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾؛ أي: ثوابُ إيمانهم وعملِهم الصالح، سمَّاه أجرًا لأنَّه جزاءُ عمله بوعده الصادق فضلًا منه.
وترتيبُ الحكم على الموصول دلَّ على أن الاستحقاق له مسبَّب عمَّا ذكر في الصلة من الإيمان العمل الصالح مقدَّر بحَسَبه، والجملة اعتراض بين خطابي بني إسرائيل.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ كناية عن كون ذلك الأجرِ مأمونًا عن (^١) الضياع لكونه عند أمينٍ حافظ.
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ أي: لا ينالُهم خوفٌ ولا يصيبهم حزنٌ في الآخرة؛ لأنهم يصيرون إلى النعيم المقيم والأمن الدائم.
والتنكير في الخوف للتقليل، وفي قوله: ﴿وَلَا هُمْ﴾ دلالةٌ على ثبوت الحزن لغيرهم.
(٦٣) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ بالعمل على ما في التوراة، والدليل على اختصاصه قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾؛ أي: حتى قبلتُم وأعطيتُم الميثاق.
والميثاق مِفْعالٌ من وَثِقَ يَثِقُ، مثل ميزانٍ من وَزَنَ يَزِنُ، وحِّد وإنْ أُضيف إلى الجمع تنبيهًا على أن المأخوذ على الكلِّ ميثاقٌ واحد.
_________________
(١) في "م" و"ك": (من).
[ ١ / ٢٠٥ ]
قال الواحديُّ: (الطور): الجبل بالسُّريانيَّة، وقد تكلَّمت به العرب (^١).
وقيل: عَلَمٌ للجبل الذي ناجى عليه الله تعالى موسى ﵇، وهو المراد هنا.
﴿خُذُوا﴾ على إرادة القول.
﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾؛ أي: التوراةَ.
﴿بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: بجِدٍّ واجتهاد، امتَنعوا من أخذ التوراة والتزامِ أحكامها الشاقة، فأُكرهوا على ذلك برفع الطور فوقهم.
﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ أمرٌ بحفظه وعدمِ تَناسِيه قولًا وعملًا.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قد مر في تفسير ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢] ما يُغني عن بسط الكلام في هذا المقام، بتوضيح المرام وردِّ الأوهام.
* * *
(٦٤) - ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: أعرضْتُم عن الوفاء بالميثاق بعد أَخْذِه على الكيفية المذكورة، وفي كلمة ﴿ثُمَّ﴾ إشارةٌ إلى أن الإعراض بعد تأكيد الميثاق بما ذُكر أمر بعيد، ورشَّحه عبارة ﴿ذَلِكَ﴾.
﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بقبول التوراة ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بالعفو عن الزلَّة.
_________________
(١) انظر: "الوسيط" للواحدي (١/ ١٥٠).
[ ١ / ٢٠٦ ]
وارتفاع ﴿فَضْلُ﴾ على الابتداء، و﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلقٌ بـ ﴿فَضْلُ﴾ والخبر محذوف واجبُ الحذف على المختارِ لدلالةِ الجواب عليه.
﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: من المغبونِينَ بالوقوع في العذاب وحرمانِ الثواب، جوابُ (لولا)، وكثُر دخول اللام عليه إذا كان موجَبًا.
و(لو) في الأصل لامتناع الشيء لامتناعِ غيره، فإذا دخل على (لا) أفاد إثباتًا، وهو امتناع الشيء لثبوت غيره، والتفريغ المستفاد من الفاء باعتبارِ أنَّ في مدخولها دلالةً على أنهم كانوا على شرف الخُسران لولا تدارُكُ فضل الله تعالى، وذلك مسبَّبٌ عما تقدَّم ذكره من أحوالهم القبيحة.
* * *
(٦٥) - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ اللامُ موطِّئةٌ للقسَم، مسهِّلةٌ لتفهيم (^١) جوابه على السامع.
و(عَلِمَ) هنا تعدَّى إلى واحدٍ، يعني: قد عرفتُم أصحاب السبت وما أحلَلْنا بهم من النَّكال في الدنيا بالمسخ حين اعتدَوا بالاصطياد يوم السبت، فلم يكن تأخيرنا العقوبةَ عن أسلافكم الذين كانوا قبلكم على عصيانهم ونقضِهم ميثاقَهم للعجز عن تعجيل ذلك، بل فضلًا ورحمةً، ولو شئنا لعاجَلْنا لهم بما عاجلْنا به أصحاب السبت، فيكون هذا التذكيرُ لتقرير ما ذُكر من أنَّ نجاتهم عن الخسران بمَحْضِ فضلِ الله تعالى ورحمته.
﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾؛ أي: الذين جاوَزوا الحدَّ الذي حُدَّ لهم مِن ترك الصيد يوم السبت من أسلافكم، وهو يومٌ معروفٌ سمِّي به لأنَّه سُبِتَ فيه خَلْقُ
_________________
(١) في "ح" و"ك" و"ف": (لتفهم).
[ ١ / ٢٠٧ ]
كلِّ شيء؛ أي: قُطع وتُمم وأصل السبت: القطع، ومنه السُّبات لأنَّه يقطعُ الأفعال الاختيارية، واليهود يَسبِتون فيه؛ أي: يقطعون الأعمال.
وقيل: هو مأخوذ من السُّبوت الذي هو الراحةُ والدَّعَةُ، والسبتُ هنا مصدر سَبَتَت اليهود: إذا عظَّمت السبتَ، فمعنى ﴿فِي السَّبْتِ﴾: في تعظيم يوم السبت (^١)، وتعظيمُه عبارةٌ عن ترك العادات، والاشتغالِ بالعبادات (^٢)، والإعراضُ عما يؤدِّي إلى ما يؤذي الحيوانات داخلٌ في حدِّه.
وذكرُ الموصول مع الصلة يفيدُ تعلُّق العلم بالوصف المذكور الموجبِ للمسخ المذكور لا بذواتهم، وتفصيلُ القصة يأتي في سورة الأعراف بإذن الله تعالى.
﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ مجازٌ لتعلُّق إرادة لله تعالى بمسخهم في آنٍ واحد.
والقِرَدةُ: جمع قردٍ، كالدِّيَكةِ جمع ديكٍ، والقياسُ في فِعْلٍ الاسمِ: فُعولٌ؛ نحو: قرود، وجمعُه على فِعَلةٍ لا يَنْقاس.
﴿خَاسِئِينَ﴾ خبرٌ آخر لـ ﴿كُونُوا﴾، أو صفةٌ لـ ﴿قِرَدَةً﴾ باعتبارِ أنهم كانوا من العُقلاء؛ أي: جامعِينَ بين القِرْديَّة والخُسوءِ، وهو الصَّغارُ والطَّردُ، وفعله خسأ يجيء متعديًا ولازمًا.
* * *
(٦٦) - ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
والضمير في ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ للمَسخة.
_________________
(١) في هامش "د" و"ف" و"م": (كأن صاحب الكشاف غفل عن هذا، فلذلك تكلف في تصحيح معنى الظرفية. منه).
(٢) في "ف": (والانتقال للعبادات)، وفي "ح" و"د" و"م": (والاشتغال للعبادات)، والمثبت من "ك".
[ ١ / ٢٠٨ ]
﴿نَكَالًا﴾ النَّكال: العقوبة الغليظةُ المنكِّلة للغير؛ أي: المانعة من الذنب، فإنَّ أصله المنع، ومنه النكلُ للقيد واللِّجام؟
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ مَن يأتي بعدها ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ مَن تقدَّمَها وُجودًا، والتقدُّمُ بحَسَب الوجود لا ينافي حضورَ المتقدِّم عند المتأخِّر.
أو: ما بحضرتها وما بعدها فظرفا المكان مستعاران للزمان وأنَّ (ما) أُقيمت موقعَ (مَن) لا تحقيرًا لشأنهم لأنَّه لا يناسب المقام، بل لاعتبارِ وصفِ المعتبَرِين.
﴿وَمَوْعِظَةً﴾ مَفْعِلةً من الاتِّعاظ والانْزِجار، والوعظُ: التَّخويفُ، والعِظَةُ: الاسم.
﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ لكلِّ مَن اعتَبر بها (^١) واتَّقى؛ أي: لم يفعل ذلك قصدًا للتشفِّي كفعل الآدميينَ، بل لمصلحة العباد.
* * *
(٦٧) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ أولُ هذه القصة قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] وإنما فُكَّ عنه أول القصة وأُخرج مخرج (^٢) الاستئناف كأنه قصةٌ مستقلةٌ، بالتقريع (^٣) على القتل والتدافُع، والتنبيهِ على القدرة
_________________
(١) في (م): "اعتبرها".
(٢) في "د": (وإنما فكت عنه وأخرج إلى القصة مخرج).
(٣) في "ح" و"ف" و"م": (بالتفريع).
[ ١ / ٢٠٩ ]
في إحياء الميت والإعجاز، وقدِّم آخرُها لاستقلاله بنوعٍ آخر من مساويهم، وهو الاستهزاءُ بالأمر، والاستقصاءُ في السؤال، وتركُ المسارَعة إلى الامتثال، ولذلك لم يقل: قال موسى لقومه يا قوم، كما قال فيما تقدم، فإنه لمَّا كان جوابَ سؤالٍ لا ابتداءَ خطابٍ لم يناسب التصديرَ بالنداء، ثم أضمر في الثانية ضمير البقرة ليدلَّ بهذا الربط أنها قصةٌ واحدةٌ، وفيما يراد منها من التقريع والتعيير قصتان، ولو أُوردت مسرودةً على الترتيب لأَمْكن أن يُغفل عن ذلك.
وقصتُه: أنه كان فيهم شيخٌ موسِر، فقتله بنو عمِّه طمعًا في ميراثه، وطرَحوه على باب المدينة، ثم جاؤوا يطالبون بدمِه، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرةً ويَضربوه ببعضها ليَحْيَى فيُخبِرَ بقاتله.
والبقرُ اسمٌ للأنثى، واسم الذكر: الثور؛ مثل: ناقة وجمل.
وقيل: البقرة واحد البقر، الأنثى والذَّكر سواءٌ، وأصله من بَقَر؛ أي: شَقَّ، فالبقر يشقُّ الأرض بالحرث.
﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾؛ أي: أتجعلُنا نَفْسَ الهُزو؟! للمبالغةِ وفَرْطِ الاستهزاء، أو: أهلَ هُزء؟ أو: مكانَ هزء؟ أو: مهزوءًا بنا؟ للاختصار والإيجاز.
وأمَّا كونُ المفعول الأول جماعةً فلا دخل له في اقتضاءِ التأويلِ بالحذف، أو التجوُّزِ في المفرد أو الحكم؛ لأن ما أصلُه المصدرُ يجوز أن يكون خبرًا عن الاثنين وعن الجماعة؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١)
_________________
(١) في هامش "د" و"م": (قال صاحب الكشاف: جعل الرسول هنا بمعنى الرسالة، فجازت التسوية فيه - إذا وصف به - بين الواحد والتثنية والجمع. منه).
[ ١ / ٢١٠ ]
[الشعراء: ١٦] وقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] كيف بالمصدر (^١)؟
ظنُّوا أن موسى ﵇ يستهزئُ بهم ويداعبُهم (^٢)، قالوا: نخبرُك أن رجلًا منا قُتل فتقول لنا: اذبحوا بقرة؟! فيحتمل أن موسى ﵇ أمرهم بذبحها ولم يبيِّن المرادَ والثمرةَ بها في أول الأمر، فلذلك وقع هذا القولُ منهم موقعَ الهزءِ في بادئ نظرهم.
قيل: قُرئ: (أيتَّخذُنا) بالياء (^٣)؛ أي: اللهُ تعالى، ولا يناسبه قولُه تعالى:
﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ تبرَّأ عن الاستهزاء على وجهٍ أبلغَ، حيث عدَّه من الجهل واستعاذ منه استفظاعًا له، وذلك لكونه في مقام التبليغ والإرشاد، فلا يُنافي قصدَه في مقام الاحتقار والتهكُّم، بمثلِ: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] فمرجعُ الجهل هنا إلى عدم العلم بمقتضَى المقام، فلا حاجةَ إلى صَرْفه إلى معنى السَّفَه.
* * *
(٦٨) - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا﴾ قد مرَّ نظيرُه عن قريب.
﴿مَا هِيَ﴾ لمَّا رأوا ما أُمروا به على حالٍ ليست من أحوالِ جنس البقر اشْتَبَه
_________________
(١) من قوله: (وأما كون المفعول ..) إلى هنا وقع في "ك" و"م" بعد قوله الآتي: (غالبًا عن الجنس).
(٢) في "ح" و"ف": (ويراعيهم).
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦).
[ ١ / ٢١١ ]
عليهم وجهُ الامتثال، فلذلك قالوا (^١): ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ فإن الحاجة إلى البيان إنَّما تكون في موضع الاشتباه، والسؤالُ بـ (ما هي) يكون غالبًا عن الجنس.
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ﴾ إنما زِيدَ هذا كيلا يُتوهَّمَ أن ما ذُكر قولُ موسى ﵇، وقد رُوعِيَ هذه النكتةُ في مواضعَ من هذه القصة.
﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ﴾ تكرير الاسم (^٢) لتقرير المعنى المراد؛ دفعًا لاحتمالِ أن يراد جنسٌ آخرُ لغرابةِ ما ذُكر من الأثر كما سبق إلى وهم السائلين.
﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ صفةٌ للبقرة النكرة، وإذا وُصفت النكرة بما دخل عليه (لا) كُررت، وكذا الخبرُ والحالُ إلا ما نَدَر.
والفارض: المُسنَّة التي انقطَعَتْ ولادتُها من الكبر.
والبِكْر: الصغيرة التي لم تَلِدْ من الصغر.
﴿عَوَانٌ﴾: نَصَفٌ.
الفعل من الفارض: فَرَضَتْ تَفرِضُ فروضًا، ومن العوان عوَّنتْ تُعوِّن تعوينًا، ولم يُسمع من البِكر فعلٌ إلا أنَّ في تركيبها الأوَّليَّةُ، ومنه: البُكرةُ والباكورة، وإنما لم تدخل الهاءُ في هذه الصفاتِ للتأنيث؛ لأنها من خصائصِ أوصافِ الإناث، فصارت كالحائض والطالق.
﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بين البكر والفارض، ولم يقل: بين تينِكَ، ترجيحًا لمَا في عبارة (ذلك) من الفخامة على ما في (تينك) من الجناس مع بين، وقد مرَّ وجه التعبيرِ عن الاثنين بـ (ذلك) (^٣).
_________________
(١) في (م) و(ك): "قال".
(٢) (الاسم) من "م" و"ك".
(٣) في هامش "د" و"م": (فيه رد لصاحب الكشاف حيث توهم أن في العدول إلى (ذلك) على تأويل ما=
[ ١ / ٢١٢ ]
﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ (ما) موصولةٌ، والعائد محذوفٌ، وأصله: ما تؤمرون به؛ لأن الأمر يتعدى إلى المأمور بنفسه وإلى الفعل المطلوب بالباء، يقال: أمرته بكذا، ثم حُذف الجارُّ وأُوصل بنفسه، ثم حُذف المفعول به.
لا مصدريةٌ، أي: أمرَكم، بمعنى: مأمورَكم؛ لأن المصدر بمعنى المفعولِ شائعٌ، وأمَّا المصدر بمعنى المفعول به فقليلٌ جدًا (^١).
تجديدٌ للأمر، وتأكيدٌ وتنبيهٌ على ترك التعنُّت والمسارَعة إلى الامتثال، ولم يُجْدِ حيث أعادوا السؤال.
* * *
(٦٩) - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ الفُقوع: أشدُّ ما يكون من الصُّفرة وأنصعُه، واستعماله للتأكيد، يقال: أصفرُ فاقعٌ، وأحمرُ قانئٌ، وأخضرُ ناضرٌ، وأسودُ حالكٌ، وأبيضُ يَقَقٌ. فهذه التوابعُ تدل على شدَّة الوصفِ وخُلوصه.
وفي ارتفاعِ اللونِ بـ ﴿فَاقِعٌ﴾ مزيدُ تأكيدٍ لذلك، كأنه صفراءُ شديدُ الصُّفرةِ صُفرتُها، وعلى هذا لا تقِفْ على ﴿صَفْرَاءُ﴾ لئلا تفصلَ بين الصفة والموصوف.
_________________
(١) = ذكر اختصارًا، فإن مبناه الغفول عن أن العدول في الحقيقة عن (تينك) لا عن الفارض والبكر. منه).
(٢) انظر: "روح المعاني" (٢/ ٢٣٦)، وقد قال في تعليل استبعاد المصدرية: لأن ذلك في الحاصل بالسبك قليل وإنما كثر في صيغة المصدر. ولعله أوجه من تعليل المؤلف.
[ ١ / ٢١٣ ]
وإنْ جعلت ﴿صَفْرَاءُ﴾ بمعنى سوداءَ وقفْتَ عليها، ويكون الفُقوعُ بمعنى الخُلوصِ صفةُ اللون، كأنه قال: لونُها خالصٌ، على أنَّ ﴿فَاقِعٌ﴾ واقعٌ خبرًا عن اللون، فلم يقع تأكيدًا لـ ﴿صَفْرَاءُ﴾ حتى ينافيَ تفسيرَه بالسوداء.
﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾: أي: تَروقُ هذه البقرةُ مَن نَظَر إليها وتُعْجبُه وتُفْرحُ قلبَه؛ لتمام خَلْقها ولطافةِ شكلِها وحُسنِ لونها.
والسرور: لذَّةٌ في القلب عند حصولِ نَفْعٍ، أو توقُّعه، أو اندفاعِ ضرٍّ.
* * *
(٧٠) - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ طلبوا تمامَ (^١) الكشف ببيانِ ما يرفعُ الاشتِباهَ ويدفعُ الصِّدقَ على متعدِّدٍ، ولمَّا أرادوا التَّعيين الزائد على التعيين بالعوارض المشتركة، سألوا بـ (ما هي)، فكأنهم طلبوا ما في منزلة الذاتي المميَّز من الأوصاف المخصوصة بشخصٍ معيَّن.
﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ وقُرئ: (إنَّ الباقِرَ) (^٢) وهو اسم لجماعةِ البقر (^٣)، قال القرطبيُّ: البقر والباقر والبَيقور والبَقير لغاتٌ بمعنًى، والعربُ تذكِّرُه وتؤنِّثُه وإلى ذلك ترجع [معاني] القراءاتِ في ﴿تَشَابَهَ﴾ (^٤).
_________________
(١) في "ك" و"م": (إتمام).
(٢) عزاها ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧) لمحمد ذي الشامة، وهو محمد المعيطي، وعزاها ابن عطية في "المحرر الوجيز" (١/ ١٦٣) ليحيى بن يعمر وعكرمة.
(٣) قوله: (وهو اسم لجماعة البقر) من "م" و"ك".
(٤) انظر: "تفسير القرطبي" (٢/ ١٨٨)، وما بين معكوفتين منه.
[ ١ / ٢١٤ ]
﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ اعتذارًا عنه، ولم يقل: إنَّ البقرة تشابه علينا، إذ لم يُردْ تشابه المعهود، بل أُريدَ أن الأوصاف المذكورةَ صدَقت على جماعةٍ من الجنس المذكور، فأشكَلَ علينا الأمر فيها؛ للتشابُه والتشارُك في تلك الأوصاف.
وقرئ: (تشابَهَتْ) مخفَّفًا ومشدَّدًا، قال القرطبيُّ وفي مصحفِ أبيٍّ: (تشَّابَهَتْ) بتشديد الشين، قال أبو حاتم: وهو غلط؛ لأن التاء في هذا الباب لا تُدغم إلا في المضارع (^١).
وإنَّما ذكِّر الفعل لتذكير اللفظ؛ كقوله تعالى: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، وكلُّ جمعٍ حروفُه أقلُّ من حروفِ واحدِه جاز تذكيرُه، مثل: بقر ونخل وسحاب.
﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى البقرة المرادِ ذبحُها؛ لِمَا جاء في الحديث: "لو لم يَستثنوا لمَا بُيِّنتْ لهم آخِرَ الأبد" (^٢)؛ أي: لو لم يقولوا: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وإنَّما سُمِّيت استثناءً لصَرْفها الكلامَ عن الجزمِ، وعن الثبوت في الحال من حيث التعليقُ
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (٢/ ١٨٧). وذكر أبو حيان في "البحر" (٢/ ١٨٦) عن أبي أنه قرأ: (تشَابهت) بالتخفيف، أما قراءة التشديد فعزاها لابن أبي إسحاق، لكنه استبعد ذلك بقوله: وهذا لا يظن بابن أبي إسحاق، فإنه رأس في علم النحو، وممن أخذ النحو عن أصحاب أبي الأسود الدؤلي مستنبط علم النحو، وقد كان ابن أبي إسحاق يزري على العرب وعلى من يستشهد بكلامهم - كالفرزدق - إذا جاء في شعرهم ما ليس بالمشهور في كلام العرب، فكيف يقرأ قراءة لا وجه لها؟!
(٢) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (١٩٣ - تفسير) عن عكرمة مرفوعًا مرسلًا، والطبري في "تفسيره" (٢/ ٩٩) عن ابن جريج مرفوعًا معضلًا، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٤١) عن أبي هريرة مرفوعًا متصلًا، لكنه ضعيف لضعف سرور بن المغيرة الواسطي وعباد بن منصور، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: غريب، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة.
[ ١ / ٢١٥ ]
بما لا يعلمه المستثني، و(آخِرَ الأبد) كنايةٌ عن المبالغة في التأبيد، والمعنى: الأبد الذي هو آخِرُ الأوقات.
وتقدير الكلام: وإنا لمهتدون إن شاء الله، فقدِّم على ذكر الاهتداء اهتمامًا به، وحفظًا لرؤوس الآي.
ولا متمسَّك فيه لأصحابنا على أن الحوادث بإرادة الله تعالى؛ لأن دلالته على أن مراده تعالى واقعٌ، وأمَّا أن الواقع ليس إلا مرادَه فلا تعرُّضَ له (^١)، ولا على أن الأمر قد ينفكُّ عن الإرادة؛ لأن محل الخلاف الأمرُ التكليفيُّ، وهذا الأمر للإرشاد على ما يرشد إليه قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ ولا خلاف فيه.
* * *
(٧١) - ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ صفة لـ ﴿بَقَرَةٌ﴾؛ أي: لم تُذلَّل للكِرَاب، من الذلِّ بكسر الذال، وهو خلافُ الصعوبة؛ يقال: ذلَّت الدابَّةُ ذِلًّا فهي ذلولٌ، وذلَّ الرجل ذُلًّا - بضم الذال - فهو ذليل.
﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ صفةٌ لـ ﴿ذَلُولٌ﴾ داخلةٌ تحت النَّفي، والمقصود نفيُ إثارتها
_________________
(١) أقول فيه بحث أما أولًا فلأن قائل هذا القول لو لم يعلم أن الحوادث بإرادة الله تعالى لم يصح تعليقه بقوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ بل يصير تعليقه عبثًا فدل هذا التعليق على طريق البرهان على أن الحوادث بإرادة الله تعالى. وأما ثانيًا فلأن هذا الأمر تكليفي وإلا لما قيل ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ ولما قيل عقيبه ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ الآية ولما شددوا وشدد الله ولما امتثلوا حتمًا، فإن الامتثال في الإرشادي غير واجب وامتثالهم إنما هو بعلمهم بأن الأمر تكليفي وقولهم ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ لا يرشد على الإرشادي فإنه صادر منهم في بادئ نظرهم على ما صرح به. هداية الله. ويسمى مثل هذه الدلائل في عرف الأصول إشارة.
[ ١ / ٢١٦ ]
الأرضَ. ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ نفيٌ معادلٌ لقوله: ﴿لَا ذَلُولٌ﴾، والمعنى: أنها لم تذلَّل بالعمل في حرثٍ ولا سقي.
وقيل: (لا) في قوله: ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ زائدةٌ للتوكيد، وأن المعنى: لا ذلولٌ تُثير الأرضَ وتَسقي الحرثَ، والفعلان صفتان لـ ﴿ذَلُولٌ﴾ كأنه قيل: لا ذلولٌ مثيرةٌ وساقيةٌ، فيَلزم حينئذ الوصفُ بـ (لا) غيرِ مكرَّرةٍ، ولا مقابل منفي، وذلك لا يكون إلا في الشعر.
وقرئ: (لا ذلولَ) بالفتح على أنَّ (لا) لنفي الجنس، والخبرُ محذوف، والجملة صفةُ (ذلولَ) كناية عن نفي الذل عنه كما يقال: الذليل حيث هو كنايةٌ عن إثبات الذلِّ له.
والحرث: الأرضُ المهيَّأة للزرع، ومعنى الإثارةِ هنا: قلبُ الأرض للزراعة، يقال: أثَرْتُ الشيءَ واستثَرْتُه: إذا هيَّجْتَه.
﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ من العيوب؛ أي: سلَّمها الله تعالى، أو: من العمل؛ أي: سلَّمها أهلها، وقيل: مخْلَصة اللونِ، من سَلِمَ له كذا: إذا خَلُص له؛ أي: لم يَشُبْ صُفرتَها شيءٌ من الألوان، وَيرِدُ عليه أنَّ حق هذا البيان حينئذ أنْ يعقب السؤال السابق ويُذكر في آخر جوابه.
﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾؛ أي: لا علامة فيها تَشينُها.
وقيل: لا لون فيها يخالفُ لونَ جلدها، مأخوذٌ من وَشْي الثوب: إذا نُسج على لونَينِ مختلفين، يقال: فرسٌ أبلقُ، وكبشٌ أخرجُ، وتيسٌ أمرقُ، وغرابٌ أبقَعُ، وثورٌ أشيَهُ، كلُّ ذلك بمعنى البَلَقيَّة، وَيرِدُ على هذا ما وَرَدَ على المعنى الأخيرِ لـ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾.
﴿قَالُوا الْآنَ﴾ هو حدُّ الزمانينِ: الماضي والمستقبل، مبنيٌّ لتضمُّنه معنى الإشارةِ، تقديرُه: هذا الوقتَ.
[ ١ / ٢١٧ ]
﴿جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بما تحقَّقنا به، المراد: من البقرة، ففيه دلالةٌ على أنهم عرفوها بعينها، وروي أنَّه كان في بني إسرائيل شيخٌ صالح له عِجلةٌ، فأتى بها الغَيضة وقال: اللهم إني أَستودِعُكَها لابني حتى يكبرَ، وكان برًّا بوالديه، فشبَّت وكانت وحيدةً بالصفات المطلوبة، فساوَمُوها اليتيمَ وأمَّه، حتى اشتروها بملءِ مَسْكها ذهبًا، وكانت [البقرة] إذ ذاك بثلاثة دنانير (^١).
﴿فَذَبَحُوهَا﴾؛ أي: فحصَّلوا البقرة الجامعةَ لهذه الصِّفات (^٢) كلِّها فذبحوها، وإنما حُذف ما حُذف اختصارًا لدلالة المذكور عليه، والفاء ليست فصيحة لأن شرطها أن يكون المحذوف سببًا للمذكور، والتحصيل ليس سببًا للذبح وإنما سببُه الأمر به، بل للتعقيب وللدلالة على أنهم كما حصَّلوها ذبحوها (^٣).
﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يعني: شيئًا من الذَّبح ومقدماتهِ؛ من تحصيل المأمور بذبحه، وتهيئةِ أسبابه وبهذا الاعتبارِ (^٤) كان المذكورُ أبلغَ من: يذبحون.
و(كاد) من أفعال المقارَبة، وُضع لدنوِّ الخبر حصولًا، فالفعلُ المقرون به مقيَّد، والنفي الداخلُ عليه قد يُعتبر سابقًا على القيد، فيفيدُ معنى الإثبات بالتكلُّف كما في هذه الآية، وقد يعتبر مسبوقًا به (^٥) فيفيد البعد عن الإثبات والوقوع؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف: ٩٣].
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ١٥٢)، وما بين معكوفتين منه.
(٢) في (م) و(ك): "الأوصاف".
(٣) في هامش "د": (فلا وجه لما قيل إنهم طلبوها أربعين سنة. رد سعد الدين).
(٤) في "ح" و"د" و"ف": (لإفادة هذا التعميم) بدل: (وبهذا الاعتبار).
(٥) كلمة: (به) ليست في "ح" و"ف".
[ ١ / ٢١٨ ]
ومَن غفل عن هذا توهَّم التدافُعَ بينه وبين قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ فتكلف (^١) في التوفيق.
واعلم أنه لا خلاف في أن ظاهر اللفظ في أول الأمر بقرةٌ مطلقةٌ مبهمةٌ، ولا في أن الامتثال في آخِرِ الأمر إنما وقع بذبح بقرةٍ موصوفة معيَّنة، حتى لو ذبحوا غيرها لم يكن مطابقًا، لكن اختلفوا في أن المراد به في أول الأمر هو البقرةُ المعيَّنة وأُخر البيان عن وقت الخطاب، أو المبهمة ولحقها التغييرُ إلى المعيَّنة (^٢) بسبب تثاقلهم في امتثالهم وكثرةِ سؤالهم واستكشافهم.
والحقُّ هو الثاني؛ لقوله ﵇: "لو اعترضوا أدنى بقرةٍ فذبحوها لكفَتْهم، ولكن شدَّدوا فشدَّد الله تعالى عليهم" والاستقصاءُ شؤمٌ (^٣).
ورُوي مثلُه عن ابن عباس (^٤)، وهو رئيس المفسِّرين.
ولأن اللازم على الأول تأخيرُ البيان عن وقتِ الحاجة؛ لدلالة قوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨] على أنهم أُمروا بإيقاع ذبح البقرة قبل بيان اللون وكونِها مسلَّمة غيرَ مذلَّلةٍ، وهذا اللازم محذورٌ عند المخالِف أيضًا.
ومَن ذهب إلى الأول تمسَّك أولًا: بأن الضمائر في الأجوبة - أعني: (إنها بقرة
_________________
(١) في "ف": (وتكلف).
(٢) في "م": (إلى المعينة الماهية).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ١٥١). ورواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ١٠٠) عن ابن عباس ﵄ موقوفًا، وله شاهد رواه البزار (٢١٨٨ - كشف) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وفي سنده عباد بن منصور، وفيه ضعف، وقال ابن كثِر: حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة. قلت: وقوله: (والاستقصاء شؤم) من كلام الزمخشري.
(٤) انظر التعليق السابق.
[ ١ / ٢١٩ ]
كذا وكذا) - للمعيَّنة قطعًا، فكذا في السؤال للتطابقُ، والسؤالُ إنما هو عن البقرة المأمورِ بذبحها فتكون هي المعيَّنةَ.
وجوابه: أنهم لمَّا تعجَّبوا من بقرةٍ ميتةٍ يُضربُ ببعضها ميتٌ فيَحْيَى، ظنُّوها معيَّنةً خارجةً عما هو عليه صفةُ الجنس، فسألوا عن حالها وصفتِها، فوقعت الضمائر لمعيَّنةٍ بزعمهم واعتقادهم، فعيَّنها الله تشديدًا عليهم، وإن لم يكن المراد من الأمر هي المعيَّنةَ.
وثانيًا: بأنه قد دلَّ السياقُ ووقع الاتِّفاقُ على أنه لم يَرِدْ أمرٌ متجدِّد غيرُ الأول، فالامتثالُ ليس إلا بالأمر الأول، فلزم أن لا يكون منسوخًا، وأن يكون أمرًا بذبح المعيَّنة؛ لظهور أن الامتثال لم يقع إلا بذبح المعيَّنة.
وجوابه: أن انتقال الحكم إلى المخصوصة لا يلزمُه ارتفاعُ حكم الأمرِ الأول حتى يحتاجَ إيجاب المخصوصة إلى أمرٍ متجدِّد، بل على أنه (^١) كان متناولًا لها ولغيرها، بمعنى حصولِ الامتثال بأيِّ فردٍ كان، فارتفع حكمه في حقِّ ما عداها وبقي الامتثالُ بذبحها خاصةً، فكان ذبحها امتثالًا للأمر الأول، ولم يكن هذا منافيًا لنسخ الأمر الأول في الجملة، ولا موجبًا لكون المراد به أولًا ذبحَ المعيَّنة.
* * *
(٧٢) - ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ خطابُ الجمع لأن القتل صدر عن جماعةٍ، وهم بنو عمِّ المقتول.
_________________
(١) قوله: (بل على أنه …) لا يظهر تعلقه بما قبله، وحق العبارة حتى يظهر ذلك التعلق أن تكون: (وجوابه: أن انتقال الحكم إلى المخصوصة ليس مبنيا على ارتفاع حكم الأمرِ الأول … بل على أنه ..). انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٢/ ١٧٨).
[ ١ / ٢٢٠ ]
﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾؛ أي: تخاصمتُم؛ لأن المتخاصمينَ يدرأُ بعضُهم بعضًا، أو: تدافعتُم؛ لأن كلًّا منهم يدفعُ التهمة عن نفسه إلى الآخَرِ، والبراءةَ عن الآخرِ إلى نفسه.
وأصله: فتدارأتُم، فأُدغمت التاء في الدال لأنها من مخرجها، فسكِّنت وأدخلت ألفُ الوصل لتعذُّر الابتداء بالساكن.
و(في) في ﴿فِيهَا﴾ للتعليل؛ كما في قوله تعالى: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].
﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ مظهِرٌ لا محالةَ، حُكي ما كان مستقبلًا وقت التدارُؤ، فأُعمل، فنُصب به ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ على المفعولية، كما حُكي ما كان حاضرًا وقت التقليب في قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨].
* * *
(٧٣) - ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ﴾ عطفٌ على ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾، وما بينهما اعتراضٌ مشعِرٌ بأنَّ التَّدارؤ لا يُجدي إذ اللهُ مخرجٌ ومظهِرٌ ما كتموه، والضميرُ البارز للقتيل، وفي تذكيره تنبيهٌ على زوال حكم النفس عن الجسد بعد القتل.
﴿بِبَعْضِهَا﴾ أيِّ بعضٍ كان، دلَّ على ذلك الإبهام.
﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ خطاب لمنكري البعثِ من مشركي مكَّة، أو للَّذين حضروا القتيل على تقدير: فقلنا لهم، والكاف (^١) في محل النصب على المصدر؛ أي: مثلَ ذلك الإحياءِ العجيب الشأنِ، و(ذلك) إشارةٌ إلى ما دلَّ عليه المحذوف المدلولُ عليه بهذا الكلام وما قبله وهو قوله: فأُحيي.
_________________
(١) في هامش "د" و"م": (فيه رد لمن قصر الدلالة على الأول لأن الدلالة على الفاء إنما هي بالثاني. منه).
[ ١ / ٢٢١ ]
رُوي أنه لما ضُرب قام بإذن الله تعالى وأوداجُه تَشخَبُ دمًا فقال: قتلني ابنا عمي فلانٌ وفلانٌ، وسقط ميتًا، فأُخذا وقُتلا ولم يورَّث قاتل بعد ذلك.
﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ دلائلِه؛ لأن مَن قدر على إحياءِ نفسٍ واحدةٍ قدر على إحياء الكل؛ لعَدَم الفرق عند العقل.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تستدلُّون به، أو: تعملون على قضية عقولكم، وقد مرَّ معنى (لعل) غيرَ مرةٍ، وإنما جَعل إحياءَه مسبَّبًا عن ذبح البقرة وضربِه ببعضها وهو قادر على إحيائه ابتداءً ليُعلم أن في الأسباب والشرائط حِكَمًا وفوائدَ؛ كالتقرُّب بالقربان، والتنبُّه (^١) على حُسن تقديم القُربة في الطلب، وتَحرِّي الأحسن والغالي في الثمن، وعلى وجوب المسارعة في امتثال الأمر ولو كان للإرشاد، وأن التشديد موجِبٌ لتشديد الله تعالى على مَن شدَّد، وأن الاستهزاء مِن فِعْلِ الجُهَّال، وأن بِرَّ الوالدين له بركةٌ، وكذا التوكُّل، والشفقةُ على الأبناء.
* * *
(٧٤) - ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: بعد أحياءِ القتيل، وهو أمر عظيم خارقٌ للعادة، موجِبٌ للاعتبار.
قيل: ﴿ثُمَّ﴾ للاستبعاد. وفيه: أن معناها الحقيقيَّ غيرُ متعذِّرٍ.
_________________
(١) في "ك" و"م": (والتنبيه).
[ ١ / ٢٢٢ ]
قال الواحدي: يقال قسا قلبُه يَقسو قَسْوةً وقَساوةً، وهي الشدةُ والصلابةُ واليبس (^١).
و﴿قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ استعارةٌ تبعيةٌ واقعةٌ على سبيلِ التمثيلِ، شُبهت حالةُ قلوبهم وهي نُبوُّها عن الاعتبار بحالة قسوة الحجارة في أنها لا يجدي فيها لطفُ العمل وحُسنُ الحيَل، ولاعتبارِ هذه الاستعارة حَسُنَ التفريعُ والتعقيب بقوله:
﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ تشبيهٌ في القساوة بالحجارة ثم رجوعٌ عنه بتفضيلها في القساوة على الحجارة (^٢)، وبيانه وتقريرُه:
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ لدلالته على أنها في شدة القسوة مفضَّلةٌ على الحجارة؛ لمطاوَعةِ الحجارة لأمر الله تعالى دونها.
وعلى هذا قولُه: ﴿أَوْ أَشَدُّ﴾ معطوفٌ على قوله: ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾ من قبيل عطف المفرد على المفرد؛ كما تقول: زيد على سفر أو مقيم.
وقرئ: (أشدَّ) بالفتح (^٣) عطفًا على (الحجارة): أو مثلَ شيءٍ أشدَّ من الحجارة.
قال الواحدي: قال المفسرون: إنما شبَّه قلوبهم بالحجارة في الغِلظة والشدة، ولم يُشبِّه بالحديد وإن كان الحديد أصلبَ من الحجارة؛ لأن الحديد يليَّن بالنار ولا تليَّن الحجارة بمعالجةٍ أبدًا (^٤).
_________________
(١) انظر: "الوسيط" للواحدي (١/ ١٥٨).
(٢) في هامش "د" و"م": (من قال هنا: لإرادة الله تعالى، وفي القلوب: لأمر الله، فقد أخرج الكلام عن سنن الانتظام. منه).
(٣) تنسب لأبي حيوة كما في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧)، وللأعمش كما في "الكشاف" (١/ ١٥٥).
(٤) انظر: "الوسيط" للواحدي (١/ ١٥٨).
[ ١ / ٢٢٣ ]
وانتصَب ﴿قَسْوَةً﴾ على التمييز، ويقتضيه ﴿أَشَدُّ﴾ وكافُ التشبيه (^١)، وهذا التمييز الذي بعد أفعل التفضيل منقول من المبتدأ وهو نقلٌ غريب.
وإنما لم يقل: أقسى؛ لِمَا في (أشدّ) من المبالغة؛ لدلالته عليها بجوهر اللفظ الموضوع لها مع هيئةٍ موضوعة للشدة فيها، وفي ذلك من الإيماء إلى الاعتناء ببيان الزيادة ما لا يخفى، والدلالةِ على اشتداد القسوتين، واشتمالِ المفضَّل على زيادةِ (أو) بمعنى: بل (^٢)؛ كما في قول الشاعر:
بدَتْ مثلَ قَرْنِ الشمس في رَوْنَقِ الضُّحَى … وصورتِها أو أنتِ في العينِ أملحُ (^٣)
أي: بل أنتِ.
أو للإبهام على المخاطب، قال أبو الأسود الدُّؤليُّ:
أحبُّ محمدًا حبًّا شديدًا … وعباسًا وحمزةَ أو عليّا
فإنْ يكُ حبُّهم رَشَدًا أُصِبْهُ … ولستُ بمخطئٍ إن كان غَيّا (^٤)
_________________
(١) لأن كلًا منهما ينتصب عنه التمييز، تقول: زيد أشدُّ حلما من عمرو، و: زيد كعمرو حلمًا انظر: "البحر المحيط" (٢/ ٢٠٧).
(٢) في "د" و"م": (على زيادة واو بمعنى بل)، والمثبت من باقي النسخ، ولعل في الكلام سقطًا على كليهما، وحق العبارة أن تكون هكذا: (على زيادة (أو) بمعنى الواو، أو بمعنى بل). انظر: "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٠٥)، وعنه نقل المؤلف، وهذا لفظه: (أو) قيل: هي بمعنى الواو كما قال: ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦]، وقال الشاعر: نال الخلافة أو كانت له قدرًا أي: وكانت، وقيل: هي بمعنى: بل … إلخ.
(٣) نسبه ابن جني في "المحتسب" (١/ ٩٩) لذي الرمة، وهو في ملحقات ديوانه (٣/ ١٨٥٧)، وأورده الفراء في "معاني القرآن" (١/ ٧٢) دون نسبة.
(٤) انظر: "النكت والعيون" للماوردي (١/ ١٤٥)، و"المحرر الوجيز" (١/ ١٦٦). والبيتان في=
[ ١ / ٢٢٤ ]
ولم يَشكَّ أبو الأسود أنَّ حبَّهم رَشَدٌ ظاهرٌ وإنما قصَد الإبهام، وقد قيل له حين قال ذلك: شكَكْتَ؟! قال: لا، ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] قال: أوَكان شاكًا مَن أَخبر بهذا (^١).
﴿[وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ] لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ التفجُّر: التفتُّح بسَعةِ وكثرةٍ، وقرئ: (وإنْ) مخفَّفةً من المثقَّلة (^٢)، لوجود اللام في ﴿لَمَا﴾.
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ أصله: يتشقَّق، وقُرئ به (^٣).
والتشقُّق: التصدُّع بطولٍ أو عرضٍ، فينبع منه الماء بقلةٍ، هذا على التَّتميم دون الترقِّي، وإلا لقُدِّم المؤخَّر.
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الهبوط: التردِّي من عُلوٍ إلى سُفلٍ (^٤)، والخشية: الخوف عن علم، وهي هنا مجازٌ عن الانقياد؛ إطلاقًا لاسم الملزوم على اللازم.
وقوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ متعلقٌ بالأفعال السابقة كلِّها.
ولما كانت قساوة القلب تنشأ عنها الأعمال القبيحة قال تعالى على سبيل التهديد:
_________________
(١) = ديوان أبي الأسود (ص: ١١٩ - ١٢٠)، و"تفسير الطبري" (٢/ ١٣١)، لكن بلفظ: (وعباسًا وحمزة والوصيّا).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (٢/ ١٣١)، و"النكت والعيون" للماوردي (١/ ١٤٥)، و" المحرر الوجيز" (١/ ١٦٦)، و"تفسير القرطبي" (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ١٥٥) عن الأعمش.
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧) عن قتادة. ووقع في "ك" و"م": (من مثقلة).
(٥) في "ك": (أسفل).
[ ١ / ٢٢٥ ]
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وقرئ بالياء للغيبة (^١)؛ ضمَّا إلى ما بعده من الضمائر العائدة إلى اليهود.
(٧٥) - ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ الطمع: نزوعُ النفس إلى شيءٍ مّا بشهوةٍ، والخطابُ لرسول الله ﷺ وللمؤمنين.
﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ في محل الجر؛ أي: في إيمانهم، والضمير لليهود الذين في زمن محمد ﵇؛ لأنهم الذين يصحُّ منهم الطمع.
واللام في ﴿لَكُمْ﴾ للتعليل، أو لاعتبار معنى الاستجابة؛ أي: إن يُحْدِثوا الإيمان لأَجْل دعوتكم أو يستجيبوا لكم؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] لا للصلة كما في ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]؛ أي: مصدِّقِ (^٢)؛ لأن مثله لا يوجد في الفعل.
وانتظامُه بما قبلَه: أن النبيَّ ﵇ والصحابةَ ﵃ لمَّا سمعوا هذه الآيات - وهي في مخاطبةِ اليهود - طمعوا أن يؤثِّر ذلك في قلوبهم فيؤمنوا، فقال الله ﷿: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ مبالغةً في إنكار الطمع مع كونه كالمستحيل عادةً بإيراد الفاء بعد الهمزة؛ أي: بعد ما تشاهدون منهم ما يوجب اليأس من إيمانهم من قسوة القلب تطمعون في إيمانهم، وهم قوم بأعيانهم كما في قوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦].
﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ﴾ الفريق: اسمُ جمعٍ لا واحدَ له من لفظهِ كالحزب، والواو للحال؛ أي: في حال عِلمكم بطريقتهم (^٣) وعادتهم.
_________________
(١) هي قراءة ابن كثير من السبعة. انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٤).
(٢) في "ك"و"م": (بمصدق).
(٣) في (م) و(ك): "طريقهم".
[ ١ / ٢٢٦ ]
﴿مِنْهُمْ﴾ الظاهرُ رجوع الضمير إلى ما يرجع الضمير في ﴿يُؤْمِنُوا﴾، وعناد (^١) البعض إنما كان منافيًا لإقرار الباقين لأنهم كانوا مقلِّدين لهم.
﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ ما يتلونه من التوراة.
السماع كنايةٌ عن القبول، ففي ذكره زيادةُ تقبيحٍ لحالهم؛ لأنَّ التحريف بعد القبول أشدُّ قباحةً، ولو كان على حقيقته لَمَا احتيج إلى ذكره؛ لأن التحريف لا يكون إلا بعد السماع.
﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ تحريف الشيء: إمالتُه عن حالٍ إلى حالٍ، ومنه: قلم محرَّف؛ أي: أحد شقَّيه مائلٌ، فينتظِم التغييرَ والتبديلَ والتأويلَ، وما حرَّفوه نعتُ رسول الله (^٢) ﷺ، وشريعتُهم كآية الرجم.
ويجوز أن يكون المراد من الفريق مَن كان في زمن موسى ﵇ وهم أهل الميقات، والكلامُ المسموع كلامَه تعالى بالطور، وقد نُقل تحريفُهم ما سمعوه، وعلى هذا أيضًا الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ على ظاهره ولا حاجة إلى أن يكون المعنى من أسلافهم فإن أسلاف طائفة يعدون منهم (^٣)، وعلى هذا يكون المعنى: الإصرارُ على البطلان موروثٌ لهم شِنْشِنةً أعرفُها مِن أَخْزمِ (^٤).
_________________
(١) في "ح": (إذ عناد)، وفي "ف": (أو عناد).
(٢) في "م": (نعت الرسول)، وفي (ك): (من نعت الرسول).
(٣) في هامش "د" و"م": (يعني أن الحاجة إلى الصرف عن الظاهر إنما يتوهم على هذا التقدير دون الأول ففيه ردٌّ للقاضي. منه).
(٤) الشنشنة: السجية والطبيعة، وهذا مثل أصله: أنَّ ابنَ أَخْزَمَ الطائيَّ كان عاقًّا أباهُ، ثمَّ جاءَهُ بَنُونَ فعَقُّوه، واجْتَمَعوا عليه فضَرَبُوه وأَدْمَوْه، فقال: إنَّ بَنيَّ زمَّلُوني بالدَّمِ … شِنْشِنةٌ أَعْرِفُها مِن أَخْزَمِ
[ ١ / ٢٢٧ ]
﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: فهموه بعقولهم ولم يبق لهم فيه ريبة.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مفترون؛ أي: لم يفعلوا ذلك عن خطأ ونسيان بل فعلوا عن قصد وتعمد حسدًا وبغيًا.
* * *
(٧٦) - ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَإِذَا لَقُوا﴾ يعني: المنافقين.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المخلِصين من أصحاب الرسول ﵇.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾، أي: بأنكم على الحق ورسولكم هو المبشَّر في التوراة، وإنما لم ينطقوا بالمتعلَّق لعدم المساعدة من باطنهم، وهذه آيةُ غايةِ خبثهم.
﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: إذا انفردوا عن المخلصين منضمِّين، بعضُهم الساكتون وقت الملاقاة إلى الناطقين بكلمات النفاق.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: الذين سكتوا حينئذٍ عاتبين على الذين نطقوا:
﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: بما بيِّن لكم في التوراة من نعت محمد ﵇، فالاستفهام للتقريع والتشنيع.
واللام في ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾، وهي لام (كي) على تجوُّزٍ؛ لأن الناشئ عن شيء وإن لم يُقصد كالغاية، والمعنى: ليحتجُّوا عليكم بما أَنزل ربكم في كتابه من الحجة، وأصله مِن حجَّ: إذا قصَد مغالبةَ خصمه.
_________________
(١) = انظر: "مجمع الغرائب" للفارسي (مادة: شنن).
[ ١ / ٢٢٨ ]
﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ جعَلوا محاجَّتهم بكتاب الله تعالى وحُكمه محاجةً عنده؛ كما يقال: عند الله كذا، ويراد أنه في كتابه وحكمه كذا، وعلى هذا يكون ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ بدلًا عن قوله: ﴿بِهِ﴾ أو ظرفًا مستقرًّا بمعنى: ليحاجوكم بما قلتم حال كونه في كتابكم.
وقيل: المعنى: عند ربكم يوم القيامة. لا يقال: إن اليهود يعلمون أنهم يوم القيامة محجوجون حدَّثوا أو لم يحدِّثوا؛ لأن ذلك العلم لعلمائهم لا لكلِّهم، فلا ينافي تحذيرَهم الجهَّالَ منهم بذلك القول إبقاءً لهم على اليهودية، ولأنَّ [محجوجيَّتهم يومَ القيامة من الله لا تنافي] (^١) احترازَهم عن كونهم محجوجين من جهة الخصم، فإن ذلك لازم إن حدَّثوا ومندفعٌ إن لم يحدِّثوا في زعمهم.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أفليس لكم عقلٌ حتى تدركوا فسادَ ما فعلتُم، وهذا من تمام كلام اللائمين.
* * *
(٧٧) - ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ مقابَلةٌ لهم بذلك التجهيل والتوبيخ والتعجيب مع التقرير؛ أي: أتنكرون عليهم ولا تعلمون أن الفساد في قولكم مضاعَف.
﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: يعلمهما على السَّواء، وللقصد إلى معنى التسوية ذكر قوله: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ مع أن قوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يغني عنه، ونظيرُ هذا قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦] في القصد إلى المعنى المذكور.
_________________
(١) ما بين معكوفتين من "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٢/ ١٨٩).
[ ١ / ٢٢٩ ]
وتقديم ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ مع أن حقَّه في أسلوب الترقِّي التأخيرُ؛ للتسوية بينهما في الاهتمام، فإن في الجمع بين العبارة والدلالة اهتمامًا بالثاني، وفي التقديم مع أن حقه التأخير اهتمامًا بالأول.
* * *
(٧٨) - ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ عامِّيون. الأمِّيُّ مَن لا يكتب ولا يقرأ، سمي به لأنَّه على الخلقة التي ولدته الأمُّ عليها.
﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: التوراة.
﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ الاستثناء منقطع. والأمانيُّ: جمع أمنيَّةٍ، أُفعولةٌ من التمنِّي وهو التقديرُ، ولها معانٍ ثلاثةٌ:
المتمنَّيات: لأن المتمنِّيَ يقدِّر في نفسه ما يشتهيه ويتخيَّله.
أو الأكاذيب: إذ الكاذب يقدِّر في نفسه ويتخيَّل شيئًا لا وجود له.
أو المقروءات: لأن القارئ يقدِّر عند قراءته في نفسه أن كلمة كذا بعد كذا، ومنه قوله:
تمنَّى كتابَ الله أولَ ليلةٍ (^١)
فالمعنى: ولكن يعتقدون أكاذيب من المحرِّفين، أو مواعيد فارغة سمعوها منهم: أن أباءهم الأنبياءَ يشفعون لهم، وأن النار لم تمسهم إلا أيامًا معدودة، أو ما
_________________
(١) صدر بيت مذكور في "النكت والعيون" (١/ ١٥٠)، و"المحرر الوجيز" (١/ ١٦٩)، و"الفائق" (٢/ ٣٩٢)، ونسب لكعب بن مالك، وهو في ملحق ديوانه (ص: ٢٢٤)، وعجزه: وآخرَه لاقى حِمَامَ المقادِرِ
[ ١ / ٢٣٠ ]
يقرؤون قراءة عارية عن معرفة المعنى وتدبره، والأمي ربما يقدر على قراءةٍ مّا بالأخذ من أفواه الرجال.
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ما هم إلا قوم يظنون، والظن هنا على بابه من ترجيح أحد الطرفين، ولا يلزم من الترجيح عندهم أن يكون راجحًا في نفس الأمر.
ويجوز أن يجعل الضمير للفريقين، فنفي العلم عن العلماء في قوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ على سبيل الإنكار حيث لم يعملوا بموجبه، وعن المقلدين بقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ ثم حكم أنهم في الظن المؤدي إلى الضلال سواءٌ، فعلى هذا يكون في الآيات جمعٌ وتقسيمٌ؛ جمع الفريقين في قوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾، ثم قسمهم إلى فريقين: علماء معاندين وجهلاء مقلدين، ثم جمعهم في ﴿يَظُنُّونَ﴾.
* * *
(٧٩) - ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿فَوَيْلٌ﴾ أي: تحسُّرٌ أو هُلْكٌ، روى عثمان عن النبي ﷺ: "الويل جبل في النار" (^١)، وفي رواية أبي سعيد الخدري ﵁: "واد في جهنم" (^٢).
وهو في الأصل مصدر لا فعلَ له؛ لأن فاءه وعينه معتلان، وتنكيره للتعظيم، فلم تكن نكرةً محضة، على أن الغرض من الكلام الإفادةُ، فإذا حصلت جاز الحكم سواءٌ تَخصَّص المحكوم عليه بشيء أو لا، وأمَّا أن النكرة إذا كانت دعاء
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ١٦٤)، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: غريب جدًّا.
(٢) رواه الترمذي (٢٥٧٦) من طريق دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد به، وقال: حديث غريب. قلت: إسناده ضعيف لضعف دراج في روايته عن أبي الهيثم.
[ ١ / ٢٣١ ]
تقع مبتدأ وإن لم يتخصص، فما قيل في بيانه لا يجري في (ويل) صرح به الرضي.
﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾ يعني: ما كتبوه من التأويلات الزائغة، ولذلك احتاجوا في ترويجه إلى بيان نسبته إلى الله تعالى، ولو كان المراد الكتابَ المحرَّف لَمَا احتاجوا إليه؛ لأن كون التوراة من عند الله مسلَّمٌ وما أحدثوه من التحريف غير معلوم لغيرهم.
﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ نفيٌ للمجاز؛ أي: يتولَّونه بأنفسهم، فقد يقول الإنسان: كتب إليَّ فلان، إذا أمر غيره بأن يكتب عنه، وإذا قال: كتبتُ بيدي، فقد أخبر بأنه باشَر بنفسه، فهو من حيث إنه كنايةٌ عن أنه من تلقاء أنفسهم دون أن ينزَّل عليهم ناظرٌ إلى ما في قولهم: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ من دعوى النزول هكذا مكتوبًا من السماء كما هو الشأن في التوراة. ويجوز أن يكون لدفع احتمال الإنشاء، فإن الكتابة شائعةٌ فيه.
وفائدة التنصيص بمعنى الإملاء التغليظُ في الجناية، حيث انضم إلى القول العملُ.
﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ كلمة ﴿ثُمَّ﴾ للاستبعادِ، وعدمُ الفائدة في الإخبار عن تراخي القول المذكور عن العمل المزبور كفى قرينتُه صارفةً عن المعنى الحقيقيِّ لها في الكلام البليغ.
﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ متعلق بـ ﴿يَقُولُونَ﴾ وقد مر بيانُ استعارة الاشتراء للاستبدال، ونكتةُ التعبير عن البيع بالثمن، فتذكَّرْ.
وما حصَّلوا به وإنْ جَلَّ قليلٌ بالنسبة إلى ما فات عنهم من حظوظ الآخرة.
﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ جعلُ (ما) ها هنا وفي قوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا
[ ١ / ٢٣٢ ]
يَكْسِبُونَ﴾ مصدريةً أولى مِن جعلها موصولةً؛ لعدم الحذف، ولكون الويل على الفعل أولى وأنسب من كونه على المفعول.
وأصل الكسب: الفعلُ لجرِّ نفع أو دفع ضرٍّ، ولهذا لا يوصف به الله تعالى.
وقيل: هو اجتلاب الحظ بما هُيِّئ له من الأسباب.
وكرِّر الويل حتى يَتحقَّق أن الخسار والهلكة يترتَّب على كل واحد من المكتوب والمكسوب على حدة.
* * *
(٨٠) - ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ المسُّ أقل تمكُّنًا من الإصابة، وهو أقلُّ درجاتها، ولذلك أوثر عليها في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] وفي قولهِ تعالى: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧]، وقولُه تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠] كالنص فيه.
﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ أي: قلائل، وهذا لأنهم يَكنُون بالعدِّ عن القِلَّة بناءً على أنهم كانوا يَزِنون ما بلغ الأوقيَّةَ وَيعدُّون ما دونها.
روي أنهم قالوا: سبعة أيام. وعنهم: أربعون يومًا، عددَ عبادتهم العجل، ولا وجه له لأنهم قد تابوا عنها توبة مقبولة (^١).
_________________
(١) في هامش "د" "م": (ولأن أربعون لا ينتظمه الكناية المذكورة. منه). وفي هامش "م" مثله، لكن فيه: (لا ينتظم).
[ ١ / ٢٣٣ ]
﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ الألف المجتلَبة ذهبت بالإدراج، وهذه الألف المقطوعة ألف الاستفهام للتوبيخ، يعني: إن مثل هذا الجزمِ لا يكون إلا ممن وعده الله تعالى به، وإنما عبر عن الوعد بالعهد إيماء إلى أن في الجزم المذكور لا بد من وعد قوي، وإنما قال: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ دون: من الله؛ تعليمًا للسلوك مسلك الكناية في أمثال هذا، فإن التصريح باتخاذ العهد من الله تعالى لا يخلو عن سوء أدب.
﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ جوابُ شرطٍ مقدَّر؛ أي: إن كنتم اتخذتم عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده، فالفاء فصيحة والجملة معترضة.
وإنما قلنا: إنَّ المقدَّر: إن كنتم اتخذتم؛ لأن المعنى ليس على الاستقبال.
ثم إنَّ هذا من جملة المواعيد، فلا وجه للاستدلال به على عدم الخُلف في وعده، وعلى تقدير صحته إنما يدلُّ على عدم وقوع الخُلف في وعده لا على استحالته.
﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (أم) إمَّا معادِلةٌ للهمزة، بمعنى: أيُّ الأمرين كائنٌ (^١)، على سبيل التقرير لوقوع العلم بكون أحدهما، أو منقطعةٌ بمعنى (بل) والهمزةِ التقريرية.
* * *
(٨١) - ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
_________________
(١) أي: أيُّ هذين واقع: اتخاذكم العهد، أم قولكم على الله ما لا تعلمون؟ انظر: "روح المعاني" (٢/ ٢٧١).
[ ١ / ٢٣٤ ]
﴿بَلَى﴾ إثباتٌ لِمَا بعد النفي في ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ أي: بلى تمسُّكم أبدًا، وتختص بجواب النفي.
﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ السيئة: تأنيثُ السيِّئ، وهو فَعيلٌ من السوء، وهو العمل الفاسد ولذلك ذكر في مقابلته (^١) العملُ الصالح، والمكسوبُ لا يلزم أن يكون نافعًا في نفس الأمر، بل يكفي أن يكون ملائمًا لطبع الكاسب، مُؤْثَرًا عنده، نافعًا في زعمه.
﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال القفَّال: كلُّ ذنب خطأٌ وخطيئةٌ؛ لأنَّه ليس بصوابٍ.
وفي "الأساس": أخطأ في المسألة وفي الرأي، وخَطِئَ خطأً [عظيمًا]: إذا تعمَّد الذنب (^٢).
وُضع قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ إلخ مكان: تمسُّكم النار أبدًا؛ للإثبات على الطريق البرهاني؛ لأنَّه أثبتَ السيئةَ العامة؛ أي: سيئةً من السيئات، ثم خصَّصها بالكبيرة بقوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أي: استولت عليه ولم يَتفَصَّ (^٣) عنها بالتوبة.
وقرئ: (خطاياه) (^٤)، و: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ (^٥)، تعريضًا بكثرة خطاياهم؛ من الشرك والنفاق والتحريف، والافتراءِ على الله تعالى، وشبَّهها بالعدوِّ المحيط به من جميع الجهات لذلك، ولغلبتها على طاعته.
وأشار بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إلى أن سبب استحقاق الخلود في النار هو ذلك الكسبُ المعلوم.
_________________
(١) في "ك" و"م": (مقابلة).
(٢) انظر: "أساس البلاغة" (مادة: خطأ)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) أي: ينفصل.
(٤) انظر: "الكشاف" (١/ ١٥٨).
(٥) هي قراءة نافع من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٧٤).
[ ١ / ٢٣٥ ]
﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ملازموها في الآخرة؛ لأنهم ملازمو أسبابها في الدنيا، وذلك لأن الصاحب مشتقٌّ من الصحبة، وهي وإن كانت تعمُّ القليلَ والكثير لكن العرف خصَّصها لمَّا طالت.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أوقع ﴿هُمْ﴾ للتأكيد، كأنه قال: أيُّ كبيرةٍ من الكبائر استولت ورسخت بالغلبة على الطاعة استحقَّ صاحبها الخلودَ في النار.
وقد تقرَّر أن الشرك كبيرةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وكذا التحريفُ والافتراء على الله؛ تعالى لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] فثبت بالبرهان أنه تمسُّكم النار أبدًا.
ومعنى الخلود في الأصل: الثباتُ المديد، دام أو لم يَدُمْ، لكن المراد به ها هنا الدوامُ؛ لِمَا يشهد له من الآيات والسنن.
ولك أن تقول: الإحاطة في الأصل: الإحداقُ بالشيء من كلِّ جانب، وجوانبُ المكلف المكلف من حيث إنه مكلَّف ثلاثةٌ: اللسان كلِّف من جهته بالإقرار، والأركان كلِّف من جهتها بالطاعات، والجَنان كلِّف من جهته بالتصديق، وهم لمَّا افتروا بألسنتهم، وحرَّفوا كتاب الله تعالى بأيديهم، وأصروا على النفاق معتقدين بالباطن خلافَ ما أظهروه، فقد تحقق إحاطةُ الخطيئات بهم، وثبت استيلاؤها عليهم، فالآية كما ترى لا حجةَ فيها على خلود صاحب الكبيرة في النار.
* * *
(٨٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ جرت عادته تعالى على أن يَستَتْبع وعدَه
[ ١ / ٢٣٦ ]
بوعيده؛ تبشيرًا للمطيع وإنذارًا للعاصي، والإيمانُ على معناه اللغويِّ، فلا دلالة في عطف العمل عليه على الخلافيَّة المشهورة المذكورة في كتب الكلام.
نعم يفهم منه اشتراطُ العمل الصالح في دخول الجنة، فلِمَن شَرَط في الإيمان المقبول الإقرارَ باللسان أنْ يحمل العملَ الصالح عليه.
وللمخالف أن يقول: إن لفظة (هم) للتأكيد لا للحصر، بدلالة النصوص القاطعة على عدم اشتراط العمل في النجاة عن النار، وعلى أنه لا دارَ ثالثَ للقرار (^١).
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ذُكر الفاءُ فيما تقدَّم وتُرك ها هنا للدلالة على أن الملازَمة والخلودَ ثَمة بالاستحقاق مِن قبلهم بسبب ما بهم من إحاطة الخطيئات، وها هنا بمحض فضل الله تعالى، على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٥].
* * *
(٨٣) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إخبار في معنى النهي؛ كما في ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وفي: "لا تُنكح المرأة على عمَّتها" (^٢)، وهو بابٌ من أبواب البلاغة في الأمر والنهي، يُظهِر البليغُ به شدة اعتنائه بالامتثال والانتهاء،
_________________
(١) من قوله: (نعم يفهم منه اشتراط العمل الصالح ..) إلى هنا وقع في "ك" و"م" بعد ما سيأتي من قوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
(٢) رواه البخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨/ ٣٧) واللفظ له، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وتحريض المخاطَب على المسارعة والمبادرة فيهما كأنه سارع إلى الامتثال والانتهاء، فيخبِرُ عنه الآمر والناهي، ويؤيده قراءة: (لا تعبدوا) (^١) ويدلُّ عليه قوله: ﴿وَقُولُوا﴾ فيكون على إرادة القول، وأمَّا إيهامُ أن المنهيَّ مسارعٌ (^٢) إلى الانتهاء فهو يخبر عنه، فلا يناسب هذا المقام؛ لأن حال المنهيِّ هنا على خلاف ذلك.
وقيل: تقديره: أن لا تعبدوا، فلما سقط (أنْ) رُفع الفعل لزوال الناصب؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] وقال طرفة:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى
يروى: (أحضرُ) بالرفع؛ أي: أنْ أحضرَ الوغى، ولذلك عُطف عليه:
وأنْ أشهَدَ اللَّذَّات هل أنت مُخْلِدي (^٣)
ويدل عليه قراءة: (أن لا تعبدوا) (^٤) فيحتمل أن تكون (أنْ) مفسِّرةً بمعنى (أي)، وأن يكون (أنْ) مع الفعل بدلًا عن الميثاق؛ أي: أخذنا توحيدهم، أو معمولًا له بحذف الجارّ.
وقيل: إنه جواب قسم دلَّ عليه المعنى، كأنه قال: وخلقناهم لا يعبدون.
وقيل: إنه وقع في موضع الحال في صيغة الفعل، وموضعُه نصبٌ في الاسم،
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧). ووقع في "م" و"ك": (لا يعبدون)، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (١/ ١٥٩)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ٩١)، و"روح المعاني" (٢/ ٢٧٧). وقراءة: (لا يعبدون) قراءة سبعية كما سيأتي لكنها ليست المرادة هنا.
(٢) في "ح" و"ف": (المنهي سَارع)، وفي "د": (المنتهي سارع).
(٣) انظر: "ديوان طرفة بن العبد" (ص: ٣٢)، و" الكتاب" (٣/ ٩٩). و(أحضر) يروى بالرفع والنصب كما قال السمين في "الدر المصون" (١/ ٤٦٠).
(٤) انظر: "الكشاف" (١/ ١٥٩).
[ ١ / ٢٣٨ ]
تقول: دخل عليه يتبسم؛ أي: متبسمًا، والتقدير هنا: أخذنا ميثاقهم غيرَ عابدين.
وقرئ بالتاء حكايةً لما خُوطبوا به، وبالياء لأنهم غُيَّب (^١).
﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ استثناء مفرَّغ، وفيه التفات من التكلُّم إلى الغيبة؛ لِمَا في الاسم الظاهر من الفخامة.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ مصدر في معنى الأمر؛ أي: وأَحْسِنوا بالوالدين، وتقديم المعمول للاهتمام، وأَحْسَنَ كما يتعدَّى بـ (إلى) يتعدَّى بالباء؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠].
﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ عطف على (الوالدين) أراد به الجنس، ولذلك أُفرد (ذو)، وإضافته إلى المصدر تغني عن صيغة الجمع.
﴿وَالْيَتَامَى﴾: جمع يتيم؛ كنديم ونَدَامَى، واليتيم: الذي مات أبوه فانفرَد عنه واليُتْمُ: الانفراد، ومنه: الدُّرَّة اليتيمة، وحقُّ هذا الاسم أن لا يزول عن الكبار؛ لبقاء معنى الانفراد عن الآباء، إلا أنه قد غلَب أن يسمَّوا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، وعلى وَفْقِ هذا ورد قوله ﵇: "لا يُتْمَ بَعْدَ الحُلم" وإن كان المراد تعليم شريعةٍ (^٢).
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: جمع مسكين، وهو مِفْعيلٌ من السُّكون، كأنَّ الفقر أسكنه عن التصرُّف.
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾: قولًا حسنًا، وسماه: ﴿حُسْنًا﴾ للمبالغة، لمَّا أَتْبعَ
_________________
(١) قرأ: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ بالتاء من السبعة نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم، والباقون بالياء. انظر: "التيسير" (ص: ٧٤).
(٢) في "ح" و"ف": (شريعته)، وفي "م": (الشريعة).
[ ١ / ٢٣٩ ]
عبادةَ الله تعالى بالإحسان لمَن ذُكر وهو فِعْلٌ، أَتبَعَ ذلك بالقول ليكون الإحسان بالفعل والقول، ولمَّا كان الإحسانُ القوليُّ أمرًا هينًا على ما أَفصح عنه مَن قال: البرَّ شيءٌ هينٌ، وجهٌ طليقٌ ولسانٌ لينٌ (^١)، كان متعلَّقه الناس عمومًا.
وقرئ: ﴿حَسَنًا﴾ بفتحتين (^٢) على أنه صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، و: (حُسُنًا) بضمتين وهو لغة أهل الحجاز، و: (حُسْنَى) على المصدر كبُشرى (^٣)، والمراد به: ما فيه تخلُّقٌ وإرشاد.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يريد بهما: ما فُرض عليهم في شريعتهم، ومن هنا ظهر أنهما منقولان إلى القَدْر المشترَك بين صلاتنا وصلاتهم، والقَدْر المشترك بين زكاتنا وزكاتهم.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ على طريقة الالتفات للتعنيف في التوبيخ (^٤)، فإنه عند الاستحضار (^٥) أشدُّ، ويجوز أن يكون الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله ﷺ ومَن قبلَهم على التغليب؛ إشعارًا بأن التولِّيَ الذي حصل منهم في عهده ﵇ ليس ببِدْعٍ منهم؛ لأنَّه دأبهم ودأبُ أسلافهم.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾؛ أي: أشخاصًا قليلين، وهم الذين أقاموا اليهودية على
_________________
(١) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٨٠٥٩) من قول ابن عمر، وأورده البكري في "اللآلي في شرح أمالي القالي" (١/ ٧٢) رجزًا من حكَم العرب بلفظ: بنيَّ إن البرَّ شيء إلى آخره.
(٢) هي قراءة حمزة والكسائي من السبعة. انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٤).
(٣) هذه والتي قبلها في "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٧).
(٤) في "ك" و"م": (للتعنيف والتوبيخ).
(٥) في "ك": (الاستحقاق).
[ ١ / ٢٤٠ ]
وجهها قبل النَّسخ، وأمَّا الذين أسلموا من الذين ما أقاموها (^١) فقد وُجد منهم التَّولِّي والإعراضُ، فلا وجه لاستثنائهم.
﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ التَّولِّي قد يكون لحاجةٍ تدعو إلى الانصراف مع ثبوت القصد، والإعراض: هو الانصراف عن الشيء بالقلب، فالجملة حال وليست من قَبيل ﴿وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥].
وفي اسميَّة هذه الجملة الدالَّةِ على أنهم قومٌ عادتُهم الإعراضُ عن الطاعة والوفاء ترشيحٌ لِمَا تقدَّم من نكتةِ التغليب.
* * *
(٨٤) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ على نحوِ ما سبق في ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾، والمعنى: لا تفعلون ما يؤدي إلى هذين المحذورَين، أو: لا يفعلُ ذلك بعضكم ببعض (^٢) جُعل غيرُ الرجل نفسَه لاتِّصاله به نسبًا (^٣) أو دينًا، ثم نُسب إلى نفسه ما كان منسوبًا إلى الغير على التجوز (^٤) لأدنى ملابَسةٍ.
والديار: مباني الإقامة، وقال الخليل: محلَّةُ القوم دارُهم (^٥).
_________________
(١) في "ك": (من الذين أقاموها).
(٢) في "ك" و"م": (لبعض).
(٣) في "ف": (سببًا).
(٤) في "ك": (إلى الغير يجوز).
(٥) انظر: "العين" (٨/ ٥٨).
[ ١ / ٢٤١ ]
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أي: خَلَفًا بعد سَلَفٍ أنَّ هذا الميثاق أُخذ عليكم والتَزَمْتُموه، ويحتمِلُ هذا أنْ يكون من الإقرار الذي هو ضدُّ الجحدِ ويتعدَّى بالباء، وأن يكون من الإقرار الذي هو إبقاءُ الأمر على حاله؛ أي: أقررتُم هذا الميثاقَ ملتزَمًا، فقوله:
﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ تأسيسٌ على هذا، وتأكيدٌ على الأول؛ لقطعِ احتمالِ أن يكون أَقرَّ بمعنى: تكلَّمَ بما يلزمُ منه الإقرار.
* * *
(٨٥) - ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ استبعاد قويٌّ لِمَا نُسب إليهم بعد أداء الميثاق على الانتهاء منه، وإقرارِهم وشهادتهم، وفي ﴿هَؤُلَاءِ﴾ توبيخٌ وتعييرٌ بليغٌ وتحقير؛ أي: أنتم المشاهَدون المشارُ إليهم بنقض العهد، الذين لا يمكن ذمُّهم بما يزيد على ما يشاهَدُ منهم ويشارُ به إليهم؛ كقولهم في التحقير: يا هذا. أو: أنتم المشاهَدون؛ أي: [إنكم] (^١) قومٌ آخرون غيرُ أولئك المقرِّين؛ تنزيلًا لتغيُّر (^٢) الصفة منزلة تغيُّر الذات، كقولك: خرجتَ بغير الوجه الذي دخلتَ به، وعدَّهم باعتبارِ ما أُسند إليهم حضورًا وباعتبارِ ما سيُحكى عنهم غيَّبًا، ثم فصَّل ما أُبهم في اسم الإشارة؛ للتسجيل عليهم وتشهيرهم بنقضِ العهد ومخالفةِ الإقرار والشهادة، والإفراطِ في ذلك بالتظاهُر بالإثم والعدوان، فقال:
_________________
(١) ما بين معكوفتين من "الكشاف" (١/ ١٦٠).
(٢) في "ك" و"م": (لتغيير)، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المصدر السابق.
[ ١ / ٢٤٢ ]
﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ ويجوزُ أن يكون خبرًا لـ ﴿أَنْتُمْ﴾ و﴿هَؤُلَاءِ﴾ منادى، أو منصوبٌ على الاختصاص للذَّمِّ؛ [أي] (^١): أعني هؤلاء الحاضرين (^٢)، أو تأكيدٌ والخبرُ هو الجملة، أو بمعنى (الذين) والجملةُ صلتُه والمجموعُ هو الخبر.
ويجوز أن يكون (^٣) حالًا والعامل فيها معنى الإشارة.
﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ حال من فاعل (تُخرجون)، أو مفعولهِ، أو كليهما.
والتظاهر: التعاونُ، وأصله: الظَّهْر، وبه يقع الاستناد والاعتماد.
﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ رُوي أن قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضيرَ حلفاءَ الخزرج، فإذا اقتتلا عاوَن كلُّ فريق حلفاءه في القتل، وتخريب الديار، وإجلاءِ أهلها، وإذا أُسر أحد من الفريقين جمعوا له حتى يَفدوه.
وقرئ: ﴿أُسْرَى﴾ (^٤) وهو جمعُ أسيرٍ؛ كجرحى وجريح، و(أُسارى) جمعه؛ كسَكْرى وسُكَارى، وقيل: هو أيضًا جمع أسير؛ كما قالوا: شيخ قديم، وشيوخ قُدامى، وهو قليل.
_________________
(١) في "ك" و"م": (لتغيير)، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المصدر السابق.
(٢) وفيه: أن النحاة نصوا على أن التخصيص لا يكون بأسماء الإشارة ولا بالنكرة، والمستقِرُّ من لسان العرب أنه يكون بـ (أيَّتُها) كـ: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، وبالمعرَّف باللام كـ: نحن العرب أقرى الناس للضيف، أو الإضافة كـ: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، وقد يكون بالعَلَم كـ: بنا تميمًا يُكشف الضباب. انظر: "البحر المحيط" (٢/ ٢٨٠)، و"روح المعاني" (٢/ ٢٨٧).
(٣) أي: قوله تعالى: ﴿تَقْتُلُونَ …﴾.
(٤) هي قراءة حمزة من السبعة. انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٤).
[ ١ / ٢٤٣ ]
وقال الواحدي نقلًا عن سيبويه: قالوا: كَسْلَى، شبَّهوه بأَسْرى، كما قالوا: أُسارى، شبَّهوه بكُسالى (^١).
والأسير: هو المأخوذ قهرًا، وأصل الأسر: الشدُّ، ومَن أُخذ قهرًا شُدَّ غالبًا، فسمِّي المأخوذُ قهرًا أسيرًا وإن لم يُشد.
وقال أبو عمرو (^٢): الأُسارى: الذين هم في الوَثاق، والأَسرى: الذين هم في اليد وإن لم يكن في الوثاق.
وقرئ: ﴿تَفْدوهم﴾ (^٣)؛ أي: تُطْلقونهم بعد أن تأخذوا منهم شيئًا. قاله أبو علي (^٤).
وفاديتُ نفسي؛ أي: أطلقتُها بعد أن دفعتُ شيئًا.
وقد يَجيء فاديتُ بمعنى: فديتُ؛ أي: دفعتُ فيه مِن مالِ نفسي، ومنه قولُ العباس للنبي ﵇: فاديتُ نفسي وفاديتُ عَقيلًا (^٥).
وهما فعلان يتعدَّيان إلى مفعولين، الثاني منهما بحرف جر؛ تقول: فديتُ زيدًا بمال، وفاديتُه بمال.
_________________
(١) انظر: "الكتاب" (٣/ ٦٥٠)، و"الوسيط" للواحدي (١/ ١٦٩).
(٢) هو ابن العلاء أحد القراء السبعة، وكلامه في "النكت والعيون" (١/ ١٥٥).
(٣) هي قراءة حمزة وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو من السبعة. انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٤).
(٤) انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي (٢/ ١٤٦)، ولفظه: (فادى الأسير: إذا أطلقه وأخذ عنه شيئًا). فكلامه في (فادى) لا في (فدى) كما يوهم سياف المؤلف، وكذا نقله ابن عطية في "المحرر الوجيز" (١/ ١٧٥)، وأبو حيان في "البحر" (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، والآلوسي في "روح المعاني" (٢/ ٢٨٩)، عن أبي علي في معنى: (فادى). وقد وقع في "ك": (قال أبو علي) على أن كلامه هو اللاحق لا السابق، لكن سياقه كما ذكرناه هو إلى السابق أقرب.
(٥) قطعة من خبر طويل في قسمة مال البحرين رواه البخاري (٤٢١) من حديث أنس ﵁.
[ ١ / ٢٤٤ ]
قال أبو عليٍّ: كل واحدٍ من الفريقين فَعَلَ: الآسِرُ دَفَعَ الأسير، والمأسورُ منه دفعٌ أيضًا، إمَّا أسيرًا وإما غيره، والمفعول الثاني محذوف (^١).
﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ متعلِّق بقوله: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ وما بينهما اعتراض.
والضمير للشأن، و(محرَّمٌ) خبر، و(إخراجُهم) مرفوع بـ (محرَّمٌ). ويجوز أن يكون (إخراجُهم) مبتدأً و(محرَّمٌ) خبر مقدم، والجملةُ خبرُ (هو).
أو مبهمٌ وتفسيرُه (إخراجهم) (^٢).
أو راجعٌ إلى مصدرٍ دلَّ عليه (تُخرجون)، ويكون (محرَّمٌ) الخبرَ، و(إخراجُهم) بدل من الضمير في (محرَّمٌ) أو من (هو).
أو تأكيدٌ وبيانٌ؛ كيلا يذهب الوهم إلى أن يرجع ذلك إلى فداء الأسرى.
وإنما أكد الإخراج بالنص على تحريمه - وإن كان ما سبق أيضًا محرَّمًا - لِمَا فيه من الجلاء والنفي الذي لا ينقطع شرُّه، بخلاف القتل، فإنَّ شرَّه ينقطع في الحال، والمحرَّم الممنوع منه.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ يعني: الفديةَ.
_________________
(١) انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي (٢/ ١٤٧)، ولفظه: (من قرأ: ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ فلأن من كلّ واحد من الفريقين فِعْلًا، فمن الآسر دفع الأسير، ومن المأسور منهم دفع فدائه، فإذا كان كذلك فوجه ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ ظاهر، والمفعول الثاني الذي يصل إليه الفعل بالحرف محذوف؛ لأن معناه: تفادونهم بالمال).
(٢) وهو في هذا الوجه مبتدأ أيضًا، و(مُحَرَّمٌ) خبره و(إِخْراجُهُمْ) بدل منه مفسر له، وهذا بناء على جواز إبدال الظاهر من الضمير الذي لم يسبق ما يعود إليه، ومنهم من منعه. انظر: "روح المعاني" (٢/ ٢٩١).
[ ١ / ٢٤٥ ]
﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ يعني: حرمةَ المقاتلة والإجلاء، والاستفهامُ بمعنى الإنكارِ والتوبيخِ والتهديد، وذلك على التفريق بين أحكام الله تعالى، فكأنَّ مرجع الإنكار إلى القيد المستفادِ من لفظ البعض.
﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فإذا فعلتم ذلك تسبَّب أن لا يكون جزاؤكم في الدنيا إلا خزيٌ، وفي قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ دلالةٌ على أن التفريق المذكورَ فعلُ بعضهم، والتوبيخ للكلِّ لعدم منع الباقين عنه.
والخزيُ: الذلُّ (^١) من الفضيحة، وقد خَزِيَ خِزْيًا فهو خَزٍ.
والخَزَاية: الاستحياء، وقد خَزِيَ خَزَايةً فهو خَزْيان (^٢).
قال المرزوقي: و(أَخْزى) يجوز أن يكون من الخزي: الهوان، ويجوز أن يكون من الخزاية: الاستحياء (^٣).
والمراد: قتلُ قُريظة، فإنَّ قتل مقاتِلَتِهم سببٌ لذلِّ ذراريهم، وإجلاءُ النضير، وضرب الجزية على غيرهم.
و(الدنيا) مأخوذة من دنا يدنو، وأصل الياء فيه واوٌ، لكن أُبدلت فرقًا بين الأسماء والصفات، وإنما قُدم ذكر الجزاء هنا للإشارة إلى بقائهم أحياءً على تلك الحال مدةً مديدةً، وأُخر الجزاء في الآخرة لأنَّه عند انتهاء يوم القيامة (^٤).
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ﴾ معنى الردِّ: الإرجاع، ففيه إشارةٌ إلى أنهم كانوا قبل ذلك
_________________
(١) في "ك": (الذي).
(٢) في هامش "د" و"م": (فيه رد لمن قال الخزي يستعمل فيهما. منه).
(٣) انظر: "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي (ص: ١٧١).
(٤) في هامش "د" و"م": (مبنى هذا على ما تقدم أن المراد من القتل ما يترتب عليه من الذل. منه).
[ ١ / ٢٤٦ ]
مرةً (^١) أخرى في أشد العذاب، وهو ما في القبر، ثم إن فيه بيانَ أنَّ ما كان في الحياة الدنيا من الخزي غيرُ مكفِّر لذنوبهم.
﴿إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ أي: إلى عذابٍ لا رَوْحَ فيه لاتِّصال أجزائه، وذلك لأن عصيانهم أشد.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تأكيد للوعيد.
وقرئ: ﴿يُرَدُّونَ﴾ بالياء اعتبارًا بقوله: ﴿مَنْ يَفْعَلُ﴾، وبالتاء اعتبارًا بقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ (^٢).
وقرئ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيضًا بالياء والتاء على الاعتبارين (^٣).
* * *
(٨٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: بحظوظها، لا بحياتها، إذ هي لا تفوت عنهم، والاشتراء مستعارٌ لإيثار العاجل الفاني على الآجل الباقي.
﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: يبقى على شدته، معطوفٌ على الصلة من قَبيل عطفِ الجمل، فلا يُشترط اتحاد الزمان.
﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ بدفعه عنهم.
_________________
(١) في "ف": (مدة).
(٢) القراءة بالياء هي قراءة الجمهور، والقراءة بالتاء تنسب للحسن وابن هرمز وغيرهما. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩)، و"إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٢٤٥)، و"المحرر الوجيز" (١/ ١٧٧)، و"البحر المحيط" (٢/ ٢٨٩).
(٣) قرأ بالياء نافع وابن كثير وأبو بكر، والباقون بالتاء. انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٤).
[ ١ / ٢٤٧ ]
(٨٧) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: التوراة.
﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾؛ أي: جئنا مِن بعدِه بالرسل مُقْتَفِين أثرَه، متَّبعين شريعتَه، يقال: قَفَاه: إذا اتَّبعه من القفا، نحو: ذَنَبه، من الذَّنَب، وقفَّاه به: أَتْبعه إياه، ولولا اعتبارُ معنى (جئنا) على التضمين لضاع قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾.
﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ لمَّا لم يكن عيسى ﵇ من جملةِ المقتَفين أثرَ موسى ﵇، المتَّبعين شريعتَه، أفردَه بالذكر، وأضافه إلى أمِّه تحقيقًا لعدم نسبته إلى الأب، وفيه رد لقول اليهود حيث نسبوه إلى الأب.
وعيسى بالعبرية: إيشوع.
ومريم بالسُّريانية: الخادم، وقد جعلتْها أمُّها محرَّرةً لخدمة المسجد، وبالعبرية كالزير من الرجال (^١).
وقال أبو البقاء: (مريمُ) علَمٌ عجَمي، ولو كان مشتقًّا مِن رامَ يَريم كان مَرِيمًا بفتح الميم وسكون الياء، وقد جاء في الأعلام بفتحِ الياء نحو: مَزْيَد، وهو خلاف القياس (^٢).
_________________
(١) قوله: (بالعبرية …) كذا في النسخ، والذي عند البيضاوي والآلوسي: (بالعربية)، وهو الظاهر من، "القاموس"، حيث قال في (مادة: ريم): المريم كمقعد: التي تحب حديث الرجال ولا تفجر. قال الآلوسي: قيل: ولا يناسب مريم أن يكون عربيًا؛ لأنها كانت برية عن محبة محادثة الرجال، ثم قال: والأولى عندي أن التسمية وقعت بالعبري لا بالعربي، بل يكاد يتعين ذلك كما لا يخفى على المنصف.
(٢) انظر: "التبيان" للعكبري (١/ ٨٨).
[ ١ / ٢٤٨ ]
﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: الآياتِ الظاهرات (^١)، من قولك: بان؛ أي: ظهر، وما ثبت به الدَّعوى من حيث إفادتُه البيان يسمَّى بيِّنة، ومن حيث الغلبة به على الخصم حجة.
والمراد بالبينات (^٢): المعجزات الواضحات؛ كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار بالمغيبات، أو الإنجيل.
﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾؛ أي: قوَّيناه (^٣).
﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل ﵇، وذلك أنه تَوَلَّد بنَفْخهِ، وأنَّه عصَمه مِن أول حالهِ إلى آخره، فلم يَدْنُ منه الشيطان عند الولادة، ورفَعه إلى السماء حين قصد اليهود قتلَه.
والقُدُس: الطَّهارة، وكان الأصل: الرَّوح المقدَّسة، لكن أُضيف الروحُ إلى القُدُس تنبيهًا على زيادةِ اختصاص الروح به؛ لأن مِن شأن الصفة أن تكون منسوبةً (^٤) إلى الموصوف فإذا عكس بإضافته إليها يزيد معنى الاختصاص.
﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ بما لا تحبُّه، يقال: هَوِيَ - بالكسر - هوًى: إذا أَحبَّ، وهَوَى - بالفتح - هُوِيًّا بالضم: سقط، وإنما أُسند الهوى إلى الأنفس لا إلى ضمير الخطاب إشعارًا بأن حق السيئات أن تُسند إليها.
وقوله: (كلما جاءكم) مسبَّب عن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ولهذا دخلت الفاعلية على تقدير: نحن أنعمنا عليكم ببعثة موسى ﵇، وإيتائه
_________________
(١) في "ك" و"م": (الظاهرة).
(٢) قوله: (بالبينات) من "م" و"ك".
(٣) في (م): "فقويناه".
(٤) بعدها في "م": (إليه أي).
[ ١ / ٢٤٩ ]
الكتاب، ثم أتبعناه الرسلَ، وبإيتاء عيسى ﵇ [البينات]؛ لتشكروا تلك النعم بالتلقِّي بالقبول، فعكستُم بأن كذَّبتم فريقًا وقصدتُم قتلَ آخرين، ثم أَدخل بين السبب والمسبَّب همزةَ التوبيخ والتعجيب لتعكيسهم فيما يجب عليهم.
ويجوز أن يكون استئنافًا والفاءُ للعطف على مقدَّر، فعلى هذا ما عقبوا الإيتاء محذوف، وهو قوله: ففعلتم ما فعلتم، وهو كناية عن التكذيب والقتل، وغير ذلك من قبائحهم وعنادهم، ثم استأنف الكلام موبخًا لهم مصدِّرًا الجملة بهمزةِ الإنكار، على تقدير: أكفرتم وخالفتم فكلما جاءكم رسول، ويرجح هذا أنه حينئذ بين التقريع والتوبيخ إجمالًا وتفصيلًا (^١).
﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾؛ أي: عن قبول ما أتى به مما لا تحبُّه أنفسكم - على تضمين الاستكبار معنى الإباء - لا عن الإيمان به؛ لأنهم كانوا مصدِّقين بعضَ مَن (^٢) جاء من بعد موسى ﵇ من الرسل؛ كيوشع وداود وسليمان ﵈ (^٣).
﴿فَفَرِيقًا﴾؛ أي: فريقًا منهم ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ يريد به التكذيبَ من غير قتلٍ، بقرينةِ تفريق هذا عن قرينهِ، وإلا فمطلَقُ التكذيب ينتظمُها (^٤)، والفاء للسببية أو التعقيب.
﴿تَقْتُلُونَ﴾؛ أي: فريقًا آخر.
﴿تَقْتُلُونَ﴾ حالٌ ماضيةٌ أُريد استحضارها وتصويرُها لشدة فظاعتها ونُكْرها، فأخرجها مُخرج الحال المشاهَدة، أو قُصد الدلالةُ على أنهم بعدُ فيه؛ لأنهم كانوا
_________________
(١) انظر: "فتوح الغيب" للطيبي (٢/ ٥٦٨)، وما سلف بين معكوفتين منه.
(٢) في (م) و(ك): "ما".
(٣) في هامش "د" و"م": (الظاهر من السياق أن المراد من جاء من بعده، فلا يدخل هو في المكذَّبين. منه).
(٤) في "ف": (ينتظمهما).
[ ١ / ٢٥٠ ]
حولَ قتل محمد ﵇ لولا العصمةُ من الله تعالى، ولهذا سحروه وسَمُّوا الشاة له، ثم إن فيه محافظةً على الفاصلة، وإنما لم يذكر تكذيبهم هذا الفريقَ استغناءً بذكر أقبح الفعلين عن الآخَر.
* * *
(٨٨) - ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: جمع أغلفَ، وهو الذي لم يُختن، مستعارٌ للقلوب المغشَّاة بالأغطية خلقةً وجِبِلَّةً؛ أي: مجبولةٌ على صفةٍ لا يَتوصَّل إليها ما جاء به محمد ﵇، وقد أفصحَ عن هذا في موضعٍ آخر بقوله: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] والقرآن يفسِّر بعضُه بعضًا (^١).
وفي القراءة الشاذة: (غُلُفٌ) بضم اللام (^٢): جمعُ غلافٍ، وهو الغشاءُ والوعاءُ؛ كالشهاب والشُّهب، معناه: قلوبنا أوعيةُ العلم تفهم وتعي ما يقال وتخاطَبُ به، ولكن لا تفهم ما تقول ولا تفقه ما تحدِّث، فلو كان حقًّا وصدقًا لفهمت وفقهت (^٣)، يدَّعون به إبطالَ ما يقول، أو نحن مستغنون بما فيها عن غيره، ويأبى عن حمل القراءة المتواترة على هذا التصريح بالمعنى الأول في موضع آخر (^٤).
_________________
(١) في هامش "د": (ض: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ مغشاة بأغطية خَلقية لا يصل إليها ما جئت به ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم يختن، وقيل: أصله: غُلُف، جمع غلاف فخفف، والمعنى: أنها أوعية للعلم لا تسمع علمًا إلا وعته، ولا تعي ما تقول. أو نحن مستغنون بما فيها عن غيره ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾. وهو منقول من البيضاوي.
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨).
(٣) في "ك" و"م": (وتفهمت).
(٤) في هامش "د" و"م": (والتوفيق بين المتواترتين مقدم على التوفيق بين المتواترة والشاذة. منه).
[ ١ / ٢٥١ ]
﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ ردٌّ لِمَا قالوا؛ أي: ليست قلوبهم كذلك خلقةً؛ لأنها خُلقت على الفطرة، بل طردهم الله وأبعدهم عن قبول ذلك بسبب كفرهم واحتجابهم بالعقائد الفاسدة، فهم الذين غلَّفوا قلوبهم بما أسقطها عن الفطرة، أَثبت اللعنَ من نفسه والكفر منهم، وهو مذهب أهل السنَّة والجماعة.
والمعنى على القراءة الشاذة: بل أنتم مبعَدون عن حيِّز العلم بشؤم كفركم، لستُم بعلماء، ولو كنتم كذلك لقَبِلْتم هذا وعمِلْتم به.
﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: فإيمانًا قليلًا تؤمنون، وهو إيمانهم ببعض الكتاب، و(ما) مزيدةٌ للتأكيد لا نافيةٌ لأنَّ ما في حيِّزها لا يتقدَّمها، وجوِّز أن تكون مصدريةً على أن (قليلًا) منصوب بنزع الخافض، ويجوز أن تكون المبالغةُ في القلة كنايةً عن العدم، بناء على أن التقليل (^١) إذا بولغَ فيه يستتبعُه العدم (^٢)، وحينئذ يجوز أن يكون انتصاب (قليلًا) على الظرفية.
* * *
(٨٩) - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ﴾ أي: القرآن.
﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ زيادة ﴿عِنْدِ﴾ لتعيين معنى النزول، فإن كلَّ شيء من الله تعالى.
﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ من كتابهم، وفي مصحف أبيٍّ ﵁: (مصدقًا)
_________________
(١) في "م": (القليل).
(٢) في هامش "د" و"ف" و"م": (وقيل: القلة بمعنى العدم للتهكم والسخرية، كقولك لمن يدعي القدرة على المحال: قلما يجمع الله بين الليل والنهار، تريد ظهور استحالته. منه).
[ ١ / ٢٥٢ ]
بالنصب (^١) على الحال من ﴿كِتَابٌ﴾ تخصَّص (^٢) بالوصف، وحُذف جواب (لمَّا) لدلالة جواب (لمَّا) الثانيةِ عليه.
وقيل: (لمَّا) الثانيةُ تكرار للأولى، والفاءُ للإشعار بأن مجيئه كان عقيبَ استفتاحهم به، ولا بُعْدَ فيه؛ لأن ما عرفوا (^٣) حاصل الكتاب.
﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ مجيء الكتاب.
﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أي: يستنصرون.
﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم المشركون الذين يقاتلونهم ويقولون: اللهمَّ انصرنا بنبيِّ آخِرِ الزمان المنعوت في التوراة.
أو: يفتحون عليهم ويعرِّفونهم أن نبيًّا يبعث منهم وقد قرب زمانه، والسينُ للمبالغة كأنهم يطلبون الفتح من أنفسهم كما في ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] ونحوِه (^٤)، وذلك لأن الفعل مع الداعي والطلب يكون أقوى فجرد لها، أو لأنَّه لما كان الفعل حاصلًا يكون الطلب للزيادة.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ من الكتاب والنبي ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ حسدًا وخوفًا على الرئاسة.
﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: عليهم، على أن التعريف للعهد كما هو
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٣٠٣)، وهي عند ابن خالويه عن ابن مسعود ﵁.
(٢) في "ك"و"م": (تخصيص).
(٣) في "ك" و"م": (عرفوه).
(٤) في هامش "د" و"ف" و"م": (القاضي لم يصب في قوله: والإشعار. منه).
[ ١ / ٢٥٣ ]
الأصل، فلا يُعدل عنه إلى الجنس إلا عند التعذُّر، على أن الفاء تأبى عن الحمل على الجنس، والإظهارُ في موضع الإضمار للدلالة على أن استحقاقهم اللعنةَ لثباتهم على الكفر، وكلمةُ (على) أوقعُ من اللام؛ لمَا فيها من الدلالة على أنه تعالى جعل اللعنة متعلِّيةً (^١) عليهم جلَّلهم بها.
* * *
(٩٠) - ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (ما) نكرة موصوفة مفسِّرة لفاعلِ (بئس) المستكن؛ أي: بئس شيئًا اشتروا به أنفسَهم؛ أي: باعوها، أو اشتروا بحسب زعمهم، فإنهم زعموا أنهم خلَّصوا أنفسهم من العقاب بما فعلوا، والمراد كفرُهم في الماضي، إلا أنه عبر عنه بصيغة المضارع استحضارًا لذلك الأمر القبيح.
﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو المخصوص بالذم.
﴿بَغْيًا﴾؛ أي: حسدًا.
قال اللِّحياني (^٢): بغَيتَ على أخيك بغيًا؛ أي: حسدتَه، فالبغيُ أصله الحسد، والباغي هو الظالم الذي يفعل ذلك عن حسد، وأما بَغَى بمعنى طلب فمصدرُه بُغاءٌ بضم الباء، وبغَتْ بمعنى فَجَرتْ مصدره بِغاءٌ بالكسر.
_________________
(١) في "ك": (منقلبة)، وفي "م": (متغلبة).
(٢) عليّ بن المُبَارك - وقيل: ابن حازِم - أبو الحسن اللحياني، أَخذ عن الكسَائي وأبي زيد وأبي عَمْرو الشَّيْبَانيّ والأصمعي وأبي عُبَيْدَة، وعمدته على الكسَائي. وأخذ عنهُ القاسم بن سلام، وله "النَّوَادِر" المشهورَة. انظر: "بغية الوعاة" (٢/ ١٨٥).
[ ١ / ٢٥٤ ]
وهو علة ﴿اشْتَرَوْا﴾ لا ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾، إذ المعنى على ذمِّ الكفر الذي أُوثر على الإيمان بغيًا، لا على ذمِّ الكفر المعلَّل بالبغي، وأما الفصلُ فليس بما هو أجنبيٌّ؛ لأن الموصوف والصفة (^١) في حكم الاتحاد، وكذا التمييز والمميَّز فما لا يكون أجنبيًا بالنسبة إلى فاعل فعل الذم لا يكون أجنبيًا بالنسبة إلى الفعل الذي وصف به تمييزُ ذلك الفاعل.
ثم إنه لا ريبةَ في أن إيثار الكفر على أنفسهم بغيًا وعنادًا أدخل في الذم من إيثارهم الكفرَ الناشئ عن البغي على أنفسهم؛ إذ لا يتعيَّن حينئذ كونُ الإيثار عنادًا وبغيًا (^٢)، فيحتمل أن يكون لوجه يخفُّ به استحقاق الذم، فالفرق (^٣) واضح.
﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾ لِأَنْ ينزِّل، أو: حسدوه على أن ينزِّل الله.
﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: بعضَ فضله الذي هو الوحيُ، أو الشيءَ الذي هو فضله.
﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: على من اختاره للرسالة.
﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ أي: صاروا أَحقَّاء بغضبٍ مترادفٍ متراكمٍ بعضُه على بعضٍ لكفرهم بنبيِّ الحق وبغيهم عليه، أو كفرهم بمحمد ﵇ بعد كفرهم بعيسى ﵇، وغيرِ ذلك من أنواع كفرهم، والاستحقاق معتبرٌ في مفهوم باء على ما تقدَّم بيانه، ودلالة الفاء على سببية الاشتراء المذكور لذلك الاستحقاق لا على الاستحقاق (^٤).
_________________
(١) في (م) و(ك): "الصلة والموصول".
(٢) في "ح" و"ف": (عنادًا بغيًا).
(٣) في "ك" و"م": (والفرق).
(٤) في هامش "د": (رد لشراح الكشاف. منه)، ومثله في هامش "ف" و"م"، لكن وقع في الأولى: (لشارح) وفي الثانية: (لصاحب).
[ ١ / ٢٥٥ ]
وقوله: ﴿بِغَضَبٍ﴾ حالٌ، و﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ صفة له.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يراد (^١) به إذلالهم، وتقديم الجارِّ والمجرور للتخصيص، فإن عذاب العاصي من المؤمنين طُهرةٌ لذنوبه.
* * *
(٩١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾؛ أي: بجميع الكتب الإلهية.
﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ خصَّصوا إيمانهم بالتوراة.
﴿وَيَكْفُرُونَ﴾ حال عن (^٢) الضمير في ﴿قَالُوا﴾ على حذف المبتدأ، وتقديره: وهم يكفرون، أو تجويزِ الواو في المضارع المثبت.
﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ قال الأزهري: إن (وراء) يصلح لِمَا قبله ولمَا بعده (^٣)، لا لأنَّه وضع لكلٍّ منهما على حِدَةٍ، بل لأن معناه: ما توارى عنك؛ أي: استتر (^٤)، وهو موجود فيهما، وهو في الأصل مصدر جعل ظرفًا يضاف إلى الفاعل والمفعول.
قيل: فيراد على الأول الخَلف، وعلى الثاني القدَّام، وفيه نظر (^٥).
_________________
(١) في "ك" و"م": (يريد).
(٢) في "ك" و"م": (من).
(٣) في هامش "ح" و"ف": (وعلى وفق هذا قال صاحب الكشاف في تفسير سورة الجاثية. منه).
(٤) ذكره بنحوه عن الأزهري تلميذه الهروي في "الغريبين" (مادة: ورا). وجاء في هامش "د" و"ف" و"م": (رد للجوهري ولمن تبعه في قولهم: إنه [من] الأضداد. منه).
(٥) في هامش "ح" و"ف": (ستقف على وجهه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾. منه).
[ ١ / ٢٥٦ ]
﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ الضمير لي (ما وراءه) الشاملِ للإنجيل والقرآن، وإنما وحِّد لتوحُّد (^١) اللفظ.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ حال مؤكِّدة تتضمن (^٢) الردَّ لإيمانهم بالتوراة؛ لأنهم لمَّا كفروا بما يصدِّقها حيث نزل (^٣) على حسب ما نُعت فيها فقد كفروا فيها.
والجملةُ حال من (ما وراءه)، وتعريفُ الخبر (^٤) لزيادة التوبيخ والتجهيل، بمعنى: أنه خاصةً هو الحق الذي يقارن تصديق كتابهم، ولولا الحال - أعني: ﴿مُصَدِّقًا﴾ - لم يستقم الحصر؛ لأنَّه في مقابلةِ كتابهم وهو أيضًا حقٌّ.
﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الفاء جواب شرطٍ مقدَّرٍ دل عليه المعنى؛ أي: قل لهم: إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم فلمَ تقتلون أنبياء الله، فإن ذلك المنزَل ينهى عنه، وإنما قال: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ حكايةً للحال الماضية (^٥)؛ كأنه قيل: فلمَ كنتم تقتلون.
وإنما أسنده إليهم لأنَّه فعل آبائهم، وهم راضون به، عازمون عليه.
ويجوز أن يكون المعنى على التضمين: فلمَ ترضَون قتل الأنبياء وتعزمون عليه، وحينئذ يتضح وجه الاعتراض.
و(لم) أصله: لِمَا، وسقطت الألف، وهذا السقوط خُص بالاستفهامية؛ لأنها
_________________
(١) في "ك" و"م": (بتوحيد).
(٢) في "ح" و"ف": (تقتضي).
(٣) في "ح" و"ف": (تنزل).
(٤) في "م": (الحق).
(٥) في "ح" و"ف": (لحال ماضية).
[ ١ / ٢٥٧ ]
تامةٌ فألفها طرفٌ والأطراف محلٌّ للحذف وغيره من التغيير، بخلاف الموصولة فإنها ناقصةٌ تحتاج إلى ما تُوصَل به، وهي وما تُوصَل به كاسمٍ واحد، فألفها في حكم المتوسط.
* * *
(٩٢) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات الواضحة، ويدخل فيها فَلْقُ البحر، وهو خارج عن الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] لأن المراد منها (^١) ما جاء به موسى ﵇ إلى فرعون، على ما تقف عليه في موضعه بإذن الله تعالى، فلا وجه (^٢) لحمل البينات المذكورة على الآيات التسع.
﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾؛ أي: إلهًا، ولفظة (ثم) أبلغ من الواو في التقريع؛ لأنها تدل على أنهم فعلوا ذلك بعد مهلةٍ من النظر في الآيات، وذلك أعظم ذنبًا.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعدِ مجيء موسى ﵇ لكم بالبينات، لا من (^٣) بعد مجيئه أو ذهابه إلى الطور؛ لعدم انْفِهامه من سياق الكلام.
﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ حال؛ أي: واضعون العبادةَ غيرَ موضعها، أو: ظالمون بالإخلال بآيات الله تعالى، ويجوز أن يكون من قبيل: اتَّخذ خاتمًا، بمعنى: صنَعه
_________________
(١) في "ك" و"م": (بها).
(٢) في "ك" و"م": (فلا حاجة).
(٣) (من): ليست في "ك" و"م".
[ ١ / ٢٥٨ ]
وعَمِله، ففائدةُ الحال ظاهرةٌ؛ لأن الاتخاذ بهذا المعنى لا يكون ظلمًا إلا حالَ كونه مقرونًا بالعبادة، وعلى الأول فائدتُه زيادةُ التوبيخ والتقبيح.
أو اعتراض بمعنى: أنتم قوم عادتكم الظلم، ومساقُ هذا أيضًا لإبطال قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ والتنبيهِ على أن طريقتهم مع الرسول ﵇ طريقةُ أسلافهم مع موسى ﵇، لا لتأكيد القصة بالتكرير، وكذا ما بعده:
* * *
(٩٣) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ ويجوز أن يكون تكرير هذا لما نيطَ به من زيادة ليست مع الأول.
﴿وَاسْمَعُوا﴾؛ أي: أطيعوا، فإن الأمر بالسماع في العُرف يفيد الإجابةَ والقبول، ومنه: سمع الله لمن حمده (^١)؛ أي: قَبِلَ وأجاب (^٢)، قال:
دعوتُ الله حتى خفتُ أن لا … يكونَ اللهُ يَسمعُ ما أقول (^٣)
أي: يقبل.
وهم حملوه على المفهوم اللُّغوي تجاهُلًا وتعامِيًا عنادًا منهم.
_________________
(١) في هامش "ح" و"د" و"ف": (فلم يصب من اعترض هاهنا وأجاب. منه).
(٢) بعدها في "ك" و"م": (لمن).
(٣) البيت لشمير بن الحارث الضبي، وهو في "النوادر" لأبي زيد (ص: ١٢٤)، و"تفسير الطبري" (٥/ ٥١٦)، و"الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٦٠)، و"تفسير القرطبي" (٢/ ٢٥٥).
[ ١ / ٢٥٩ ]
﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾؛ أي: القولَ ﴿وَعَصَيْنَا﴾؛ أي: الأمرَ.
قال الإمام القرطبي: اختلف: هل صدَر منهم هذا القولُ، أو فعلوا فعلًا قام مقامه فيكونَ مجازًا (^١)؟
وقال الإمام أبو منصور: قولهم: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ لم يكن على أثر قولهم: ﴿سَمِعْنَا﴾، لكن بعده بأوقات، فإنهم لمَّا أبوا قبول التوراة لِمَا فيها من الشدائد رفع اللّه تعالى الجبل فوقهم، فقبِلوها خوفًا وقالوا: سمعنا وأطعنا، فلما زايل الجبل وآمنوا قالوا: عصينا، وهو ما ذكر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ وكان التولِّي بعد ذلك بأوقات (^٢).
﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾؛ أي: تَداخَلَهم حبُّه، ورسخ في قلوبهم صورتُه؛ لفَرْط شغفهم به، وهذا كما يقال: أُشرب الثوبُ الصبغَ: إذا تداخَل الصبغُ أجزاءه تداخُلَ الماء أعضاءَ الشارب، كأنه جُعل شاربًا إياه (^٣).
وفي العدول عن الظاهر - وهو: أشرب قلوبُهم حبَّ العجل - إلى ما عليه المنزل ما لا يخفى من الفخامة والإبهامِ، والتفسيرِ من وجه، والمبالغةِ في الإسناد إلى الكل، والدلالة على التمكن المستفاد من الظرفية، وأن العجل نفسَه هو المشرَب مبالغةً في إشراب الحب، إلى غير ذلك.
﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ بسبب كفرهم؛ لِمَا مرَّ (^٤) أنهم كانوا مجسِّمةً وحلوليَّةً (^٥).
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٥٥).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥١٢).
(٣) في هامش "ح" و"ف" و"م": (وعلى هذا عدم اتجاه ما في الكشاف من السؤال والجواب واضح. منه).
(٤) كلمة: (مر) ليست في "ك".
(٥) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (القول بالتجسم لا يكون بدون القول بالحلول، إذ لا شبهة في حدوث العجل. منه).
[ ١ / ٢٦٠ ]
﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾؛ أي: بالتوراة، إذ ليس فيها عبادةُ العجاجيل، وإضافةُ الأمر إلى إيمانهم (^١) تهكُّم، وكذلك إضافة الإيمان.
أمَّا الثاني: فظاهر؛ كما في قوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، تحقيرًا واسترذالًا، ودلالةً على أن مثل هذا لا يليق أن يسمى إيمانًا إلا بالإضافة إليكم، وليس المراد أنه استعارةٌ تهكمية.
وأمَّا الأول: فلأنَّ الإيمان إنما يأمر ويدعو إلى عبادةِ مَن هو غايةٌ في العلم والحكمة، فالإخبارُ بأن إيمانهم يأمر بعبادةِ مَن هو غايةٌ في البَلادة غايةُ التهكُّم والاستهزاء (^٢)، سواءٌ جعل (يأمر به) بمعنى: يدعو إليه، أو لا، وسواءٌ قصد الإسناد إلى السبب الباعثِ مجازًا كما قد يتوهم، أو لا كما هو الحق.
والمخصوصُ بالذم محذوف نحو: هذا الأمرُ، أو ما يعمُّه وغيرَه من قبائحهم المعدودة في الآيات الثلاث إلزامًا عليهم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ليس للشك من المتكلِّم، لا لاستحالته لأن المأمور (^٣) بهذا القول مما يصح منه الشك، بل لعدم مطابقته للواقع (^٤).
ولا للتشكيك إذ لم يعهد استعمال (إن) لتشكيك السامعين (^٥)، بل لتقرير القدح في دعواهم الإيمانَ بالتوراة،
_________________
(١) في "ك" و"م": (إيمانكم).
(٢) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (التهكم كما يكون بطريق الاستعارة كذلك يكون بطريق آخر مفسر. منه).
(٣) في "ح" و"ف": (الأمر).
(٤) في هامش "ح" و"د" و"ف": (رد لسعد الدين).
(٥) في هامش "ح" و"د" و"ف": (رد لصاحب الكشاف).
[ ١ / ٢٦١ ]
وذلك أن (^١) القائل قد يأتي بالشرط وهو جازمٌ بعدم وقوعه إقامةً للحجة بقياسٍ بيِّنٍ؛ كما في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦].
وتقديره: إن كنتم مؤمنين بها فبئسما يأمركم به أيمانكم بها؛ لأن المؤمن ينبغي أن لا يتعاطى إلا ما يقتضيه إيمانه، لكن الإيمان بها لا يأمر به، فإذًا لستم بمؤمنين.
* * *
(٩٤) - ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ المراد من الدار الآخرة: الجنةُ، وإنما قال: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ تشريفًا لها، وتنبيهًا على أنها في عالَم الغيب.
﴿خَالِصَةً﴾ صافيةً عن شوب (^٢) خطر التخلُّف؛ لعدم احتمال الزوال لِمَا هو سبب الاستحقاق، وهو كونهم أبناءَ الله وأحباءَه في زعمهم.
أصل الخلوص: الصفوة، والإخلاص: تصفيةُ السرِّ والقولِ والعملِ، إلا أنه ضمِّن معنى الاختصاص على ما ستقف عليه.
وهو نصب على الحال من ﴿الدَّارُ﴾ عند مَن جوَّز مجيء الحال من اسم (كان)، وأما عند مَن لم يجوِّزه فهو حال من الضمير المستتر في الخبر العائد إلى ﴿الدَّارُ﴾، ومرجع الخلاف إلى أن اسم (كان) هل هو فاعل أو لا؟
﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ متعلق بـ ﴿خَالِصَةً﴾ باعتبارِ تضمُّنه معنى الاختصاص، و(دونَ) لفظٌ يُستعمل للاختصاص وقطعِ الشركة، تقول: هذا لي دون لك، أو: مِن
_________________
(١) في "ك" و"م": (لأن).
(٢) في "ح" و"ف": (شؤم).
[ ١ / ٢٦٢ ]
دونك؛ أي: لا حق لك فيه ولا نصيب، وفي غير هذا الاستعمال يأتي بمعنى الانتقاص في المنزلة أو في (^١) المكان أو المقدار (^٢).
فإن قلتَ: أليس قد استُفيد معنى الاختصاصِ من تقديم الظرف؟.
قلتُ: نعم، إلا أنه يَحتمِلُ أن يراد به الاختصاصُ بجنسِ المخاطَبين، فلا قطعَ فيه بالمعنى المقصود.
فإنْ قلتَ: لا وجه لدعوى الاختصاص مطلقًا؛ لأنهم لا ينكرون أن من مات قبل حدوث اليهودية على شريعة إبراهيم ﵇ يدخل الجنة.
قلتُ: ذلك إذا كان معنى الخلوص الاختصاصَ، وأمَّا إذا كان معناه الصفاءَ عن شوب (^٣) خطرِ التخلُّف، فلا بُعدَ في أن يدَّعوا اختصاصَ دخول الجنة مقيَّدًا بتلك الحال لأنفسهم مطلقًا (^٤).
وأيضًا تفرُّع الأمر بالتمني الآتي ذكرُه إنما يصح على اعتبارِ الخلوص بالمعنى المذكور.
والظاهر أن المراد من ﴿النَّاسِ﴾ سائرُ الأمم، لا سائرُهم مطلقًا حتى يَنتظِم الأنبياءَ ﵈، إذ هم لا ينكرون الأنبياء المتقدمين كنوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈، ولا دلالة في قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] على ما ذكر؛ لأن المفهوم منه اختصاصُ الجنة بهم لا
_________________
(١) (في): ليست في "ك" و"م".
(٢) في "ك": (أو القدر)، وليست في "م".
(٣) في "ح" و"ف": (شؤم).
(٤) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (من هنا ظهر ما في الكشاف ومن حذا حذوه من الخلل فتأمل).
[ ١ / ٢٦٣ ]
اختصاصُهم بالجنة، وما يصلح منشأً للتمني المذكور إنما هو الثاني دون الأول على ما نبَّهت عليه آنفًا.
﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ لأن مَن أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقَها وأحبَّ التخلُّص إليها من الدار ذات النوائب (^١)، ولا يذهبْ عليك أن هذا الايقانَ على تقدير أنْ يكون معنى الخلوصِ ما ذكرناه، لا ما ذكره القوم.
* * *
(٩٥) - ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بما أسلفوا من الكبائر الموجِبة لدخول النار، وإنما أُسند التقديم إلى اليد لأنها أعظمُ الأعضاء في التصرُّف.
وعن النبيِّ ﵇: "لو تمنَّوا الموتَ لغَصَّ كلُّ إنسانٍ برِيقِه فمات مكانَه، وما بقيَ على وجهِ الأرضِ يهوديٌّ" (^٢).
والمراد بالتمنِّي قول القائل: ليتني متُّ، لا معناه في القلب، دل عليه قوله ﵇: "غص بريقه"، وأن التحدِّيَ لا يمكن بالأعمال القلبية لخفائها، ولو كان المراد المعنى القلبيَّ لكان يمكنهم (^٣) أن يقولوا: (تمنَّينا) كاذبين، ولو ادَّعوا مع ذلك لنُقل إلينا؛ لتَوفُّر دواعيهم على النقل مع كثرتهم، ولو نُقل لاشتَهر.
_________________
(١) في "د" و"ك" و"م": (الشوائب).
(٢) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ٢٧٤) عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا بنحوه. ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٢٢٥)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٩٩٥) عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: " .. وإن اليهود لو تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار .. ". وذكر الحافظ في "الفتح" (٨/ ٧٢٤) أن الخبر عند البخاري من رواية الإسماعيلي موقوف على ابن عباس.
(٣) في "ك": (تمنيهم).
[ ١ / ٢٦٤ ]
وكذا قول أحدهم: ليتني متُّ، لم ينقل مع كثرة اليهود وغيرهم من الطاعنين في الإسلام كما نقل سائر المطاعن، فهذه الجملة إخبارٌ بالغيب صادقًا كقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ تهديد لهم.
* * *
(٩٦) - ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ مِن وَجَدَ بمعنى عَلِمَ المتعدِّي إلى المفعولين، وهما: (هم) و(أحرصَ).
وتنكيرُ (حياةٍ) (^١) للدلالة على نوعٍ من الحياة متطاوِلةٍ، ولذلك كانت القراءة بها أوقعَ من قراءة: (على الحياة) (^٢).
﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ إمَّا أن يكون معطوفًا على ﴿النَّاسِ﴾ محمولًا على المعنى؛ لأن المعنى: أحرصَ من باقي الناس، وإمَّا يراد: وأحرص من الذين أشركوا، فحذف لدلالة ﴿أَحْرَصَ﴾ عليه.
وعلى الوجه الأول الأولى: إنما خُصَّ المشركون بالذكر لاختصاصهم من بينِ الناس بزيادة الحرص على الحياة الدنيا؛ لعدم إقرارهم بالبعث، فكأنهم نوعٌ آخَرُ غيرُ الناس، ففي إفرادهم بالذكر زيادةُ توبيخ وتقريع لأهل الكتاب؛ لأنَّه لمَّا زاد حرصهم
_________________
(١) في "م": (الحياة).
(٢) تنسب إلى أبي ﵁. انظر: "الكشاف" (١/ ١٦٨)، و"البحر المحيط" (٢/ ٣٣٦).
[ ١ / ٢٦٥ ]
- وهم مقرُّون بالجزاء - على حرص المنكرين دلَّ ذلك على علمهم بأنهم صائرون إلى النار.
وقيل: (من الذين أشركوا) كلام مبتدَأٌ على حذف الموصوف؛ أي: ومن الذين أشركوا أناسٌ ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾، على أن المراد بـ (الذين أشركوا) المجوس؛ لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: هزار سال بزي؛ أي: عِشْ ألف سنة، فالجملةُ (^١) على هذا صفةُ محذوفٍ، وعلى الأوَّلينِ استئنافٌ لبيانِ زيادة حرصهم.
﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ حكايةٌ لوِدَادتهم على طريق الالتفات؛ لأن (لو) للتمنِّي، وكان القياس: لو أُعمَّرُ، لتطابق الحكايةُ المحكيَّ، إلا أنه جرى على لفظِ ﴿يَوَدُّ﴾ بالغيبة؛ كقولهم: حلف بالله ليفعلن.
ومفعول ﴿يَوَدُّ﴾ محذوف كالمنسي (^٢)، إجراءً للفعل المتعدِّي (^٣) مُجرى اللازم؛ أي: يصدر من أحدهم الوِدادة المطلَقة، فيكون ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ توضيحًا بعد الإبهام؛ للإيقاع في النفس.
ويجوز أن تكون ﴿لَوْ﴾ هذه مصدريةً بمنزلةِ (أنْ) لتأكيد معنى الوِدادة، فيكون مفعولًا لـ ﴿يَوَدُّ﴾، والضمير في: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ لـ ﴿أَحَدُهُمْ﴾، و﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ فاعل بـ ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾؛ أي: وما أحدهم بمن يزحزحُه (^٤) من النار تعميرُه.
وقيل: الضمير لِمَا دلَّ عليه ﴿يُعَمَّرُ﴾ من مصدره، و﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ بدلٌ منه.
ويجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ مبهَمًا، و﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ موضِّحه.
_________________
(١) أي: جملة ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾.
(٢) في "ك": (كالعيش)، وفي "م": (كأعيش).
(٣) (المتعدي) من "ح" و"ف".
(٤) في (م): "أحدهم بمزحزحه".
[ ١ / ٢٦٦ ]
والزحزحة: التبعيدُ والإنحاء.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ قرئ بالياء جريًا على الغَيبة، وبالتاء على سبيل الالتفات (^١)، وكني بالبصير عن العليم (^٢) مبالغةً في إدراكِ الخفيَّات، وفيه تهديدٌ ووعيد.
* * *
(٩٧) - ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ نزل في عبد الله بن صوريا من أحبار فدك، حاجَّ رسول الله ﵇ وسأله عمَّن ينزَّل عليه، فقال: "جبريل"، فقال: ذاك عدوُّنا، عادانا مرارًا وأشدُّها أنه أَنزل على نبيِّنا أن بيت المقدس سيخرِّبه بختنصَّر، فبعثْنا مَن يقتلُه، فرآه ببابل، فدفع عنه جبريل وقال: إن كان ربُّكم أمره بهلاككم (^٣) فلا يسلِّطكم عليه، وإلا فبِمَ تقتلونه (^٤).
_________________
(١) قرأ بالتاء يعقوب من العشرة، والباقون بالياء. انظر: "النشر في القراءات العشر" (٢/ ٢١٩).
(٢) في "ح" و"ف": (بالبصر من العلم).
(٣) في "ك" و"م": (أمره بهذا الحكم).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢٣٨)، وتلميذه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٠)، وتلميذه البغوي في "تفسيره" (١/ ١٢٤)، عن ابن عباس ﵄، وعندهم زيادة حسنة، حيث قالوا: (.. فلما كان وقته بعثنا رجلًا مَن أقوياء بني إسرائيل في طلب بختنصّر ليقتله، فانطلق يطلبه حتى لقيه ببابل غلامًا مسكينًا ليست له قوة. فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبريل ..). وذكره أيضًا الزمخشري في "الكشاف" (١/ ١٦٩)، والبيضاوي في "تفسيره" (١/ ٩٦) وعنه نقل المؤلف. قال ابن حجر في "الكافي الشاف" (ص: ٩): هكذا ذكره الثعلبي والو احدي والبغوي، فقالوا: روى ابن عباس: أن حبرًا …، ولم أقف له على سند، ولعله من تفسير الكلبي عن أبي صالح عنه.
[ ١ / ٢٦٧ ]
وقيل: دخل عمرُ ﵁ مدارس اليهود يومًا فسألهم عن جبريل، فقالوا: ذاك عدونا يُطْلع محمدًا ﵇ على أسرارنا، وإنه صاحب كل خسفٍ وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلام، فقال: وما منزلتهما من الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره وبينهما عداوة، فقال: لئن كانا كما تقولون فليسا بعدوين، ولأنتم أكفرُ من الحمير، ومَن كان عدوَّ أحدهما فهو عدو الله تعالى، ثم رجع فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فقال ﵇: "لقد وافقك ربُّك يا عمر" (^١).
وفي (جبريل) ثمانُ لغات قرئ بهن:
أربع في المشهورات: (جَبْرَئيل) كسلسبيل، و(جَبْرَئِل) بحذف الياء و(جَبْريل) و(جِبْريل) بفتح الفاء وكسرها وحذف الهمزة (^٢).
وأربع في الشَّواذِّ: (جَبْرَائيل) و(جَبْرائِل) بالمد فيهما وحذفِ الياء في الثانية، و(جبرائلّ) بحذف الياء وتشديد اللام، و(جِبْرين) (^٣).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٨٧ - ٢٩١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٨١)، من طريق الشعبي عن عمر ﵁ به. وذكره الزمخشري في "الكشاف" (١/ ١٦٩)، والبيضاوي في "تفسيره" (١/ ٩٦) وعنه نقل المؤلف. قال السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٢٣٣): صحيح الإسناد، ولكن الشعبي لم يدرك عمر. قوله: (المدارس) قال الشهاب في "حاشيته على البيضاوي" (٢/ ٢١١): بيت اليهود الذي يدرسون به كتبهم، جمع مدراس.
(٢) انظر هذه القراءات في "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ١٦٦)، و"التيسير في القراءات السبع" للداني (ص: ٧٥)، و"النشر" (٢/ ٢١٩).
(٣) انظر هذه القراءات في "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٨)، و"المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات" لابن جني (١/ ٩٧)، و"الكشاف" (١/ ١٦٩)، و"المحرر الوجيز" (١/ ١٨٣)، و"تفسير القرطبي" (٢/ ٢٦٢)، و"البحر المحيط" (٢/ ٣٤٥)، و"روح المعاني" (٢/ ٣٣١). وفي الكلمة لغات أخر، فقد عد لها القرطبي عشرًا، وأبو حيان والآلوسي ثلاثة عشر.
[ ١ / ٢٦٨ ]
قال ابن جِنِّي: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلَّطت فيه (^١).
ومُنع صرفُه للعُجمة والتعريف، ومعناه: عبد الله.
و﴿مَنْ﴾ للشرط، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ تعليل للجزاء قام مقامه، والبارز الأول لـ (جبريل) ﵇؛ أي: فلا وجه لعداوته.
﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾؛ أي: القرآن، وإضمارُه غيرَ مذكور يدلُّ على فخامةِ شأنه؛ كأنه لتعيُّنه وفَرْطِ شُهرته يدلُّ على نفسه، ويُستغنى بذكر شيء من صفاته عن التصريح باسمه.
﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ لأنَّه القابل الأول للوحي، ومحلُّ الفهم والحفظ، وحرفُ الاستعلاء للدلالة على أن المنزَل يأخذ بمجامع قلبه، وكان الظاهر أن يقول: على قلبي، لكنه جاء على حكاية كلام الله تعالى؛ كأنه قال: قلْ ما تكلَّمتُ به.
﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بتيسيره، حالٌ من فاعل (نزَّل).
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حال من ضمير القرآن.
وكذا: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: فحقُّه أن يحبوه ويشكروا له صنيعَه؛ لإنزاله ما يصدِّق كتابهم، أو جميعَ الكتب المنزلة قبله، ويهديهم ويبشِّرهم؛ أي: إن كانوا مؤمنين به (^٢).
ويجوز أن يكون المعنى: مَن عادى جبريل فالسببُ في عداوته أنه نزَّل القرآن على قلبك مصدِّقًا لِمَا بين يديه موافقًا إياه، وهم يكرهون القرآن خوفًا من فوات رئاستهم، ولهذا يحرِّفون كتابهم وينكرون موافقتَه إياه؛ كقولك: إن عاداك فلان فقد
_________________
(١) انظر: "المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات" لابن جني (١/ ٩٧).
(٢) في "ك" و"م": (له).
[ ١ / ٢٦٩ ]
آذيتَه، أو خوفَ افتضاحهم؛ لأنَّه يكشف عن أسرارهم من تحريف التوراة وكتمان نعتِ الرسول ﵇ وعداوة المؤمنين.
* * *
(٩٨) - ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ أراد بعداوةِ الله تعالى: مخالفةَ أمره (^١) عنادًا، أو معاداةَ المقرَّبين من عباده، وصدَّر الكلام بذكره على طريقة التمهيد تفخيمًا لشأنهم؛ كما في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾.
﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾ من بني آدم والملائكة، ولو لم يكن المراد من الرسل ما يعم الرسول من جنس الملائكة لَمَا حَسُنَ الفصل بها بينهم وبين ما خُصَّ منهم بالذكر.
﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ خصَّهما بالذكر مع اندراجهما تحت عموم الملائكة والرسل لفضلهما وكرامتهما؛ كأنَّ كلَّ واحد منهما جنسٌ برأسه؛ تنزيلًا لتَغايُر الوصف منزلةَ تَغايُر الذات (^٢)، وتنبيهًا على أن معاداة الواحد والكلِّ سواءٌ في الكفر، واستجلابِ العداوة من الله تعالى.
وفي (ميكائيل) خمس لغاتٍ: (ميكائيل)، و(ميكائل) بحذف الياء، و(ميكئيل) و(ميكئل) بحذف المد عنهما، والياءِ عن الثانية، و(ميكال) بحذف الهمزة والياء (^٣).
_________________
(١) في "ك": (أوامره).
(٢) في "ك" و"م": (منزلة تغاير الموصوف).
(٣) وفيه لغات أخر، وقد قرئ ببعضها في المتواتر وبالبعض الآخر في الشاذ، وخرجناها مفصلة في تحقيقنا لـ"البحر المحيط" (٢/ ٣٤٨)، و"روح المعاني" (٢/ ٣٣٧).
[ ١ / ٢٧٠ ]
وإنما ذكر ميكائل مع أنهم كانوا يقولون: لو كان ميكائل صاحبَ محمد لاتَّبعناه لأنَّه يأتي بالخصب والسلام؛ تنبيهًا على أن مَن أبغض جبريل فقد أبغض ميكائيل؛ لأنهما قريبان بغضُ أحدهما يستلزمُ بغضَ الآخر.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ مجردُ المعاداة ظاهرٌ معلوم، فلا بد من الحمل على الكناية تربيةً للفائدة؛ أي: مَن عاداهم عاقَبه الله تعالى أشدَّ العقاب، ولمَّا كان فيه تنزيلُ المقدَّر منزلةَ المحقَّق استَحقَّ التأكيدَ بالجملة الاسمية و(إنَّ)، والشدةُ المذكورةُ معتبَرةٌ في المكنيِّ عنه، ولا تأثير فيها لتأكيد الخبر (^١).
وكان الظاهرُ أن يقال: فإنه عدوٌّ لهم، والعدولُ عن الظاهر أولًا للتهويل، ولأنَّ فيه احتمالَ أن (^٢) يذهب الوهمُ إلى رجوع الضمير إلى مجموع ما تقدم.
وثانيًا للدلالة على أن عداوة المذكورين كفرٌ، وأن الكفر سببٌ لعداوة الله تعالى إياهم.
* * *
(٩٩) - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحةَ الدلالة لا إلباسَ فيها، فعدمُ الإيمان بها ليس شبهةً.
﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا﴾ عطف على مقدَّر؛ أي: فلا تَشتبِهُ على أحدٍ ولا (^٣) يكفر بها (^٤).
_________________
(١) في هامش "د" و"م": (رد آخر لسعد الدين في قوله: واستفيدت الشدة من تأكيد الجملة الاسمية. منه).
(٢) في "ك" و"م": (احتمالًا لأن).
(٣) في "ك": (وما).
(٤) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (فالواو فصيحة، ولولا ذلك لكان الظاهر التصدير بالفاء. منه).
[ ١ / ٢٧١ ]
﴿إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ المتمردون من الكفرة.
وعن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوعٍ من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع مِن كفرٍ وغيره (^١).
وعن ابن عباس ﵄: قال ابن صُوريا لرسول الله ﷺ: ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أُنزل عليك من آيةٍ فنتبعَك لها، فنزلت (^٢).
واللامُ للجنس، والمراد: أهلُ الكتاب الخارجين (^٣) عن دينهم؛ لأن الآية نزلت فيهم، وطرفُها كلام في شأنهم، والوصفُ بالتمرد آلْيَقُ بحالهم، ففيه دلالةٌ على أنَّ ذلك الخروجَ سببٌ لكفرهم، فيكون فيه مبالغةٌ، وهي أن يكون (^٤) كفرُ غيرهم كالعدم، ومن لم يتنبه لهذا زعم أن الأحسن أن تكون للعهد (^٥).
* * *
(١٠٠) - ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ الواو للعطف على محذوف؛ إذ لا مجالَ للعطف على الكلام السابق، معناه: أَكَفَروا بالآيات البينات وكلما عاهدوا، فالهمزة إنكارٌ للجمع بين الكفر ونقض العهد.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ١٧١).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ١٧١)، رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٣٠٥). وجاء في "م": (بها)، وهو الموافق لما في "تفسير الطبري"، والمثبت من باقي النسخ و"الكشاف".
(٣) كذا في النسخ، والجادة: (الخارجون).
(٤) (يكون) من "ح" و"ف".
(٥) في هامش "ح" و"د" و"ف": (فيه رد لسعد الدين في زعمه أن هذا على أحسنية العهد. منه).
[ ١ / ٢٧٢ ]
وقرئ بسكون الواو (^١)، على أنَّ الفاسقين بمعنى: الذين فسَقوا، فكأنه قيل: إلا الذين فسقوا أو نقضوا (^٢) عهدَ الله مرارًا كثيرة، لا على أن الواو العاطفة أُسكنت إسكانَ الهاء في (وَهْوَ) لأنَّه لم يثبت مثلُ ذلك في الواو العاطفة (^٣).
و(أو) في مثل هذه المواضع تفيد تساويَ الأمرين في الوقوع (^٤)، مع أن الثانيَ أبعدُ وأليقُ بأن لا يقع، فيُحمل على أنها بمعنى (بل) وقد أثبتها الثقات وشهد بها الاستعمال، ودلت عليها هاهنا القرينةُ، وهي قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ترقِّيًا إلى الأغلظ فالأغلظ.
﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ النبذ: الرميُ بالذِّمام ورفضُه، ولم يغلب فيما يُنسى فلذلك احتيج إلى زيادة قوله: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ عند إرادةِ معنى النسيان، وإنما قال: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾؛ لأنَّ بعضهم لم ينقُضْ.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ردٌّ لِمَا يُتوهم أنَّ الفريق هم (^٥) الأقلُّون، وهذا على تقديرِ أن يكونَ مَن لم ينبذ جهارًا مُؤمنًا حقًّا.
* * *
(١٠١) - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) تنسب لأبي السمال العدوي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨)، و"المحتسب" (١/ ٩٩).
(٢) في "م": (فسقوا ونقضوا).
(٣) في هامش "ح" و"ف" و"م": (الواو في أو ليست مسكنة لأن الواو العاطفة لا يتسكن. منه).
(٤) في "ك" و"م": (الواقع).
(٥) في "م": (هو).
[ ١ / ٢٧٣ ]
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ تنكير الرسول للتعظيم، وفي قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إشارة إلى (^١) استحقاقه التعظيم من جهة أخرى.
﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ من الكتاب، وتصديقُه: كونه على الوصف الذي ذكر فيه، فالمراد من الرسول محمد ﵇ (^٢).
﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ يعني: التوراةَ، حيث لم يعملوا بموجَبِ ما فيها، وهو الإيمان بالرسول المصدِّقِ لها.
﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ النبذ وراء الظهر مَثَلٌ لتركِ الشيء والإعراضِ عنه بالكليَّة، مثلَ ما (^٣) يرمى به وراء الظهر استغناءً عنه، وقد يكون كنايةً عن نسيانه، فإنَّ نبذ الشيء وراء الظهر يستتبِع نسيانه (^٤) غالبًا.
ويجوز أن يستعار النسيان للإعراض رأسًا، ثم يكون النبذُ وراء الظهر كنايةً عنه على أنه نسيانٌ، فيكون كنايةً متفرِّعة على الاستعارة المَنْوية، ولْنُسَمِّه كنايةً بالاستعارة، وهذا أبلغ من الكناية ابتداء والاستعارةِ التمثيلية.
﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنه كتابُ الله تعالى، جملةٌ حاليَّةٌ، وكأنَّ فيه إيماءً إلى ما ذكر من الاستعارة المنوية.
_________________
(١) في "م": (إلى أن).
(٢) هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (رد للقاضي في قوله كعيسى ومحمد. منه).
(٣) في "ح" و"ف": (مثل لما)، وفي "د": (مثل بما).
(٤) في "ك" و"م": (مستتبع نسيانه).
[ ١ / ٢٧٤ ]
(١٠٢) - ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ عطفٌ على ﴿نَبَذَ﴾؛ أي: نبذوا كتابَ الله تعالى، واتَّبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت الشياطينُ - وهم المتمرِّدون من الجن - يقرؤونها على عهد مُلكِ سليمانَ ﵇.
وليست ﴿عَلَى﴾ صلةَ التلاوة، بل من قولهم: كان هذا على عهد فلانٍ؛ أي: في وقته وزمانه، ﴿تَتْلُو﴾ حكايةُ حالٍ ماضية.
﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ تكذيب لمن زعم أن سليمان ﵇ سخَّر الإنس والجن والريح بالسحر، وأن مُلكه تمَّ بهذا العلم، والكنايةُ عن السحر بالكفرِ للدلالة على أنه كفرٌ، والإشارةِ إلى ما يوجب تنزُّهه ﵇ عنه؛ كأنه قال: وما سَحَر سليمان؛ لأنَّ السحر كفرٌ، والنبيُّ معصومٌ عن الكفر.
﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ لمَّا نفى الكفر عن سليمان ﵇، وكان الشياطينُ قد سخِّرت لسليمان ﵇ يستعملُهم (^١) فيما يشاء، فقد يُتوهم أنهم لا يكفرون أيضًا، إذ هم في خدمة نبيٍّ، فاستدرك أنهم كفروا باستعمالهم السحر.
_________________
(١) في "م": (ليستعملهم).
[ ١ / ٢٧٥ ]
وقرأ الحسن: (الشياطون) (^١).
وقال السَّجاونديُّ: خطَّأه الخارْزَنجيُّ (^٢)، ولو سلِّم صحتُه فلا خفاءَ في عدم فصاحته.
﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ إغواءً وإضلالًا، والجملةُ حال عن الضمير، والسحرُ: مزاولةُ النفوس الخبيثة لأفعالٍ وأقوالٍ يترتَّب عليها أمورٌ خارقةٌ للعادة، ولا يروى خلافٌ في كون العمل به كفرًا، وعدُّه نوعًا من الكبائر مغايرًا للإشراك لا ينافي ذلك؛ لأن الكفر أعمُّ، والإشراكُ نوعٌ منه.
وهو في أصل اللغة: الصَّرف، حكاه الأزهري عن الفرَّاء ويونسَ (^٣)، فإطلاقُه على ما يفعله أصحابُ الحيَل بمعونة الآلات والأدوية، وما يُريك صاحبُ خفَّة اليد باعتبارِ ما فيه من صرف الشيء عن جهته حقيقةٌ لُغويَّة.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ عطفٌ على ﴿السِّحْرَ﴾، والمراد بهما واحدٌ، والعطف لأنَّه نوع أقوى منه كأنه من جنسٍ آخر.
وهما ملكان أُنزلا لتعليم السحر ابتلاءً من الله تعالى للناس.
وقيل: رجلان سمِّيا ملَكين باعتبارِ صلاحهما، ويؤيِّده قراءةُ: (المَلِكَين) بالكسر (^٤).
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨).
(٢) هو أبو حامد أحمد بن محمد البستي، إمام الأدب بخراسان في عصره، له: "تكملة كتاب العين"، و"شرح أبيات أدب الكاتب"، توفي (٣٤٨ هـ). انظر: "الأنساب" للسمعاني (٥/ ١٢)، و"بغية الوعاة" (١/ ٣٨٨).
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (٤/ ١٧٠).
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨). ووقع في النسخ: (ملكين) دون (ال) والصواب المثبت.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وقيل: (ما أُنزل) نفيٌ معطوفٌ على (ما كفر) تكذيبٌ لليهود في هذه القصة، وهذا يكذِّبه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ فإنه إذا لم يكن هناك شيءٌ منزل فالتعليم والتعلُّم في أيِّ شيء يكون؟
﴿بِبَابِلَ﴾ ظرفٌ، أو حال من ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ أو الضميرِ في ﴿أُنْزِلَ﴾، قال ابن مسعود ﵁: هي في سواد الكوفة. ومُنِعَ صرفُها للعَلَميَّة والتأنيث.
﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ عطفُ بيانٍ أو بدلٌ لـ ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾، ومُنع صرفُهما للعلَمية والعُجمة، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر - كما زعم بعضهم - لانصرفا.
وقرئ: (هاروتُ وماروتُ) بالرفع (^١) على: هما هاروتُ وماروتُ.
وإبدالُهما من ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ بدلَ البعض من الكلِّ - تصحيحًا لِمَا قيل: إنَّ (ما أُنزل) نفيٌ - يردُّه تعلُّق قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ الآيةَ بما (^٢) قبله تعلُّقًا خاصًا بحيث لا ينتظم بدونه، فإن المبدَل منه في حكم الساقط بحيث لو أُقيم البدل مقامه لانْتَظَم الكلام معه.
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ تصريحٌ بما قدَّمناه من أنَّ إنزال السحر عليهما للابتلاء؛ أي: ما يعلمان أحدًا حتى ينصحاه وينبهاه على أنه سحرٌ، والعمل به كفرٌ.
والفتنة: ما يَتبيَّن بها حال الإنسان من الخير والشر، يقال: فتنتُ الذهب بالنار: إذا جرَّبته بها لتعلم أنه خالصٌ أو مشوبٌ، ومنه: الفتَّانة، وهي الحجرُ الذي يجرَّب به الذهب والفضة.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨).
(٢) في النسخ عدا "ك": (لما)، والمثبت من "ك".
[ ١ / ٢٧٧ ]
﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ بالعمل به، أو باعتقاد جوازه، إنما نحن ابتلاءٌ من الله تعالى واختبار.
قال عليٌّ ﵁: كانا يعلمان تعليم إنذارٍ لا تعليم دعاءٍ إليه (^١)، كأنهما يقولان: لا تفعل كذا وكذا.
والصحيح من مذهب أصحابنا أن تعلُّمه حرام مطلقًا؛ لأنَّه توسُّلٌ إلى محظورٍ عنه غنًى وتَوَقِّيه بالتجنُّب أصلحُ وأحوطُ.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ عطفٌ على يعلِّمان المقدَّر؛ أي: يعلِّمان فيتعلَّمون الناس، على أن الضمير لِمَا دل عليه ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾.
﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾؛ أي: ما يُحْدِث الله عنده من التفرقة بينهما.
﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ﴾؛ أي: بما يفرِّقون.
﴿مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ استثناء مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوال، فهو حالٌ من فاعلِ ﴿بِضَارِّينَ﴾، و﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ في محلِّ النصب بالمفعولية في الموضعين، وفي زيادةِ ﴿مِنْ﴾ تأكيدٌ بليغٌ فيهما.
وقرئ: (بضارِّي) على حذفِ النون من اسم الفاعل (^٢)، وإن لم يكن فيه (أل).
قال أبو حيان: وله نظير في نثرِ العرب ونظمِها، وأما حذفُها على الإضافة إلى ﴿أَحَدٍ﴾ وجعلُ الجارِّ جزءًا منه فمردودٌ بأن الجارَّ مؤثِّر فيه، وجزءُ الشيء لا يؤثِّر في الشيء (^٣).
﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ لِمَا عرفتَ أنه أفعالٌ وأقوالٌ تُزاوِلها النفوسُ الخبيثة،
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٨٨).
(٢) انظر: "المحتسب" (١/ ١٠٣)، و"البحر المحيط" (٢/ ٣٨٦).
(٣) انظر: "البحر المحيط" (٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨).
[ ١ / ٢٧٨ ]
فحصوله (^١) لا يخلو عن نوعِ تأثيرٍ في نفس المتعلِّم، وأمَّا ما قيل: لأنهم يقصدون به العمل، أو لأن العلم يجر إلى العمل غالبًا، فإنما يصح وجهًا لضرر العلم لا لضرر المعلوم.
﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ نفيٌ لاحتمالِ أن يكون ضرره مَشوبًا بنفعٍ في الجملة، وهذا كالردِّ على مَن توهَّم أنَّ في تعلُّمه ليتوقاه، ولئلا يغترَّ به نفعٌ ما، واستَشهد بقول أبي نواسٍ:
عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ لكنْ لتَوَقِّيهِ … ومَن لم يَعرفِ الشَّرَّ مِن الخيرِ وقعَ فيه (^٢)
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾؛ أي: اليهود.
﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾؛ أي: استبدله بكتاب الله تعالى، والضميرُ لـ ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾، واللام الأولى للتأكيد القسَمي، والثانيةُ لام الابتداء لتعليق فعلِ العلم.
﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: نصيب.
﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ عطفٌ على جملة القسم والجواب، أو على الجواب، وعطفُ الإنشاءِ على الإخبار كثير، وقد تقدَّم الكلام فيه.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ جوابُ (لو) محذوفٌ؛ أي: لارْتَدَعوا عن تعلُّم السحر وإيثارِ كتبه، أو: لكان خيرًا لهم، والمعنى: لو اعتادوا العمل بموجَبِ العلم، كنى عن عَدَم العمل بموجَبِ العلم بعدم العلم؛ تنبيهًا على قوة الملازمة بين العلم والعمل بموجَبه، وأن عدم العمل لعدم الصحة فيما يُوجبه من العلم.
_________________
(١) في "ك" و"م": (فحصولها).
(٢) في "ك": (يقع فيه).
[ ١ / ٢٧٩ ]
(١٠٣) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ برسول الله ﵇ والقرآن، أو التوراةِ (^١)؛ لأن إيمانهم بها كلَا إيمانٍ.
﴿وَاتَّقَوْا﴾ اجتنَبوا ما هم عليه من اتِّباع السحر واستبدالهِ بكتاب الله تعالى.
﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ لشيءٌ ما من الثواب.
﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فيه تعظيمٌ للثواب، وتنبيهٌ على بقائه، بناءً على أن ما عند الله عبارةٌ عما في عالَم الغيب، أعني: عالمَ الآخرة، ودفعٌ لِمَا عسى أن يُتوهَّمَ أن التنكير التقليليَّ في (مثوبة) للتحقير.
﴿خَيْرٌ﴾ جواب (لو)، وأصله: لأُثيبوا مثوبةً من عند الله خيرًا (^٢) مما شَرَوا به أنفسهم، فحُذف الفعل وركِّب الباقي جملةً اسمية ليدل على ثبات المثوبة والجزمِ بخيريَّتها، وحُذف المفضَّل عليه إجلالًا للمفضَّل من أن ينسب إليه.
ويجوز أن يكون: ولو أنهم آمنوا تمنِّيًا على سبيل المجاز؛ كأنه قيل: وليتهم آمنوا واتَّقوا، وتركُ الجواب في (لو) هذه كاللازم؛ لكونه في معنى (ليت)، وتقديره: لو آمنوا واتقوا لكان حسنًا، وإيراد الجملة الابتدائية بعده كالتعليل للتمني.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أنَّ (^٣) ثوابَ الله تعالى خيرٌ لهم مما هم فيه، جهَّلهم لتركهم العملَ بعلمهم.
_________________
(١) في "ك" و"م": (والتوراة).
(٢) في النسخ: (خير)، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (١/ ٩٨).
(٣) في النسخ: (أي)، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (١/ ٩٨).
[ ١ / ٢٨٠ ]
(١٠٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ (راعِنا) أمرٌ من المراعاة يقتضي المشاركةَ غالبًا؛ أي: ليكن منك رَعيٌ لنا، ومنا رَعيٌ لك، والرعي: حفظُ الغير لمصلحته، نُهوا أن ينطقوا بلفظٍ يقتضي المشاركة مع مَن يعظَّم، وتضمَّن هذا النهيَ عن كلِّ ما يكون فيه استواءٌ مع النبيِّ ﵇.
ورُوي أنَّ المسلمين كانوا يقولون للرسول ﵇: راعنا؛ أي: راقبنا وتأنَّ بنا فيما بلَّغتنا حتى نفهمه، وسمع اليهود فافترَصوا (^١) وخاطَبوه به مريدين نسبتَه إلى الرَّعن، أو سبَّه بالكلمة العبرانية التي كانوا يتسابُّون بها وهي: راعينا، فنُهي المؤمنون عنها وأُمروا بما يفيد تلك الفائدة ولا يحتمل التلبيس، وهو: ﴿انْظُرْنَا﴾ من نظَره: إذا انتظره (^٢).
وقرئ: (أنظِرْنا) من النَّظِرة (^٣)؛ أي: أَمْهِلْنا حتى نَحفظ (^٤).
وقرئ: (راعُونا) على لفظِ الجمع للتوقير، و: (راعنًا) بالتنوين (^٥)؛ أي: قولًا
_________________
(١) أي: انتهزوا. انظر: "النهاية" (مادة: فرص).
(٢) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (وأما معنى انظر إلينا فلا يناسب المقام لأن الكلام فيما يفيد فائدة راعنا. منه).
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (١/ ٩٨)، و"البحر المحيط" (٢/ ٤٠٤)، و"روح المعاني" (٢/ ٣٧٠)، وعزاها أبو حيان والآلوسي لأبي ﵁ والأعمش، وعندهم جميعًا أنها من الإنظار بمعنى: أمهلنا، أما النظِرة فذكرها أبو حيان في معنى القراءة الأولى قراءة الجمهور، ويفهم من كلامه أن المعنى واحد، لكن ما ذكروه هو الأوفق بقانون الصرف مما قاله المؤلف.
(٤) في (م): "نحفظه".
(٥) القراءتان في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩).
[ ١ / ٢٨١ ]
ذا رعنٍ، نسبة إلى الرَّعنِ وهو الهوج، لمَّا شابه قولَهم: راعينا، فتسبَّب للسب (^١).
﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما يكلِّمكم به رسول الله ﷺ سماعَ تيقُّظٍ حتى لا تحتاجوا إلى المراجَعة وطلب المراعاة (^٢).
أو: واسمعوا ما أُمرتم به بجِدٍّ حتى لا ترجعوا إلى ما نُهيتم عنه، تأكيدًا عليهم في تركها (^٣).
﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: الذين تهاوَنوا الرسولَ ﵇ وسبُّوه.
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بسبب كفرهم.
* * *
(١٠٥) - ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ المودة: محبة الشيء مع تمنِّيه، ولذلك يستعمل في كلٍّ منهما، و(مِن) للبيان؛ لأن (الذين كفروا) جنسٌ تحته نوعان: أهلُ الكتاب والمشركون. و(لا) مزيدةٌ للتأكيد.
نزلت تكذيبًا لجمعٍ من اليهود يُظهرون مودة المؤمنين ويدعون أنهم يودون لهم الخير.
﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ مفعولُ ﴿يَوَدُّ﴾، و(مِن) الأولى
_________________
(١) أي: لما أشبه قولهم: راعينا، وكان سببًا في السب اتصف بالرعن. انظر: "الكشاف" (١/ ١٧٤). والهوج: الحماقة. انظر: "نواهد الأبكار" (٢/ ٢٩٣).
(٢) في (م): "المراجعة والمراعاة".
(٣) في هامش "ح" و"ف": (أي: في ترك كلمة راعنا. منه).
[ ١ / ٢٨٢ ]
مزيدةٌ للاستغراق بعد النفي، والثانيةُ للابتداء، وفسِّر الخير بالوحي، والمعنى: أنهم يحسدونكم به، وما يحبون أن ينزَّل عليكم شيءٌ منه، وبالعلم وبالنصرة (^١)، والوجهُ تعميمُه للكلِّ؛ لأنَّه نكرة في سياق النفي بالواسطة.
﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ على مقتضى حكمته، وتقديمُ اسم الله تعالى على الفعل للتأكيد والتخصيص، ثم وُضع المظهَر موضع المضمَر للتعظيم، وتربيةِ معنى الإضافة بالانفراد.
﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ إشعارٌ بأن النبوة هي الفضل العظيم، والله تعالى صاحبُه دون غيره.
* * *
(١٠٦) - ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ وقرئ: ﴿مَا نُنْسَخْ﴾ من أَنْسَخَ (^٢)، و: (ننسِّيها) بالتشديد من التَّنسية (^٣)، و: ﴿نُنْسِأهَا﴾ بالهمزة (^٤)، و: (تَنسها) و: (تُنسها)، من نَسِي وأَنْسَى على خطاب الرسول ﵇ (^٥).
_________________
(١) قوله: (يحسدونكم به)؛ أي: بسببه، وقوله: (وبالعلم وبالنصرة) معطوف على قوله: (بالوحي). انظر: "حاشية الشهاب" (٢/ ٢١٨).
(٢) هي قراءة ابن عامر من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٧٦).
(٣) انظر: "المحتسب" (١/ ١٠٣)، و"المحرر الوجيز" (١/ ١٩٢)، و"البحر" (٢/ ٤١٣).
(٤) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٧٦).
(٥) انظر القراءتين في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩)، و"المحتسب" (١/ ١٠٣)، و"المحرر الوجيز" (١/ ١٩٢)، و"البحر" (٢/ ٤١٢ - ٤١٣).
[ ١ / ٢٨٣ ]
وقرئ: (ما نُنْسِكَ من آيةٍ أو نَنْسَخْها) و: (ما نَنْسَخْ من آية أو نُنْسِكَها) (^١).
والنسخ في اللغة: هو النقل والتحويل، ومنه انتساخُ الكتاب: هو نقلٌ من نسخةٍ إلى أخرى.
ونسخ الآية: بيانُ انتهاء التعبُّد بقراءتها، أو حُكمِها، أو بهما جميعًا.
وإنساخُها: الأمر بنسخها.
ونَسْؤُها: تأخيرها وإذهابُها لا إلى بدلٍ.
وإنساؤها وتنسيتُها: أن يذهب بحفظها عن القلوب.
و﴿مَا﴾ شرطيَّةٌ جازمةٌ لـ ﴿نَنْسَخْ﴾ منصوبةٌ به على المفعولية، ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ مجزومٌ أيضًا للعطف على المجزوم، وجزمُه بحذف الياء منه.
و(الآية) على المعنى اللغوي وهو جماعةٌ من الكلام، يقال: خرج القوم بآيتهم؛ أي: بجماعتهم؛ إذ لا اختصاص للنسخ بتمامِ الآية المصطلَحة.
﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ بما هو أنفعُ لكم في الدنيا أو في الآخرة ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ في النفع في واحدةٍ منهما.
نزلت لمَّا قال المشركون أو اليهود: ألَا ترون إلى محمدٍ ﵇ يأمر أصحابه بأمرٍ، ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه. ففي (^٢) الآية دلالة على جواز النسخ، بل على وقوعه.
_________________
(١) انظر القراءتين في "الكشاف" (١/ ١٧٦).
(٢) في "ل" و"م": (وفي)، وجاء في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (في تفريع الدلالة على سبب النزول رد للقاضي في زعمه أن الدلالة المذكورة باعتبار أنَّ (إنْ) وما يتضمنها يختص بالأمور المحتملة؛ لأن الاحتمال العقلي لا حاجة إلى الاستدلال في إثباته).
[ ١ / ٢٨٤ ]
قيل: وذلك لأن الأحكام شُرعت والآياتِ نزلت لمصالح العباد وتكميلِ نفوسهم فضلًا من الله تعالى ورحمةً، وذلك يَختلِف باختلافِ الأعصار والأشخاص؛ كأسباب المعاش، فإنَّ النافع في عصرٍ قد يَضُرُّ في غيره.
وكأنَّ هذا القائلَ غافل عن قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، أو عن دلالته على أنَّ النسخ قد يكون غضبًا على قوم.
ثم إنَّ قوله: وذلك يختلف باختلاف الأعصار … إلخ، مَبناه الغفولُ عن أن النسخ قد يكون قبل العمل بالمنسوخ.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ الخطاب لكلِّ أحدٍ؛ لأن الأمر عظيمٌ شامل، والتيقُّظ له ضروريٌّ للكلِّ، فيصلح أن يخاطَب به كلَّ أحد.
﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَقدر على الخير وما هو خيرٌ منه، وعلى مثله في الخير.
ويجوز أن يكون الخطابُ لمحمد ﵇ تعريضًا للمشركين أو اليهود، كما أن قوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] خطابٌ لعيسى ﵇ يومَ القيامة تعريضًا للنصارى.
* * *
(١٠٧) - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ تأكيد لِمَا مرَّ، وجعلُه استفهامًا محضًا ومعادِلُه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ قولُ مَن لم يَذُقْ فصاحةَ كلام العرب (^١).
_________________
(١) في "ك" و"م": (القرآن)، وجاء في هامش "م": (في نسخة: العرب).
[ ١ / ٢٨٥ ]
﴿أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يملك أمورَكم ويليها ويُدبِّرها، فيتعبَّدُكم بما يشاء مما يَرى فيه مصلحتكم.
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ مَن يَلي أمورَكم ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ مَن ينصركم عليه.
وفي إظهار اسم الله في ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ما مرَّ آنفًا.
ثم لمَّا قرَّر عليهم أنه مالكُ أمورهم ومدبِّرُها بحسب مصالحهم، وأنَّه لا يُنزِل عليهم إلا ما هو خيرٌ لهم، أراد أن يوصيهم بالثقة به فيما يُنزلُ (^١) عليهم ويدبِّر به أمرهم ويتعبَّدهم به، وأن لا يكونوا كقوم موسى ﵇ في السؤال عن أمورٍ عادت عليهم وبالًا، فيسألوا (^٢) رسولهم ما يضرُّهم ولا ينفعهم، فقال:
* * *
(١٠٨) - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ ﴿أَمْ﴾ هي المنقطِعة بمعنى (بل) والهمزةِ، فمعنى (بل) إعراضٌ عن اعتراضهم على القرآن بالنسخ، وطعنِهم وغفلتِهم عن حكمةِ الله تعالى، ومعنى الهمزةِ إنكارٌ لِمَا يناسبه من اقتراحهم على النبيِّ ﷺ كاقتراحهم على موسى ﵇، وفيه مبالغةٌ في النهي حتى كأنهم كانوا بصددٍ الإرادة، فنهوا عن الإرادة فضلًا عن السؤال، يعني: من شأن العاقل أن لا يتصدَّى لإرادةِ ذلك.
_________________
(١) في "ح" و"ف": (ينزله).
(٢) في "ك": (فسألوا).
[ ١ / ٢٨٦ ]
ويجوز أن تكون متصلة بهمزةٍ محذوفة؛ أي: أتعترِضون عليه بالنسخ وتطعنون فيه أم تريدون أن تسألوا، وقوله:
﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ بلفظِ المبنيِّ للمفعول ترشيحٌ لهذا المعنى، بمعنى: أنَّ مَن يَسأل (^١) مثلَ هذا السؤالِ حقيق بأنْ يُصان عن ذكره المقالُ، وإلا فالمناسبُ أن يشبَّه سؤالهم بسؤال قومه أو سؤالُ نبيِّنا بسؤالِ موسى ﵉ على المصدر المبنيِّ للفاعل.
ثم ذيَّل الكلام بقوله:
﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾؛ أي: مَن (^٢) ترك الثقة بالآيات المنزلة وشكَّ فيها واقترح غيرَها.
﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: الطريقَ المستقيمَ، اضاف الوصفَ إلى الموصوف ليُفيد بُعدَ الانحراف، ويكونَ أول ما يَطرقُ سمعهم بعد الضلال هو الاستواءُ، فينتبهوا على أنهم أخطؤوا الاستقامةَ في طريقهم فيرجعوا، وهو أبلغ من قولك: فقد ضلَّ الطريق المستوي.
* * *
(١٠٩) - ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: أحبارَهم.
_________________
(١) في "ك" و"م": (سأل).
(٢) في "م": (ومن).
[ ١ / ٢٨٧ ]
﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ تمنَّوا أن يردُّوكم، فإنَّ (لو) تنوب عن (أنْ) في المعنى دون العمل.
﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ حال، أو مفعولٌ ثانٍ على أن يضمَّن (يَرُدُّ) معنى: يَجعل.
﴿حَسَدًا﴾ مفعولٌ له، أو حالٌ أُريد به نعتُ الجمع؛ أي: حاسدِينَ لكم، والحسدُ: الأسف على مَن له خير بخيره، والتمنِّي أن يزول عنه إليه.
﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿حَسَدًا﴾؛ أي: حسدًا ناشئًا من عند أنفسهم، بمعنى: حسدًا مُتبالِغًا ذاتيًّا لا يمكنُ إزالتُه، لا عَرَضيًّا (^١) جائزَ الزَّوال، وإلا فحسدُهم لا يكون إلا مِن عندِ أنفسهم.
ويجوز أن يتعلَّق بـ ﴿وَدَّ﴾؛ أي: تمنَّوا ارتدادَكم من قِبَلِ أنفسهم وشهوتها، لا من جهة التدين والميل إلى الحق (^٢)؛ لأنهم تمنَّوا ذلك من بعدِ ما تحقَّقوا أنكم على الحق.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ بالمعجزات والنعوت المذكورة في التوراة.
ومعنى الفاءِ في ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ السَّببيةُ، يعني: إذا علمتُم أنَّ وِدادتهم المؤكَّدةَ إنما هي لحسدهم (^٣) لا للدِّين، فليس يمكنُكم إزالتُها، فلا سبيل لكم إلا العفوُ وهو التَّركُ، والصفحُ وهو الإعراض.
﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ من قتل بني قريظةَ، وإجلاءِ بني النَّضير، وإذلالهم
_________________
(١) في "ح" و"ف": (عرضًا).
(٢) في "م": (التحقق).
(٣) في "م": (بحسدهم).
[ ١ / ٢٨٨ ]
بالجزية، ولا يَخفى ما في نسبة الإتيان إليه تعالى من التعظيم والتهويل، ولذلك عدل عن الأصل وهو: حتى يأتي أمر الله.
ولمَّا كان مَظِنّةَ أن يَسبِقَ إلى الوهم أنَّ ذلك التوقُّفَ لعدم القدرة على الانتقام على الفور تُدُورِكَ (^١) دفعُه بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدِر على الانتقام منهم أيَّ وقتٍ شاء.
وعن ابن عباس ﵄: أنه منسوخ بآية السيف (^٢).
والغايةُ التي يتعلَّق بها الأمر إذا كانت لا تُعلم إلا شرعًا لم يخرج ذلك الواردُ من أن يكون ناسخًا، دل على ذلك انتساخُ (^٣) حكم التوراة والإنجيل بظهور نبينا ﵇، مع ما فيها من بيانِ انتهاء حكمِها بظهور النبيِّ الأمي.
* * *
(١١٠) - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ عطفٌ على ﴿فَاعْفُوا﴾، كأنه أمرهم بالصبر واللَّجَأ إلى الله تعالى بالعبادة والبِرّ.
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾؛ أي: شيئًا قليلًا من جنس الخير.
_________________
(١) في "م": (تدارك).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٢٤) عن ابن عباس بلفظ: ونَسخ ذلك قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
(٣) في "م": (انتساخ ما في).
[ ١ / ٢٨٩ ]
﴿تَجِدُوهُ﴾ جاء في الأحاديث الصِّحاح: أنَّ الأعمال نفسَها تتجسَّد يومَ الجزاء وتوجِد نفسَها.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ قد مرَّ تفسيرُه.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعدٌ يَتضمَّن الوعيدَ على عدمِ الإخلاصِ في العمل، وقرئ بالياء (^١) فتمحَّض وعيدًا.
* * *
(١١١) - ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ عطفٌ على ﴿وَدَّ﴾، والضميرُ لأهل الكتاب من الفريقين.
﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ جمع هائد؛ كعائذٍ وعُوذٍ، وهو جمعٌ لا يَنقاس في فاعِلٍ، وتوحيدُ الاسم المضمَر وجمعُ الخبر باعتبارِ اللفظ والمعنى.
﴿أَوْ نَصَارَى﴾ لفٌّ بين قولي الفريقين؛ كما في قوله: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١٣٥] إيجازًا؛ اعتمادًا على فهم السامع، وأمنًا من الإلباس؛ لشهرتها (^٢) بين الناس بالتَّعادي.
﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ إشارةٌ إلى الأمانيِّ المذكورة، وهي أن لا ينزلَ على المؤمنين خيرٌ من ربهم، وأن يردُّوهم كفارًا، وأن لا يدخلَ الجنة غيرُهم، أو إلى ما في الآية على حذف المضاف؛ أي: أمثالُ تلك الأمنيَّةِ أمانيُّهم، والجملةُ اعتراض.
_________________
(١) انظر: "تفسير البيضاوي" (١/ ١٠٠).
(٢) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (لشهرتهما).
[ ١ / ٢٩٠ ]
وقد مرَّ أن الأمنيَّة أفعولةٌ من التمنِّي مثلَ الأضحوكة والأعجوبة، والتمنِّي: تقدير الشيء في النفس وتصويرُه فيها، ولمَّا كان أكثرُه عن تخمينٍ صار البطلانُ له أملكَ.
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾؛ أي: أحضروا حُجَّتكم على اختصاصكم بدخول الجنة، والبرهانُ مشتقٌّ من البَرْه، وهو القطعُ، أو من البَرْهنة وهي البيان.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم.
فإنْ قلتَ: هلَّا يجوز أن يكون واحدًا منَّا صادقًا في دعواه، ومع ذلك يكون عاجزًا عن إثباته؟
قلت: يجوز ذلك في العقليات، وأمَّا الذي مدارُه على السمع فلا يجوز (^١).
* * *
(١١٢) - ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿بَلَى﴾ إثباتٌ لِمَا نَفَوْه من دخول غيرهم الجنة.
﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أَخلصَ نفسَه ﴿لِلَّهِ﴾ لا يشركُ به غيرَه، عبَّر بالوجه عن الجملة، إذ هو أشرفُ الأعضاء وفيه الحواسُّ، ولأنَّ أثر الانقياد والخضوع يظهر فيه.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عمله، حالٌ.
﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ الذي وُعد على عمله ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ لا يَضيع ولا يَنقص.
ويجوزُ أن يكون ﴿بَلَى﴾ وحدَه ردًّا لقولهم، ثم يقع ﴿مَنْ أَسْلَمَ﴾ كلامًا مبتدأ،
_________________
(١) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (قيل: فإن كل قول لا دليل عليه غير ثابت، ويتجه عليه أن الكلام في الصدق لا في الثبوت، والثاني وراء الأول وكثيرًا ما يتخلف عنه. منه).
[ ١ / ٢٩١ ]
والجملةُ (^١) جوابُ ﴿مَنْ﴾ إن كانت شرطيةً، وخبرُها إن كانت موصولةً، والفاءُ فيها لتضمُّنها معنى الشرط.
وأن تكون ﴿مَنْ﴾ موصولةً فاعلَ فعلٍ محذوفٍ دلَّ عليه ﴿بَلَى﴾؛ أي: يدخلها مَن أسلم وجهه لله، ويكون قوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ معطوفةً على: يدخلُها مَن أسلم.
ولا يخفى ما في الشرطيَّة العامة من التعريض بأنهم لا يدخلون الجنة لانتفاءِ الأوصاف الموجِبة للأجر بحكم الوعد الصادق، والترغيبِ في سلوك طريق الدخول، ولم يجزم بأن غيرهم موصوف بذلك لأنَّه على أسلوب الكلام المُنْصف (^٢).
وأَوْجهُ الوجوه أن يقدَّر: بلى يدخلُها غيرهم، فقيل: مَن هو؟ قيل: مَن أسلم، ويكون قوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ من التَّتميم على أنه زيادةٌ على دخول الجنة.
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قد مرَّ تفسيره.
* * *
(١١٣) - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ هو في غاية المبالغة؛ لأنَّ الشيء يتناول المعدومَ والممكِنَ والمحال، فإذا سُلب (^٣)
_________________
(١) يعني جملة: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾.
(٢) في "ح" و"ف": (كلام المنصف)، وفي "ك": (الكلام المفيد).
(٣) في "ح" و"ف": (سلبه).
[ ١ / ٢٩٢ ]
الشيئيَّةَ لم يبق من المبالغةِ حدٌّ وراءه، ومَن قيَّده (^١) بقوله: يعتدُّ به، فقد أخلَّ بها.
نزلت لمَّا قَدِمَ وفد نجرانَ على رسول الله ﵇، وأتاهم أحبار اليهود، فتناظَروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدِّين، وكفروا بعيسى ﵇ والإنجيلِ، وقالت النصارى لهم نحوَه، وكفروا بموسى ﵇ والتوراةِ.
﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ الواو للحال واللامُ للجنس؛ أي: قالوا ذلك وحالُهم أنهم من أهل العلم والتلاوةِ للكتب (^٢)، وحقُّ مَن يتلو بعضَ كتب الله الإيمانُ بالباقي؛ لأنَّ بعضها مصدِّقٌ للبعض.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك القولِ البعيدِ عن الصواب.
﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: الجهَّال من المعطِّلة والدَّهريَّة، والمشركين الذين لا كتاب لهم.
﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ لم يقل: مثلَ قولهما؛ لأن المنظور هاهنا جهةُ اتِّحادهم، وهي كونُهم أهل الكتاب، وهو بيانٌ لقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ لِمَا فيه من الإبهام، أو بدلٌ منه.
ويجوز أن يكون ﴿كَذَلِكَ﴾ مفعولًا به؛ أي: كلامًا مثلَ ذلك الكلامِ الشنيعِ الذي سمعت به قال الجهلة قولًا مثلَ قولهم صادرًا عن عناب وجهلٍ بلا حجةٍ، فيكون ﴿مِثْلَ﴾ نصبًا على المصدر، وهذا توبيخٌ عظيمٌ لهم حيث نظَموا أنفسهم مع علمهم في سلكِ مَن لا يَعلم.
_________________
(١) في "ك" و"م": (قيد).
(٢) في "ك" و"م": (والكتب).
[ ١ / ٢٩٣ ]
﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين أهل الكتاب، لا بين الفريقين، وإلا لقيل: بينهما، أو بينهم وبين الجهلة أيضًا.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يُريهم مَن يدخل الجنةَ عِيانًا، ومَن يدخل النارَ عِيانًا، فيظهر المُحقُّ من المُبْطل، والفاء فصيحةٌ، كأنه قيل: إذا لم يرضَوا بحكم الكتاب في الدنيا ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ﴾ الآيةَ.
﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من الدِّين والكتابِ والنبيِّ.
* * *
(١١٤) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾؛ أي: لا أظلمُ منه، دلَّت على ذلك صيغة التفضيل في سياق الاستفهام الإنكاري، وهذا لا ينافي لكون المشرك أظلم؛ لأن فضله في الظلم لنفسه، وفضلُ هذا في الظلم للغير.
وسببُ نزولها: أن النصارى كانوا يطرَحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.
وقيل: منع المشركون رسول الله ﷺ أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية (^١).
وكيف كان فالاعتبارُ بعموم اللفظ لا بخصوصِ السبب، ولذلك - أي: لقصدِ
_________________
(١) في هامش "ح" و"د" و"ف": (موضع على طريق مكة وصل إليه رسول الله ﵇ فمنعه المشركون عن الدخول في المسجد الحرام. منه). والخبر رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٤٤) من قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
[ ١ / ٢٩٤ ]
تعميم الحكم - قيل: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ مع أن المنع والتخريب إنما وقع على مسجدٍ واحدٍ، وهو مسجدُ بيت المقدس أو المسجدُ الحرام.
﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿مَنَعَ﴾، ويجوز أن يكون على تقدير (مِن) أي: مِن أن يُذكر، وحذفُ حرفِ الجرِّ مع (أنْ) قياسٌ.
ويمكن أن يُنصب مفعولًا له؛ أي: كراهةَ أنْ يُذكر.
﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ بالهدم أو التعطيل، و(سعى) كلمةٌ تختلف معانيها باختلافِ مصادرها، يقال: سَعَى يَسْعَى سَعْيًا: إذا عمل، وإذا كَسَب، وإذا عَدَا، وسَعَى مَسْعاةً: إذا جاد وتكرَّم، وجمعُ المسعاة: المساعي وسَعَى سِعايةً: إذا أخذ الصدَقات وهو عاملُها، وكذا: سعَى به إلى السلطان سِعايةً: إذا وشَى به، وكذا سعَى المكاتَبُ ومعتَق البعضِ في أداءِ ما عليه سعايةً، وساعَى الرجل الأمَة؛ أي: فَجَر بها مساعاة، ولا يقال ذلك في الحُرة.
وفائدةُ زيادة (سعى) هاهنا: قطعُ احتمال التسبُّب.
﴿أُولَئِكَ﴾ المانعون ﴿مَا كَانَ لَهُمْ﴾ ما كان ينبغي لهم.
﴿أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾؛ أي: وجِلينَ من عقابه تعالى، فكيف لهم الجرأة على تخريبها؟
قيل: ما كان لهم في علم الله تعالى وقضائه، فيكون وعدًا للمؤمنين بالنصرة، واستخلاصِ المساجد منهم.
وفيه نظرٌ؛ لأن تخريبهم ومنعَهم دلَّ (^١) على أنه قد كان في علم الله تعالى وقضائه أن يدخلوها غيرَ خائفين.
_________________
(١) في "ك" و"م": (يدل).
[ ١ / ٢٩٥ ]
وقيل: معناه النهيُ عن تمكينهم من الدخول في المسجد.
وفيه أيضًا نظر (^١)؛ لأن النهي عن تمكينهم من الدخول مطلَقًا لا عن تمكينهم منه غيرَ خائفين.
﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: قتلٌ وسبي، أو ذلةٌ (^٢) بضرب الجزية.
﴿فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ بسبب ظلمهم العظيم، وإنما أُعيد لهم تنصيصًا على أن المعذَّبين في الآخرة هم المعذَّبون في الدنيا، وليس عذابُهم في الدنيا (^٣) مكفِّرًا لذنبهم (^٤) حتى يكون أحدُ العذابينِ لبعضهم والآخرُ للباقي.
* * *
(١١٥) - ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ هما عبارتان عن ناحيتي المعمورة، والمرادُ كلُّها.
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ ففي أيِّ مكانٍ فعلتُم التَّوليَةَ، يعني: توليةَ وجوهكم شطرَ القِبلة، بدليلِ قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠].
﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: جهتُه التي أَمر بها، الوجهُ والجهةُ كالوزنِ والزِّنة مصدران نُقلا إلى الاسم، والمعنى: إنكم إذا مُنعتم أن تُصلُّوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلْتُ لكم الأرضَ مسجدًا، فصلُّوا في أيِّ بُقعةٍ شئتُم من بقاعها،
_________________
(١) في "ك" و"م": (نظر أيضًا).
(٢) في "ك" و"م": (وذلة).
(٣) في "ح" و"ف": (في الآخرة).
(٤) في "ك" و"م": (لذنوبهم).
[ ١ / ٢٩٦ ]
وافعلوا التوليةَ فيها، فإنَّ التولية ممكِنةٌ في كلِّ مكانٍ لا يختصُّ إمكانها بمسجدٍ دون مسجدٍ، ولا بمكانٍ دون مكانٍ.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ﴾ بالرحمةِ، يريد التَّوسعة على عباده.
﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالحهم وأعمالهم في الأماكنِ كلِّها.
وعن ابن عمر ﵁: أنها نزلت في صلاة المسافر على الراحلة (^١).
وعن عطاءٍ: عميت القبلةُ على قومٍ فصلَّوا إلى أنحاءٍ مختلفة، فلما أصبحوا تبيَّنوا خطأهم فعُذروا (^٢)؛ أي: في الفعل.
وأمَّا وجوبُ القضاء وعدمُه فأمرٌ آخَرُ، والظاهر أنه مستطرَدٌ عند ذكر المساجد، وتمهيدٌ لذكر نفي الولد؛ لأن مَن له الجهاتُ كلُّها يتعالى عنها، فيستحيل أن يماثله ذو جهةٍ، والولدُ جنسُ الوالد لا محالة.
* * *
(١١٦) - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾؛ أي: الذين قالوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، والذين قالوا: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، والذين قالوا: الملائكةُ بناتُ الله، قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، فالضميرُ لمن سبق ذكرُهم من اليهود والنصارى والمشركين الذين لا يعلَمون.
_________________
(١) رواه مسلم (٧٠٠/ ٣٣).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ١٨٠)، ورواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢١٠ - تفسير).
[ ١ / ٢٩٧ ]
وقرئ بغيرِ واوٍ على الاستئناف (^١)؛ كأنه سُئل: هل انقطع حبل أقوالهم على الله تعالى، أو امتدَّ ولم ينقطع؟ فقيل: بل قالوا أعظمَ من ذلك وأفظع.
﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيه له عن ذلك، اعتراضٌ.
﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ردٌّ لِمَا قالوه، وتنبيهٌ على فساده، والمعنى: إنه خالقُ ما في العالَم كلِّه، ومن جملتهِ عزيرٌ والمسيحُ والملائكة.
﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ منقادُون لا يمتنِعون على مشيئته وتكوينه، وكلُّ ما كان بهذه الصِّفة لم يجانس مكوِّنَه الواجبَ لذاته، فلا يكون له ولدٌ؛ لِمَا مرَّ أنَّ حقَّ الولد أن يُجانسَ والده.
وإنما جاء بـ ﴿مَا﴾ للعموم، و﴿قَانِتُونَ﴾ لتغليب العقلاء، وهذا التغليبُ يأبى عن قصد التحقير بإيرادِ ﴿مَا﴾، وتنوينُ ﴿كُلٌّ﴾ عوضٌ من المضاف إليه؛ أي: كلُّ ما في السماوات والأرض.
والآيةُ تدلُّ على فسادِ ما قالوه بوجهين (^٢)، ومَبْنَى تضمُّنهْ الاحتجاجَ بالوجه الأول على ثبوت التنافي بين وَلَديَّة أحد للآخَر ومملوكيته له؛ إذ لا تصريح بهذا فيما ذُكر فالاحتجاج به على أن مَن مَلَكَ ولدَه عَتَقَ عليه بناء على ذلك المبنَى لا يخلو عن نوعِ مصادرةٍ.
* * *
(١١٧) - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقال: بَدُعَ الشيءُ فهو بديعٌ، كقولهم: ظَرُفَ فهو
_________________
(١) هي قراءة ابن عامر من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٧٦).
(٢) في "ك" و"م": (بثلاثة أوجه).
[ ١ / ٢٩٨ ]
ظريفٌ، و﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ من إضافةِ الصفةِ المشبَّهةِ إلى فاعلها؛ أي: بديعٌ سماواتُه وأرضُه؛ أو: بديعٌ في السماوات والأرض؛ كقولك: فلان ثبتُ الغدر؛ أي: ثابتٌ فيه، والمعنى: أنه تعالى عَديم النَّظير والمثْلِ فيهما.
وقيل: البديع بمعنى المُبْدعِ، فيكون مضافًا إلى المفعول.
وقال ابن مِقْسمٍ (^١): يجوز أن تكون العينُ بدلًا عن (^٢) الهمزة، والبديعُ والمبدِع كالبديء والمبدئ، فإنه جاء على فَعلَ وأَفْعَلَ جميعًا.
والإبداع: اختراعُ الشيءِ لا عن شيءٍ دفعةً، وعلى هذا المعنى لا تكون الأشياء كلُّها مبدَعًا، وهذا ردٌّ على الذين قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ بوجهٍ آخر تقديرُه: أن مَن قدر على خلق السماوات والأرض من غيرِ شيءٍ كيف لا يقدر على خلق مِثْلِ عيسى ﵇ من غيرِ أبٍ.
وقرئ: (بديعِ) مجرورًا على البدل من الضمير في ﴿لَهُ﴾، ومنصوبًا على المدح (^٣).
﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾؛ أي: أراد شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وأصل القضاء: إتمام الشيء قولًا كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] أو فعلًا كقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، وأُطلق على تعلُّق الإرادة الإلهية لوجود الشيء من حيث إنه يوجبه.
_________________
(١) محمد بن الحسن بن مقسم، أبو بكر البغدادي، صنف في التفسير والمعاني، وأُنكر عليه إقراؤه بحروف تخالف الإجماع، ثم استتيب بحضرة الفقهاء والقراء فتاب، من كتبه: "الأنوار في علم القرآن"، وكتاب اختياره في القراءات، توفي سنة (٣٥٤ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ١٠٥).
(٢) في "ك": (من).
(٣) القراءتان في "الكشاف" (١/ ١٨٢).
[ ١ / ٢٩٩ ]
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ من (كان) التامَّةِ، أي: احْدُثْ فيَحْدُث؛ أي: لا يَدخله تأخير (^١) عن وقته، ولا يمتنعُ عليه شيءٌ، ولا يَلحقه به تعبٌ، ولا يحتاج إلى استعمال آلةٍ ومزاولةِ عملٍ، استعارةٌ تمثيليةٌ شبِّهت الحالةُ (^٢) التي تتصوَّر من تعلُّق إرادته تعالى بشيء من المكوَّنات وسهولةِ إيجاده إياه من غيرِ امتناعٍ ولا توقُّفٍ بحالةِ أمْرِ الآمِرِ النافذ تصرُّفُه في المأمور المطيع الذي لا يتوقَّف في الامتثال، فأُطلق على هذه الحالة ما كان يستعمل في تلك من غيرِ أن يكون هنا (^٣) قولٌ وأمر.
وهذا أقربُ ما يتراءى لنا به المعنى المقصودُ، فلا تتَّجه المناقشةُ بأنَّ وجه الشَّبهِ في المشبَّه أقوى، وحقُّ التشبيه عكسُ هذا.
وذهب بعضهم إلى أنه حقيقةٌ، وقد جرت السنَّة الإلهية بأنه يكوِّن الأشياءَ بكلمة (كن)، فيكونُ المأمور هو الحاضرَ في العلم، والمأمورُ به الدخول في الوجود.
وقرئ برفع ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أي: فهو يكون، وبالنصب على جواب الأمر (^٤)، وفيه تقريرٌ لمعنى الإبداعِ، وتأكيدٌ لاستبعاد الولادة المدلول عليه بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
وأما ما قيل: إنه حجة أخرى، وهو أن اتخاذ الولد مما يكون بأطوارٍ ومُهلةٍ، وفعلُه تعالى يستغني (^٥) عن ذلك.
فيَرِدُ عليه أن ما يكون بأطوارٍ ومهلةٍ هو تكوُّن الولد على جَرْي العادة، فللمخالِف أن يقول: اتخاذه الولدَ على سبيل خرق العادة، ثم إنَّ فعله تعالى قد يقارن المهلة
_________________
(١) في "ك" و"م": (تأخر).
(٢) في "ك" و"م": (الحال).
(٣) في "ك": (هاهنا).
(٤) قرأ بالنصب ابن عامر من السبعة، والباقون بالرفع. انظر: "التيسير" (ص: ٧٦).
(٥) في "ك": (مستغن).
[ ١ / ٣٠٠ ]
لحكمة وإن كان مستغنيًا عنه، كيف وقد كان خلقُه السماوات والأرض في ستة أيام، ومن هنا ظهر أن مَن اعتَبر في التمثيل المذكور الحصولَ بلا مُهلةٍ لم يُصِب.
* * *
(١١٨) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: الجهلةُ من المشركين، وقيل: من أهل الكتاب، ونفى عنهم العلم؛ لأنهم لم يعملوا به، سواءٌ تجاهَلوا أو لا بأن أظهروا علمهم (^١).
﴿لَوْلَا﴾ هلا ﴿يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ كما يكلِّم الملائكةَ وموسى ﵇، ويأمرنا وينهانا بالذات، وهذا استكبارٌ منهم عن اتِّباع بشر مثلِهم.
﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ من الله نعلم بها أنك رسول الله، وهذا استهانةٌ منهم بالمعجزات الباهرة، وإنكارٌ بالآيات (^٢) الظاهرة.
﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: اليهودَ، حيث قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وأمَّا قول الحَواريين: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢] فليس من هذا القبيل على ما تقف عليه في موضعه.
﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ قد مرَّ تفسيرُه، والمماثلةُ بين القولين في كونهما تحكُّمًا وعنادًا.
﴿تَشَابَهَتْ﴾؛ أي: قلوب هؤلاء ومَن قبلهم في العَمَى والعناد (^٣)، اعتراضٌ.
_________________
(١) في "ك": (جهلهم).
(٢) في "ح" و" ف": (الآيات).
(٣) في "م": (أو العناد).
[ ١ / ٣٠١ ]
وقُرئ بتشديد الشين (^١)، وخطَّأه الفرَّاء قائلًا: ذلك إنما يجوزُ في المضارع بمعنى: تتشَابهُ، فتُدغَم إحدى التاءين في الشين (^٢).
﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ﴾ ذوي بصائرَ.
﴿يُوقِنُونَ﴾ أنها آياتٌ يجب الاكتفاءُ بها عن غيرها، وأصلُ البيان الذي يقع به الإلزامُ يعمُّ الكلَّ، لكن يخصُّ الموقنين في حقِّ النفع، واليقينُ أبلغ علم وأوكدُه لا يكون معه مجالُ عنادٍ واحتمالُ زوالٍ (^٣)، ولذلك قال في حق إبراهيم ﵇: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] ولو صح أن يتخلَّف عنه الإذعان لكان درجتُه فوق الإيقان، فكان: من المذعنين، أبلغَ [من] (^٤): ﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.
واللامُ في ﴿الْآيَاتِ﴾ للاستغراق؛ أي: كلَّ الآيات، أو الماهيةِ؛ أي: ما يعرفه العقلاء أنها آياتٌ.
وتنكير (قومٍ) للتعظيم؛ أي: قومٍ صفتُهم الإيقانُ، وفيه تعريضٌ بأنهم أرذالُ أهلِ الظنِّ والتقليد، وإيذانٌ بأن الإيمان له شأنٌ.
* * *
(١١٩) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ مصحوبًا به لا يفارقُك.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ للمطيع والعاصي، فلا عليك إلا البلاغُ المبين.
_________________
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (١/ ٢٠٣)، و"البحر" (٢/ ٤٧٠).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٧٥).
(٣) في "ح" و" د" و"ف": (زوال).
(٤) زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٣٠٢ ]
﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ ما بالُهم لم يؤمنوا؟ إذا بلَّغت وبلَغت في دعوتهم جهدك.
وقرئ: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ على النهي (^١)؛ تعظيمًا لِمَا فيه الكفرةُ من العذاب؛ كما تَسألُ عمَّن وقع في بليَّةٍ فيقال لك: لا تسألْ عنه؛ أي: هو في حالةٍ لا يُحتمل سماعُها لفظاعتها وإيحاشها السامعَ، أو أرقُّ أو أجزعُ أن أتكلَّم بها، فلا تكلِّفني، أو أعظمُ أن يَكتَنِهَها (^٢) أو يعبِّرَ عنها عبارة.
قيل: لمَّا أُمر بتبشير المؤمنين وإنذارِ الكفار كان يَذكر عقوبات الكفار، فقام رجل وقال: يا رسول الله، أين والدي؟ فقال: "في النار"، فحزن الرجل، فقال ﵇: "إنَّ والدَكَ ووالدي ووالدَ إبراهيم في النار"، فنزل القول المذكور فلم يسألوه (^٣) شيئًا بعد ذلك (^٤).
والجحيم: النار الشديدةُ الالتهاب، والجاحم: المكانُ الشديد الحرِّ.
* * *
(١٢٠) - ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
_________________
(١) هي قراءة نافع من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٧٦).
(٢) في هامش "ح" و"د" و"ف": (وقولهم لا يكتنهه الوصف بمعنى لا يبلغ كنهه كلام مولد. جوهري. منه).
(٣) في (م) و(ك): "يسأل".
(٤) رواه بنحوه مسلم (٢٠٣) من حديث أنس ﵁ دون ذكر نزول الآية، ورواه بنحوه أيضًا الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٧) من حديث أبي هريرة ﵁، لكن في نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. ولم أجده في نزول هذه الآية.
[ ١ / ٣٠٣ ]
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ لفٌّ بعد النشر، على عكس ما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١].
حكى الله تعالى كلامَهم، ولا بدَّ من الحمل على هذا ليطابِقَ قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ فإنه يقتضي سابقةَ قولٍ ممَّن (^١) نُدب ﵇ إلى حجاجهم مبنيًّ عن تمادي لجاجهم (^٢).
والملَّة من أَمْلَلتُ الكتابَ، وهي اسمٌ لِمَا شرَعه الله تعالى لعباده على لسان نبيِّه، ليَتوصَّلوا به إلى أجلِّ ثوابه، والدِّينُ مثلُها، لكن الملة تقال باعتبارِ الدعاء إليه، والدِّينَ باعتبار الطاعة والانقياد له.
ثم يقال الملة والدِّين لما لم يكن من قِبَلِ الله تعالى على التقييد؛ كقولك: ملة مزدك ودينه.
قيل: كان ﵇ يجتهدُ في طلب ما يرضيهم ليُقبلوا إلى الإسلام، فقال له: دع طلب ما يرضيهم إلى ما أمرتُك به من مجاهَدتهم، فليس فيه إقناطٌ عن إسلامهم.
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ بالغ في تعظيم دين الإسلام بتسميته (^٣) الهدى، وإضافتهِ إلى نفسه، وحَصْرِ الهدى فيه بـ (إنَّ) والضميرِ واللام؛ أي: إن دين الإسلام الذي هو نفسُ الهدى المخصوصِ بالله هو الذي يَستأهِل أن يسمَّى هدًى، وهو الهدى كلُّه لا غير، فيَلزم أن ما عدَاه ليس بهدًى بل هوًى؛ إذ (^٤) كلُّ قول لا حُجةَ معه ولا عن علمٍ فهو هوًى، فلهذا قال على سبيل الفَرْض:
_________________
(١) في "ح" و"ف": (لمن).
(٢) في "ح" و"ف": (تمام لجاجهم).
(٣) في "م": (بتسمية).
(٤) في "د" و"ك" و"م": (أول).
[ ١ / ٣٠٤ ]
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ آراءَهم الزائغةَ، فإن الهوى رأيٌ عن الشهوة (^١) داعٍ إلى الضلال، وإنما يسمَّى بذلك لأنَّه يَهْوِي بصاحبه في الدنيا إلى كلِّ داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية.
﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أبهمه ثم بيَّنه للتعظيم؛ أي: من الدِّين المعلوم صحتُه بالبرهان.
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ جوابٌ للقسم قد سدَّ مسدَّ جوابِ الشرط.
﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يدفع عنك عقابَه.
* * *
(١٢١) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هم مؤمنو أهل الكتاب.
﴿يَتْلُونَهُ﴾ حالٌ مقدَّرةٌ من (هم)، أو من ﴿الْكِتَابَ﴾؛ لأنهم لم يكونوا وقت إتيانه تالِينَ له، أو خبرٌ.
﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ نصبٌ على المصدر؛ أي: تلاوةً كما يجب أن يُتلى، لا يحرِّفونه ولا يكتمون شيئًا منه كنعت الرسول ﵇ وغيرِه.
﴿أُولَئِكَ﴾ أي: التالُون على ما يجب.
﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بكتابهم دون غيرهم من المحرِّفين.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ بالتحريف والكفر بما يصدِّقه.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ المنحصِرون في الخسران (^٢) باشترائهم الضلالةَ بالهدى.
_________________
(١) في "ك" و"م": (شهوة).
(٢) في "ك" و"م": (بالخسران).
[ ١ / ٣٠٥ ]
(١٢٣ - ١٢٢) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾:
لمَّا ذكَّرهم النعمةَ أولًا، وخصَّهم بالخطاب من بينِ بني آدم، وحضَّهم على اتِّباعِ مَن هو رحمةٌ للعالمين، فانقسموا إلى مَن قَبِلَ ومَن أَبَى، فصَّلهم آخِرًا، ثم خاطبهم على سبيل الالتفات بمثلِ الأول خطابًا شاملًا للفريقين عَودًا على بدءٍ تحسُّرًا لمن سَبَا، وتحسيرًا لمن كَبَا.
وعُلم من ذلك أن التكرير ليس لمجرَّد (^١) التقرير، وفيه حسنُ التخلُّص إلى حديث جدِّهم إبراهيمَ ﵇ على وجهٍ يؤكِّد ما يدنو إليه.
* * *
(١٢٤) - ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. بأوامرَ ونواهٍ.
واعلم أن الابتلاء والبلاء يتضمَّن أمرين: تعرُّفُ ما يُجهل من حاله، وظهورُ جودته ورداءته بعده، فربما قُصد الأمران معًا، وربما قُصد أحدها، فإذا نسب إلى الله تعالى فهو الأمر الثاني (^٢)، وليس هذا من ابتلاه الله بكذا: إذا أصابه بما يكرهه وَيشُقُّ عليه؛ لأن حمل الأوامر والنواهي على المكاره وعدَّها من البلايا ليس بمناسب.
_________________
(١) في "ك" و"م": (بمجرد).
(٢) في هامش "ح" و"ف": (أي: أنه عار باعتبار إطلاق الفعل على إرادة ما هو الغاية منه، وهذا ما قاله الراغب. منه).
[ ١ / ٣٠٦ ]
وإبراهيم تفسيرُه بالسُّريانية: أب راحمٌ، وذلك لرحمته بالأطفال.
قيل: جُعل هو وزوجتُه سارة كافلين لأولاد المؤمنين الذين يموتون صغارًا إلى يوم القيامة.
﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهنَّ حقَّ (^١) القيام، وأطاعه فيهنَّ أحسنَ الطاعة؛ كقوله (^٢): ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧].
(إذ … قال) استئنافٌ، فالعامل في ﴿إذ﴾ محذوف، أو هو العامل في ﴿إذ﴾، والواو داخلة عليه عطفًا على ما قبله عطفَ القصةِ على القصة المشارِ إليها إجمالًا بقوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (^٣).
﴿إِنِّي جَاعِلُكَ﴾ من الجعل بمعنى التصيير، فيَتعدَّى إلى اثنين.
﴿لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ الإمام: اسمٌ لمن يُؤْتمُّ به؛ كالإزار لِمَا يُؤتَزر (^٤) به، وإمامتُه ﵇ مؤبَّدةٌ؛ إذ لم يُبعث بعده نبيٌّ إلا كان مأمورًا باتِّباعه (^٥)، وأمَّا عمومُها فينافي قوله ﵇: "أُعطيت خمسًا … " الحديث (^٦).
﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾؛ أي: واجعل بعضَ ذريتي، واستعمالُ صيغة الأمر في
_________________
(١) في "ك": (أحسن).
(٢) في "م": (لقوله).
(٣) في "ك" و"م" زيادة: (اذكروا).
(٤) في "م": (يتزر).
(٥) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (لم يقل كما قال القاضي: إلا كان من ذريته .. إلخ؛ لأنَّه مع استدراكه في مقام التعليل محل مناقشة. منه).
(٦) رواه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١)، من حديث جابر ﵁.
[ ١ / ٣٠٧ ]
موضع الالتباس سائغ شائع، وهذا أولى من المصير إلى عطف التلقين (^١)؛ لأنَّه لايخلو عن سوءِ أدبٍ (^٢).
وذريةُ الشخص: نَسْلُه.
﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: مَن كان ظالمًا من ذريتك لا ينال (^٣) عهدي إليه بالإمامة، وإنما ينال مَن كان عادلًا. والنَّيل: اللُّحوق.
واختُلف في المراد بالعهد، والأظهر أنه النبوَّةُ، فلا دلالةَ في الآية على أن الفاسق لا يَصلُح للإمامة.
* * *
(١٢٥) - ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ البيت: اسمٌ غالبٌ للكعبة كالنجم للثريَّا.
﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ المثابة كالمباءة صيغةً ومعنًى؛ أي: مَرجعًا يثوبون إليه بعد التفرُّق عنه (^٤).
_________________
(١) عطف التلقين: هو كما يقال: سأكرمك، فتقول: وزيدًا؛ أي: وتكرم زيدًا، وتريد تلقينه ذلك. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٢/ ٢٣٣).
(٢) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (من قال: في العطف احتراز عن صورة الأمر، فكأنه زعم أن فيها شيئًا، وغفل عن قوله: رب اجعل لي وزيرًا. منه).
(٣) في "ك" و"م": (يناله).
(٤) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (فيه إشارة إلى أنه من قبيل: رجل عدلٌ، لا على حذف المضاف كما تُوُهِّم، والتعليل يناسب ما ذكرنا. منه).
[ ١ / ٣٠٨ ]
﴿وَأَمْنًا﴾؛ أي: موضعًا في غايةِ الأمن لا يُتعرَّض لأهله؛ لقوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
قيل: يأمَن حاجُّه من عذاب الآخرة. وفيه نظر؛ لأن الحج لا يجبُّ ما قبله من المظالم.
وقيل: لا يؤاخَذ (^١) الجاني الملتجئُ إليه حتى يَخرج. وفيه نظر أيضًا؛ لأنَّه يُلجأ إلى الخروج فلا يبقى آمنًا.
﴿وَاتَّخِذُوا﴾ على إرادة القول، أو عطفٌ على المقدَّر عاملًا لـ ﴿إذ﴾، أو اعتراض تقديره: ثوبوا إليه واتخذوا (^٢)، وعلى هذا الواوُ فصيحةٌ.
﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: موضعَ صلاةٍ تصلُّون فيه، وهو على وجه الاستحباب دون الإيجاب، وهو الحجر الذي فيه أثر قدميه، أو الموضعُ الذي كان فيه حين قام عليه ودعا (^٣) الناس إلى الحج، أو رَفَعَ بناءَ البيت وهو موضعُه اليوم.
روي: أنه ﵇ أخذ بيد عمر ﵁ فقال (^٤): "هذا مقام إبراهيم"، فقال عمر: أَفَلا نتخذه مصلًّى؟ فقال ﵇: "لم أُؤمر بذلك"، فلم تَغِبِ الشمس حتى نزلت (^٥).
_________________
(١) في "ك": (يؤخذ).
(٢) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (عبر القاضي عن الأول بالمقدر وعن الثاني بالمضمر ولا وجه للفرق. منه).
(٣) في "ك" و"م": (ودعا به).
(٤) في (م) و(ك): "وقال".
(٥) رواه أبو نعيم "الحلية" (٣/ ٣٠٢)، ورواه ابن ماجه (١٠٠٩)، والطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٢٢)، إلى قوله: (أفلا نتخده مصلى).
[ ١ / ٣٠٩ ]
وقيل: المراد به الأمرُ بركعتي الطَّواف، لِمَا رَوَى جابر ﵁: أنه ﵇ لمَّا فرغ من طوافه عَمَدَ إلى مقام إبراهيم فصلَّى خلفه ركعتين، وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^١).
وقُرئ: ﴿واتَّخَذوا﴾ بلفظ الماضي (^٢) عطفًا على ﴿جَعَلْنَا﴾ أي: اتَّخَذ الناس مقامه الموسومَ به - يعني: الكعبة - قبلةً يصلُّون إليها، ويحتمِل أن يكون أمرًا على صيغة الخبر للتأكيد فتتوافَقُ القراءتان، وعلى هذا يتعيَّن كونُ الأمر للإيجاب.
﴿وَعَهِدْنَا﴾ أَمَرْنا ﴿إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا﴾؛ أي: بأنْ طهِّرا ﴿بَيْتِيَ﴾ من الأوثان والأنجاس.
ويجوز أن تكون ﴿أَن﴾ مفسِّرةً؛ لتضمُّن العهدِ معنى القول، والمعنى: دُومَا على تطهيره، فهو أمرٌ أن يُبقياه على الطهارة، لا أن يكون فيه نجاسةٌ فيزيلاها، وهو كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] أي: مُبقاةٌ على الطهارة الأصلية.
﴿لِلطَّائِفِينَ﴾؛ أي: للدائرين حولَه.
﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ العاكف: مَن لزم الشيءَ وأقام (^٣) عليه.
﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: جمعُ الراكع والساجد؛ أي: المصلِّين، والصلاة تشتمل على أفعالٍ أقربُها إلى الخشوع هذان، وتُرك العاطف بينهما لكمال الاتصال.
* * *
_________________
(١) رواه مسلم (١٢١٨).
(٢) هي قراءة نافع وابن عامر من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٧٦).
(٣) في "م": (أو قام).
[ ١ / ٣١٠ ]
(١٢٦) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا﴾؛ أي: هذا البلد، أو هذا المكان.
﴿بَلَدًا آمِنًا﴾: ذا أمن؛ كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أو: آمنا مَن فيه غريبًا كان أو من أهله؛ كقولك: ليلٌ نائمٌ.
والبلد: الأثر في الجلد، وإنما سُمي (^١) البلد بلدًا لِمَا فيه من الآثار.
﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الثمرة: هي جميع ما يخرج من الأرض والأشجار، فهو سواءٌ في الطعام والفواكه، وذلك لأنَّه أَسكن أهله بِوادٍ غيرِ ذي زرعٍ ولا ضَرْع، وإنما قال: ﴿أَهْلَهُ﴾ دون: أهلي؛ تعليمًا للدعاء؛ كما هو اللائق بشأن الأنبياء.
﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ بدل من ﴿أَهْلَهُ﴾؛ أي: وارزقِ المؤمنين من أهله خاصةً، قالوا: قاس إبراهيم ﵇ الرزق على الإمامة، فخصَّ الرزق المطلوبَ بالمؤمنين.
وهذا القياسُ لا يليق بشأنه ﵇؛ لظهور الفرق بينهما عند مَن له أدنى تمييزٍ، فالوجهُ أنْ يقال: إنه ﵇ أبى عن تعميمِ الدعاء للكفار؛ لأنَّ الكافر لا يُدْعَى له بل يُدْعى عليه، قال ﵇: "اللهمَّ اشدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ" (^٢)، وقال موسى ﵇: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]، وخشي
_________________
(١) في "م": (وإنما يسمى).
(٢) رواه البخاري (٨٠٤)، ومسلم (٦٧٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٣١١ ]
أن يخرج ذلك مخرجَ المعونة لهم على العصيان، أو أراد أن يجعل ذلك آيةَ ترغِّبُ الكفار في الإسلام (^١).
﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ مبتدأ تضمَّن (^٢) معنى الشرط، وجوابه وخبره مقدَّر تقديرُه: فلا أهلكه، والفاء في قوله:
﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ فصيحةٌ، وجعلُه جوابًا وخبرًا يأباه الفاء، فإن الكفر لا يصلح سببًا للتمتُّع لا كثيرًا ولا قليلًا، نعم يصلُح لتقليله لكن صرف النظم إليه لا يخلو عن تعسُّف.
وأمَّا عطف (مَن كَفَر) على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ففيه أنَّ العطف يقتضي التشريكَ في العامل، فيصير التقدير: قال إبراهيم: وارزق مَن كفر، ولا يناسبه السبَاق واللحاق.
ومن هنا ظهر ما في قراءةِ الخبَرين على لفظ الأمر (^٣) - على أنه من دعاء إبراهيم ﵇ من القصور، كيف والمناسبُ له ﵇ طلبُ الهداية إلى الإسلام لمن كَفَر، لا طلبُ خَتْمهم على الضلالة؟
﴿قَلِيلًا﴾ نصبٌ على المصدر؛ أي: تمتيعًا قليلًا، أو على الظرف؛ أي: زمانًا قليلًا.
﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾؛ أي: ألزُّه إليه لزَّ المضطرِّ؛ لكفره.
_________________
(١) في "ح" و"ف": (آية ترغيب للكفار في الإسلام)، وفي "م": (آية الكفار للإسلام)، وفي "ك": (آية ترغب الكفار للإسلام).
(٢) في "ك" و"م": (مبتدأ فيه).
(٣) أي: (فأَمْتِعْه قليلًا ثم اِضْطرَّه) وتنسب لابن عباس ومجاهد. انظر: "المحتسب" (١/ ١٥٤)، و"البحر المحيط" (٢/ ٥١٣).
[ ١ / ٣١٢ ]
وقرئ: (فأطَّرُّه) بإدغام الضاد في الطاء (^١)؛ كما قالوا: اطَّجَعَ، نقل سيببويه عن بعض العرب: مطَّجعًا، في مُضْطَجعٍ، وقال: ومضطجعٌ أكثر (^٢).
فدلَّ على أن (مطَّجعًا) كثير، فلا يكون لغةً مرذولةً.
﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ مصيرُهم، فحُذف المخصوصُ بالذمِّ.
* * *
(١٢٧) - ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ﴾ ﴿يَرْفَعُ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، أوردها مع (إذ) استحضارًا لها ليَعْظُمَ وقعُها في النفوس، ولهذا أُبْهِم.
﴿الْقَوَاعِدَ﴾ بالإطلاق، ثم بيَّنها بالتقييد بقوله: ﴿مِنَ الْبَيْتِ﴾ تفخيمًا لشأن المبيَّن.
والقاعدة: هي الأساس والأصلُ لِمَا فوقَه، وهي من الصفات الغالبة من القعود بمعنى الثابتة.
ورفعُ القواعد: هو البناء عليها؛ لأنها بالبناء عليها نُقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع.
﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ عطف على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ فهما مشترِكان في الرفع.
﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولان: ربَّنا، والجملة حالٌ منهما.
﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾؛ أي: هذا العملَ الذي قصَدْنا به رضاك.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ لدعائنا (^٣) ﴿الْعَلِيمُ﴾ بِنيَّاتنا.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩).
(٢) انظر: "الكتاب" (٤/ ٤٧٠)، و"البحر" (٢/ ٥١٨).
(٣) في "م": (بدعائنا).
[ ١ / ٣١٣ ]
(١٢٨) - ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا﴾ عطفٌ على الدعوة السابقة، وتكرارُ ﴿رَبَّنَا﴾ للاستلذاذ بذكره والخضوعِ بالمربوبية (^١).
﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ مخلصَينِ لك، مِن أَسْلَم وجهَه، أو مُنقادِينَ مِن أَسْلَم بمعنى: استسلم، والمراد طلبُ الزيادة على ما كان أو الثباتُ عليه.
وقرئ: (مسلمِينَ) (^٢) على أنَّ التثنية من مراتب الجمع، وقيل: أرادا أنفسَهما وهاجرَ.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ خَصَّا الذرِّيةَ بالدعاء؛ لأنهم أحقُّ بالشفقة، وأتَيَا بأداة التبعيض لأنَّه تعالى كان أعلمَهما أن في ذريتهما مَن لا ينال العهد لكونه ظالمًا.
وأما ما قيل: إن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتِّفاق على الإخلاص والإقبالَ الكلي على الله تعالى، فإنه مما يشوِّش المعاش، فلا يَصلح وجهًا لِمَا ذُكر كما لا يخفى (^٣).
﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ الإسلامُ هو الانقيادُ بالخضوع.
﴿وَأَرِنَا﴾ من الرؤية بمعنى الإبصار أو المعرفة؛ دلَّ على ذلك الاقتصارُ على مفعولين.
_________________
(١) في "م": (للربوبية). وفي "ك": (بالربوبية).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩) عن الحسن وعوف الأعرابي.
(٣) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": الأن الإسلام لا يقتضي الإقبال الكلي على الله تعالى، ثم إن عدم الاقتضاء لا يلزم اقتضاء العدم فافهم. منه).
[ ١ / ٣١٤ ]
والاختيارُ أن يُقرأ بكسر الراء، وهي قراءةُ الجمهور؛ لأنها كسرةُ الهمزة نُقلت (^١) إلى الراء وسقطت الهمزة، فلا ينبغي أن يُسكَّن قياسًا على فَخْذٍ في فَخِذٍ، كما فعله ابنُ كثير (^٢)؛ لئلا يُجحَف بالكلمة وتَبطل الدلالةُ على الهمزة.
﴿مَنَاسِكَنَا﴾ متعبَّداتِنا في الحج؛ قال الزجَّاج: كلُّ متعبَّد مَنسَكٌ [ومَنسِكٌ] (^٣)، والنُّسك في الأصل: غايةُ العبادة، وشاع في الحج لِمَا فيه من الكُلفة والبُعد عن العادة.
أو: مذابحَنا، فإن النُّسك خُصَّ بالذبيحة، وتُعورِفَ فيه حتى قيل: نَسَكَ فلانٌ: إذا ذَبَح.
﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ التوبة هنا: رجوع إلى الطاعة عن العصيان، ومن الله تعالى: رَجْعٌ بالإحسان، ولهذا يتعدَّى بـ (على)، وذلك أنَّ تاب بمعنى: رجع، فكما أنَّ رَجَعَ لازمٌ ومتعدٍّ كذلك تاب لازمٌ ومتعدٍّ (^٤).
وإنما قالا ذلك هضمًا لأنفسهما، واستتابةً عما فَرَط منهما سهوًا، أو إرشادًا لذريتهما.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ لمن تاب.
* * *
_________________
(١) في "ح" و"د" و"م": (جعلت).
(٢) قرأ ابن كثير من السبعة: (أرْنا) بسكون الراء. انظر: "التيسير" (ص: ٧٦).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٢٠٩)، وما بين معكوفتين منه.
(٤) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (وقد أشار الجوهري إلى هذا حيث قال: التوبة الرجوع من الذنب، ثم قال: وقد تاب الله عليه وفقه لها. منه).
[ ١ / ٣١٥ ]
(١٢٩) - ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿رَبَّنَا﴾ تكريرٌ لِمَا مرَّ ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾؛ أي: في ذريتهما، لا في الأمة المسلمة لعدم الدلالة حينئذ على أنهم أمةُ ذلك الرسول.
﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ البعث فيهم لا يستلزم أن يكون منهم كالعكس، ولهذا جمع بينهما.
﴿يَتْلُو﴾ يقرأ ﴿عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ المراد بالآية: المعجزةُ الواضحة الدلالةِ، وفي عبارة التلاوة إشارةٌ إلى أنه أراد أن يكون للرسول المسؤولِ معجزاتٌ من جنس الكلام.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ أي: يَلطُفهم في التفهيم (^١) شيئًا فشيئًا.
﴿الْكِتَابَ﴾: كلامَ الله تعالى المنزلَ (^٢) عليه ﵇، وهو أعمُّ من القرآن (^٣)؛ لاشتماله على منسوخِ التلاوة الخارجِ عن القرآن.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ السنَّة، ذكره قتادةُ (^٤)، ووجهُ المناسبة بينهما: أن الحكمة تنتظِم العلمَ والعمل كما أن السنة تنتظِم القولَ والفعل.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: ويطهِّرهم؛ أي: يحلِّيهم بالفضائل ويخلِّيهم عن الرذائل، وإنما قدِّم الأول لأن عِلْمَ القبائح يكون سببًا لتركها.
_________________
(١) في "د": (التفهم)، وفي "م": (الفهم).
(٢) في "ك": (أي المنزل).
(٣) في "ك" و"م": (القراءة).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٧٦).
[ ١ / ٣١٦ ]
والجامع لِمَا ذكر إنما هو محمدٌ ﵇، وقد روي أنه ﵇ قال: "أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارةُ أخي عيسى، ورُؤيا أمِّي آمنةَ" (^١).
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: الغالبُ الذي يَقهر ولا يُقهر.
﴿الْحَكِيمُ﴾ المحكِمُ لأوامره (^٢).
* * *
(١٣٠) - ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الرغبةُ: سعةُ الإرادة، ومنه: بطن رغيب؛ أي: نهِمٌ، ومتى عُدِّي بـ (عن) اقتضى صَرْفَ الإرادة عن ذلك الشيء، وذلك بالتزهُّد فيه.
و(مَن) للاستفهام على وجهِ الاستبعاد، والمراد الجحدُ على وجهٍ أبلغَ؛ أي: لا يزهدُ في ملَّة إبراهيم ﴿إِلَّا مَنْ﴾ إلا الذي ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: أذلَّها واستَخفَّ بها.
قال المبرِّد وثعلبٌ: إن سَفِه - بكسر الفاء - يتعدَّى كسفَّه المشدَّدِ، ويشهد له ما جاء في الحديث: "الكبرُ أن تَسْفَهَ الحقَّ وتَغْمِصَ الناسَ" (^٣).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٧١٦٣)، وفيه: (.. ورُؤْيا أُمي التي رَأَتْ أنَّهُ خَرَجَ منها نُورٌ أَضَاءَتْ له قُصُورُ الشَّام).
(٢) في "ح" و"د" و"ف": (المحكم له).
(٣) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٥٢٠)، والإمام أحمد في "المسند" (٦٥٨٣)، والبزار في "مسنده" (٢٤٣٣)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. ولفظ المسند: " .. سَفَه الحقِّ وغمصُ الناس". وروى مسلم (٩١) من حديث ابن مسعود ﵁ نحوه، ولفظه: "الكبر بطر الحق وغمط الناس". والغمص كالغمط: وهو الاستهانة والاستحقار.
[ ١ / ٣١٧ ]
والمستثنى في محلِّ الرفع بدلًا (^١) من الضمير الذي في ﴿يَرْغَبُ﴾، وهو أجودُ من النصب على الاستثناء.
﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: جعلناه صافيًا من جميع ما لا يليقُ خلَّةَ الحق، والاصطفاء في الأصل: تناوُلُ صفوةِ الشيء؛ كما أن الاختيار تناولُ خيره، والاجتباءَ تناولُ جابَته؛ أي: وسطِه، وهو المختار.
﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: من الباقين على الصَّلاح في الدنيا حتى يكون كذلك في العُقبى، فكم مِن صالحٍ في أولِ حاله ذهب صلاحُه في مآله! فهو في مقام التعليل لاصطفائه في الدنيا؛ كما أنه في مقام التعليل لِمَا سبق من أنه حقيق بالاتِّباع لا يَرغب عنه إلا سفيهٌ أو متسفِّه أذلَّ (^٢) نفسه بالجهل والإعراض عن النظر.
* * *
(١٣١) - ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ﴾ العامل في ﴿إِذْ قَالَ﴾: ﴿أَسْلَمْتُ﴾؛ أي: حين أمره الله تعالى بالإسلام قال: أسلمتُ، استئنافٌ تعليليٌّ لِمَا تقدم من الفلاح في الدارين.
وإنما زاد قوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لبيانِ أن المراد من الإسلام هو الانقيادُ عن عرفانٍ بما يوجب الإذعان، لا مجردُ الإقرار باللسان.
* * *
_________________
(١) في "ك" و"م": (بدل).
(٢) في "ك" و"م": (أخل).
[ ١ / ٣١٨ ]
(١٣٢) - ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿وَوَصَّى بِهَا﴾؛ أي: بملَّة الإسلام المذكورة.
﴿إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ والتوصية: التقدُّم بفعلٍ فيه صلاحٌ دينيٌّ أو دنيويٌّ، وقرئ: ﴿وأوصى﴾ (^١)، والأول أبلغ. واشتقاقُها من وصَّاه؛ أي: وصَله، ويضادُّه فصَّاه؛ أي: فصَله.
﴿وَيَعْقُوبُ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: وصَّى هو أيضًا بها بنيهِ، وقرئ بالنصب (^٢) على أنه ممن وصَّاه إبراهيم، وإنما مُنع عن الصرفَ للعلَمية والعُجمة.
﴿يَابَنِيَّ﴾ على إضمار القول، أو متعلِّق بـ (وصَّى)؛ لأنَّه نوع منه، وباعتباري القول والفعل يجوز إثباتُ (أنْ) وحذفُها؛ كما في الرسالة والإبلاغ والإنذار والوعد.
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ دينَ الإسلام الذي هو صفوةُ الأديان؛ لقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ كناية عن الثبات على الإسلام، وفي العبارة المذكورة إشارةٌ إلى أنَّ العبرة للخاتمة.
* * *
(١٣٣) - ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
_________________
(١) هي قراءة نافع وابن عامر من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٧٧).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩).
[ ١ / ٣١٩ ]
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ، ومعنى الهمزةِ فيها الإنكارُ؛ أي: ما كنتُم حاضرين.
﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ﴾ وقال لبَنيه ما قال، فلِمَ تدَّعون اليهوديةَ عليه.
رُوي (^١) أن اليهود قالوا لرسول ﷺ: ألستَ تعلمُ أن يعقوب أوصى بنيهِ باليهودية يومَ ممات؟ فنزلت.
والشُّهود: حضور بالذات، أو بالعناية، أو بالمقال، والحضورُ أكثرُ ما يقال بالذات، كذا قال الراغب (^٢).
وتقديمُ المفعول - وهو ﴿يَعْقُوبَ﴾ - لشدةِ الاهتمام به؛ لأنهم يدَّعون عليه اليهودية.
﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ بدلٌ من ﴿إِذْ حَضَرَ﴾.
﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ لم يَعْنِ به العبادةَ المشروعةَ فقط، بل عنَى جميع الأعمال، فكأنه دعاهم أنْ لا يتخيَّروا في أعمالهم غيرَ وجه الله تعالى، ولم يَخَفْ عليهم الاشتغالَ بعبادة الأصنام، وإنما خاف أن تشغَلهم دنياهم، ولهذا زادوا في الجواب قولهم: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: منقادون له في جميع الأفعال والأحوال.
﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ أي: نقتدي بك كما اقتديتَ بآبائك، وللإشعارِ بهذا الاعتبارِ المناسب للمقام زادوا في الكلام على قَدْر الحاجة في الجواب،
_________________
(١) في "ك" و"م": (وروي).
(٢) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ٣٢٠).
[ ١ / ٣٢٠ ]
وقُرئ: (وإنهَ أبيك) (^١) على أنه جمعُ أبٍ على السلامة، أو مفردٌ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ عطفُ بيانٍ.
﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ بدلٌ عن قوله: ﴿آبَائِكَ﴾، وإبراهيمُ ﵇ كان جدًّا له والجدُّ أبٌ؛ قال الله تعالى ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧].
وإسماعيلُ ﵇ كان عمًّا له، والعمُّ عند العرب يسمَّى أبًا، قال النبيُّ ﵇ في حقِّ العباس ﵁: "ردُّوا عليَّ أبي" (^٢)، وإنما قدَّمه على أبيه إسحاق لأنَّه كان أكبرَ سنًا منه (^٣).
﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ بدلٌ من ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾، ويجوز أن يكون ﴿وَاحِدًا﴾ حالًا ﴿إِلَهًا﴾ توطئةً، والفائدة: التنصيصُ على أن معبودهم واحدٌ، ونفيُ التوهُّم الناشئ (^٤) من تكرير المضاف، وأمَّا النصبُ على الاختصاص فيردُّه نصُّ النُّحاة على أن المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرةً ولا مبهَمًا.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ حال من فاعل ﴿نَعْبُدُ﴾ أو مفعولِه، أو منهما، ويجوز أن يكون جملةً معطوفةً على ﴿نَعْبُدُ﴾ أو اعتراضيةً.
* * *
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩).
(٢) قطعة من خبر طويل رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٦٩٠٢)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٣١٢ - ٣١٥)، عن عكرمة مرسلًا.
(٣) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (قال القاضي: وعدّ إسماعيل من آبائه تغليبًا للأب والجد، ولم يصب في قوله: والجد؛ لأنَّه غير مذكور لفظًا، ثم قال: أو لأنَّه كالأب؛ لقوله ﵇: "عم الرجل صنو أبيه"، وكأنه ظن أنه حينئذ لا حاجة إلى التغليب، وليس كذلك. منه).
(٤) قيل: لتعذر العطف على المجرور، وكأن هذا القائل غافل عن عطف ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ في قوله تعالى: (تساءلون به والأرحامِ) على قراءة حمزة. منه).
[ ١ / ٣٢١ ]
(١٣٤) - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ الإشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبَنِيهِما، والأمَّة: أهلُ الملَّة الواحدة، وهي في الأصل: المقصودُ، من أمَّه؟ كالعُمْدة مِن عَمَده، ويسمَّى بها الجماعةُ؛ لأن الفِرَق تؤمُّها.
﴿قَدْ خَلَتْ﴾؛ أي: مضتْ وصارت إلى الخلاء، وهي الأرض التي لا أنيسَ بها، وَيلزمُه الانفرادُ، ومنه: خلا الرجل بنفسه: انْفَرَد (^١)، وخلا المكانُ من أهله؛ أي: انْفَردَ منهم.
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الكسب: اجتلابُ النفع بعلاجٍ ومراس (^٢)، ولذلك لا يجوز في صفة الله تعالى، وإذا قيل في المضرَّة فعلى طريقِ الاستعارة، وتقديمُ (لها) و(لكم) للتخصيص، والجملةُ استئنافٌ لبيان أن الانتفاع بالاكتساب لا بالانتساب.
﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تتميمٌ لِمَا تقدَّم؛ أي: لا يثاب ولا يعاقَبُ أحد بما كان من الآخر، على أن المراد سؤالُ المؤاخذة.
* * *
(١٣٥) - ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ أي: رؤساء اليهود ونصارى نجران.
﴿كُونُوا﴾ المأمورون مَن آمَن برسول الله ﵇.
﴿هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ كان الظاهر إيرادَ أداة الجمع؛ لأن كلام المجموع مجموعُ
_________________
(١) في "م": (إذا انفرد).
(٢) في "د": (ومراس الممارسة).
[ ١ / ٣٢٢ ]
الكلامين، إلا أنه أراد أن يضمِّن الكلام بيانَ انقسام المقال على الانفصال الحقيقيِّ فأتى بأداة المنع.
﴿تَهْتَدُوا﴾ جوابُ الأمر.
﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: قل يا محمدُ جوابًا عن قيلهم: بل نكونُ أهلَ ملة إبراهيم، على حذف المضاف.
وقرئ: (مِلَّةُ) بالرفع (^١)، على معنى: بل المهتدون ملةُ إبراهيم.
﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ من المضاف أو من المضاف إليه، والحنيف: المائل، والمراد: الميلُ عن الأديان كلِّها إلى دِينِ الحقِّ؛ كان يقال في الجاهلية لمن كان على دين إبراهيم ﵇: حنيفٌ، لميلهم عن طريقتهم إلى طريقةٍ غيرها.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تعريضٌ إلى أن كلتا الطائفتين قد أَشركت.
* * *
(١٣٦) - ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿قُولُوا﴾ خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون خطابًا للكافرين على أن المراد بقوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾: بل كونوا أهلَ ملَّتِه لتكونوا مهتدين، فيكون ﴿قُولُوا﴾ بيانًا له.
﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: بأُلوهيَّته ووحدانيَّته وسائرِ صفاته، ومن جملتها كلامُه فكان
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠).
[ ١ / ٣٢٣ ]
الإيمان به مشتملًا للإيمان (^١) بجميع ما أُنزل من عنده، فلهذا لم يفْصل بينهما بأداة التعدية الدالةِ على الاستقلال.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾: القرآن، قدَّمه لأن التصديق به أهمّ وأتمّ.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ من الصُّحف.
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ عُطفوا على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ لأنهم لمَّا كلِّفوا العمل بشريعته صارت الصحف المنزلةُ عليه كأنها منزلةٌ إليهم.
﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾: أولاد يعقوب، جمع سِبطٍ: وهو في الأصل كالطائفة والفرقة، والأسباطُ في أولاد إسحاق ﵇ كالقبائل في أولاد إسماعيل ﵇، وهم جماعةٌ من أبٍ وأمٍّ مأخوذٌ من السَّبَط (^٢)، وهو شجرةٌ واحدةٌ لها أغصانٌ كثيرةٌ.
﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾: التوراة والإنجيل والآيات البيّنات، ولهذا أتى هنا بعبارة ﴿أُوتِيَ﴾ ولم يكرِّر ﴿وَمَا أُوتِيَ﴾ لأن شريعة عيسى ﵇ هي شريعةُ موسى ﵇ إلا في النَّزْر، وأفردهما بالذكر لوقوعِ النزاع فيهما.
﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ تعميمٌ بعد التخصيص.
﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: منزلٌ من ربهم.
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: لا نكون كالذين آمَنوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ من اليهود والنصارى، و(أحد) عامٌّ فساغ أن يضاف إليه (بين)، وعمومُه ليس من جهةِ كونه نكرةً في سياق النفي كما هو السابقُ إلى الوهم، بل لأنَّه موضوعٌ له في النفي
_________________
(١) في "ك": (يشمل الإيمان).
(٢) بالتحريك: جمع سَبَطة. انظر: "الدر المصون" (٢/ ١٣٨).
[ ١ / ٣٢٤ ]
المستوي (^١) فيه المذكَّرُ والمؤنَّثُ، والواحدُ وما وراءه، ولو قال: بينهم، لكان أوجَزَ، إلا أنه لمَّا كان القصد إلى أن يبيِّن أن لا نفرِّق بين واحدٍ وواحدٍ ذكر لفظ أحد (^٢).
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: مذعِنون مخلِصون.
* * *
(١٣٧) - ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿فَإِنْ﴾ الفاءُ لترتيب الكلام على ما تقدَّم.
﴿آمَنُوا﴾؛ أي: اليهودُ والنصارى.
﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: بمثلِ إيمانكم، فـ ﴿مَا﴾ مصدريةٌ، و﴿بِهِ﴾ بدلٌ من ﴿بِمِثْلِ﴾ يفيد التأكيد، وكذا الباءُ المزيدة. ويجوز أن يكون للآلة، والمعنى: إنْ تحرَّوا بطريقٍ يهدي إلى الحق مثلِ طريقكم، فإنَّ وحدة المقصِد لا تأبى تعدُّد الطرق، أو المِثْلُ مقحَمٌ كما في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]؛ أي: عليه، ويشهد له قراءةُ: (بما آمنتم به)، و: (بالذي آمنتم به) (^٣).
﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: أصابوا الصراطَ السَّوِيَّ.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يقال: تولَّاه؛ أي: اتَّخذه وليًّا، قال تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣]، وإذا وُصل بـ (إلى) يكون بمعنى الإقبال عليه، قال تعالى:
_________________
(١) في "د": (مستو).
(٢) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (صرح به صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾. منه).
(٣) القراءتان في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠)، و"المحتسب" (٢/ ١١٣).
[ ١ / ٣٢٥ ]
﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٤] وإذا وُصل بـ (عن) يكون بمعنى الإعراض وهو المراد هاهنا؛ أي: إن أعرضوا عن الإيمان بما آمنتم به، أو عمَّا تقولون لهم.
﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾؛ أي: فما هم إلا في شقاقٍ عظيمٍ، وهو المناوأةُ والمخالَفة لأهل الحق، فإنَّ كلَّ أحدٍ من المتخالِفَينِ في شقٍّ غيرِ شقِّ الآخَر.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ تسليةٌ وتسكينٌ للمؤمنين، ووعدٌ لهم بالحفظ والنصر، والسِّينُ إشارةٌ إلى كون الوعد محقَّقَ الوقوع قريبَه (^١).
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ حُذف المفعول للتعميم، أو تُرك تنزيلًا للمتعدِّي منزلةَ اللازم لإيهام المبالغة، وعدٌ للمؤمنين ووعيدٌ للكفار.
* * *
(١٣٨) - ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ انتصب انتصابَ المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة من قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، أي: صَبَغَنا الله تعالى بالإيمان الفطريِّ صبغتَه، وهي فطرةُ الله التي فَطر الناسَ عليها، فإنها حِلْيةُ الإنسان كما أن الصبغةَ حِليةُ المصبوغ، أو: هدانا الله تعالى هدايتَه وأرشدَنا حُجَّتَه، أو: طهَّر قلوبَنا بالإيمان تطهيرَه، وسماه صبغةً؛ لأنَّه ظهر أثرُه عليهم ظهورَ الصبغ على المصبوغ، وتداخَلَ في قلوبهم تداخُلَه الثوب.
وقيل: إنه كلامٌ واردٌ على طريقِ المشاكَلة (^٢)، وذلك أنه كان للنصارى صبغٌ
_________________
(١) في (د): "قويه"، وفي (ح) و(ف) و(م): "قرينه".
(٢) والمشاكلة واقعة بين فعل الفارس وقول القائل أعرس فإن المراد بقوله أعرس عرس الكريم، فلولا فعل الفارس لم يحسن منه كما يعرس فلان، كما أن قوله ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ مشاكلة بفعل النصارى وإن لم يوجد منهم قول، وقال الزجاج: يجوز أن يكون صبغة الله بمعنى خلق الله الخلق أي الله تعالى ابتدأ الخلق الإسلام لقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة حلية المصبوغ. طيبي.
[ ١ / ٣٢٦ ]
يسمُّونه: المعمودية، وهو ماء أصفر كانوا يغمسون أولادهم فيه يزعمون أنه تطهير لهم، ويقولون للمغموس: الآن صار نصرانيًّا حقًّا.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾؛ أي: لا أحد أحسن من الله صبغة.
﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ عطف على ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، أو على قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، وهو حال من ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، وفيه تعريضٌ بهم؛ أي: لا نُشرك به كشركِكُم.
* * *
(١٣٩) - ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ المحاجَّة: المقاومة في إظهار الحجة المبيِّنة للمَحَجَّة؛ أي: للمَقْصِد.
﴿فِي اللَّهِ﴾ في شأنه واصطفائه نبيًّا من قريش، روي: أن أهل الكتاب قالوا: الأنبياء كلُّهم منا، فلو كنتَ نبيًّا لكنتَ منَّا، فنزلت.
﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ لا اختصاصَ لربوبيته بقومٍ دون قومٍ، يُصيب برحمته مَن يشاء من عباده.
﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ فكما أن لكم أعمالًا ربما يعتبرها الله تعالى، فكذلك لنا أعمال.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي: في الاعتقاد والعمل لا أنتم، فكيف تكونون أفضل منا وأولى؟ كأنهم ألزمهم على كلِّ مذهب ينتحلونه إفحامًا وتبكيتًا، فإن كرامة النبوة إما بفضلٍ من الله تعالى على مَن يشاء والكلُّ فيه سواءٌ، وإما إفاضةُ حق على المستعدِّين لها بالمواظَبة على الطاعة والتحلِّي بالإخلاص.
* * *
[ ١ / ٣٢٧ ]
(١٤٠) - ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾:
على القراءة بالتاء الفَوقانيَّة (^١): يحتمل أن تكون ﴿أَمْ﴾ متصلةً معادِلةً للهمزة في ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾، يعني: أيَّ الأمرين تأتون: المحاجَّةَ في الله، أم ادِّعاءَ اليهودية والنصرانية على الأنبياء ﵈؟ وأن تكون منقطعةً.
وعلى القراءة بالياء التحتانية لا تكون إلا منقطعة؛ لأن المتصلة تقتضي المساواة بين ما يلي الهمزة و(أم)، ولا مساواة حينئذ.
ومعنى الاستفهام: الإنكار، وعلى تقدير اتصال (أم) إنكارُ الأمرين جميعًا، وكذا على تقدير انقطاعها، وفي القراءة الثانية إعراضٌ عن الخطاب لهم استجهالًا لهم بما كان منهم.
وفي: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ إنكارٌ للقِسم الأول وتقريرٌ للثاني؛ أي: إن الله تعالى شهد لهم بملة الإسلام في قوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] وهؤلاء المعطوفون عليه أتباعُه في الدِّين اتِّفاقًا.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً﴾ ثابتة ﴿عِنْدَهُ﴾ كائنة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: شهادةَ الله تعالى في حق إبراهيم التي ثبتت عنده في كتابه الذي يتلوه.
والمعنى: لا أحد أظلمُ من أهل الكتاب؛ لأنهم كتموا الشهادة، أو منَّا لو كتمنا
_________________
(١) هي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص، والباقون بالياء. انظر: "التيسير" (ص: ٧٧).
[ ١ / ٣٢٨ ]
هذه الشهادة، وفيه تعريضٌ لهم بكتمانهم شهادة الله تعالى لمحمدٍ ﵇ بالنبوة في كتبهم وغيرِها، وقد مرَّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] ما يتعلَّق بهذا المقام من بيانِ وجهِ هذه الطريقة من الكلام.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وعيد لهم.
* * *
(١٤١) - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تكرير للمبالغة في التحذير والزَّجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء والاتِّكال عليهم.
* * *
(١٤٢) - ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ قد مرَّ معنى السَّفَه، والمراد: المنكِرون لتغيير القِبلة من المنافقين والمشركين واليهود، وفائدةُ تقديم الإخبار به مع أنه نوع هن الإعجاز: توطينُ النفس وإعداد الجواب.
﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ ما صرَفَهم.
﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ يعني: بيتَ المقدس (^١)، والقبلةُ وإن كانت في الأصل
_________________
(١) في (م) و(ك) زيادة: "والقبلة".
[ ١ / ٣٢٩ ]
اسمًا للحال التي عليها الإنسانُ من الاستقبال كالجِلْسة والقِعْدة، فقد صارت في التعارُف للمكان المتوجَّهِ نحوه للصلاة إليها.
﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ كنى بهما عن الجهات كلِّها؛ أي: نسبةُ (^١) جميع الجهات إليه تعالى على السَّواء، فلا يختصُّ بأمره مكانٌ دون مكانٍ لخاصِّيَّةٍ ذاتيةٍ يمتنع إقامةُ غيره مُقامه، وإنما العبرةُ بارتسامِ أمره لا بخصوصِ المكان.
﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو ما عَلم الله تعالى صلاحَهم واستقامةَ أمرهم فيه من توجيههم (^٢) إلى بيت المقدس تارةً وإلى الكعبة أخرى.
* * *
(١٤٣) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الجعلِ العجيبِ، والإشارةُ إلى الجعل المدلول عليه بـ ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ لا إلى الجعل المفهوم من الآية المتقدِّمة، وإنما جيء بما يدلُّ على البعد تفخيمًا، والكافُ مقحَمٌ للمبالغة.
﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ إخبارٌ بكونهم عدولًا مزكَّين بالعلم والعمل، وهو في الأصل اسمٌ للمكان الذي تستوي إليه المساحةُ من الجوانب في المدوَّر، ومن الطرفين في المطوَّل؛ كالنقطةِ من الدائرة، ولسانِ الميزان من العمود، فجُعل عبارة
_________________
(١) في (م): (كلها إشارة إلى أن نسبة).
(٢) في "ك": (توجههم).
[ ١ / ٣٣٠ ]
عن العدل، وشُبِّه به كلُّ ما وقع بين طرفي (^١) إفراطٍ وتفريطٍ، كالجود بين السَّرَف والبخل، والشجاعةِ بين التهوُّر والجبن، ثم جُعل عبارةً عن المختار من كلِّ شيء، حتى قيل: فلان من أوسطهم نسبًا، فاستوى فيه الواحد والجمع، والمذكَّر والمؤنَّث، كسائر الأسماء التي يوصَف بها.
﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ﴾ يعني: الأنبياءَ ﵈ يومَ القيامة.
﴿عَلَى النَّاسِ﴾ على الكفار.
﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ هو محمد ﵇ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ خاصة ﴿شَهِيدًا﴾ معدِّلًا مزكِّيًا لهم، والشهيدُ كالرقيب والمهَيمِن، فجيء ب (على) لاستعلائه المشهودِ له.
روي أنَّ الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغَ الأنبياء ﵈، فيطالِبُ الله تعالى الأنبياء ﵈ بالبيِّنة على أنهم بلَّغوا وهو أعلَمُ، فيأتون محمدًا ﵇ يلتمِس كلُّ رسول منه طائفةً من أمته تَشهد له، فيَشهدون، فتقول الأمم: من أين عرفتُم؟! فيقولون: علِمنا ذلك بإخبارِ الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيِّه الصادق، فيؤتَى بمحمد ﵇ فيُسألُ عن أمته، فيزكِّيهم ويشهدُ بعدالتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] (^٢).
واستدل بالآية المذكورة على أن الإجماع حجة، إذ لو كان فيما اتَّفقوا عليه باطل لانثَلمت (^٣) به عدالتُهم، ولا يخفى ضعفُه؛ إذ غاية ما لزم حينئذ خطؤهم في الاجتهاد
_________________
(١) في "ك" و"م": (طرفين).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ١٩٩). وانظر حديث أبي سعيد ﵁ في "صحيح البخاري" (٤٤٨٧)، و"مسند أحمد" (١١٥٥٨)، و"السنن الكبرى" للنسائي (١٠٩٤٠)، و"سنن ابن ماجه" (٤٢٨٤).
(٣) في "ك": (لاتهمت).
[ ١ / ٣٣١ ]
ولا تنثلم به العدالة، كيف والخطأ في الاجتهاد مما يثاب عليه؟ وما يثاب عليه لا يكون قادحًا في العدالة.
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: الجهةَ التي كنت عليها وهي الكعبة، كان ﵇ يصلي إليها بمكة، ثم أُمر بعد الهجرة بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس، لا تألُّفًا لليهود لأنَّه مردودٌ بالحصر المستفاد من تمام الكلام الآتي ذكرُه، فإنه صريحٌ في أنَّ جَعْل الكعبة قبلةً ليس تألُّفًا لقريشٍ على هذا الوجه، وأنَّ جَعْل الصخرة قبلةً ليس تألُّفًا لليهود على الوجه الآخَر، ثم حوِّل إلى الكعبة، فالمعنى: ما ردَدْناك إلى الكعبة، وذلك لا يقتضي أن تكون ﴿الْقِبْلَةَ﴾ المفعولَ الأول، و﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ المفعولَ الثانيَ كما تُوهِّم، بل يجوز أن يكون على العكس؛ أي: صيَّرنا الجهةَ التي كنتَ عليها أولًا ثم صُرِفْتَ عنها إلى بيت المقدس قبلتَك أو الصخرة، فالمخبَرُ به على الأول (^٤) الجعلُ الناسخ، وعلى الثاني المنسوخُ، والمعنى: إنَّ أصل أمرِك أن تَستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتَك بيتَ المقدس إلا امتحانًا وابتلاءً للناس.
وعن ابن عباس ﵄: كانت قبلتُه ﵇ بمكةَ بيتَ المقدس، إلا أنه كان يجعل الكعبةَ بينه وبينه (^٥).
ولا دلالةَ في هذا على أحد المعنيين المذكورين بخصوصه كما لا يخفى (^٦).
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ ليَظْهَرَ علمُنا على مظاهر الرسول ﵇ والمؤمنين، ويتميَّزَ عندهم الثابتُ على الإسلام الصادقُ فيه، وإنما عبَّر عن الظهور
_________________
(١) في "ك" و"م": (على الوجه الأول).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٠٠). ورواه بنحوه الإمام أحمد في "المسند" (٢٩٩١).
(٣) في هامش "ح" و"د" و"ف": (رد للقاضي).
[ ١ / ٣٣٢ ]
المذكور بالعلم المسنَد إلى ذاته لأنهم خواصُّه وأهل الزلفى عنده تعظيمًا لهم، وبهذا اندفع ما قيل: كيف يكون علمه تعالى غاية الجعل وهو لم يزل عالمًا؟
وأما التأويلُ بأنه باعتبار التعلُّق الحالي الذي هو مناطُ الجزاء، والمعنى: ليَتعلَّق به علمنا موجودًا، فليس بشيء؛ لأن علمه تعالى به موجودًا في وقتِ وجوده لم يزل أيضًا، فإنه تعالى كان عالمًا في الأزل بهم وبكلِّ حالٍ من أحوالهم التي تقع في زمانٍ من أزمنةِ وجودهم مقارِنةٍ للزمان الذي تقع فيه تلك الحالة (^١).
﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ مِن المتردِّد الذي يرتدُّ بأدنى سببٍ لقلقه (^٢)، تصويرٌ لسوء حالهم في الارتدادِ بأقبحِ الوجوه، فإن الانقلاب على العَقِب أسوأُ أحوال الراجع في مشيه، وتثنيةُ العقب تقويةٌ لمساءته.
والعَقِبُ على ما قاله الأصمعيُّ: ما أصاب الأرض من مؤخَّر الرِّجل إلى موضع الشِّراك، الذي ذكر من جنس الحِكَم والغايات التي تترتَّب عليها المصالح لا من قبيل الأغراض.
وقرئ: (إلا ليُعلم) على البناء للمفعول (^٣).
ومعنى العلم: المعرفةُ، ويجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ متضمِّنةً لمعنى الاستفهام معلَّقًا عنها العلمُ؛ كقولك: علمتُ أزيدٌ في الدار أم عمرو.
_________________
(١) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (أي: كان أن علمه المطلق لم يزل كذلك علمه المقيد لم يزل فتأمل. منه).
(٢) قوله: (لقلقه) تحرف في "ح" و"ف" و"ك" و"م" إلى: (لقلة)، والتصويب من "الكشاف" (١/ ٢٠٠)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١١١)، وفي "د" تحتمله.
(٣) تنسب للزهري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠).
[ ١ / ٣٣٣ ]
﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ شاقَّةً؛ لأنَّ مَن أَلِفَ شيئًا ثم فارَقه شَقَّ عليه، (إنْ) هي المخفَّفة من الثقيلة (^١)، واللامُ هي الفاصلة.
وقيل: (إنْ) هي النافيةُ، واللام بمعنى: إلا، والضميرُ لِمَا دلَّ عليه قولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ أي: الجَعلةُ أو التحويلةُ أو الرَّدَّة، ويجوز أن يكون لـ ﴿الْقِبْلَةَ﴾.
وقرئ: (لكبيرةٌ) بالرفع (^٢)، فتكون (كان) زائدةً كما في قوله:
وجيرانٍ لنا كانوا كرامٍ (^٣)
﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ﴾ استثناءٌ من محذوفٍ؛ أي: لكبيرةً على الناس إلا على الذين.
﴿هَدَى اللَّهُ﴾ إلى حكمةِ الأحكام، الثابتين على الإسلام والاتِّباع.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾: ثباتَكم على الإيمان في الاتِّباع، بل شَكَر صنيعَكم وأَعدَّ لكم الأجرَ العظيم، وقيدُ الاستمرار المستفادِ من لفظِ ﴿كَانَ﴾ مقدَّمٌ في الاعتبار على النفي.
أو: صلاتَكم إلى بيت المقدس؛ أي: إيمانَكم بسبب الصلاة إليه، فإنها قبل التحويل ما صحَّت إلا باستقباله، قال ابن عباس ﵄: لمَّا وجِّه رسول الله ﷺ الكعبة قالوا: كيف بمن مات يا رسول الله قبل التحويل من إخواننا؟ فنزلت (^٤).
_________________
(١) في "م": (المثقلة).
(٢) تنسب لليزيدي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠).
(٣) عجز بيت للفرزدق، وهو في ديوانه (٢/ ٢٩٠)، وصدره: (فكيف إذا رأيت ديار قوم). وجاء في هامش "م": (أوله: فكيف إذا مررت بدار قوم).
(٤) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٦٩١)، وأبو داود (٤٦٨٠)، والترمذي (٢٩٦٤). وبنحوه في "البخاري" (٤٤٨٦) من حديث البراء ﵁.
[ ١ / ٣٣٤ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ فيه معنى التعليلِ، والإظهارُ في مقام الإضمار للتَّفخيم.
﴿بِالنَّاسِ﴾ على الإطلاق، فكيف بالمؤمنين منهم؟
﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فلا يُضيع أعمالَهم، ولا يُخلُّ بما يُصلح أحوالَهم، وإنما قدِّم الرؤوف على الرحيم؛ لأن الرأفة إنما تكون باعتبارِ الحفظ والصِّيانة عن الآفات والنقائص التي يُستحَق بها العقاب، والرحمةَ باعتبارِ إفاضة الكمالات والسعادات التي بها يُستحَق الثواب، فالأُولى من باب التزكية، والثانيةُ من باب التخليَة، ولا تكون التخلية إلا بعد التزكية.
* * *
(١٤٤) - ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿قَدْ نَرَى﴾ ﴿قَدْ﴾ للتقليل، وقد استُعمل هاهنا في مقام التكثير؛ كما في قوله:
قد أتركُ القِرْنَ مصفَرًّا أناملُه (^١)
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٠٢). وهذا صدر بيت، عجزه: كأن أثوابه مجَّت بفرصاد وهو من قصيدة لعبيد بن الأبرص الأسدي أوردها الأصمعى في "الأصمعيات". قوله: (قد أترك القرن)، هو بكسر القاف: المثل في الشجاعة، والأنامل: رؤوس الأصابع، والمعنى: أقتله فينزف دمه فتصفرّ أنامله. وقال الأعلم: خصّ الأنامل لأن الصفرة إليها أسرع وفيها أظهر. وقال غيره: يريد أن يقتل القرن فتصفرّ أنامله. ويقال: إنه إذا مات الميّت اصفرّت أنامله. ومجّت: دَمِيت، والمراد: صُبغت. والفرصاد بكسر الفاء قال الأعلم: هو التّوت، شبَّه الدم بحمرة عصارته. انظر: "خزانة الأدب" للبغدادي (١١/ ٢٧٥).
[ ١ / ٣٣٥ ]
يعني: إنك تفعل كثيرًا - على ما دل عليه عبارةُ ﴿تَقَلُّبَ﴾ - وهو قليل بالنسبة إلى ما تهمّ به وتريد، وفي البيت يدَّعي قلَّةَ الترك بالنسبة إلى ما في نفسه وما يريد، وهو كثيرٌ في حدِّ ذاته.
﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ تقلُّب الوجه أبلغُ من تقلُّب العين، على أن الوجه يريد به التوجُّه؛ كقولك: وجهي إلى فلان.
﴿فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: في جهتها تطلّعًا للوحي.
كان رسول الله ﵇ يتوقَّع من ربه أن يحوِّله إلى الكعبة؛ لأنها قبلةُ أبيه إبراهيم ﵇، وأقدمُ القبلتين، وأَدْعَى للعرب إلى الإيمان؛ لأنها مفخرتُهم ومَزارُهم ومطافُهم، ولمخالفة اليهود، وذلك يدلُّ على كمال أدبه ﵇، حيث انتظر ولم يسأل كما فَعل أبوه إبراهيمُ ﵇، حيث قال: (حسبي من سؤالي علمُه بحالي) (^١).
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فلنجعلنَّك واليًا ﴿قِبْلَةً﴾ من ولَّيتُه كذا: إذا جعلته واليًا له، أو: لنجعلنَّك تلي سَمْتَها، من الوَلْي.
﴿تَرْضَاهَا﴾ تحبُّها وتميلُ إليها لمصلحةٍ دينية، هذا القيدُ للدلالة على أنَّ التوليةَ كانت رعايةً لرضاه ﵇، فلا دلالةَ فيه على كراهة القبلة الأخرى.
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ فاجعل وجهك يلي.
_________________
(١) ذكره ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ٢٥٠) بلفظ: (علمه بحالي يغني عن سؤالي) وقال: قال ابن تيمية: موضوع. قلت: وجاء في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (١/ ١٨٣): ليس له إسناد معروف، وهو باطل، بل الذي ثبت في الصحيح [البخاري (٤٥٦٣)] عن ابن عباس أنه قال: (حسبي الله ونعم الوكيل). قلت: وكلاهما - الموضوع والصحيح - لا دليل فيهما لما قاله المؤلف.
[ ١ / ٣٣٦ ]
﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ نحوَه وجانبَه، الشطرُ في الأصل لِمَا انفصل عن الشيء، من شَطر: إذا انفصل عن الشيء، ثم استُعمل لجانبه وإن لم ينفصِل، وزيادتُه ليست لأنَّه ﵇ كان بالمدينة والبعيدُ يكفيه رعايةُ الجهة؛ لأن التعميم المستفادَ من قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] يأباه، بل للدلالة على أنَّ القبلة هي الهواء، ولا دخل فيها للبناء (^١).
﴿الْحَرَامِ﴾؛ أي: المحرَّم فيه القتالُ، أو ممنوع عن الظَّلَمة أن يتعرَّضوه، وهذا الوصف هو الباعث لإيثار ﴿الْمَسْجِدِ﴾ على: الكعبة، فإن الحكم المذكور لا اختصاصَ له بها، لا لأن في استقبال عينها حرجًا؛ لأنَّه قد اندفع بزيادة عبارة الشطر.
رُوي أنه ﵇ قدِم المدينةَ فصلى نحو بيت المقدس ستةَ عَشَرَ شهرًا، ثم وجِّه إلى الكعبة (^٢).
﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ خُصَّ رسول الله ﷺ بالخطاب تعظيمًا له، وإيجابًا لرغبته، ثم عمِّم تصريحًا بعموم الحكم، وتأكيدًا لأمر القبلة، وتحضيضًا للأمة على المتابعة.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إجمالًا، لعلمهم بأن عادته تعالى تخصيصَ أهل كل شريعة بقبلةٍ، وتفصيلًا لتضمُّن كتبهم أنه ﵇ يصلي إلى القبلتين، والضميرُ للتحويل أو التوجُّه.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ وعدٌ ووعيدٌ للفريقين، وفي قوله:
* * *
_________________
(١) في "م": (للبناء فيها).
(٢) رواه البخاري (٧٢٥٢)، ومسلم (٥٢٥)، من حديث البراء ﵁.
[ ١ / ٣٣٧ ]
(١٤٥) - ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ اللام موطِّئةٌ للقسم.
﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾؛ أي: برهانٍ قاطعٍ على أن التوجُّه إلى الكعبة هو الحقُّ، بعد قوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ دلالةً على أن امتناعهم عن التوجُّه إليها ليس عن شبهةٍ، بل عن عنادٍ ومكابرةٍ، فلا ينجع البرهان قطعًا.
﴿مَا تَبِعُوا﴾ أي: كلُّهم، فلا ينافي اتِّباعَ بعضهم ﴿قِبْلَتَكَ﴾ جوابُ القسم المضمَر، وهو مع جوابه سادٌّ مسدَّ جواب الشرط.
﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ قطعٌ لأطماعهم، فإنهم قالوا تغريرًا له ﵇ وإطماعًا: لو ثبتَّ على قبلتنا (^١) لكنا نرجوا أن تكون صاحبنا.
وقبلةُ المخالفين وإن تعدَّدت لكنها متَّحدةٌ من جهة البُطلان ومخالفةِ الحق.
﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأن اليهود تستقبلُ الصخرة، والنصارى مطلعَ الشمس، فلا يرجى توافُقُهم، فلا وجه للتوجُّه إلى إحدى تينك القبلتين إرضاءً لأحد الفريقين مع ما فيه من سَخَط الآخر.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: ولئن اتَّبعتهم في موافقته الهوى فرضًا، وفي العدول عن الظاهر التنبيهُ على أن قبلتهم لمَّا انتَسخَتْ لم يبق فيها إلا جهةُ الهوى والميلِ إلى مقتضى النفس؛ لبطلان وجه الحق.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: سببِه وهو الوحي.
_________________
(١) في (م) و(ك): "قبلتك".
[ ١ / ٣٣٨ ]
﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ في اللاماتِ الثلاث المجيبة والموطِّئَينِ للقسم في الجمل الثلاث، والتكرارِ في قوله: ﴿فَوَلِّ﴾ و﴿فَوَلُّوا﴾، مع التعميم في (حيثما)، والتأكيدِ بـ (إنَّ) واللامِ، والوعيدِ في قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وإيرادِ الجملتين المنفيَّتين وهما: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ﴾ و﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ﴾ اسميَّتين، وتأكيدِ النفي بالباء فيهما، وإيرادِ كلمة الشك في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ بعد القطع في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ﴾ ليدل على الفَرْض والتقدير كالمحالات، وتقويةِ ذلك المعنى بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، وذكرِ الأهواء، والتأكيداتِ الأربعة في جوابه = مبالغةٌ عظيمةٌ في أن كلَّ واحد من المحقِّ والمبطِلِ في غايةِ التصلُّب والتشدُّد في دينه، وامتناعِ رجوعه عنه - أمَّا المحقُّ: فلِقوةِ يقينه، ووضوحِ برهانه، وكونه على بيِّنةٍ من ربِّه، وأما المبطلُ: فلشدة شكيمته في عناده ومكابرته - وتعظيمٌ للحق المعلوم، وتحريضٌ على اقتفائه، وتحذيرٌ عن متابعة الهوى، واستفظاعٌ لصدور الذنب عن الأنبياء ﵈.
* * *
(١٤٦) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إيتاءَ فهمٍ ودراسةٍ، وهم الأحبار.
﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ الضمير للرسول ﵇، وقد سبق ذكره في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وهذا الكلام غيرُ منقطِعٍ عنه، إلا أنه (^١) الْتَفَتَ من الخطاب إلى الغيبة، ثم منها إلى الخطاب في قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.
_________________
(١) في "م": (لأنَّه).
[ ١ / ٣٣٩ ]
﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾: أي: يَعْرفونه ﵇ معرفةً لا شبهةَ فيه بالوصف الذي يعيِّنه كما يعرفون البنين على التعيين، لا اشتباه في معرفتهم إياهم بغيرهم، وإنما خُصَّ الأبناء بالذكر لأن اختلاطهم بالآباء أكثر، فعدمُ الاشتباه فيهم أظهر، رُوي عن عمر ﵁ أنه سأل عبد الله بن سلَام عن رسول الله عليه وسلم فقال: أنا أعلمُ به منِّي بابْني (^١)، قال: ولمَ؟ قال: لأني لست أشكُّ في محمد أنه نبيٌّ، فأما ولدي فلعل والدته خانت، فقبَّل عمرُ ﵁ رأسه (^٢).
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾ التنوين للتحقير، والإشارةِ (^٣) إلى قلَّة قَدْرهم بالنسبة إلى المظهِرين منهم.
﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾؛ أي: كونَه النبيَّ الموعود، كان الظاهر أن يقال: لَيكتُمونه، والعدولُ عنه للتنبيه على أن المراد معرفتُه ﵇ بذلك الوجهِ لا معرفةُ ذاته.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تخصيصٌ لمن عانَدَ، واستثناءٌ لمن آمَن.
* * *
(١٤٧) - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ كلام مستأنف، و﴿الْحَقُّ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هو الحق، و﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبرٌ بعد خبر، أو حالٌ. أو ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ خبرُه ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾.
واللامُ إمَّا للعهد والإشارةِ إلى ما يكتمونه؛ أي: الحقُّ الذي يكتمونه هو الحقُّ
_________________
(١) في "ك" و"م": (به من ابني).
(٢) انظر: "الوسيط" للواحدي (١/ ٢٣١)، و"الكشاف" (١/ ٢٠٤).
(٣) في "م": (وللإشارة).
[ ١ / ٣٤٠ ]
من ربك، أو إلى (^١) الحقِّ الذي عليه رسول الله ﷺ، وإما للجنس، أي: الحقُّ من ربك لا من غيره، أي: ماهيةُ الحق ما ثبت أنه من ربك، يعني: الذي أنت عليه، وما لم يَثبت أنه من ربك كالذي عليه أهلُ الكتاب فهو الباطل، كما تقول: الرجل زيد؛ أي: ماعدَاه ليس بالرجل.
وقرئ بالنصب (^٢) على أنه بدلٌ من الأول (^٣)، أو مفعولُ ﴿يَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ النهيُ عن الكون على صفةٍ أبلغُ من النهي عن تلك الصفة، ولذلك كثر في القرآن النهيُ عن الكون على الصفة التي يُطلب اجتنابها.
والامتراءُ من مَرَيْتُ الناقة: إذا مسحتَ ضرعَها، واستُعير للتردُّد في الأمر، وهو لا يكون بقصدٍ واختيارٍ، فالنهيُ المذكور للحثِّ على محافظةِ الأسباب المُزيلةِ له، والتحذيرِ عن الغفلة عنها، والرسولُ ﵇ أحقُّ بهما من أمته، ولقد أحسنَ مَن قال: إن الله يحذِّر نبيَّه من اتِّباع الهوى أكثرَ مما يحذِّر غيره؛ لأن ذا المنزلة الرفيعة إلى تحذير الإنذار أحوجُ، حفظًا لمنزلته وصيانةً لمكانته.
وقد قيل: حقُّ المرآة المجلوَّة أن يكون تعهُّدُها أكثرَ، إذ كان القليل من الصداء عليها أظهر.
ومَن ذهب عليه هذا قال: ليس المراد به نهيَ الرسول ﵇ عن الشك فيه؛ لأنَّه غير متوقَّع منه، وليس بقصدٍ واختيار، وكأنه (^٤) غافلٌ عن أنه لا
_________________
(١) كلمة: (إلى) من "د" و"م".
(٢) تنسب لعلي ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠).
(٣) في هامش "م": (أي من الحق الأول الذي سبق ذكره آنفًا في قوله تعالى: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ الآية).
(٤) في "م": (فكأنه).
[ ١ / ٣٤١ ]
صحة للكلام على ظاهره (^١)، وبعد الصرف عنه لا مانع عن كون الخطاب له ﵇
ثم إنه لا اختصاص للنهي بالمتوقَّع، ألا يرى أن الجهل غيرُ متوقَّع من نوح ﵇، وقد وقع التحذير عنه في حقه في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦].
وفائدة نهيه ﵇ مع أن النهي غيرُ متوقَّعٍ منه: المبالغةُ في حق مَن يُتوقَّع منه ذلك.
* * *
(١٤٨) - ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾؛ أي: ولكلِّ قوم من المسلمين جهةٌ وجانبٌ من الكعبة.
وقيل: المعنى: ولكلِّ أمةٍ من أهل الأديان المختلفة جهةٌ وقبلةٌ، ولا ينتظِمه وجه التفريع الآتي ذكرُه، وفي قراءة أبيٍّ: (قبلةٌ) (^٢). والتنوينُ عوضٌ عن الإضافة.
﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ ﴿هُوَ﴾ إما راجعٌ إلى (كلٍّ) أي: هو موليها وَجههُ، فحُذف أحد المفعولين، أو إلى الله تعالى؛ أي: هو مولِّيها إياه (^٣).
_________________
(١) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (يعنى: لا صحة للكلام قبل صرف النهي عن ظاهره، سواء كان الخطاب له ﵇ أو لأمته، وبعد صرفه عنه إلى ما ذكر لا مانع عن كونه له ﵇ أيضًا. منه).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٠٥).
(٣) في النسخ: (وجهه)، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (١/ ٢٠٥)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١١٣)، و"البحر" (٣/ ١٠٥)، و"روح المعاني" (٣/ ٣٠).
[ ١ / ٣٤٢ ]
وقرئ: (ولكلِّ وجهةٍ) بالإضافة (^١)؛ أي: وكلُّ وجهةٍ اللهُ تعالى [مولِّيها] (^٢) أهلَها، واللامُ مزيدةٌ للتأكيد جبرًا لضعف العامل.
وقرئ: ﴿مولَّاها﴾ (^٣)؛ أي: مولَّى تلك الجهةِ.
ولمَّا كان في التوسعة المستفادة من الكلام السابق إزاحةُ العذر في التوقُّف والتأخّر، رتَّب عليه الأمرَ بالمبادرة بقوله:
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: تَسارعوا إلى أداء الصلاة في أوائل أوقاتها، والسَّبقُ: التقدُّم، والاستباق من الاثنين، ومن الجمع: التسابُق، وكذا التبادُر والابتدار (^٤)، والتقاتُل والاقتتال.
وفي التعبير بالخير عن الصلاة دلالةٌ على تفوُّقها في الخيرية على سائر الأعمال الصالحة، فإن النوع الخاص إذا عُبر عنه باسم الجنس يدلُّ على فضله على سائر الأنواع.
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: في أيِّ موضعٍ كنتُم أحضركم الله المحشرَ للثواب والعقاب، استئنافٌ تعليليٌّ للأمر المذكور.
وإنما قال: ﴿جَمِيعًا﴾ لأن نكال العاصي على رؤوس الأشهاد يكون أشدَّ فظاعةً، والإحسانَ للمطيع في تلك الحال يكون أقوى تأثيرًا في تحسير (^٥) العاصي، ففيه تأكيد التحذير.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠)، و"تفسير الطبري" (٢/ ٦٧٨).
(٢) ما بين معكوفتين من "الكشاف" (١/ ٢٠٥)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١١٣).
(٣) هي قراءة ابن عامر من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٧٧).
(٤) في "ف": (التبادر في الابتدار).
(٥) في "ك": (تخسير).
[ ١ / ٣٤٣ ]
وقيل: المعنى: أينما تكونوا من الجهات المتقابلةِ يأت بكم الله جميعًا، ويجعلْ صلواتكم كأنها إلى جهةٍ واحدة، ويأباه قوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إذ لا دخلَ لشمول القدرة وكمالها في المعنى المذكور، فإن مبناه على الرخصة والوسعة في أمر التكليف، لا على القدرة في أمر التكوين.
* * *
(١٤٩) - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَمِنْ حَيْثُ﴾ (^١) أيِّ مكانٍ.
﴿خَرَجْتَ﴾ سواءٌ كان للسفر أو لأمرٍ آخَرَ.
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إذا صليت.
﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن هذا المأمورَ به (^٢).
﴿لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ تأكيدٌ على أبلغ الوجوه.
﴿اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وقرئ بالياء (^٣).
* * *
(١٥٠) - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
_________________
(١) في "م": (أي ومن).
(٢) في "ك" و"م": (وإن هذا الأمر)، وفي "ح" و"م": (وإن هذه الأمور).
(٣) هي قراءة أبي عمرو من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٧٧).
[ ١ / ٣٤٤ ]
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ كرَّر هذا الحكم لتعدُّد حكمته، فإنه تعالى ذَكر لتحويل القبلة ثلاثَ فوائد: تعظيمَ الرسول ﵇ بابتغاءِ مرضاته، وجَرْيَ العادة الإلهية على أن يولِّي أهلَ كلِّ ملةٍ وصاحب دعوةٍ جهةً يستقبلها ويتميز بها، ودفعَ حُجج المخالفين على ما سيأتي بيانه.
وقرن بكل حُكمٍ حِكمته تقريبًا وتقريرًا على أن القبلة لها شأنٌ.
والنَّسخُ من مظانِّ الشُّبهِ والفتن، ومحالِّ تسويل الشيطان، فيحتاج إلى التأكيد والتشديد؛ ليتحقَّقوا أنه ليس بالبَداء.
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ تعليلٌ لقوله: ﴿فَوَلُّوا﴾، يعني: إنَّ في التولية عن الصخرة إلى الكعبة دفعَ احتجاجِ اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلتُه (^١) الكعبةُ، وأن محمدًا ﵇ يجحد ديننا ويتَّبعنا في قبلتنا، واحتجاجِ المشركين بأنه يدَّعي ملة إبراهيم ﵇ ويخالفُ قبلته.
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ الظالمون المستثنَون من الناس هم المعاندون من اليهود، القائلون: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلًا إلى دين قومه وحبًّا لبلده، ولو كان على الحق للَزِمَ قبلة الأنبياء ﵈، وأهلُ مكة من العرب الذين قالوا: بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم.
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ ولا تبالِ بهم، فإن قولهم عنادٌ وطعنٌ ليس بحجةٍ، فلا يضرُّكم وإن ساقوه مساق الحجة، ولذلك استثناه من الحجة بناءً على زعمهم.
_________________
(١) في "د" و"ك" و"م": (قبلة)، وفي "ف": (قبلية)، والمثبت من "ح"، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ١١٣)، و"روح المعاني" (٣/ ٣٦).
[ ١ / ٣٤٥ ]
وقراءةُ زيد بن علي ﵁: (ألَا الذين ظلموا) (^١) واقفًا على ﴿حُجَّةٌ﴾ مستأنِفًا للجملة مصدَّرةً بـ (ألَا) للتنبيه = دلت على كونه ليس بحجة.
﴿وَاخْشَوْنِي﴾ ولا تخالفوا أمري، ولكون الموصول متضمِّنًا لمعنى الشرط وكونِ الخبر جملةً إنشائيةً دخل الفاء في الخبر؛ أي: فلا يَسوغُ أن تخشوهم ويجب أن تخشَوني؛ لأن الجملة الإنشائية لا تقع خبرًا إلا على تأويل الخبرية.
﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ معطوف على علةٍ محذوفة؛ أي: واخشوني لأعصمكم منهم في الدنيا، ولأُتم نعمتي عليكم في الآخرة بأنْ أُدخلَكم الجنة.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى الله.
وفي الحديث: "إتمام النعمة دخول الجنة" (^٢).
وعن علي ﵁: إتمام النعمة: الموتُ على الإسلام (^٣).
أو على (^٤) ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، أو معلَّلُه محذوف؛ أي: ولأتم نعمتي عليكم وإرادتي اهتداءَكم أمرتُكم بذلك.
* * *
(١٥١) - ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ متعلِّق بما قبله مصدرًا، أي: ولأتمَّ نعمتي
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠).
(٢) رواه الترمذي (٣٥٢٧) من حديث معاذ ﵁ وقال: حديث حسن.
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٠٦).
(٤) معطوف على قوله: (معطوف على علة محذوفة ..).
[ ١ / ٣٤٦ ]
عليكم في الآخرة بالثواب كما أتممتُها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو بما بعده، أي: كما ذكرتُكم بإرسال الرسول فاذكروني بالطاعة، وإنما جمع بين ﴿فِيكُمْ﴾ ﴿مِنْكُمْ﴾ لأن كلًّا منهما واقعٌ نافعٌ، ولا يغني أحدهما عن الآخر.
﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ﴾ يحملكم على ما تصيرون به أزكياءَ، قدَّمه هنا باعتبار القصد، وأخَّره في قصة إبراهيم ﵇ باعتبار الفعل.
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قد مر تفسيرهما.
﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ بالفكر والنظر؛ إذ لا طريق إلى معرفته سوى الوحي، وتكريرُ الفعل للدلالة على أنه جنسٌ آخر.
* * *
(١٥٢) - ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.
﴿فَاذْكُرُونِي﴾ الذكر: حضور الشيء للقلب، كُني به عما يتلوه من الطاعة، وفيه تنبيهٌ على أن العصيان للنسيان حقيقةً أو حكمًا.
﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ كُني به عن الإحسان (١)، وذلك مشهورٌ في كلِّ لسان.
﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ يقال: شكرتُه، وشكرتُ له، والثاني أفصح.
﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ حُذف الياء من آخره لتستويَ الفواصلُ.
والشكر: إظهار النعمة بالاعتراف بها، أو بما هو كالاعتراف من القيام بحقها، والكُفران: ستر نعمة المنعِم بالجحود أو بما هو في حُكمِه من العمل.
* * *
[ ١ / ٣٤٧ ]
(١٥٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قد مر الكلام فيهما، حثَّ الله تعالى على الصبر لأنَّه ذريعةٌ إلى كلِّ خير، وأوَّلُ كلِّ فضل، وعلى الصلاة التي هي أمُّ العبادات القلبية والقالبية.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يعني: إن النصر مع الصبر، فمَن لازَمَه فقد فاز بالنصر (^١).
(١٥٤) - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الجهاد؛ لأنَّه طريق إلى ثواب الله تعالى ورحمته.
﴿أَمْوَاتٌ﴾: هم أمواتٌ.
﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ أي: بل هم أحياءٌ.
﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ كيف حياتُهم، وكيف حالُهم في حياتهم؛ أي: ليس ذلك مما يدرك بالمشاعر؛ أي: الحواسِّ.
وعن الحسن: أن الشهداء أحياءٌ عند الله تعالى تُعْرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الرَّوح والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوًّا وعشيًّا فيصل إليهم الوجع (^٢).
والآية نزلت في شهداء بدر، وفيها وفيما (^٣) رُوي عنه ﵇: أنه لمَّا قُتل
_________________
(١) في (م): "بالنصرة".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٢)، و"الكشاف" (١/ ٢٥٦). والرَّوح: الراحة والرحمة.
(٣) في "د" و"ك" و"م": (وفيها وما).
[ ١ / ٣٤٨ ]
مِن صناديد قريش يوم بدرٍ مَن قُتل، جمَعَهم في قَليب، ثم أقبل يخاطبُهم بقوله: "هل وجدتُم ما وعد ربُّكم حقًا، فإني وجدتُ ما وعدني ربِّي حقًّا؟ " فقيل له ﵇: أتخاطبُ جيَفًا؟! فقال: "ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يقدرون على الجواب" (^١) = دلالة على أن الأرواح مطلقًا جواهرُ قائمة بأنفسها درَّاكةٌ مغايرةٌ لمَا يحسُّ من البدن، تبقى بعد الموت درَّاكةً، وعليه جمهورُ الصحابة ﵃ والتابعين، وبه نطقتِ الآيات والآثار، وعلى هذا فتخصيصُ الشهداء بالذكر لاختصاصهم بمزيد الزُّلفى (^٢).
(١٥٥) - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ مجازٌ إذ البلاءُ معيارٌ كالمحكِّ يظهر به جوهرُ النفس: هل تصبر وتثبت؟ أي: نصيبنكم (^٣) بمكروهٍ إصابةً تشبه فعلَ المختبِر.
﴿بِشَيْءٍ﴾ إيراد (شيء) وتنكيرُه (^٤) تعليل لمَا ابتلانا به؛ ليُؤذِنَ أنَّ كلَّ بلاءٍ أصاب الإنسان وإنْ جلَّ ففوقَه ما يَقِلُّ هو بالنسبة إليه، وليخفِّف (^٥) عليهم ويريَهم أن رحمته معهم في كلِّ حالٍ لا تزايلهم حتى في حال البلاء، فلو عرفوا ذلك
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٧٠) من حديث ابن عمر ﵄، ومسلم (٢٨٧٤) من حديث أنس ﵁.
(٢) في هامش "ح" و"د" و"ف": (أي: خصهم بالحياة لأن من ليس كذلك لم تكن حياته معتدًّا بها، فكأنه ليس بحي. منه).
(٣) في "ك": (نصيبكم).
(٤) في "ك": (مع تنكيره).
(٥) في "م": (ليخفف).
[ ١ / ٣٤٩ ]
لشكروا في موضع الصبر، ولهذا شكر العرفاء وحمدوا الله تعالى على البلاء كما شكر غيرهم على النعماء.
وقد مرَّ في تفسير الفاتحة أن نعمة الدفع تنتظِمُ الفريقين في الدار الآخرة كما انتظمتهُما نعمةُ النفع في هذه الدار، وإنما وعدهم ذلك ليعلموا ثواب الصبر ويوطِّنوا عليه نفوسهم.
﴿مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾، أي: خوفِ الأعداء والقحطِ.
﴿وَنَقْصٍ﴾ تحقيرٌ وتقليلٌ.
﴿مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ بالهلاك والخسران.
﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ بالقتل والموت.
﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ بالجوائح، وقلة النبات، وانقطاع البركات.
﴿وَبَشِّرِ﴾ من الخطاب المتوجِّه إلى كلِّ واحد ممن يتأتَّى منه البشارةُ عند البلغاء، لتعظيم الصبر وتفخيمه؛ لأنَّه فضيلةٌ عظيمةُ الثواب، يستحقُّ صاحبه أن يبشِّره كلُّ أحد.
﴿الصَّابِرِينَ﴾ الحابسين لأنفسهم (^١) على مكروهٍ.
* * *
(١٥٦) - ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ المصيبة: ما يصيب الإنسان من مكروهٍ، روي أنه طَفِئَ سراج رسول الله ﷺ، فقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، فقيل: أمصيبةٌ هي؟ قال: "نعم، كلُّ شيء يؤذي المؤمنَ فهو له مصيبةٌ" (^٢).
_________________
(١) في "ك": (أنفسهم).
(٢) رواه أبو داود في "المراسيل" (٤١٢) عن عمران القصير.
[ ١ / ٣٥٠ ]
﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ إقرار على أنفسنا بالملك.
﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إقرار على أنفسنا بالهلك (^١)، وليس الصبر بالاسترجاع باللسان فقط، بل لا بد معه من الإذعان بالجَنان.
* * *
(١٥٧) -) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
والمبشَّر به محذوفٌ دلَّ عليه قولُه تعالى:
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ الصلاة في الأصل: الدعاء، ومن الله: إفاضةُ الكمالات والسعادات، فهي من باب التَّحلية، كما أن السلام وهو التطهيرُ والتجريد من باب التزكية والتَّخلية، وجمعُها للتنبيهِ على كثرتها وتنوُّعها، والمرادُ بالرحمة: اللُّطفُ والإحسان.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ للحقِّ والصواب، حيث استرجَعوا واستسلَموا لقضاء الله تعالى.
عظَّم الله تعالى الصبرَ بوجوه: بالبشارة العامة، وبقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ بعد وَصْفهم بما وَصفهم؛ إشعارًا بأن ذلك الوصفَ يوجب هذه الكرامةَ المذكورة بعده، وبتكريرِ (أولئك)، وبتقديم ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: عليهم خاصةً، وبتنكير ﴿صَلَوَاتٌ﴾ وجمعِه؛ أي: إمداد رأفاتٍ متصلةٍ متتالية، وتنويراتٍ لا يُعْرَف كُنْهُها ولا يُقْدَر قَدْرُها، وبتقييدها بقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أيةُ رحمةٍ، وبتوسيط (هم)، وتعريفِ المهتدين بلامِ الماهية.
* * *
_________________
(١) في "ك" و"م": (بالهلاك).
[ ١ / ٣٥١ ]
(١٥٨) - ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الصفا: الحجرُ الصلب الأملس الذي لا يخالطه طين ولا تراب ولا رَمْل، مأخوذٌ من الصَّفوة وهي الخُلوصُ، والمروة: هي الحجر الليِّن، وقيل: الحجر الأبيض الذي يَبرُق، ثم جُعلا علَمين للجبلين بمكة.
﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الشعائر: جمع شَعيرة، وهي العلامة؛ أي: من أعلام مناسكه ومتعبَّداته؛ من موقفٍ ومسعًى ومنحرٍ، لمَّا أراد إزالةَ الكراهة عن أنفس الساعين بين الصفا والمروة - على ما سيأتي بيانه - مهد لذلك كونهما من شعائر الله تعالى مؤكِّدًا بـ (إنَّ) لنفي التردُّد الذي فيهم؛ أي: من أعلام دينه تعالى ومعالم تعبُّده، فنسبَّب عنه رفع الجناح عن الساعين بينهما، فلذلك أورد فاء السبب (^١) في قوله:
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ الحجُّ: القصد، والاعتمار: الزيارة، فغلِّبا على قصدِ البيت وزيارتهِ للنُّسكين (^٢) المعروفَين، وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ الجُناح: الميل إلى الإثم، أصله من الجَناح، ونفيُه أبلغُ من نفي الإثم.
﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ الطوف: الدور، والتطوُّف: تكلُّفه، وأصل (يطَّوف): يَتطوَّف، فأدغم.
وقرئ: (أن يَطُوفَ) مِن طاف، رُوي أنَّ إسافًا كان على الصفا ونائلةَ على المروة، وهما صنمان، وكان أهل الجاهلية إذا سَعَوا مسحوهما، فلما جاء
_________________
(١) في "ك" و"م": (السببية).
(٢) في النسخ عدا "د": (للمنسكين)، والمثبت من "د".
[ ١ / ٣٥٢ ]
الإسلام وكُسرت الأصنام تحرَّج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك، فنزلت (^١).
واحتمالُ الجناح لا يندفع بالوجوب، فإن اليمين على المعصية يجب نقضه، وفيه جُناحٌ، ولهذا تَلزمه الكفَّارة، ومن هنا اتَّضح وجهُ الحاجة إلى الإخبار عن عدم الجناح في الطواف المذكور بعدما بيِّن أنه من معالم الدين (^٢).
واعلم أنه لا خلاف في أنه مشروعٌ في الحج والعمرة، وإنما الخلافُ في وجه مشروعيته، فعن أحمد: أنه سنّة، وبه قال أنسٌ وابنُ عباس ﵃، لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾، فإنَّ الظاهر المتبادِر منه التخييرُ المنافي للوجوب، وقد مرَّ وجه دفعه (^٣)، ولا نصرةَ في قراءة ابن مسعود: (فلا جُناحَ عليه أنْ لا يطَّوَّفَ بهما) (^٤) لِمَا ذُكر؛ لأن موجِبَ تفريعه على ما تقدم أن تكون (لا) زائدةً؛ لعدم تسبُّب انتفاءِ الجُناح عن عدم الطواف بهما عمَّا تقدم من كونهما من شعائر الله.
وعند أبي حنيفةَ وأصحابه أنه واجبٌ يُجبر بالدم، وبه قال سفيانُ الثوريُّ وعامَّةُ أهل العلم، وعند مالكٍ والشافعيِّ: هو ركنٌ؛ لقوله ﵇: "اسْعَوا، فإنَّ الله تعالى قد كتب عليكم السَّعي" (^٥)، وَيرِدُ عليه أن دلالته على الوجوب دون الرُّكنية.
_________________
(١) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٣٤ - تفسير)، والفاكهي في "أخبار مكة" (١٤٣٨)، والطبري في "تفسيره" (٢/ ٧١٤)، عن الشعبي، وصحح الحافظ في "الفتح" (٣/ ٥٠٠) سنده إلى الشعبي.
(٢) في هامش "ح" و"د" و"ف": (وهذا هو الذي يندفع به ما في الكشاف وأما الذي ذكر فيه فلا يشفي. منه)، ومثله في هامش "م" لكن في آخره: (فلا يندفع).
(٣) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (من أنه لدفع احتمال الجناح لا للتخيير).
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١).
(٥) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٧٣٦٧) من حديث حبيبة بنت أبي تجراة ﵂.
[ ١ / ٣٥٣ ]
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾؛ أي: فَعَل طاعةً، فرضًا كان أو واجبًا أو نفلًا، أو زاد على ما فُرض عليه من حجٍّ أو عمرةٍ أو طوافٍ.
﴿خَيْرًا﴾ نصبٌ على أنه صفةُ مصدرٍ محذوف، أو بتعدية الفعل لتضمُّنه معنى: أتى أو فَعَل، لا بحذف الجارِّ وإيصالِ الفعل إليه؛ لأنَّه ليس بقياس (^١) فلا يصار إليه بلا ضرورةٍ.
وقرئ: ﴿يَطَّوَّعْ﴾ (^٢)، وأصلُه: يتطوَّع، فأُدغم مثلَ (يَطَّوَّف).
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾ مثيبٌ على الطاعة ﴿عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليه شيء.
* * *
(١٥٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ من أحبار اليهود ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾ في التوراة
﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ البينات (^٣) على أمر محمد ﷺ.
﴿وَالْهُدَى﴾ إلى اتِّباعه والإيمان به.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ﴾ وشَرحْناه ﴿لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾: في التوراة، من نعته ﵇ ووصفِه بما لا إيهام (^٤)
_________________
(١) في "د" و"ك": (بقياسي).
(٢) هي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ٧٧).
(٣) في "ف": (المبنيات)، والمثبت من باقي النسخ، والذي في "الكشاف" (١/ ٢٠٩): ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾: من الآيات الشاهدة على أمر محمد ﷺ، ومثله في "تفسير البيضاوي" (١/ ١١٦).
(٤) في "ك": (إبهام).
[ ١ / ٣٥٤ ]
فيه ولا إشكالَ ولا اشْتِباهَ (^١) على أحد، فكتَموه ولبَّسوا على الناس، ففي قوله: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ توبيخٌ لهم وإلزام ببيان استحقاقهم للَّعن (^٢) مفخِّمًا لمَا عندهم من السبب بالإبهام والتبيين؛ لأنهم اعتقدوا أنها آيات بينات وهدًى ثم كتموها، ولذلك يلعنهم الله تعالى ويلعنهم اللاعنون أحياءً، وإذا ماتوا على الكفر والكتمان ولم يتوبوا خصَّ بهم اللعنة بسبب ذلك أبدًا سرمدًا.
﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ اللعن: الإبعاد على وجهِ الطَّرد، وصار في التَّعارُف دعاءً.
﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ الذين يتأتَّى منهم اللعنُ، ويُعتدُّ بلعنهم؟ من الملائكة والمؤمنين من الثقلين.
* * *
(١٦٠) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عن الكتمان وسائرِ ما يجب أن يتاب عنه.
﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما أفسَدوه من أحوالهم.
﴿وَبَيَّنُوا﴾ ما كتموا من نعته ﵇ كما بيَّن عبد الله بن سلَامٍ وأضرابه.
﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ بالقبول والمغفرة.
﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ المبالِغ في قبول التوبة وإفاضةِ الرحمة.
* * *
_________________
(١) في "م": (استشباه).
(٢) في "ك" و"م": (اللعن).
[ ١ / ٣٥٥ ]
(١٦١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ أي: الذين ماتوا على الكفر من هؤلاء الكاتمين.
﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالكفر الثابتون عليه حتى الموت.
﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ﴾ هم المخصوصون باللعنة الأبدية أحياءً وأمواتًا.
أَورَدَ في الأولى الجملةَ الفعلية الدالةَ على الحدوث المسبَّب من (^١) الكتمان لإمكان التوبة، والفعلَ المضارعَ الدالَّ على التجدُّد المترتِّبِ عليه وقتًا بعد وقتٍ متتابعًا في الأزمنة المتتالية، وفي الثانية الجملةَ الاسميةَ مع تقديم الخبر المفيدةَ للاختصاص على الدوام.
واللامُ في: ﴿وَالنَّاسِ﴾ إمَّا للماهيةِ والتأكيدُ بقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ لله والملائكة والناس، وإما للاستغراقِ والتأكيدُ لهم أو للكل.
ثم إنه يحتمِلُ العمومَ؛ لأن الكفار يوم القيامة يلعنُ بعضُهم بعضًا، والخصوصَ بمن يُعتدُّ بلعنه وهم المؤمنون كأنَّ مَن عَدَاهم ليسوا بالناس؛ إذ لا اعتداد بهم عند الله تعالى.
وقرئ: (والملائكةُ والناسُ أجمعون) بالرفع (^٢) عطفًا على محلِّ اسمِ اللّه تعالى؛ لأنَّه فاعل في المعنى المذكور؛ كقولك: عجبتُ من ضربِ زيدٍ وعمرٌو؛ أي: من أنْ ضربَ زيدٌ وعمرٌو (^٣)، أو فاعلًا لفعلٍ مقدَّر؛ نحو: ويلعنهم الملائكةُ.
_________________
(١) في "ك" و"م": (عن).
(٢) تنسب للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١)، و"المحتسب" (١/ ١١٦).
(٣) أجاز هذا الوجه أكثر المفسرين، ولم يجوزه أبو حيان في "البحر" (٣/ ١٦٣)، حيث قال: وخرَّج هذه=
[ ١ / ٣٥٦ ]
(١٦٢) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: في اللعنة، أو: في النار، وإنما أُضمرت بلا ذكرٍ تفخيمًا لشأنها وتهويلًا.
_________________
(١) = القراءة جميع مَن وقفنا على كلامه من المعربين والمفسرين على أنه معطوف على موضع اسم الله؛ لأنَّه عندهم في موضع رفع على المصدر، وقدروه: أنْ لعنهم الله، أو: أن يلعنهم الله. قال: وهذا الذي جوَّزوه ليس بجائز على ما تقرر في العطف على الموضع، من أنَّ شرطه أنْ يكون ثَمَّ طالبٌ ومحرِز للموضع لا يتغير، هذا إذا سلمنا أن ﴿لَعْنَةُ﴾ هنا من المصادر التي تعمل، وأنَّه ينحل لـ (أنْ) والفعل، والذي يظهر أن هذا المصدر لا ينحل لـ (أن) والفعل؛ لأنَّه لا يراد به العلاج، وكأن المعنى: أن عليهم اللعنة المستقرة من الله على الكفار، فأضيفت إلى الله على سبيل التخصيص لا على سبيل الحدوث، ونظير ذلك: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ليس المعنى: ألا أن يلعن الله على الظالمين … ولئن سلمنا أنه يتقدَّر هذا المصدر - أعني: ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ - بـ (أنْ) والفعل، فهو كما ذكرناه لا محرز للموضع؛ لأنَّه لا طالب له، ألا ترى أنك لو رفعت الفاعل بعد ذكر المصدر لم يجز حتى تنوِّن المصدر؟ فقد تغير المصدر بتنوينه، ولذلك حمل سيبويه قولهم: هذا ضاربُ زيدٍ غدًا وعمرًا، على إضمار فعل؛ أي: ويضرب عمرًا، ولم يُجز حمله على موضع زيد؛ لأنَّه لا محرز للموضع، ألا ترى أنك لو نصبت زيدًا لقلت: هذا ضارب زيدًا، وتنون؟ وهذا أيضًا على تسليم مجيء الفاعل مرفوعًا بعد المصدر المنون، فهي مسألة خلاف: البصريون يجيزون ذلك فيقولون: عجبت من ضرب زيدٌ عمرًا، والفراء يقول: لا يجوز ذلك، بل إذا نون المصدر لم يجيء بعده فاعل مرفوع. والصحيح مذهب الفراء، وليس للبصريين حجة على إثبات دعواهم من السماع، بل أثبتوا ذلك بالقياس على (أن) والفعل، فمنعُ هذا التوجيه الذي ذكروه ظاهر؛ لأنَّا نقول: لا نسلم أنه مصدر ينحل لـ (أنْ) والفعل، فيكون عاملًا، سلمنا، لكن لا نسلِّم أن للمجرور بعده موضعًا، سلمنا، لكن لا نسلِّم أنه يجوز العطف عليه.
[ ١ / ٣٥٧ ]
﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ من الإنظار؛ أي: لا يُمهلون ولا يؤجَّلون، أو: لا ينتظرون ليعتذروا، أو: لا يُنظر إليهم نظر (^١) رحمة.
* * *
(١٦٣) - ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: المستحِقُّ للعبادة منكم واحدٌ لا شريك له، يصح أن يعبد أو يسمى إلهًا، والخطاب عامٌّ.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تقريرٌ للوحدانية، ودفعٌ لتوهُّمِ أنْ يكون إلهٌ ولكنْ لا يستحقُّ العبادة منهم.
﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: المنعِمُ على خلقه بإدرارِ رزقه وإسباغِ فضله، فهو مَفْزَعُ كلِّ مضطرّ، وغياثُ كلِّ قانعٍ ومعترّ، ولا دلالةَ فيه على أنَّ ما سواه إمَّا نعمةٌ أو منعَمٌ عليه، حتى يكون كالحجة على الوحدانية وهما خبران آخَران لقوله: (إلهكُم)، أو لمبتدأ محذوفٍ، أو صفةٌ لقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾، وفصِل بالخبر، و﴿لَا إِلَهَ﴾ خبرٌ ثانٍ أو اعتراضٌ.
* * *
(١٦٤) - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إنما جمع السماوات وأفردَ الأرض لأنها طبقاتٌ متفاصلةٌ بالذات، بخلاف الأرض.
_________________
(١) في "م": (نظرة).
[ ١ / ٣٥٨ ]
﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بإقبالِ أحدهما وإدبارِ الآخَر، وبالنور والظُّلمة، والطول والقِصَر والتساوي، وقدِّم الليل لسَبْقه في الخَلْق.
﴿وَالْفُلْكِ﴾: السفينةِ المدوَّرةِ، يقال للواحد والجمع، وقرئ بضمتين على الأصل (^١).
﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ وهو ثقيلٌ كثيف والماء خفيفٌ لطيف، يُقبل ويُدبر بريحٍ واحدة.
﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ (ما) موصولة؛ أي: بالذي ينفعُ الناس مما يحمل فيها، أو مصدرية؛ أي: بنفع الناس.
﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ وبيان للموصول، و﴿السَّمَاءِ﴾ يحتمل الفلكَ والسحاب وجهةَ العلوِّ.
﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ الإحياء والموت استعارتان لطيفتان لتزيين الأرض بالنبات واخضرارها ونموها، وكونها صعيدًا جرزًا، وإنما قال: ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ دون: إماتتها، تنبيهًا على أنه مقتضى طبعها.
﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ البثُّ: إظهارُ ما كان خَفِيًّا عن الحاسةِ، حديثًا كان، أو همًّا، أو غيرَهما.
﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ الدَّبيب أصله: حكايةُ صوتِ حركةِ المشي، ثم قيل: دبَّ، إذا مشى، ويقال لكلِّ ما يمشي: دابةٌ، وإنما عُطف بثُّها على إحياء الأرض لأنَّه لا يكون إلا بإحيائها بالنبات.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١).
[ ١ / ٣٥٩ ]
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾؛ أي: صرَّفها الله تعالى، أو صرَّفها السحاب من جهة إلى أخرى.
﴿وَالسَّحَابِ﴾ السَّحْب: جرُّ الثوب، والسحاب: ما يجرُّه الريح.
﴿الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: الرياحُ تقلِّبه في الجو بمشيئةِ الله تعالى يُمطر حيث يشاء، يرشدك إلى هذا ذكرُه عَقيب تصريف الرياح، ولولا ذلك لكان حقَّه أنْ يُذكر قبل قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ﴾.
وأما ما قيل: لا ينزل ولا ينقشع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما، منظورٌ فيه؛ لأن بعض المركَّبات لا يرسب في الماء، ولا يخرج منه، ولا يتغير حاله، فلمَ لا يجوز أن يكون بعضُ كائنات الجوِّ شأنُه كذلك.
والتسخير: القهرُ على الفعل، وهو أبلغُ من الإكراه، فإنه حمل الغير على الفعل بلا إرادةٍ منه؛ كحمل الرَّحى على الطَّحن.
﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَنظرون بعيون عقولهم ويعتبرون، وفيه تعريضٌ لجهل المشركين الذين اقترحوا (^١) على الرسول ﵇ آيةً في صدق قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلخ؛ إذ لو عقلوا لكفاهم بهذه التصاريف آيةً.
* * *
(١٦٥) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ لا يخفى على الخبير ما في هذا التعبير من التحقير.
_________________
(١) في "ف": (افترضوا).
[ ١ / ٣٦٠ ]
﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية متعلِّق بـ ﴿يَتَّخِذُ﴾، أو حال من ﴿أَنْدَادًا﴾، أو ثاني مفعولي ﴿يَتَّخِذُ﴾.
﴿أَنْدَادًا﴾ أمثالًا من الرؤساء الذين يتَّبعونهم ويطيعونهم في أوامرهم ونواهيهم.
وقيل: من الأصنام، ولا يلائمُه قوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ … إلخ.
﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ حال من فاعل ﴿يَتَّخِذُ﴾ أو من مفعوله.
﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ في محل النصب على المصدر من الفعل المبنيِّ للمفعول؛ أي: محبةً كما يحبُّ الله، أو المبنيِّ للفاعل، أي: كمحبَّتهم الله، أي: يسوُّون بينهم وبين الله تعالى في الحبِّ؛ لأنهم كانوا يُقرُّون بالله ويتقرَّبون إليه.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ في موضع الحال، وإنما قيل: حبُّهم أشدُّ؛ لأنهم لا يَعدلون عنه تعالى إلى غيره، بخلاف المشركين فإنهم يَعدلون عن رؤسائهم إلى الله تعالى عند الشدائد، وكذا يَعدلون عنهم إلى غيرهم.
والمحبة: ميلُ القلب من الحَبِّ (^١)، استُعير لحبَّة القلب، ثم اشتُقَّ منه الحُبُّ؛ لأنَّه أصابها ورسخ فيها، ومحبةُ العبد لله تعالى: إرادةُ طاعته، والاعتناءُ بتحصيل مَراضيه، ومحبة اللّه تعالى للعبد: إرادة إكرامه، واستعمالُه في الطاعة، وصونُه عن المعاصي.
﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولو يعلم هؤلاء الذين ظلموا باتِّخاذ الأنداد.
﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ إذ عايَنوه عند الموت أو بعد الحشر، و(لو) و(إذ) في المستقبل استعارتان لتحقُّق الوقوع؛ كأنه قد وقع وأُخبر عنه، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤].
_________________
(١) بفتح الحاء كحب الحنطة ونحوها وواحده حبة. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٢/ ٢٦٣).
[ ١ / ٣٦١ ]
وحُذف جواب (لو) إيماءً إلى أنه لا يمكنُ التعبير عنه، إمَّا لكونه أربَى على العبارة، أو كونه ممتنعَ الاكتناه (^١) أو لا يحتملُ المعبَّر لغاية الضجر والجزع والتفجُّع عليه أو المستمع.
وقُرئ: (ولو ترى) بالتاء (^٢) على خطاب الرسول ﵇، أو كلِّ مخاطَبٍ على ما ذُكر من التفخيم، ومعناه: لرأيتَ أمرًا عظيمًا لا يمكن وصفُه.
وقُرئ: ﴿إِذْ يَرَوْنَ﴾ على البناء للمفعول (^٣).
﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ سادٌّ مسدَّ مفعولي ﴿يَرَى﴾؛ أي: ولو يعلمون حين معايَنتهم العذابَ يوم القيامة أنَّ القدرة المطلَقة على كلِّ شيء من الثواب والعقاب كلَّها للّه تعالى دون مَن سواه من الأنداد وغيرِهم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ للظالمين، لكان ما لا يدخل تحت الوصف من الحسرة والندامة على ظلمهم وضلالهم، فحُذف الجواب كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧].
وقُرئ: ﴿وَإِنْ﴾ في الموضعين بالكسر (^٤) على الاستئناف، أو على إضمار القول.
* * *
(١٦٦) - ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾.
_________________
(١) في "ك" و"م": (الاكتفاء).
(٢) هي قراءة ابن عامر ونافع. انظر: "التيسير" (ص: ٧٨).
(٣) هي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ٧٨).
(٤) هي قراءة يعقوب وأبي جعفر من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٢٤).
[ ١ / ٣٦٢ ]
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ بدل من ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾؛ أي: إذ تبرأ المتبوعون من الأَتْباع، وقُرئ بالعكس (^١)؛ أي: تبرأ الأَتْباع من الرؤساء.
والواو في ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ للحال، و(قد) مضمَرة؛ أي: تبرَّأوا في حال رؤيتهم العذاب، وقيل: عطفٌ على ﴿تَبَرَّأَ﴾.
﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ﴾ عطف على ﴿تَبَرَّأَ﴾.
﴿الْأَسْبَابُ﴾ الوُصَلُ التي كانت بينهم من الاتِّفاق على دينٍ واحدٍ، والأنساب، والمحابُّ، وسائر أنواع الاتِّباع والاستتباع. وأصل السبب: الحبل الذي يُرتقَى به الشجر.
* * *
(١٦٧) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ على مَن قرأ فيما سبق بالعكس أن يقرأ هنا على البناء للمفعول.
﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ الكرُّ: الرجوعُ عن الشيء.
﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ نصبٌ بناء الجواب؛ لِمَا في (لو) من معنى التمنَي؛ أي: ليت لنا كرةً فنتبرأَ منهم، واستُعيرت لامتناعِ المتمنَّى.
والتبرُّؤ: الانفصالُ، ومنه: برأ (^٢) من مرضه: إذا انفصل منه بالعافية.
﴿كَذَلِكَ﴾ نصبٌ على المصدر من ﴿يُرِيهِمُ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الإراءِ الفظيع ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ يقال: حَسَرَ يَحْسِرُ حَسْرةً وحَسَرًا: إذا كَمِدَ على
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٢١٢) عن مجاهد.
(٢) في "ف": (تبرأ).
[ ١ / ٣٦٣ ]
الشيء الفائت وتلهَّفَ عليه، وهي غيرُ الندم وأشدُّ منه حالًا؛ لأن رؤية الأعمال تكونُ بالبصر، على ما نطق به الخبر عن خير البشر، وبه فسَّر ابن عباس ﵄ حيث قال: أراد به الأعمال التي عملوها من الحسنات بزعمهم، يرونها حسراتٍ عليهم حيث أحبطوها.
و﴿هُمْ﴾ في: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ لجعلِ الجملةِ اسميةً تفيد الدوامَ بحسب العُرف كما مرَّ في قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، أي: وما هم بخارجين من النار دائمًا ما دامواهم (^١) هم، ولتخصيص السَّلْب (^٢) بهم - أي: بالمشركين - من بين المكلَّفين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؛ أي: هم خاصةً ليسوا بخارجين من النار؛ كقوله:
هم القومُ كل القوم يا أمَّ خالدِ (^٣)
لا لسَلْب التخصيص؛ فإن أداة السلب متأخرةٌ عن أداة التخصيص معنًى وإن تقدَّمت عليها لفظًا، والباء في الخبر لتأكيد النفي.
* * *
(١٦٨) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا﴾ الأكل هو البلعُ عن مضغٍ.
_________________
(١) في "ح" و"ف": (لهم)، وسقطت من "د".
(٢) في "ك "و"م": (السبب).
(٣) عجز بيت للأشهب بن رميلة، وهو في "الكتاب" (١/ ١٨٧)، و"خزانة الأدب" (٦/ ٢٥)، وصدره: وإن الذي حانت بفلجٍ دماؤهم
[ ١ / ٣٦٤ ]
و(مِن) في قوله: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ إن كانت لابتداء الغاية فقوله: ﴿حَلَالًا﴾ مفعول، وإن كانت للتبعيض فـ (ما) مفعول، وهو (^١) حالٌ أو صفةُ مصدرٍ محذوف، وهذا أوجَهُ الأوجُهِ؛ لأن حِلَّ الأكل يستلزم حِلَّ المأكول بدون العكس، فإن الحلال قد يؤكل على وجهٍ يحرمُ أو يُكره، كأكله فوق الشبع، أو صائمًا، أو في مجلس الفسق.
﴿طَيِّبًا﴾ طاهرًا عن كلِّ شبهة، وإلى هذا أشار مَن قال: الحلال ما ليس بمحظورٍ، والطيِّب ما ليس بمحذور.
والآية نزلت في قوم حرَّموا على أنفسهم رفيعَ الأطعمة والملابس، والأمرُ في المأكول أمرٌ في الملبوس دلالةً.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: لا تقتفوا آثارَه اعتقادًا وقولًا وعملًا، وقد اجتمع هذه الثلاثةُ في سبب النزول، ومَن فسَّره بالنهي عن مطلَق الاتِّباع فقد ضيَّع ما في عبارة الجمع من الإشارة اللطيفة. يقال: اتَّبع خطواته ووَطِئَ على عَقِبه: إذا اقتدى به واستنَّ بسُنَّته.
وقرئ: ﴿خُطُوَاتِ﴾ بضمتين، وضمةٍ وسكونِ الطاء (^٢)، وبفتحتين (^٣)، وفتحةٍ وسكونها (^٤).
_________________
(١) أي: ﴿حَلَالًا﴾.
(٢) هاتان قراءتان سبعيتان، فقد قرأ قنبلٌ وحَفْصٌ وابن عامر والكسَائيُّ: ﴿خُطُوَاتِ﴾ بضم الطَّاء حيثُ وَقع، والباقُونَ بإسكانها. انظر: "التيسير" (ص: ٧٨).
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١) عن أبي حرام الأعرابي، و"المحتسب" (١/ ١١٧) عن أبي السمال العدوي.
(٤) انظر: "الكشاف" (١/ ٢١٣).
[ ١ / ٣٦٥ ]
والخَطْوةُ بالفتح: المرةُ من الخَطْو، وهو نقلُ قدم الماشي، والخُطْوة بالضم: اسم ما بين قدمي الخاطي، وهما كالقَبْضة والقُبْضة.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوة، عداوتُه لهم لا تُنافي ولايتَهم إياه المفهومةَ من قوله تعالى: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] حتى يُحتاج إلى التكلُّف في التوفيق بأنْ يقال: سُمِّي (^١) وليًا لإظهاره الموالاةَ لمَن يُغوِيهِ.
* * *
(١٦٩) - ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ استئنافٌ لبيان وجوبِ الانتهاء عن اتِّباعه، وظهورِ عداوته؛ أي: ما يأمر إلا بالشرِّ، استُعير الأمر لوسوسة الشيطان وتزيينه، شُبِّه في تسلُّطه عليهم بآمرٍ مُطاع، وشبِّهوا في قبولهم لها وطاعتِهم له بالطبع بمأمور مُطيع؛ ليأنفوا فيَرْتدِعوا.
﴿بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ ما أنكره العقل واستقبحه الشرع، والعطف لاختلاف الوصفين (^٢)؛ فإنه سوءٌ لاغتمام العاقل، وفحشاءٌ باستقباحِ الشرع إياه.
وقيل: الفحشاء ما يَظهر قبحُه من المعاصي، أو ما بتجاوز الحدَّ في القبح من العظائم، وَيردُّه قوله تعالى: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢].
وقيل: السوء ما لاحدَّ فيه، والفحشاء ما يجب فيه الحدُّ.
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾ القول إذا تعدَّى بـ (على) يكون بمعنى الافتراء؛ أي: وأن يفتروا عليه تعالى، فلا تَعرُّضَ في الآية لاتِّباع الظن.
_________________
(١) في "ك" و"م": (يسمى).
(٢) في "د": "الوضعين"، وفي "ك": (الموضعين).
[ ١ / ٣٦٦ ]
﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ كاتِّخاذ الولد، وتحليلِ المحرَّمات، وتحريمِ الطيبات، والافتراءُ عن جهلٍ محضٍ أقبحُ من الافتراء عن ظنٍّ فاسد.
* * *
(١٧٠) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ الضمير للناس على طريقةِ الالتفات، والسرُّ فيه أنهم وقعوا في حدِّ البعد والغيبة في طاعة الشيطان، وأنهم في غايةِ الحُمق والضلال إلى حدٍّ لا يتسأهلون للخطاب؛ إذ لا ضلالَ أضلُّ من المقلِّد للباطل؛ كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون الداعيَ.
﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في عبارة: ﴿مَا أَنْزَلَ﴾ إشارة إلى وجه وجوب الاتِّباع.
﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا﴾ ما وجدنا ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ لأنهم كانوا خيرًا منَّا.
نزلت في المشركين؛ أُمروا باتِّباع القرآن وسائرِ ما أنزل الله تعالى من الحُجج والآيات، فجَنَحوا إلى التقليد.
والهمزة في: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ للردِّ والتعجيب، والواوُ للحال؛ أي: أيتَّبعونهم ولو كان آباؤهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ جهلةً لا يتفكرون في أمر الدِّين ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى الحق.
(لو) في مثل هذا التركيبِ يجيءُ تنبيهًا على أنَّ ما بعدها غيرُ مناسبٍ لِمَا قبلها؛ كما في قوله: "أعطوا السائل ولو جاء على فرس" (^١)، والمعنى: على كلِّ
_________________
(١) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٩٦) عن زيد بن أسلم عن النبي ﷺ. ورواه أبو داود (١٦٦٥) و(١٦٦٦) من حديث الحسين بن علي ﵄ ومن حديث علي ﵁،=
[ ١ / ٣٦٧ ]
حال، وذلك أنها تجيءُ لاستقصاءِ الأحوال التي يقع عليها الفعل، وتَدلُّ على أن المراد بذلك وجودُ الفعل في كلِّ حال حتى في هذه الحال التي لا تناسب الفعل، وإذا قُصد التوبيخ والتعجيب - كما في هذه الآية - لا يكون إيرادها لاستقصاء الأحوال.
ولما كانت الواوُ للحال لم يحتج لو إلى جواب لأن الشرط إنما يقع حالًا إذا انسلخ عنه معنى الشرط ولا دلالة في الآية على المنع من التقليد لمن قدر على النظير (^١) بل الظاهر منها أنه إنما ينكر إذا كان المقلد ضالًا.
* * *
(١٧١) - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قد مرَّ معنى المثَل، وفيه إضمار تقديرُه: ومَثَلُ داعي الذين كفروا ﴿كَمَثَلِ الَّذِي﴾، أو: مَثَلُهم كمَثَلِ البهائم الذي، والإضمارُ في الكلام من الإيجازات المعتبرة في البلاغة؛ لتنبيه (^٢) الذَّكيِّ عند الخلل المعنوي في الحمل على الظاهر على المضمَر، ثم على خصوصيته بالقرائن اللفظية أو المعنوية، فيتثبَّت (^٣) في التدبُّر ويتفهَّم في التفكُّر، فيتحقَّق المعنى.
_________________
(١) = بلفظ: "لِلسائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جاء على فَرَسٍ". قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (٢/ ١٠٩٥): وفي الأول يعلى بن أبي يحيى جهله أبو حاتم ووثقه ابن حبان، وفي الثاني شيخ لم يسم، وسكت عليهما أبو داود.
(٢) في "ك": (النظر).
(٣) في "د": (لتنبه).
(٤) في النسخ عدا "د": (فيثبت)، والمثبت من "د".
[ ١ / ٣٦٨ ]
هذا ما بحسَبِ جليل النظر، والذي بحسَبِ دقيق النظر ما مرَّ في تفسير ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] من أن التشبيه التمثيليَّ لا يَلزمُه أن يكون ما يلي أداةَ التشبيه هو المشبَّهَ به، فلا حاجة إلى تقديرِ شيء.
﴿يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ قال صاحب "العين": نعق الراعي بالغنم: إذا صاح بها زجرًا.
﴿إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ الدعاء للقريب، والنداء للبعيد، ولذلك قال الأعرابي: أقريبٌ ربُّنا فنناجيَه، أم بعيدٌ فنناديَه؟
﴿صُمٌّ﴾: هم صمٌّ، رفعٌ على الذم.
﴿بُكْمٌ عُمْيٌ﴾؛ أي: ومَثَلُ (^١) داعيهم إلى الإيمان كمَثَل الناعق بالبهائم في أنهم لا يسمعون إلا دعاءَ الداعي وتصويتَه من غيرِ فهمِ المعنى (^٢) وتعقُّله، أو بالأصمِّ الذي لا يَسمع مِن دعاء الرَّافعِ صوتَه بكلامه إلا التصويتَ والنداء من غير تمييز الحروف وإدراكها.
وقيل: مَثَلُهم في تقليدهم آباءَهم واتِّباعهم كمَثَل البهائم التي لا تسمع إلَّا ظاهر الصوت، ولا تفهم معناه، فكذلك يتبَّعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون ما هم عليه أحقٌّ هو أم باطل؟
﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: بالفعل؛ للإخلال بالنظر.
* * *
(١٧٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
_________________
(١) في النسخ عدا "د": (ومثل هذا)، والمثبت من "د".
(٢) في "ف": (للمعنى).
[ ١ / ٣٦٩ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ لمَّا وسَّع الأمرَ على الناس كافةً، وأباح لهم ما في الأرض سوى ما حرَّم عليهم، أَمر المؤمنين منهم أن يتحرَّوا طيبات ما رُزقوا، وقد مرَّ أن الطيِّب أخصُّ من الحلال، وأنْ يقيموا بحقوقها، فقال:
﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ على ما رزقكم وأحلَّ لكم.
ولمَّا تضمَّن الأمرُ الأول الامتنانَ ناسبه الخطاب، وما في الأمر الثاني من التنبيه على أنَّ استحقاقه تعالى للشُّكر ليس لكونه رازقًا لهم ومبيحًا لطيِّبات الرزق فقط، بل لكونه خالقًا للعالَم، وَيندرج (^١) فيه جميع (^٢) ما يَستوجب الشكر، اقتضى العُدولَ عن الخطاب إلى الغيبة (^٣)، وعن التفريع بالفاء إلى العطف بالواو.
﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فإن عبادته لا تَتمُّ إلا بالشكر، وتقديمُ المفعول لمحافظة الفاصلة كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] إذ لا دخل لمعنى التخصيص في التعليل.
ولك أن تقول: كان الظاهرُ أن يقول: إن كنتم تعرفون أنه مولى النِّعمِ كلِّها، إلا أنه كُني عنه بلازمه، وهو تخصيصُ العبادة إياه تعالى.
* * *
(١٧٣) - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
_________________
(١) في النسخ عدا "د": (ولم يندرج)، والمثبت من "د".
(٢) كلمة: (جميع) ليست في "ك "و"م".
(٣) في هامش "ح" و"د" "ف " و"م" (لأن مدار ذلك على التعبير باسم الله. منه).
[ ١ / ٣٧٠ ]
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ قرئ: ﴿حَرَّمَ﴾ (حُرِّمَ) و(حَرُمَ) (^١) بالتخفيف والتشديد و﴿الْمَيْتَةَ﴾ بالتخفيف وبالتشديد (^٢)، وكلمة (إنما) قد لا تكون للقَصْر كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ الآية [الأعراف: ٣٣]، فلا حاجةَ إلى أنْ يُقال: إنَّ ما أُبين من حيٍّ في حُكم الميتة بالحديث، وإنَّ المراد قَصْرُ الحرمة على ما ذُكر مما استحَلُّوه لا مطلَقًا (^٣)، وإنما لم يُسْتَثنَ السمكُ والجرادُ من الميتة، والكبدُ والطِّحال من قوله:
﴿وَالدَّمَ﴾ وإنْ أُحلَّتْ على ما قال رسولُ اللّه ﷺ: "أُحلَّتْ لنا (^٤) مَيْتَتانِ ودَمَانِ، أمَّا المَيْتَتانِ: فالسَّمَكُ والجرادُ، وأمَّا الدَّمَانِ: فالكَبِدُ والطِّحالُ" (^٥) بناء على ما يتعارَفُه الناس ويتفاهمُه في العادة.
ولمَّا كان المتبادِرُ من الحرمة المضافةِ إلى العين حرمةَ التصرُّف فيه مطلَقًا زاد عبارة اللحم في قوله:
_________________
(١) القراءة الأولى هي المشهورة، والثانية والثالثة من الشواذ. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٠٢)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١)، و"الكشاف" (١/ ٢١٥)، و"البحر المحيط " (٣/ ٢٢٢).
(٢) قرأ بالتشديد أبو جعفر، وباقي العشرة بالتخفيف. انظر: "النشر" (٢/ ٢٢٤).
(٣) في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (وأما قصر حرمته على حال الاختيار فلا يجدي نفعًا في دفع المحذور المذكور كما لا يخفى على ذوي الاختيار. منه).
(٤) في "د" و"ك" و"م": (لي)، والمثبت من "ح" و"ف"، وهو الموافق للمصادر.
(٥) حديث حسن، رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥٧٢٣)، وابن ماجه (٣٣١٤)، والدارقطني في "سننه" (٤٧٣٢)، من حديث ابن عمر ﵄. وصحح الدارقطني وقفه، إلا أن له حكم الرفع كما قال البيهقي. انظر: "العلل" للدارقطني (١١/ ٦٧)، و"السنن الكبرى" للبيهقي (١/ ٢٥٤).
[ ١ / ٣٧١ ]
﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ قرينةً صارفةً عنه دالةً على أنَّ المحرَّم أكلُ العين المذكور لا الانتفاعُ به مطلَقًا حتى يلزمَ انتساخُ النص بالحديث في جلدِ الميتة، وإنما خصَّ اللحم بالذكر لأنَّه معظَمُ ما يؤكل من الحيوان، وسائرُ أجزائه كالتابع له، وهذا الوجهُ أيضًا لا يساعد (^١) تقديرَ الانتفاع العامِّ للأكل وغيره.
﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: رفع به الصوت عند ذبحه لغير الله تعالى، صنمًا كان أو نارًا أو غيرَ ذلك، وما ذُكر معناه الأصليُّ (^٢)، على ما نصَّ عليه الجوهري (^٣).
والهلال: غرَّةُ القمر، إنما سمِّي به لرفعِ الناس أصواتَهم عند رؤيته بالتكبير.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ على مضطرٍّ آخرَ بالاستئثار عليه.
﴿وَلَا عَادٍ﴾: سدَّ الجوعة.
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تناوُله، دَلَّ بمفهومه على ثبوت الإثم في تناوله غيرَ مضطرٍّ، وبهذا الاعتبارِ صحَّ تفريعُه على ما تقدَّم، ففيه دلالةٌ على اعتبار المفهوم كما هو مذهب الإمام الشافعي، فإنه لولا اعتبارُه لَمَا صح تصدير الكلام المذكورِ بأداة التفريع.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر المعاصيَ، فأَوْلَى أنْ لا يؤاخِذ بما رخَّص فيه، أو: غفورٌ لمَا عسى أن يفرَّط عند العمل بالرُّخصة (^٤).
﴿رَحِيمٌ﴾ بالرُّخصة فيه، فهو مقرِّرٌ للأول.
* * *
_________________
(١) في "ك": (يساعده).
(٢) في هامش "د" و"ف" و"م": (ومن وهم أن الإهلال مأخوذ من الهلال فقد وهم).
(٣) انظر: "الصحاح" (مادة: هلل).
(٤) بعدها في "ك" و"م": (فيه).
[ ١ / ٣٧٢ ]
(١٧٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا﴾ قد مرَّ تفسيرُه وبيانُ (^١) ما في عبارة الثمن من المزيَّة على عبارة الشيء والعِوَض (^٢) وغيرِ ذلك (^٣).
﴿قَلِيلًا﴾ ليس المرادُ به أنَّهم إذا اشترَوا به ثمنًا كثيرًا كان جائزًا، بل المعنى: إنَّ كلَّ ما يأخذونه في مقابَلته من حُطام الدنيا (^٤) فهو قليل.
﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾؛ أي: مِلْءَ بطونهم، يقال: أكل في بطنه، وأكل في بعضِ بطنه، قال الشاعر:
كُلُوا في بَعْضِ بطنِكُم تَعِفُّوا (^٥)
فمرادُهم من الأكل في البطن: الأكلُ في جميعِ البطن، والظاهرُ أنَّ التَّعدية بـ (في) لتضمين معنى الاستقرار المناسبِ للمَقام؛ فإنَّ الأكل قد يَعْقُبُه الدَّفعُ، خصوصًا إذا كان المأكولُ غيرَ ملائم للطبع، وذُكر الأكلُ لكونه المقصودَ الأوَّل من تحصيل المال، وذُكر ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ تنبيهًا على شَرَهِهم (^٦) وتقبيحًا لتضييع
_________________
(١) في (ك): "تفسير بيان".
(٢) في (م): "أو العرض".
(٣) في هامش (د) و(ف) و(م): "ومن غفل عن هذا قال في تفسيره: عوضًا حقيرًا. منه".
(٤) في (ف) و(م): "من الدنيا".
(٥) صدر بيت في "الكتاب" (١/ ٢١٠)، و"أساس البلاغة" (مادة: خمص)، وعجزه: فإنَّ زمانكمْ زمنٌ خَمِيصُ
(٦) في (ف) و(ك) و(م): "شرهم".
[ ٢ / ٥ ]
أعظم النِّعم لأَجْل المطعَم الذي هو أحسنُ مطلَبٍ من (^١) الدنيا.
﴿إِلَّا النَّارَ﴾ مَجازٌ من بابِ إطلاق اسم المسبَّبِ على السَّبب أو الغاية (^٢) على الشيء لتلبُّسه بها؛ فإنهم إذا أكلوا السُّحت - وهو الرّشا - على الكتمان لزمهم (^٣) عقوبتُه التي هي النارُ، فكأنَّهم أكلوا النار، ومنه قولُهم: أكل فلانٌ الدَّمَ، إذا أكل الدِّيَةَ التي هي بدلٌ منه.
﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ عبارةٌ عن غضبه تعالى عليهم؛ لأنَّ مَن غَضِبَ على صاحبه حرَمه وقطَعَ كلامه.
وقيل: تعريضٌ بحرمانهم حالَ أهل الجنة في تَكْرمة الله تعالى إياهم بكلامه وتزكِيَتِهم بالثَّناء.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم، وتقديمُ الجارِّ والمجرور لمحافظةِ الفاصلة.
* * *
(١٧٥) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ في الدنيا.
﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ في الآخرة، والحاجةُ إلى المغفرة أشدُّ من الثواب (^٤)، فالخسرانُ في فقدانها أقوى، ولهذا آثرَها عليه مع أنَّه أنسبُ لأنْ يُذكرَ مع العذاب لفظًا ومعنًى.
_________________
(١) في (ف): "في".
(٢) في (م): "الغلبة".
(٣) في (ك): (لزمتهم).
(٤) "من الثواب" ليس في (ح) و(ف).
[ ٢ / ٦ ]
﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ تعجُّب من حالهم (^١) في ارتكابِ مُوجِبات النار والتباسِهم بها من غيرِ مبالاةٍ منهم به؛ كما تقول لمَن يتعرَّض لمَا يُوجب غضبَ السلطان: ما أصبرَكَ على القيد والسِّجن! تُريد أنه لا يتعرَّضُ بذلك (^٢) إلا مَن هو شديدُ الصبر على العذاب.
و(ما) تامَّةٌ مرفوعةٌ بالابتداء، وتخصيصُها كتخصيصِ قولهم: شرٌّ أَهَرَّ ذا نابٍ (^٣). أو استفهامية وما بعدها الخبر أو موصولة وما بعدها صلة والخبر محذوف.
* * *
(١٧٦) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ذلك (^٤) العذاب.
﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾: بسببِ أنَّ اللّه.
_________________
(١) قوله: "تعجب من حالهم" كذا قال الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٢١٦)، وتابعه عليه البيضاوي في "تفسيره" (١/ ١٢٠)، والمؤلف هنا، وهذا كلام يحتاج إلى توجيه، فالتعجب هو استعظام الشيء وخفاء حصول السبب، وهذا مستحيل في حق الله تعالى، وبالتالي فهو راجع لمن يصح ذلك منه، أي: هم ممن يقول فيهم من رآهم: ما أصبرهم على النار. انظر: "البحر المحيط" (٣/ ٢٤٤). وقد تلافى الآلوسي ﵀ هذا الإشكال فقال: (تعجيب للمؤمنين من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة ..). انظر: "روح المعاني" (٣/ ٩٥).
(٢) قوله: "بذلك" كذا في النسخ، والذي في "الكشاف" (١/ ٢١٦): (لذلك).
(٣) انظر: "مجمع الأمثال" (٣/ ٩٥)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٢٠). قال الميداني: (يقال: أهره، إذا حمله على الهرير، وشر رفع بالابتداء، وهو نكرة وشرط النكرة أن لا يبتدأ بها حتى تخصص بصفة كقولنا: رجل من بني تميم فارس، وابتدؤوا بالنكرة هاهنا من غير صفة، وإنما جاز ذلك لأن المعنى: ما أهر ذا ناب إلا شر، وذو الناب: السبع. يُضرب في ظهور أمارات الشر ومخايله).
(٤) "ذلك": ليست في (م).
[ ٢ / ٧ ]
﴿نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: نزَّل ما نزَّل من الكتب مُلْتبِسًا بالحقِّ.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ الظاهر أنَّ المراد هو القرآن، واللامُ إشارةٌ إلى أنه الجنس المسمَّى كتابًا؛ أي: الكامل في كونه كتابًا، كأنَّ ما عدَاه من الكتب لا يَستأهِل معه أن يسمَّى كتابًا.
والإظهارُ في موضعِ الإضمار للتعظيم، وتربيةِ (^١) فائدةِ اللام، وبيانِ أنَّ الاختلاف فيه عظيمةٌ من العظائم، ولهذا قيَّده في الأوَّل بالحقِّ.
واختلافُهم فيه قولُ بعضهم: سحرٌ، وقولُ بعضهم: شعرٌ، وقولُ بعضهم: أساطيرُ الأولين.
﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ عن الحق، والشِّقاق: انحياز كلٍّ من المتخالِفَين عن شقِّ صاحبه للخلاف، وطلبُ كلٍّ منهما ما يَشُقُّ على الآخر.
* * *
(١٧٧) - ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ البرُّ: اسم جامعٌ للطاعات وأعمالِ الخير.
﴿أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الخطابُ لأهل الكتاب، فإنهم أكثَروا الخوضَ في أمر القبلة حين حوِّلت.
_________________
(١) في النسخ عدا (ك): "وتربيته"، والمثبت من (ك).
[ ٢ / ٨ ]
﴿قِبَلَ الْمَشْرِقِ﴾؛ أي: مُقابِلَه كفعلِ النصارى.
﴿وَالْمَغْرِبِ﴾؛ أي: قِبَلَ المغرب كفعل اليهود، وذلك منسوخٌ فهو إثمٌ لا برٌّ.
وقرئ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ بالنصب (^١) على أنه خبرٌ مقدَّم.
وقرئ: (بأنْ تُوَلُّوا) بالباء (^٢)؛ لتأكيد النفي.
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: بالمَبدأ والمَعاد.
﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾؛ أي: بالشرائع المتَّحدةِ في أصول الدِّين المنزل على الأنبياء ﵈ بواسطة الملك.
وللتنبيه على جهة الاتحاد قال: ﴿وَالْكِتَابِ﴾ دون: الكتب.
إنما قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ دون: والملكِ (^٣)؛ لأنَّ سفير الوحي وإنْ كان واحدًا إلا أنه قد أُنزل بعضُ الكتب بل بعضُ سور القرآن بجمٍّ غفيرٍ من الملائكة تعظيمًا لشأنِ المنزَل (^٤).
والمعنى والله أعلم: ولكنَّ البرَّ هذه العقائدُ الصحيحةُ والأعمالُ الصالحةُ، والوصفُ كما يُذكر في مَقام الموصوف بلا حذفٍ ولا تجوُّزٍ (^٥) بحسَب اللفظ كما في
_________________
(١) في قراءة حمزة وحفص. انظر: "التيسير" (ص: ٧٩).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١).
(٣) في (ف) و(م): (الملك). ووقع بدلًا منها في (ك): "الكتب" ولعله وهم ناسخ أو سبق قلم منه.
(٤) ومنه ما رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٢٢٦) وصححه عن جابر ﵁ قال: لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله ﷺ ثم قال: "لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق". وقد تعقب الذهبي تصحيح الحاكم بقوله: أظن هذا موضوعًا.
(٥) في النسخ عدا (ح): (يجوز)، والمثبت من (ح)، وهو الصواب.
[ ٢ / ٩ ]
قولك: رجلٌ عَدْلٌ، فإن التجوُّز فيه في الإسناد دون المسنَد، كذلك يُذكر الموصوفُ في مَقام الوصف بلا حذفٍ ولا تجوُّزٍ (^١) بحسَب اللفظ كالذي نحن فيه تنزيلًا للموصوف مَنزلتَه، ولا يَخفى ما فيه من المبالغة في شأن ذلك الوصفِ وتعظيمِه، على عكس ما في المثال المذكور، فإنَّ المبالغةَ فيه في شأن الموصوف، ولدقَّةِ الفرق بين الاعتبارَين ذهب على كثيرٍ من الحذاق (^٢).
وفي المصير إلى التقدير في مثلِ هذا المقامِ تنزيلٌ للكلام عن مَنزلته الرَّفيعة، وتغييرٌ لصورته البديعةِ، على أنه إذا قيل: ولكنَّ البرَّ برُّ (^٣) من آمن .. إلخ، يُفهم منه عدمُ الاعتبارِ لبِرِّ مَن قصَّر في بعض تلك الأعمال، وإذا قيل: ولكنَّ ذا البرِّ (^٤) مَن آمَن .. إلخ، يخرج الكلام عن سَنن الانتظام، وأيضًا لو قُصد هذا لكان المناسبُ أن يقال: ولكنَّ البَرَّ، بفتح الباء.
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾، أي: حبَ المال والشُّحِّ به كما قال عليٌّ ﵁ لمَّا سُئل أيُّ الصدقة أفضلُ؟: أن تؤتيه وأنت صحيحٌ شحيحٌ تأمُلُ العيش وتخشَى الفقر (^٥). وقال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
والجارُّ والمجرور في موضع الحال.
_________________
(١) في النسخ: (يجوز)، والمثبت هو الصواب بدلالة السياق مع ما سبق.
(٢) في هامش (د) و(ف) و(م): "كصاحب الكشاف وشراح كلامه. منه".
(٣) كلمة: "بر" سقطت من (د).
(٤) في النسخ عدا (ك): (ولكن ذا البربر)، والمثبت من (ك)، وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (١/ ٢١٨)، و"تفسير القرطبي" (٣/ ٥٤ - ٥٥)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٢١).
(٥) رواه البخاري (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢)، من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٦٦) من قول ابن مسعود ﵁. ورواية الصحيحين: "تخشى الفقر وتأمل الغنى"، وفي رواية لمسلم: "وتأمل البقاء".
[ ٢ / ١٠ ]
﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ الإيتاء أعمُّ من الصدقة فلا يُشترط فيهما الفقرُ، وقد قفَّاه بالزكاة فانصَرف إلى المندوبات من الصِّلات، وقدَّم ذوي القُربى لأنهم أحقُّ بالإحسان، قال ﵇: "صدقتُك على المسكينِ صدقةٌ، وعلى ذوي رَحِمِكَ اثْنتان: صَدقةٌ وصِلَةٌ" (^١).
﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾: جمع مسكينٍ، وهو الدائمُ السكونِ إلى الناس لشدَّة فقره، أو الدائمُ السكونِ في البيت لعدمِ اللباس أو لعدم القوة؛ كالسِّكِّير (^٢) الدائمِ السُّكر.
﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: المسافر المنقطَعُ به، وجُعل ابنًا للسبيل لملازَمته له.
﴿وَالسَّائِلِينَ﴾: المستطعِمِين.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾؛ أي: في معاونةِ المكاتَبين حتى يفكُوا رقابهم، وقيل: في ابتياعِ الرقاب وإعتاقها، وقيل: في فك الأسارى.
وفي العطف بعبارةِ الجمع إشارةٌ إلى فضل التفريق إلى هذه الأنواع.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ مفروضةً كانت أو واجبةً.
﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ المقدَّرةَ.
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ عطفٌ على ﴿مَنْ آمَنَ﴾.
﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ نصبٌ على المدح لبيان فضيلة الصبر في الشدائد ومَواطنِ القتال، وإظهارًا لفضل الصبر على سائر الأخلاق والأعمال.
_________________
(١) رواه الترمذي (٦٥٨)، والنسائي (٢٥٨٢)، من حديث سلمان بن عامر ﵁. وحسنه الترمذي، وله شاهد من حديث زينب زوجة بن مسعود ﵄ عند البخاري (١٤٦٦)، ومسلم (١٠٠٠).
(٢) في (ح): "كالسكر"، وفي (م): "كالمسكير". وفي (د) و(ت): (كالمسكين).
[ ٢ / ١١ ]
﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾: في الفقر والشِّدة.
﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: المرضِ والزَّمانة.
﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: وقتَ مُجاهَدة العدوِّ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ كانوا صادقين في الدِّين جادِّين.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؛ أي: هم المُوفُون حقَّ الصِّدق قولًا وفعلًا وعَقْدًا، وحقَّ التقوى حَظْرًا وكراهةً وندبًا، والصدقُ فيما يُفعل، والتقوى فيما يُترك، فالآيةُ (^١) جامعةٌ للكمالات الإنسانيَّة بأسرها، وإليه أشار النبيُّ ﵇ في قوله: "مَن عَمِلَ بهذه الآيةِ فقد استكْمَلَ الإيمان" (^٢).
* * *
(١٧٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ تخصيصُ الخطابِ بالمؤمنين لا لاختصاصِ الحكمِ المذكورِ بهم، بل للتَّنبيه بخطابهم بوصفِ الإيمان عندَ إيجابِ القِصاص عليهم بقتل العمد الذي هو من الكبائر التي ورد فيها أشدُّ وعيدٍ وتهديدٍ على أنَّ الكبيرة لا تُزيل الإيمان.
وأصلُ الكتابة: الخطُّ، وكُني به عن الإلزام، وهذا الوجوبُ على الناس كافَّةً، فمنهم مَن يَلزمُه استيفاؤه وهو السلطان إذا طلبه الوليُّ، ومنهم مَن يَلزمُه تسليمُ النفس
_________________
(١) في (د): (فآية).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٩٠) عن أبي ميسرة قوله.
[ ٢ / ١٢ ]
وهو القاتلُ، ومنهم مَن تَلزمُه المعاوَنةُ أو الرِّضا به، ومنهم مَن يَلزمُه أن لا يتعدَّى بل يقتصُّ، أو يأخذُ الدِّيةَ، أو يَعفو.
والقصُّ: قطعُ الشيء على سبيلِ الاحتذاء، ومنه قَصَّ شعرَه، وقَصَّ أثرَه، وقَصَّ الحديث: اقتطع كلامًا حاذيًا حذوَ غيره، والقِصَّة اسمٌ منه.
وحقيقةُ القصاص: أن يُفعل بالقاتل أو الجارح مِثْلَ ما فَعَلَ، ففيه إشارةٌ إلى أن القصد بالآية منعُ التعدِّي، فإنَّ أهل الجاهلية كانوا يتعدَّون في القتل.
وكلمة ﴿فِي﴾ [في] (^١) ﴿فِي الْقَتْلَى﴾ للسببية؛ كهي في قوله تعالى: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].
والقتلى: جمع قتيل، والإتيانُ بصيغة الجمع للاهتمام في المنع عن التعدِّي، فإنه إذا كان ممنوعًا في قتلِ جماعة فالمنع عنه في قتلِ واحدٍ بطريقِ الأَولى.
﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾؛ أي: يُقتصُّ الحرُّ القاتلُ بالحرِّ المقتول (^٢)، ولا يُتعدَّى من الحرِّ إلى العبد لخساسةِ وليِّ المقتول، ولا من واحدٍ إلى اثنين لشرفه.
﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ولا يُتعدَّى من العبد إلى الحرِّ لشرف مولَى المقتول وقبيلتِه.
﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ ولا يُتعدى من الأنثى إلى الذَّكر لشرف المقتولة.
كان بنو النَّضير يقولون لبني قُريظةَ: إذا قتلتُم منَّا عبدًا قتلْنا منكم حرًّا، وإذا قتلتُم منَّا امرأةً قتلنا منكم رجلًا، وإذا قتلتُم منَّا حرًّا قتلْنا منكم حرَّينِ، وكانوا على ذلك قبلَ ظهور النبيِّ ﵇، فلما جاء الإسلام تحاكَموا إلى رسول الله ﵇ فنزلت، وأمرهم أن يتباوؤا.
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) في (ف): "الحر القاتل بالمقتول".
[ ٢ / ١٣ ]
فلا دلالة فيها على أنْ لا يُقتل الحرُّ بالعبد والذَّكرُ بالأنثى، كما لا دلالة على عكسه؛ فإن المفهوم إنما يعتبر حيث لا يظهر للتخصيص وجهٌ سوى اختصاصِ الحكم، وقد ظهر هنا وجهُه فلا متمسَّك للقائلين بحجيَّة المفهوم في هذه الآية لإثبات ما قالوا مِن عدمِ قتلِ الحرِّ بالعبد.
﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾ تفريع على ما في عبارة القِصاص من الإشارة إلى أنَّ المكتوب حقُّ العبد سقط بإسقاطه.
﴿لَهُ﴾ مفعول به، لكنْ لكونه بواسطة حرف الجرِّ كان مُساويًا للمصدر وغيرِه في جواز الإسناد إليه.
﴿مِنْ أَخِيهِ﴾؛ أي: من جهةِ أخيه، يجوز أن يَتعلَّق بالفعل وأن يكون حالًا من ﴿شَيْءٌ﴾، يعني: وليَّ الدم، وإنَّما ذكره بهذه العبارة تذكيرًا لِمَا بينهما من الأخوَّة الدينيَّة والجِنسيَّة؛ ليَرِقَّ له وَيعطفَ عليه فيتساهلَ.
﴿شَيْءٌ﴾؛ أي: شيءٌ كلا من العفو، بأنْ كان للقتيل أولياءُ فعفَى بعضُهم فصار نصيبُ الباقين (^١) مالًا، وهو حصتُهم من الدِّيَة، فهو في مَوقع المفعول المطلَق المقيَّدِ الموصوف؛ مثل: ضُرِبَ ضرب شديد؛ لمَا في تنكير ﴿شَيْءٌ﴾ من الدلالة على ذلك، وفائدتُه: الإشعار بأنَّ بعض العفوِ كالعفوِ التامِّ في إسقاط القصاص.
ولا يصحُّ أن يكون ﴿شَيْءٌ﴾ مفعولًا به؛ لأنَّ ﴿عُفِيَ﴾ لا يتعدَّى بنفسه إلى المفعول به، لكن بـ (عن) إلى الجاني وإلى الذنب، وإذا تعدَّى إلى الذنب بـ (عن) (^٢) عُدِّي إلى
_________________
(١) في (ف) و(م): "الباقي".
(٢) في (ف) و(م): "يعني"، وفي (د): "معين"، وكلاهما تصحيف.
[ ٢ / ١٤ ]
الجاني باللام، وكان أصله في الآية: فمَن عُفي له عن جناية (^١) من أخيه، فاستُغني بذكر القصاص في القتلى عن ذكر الجناية.
وأمَّا عُفي بمعنى تُرك المتعدِّي بنفسه إلى المفعول به فلم يَثبت، وإنما ثبت: أَعْفى.
ولمَّا انقَلب حقُّ باقي الورثةِ في الصورة المذكورة من القصاص إلى الدِّيَة قال: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾؛ أي: فعلى الوليِّ اتِّباعٌ بالمعروف (^٢) بأنْ لا يتجاوزَ عن الحدِّ المعهود في الدِّيَة بأخذِ الزيادة عن حصَّته منها (^٣)، ومن هنا ظهر وجه التعريف في (المعروف) (^٤)، وعلى الجاني أداءٌ إليه بإحسانٍ بأنْ لا يَمْطُلَه ولا يبخسه، على أن كلًّا منهما مبتدأٌ أو فاعلٌ للظرف؛ أي (^٥): فليكن اتِّباعٌ من الولي وأداءٌ من الجاني على الفاعلية فيهما، أو: فأَمْرُ الوليِّ اتِّباعٌ وأمر الجاني أداءٌ على الخبرية فيهما.
وفي هذه التوصية لهما تربية لفائدة الأخوة.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى المذكور صريحًا وهو العفوُ المستلزِم للدية، وضمنًا وهو
_________________
(١) في (م): "الجناية".
(٢) بعدها في (م): "على الجاني".
(٣) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "فلا دلالة فيه على أن الدية أحد مقتضى العمد. منه).
(٤) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "وأما على ما قيل بأن لا يعنفه به ولا يمطله، فلا يظهر وجه لتخصيص التعريف به والتنكير بقرينة، ومن القائلين به مَن بدل في تفسيره تنكير الإحسان بالتعريف في تفسيره، ولا يخفى ما فيه من الجرأة القبيحة. منه".
(٥) في (د) و(م): "أو"، والصواب المثبت؛ لأن الآتي تعليل لما قبله على طريقة اللف والنشر المشوش.
[ ٢ / ١٥ ]
العفو العاري (^١) عنها، وذلك أنَّ عفو بعض القصاص لمَّا كان مشروعًا لكونه حقَّ العبد، عُلم منه بطريقِ الدلالة أن عفوَ كله أيضًا مشروع.
﴿تَخْفِيفٌ﴾: تسهيلٌ بدفع القصاص عن الجاني.
﴿مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ بنفع الوليِّ حيث لم يضع حقَّه، والفصلُ بينهما بقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ للإيذان بتعلُّقه بهما كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
قال ابن عباس والحسن البصريُّ ﵃: كان في شريعة موسى ﵇ القتل لا غير، وفي شريعة عيسى ﵇ العفو لا غير، وفي شريعتنا القصاصُ ثابتٌ والعفوُ حسنٌ والصلحُ جائزٌ، على حسب ما يراه العبد أنفعَ له وأشفَى لقلبه وأوفَقَ لمراده.
ومَن قال: خيرت (^٢) هذه الآيةُ (^٣) بين الثلاث: القصاصِ والديةِ والعفوِ، لم يُصبْ؛ إذ ليس الثاني منها (^٤) باختيار الولي؛ لأنَّه بدل صلح (^٥) لا يكون إلا برضا الجاني.
بقي هاهنا شيءٌ: وهو أن قولهما: كان في شريعة موسى ﵇ القتلُ لا غير، محلُّ بحث؛ فإن ما يأتي في تفسير قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥] أنَّ الحسن هو الاقتصاص والأحسنَ العفوُ (^٦)، صريحٌ في أن ذلك في التوراة إذ ضميرُ (أحسنها) للألواح.
_________________
(١) في (ك): (العري).
(٢) في (د): "وخيرت"، وفي (ك): "وخير". وفي (م). "فخيرت".
(٣) في (د): "الأمة".
(٤) في (م): "اثنان منها".
(٥) في (م): "الصلح".
(٦) في هامش (د) و(ف) و(م): "هذا التفسير مذكور في الكشاف وغيره. منه".
[ ٢ / ١٦ ]
﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الحُكمِ، أو التخفيفِ (^١)، فتجاوَزَه (^٢) بقتلِ غيرِ القاتل، أو القتلِ بعد العفو أو أخذ الدية ﴿فَلَهُ عَذَابٌ﴾ نوعٌ من العذاب ﴿أَلِيمٌ﴾ شديدُ الألم.
* * *
(١٧٩) - ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ كلامٌ كاملٌ في الفصاحة، وعالي الطبقة في البلاغة، لم يوجد أقلُّ مسموعًا وأجلُّ مفهومًا منه، مع اشتماله على الغرابة التي هي من نكت البلاغة (^٣)، وذلك أن القصاص قتلٌ وتفويتٌ للحياة، فجُعل محلَّ الحياة.
وعرَّف القصاص ونكَّر الحياة وقدَّم الخبر وخصَّص الخطاب بـ (أولي الألباب) بقوله:
﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ إشعارًا بأنه لا يَفهم معناه إلا ذو اللُّب؛ أي: لكم خاصةً أيها العقلاءُ في هذا الجنس من الحُكم نوع من الحياة أو حياةٌ عظيمةٌ لا يُقْدَرُ قَدْرُها (^٤)؛ إذ لو لم يُشْرَع، وكان (^٥) ما كان في الجاهلية من قتلِ غيرِ القاتل، وقتلِ الجماعة بواحدٍ،
_________________
(١) في (م): "والتخفيف".
(٢) في (م): "فيتجاوز". وفي (ك): (فتجاوز).
(٣) في هامش (د) و(ف) و(م): "وفي عبارة الكشاف غرابة، حيث قال: كلام فصيح لما فيه من الغرابة، ورام سعد الدين إصلاحه ولم يدر أن ما ذكر تغيير لا تفسير وجرح لا شرح ولن يصلح العطار ما أفسده الدهر. منه".
(٤) في هامش (د) و(ف) و(م): "على أن التنوين [في (م): التنكير] للتنويع أو للتعظيم، والقاضي لم يفرق بينهما. منه".
(٥) في (م): "فكان".
[ ٢ / ١٧ ]
لوقع الهَرْجُ والمَرْجُ بين الناس، وهاجت الفتن والحروب، وارتفع الأمن من (^١) الناس، فانطفت تلك النائرةُ بشرعِ القصاص، وارتَدع كلُّ مَن همَّ بالقتل لعلمه بذلك، فسَلِم المقتول من القتل والقاتلُ من القَوَد، ولم يَجْسر (^٢) أحدٌ من أولي الألباب على القتل، فأَمِنَ الناس، وتلك حياةٌ تخَلْق كثير في أمنٍ وسلامةٍ وسعةٍ فضلًا عن النَّفْسين، فلهذا (^٣) قال:
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ القتلَ بغير الحق، أي: أَرَيتُكم ما فيه من (^٤) الحياة لكي تتَّقوا.
ويجوز أن يختص الخطاب بالأئمَّة وهم أولوا الألباب؛ أي: لعلكم تتَّقون في المحافظة على القصاص والحكم به.
* * *
(١٨٠) - ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أمرُ الوصية لا بد في إقامته من جماعة، فلهذا آثَرَ صيغة الجمع هنا.
﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي: قرُب منه بظهور أماراته.
﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ أي: مالًا طيِّبًا، وكان هذا القيدُ لا بدَّ منه لأنَّ المال الخبيث
_________________
(١) في (م): "بين".
(٢) في النسخ عدا (ح): "يجتر"، ولعل المراد: يجترئ، فسهلت الهمزة ثم حذفت الياء للجزم، والمثبت من (ح).
(٣) في (د): (فلذا).
(٤) "من": ليست في (م).
[ ٢ / ١٨ ]
لا يجوز الوصيةُ به (^١)؛ لِمَا فيها من الإثم، والتنوين للتكثير (^٢)؛ لمَا روي عن عائشة ﵂: أن رجلًا أراد أن يوصي، فسألته: كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف درهم، فقالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: إنما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإنَّ هذا الشيءَ يسير (^٣) فاتركه لعيالك (^٤).
﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ فاعلُ ﴿كُتِبَ﴾، وتأنيثُها ليست بحقيقة (^٥) فيجوز تذكيرها، ولا حاجة إلى ما قيل: وتذكير الفعل للفاصل، أو لأنها بمعنى: أن يوصيَ، ولهذا ذكِّر ضميرها في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾، والعامل في ﴿إِذَا﴾ مدلولُ ﴿كُتِبَ﴾ لا ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ لتقدُّمه عليها.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي (^٦): بالعدل المعهود، وهو أن لا يوصيَ للغنيِّ ويدعَ الفقيرَ، ولا يتجاوزَ الثلث.
﴿حَقًّا﴾ مصدرٌ مؤكِّد، أي: حقَّ ذلك حقًّا.
﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ كان هذا الحكمُ في بدء الإسلام، فنُسخ بعد نزول آية المواريث بقوله ﵇: "إنَّ الله أَعْطَى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ألَا لا وصيَّةَ لوارثٍ" (^٧)، فإنه وإن
_________________
(١) في هامش (د) و(ف): "من فسر الخير بالمال أو بالمال الكثير لم يصب. منه".
(٢) في النسخ عدا (د): "للتنكير"، والمثبت من (د).
(٣) في (د): "لشيء عسير"، وفي (ك): "لشيء يسير"، وفي (ف) و(م): "الشيء ليسير".
(٤) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٠٩٤٦)
(٥) في (ك): "بحقيقية"، وفي (ح): "بحقيقته".
(٦) "أي" ليست في (د).
(٧) رواه أبو داود (٢٨٧٠)، والترمذي (٢١٢٠) وحسنه، وابن ماجه (٢٧١٣)، من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁.
[ ٢ / ١٩ ]
كان من الآحاد إلا أن الأمَّه تلقَّته بالقبول حتى لحق بالمتواترِ؛ لعِلْمنا بأنهم لا يتلقَّون بالقبول إلا الثَّبتَ الذي صحَّت روايته.
* * *
(١٨١) - ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾؛ أي: قولَ الموصِي، بقرينةِ قوله: ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾؛ أي: غيَّره عن وجهه من الأوصياء والشهود والحكَّام، ولا حاجة إلى أن يقالَ: إن كان موافقًا للشرع. لأنَّ الذي لا يوافقه مردود لا مبدَّلٌ.
﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾؛ أي: إثمُ التبديل، أو الإيصاءِ المبدَّل.
﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ لا على الموصى والموصَى له، وإنما أتى هنا بصيغة الجمع لأنَّ التبديل إنما يتقرَّر بالاتِّفاق، فإن الوصيَّ مثلًا إنما يَقدِر على التبديل بمساعدة (^١) الشهود ولو بالسكوت، وكذا الحالُ في غيره.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ بقول الموصِي.
﴿عَلِيمٌ﴾ بفعل الوصيِّ وغيره من الذين يبدِّلون الوصيةَ، ظاهرُه الإخبارُ وباطنُه الوعيد للمبدِّل ومَن يساعده فيه.
* * *
(١٨٢) - ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿فَمَنْ خَافَ﴾ يراد بالخوف في مثل هذا: ما يلزمُه من التوقُّع والظن الغالب؛ إذ لا خفاء في أنه لا معنَى للخوف من الميلِ والإثمِ بعد الوقوع.
_________________
(١) في (ك) و(م): "بمشاهدة".
[ ٢ / ٢٠ ]
﴿مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ ميلًا عن الحقِّ.
﴿أَوْ إِثْمًا﴾ تعمُّدًا للجَنَف، قال الربيع: الجنفُ في الخطأ، والإثمُ في العمد (^١).
﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين الموصَى لهم وهم الوالدان والأقربون، أو بين الموصَى لهم والورثةِ، بردِّهم إلى الحق، وجاز إضمارُهم لانفهامِهم من سياق الكلام بمعونةِ المَقام.
قال الرَّاغب: ولا فرقَ بين أن يَخاف منه ذلك قبل موت الموصِي فيرشدَه، أو بعد موته فيصلحَه، وليس الإصلاحُ بمقصورٍ على إيقاع الصُّلح دون استعمالِ الصلاح، بل يتناولُهما (^٢).
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على المبدِّل حينئذٍ؛ لأنَّه تبديلُ باطلٍ بحقٍّ، وإنما قال هذا لأنَّه لمَّا خوَّف في الآية الأولى من تغيير الوصية بيَّن أن النَّهي عن تغييره (^٣) فيما لا جَنَف (^٤) ولا إثم فيه، فأمَّا إذا كان فيه شيءٌ من ذلك فلا شيءَ في تغييره.
ولمَّا كان ما تَضمَّنه الكلام السابق من الوعيد باعتبارِ إحاطته تعالى بالظواهر والسرائر عِلْمًا ناسَبَ أن يرتَّب عليه ما في هذا الكلام من الوعد (^٥) لمَن قَصَد بتغيير الوصية الصلاحَ (^٦)، فصدَّره بأداة الترتيب، وبيَّن بقوله:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٥١) بلفظ: (الجنف الخطأ، والإثم العمد).
(٢) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ٣٨٤).
(٣) في (ك) و(م): "تغيير".
(٤) في (د): "حيف"، وفي (ح): "خيف".
(٥) في (ف) و(ك): "من الوعيد".
(٦) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "ومن غفل عن هذا قال ما قال. منه".
[ ٢ / ٢١ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أنه يَتجاوز عمَّا عسى أنْ يَسقط من المصلِح ما لا يجوز ﴿رَحِيمٌ﴾ بـ الرخصة فيما ذُكر.
* * *
(١٨٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ تخصيصُ الخطاب بالمؤمنين لا لاختصاصِ الكتاب المذكورِ بهم، بل لاشتراطِ صحَّة المكتوب بالإيمان، فلا متمسَّك فيه لمن قال: إنَّ الكفار غيرُ مخاطَبين بالعبادات.
﴿الصِّيَامُ﴾: الصَّوم، قال الخليل: الصَّومُ قيامٌ بلا عملٍ (^١).
والصَّومُ: الإمساكُ عن الطُّعْم، وفي الشرع: الإمساكُ بالنيَّة في النَّهار الشَّرعيِّ عن المفطِّرات.
﴿كَمَا كُتِبَ﴾ نَصبٌ على المصدر؛ أي: كتابًا (^٢) كما كُتب.
﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من الأنبياء ﵈، والأممِ من لدُنْ آدمَ ﵇، يعني: أنه عبادةٌ قديمة (^٣) ما أَخْلَى اللّه تعالى أمَّةً من افتراضها عليهم، ففيه توكيدٌ للحكم، وترغيبٌ على الفعل، وتطييبٌ على النَّفْس.
والتشبيهُ في أصل الوجوب فقط، وقيل: في الأصل والقَدْر والوقت جميعًا.
_________________
(١) انظر: "العين" (٧/ ١٧١).
(٢) في (م): "كتبًا".
(٣) في (ف) زيادة: (قديمة)
[ ٢ / ٢٢ ]
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ اللّهَ بالمحافظةِ عليها لقِدَمِها وأصالتِها، فإنها ما فُرضت عليكم وحدَكم.
أو: تتَّقون المعاصيَ لأن الصائم أردعُ لنفسه، فإنَّ الصوم يكسرُ الشهوة التي هي مبدؤُها (^١)، على ما أشار إليه النبيُّ ﵇ بقوله: "فإنَّ الصومَ له وِجاءٌ" (^٢).
أو: لعلكم تَنتظِمون في زُمرة المتَّقين، فإنَّ الصوم شعارُهم.
* * *
(١٨٤) - ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾: موقَّتاتٍ بعددٍ معلوم، أو: قلائل، كقوله تعالى: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] وأصله: أن المال القليلَ يقدَّر بالعدد (^٣) والكثيرَ يُحثَى حَثْيًا.
نصبُها على الظرفيَّة لـ ﴿الصِّيَامُ﴾، وقد جوِّز عملُ المصدر في الظرف مع تخلُّل الفاصل وإنْ لم يَجُزْ في غيره.
والمراد بها: ما أُوجِبَ صومُه قبل فَرْضيَّة (^٤) رمضانَ ونُسخ به، وهو عاشوراءُ، أو ثلاثةُ أيام من كلِّ شهر، ويجوز أن يراد بها رمضانُ، والأوَّل أَوْلى؛ إذ الأنسبُ على الثاني أن يقال: شهرًا معلومًا؛ كما قيل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
_________________
(١) في النسخ: "مبداها"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (١/ ١٢٣).
(٢) رواه البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠)، من حديث ابن مسعود ﵁. والوِجَاءَ رَضُّ الخصيتَينِ. انظر: "فتح الباري" (٩/ ١١٠).
(٣) في (م): "بالعد".
(٤) في (د) و(ف) و(م): "فريضة".
[ ٢ / ٢٣ ]
وقيل: معناه: صومُكم كصومِهم في عددِ الأيام، كما (^١) رُوي أنَّ رمضان كُتب على النصارى فوقع في حرٍّ أو بردٍ شديدٍ، فحوَّلوه إلى الربيع وزادوا عليه عشرين [يومًا] كفارةً لتحويله (^٢).
وقيل: زادوا ذلك لمُوتان أصابهم (^٣).
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ ذهب بعضُهم إلى أنَّ كلَّ مرضٍ مبيحٌ للإفطار؛ أخذًا بإطلاق النصِّ (^٤)، وبعضُهم إلى أن المراد المرضُ الذي يضرُّه الصوم أو يَعْسُرُ معه؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾ (^٥).
﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لم يقل: مسافرًا، ليتناولَ مَن دخل بلدةً ومكث (^٦) فيها أيامًا لا بنيَّة الإقامة، فإنَّ ما ذُكر يُطلق عليه دون ما تُرك (^٧).
_________________
(١) (في (ك): "لما".
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (١/ ١٢٤). قال السيوطي في "نواهد الأبكار" (٢/ ٣٧٣): رواه ابن جرير عن السدي. قلت: رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٥٤)، وما بين معكوفتين منه. وروي نحوه مرفوعًا، رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، والطبراني في "الأوسط" (٨١٨٩)، من طريق الحسن عن دغفل بن حنظلة عن النبي ﷺ، لكن قال البخاري: لا يعرف سماع الحسن من دغفل، ولا يعرف لدغفل إدراك النبي ﷺ. ورواه الطبراني في "الكبير" (٤٢٠٣)، ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (٨/ ٤٨٦) - ترجمة دغفل - من طريق الحسن عن دغفل قوله.
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (١/ ١٢٤). والموتان بوزن البطلان: الموت الكثير الوقوع. انظر: "حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي" (٢/ ٢٧٤).
(٤) لم يرد في هذا عن السلف قول يحتج به، ونسب لبعض الشافعية ولا يصح عنهم. انظر ما ذكرناه في تعليقنا على "روح المعاني" (٣/ ١٢٤).
(٥) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "فإن فيه دلالة على أن علة الرخصة إرادة اليسر، واليسر في الصوم إذا كان نافعًا للمرض، ولا يسر في الإفطار إذا لم يضره الصوم".
(٦) في (ف) و(ك): "مكث".
(٧) في (د): "تركه". وجاء في هامش (ح) و(د) و(ف): "السفر الذي يبيح الفطر ما يبيح القصر".
[ ٢ / ٢٤ ]
﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ أي: فعليه صومُ عِدَّةِ أيامِ المرض أو السفر (^١) من أيامٍ أُخَرَ إنْ أفطر، فحُذف الشرطُ والمضافُ والمضافُ إليه للعِلم بها.
كذا قالوا، وفيه: أنَّ وجه التعليل المذكورِ ظاهرٌ في حذف المضافَين لأنَّه بحُكم قانون العربية، وأمَّا في حذف الشرط فلا؛ لأنَّه بحُكم الشرع، ولم يُعلم بعدُ أنه حَتْمٌ (^٢) أم معلَّق على شرطٍ، ولذلك قال بعضهم: مكتوبٌ عليهما أن يُفطِرا ويصومَا عدَّةَ أيامٍ أُخر، ولعله حُذف مساغًا للاجتهاد فيه.
وقرئ: (فعدَّةً) بالنصب؛ أي: فلْيَصُمْ عِدَّةً (^٣).
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: المطيقِينَ للصيام ولا عذرَ لهم إنْ أفطروا (^٤).
وقرئ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ على البناء للمفعول (^٥)، تفعيلٌ من الطَّوق بمعنى الطَّاقة؛ أي: يكلَّفونه، أو القِلادةِ (^٦)؛ أي: يُقَلَّدونه ويقال لهم: صُوموا.
وقُرئ: (يَتَطوَّقونه) (^٧)؛ أي: يَتكلَّفونه، أو: يَتقلَّدونه.
و: (يَطَّوَّقونه) بإدغام التَّاء في الطَّاء (^٨).
_________________
(١) في (ف) و(ك): "والسفر".
(٢) في النسخ عدا (د): (ختم)، والمثبت من (د).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٢٥).
(٤) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "لا بدّ من هذا القيد لإخراج المسافر ومن أهمله لم يُصب. منه".
(٥) انظر: "المحتسب" (١/ ١١٨)، ورواها البخاري (٤٥٠٥) عن ابن عباس ﵄.
(٦) عطف على (الطاقة).
(٧) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١) عن ابن عباس، و"المحتسب" (١/ ١١٩) دون نسبة.
(٨) انظر: "المحتسب" (١/ ١١٨) عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد.
[ ٢ / ٢٥ ]
و: (يُطَيَّقونه) و(يَطَّيَّقونه) (^١) بمعنى: يَتطيَّقونه، وأصلهما: يُطَيْوَقونه ويَتَطَيْوَقونه، من فَيْعَلَ وتَفَيْعَلَ من الطَّوق، فقُلِبت الواو ياءً وأُدغمتْ فيها الياءُ؛ كقولهم: تَدَيَّرَ المكانُ، و: ما بها دَيَّار.
وهو إمَّا بمعنى: يُطِيْقونه، أو يُقلَّدونه ويَتَقَلَّدونه، وإمَّا بمعنى يُكلَّفونه أو يَتكلَّفونه على جَهدٍ منهم وعُسرٍ وهم الشيوخ والعجائز، وحكمُهم الإفطارُ والفديةُ، و[هو] على هذا الوجهِ ثابتٌ غيرُ منسوخ، ويجوزُ أن يكون معنى ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أيضًا هذا؛ أي: يصومونه جَهْدَهم وطاقتَهم ومَبْلَغَ وُسْعِهم (^٢).
﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: نصفُ صاعٍ من بُرٍّ أو صاعٌ غيره عند فقهاء العراق، ومُدٌّ عند فقهاء الحجاز.
قيل: رُخِّصَ لهم ذلك في أوَّل الأمر لمَّا أُمروا بالصوم فاشتدَّ عليهم لأنهم لم يتعوَّدوا، ثم نُسخ.
وقد نبَّهتُ فيما تقدَّم على أنه لا حاجةَ إلى المصيرِ إلى النسخ.
وقُرئ: ﴿فِدْيَةٌ﴾ منوَّنًا و﴿طَعَامُ﴾ مرفوعًا بدلًا من ﴿فِدْيَةٌ﴾، و﴿مِسْكِينٍ﴾ مفردًا وجمعًا، وقرئ بالإضافة والجمع (^٣). وتبيَّن بقراءة الإفرادِ أن الحكم لكلِّ يومٍ يُفطر فيه طعامُ مسكينٍ.
_________________
(١) انظر القراءتين في "الكشاف" (١/ ٢٢٦)، والثانية في "المحتسب" (١/ ١١٨).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٢٦) وما بين معكوفتين منه.
(٣) قرأ نافِع وابن ذكوان: (فديَةُ طَعَامِ مساكِينَ) بالإضافة والجمع، وباقي السبعة: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ بالتَّنْوِينِ ورفع المِيم والتوحيد، مَا خلا هشامًا فإنه جمع (مِسْكين). انظر: "التيسير" (ص: ٧٩).
[ ٢ / ٢٦ ]
﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ بأن زاد في الطعام للمسكين، أو في عددِ مَن يلزمُه إطعامُه وانتصاب خيرًا على أنه صفة لمصدر محذوف أي: تطوعًا خيرًا لا على إسقاط الحرف أي: بخير لأنَّه غير قياس.
و(مَن) (^١) في قراءةِ مَن جعَل ﴿تَطَوَّعَ﴾ ماضيًا تَحتمِل الموصولةَ (^٢) والشرطيَّة، وفي قراءةِ مَن قرأها مجزومًا (^٣) شرطيَّةٌ.
﴿فَهُوَ﴾؛ أي: فالتطوُّع ﴿خَيْرٌ﴾؛ أي: أكثرُ خيرًا ﴿لَهُ﴾ من الاقتصار على القَدْر المفروض.
﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ أيها المطِيقون أو المطوَّقون.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الفديةِ على أيِّ وجهٍ كان.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جوابُه محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه؛ أي: إنْ كنتُم من أهل العلم والتمييز عَلِمْتم أن الصوم خيرٌ لكم من ذلك.
* * *
(١٨٥) - ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
_________________
(١) كلمة: "من "من (ح).
(٢) في (ح) و(ف): "الموصولية".
(٣) أي: (يَطَّوَّعْ). انظر: "الكشاف" (١/ ٢٢٦).
[ ٢ / ٢٧ ]
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مبتدأٌ خبرُه ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، أو: ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾، والفاءُ لوصف المبتدأ بما تضمَّن معنى الشرطِ، وفيه إشعارٌ بأنَّ الإنزال فيه سبب اختصاصه بوجوب (^١) الصوم فيه.
أو بدلٌ من ﴿الصِّيَامُ﴾ في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، و﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ صفتُه أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هو - أو: هي - الأيام المعدودات، وقُرئ بالنصب (^٢) بدلًا منها، أو على: صوموا شهرَ رمضان، ولا يجوز أن يكون مفعولَ (أن تصوموا)؛ إذ حينئذ يَلزم الفصلُ بين المعمول وعامله بالخبر.
ورمضانُ (^٣) مصدرُ رَمضَ: إذا احترق من الرَّمْضاء، فأُضيف إليه الشهرُ وجُعل علمًا ومُنع الصرفَ للتعريف والألفِ والنون، وسمَّوه بذلك لارْتماضِهم فيه من حرِّ الجوع والظَّمأ (^٤)، أو لوقوعه أيامَ رَمَضِ الحرِّ حينما (^٥) نقلوا أسماء الشهور عن اللُّغة القديمة.
وقد يُحذف المضاف لأَمْن الإلباس، على ما جاء في الحديث: "مَن صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنْبه" (^٦).
_________________
(١) في (ح) و(د): "اختصاص بوجوب"، وفي (ك) و(م): "اختصاص لوجوب"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٢٥).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢).
(٣) في (ح) و(د): (والرمضان).
(٤) يعني: لأن الصوم فيه عبادة قديمة. انظر: "الكشاف" (١/ ٢٢٧).
(٥) في النسخ عدا (ك): (حيثما)، والمثبت من (ك)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٢٤)، والعبارة منقولة منه.
(٦) رواه البخاري (٣٧)، ومسلم (٧٥٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٢٨ ]
﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾؛ أي: ابتدأ فيه إنزالُه، وكان ذلك في ليلة القَدْرِ.
وقيل: أُنزل جملةً إلى سماءِ الدنيا، ثم أُنزل إلى الأرض نجومًا.
وقيل: أُنزل في شأنه القرآن، وهو قولُه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾.
﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ إلى الحقِّ، حالٌ.
﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾: وآياتٍ واضحاتٍ، عطفٌ عليه.
﴿مِنَ الْهُدَى﴾: من جملةِ ما يهدي اللّهُ به الناسَ.
﴿وَالْفُرْقَانِ﴾: وما يُفْرقُ به بين الحقِّ والباطل؛ من وحيه وكتبه السماوَّية الهاديَة الفارقة (^١) بينهما.
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾؛ أي: فمَن شَهِدَ منكم هلالَ الشهر ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ على أنه مفعولٌ به؛ كقولك: شهدتُ الجمعةَ؛ أي: صلاتَها، وعلى هذا يَنتظِم أمرُ المريض والمسافر، ولا بدَّ منه لأن أصل الوجوبِ ثابتٌ في حقِّهما، والساقطُ بالرخصة المستفادة من قوله:
﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إنما هو وجوبُ الأداء، فلا وجه لأن يكون ﴿شَهِدَ﴾ بمعنى: حَضَر؛ لاستلزامهِ اختصاصَ الأمر بالمقيم، ولا صحةَ له (^٢)؛ إذ حينئذٍ يلزم أن يكون الحكمُ المذكورُ في حقِّ المسافر عزيمةً.
وعلى تقديرِ حملِ الوجوبِ المستفادِ من الأمر على وجوبِ الأداءِ لا وجهَ لتخصيص المقيم بالذِّكر دون الصَّحيح.
ثم إنَّ اختصاص وجوبِ الأداء بما عدا المريضَ والمسافرَ قد عُلم من قوله:
_________________
(١) في (د): "العارفة"، وفي (ف) و(ك) و(م): "الغارقة"، والمثبت من (ح) وهو الصواب.
(٢) في هامش (د) و(ف) و(م): "من غفل عن هذا قال ما قال".
[ ٢ / ٢٩ ]
﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ فالوجه أن يحمل ما قبله على أصل الوجوب؛ لأنَّ الإفادة خيرٌ من الإعادة.
﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ إطلاقُه اقتضى التخييرَ بين الجمع والتفريق (^١)، ولا يجوز تقييدُه بالتَّتابُع بخبر الواحد؛ لأن التقييد نسخ ولا يجوز نسخُ الكتاب بأخبارِ الآحاد.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ برخصته الإفطارَ بعذرِ المرض والسفر.
﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ بإيجابِ القضاءِ متواليًا وبلا (^٢) تأخيرٍ عند زوالِ العذر (^٣).
وفي عبارة ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى أن الأَحَبَّ عنده تعالى الإفطارُ عند أحد هذين العُذرين؛ لمَا في مقابَلة (^٤) عدم قبولِ الإحسان والامتنان به، وقد نبَّه النبيُّ ﵊ على هذا بقوله: "ليس مِن البِرِّ الصِّيامُ في السَّفر" (^٥) وما في الأداءِ في رمضانَ من الفضيلة لا يعارِضُ هذا الاستحباب (^٦)، واللّهُ أعلمُ بالصواب.
_________________
(١) في (د): (التعريف).
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "بلا" دون الواو.
(٣) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "يعني أنه تعالى يريد اليسر بأصل الرخصة ولا يريد العسر بالتضييق فيها؛ لأنَّه لا يناسبها، ومن هنا اتضح وجه الوصل، فإنه على تقدير أن يكون الثاني تقريرًا للأول حقُّه الفصل كما لا يخفى".
(٤) في (د): "مقابله".
(٥) رواه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥)، من حديث جابر ﵁.
(٦) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "إشارة إلى وجه أصحابنا في هذه الخلافية، وهو أن رمضان أفضل الوقتين فكان الأداء فيه أولى".
[ ٢ / ٣٠ ]
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ يجوز أن يُعطف على علَّةٍ محذوفة؛ أي: لتَعْلَموا ما شُرِعَ لكم ولتكْملوا العدَّةَ، أو على ﴿الْيُسْرَ﴾؛ أي: يريدُ اللّه بكم اليسرَ ويريدُ لتكمِلوا العدَّة؛ كقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ قيل: هو تكبيرُ يوم الفِطْر، وقيل: التكبيرُ عند الإهلال، ضُمِّن فعلُ التكبير معنى الحمدِ فعُدِّي بـ (على)، فكان المعنى: حامدِينَ ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾: على هدايتكم.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: إرادةَ أن تشكروا، مَجازٌ لاشتراك المرجوِّ والمرادِ في الترجُّح.
والأفصحُ أن يُجعل ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ (^١) إلخ عِللًا لفعلٍ معلَّلٍ محذوفٍ مدلولٍ عليه بما ذُكر من قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ إلخ؛ أي: ولهذه الأمور شُرع ذلك، فقولُه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ علَّةٌ للأمر في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ﴾، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ علَّةٌ للأمر بصوم الشاهد في الشهر، وإفطارِ المسافر والمريض، وما عُلم من كيفية القضاء والخروجِ عن عُهدة الفطر؛ أي: ولتعظِّموا اللّه وتُثْنوا عليه، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ علَّةٌ الترخيص (^٢)، وهذا نوعٌ من اللَّفِّ لطيفُ المسلك، لا يَطَّلِعُ عليه إلا الحُذَّاقُ من علماء البيان.
* * *
(١٨٦) - ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.
_________________
(١) في (ح) و(ف) و(ك): "لتكملوا العدة".
(٢) في (ف): "للترخيص"، وفي (ك): "الترخص".
[ ٢ / ٣١ ]
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ مرتبِطٌ بما تقدَّم من جهةِ أنه لمَّا حَثَّ على تكبيره وشكره بيَّن أنَّ الذي يذكرونه ويشكرونه قريبٌ منهم، ولهذا فصله (^١) به بين حُكمي رمضان.
﴿عِبَادِي﴾ شرَّفهم بالإضافة إلى نَفْسه.
﴿عَنِّي﴾؛ أي: عن صِفتي ومعامَلتي معهم إذا دعَوني.
﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ لم يقل: (فقل: إني قريبٌ) كما في سائر سؤالاتهم؛ لأنَّه تعالى تولَّى جوابهم حين كان عنه سؤالُهم، فتقديرُ الكلام: (فأقولُ: إني قريب).
رُوي أن أعرابيًّا قال لرسول اللّه ﷺ: أقريبٌ ربُّنا فنناجيَه، أم بعيدٌ فنناديَه؟ فنزلت (^٢). تمثيلٌ لحاله في إجابةِ الداعي بحالِ مَن قرُبَ مكانُه من مكانه، فيُلبِّيه (^٣) إذا دعاه؛ لأنَّه تعالى عن المكان، فإنه كانَ ولا مكانَ وهو الآن على ما كان.
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ تقريرٌ للقرب، ووعدٌ للدَّاعي بالإخلاص مقرونًا بشرائطه بالإجابة (^٤)، والإجابةُ من الجَوْب: وهو القطعُ، فإجابةُ السائل: القطع بما سأل؛ لأنَّ سؤاله على الوقف: أيكونُ أم لا يكون (^٥).
_________________
(١) في (د): "فضل"، والمثبت من باقي النسخ، ولعل الأنسب بالسياق: (فصل).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٢٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣١٤)، وابن حبان في "الثقات" (٨/ ٤٣٦)، من حديث معاوية بن حيدة ﵁. وفي سنده ضعف كما قال الحافظ في "العجاب في بيان الأسباب" (١/ ٤٣٤)، وأخرج نحوه الطبري عقبه عن الحسن مرسلًا.
(٣) في (د): "فيلبينّه".
(٤) قوله: (بالإجابة) متعلق بقوله: (وعد)؛ أي: وعد بالإجابة لمن دعاه مخلصًا دعاءً مقرونًا بتحقيق شرائط الدعاء.
(٥) "يكون": ليست في (ح) و(ف).
[ ٢ / ٣٢ ]
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾؛ أي: أنا أُجيبُهم فيما دعَوني فعليهم أنْ يُجيبوني فيما دعوتُهم إليه بالائتمارِ فيما أُمروا به والانتهاءِ عما نُهوا عنه.
قال أبو عبيدةَ: الاستجابةُ والإجابةُ واحدٌ؛ كالإنابة والاستنابة، وأنشد لكعبِ بنِ سعدٍ الغَنَويِّ:
وداعٍ دَعَا يا مَن يُجيب إلى النَّدَى … فلم يَسْتَجِبهُ عند ذاكَ مجيبُ (^١)
أي: لم يُجبه.
هذا ما بحسَبِ جَليلِ النظر، والذي بحسب دقيقِه وهي: أنه تعالى إنما قال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ ولم يقل: فلْيُجيبوا؛ لِلَطيفةٍ وهي: أنَّ حقيقة الاستجابة طلبُ الإجابة وإنْ كان قد يُستعمل في معنى الإجابة، فبيَّن (^٢) أن العباد متى تحرَّوا إجابتَه بقَدْرِ وُسعِهم فإنه (^٣) يرضَى به عنهم، هذا فيما يتولَّاه الجوارح من الأعمال، وأمَّا الذي يتعلَّق بالإذعان القلبي من الإيمان فلا بدَّ فيه من حقيقة الإجابة، ولهذا أفرده بالذكر بقوله:
﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ مع انتظامه فيما (^٤) تقدَّم بحسب جَليل النظر.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ راجينَ الرُّشد وهو إجابةُ الخير، ونقيضُه: الغي.
وقرئ بفتح الشين وضمِّها (^٥)؛ أمَّا الأولُ: فمِن الرَّشَد بالفتح، يقال: رَشِدَ يَرْشَدُ
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٦٧ و١١٢ و٢٤٥ و٣٢٦) و(٢/ ١٠٧).
(٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "فتبين".
(٣) في (م) زيادة: "قد".
(٤) في (د) و(ك) و(م): (ما).
(٥) القراءة بالضم هي قراءة الجمهور، وبالفتح ذكرها الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٢٢٩).
[ ٢ / ٣٣ ]
رَشَدًا فهو رَشيدٌ، مِن حدِّ عَلِمَ (^١)، وأمَّا الثاني: فمِن الرُّشْد بالضم، يقال: رَشَدَ يَرشُدُ رُشْدًا فهو راشدٌ، من حدِّ دَخَل (^٢)، وقُرئ بالكسر أيضًا (^٣).
* * *
(١٨٧) - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ نصبٌ على الظرف، وإنما لم يَقُل: لياليَ الصيام؛ إعمالًا لدلالة الكلام، ولا يَخفَى لطفُه على ذوي الأفهام.
﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ رُوي: أن المسلمين كانوا إذا صلَّوا العشاءَ أو ناموا حرُم عليهم المفطِّر إلى القابلة وإن لم يُفطِر، ثم إن عمر ﵁ باشَر بعد العِشاء، فندِم وأتى النبيَّ ﵇ واعتذَر إليه، فقام رجالٌ واعترفوا بما صنعوا بعد العِشاء، فنزلت (^٤).
_________________
(١) يعني في الماضي والمضارع، أما المصدر فمختلف كما هو ظاهر، ولو قال: من حد طَرِبَ - كما في "مختار الصحاح" - لكان أدق وأولى.
(٢) يعني في الماضي والمضارع، أما المصدر فمختلف كما هو ظاهر، ولو قال: رَشَد يَرْشُدُ من حدِّ دَخَل رُشْدًا - كما في "مختار الصحاح" لكنه مثَّل بقعد يقعد - لكان أدق وأولى.
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٢٩)، و" المحرر الوجيز" (١/ ٢٥٦).
(٤) رواه بنحوه الإمام أحمد في "المسند" (١٥٧٩٥) من حديث كعب بن مالك ﵁. وله شواهد تنظر في حاشية "المسند"، وروي في معناه آثار تنظر في "تفسير الطبري" (٣/ ٢٣٣ - ٢٤١).
[ ٢ / ٣٤ ]
والرَّفثُ في الأصل هو قولُ الفُحش، ثم جُعل اسمًا للإفصاح بما يجب أن يُكنى عنه عند النساء من معاني الإفضاء إليهنَّ (^١)، يرشدُك إلى هذا قولُ ابن عباس ﵄ حين أنشد وهو مُحْرِم:
وهنَّ يمشينَ بنا هَميسا … إنْ يَصْدُقِ الطَّيرُ نَنِكْ لَمِيسَا
فقيل له: أَرَفَثْتَ؟ قال: إنَّما الرَّفَثُ ما كان عندَ النساء (^٢).
وإنما عدِّي بـ (إلى) لِمَا في مفهومه من معنى الإفضاء (^٣).
ثم إنه كنى بمجموع قوله: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ عن الجماع، وقد (^٤) كُني عن الجماع في جميع القرآن بلفظٍ مستحسَنٍ لا يدلُّ على معنى القبحِ مراعاةً للأدب - ولا أدبَ كأدبِ التنزيل - كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، إلا
_________________
(١) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "القوم زعموا أن الكناية عن الجماع بلفظ الرفث وحده، ويلزمهم اعتبار التضمين بلا حاجة إليه؛ لأن الجماع لا يوجد بدون الإفضاء، والتضمينُ إنما يصار إليه لفائدة زائدة، ولا يرد مثل هذا على ما ذكرناه؛ لأن المعتبر في مفهوم الرفث الإفضاء إلى مطلق النساء، والمفاد في المقام الإفضاء إلى ما أحل لهم من النساء، ولا بد منه لتصحيح الكناية عن الجماع الحلال. منه".
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٣٠)، ورواه سعيد بن منصور في "سننه" (٣٤٥ - تفسير)، والطبري في "تفسيره" (٣/ ٤٥٨ - ٤٥٩)، والهميس: صوت نقل أخفاف الإبل. انظر: "اللسان" (مادة: همس).
(٣) في هامش (د): "فلا حاجة إلى التضمين. منه".
(٤) في النسخ عدا (م): "قد"، والمثبت من (م).
[ ٢ / ٣٥ ]
هاهنا فإنه كُني عنه بما دلَّ على معنى القبيح (^١) استهجانًا واستقباحًا لِمَا ارتكَبوه، ولذلك سمَّاه خيانةً.
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ استئنافٌ يبيِّن سبب الإحلال، وهو قلَّةُ الصبر عنهنَّ وصعوبةُ اجتنابهن لكثرة المخالَطة وشدةِ الملابَسة، وفي تقديم ﴿هُنَّ لِبَاسٌ﴾ (^٢) نوعُ تأييدٍ له، حيث كان ذلك لزيادة الشَّغَف من جانبه، شبَّه الرجل والمرأة في تعانُقهما واشتمالِ كلٍّ منهما على صاحبه في عناقه باللِّباس المشتمِل عليه، قال الجعدي:
إذا ما الضِّجيع ثَنَى عِطْفَه … تثنَّتْ فكانَتْ عليه لِباسًا (^٣)
وأفرد اللباس لأنَّه (^٤) كالمصدر.
﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ تظلِمونها بتعريضِها للعقاب، وتنقيصِ حظِّها من الثواب.
والاختيانُ أبلغ من الخيانة؛ كالاكتساب من الكسب، لتضمُّنه معنى (^٥) القصدِ والزيادة.
والخيانة ضدُّ الأمانة، وقد ائتمَن اللّه عبادَه على ما أمَرهم به ونهاهم عنه، فإذا عصَوه في السرِّ فقد خانوه، وفي زيادة ﴿كُنْتُمْ﴾ دلالةٌ على أنهم مجبولون على ذلك، ففيه نوعُ إشارة إلى وجهِ قبول توبتهم، ولهذا أتى بأداة التفريع في قوله:
_________________
(١) في (ك) و(م): "القبح".
(٢) في (د): ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾.
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٣٠)، وهو في ديوان النابغة الجعدي (ص: ٨١) برواية: (ثنى جيدها).
(٤) في (ف): "كأنه".
(٥) كلمة: "معنى" ليست في (د).
[ ٢ / ٣٦ ]
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: لمَّا تُبتم ممَّا اقترفتُموه من المحظور، وقد مرَّ تفسير التوبة.
﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾: ومحا أثر ذلك عنكم بالتجاوُز.
﴿فَالْآنَ﴾ (آن) أصله: فَعَلَ، بمعنى: حان، ثم جُعل اسمًا للزمان الحاضر، وعرِّف بالألف واللام، وبقي (^١) على الفتحة، والمراد: ليلة الصيام.
﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ لما نُسخ عنكم حكمُ التحريم، ولا دلالةَ فيه على انتساخ السنَّة بالقرآن؛ لاحتمالِ أن يكون المنسوخُ حكمَه من كلام الله تعالى المنسوخِ تلاوته (^٢).
وأصل المباشَرة: إلصاق البشَرة بالبشرة، وهي ظاهرُ الجلد كُني بها عن المجامعة، والأمرُ للإباحة.
﴿وَابْتَغُوا﴾ الابتغاء: الطلبُ للبغية.
﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ما قدَّر الله تعالى لكم من الولد؛ أي: لا تباشروهن لقضاء الشهوة وحدها، ولكنْ لابتغاءِ ما وضَع اللهُ له النكاحَ من التناسل لبقاءِ النوع إلى غايةٍ، وهذا يتضمَّن النهي عن العزل وإتيانِ المحل المحرَّم وكفى في الابتغاء المذكور كونُ الولد مقدَّرًا للجملة، ولا يَلزم أن يكون مقدَّرًا لكلِّ واحدٍ منهم (^٣).
﴿وَكُلُوا﴾ الظاهر أنه كلامٌ مبتدَأٌ لا معطوفٌ على ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾، وإنما زِيدَ قولُه:
﴿وَاشْرَبُوا﴾ إهمالًا للدلالة، فإنه على تقدير إعمالها لم يبقَ حاجةٌ إلى تلك
_________________
(١) في (ف): "بني".
(٢) في (م): "تلاوةً".
(٣) في هامش (د) و(م): "حتى يلزم الاشتراك في الغاية. منه". وفي هامش (ح) و(ف): "حتى لا يلزم … ".
[ ٢ / ٣٧ ]
الزيادة، وإنما أُهملت لأنها تنتظِم (^١) الوقاعَ، وهو لا يجوز أن يُفعل إلى طلوع الفجر؛ إذ لا ينقطع أثرُه المفسدُ للصوم في الحال، بخلاف الأكل والشرب.
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ التَبَيُّن: تمييز (^٢) الشيء الذي يَظهر للنفس على التحقيق.
﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ شبَّه أولَ ما يبدو من نور الفجر المعترِضِ في الأفق بالخيط الأبيض، وما يمتدُّ معه من غَلَس (^٣) الليل بالخيط الأسود.
اختلف مشايخ أصحابنا في أنَّ العبرة لأوَّل طلوعه أم لاستطارَته وانتشارِه؛ قال شمسُ الأئمة الحَلْواني (^٤): الأولُ أحوطُ والثاني أوسعُ.
ونحن نقول: إنَّ التشبيه بالخيط للتنبيه على أنَّ العبرة لأولِ طلوعه، فلا مَساغَ للاختلاف المذكور.
﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيانٌ لهما؛ أمَّا كونُه بيانًا للأول فظاهرٌ، وأمَّا كونه بيانًا للثاني: فلأنه باعتبارِ انتهائه إليه واتصالهِ به يُعدُّ منه، ومثلُ هذا التوسَّعِ في البيان ليس بعزيزٍ، ولهذا قدِّم الخيط الأبيض على قَرينه، فإنه على تقديرِ اختصاص البيان له حقُّه التأخيرُ عنه، ومن هنا اتَّضح أنه لا وجهَ لأنْ تكون ﴿مِنَ﴾ المذكورةُ للتبعيض، وبالبيان المذكور خرَج الكلام من احتمالِ الاستعارة (^٥)، وإنما زِيدَ
_________________
(١) في النسخ عدا (د): "لا تنتظم"، والمثبت من (د).
(٢) في (د) و(م): "تميز".
(٣) في (ك): "غسق".
(٤) عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح الحَلْوانيُّ، الملقب بشمس الأئمَّة، إمام أصحاب أبي حنيفة ببخارى في وقته، من تصانيفه: "المبسوط"، توفِّي سنة ثَمَانٍ أو تسعٍ وأربعين وأربع مئة. والحلواني بفتْح الحاء المهلة وسكون اللَّام. انظر: "الجواهر المضية" (١/ ٣١٨).
(٥) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "لكون البيان المذكور مشتركًا بينهما. منه".
[ ٢ / ٣٨ ]
مع أنَّ الاستعارة أبلغُ من التشبيه (^١)؛ لفَقْدِ شرطها وهو تَعذُّرُ الحقيقة (^٢).
قال سهل بن سعدٍ الساعديُّ: نزلت هذه الآيةُ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فكان رجالٌ إذا أرادوا الصومَ ربط أحدُهم في رجليه الخيطَ الأبيض والخيطَ الأسود، فلا يزال يأكلُ ويشربُ حتى يَتبيَّن له منهما (^٣)، فأَنزل الله بعد ذلك قولَه: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعَلِموا أنَّه إنَّما يعني بذلك الليلَ والنهارَ. وهذا حديثٌ صحيح عند أئمَّة الحديث كالبخاريِّ ومسلم (^٤).
لا يقال: إنه (^٥) غيرُ مقبولٍ عند أئمة البلاغة لأن الكلام المذكور بدون البيان المزكور ساقطٌ عن درجة البلاغة؛ لفَقْدِ (^٦) قرينة الاستعارة على ما نبَّهتُ عليه آنفًا، وعند عامةِ الأصوليين لِمَا فيه من تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا خلاف في امتناعه عند مَن لا يجوِّز تكليفَ المحال، وإنما الخلاف في التأخير عن وقت الخطاب.
لأنَّا نقول (^٧): كفى قولُه: ﴿لَكُمُ﴾ قرينةً للاستعارة، وذلك أنَّ في التخصيص المستفادِ من تقديمه دلالةً على أن التبيينَ المذكور مما يَختلفُ، فيتحقَّقُ لبعض
_________________
(١) "من التشبيه" ليس في (ف).
(٢) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لأن المراد المعنى العام منهما. منه".
(٣) قوله: "منهما" كذا في النسخ، والذي في الصحيحين: (رؤيتهما).
(٤) رواه البخاري (١٩١٧)، ومسلم (١٠٩١).
(٥) في (د) و(ك): "إلا أنه" بدل: "لا يقال إنه".
(٦) في (م): "لفقدان".
(٧) من هنا إلى قوله: (بقوله من الفجر) سقط من (د) و(ك).
[ ٢ / ٣٩ ]
الرائين دون بعضٍ، وعلى تقدير الحقيقة لا مجال لهذا الاختلاف، وإنما يتحقَّق على تقدير (^١) الاستعارة لاختلاف المطالع، ولمَا في هذا البيانِ من الدِّقَّة اشتَبه على بعض أهل اللسان، فاحتيج إلى زيادة البيان بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾.
قيل: في تجويز المباشرة إلى الصبح الدلالةُ على جواز تأخير الغُسل عنه. ويلزمُه صحةُ صوم المصبِح جنبًا، ومبناه الغُفول عمَّا قدَّمناه من إهمال الدلالة.
ثم إنَّ تمام الاستدلال المذكور على تحقُّق (^٢) المنافاة بين إباحة المباشرة إلى آخِر الليل ووجوبِ الاغتسال فيه، وذلك غيرُ مسلَّم، فإنَّ وجوب الصلاة مع كونها مشروطةً بالطهارة قد اجتمع مع إباحتها في آخِر جزءٍ من أجزاء وقت صلاة المغرب.
﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ تمسَّكَ أصحابنا بهذا في جواز النيَّة بالنهار في صوم رمضان، ولا وجهَ له، بل هو ظاهرٌ فيما ذكره المخالفُ، حيث قال اللّه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ ولم يقل: ثم صُوموا، ولولا ما فيه من محذورِ الدلالة على تراخي الشروعِ في الصوم عن طلوع الفجر لَمَا عُدِل عن الأَخْصَر الأظهَر (^٣).
﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ بيانُ آخِرِ وقتِ الفَرْض، وإخراجُ الليل عن حدِّه لا يستلزمُ إخراجَه عن مَحِلِّيَّة الصوم مُطلقًا، فلا دلالةَ فيه على نفي صوم الوصال.
﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ المراد بالمباشرة: الوطءُ، والنهيُ عنه لا لعَيْنهِ، بل لأنَّه سببٌ للجنابة (^٤) المانعة لصحةِ الاعتكاف، فإنه في الشرع: لبثُ المسلم العاقل الطاهر في المسجد بنيَّة القُربة، فيَنتظِم النهيُ ما في معناه من الملامسةِ بالشهوة مع الإنزال.
_________________
(١) في (م): "مع تقدير"، وسقطت العبارة من (ف)، والمثبت من (ح).
(٢) في النسخ عدا (د): "تحقيق"، والمثبت من (د).
(٣) في (ك) و(م): "إلى الأظهر".
(٤) في (ف) و(ك): "للخيانة".
[ ٢ / ٤٠ ]
﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾: معتكفون فيها، والعُكوف في اللغة: الإقامةُ.
بيَّن أنَّ المباشرة تحلُّ في ليالي رمضان لكنْ لغير المعتكِفِ، فإنها تُفسد الاعتكاف، عن قتادة: كان الرجل يعتكِفُ، فيَخرجُ إلى امرأته فيباشرُها ثم يرجع، فنُهوا عن ذلك (^١).
وإنما زاد قوله: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ للإشارةِ إلى أنَّ الاعتكاف إنَّما يكونُ في المسجد، وصيغةُ الجمع لدفع وَهمِ العهد، فيُفهمُ منه عدمُ اختصاصه بمسجدٍ دون مسجدٍ.
﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى (^٢) التقديرات الواقعة في الأوامر والنواهي المذكورة، المانعةِ عن التجاوُز عنها.
﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أصل الحدِّ: المنعُ، ومنه: الحدَّاد، للبواب. وحدودُ الشرع موانعُ عن الجنايات، وحدودُ الدار موانع عن الاختلاط.
﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ نهيُ إشفاقٍ يتضمَّن نهيَ التحريم عن التَّجاوُز عنها على وجهٍ أبلغَ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] قال النبيُّ ﵇: "إنَّ لكلِّ ملكٍ حمًى، وإنَّ حِمَى اللهِ محارِمُه، فمَن رَتَعَ حولَ الحِمَى يُوشكُ أن يَقع فيه" (^٣) ومن هنا ظهر وجهُ النهي المذكور.
﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذلك التبيينِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ الدالَّة على سائر مشروعاته.
﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ مخالَفةَ الأوامرِ والنَّوَاهي.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٧٠).
(٢) في (ك) و(م): "إلى أن".
(٣) رواه بنحوه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٥٩)، من حديث النعمان بن بشير ﵁.
[ ٢ / ٤١ ]
(١٨٨) - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ نصبٌ على الظرف أو الحال من الأموال، تقبيحٌ بليغٌ لمَا كانوا يتعاطَونه من المنكَرِ في ذلك مع اطِّلاع بعضِهم على حالِ بعضٍ.
﴿بِالْبَاطِلِ﴾: بالجهة التي ليست مشروعةً، كما في العقود الفاسدة، والأكسابِ الخبيثة، وأموالِ الغنيمة قبل القسمة، هذا هو الظاهر من قوله: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾.
قيل: أي: ولا تأكلوا بعضُكم مالَ بعضٍ (^١). ولا يخفَى ما فيه من الصَّرف عن الظاهر بلا داعٍ إليه.
﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ عطفٌ على النَّهي (^٢)؛ أي: ولا تُدْلوا (^٣)، لا منصوبٌ بإضمار (أنْ) إذ حينئذٍ يكون المعنى: لا تجمَعوا بين الأكلِ بالباطل والإدلاءِ إلى الحكام، والنهيُ عن الجمع بينَهما لا يَستلزِمُ النهيَ عن كلٍّ منهما، وكلٌّ منهما حرامٌ فحقُّه أنْ يُنهى عنه منفردًا عن الآخَر، فيُفهَمَ منه النهيُ عن الجمع بينهما بطريقِ الدلالة على آكَدِ وجهٍ وأَبلغِه.
والإدلاءُ: إرسالُ الدَّلو في البئر، واستُعير للتوصُّل إلى الشيء.
﴿لِتَأْكُلُوا﴾ بالتحاكُم.
﴿فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ الفريق: القطعةُ المعزولةُ من الشيء.
_________________
(١) "ولا تأكلوا بعضكم مال بعض" كذا في النسخ، وهي على لغة أكلوني البراغيث، والذي في "الكشاف" (١/ ٢٣٣)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٢٧): (ولا يأكل بعضكم مال بعض).
(٢) في (ح) و(ت) و(ك): "المنهي".
(٣) في (م): "ولا تدلوا ولا تأكلوا".
[ ٢ / ٤٢ ]
﴿بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: بما يوجِبُ الإثمَ؛ كشهادةِ الزُّور، واليمينِ الكاذبة. أو: مُلْتبسِين (^١) بالإثم.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنكم مُبْطِلون، وإنما قيّد به لأن حصول الإثم مشروطٌ بالعلم المذكور.
وقيل: ارتكاب المعصية مع العِلم بقبحها أعظمُ، وصاحبُها بالتوبيخ أحقُّ.
والأولُ أولى كما لا يَخفَى.
رُوي أنَّ عَيْدان (^٢) الحضرميَّ ادَّعى على امرئ القيس الكنديِّ أرضًا غصْبًا في يده، واختصَما إلى النبيِّ ﵇، فقال لعَيْدان: "أَلكَ بيِّنةٌ" قال: لا، قال: "لَكَ يَمينُه"، فقال: إذًا يذهب بأرضي! فقال النبيُّ ﵇: "ليس لكَ إلَّا ذلك" فحلَف كاذبًا باللّه ما له قِبَلَه حقًا، فنزلت الآية، فأقَرَّ عيدانَ وردَّ أرضَه إليه، وأعطاه أرضًا أخرى أيضًا مكانَ ما أخذ من غلَّتها (^٣).
_________________
(١) في (ف): "متلبسين".
(٢) وقع في النسخ وأكثر المطبوعات: (عبدان) بالباء هنا وفي المواضع الآتية، والتصويب من "العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر (١/ ٤٥٢) حيث قيده بفتح العين وبعدها ياء نقلًا عن أصحاب المشتبه.
(٣) كذا ذكر المؤلف في هذا الخبر أن الكندي حلف كاذبًا ثم رجع وعوَّض، ولم أجده هكذا عند أحد غيره، والذي في المصادر أنه أراد أن يحلف لكنه لم يحلف خوفًا من الوعيد. انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (١/ ١٦٥)، و"تفسير أبي الليث" (١/ ١٢٦)، و"تفسير الثعلبي" (٢/ ٨٣)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٥٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٣٣)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٢٧). ولم يذكر لها أحد سندًا، لكن عزاها الثعلبي لابن حيان وابن السائب، وتابعه تلميذه الواحدي في عزوها لمقاتل بن حيان، فتعقبه الحافظ في "العجاب" بقوله: كذا رأيت فيه: (ابن حيان) وقد وجدته في "تفسير مقاتل بن سليمان". وروى القصة دون ذكر سبب النزول الإمام أحمد في "المسند"=
[ ٢ / ٤٣ ]
(١٨٩) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ (الأهلَّة): جمعُ هلال، وهو للَيلةٍ أو ليلتين، سُمي به لأنَّ الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته، رُوي أنَّ مُعاذ بن جَبَلٍ وثعلبة بن عَنَمة (^١) الأنصاريَّ سألا فقالا: ما بالُ الهلال (^٢) يبدو دقيقًا كالخيط، ثم يَزيد حتى يمتلئَ ويستويَ، ثم لا يزال يَنقص حتى يعودَ كما بدأ (^٣)؟
ومن هنا ظهر وجهُ الإتيان بصيغة الجمع، فإنهما لمَّا سألا عمَّا في أول
_________________
(١) = (١٧٧١٦) بإسناد صحيح من حديث عدي بن عميرة الكندي ﵁. وأصلها في "صحيح مسلم" (١٣٩) من حديث وائل بن حجر ﵁.
(٢) في النسخ: "وثعلبة بن غنم"، وكذا وقع في "الكشاف" و"تفسير البيضاوي" وغيرهما، والتصويب من "العجاب" (١/ ٤٥٣) حيث قيدها الحافظ بفتح العين والنون، وكذا جاء في أكثر المصادر الآتية.
(٣) في هامش (ح) و(ف): "عبارة (ما بال) ظاهرة في السؤال عن السبب وإن خفي على بعض الناظرين فيها. منه".
(٤) انظر: "النكت والعيون" (١/ ٢٤٩)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٥٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٣٣)، وعزاه الواحدي للكلبي، ورواه ابن عساكر في "تاريخه" (١/ ٢٥) من طريق محمَّد ابن مروان السدي الصغير عن الكلبي عن ابن عباس وذكر معاذ بن جبل وثعلبة بن عَنَمَة …، وهذا سند تالف، ضعفه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٤٩٠)، والمناوي في "الفتح السماوي" (١/ ٢٣٢) وقال: سنده واهٍ. وقال الحافظ في "العجاب" (١/ ٤٥٥): قد توارد من لا يد لهم في صناعة الحديث على الجزم بأن هذا كان سبب النزول مع وهاء السند فيه، ولا شعور عندهم بذلك، بل كاد يكون مقطوعًا به لكثرة من ينقله من المفسرين وغيرهم.
[ ٢ / ٤٤ ]
الشهر وعمَّا في آخره كان المناسبُ أن يعبَّر عن المسؤول عنه بصيغة الجمع (^١).
﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾: جمع ميقاتٍ، وهو مفعالٌ من الوقت معناه: ما وقِّت به الشيءُ؛ أي: حُدَّ ومنه مواقيت الإحرام وهي الحدود التي لا يتجاوزها مَن يريد دخولَ مكة محرِمًا، والوقتُ والمدة والزمان يتقارب لكنَّ المدة المطلَقة أوسعُها، فإنها امتدادُ حركة الفلك؛ أي: اتِّصالُها من مبدئها إلى غايتها، والزمان (^٢) مدةٌ مقسومة من مطلَق المدة، والوقتُ [نهاية] الزمان المفروضِ للعمل.
﴿لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾؛ أي: لِمَا يتعلَّق به من أمور المعاملات (^٣) ومصالحهم، ونبَّه بذكر الحج على ما يتعلَّق به من العبادات، ولكن ذكر أعظمَها أثرًا، فإن الحج يراعَى في أدائه وقضائه الوقتُ المعلوم بخلافِ سائر العبادات التي لا يصير في قضائها وقتٌ معيَّنٌ.
كان السؤال عن السبب العاديِّ لاختلاف القمر في زيادة النور ونقصانه، وأجيبَ على أسلوبِ الحكيم ببيان الحكمة في هذا الاختلاف؛ للتنبيه على أن المناسب لحالِ السائل أن يَسأل عن ذلك لا عن السبب؛ لأنَّه ليس مما يُطلع عليه بسهولة؛ لابتنائه على معرفة مسائلَ من دقائق علم الهيئة.
﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾؛ أيْ برُّ مَن اتَّقى،
_________________
(١) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "يعني لما كان السؤال عن الأحوال المختلفة لا عن الحالة المستمرة، وكان يطلق اسم الهلال عند كل حال من تلك الأحوال، جيء بلفظ الجمع تنبيهًا على أن السؤال كان عن الأحوال المختلفة له لا عن حالته المستمرة. منه".
(٢) في النسخ عدا (د): (والغاية)، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في "تفسير الراغب" (١/ ٤٠١)، والكلام وما سيأتي بين معكوفتين منه.
(٣) أي: معاملاتهم. انظر: "تفسير الراغب" (١/ ٤٠١)، و"البحر المحيط" (٣/ ٤١٩).
[ ٢ / ٤٥ ]
لمَّا بيَّن أنهم عكَسوا الحالَ في السؤال عن حال الهلال، مثَّل حالهم في السؤال عمَّا لا ينبغي بحالهم في الإحرام بالحج، وجريهم على خلاف ما يجب أن يكونوا عليه، وهو أن ناسًا من الأنصار كانوا إذا أَحرموا لم يدخلوا بيتًا من البيوت من بابه، فإنْ كانوا من أهل المَدَر (^١) نقَبوا نقبًا في ظهر بيتهم منه (^٢) يدخلون ويخرجون، أو اتَّخذوا سلَّمًا يصعدون فيه وينزلون، وإن كانوا من أهل الوَبَر دخلوا وخرجوا (^٣) من خلف الخباء، فقيل لهم: ليس البرُّ بتحرُّجِكم من دخول الباب، ولكنَّ البرَّ الاتِّقاءُ من محارِم الله تعالى.
وهذا مع كونه نهيًا لهم عن عادتهم الرديَّة في باب الحجِّ على سبيل الاستطراد لذكرِ الحج وبيانِ مواقيته (^٤) بيان لتعكيسهم في السؤال، وهو أن يسكتوا عمَّا يهمُّهم ويَسألوا عمَّا لا يَعْنيهم؛ أي: ما أنتم في سؤالكم عن سبب نقصانِ الأهلَّة وكمالِها وتركِكُم ما يهمُّكم من فوائدها إلا ككَونِكم متحرِّجينَ عن دخول البيوت من أبوابها وإتيانِكم من ظهورها حاسِبِين ذلك برًّا وما هو من البرِّ في شيء، وترككم التحرُّجَ عمَّا يجب عليكم اتقاؤه واجتنابُه وهو البرُّ. ثم قال:
﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾؛ أي: باشِروا الأمور من وجوهها، والمراد: توطينُ النَّفْس على ترك الفضول من السؤال والفعال، واجتنابُ ما يجب اجتنابُه، والتزامُ ما أَوجبَ الشرع من غير شكٍّ وشبهةٍ، فإن في السؤال أمَارةَ الشكِّ.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في تغيير أحكامه والاعتراضِ على أفعاله.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لكي تَظفروا بالبِرِّ.
_________________
(١) في (ف) و(م): "المدن".
(٢) "منه" سقط من (ح) و(ف) و(ك) و(م).
(٣) في (د): "أو خرجوا".
(٤) في (د): "موافقته".
[ ٢ / ٤٦ ]
(١٩٠) - ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: جاهِدوا لإعلاء كلمةِ الله وإعزازِ دِينه، والقتال: محاولةُ القتل ممن يحاولُه، والقتل: نقضُ بِنْيَة الحياة.
﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ عن الربيع بن أنس ﵁: هي أوَّل آيةٍ نزلت في القتال بالمدينة، فـ[لما نزلت] كان رسول الله ﷺ يقاتلُ مَن قاتَلَ وَيكفُّ عمَّن كَفَّ [عنه حتى نزلت براءة] (^١)؛ أي: قاتِلوا الذين يناجِزونكم القتالَ دون المحاجِزِين (^٢)، فعلى هذا يكون منسوخًا بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، أو: الذين يناصبُونكم القتال دون غيرهم كالشيوخ والنساء والصِّبيان والرُّهبان، أو: الكفرةَ كلَّهم لأنهم أعداء المؤمنين قاصدين لقتالهم (^٣)، فهم في حكم المقاتِلة قاتَلوا أو لم يقاتِلوا، فيكون غيرَ منسوخ.
وقيل: لمَّا صدَّ المشركون رسول اللّه ﷺ وأصحابَه عامَ الحُديبيَة وصالحوه على أن يرجع مِن قابلٍ فيُخْلوا له مكةَ ثلاثةَ أيام، فرجع لعمرة القضاء، خاف المسلمون أن لا تَفِيَ لهم قريشٌ ويقاتلوهم (^٤) في الحرم وفي الشهر الحرام، وكرهوا ذلك، فنزلت وأُطلق لهم قتالُ الذين يقاتلونهم فيها.
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ بابتداءِ القتال على الأول والرابعِ، أو بقتال غيرِ الناصِبِين
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٣٥)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٨٩)، وما بين معكوفتين منه.
(٢) المناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة، والمحاجزة: الممانعة، وفي المثل: المحاجزة قبل المناجزة. انظر: "فتوح الغيب" (٣/ ٢٦١).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٣٥)، وفيه: (.. لأنهم جميعًا مضادّون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم ..).
(٤) في (م): "ويقاتلونهم".
[ ٢ / ٤٧ ]
كالشيوخ والصبيان والنسوان والرهبان والذين بينكم وبينهم عهدٌ على الثاني، أو بالمُثْلة (^١) أو المفاجأةِ من غير دعوة على الثالث.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ عدمُ الحبِّ كنايةٌ عن الكراهة (^٢)، فهم في مَعْرِض المؤاخَذةِ بسبب الاعتداء.
* * *
(١٩١) - ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ في حِلٍّ أو حَرَمٍ، تقول: ثَقِفْتُه أَثْقَفُه ثَقْفًا: إذا ظَفِرْتَ به، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، وقولُ الشاعر:
فإمَّا تَثْقَفوني فاقْتُلوني … فإنْ أثْقَفْ فسوف ترون بالي (^٣)
وأمَّا الحَذَاقةُ في الأخذ فغيرُ معتبرٍ في مفهومه.
﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾؛ أي: من مكةَ، وقد فعل رسول الله ﷺ[ذلك] (^٤) بمَن لم يُسلم منهم يومَ الفتح.
_________________
(١) في هامش (ف) و(م): "المثلة قلع الأنف والأذن. منه".
(٢) في هامش (د) و(ف) و(م): "من غفل عن هذا قال لا يريد بهم الخبر. منه".
(٣) انظر: "جمهرة اللغة" (١/ ٤٢٩)، و"الصحاح" (مادة: ثقف)، و"مقاييس اللغة" (١/ ٣٨٣)، و"اللسان" و"التاج" (مادة: ثقف). وعزاه صاحب التاج لعمرو ذي الكلب. ووقع في النسخ: (فسوف تروني)، والمثبت من المصادر.
(٤) من "تفسير البيضاوي" (١/ ١٢٨).
[ ٢ / ٤٨ ]
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ من باب التعميم؛ لاندراج الخاصِّ فيه؛ أي: المحنة والبلاء الذي يتعذب (^١) به الإنسان أشد عليه (^٢) من القتل.
قيل لبعض الحكماء: ما أشدُّ من الموت؟ قال: الذي يُتمنَّى فيه الموت.
جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن الذي يُتمنَّى عندها الموت، ومنه قولُ القائل:
لقتلٌ بحدِّ السيف أهونُ مَوقِعًا … على النَّفْس مِن قتلٍ بحدِّ فراقِ (^٣)
﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: لا تُفاتحوهم بالقتل وهَتْكِ حُرمة المسجد الحرام، والمسجدُ الحرام: الحرَمُ كلُّه، قال تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، وإنما صدُّوهم عن الحرَم كله (^٤).
﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ أُتي هنا بعبارة ﴿فِيهِ﴾ دون: عند؛ للدلالة على أنه لا رخصةَ للقتال بمقاتَلتهم عند المسجد الحرام، بل لا بدَّ في أول الأمر من الالتجاء إليه بالدخول فيه، فإنِ انتَهوا عن القتال وإلا فلهم أنْ يقاتلوهم (^٥) بعد ذلك، وهذا لرعايةِ حُرمته مهما أَمْكَنَ، وفيما تقدَّم أُتي بـ ﴿عِنْدَ﴾ دون: فيه؛ لأن النهي عن القتال عند المسجد الحرام يَستلزمُ النهيَ عن القتال فيه بدون العكس، فكلٌّ من العبارتين أصاب محزَّها (^٦).
_________________
(١) في (ك): "اللذين يتعذب"، وفي (م): "اللذين يعذب".
(٢) في (م): "عليهم".
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٣٦).
(٤) في هامش (ف) و(د) و(م): "مذكور في تفسير قوله تعالى: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ من التيسير. منه".
(٥) في (م) زيادة: "عند المسجد الحرام بل لا بد"، ولعله سبق نظر من الناسخ.
(٦) في (ف) و(م): (مخبرها).
[ ٢ / ٤٩ ]
﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ فلا تُبالوا بقتالهم ثَمةَ فإنهم الذين هتكوا حُرمته، وهذا تصريحٌ بمفهوم الغاية، وبشارةٌ بالغَلَبة حيث قال: ﴿فَاقْتُلُوهُمْ﴾ دون: فقاتلوهم. وقُرئ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ .. حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ .. فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ﴾ (^١) جُعل وقوعُ القتل في بعضهم كوقوعه فيهم، يقال: قتلَتْنا بنو (^٢) فلان.
﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (^٣) ذلك جزاؤهم يُفعَلُ بهم مِثْلَ ما فَعَلوا.
* * *
(١٩٢) - ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الكفر والقتال.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفرُ لهم ما قد (^٤) سلف، ويرحمُهم في المؤتنَف (^٥).
* * *
(١٩٣) - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ عدوان، وتفسيرُها بالشرك يأباه العطفُ بالواو في قوله:
_________________
(١) هي قراءة حمزة والكسائي من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٨٠).
(٢) في (ح) و(ف): "قتلْنا بني"، وفي (ك) و(م): "قتلَنا بنو"، والمثبت من "د"، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٢٣٦).
(٣) "مثل" مبتدأ وما بعده الخبر، هذا اختيار أبي البقاء: أن الكاف بمعنى مثل مبتدأ ﴿جَزَاءُ﴾ خبره، والمشهور أن ﴿كَذَلِكَ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر. انظر: "التبيان" للعكبري (١/ ١٥٨)، و"روح المعاني" (٣/ ١٦٥).
(٤) "قد": ليست في (ك) و(م).
(٥) في هامش (د) و(ف): "والمؤتنف للمفعول: الذي لم يؤكل منه شيء كالمتأنِّف للفاعل. إلى هنا كلام قاموس. منه".
[ ٢ / ٥٠ ]
﴿فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ خالصًا ليس للشيطان فيه نصيبٌ.
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي: عن العدوان، والفاءُ للتعقيب.
﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: فلا عدوانَ عليهم، فأراد أن ينبِّه على قبح العدوان وأنَّه ظلم، وأنَّ مقاتلةَ المنتَهِين عدوانٌ، فحصَر العدوانَ في أضدادهم، وسجَّل على (^١) أنَّ العدوان ظلمٌ، فوَضع ﴿الظَّالِمِينَ﴾ موضع ضمير المعادِينَ، فدلَّ بالفحوى على أنَّ المنتهِين هم المعادلون الذين (^٢) لا عدوانَ عليهم، وسمَّى (^٣) القتلَ عدوانًا مجازًا من حيث كان عقوبةً على العدوان (^٤) كما قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وحسُن ذلك لازدواجِ الكلام ومزاوجتِه هاهنا على اعتبارِ المقدَّر؛ لِمَا عرفتَ أنَّ تقديره: فإن انتهوا عن العدوان فلا عدوانَ إلا على الظالمين.
* * *
(١٩٤) - ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ قاتلَهم المشركون عامَ الحديبيَة في الشهر الحرام وهو ذو القعدة، فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء فيه وكراهتِهم القتالَ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: هذا الشهرُ بذاك الشهرِ، فهَتْكُه بهَتْكِه، فلا تُبالوا به.
_________________
(١) "على" ليست في (ح) و(ف).
(٢) في (د): (الذي).
(٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): (ويسمى).
(٤) في هامش (د) و(ف): "وأما قوله: (فَمَنِ اَعْتَدَى …) … إلخ فليس من هذا القبيل على ما ستقف عليه. منه".
[ ٢ / ٥١ ]
﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ احتجاجٌ عليه؛ أي: كلُّ حُرمةٍ - وهو ما يجب أن يحافَظَ عليه - يجري فيها (^١) القصاصُ، فلما هتكوا حرمةَ شهركم بالصد فيه (^٢) فافعلوا بهم مثلَه، وادخلوا عليهم عَنْوةً، واقتُلوهم إن قاتلوكم. وأكَّد معنى القصاصِ بقوله:
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الاعتداء: مجاوزةُ حدِّ مّا، وذلك قد لا يكون مذمومًا، بخلافِ الظلم فإنه وضع الشيء في غير الموضع الذي يحق أن يوضع فيه (^٣)، وهذا في كلِّ حالٍ مذمومٍ، فلا يقال: مَن ظلمَك فاظلِمْه إلا بطريق المشاكلة، بخلافِ ما في الآية المذكورة.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في حال كونكم منتصِرين (^٤) منهم، فلا تَزيدوا على المِثْل فتعتدُوا إلى ما لا يحلُّ لكم.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ فيجزيهم ويُصلحُ شأنهم.
* * *
(١٩٥) - ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولا تمسِكوا كلَّ الإمساك.
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ بالإسراف وتضييعِ أسباب المعاش، فإنَّ المال وقايةُ النفس، فتضييعُه يُفضي إلى تضييعها.
أو: بالكفِّ عن الغزو والإنفاقِ فيه، فإنَّ ذلك يُقوِّي العدوَّ ويسلِّطُه
_________________
(١) في (م): "فيه".
(٢) "فيه" من (ح) و(ف)، وليست في باقي النسخ ولا في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٢٨) والكلام منه.
(٣) في هامش (د) و(ف): "وعلى هذا نص الإمام الراغب في تفسيره".
(٤) في (م): "منتظرين".
[ ٢ / ٥٢ ]
عليكم، ويؤيِّده ما رُوي عن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ ﵁: نحن أعلمُ بهذه الآية فإنها نزلت فينا حين رجعنا إلى إصلاح الأموال وتركْنا القتالَ بعدما فشا الإسلامُ وكثرَ أهلُه (^١).
والهلاك: انتهاءُ الشيء في الفساد، وله (^٢) سُمي الموت هلاكًا.
عن أبي عبيدةَ: التهلُكة والهلاك والهُلْك واحدٌ (^٣).
والإلقاء: إطلاق الشيء إلى جهةِ السُّفْل، ونقيضه الإمساكُ، وتعديتُه بـ (إلى) لِمَا فيه من معنى الانتهاءِ، والمراد بالأيدي: الأَنفُسُ، فإن اليد يعبَّر بها عن النَّفْس (^٤)، كما في قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ والباءُ مزيدةٌ.
﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أعمالَكم وأخلاقَكم، أو (^٥) تفضَّلوا على المحاويج.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يريد بهم الخير.
* * *
(١٩٦) - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٥١٢) ن والترمذي (٢٩٧٢) وقال: حسن صحيح غريب.
(٢) في (م): "ولهذا". وفي (ح) و(ف) و(ك): "وبه".
(٣) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٦٨).
(٤) في هامش (د) و(ف) و(م): "لا بطريق التضمين كما توهم. منه".
(٥) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): (و).
[ ٢ / ٥٣ ]
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ إنما قال فيهما: (أتمُّوا) كما في الصوم دون: (أَقيموا) كما في الصلاة؛ تنبيهًا على أنهما يَجبَان بالنية كالصوم، فيلزمُ إتمامُهما بعد النية كما يلزمُ إتمامُ الصوم بعدها (^١)، بخلافِ الصلاة فإنها لا تجبُ بالنية، فلا يلزمُ إتمامُها بعدها، بل يجوز أن تُترك، ومن هنا اتَّضح وجهُ تخصيص هذه الثلاثة من بين العبادات بالأمر بالإتمام.
ومَن لم يَتنبَّهْ لهذه الدقيقةِ الأنيقة قال في تفسيره: ائتُوا بهما تامَّين مستجمعَي (^٢) المناسك، فدلالتُه على أنَّ مَن شَرَع فيهما لزمَه (^٣) إتمامُهما من جهة الأركان والشرائط، وبه نقول: إن العمرة تجب بالشروع، وكذا الحجُّ مطلقًا إنما يجبُ به، فلا متمسَّكَ فيها لمن قال بوجوب العمرة، وقراءةُ: (وأَقيموا الحجَّ والعمرة) (^٤) شاذةٌ فلا تصلُح حجَّةً.
وما رَوَى جابر ﵁ أنه قيل: يا رسول اللّه! العمرةُ واجبةٌ مثلَ الحج؟ فقال: "لا، ولكن أن تعتمِروا خيرٌ لكم" (^٥) نصٌّ في هذا الباب.
ولا يعارضُه ما رُوي: أن رجلًا قال لعمرَ ﵁: إنِّي وجدتُ الحجَّ والعمرة مكتوبَينِ عليَّ، أهلَلْتُ بهما جميعًا. فقال: هُديتَ لسنةِ نبيِّكَ (^٦).
_________________
(١) في هامش (د) و(ف): "بني الشأن في أنها هل يشترط أن تكون في حال التلبية أم لا. منه".
(٢) في (د): "مستجمع"، وفي (ف): "مستجمعين".
(٣) في (م): "لزم". وفي (ك): (لزوم).
(٤) رواها الطبري في "تفسيره" (٣/ ٣٣٤) عن ابن مسعود وعلي ﵄.
(٥) رواه الترمذي (٩٣١). وفيه كلام كثير للعلماء لخصه ابن دقيق العيد في "الإلمام" (١/ ٣٦٥) بقوله: أخرجه الترمذي وصححه، وفي رواية عنه: حسن، واعتُرض عليه بالكلام في الحجاج بن أرطاة رافعه، وقد روي موقوفًا من قول جابر.
(٦) رواه أبو داود (١٧٩٩) من حديث الضُّبيِّ بن مَعبد.
[ ٢ / ٥٤ ]
لأنَّ الأثر لا يعارضُ الخبر، على أنه ليس في كلامه ترتيبُ الإهلال على الوجدان، بل الظاهر منه بيانُ سبب الوجدان على سبيل الاستئناف.
﴿لِلَّهِ﴾: لوجه الله تعالى، عن عليٍّ وابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ ﵃: أن تُحرم بهما من دُوَيرةِ أهلِكَ (^١).
وقيل: أن يُفرِد لكلٍّ منهما سفرًا.
وقيل: أن تُخلِصوهما للعبادة ولا تَشُوبوهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيويَّة (^٢).
وقرئ: (والعمرةُ لله) على الابتداء (^٣).
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾؛ أي: مُنعتم، يقال: أُحصِرَ فلان، إذا مَنعه أمرٌ من خوفٍ أو مرضٍ أو عجزٍ، قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقال ابن ميَّادةَ:
وما هَجْرُ ليلى أنْ تكونَ تَباعَدَتْ … عليكَ ولا إنْ أَحْصَرَتْكَ شُغُولُ (^٤)
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٣٢٩) عن علي ﵁.
(٢) في هامش (د) و(ف) و(م): "هذا معنى قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ لا معنى قوله: أتموا، كما توهم".
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢)، وتنسب هذه القراءة للشعبي، وردها ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٠/ ١٧) فقال: لا أعلم أحدًا من أئمة القراء تعلق بالشعبي في قراءته هذه ولا تابعه عليها، والناس على نصب العمرة عطفًا على الحج، وقراءة الشعبي ليست بصحيحة المعنى؛ لأن الإتمام يجب في العمرة كما يجب في الحج لمن دخل في واحد منهما بإجماع، ولو صحت قراءة الشعبي كان فيها خلاف الإجماع، وما خلافه مردود، ومعلوم أن الحج لله كما العمرة لله، فلا وجه لقراءة الشعبي والله أعلم.
(٤) البيت في ديوان ابن ميادة (ص: ١٨٧)، و"الكشاف" (١/ ٢٣٩). وابن ميادة هو الرماح بن أبرد،=
[ ٢ / ٥٥ ]
ويقال: حُصِرَ: إذا حبَسه عدوٌّ عن المضيِّ أو سجنٌ، هذا هو الأكثر في كلامهم، وقد نصَّ عليه الخليل حيث قال: الحصر: الحبس، والإحصار: أن يُحصَرَ الحاجُّ عن بلوغ المناسك بمرضٍ أو غيره (^١). ويوافقُه قولُ الكسائيِّ وأبي (^٢) عبيدة.
وقال الفرَّاء وأبو عمرٍ والشيبانيُّ: هما بمعنى المنع في كلِّ شيء، مثل صدَّه وأَصَدَّه (^٣).
وعن جماعةٍ من الصحابة ﵃: مَن كُسر أو عرجَ فقد أُحصر (^٤). وهو مذهب أصحابنا.
وقال الشافعيُّ: لا يكون الإحصار إلا عن عدوٍّ، فإنَّ إحصار النبيِّ ﵇ وأصحابِه ﵃ كان بالعدوِّ ولأنه تعالى قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ وذلك زوال خوف العدوِّ.
_________________
(١) = وميادة أمه، توفي في خلافة المنصور في حدود (١٣٦ هـ). وجاء في هامش (ف) و(م): "يقول الشاعر: ليس الهجر هو صدود الحبيب وتباعده لحاجة من جانبه، أو منع وحبس من جانبك، إنما الهجر صدوده عن اختيار منه. منه".
(٢) في (ك) و(م): "لمرض أو غيره"، والمثبت من باقي النسخ. ولفظ "العين" (٣/ ١١٣): (مرض أو غيره).
(٣) في النسخ: "وأبي"، والمثبت هو الجادة.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١١٨)، و"الصحاح" (مادة: حصر).
(٥) لم أجده هكذا، لكن روى أبو داود (١٨٦٢)، والترمذي (٩٤٠) وصححه، وابن ماجه (٣٠٧٧)، والنسائي (٢٨٦١)، من حديث الحجاج بن عمرو ﵁ مرفوعًا: "مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الحج من قابل" لفظ أبي داود، وكذا ذكرة الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٢٤٠) بهذا اللفظ.
[ ٢ / ٥٦ ]
قلنا: العبرةُ لعموم (^١) اللفظ لا لخصوص (^٢) السببِ واللفظ لما قلنا لغةً، والأمنُ يكون عن العلل أيضًا، قال النبي ﵇ "الزكامُ أمانٌ من الجُذام" (^٣).
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ في محلِّ الرفع بالابتداء؛ أي: فعليه ما استيسر، أو النصبِ على (^٤): فاهدوا ما استيسر.
و﴿اسْتَيْسَرَ﴾ بمعنى: تَيَسَّر؛ كاستَيْقَنَ وتَيَقَّنَ، واستَعْجَلَ وتَعَجَّلَ، كذا قالوا، والظاهر أن زيادة السين لزيادة اليُسر، فالمراد الشاةُ؛ لأن الهديَ من الثلاث: من الإبل والبقر والغنم، وأيسرُها الشَّاةُ.
والهديُ: جمع هَدْيَةٍ؛ كجَدْيٍ وجَدْيَةٍ، وقرئ: (من الهَدِيِّ) بالتشديد (^٥)؛ جمعُ هديَّةٍ كمَطِيَّةٍ ومَطِيٍّ.
والمعنى: إنْ أُحصِر المحرِمُ وأراد أن يتحلَّلَ تحلَّلَ بذبح هَدْيٍ يُسِّر عليه (^٦) حيث حُصر عند الشافعي ﵁، فإن النبيَّ ﷺ أُحصر بالحديبيَة وذَبح هناك وتحلَّل، وعند أبي حنيفة: لا يَذبح إلا بالحرم، يبعثُه ولا يتحلَّلُ حتى يبلغَ مَحِلَّه، ويُعيِّن للمبعوث (^٧) على يده يومَ أمارة، ويدلُّ عليه قوله تعالى:
_________________
(١) في (ك): "بعموم".
(٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "بخصوص".
(٣) ذكره بهذا اللفظ القرطبي في "تفسيره" (٣/ ٢٧٥)، ولم أجده مسندًا.
(٤) في (م) زيادة: "تقدير".
(٥) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢).
(٦) في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٢٩): (تيسر عليه). قال الشهاب في "الحاشية" (٢/ ٢٨٧): قوله (يعني البيضاوي): تيسر عليه، وفي نسخة: يسر عليه، إشارةٌ إلى أنّ السين ليست للطلب وأنَّه (يعني استيسر) بمعنى: تيسر.
(٧) في النسخ: "المبعوث"، والمثبت من المصادر. انظر: "الكشاف" (١/ ٢٤٠)، و"تفسير البيضاوي"=
[ ٢ / ٥٧ ]
﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فإن بلوغ المحلِّ يدلُّ على مسافة بين موضع الحصر وبين المحلِّ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].
والخطاب في ﴿وَلَا تَحْلِقُوا﴾ للمحصَرين؛ أي: ولا تتحلَّلوا حتى تعلَموا بلوغَ الهدي مَحِلَّه، ومَحِلُّه: مكانُه الذي يجب فيه نحرُه أو ذبحُه؛ كمَحِلِّ الدَّين وهو الوقتُ الذي يجب فيه قضاؤه، وإنَّما نحر الرسولُ في موضع الإحصار لأنَّ مُحْصَرَه كان طرفَ الحديبيَة الذي إلى أسفل مكة وهو من الحرم.
وقال الواقدي: الحديبيَةُ هي طرفُ الحرم على تسعةِ أميالٍ من مكة (^١).
وعن الزهريِّ: أن رسول اللّه ﷺ نحر هَدْيه في الحرم (^٢).
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الفاء للتعقيب، وفائدتها: دفعُ ذهاب الوهم إلى العطف على (إنْ أُحصرتم) على تقدير التصدير بالواو، فإنه حينئذ يلزمُ إخراجُ المريض عن حدَ المحصَر، ولا وجه له.
والخطاب في ﴿مِنْكُمْ﴾ للَّذين بَعثوا الهدي من المحصَرين، فالمعنى: مَن كان بعد البعث مريضًا [مرضًا] (^٣) يُحوِجُه إلى الحلق.
والتنكيرُ للتقليل، فينتظِم المرضُ المرخَّصُ ما في الرأس من الجراحة والقرحة.
﴿أَوْ بِهِ﴾ هو ما يؤذيه؛ أي: يُتعبه وَيشُقُّ عليه من بُخارٍ في الرأس وقملٍ،
_________________
(١) = (١/ ١٢٩)، و"روح المعاني" (٣/ ١٩٦).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٤٠).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٤٠). قال الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: ١٦): لم أجده. وانظر حديث ناجية بن جندب في "السنن الكبرى" للنسائي (٤١٢١).
(٤) من "تفسير البيضاوي" (١/ ١٢٩).
[ ٢ / ٥٨ ]
وللتعميم للثاني (^١) قال: ﴿مِنْ رَأْسِهِ﴾؛ أي: من جهتها، دون: في رأسه (^٢).
﴿فَفِدْيَةٌ﴾: فعليه فديةٌ إنْ حلَق.
﴿مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ بيانٌ لجنس الفدية، وأما قَدْرُها، فقد رُوي أنه ﵇ قال لكعب بن عُجْرةَ إذ مرَّ عليه والقملُ تتهافَتُ في وجهه: "لعلَّك آذاك هوامُّك؟ " فقال: نعم يا رسول اللّه، فقال: "احْلِقْ وصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ، أو تَصَدَّقْ بفَرَقٍ على ستَّةِ مساكينَ، أو انسُكْ بشاةٍ" (^٣). والفَرَقُ: ثلاثةُ أَصْوُعٍ (^٤).
و(أو) للعطف على وجهِ التفريقِ، وبيانِ عدم خُلوِّ الواجب عن أحد الأنواع الثلاثِ المذكورةِ للفديةِ، والتخييرُ يلزمُ هذا البيان (^٥) ضرورةً لا لأنَّه معناها الوضعيُّ.
والنُّسُك: جمع نسيكةٍ، وهي الذبيحة، واختيرَ الجمعُ هنا لتعدُّد أنواعها، وقرئ: (أو نُسْكٍ) بالتخفيف (^٦).
كان مقتضَى الظاهر البدايةُ بالأشقِّ وهو النسكُ، وإنما عدلَ عنه بالبداية بالصيام تطييبًا لقلوب الفقراء العاجزين عن النسك بإظهارِ العناية والاهتمام في شأن الصيام بتقديمه على الباقين، والتقديمُ لا يخلو عن التَّعظيم.
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ الإحصارَ، أو كنتُم في حالِ أمنٍ وسعة.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "الثاني".
(٢) في هامش (د) و(ف): "فإن القمل لا استقرار له في الرأس كما البخار. منه".
(٣) رواه البخاري (٥٧٠٣)، ومسلم (٨٣/ ١٢٠١)، من حديث كعب بن عجرة ﵁.
(٤) في (م): "آصع".
(٥) في (د): "لبيان".
(٦) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢) عن السلمي والزهري.
[ ٢ / ٥٩ ]
﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾؛ أي: استمتَع بها إلى وقتِ الحج، واستمتاعُه بالعمرة إلى وقت الحج: انتفاعُه إذا حلَّ من عمرته باستباحةِ ما كان محرَّمًا عليه إلى أن يُحْرِم بالحج.
وقيل: بالتقرُّب بها إلى اللّه تعالى قبل الانتفاع بتقرُّبه إليه بالحج.
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ فعليه دمٌ بسبب التمتُّع هو هديُ المتعة، وهو نسكٌ عند أبي حنيفةَ لا يذبحُه إلا يومَ النحر ويأكلُ منه، وجُبرانٌ عند الشافعيِّ يجوز ذبحُه إذا أَحرم بحجَّته؛ لأن السبب هو التمتُّع، ولا يتحقَّق إلا به، ولا يأكل منه لأنَّه دمُ جنايةٍ.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾؛ أي: الهديَ.
﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾؛ أي: فعليه صيامُ ثلاثةِ أيام.
﴿فِي الْحَجِّ﴾: في أيام الاشتغالِ به بعد الإحرام عند الشافعيِّ، وعند أبي حنيفة: في وقت الحج؛ أي: في أشهُره ما بينَ الإحرامين، وأفضلُه اليومُ السابع ويومُ الترويةِ وعرفة، ولا يجوز في (^١) أيام النحر وأيامِ التشريق عند الأكثر.
﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلى أهليكُم، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، أو نفرتُم وفرغتُم من أفعال (^٢) الحج، وهو قوله الثاني ومذهبُ أبي حنيفة.
وقرئ: (سبعةً) بالنصب عطفًا على محلِّ ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾؛ إذ تقديرُه: فصيامٌ ثلاثةَ أيامٍ (^٣).
_________________
(١) "في" ليست في (ك).
(٢) في (ك): (أحوال).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٤١).
[ ٢ / ٦٠ ]
﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ فذلكةُ الحساب (^١)، وفائدتُها أمران:
أحدهما: أن يُعلَم جملةً كما عُلم تفصيلًا؛ فإن أكثر العرب لم يُحسنوا الحساب، قال الفرزدق:
ثلاثٌ واثنتانِ فهنَّ خمسٌ (^٢)
والثاني: أن يَنفي توهُّم الإباحة، فإن الواو قد تجيءُ لها؛ كما في قولك: جالس الحسنَ وابنَ سيرين.
وَيرِدُ على الأول: أنه لا يناسبُ بلاغةَ القرآن؛ لأن المُراعَى فيها مقتضَى المقام نظرًا إلى الخواصِّ دون العوامّ.
وعلى الثاني: أن الإباحة موجَبُ صيغةِ الأمر، والواو للتشريك في الحكم فقط، وأمَّا إرادةُ الكثرة من السبعة دون العدد فلا يذهبُ إليه وَهَمٌ عند ذكرها مع (^٣) الثلاثة، فلا حاجة إلى دفعها.
وعندي: أن صيام ثلاثة أيام لمَّا كان قبل تعذُّر الأصل ودخولِ وقته احتَمَل أن يذهب الوهمُ إلى عدم اعتباره في أصل البدل، فأُتي بالفذلكة المذكورة دفعًا لذلك الوهم.
_________________
(١) في هامش (ح) و(ف): "يعني: فذلكة الحساب عشرة كاملة، والفذلكة مصدر من قولك: فذلِكَ كذا، بعد التفصيل في الحساب، مثل السبحلة من قولك: سبحان اللّه، والبسملة من قولك: بسم اللّه، فتدبر. منه".
(٢) ديوان الفرزدق (٢/ ٨٣٥)، و"تفسير القرطبي" (٣/ ٣١٧)، وعجزه: وسادسةٌ تميل إلى الشِّمام
(٣) في (ك): "من".
[ ٢ / ٦١ ]
﴿كَامِلَةٌ﴾ صفةٌ مؤكِّدة تُفيد المبالغةَ في محافظةِ العِدَّة، أو مبيِّنةٌ كمالَ العشَرة فإنه أولُ عدد كاملٍ؛ إذ به ينتهي الآحاد ويتمُّ مراتبُها، أو مقيِّدةٌ تُفيد كمالَ بدَليَّتها من الهدْي.
كذا قيل، وأَوْجَهُ الأَوْجُهِ: أنها مقيِّدةٌ تُفيد كمالَها في الثواب والأجر، ودفعَ ذهاب الوَهَم إلى أن صوم السبعةِ ليس كصوم الثلاثة في الأجر للتفاوُت في زمانها.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى التمتُّع عند أبي حنيفةَ وأكثرِ الأئمة؛ لأنَّه مختصٌّ بالآفاقيِّ عندهم، فلا متعةَ ولا قران لحاضِري المسجدِ الحرام، فمَن فعل ذلك منهم فعليه دمُ جنايةٍ، وإلى الحُكمِ المذكور عند الشافعي.
﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: لِلَّذي لا يسكن ثَمَّةَ، وإنما ذكر الأهل لأنَّ الظاهر أنَّ الإنسان يسكنُ حيث سكنَ أهلُه، فعبَّر بسكون الأهل عن سكون نفسه (^١)، وقد مرَّ أن المسجد الحرام هو الحرمُ كلُّه، وحاضِرو المسجد (^٢) عند أبي حنيفةَ هم أهلُ مكة ومَن كان منزلُه داخلَ الميقات، وعند الشافعي: أهلُ مكة ومَن كان من الحرم على مسافةِ القصر عنده، وعند مالكٍ: أهل مكة وأهلُ ذي طُوَى (^٣).
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ لمَّا تقدَّمَ أمرٌ ونهيٌ وواجبٌ ناسَبَ أن يُختم ذلك بالأمر بالتقوى في أنْ لا يتعدَّى ما حدَّه.
ثم أَعلمَ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ شدةَ عقابه على المخالَفة.
* * *
_________________
(١) في (ح) و(ف): (أهله).
(٢) في (م) زيادة: "الحرام".
(٣) في هامش (ح) و(ف): "ذو طوَى مثقلة [كذا، وفي "القاموس": مثلثة] الطاء وتنوَّن: موضع قرب مكة ذكره "قاموس". منه".
[ ٢ / ٦٢ ]
(١٩٧) - ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾؛ أي: وقتُه، كقولك: البرد شهران.
لمَّا أَمر بإتمام الحجِّ والعمرة، ثم اقتَصر على بيان وقتِ الحج، عُلم منه بطريقِ البيان السُّكوتي وقتَ الحاجة أن العمرة غير موقَّتة، وهذا من جملة وجوه الإيجاز الذي ارْتَقَى به القرآن إلى ذروة الإعجاز، ولم يَتنبَّه (^١) له الناظرون فيه.
﴿مَعْلُومَاتٌ﴾ هي شوالٌ وذو القعدةِ وعشرٌ من (^٢) ذي الحجَّة (^٣)، خلافًا للشافعي في يوم النحر، وذو الحجة كلُّه عند مالكٍ، وبناء الخلاف: أن المراد من وقته وقتُ أفعاله، أو وقتُ إحرامه، أو ما لا يَحسن فيه غيره من المناسك مطلقًا، وإنما لم يسمِّها بأعيانها لأنها كانت معروفةً عندهم على ما توارثوه، إلا أنهم كانوا يُدخلون فيها النَّسيءَ، فنُبِّهوا على أنها هي أوقاتُه دون غيرها.
والأشهُرُ على الحقيقة، وإنما التجوُّز في جَعْلِ بعضِ الشهر شهرًا (^٤)، وأمَّا إطلاقُ
_________________
(١) في (ف): "ينتبه".
(٢) "من" ليست في (ف) و(ك) و(م).
(٣) في هامش (د) و(ف): "وما ذكر من أن شيئًا من أفعال الحج لا يصح إلا فيها يشكل بالرمي والحلق وطواف الركن ونحو ذلك مما يصح بعد فجر النحر، وأجيب بأنه بيان على مذهب أبي حنيفة، والمراد بالأفعال الأركان، وفيه بحث لأن الطواف ركن. ملا سعد الدين".
(٤) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "هذا التجوز عقلي فلا يؤثر في اللفظ، كالتجوز في رجل عدل، فافهم. منه".
[ ٢ / ٦٣ ]
الجمع على ما فوق الواحد فلا يناسبُ المقام؛ لِمَا فيه من إخراج بعض الشهر الثالث من حدِّ المرام (^١).
ثم إن الاستدلال على الإطلاق المذكور بقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ليس بشيء؛ لأنهم صرَّحوا بأن مثل هذا ليس من المتنازَع فيه.
﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أَلزمه نفسَه بالإحرام، ولا خلاف فيه، إنما الخلافُ بيننا وبين الشافعيِّ في أن الإحرام يَتمُّ بالنية، أو لا يَتمُّ بل لا بدَّ من التلبية معها أو من سَوقِ الهدي.
ولا دلالةَ فيه على خروج يوم النحر مِن وقتِ الحج؛ لأن معنى (مَن فَرَضَ (^٢) فيهنَّ): مَن فَرَضَه في كلٍّ من الأشهُر المذكورة، لا مَن فَرَضَه في كلِّ يوم من أيامها، نعم فيه دلالةٌ على كراهة تقديم الإحرام عليها، فإنه لو جاز ذلك لضاع قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾، وأمَّا أنَّ مَن أَحرم بالحج لزمه الإتمامُ فقد دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ بظاهره.
﴿فَلَا رَفَثَ﴾: فلا جماع؛ فإنه مُفسِدٌ للحج، وقيل: لا فحشَ في الكلام.
﴿وَلَا فُسُوقَ﴾: ولا خروجَ عن حدود الشريعة بالسِّباب (^٣) والتنابُز بالألقاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾ [الحجرات: ١١].
﴿وَلَا جِدَالَ﴾: ولا مِرَاءَ ولا شِقَاقَ مع الرُّفَقاء والخدم وغيرهم، وإنما نُهي (^٤)
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "الحرام".
(٢) في (ح) و(د) و(ك): "فرضه".
(٣) في (م): "بالأسباب".
(٤) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): (ينهى).
[ ٢ / ٦٤ ]
عنه في الحج مع كونه منهيًّا عنه؛ لكونه في الحج أقبحَ؛ كلُبس الحرير في الصلاة.
﴿فِي الْحَجِّ﴾: في أثناء إقامةِ مناسكه بعد الإحرام (^١)، وإنما نفى الحقيقة في الثلاثة المذكورة للمبالغة في النهي؛ أي: فلا تكونَنَّ هذه الأجناس، وإذا وجب انتفاؤُها وكانت حقيقةً بأنْ لا تكونَ لزم الانتهاءُ عنها ضرورةً.
وقُرئ الأوَّلان بالرفع (^٢) على معنى النهي؛ أي: فلا يكونَنَّ رفثٌ ولا فسوقٌ، والآخِرُ بالفتح على معنى الإخبار بانتفاء الجدال؛ أي: الخلاف، وذلك أن قريشًا كانت تخالف سائرَ العرب في الحج فتقف بالمَشعَر الحرام وسائرُ العرب بعرفةَ، وكانوا يؤخِّرون الحجَّ سنةً ويقدِّمونه سنةً وهو النَّسيء، فرُدَّ الوقوفُ إلى عرفةَ، والحجُّ إلى وقتٍ واحد، فأَخبر اللّه تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج.
واستُدلَّ على أنَّ المنهيَّ عنه هو الرفثُ والفسوق دون الجدال بقوله ﵇: "مَن حجَّ ولم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ خَرَجَ كهيئتهِ (^٣) يومَ وَلَدتْهُ أمُّه" (^٤)، فإنه لم يَذكر الجدال.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ التنكيرُ للتقليل ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ حثٌّ على الخير بعد النهي عن الشر، ومبناه على الكناية بعلمه تعالى بفعلٍ من أفعال العباد عن
_________________
(١) في هامش (ح) و(د) و(ف): "لا في أيامه مطلقًا. منه".
(٢) قرأ ابن كثير وأبو عَمْرو: (فَلَا رفثٌ وَلَا فسوقٌ) بِالرَّفْع والتنوين فيهمَا، والبَاقُونَ بالنّصب من غير تَنْوِين، ولا خلاف عند السبعة في قوله: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾. انظر: "التيسير" (ص:٨٠). وقرأ أبو جعفر من العشرة الثلاثةَ بالرفع والتنوين. انظر: "النشر" (٢/ ٢١١).
(٣) في (ف) و(ك) و(م): (كهيئة).
(٤) رواه البخاري (١٥٢١)، ومسلم (١٣٥٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٦٥ ]
ترتُّب الجزاء عليه (^١)، ولا يخفَى ما في ضمن هذا الوعد من الوعيد، وبه يَتمُّ حقُّ المَقام.
والمراد من الخير بقرينةِ سياق الكلام: أن يأتوا بالكلام الحسَن مكانَ القبيح، وبالبِرِّ والتقوى مكان الفُسوق، وبالثناء والمدح مكان السِّباب والتَّنابُز، وبالوفاق مكانَ الخلاف (^٢)، ومحاسنِ الأخلاق مكان الجدال.
ويجوز بقرينةِ لحاقه أن يراد بفعلِ الخير ضبطُ أنفسهم عما نُهوا عنه.
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾؛ أي: اجعلوا زادَكم في الآخرة اتِّقاءَ القبائح، فإن خير الزاد اتِّقاؤها، والزاد: الطعامُ الذي يُتَّخَذ للسفر.
وقيل: كان أهل اليمن لا يتزوَّدون، ويقولون: نحن المتوكِّلون، ونحن نحجُّ بيت اللّه تعالى أفلا (^٣) يطعمنا؟ ويكونون كلًّا على الناس، فنزلت فيهم (^٤). ومعناه: وتزوَّدوا واتَّقوا الاستطعامَ وإبرامَ الناس والتثقيلَ عليهم فإن خيرَ الزاد الاجتنابُ من ذلك.
﴿وَاتَّقُونِ﴾: وخافوا عقابي.
﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أيها الذين مَننتُ عليهم بالعقول التي هي أفضل ما جُعل
_________________
(١) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "حيث يكون الكلام المذكور باعتبار معناه حثًا على فعل الخير وباعتبار مبناه حثًا على ترك الشر. منه".
(٢) "مكان الخلاف" من (م).
(٣) في (ف): "فلا".
(٤) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٤٤)، ورواه بنحوه البخاري (١٥٢٣) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٢ / ٦٦ ]
في الخلق، فإن لبَّ الشيء هو خالصُ ما فيه؛ أي: جعلتُ فيكم العقولَ التي هي آلاتُ التمييز والتدبير (^١) فيَسهُلُ معها التَّقوى والتفكُّر.
* * *
(١٩٨) - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: حرجٌ.
﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾: في أن تبتغوا؛ أي: تطلبوا.
﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾: زيادةَ عطاءٍ، وهو الربحُ بالتجارة، قيل: كان عُكاظٌ ومَجَنَّةُ وذو المَجَاز أسواقَهم في الجاهلية يُقيمونها مواسمَ الحج، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثَّموا منها، فنزلت فرُفع عنهم الجناحُ في ذلك، وإنما يباحُ ما لم يَشغَلْ عن العبادة الواجبة (^٢).
﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ دفَعْتُم بكثرةٍ، وهو من إفاضةِ الماء، أي: صَبِّه بكثرةٍ، وأصله: أفضتم أنفسَكم، وتُرك ذكرُ المفعول كما تُرك (^٣) في: دَفَعوا من موضع كذا وصبُّوا.
والفاءُ للتعقيب، لمَّا بيَّن وقتَ الحج، وذَكر ما نُهي عنه في الإحرام، وما
_________________
(١) في (م): "التميز والتدبر".
(٢) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "لا بد من هذا القيد؛ لأن الشَّغل عن المندوب لا تخلو عنه التجارة. منه". وتحته في (ف): "أي: الاتجار ما لم يشغل عن العبادة: أما عن الفرض فظاهر، وأما عن الندب فلأنه ترجح عدمه، فلا يكون مباحًا بمعنى استواء الطرفين. ملا سعد الدين".
(٣) في (د): "تركه".
[ ٢ / ٦٧ ]
نُدب إليه، وما أُبيح فيه، عقَّبه ببيان ما يجب أن يُفعل بعد الفراغ عن إقامة ركنه وهو الوقوف (^١).
﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾: عَلَمٌ للمَوقف منقولٌ عن الجمع كأذرعاتٍ، والظاهرُ أنه جمع عَرَفةَ جمع عارفٍ، وإلا فهو من الأسماء المرتجَلة إذ لا يُعرف النقلُ في أسماء الأجناس، منصرِفٌ لأن تاءه مع الألف علامةُ جمع المؤنَّث، لا التاءُ التي هي علامة التأنيث، وأما التأنيث المعنوي فمقدَّر باعتبار المعنى، والموقف ليس بمؤنثٍ، فليس فيه إلا العَلَمية، فلا تمنعُه الصرفَ وحدها.
وإنما سُمي (^٢) الموقف بها لأنَّ آدم ﵇ وحواءَ الْتقَيَا فيه فتعارَفا، والناسُ يتعارفون فيه، وكان جبريل ﵇ يدورُ بإبراهيم ﵇ في المشاعر، [فلمَّا] أراه إياه قال (^٣): عرفتُ.
وقيل: وُصف له ﵇ فلمَّا رآه عرفه (^٤).
وليس هنا دليل على وجوب الوقوف فيه (^٥).
_________________
(١) في هامش (د): "رد للتفتازاني".
(٢) في (ف) و(ك): "يسمى".
(٣) في النسخ: "فقال"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (١/ ١٣١)، والكلام وما بين معكوفتين منه.
(٤) في هامش (د) و(ف) و(م): "يعني: أن هذه الوجوه كانت سببًا لتسميته بالجمع. منه".
(٥) في هامش (د) و(ف): "إنما يتوهم ذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ … إلخ على ما ستقف عليه. منه". قلت: فيه رد على البيضاوي في "تفسيره" (١/ ١٣١) حيث قال: (وفيه دليل على وجوب الوقوف بها لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده، وهي مأمور بها بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾. وأمثال هذه الردود المبطنة كثير في هذا التفسير وغيره من مؤلفات العلامة ابن كمال باشا.
[ ٢ / ٦٨ ]
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ بالتلبيةِ والتهليلِ والتكبيرِ والثناءِ والدعاء.
وقيل: بصلاة المغرب والعشاء، فإنهما يُجمعان بالمشعَر الحرام، وهو الجبلُ الذي يقف عليه الإمامُ وعليه المِيقدةُ (^١).
وقيل: ما بين جبلَيِ المزدلفةِ من مَأْزِمَيْ عرفةَ إلى وادي مُحسِّرٍ، وليس المَأْزِمان ولا وادي محسِّرٍ من المَشعر.
والصحيحُ أنه الجبل؛ لِمَا روَى جابرٌ ﵁: أن النبي ﷺ لمَّا صلَّى الفجر - يعني: بالمزدلفة - بغَلَسٍ ركب ناقتَه حتى أتَى المشعَرَ الحرام، فدعا وكبَّر وهلَّل، ولم يزل واقفًا حتى أسفرَ (^٢).
وإنما سُمي مَشعَرًا لأنَّه مَعْلَمٌ للعبادة، ووُصف بالحرام لحُرمته، ومعنى ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾: ما يليه وَيقرُبُ منه، وذلك للفضل كالقرب من جبلِ الرحمة، وإلا فالمزدلفةُ كلُّها موقفٌ إلا وادي محسِّرٍ أو جُعلت أعقاب (^٣) المزدلفة - لكونها في حكم المشعَر ومتَّصلةً به - عند المشعَر.
﴿وَاذْكُرُوهُ﴾ ذكرًا حسنًا.
_________________
(١) هي بالمشعر الحرام على قزح، كان أهل الجاهلية يوقدون عليها النار. انظر: "فتوح الغيب" (٣/ ٣٠١).
(٢) قطعة من حديث جابر الطويل في الحج، رواه مسلم (١٢١٨)، واللفظ للزمخشري في "الكشاف" (١/ ٢٤٦)، وعنه نقل المؤلف.
(٣) في (ف): "أعتاب"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٢٤٦)، والكلام منه.
[ ٢ / ٦٩ ]
﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾ هدايةً حسنةً إلى المناسك وغيرِها، أو: اذكروه كما علَّمكم كيف تذكرونه، و(ما) مصدريةٌ أو كافَّة.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبلِ الهدى.
﴿لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾: الجاهلين، لا تعرفون كيف تذكُرونه، و(إنْ) هي المخفَّفة من الثقيلة، واللام هي الفارِقة.
* * *
(١٩٩) - ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾؛ أي: مِن عرفةَ لا من المزدلفةِ، والخطاب مع قريشٍ، كانوا يقفون بجمعٍ (^١) وسائرُ الناس بعرفةَ، وَيرون ذلك ترفُّعًا عليهم، فأُمروا بأنْ يساووهم، فليس فيه إيجابُ الإفاضة حتى يدلَّ على وجوب الوقوف بعرفة بناءً على أن الإفاضة لا تكون إلا بعده، بل بيانُ اختصاص مشروعيَّتها بالوجه المذكور.
و﴿ثُمَّ﴾ لتفاوتِ ما بين الإفاضتين؛ كما في قولك: أَحْسِنْ إلى الناس ثم لا تُحْسِنْ إلى غيرِ كريم.
وقيل من مزدلفةَ إلى منًى بعد الإفاضة من عرفةَ إليها، والخطاب عامٌّ.
وقرئ: (الناسِ) بالكسر (^٢)؛ أي: الناسي، يريد آدم ﵇، من قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] والمعنى: أن الإفاضة من عرفة شرعٌ قديمٌ فلا تغيِّروه.
_________________
(١) في هامش (ح) و(ف): "المراد منه مزدلفة لاجتماع الناس فيها. منه".
(٢) نسبت لسعيد بن جبير. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢)، و"المحتسب" (١/ ١١٩).
[ ٢ / ٧٠ ]
﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ من مخالَفَتِكم في الموقف وغيرِها من أفعال الجاهلية وعاداتهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يغفر الذنوب.
﴿رَحِيمٌ﴾ بالمذنِبين، يدعوهم بجميل إحسانه إلى بابه، ويرغِّبهم في جزيل ثوابه، ولهذا - أي: ولتضمُّنه الترغيبَ المذكور - أُتي بأداة السببية في قوله:
* * *
(٢٠٠) - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾؛ أي: فإذا أتممْتُم أمور حجِّكم.
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾؛ أي: فاذكروا اللّه تعالى ذكرًا كثيرًا، وبالِغوا فيه كما تفعلون في ذكركُم أباءَكم، وكانت العرب إذا قضَوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنًى والجبلِ وَيذكرون مفاخر آبائهم ومحاسنَ أيامهم، فنزلت؛ أي: أَكْثِروا ذكرَ اللّه تعالى ودعائه (^١)، ولا تطلبوا بالذكر أغراض الدنيا كالذاكرين آباءهم (^٢).
﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ في موضع الجرِّ عطفٌ على الضمير المضاف إليه الذكرُ في قوله: ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾؛ أي: أو قومٍ أشدَّ ذكرًا من ذكركم آباءَكم، أو في (^٣) موضعِ النصب عطفٌ على ﴿آبَاءَكُمْ﴾؛ أي: أو أشدَّ ذكرًا من آبائكم، على أنه من الفعل المبنيِّ للمفعول؛ أي: مذكورَّية.
_________________
(١) "ودعائه" كذا في النسخ، والصواب: (دعاءه). انظر: "الكشاف" (١/ ٢٤٨).
(٢) في (ك): (أيامهم).
(٣) كلمة "في" من (د)، وليست في (ح) و(ف) و(ك) و(م).
[ ٢ / ٧١ ]
ويجوز أن يكون معطوفًا على الكاف في ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾؛ أي: ذكرًا مثلَ ذكرِكم أو ذكرًا أشدَّ ذكرًا من ذكركم آباءكم، على أنَّ الذكر ذاكرًا أشدُّ من ذكرهم؛ كقولهم: جَدَّ جَدُّه، و: شعرٌ شاعرٌ.
و(أو) هنا ليست للتخيير بل للنَّقل عن الأوَّل، قال القفَّال: ومَجاز اللغة في مثل هذا معروفٌ، يقول الرجل لآخَرَ: افعل كذا إلى شهرٍ، ثم يقول: أو أسرعَ منه، يريد به النقلَ عن الأول إلى ما هو أقربُ وقتًا منه (^١).
﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ الفاء مسبَّبٌ عن تقسيمٍ يتضمَّنه الكلامُ السابق، فإنه يشتمِلُ على ذكر المُفيضين من عرفاتٍ الذاكرِينَ لله (^٢)، والمفيضينَ من المزدلفة الذاكرين لآبائهم، فعُقِّب القسم الثاني بأنهم الطالبون لحظوظ الدنيا، وأما القسم الأول الجامعون بين الأثَرتينِ فأولئك هم أهل الفلاح والفوز.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: اجْعَلْ إيتاءَنا في الدنيا خاصَّةً.
﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ الخلاق: نصيبُ الإنسان من أفعاله المحمودة التي تكون خُلقًا له، وقد يراد به النصيبُ من الخير على وجهِ الاستحقاق، وهو المراد هاهنا.
* * *
(٢٠١) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ من الصحة والكَفَاف والتوفيق للخير.
_________________
(١) انظر قول القفال في "تفسير الرازي" (٥/ ٣٣٥).
(٢) في (ك) و(م): "الله".
[ ٢ / ٧٢ ]
﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ من الثواب والكرامة والقُربة.
﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ بالعفو والمغفرة.
* * *
(٢٠٢) - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الفريق الثاني، أو إليهما.
﴿لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ النصيب في الأصل: المنصوبُ، وجُعل السهمُ المفرَزُ نصيبًا.
﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾؛ أي: من جنسه من الأعمال الحسَنة، وهو التوابُ الحسن في الآخرة، والمنافعُ الحسنة في الدنيا.
أو: من أجْلِ ما كسبوا.
أو: مما دعَوا به، نعطيهِم منه ما يستوجِبونه في الدنيا والآخرة؛ لأن الدعاء من الأعمال الحسنة، والأعمالُ توصَف بالكسب فسُمي كسبًا.
أو: من جنس ما كسبوا على ما تقضيه مشيئةُ اللّه تعالى وحكمتُه (^١).
﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وعيدٌ؛ أي: سريعٌ حسابه للخلائق مع كثرةِ أعدادهم وأعمالهم؛ لكمالِ علمه وقدرته، فيجب الحذر منه.
_________________
(١) هذا الاحتمال الأخير ظاهره أنه كالأول، لكن يظهر الاختلاف من لفظ الزمخشري، حيث قال في "الكشاف" (١/ ٢٤٨) بعد ذكر الوجوه السابقة التي هي منقولة عنه: (ويجوز أن يكون [أُولَئِكَ] للفريقين جميعًا، وأن لكل فريق نصيبًا من جنس ما كسبوا)، فيكون تقدير الكلام على ما قاله الطيبي في "فتوح الغيب" (٣/ ٣١٠): (أولئك الفريقان اللذان اختص كل واحد بنوع من الدعاء، لهم نصيب مما دعوا، من اقتصر على طلب الدنيا فله نصيب منها فحسب، ومن طلب الدنيا والآخرة جميعًا فله ذلك).
[ ٢ / ٧٣ ]
أو حثٌّ على العبادة؛ أي: سريعٌ وقوعُ حسابه، يوشكُ أنْ يُقيم القيامةَ ويحاسبَ العباد فبادروا إكثارَ (^١) الذكر وطلبَ الآخرة.
* * *
(٢٠٣) - ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ الأيام المعدودات: أيام التشريق، وذكرُ اللّه فيها التكبيرُ في أدبار الصلوات، وعند الجِمار، وعند ذبح القَرَابين وغيرها.
﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾: فمَن استعجل النَّفْرَ ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾: يومِ النَّفْر والذي بعدَه؛ أي: فمَن نَفَر في ثاني أيام التشريقِ قبل طلوع الفجر عندنا، وبعد رمي الجمار عند الشافعي.
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ باستعجاله.
﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾؛ أي: في النَّفْر حتى رمَى اليومَ الثالث بعد الزَّوال.
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ قال أبو حنيفة: يجوز تقديمُ رميه قبل الزوال.
وهو مخيَّرٌ بين النَّفْرين، فلذلك سوِّيَ بينهما بنفي الإثم عن صاحبهما، وفيه ردٌّ على أهل الجاهلية، فإن منهم مَن أثَّم المتعجِّل (^٢)، ومنهم مَن أثَّم المتأخِّر.
﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾؛ أي: الذي ذُكر من التخيير أو من الأحكام لمَن اتَّقى؛ لأنَّه حذِرٌ متحرِّزٌ عن كلِّ ما يَرِيبُه، أو لأنَّه هو الحاجُّ عند اللّه بالحقيقة.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في المحافظة على هذه الأحكام ليَعْبأَ (^٣) بكم.
_________________
(١) في (م) و(ك): (فبادروا إلى إكثار). والمثبت موافق لما في "الكشاف" (١/ ٢٤٨).
(٢) في (د) و(ف) و(ك) و(م): "المستجعل".
(٣) في (ف): "وليعبأ".
[ ٢ / ٧٤ ]
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وعيدٌ شديد؛ أي: إليه لا إلى غيره حشرُكم، ويجازيكم على حَسَب تقواكم، وأصل الحشر: ضمُّ المتفرِّق وسَوقه من جهاتٍ مختلفة.
* * *
(٢٠٤) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ يَروقُك (^١)، وَيعظُم في نفسك.
﴿قَوْلُهُ﴾ والتعجُّب (^٢): حيرةٌ تَعرِض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، ومعنى أعجبني كذا: ظهر لي ظهورًا لم أعرف سببه.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يتعلَّق بـ ﴿قَوْلُهُ﴾؛ أي: ما يقولُه في باب الدنيا وبشأنه، إذ مرادُه (^٣) به إحرازُ حظوظ الدنيا، لا ثوابِ الآخرة كما يراد بالإيمان الحقيقيِّ والمحبة الصادقة.
وقيل: بـ ﴿يُعْجِبُكَ﴾؛ أي: يعجبُك (^٤) في الحياة الدنيا لفصاحته وحلاوته، لا
_________________
(١) في هامش (ح) و(د) و(م): "الروق إرادة الشيء في صورة حسنة والإعجاب به في شأنه. قاموس. منه".
(٢) في (ح) و(ف) و(ك): "والتعجيب"، والمثبت موافق لما في "تفسير الراغب" (١/ ٤٢٧) والكلام منه.
(٣) في (ك): "في شأن الدنيا وشأنه أن مراده"، والمثبت من باقي النسخ، لكن في (ح) و(ف): (وشأنه) بدل: (وبشأنه).
(٤) يعني يعجبك قوله. انظر: "الكشاف" (١/ ٢٥١)، وفيه: (أي: قوله حلو فصيح في الدنيا فهو يعجبك، ولا يعجبك في الآخرة لما يرهقه …).
[ ٢ / ٧٥ ]
في الآخرة لمَا يَرْهَقُه هناك من الحُبْسة واللُّكْنة، أو لأنَّه لا يُؤذَن له في الكلام.
﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ يحلفُ (^١) ويقول: اللّه شاهدٌ على ما في قلبي من المحبة والإسلام (^٢).
﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾: شديدُ الجدال والعداوة للمسلمين، وإضافة الألدِّ بمعنى (في) على أن الخصام بمعنى المخاصَمة؛ كقولهم: ثَبْتُ الغَدَرِ (^٣)، وإنما وُصف بكونه ألدَّ للمبالغةِ وجَعْلِ خصامه لشدته كأنه في نفسه خصمٌ ألدُّ.
وقيل: جمعُ خصم؛ كصعبٍ وصِعاب؛ أي: هو أشدُّ الخصوم خصومةً.
روي أنها نزلت في الأخنس بن شريقٍ الثَّقَفي، وكان حَسَنَ المنظر حُلوَ المنطِق يوالي رسول اللّه ﷺ ويدَّعى الإسلام (^٤).
وقيل: في المنافقين كلِّهم (^٥).
* * *
(٢٠٥) - ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.
_________________
(١) في (ك): "ويحلف".
(٢) في (م): "للإسلام".
(٣) رجلٌ ثَبْتُ الغَدَرِ محرَّكةً: يَثْبُتُ في القِتالِ والجَدَلِ وفي جميعِ ما يأخُذُ فيه. والغَدَرُ: كلُّ مَوضِعٍ صَعْبٍ لا تَكادُ الدابَّةُ تَنْفُذُ فيه. انظر: "القاموس" (مادة: غدر).
(٤) رويت فيه أخبار مقطوعة عن عطاء والسدي ومقاتل والكلبي. انظر: "البحر المحيط" (٤/ ٢١).
(٥) روي عن قتادة وابن زيد. انظر: "تفسير الطبري" (٣/ ٥٧٥ و٥٧٦)، و"البحر المحيط" (٤/ ٢١)، وقد استوفينا في تحقيقه تخريج ما روي في أسباب نزول هذه الآية.
[ ٢ / ٧٦ ]
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى﴾ التولِّي: الانحراف عن الشيء إلى خلافِ جهته، والسعيُ: الإسراع في المشي (^١)؛ أي: إذا انصرف عنك وذهب مسرعًا.
﴿فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ كما فعله الأخنس بثَقيفٍ (^٢).
وقيل: إذا صار واليًا فعَل ما يفعلُه ولاةُ السُّوء من الإفساد والظلم.
﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ حقيقةً، أو حكمًا بأنْ يمنع اللّه تعالى القَطْرَ بشؤم ظلمه وفساده فيَهلكُ الحرثُ والنسل، والحرثُ هو الزرع، وأصله: الشق، والنسل: ما خرج من كلِّ أنثى من أجناس الحيوان.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ عدمُ الحب كنايةٌ عن البغض (^٣)، ففيه وعيدٌ بليغٌ، ويتضمَّن التعليلَ لمَا سَبَق على المعنى الثاني والإفساد في الحقيقة: إخراج الشيء عن حالةٍ محمودةٍ لا لغرضٍ صحيحٍ، وذلك غيرُ موجودٍ في فعل اللّه تعالى، ولا هو آمرٌ به ولا محبٌّ له، وما تراه في فعله فسادًا فهو بالإضافة إلينا والاعتبار (^٤) بنا، فأمَّا بالنظر إليه فكلُّه صلاحٌ (^٥).
* * *
(٢٠٦) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
_________________
(١) في (ف): "الشيء".
(٢) روي عن عطاء ومقاتل والكلبي، وهو من ضمن سبب النزول. انظر: "البحر المحيط" (٤/ ٢١).
(٣) في هامش (د) و(ف) و(م): "هذه الكناية شائعة في اللسان التركية أيضًا. منه".
(٤) في (م): "وبالاعتبار".
(٥) في هامش (د) و(ف) و(م): "ولهذا قال بعض الحكماء: يا من إفساده إصلاح؛ أي: ما نعده إفسادًا لقصور نظرنا فهو في الحقيقة إصلاح. منه".
[ ٢ / ٧٧ ]
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ أي: إذا (^١) خوِّف هذا المنافقُ باللّه تعالى.
﴿اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: حملتْه العزَّة على ذلك، من قولك: أخَذْتُه بكذا: إذا حملْتَه عليه وألزَمْتَه إياه، وفيه مبالغةٌ شديدةٌ؛ كأنَّ العزةَ التي فيه - أي (^٢): حميَّةَ الجاهليَّة والترفُّعَ - حاكمٌ مسلَّطٌ عليه يُلزِمه ارتكابَ الإثم الذي يُنهى عنه لجاجًا وضرارًا، أو على رغم الواعظ وردِّ قولِه.
﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: كافيه جزاءُ جهنمَ وهو استعظامٌ لمَا حلَّ به، وجهنمُ: اسمٌ عَلَمٌ للنار (^٣)، وهي مأخوذةٌ من قولهم: ركيَّةٌ جِهِنَّامٌ: إذا كانت بعيدةَ القعر. وامتَنعت من الصرف للتأنيث والعَلَمية.
بَيَّن أن جهنم نصيبُه الكافي وجزاؤه الوافي، ثم دل على حال جهنم بقوله:
﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ جوابُ قسمٍ محذوف، وحُذف المخصوص بالذمِّ للعِلم به. والمهاد: ما يُوطَّأ للجَنْب ويُهيَّأُ للنوم.
* * *
(٢٠٧) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ يبيعُها ببذلها بالجهاد (^٤)، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يُقتل.
_________________
(١) في (د): "وإذا".
(٢) كلمة: "أي" من (د).
(٣) في هامش (ت): "هو فارسي معرب، وركية جهنام - بكسر الجيم والهاء -؛ أي: بعيدة العقر. كذا في الصحاح. منه".
(٤) في (ك) و(م): "للجهاد".
[ ٢ / ٧٨ ]
﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: طلبًا لرضاه.
﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ أي: هو في غايةِ الرحمة لهم، ولهذا عوَّضهم النعيمَ المقيمَ على عملٍ منقطِع. عقَّب ذِكر المذموم من أعدائه بذكرِ المحمود (^١) من أوليائه ترهيبًا وترغيبًا.
* * *
(٢٠٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (السّلم) بالكسر والفتح: الإسلامُ والطاعة، و﴿كَافَّةً﴾ اسمٌ للجملةِ من الكفِّ؛ كأنهم كُفُّوا باجتماعهم عن أنْ يَخرج منهم أحدٌ، حالٌ من فاعل ﴿ادْخُلُوا﴾ أو من ﴿السِّلْمِ﴾، وتاؤها بعد النَّقل لم تَبْقَ للتأنيث (^٢).
والمعنى: استسلِموا للّه تعالى وأطيعوه جميعًا ظاهرًا وباطنًا، على أن الخطاب للمنافقين.
أو: ادخلوا في الإسلام بكلِّيَّتكم ولا تخلطوا به غيرَه، على أن الخطاب لمؤمني أهل الكتاب، فإنهم بعد إسلامهم عظَّموا السبت وحرَّموا الإبل وألبانَها (^٣).
أو: في شرائع اللّه تعالى كلِّها بالإيمان بالأنبياء ﵈ والكتبِ جميعًا، على أن الخطاب لأهل الكتاب.
_________________
(١) في (م): "المحمودين".
(٢) في هامش (د) و(ف) و(م): "فلا حاجة إلى بيان التأنيث في السلم. منه".
(٣) رواه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٦٧) عن ابن عباس ﵄، وفي إسناده عبد الغني بن سعيد، وهو واه كما ذكر الحافظ في "العجاب" (١/ ٥٣٠).
[ ٢ / ٧٩ ]
أو: في شُعَبِ الإسلامِ وأحكامِه كلِّها فلا تُخلُّوا بشيء منها، على أن الخطاب للمسلمين.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ بالتفريق والتفرُّق، وقد مرَّ ما يتعلَّق به وبقوله (^١):
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ فتدبَّرْ.
* * *
(٢٠٩) - ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ عن الدخول في السَّلْم.
أصل الزَّلَل في القدم (^٢)، يقال: زَلَّ يَزِلُّ زَلًّا وزُلولًا: إذا دَحضت قدمُه، تم استُعمل في الاعتقاد والرأي بطريق الاستعارة.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: الحُججُ والشواهدُ على أنَّ ما أُمرتم بالدخول فيه هو الحق.
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ لا يُعجزه الانتقامُ منكم.
﴿حَكِيمٌ﴾ لا يُهمِلُ وإن كان يُمهِلُ على ما تقتضيه الحكمة.
* * *
(٢١٠) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْر وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُور﴾.
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "بقوله" دون الواو.
(٢) في (ف): "التقدم".
[ ٢ / ٨٠ ]
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ما ينتظرون.
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: يأتيَهم أمرُه؛ لقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣]، وإنما أُسند الإتيانُ إليه تعالى تعظيمًا وتهويلًا؛ تنبيهًا على أنه يأتي الأمرُ الذي لا يُدافَع، كأنَّ أمره هو لوجوبه، وأُكِّد التهويل وشدةُ العذاب ببيان إتيانه من الغمام الذي هو مَظِنَّةُ الرحمة لكونه أفظع؛ فإن الشرَّ إذا جاء من حيث لا يُحتسب كان أغمَّ، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يُحتسب كان أَسَرَّ، فكيف إذا جاء الشر (^١) من حيث يُحتسب الخير، ولهذا كانت الصاعقةُ من العذاب المستفظَع لمجيئها من حيث يُتوقَّع الغيث.
﴿فِي ظُلَلٍ﴾: جمعُ ظلَّةٍ؛ كقُلَّةٍ وقُلَلٍ، وهي ما يُستظلُّ به.
وقرئ: (ظِلَالٍ) (^٢): جمعُها (^٣)؛ كقُلَّةٍ وقِلَالٍ، أو جمعُ ظلٍّ.
﴿مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال الثعالبيُّ (^٤) في "سر الأدب": أولُ ما يَنشأ [السحابُ] هو النَّشْءُ، فإذا انسحب في الهواء فهو السحابُ، فإذا تغيَّرت له السماء فهو الغمام (^٥). انتهى.
فالغمامُ أقوى من السحاب ظلمةَّ، فكان أنسبَ لعبارةِ (^٦) الظُّلَلِ من السحاب (^٧).
_________________
(١) في (ف): "بالشر".
(٢) تنسب لقتادة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٣)، و"المحتسب" (١/ ١٢٢).
(٣) أي: جمع ظلة. انظر: "الكشاف" (١/ ٢٥٣).
(٤) في (م): "الثعلبي".
(٥) انظر: "فقه اللغة وسر العربية" لأبي منصور الثعالبي (ص: ١٨٩).
(٦) أي: لِلَفظ، والمؤلف ﵀ يستعمل في مؤلفاته كلمة (العبارة) بدل كلمة: (اللفظ).
(٧) في هامش (د) و(ف) و(م): "رد لمن فسره بالسحاب. منه".
[ ٢ / ٨١ ]
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ وقُرئ بالجر (^١) عطفًا على ﴿ظُلَلٍ﴾ أو ﴿الْغَمَامِ﴾.
﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: قُضي أمر إهلاكهم وتدميرهم وفُرغ منه، عبِّر بالماضي عن المستقبل لدُنوِّه أو تيقُّنِ وقوعه. وقرئ: (وقضاءُ الأمر) (^٢) عطفًا على ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ قُرئ على البناء للمفعول على أنه من الرَّجْع، وعلى البناء للفاعل على أنه من الرُّجوع (^٣).
* * *
(٢١١) - ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بحذف (^٤) الهمزة في الكلام المبتدأ، وتَثبت (^٥) في العطف؛ مثلَ قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والسؤالُ للتقريع، والخطابُ لكلِّ أحدٍ، أو للرسول ﵇.
﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتُهم، أو: من آيةٍ في الكتب شاهدةٍ على صحة دين الإسلام وحقِّيَّتِه.
و﴿كَمْ﴾ خبريةٌ أو استفهاميةٌ للتقرير، ومحلُّها النصبُ على المفعوليَّة، أو الرفعُ بالابتداء على حذفِ العائد من الخبر، و﴿آيَةٍ﴾ مميِّزُها، و﴿مِنْ﴾ للفصل.
_________________
(١) هي قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٢٧).
(٢) تنسب لمعاذ ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٣).
(٣) قرأ بالبناء للفاعل حمزة والكسائي وابن عامر، وباقي السبعة بالبناء للمفعول. انظر: "التيسير" (ص: ٨٠).
(٤) في (ف) و(ك) و(م): "حذف".
(٥) في (د): "وثبت".
[ ٢ / ٨٢ ]
﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: آياتهِ؛ إذ هي أجلُّ نعمةٍ من اللّه تعالى، بأنْ يجعلَها أسبابَ الضلالة وهي أسبابُ الهدى والنجاةِ عنها؛ لقوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، أو يحرِّفها كما حرَّفوا الآيات الدالَّةَ على دين محمدٍ ﵇.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾: من بعد ما وصلت إليه وتمكَّنَ من معرفتها، وفيه تعريضٌ بأنهم بدَّلوها بعدما عقَلوها، ولذلك قيل: تقديره: فبدَّلوها ومَن يبدِّلْ.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فيعاقبُه أشدَّ عقوبةٍ لأنَّه ارتَكب أعظمَ جريمةٍ، والعقاب مأخوذ من العَقِب، كأن المعاقِبَ يمشي بالمجازاة له في آثار عَقِبه.
* * *
(٢١٢) - ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ التزيين هو التحسينُ المدرَك بالحسِّ دون المدرَك بالعقل، ولهذا جاء في أوصاف الدنيا دون أوصاف الآخرة، والمزيِّن في الحقيقة هو الشيطانُ، فإنه حسَّن الدنيا في أعينهم وحبَّبها إليهم.
وقراءةُ (زَّين) على البناء للفاعل و(الحياةُ) بالنصب (^١) على الإسناد المجازيِّ، فإنه تعالى أمهَل المزيَّن [له] (^٢) فجَعل إمهاله تزيينًا، أو زَّينها حتى استحسَنوها وأحبُّوها.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٣).
(٢) من "الكشاف" (١/ ٢٥٤).
[ ٢ / ٨٣ ]
ومَن قال: المزيِّن في (^١) الحقيقةِ هو الله تعالى إذ ما من شيءٍ إلا وهو فاعلُه، أخطأ في المدَّعى وما أصاب في الدليل:
أمَّا الأول: فلأن التزيين صفةٌ تقوم بالشيطان والفاعلُ الحقيقي لصفةٍ ما تقومُ به تلك الصفة، وليت شعري ما يقول هذا القائل في الكفر والضلالة؛ فإن فاعل القيام حقيقةً هو القائم الذي يتَّصف به لا خالقه.
وأمَّا الثاني: فلأن مَبْناه عدمُ الفرق بين الفاعل النَّحوي الذي كلامنا فيه والفاعلِ الكلامي الذي بمعزلٍ عن هذا المقام (^٢).
﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: يَهْزؤون من فقراء المؤمنين الذين لا حظَّ لهم في الدنيا - كابن مسعود وعمارٍ وصُهيب وغيرهم ﵃ على رفضهم الدنيا وإقبالهم على الآخرة.
قال القرطبيُّ: يقال: سَخِرتُ منه وسَخِرتُ به، وضحكْتُ منه وضحِكْتُ به، وهَزِئْتُ منه وهَزِئْتُ به، كلُّ ذلك يقالُ، حكاه الأخفشُ والاسمُ: السُّخرية (^٣).
_________________
(١) في (د) و(ك): (على) والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٣٥)، وهو صاحب هذا القول.
(٢) هذا ما تعقب به المؤلف البيضاوي، وقد رد عليه الشهاب في "الحاشية" (٢/ ٢٩٨) بقوله: وهذا كله من عدم التأمل؛ لأن الله تعالى نسب التزيين إلى نفسه في مواضع كقوله: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل: ٤] وفي مواضع إلى الشيطان كقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] وفي مواضع ذكَره غيرَ مسمًّى فاعله كما هنا، فالتزيين إن كان بمعنى إيجادها وإبداعها ذاتَ زينة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] فلا شك أن فاعله هو الله عند النحويين والمتكلمين، وإن كان بمعنى التحسين بالقول ونحوه من الوسوسة كقوله تعالى: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٣٩] فلا شك أن فاعله عندهما الشيطان … إلخ.
(٣) انظر: "تفسير القرطبي" (٣/ ٤٠٣)، و"الصحاح" (مادة: سخر)، وعنه نقل القرطبي.
[ ٢ / ٨٤ ]
﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، أي: الذين اتَّقَوا الدنيا واختاروا الفقر من المؤمنين هم أهل الزُّلفى والكرامة عند الله تعالى، وُضعوا (^١) موضع الذين آمنوا لأنهم يسخرون منهم دون الأغنياء؛ تنبيهًا على أنهم أهل السعادة الكبرى عند الله تعالى، وتحريضًا للمؤمنين على التقوى.
﴿فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ لأنهم كانوا في درجات الجنة وهم في دركات النار، فينادونهم: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠].
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: في الدنيا؛ لأن مَساق الكلام فيه.
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغير تقديرٍ، أو (^٢) يوسِّع بحسَب الحكمة والمشيئة التابعةِ له على عباده، فمنهم مَن تكون التوسِعةُ عليه استدراجًا كهؤلاء الكفرة وقارونَ وأحزابهم، ومنهم مَن تكون التوسعةُ عليه كرامةً له كأغنياء المؤمنين (^٣) وسليمانَ وداودَ ﵉ وأمثالِهم.
* * *
(٢١٣) - ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على الفطرة، متَّفقةً على دين الإسلام فيما بين آدم ونوحٍ ﵉.
_________________
(١) في (ك) و(م): "وضع".
(٢) في (م): "أي".
(٣) في (ك) و(م): "المسلمين".
[ ٢ / ٨٥ ]
وقيل: فيما بين آدمَ وإدريسَ ﵉.
قال القرطبي: وفيه نظر؛ لأن إدريس ﵇ بعد نوحٍ ﵇ على الصحيح (^١).
وقيل: هم نوحٌ ومَن معه في السفينة.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾؛ أي: فاختلفوا فبعث الله، فحُذف لدلالة قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ عليه، وفي قراءة عبد الله: (فاختلفوا فبعث اللهُ) (^٢)، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩]، ولمَّا كان سببُ البعثة الاختلافَ لم يَبْقَ احتمالٌ لأنْ يكون المراد من الأمَّة المذكورة المتَّفقينَ على الجهالة والكفر.
﴿مُبَشِّرِينَ﴾ مَن أطاع.
﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ مَن عَصَى.
﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: الكتب، واسمُ الجنس يَصلح للجميع، و﴿مَعَهُمُ﴾ حالٌ مقدَّرةٌ من ﴿الْكِتَابَ﴾ فيتعلَّق بمحذوفٍ، وليس منصوبًا بـ (أنزَلَ)، ولا يريد به أنه أُنزل مع كلِّ واحد منهم كتابٌ يخصُّه، لا لأن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصُّهم، بل كانوا يأخذون بكتبِ مَن قبلهم؛ لأن المعنى حينئذ: مع كل واحدٍ من الذين لهم كتاب، وعموم ﴿النَّبِيِّينَ﴾ لا ينافي خصوصَ الضمير العائد إليه بمعونة القرينة= بل
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (٣/ ٤٠٤).
(٢) انظر: "تفسير الطبري " (٣/ ٦٢١)، و"الكشاف" (١/ ٢٥٥). وهذه القراءة محمولة على التفسير؛ لمخالفتها سواد المصحف الذي أجمعت الأمة عليه، والذي ابن مسعود أحد نقَلته.
[ ٢ / ٨٦ ]
لأنَّ بعض الكتاب المخصوصِ لمن معه لا يشمل الأحكام كالزبور، فلا يصلح ما ذُكر بقوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ غايةً له.
﴿الْحَقِّ﴾ حالٌ من ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: مُلْتبِسًا بالحق.
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾؛ أي: النبيُّ الذي معه الكتابُ.
﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ من أمر الدين.
﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أي: الكتابِ المنزَل لإزالة الاختلاف، ومعناه: زاد اختلافهم بسبب الكتاب حتى كان الاختلافُ الأولُ بالنسبة إليه كلَا اختلافٍ، أو ما (^١) كان الاختلاف إلا الذي حدث بعده كأن الاختلاف الموجب لنزول الكتاب اتفاقٌ (^٢) في جنبه لشدة عنادهم.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: الدلائلُ الشاهدةُ على حقيقة الدِّين المتَّفَق عليه.
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ وحسدًا وقلةَ إنصافٍ منهم؛ لحرصهم (^٣) على الدنيا وتهالكهم.
﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾ بسبب تلك البينات ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ منهم ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ بيانٌ لِما اختلفوا فيه (^٤).
﴿بِإِذْنِهِ﴾ بتيسيره وتوفيقه إياهم.
﴿وَاللَّهُ يَهْدِي﴾ دون غيره ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من أهل العناية بمقتضى الحكمة.
_________________
(١) في (ح) و(د) و(ت): "بالنسبة إليه لا اختلافا وما"، وفي (م): "بالنسبة إليه كلا اختلاف أو لما"، والمثبت من (ك).
(٢) في (ح) و(ف) و(م): (اتفاقًا).
(٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "بحرصهم ".
(٤) "بيان لما اختلفوا فيه " ليس في (ح) و(ف).
[ ٢ / ٨٧ ]
﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ صراطٍ لا يُعرف كُنْهُه، وهو طريق التوحيد.
* * *
(٢١٤) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ، ومعنى الهمزةِ فيها الإنكارُ.
والحسبانُ كالظن يُستعمل في المترجِّح.
لمَّا ذَكر حال (^١) الأمم الخالية، واختلافَهم على النبيين بعد مجيء البينات، وإنكارَهم - تشجيعًا لرسول الله ﷺ والمؤمنين، وإغراءً لهم على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهلِ الكتاب، وإنكارهم لآياته وعداوتهم له - خاطبهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ:
﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: حالُهم التي هي مَثَلٌ في الشدة، و(لمَّا) للتوقُّع (^٢) في النفي كـ (قد) في الإثبات، ومعناها: أن إتيان ذلك متوقَّعٌ ومنتظَرٌ ولم يقع بعدُ.
﴿مَسَّتْهُمُ﴾ بيانٌ للمَثَل على الاستئناف.
﴿الْبَأْسَاءُ﴾: الشدة من الخوف والجوع والفاقة.
﴿وَالضَّرَّاءُ﴾ الآلام (^٣) والأمراض.
_________________
(١) كلمة: "حال" ليست في (ف) و(ك) و(م).
(٢) في (ف) و(م): "للتوقف".
(٣) في (م): "الألم ".
[ ٢ / ٨٨ ]
﴿وَزُلْزِلُوا﴾؛ أي: أُزعجوا إزعاجًا شديدًا شبيهًا بالزلزلة مما أصابهم من الأهوال والأفزاع.
﴿حَتَّى يَقُولَ﴾ لتَناهي الشدَّة وتَماديها في العِظَم بحيث تقطَّعت حبالُ الصبر.
﴿الرَّسُولُ﴾ مع كونه في كمال الثبات والصبر وضبط النفس والوقار إلى غايةٍ لا يُقْدَرُ قَدْرُها.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الصابرين في البأساء والضرَّاء.
وقرئ: ﴿يَقُولَ﴾ بالرفع (^١) على معنى الحال، وهي حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، وبالنصب على إضمارِ (أنْ) ومعنى الاستقبال.
﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ معناه: استبطاءُ النصر وطلبُه وتَمنِّيهِ، واستطالةُ زمان الشدة.
﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ استئناف على إرادة القول، أي: فقيل لهم إجابةً لهم إلى طلبهم (^٢) من عاجل النصر وإعطاءً لسؤلهم (^٣).
* * *
(٢١٥) - ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] جاء عمرو بن جموح الأنصاريُّ وسأل رسول الله ﷺ وقال:
_________________
(١) هي قراءة نافع من السبعة، وقرأ الباقون بالنصب. انظر: "التيسير" (ص: ٨٠).
(٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "طلبهم".
(٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "سؤلهم".
[ ٢ / ٨٩ ]
كم ننفقُ؛ وعلى مَن (^١) نُنفق؛ فنزل جواب السؤالين في آيتين من هذه السورة؛ جوابُ قوله: كم ننفق؟ في قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وجواب قوله: على مَن ننفق؟ في قوله:
﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ (^٢) أيَّ شيءٍ أنفقتُم من مالٍ، والمالُ يسمى خيرًا؛ قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، وإنما سمَّاه خيرًا هنا لأنَّه مذكور في موضع الصرف إلى الخير.
﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ بدأ في المصرِف بالأقرب (^٣)، ثم بالأحوج (^٤) فالأحوج.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ في معنى الشرط ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ جوابُه؛ أي: إنْ تفعلوا خيرًا فإن الله تعالى يعلم كُنْهَه ويُوفي ثوابَه، والفعلُ أعمُّ من الإنفاق وغيره، سألوا عن خاصٍّ وأُجيب بخاصٍّ ثم أُتي بالعموم في أفعال الخير.
قيل: كان هذا للإيجاب ونسخها الأمرُ بالزكاة.
وقيل: كان للاستحباب وهو باقٍ.
* * *
_________________
(١) في (ف): "وعلى كم".
(٢) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ١٤١)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٦٧)، وإسناده ضعيف جدًا لأنَّه من رواية الكلبي وهو متروك، عن أبي صالح ولم يدرك ابن عباس، عن ابن عباس. انظر: "العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر (١/ ٥٣٤).
(٣) في (م) زيادة: "فالأقرب".
(٤) في (ك) و(م): "الأحوج".
[ ٢ / ٩٠ ]
(٢١٦) - ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾؛ أي؛ فُرض عليكم الجهاد.
﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ من الكراهة؛ لقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ وهو إمَّا أن يكون بمعنى الكراهة على وضع المصدر موضعَ الوصف للمبالغة لفَرْط كراهتهم له (^٥)، وإمَّا أن يكون فُعْلًا بمعنى مفعولٍ كالخبز بمعنى المخبوز؛ أي: وهو مكروهٌ لكم.
وقرئ بالفتح (^٦) على أن يكون بمعنى المضموم، كالضَّعف والضُّعف، أو بمعنى الإكراه على سبيل المجاز، كأنهم أكُرهوا عليه لفَرْط كراهتهم له، وكراهةُ الطَّبع لا توجِبُ الذمَّ بل تحقِّق العبوديةَ إذا فُعل ذلك اتِّباعًا للشرع مع نُفرة الطبع، وأمَّا كراهةُ الاعتقاد فهو من صفات المنافقين (^٧).
ونبَّه بقولُه (^٨): ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ بألطف وجهٍ على أنَّ ما كُتب عليهم من القتال خيرٌ لهم وأوضحِ دلالةٍ، وهي أنه إذا جاز أن يكون منكم كراهيةٌ لأمرٍ وفيه الخيريةُ، فيجوز أن يكون كراهيتكم (^٩)
_________________
(١) يعني هو مثل: رجلٌ عدلٌ.
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٥٨). والضم قراءة الجمهور.
(٣) في هامش (ح) و(د) و(ف): "وبهذا اندفع ما قاله الإمام من الإشكال، وهو أن الخطاب وهو قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ مع المؤمنين، وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ يقتضي كراهتهم لحكم الله تعالى وتكليفه، وهو غير جائز. منه".
(٤) في (ح) و(د): (قوله)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير الراغب" (١/ ٤٤٥) والكلام منه.
(٥) في (د): (كراهيتكم)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير الراغب ".
[ ٢ / ٩١ ]
لِمَا كُتب عليكم من القتال كذلك، وإذا جاز أن تحبُّوا شيئًا وهو شرٌّ لكم، فيجوز أن تكون محبَّتكم لِمَا أحببتُموه شرًّا.
ثم نبَّه على أن هذا الجائزَ كونُه عندكم واجبٌ كونُه في نفسه بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقد قضَى بأن ذلك خيرٌ، وإذا كان خيرًا فيجب أن تحبُّوه ولا تكرهوه، فالخير يجب إرادتُه والشرُّ يجب كراهته.
والمحبة: ميل النفس إلى ما تراه وتظنُّه خيرًا، والإرادة لا يلزمُها ظنُّ الخير، ولهذا قيل: ﴿أَنْ تُحِبُّوا﴾ دون: أنْ تريدوا، ولم يراعَ حقُّ المقابَلة مع قوله: ﴿أَنْ تَكْرَهُوا﴾.
و(عسى) كلمةٌ تجري مَجرى (لعل)، وهي من العباد للترجِّي ومن الله تعالى للترجِئةِ؛ قيل: جميع ما كلِّفوا به من قَبيل الأول، وجميع ما نُهوا عنه من قَبيل الثاني، وفيه نظر.
* * *
(٢١٧) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ نزلت في أوَّل سَرِيَّة في الإسلام أغاروا على عِيرٍ لقريش (^١) قافلةٍ من الطائف وقتَلوا عَمْرَو بن عبد الله الحضرميَّ أولَ يوم من
_________________
(١) في (ف): "قريش".
[ ٢ / ٩٢ ]
رجبٍ وهم يظنُّونه من جُمادى الآخرة (^١)، فعيَّرهم أهل مكة باستحلاله.
﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ بدلُ الاشتمال من ﴿الشَّهْرِ﴾ وفائدةُ الإبدال أنَّ في ذكر الشهر أوَّلًا تنبيهٌ على أن السؤال عن القتال لأجْل الشهر لا لغيره.
﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: ذنبٌ كبير، والأكثرُ على (^٢) أنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] خلافًا لعطاءٍ (^٣)، ولا وجه لمنعِ دلالة الآية على حرمةِ القتال في الشهر الحرام مطلقًا بناءً على أن النكرة في حيِّز الإثبات لا تعمُّ؛ لأنها إذا لم تكن موصوفةً (^٤)، وقد مر ما يؤيد هذا.
﴿وَصَدٌّ﴾ الصُّدُّ: ناحيةُ الشِّعب والوادي المانعُ للسالك، وصَدَّه عن كذا: كأنما جَعل بينه وبين ما يريده صُدًّا يمنعه، والصَّديد: ما حال بين الجلد واللحم من الدم والقيح، كذا قال الراغب (^٥).
_________________
(١) في (م): "يظنون من جمادى الآخر".
(٢) "على"ليست في (ف) و(ك).
(٣) في هامش (د) و(ف) و(م): "من قال بقوله: (اقتلوا المشركين ..) … إلخ نظرَ إلى أن القيد الذي انقضى في زمان الشارع في حكم العدم، ونظره أدق فافهم. منه ". ثم أتبع به: "والفاضل التفتازاني لعدم تنبهه له استدرك عليه. منه".
(٤) قوله: (لأنها إذا لم تكن موصوفة) يعني: لأن كون النكرة إذا كانت في حيز الإثبات لا تعم إنما هو إذا لم تكن موصوفة، وهنا هي عامة لكونها موصوفة بوصف عام أو بقرينة المقام، والكلام رد على الرازي في "تفسيره" (٦/ ٣٨٨) حيث قال: والذي عندي أن قوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ هذا نكرة في سياق الإثبات فيتناول فردًا واحدًا، ولا يتناول كل الأفراد، فهذه الآية لا دلالة فيها على تحريم القتال مطلقًا في الشهر الحرام، فلا حاجة إلى تقدير النسخ فيه. اهـ. قلت: وفي الأمر في هذه المسألة قيل وقال ينظر ذلك في "روح المعاني" (٣/ ٢٣٧).
(٥) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ٤٤٦).
[ ٢ / ٩٣ ]
﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ و، أي: ما يُوصل العبدَ إلى الله من الطاعات.
﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾، أي: بالله تعالى، عطفٌ على (صَدٌّ)، وقد عُطف عليه قبل تمام المعطوف عليه لشدة الاعتناء عند ذكر الله تعالى بأنَّ الكفر به أكبرُ الكبائر وأمُّها، والذي اندرج فيه جميع الكبائر، وإلا كان حقَه أن يُؤخَّر عن قوله:
﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لِمَا أَشَرْنا إليه من أنه من تمامِ قوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ خبرٌ عن الأشياء المعدودة، يعني (^١): وكبائر قريش؛ من صدِّهم عن سبيل الله وعن المسجدِ الحرام، وكفرِهم (^٢)، وإخراجِ أهل المسجد الحرام - وهم رسول الله ﷺ والمؤمنون - منه، أكبر عند الله مما فعلَتْه السريَّة على سبيل الخطأ والبناءِ على الظن.
﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ وما ارْتَكبوه من الصَّدِّ والإخراجِ والكفر أكبر من قتل الحضرميِّ.
﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، أي: يداوِمون على عداوتكم ولا ينفكُّون عن مقاتَلتكم.
﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ ﴿حَتَّى﴾ للتعليل؛ كما في قولك: أعبدُ الله حتى أدخلَ الجنة، لقوله (^٣):
﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ استبعادٌ لاستطاعتهم، كقول الرجل لعدوِّه: إن ظَفِرْتَ بي فلا تُبْقِ عليَّ، مع وثوقه بأنه لا يَظفَرُ به.
_________________
(١) "يعني": ليست في (ك) و(م).
(٢) في (م): " وكفرهم بالله".
(٣) قوله: "لقوله" لا أرى له فائدة في السياق. وانظر: "الكشاف" (١/ ٢٥٩)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٣٧)، والكلام منقول عنهما، لكن ليس فيهما إشارة لهذه الكلمة.
[ ٢ / ٩٤ ]
وإيراد (إنْ) في موضع اليقين للتهكُّم، أو البناءِ على ظنِّهم الفاسد.
﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾: ومَن يَرجعْ منكم عن دينه إلى دينهم، ويطاوِعْهم على ردِّهم إياه إليه، ولم يَتُبْ، فيَمُتْ على الرِّدَّة.
﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾؛ أي: حسناتُهم؛ لأنها هي الأعمال في الحقيقة، إذ السيئاتُ مما ينبغي أن لا تُعمل، ويقال لمن عَمِلَ ما لا يُنتفَعُ به: لم يَعمل شيئًا.
﴿فِي الدُّنْيَا﴾ لفوات ما لهم من المسلمين من ثمرات (^١) الإسلام بإحداث الردة.
﴿وَ﴾ في ﴿الْآخِرَةِ﴾ لفواتِ ما لهم من الثواب لو لم يرتدُّوا بالموت عليها، والحَبْطُ: فسادٌ يَلحق الماشية في بطونها من أكل الكَلأ، واستُعير لفساد العمل.
﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ مُلازِموها، يقال: فلان صاحبُ فلانٍ، إذا كان مُلازِمًا له.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: دائمون فيها لا يموتون ولا يُخرجون عنها.
ثم الطاعةُ تَحبَطُ بنفس الرِّدة عندنا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] والموتُ عليها ليس بشرطٍ، وقال الشافعي: هي (^٢) شرطٌ. وتمسَّك بهذه الآية.
وقلنا: إنما جُعل الموتُ على الكفر شرطَ جميع ما ذُكر في هذه الآية: من حبوطِ العمل، والخلود في النار، وبه نقول.
_________________
(١) في (ك) و(م): "ثواب".
(٢) "هي" من (د).
[ ٢ / ٩٥ ]
كذا قيل، ويأباه تكرير (أولئك) لِمَا فيه من الد لالة على اعتبار (^١) الشرط المذكور في كلِّ واحدٍ من الحُكمين المذكورين.
فالصواب في الجواب أن يقال: إنما اعتبر الشرط المذكور في حبوط عمل الدنيا وعمل الآخرة معًا، لا في حبوط عمل الدنيا (^٢) وحده، فلا متمسَّك فيه للخصم؛ لانا نقول: تأثيرُ الشرط المذكور في حُبوط عمل الدنيا، فإنه ما لم يستمرَّ على الردة إلى آخر الحياة لا يُحرم عن ثمرات الإسلام.
* * *
(٢١٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت أيضًا (^٣) في السَّرية المذكورة، لمَّا قال بعض الناس فيهم: إنْ لم يكن عليهم وِزرٌ فليس لهم أجرٌ (^٤).
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾؛ أي: من مكة إلى المدينة، وقيل: أي: فارَقوا أعمال السوء وأصحابَها. والأول كان فرضًا فنُسخت فَرْضيّتها، والثاني فَرْضيتُه باقية.
﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: قاتَلوا الكفار، وقيل: أي: استفرَغوا المجهودَ في طاعة الله.
_________________
(١) "اعتبار" ليست في (د).
(٢) "الدنيا" من (ح)، وأشير إليها في هامش (م) بالقول: "لعله هنا: الدنيا".
(٣) "أيضا": ليست في (ك) و(م).
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٨٨) برقم (٢٠٤٠)، والطبراني في "الكبير" (١٦٧٠) من حديث جندب بن عبد الله ﵁.
[ ٢ / ٩٦ ]
وتكريرُ الموصول لتعظيمِ الهجرة والجهاد، وكأنهما مستقلَّان في تحقيق الرجاء.
﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ في الدنيا والآخرة نفعًا ورفعًا ودفعًا، وفي عبارة الرجاء مدحٌ لهم باستقصارهم أعمالَهم واستشعارهم آمالَهم، خائفين ردَّه، راجين قبوله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لِمَا فعلوا خطأً وقلَّةَ احتياطٍ.
﴿رَحِيمٌ﴾ بإجزالِ الثواب والإيصالِ إلى حُسن المآب.
* * *
(٢١٩) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ رُوي أنه نزل بمكة - شرَّفها الله تعالى - قوُله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧] وكان المسلمون يشربونها (^١) وهي لهم حلال، ثم إن عمرَ ومعاذًا ونفرًا من الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله، أفتنا في الخمر والميسر (^٢) فإنهما مَذهَبةٌ للعقل ومَسلَبةٌ للمال، فنزلت: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فشربها قوم وتركها آخرون (^٣).
_________________
(١) في (ح) و(د) و(ف) و(م): "قال القاضي: فأخذ المسلمون يشربونها، كأنه زعم أنهم كانوا ممتنعين عن شربها. منه".
(٢) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "ومن اقتصر على قوله في الخمر فقد قصر. منه ".
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٦٠). وجاء في هامش (ف) و(د): "تمامه يأتي في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. منه".
[ ٢ / ٩٧ ]
والخمر: ما خَمَرَ العقل؛ أي: ستره، كأنها سمِّيت بالمصدر للمبالغة، ومنه: الخِمار، لِمَا يستر الرأس.
وقال ابن الأنباري: سُميت خمرًا لأنها تُخامِرُ العقل؛ أي: تخالطُه (^١).
وقال (^٢) عمر ﵁ في خُطبته: أيها الناسُ، فإنه نزل تحريمُ الخمر وهي من خمسة: من العنب، والعسل، والتمر، والحنطة، والشعير (^٣).
والميسِر: القِمار، وقال الأزهريُّ: الميسر: الجَزُور الذي كانوا يتقامرون عليه سمِّي ميسِرًا لأنَّه يجزَّأُ أجزاءً فكأنه موضعُ التجزئة، وكلُّ شيءٍ جزَّأْتَه فقد يَسَرْتَه، والياسر: الجازر؛ لأنَّه يُجزِّئ لحم الجزور (^٤).
﴿قُلْ فِيهِمَا﴾ لمَّا كان منشأً للإثم وسببًا للمنافع جعلهما منبعًا له ومعدنًا لها؛ تنبيهًا على قوتهما في المَنشئيَّة والسببيَّة، فلا حاجة إلى تقدير المضاف، بل لا وجه له عند البلغاء، فلا دلالة في هذا على أن السؤال عن تعاطيهما.
﴿إِثْمٌ﴾ الإثم: ما يَستحِقُّ فاعلُه العقاب، فيختصُّ بما يكون عمدًا، يرشدك إليه ذكره في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ [النساء: ١١٢] في مقابَلة (^٥) الخطيئة.
_________________
(١) انظر: "الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٤٣٥).
(٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "قال".
(٣) رواه البخاري (٥٥٨٨)، ومسلم (٣٠٣٢). وجاء في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "ذكره القرطبي في تفسيره، فمن خصها [(ف): قصرها] بالاثنين منها لم يصب ".
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (١٣/ ٤٣). وجاء في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "والميسر بهذا المعنى يناسب الخمر بخلاف في الكشاف وغيره".
(٥) في (م): "مقابل".
[ ٢ / ٩٨ ]
﴿كَبِيرٌ﴾ من حيث إنه يؤدِّي إلى الانتكاب عن المأمور وارتكابِ المحظور.
﴿وَمَنَافِعُ﴾ من الطرب والالْتِذاذ وكسبِ المال ومُصادقة الفتيان، وفي الخمر خصوصًا (^١) تشجيعُ الجبان، وتوفيرُ المروءة، وتقوية الطبيعة.
﴿لِلنَّاسِ﴾ في عبارة اسم الجنس إشارةٌ إلى عموم المنافع لِمَا تحته من الأصناف والأفراد، وفيه وفي جمع المنفعة تمهيدٌ لتعظيم الإثم فيهما؛ ضرورةَ أن تعظيم المفضَّل عليه يَستلزِم تعظيمَ المفضَّل.
﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ يعني: أن الإثم المترتِّب على المفاسد التي تنشأ من كلٍّ منهما أعظم من المنافع المتوقَّعة منه، قال الحسن: هذه الآية تدل على تحريم الخمر؛ لأنَّه ذكر أنَّ فيها (^٢) إثمًا، وقد حرم الله تعالى الإثم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] على أنه قد وصف ما فيها من الإثم بالكبير، والكبيرُ منه حرامٌ بلا خلافٍ.
وقوله حَسَنٌ ها ن كان مخالفًا لِمَا رُوي فيما سبق.
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ قد مر أن سائله أيضًا عمرو بن الجموح.
﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ نقيضُ الجهد، وهو القصدُ في الإنفاق بحيث لا يبلغُ الجهدَ واستفراغَ الوُسع.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: مثلَ ما بيَّن من (^٣) الأحكام، والكافُ في موضع النصب صفةً لمصدرٍ محذوف، وتوحيد العلامة على تأويل القبيل (^٤).
_________________
(١) في (ح) و(ف): "خصوصيات".
(٢) في (ك): "فيهما".
(٣) في (ف): "في ".
(٤) يعني: كان مقتضى الظاهر أن يقال: كذلكم، على طبق ﴿لَكُمُ﴾، لكنه وحَّد بتأويل نحو القبيلة أو الجمع، مما هو مفرد اللفظ جمعُ المعنى؛ رومًا للتخفيف لكثرة لحوق علامة الخطاب باسم=
[ ٢ / ٩٩ ]
(٢٢٠) - ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ يتعلق بـ ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: لعلكم تتفكرون في أمر الدارين وما هو أصلحُ لكم فيهما، فتختارونه وتتجنَّبون عما يضرُّكم ولا ينفعُكم، أو يضرّكم أكثر.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ الحالُ تشهدُ بأن السؤال ليس عن أعيانهم، بل عن كفالتهم ومخالَطتهم، والإفصاحُ بأمثال هذه تجافٍ (^١) عن طريق البلاغة؛ لأنَّه لا يخلو عن غباوةٍ للمتكلِّم أو تغبيَةٍ للمخاطَب وسوءِ أدبٍ، وكلامُ الله تعالى مبرَّأٌ عن كلِّ هُجنةٍ.
رُوي أنه لمَّا نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] تجافَوا عن اليتامى وتركوا مخالطتهم والقيامَ بمصالحهم وأموالهم والاهتمامَ بأحوالهم، فشَقَّ ذلك عليهم وكاد يُوْقعُهم في الحرج، فذُكر لرسول الله ﷺ فنزلت (^٢).
وعلى هذا لا سؤالَ في سبب النزول، فالوجه ما قاله مقاتل: من أن المسلمين لمَّا أشفقوا من مخالطة اليتامى، فعزلوا بيت اليتيم وطعامَه، شق عليهم فقال ثابت بن رِفاعةَ للنبيِّ ﵇: قد أنزل الله في اليتيم ما أَنزل فعزلناهم والذي لهم واعتزلنا والذي لنا، فشَقَّ علينا وعليهم وليس كلُّنا يجد سَعةً، فهل يَصْلُحُ لنا مخالطتُهم فيكونَ البيتُ والطعامُ واحدًا لا نرزؤهم شيئًا إلا أن نعود (^٣) عليهم بأفضل منه؟ فنزل قوله تعالى:
_________________
(١) = الإشارة. انظر: "روح المعاني" (٣/ ٢٥٤).
(٢) في (د): "تخاف "، وفي (ح) و(ف) و(ك): "تخالف"، والمثبت من (م).
(٣) رواه أبو داود (٢٨٧١)، والنسائي (٣٦٦٩)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) في (ح) و(د) و(م): "يعود".
[ ٢ / ١٠٠ ]
﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي: مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم (^١).
﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ حثٌّ على المخالطة، أي: إنهم إخوانكم في الدِّين، وحقُّ الأخ أن يخالط أخاه.
والخلط: الجمع بين أجزاء شيئين سواءٌ كانا مائعَين أو غيرَ مائعين، فهو أخصُّ من المزج.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ واللهُ يَميزُ المخالط بالإفساد من المخالط (^٢) بالإصلاح، ولا يخفى عليه، فيجازي بحسَبه، فلا تقصدوا في مخالطتهم إلا الإصلاح.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ إعناتكم.
﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾: لحمَلكم على العنَت (^٣) وهو المشقَّةُ، ومنَعكم عن المخالطة فوقعتُم في الحرج.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ يَقدر على الإعنات.
﴿حَكِيمٌ﴾ لا يكلِّف إلا ما يَسَعُ طاقتهم ويُصلح حالهم.
* * *
(٢٢١) - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (١/ ١٨٩).
(٢) في (ح) و(ف) و(ك): "المخالطة" في الموضعين.
(٣) في (م): "التعنت".
[ ٢ / ١٠١ ]
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾؛ أي: ولا تتَزوَّجوهن (^١)، وقرئ بالضم (^٢)؛ أي: ولا تزوِّجوهن من المسلمين.
المشركاتُ والمشركةُ تعمُّ الكتابية؛ لقو له تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣١] ولكن خُصَّت عنها الكتابياتُ الذِّمِّيات بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، وبقيت الحربيات في عموم هذه الآية.
رُوي أنه ﵇ بعث مَرثدَ الغَنَويَّ إلى مكة ليخرج منها أناسًا من المسلمين، فأتته عَنَاق وكان يهواها في الجاهلية فقالت: ألا تخلو (^٣)؟ فقال: إن الإسلام حالَ بيننا، فقالت: هل لك أن تتزوَّج بي؟ فقال: نعم، ولكن أستأمرُ رسول الله ﷺ، فاستأمره ﵇ فنزلت:
﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ (^٤) يعني: أن المؤمن ولو كان معه خساسةُ الرِّقِّ خيرٌ من الكافر ولو كان معه شرفُ الحرية، فإن شرفها لا يُجدي نفعًا مع الكفر، ودناءةَ الرق لا تَضرُّ مع شرف الإيمان.
_________________
(١) في (د): " تتزوجوهن".
(٢) نسبت للأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٣).
(٣) في (ك): "نخلو".
(٤) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٦٤) وعنه نقل المؤلف، و"أسباب النزول " للواحدي (ص: ٧٣) وذكره من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. والكلبي متروك، وأبو صالح باذام ضعيف يرسل، ولم يسمع من ابن عباس، فالخبر واه، ونزول الآية في هذه القصة ليس بصحيح كما ذكر الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: ١٨)، وإنما الآية التي نزلت فيها هي قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] كما في "سنن أبي داود" (٢٠٥١)، و"سنن الترمذي" (٣١٧٧).
[ ٢ / ١٠٢ ]
﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ جملة اعتراضية، وجواب (لو) محذوف لدلالة ما قبلها عليه، وكذا ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾؛ أي: ولو أحببتُموها وأعجبكم حسنُها كانت المؤمنة مع ذلك خيرًا لكم.
﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾: ولا تُزوّجوهم المؤمنات، وهو على عمومه.
﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ وُضع اللازم مقام الملزوم في الموضعين للتنفير والترغيب، فقال:
﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المشركون والمشركاتُ.
﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾؛ أي: الشرك المستلزِم لدخول النار، فحقُّهم أن لا يُوالَوا ولا يُصاهَروا.
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾؛ أي: الإيمان المستلزم (^١) لدخول الجنة، وأُورد (اللهُ) مكان: المؤمنين؛ لاختصاصهم به وتعظيمِهم؛ حثًّا على مصاهرتهم وموالاتهم وإيثارهم على غيرهم.
﴿بِإِذْنِهِ﴾: بتيسيره وتوفيقه لِمَا يُستَحَقُّ به الجنة والمغفرةُ من الإيمان والعمل الصالح.
﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: لكي يتذكَّروا، أو: يكونوا بحيث يُرجى منهم التذكُّر لِمَا رُكز في العقول السليمة من الميل إلى نيل الخير والاجتنابِ عن مظانِّ المضارّ.
* * *
_________________
(١) في (ح) و(د) و(ف) "الملزوم"، وفي (ك): (الملزم).
[ ٢ / ١٠٣ ]
(٢٢٢) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ المحيض مصدر، يقال: حاضت محيضًا (^١)، كما يقال: جاء مجيئًا.
رُوي: أن أهل الجاهلية كانوا لم يساكنوا الحيَّضَ ولم يؤاكلوها كفعل اليهود والمجوس، واستمر ذلك إلى أن سأل أبو الدَّحْداح في نفر من الصحابة ﵃ عن ذلك فنزلت (^٢).
ولعله سبحانه إنما ذكر (يسألونك) في المواضع الثلاثة بغيرِ واوٍ وفي المواضع الثلاثة بعدها مع الواو؛ لأن الأُوَلَ ليسق بمظنَّةٍ للواو، وكانت الأسئلة عن الحوادث الأُوَل في أحوالٍ متفرقةٍ كلُّ واحد منها سؤال مبتدأ، والأسئلة عن الحوادث الأُخَر مع ثالثة (^٣) الأُول كانت في وقتٍ واحد، وليس مبنَى هذا على أن الواو حرفُ الجمع؛ لأن الجمع الذي هو مدلولُ الواو أعمُّ من المعية، بل على أن في ترك الواو دلالةً على الاستقلال، وفي ذكرها دلالةً على خلافه.
﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ لمَّا كان الموضعُ موضعَ الكناية والمجاز - لكون التصريح والحقيقةِ لا تخلو عن سوء أدبٍ - سلك طريقة التعريض والتشبيهِ بأحسنِ الوجوه، فكَنَى عن المحيض المستقذَر الذي يَنفر منه (^٤) الطبع بالأذى، وهو اسمٌ لِمَا يَنال منه النفسَ مكروهٌ، وعن اجتناب المجامعة بقوله:
_________________
(١) في (ح) و(ف): "حاضت حيضًا"، وكلاهما صواب. انظر: "البحر المحيط" (٤/ ١٣٤).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ١٥٦)، و"الكشاف" (١/ ٢٦٥). وأبو الدحداح اسمه: ثابت بن الدحداح، قيل: استشهد في أحد، وقيل: مات على فراشه مرجع رسول الله ﷺ من الحديبية.
(٣) في (ح) و(ف) و(م): " ثلاثة"، وفي (ك): "الثلاثة".
(٤) في (ك) و(م): "عنه".
[ ٢ / ١٠٤ ]
﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ واصل الاعتزال: العدولُ عن الشيء، ولمَّا كان الإنسان قد يتحمَّل الأذى ولا يراه محرَّمًا، صرَّح بالحكم ولم يكتفِ بذكر العلة، وإنما أكَّد بصيغتي نهي وأمر مبالغةً في المنع؛ لِمَا أن الزوجين يجتمعان غالبًا ومعهما داعيان إليه ظاهرًا، والدليل على أن المراد الاجتناب عن مجامعتهن قوله ﵇: "إنما أمركم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم يأمركم بإخراجهنَّ من البيوت كفعل الأعاجم " (^١)، وهو الاقتصادُ بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعونهنَّ ولا يبالون بالحيض.
﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بيان لغايته؛ أي: يخرجن من الحيض بانقطاع الدم، وإذا كان أيامُها عشرةً فكما (^٢) انقطع حلَّ وطؤها (^٣)، وإذا كانت دون ذلك وانقطع واغتسلت فكذلك، وإذا لم تغتسل ومضى عليها وقتُ صلاةٍ (^٤) فكذلك، خلافًا لزُفرَ والشافعيِّ فإنهما قالا: لا يحلُّ بحالٍ قبل الاغتسال، واحتجَّا بقراءة التشديد (^٥)؛ فإن التطهُّر (^٦) الاغتسالُ، ونحن نعمل بالقراءتين في حالين، وفيه نظر؛ لأن شرط العمل بالمفهوم أن لا يكون مخالفًا للمنطوق، ومفهومُ قراءة التخفيف مخالفٌ لمنطوق قراءة التشديد.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٦٥). وقال الحافظ في "الكاف الشاف " (ص: ١٨): لم أجده.
(٢) في (د): "فيما".
(٣) في النسخ: " وطئها"، والصواب المثبت.
(٤) كلمة: "صلاة" ليست في (ف) و(م).
(٥) أي: (يَطَّهَّرن)، وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم. انظر: "التيسير" (ص: ٨٠).
(٦) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "التطهير"، والمثبت من (د)، وهو الصواب؛ لأن التطهير مصدر: طهَّر، والقراءة بالتشديد من: تطهَّر، الذي مصدره: التطهُّر، ومضارعه: يتطهر، فأدغمت التاء في الطاء فصار: يطَّهَّر.
[ ٢ / ١٠٥ ]
ونحن نقول: ليس العمل بقراءة التخفيف بطريق المفهوم، بل بطريق المنطوق؛ فإن الدلالة على انتهاء الحكم عند الغاية بحسب الوضع (^١).
ثم إن قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ ظاهر في تأخير جواز الإتيان عن الغسل.
﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: المأتَى الذي أمركم به وحلَّله لكم وهو القُبل، وإنما زيدَ هذا وكان الكلام تامًا بدونه؛ للنهي بطريق المفهوم عن إتيانهنَّ في الدبر، فإن الله تعالى حرَّم الإتيان في أيام الحيض للأذى، فيحرم إتيان الدبر في الأحوال كلِّها؛ لِمَا فيه من الأذى، ومن هنا ظهر وجه تصدير الكلام المذكور بالفاء التفريعيَّة.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ مما عسى يَندُر منهم من ارتكاب ما نُهوا عنه ومن سائر الذنوب.
﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾: المتنزِّهين عن الفواحش والأقذار؛ كمجامَعة الحائض والإتيانِ في غير المأتَى.
* * *
(٢٢٣) - ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ إشارةٌ إلى أن الغرض الأصليَّ (^٢) من الإتيان المأمور به طلبُ النسل لا مجرَّدُ قضاء الشهوة، وإلى وجه النهي الذي قُصد بطريق المفهوم،
_________________
(١) في هامش (ح) و(د) و(ف): "وهذا مما ذهب على أئمة الأصول. منه ". وعُكس المعنى في هامش (م)، حيث جاء فيه: "وهذا إنما ذهب إليه أئمة الأصول. منه".
(٢) في (د): "الأصيل".
[ ٢ / ١٠٦ ]
شبَّههن (^١) بالمحارث تشبيهًا لإلقاء النُّطف في الأرحام للنسل بإلقاء البذر (^٢) في الأرض للزرع، ولمَّا كان التشبيه المذكور مترتَبًا على هذا التمثيلِ المتروك ترتُّبَ اللازم على الملزوم، لم يبعد أن يسمَّى تمثيلًا على سبيل الكناية، والقومُ قد غفلوا عن هذا النوع من التمثيل.
﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ كما يأتي الحراثون مَحارثهم من أيةِ جهةٍ شاؤوا بعد مراعاةِ موضع الحرث، عبّر به عن وجوه الإتيان المختلفةِ مع اتحاد المائى (^٣) تمثيلًا لحالهم بحالهم.
رُوي: أن اليهود كانوا يقولون: مَن جامَعَ امرأته وهي مُجئيةٌ (^٤) من دبرها في قبلها كان ولدها أحولَ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "كذبت اليهود" فنزلت (^٥).
﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ الخيرَ والذُّخر بطاعة الله (^٦) تعالى فيما أَمر به ونَهى عنه في هذه الآية.
وقيل: النيَّةَ الخالصةَ؛ أي: لا تقتصِروا (^٧) على قضاء الشهوة، ولكنِ اقصِدوا التعفُّف والولد.
_________________
(١) في (ف) و(م): "شبهن".
(٢) في (ك) و(م): "البذور".
(٣) المائق بالفتح: محل الإتيان، وهو القبل. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٢/ ٣٠٨).
(٤) المجبية بميمٍ مضمومة، ثم جيمٍ مفتوحة، ثم باءٍ موحدة مشددةٍ مكسورة، ثم ياءٍ مثناة من تحت؛ أي: مكبوبة على وجهها. انظر: "شرح مسلم " للنووي (٦/ ١٠).
(٥) رواه البخاري (٤٥٢٨)، ومسلم (١٤٣٥)، والنسائي في "الكبرى" (٨٩٢٤)، من حديث جابر ﵁. وليس في رواية الصحيحين: (كذبت اليهود).
(٦) في (ف): "بطاعته".
(٧) في (ف): "تقصروا".
[ ٢ / ١٠٧ ]
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بالاجتناب عن المعاصي.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ فلا تجترئوا عليه بمخالفته، وتزوَّدوا بما لا تَفتَضِحون به.
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المستوجِبينَ للمدح والكرامة بترك القبائح والفواحش.
* * *
(٢٢٤) - ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً﴾ العُرضة فُعْلةٌ بمعنى المفعول كالغُرْفة (^١)، تُطلق لِمَا يَعرِضُ دون الشيء.
﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾ يتعلق بـ ﴿عُرْضَةً﴾؛ أي: حاجزًا لأيمانكم؛ إذ في العُرضة معنى الاعتراضِ والمنع. أو بالفعل؛ أي: لا تجعلوا لأيمانكم حاجزًا (^٢).
﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ عطفُ بيانٍ لـ (أيمانِكم) أي: للأمور المقسَم عليها التي هي البرُّ والتقوى والإصلاحُ بين الناس، ويجوز أن يكون اللام
_________________
(١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): (كالفرقة)، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٢٦٧).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٦٧)، ولفظه: (لا تجعلوا الله لأيمانكم برزخًا وحجازًا). قال الشهاب في "حاشيته على البيضاوي" (٢/ ٣٠٩): (وجوز الزمخشريُّ تعلقه بالفعل، والمصنف ﵀ (يعني: البيضاوي) تركه، فقيل: لا وجه لتركه، ولعل وجهه (أي: وجهَ تركه) أن جعَل يتعدى لمفعولين بنفسه، وقد يتعدى لواحد بنفسه وللثاني باللام نحو: جعلت المال لزيد، وأما تعديه للثالث به (أي: باللام) فلم يعهد، وقيل: إن وجه الاقتصار أنه يظهر من المذكور بطريقِ الأَولى، وفيه ما فيه).
[ ٢ / ١٠٨ ]
للتعليل و﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ وما عطفٌ عليه متعلقًا بالفعل، أي: ولا تجعلوا الله عرضةً لأنْ تبرُّوا لأَجْل أيمانكم به، أو بـ ﴿عُرْضَةً﴾، أي: ولا تجعلوه مُعرَّضًا لأيمانكم فتبتذِلوه بكثرة الحَلِف، ولذلك ذَمَّ الحلَّاف بقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]، و﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ علة للنهي؛ أي: أنهاكم عنه إرادةَ بِرِّكم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس، فإن الحلَّاف مجترئٌ على الله، والمجترئُ عليه (^١) لا يكون بَرًّا متَّقيًا ولا موثوقًا به في إصلاح البين.
نزلت في الصِّدِّيق ﵁ لمَّا حلف أنْ لا ينفق على مِسْطَحٍ لافترائه على عائشة ﵂ (^٢).
وقيل: في عبد الله بن رواحة حين حلف أن لا يكلِّم خَتَنَه بشيرَ بنَ النعمان، ولا يُصلحَ بينه وبين أخته (^٣).
﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لأيمانكم.
﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّاتكم فيجازيكم بحسَبها (^٤)، وهو وعيدٌ على كثرة الحلِف، وعلى جعله مانعًا لشيء من أنواع البِرِّ والتقوى.
* * *
(٢٢٥) - ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ اللغو: الشيءُ الساقط الذي لا يُعتدُّ به من كلامٍ
_________________
(١) في (د): "والمجترئ قلبه ".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ١٠) عن ابن جريج.
(٣) انظر: "زاد المسير" (١/ ١٩٤) عن ابن عباس، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ١٦٣) عن الكلبي.
(٤) في (م) و(ف): "بجنبها".
[ ٢ / ١٠٩ ]
وغيره، فاللغو من اليمين: هو الذي لا عَقْدَ له كما سبق به اللسان أو تكلَّم به جاهلًا بمعناه؛ كقول العرب وغيرهم في أثناء الكلام للتأكيد: لا والله، وبلَى والله، ولا يخطر ببالهم الحلفُ بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وهو قصدُ القلب لعقدِ اليمين، والمعنى: لا يؤاخذكم الله بعقوبةٍ ولا كفَّارة بما لا قصد معه، ولكن يؤاخذكم بواحدٍ منهما بما قصدْتُم من الأيمان.
وقال أبو حنيفة: اللغو أن يحلفَ الرجل بناءً على ظنِّه الكاذب، والمعنى: لا يعاقبكم بما أخطأتم فيه من الأيمان، ولكنْ يعاقبُكم بما تعمَّدْتم الكذب فيها، ولا يساعدُه ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
﴿وَاللَّهُ غَفُور﴾ حيث لم يؤاخذ (^١) باللغو.
﴿حَلِيمٌ﴾ حيث لم يعجِّل بالمؤاخَذة على يمينِ الجِدِّ تربُّصًا للتوبة.
* * *
(٢٢٦) - ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾؛ أي: يحلفون على أن لا يجامعوهنَّ، والإيلاء: الحلِفُ، وتعديته بـ (على)، إلا أنه ضمِّن في هذا القسَم معنى الامتناع فعدِّي بـ ﴿مِنْ﴾؛ أي: يمتنعون (^٢) من نسائهم مُقْسِمين.
ويجوز أن يكون المقسَم عليه محذوفًا والمراد: لهم من نسائهم ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾؛ كقولك: لي منك كذا.
_________________
(١) في (م): "يؤاخذكم".
(٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "يمنعون".
[ ٢ / ١١٠ ]
والتربُّص: الانتظار والتوقُّف، أُضيف إلى الظرف على الاتِّساع؛ أي: للمؤلى التلبُّثُ في هذه المدة فلا يلزمه شيء فيها، وهذا لا ينافي وقوع (^١) الطلاق البائنِ عند مضيِّها كما قال أبو حنيفة، ولا يقتضي أن تكون مدة الإيلاء أكثر مما ذكر كما (^٢) قاله الشافعي، ولا دلالة في الفاء في قوله:
﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ على ذلك؛ لأنها للتعقيب، فإنَّ التفصيل بالفَيئة - وإن كانت قبل مُضيِّ المدة أو وقوعِ الطلاق - يَعْقُب المفصَّل.
والفيء: الرجوع، أي: إن رجعوا عن هذا الإضرار بترك القُرْبان بأنْ تقرَّبوا في المدة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يَغفر للمُؤلين ما أرادوا به إضرار النساء؛ لأَجْل الفَيئة التي بمثابةِ التوبة.
﴿رَحِيمٌ﴾ حيث أجاز لهم الحِنْثَ، وقَبِل منهم الكفَّارةَ، ورَفع عنهم الذَّنب.
* * *
(٢٢٧) - ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ العزم هو العقدُ على الإمضاء.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ بما جرى بينكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بما قصدْتُموه.
* * *
(٢٢٨) - ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
_________________
(١) في (د): "بوقوع".
(٢) في (م): "كذا".
[ ٢ / ١١١ ]
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ يعني: اللاتي من ذوات الأقراء بقرينةِ الخبرِ، عامٌّ مخصَّصٌ بالمدخول بهنَّ من الحرائر بالنصوص الدالَّةِ على اختصاص الحُكم الآتي ذكرُه بهنّ (^١).
﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ إخبار في معنى الأمر، وإنما عُدل عن الظاهر للتأكيد وإظهارِ الاعتناء بالمبادَرة إلى الامتثال والمسارَعة (^٢) كأنهن امتثلْنَه، وأُخبر عنه موجودًا كما يقال في الدعاء: رحمك الله، شغفًا بالإجابة وثقةً بها، كأن الرحمة وقعت فأُخبر عنها، وبناؤها على المبتدأ زاده فَضْلَ تأكيدٍ لم يكن لو قيل: يتربصن المطلقات.
وفي قوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ زيادةُ تحريضٍ وبعثٍ وتهييجٍ لهن على التربُّص وقمعِ الأنفُس، وذلك أن أنفُس النساء طوامحُ إلى الرجال، فإذا أُمرن أن يقمَعْنَها وَيغْلِبْنها على الطموح يَستنكِفْن فتحملُهنَّ حميّتهن على التربُّص بها.
﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ انتَصب على أنه مفعولٌ به، كقولك: المحتكر يتربَّص الغلاءَ، أي: يتربَّصنَ مُضيَّ ثلاثةِ قروءٍ. أو على أنه ظرفٌ، أي: يتربَّصن مدةَ ثلاثةِ قروء.
والقروء: جمع القرء بالضم والفتح، وهو لفظٌ مشترَكٌ بين الحيض والطُّهر بإجماعِ أهل اللغة، وقد ورد الشرعُ في كلِّ واحدٍ منهما:
قال ﵇ لامرأة: "دَعِي الصلاة يوم قرئك" (^٣) " أي: حيضك.
_________________
(١) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "ومن وَهَم أنه مطلق فقد وهم. منه".
(٢) "والمسارعة": ليست في (ك) و(م).
(٣) رواه الطبراني في "مسند الشاميين" (٢٤٧٧) بلفظ: "اجلسي أيام أقرائك"، هذا أقرب الألفاظ المسندة إليه، وله روايات في الصحيحين والسنن بغير هذا اللفظ.
[ ٢ / ١١٢ ]
وقال لعبد الله بن عمر ﵄: "إن من السُّنَّة أن تطلِّقها في كلِّ قرءٍ تطليقة" (^١)؛ أي: في كلِّ طُهرٍ.
وقال أبو حنيفة: إن المراد من القرء هنا الحيض.
وقال الشافعي: المراد الطهر.
وقوله ﵇: "طلاقُ الأَمَة تطليقتان وعِدَّتُها حيضتان" (^٢) صريحٌ في الأول.
وإنما جاء المميِّز على جمع الكثرة دون القلَّة التي هي الأقراءُ اعتبارًا لِمَا في (المطلَّقات) من معنى العموم، فإن المعنى: ليتربصْ كلُّ واحدة من المطلَّقات ثلاثةَ قروء، فلمَّا أُسند إلى جماعتهن والواجبُ على كلِّ واحدة منهنَّ ثلاثةٌ (^٣)، أُتي بلفظ القرء ليدلَّ على الكثرة المرادة، وإمَّا الأنفُس فكأنَّ النكتة في تقليلها الإيماءُ إلى أن التطليق ينبغي أن يكون قليلَ الوقوع من الرجال.
﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من الولد بأن (^٤) يكتُمن حملهنَّ استعجالًا للطلاق مخافةَ أنْ يَنتظِرَ الزوج لطلاقها أن تضع، أو يشفِقَ على الولد فلا يطلِّقَ.
وقيل: من الحيض، بأن تقول: طهرت، وهي حائضٌ؛ استبطاءً للفراق.
_________________
(١) رواه الطبراني في "مسند الشاميين" (٢٤٥٥).
(٢) رواه أبو داود (٢١٨٩)، والترمذي (١١٨٢)، وابن ماجه (٢٠٨٠)، من حديث عائشة ﵂. قال أبو داود: حديث مجهول. وقال الترمذي: غريب، وأشار إلى جهالة أحد رجاله.
(٣) في (م) زيادة: "قروء".
(٤) في (ح) و(د): " الولد أن". وفي (ف) و(ك): "الولدان".
[ ٢ / ١١٣ ]
ويجوز أن يكون الكتمان كنايةً عن إرادتهن إسقاطَ ما في أرحامهنَّ من الأجنة، فلا يعترفنَ بهنَّ، وفيه دليل على أن قولها مقبولٌ في ذلك.
﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تعظيم لفعلهن وإثمهن؛ أي: لا يفعل ذلك مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يَجترِئُ على مِثْل هذه العظائم. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾، أي: أزواجُ المطلَّقات، والبعولُ: جمع بعلٍ، والتاءُ لاحقةٌ لتأنيثِ الجمع، وإنما سُمي زوج المرأة بعلًا لأنَّه سيِّدُها ومالكُها، ذكره الأزهريُّ (^١)، ومن هنا تبيَّن وجهُ التعبير عنه بالبعل فإن الحكم الآتيَ ذكرُه مخصوصٌ بصورة الطلاق الرجعيِّ الذي لا يزولُ به مِلكُ النكاح، وفي عبارة البعل إشارة إليه.
﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾؛ أي: برجعتهنَّ، ومعنى ﴿أَحَقُّ﴾: أنَّ الرجل إذا أراد الرجعةَ وأَبَتْها المرأة فهو أحقُّ بقبولِ قوله، لا أن لها حقًّا في الرجعة.
﴿فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: في زمان التربُّص.
﴿إِنْ أَرَادُوا﴾؛ أي: بالرَّجعة.
﴿إِصْلَاحًا﴾ بينهم وبينهنَّ لا ضِرارًا، والمراد: التحريضُ عليه (^٢)، والمنعُ من قَصْد الإضرار، لا بيانُ اشتراطِ صحة الرجعة بقصدِ الإصلاح.
﴿وَلَهُنَّ﴾ من الحقوق على الرجال ﴿مِثْلُ الَّذِي﴾ للرجال ﴿عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالوجه الذي لا يُنكر في الشرع والعادةِ الجميلة، أي: لا يكلِّف أحد الزوجين صاحبَه ما لا يُستحسن في الشرع ولا يعنِّف به، ولكنْ يسامحُه ويسهِّل.
_________________
(١) انظر: "تهذيب اللغة" (٢/ ٢٥١).
(٢) في (م) زيادة: "في الرجعة".
[ ٢ / ١١٤ ]
والمراد بالمماثلة: مماثلةُ الواجب بالواجب والمستحبِّ بالمستحبِّ، لا الاتِّحادُ في الجنس (^١).
﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ الدرجة نحو المنزلة، لكن تقال إذا اعتُبرت بالصعود دون الامتداد على البسيط كدرجة السلم، ويعبَّر بها عن المنزلة الرفيعة؛ أي: زيادةُ فضيلةٍ بقيامهم عليهنَّ وإنفاقهم في مصالحهنَّ بعدما تَساويًا في نَيل اللَّذة.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ على الانتقام بمن (^٢) خالَفَ الأحكام.
﴿حَكِيمٌ﴾ شَرَعها لحِكَمٍ ومصالح.
* * *
(٢٢٩) - ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، يعني: التطليق الشرعيُّ كرَّتان على التفريق تطليقةٌ بعد تطليقةٍ يعقُبها رجعةٌ، لا تطليقتان على التَّثنية والإرسالِ دفعةً واحدةً، ولا التطليقُ البائنُ واحدًا كان أو اثنين؛ لقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ﴾؛ أي: فأمرُ الزوج بعدهما إمساك، أو (^٣) فعليه إمساكٌ، ولا يَخْفَى ما في عبارة الإمساك من الدلالة على استدامة المِلك، وهي لا تبقى بعد البائن.
﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ بحُسْنِ عِشرةٍ، وما يُعرف شرعًا من القيام بمَواجبها.
_________________
(١) في (د): " والمراد بالمماثلة: الجوابُ بالجواب، والمستحبُّ بالمستوجب، لا الاتحاد والجنس".
(٢) في (ف): "بما".
(٣) في (ك) و(م): "أي".
[ ٢ / ١١٥ ]
﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ بأنْ لا يراجعَها حتى تَبينَ بالعِدَّة.
﴿بِإِحْسَانٍ﴾ بأنْ لا يراجعَها مراجعةً يريد بها الضِّرارَ وتطويلَ العِدَّة عليها.
وقيل: التسريحُ أن يطلِّقها الثالثةَ في الطُّهر الثالث، وروي: أن سائلًا سأل رسول الله ﷺ: أين الثالث؟ فقال ﵇: " ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ " (^١).
وظاهرُ الآية حجةٌ على الشافعيِّ في قوله: لا بأس بإرسالِ الثلاث. ولا متمسَّك له في حديث العَجْلاني الذي لاعَنَ امرأته، فطلَّقها ثلاثًا بين يدي رسول الله ﷺ ولم ينكِرْ عليه (^٢)، لعدم الدليل بتأخّره عن نزول الآية.
﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ أيها الأزواج.
﴿أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ من الصَّداق (^٣).
﴿شَيْئًا﴾ قليلًا.
﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾: إلا أن يخافَ الزوجان، استثناءٌ مفرَّغٌ، و﴿أَنْ يَخَافَا﴾ نصبٌ على الظرف، أو مفعولٌ له، الْتفاتٌ كأنهم إذا رضوا بالخلع وهمُّوا بالأخذ وقعوا في حدِّ البُعد ولم (^٤) يَستأهلوا للخطاب، لعدم إنصافهم وعدالتهم، واحتياجهم إلى الأئمَّة والحكَّام، فخوطبوا بما يأتي.
ويجوز أن يكون الخطاب الأولُ أيضًا للحكام وإنْ لم يكن الأخذُ والإيتاء منهم؛ لأنهم الآمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافُع إليهم، فكأنهم الآخذون والمؤتون.
_________________
(١) رواه أبو داود في "المراسيل" (٢٢٠) عن أبي رزين الأسدي.
(٢) رواه البخاري (٥٢٥٩)، ومسلم (١٤٩٢)، من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁.
(٣) في (ف): "الصدقات".
(٤) في (ك): "وقعوا في حق البعد ولما".
[ ٢ / ١١٦ ]
وقرئ: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ على البناء للمفعول (^١) وإبدالِ ﴿أَنْ﴾ بصلته عن الضَّمير بدلَ الاشتمال.
وقرئ: (يَظُنَّا) (^٢)، ويؤيدُه تفسير الخوف بالظنِّ.
﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ بتركِ إقامة حدود الله فيما يَلزمُهما من مَواجِب الزوجية؛ لمَا يحدُث من نشوز المرأة وسوء خلقها.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أيها الحكام أن لا يقيما حدود الله بتركهما إقامةَ الحدود (^٣) المذكورة.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾؛ أي: لا جناحَ على الزوج فيما أخذ، ولا على المرأة فيما بذَلت وافتَدت به نفسَها، واختَلَعت به من الصداق، أو الزيادةِ عليه على كُرْهٍ.
رُوي أن جميلة أختَ عبد الله بن أبيٍّ كانت تحت ثابتِ بن قيس، وكانت تُبغضه وهو يحبُّها، فأتت رسول الله ﵇ فقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا ثابت، لا يجمع رأسي ورأسه شيء، والله ما أَعيب عليه في دِينٍ ولا خُلُقٍ، ولكنِّي أكره الكفر في الإسلام (^٤)، ما (^٥) أطيقُه بغضًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عِدَّةٍ، فإذا هو أشدُّهم سوادًا وأقصرُهم قامةً وأقبحُهم وجهًا. فنزلت. وكان قد
_________________
(١) هي قراءة حمزة من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٨٠).
(٢) تنسب لأبي ﵁. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٤٦)، و"الكشاف" (١/ ٢٧٥).
(٣) في (ح) و(ف): (بتركهما إقامة حدود الله)، ووقع بدل هذه الجملة في (د) عبارة: "فلا جناح".
(٤) في هامش (ح) و(د) و(م): "أي: كفر الإحسان للأزواج. منه".
(٥) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "وما"، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما "الكشاف" (١/ ٢٧٤).
[ ٢ / ١١٧ ]
أصدقها حديقةً فاختلعت (^١) منه بها، وهو أول خُلعٍ كان في الإسلام (^٢).
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى ما حُدَّ من الأحكام.
﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ عدَل عن الضمير إلى الظاهر للتفخيم.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ تعقيبٌ للنهي (^٣) بالوعيد مبالغةً في التهديد.
* * *
(٢٣٠) - ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ متعلِّق بقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ تفسيرٌ لقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ اعتَرض بينهما ذكرُ الخلع دلالةً على أن الطلاق يقع مجَّانًا تارةً وبعِوَضٍ أخرى.
والمعنى: فإن طلقها بعد الثنتين ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾؛ أي (^٤): من بعدِ ذلك التطليق.
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): (واختلعت).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٧٤). وروى الخبر الطبري في "تفسيره" (٤/ ١٣٧ - ١٣٨)، وفيه بعد قولها: (وأقبحهم وجها): قال زوجها: يا رسول الله، إني أعطيتها أفضل مالي! حديقة، فإن ردت على حديقتي! قال: "ما تقولين؟ " قالت: نعم، وإن شاء زدته! قال: ففرق بينهما. وصححه الشيخ أحمد شاكر في طبعته (٤/ ٥٥٣)، وانظر كلامه عليه ثمة. لكن كما هو واضح من لفظ الخبر عند الطبري أنه ليس فيه: (فنزلت)، وكذا رواه البخاري (٥٢٧٣ - ٥٢٧٧) مختصرًا بعدة روايات ليس فيه: (فنزلت)، فلعلها من تصرفات الزمخشري، وقد كنت بعد أن كتبت هذا وجدت السيوطي قد قال في "نواهد الأبكار" (٢/ ٤٢٩): وليس في شيء من طرق الحديث التصريح بنزول الآية في هذه القصة.
(٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "فتعقيب النهي".
(٤) "أي "من (م).
[ ٢ / ١١٨ ]
﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾، أي: تتزوَّجَ ﴿زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، والنكاحُ يستندُ إلى كلٍّ منهما كالتزوُّج (^١)، يقال: فلانةُ ناكحٌ في بني فلانٍ.
وتمسَّك ابن المسيِّب بدلالةِ ﴿حَتَّى﴾ على انتهاء الحرمة بتزوُّجها زوجًا آخر في الاقتصار على العقد في التحليل (^٢).
فإن قلتَ: أليست الحرمةُ باقية إلى أن يطلِّقها وتنقضيَ عِدَّتُها.
قلتُ: بل تنتهي تلك الحرمةُ بالعقد، وتَحدث حرمةٌ أخرى هي أثرُه.
والجمهور على أنه لا بد من الإصابة؛ لحديث العُسيلة (^٣)؛ ويجوز به انتساخُ حكم الغاية وإن كان ثبوته (^٤) منطوقًا لا مفهومًا؛ لأنَّه حديث مشهورٌ تلقَّته الأمةُ بالقبول.
ومنهم مَن دَقَّق (^٥) وقال: إنَّ شرط الدخول ثابتٌ بنصِّ الكتاب؛ لأن المراد من التزوُّج الإصابةُ على أنها كناية عن حظِّها من الشرط المذكور (^٦)، أو الكلامُ على
_________________
(١) في (ف): "كالزوج".
(٢) انظر: "الإشراف" لابن المنذر (٥/ ٢٣٨)، وفيه: وأجمع عامة علماء الأمصار على القول بما ذكرناه (أي: أن المراد هنا بالنكاح الجماع)، إلا ما رويناه عن سعيد بن المسيب … وكان سعيد بن المسيب من بين أهل العلم يقول: إذا تزوجها تزويجًا صحيحًا لا يريد به إحلالًا، فلا بأس بأن يتزوجها الأول. ولا نعلم أحدًا من أهل العلم قال بقول سعيد هذا إلا الخوارج، والسنةُ مستغنًى بها عن كل قول.
(٣) رواه البخاري (٢٦٣٩)، ومسلم (١٤٣٣)، من حديث عائشة ﵂.
(٤) في (د): "ثبوتًا".
(٥) في (ك) و(م): "وفق".
(٦) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "لا مجال لأن يراد بالتزوج الوطء؛ لأنَّه لا ينسب إلى المرأة نسبة الفعل إلى الفاعل، بخلاف الإصابة، ولا بد من المصير إلى الكناية حتى توجد الدلالة على الشرط المذكور. منه".
[ ٢ / ١١٩ ]
القلب؛ كقوله: أدخلتُ الخاتم في الإصبع، والمعنى: حتى ينكحها زوجٌ آخَرُ، ولا بد من المصير إلى أحدِ هذين الوجهين كيلا يضيعَ قولُه: ﴿زَوْجًا﴾، والحكمةُ في هذا الحُكم الردع عن التسرع إلى الطلاق.
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾؛ أي: الزوج الثاني وانقضت العِدَّة، وهذا القيدُ معلوم من موضعٍ آخر، ولهذا لم يذكر، والفاءُ لتفريع صحة المراجعة بعد تطليقه إياها على ما تقدَّم من ثبوت التحليل بالتزويج به.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾؛ أي: يرجعَ كلٌّ من الزوجِ الأول والمرأةِ إلى صاحبه بالمزاوجة.
﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ حقوقَ المعاشرة وما يجب عليهما من حُسن المصاحَبة.
ومَن فسَّر الظن بالعلم فقد وَهِمَ من جهة اللفظ والمعنى؛ لأنَّه لا يقال: علمت أن يقوم زيد؛ لأنَّ (أنْ) الناصبةَ للتوقُّع، وهو ينافي العلمَ، وأنَّ المستقبل غيبٌ فلا يعلمه إلا الله تعالى، وهذا الظن ليس بشرط في صحة النكاح، بل في إباحته ورفعِ الإثم؛ لأن العقد صحيحٌ وإنْ ظنَّا أنْ لا يُقيما حدود الله.
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أي: الأحكامُ المذكورة.
﴿يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: يفهمون ويعملون بموجَب العلم.
* * *
(٢٣١) - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
[ ٢ / ١٢٠ ]
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أريدَ بالأجل آخرُ المدة، وبالبلوغ مشارفتُه والقربُ منه على الاتِّساع؛ لقوله:
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ إذ لا إمساك (^١) بعد البلوغ حقيقةً.
﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ لمَّا أُعيد ذكرُ الرَّجعة علِّق التسريح بالمعروف تنبيهًا على أنه إن لم تُراعُوا في تسريحها الإحسانَ فراعُوا فيه المعروف، كما قال بعض الناس لسلطان: إن لم تُحْسِنْ فعدلًا.
وهذه الآية ظاهرُها إعادةُ حكم ما تقدَّم، إلا أن الأُولى لبيان جواز الرجعة بعد التطليقة والتطليقتين وهذه لبيان جوازها ما دامتْ في العِدَّة.
وإنما خَصَّ المشارفة بالذكر لأنهم كانوا يطلِّقون المرأة فيتركونها حتى تُشارف انقضاءَ العِدَّة ثم يراجعونها إضرارًا بها، فنهوا عنه بقوله:
﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ بعد الأمر بضدِّه مبالغةً، ونُصب ﴿ضِرَارًا﴾ على أنه مفعولٌ له، أي: للمُضارَّة، أو حالٌ؛ أي: مُضارِّين.
﴿لِتَعْتَدُوا﴾: لتظلموهنَّ بتطويل العِدَّة، أو إلجائها إلى الافتداء، واللام متعلِّقة بالضِّرار؛ إذ المرادُ تقييده.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بتعريضها لعقاب الله تعالى.
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ بالإعراض عنها والتهاوُنِ في العمل بما فيها، من قولهم لمن لم يَجِدَّ في الأمر: إنما أنت هازئٌ، كُني بالنهي عن الهزء عن الأمر بالجدِّ.
_________________
(١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "الإمساك"، والمثبت من (د) وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (١/ ٢٧٧) وفيه: لأنَّه قد علم أنّ الإمساك بعد تقضي الأجل لا وجه له، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٤٣) وفيه: إذ لا إمساك بعد انقضاء الأجل.
[ ٢ / ١٢١ ]
قيل: كان الرجل يطلِّق ويُعتق ويتزوَّج، ويقول: كنتُ لاعبًا، فنزلت (^١). وعن النبي ﷺ: "ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزْلُهنَّ جِدٌّ: الطلاقُ والنكاحُ والرَّجعة" (^٢).
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ التي من جملتها الهدايةُ إلى الإسلام، وبعثةُ محمد ﵇، والمراد من ذكرها: مقابَلتُها بالشكر والقيام بحقَّها، وفي الكناية بالذكر عن الشكر تنبيا على أنها نعمة جليلة بحيث تذكيرُها كافٍ في إيجاب شكرها والقيامِ بحقها، والمانعُ عنه ليس إلا الغفلةَ عنها.
﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ النزول على النبي ﵇، إلا أنه لمَّا كان لمصلحتهم نُزِّل منزلةَ النازل عليهم.
﴿مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾: الكتابُ والسنَّةُ، وقد مروجه مناسَبة الحكمة بالسُّنة، وإنما أفردهما بالذِّكر لشرفهما.
﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾: بما أنزل عليكم.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: لا تُخالفوا أمرَه ونهيه.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وعدٌ ووعيدٌ، وتأكيدٌ (^٣) وتهديا، والعُدول (^٤) عن الضمير إلى الاسم الظاهر للتفخيم.
* * *
_________________
(١) رواه ابن أبي عمر في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (٣٥٢٩) من طريق الحسن عن رجل عن أبي الدرداء.
(٢) رواه أبو داود (٢١٩٤)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩)، من حديث أبي هريرة ﵁. وضعف إسناده الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: ٢٠).
(٣) في النسخ عدا (م): "تأكيد"، والمثبت من (م).
(٤) في (م): "والظاهر العدول ".
[ ٢ / ١٢٢ ]
(٢٣٢) - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، أي: انقضت عدَّتُهن، لقوله:
﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ العَضْل: المنع مع تضييقٍ؛ يقال: عَضَّلتِ الدَّجاجةُ ببيضِها والمرأةُ بولدها.
والخطاب لا يجوز أن يكون للأزواج بدلالةِ ما رَوَى البخاري والترمذي وأبو داود: أن الآية نزلت في مَعقِلِ بن يسارٍ، وكانت أخته تحت ابنِ عمٍّ له فطلَّقها طلقةً، فلقَا انقضت عدَّتها خطبها وهي تريد أن ترجع إليه، فقال معقلٌ: لا أُزوِّجُكها أبدًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فدعاه النبيُّ ﷺ فتلاها عليه، فقال: سمعًا لربِّي وطاعة (^١)، والحكمُ الوارد في سببٍ لا يصحُّ أن يكون السببُ خارجًا عنه وإنْ أريد معه غيرُه (^٢).
ولا أن يكون للأولياء؛ لِمَا فيه من تنافُر الخطاب من الأزواج قبل تمام الكلام إلى الأولياء، فإن خطاب (إذا طلَّقتم) لا يصلُح للأولياء قطعًا.
فالوجه أن يكون للناس، ليتناول عَضْلَ الأزواج والأولياء جميعًا، مع السلامة عن المحذور المذكور، والمعنى: لا يوجدْ بينكم (^٣) عضل أيها الناس، ولا يخفى ما
_________________
(١) رواه البخاري (٥١٣٠)، والترمذي (٢٩٨١)، وأبو داود (٢٠٨٧)، من حديث معقل بن يسار ﵁.
(٢) في (ك): (معه معين)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير الراغب" (١/ ٤٧٩)، وعنه نقل المؤلف.
(٣) في (ف) و(م): "منكم".
[ ٢ / ١٢٣ ]
فيه من تهويلِ أمر العضل بأنَّ من حقِّ الأولياء أنْ لا يَحوموا حوله، وحقِّ الناس كافةً أن ينصروا المظلومَ إذ ذاك.
ولا متمسَّك للشافعي في الآية على أنَّ النكاح لا ينعقد بعبارة النساء؛ إذ لا يلزم من قدرة الأولياء على منعهن أن يكون النكاح بعبارتهم، وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ صريحٌ في أنه ينعقد بعبارتهن (^١).
﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ﴾: إذا تراضى الخطَّاب والنساء، وهو ظرفٌ لـ (أنْ يَنكِحْنَ) أو لـ (لا تعضُلوهنَّ).
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بالوجه الجميل في الدين والمروءة، حالٌ عن الضمير المرفوع، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: تراضيًا كائنًا بالمعروف.
﴿ذَلِكَ﴾ الإشارةُ إلى ما مضى ذكرُه، والخِطاب لكلِّ أحدٍ، أو للرسول؛ للدلالة على أن حقيقة المشار إليه أمرٌ لا يكاد يتصوَّره كلُّ أحد.
ويجوز أن تكون الكاف لمجرَّد الخطاب والفرقِ بين الحاضر والمنقضي، دون تعيين المخاطَبين.
﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ لأنَّه المتَّعظ والمنتفع.
﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: العملُ بمقتضَى ما ذكر.
﴿أَزْكَى﴾: أنفع.
﴿لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ من دَنَس الآثام.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فيه من النفع والفلَاح.
_________________
(١) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "إذ يجوز أن يكون الانعقاد بعبارتهن مشروطًا بإذنهم. منه".
[ ٢ / ١٢٤ ]
﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ لقصور عِلمكم.
* * *
(٢٣٣) - ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ إخبارٌ في معنى الأمر، للمبالغة في الحثِّ على الإرضاع، فإن الأمر لمَّا كان للاستحباب دون الإيجاب - على ما دلَّ عليه التعليق بالإرادة - احتيج إلى المبالغة فيه، والحملُ على الوجوب والتخصيص بما إذا لم يرتضع الصبيُّ إلا من أمه، أو لم يوجد له ظئرٌ أو عجز الوالد عن الاستئجار، يأباه تعيين المدة والتعليقُ المذكور.
﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ صفةٌ مؤكِّدة لـ ﴿حَوْلَيْنِ﴾ كما في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] لأنَّه مما يُتسامح فيه، كما في قوله ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، أي: ذلك لمن أراد إتمام (^١) الرضاعة، قيل: متعلِّق بـ ﴿يُرْضِعْنَ﴾ فإن الأب يجب عليه الإرضاعُ كالنفقة، والأمُّ ترضع له، وفيه ما مر من أن التعليق بالإرادة لا يناسب الوجوب (^٢)، وقد نبَّه على هذا مَن قال: ودلَّ هذا على
_________________
(١) في (ك): (تمام).
(٢) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "التعليق بالإرادة ينافي الوجوب ذكره صاحب الهداية في كتاب الأضحية. منه". وفوقها في (ح): "تيسير".
[ ٢ / ١٢٥ ]
أنَّ النقصان عن ذلك والزيادةَ عليه عند وقوعِ الكفاية بما دونها والحاجةِ إلى الزيادة جائزان، حيث علِّق ذلك بالإرادة.
﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾، أي: الذي حُكم له الولد شرعًا بموجب قوله ﵇: "الولد للفراش" (^١) وإن لم يكن والدَه حقيقةً (^٢)، و﴿لَهُ﴾ في محل الرفع على الفاعلية؛ نحو ﴿عَلَيْهِمْ﴾ في: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ومن الفرق (^٣) بين المولود والولد باختصاص الأول بالصغير - على ما ذكره المطرِّزي (^٤) - تَبيَّن لطفُ موقعه.
ثم إن في العبارة المذكورة إشارةً إلى علة بناء الحكم، كما في قوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ [يوسف: ٢٣]؛ لأن الذي وُلد له وجَب عليه الرزقُ والكسوة إذا أرضعت ولده كالظئر، بناء على ما تقرر من أن الغُنم بالغُرم، وعلى هذا تكون مُؤنتها على المولى إذا وُلد الولد من جاريته التي تحت نكاح الغير؛ لأنَّه المولودُ له حقيقةً في هذه الصورة، ومن هنا اتَّضح أن المولود له أعمُّ من الوالد، لانتظامه ما لا يكون والدًا من صاحب الفراش والمولى.
﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أراد بالرزق: المأكولَ والمشروب، ولهذا ذكر الكسوة بعده.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، أي: من غير إسرافٍ ولا تقتيرٍ نظرًا إلى الجانبين.
_________________
(١) رواه البخاري (٧١٨٢) من حديث عائشة ﵂.
(٢) في هامش (د): "فإن قلت: لم قيل: ﴿الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ دون: الوالد؟ قلت: ليعلن أن الوالدات إنما ولدنه لهم؛ لأن الأولاد للآباء، ولذلك ينسبوه إليهم لا إلى الأمهات. الكشاف. منه".
(٣) في (ح) و(ف): "والفرق".
(٤) انظر: "المغرب" للمطرزي (ص: ٤٩٥) (مادة: ولد). وجاء في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "قال الإمام المطرزي في "المغرب": يقال للصغير مولود وإن كان الكبير مولودًا أيضًا، لقرب عهده من الولادة، كما يقال: لبنٌ حليبٌ ورُطَبٌ جَنيٌّ، للطريِّ منهما. منه ".
[ ٢ / ١٢٦ ]
﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الوسع: ما احتَملته (^١) الطاقة؛ أي: لا يُحمَّلُ أحدٌ إلا ما يطيقه، فلا يكلَّف المولودُ له ما لا يُطيق من الأجر، ولا الوالدة ما لا تستطيع من العمل، ولا الرضا بما لا يكفيها من الأجر، وهذه الآية كالتي في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٦ - ٧].
﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ تفصيلٌ لِمَا تقدم وتقريرٌ له؛ أي: لا يضارَّ واحدٌ منهما الآخرَ بسبب الولد، وإضافة الولد إليها تارةً وإليه أخرى استعطافٌ لهما عليه، وتنبيهٌ على أنه حقيقٌ بأنْ يتَّفقا على استصلاحه والإشفاقِ عليه، فلا ينبغي أن يَضُرَّا به (^٢) أو يَتضارَّا بسببه.
وقُرئ: ﴿لا تضارَّ﴾ بالرفع على الإخبار (^٣). وَيحتمِل (^٤) البناءَ للفاعل والمفعول، على أن الأصل: تضارِر بكسر الراء وتضارَر بفتحها (^٥).
وقرئ: ﴿لَا تُضَارَّ﴾ بالفتح على النهي (^٦).
_________________
(١) في (د): "احتملت ".
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "يضرانه".
(٣) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقرأ باقي السبعة بفتح الراء المشددة. انظر: "التيسير" (ص: ٨١).
(٤) أي: يحتمل ذلك على القراءتين: ضم الراء المشددة، وفتحها، كما ذكر البيضاوي في "تفسيره" (١/ ١٤٤)، والمؤلف نقل عبارة الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، وهي توهم أن الاحتمال المذكور مقصور على القراءة بالضم فقط.
(٥) في هامش (د): "وقرأ الحسن بالكسر على النهي، وهو محتمل للبناءين أيضًا، ويبين ذلك أنه قرئ: (لا تضارَرْ) و: (لا تضارِرْ) بالجزم وفتح الراء الأولى وكسرها، وقرأ أبو جعفر: (لا تضارّ) بالسكون مع التشديد على نية الوقف، وعن الأعرج: (لا تضارْ) بالسكون والتخفيف، وهو من ضاره يَضيره، ونوى الوقف كما نوى أبو جعفر أو اختلس الضمة فظنه الراوي سكونًا. الكشاف. منه ".
(٦) هي قراءة باقي السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٨١).
[ ٢ / ١٢٧ ]
وعلى الوجه الأول (^١) يجوز أن يكون بمعنى: تضرَّ (^٢)، والباء من صِلَته، أي: لا يضرَّ الوالدان بالولد فيفرِّطا (^٣) في تعهُّده ويقصِّرا (^٤) فيما ينبغي له.
وقرئ: (لا تُضارّ) بالسكون مع التشديد على نيَّة الوقف، وبه مع التخفيف على أنه من ضارَه يَضيره (^٥).
﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ وما بينهما معترِضٌ، والمراد بالوارث: وارثُ المولود له على العموم أو الصبيُّ نفسه، أو وارثُ الصبيِّ على العموم، أو بقيدِ أن يكون ذا رَحِمٍ محرَمٍ من الصبيِّ بحيث لا يجوز بينهما النكاحُ على تقديرِ أن يكون أحدهما ذكرًا والآخرُ أنثى، أو بقيدِ أن يكون أحدَ أصوله من الآباء والأمهات والأجداد والجدات، أو بقيدِ أن يكون من عصّبته.
وأمَّا جعلُ ﴿الْوَارِثِ﴾ بمعنى: الباقي، وإن كان صحيحًا لغةً فقلقٌ في هذا المقام؛ إذ ليس لقولنا: فالنفقة على الأبِ وعلى مَن بقي مَن الأبِ والأمِّ، معنًى يُعتدُّ به.
و﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما وجب على المولود له من الرزق والكسوة.
_________________
(١) أي: على وجه الكسر في الراء على البناء للفاعل. انظر: "تفسير البيضاوي" (١/ ١٤٤).
(٢) بفتح حرف المضارعة من الثلاثي وضمه من الإفعال. انظر: "حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي" (٢/ ٣١٩).
(٣) في (ك) و(م): "فيفرطان ".
(٤) في (م): "ويقصر"، وفي (ف): "ويقتصرا ".
(٥) في النسخ: "يضره "، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (١/ ٢٨٠)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٤٤)، و"البحر" (٤/ ٢٩٨)، و"روح المعاني" (٣/ ٣٢٠). والقراءتان تنسبان لأبي جعفر أحد القراء العشرة كما في "المحرر الوجيز" (١/ ٣١٢)، و"البحر" (٤/ ٢٩٨)، والثانية منهما ذكرها عنه ابن الجزري في "النشر" (٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨).
[ ٢ / ١٢٨ ]
﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ تفريعٌ على ما تقدَّم من تعليق إتمامِ الحولين على الإرادة، وتصريح بالتوسعة بعد التحديد (^١).
والفصال: الفطام، سُمي به لأنَّه فصَل بين الغداء والصبيِّ.
﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾؛ أي: صادرًا عنهما، والتراضي: اجتماعهما على الرضاء، والتشاوُرُ: اجتماعهما في المشورة، وهي استخراجُ صواب الرأي بإشارةِ المستشار، مِن شَوْر العسل وهو اجتِناؤُه، وإنما أَطلقه ليَنتظِم تشاوُرَ أحدهما الآخر وتشاوُرَهما الثالثَ ممَّن له خبرةٌ في تربية الأطفال وتدبيرهم، وإنما اعتَبرهما لأن العظام قبل تمام الحولين مَظِنّة لُحوق الضرر، فلا بد من اتِّفاقهما: أمَّا المولود له فلأنه حقُّه، وأمَّا الأمُّ فلأنها أعلمُ بحاله وتربيته.
والدليل على أن المراد الفطامُ قبل التمام قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ إذ لا يُتصوَّرُ الجُناح بعد تمام مدة الرضاع.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾؛ أي: المراضعَ ﴿أَوْلَادَكُمْ﴾ يقال: أرضعتِ المرأة الطفلَ واسترضعتُها إياه؛ كقولك: أَنجَحَ الله حاجتي واستَنْجحتُه إياها، فحُذف المفعول الأول استغناءً عنه؛ لعدم القصد إلى خصوص المرضعة.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فيه، وفيه دلالةٌ على أن للأبِ أن يسترضِعَ الولد ويمنعَ الأم عن الإرضاع.
_________________
(١) في هامش (د) و(ف) و(م): "التوسعة إنما هو في جانب النقصان؛ لما ذكر من قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾، وقد فهم ذلك التزامًا من قوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فما ذكر هنا تصريح بالتوسعة لا التوسع كما زعمه صاحب الكشاف. منه ".
[ ٢ / ١٢٩ ]
﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ إلى المراضع ﴿مَا آتَيْتُمْ﴾: ما التَزمْتُم (^١) إيتاءَه.
وقرئ: ﴿ما آتيتم﴾ (^٢) مِن أَتَى إليه إحسانًا: إذا فعَله.
وقرئ: (ما أُوتيتم) (^٣)؛ أي: ما آتاكم الله وأَقْدَرَكم عليه بالمعروف.
متعلِّق بـ ﴿سَلَّمْتُمْ﴾؛ أي: سلَّمتم على الوجه الجميل بالطلاقة والبشاشة، من أطيبِ ما يكون من أموالكم، على أحسن ما يكون من وجوه الإعطاء؛ لتكون طيِّبةَ النفس مشفقةً على الرضيع.
وجواب الشرط محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه، وليس التسليم شرطًا لجوازِ الاستئجار، بل هو مندوبٌ إليه لتطييب نفس المرضِعة، ولهذا قيِّد بالمعروف.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ مبالغةٌ في المحافظة على ما شَرَع في الاسترضاع.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ حثٌّ وتهديد.
* * *
(٢٣٤) - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: يُقبض أرواحهم بالموت، وأصل التَّوفِّي: إتمامُ القبض، وقرئ: (يَتوفَّوْن) بفتح الياء (^٤) أي: يَستوفُون أعمارَهم، وهو كناية عن الموت (^٥).
_________________
(١) في (د): "ألزمتم ".
(٢) هي قراءة ابن كثير من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٨١).
(٣) رويت عن عاصم، وهي خلاف المشهور عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات " (ص: ١٥).
(٤) رويت عن علي ﵁، وعن عاصم، وهي خلاف المشهور عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٥).
(٥) في هامش (د) و(ف): "ذكره أبو حيان. منه ".
[ ٢ / ١٣٠ ]
﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾؛ أي: يتركون زوجاتٍ، وَيذَرُ مستقبلٌ أُميتَ ماضيهِ ومصدرُه، وكذلك: يَدَع (^١).
﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾: ينتظِرْنَ بأنفسهنَّ، تقديره؛ يتربَّصْن لوفاتهم (^٢)، دل عليه ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ وبه يحصل الربطُ بين المبتدأ والخبر.
﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾؛ أي: يعتدِدْن هذه المدَّة، ولا حاجة إلى التأويل في (عشرًا)؛ لِمَا نُقل عن أئمة النحو: أنه إذا كان المعدود مذكَّرًا وحذفْتَه فلك فيه وجهان:
أحدهما وهو الأصل: أن يبقى العدد على ما كان عليه لو لم تَحذف المعدود، فتقول (^٣): صُمت خمسةً، تريد: خمسةَ أيام.
والثاني: أن تحذف منه كلمة التأنيث.
فقوله: (عشرًا) على أحد الجائزَين، وحسَّنه هنا أنه مقطعُ (^٤) كلامٍ شُبِّه بالفواصل (^٥).
وإطلاقُ اللفظ يقتضي عدمَ الفرق بين المسلمة والكتابية، والحرة والأَمَة، والحامل وغيرها، إلا أن القياس اقتضى تنصيف المدة للأَمَة، والإجماعَ خصَّ
_________________
(١) فيه نظر، ففي "المغرب" للمطرزي (مادة: ودع): وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النَّبيَّ ﵌ قال "لَيَنتهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ … "؛ أي: عن تَرْكِهم إيَّاها، قال شِمْر: زَعَمَت النَّحويَّةُ أنَّ العربَ أَماتُوا مصدرَ يَدَعُ، والنَّبِيُّ ﵌ أفصحُ العربِ، وقد رُوِيتْ عنه هذه الكلمةُ.
(٢) في (ف): "وفاتهم"، وفي (ح): "وفاتهن".
(٣) في (ف): "تقول".
(٤) في (د): (منقطع).
(٥) انظر: "البحر" (٤/ ٣٢١ - ٣٢٢)، وفيه: (شبيه بالفواصل).
[ ٢ / ١٣١ ]
الحامل عنه؛ لقوله (^١) تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: انقضت عِدَّتُهن، تفريعٌ على التحديد المذكور.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها الأئمة وجماعةُ المسلمين.
﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ من التعرُّض (^٢) للخطَّاب.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بالوجه الذي لا يُنكَر شرعًا، ودلَّ بالفحوى على أنهنَّ لو فعلنَ ما يُنكرُه الشرعُ كان عليهم أن يكفوهنَّ، وإن فرَّطوا كان عليهم الجناح.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وعيذ لهن في ارتكاب المنكَر، وللأئمَّة في التقصير عن المنع.
* * *
(٢٣٥) - ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ التعريضُ: إيهامُ المقصود بما لم يوضع له حقيقةً ولا مجازًا، وكانه إمالةُ الكلام إلى عُرْضٍ (^٣) يدلُّ على الغَرَض.
_________________
(١) في (م): "بقوله".
(٢) في النسخ: "التعرض". والمثبت من "الكشاف" (١/ ٢٨٢)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٤٥).
(٣) في النسخ: "غرض"، والمثبت من "الكشاف" (١/ ٢٨٣)، وللتأكد منه رجعت إلى نسخة نفيسة مضبوطة من "الكشاف" فوجدته كما أثبته رسمًا وضبطًا، والحُرْض بالضم له معان منها: الجانب والناحية. انظر: "القاموس" (مادة: عرض).
[ ٢ / ١٣٢ ]
﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ الخطبة بالضم والكسر: اسم الحالة، غير أن المضمومة خُصَّت بالموعظة والمكسورةَ بطلب المرأة.
والمراد بالنساء: المعتدَّات، وتعريضُ خُطبتها أن يقال لها: إنك جميلة، أو نافقة، ومن غرضي أن أتزوج، ونحوُ ذلك.
﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أو أضمرتُم في قلوبكم فلم تذكروه صريحًا ولا تعريضًا.
﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾؛ أي: ستُظهِرون رغبتكم فيهنَّ لقلَّة صبركم عن النطق به، وفيه طرفٌ من التوبيخ على التَّحرُّز ابتداءً عمَّا أبيح لحكمة (^١).
﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ مستدرَكٌ عن محذوفٍ دلَّ ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ عليه؛ أي: فاذكروهنَّ ولكن لا (^٢) تواعدوهنَّ سرًا، والسرُّ كنايةٌ عن النكاح بمعنى الوطء؛ لأنَّه مما يُسَرُّ، ثم عبِّر به عن النكاح بمعنى العقد لأنَّه سببٌ فيه.
﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ استثناء مفرَّغ، و﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ نصبٌ على المصدر؛ أي: لا تواعدوهنَّ مواعدةً مّا إلا مواعدةً معروفةً وهي بالتعريض؛ أو (^٣): لا تواعدوهنَّ بوجهٍ إلا بأنْ تقولوا قولًا معروفًا غيرَ منكَرٍ في الشرع، ولا يجوز أن يكون استثناءً منقطعًا لفساد المعنى، وهو: واعدوهنَّ التعريضَ، وليس المراد مُواعَدةَ التعريض، بل مواعدةُ النكاح بالتعريض.
_________________
(١) في (د): "الحكمة".
(٢) في (ح) و(ف) و(ك): "فاذكروهن ولا ".
(٣) في (ف): "أي"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب، وكذا تحرفت (أو) في مطبوع "الكشاف" (١/ ٢٨٤) إلى: (أي)، وجاء على الصواب في النسخة الخطية لـ"الكشاف"، وكذا في "البحر" (٤/ ٣٣١) نقلًا عن الزمخشري، ومثله في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٤٦).
[ ٢ / ١٣٣ ]
وقيل: لا تواعدوهن في السرِّ؛ لأن مُسارَّتهن في الغالب إنما هي بما يُستحيىَ من المجاهرة به لاستهجانه، إلا وقتَ أن تقولوا قولًا جميلًا غيرَ منكر في الشرع، فعلى هذا ﴿أَن تَقُولُوا﴾ في محل النصب بالظرف، ويكون المفعول محذوفًا؛ أي: لا تواعدوهنَّ النكاح في السر.
﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾؛ أي: لا تقصدوا عَقدَ عُقدةِ النكاح قصدًا جازمًا لا تردُّدَ معه، نُهي عن العزم ليكون أبلغ في منع الفعل، وتقديرُ المضاف لأن العزم إنما يكون على الفعل كالعقد، لا على نفس العقد (^١).
وقيل: العزم: القطع، والمعنى: لا تقطعوا عَقْدها؛ أي: لا تُبْرِموه ولا تَلْزَموه، ولا تُقدِموا عليه، فيكون النهيُ عن نفس الفعل لا عن قصده.
﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾: حتى ينتهيَ ما كُتب من العدة.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من العزم على ما لا يَحلُّ شرعًا.
﴿فَاحْذَرُوهُ﴾؛ أي: فاحذروا مؤاخَذتَه بالمَناهي الصادر عن العزيمة (^٢).
ولمَّا كان السابقُ إلى الفهم مما تقدم المؤاخذةَ بالعزائم على المناهي، دفعَه بقوله:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمن عزم ولم يفعل خشيةً من اللّه تعالى.
﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجلُ بالعقوبة، فلا تغترُّوا بعدم المؤاخذة بالعذاب عاجلًا.
* * *
_________________
(١) في (د): "العقدة".
(٢) في (د): "عزيمة".
[ ٢ / ١٣٤ ]
(٢٣٦) - ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا تَبِعةَ عليكم من إيجاب مهرٍ ولُزومه.
﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ المسُّ كناية عن الوطء؛ لأن حقيقة المسِّ لا تُوجب المهر إذا لم توجَدْ خلوةٌ صحيحة.
﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إمَّا جزمٌ عطفٌ على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ أي: أو لم تَفْرِضوا لهنَّ فريضةً، أو نصب (^١) بمعنى: إلا أنْ - أو: إلى أنْ - تفرضوا.
وفرضُ الفريضة: تعيين المهر، وهي بمعنى: المفروضة (^٢) و﴿فَرِيضَةً﴾ نصبٌ على المفعول به، فَعيلة بمعنى مفعول، والتاءُ للنقل من الوصفية إلى الاسمية، وَيحتمل المصدر (^٣)، وإنما اعتُبر القيدان المذكوران لأنَّه يجب مهرُ المثل في المسِّ وإن لم يُفرض لها شيء، ويجب نصف المسمَّى إذا طلَّقها وإن لم يمسَّها.
﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ عطف على مقدَّر، أي: فطلِّقوهن ومتِّعوهن؛ أي: ملِّكوهن ما يتمتَّعن به، ويُسمَّى (^٤) ذلك متعةً، وأصلُ المتعة والمتاع: ما يُنتفَع به انتفاعًا قليلًا غيرَ باقٍ بل ينقضي عن قريبٍ، وضميرُ النصب عائدٌ على المطلِّقات قبل المسيسِ وقبل الفَرْض.
والحكمةُ في أمر المتعة: جبرُ إيحاش الطلاق، وتقديرها مفوَّض إلى رأي الحاكم، ويؤيِّده قوله:
_________________
(١) بعدها في (ك): "على المفعول".
(٢) في (ف): "المفروض".
(٣) في (د): (المصدور).
(٤) في (د): (وسمي).
[ ٢ / ١٣٥ ]
﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ يقال: أوسع الرجلُ: اتَّسع حالُه فصار ذا سَعةٍ وغنًى، والمقترُ: المُقِلُّ، مِن أَقْترَ: إذا افْتَقَر.
وقرئ: (قَدرُه) بفتح الدال وبتسكينِها (^١)، وهما المقدار؛ أي: على كلٍّ مِن الذي له سعة ومن الفقير الضيِّق الحال قَدرَ يساره وإعساره؛ أي: ما يُطيقه وَيليق به؛ لأن الحد الذي يُطيقه هو الذي يختصُّ به، ويدلُّ عليه قوله ﵇ لأنصاريٍّ طلَّق امرأته المفوّضة (^٢) قبل أن يمسَّها: "متِّعها ولو بقَلَنْسوِتكَ، أمَا إنَّها لا تساوي شيئًا، ولكن أحببتُ (^٣) أن أُحييَ السُّنة (^٤).
﴿مَتَاعًا﴾: تمتيعًا.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بالوجه الذي يَستحسِنُه الشرع والمروءة.
﴿حَقًّا﴾ صفةٌ لـ ﴿مَتَاعًا﴾ أي: تمتيعًا واجبًا، أو مصدرٌ مؤكِّد؛ أي: حَقَّ ذلك حقًا.
_________________
(١) قرأ حمزة والكسائي وحفص وابن ذكوان بالفتح والباقون بالسكون. انظر: "التيسير" (ص: ٨١).
(٢) المفوضة بفتح الواو وكسرها، فالكسر على نسبة التفويض للمرأة والكسر على نسبته لوليها. وهي المدخول بها التي لم يسم لها مهر. انظر: "البحر المحيط" (٤/ ٣٤٠) مع حواشيه.
(٣) في (ك) و(م): "أحب"، وفي (ف): (أجبت).
(٤) ذكره بهذا اللفظ مقاتل بن سليمان في "تفسيره" (١/ ٢٠٠) على أنه سبب نزول الآية ولم يذكر له سندًا. وكذا فعل أكثر المفسرين كالثعلبي والواحدي والبغوي والزمخشري وابن الجوزي والقرطبي وغيرهم، ووقفوا فيه عند قوله: "بقلنسوتك". وقال ولي الدين العراقي كما في "نواهد الأبكار" (٢/ ٤٣٧): لم أقف عليه. وكذا قال الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: ٢١): لم أجده. لكنه عزاه في "العجاب" (١/ ٥٩٦) لمجاهد نقلًا عن ابن ظفر. وابن ظفر هو محمد بن عبد اللّه بن محمد بن ظفر المكي الصقلي النحوي المالكي، له: "ينبوع الحياة" في التفسير، توفي سنة (٥٦٥ هـ). انظر: "طبقات المفسرين" للداودي (٢/ ١٦٧).
[ ٢ / ١٣٦ ]
﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: على الموصوفين (^١) بالإحسان من أصحاب المروءات، أو الذين يُحسِنون إلى المطلَّقات بالتمتيع، وسماهم محسِنين للمشارَفة ترغيبًا وتحريضًا.
ولمَّا أتى بعبارةٍ ظاهرةٍ في الوجوب تأكيدًا في الحثِّ، واهتمامًا في الترغيب، دَفَعَ ذهابَ الوهمِ إلى معنى الإيجاب حقيقةً بعبارةِ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ بما فيها من الإشارة إلى أنه بطريقِ الإحسان لا بطريقِ الإلزام، ومبنَى هذه الإشارةِ على ما في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] من التنصيص على عدم الإيجابِ فيما يكون إحسانًا.
* * *
(٢٣٧) - ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ لمَّا ذكر حكمَ المفوّضة أتبعه حكمَ قَسيمها.
﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فيه دلالة على أن الجُناح المنفيَّ ثمةَ (^٢) تَبِعةُ المهر، وأنْ لا متعة مع التشطير لأنَّه قَسيمها.
﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ الاستثناء مفرَّغٌ و﴿أَنْ يَعْفُونَ﴾ نصبٌ على الظرف، أي: فعليكم - أو: فالواجب - نصف ما فرضتُم، لا يحلُّ لكم منعُه أبدًا إلا وقتَ أن يَعْفونَ،
_________________
(١) في (ك): "الموصوف".
(٢) "ثمة": ليست في (م).
[ ٢ / ١٣٧ ]
والنونُ ضمير المطلَّقات في ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ محلُّها الرفعُ بالفاعلية، والواو لامُ الفعل، وقد يَشتبِه (^١) في اللفظ بفعل جماعة الذكور، يقال: الرجال يَعْفُونَ، والفرق: أن الواو حينئذ ضمير الرجال، والنونَ علامةُ الرفع، والفعلُ على (^٢) الأول مبنيُّ، ولذلك لم يؤثر فيه ﴿أَن﴾، ونُصب المعطوف عليه.
﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وهو الزوجُ؛ لأن الطلاق بيده، فكان إبقاء العقد بيده، والمراد أن يعطيَها المهر كلَّه، وإطلاقُ العفو عليه بطريقِ المشاكلة.
وقيل: هو ولي الصغيرة والبكر، والعفو على حقيقته، وهذا لا يصح؛ لأنَّه لا يملك التبرُّع بحقَ الصغيرة ولا بحق الكبيرة بغير رضاها.
﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ خطابٌ للأزواج، وكذا قوله تعالى:
﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾؛ أي: فضلَ الرجال على النساء، نَدَبَ الزوجَ إلى إكمال المهر؛ إظهارًا للمروءة واعتبارًا بالفتوَّة.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: لا يُضيع تفضُّلكم وإحسانكم.
* * *
(٢٣٨) - ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ بالأداء لوقتها والمداوَمةِ عليها. والأمرُ بها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يُلهيهم الاشتغالُ بشأنهم عنها.
وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، أي: المتوسِّطةِ بين الصلوات الخمس: ثنتان يوميتان،
_________________
(١) في (د): "يشبَّه".
(٢) "على" ليست في (ف).
[ ٢ / ١٣٨ ]
وثنتان (^١) ليليتان، وهي صلاةُ العصر؛ لمَا روي أنه ﵇ قال يوم الأحزاب: "شَغَلونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر ملأ اللّه بيوتَهم نارًا" (^٢)، وإنما أُفردت وعُطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل؛ لكونها أشقَّ لاشتغال الناس في وقتها بتجاراتهم.
قيل: معنى ﴿الْوُسْطَى﴾: الفُضلى، من قولهم للأفضل: الأوسط.
وقرئ: (والصلاةَ الوسطى) بالنصبِ (^٣) على المدح والاختصاص.
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾ في الصلاة.
﴿قَانِتِينَ﴾: ذاكرين له تعالى في قيامكم، والقنوتُ: الذكر في القيام، وقال زيد بن أَرْقَمَ: كنَّا على عهد النبيِّ ﷺ يكلِّم أحدُنا صاحبَه في الصلاة بحاجته، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^٤)؟ أي: ساكتين (^٥).
* * *
(٢٣٩) - ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من عدوِّ أو غيره.
﴿فَرِجَالًا﴾ أي: فحافِظوا عليها في حال الخوف أيضًا ولا تؤخِّروها، وصلُّوا
_________________
(١) في (ف) و(م): "اثنتان".
(٢) رواه مسلم (٦٢٧/ ٢٠٥) من حديث علي ﵁.
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٥) عن أبي جعفر الرؤاسي.
(٤) رواه البخاري (١٢٠٠)، ومسلم (٥٣٩).
(٥) في (ح) و(ف): "ساكنين".
[ ٢ / ١٣٩ ]
رجالأ، وهي جمع راجلٍ وهو القائمُ على الرِّجل، أو رَجُل أو رَجِلٍ بمعناه، ويجوزُ لهم أداؤها بالجماعة.
﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ هي جمع راكب، ولهم أن يصلوا وحدانًا بالإيماء وَيسقط عنهم التوجُّهُ إلى القِبلة، ولا يجوز أن يصلُّوا بجماعةٍ عندنا، ولا في حال المشي والمسابقةِ ما لم يُمكنِ الوقوف، وعند الشافعيِّ يصلُّون في كلِّ حال أَخْذًا بما في هذه الآية من الإطلاق.
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾؛ أي: زال خوفُكم.
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾: فصلُّوا صلاةَ الأمنِ.
والذِّكرُ اسمٌ للصلاة.
﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾؛ أي: صلُّوا طائفةً واحدة من غيرِ انصرافٍ، وفي حالة الخوف يصلُّون طائفتين وتنصرفُ كلُّ طائفة إلى العدو عند تمام الركعة، على ما يأتي بيانه في سورة النساء بإذن اللّه تعالى.
﴿مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ مفعول ﴿عَلَّمَكُمْ﴾.
* * *
(٢٤٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قد مرَّ تفسيره.
﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ قرئ: ﴿وَصِيَّةً﴾ بالنصب (^١) على تقديرِ: حقُّ الذين
_________________
(١) هي قراءة أبي عمرو وابن عامر وحمزة وحفص، وقرأ باقي السبعة بالرفع. انظر: "التيسير" (ص: ٨١).
[ ٢ / ١٤٠ ]
يتوفَّون عن أزواجهم أن يُوصوا، أو: كَتب اللّه عليهم وصيةً (^١)، ويؤيِّده قراءة: (كتب عليكم الوصية لأزواجكم …) إلخ (^٢).
وقُرئ بالرفع على تقدير: وصيةُ الذين يتوفَّون - أو حكم الذين يتوفَّون - وصيةٌ، أو: والذين يتوفَّون منكم أهلُ وصيةٍ، أو: كُتب عليهم وصيةٌ، [أو: عليهم وصيةٌ] (^٣).
﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ نصبٌ بـ (يوصون) إنْ أَضمرتَ، وإلا فبالوصية، وب (متاعٌ) على قراءةِ مَن قرأ: (متاعٌ لأزواجهم) (^٤)؛ لأنَّه بمعنى التمتيع.
﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ مصدرٌ مؤكِّد؛ كقولك: هذا القولُ غيرَ ما تقول (^٥)، أو بدلٌ من ﴿مَتَاعًا﴾، أو حالٌ من الأزواج؛ أي: غيرَ مخرَجاتٍ، والمعنى: يجب على الذين يُتوفَّون عن أزواج أن يُوصوا قبل أن يُحتضَروا لأزواجهم بأنْ يمتَّعن بعدهم حولًا كاملًا؛ أي: ينفَقَ عليهنَّ من تركتهم ولا يُخرجن من مساكنهنَّ.
وكان ذلك (^٦) في أول الإسلام، ثم نُسخت المدة بقوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
_________________
(١) وهي على الأول منصوبة على المصدر، وعلى الثاني مفعول به. انظر: "روح المعاني" (٣/ ٣٤٥).
(٢) تنسب لابن مسعود ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٥)، و"الكشاف" (١/ ٢٨٩).
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (١/ ١٤٨)، وما بين معكوفتين منه.
(٤) أي: (متاع لأزواجهم متاعًا إلى الحول) وتنسب لأبي ﵁، وعنه أيضًا أنه قرأ: (فمتاع). انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٥)، و"البحر" (٤/ ٣٧٩).
(٥) بنصب (غير)، والمعنى: هذا القول حقًّا غيرَ ما تقول. انظر: "الكتاب" (١/ ٣٧٨)، و"شرح المفصل" (١/ ١١٦). وانظر كذلك "الكشاف" (١/ ٢٨٩)، والكلام منه.
(٦) "ذلك" من (د).
[ ٢ / ١٤١ ]
وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ونُسخت النفقة بالإرث الذي هو الربعُ والثمنُ (^١)، والناسخة وإن كانت مقدَّمةً في التلاوة لكنها متأخِّرةٌ في النزول، والسكنى لها بعدُ ثابتة عند الشافعي خلافًا للحنفية.
﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا﴾ من البيت من غير إخراجِ الورثة، أو من العِدَّة بانقضاء الحول.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها الأئمة.
﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ من التزيُّن لطلب الزوج على وَفْق الشرع.
وهذه الآيةُ متقدَّمةٌ في النزول وإن كانت متأخِّرةً في الترتيب، ولهذا جاء المعروف منكَّرًا هنا ومعرَّفًا فيما سبق، وفيها دلالة على أنها لا تجبُ عليها ملازَمةُ مسكن الزوج والحدادِ عليه، بل هي مخيَّرة بينها وأخذِ النفقة، وبين الخروج وتركِها، وهذا من تمام ما كان في بدء الإسلام.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾؛ أي: منتقمٌ ممن عصاه.
﴿حَكِيمٌ﴾ مصيبٌ فيما حكم.
* * *
(٢٤١) - ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ عمَّ المطلَّقات باستحباب المتعة لهنَّ بعدما خصَّ واحدةً منهن به وهي غيرُ مدخول بها.
* * *
_________________
(١) في (م): "أو الثمن".
[ ٢ / ١٤٢ ]
(٢٤٢) - ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما سبق من أحكام الطلاق والعِدَّة.
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ وعد بأنه تعالى يبيِّن لعباده ما يحتاجون إليه معاشًا ومَعادًا من الأحكام ودلائلها.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لتعقلوا، أي: لتستعمِلوا عقولكم في قبولها والتفكُّرِ فيها لاستنباطِ غيرِ المنصوص من المنصوص.
* * *
(٢٤٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ كلمةٌ تجري مَجرى المثلِ في التعجيب يخاطَبُ بها مَن لم يَرَ ولم يسمع ما بعدها، وهي تقريرٌ لمن سمع بالقصة من أهل الكتاب وأخبارِ الأولين، وتعجيبٌ من شأنهم، والخطابُ لكلِّ أحد.
﴿إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ رُوي: أن أهل داوَرْدانَ -قريةٍ قِبَلَ واسطَ- وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين، فأماتهم اللّه ثم أحياهم ليعتبِروا وَيعلموا أنْ لا مفر مِن حكم اللّه تعالى وقضائه (^١).
وقيل: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكُهم إلى الجهاد فهربوا حذرًا من الموت، فأماتهم اللّه ثمانيةَ أيام ثم أحياهم، وهم ألوفٌ كثيرة (^٢)، واختُلف في عددها بما لا يُجدي.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٤١٦ - ٤١٧) مطولًا عن السدي.
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٩٠)، وعزاه بنحوه ابن عطية في "المحرر الوجيز" (١/ ٣٢٧) للضحاك.
[ ٢ / ١٤٣ ]
وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرُّض للشهادة، بأن الموت إذا لم يندفع بشيءٍ ولم يكن منه بدٌّ فأولى أن يكون في سبيل اللّه، والدليلُ عليه الأمرُ بالقتال بعده.
﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ الواو للحال.
﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ مفعولٌ له.
﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾، أي: أماتهم اللّه تعالى بالأمر التكويني دفعةً واحدةً على خلاف العادة.
﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾؛ أي: أماتهم موتَ عقوبةٍ أو تنبيهٍ، لا موتَ انقضاءِ آجالٍ، ثم أعادهم أحياءً ليَستَوفوا بقيةَ أعمارهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ حيث يبصِّرهم ما يعتبِرون به ويستبصِرون من اقتصاص خبرهم كما بصَّر أولئك بالإماتة والأحياء، أو: حيث أحياهم ليعتبِروا بحالهم ويتيقَّنوا بالبعث.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾، أي: لا يشكرونه كما ينبغي، ويجوز أن يراد بالشكر الاعتبارُ والاستبصار، وكان مقتضى الظاهر الإضمارُ، وإنما أُعيد اسم الظاهر لِمَا فيه من الإيماء إلى سبب الغفلة عن النعمة.
* * *
(٢٤٤) - ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عطفٌ في المعنى على ﴿أَلَمْ تَر﴾؛ لأنَّه في معنى: انظروا وتفكروا.
[ ٢ / ١٤٤ ]
قيل: لما بيَّن أن الفِرار عن الموت غيرُ نافع، وأن المقدَّر لا محالةَ واقع، أمرهم بالقتال إذ لو جاء أجلُهم ففي سبيل اللّه، وإلا فالنصر والثواب.
وَيرِدُ عليهْ أنه تعالى نهى عن إلقاء النَّفس بالمَهلكة، ولو لم يكن في الاحتراز نفع لَمَا نُهي عنه.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يسمع ما يقوله المتخلِّفون والسابقون.
﴿عَلِيمٌ﴾ بما يُضْمرونه فيجازيهم بحسَبه.
* * *
(٢٤٥) - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴿مَنْ﴾ هو استفهامية مرفوعةُ المحلِّ بالابتداء، و﴿ذَا﴾ هو خبرُه، و﴿الَّذِي﴾ صفةُ ﴿ذَا﴾ أو بدلُه.
وإقراضُ اللّه تعالى مَثَلٌ لتقديم العمل الذي يُطلب به ثوابه.
﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾: إقراضًا حسنًا، بخلوصِ النية وطِيبِ النفس، بلا مَنٍّ ولا أذًى، أو: مقروضًا حسنًا بكونه حلالًا طيِّبًا.
وقيل: المراد من القرض (^١): الإنفاقُ في سبيل الله تعالى، ويؤيده أنها نزلت في أبي الدَّحداح حين تصدَّق بحديقةٍ له.
﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ فيضاعِفُ جزاءَه ﴿لَهُ﴾ أُخرج على صورة المغالَبة للمبالغة.
وقُرئ بالنصب على جواب الاستفهام حملًا على المعنى، فإنَّ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي
_________________
(١) في (م): "قرض".
[ ٢ / ١٤٥ ]
يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ في معنى: أيُقْرِضُ اللّهَ أحدٌ، وقرئ: (فيُضَعِّفَه) بالرفع والنصب (^١).
﴿أَضْعَافًا﴾: جمعُ ضِعفٍ، ونصبُه على الحال من الضمير المنصوب، أو المفعولِ الثاني على تضمين (يضاعِف) معنى يُصيِّر، أو المصدر على أن الضعف اسم المصدر وجمعُه للتنويع.
﴿كَثِيرَةً﴾ كثرةً (^٢) لا يَقْدُرها إلا اللّه.
﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ﴾ لشخصٍ ﴿وَيَبْسُطُ﴾ لآخَرَ، ويقبض (^٣) في حالٍ ويبسط في أخرى (^٤)، حَسْبَما اقتضَتْه حكمتُه، يَقبضُ إذا قَبَضَ حتى لا طاقة، وَيبسطُ إذا بَسَطَ حتى لا فاقة أي (^٥): لا تخافوا الإقلالَ بالإنفاق، ولا تظنُّوا بقاء السَّعة بالإمساك، فإن اللّه تعالى هو الموسِّعُ والمضيِّق لا الإمساك والإنفاق، يسهِّل بهذا عليهم الإقراض.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم على ما قدَّمتم، وفيه تنبيهٌ على أن الغنيَّ يفارق مالَه بالموت فليبادِرِ الفَوْت.
* * *
(٢٤٦) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا
_________________
(١) قرأ عاصم: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالنصب، وقرأ ابن عامر: (فيضعِّفَه) بالنصب، وقرأ ابن كثير مثله لكن بالرفع، وقرأ باقي السبعة مثل عاصم لكن بالرفع. انظر: "التيسير" (ص: ٨١).
(٢) "كثرة" من (د).
(٣) في (ك): "أو يقبض".
(٤) في (ت) و(ك) و(م): "آخر".
(٥) في (د): "أو".
[ ٢ / ١٤٦ ]
أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الملأ: الجماعة الأشراف يجتمعون للتشاور.
قيل: هو من الملأة التي هي القدرة، فهم قوم لا حاجة إلى الزيادة عليهم فيما اجتمعوا له لقدرتهم عليه، لا واحد له كالقوم. و﴿مِنْ﴾ للتبعيض.
﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾، أي: بعدَ وفاته، و﴿مِنْ﴾ للابتداء.
﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ اختلفوا فيه، والأشهر الأظهر أنه أشمويل من نسل هارون ﵇.
﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ أَنهِضْ لنا أميرًا.
﴿نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴿نُقَاتِلْ﴾ بالنون والجزم جوابُ الأمر، وقُرئ بالرفع حالًا؛ أي: ابعثْ لنا مقدِّرين القتال، أو استئنافًا كأنه قيل: كيف تصنعون بالمَلِك؟ فقالوا: ﴿نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقرئ بالياء والجزم جوابًا، وبالرفع صفةَ (ملك) (^١).
﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ معنى الاستفهام في ﴿هَلْ﴾: التقريرُ وتثبيتِ أنَّ المتوقَّع (^٢) كائن وأنَّه مصيبٌ في ظنه وتوقّعه؛ كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١].
وخبر ﴿عَسَيْتُمْ﴾: ﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾، والشرطُ اعتراض بينهما، وجوابه محذوفٌ مدلولٌ عليه بقوله: ﴿عَسَيْتُمْ﴾؛ أي: إنْ كُتب عليكم القتال خِفْتُ أن تَجبُنوا ولا
_________________
(١) في (د): "لملك". وانظر: "الكشاف" (١/ ٢٩١)، وعنه نفل المؤلف هذه القراءات مع توجيهها.
(٢) في النسخ: "للتوقع"، والمثبت من "الكشاف" (١/ ٢٩١)، والكلام منه.
[ ٢ / ١٤٧ ]
تقاتلوا، أراد أن يقول: عسيتم ألا تقاتلوا؛ أي: أتوقعُ منكم الجبن عن القتال، فأدخل ﴿هَلْ﴾ للتقرير السابق ذكرُه.
﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا﴾؛ أيُّ داعٍ لنا إلى ترك القتال وقد عَرَض لنا ما يُوجبه من الإخراج عن الديار.
﴿وَأَبْنَائِنَا﴾؛ أي: منفردِين عنهم، على تضمين الإخراج معنى الانفراد (^١).
والديار أبلغ من الأوطان؛ لمَا في الإخراج منها (^٢) من الدلالة على استيلاء العدو على أملاكهم، وأمَّا ذكرُ الأبناء دون الأولاد المنتظِمة للبنات فلِعَدم استئناس العرب بهنَّ فلا يَشُقُّ الانفراد عنهن، بل هم يأنفون عن انتسابهنَّ إليهم فلا يرضَون لإظهار التعلُّق بهن.
ومَن لم يتنبَّه لِمَا ذكر أَورد في تفسيره الأوطانَ بدل الديار، والأولادَ بدل الأبناء ولم (^٣) يَدْرِ ما فيه من سوء الأدب، حيث (^٤) أَوهَم فضلَ البدل على المبدَل: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢] وليس لكلام - (^٥) المعجز بديلٌ (^٦).
بقي هاهنا شيءٌ آخرُ لا بد من التنبيه له أيضًا، وهو: أنهم علَّلوا القتال بما يرجع إلى حظوظهم فخُذلوا، ولو قالوا: كيف لا نقاتل وقد عصَوا اللّه وخرَّبوا بلاده وقهروا عباده؟ لوفِّقوا.
_________________
(١) في (د): (الإفراد).
(٢) في (م): "عنها"، وفي (ح) و(ف) و(ك): "هاهنا".
(٣) في (د): "ومن لم".
(٤) "حيث" ليست في (د).
(٥) في (ك) و(م): "الكلام".
(٦) في (د) (ك) و(م): "بديل".
[ ٢ / ١٤٨ ]
رُوي أن جالوت ومَن معه من العمالقة كانوا يسكنون ساحل البحر بحرِ الروم بين مصر وفلسطين، وظهروا على بني إسرائيل، فأخذوا ديارهم وسبَوا أولادهم.
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ لمَّا قالوا ذلك دعا نبيُّهم اللّه تعالى، وسأل لهم ملكًا، فأجابه اللّه تعالى إلى ذلك، ونَصَب لهم طالوتَ ملكًا، وفَرض عليهم القتال، وكان فيهم طاغية هو الذي دعاهم إلى ذلك فتابَعوه، وكانوا يرجُون أن يُملَّكَ عليهم، فلمَّا ملَّك اللّه تعالى غيره نكصوا على أعقابهم وكرهوا، فالفاء في قوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ فصيحةٌ، والقولُ الآتي ذكرُه مقدَّمٌ وقوعًا وإن كان مؤخَّرًا ذِكرًا.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ ثلاث مئة وثلاثةَ عَشَرَ بعددِ أهل بدر.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ وعيدٌ لهم، وتسجيلٌ عليهم بالظلم في القعود عن القتال، ولذلك وُضع الظاهرُ موضعَ المضمَر.
* * *
(٢٤٧) - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ﴾ صرَّح بنسبة البعثِ إلى اللّه تعالى تعظيمًا لشأن المبعوث، ودفعًا لذهاب الوهم إلى أن يكون تعيينُه عن ميلٍ ونسبةٍ (^١) إليه.
_________________
(١) في (م) و(ف): (ونسبته).
[ ٢ / ١٤٩ ]
﴿طَالُوتَ﴾ عَلَم أعجميٌّ كجالوت، فامْتَنعَ عن الصَّرف للعَلَمية والعُجمة.
وقيل: إنه من الطُّول؛ لِمَا وُصف به من البَسطة في الجسم، وامتناعُه عن (^١) الصرف يأبى عن ذلك، إلا أن يقال: اسم عبرانيٌّ وافق عربيًّا كما وافق حنطًا: حِنطةً، وبِشما لاها رَحْمانًا رَحِيمًا (^٢): بسم اللّه الرحمن الرحيم، فهو على هذا فَعَلوتٌ من الطُول أصله: طَوَلوت، كما لو كان عربيًّا.
﴿مَلِكًا﴾ رُوي أن نبيهم دعا اللّه تعالى حين طلبوا منه ملكًا، فأتى بعصا يقاس بها من يتملك عليهم، فلم يساوِها إلا طالوت (^٣).
﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ بمعنى: كيف، كما في قوله ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]، استَبْعَدوا تملُّكَه عليهم.
والواو في ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ واو الحال، وفي ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ عاطفةٌ، فانتظمت (^٤) الجملتان في حكم الحال؟ أي: والحال أنَّا أحقّ بالملك منه وراثةً ومكنةً، وأنَّه فقير لا مالَ له حتى يتشرَّف به إذ فاته (^٥) نسب الملوك، وإنما قالوا ذلك لأن الملك كان في أولاد يهوذا، وكان فيهم من سبطه خلقٌ كثيرٌ أغنياء، وطالوتُ كان فقيرًا من سبط بنيامينَ، ولم يكن فيهم الملك ولا النبوةُ، فإنها كانت في أولاد لاوَى.
_________________
(١) في (ف): "من".
(٢) اضطربت أكثر النسخ في: "بشما لاها"، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما "الكشاف" (١/ ٢٩٢)، والكلام منه، وفيه: (رخمانا رخيما) بالخاء فيهما.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٤٦٦) عن السدي.
(٤) في (ك) و(م): "فانتظمته".
(٥) في (ك) و(م): "إذا فاته"، وفي (ح) و(ف): "فإنه"
[ ٢ / ١٥٠ ]
ذكروا لبعده عن استحقاقِ الملك عليهم وجهين: أحدهما في الخارج، والآخر في نفسه، وقدَّموا ما في الخارج أخذًا لطريقة الترقي.
﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ﴾ اختاره ﴿عَلَيْكُمْ﴾.
أصل الاصطفاء: أخذُ صَفوة الشيء وإلقاءُ ما سواه، أي: إنْ لم يكن له نَسَبٌ ولا نَشَبٌ فله فضيلة ذاتيةٌ، على ما نبَّه عليه بقوله:
﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ﴾ قدَّمه لكونه أَقدَمَ في الاعتبار ﴿وَالْجِسْمِ﴾ طولًا وعرضًا.
لمَّا أنكروا تملُّكه عليهم أجابهم بالجملة التأكيدية المصدَّرة بـ (إنَّ)، وقدَّم المسنَد إليه - وهو اللّه - على الفعل للتخصيصِ، وتأكيدِ النسبة إلى أن اللّه تعالى هو الذي اصطفاه عليكم دون غيره، وهو أعلم بمصالحكم (^١) منكم، ولا اعتراض على حُكمه.
ثم ذكر خصلتين كالبرهان وبيانِ حكمةٍ في اختياره، هما أقوى في باب الملك وأولى بإيجابه من النسب والمال، وهما العلم والجَسامة: ليتمكَّن من معرفة السياسة، ويكونَ أعظم خطرًا في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، أطلق (^٢) العلم ووصفه بالبسطة فيه وفي الجسم؛ ليندرج تحته العلمُ الذي طلبوه لأجْله وهو المعرفةُ بأمر الحرب.
﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قدِّم المسندُ إليه لإفادة الاختصاص؛ أي: الملك له خاصةً غير منازَعٍ فيه، فهو يؤتي ملكَه مَن يشاء دون غيره بسببِ استصلاحه لذلك.
_________________
(١) في (ك): "بصالحكم".
(٢) في (م): "وأطلق".
[ ٢ / ١٥١ ]
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ أي: واسعُ الفضل والعطاء، يوسِّع على مَن ليس له سعةٌ في المال ويُغنيه من الفقر.
﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يصطفيه للمُلك وإن لم يكن من نسل الملوك، فقوله: ﴿وَاسِعٌ﴾ ردٌّ لقولهم: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ كما أن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ﴾ ردٌّ لقولهم: ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ يعني أنه اصطُفي (^١) مثلَ مَن تُنسبون إليه، وليس المالكُ كالمستعير.
وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ تكميلٌ حسنٌ يدلُّ على أن اصطفاءه وإيتاءه عن علمٍ وحكمة، لا عن جهلٍ وسفه.
* * *
(٢٤٨) - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ لمَّا طلبوا منه حجةً على أنه تعالى اصطفى طالوتَ وملَّكه عليهم:
﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ﴿التَّابُوتُ﴾: صندوقُ التوراة، فَعَلُوتٌ من التَّوب بمعنى الرجوعِ؛ لأنَّه ظَرفٌ يوضع فيه الأشياء فلا يَزال يُرجَع إليه ما يُخرَج منه، وليس بفاعولٍ لقلَّةِ نحوِ سَلِسَ وقَلِقَ، ولأنه تركيبٌ غير معروفٍ، فلا يُترك المعروف إليه، ومَن قرأه بالهاء فلعلَّه أبدلَه منه (^٢) كما
_________________
(١) في (د): "مصطفى".
(٢) أي: جعل هاءه بدلًا من التاء. انظر: "الكشاف" (١/ ٢٩٣)، والقراءة بالهاء ذكرها أيضًا ابن خالويه =
[ ٢ / ١٥٢ ]
أُبدل من تاء التأنيث، لاشتراكهما في الهمس والزيادة.
﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ ما به تسكنون إليه ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: من فضله، والضميرُ للتابوت لا للإتيان؛ لقوله:
﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ فإنها تأبى عنه، والبقيةُ مثل في الجودة والفضل، يقال: فلان من بقيَّة القوم؛ أي: من خيارهم، ومنه قولهم: في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا، وذلك لأن الرجل يَستبقِي مما يخرجُه أجودَه وأفضلَه.
﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ رُضاضُ (^١) الألواح، وعصا موسى وثيابُه، وعِمامةُ هارون. والآلُ مقحَم لتفخيم شأنهما؛ كما في قوله ﵇: "يا أبا موسى، لقد أُوتيتَ مِزمارًا مِن مَزاميرِ آلِ داود" (^٢).
﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ حالٌ من ﴿التَّابُوتُ﴾.
قيل: رفَعه اللّه تعالى بعد موسى ﵇، فنزلت به الملائكة وهم ينظرون إليه (^٣).
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، أي: في إتيان التابوت والملائكةُ تحمله ﴿لَآيَةً﴾ عظيمةً.
﴿لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ من تمام كلام النبيِّ ﵇؛ لأن المقام لا يتحمَّل الخطاب من اللّه تعالى.
* * *
_________________
(١) = في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٥).
(٢) الرُّضاض: ما يتفتت ويتقطع من الشيء. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٢/ ٣٢٩).
(٣) رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣)، من حديث أبي موسى ﵁.
(٤) "إليه" من (د)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٢٩٣).
[ ٢ / ١٥٣ ]
(٢٤٩) - ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ قيل: هنا جمل محذوفة؛ أي: فجاءهم التابوتُ، وأقرُّوا لطالوتَ بالملك، وتأهَّبوا للخروج، فالفاء فصيحةٌ، والباءُ في ﴿بِالْجُنُودِ﴾ للملابَسة؛ أي: مُلْتبِسًا بالجنود، سواءٌ كان ﴿فَصَلَ﴾ لازمًا بمعنى: انفصل عن بلده، أو متعدِّيًا بمعنى: فصل نفسه عنه، فإنَّ الفصل في المتعدِّيَ والفصولَ في اللازم لغتان؛ مثل: وَقَفَه وَقْفًا ووَقَفَ وُقوفًا.
و(الجنود): جمع الكثرة للجُند، والأجناد: جمع القِلَّة له، والجُنْدُ: الجيش الأشدَّاء، مأخوذٌ من الجَنَد، وهو الأرضُ الغليظة الشديدة (^١).
رُوي: أنَّهم لمَّا فارَقوا بلدهم سلكوا مفازةً، وكان الوقتُ قيظًا، فسألوا أن يجري اللّه تعالى لهم
نَهَرًا قال طالوت:
﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾: مُعاملُكم معاملةَ مختبِرٍ (^٢) بما اقترحتُموه، وكان في جند طالوتَ المخلِصُ والمنافقُ، فميِّز بينهما بالماء، كالذهب والفضة فيهما الخَبَثُ فيميَّز الخالصُ من غيره بالنار.
_________________
(١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "الغليظ الشديد".
(٢) في (د): "مخبر"، وفي (ح) و(ف) و(م): "مخبرة" والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٥١).
[ ٢ / ١٥٤ ]
والنَّهر بفتحِ الهاء وتسكينِها: المَجْرى الواسعُ للماء، وكلُّ ثلاثيٍّ حَشْوُه حرفُ حلقٍ فتسكينُه وفتحُه لغةٌ؛ كالشَّعر والنَّحر والدَّأب.
﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾؛ أي (^١): فليس بمتَّصلٍ بي ولا متَّحدٍ معي، من قولهم: فلان منِّي، كأنه (^٢) بعضه لاختلاطهما واتحادهما، ويجوز أن يراد: فليس من جملتي وأشياعي.
﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الطُّعْم: الذَّوق، ويقع على الأكل والشرب.
﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ الغَرْف: أخذُ الماء بآلةٍ كالكفِّ، والغَرفة بالفتح: المَرَّة من هذا الفعل، والغُرفة بالضم: قَدْرُ ما يُغرف بالكفِّ من الماء، وأصلُ الغَرف: القطعُ، ومنه الغُرفة التي هي العِلِّيَّةُ قطعة من البناء.
استَثْنَى من الشرب الممنوعِ هذا النوعَ، وإنما قُدمت عليه الجملة الثانية لأن مدلولها مفهومٌ منه بطريق الدلالة، وإنما ذكرت تتميمًا للجملة الأولى بما فيها من الترغيب إلى الانتهاء بالنهي المذكور، فحقُّها أن تُذكر عَقيبها قبل الاستثناء المزبور (^٣)، وطالوت إن كان نبيًا فله أن يعرف ذلك بالوحي، وإلا فبالإلهام أو بإخبار من النبي (^٤).
﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾، أي: فكَرَعوا فيه؛ إذ الأصل في الشرب منه أن لا يكون بواسطةٍ، وتعميمُ الأول ليتَّصل الاستثناء.
_________________
(١) في (م) زيادة: "أي".
(٢) في (ك): "كأني"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٢٩٤).
(٣) في (م) و(ف): (المذكور). وجاء هنا في هامش (د) و(ف) و(م): "ومن لم يتنبه لهذه الدقيقة زعم أن تقديمها لمجرد العناية. منه ".
(٤) وفي هامش (د) و(ف): (ومن لم يتنبه لهذه الدقيقة زعم أن تقديمها لمجرد العناية). منه.
[ ٢ / ١٥٥ ]
وقرئ: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (^١) بالنصب على الاستثناء، وبالرفع على أنه تابعٌ للمرفوع قبله (^٢)؛ لأن الكلام إذا كان موجَبًا جاز فيما بعدَ (إلا) النصبُ وهو الأفصح، والإتْباع لمَا قبله إنْ رفعًا فرفعٌ أو نصبًا فنصبٌ أو جرًّا فجرٌّ، وليس هذا من مواضع الميل إلى المعنى، والإعراضِ عن اللفظ جانبًا (^٣).
والقليل على ما قيل: كانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلًا.
﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ﴾، أي: قطع طالوتُ النهر.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ أي: القليلُ الذين (^٤) لم يخالفوه، وفي التعبير عنهم بما ذُكر دلالةٌ على أن المخالِفينَ لم يكونوا مُخلِصين في دعوى الإيمان، وإنما زاد قوله: ﴿مَعَهُ﴾ لإفادة معنى المتابَعة إياه والموافقة له، ولمَّا افترقوا فرقتين قال كلُّ فرقة ما يليق بشأنه، وعدمُ العطف بين القولين لعدم جمعهما مقامٍ واحد، ومساقِ كلامٍ واحد.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: الذين انخذلوا، على ما نص عليه ابن عباس ﵄، كأنهم قالوا ما قالوا اعتذارًا في التخلف، وتخذيلًا للمُقْدِمين على القتال.
_________________
(١) وقع هنا في جميع النسخ: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ دون ﴿مِنْهُمْ﴾، لكن وقع التنبيه عليها في هامش (م)، حيث كتب فيه بخط ملون: "هنا نقص لفظ ﴿مِنْهُمْ﴾ مع أنه ثابت تلاوة".
(٢) القراءة بالنصب قراءة الجمهور، والقراءة بالرفع من الشاذ، وتنسب لأبي والأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٥)، و"الكشاف" (١/ ٢٩٥).
(٣) في هامش (د) و(م): "قال أبو حيان: هي مسألة بيّن وجه الإعراب فيها، يعني: على ما ذكر هنا في علم النحو. منه ". وفي هامش (ف): "قال أبو حيان: هي مسلمة بيّن وجه الإعراب فيها، يعني: ما ذكره هنا على ما ذكره في علم النحو. منه".
(٤) في (ح) و(د) و(ف): "الذي".
[ ٢ / ١٥٦ ]
﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ﴾؛ أي: بقتال جالوت.
﴿وَجُنُودِهِ﴾ لكثرتهم وقوَّتهم (^١)، وفي عبارة الجنود دلالةٌ على هذا، على ما بينَّاه فيما سبق.
﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ الظنُّ على حقيقته، ومعنى ﴿مُلَاقُو اللَّهِ﴾: أنهم يُستشهَدون في ذلك اليوم، لعزمهم على صدقِ القتال، وصدقهم في عزمه. أو بمعنى الإيقان؛ أي: يوقنون بالبعث على أنَّ (^٢) معنى ﴿مُلَاقُو اللَّهِ﴾: أنهم راجعون إليه في القيامة ومجزيون بأعمالهم يومئذ، وعلى هذا المعنى من الملاقاة يجوز أن يكون الظنُّ على أصله، ويكونُ القصد إلى أنه يكفي في هذا العمل (^٣) فكيف باليقين.
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ ﴿كَمْ﴾ كلمةُ تكثير، و﴿مِنْ﴾ مبيِّنة أو مَزِيدةٌ للتأكيد، والفئة: الفرقة من الناس، من فأَوْتُ رأسه، أي: شَقَقْتُه، أو مِن فاء: إذا رجع.
﴿غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾، ﴿كَمْ﴾ مبتدأ خبرُه ﴿غَلَبَتْ﴾.
﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بتيسيره، وهذا تحريضٌ على القتال واستشعارٌ بالنصر.
﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالنصر والإثابة، تحريضٌ على الصبر في القتال.
* * *
(٢٥٠) - ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
_________________
(١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "وقدرتهم".
(٢) كلمة: "أنَّ" ليست في (ح) و(ف) و(ك) و(م).
(٣) في (د): "للعمل".
[ ٢ / ١٥٧ ]
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ المبارزةُ في الحرب: أن يَظهر المحارب لقَرينه بحيث يراه.
﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ الإفراغ: صبُّ السيَّال، استُعير للإكمال والإكثار.
﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾؛ أي: في المعركة كيلا نَزِلَّ ولا نَزُولَ.
﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: أَعِنَّا عليهم، وامنَعْهم منا.
الْتَجَؤوا إلى اللّه بالدعاء، وفيه ترتيبٌ بليغ، إذ سألوا أولًا إفراغَ الصبر في قلوبهم الذي هو مِلاكُ الأمر، ثم ثباتَ القدم في مَداحض الحرب المسبَّبَ منه (^١)، ثم النصرَ على العدو المرتَّبَ عليهما غالبًا، ثم أشاروا بتوصيف ﴿الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ إلى أنهم يطلبون النصر لا للانتقام منهم بفعلهم بهم، بل لأنهم كفار وأعداءٌ لربهم.
* * *
(٢٥١) - ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ الفاء فصيحةٌ، وقبله مضمَرٌ، أي: فاستجاب اللّه دعاءهم ونصرهم، فالهزيمة دفع الشيء بقوةٍ حتى يدخل بعضُه في بعضٍ، والمِهْزام: خشبة يحرَّك بها الجمر ويُدفع بعضُه على بعض.
﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بعونه وتيسيره.
_________________
(١) أي: من الصبر المفرَغ.
[ ٢ / ١٥٨ ]
﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ لم يبيِّن اللّه تعالى كيفيةَ القتل، إلا أنه أشار في سياقه إلى أنه كان بسهولة.
﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾؛ أي: مُلكَ بني إسرائيل، ولم يجتمعوا قبل داود ﵇ على مَلِكٍ.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: النبوَّةَ؟ إذ بها وَضْعُ الأمور مواضِعَها.
فاَتاه اللّه مُلكَ طالوت ونبوَّة نبيِّهم، وجمع له كليهما، وكان قبله المُلك في سِبْطٍ والنبوَّةُ في سِبْطٍ.
﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾: من صنعة الدروع، وكلامِ الطير والدوابِّ، وغير ذلك.
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾: ولولا أنَّ اللّه تعالى يَدفع بعضَ الناس ببعضٍ وَيمنع فسادهم بذلك.
﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾: لعمَّ فسادُهم الأرض.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: ولكنَّ الله يَبسط الفضلَ على العالمين بنصر المصلِحين على المفسِدين.
* * *
(٢٥٢) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى ما قُصَّ من حديث الألوف، وتمليكِ طالوتَ، وإتيانِ التابوتِ، وانهزامِ الجبابرة، وقتلِ داودَ ﵇ جالوتَ.
﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ بالصِّدق واليقين الذي لا ريبَ فيه لأهل الكتاب؛ إذ هي في كتبهم كذلك.
[ ٢ / ١٥٩ ]
﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ حيث تُخبر بها من غيرِ قراءةِ كتابٍ ولا سماعِ أخبارٍ.
* * *
(٢٥٣) - ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ أي: المذكورةُ في السورة كلِّها، أو المعلومةُ لك (^١) بالوحي.
﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بحسَبِ درجاتهم في الزُّلفى، وتفاوُتِ مراتبهم في الاصطفاء.
﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ تفصيلٌ للتفضيل؛ أي: خاطبه اللّهُ تعالى بكلامه الأزليِّ بلا واسطةٍ، وهو موسى ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ بأنْ فضَّله على غيره من وجوهٍ متعدِّدة بمراتبَ (^٢) متباعدةٍ، وهو محمدُ ﵇ المفضَّل عليهم، حيث أُوتي ما لم يُؤتَ أحدٌ منهم (^٣)، والإبهامُ لتفخيم شأنه؛ كأنه العَلَم المتعيِّن (^٤) لهذا الوصف، المستغني عن التعيين، وتنكيرُ ﴿دَرَجَاتٍ﴾ يعضُده في تعظيم شأنه.
_________________
(١) "لك" من (د).
(٢) في (ك) و(م): "وبمراتب".
(٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "أحدهم".
(٤) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "المعين "، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٣).
[ ٢ / ١٦٠ ]
﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ خصَّه بالتعيين لإفراط (^١) اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، وجَعْلُ معجزاته سببَ تفضيله لأنها آيات ظاهرةٌ وبيناتٌ باهرةٌ لم يَستجمِعها غيرُه.
﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قد مرَّ تفسيره.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن لا يقتتلوا (^٢).
﴿مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: من بعد هؤلاء الرسل.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، أي: المعجزاتُ الواضحاتُ، لاختلافهم في الدين وتشعُّبِ (^٣) مذاهبهم، ولتضليل (^٤) بعضِهم بعضًا.
﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾، أي: ما شاء مما (^٥) اقتضاه حكمتُه.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ﴾؛ لالتزامه دِينَ الأنبياء ﵈ بتوفيقه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَر﴾، لإعراضه عنه لخذلانه.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ كرِّر للتأكيد (^٦) لكون الأمور بمشيئة اللّه تعالى.
_________________
(١) في (ك): (لإفراد).
(٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "أن يقتتلوا"، والمثبت من (د) وهو الصواب. انظر: "تفسير الطبري" (٤/ ٥٢٣)، و"تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٢/ ٢٣٣)، و"تفسير الراكب" (١/ ٥١٨)، وغيرها من التفاسير.
(٣) في (ف): "وتشعث".
(٤) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): (ولتفضيل)، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٣).
(٥) في (د) و(م): "أي ما شاء فما"، وفي (ح) و(ف): "لما"، وسقط منهما: "أي ما شاء"، والمثبت من (ك).
(٦) في (د): "التأكيد".
[ ٢ / ١٦١ ]
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ من تخصيص بعضِهم بالسعادة والإيمان، وبعضِهم بالشقاوة والكفر.
فإنْ قلتَ: الاستدراك بعد استعمال كلمة (لو) على قاعدة العربية أنْ يُذكر انتفاءُ الشرط ليُثبَتَ انتفاءُ الجزاء، أي: لكنْ لم يشأ عدم الاقتتال فاقتتلوا، وعلى قاعدة الاستدلال أنْ يُذكر انتفاءُ الجزاء ليُعلم انتفاءُ الشرط؛ أي: لكنهم اقتتلوا فعُلم أنه لم يشأ عدم الاقتتال، فما وجهُ قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾؟
قلتُ: معناه: لكنه لم يشأ عدمَ الاقتتال، بل ثبوتَه فثبت؛ لأنَّه يُثْبِتُ ما يريده اصلا مّا كان؛ قيل: يوفِّق مَن يشاء فضلًا ويخذل مَن يشاء عدلًا.
وَيرِدُ عليه: أنه حينئذ يكون الخذلان عن باعثٍ، فتتقيَّد إرادتُه المتعلِّقةُ به، ويأباه التعميم المستفاد مما ذكر.
والآيةُ دليل على أن الأنبياء ﵈ ولو كانوا أُولي العزم من المرسلين متفاوتةُ الأقدام (^١)، وأمَّا أنه يجوز تفضيلُ بعضهم على بعضٍ على التعيين، فلا دلالة عليه في الآية، نعم يجوز ذلك إذا وُجد دليل قاطع؛ لأنَّه مما يتعلق بالاعتقاد دون العمل حتى يُكتفى فيه بالظن، وأنَّ ما تَعلَّق به إرادةُ اللّه تعالى؛ فعلًا كان أو تركًا، خيرًا كان أو شرًا، يقع، وأمَّا أن كلَّ ما يقع إنما يقع بإرادة اللّه تعالى فلا دلالة عليه فيها، إنما عُلم ذلك من موضع آخر.
* * *
(٢٥٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
_________________
(١) في (د): "الأقدار"، ومثله في "روح المعاني" (٣/ ٣٨٢)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٣).
[ ٢ / ١٦٢ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أراد به الواجبَ من الزكاة، لظاهر الأمر واتِّصالِ الوعيد به.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ﴾: لا كسب ﴿فِيهِ﴾ لأنَّه يوم جزاءٍ لا يوم عمل، وعبِّر عن كلِّ (^١) المكاسب بجُلِّها.
﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾؛ لأن الأخلَّاء بعضُهم عدوٌّ لبعضٍ يومئذٍ.
فإنْ قلتَ: أليس زمرةُ المتقين مستثناةٌ منهم؟
قلت: بلى، ولكن الوعيد في حقِّ مَن ترك الإنفاقَ الواجب، فالاستثناءُ المذكورُ لا يجديه (^٢).
﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ يعني: أنَّ تدارُكَ ما فاتكم من الإنفاق إمَّا بالأداء بعد الحصول بطريقِ المعاملة والمجاملة، وإمَّا بالإبراء، ولا سبيل إلى شيءٍ من ذلك إذ لا كسبَ ولا خلَّةَ ولا شفاعةَ، خصوصًا في إسقاطِ حقوق العباد، وأمَّا أنَّ الشفاعة لا تكون إلا في زيادة الفضل فطريقةُ الاعتزال موضع بيانه ومأخذُ عنانه علمُ الكلام.
وإنما رُفعت ثلاثتُها مع قصدِ التعميم لأنها في التقدير جوابُ: هل فيه بيعٌ أو خلةٌ أو شفاعةٌ؟ وقد فتَحَها مَن فتَحَها على الأصل (^٣).
﴿وَالْكَافِرُونَ﴾؛ أي: التارِكون للزكاة، وإنما عبِّر عنهم بالكافرين تغليظًا عليهم وزجرًا لهم؛ كما في آخِر آيةِ الحج، حيث شبِّه فعلُهم الذي هو ترك الزكاة بالكفر،
_________________
(١) في (ك): "جل".
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "لا يجد به".
(٣) فتحها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ٨٢).
[ ٢ / ١٦٣ ]
أو جُعل مشارفةً على الكفر، أو تعبيرًا باللازم عن الملزوم (^١) حيث جُعل ترك الزكاة في موضع آخر من صفات الكفار ولوازمهم، فهو على الأول استعارةٌ تَبَعيَّةٌ أو مَجازُ مُشارَفةٍ، وعلى الثاني كنايةٌ أو مجازُ لُزومٍ.
﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ هم الذين ظلموا أنفسهم بترك الإنفاق الواجبِ، وصرفِ المال على غير وجهه، ووضعه في غيرِ موضعه.
* * *
(٢٥٥) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ مبتدأ وخبرٌ، والمعنى: أنه المستحِقُّ للعبادة لا غير.
وقيل: خبرُه ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ معترِضٌ بينهما.
والمراد من الحياة في حقِّه تعالى: البقاءُ الذي لا سبيل إليه للفناء مجازًا، وذلك أن الحياة بحسَب اللغة عبارةٌ عن قوَّة مزاجيةٍ تقتضي الحسَّ والحركة، ولا صحة لها في حقّه تعالى، فلا بدَّ من المصيرِ إلى المعنى المجازيِّ المناسِبِ له، وهو البقاء، وإنما وصَفْناه بما ذُكر لأنَّه مستنِدٌ إلى ذاته تعالى، فلا يمكنُ زوالُه.
وأما الذي ذكره المتكلِّمون بقولهم: (الحي: الذي يصحُّ أن يَعْلَم وَيقْدِر) فمعناه
_________________
(١) قوله: "وعبر باللازم عن الملزوم" كذا في النسخ، والصواب: (بالملزوم عن اللازم)، كما في "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٢/ ٣٣٢)، و"روح المعاني" (٣/ ٣٨٦)، قال الشهاب: (فإن ترك الزكاة لازم للكفر فذكر الكفر وأريد ترك الزكاة). وهي عينها عبارة المؤلف الآتية، لكن مع زيادة وضوح في بيان المراد.
[ ٢ / ١٦٤ ]
الاصطلاحيُّ الحادثُ، فلا مَساغَ لحمل ما في الكلام القديم عليه، حيث لا يَعرفه أهل اللسان وقتَ نزول القرآن.
وقد ردَّ صاحب "الكشاف" مثلَ هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩]، وجوَّزه هنا (^١).
والقيوم: القائم بذاته، المقوِّم لغيره.
وقيل: الدائمُ القيام بتدبير الخلق وحفظه، فَيْعولٌ مِن قام بالأمر: إذا حفظه.
﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾ الأخذ: التناول ومنه أَخْذُ الشاربِ: قَصُّه وقَطْعُ شيء من شره.
﴿سِنَةٌ﴾ السنة: ثقلةٌ من النُّعاس وفتورٌ يعتري المزاجَ قبل النوم، وليست بداخلةٍ في حدّ النوم على ما دلَّ عليه قولُ عَدِي بنِ الرِّقَاع:
وَسْنانُ أَقْصَدَه النُّعاسُ فرَنَّقَتْ … في عينهِ سِنَةٌ وليس بنائمِ (^٢)
ولا دلالةَ فيه على أنَّ السِّنَةَ هي النُّعاس كما تُوُهِّمَ.
﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ النوم: حالةٌ تَعرِضُ للحيوان من استرخاءِ أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواسُّ الظاهرة عن الإحساس رأسًا؛ أي: لا يعتريهِ ما يعتري المخلوقين من الغفلة والملال والفتور في حفظ ما هو قائم بحفظه، ولا يَعْرِضُ له عوارضُ التعب المحوِجة إلى الاستراحة، فيستريحُ بالنوم والسِّنَة.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٠٠).
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٧٨)، و"الوحشيات" لأبي تمام (ص: ١٩٤)، و"تفسير الطبري" (٤/ ٥٣٠)، و"الكشاف" (١/ ٣٠٠)، و"البحر" (٤/ ٤٤٨)، و"اللسان" (مادة: رنق)، وفيه: رنق النوم في عينه: خالطها.
[ ٢ / ١٦٥ ]
فالجملة بيان لـ ﴿الْقَيُّومُ﴾ بأنه مهيمنٌ على مَن يقوِّمه غيرُ غافل عنه، وتأكيدٌ لكونه حيًّا فإن مَن أخذه سنةٌ أو نومٌ كان مؤوفَ الحياة (^١)، ولذلك تُرك العاطف فيه.
وتقديم السِّنَة على النوم على قياس المبالغة والترقِّي، فإنَّ سلب السِّنَة وإن كان أبلغَ من سَلب النوم لكنَّ سلبَ أَخْذِها ليس بأبلغَ من سلبِ أَخْذِه؛ لِمَا فيه من القوة، فمَن يقدر على دفعها قد لا يقدر على دفعه، فمَن وَهَم أنَّ قياس المبالغةِ عكسُه فقد وَهِم (^٢)، حيث لم يفرِّق بين سلبهما وسلب أخذِهما.
وأيضًا السِّنةُ من طلائع (^٣) النوم ومقتضياتِ سببه السابقةِ عليه، فنفيُ النوم بعد نفيها باعتبارِ أنه يستلزِم نفيَ سببه يكون أبلغَ، وأما نفيُ التشبيه فقد حصل بالحيِّ القيُّوم على المعنى المراد منهما.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بيانٌ وتقريرٌ بنفي السِّنَة والنوم؛ لأن الذي يملكهما وما فيهما يحفظُهما وما فيهما بتدبيره، فلا يمكن أن ينام وإلا لزالَتَا عن النظام، ولهذا تَرتَّبَ على ما قبلَه من غير حرفِ عطفٍ، ولو كان تقريرًا لقيوميته (^٤) - كما قيل - لاتَّحد مع ما قبلَه في هذه الجهة، فكان حقَّه أن يُرتَّب عليه بحرفِ عطفٍ.
_________________
(١) المؤوف: الذي أصابته الآفة، وهو اسم مفعول من الآفة بمعنى العاهة. انظر: "القاموس" (مادة: أوف)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي" (١/ ٢٨٢).
(٢) وَهَمَ كوَعَدَ: ذهب وهمه إليه، ووَهِمَ كوَجِلَ: غَلِطَ. انظر: "القاموس" (مادة: وهم). فيكون معنى العبارة: فمن ذَهَبَ وهمُه إلى أن قياس المبالغة عكسه فقد غلط.
(٣) في (م): "دلائل".
(٤) في النسخ عدا (ك): "لقيومية"، والمثبت من (ك) وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٤)، و"وروح المعاني" (٣/ ٣٩٥). والكلام رد على ما قاله البيضاوي وتابعه فيه الآلوسي: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تقرير لقيوميتَّه واحتجاج به على تفرده في الألوهية.
[ ٢ / ١٦٦ ]
والمراد بما فيهما: ما وُجد فيهما داخلًا في حقيقتهما، أو خارجًا عنهما متمكِّنًا (^١) فيهما، فهو أبلغ من قوله: له (^٢) السماواتُ والأرض وما فيهنَّ.
ولمَّا ذكر مالكيَّته للكلِّ بيَّن ذلك بقوله:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بلغ من مالكيَّته وكبريائه أنْ لا يتمالكَ أحدٌ أن يتكلم يوم القيامة إلا (^٣) مَن أذن له؛ لقوله: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨]، ثم بين ذلك بقوله:
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: ما كان قبلَهم وما يكون (^٤) بعدَهم، فكيف بحالهم؟ ومَن أحاط علمُه بأحوال الخلق كلِّها يعلمُ المستوجِبَ للشفاعة وغيرَه، والضميرُ لـ (ما في السماوات والأرض)؛ لأن فيهم العقلاءَ، أو لِمَا دل عليه ﴿مَنْ ذَا﴾ من الأنبياء والملائكة (^٥) ﵈.
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾؛ أي: معلومِه، فإنَّ اسم المصدر يقع على المفعول، يقال في الدعاء: اللهم اغفرْ علمَك فينا؛ أي: معلومَك، وعطفُه على ما قبلَه لأنَّ مجموعهما يدلُّ على تفرُّده بعِلم مَن يَستحِقُ الشفاعة وغيرِه، وإنما فُصل المعطوف عليه عمَّا قبله لمَا أَشَرْنا إليه من أنه مُبيِّن لِمَا قبله، وأما على ما قيل: إن (^٦) مجموعَهما يدل على تفرُّده بالعلم الذاتيِّ التامِّ الدالِّ على
_________________
(١) في (د): "متركنًا"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٤).
(٢) في (م): "له ملك".
(٣) في (د): "إلا إذا".
(٤) في (ف): "كان".
(٥) "والملائكة" من (د)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٣٠١)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٤).
(٦) "إن" من (د).
[ ٢ / ١٦٧ ]
وحدانيته (^١)، فلا يظهر وجهُ الفصل المذكور كما لا يخفى.
﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أن يُعْلِمهم به من المعلومات.
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ بيان لشمول علمه وإحاطتهِ وسعتهِ وبَسطته، وأنَّه لم يَضِقْ عن السماوات والأرض، على سبيل التمثيل والتخييل، وتصويرِ الأمر (^٢) المعنويِّ بالصورة الحسِّيَّة، ولا كرسيَّ ثمةَ ولا قعودَ ولا قاعدَ؛ كقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] من غيرِ تصوُّر قبضةٍ وطيٍّ ويمينٍ (^٣).
قيل: تصويرٌ لعظمته وتمثيلٌ، وعلى هذا لا يَظهر وجه الفصل عمَّا قبله، وعلى
_________________
(١) انظر: "تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٤)، و"وروح المعاني" (٣/ ٣٩٥). والكلام رد على ما قاله البيضاوي وتابعه فيه الآلوسي: (وعطفه على ما قبله لأن مجموعهما يدل على تفرده بالعلم الذاتي التام الدال على وحدانيته ﷾.
(٢) في (د): "أهل"، وفي (ك) و(م): "أمر".
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٠١)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٤). قلت: كذا نقل المؤلف هذا القول عن الزمخشري، وظاهر السياق اختياره، وكذا يظهر من صنيع البيضاوي حيث قدمه، وساق ما بعده بصيغة: (قيل)، على عادته في تضعيف الأقوال حيث يؤخرها ويقدم لهاب (قيل). وعلى هذا القول أكثر الخلف كما ذكر الآلوسي في "روح المعاني" (٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨)، حيث قال: وهذا الذي اختاره الجمُّ الغفير من الخلف فرارًا من توهم التجسيم، وحملوا الأحاديث التي ظاهرها حمل الكرسي على الجسم المحيط على مثل ذلك، لا سيما الأحاديث التي فيها ذكر القدم … وأنت تعلم أن ذلك وأمثاله ليس بالداعي القوي لنفي الكرسي بالكلية، فالحق أنه ثابت كما نطقت به الأخبار الصحيحة، وتوهم التجسيم لا يعبأ به وإلا للزم نفي الكثير من الصفات، وهو بمعزل عن اتباع الشارع والتسليم له، وأكثر السلف الصالح جعلوا ذلك من المتشابه الذي لا يحيطون به علما وفوضوا علمه إلى اللّه تعالى مع القول بغاية التنزيه والتقديس له تعالى شأنه.
[ ٢ / ١٦٨ ]
ما ذكرنا قد ترتَّبت الجمل الخمسُ متآخيةً متعانقةً، كلٌّ منها تبيِّن (^١) ما ترتَّبتْ عليها مقرِّرةً لمعناها، فلا سبيل للعاطف بينهما؛ لكمال الاتِّصال بين معانيها.
وعن الحسن: الكرسيُّ هو العرش (^٢).
وقيل: إنه تعالى خلق كرسيًّا بين يدي عرشه دونه السماواتُ والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء، وعرشُ الخلق للجلوس عليه، والكرسيُّ لوضع القدمين عليه، وتعالى اللّه عن ذلك علوًّا كبيرًا، كما أن بيت الخلق للسُّكنى فيه، واللّهُ تعالى جعل الكعبة بيتَه، وتعالى عن (^٣) أن يسكنها، إنما المراد بيانُ أن ما في السماوات والأرض لا يغيبُ عنه كما لا يغيب عمَّن جلس على السرير ما تحت قدميه.
وأصل الكرسي في اللغة هو: المتراكِبُ، والكُرَّاسةُ سميت بها (^٤) لتراكُبِ بعضِ أوراقها على بعضٍ، والكِرْسُ: البعرُ والبول إذا تلبَّدَ بعضُه على بعضٍ.
﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾: ولا يُثقِله ولا يَشُقُّ عليه ﴿حِفْظُهُمَا﴾: حفظُ السماوات والأرض، وإنما ثنَّى مع أن السماوات جمع ردًّا إلى الجنس.
والأَوْد: الاعوجاج الذي يَعْرِض من الاعتمادِ عليه بالثقل.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ اسمان جامعان لكمال التوحيد، فالعليُّ هو المتعالي عن الصفات التي لا تَليق به، والعظيم هو الموصوف بكلِّ الصفات التي تليق به.
قيل: تَذَاكَرَ الصحابةُ ﵃ أفضلَ ما في القرآن، فقال لهم عليّ رضي اللّه
_________________
(١) في (ك): "بين".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٥٣٧).
(٣) "عن" من (د).
(٤) "بها" ليست في (د).
[ ٢ / ١٦٩ ]
عنه: أين أنتم عن آية الكرسي؟ ثم قال: قال لي رسول اللّه ﷺ: "يا علي، سيدُ البشر آدم، وسيدُ العرب محمدٌ ولا فخرَ، وسيدُ الفُرس سلمانُ، وسيدُ الروم صُهيبٌ، وسيدُ الحبشة بلالٌ، وسيدُ الجبال الطُّور، وسيدُ الأيام يومُ الجمعة، وسيدُ الكلام القرآن، وسيدُ القرآن البقرةُ، وسيدُ البقرة آية الكرسيِّ" (^١).
وفيه نظرٌ؛ لأن قوله: (سيد البشر آدم وسيد العرب محمد) يُفصِح (^٢) عن تفضيل آدمَ على محمد ﵉، وهو خلافُ ما انعقد عليه الإجماعُ، وما ورد في الحديث الصحيح من قوله ﵇: "أنا أكرمُ الأوَّلين والآخرين على اللّه ولا فخر" (^٣).
ويمكن أن يقال: إن آدم سيدُ البشر في الدنيا، ومحمدٌ ﵇ سيدُ البشر في الآخرة، على ما أفصحَ عنه بقوله: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبيٍّ يومئذٍ آدمَ فمَن سِواه إلا تحت لِوائي"، أخرجه صاحب "المصابيح" عن أبي سعيد الخدري (^٤).
ولا خفاءَ في أن السيادة في الآخرة راجحةٌ على السيادة في الدنيا، فالفضل لنبيِّنا عليه وعلى سائر الأنبياء الصلاةُ والسلام.
وإنما فَضَلتْ آية الكرسيِّ لاشتمالها على توحيدِ اللّه تعالى وصفاتهِ؛ كما فَضَلت
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٠٣). وقال الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: ٢٢): لم أجده، وذكره صاحب "الفردوس" ولم يخرجه ابنه.
(٢) في (ك): "يسفر".
(٣) قطعة من حديث رواه الترمذي (٣٦١٦) وقال: حديث غريب. وقال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾: "ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها".
(٤) انظر: "مصابيح السنة" (٤٤٨١)، رواه الترمذي (٣٦١٥) وقال: حديث حسن.
[ ٢ / ١٧٠ ]
سورة الإخلاص لإفصاحها عن التوحيد الذاتيِّ، وإنَّ شرف العلم بشرفِ المعلوم والموضوع (^١)، ولا معلوم أجلُّ وأعلى من اللّه تعالى، ولا مذكورَ أعظمُ ولا أكملُ منه (^٢)، فلا ذكرَ أشرفُ ولا أفضلُ منه.
* * *
(٢٥٦) - ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾؛ أي: لا إلزامَ على الدين الحق وهو الإسلام بما يَضطَرُّه إلى قبوله؛ إذ الإكراه في الحقيقة إنما يكون بحمل الغير على ما لا يَرى فيه خيرًا؛ فعلًا كان أو تركًا.
﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ استئنافٌ تعليليٌّ - فلا وجه لتقدير: ولكنْ (^٣) -؛ أي: تميَّز الإيمان من الكفر بالآيات الواضحة، ودلَّت الدلائل على أن الإيمان رشدٌ يُوصل إلى السعادة الأبدية، والكفرَ غَيٌّ يؤدِّي إلى الشقاوة السَّرمديَّة، والعاقل متى تبيَّن له ذلك بادرت نفسُه إلى الإيمان طلبًا للفوز بالسعادة والنجاةِ، ولم يَحتَجْ إلى الإكراه والإلجاء.
وقيل: هو إخبار في معنى النهي؛ أي: لا تُكرهوا في الدِّين، وهو إمَّا عامٌّ منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، أو خاصٌّ بأهل الكتاب لأنهم حصَّنوا (^٤) أنفسهم وأموالهم بأداء الجزية.
_________________
(١) في (ح) و(د) و(ف): " والموضع".
(٢) "منه": ليست في (م).
(٣) فيه رد على البيضاوي في قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الِإكراه في الحقيقة إلزام الغير فعلًا لا يرى فيه خيرًا يحمله عليه، ولكن ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ).
(٤) في (ك): (حقنوا)، وفي (م) و(ف): "خصوا".
[ ٢ / ١٧١ ]
ورُوي أنه كان لأنصاريٍّ ابنان، فتنصَّرا قبل أن يُبعث رسول اللّه ﷺ، ثم قدما المدينةَ فلزمهما أبوهما وقال: واللّه لا أدعكما حتى تُسلما، فاصَليَا، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ، فقال الأنصاري: أيدخل بعضي النار وأنا أنظرُ إليه، فنزلتْ فخلَّاهما (^١).
والغيُّ ضدُّ الرشد، تقول: غَوَى يَغْوِي غَيا وغَوَايَةً: إذا سلك خلافَ طريق الرشد.
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾: بكلِّ معبودٍ سوى اللّه، ولا يلزمُ إطلاق الطاغوت على عزيرٍ وعيسى والملائكة ﵈؛ لأن عبَّادهم ما عبدوهم في الحقيقة، بل عبدوا الشيطان على ما يأتي تفصيله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
وبهذا التفصيل اتَضح فسادُ ما قيل: والطاغوتُ كلُّ ما عُبد من دون اللّه مما هو مذمومٌ في نفسه، ولا يَرِدُ عليه عيسى ﵇؛ لأنَّا قيَّدْناه بالذمِّ = لعدم الحاجةِ حينئذ (^٢) إلى زيادةِ القيد المذكور، بل لا وجه له كما لا يخفى.
وتَبيَّن (^٣) الخللُ فيما قيل: بالشيطان أو الأصنام، أو كلِّ ما عُبد من دون اللّه، أو صدَّ عن عبادة اللّه (^٤).
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٠٣). ورواه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٨٤) من قول مسروق، وقد أخرج الطبري في "تفسيره" (٤/ ٥٤٧) من رواية محمد بن أبي محمد الحرشي عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصين، كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلمًا، فقال: يا رسول الله، ألا أستكرههما فأنزل اللّهَّ تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الآية. وانظر: "الكاف الشاف" (ص: ٢٢).
(٢) "حينئذ"من (د).
(٣) عطف على "تبين".
(٤) رد على الزمخشري والبيضاوي. انظر: "الكشاف" (١/ ٣٠٤)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٥). =
[ ٢ / ١٧٢ ]
والطاغوت من الطغيان، وهو مجاوزةُ الحدِّ في الشرِّ، وأصله: طَوَغوتٌ، وهو مقلوبُ طَغَووت (^١) على وزن فَعَلُوت قُلبتْ ثم جُعلت الواوُ ألِفًا لفتحةِ ما قَبْلَها.
﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ عدِّي فعلُ الإيمان بالباء - والمقصودُ التصديقُ وهو متعدٍّ بنفسه - لأنَّه نقيضُ الكفر المتعدِّي بالباء، ومن دأبهم حمل النقيض على النقيض.
﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾؛ أي: تمسَّك عن قصدٍ وطلبٍ، والفعل الاختياريُّ إذا كان مسبوقًا بذلك يكون حصولُه على أوكدِ وجه، ولهذا تؤثِّر هذه الصيغةُ في مقام المبالغة، ومَن لم يتنبَّه لهذا قال في تفسيره: طلب الإمساك من نفسه.
﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: بما هو أوثقُ، من (^٢) المتمسَكاتِ المحكمة المأمونِ (^٣) انقطاعُها، والظاهر أن الاستمساك بالعروة الوثقى كالاعتصام بالحبل المتين مَثَلٌ في كلِّ اعتقاد مطابقٍ لا يحتمِلُ النقيضَ، فهو تشبيهٌ للمعقول المعلوم بالبرهان بالمحسوس المشاهَد. ولا مجازَ ولا استعارةَ في مفرداتها، والقول بالاستعارة في (العروة) تنزيل للكلام عن الدرجة العليا إلى الدرجة العالية، كما لا يخفى على مَن له كعبٌ عالٍ في صنعة (^٤) البلاغة.
_________________
(١) = قال الزمخشري: (فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام)، وعبارة البيضاوي هي عينها عبارة المؤلف.
(٢) في (م): "وأصله طوغوت مقلوب من طغووت".
(٣) قوله: "من … "، متعلق بحال من فاعل "أوثق"، لا بـ "أوثق"، ولذا وضعنا قبلها الفاصلة لئلا توهم التعلق بالفعل فيختل المعنى.
(٤) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): (المأمونة)، والمثبت من (د)، وهو الأرجح؛ لأنها صفة سببية، فهي تتبع مرفوعها في التذكير والتأنيث، ومرفوعها هنا مذكر.
(٥) في (ك) و(م): "صناعة".
[ ٢ / ١٧٣ ]
﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ الفَصْمُ بالفاء: القطع بلا إبانةٍ، والقَصْمُ بالقاف: القطع مع الإبانة، ونفي الأول أبلغُ من نفي الثاني، كما أن إثباتَ الثاني أبلغُ من إثبات الأول، فتأمَّل.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالأقوال.
﴿عَلِيمٌ﴾ بالعزائم والعقائد، وهو أبلغُ وعدٍ ووعيدٍ في عامة الناس، ويندرجُ تحته التهديدُ في حقِّ المنافق.
* * *
(٢٥٧) - ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ناصرُهم ومتولِّى أمورِهم.
﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ بالتوفيق والتأييد.
﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: من ظلمات الشُّبَه والشكِّ والضلالة (^١).
﴿إِلَى النُّورِ﴾: إلى نور اليقين والمعرفة والهداية.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾: الشياطين.
﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ بالإغواء والوسوسة.
﴿مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾: من نور البيِّنات إلى ظلمات الشكِّ والشُّبَه.
أو: وليُّ الذين أرادوا الإيمان يخرجهم بالهداية والتوفيق من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، والذين أرادوا الكفر يخلِّيهم مع شياطينهم الذين يُوالونهم يخرجونهم من نور البينات والدلائل الواضحة إلى ظلمات الكفر والشُّبه.
جمع الظلماتِ ووحَّد النورَ لأن الباطل متعدِّدٌ والحقَّ واحدٌ.
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "والضلال".
[ ٢ / ١٧٤ ]
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وعيدٌ وتحذيرٌ، وفيه دلالة على ما في مقابِله من الوعد والتبشير، ولهذا اكتَفى به عنه، وإنما لم يَعكس محافظةً على الفاصلة.
* * *
(٢٥٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ تعجيبٌ من محاجَّة نمرود.
﴿فِي رَبِّهِ﴾ يجوز أن يعود الضمير على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﵇، إلا أن الراجح أن يعود على الذي حاجَّ لأن مساق الكلام فيه على وجه التعجيب عن حاله يقتضي ذلك.
﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ مفعولٌ له؛ أي: لِأنْ أتاه اللّه الملك، يعني: أَبطرتْه النعمةُ، وحمله الملك على العتوِّ والكفر، فحاجَّ لذلك، أو وضَع المحاجَّةَ مكان ما وَجب عليه من الشكر فعَكس الأمر، والتعجيب على هذا الوجه أقوى، أو ظرفٌ؛ أي: وقتَ أنْ آتاه الله الملك.
وهو حجَّةٌ على مَن (^١) منع إيتاءَ اللّهِ الملكَ الكافر من المعتزلة.
والجواب بأن المراد إيتاءُ الأسباب لا يَشْفي كما لا يَخْفَى على ذوي الألباب، وكذا ما قيل: ملَّكه امتحانًا إذ ما من قبيحٍ إلا ويمكن أن يكون فيه غرضٌ صحيح مثل الامتحان (^٢).
_________________
(١) "من "من (د).
(٢) قوله: "والجواب بأن … " تعريض بالزمخشري حيث ذكر في "الكشاف" (١/ ٣٠٥) هذين الجوابين=
[ ٢ / ١٧٥ ]
﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ نصبٌ على الظرف بـ (حاجَّ) على الأول، وبدلٌ من [أنْ] آتاه اللّه) على الثاني (^١).
﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، أي: يحيى الأموات ويميت الأحياء.
﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ أي: أُعفي عن القتل وأَقتل، فأعرض إبراهيم ﵇ عنه وإن كان يتيسر (^٢) عليه أن يقول: ليس هذا بإحياء ولا إماتة، لكن كان هذا عند ملأ من الناس، وفيهم الضَّعَفة، فأراد إبراهيم ﵇ أن يفضحه فضيحةً ظاهرةً لا تخفى على أحدٍ، فجاء بما لا يمكنُه المعارضةُ بالتلبيس.
وبهذا التفصيل اندفع ما قيل: ما كان ينبغي (^٣) للنبيِّ أن ينتقل، بل كان عليه إزاحةُ الشبهة دفعًا لوهم الإقحام.
وأجيبَ: بأن ذلك إنما يكون إذا كانت للشبهة قوةٌ والتباسٌ (^٤) على السامعين، وأمَّا في الشبهة الواهية فيَحْسُن الإعراض عنها وعدمُ الالتفاتِ، سيما مع المجادل الأحمق، على أنه ﵇ ما أعرض عن الاعتراض إعراضًا كليًا، بل تَعرَّض له إجمالًا:
﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ حيث أتى بالفاء
_________________
(١) = في صرف الآية عن ظاهرها دفاعًا عن مذهبه في الاعتزال القائم على وجوب رعاية الأصلح.
(٢) قوله: "على الوجه الثاني"، يعني إذا جعل (أن آتاه) بمعنى الوقت. انظر: "الكشاف " (١/ ٣٠٥). وانظر كذلك: "تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٥)، و"البحر" (٤/ ٤٩٤)، وما بين معكوفتين منهما. وضعف هذا الوجه أبو حيان.
(٣) في (د): "تيسر".
(٤) "ينبغي "ليست (ف).
(٥) في (ف) و(ك) و(م): " والتبس ".
[ ٢ / ١٧٦ ]
الفصيحة عن كلام مقدَّر يناسب المقام؛ كأنه قال: لا يجديك هذا التلبيس في المادة المذكورة، فإن اللّه تعالى متفرِّد بفعلٍ لا مجال للتلبيس في معارضته فيه، ولا مجال له لأن يقول: إنه ليس من فعل ربك أيضًا كما أنه ليس من فعلي؛ لأنَّه ليس من الدهرية بل معترف بالحاجة في العالَم إلى الرب، ولهذا يدِّعي الربوبية.
﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ يقال: بَهَتَه؛ أي: حيَّره، والبهتان على إنسان هو الافتراءُ الذي يحيِّره.
أي: انقطَع في هذا الإلزام الظاهر متحيِّرًا، قيل: كان انقطاعُه (^١) في الإلزامين جميعًا: في الأول عند العقلاء، وفي الثاني عند الكل.
فإن قيل: هلَّا (^٢) قال نمرودُ لإبراهيم ﵇: فليأت بها ربُّك من المغرب؟
قلنا: لأنَّه خاف (^٣) أنه لو سأل ذلك فَعَل اللّهُ لمَّا رأى منه بعضَ الخوارق، فإن هذه المحاجَّةَ كانت بعد خلاصه ﵇ من النار، فعلم الملعونُ أن مَن قَدَر على ذلك قَدَر عليه.
قال الحسن: قال اللّه تعالى: وعزتي وجلالي لآتينَّ بها من المغرب تصديقًا لقولِ خليلي (^٤).
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: الذين ظلموا أنفسَهم بالامتناع عن قبول الهداية.
وقيل: لا يَهديهم محجَّة الاحتجاج.
_________________
(١) في (ح) و(ت) و(ك) و(م): "متحيرا قبل انقطاعه".
(٢) في (م): "فهل لا". وفي (ك): (فلا).
(٣) في (د): "يخاف".
(٤) ذكره القرطبي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٩) فقال: ورُوِيَ في الخبرِ أنَّ اللهَ تعالى قال: وعِزَّتِي وجلَالِي لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى آتِي بالشَّمسِ مِن المَغْرِبِ لِيُعْلَمَ أَنِّي أَنَا القَادِرُ عَلَى ذَلِكَ.
[ ٢ / ١٧٧ ]
وفيه: أنه يُوهم أن يكون لنمرود طريقًا إلى المعارضة في الثاني إلا أنه تعالى لم يهده إليه؛ كما زعمه مَن قال: إن اللّه تعالى أنساه ذلك نصرةً (^١) لنبيِّه.
* * *
(٢٥٩) ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ أصله (^٢): أو أرأيتَ مِثْلَ الذي مرَّ، فحُذف لدلالة ﴿أَلَمْ تَر﴾ عليه؛ لأن كلتيهما كلمةُ تعجيب.
ويجوز أن يكون من الكلام المحمول على المعنى دون اللفظ، كأنه قيل: أرأيت الذي حاجَّ إبراهيم، أو كالذي مرَّ على قرية، وإنما زيد هنا حرف التشبيه لأنَّه سلك طريقة الترقِّي في التعجيب، ولا يخفَى أن قولك: هل رأيت مثل هذا؟ أبلغ من قولك: هل رأيت هذا؟ ومَن لم يتنبَّه لهذا التزم زيادة الكاف، وأمَّا قصدُ التكثير بها فلا يناسبُ المقام، إنما المناسب له ما ذكرناه (^٣).
والقرية: هي مجتمَع الناس، من قولك: قَرَيتُ الماء في الحوض؛ أي: جمعتُه، والمراد هنا: إيلياء بلدةُ بيت المقدس، وكان بُخْتنصَّرُ البابليُّ خرَّبها.
_________________
(١) في (د): "حسرة".
(٢) "أصله" ليست في (ح) و(ف) و(ك).
(٣) في (ف) و(ك): "ذكرنا".
[ ٢ / ١٧٨ ]
﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾: ساقطة، يقال: خَوِيَ البيت - بكسر الواو - يَخْوَى خَوًى مقصورًا: إذا سقط، وخَوَى البيت بالفتح خَوَاءً ممدودًا: إذا خلا، فلا يجوز الجمع بينهما، والأول متعيِّنٌ للإرادة؛ لقوله:
﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾: سقوفها، واحدها: عَرْش، أي: سقطت السُّقوف ثم وقعت الحيطان عليها؛ كما هو الغالب في خراب (^١) البيوت.
﴿قَالَ﴾ قيل: ظاهر الكلام أنَّ المارَّ القائل كان كافرًا بالبعث؛ لانتظامه مع نمرود في سلكٍ واحد، ولكلمة الاستبعاد.
وانتظامُه مع إبراهيم ﵇ في مثلِ حاله - وهي طلبُ معرفة إحياء الموتى - ترجِّح أنه كان مؤمنًا، وقولُه:
﴿أَنَّى يُحْيِي﴾ على هذا استعظامٌ لقدرة المُحْيي، واعترافٌ بالعجز عن معرفةِ طريق الإحياء، ولهذا اشتَهر أنه كان عُزيرًا، وقيل: الخضر، أراد أن يُعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرةً؛ كما أراد إبراهيم ﵇.
ويؤيد هذا: ذكر اللّه وإضافةُ الإحياء إليه في قوله:
﴿هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فإنه لو كان الغرضُ إنكارَ البعث لكان حقَّه أن يقول: أنى تَحْيَى هذه بعد موتها.
﴿أَنَّى﴾ في محل النصب على الظرف بمعنى: متى، أو على الحال بمعنى: كيف. والإشارةُ إلى أهل القرية.
قال القائل هذا القول ثم ربط حماره ونام، فنزع اللّه تعالى الروح منه مئة سنةٍ، فالفاء
_________________
(١) في (ف): "إخراب".
[ ٢ / ١٧٩ ]
في قوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ﴾ سببيةٌ لا تعقيبية، وحمارُه وعصيرُه وتبنُه عنده، وأعمى اللّه تعالى العيون عن رؤيته ﴿مِائَةَ عَامٍ﴾ أي: فأَلْبثه ميتًا (^١) مئة عام، أو: فلبث ميتًا مئة عام.
﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ بالإحياء.
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ روي أنه ناداه منادٍ من السماء.
وقيل: القائل هو الله تعالى. ويأباه الفصل؛ فإن حقَّ النظم حينئذ الوصلُ بالفاء أو (ثم).
﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ إنما تردَّد لأن نومه كان أولَ النهار، وبعثَه قبل الغروب، ولم يَدْرِ أنه ذلك اليومُ أو ما بعده، وحملُ ﴿أَو﴾ على الإضراب تكلُّفٌ مستغنى عنه.
﴿قَالَ﴾ المنادي: ﴿بَلْ لَبِثْتَ﴾ مكثتَ ﴿مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ﴾ لمَّا كان الأمر بالنظر للتنبيه على خارق (^٢) العادة، وكان ذلك مبنيًّا على ما تقدَّم، صدِّر بأداة الترتيب والتفريع.
﴿إِلَى طَعَامِكَ﴾ كان طعامه عنبًا أو تينًا.
﴿وَشَرَابِكَ﴾ يعني العصيرَ.
﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لم يثنِّه - مع أنه في صَدَد الإخبار عن الشيئين - ردًّا للضمير إلى أقربهما ذكرًا؛ لأنَّه أسرعُ تغيرًا (^٣)، فاكتفَى بذكر حاله عن ذكر حال قرينه، والمعنى: لم يتغيَّر بمرور الزمان.
_________________
(١) "ميتا" ليست في (ك).
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "خرق".
(٣) في (ف) و(ك) و(م): "تغييرًا".
[ ٢ / ١٨٠ ]
واشتقاقه من السَّنَة، والهاء أصليةٌ إنْ قدِّر لامُ السَّنة هاءً، وهاءُ السكت إن قدِّرت واوًا.
﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ الأمر بالنظر إلى الحمار ظاهرٌ في أنه (^١) بمرأًى منه على هيئةِ الحمار غير متغيِّر كالطعام والشراب، ولما كان بقاؤه حيًّا بلا ماءٍ ولا علي أبعدَ وأغربَ أعاد فيه الأمر بالنظر وأخَّره على طريقة الترقي.
وقيل: والأدلُّ (^٢) على الحال، والأوفق لما بعده أن يكون المعنى: كيف تفرَّقت عظامه؟
وَيرِدُ عليه أنه لا دلالة فيه على اللبث مئة سنة، فأنَّى الزيادةُ في الدلالة؟ وما بعده ذو الوجهين فلا ترجيح من تلك الجهة.
وفي نظم الأمر بالنظر إلى الحمار مع الأمر بالنظر إلى الطعام والشراب دون الأمر بالنظر إلى العظام، حيث فرق بينهما بقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: فعلنا ذلك ليتبيَّن (^٣) لك الحال ولنجعلك عبرةً للناس ودلالةً لهم على البعث= إشارةٌ ظاهرة إلى أن الحمار من جملة الباقين كما كان، لم يمت مع صاحبه على ما نُقل عن السدِّيِّ (^٤)، وبه أخذ كثير من المفسرين.
_________________
(١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "بأنه".
(٢) في (د) و(ح) و(ف) و(ك): "والأول"، والمثبت من (م) وهو الصواب. انظر: "روح المعاني" (٣/ ٤٣٢).
(٣) في (ف) و(ك) و(م): "ليتبين".
(٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٦٠٧) في خبر طويل وفِيه: (.. وانظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، وانظر إلى عظامه كيف نُنشِزُها ثم نكسوها لحمًا، فبعث اللّه ريحًا، فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهبت به الطير والسباع، فاجتمعت، فركّب بعضها في بعض وهو ينظر ..).
[ ٢ / ١٨١ ]
وإنما قلنا: إن الواو للعطف على المقدر؛ لأن المقام مقام الفصل؛ للتباين بين الجملتين إنشاءً وإخبارًا، ومَن لم يتنبه له قال: أي: وفعلنا ذلك لنجعلك آية (^١).
فإن قلتَ: لا بد للحذف (^٢) من قرينةٍ.
قلتُ: نعم، وكفى قولُه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ قرينةً له.
روي: أنه أتى قومه على حماره وقال: أنا عزير، فكذَّبوه، فقرأ التوراة من الحفظ ولم يحفظها أحد قبله، فعرفوه بذلك وقالوا: هو ابن الله.
وقيل: لما رجع إلى منزله كان شابًّا وأولادُه شيوخ، فإذا حدثهم بحديث قالوا: حديثُ مئة سنة.
﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ يعني: عظامَ الموتى الذين (^٣) تعجبت من إحيائهم.
﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي؛ أي: المعجمة؛ أي: نرفعُها من الأرض، ونردُّها إلى أماكنها من الجسد، ونركِّب بعضها على بعضٍ، وقُرئ بغير المعجمة من الإنشار (^٤) وهو الإحياءُ، وإحياءُ العظم: جَعْلُها عماد الأحياء، ولما كان اللحم فضلةً لا يتوقَّف (^٥) عليه بِنيةُ الحياة نبَّه عليه بكلمة التراخي في قوله (^٦):
﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا﴾: نُلبسها ﴿لَحْمًا﴾ وهو مجازٌ عن سترها به، وإنما وحِّد اللحمُ مع جمع العظام لأن العظام متفرِّقة متعدِّدة صورةً، واللحمَ متصلٌ متَّحدٌ مشاهَدةً.
_________________
(١) في (م) زيادة: "للناس".
(٢) في (ف): "للمحذوف".
(٣) في (ف): "الذي".
(٤) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، وقرأ الباقون بالزاي. انظر: "التيسير" (ص: ٨٢).
(٥) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "يوقف".
(٦) في (م): "بقوله".
[ ٢ / ١٨٢ ]
و﴿كَيْفَ﴾ منصوب بـ ﴿نُنْشِزُهَا﴾، والجملة حالٌ من العظام، أي: انظر إليها مُحْياةً.
كذا قيل، والأوجَهُ أن يكون في موقع البدل من ﴿الْعِظَامِ﴾، والتقدير: وانظر إلى العظام كيفيةِ إنشازِها، على نمط قول الشاعر:
إلى اللّه أشكو بالمدينةِ حاجةً … وبالشام أُخرى كيف يلتقيانِ (^١)
أي: أشكو هاتين الحاجتين كيفيةَ التقائهما.
﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ﴾؛ أي: الحال، على ما دل عليه سياق المقال.
﴿لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من إحياء الموتى وغيرِه، وعُلِمَ من قوله: ﴿أَعْلَمُ﴾ دون: علمت، أنه متعجِّب (^٢) دون منكِرٍ. وقرئ: ﴿أَعْلَمُ﴾ على الأمر (^٣)، والآمرُ مخاطبُه.
* * *
(٢٦٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ﴾ استعطافٌ بين يدي السؤال.
﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ كان موقنًا به إيقانَ غيبٍ، فأَحَبَّ أن يُوقِنَ به إيقانَ عِيَانٍ.
_________________
(١) البيت للفرزدق كما في "خزانة الأدب" للبغدادي (٥/ ٢٠٥).
(٢) في (ك): "مستعجب".
(٣) هي قراءة حمزة من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٨٢).
[ ٢ / ١٨٣ ]
﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ الواو للعطف على مقدَّر؛ أي: أتقولُ ذلك ولم تؤمن بأنِّي قادر على إحياء الموتى بإعادة التركيب والحياة.
﴿قَالَ بَلَى﴾ آمنت ﴿وَلَكِنْ﴾ سألتُ ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ليزيد سكونًا بتظاهُرِ الأدلَّة، ومُضَامَّةِ علمِ الضرورة علمَ الاستدلال، فإنه لا مجالَ للتشكيك في الضرورَّيات بخلافِ الاستدلالِ.
والطمأنينة: السكون، والمطمئنُّ من (^١) الأرض: ما انخَفض منها.
وحكمةُ خطاب الله تعالى إياه قطعُ أوهام الجهَّال بجوابه؛ كيلا يَظنُّوا به ﵇ شكًّا فيه.
ولقد أجاد فيما أفاد مَن قال: الظاهرُ أنه ﵇ سأل عن كيفيَّة الإحياء لا عن آنيَّته، وهي غيرُ معلومةٍ لا استدلالًا ولا ضرورةً، نعم العلمُ الإجماليُّ بأنْ لا بد له من كيفيةٍ حاصل (^٢)، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ إشارةٌ إلى أن العلم الإجماليَّ كافٍ فيما يجب أن يُعتقد ويُؤمَن به في هذا الباب، وقولُه ﵇ في الجواب: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ إشارةٌ إلى أن العلم التفصيليَّ أقوى، وفيه حظوةٌ خاصةٌ للعارف، وأن العِيَان وراء ما يدلُّ عليه البرهان، ومن هذا التقرير يَلُوح تفاوتُ ما بين كلمتي الخليل وعزيرٍ ﵉.
﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ قال في "المُغْرِب": الطير اسمُ جمع مؤنَّث، وقد يقال للواحد؛ عن قطربٍ، وكذا حكاه ثعلبٌ عن أبي عبيدةَ، وجمعه: طيور، وعليه قول محمد في المحرِم يذبح الطير المسرْوَلَ (^٣).
_________________
(١) في (ح) و(ك): "في".
(٢) في (ك) و(م): "حاصلة".
(٣) انظر: " المغرب " للمطرزي (مادة: طير). قوله: (المسرول) هو الذي في رجليه رش كأنه سراويل. =
[ ٢ / ١٨٤ ]
وإنما خُصَّ الطيرُ من بين سائر الحيوانات؛ لأن للطائر ما للسائر، وله زيادةُ الطيران، ولأنه هوائيٌّ ومائيٌّ وأرضيٌّ، فكانت الأعجوبةُ في أحيائه أكثرَ، ولهذا قال عيسى ﵇: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [آل عمران: ٤٩].
﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾؛ أي: أَمِلْهُنَّ واضمُمْهنَّ إليك لتتأمَّلها وتعرفَ شأنَها؛ لئلَّا تَلتبسَ عليك (^١) بعد الإحياء، وقرأ ابن عباس ﵄: (فصُرَّهن) بضمِّ الصاد وكسرِها وتشديدِ الراء (^٢)، من صَرَّه: إذا جمعَه.
﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾؛ أي: ثم جزِّئهنَّ وفرِّق أجزاءهنَّ على الجبال، وعبارةُ (كلّ) في مثل هذا للمبالغة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، فلا حاجةَ إلى تقييد الجبال بـ: التي بحَضْرتك (^٣).
﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ قل لهنَّ: تعالَيْنَ لإذنِ اللّه.
﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾: سِراعًا (^٤) في مشيهنَّ على أرجلهنَّ، أو في طيرانهنَّ، والتجوُّز ﴿سَعْيًا﴾ عقليٌّ للمبالغة؛ كما في: عدل، في: (رجلٌ عدلٌ).
روي: أنه ﵇ أُمر بأنْ يذبحَها وَينتفَ ريشَها ويقطِّعَها، فيمسكَ رؤوسها
_________________
(١) =المصدر نفسه (مادة: سرول).
(٢) في النسخ: "إليك"، والتصويب من "الكشاف" (١/ ٣١٠)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٧) والكلام منه.
(٣) في (ف) و(م): "وبتشديد الراء". والقراءتان في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٦)، و"المحتسب" (١/ ١٣٦)، و"الكشاف" (١/ ٣١٠).
(٤) رد على الزمخشري والبيضاوي في تقييدهما بذلك. انظر: "الكشاف" (١/ ٣١٠)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٧).
(٥) في النسخ عدا (ك): "إسراعًا"، والمثبت من (ك).
[ ٢ / ١٨٥ ]
ويخلطَ سائر أجزائها ويوزعَها على الجبال ثم يناديَهنَّ، ففعل كذلك، فجُعل كلُّ جزء إلى الآخر حتى صارت جُثثًا ثم أقبلن فانضَمَمْن إلى رؤوسهن.
وفيه دلالة على يُمْنِ الضراعة في الدعاء، وحُسنِ الأدب في السؤال، وعلى فضل إبراهيم ﵇ على عزيرٍ ﵇، حيث أَراه في الحال ما أراد أن يراه على أيسر (^١) الوجوه، وأَراه عزيرًا ﵇ بعد أن أماته مئة عام.
﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يَعجز عن شيء بل يتصرَّف في كلِّ شيء بالقدرة الغالبة.
﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمةٍ بالغةٍ في أفعاله، فلا يَصدُر عنه خوارقُ العادات إلا قَدْرَ ما تقتضيه الحكمة البالغة.
* * *
(٢٦١) - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: على وجهٍ يُتوسَّل به إلى رضائه تعالى.
﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾؛ أي: مَثَلُ نفقة الذين .. كمَثَلِ حبَّة، أو: مَثَلُ الذين .. كمَثَل باذِرِ حبةٍ، واعتبارُ حذف المضاف وتقديرِه في جانب المشبَّهِ أو المشبَّه به لتَحصل ملائمةُ المثَل للمثَل، وإن كان التشبيه من المركَّب الذي لا عبرةَ فيه بتشبيه المفردات.
﴿أَنْبَتَتْ﴾ الإنباتُ فعل اللّه تعالى، وإنما أُسند إلى الحبة مجازًا لكونها من الأسباب.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "أسر"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٧).
[ ٢ / ١٨٦ ]
﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ إيراد جمع الكثرة في موضع تمييز السبع مكانَ جمع القلَّة وهو سنبلات قد مر توجيهه في ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾: يَخرج منها ساقٌ يتشعَّب منها سبعُ شُعبٍ لكلٍّ منها سنبلةٌ فيها مئةُ حبة، وهو تمثيل لا يقتضي وقوعَه، على أنه قد يكون في الذرة والدُّخْن (^١) وغيرهما في الأراضي المُغِلَّة.
﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ﴾ تلك المضاعفةَ.
﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من المنفِقين، لا لكلِّ منفقٍ؛ لتفاوُتِ أحوالهم ونيَّاتهم في أعمالهم، ومن أجل ذلك تفاوتت (^٢) الأعمال في مقادير الثواب.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ لا يَضيق عليه ما يتفضَّل به من الزيادة.
﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّةِ المنفِقِ وقَدْرِ المنفَق.
* * *
(٢٦٢) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نزلت في عثمانَ ﵁، فإنه جهَّز جيش العُسرة بألف بعيرٍ بأقتابها وأحلاسها، وعبدِ الرحمن بن عوفٍ ﵁ فإنه أتى النبيَّ ﷺ بأربعة آلاف درهمٍ صدقةً (^٣).
_________________
(١) الدخن: حب الجاوَرْس، أو حبٌّ أصغر منه، أملس جدًا، بارد يابس. انظر: "القاموس" (مادة: دخن).
(٢) في (ك): "تتفاوت".
(٣) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٨٧) عن الكلبي، وقال الشهاب في "الحاشية على=
[ ٢ / ١٨٧ ]
﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ المنُّ: أن يعتدَّ بإحسانه على مَن أَحسن إليه، والأذى: أن يتطاول عليه بسببِ ما أَنعم عليه، والتنكيرُ في الموضعين للتقليل.
و﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في المعطوف باعتبار الانتهاء، وفائدتُه: الدلالةُ على لزوم الاستمرار على عدم إتباعهم ما أنفقوا (^١) بالمنِّ والأذى في استحقاق الأجر المذكور، ومَن لم يتنبَّه لهذه الدقيقة الأنيقة قال: إنها للتفاوت بين المعطوفين (^٢).
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ قيل: لعله لم يُدخل الفاءَ فيه - وقد تضمَّن ما أُسند إليه معنى الشرط - إيهامًا (^٣) بأنهم أهل لذلك وإنْ لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا؟ ومبناه الغفلةُ (^٤) عن الفرق بين مطلَق الثواب والذي يعطي أجرًا، فإن الثاني لا يُتصور بدون العمل.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: مهيَّأٌ (^٥) محفوظٌ لا يَحتمل الضَّياع، ولا أَلمَ الانتظار لتحصيله وقتَ الحاجة.
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من العذاب، والتنكيرُ للتقليل.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لنقصانٍ في الثواب.
* * *
_________________
(١) = البيضاوي" (٢/ ٣٤١): قيل: إنه لا أصل له في كتب الحديث.
(٢) في (م): "أنفق".
(٣) رد على الزمخشري والبيضاوي. انظر: "الكشاف" (١/ ٣١١)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٨).
(٤) في (ح) و(م) و(ف): "إلهامًا"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٨).
(٥) رد على البيضاوي صاحب القيل المذكور. انظر: "تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٨).
(٦) "أي مهيأ" ليس في (د).
[ ٢ / ١٨٨ ]
(٢٦٣) - ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾.
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾؛ أي: كلامٌ جميلٌ في ردِّ مَن التمَس منك صدقة.
﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾؛ أي: تجاوُزٌ عنه إذا أساء السؤالَ، أو سترٌ عليه حالَه فلا تعيِّره بفقره ولا تَهتكُ سترَه (^١) عند الناس، سأل أعرابي قومًا بكلام فصيحٍ، فقال له قائل: ممن الرجلُ؟ فقال: اللهم غَفْرًا سؤالًا لاكتسابٍ (^٢) يمنع من الانتساب.
﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ خبرٌ عن مجموع القول الموصوف والمغفرة، والتوصيفُ مما يصحِّح (^٣) الابتداء بالنكرة، والعطفُ على المخصِّص مخصِّصٌ (^٤).
﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن كلِّ شيءٍ من صدقةٍ وغيرها، وإنما دعاكم إليها لينفعَكم بها.
﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجلُكم بالعقوبة على سوء صَنيعكم في معاملتكم مع الغير، خصوصًا مع الفقراء السائلين.
وعيدٌ شديدٌ وسخطٌ بليغٌ؛ لِمَا ورد في الحديث القديم: نعوذُ باللّه من غضب الحليم (^٥).
_________________
(١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "سره".
(٢) "سؤالًا لاكتساب" كذا في جميع النسخ، والذي في المصادر: (سوء الاكتساب). انظر: "المحرر الوجيز" (١/ ٣٥٧)، و"مجمع الأمثال" (١/ ٣٤٣)، و"المستقصى في أمثال العرب" (٢/ ١٢٣)، و"تفسير القرطبي" (٤/ ٣٢٨). ورواه الدينوري في "المجالسة" (١٣٨٦) عن الأصمعي قال: (رأيت أعرابيا بمنى …)، فذكر القصة مع زيادات، وقال الأعرابي في آخرها: (إن ذل الاكتساب يمنع من عز الانتساب)، واللّه أعلم بالصواب.
(٣) في (ف) و(ك) و(م): "يصح".
(٤) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "رد لما في تفسير القاضي من التخصيص بلا طائل مما فيه من إيهام باطل. منه".
(٥) قال العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ١٦٦): ليس بحديث كما زعم البعض.
[ ٢ / ١٨٩ ]
(٢٦٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾: لا تُحبطوا أجرها، وتخصيص الخطاب بالمؤمنين لعدم الاحتمال للإبطال في صدقات غيرهم؛ لأنَّه (^١) فرعُ الاستحقاق للأجر، وهو مقصود (^٢) فيها.
﴿بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾؛ أي: لا بذاك ولا بهذا (^٣).
﴿كَالَّذِي﴾؛ أي: مماثلِين الذي ﴿يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ تشبيهٌ من جهة المعنى، فإن ما تقدَّم في معنى: لا تضيِّعوا أموالكم بصدقاتٍ بالمنِّ مشوبة وبالأذى مصحوبة، وهذا في معنى: كالذي ضيَّع ماله بالإنفاق رياءً، والمشبَّهُ به أقوى لأنَّه ضيَّع ماله ابتداءً، فمَن وَهَم أن فيه إبطالًا فقد وَهِم.
والرياء: مصدر راءى من الرؤية، وهو أن يُريَ الناس ما يفعله من جنس البِرِّ حتى يُثنوا عليه ويعظِّموه، ويظنوا أنه من أهل الخير وممن ينفِق لوجه اللّه تعالى.
وانتصب ﴿رِئَاءَ﴾ على أنه مفعولٌ له، أو الحالِ بمعنى: مرائيًا، أو مصدر؛ أي (^٤): إنفاقًا رياء.
﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾؛ أي: لا يعتقدُ لا بالمبدأ ولا بالمعاد، فلا حاجة في
_________________
(١) في (ف): "لأن".
(٢) في (د): "معقود".
(٣) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "قال القاضي: بكل واحد منهما، صوابه: بواحد منهما".
(٤) في (ك): "أو مصدرًا".
[ ٢ / ١٩٠ ]
زعمه إلى الزاد، وإنما قيَّده به مع تمام الغرض من التشبيه بما تقدَّم - فإنه لا ثواب للإنفاق رئاءً وإن كان المنفِق مؤمنًا - تغليظًا في الزجر للمنفِق المؤذِي المنَّان، وإيماءً إلى أن تلك الحالَ لا تليق بمَن يَعتقد بالمَعاد والاحتياجِ إلى الزاد.
وأمَّا تخصيصُ المراد من المشبَّه به بالمنافق فلا يقتضيه المقام، ولا قرينةَ له في الكلام.
﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: لمَّا كان حالُ المنفِق (^١) رئاءً كذلك فمَثَلُه.
﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: حجرٍ أملسَ.
﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ تقديم الجارِّ والمجرور لأن بيانَ مدلوله (^٢) أهم.
﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾، أي: مطرٌ شديدُ الوقع كبيرُ القَطْر.
﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: أملسَ نقيًّا من التراب.
﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ استئنافٌ، كأنه قيل: ما بال المنفقين رئاءً مُثِّلوا بالصَّفوان المذكور؟ فقيل: ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ أي: لا ينتفعون بشيء منه، وعلى هذا لا حاجة إلى التأويل بأنَّ (الذي ينفق) في معنى الجمع، أو بأن (مَن) و(الذي) يتعاقبان، إنما الحاجةُ إليه على تقدير أن يكون ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ حالًا مِن (الذي ينفق).
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾، أي: لا يوفِّقهم بعد الهداية حتى يهتدون (^٣)، فالهدايةُ في حقِّهم في حكم المعدوم، وعلى هذا قولُه تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وإلا
_________________
(١) في (م): "لما كان المنفق ماله".
(٢) في (م): "تقديم الظرف على المبتدأ لأن مدلوله".
(٣) قوله: "لا يوفِّقهم بعد الهداية حتى يهتدون"، كذا في النسخ.
[ ٢ / ١٩١ ]
فالهدايةُ إلى الخير والرشاد تعمُّ الفريقين؛ لقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] وقولهِ تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣].
وفيه تعريضٌ بأن الرياء والمنَّ والأذى على الإنفاق من أخلاق أهل الكفر والنفاق، فلا بد للمؤمن أنه يَتجنب عنها.
* * *
(٢٦٥) - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: لطلبِ رضاه.
﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ كلمة ﴿مِنْ﴾ إما للتبعيض كما في قولهم: هز مِن عِطفه؛ أي: ليُثبِّتوا بعضَ أنفسهم، فإن (^١) مَن بذل ماله لوجه الله تعالى فقد تبَّت بعضَ نفسه؛ لأن المال شقيق الروح، ومن بذل ماله وروحَه معًا فقد ثبَّت كلَّها.
وإمَّا لابتداء الغاية كما في قوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، أي: تثبيتًا للإيمان صادرًا من أنفسهم؛ لأن الإنفاق أمارةُ أن الإيمان من أصلِ النفس.
وَيحتمِل أن يكون المعنى: وتثبيتًا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقةُ الإيمان مخلِصة فيه، ويعضُده قراءة مجاهد: (وتبيينًا من أنفسهم) (^٢)، وهذا يتمشَّى على التبعيض والابتداء، وفيه تنبيهٌ على أن حكمةَ الإنفاق تزكيةُ (^٣) المنفِق نفسَه عن البخل وحبِّ المال، فإنه رأسُ كل خطيئة.
_________________
(١) في (ح) و(ف) سقط: " فإن"، وفي (ك): "لأن".
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٣١٣).
(٣) في (ف) و(م): "لتزكية".
[ ٢ / ١٩٢ ]
﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ بموضعٍ مرتفعٍ من الأرض، والرَّبْو: الزيادة، ومنه: الرِّبا، وأصابه رَبْوٌ: إذا زاد نَفَسُه في جوفه على عادته.
أي: ومَثَل نفقة هؤلاء في الزكاة كمَثَلِ بستانٍ بموضعٍ مرتفعٍ، فإن شجره يكون أحسنَ منظرًا وأزكى ثمرًا. وقد قرئ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ بالحركات الثلاث (^١).
﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ قد مر تفسيره.
﴿فَآتَتْ﴾؛ أي: أعطت، وحُذف المفعول لأن المقصود ذكر ما يُثمر لا لمَن يُثمر (^٢).
﴿أُكُلَهَا﴾ الاكُل بالضم: الطعام الذي يؤكل، والمراد: الثمرة.
﴿ضِعْفَيْنِ﴾: مِثْلَي (^٣) ما كانت تُثمر بسببِ الوابل، وانتصابُه على الحال؟ أي: مضاعَفًا، والضعفُ يراد به الواحدُ كما يرادُ بالزوج؛ قال اللّه تعالى: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠]، وقيل: أربعة أمثال، ونسبةُ الإيتاء إليها مجازَّيةٌ والفاءُ سببيَّة.
﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أي: فمطرٌ صغيرُ القطر يكفيها، لكَرَمِ مَنْبِتها ولطافةِ هوائها.
والمعنى: أن نفقات هؤلاء زاكيةٌ عند اللّه تعالى لا تَضيع بحالٍ، وإن كانت تتفاوَتُ باعتبارِ ما ينضمُّ إليها من أحواله.
أو مُثِّلَ حالُهم عند اللّه بالجنة على الربوةِ، ونفقتُهم الكثيرة والقليلة بالوابل
_________________
(١) الفتح والضم في الراء قراءتان سبعيتان. انظر: "التيسير" (ص: ٨٣). والقراءة بالكسر تنسب لابن عباس ﵄. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٦).
(٢) في (د): "ذكر ما ثمر لا لمن ثمر".
(٣) في (م) و(ف): "مثل".
[ ٢ / ١٩٣ ]
والطلِّ، وكما أن كلَّ واحد من المطرين يُضعِفُ أُكُلَ الجنة، فكذلك نفقتُهم كثيرةً كانت أو قليلةً بعد أن يُطلب بها وجهُ اللّه تعالى، ويُبذَلَ فيه الوسعُ، زاكيةٌ عند اللّه، زائدةٌ في زُلْفاهم (^١) وحُسنِ حالهم.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ترهيبٌ عن الربا، وترغيبٌ في الإخلاص، وإنما قال: ﴿بَصِيرٌ﴾ دون: خبير؛ تنزيلًا لسرائرهم منزلةَ الظواهر لعدم التفاوُت بالنظر إلى اللّه تعالى.
* * *
(٢٦٦) - ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ الهمزة فيه للإنكار.
﴿أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ النخيل: جمع نخل (^٢) كالعبيد جمع عبد، والنَّخْل يكون واحدًا فيذكَّر قال اللّه تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، ويكون جمعًا لنخلةٍ - كالنَّمل جمعِ نملةٍ - فيؤنَّث قال اللّه تعالى ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]. والأعنابُ: جمع عِنَب.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾، أي: من تحت تلك الأشجار.
﴿الْأَنْهَارُ﴾ الجاري في الحقيقة مياؤها (^٣)، فلا بد من التجوُّز في المسنَد أو
_________________
(١) في (ح) و(د) و(م): "زلفائهم".
(٢) في (م) زيادة: "كالبعير جمع بعر".
(٣) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (مياهها).
[ ٢ / ١٩٤ ]
في الإسناد، وبالماء (^١) نماؤها وبهاؤها.
﴿لَهُ فِيهَا﴾ أي: في تلك الأشجار ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ كلمة ﴿كُلِّ﴾ للمبالغة في التكثير (^٢) لا للتحديد، والمرادُ من الثمراتِ: المنافعُ.
وقيل: ضمير ﴿فِيهَا﴾ للجنة، جعَلها من النخيل والأعناب مع ما فيها من سائر الأشجار تغليبًا لهما؛ لشرفهما وكثرة منافعهما، ثم ذكر أنَّ فيها من (^٣) كلِّ الثمرات ليَدلَّ على احتوائها على سائر أنواع الأشجار، وعلى هذا يكون ﴿لَهُ فِيهَا﴾ صفةً أخرى للجنة من قَبيل الصفة الأولى، ولا يناسبه الفصل بينهما بقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ أمَّا إذا كان الضمير للأشجار فظاهرٌ، وأما إذا كان للجنة فلأنه صفةٌ من جنسٍ آخَرَ.
﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَر﴾؛ أي: كِبَر السنِّ، وإصابتُه كنايةٌ عن العجز عن الكسب، فإنَّ الفاقةَ والعالةَ في زمانِ العجز عن الكسب أشدُّ (^٤). والواوُ للحال، أو للعطفِ حملًا على المعنى، فكأنه قيل: أيَوَدُّ أحدُكم لو كانت له جنةٌ وأصابه الكبر.
﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾: صغارٌ لا قدرة لهم على الكسب.
﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَار﴾ عطفٌ على (أصابه)، أو على ﴿تَكُونَ﴾ على اعتبارِ المعنى.
والإعصار: ريحٌ عاصفةٌ تنعكس من الأرض إلى السماء ملتفَّةً في الهواء، حاملةً للتراب، مستديرةً كالعمود.
_________________
(١) في (ف) و(م): "والماء".
(٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "التنكير".
(٣) كلمة: "من" من (ك).
(٤) في (د): "أشر".
[ ٢ / ١٩٥ ]
﴿فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾؛ أي: الجنةُ بالنار، فصارت نعمها إلى الذهاب، وأصلُها إلى الخراب، فكما (^١) يَبْقى هو وذريتُه في الحسرات لتقطُّع الأسباب، فكذا الكافرُ والمنافقُ والمرائي والمنَّانُ والمؤذي يتحسرون على صدقاتهم يوم يقوم الحساب، حين فاتهم الثواب، وحَقَّ عليهم العذاب.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ بضربِ الأمثال؛ لأنَّه أوضح بيانًا وأفصحُ تبيانًا؛ لِمَا فيه من تصوير المعقول بصورة المحسوس المشاهَدِ عِيَانًا.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: تتفكرون فيها، والتفكُّر فيها كنايةٌ عن الاعتبار بها.
* * *
(٢٦٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الطيِّبُ وراءَ الحلال؛ لأن الحِلَّ يُجامع الكراهة، والطَّيبُ ما لا حظر (^٢) فيه لا بسببِ الحُرمة ولا بسبب الكراهة.
و﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ يَنتظِم أنواع ما يُملك بأسباب الكسب؛ من التجارة والزراعة وغيرهما.
﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: بلا مُؤنةِ كسبٍ منكم، دل على ذلك إضافةُ الإخراج إلى نفسه تعالى دون المنفقين، وقد أضاف قرينَه السابقَ إليهم، والمراد منه:
_________________
(١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "وكما".
(٢) في (ح) و(ف): "خطر".
[ ٢ / ١٩٦ ]
المباحاتُ التي ملكوها بالإحراز، ولا حاجة فيه إلى قيدِ الطيِّب لعدم الحظر فيه بوجهٍ من الوجوه، ولهذا قال اللّه تعالى: ﴿وَمِمَّا﴾ عطفًا له على الطيبات، دون: (وما) عطفًا له على مدخولها، ومَن لم يتنبَّه لهذا قال: أي: ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمر والمعادن فحذف المضاف لتقدم ذكره (^١). ولم يَدْرِ أنه حينئذٍ حقُّه عدمُ زيادةِ (مِن) كيلا يحتاجَ إلى التقدير، ولا يخفَى أنه من قبيل التطويل المخِلِّ للبلاغة (^٢)، لا من قبيل الأطناب المفيد.
﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: ولا تقصِدوه، وهو أبلغ من: ولا تنفقوا الخبيث، ومعناه: الرديء، وخَبَثُ الفضة والحديد: ما نفاه الكير لأنَّه ينفي الرَّديء، وهو ينتظَم الحرام والمكروه.
﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ في محل النصب على الحال، والضمير البارز لـ ﴿الْخَبِيثَ﴾، وتقديم الجارِّ والمجرور للتخصيص؛ أي: تخصُّون بعضًا منه بالإنفاق؛ لأن شُحَّ النفس وحبَّ المال يقتضي تخصيصَ شيء من الرديء وما يَشتبِهُ حالُه بالإنفاق، وهو منافٍ لفضيلة البِرِّ، قال اللّه تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وفيه توبيخٌ وتعيير وتعريض بما كانوا يفعلونه (^٣).
ويجوز أن يكون الضمير المذكور لمجموع (^٤) المكسوب والمُخرَج؛ كما في قوله:
_________________
(١) قائل هذا هو البيضاوي، متابعًا للزمخشري في قوله: (معناه: ومن طيبات ما أخرجنا لكم، إلا أنه حذف لذكر الطيبات). انظر: "الكشاف" (١/ ٣١٤)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٩).
(٢) في (ك): "بالبلاغة".
(٣) في (م): "يفعلون".
(٤) في (ك): "لجميع".
[ ٢ / ١٩٧ ]
كأنه في الجلدِ توليعُ البَهَقْ (^١)
و﴿تُنْفِقُونَ﴾ حالٌ مقدَّرة من فاعل ﴿تَيَمَّمُوا﴾.
﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ الأخذ كنايةٌ عن الاختيار، ضرورةَ أنه مأخوذٌ حقيقةً؛ لِمَا عرفتَ أنه مكسوبٌ أو محرَزٌ؛ أي: وحالُكم أنكم لا تختارونه لأنفسكم لرداءته.
﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ في محلِّ النصب على الظرف؛ أي: إلا وقتَ أن تُغمضوا (^٢)؛ أي: أن تتسامحوا في أَخْذه، مجازٌ من أَغْمَضَ بصرَه: إذا غَضَّه.
وقرئ: (تُغْمَضوا) (^٣)؛ أي: تُحْمَلوا على الإغماض، أو توجَدوا (^٤) مُغمِضين.
رُوي أنهم كانوا يتصدَّقون بحَشَف التمر وشراره (^٥) فنُهوا عنه.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عن إنفاقكم، وإنما يأمركم به لإنفاعكم.
﴿حَمِيدٌ﴾ مستحِقٌّ للحمد على الأمر بذلك مع استغنائه عنه؛ لينفعَكم ذلك في الدارين.
* * *
(٢٦٨) - ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
_________________
(١) الرجز لرؤبة، وهو في ديوانه (ص: ١٠٤). والبهق: بياض يعتري الجلد يخالف لونه، وليس من البرص، والبيت في وصف مفازة.
(٢) في (ك) و(م) زيادة: "فيه".
(٣) تنسب لقتادة. انظر: "الكشاف" (١/ ٣١٥).
(٤) في النسخ: "وتوجدوا"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (١/ ١٦٠)، و"روح المعاني" (٣/ ٤٥٦).
(٥) في (ح) و(د): "وشراب"، وفي (ف): "وشرابه". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٣١٥)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٦٠).
[ ٢ / ١٩٨ ]
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ في الإنفاق، والوعدُ على الإطلاق يُستعمل في الخير كالوعيد في الشر، ويُستعمل في الشر أيضًا إذا قيِّد بما به.
﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ يُغريكم على البخل ومنعِ الصدقات إغراءَ الآمر للمأمور، والفاحشُ عند العرب: البخيل.
﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ في الإنفاق ﴿مَغْفِرَةً﴾ لذنوبكم، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ للّه تعالى.
﴿وَفَضْلًا﴾ وأنْ يُخلف عليكم أفضلَ مما أَنفقتم في الدنيا، أو ثوابًا في الآخرة.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ أي: واسع الفضل لمن أنفق ﴿عَلِيمٌ﴾ بإنفاقه.
* * *
(٢٦٩) - ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ يوفِّق العلمَ والعملَ به.
﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ مفعولٌ أوَّلُ أُخِّر للاهتمام بالثاني.
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ بناه للمفعول لأنَّه المقصودُ، وقرئ بالكسر (^١)؛ أي: ومَن يؤتِهِ اللّه تعالى.
﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ التنكيرُ للتعظيم؛ كأنه قال: فقد أُوتي (^٢) أيَّ خيرٍ كثير.
﴿وَمَا يَذَّكَّر﴾؛ أي: وما يتَّعِظ بما ذُكر من الآيات.
_________________
(١) هي قراءة يعقوب من العشرة، ويثبت الياء في الوقف. انظر: "النشر" (٢/ ٢٣٥).
(٢) في (ح) و(ف) و(ك): "أتي"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٣١٦).
[ ٢ / ١٩٩ ]
﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: ذوو العقول الخالصة عن شوائب الوهم والركونِ إلى الهوى، والمراد به الحثُّ على العمل بما تضمَّنت به الآيُ في معنى الإنفاق.
* * *
(٢٧٠) - ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ قليلةٍ أو كثيرةٍ، سرًّا أو علانيةً في حقٍّ، رياءً أو لوجه اللّه تعالى أو باطلِ.
﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْر﴾ بشرطٍ أو بغيرِ شرطٍ، في طاعةٍ أو معصيةٍ.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وعدٌ ووعيدٌ على أبلغ وجهٍ؛ لأن العلم في مثلِ هذا المقام كناية عن العمل بمُوجَبه، يقال: فلان لا يعلم الإحسان؛ أي: لا يعمل بمقتضاه (^١).
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ الذين يَمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالَهم رياءً، أو مع المنِّ والأذى، أو لا لوجه اللّه تعالى وابتغاء مرضاته، أو يخصون الإنفاق بالخبيث الرديء، أو ينفقون في المعاصي، أو لا يَفُون بالنذور، أو يَنذرون في المعاصي، فإن الظلم - وهو في الأصل: وضع الشيء في غير موضعه المستحقِّ له - عبارةٌ جامعة لهذه الأحوال كلها.
﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ينصرُهم مِن اللّه تعالى ويمنعُهم من عقابه.
والعدولُ عن نفي المفرَد - وهو أبلغُ من نفي الجمع بحسب جليلِ النظر - رعايةٌ لمقابلةِ الجمع بالجمع والتوزيع؛ أي: لا ناصر لظالمٍ قط، وهذا أبلغُ بحسب دقيق النظر.
_________________
(١) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "ومن قال: فيجازيكم عليه، لم يتنبه للكناية المذكورة. منه ". قلت: والمراد بهذا الرد البيضاوي. انظر "تفسيره" (١/ ١٦٠).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
(٢٧١) - ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (ما) نكرةٌ غيرُ موصولةٍ ولا موصوفةٍ؛ أي: فنِعْمَ شيئًا إبداؤها، فوُضع ﴿هِيَ﴾ موضعَ إبداؤها؛ أي: الصدقات المُبْداة.
﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ اعتَبر هذا القيدَ هنا ولم يَعتبره فيما سبق؛ إذ لا تأثير له ثمةَ، فإن الصدقة نعمَّا هي سواءٌ كانت للفقير أو للغني، إنما تأثيره في كون إخفائها خيرًا من إبدائها، وذلك عند كونها للفقير، لِمَا فيه من ستر حاله وصَونها عن شَوْب الرياء، فإنه لا بد منه إذا كانت لوجهِ اللّه تعالى، وذلك إذا كانت للفقير، وأمَّا إذا كانت للغنيِّ فلا يكون لوجه اللّه تعالى، فلا حاجة إلى الصَّون المذكور، ولا إلى السَّتر المزبور.
﴿فَهُو﴾؛ أي: فالإخفاء مع إصابةِ موضع الاستحقاق ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ هذا في المندوبات.
وأما في الواجبات فالإظهارُ أفضل؛ عن ابن عباس ﵄: صدقات السرِّ في التطوُّع تفضُل علانِيَتَها بسبعين ضعفًا، وصدقةُ الفريضة علانيتُها أفضل من سرِّها بخمسةٍ وعشرين ضعفًا (^١).
وإنما كان إظهارُ الفرائض أفضلَ؛ لنفي التُّهمة، حتى إذا كان المزكِّي ممن لا يُعرف باليسار كان إخفاؤها أفضلَ، والمتطوِّع إن أراد أن يُقتدَى به كان إظهارُه أفضلَ، والأعمالُ بالنيَّات.
﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ قرئ بالنون مرفوعًا عطفًا على ما بعد الفاء، فيكونُ جملةً فعليَّة
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ١٥).
[ ٢ / ٢٠١ ]
في حكم الجزاء، أو على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي: ونحن نكفِّرُ، أو على أنه جملة فعلية مبتدأةٌ.
ومجزومًا عطفًا على محلِّ الفاء وما بعدَه؛ لأنَّه جواب الشرط.
وقرئ: ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ بالياء مرفوعًا والفعلُ للّه تعالى أو للإخفاء (^١).
و: (تكفِّر) بالتاء مرفوعًا ومجزومًا، والفعل للصدقات.
وقُرئ بالياء والنصب بإضمار (أنْ)، ومعناه: وإنْ تُخفوها يكنْ خيرًا لكم وأنْ يُكفِّرَ عنكم (^٢).
﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، ﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ أي: يكفِّر بعضَ سيئاتكم، وذلك لأنَّ ما هو من حقوق العباد لا يتعلَّق به المغفرة بدون إرضاءِ الخصم.
قال الإمام المطرِّزيُّ في "المُغرب": الكفر في الأصل: السَّتر، يقال: كَفَره وكَفَّره، إذا ستره، ومنه الحديث في ذكر الجهاد: هل ذلك مكفِّرٌ عنه خطاياه؟ يعني: هل يكفِّر القتل في سبيل اللّه تعالى ذنوبه؟ فقال: "نَعَمْ، إلا الدَّين"؛ أي: إلا ذنبَ الدَّين فإنه لا بدَّ من قضائه (^٣).
﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فلا يتفاوت الإظهارُ والإسرارُ، وفيه ترغيبٌ في الإسرار.
* * *
(٢٧٢) - ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) وهذه القراءات الثلاث سبعية. انظر: "التيسير" (ص: ٨٤).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٣١٦)، وعنه نقل المؤلف كل ما سبق.
(٣) انظر: "المغرب" (مادة: كفر).
[ ٢ / ٢٠٢ ]
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾؛ أي: لا يجب عليك أن تجعلهم مَهْديِّين إلى امتثالِ ما أُمروا به والانتهاءِ عما نُهوا عنه مِن المن، والأذى، والرياء، والإنفاقِ من الخبيث، وغيرِ ذلك مما مرَّ، وما عليك إلا أن تبلِّغهم فحَسْب.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ استدراك عما يقتضيه الكلام السابق وَينتظِمُ به من تعليله؛ كأنه قيل: لأنك لا تَقدر عليه ولكنَّ اللّه قادرٌ على الهداية المنجيَة عن الضلال فيخصُّ بها مَن يشاء.
وفيه دلالةٌ على أن الهداية الموصِلةَ إلى البُغية من الله تعالى وبمشيئته، وأمَّا أنها مخصوصة بقومٍ دون قومٍ فهو أظهر من أن يخفى، والحاجةُ إلى الدلالة فيما يَشتَبِهُ فيه الحال.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: فأنتم تنتفعون به، وإنما قال: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ دون: من مالٍ؛ لأنَّه إذا لم يكن طيِّبًا لا يَنتفع به المنفق بل يتضرَّر، فالعبارةُ المذكورةُ ضمنَها الإشارةُ إلى النهي عن إنفاق المال الخبيث، وعن المنِّ على الغير والأذى له، على أبلغِ وجهٍ، وأمَّا أنه لا ينتفِع به غيرُكم فلا يقتضيهِ المقام، ولا هو المناسب لأنْ يُقصد بالكلام المذكور (^١).
﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ حالٌ؛ كأنه قال: وما تنفقوا (^٢) من خيرٍ فلأنفسكم غيرَ منفقينَ إلا لابتغاءِ وجهِ اللّه تعالى وطلبِ ثوابه.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ ثوابُه أضعافًا مضاعَفةً، فلا تتركوه وأنفقوا
_________________
(١) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "لأنَّه يحتاج إلى تخصيص الانتفاع بالأخروي بلا حاجة إليه في إفادته. منه".
(٢) فبعها في (ك): "هو".
[ ٢ / ٢٠٣ ]
مِن أحسن الأموال على أحسن الوجوه، فهو تأكيد للشرطيَّة السابقة. أو: ما يُخلَفُ المنفِق استجابةً لدعوة الملَك القائل: "اللهمَّ اجْعَلْ لمنفقٍ خَلَفًا ولممسِكٍ تَلَفًا" (^١).
روي: أن ناسًا من المسلمين كانت لهم أصهارٌ ورَضاعٌ في اليهود، وكانوا ينفقون عليهم، فكرهوا لمَّا أسلموا أن يُنفقوهم فنزلت (^٢).
واختُلف في الواجب، فجوَّز أبو حنيفة صرفَ صدقة الفطر إلى أهل الذمَّة وأباه غيرُه.
﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ جملةٌ حاليةٌ؛ أي لا تُنقَصون شيئًا مما وعد من الثواب جزاءً لأعمالكم، فإن نقص الأجر الموعود ظلمٌ وإن لم يكن نقصُ الثواب مطلَقًا ظلمًا.
* * *
(٢٧٣) - ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ الجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديره: اعْمِدوا للفقراء، أو: اجعلوا نفقتكم للفقراء؛ كقوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢]؛ أي: اذهب في تسع آيات، أو خبرُ مبتدأ (^٣)؛ أي: صدقاتُكم للفقراء.
﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَحْصَرهم الجهاد، والإحصارُ: منعُ النفس عن التصرُّف.
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) قوله: "ينفقوهم" كذا في النسخ الخطية، ومثله في مطبوع "الكشاف" (١/ ٣١٧)، لكن جاء في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٦١): "ينفعوهم"، ومثله في نسخة جيدة من "الكشاف"، وهو الأولى.
(٣) في (ك): "لمبتدأ".
[ ٢ / ٢٠٤ ]
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: ذهابًا فيها للكسبِ، تقول: ضربتُ في الأرض ضربًا، إذا سرتَ فيها؛ أي: يكرهون المسير لأجله؛ لئلا يفوتهم صحبةُ رسول اللّه ﷺ والخروجُ في سريةٍ، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]؛ أي: يكرهون سماعه ولهم آلاتُ السماع، ولا يخفى أن هذا المعنى أبلغ في وصفهم مما قيل: لا يستطيعون لاشتغالهم بالجهاد.
وقيل: هم أهل الصُّفَّة، وكانوا نحوًا من أربع مئةٍ من فقراء المهاجرين يسكنون صُفَّة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلُّم والعبادة، وأقواتُهم من فضل الأغنياء، وكانوا يخرجون في كلِّ سريَّةٍ بعثها رسول اللّه ﷺ.
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾ بحالهم ﴿أَغْنِيَاءَ﴾.
وإنما قال: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ - أي: من أجْل تعفُّفهم عن السؤال - دفعًا لاحتمالِ أن يكون حسبانُه من الأغنياء لكونه من الأغنياء.
وفي إطلاق اسم الجاهل عليه على الإطلاق ما لا يخفى من الذمِّ، وذلك الاستحقاقُ لأن الغافل عن حالهم لا يكون من أهل الصحبة والوفاق.
والتعفُّف: تفعُّلٌ من العِفَّة، يقال: عف عن الشيء، إذا أمسك عنه وتَنزَّه عن طلبه.
﴿تَعْرِفُهُمْ﴾ الخطاب لمن يستحقُّ التوصيف بعرفانهم من الأصحاب، ومَن حذا حَذْوَهم في سلوك طريق الصَّواب (^١).
﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: بعلامتهم من صُفرة الوجه ورثاثةِ الحال، لا خفاءَ في أن لسان
_________________
(١) في النسخ عدا (م): "في سلوك الصواب "، والمثبت من (م). وجاء في هامش (ح) و(د) و(ف): "رد لمن قال: الخطاب لكل أحد. منه".
[ ٢ / ٢٠٥ ]
الحال أنطقُ من لسان المقال، وبيانَ الدلالة أصدقُ من بيان العبارة، فالعارفُ يُحدس من رثاثة الحال، والجاهل يستدل بعدم (^١) السؤال.
ومعنى ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ نفيُ السؤال والإلحاف جميعًا، كقولهم:
ولا تَرَى الضَّبَّ بها ينجَحِرْ (^٢)
أي: لا ضبَّ ولا انجِحارَ، ولا يخفى أن هذا المعنى أَدخَلُ في التعفُّف وفي أن يُحسَبوا أغنياء، فيكونُ أنسبَ للمقام، وأجلبَ لمزيدِ حُسْنٍ في الكلام، كيف وفي هذا النوع من التركيب دقيقةٌ أنيقة (^٣)؟ وهي أنه لمَّا جعل نفي الأول تمهيدًا لنفي الثاني جعل الأول مسلَّمًا لا نزاع فيه، إذ من حق الدليل أن يكون أوضح من المدلول، ولهذا قال ابن عباس ﵄ في تفسيره: لا يَسألون الناس إلحافًا ولا غيرَ إلحافٍ (^٤).
وقيل: تُرك غيرُ الإلحاف ذكرًا للإيماء إلى إطلاق السؤال عند الحاجة، ورفعِ الإثم عمَّن فعله مُضطرًّا (^٥).
والإلحاف: لزوم السؤال، من اللِّحاف الذي يُلازم الملتحِفَ به.
_________________
(١) في (د): "بعد".
(٢) عجز بيت لعمرو بن أحمر، كما في "خزانة الأدب" للبغدادي (١٠/ ٢١٠)، وصدره: لا تفزعُ الأرنبَ أهوالُها
(٣) في هامش (د) و(ف): "تفصيل في تفسير سورة المؤمن من الكشاف. منه".
(٤) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ١٨١).
(٥) في هامش (د) و(ف): "أي: لأن المعنى ما ذكرنا. منه".
[ ٢ / ٢٠٦ ]
والجمل الأربع بعد الصلة مترتِّبة عليها بمنزلةِ البيان لها، فلا سبيل للعاطف بينهما (^١) لشدة اتصال كلٍّ منها (^٢) بالأخرى.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ترغيبٌ في الإنفاق؛ لأن علمَ اللّه تعالى به كنايةٌ عن أنه لا يَضيع، ولهذا زاد قوله: ﴿مِنْ خَيْر﴾ فإنه إذا أُريد علمه تعالى به على حقيقته تكون تلك الزيادة خلوًا عن الإفادة (^٣).
* * *
(٢٧٤) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾؛ أي: يعمُّون الأحوالَ والأوقات بالصدقة لحرصهم عليها، فكلما نزلت بهم حاجةُ محتاجٍ عجَّلوا قضاءها ولم يؤخِّروها، ولم يتعلَّلوا بوقتٍ ولا حالٍ.
نزلت في أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ (^٤).
وقيل: في علي كرم اللّه وجهه (^٥).
وقيل: نزلت في علف الخيل ورباطها في سبيل اللّه تعالى (^٦).
_________________
(١) كذا في النسخ، ولعل الصواب: "بينها".
(٢) في (ح) و(ف) و(م): "منهما".
(٣) في (ف): "الفائدة".
(٤) انظر: "الكشاف" (١/ ٣١٩). وقال السيوطي لم أقف عليه. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٢/ ٣٤٦)، و"روح المعاني" (٣/ ٤٧٤).
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ١٠٨)، وفي إسناده عبد الوهاب بن مجاهد، وهو متروك كما في "التقريب".
(٦) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٤٣) عن ابن عباس ﵄.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: يُؤمَن عن الضياع، خبر ﴿الَّذِينَ﴾، وإذا أريدَ كون الصلة سببًا لحصول الخبر للموصول ضمِّنت معنى الشرط وأُدخل الفاءُ في الجزاء، وإن لم يقصد ذلك فلا، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٢].
وقيل: للعطف والخبرُ محذوف، أي: ومنهم الذين، ولهذا جوِّز الوقف على قوله: ﴿وَعَلَانِيَةً﴾.
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قد مرَّ تفسيره.
* * *
(٢٧٥) - ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾؛ أي: يتمتَّعون به، فإن التعبير بالأكل عن مطلَق التمتُّع على طريقة العبارة (^١) عن كلِّ وجوه الشيء بجلِّها شائع في الألسنة كلِّها.
كتب ﴿الرِّبَا﴾ بالواو على لغةِ مَن يفخِّم كما كُتب الصلاة والزكاة، وزيدت الألفُ بعدها تشبيهًا لها بواو الجمع لزيادة التفخيم، ومعناه لغةً: الزيادة المطلَقة، وشرعًا: الزيادة في القَدْر أو في الأجَلِ على الوجه المذكور في كتب الفقه.
﴿لَا يَقُومُونَ﴾ يوم القيام.
﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾: إلا قيامًا كقيام الذي يتخبَّطه المفسِدُ من الجنِّ، والخَبْط: الضربُ باليد كيف يقع، والرَّمْحُ بالرِّجل، والزَّبنُ بالرُّكبة، والتخبُّط: تكلُّف الخبط، والمراد: الزيادة فيه.
_________________
(١) في (ف): "الكناية".
[ ٢ / ٢٠٨ ]
﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ يتعلق بـ ﴿يَقُومُ﴾، أو ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾، والمسُّ: الجنون، يقال: مُسَّ - على ما لم يُسمَّ فاعلُه - فهو ممسوسٌ، كما يقال: جُن فهو مجنون.
والجنون قد يكون بضربِ الشياطين من الجن، ولذلك يُسمَّى (^١) مجنونًا، وهو بتسليط اللّه تعالى إياهم على الناس كما يسلِّط عليهم بعضَ الدوابِّ والسباع، وله أن يفعل في مُلكه ما يشاء.
أي: لا يقوم آكل الربا عن قبره في يوم القيامة إلا كالذي ضربه الجنُّ فخبله فصار كالمصروع، فهو يقوم ويسقط ليس كسائر الناس؛ لأنهم يخرجون من الأجداث سراعا، وهذه عقوبة لهم بها يُعرفون يومئذ، وقد أثقل (^٢) بطونهم ما (^٣) أكلوه من الربا.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾؛ أي: ذلك العقاب بسببِ أنهم نظَموا الربا والبيعَ في سلكٍ واحد، وقاسوا أحدهما على الآخر، يعني: أن البيع يكون مثلَ الربا في اشتماله الفضلَ، ولو كان ذلك سببًا للحرمة لحرُم البيع، لكنه حلال فثبت أنه ليس بسبب للحرمة، فالربا ليس بحرام وشبهتُهم (^٤) أن بيع السَّلَم وغيره قد يكون المشترَى فيه بدرهم يساوي درهمين، فيكون أزكى من الربا.
ومَن لم يتنبَّه لِمَا قرَّرناه زعم أنهم بالغوا في وصف اعتقادهم حلَّ الربا حتى جعلوه أصلًا في القياس، وشبَّهوا البيع به - مع أن الكلام في الربا، والبيعُ أصل في الحل - على طريقة قول الشاعر:
_________________
(١) في (د): "سمي".
(٢) في النسخ عدا (م): "ثقل"، والمثبت من (م).
(٣) في (ف): "بما".
(٤) في (ك): "أو شبهتهم".
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وبلدةٍ مغبرَّةٍ أرجاؤها … كأنَّ لون أرضها سماؤها (^١)
بالَغَ في وصف السماء بالاغْبِرار حتى شبَّه الأرض بها، وفي التعبير عن اعتقادهم هذا بالقول ما لا يخفى من المبالغة في أنه لا حقيقة له أصلًا.
ثم أنكر تسويتَهم بينهما (^٢) بقوله:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وفيه دلالة على أنَّ القياس يهدمُه النصُّ، حيث نقل قياسهم وأبطله بمجرَّد القول المذكور من غير تعرُّضٍ لفساد القياس من حيث إن الفضل في الربا محقَّق وفي البيع متوهَّم.
وأما ما قيل: هو إبطال للقياس لمعارضته النصَّ، فيَرِدُ عليه أنهم قاسوا قبل ورود النصِّ الفارق بينهما، فلا معارضةَ وقتئذٍ.
﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ فمَن بلَغه وعظٌ من اللّه تعالى وزجرٌ بالنهي عن الربا، وفي عبارة الربِّ إيماءٌ إلى أنه تعالى يُربِّي عبدَه بفضله بلا توقّفٍ على كسبه، كيف وقد ربَّاه وهو جنين؟ فحقُّه أن لا يتجاوز في طلب المكسبِ عن حدِّ الرُّخصة.
﴿فَانْتَهَى﴾ فاتَّعَظ به وتَبعَ النَّهي.
﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾؛ أي: فلا يؤاخَذُ بما مضى منه، وله ما أَخَذ لأنَّه قَبْل نزولِ التحريم (^٣).
_________________
(١) الرجز لرؤبة، وهو في ديوانه (ص: ٣)، و"مغني اللبيب" (ص: ٩١٢)، و"الإيضاح في علوم البلاغة" (ص: ٧٨)، و"روح المعاني" (٣/ ٤٧٨). ورواية الديوان: (وبلد عامية أعماؤه)، وفي باقي المصادر: ومهمهٍ مغبرَّة أرجاؤه … كأن لون أرضه سماؤه
(٢) "بينهما"من (م).
(٣) في هامش (د) و(ف): "من هنا ظهر أنه لا وهن في قياسهم قبل ورود النص من جهة المعارضة له. منه".
[ ٢ / ٢١٠ ]
و﴿مَا﴾ في موضع الرفع بالظَّرف (^١) إن جُعل (مَن) موصولةً، وبالابتداء إنْ جُعلت شرطيَّةً على رأي سيبويه؛ إذ الظرفُ غيرُ معتمِدٍ على ما قبله.
وإنما ذكِّر فعلُ الموعظة لأن تأنيثها غيرُ حقيقيٍّ مع أن فيه فاصلًا، فلا حاجة إلى التأويل بأنها في معنى الوعظ.
﴿وَأَمْرُهُ﴾ في ذلك.
﴿إِلَى اللَّهِ﴾ يحكم في شأنه بما شاء يوم القيامة لا إليكم، فلا تطالبوه بشيء.
﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى الربا بعد النهي عنه.
﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّا﴾ لإصرارهم عليه.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ إذا اعتقدوا حلَّه لأنَّه كفرٌ، والكفر يوجِب الخلود في النار.
* * *
(٢٧٦) - ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾.
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ المحقُ: نقصان الشيء حالًا بعد حالٍ حتى يذهبَ كلُّه؛ كما في محاقِ الشهر، وهو حالُ أكلِ الربا، فإن اللّه تعالى يُذهب بركته، ويُهلك المال الذي يدخل فيه.
﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي: يُنمي (^٢) ويزيدُها، بأن يضاعفَ عليها الثواب، ويزيدَ المال الذي أُخرجت منه، ويباركَ فيه، وفي الحديث: "ما نقصَتْ زكاةٌ من مالٍ قطُّ" (^٣).
_________________
(١) يعني الجار والمجرور في قوله: ﴿فَلَهُ﴾.
(٢) في (ك): "ينميها".
(٣) رواه مسلم (٢٥٨٨) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلا عزًّا .. ".
[ ٢ / ٢١١ ]
لا يقال: الكلام في إرباء ما يُتصدَّق به وهذا ليس منه.
لأنَّا نقول: وقوع زيادة المال والبركة فيه بسببه (^١) فضيلةٌ تزيد وإرباءٌ له، لتضاعُف (^٢) الثواب بسببه.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ﴾ عدمُ المحبة كنايةٌ شائعةٌ عن البغض (^٣).
﴿كُلَّ كَفَّار﴾ باستحلالِ الربا.
﴿أَثِيم﴾ بأكله بدونِ المبالاة، يُحمل على التعميم بعد السَّلب حتى تكون سالبةً كليَّةً، دون العكس؛ إذ حينئذ يكون رفع الإيجاب الكليِّ وهو لا يناسب المقام، ولا بُعْدَ فيما ذكَرْنا؛ لأن القيد المقدَّم ذكرًا قد (^٤) يعتبر مؤخرًا معنًى.
وفي صيغة (^٥) المبالغة تغليظٌ بليغٌ في شأن المستحِلِّ للربا، لِمَا فيه من الإيذان بتجدُّد كفره في كلِّ آنٍ.
* * *
(٢٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللّه ورسله، والإيمانُ بالرسول لا يَتمُّ إلا بالإيمان بجميع ما جاء به منه تعالى.
_________________
(١) في (ك): "بسبب".
(٢) في (د): "كتضاعف".
(٣) في هامش (د) و(ف) و(م): "من غفل عن هذا قال في تفسيره: لا يرتضيه، ولا يرتضيه من له فهم سليم. منه".
(٤) لفظ: "قد" سقط من (ف) و(ك).
(٥) في (ف): "صورة ".
[ ٢ / ٢١٢ ]
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ من الفرائض والواجبات والمندوبات.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ عطَفهما على ما يعمُّهما لفضلهما على سائر الأعمال الصالحة؛ لكونهما أمَّي (^١) العبادات البدنية والمالية.
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قد مر تفسيره.
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن آت ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فات.
* * *
(٢٧٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا﴾ واتركوا ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ بقايا ما شَرَطْتُم على الناس منه.
وقرأ الحسن: (ما بَقَا) بقلبِ الياء ألفًا على لغةِ طيِّئٍ، وعنه: (ما بَقِيْ) بياءٍ ساكنة (^٢).
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بقلوبكم، فإن دليله امتثالُ ما أُمرتم به، وفي إطلاق ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ في (^٣) الذِّكر عن القيد المذكور دلالةٌ على أنَّ المؤمن حقيقةً مَن آمَنَ بقلبه، رُوي أنه كان لثقيفٍ ثروةٌ (^٤)، وكان لهم على قوم من قريش مالٌ، فطالبوهم عند المحل بالمال والربا فنزلت (^٥).
_________________
(١) في (ح) و(ك): "لكونهما من".
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٢٢)، وعزاهما ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٧) لأبيِّ ﵁.
(٣) في (د): "عن ".
(٤) "ثروة" من (ح) و(ف).
(٥) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٢٢)، ورواه مطولًا الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٠) عن ابن جريج، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩).
[ ٢ / ٢١٣ ]
(٢٧٩) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ لم يُرَدْ مطلَقُ الترك، بل أُريد التركُ في ضمن الإبراء، فلهذا قيل: ﴿لَمْ تَفْعَلُوا﴾، دون: لم تتركوا.
﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ فاعلَموا بها، من أَذِن بالشيء: إذا علم به.
وقُرئ: ﴿فَأْذَنُوا﴾ (^١)؛ أي: فأَعْلِموا غيرَكم، من الأَذَن وهو الاستماعُ؛ لأنَّه من طُرُق العلم.
وقُرئ: (فأيقِنوا) (^٢)، وهو دليل (^٣) لقراءةِ العامة، والتنكيرُ في (حرب) للتعظيم.
﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الحرب يكون من الرسول ﷺ بأمرٍ من اللّه تعالى، فذِكْرُه تعالى للتمهيد، و(حرب منه) أبلغُ من: حربه؛ لِمَا في التنكير من التهويل؛ أي: بنوعٍ من الحرب لا يَقبل التعريف لعِظم شأنه، وذلك يقتضي أن يقاتَل المُرْبي بعد الاستتابة حتى يَفيءَ إلى أمر اللّه؛ كالباغي، ولا يقتضي كفرَه.
رُوي: أنها لمَّا نزلت قالت ثقيفٌ: لا يَدَيْ لنا بحرب الله ورسوله (^٤).
﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ من الارْتِباء، ومَن زاد على هذا قولَه: واعتقادِ حلِّه، فكأنه غَفَل عن قوله (^٥) بأن سياق الكلام لا يقتضي كفرَه.
_________________
(١) هي قراءة شعبة وأبي بكر. انظر: "التيسير" (ص: ٨٤).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٢٢).
(٣) كلمة "دليل" من (م)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٣٢٢).
(٤) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٢٢).
(٥) "قوله" ليس في (ف).
[ ٢ / ٢١٤ ]
فإن قلتَ: أليس يُفهم من قوله: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ أصولُها، وأما الأرباحُ فطواري عليها ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بأخذ الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ بالنقصان والمَطْل، أنهم إن لم يتوبوا فليس لهم رؤوس أموالهم؟
قلتُ: ذلك وهمٌ سبق إلى فهمِ مَن قال: إنه حينئذ يكون مالُهم فَيئًا للمسلمين، وتبعَه القائل، وهو سديدٌ على ما قلناه، إذ المصرُّ على التحليل مرتدٌّ، والحقُّ أن الظاهر منه بطريق المفهوم هو أنه إن لم يتوبوا لا تصلُ أيديهم إلى رؤوس أموالهم، وذلك لأنهم يُقتلون حينئذ كما يُقتل الباغي.
* * *
(٢٨٠) - ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَإِنْ كَانَ﴾؛ أي: وُجد غريم.
﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾، وقرئ: (ذا عسرة) (^١)؛ أي: وإن كان الغريمُ ذا عسرةٍ.
﴿فَنَظِرَةٌ﴾ فالحكمُ نظرةٌ؛ أو: فليكُنْ نظرةٌ، أو: فعليكم نظرة (^٢)، وهي الإنظار.
وقرئ: (فناظرُه) على الخبر؛ أي: فصاحبُ الحق ناظره، بمعنى: منتظرُه، أو صاحب نَظِرته (^٣) على طريق النَّسب.
و: [(فناظِرْه)] على الأمر؛ أي: فسامحْه بالنَّظِر [ة] (^٤).
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٧).
(٢) يعني أن (نظرة) إما خبر كما في المثال الأول، أو فاعل كما في الثاني، أو مبتدأ كما في الثالث.
(٣) في النسخ: "نظرة"، والمثبت من "الكشاف" (١/ ٣٢٣)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٦٣).
(٤) انظر المصدرين السابقين، وما بين معكوفتين منهما.
[ ٢ / ٢١٥ ]
﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ قُرئ بضم السين وفتحِها (^١)، وهما لغتان بمعنى يسارٍ.
وقُرئ بهما مضافَين بحذف التاء عند الإضافة (^٢).
﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ بالإبراء ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أكثرُ ثوابًا من الإنظار، أو: خير مما تأخذون، لمضاعَفة ثوابه ودوامه.
وقيل: المراد بالتصدُّق الإنظارُ، لقوله ﵇: "لا يَحِلُّ دَينُ رجلٍ مسلمِ فيؤخِّرَه إلا كان له بكلِّ يومٍ صدقةٌ" (^٣).
بعثٌ لهم على التصدُّق بالدَّين كلِّه أو بعضِه على مَن أَعسر من غُرمائهم، أو على الإمهال إلى وقت اليسار.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ كُني بالعلم عن العمل لأنَّه إذا كان نافعًا قلَّما يتخلَّف عن علمه، فهذه الكنايةُ باعتبار مبناها تأكيدٌ لِمَا تقدم من الخيريةِ على أبلغ وجهٍ.
ومَن لم يَتنبَّهْ (^٤) لهذا قال في تفسيره: ما فيه من الذكر الجميل والأجرِ الجزيل.
ثم إنه لم يَدْرِ أن الذكر الجميل لا يَصْلُح وجهًا للحثِّ على الصدقة إذا كان الحثُّ من اللّه تعالى؛ لأن الصدقة المَرْضيَّة عنده تعالى ما لا يشوبُها غرضٌ دنيويٌّ.
* * *
_________________
(١) قرأ نافع بضم السين وباقي السبعة بفتحها. انظر: "التيسير" (ص: ٨٥).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٧).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٢٣)، ورواه بنحوه الإمام أحمد في "المسند" (٢٣٠٤٦) بإسناد صحيح من حديث بريدة ﵁.
(٤) هو البيضاوي. انظر "تفسيره" (١/ ١٦٣).
[ ٢ / ٢١٦ ]
(٢٨١) - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ يومَ القيامة، والتنكير للتعظيم، وللإشارة إلى لأنَّه لا يَقبل التعريف.
﴿تُرْجَعُونَ﴾ من الرَّجع (^١)، وقرئ بفتح التاء وكسرِ الجيم من الرُّجوع (^٢)، وقرئ بالياء على الالتفات (^٣).
﴿فِيهِ إِلَى اللَّه﴾ للحساب والجزاء.
والأمرُ بالاتِّقاء كناية عن الأمر بموجَبه وهو التأهُّبُ للمصير إليه.
﴿ثُمَّ تُوَفَّى﴾ التوفية والإيفاء: الإكمال.
﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ كاسبةٍ ﴿مَا كَسَبَتْ﴾؛ أي: أَحْرزتْ من جزاء الأعمال الموعود، فإن الكناية بالكسب عن الإحراز شائعٌ في الألسنة كلِّها.
وإنما وصفنا الجزاء بالموعود لأن الظلم بنقصِ الثوابِ إنما يكون بذلك الاعتبار (^٤).
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا بنقص ثواب ولا بزيادة (^٥) عذاب.
عن ابن عباس ﵄: أنها آخر آية نزل بها جبريل وقال: ضعها في رأس المئتين والثمانين من البقرة (^٦).
_________________
(١) في (د): "الرجوع"، وهو خطأ.
(٢) قرأ أبو عمرو بفتح التاء وباقي السبعة بضمها. انظر: "التيسير" (ص: ٨٥).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٢٣).
(٤) في هامش (د) و(ف) و(م): "فمن لم يذكره [في (ف): يتنبه]، فقد ذهب مذهب الاعتزال. منه".
(٥) في هامش (د) و(ف) و(م): "عبارة القاضي: بتضعيف، والمناسب ما ذكر. منه".
(٦) رواه الفراء في "معاني القرآن" (١/ ١٨٣) من طريق الكلبي وهو متروك، عن أبي صالح ولم يسمع من ابن عباس، عن ابن عباس.
[ ٢ / ٢١٧ ]
وعاش رسول اللّه ﷺ بعدها أحدًا وعشرين يومًا، وقيل أقلُّ، وقيل أكثرُ (^١).
* * *
(٢٨٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ إذا دايَنَ بعضُكم بعضًا، يقال: دايَنْتُ الرجل، إذا عامَلْتَه بدَينٍ معطيًا أو آخذًا، كما تقول: بايعتُه، إذا بعتَه أو باعك، وأمَّا كونها نسيئةً فغيرُ معتبَرٍ في المُدايَنة، وإرادتُها في المقام لذكرِ الأَجَل.
وإنما قال: ﴿بِدَيْنٍ﴾ مع أنه مستفادٌ من التدايُن - للتعميم؛ أي: أيِّ دينٍ كان قليلًا أو كثيرًا، أو لقطعِ احتمال معنًى آخر فإن المدايَنة قد يراد بها المجازاةُ.
وأما تنوُّعه إلى المؤجَّل والحالِّ فيُعلم من قوله:
﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ ومرجعُ الضمير في ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ لا يلزمُ أن يكون مذكورًا، بل يكفي أن يكون مفهومًا في ضمن الكلام السابق.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٢٣).
[ ٢ / ٢١٨ ]
هذا كلُّه بحسب جليلِ النظر، والذي بحسَب دقيقِه هو أنه لا بد مِن ذكر الدَّين ليتعلَّق الجارُّ به، فإنه لو لم يذكر لفُهم تعلُّقه بالتدايُن، ولا وجه له فإنَّ المبايعةَ إلى أَجَلٍ غيرُ مشروعة (^١).
﴿مُسَمًّى﴾ معلومٍ موقَّتٍ بالسَّنة والشهور والأيام المعيَّنة، لا بالحصاد والدِّيَاس وقدوم الحاجِّ ونحوِ ذلك مما لا يتعيَّن.
﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ نبَّه على انقسام الدَّين إلى حالِّ ومؤجَّلٍ، وأمر بكتابة المؤجَّل على سبيل الندب والإرشاد؛ لأنَّه أوثق وآمَنُ من النسيان، وأبعدُ من الجحود.
وعن ابن عباس ﵄: أن المراد به السَّلَمُ، وقال: لمَّا حرَّم اللّه الرِّبا أباح السَّلَم. وسيأتي ما يتعلَّق بهذا المقام من الكلام.
﴿وَلْيَكْتُبْ﴾ قيَّده بقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ليكون أبعدَ عن الاشتباه والتهمةِ.
والتنكيرُ في ﴿كَاتِبٌ﴾ للتنبيه على أن المعتبَر كونُ الكتابة على الوجه (^٢) المعهود، لا كونُ الكاتب معهودًا، ولهذا قيَّدها بقوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾.
وأطلق الكاتب، أي: وليَكْتب بالتَّسوية والاحتياط لا يَزيد على ما يجب ولا يَنقُص عنه، وهذا يدل اقتضاءً على أن الكاتب يجب أن يكون فقيهًا عالمًا بالشروط حتى يكون مكتوبه معدَّلًا بالشرع، فيحصل ما هو المقصود من الكلام على تقديرِ تعلُّق القيدِ المذكور بالكاتب، وأمَّا الذي ذكرناه فيَفوت حينئذ، فالراجح تعلُّقه بالفعل.
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "مشروع".
(٢) في (ك) و(م): "وجه ".
[ ٢ / ٢١٩ ]
والأمر في الحقيقة للمتداينينِ باختيار كاتبٍ فقيهٍ ديِّنٍ حتى يجيءَ مكتوبه موثوقًا (^١) به معدَّلًا بالشرع.
﴿وَلَا يَأْبَ﴾؛ أي (^٢): ولا يمتنعْ ﴿كَاتِبٌ﴾: أحد من الكتَّاب (^٣) ﴿أَنْ يَكْتُبَ﴾، فإن تنكير ﴿كَاتِبٌ﴾ بعد النهي يُفيد العموم.
﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ مثلَ ما علَّمه اللّه من كتبةِ الوثائق، أو: لا يأبَ أن يَنفع الناسَ بكتابته كما نفَعَه اللّه تعالى بتعليمه؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧].
﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ تلك الكتابةَ المعلَّمة، أَمر بها - بعد النهي عن الإباء عنها - تأكيدًا، وهذا لأن الفاء تدلُّ على أن (^٤) الترتيب على السابق، ولأن ورود الأمر عَقيب ذلك النهي تأييدًا له يُشعر (^٥) بذلك كلَّ الإشعار.
ويجوز أن تتعلَّق الكاف بالأمر، فيكون النهي عن الامتناع منها مطلَقةً ثم الأمرُ بها مقيَّدةً، وهذا الوجه أحسنُ مِن جَعْل الأول تمهيدًا له؛ لِمَا فيه من تدرُّجٍ وتفخيمٍ لشأن الكتابة على النهج المذكور، وفي تقديم ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ مبالغةٌ حسنةٌ، والأولُ أظهرُ وأقرب تناوُلًا.
﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ الإملالُ والإملاءُ: الإلقاءُ على الكاتب للكتابة،
_________________
(١) في (م): "موثقًا".
(٢) كلمة "أي" من (م).
(٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "الكتابة".
(٤) "أن" ليست في (د).
(٥) في (د): "فيشعر".
[ ٢ / ٢٢٠ ]
و﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ هو الذي عليه الدَّين، وإنما كان الإملاءُ إليه لأنَّه المقِرُّ المشهودُ عليه.
﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾؛ أي: الكاتبُ لا المُمْلي (^١) على ما ستقف عليه، جُمع بين اسم الذات والوصفِ تذكيرًا لكونه مربِّيًا له مُصلحًا لحاله.
﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾؛ أي: ولا يَنقُصْ مما أُمْليَ عليه قليلًا.
ولمَّا كان الأمرُ بالاتِّقاء تمهيدًا للنهي عن النقص المذكور لم يُؤت بينهما بأداة الترتيب.
﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ دلَّ هذا على توجُّه الأمر والنهي إلى الكاتب، فإنهما لو توجَّهَا إلى المُمْلي لكان حقُّ الكلام في هذا المقام الاكتفاءَ بالضمير.
وتصديرُه بالفاء لترتُّبه على ما تقدَّم.
﴿سَفِيهًا﴾ محجورًا عليه؛ لجهله بالتصرُّف، أو التبذيرِ.
﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ لصِغَره أو لكِبَره (^٢)، والمراد: ضعفُ القوى لا ضعفُ النُّهي؛ لأنَّه من أسباب الحَجْر، فيندرِج تحت السَّفَهِ.
﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾: أو غيرَ مستطيعٍ بنفسه لعيٍّ أو خرَسٍ.
﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾؛ أي: الذي يلي أمره؛ وصيًّا كان أو وليًّا، أو وكيلًا أو ترجمانًا.
﴿بِالْعَدْلِ﴾ فيه دلالةٌ على جواز النيابة في الإقرار بالدَّين.
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾؛ أي: واطلبوا أن يَشهد لكم شهيدان.
_________________
(١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): "الكاتب والمملي"، والمثبت من (د) وهو الصواب على ما يأتي.
(٢) في (ك) و(ف): "كبره".
[ ٢ / ٢٢١ ]
﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾؛ أي: من المؤمنين البالغين، أمَّا البلوغ فلا بدَّ منه قطعًا، وأمَّا الإسلام فلا بد منه أيضًا إن كان المديون مسلمًا، وإن كان كافرًا فاعتبارُه احتياطًا لأنَّه يَحتمِل أن يُسلم، فلا دلالة في الآية على أنه لا تُسمع شهادة الكفار بعضِهم على بعض.
ثم إنَّ المقصود بيانُ النصاب لا بيانُ الشرائط، فلهذا لم يتعرَّض لقيدِ الحرية والعقل.
﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾: فإن لم يكن الشهيدان رجلين.
﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ فليَشهد رجل وامرأتان.
مَن قال: هذا مخصوص بالأموال عندنا، وبما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة، فكأنه ذَهَلَ عن أن الكلام في الإشهاد على الدَّين.
فإن قلتَ: أليس كلٌّ منهما نصابُ الشهادة بلا تفاوتٍ بينهما ولا توقُّفٍ لصحة الثاني على عدم الأول؟
قلتُ: نعم، لا توقُّف لصحة الثاني (^١) على عدم الأول، ولهذا لم يقل: فإن لم يوجَدا فرجل وامرأتان، وأمَّا عدم التفاوت بينهما فممنوعٌ، فإن الأصل هو الأول، وهو الراجح، ولهذا صدَّر الشرطية المذكورة بأداة الترتيب.
﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ أي: من العُدول المَرْضيِّين (^٢) من الشهود.
﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ علَّةٌ لإقامة شهادة امرأتين مقامَ
_________________
(١) في (ك) و(م): "لصحته".
(٢) في (ف): "المؤمنين".
[ ٢ / ٢٢٢ ]
شهادة رجلٍ واحد، والضلال بمعنى النسيان مَجازًا لأنَّه سببُه؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠].
فإن قيل: كيف قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ وإنما الإقامة المذكورة للإذكار لا للضلال؟
قلنا: أجاب عنه سيبويه: بأنَّ الضلال سبب الإذكار، فتقدم (^١) عليه لأنَّه سبب العلة لا لأنَّه العلة؛ كما يقال: أعددتُ هذا للحائط أن يميل فأدعمَه، وإنما أعدَدْتَه للدعم لا للميل، لكن قدِّم عليه الميل لأنَّه سببُه (^٢).
والعدول عن الظاهر للاعتناء بشأن التذكير، فإنَّ إفضاء الفعل إليه وكونَه مقصودًا من الفعل بلَغ مبلَغًا صار المهروب عنه مطلوبًا لأجله، ومن حيث كونُه مُفْضيًا إليه.
وأجاب عنه الفرَّاء: أنه بمعنى الجزاء، وتقديره: أنْ تذكِّر إحداهما الأخرى إنْ ضلَّت، إلا أنه لمَّا قدِّم (أنْ) اتَّصل بما قبله من العامل فانفتح (^٣). ويؤيدُه قراءة: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ بكسر الألف على الشرط ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ بالرفع (^٤).
وقرئ: (أنْ تُضَلَّ) على البناء للمفعول (^٥)؛ أي: أن تُوجد ضلالة، من الإضلال الذي همزتُه للوجدان؛ نحوَ: أَحْمَدْتُه، بمعنى: وجدْتُه محمودًا، ولا يخفَى ما في التعليل المذكورِ من الدلالة على ضعفِ حِفْظهنَّ وقلَّةِ ضبطِهن، وليس ذلك إلا لنقصان عقلهنَّ.
_________________
(١) في (د): "فقدم".
(٢) انظر: "الكتاب" (٣/ ٥٣).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٨٤).
(٤) هي قراءة حمزة من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٨٥).
(٥) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٨).
[ ٢ / ٢٢٣ ]
﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾؛ أي: لا يَمتنعِ المدعوُّون لتحمُّل الشهادة عن الحضور ليتحمَّلوا الشهادة، وكأنَّ تسميتَهم شهداء قبل التحمُّل تنزيلًا للمُشارف منزلةَ الكائن، أو: لا يمتنعِ المتحمِّلون إذا دُعوا إلى أداء الشهادة ليؤدُّوها، والنهيُ عن الأول تنزيهًا، وعن الثاني تحريمًا.
﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾ نهيٌ عن الضجر والملل من كثرة المُداينات.
﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾؛ أي: لا تَملُّوا أن تكتبوا الدَّينَ، أو الحقَّ، أو الكتابَ، كذا قالوا.
وَيرِدُ عليه: أن الضجر والملل إنما يكون بعد الشروع فيه، والإكثارِ منه، والمراد هنا النهيُ عن السآمة من أنْ يُكتب ابتداء، فالوجهُ أن تكون السآمة كنايةً عن الكسل، والمصيرُ إلى الكناية لا لأنَّه من صفة المنافق، إذ حينئذ لا يُجدي تغيير التعبير، بل لأن تلك العبارة كانت دائرةً على ألسنة المنافقين فصارت من شعارهم، ولذلك قال ﵇: "لا يقولُ المؤمن: كَسِلتُ" (^١).
﴿صَغِيرًا﴾ قدِّم اهتمامًا به (^٢)، وانتقالًا من الأدنى إلى الأعلى ﴿أَوْ كَبِيرًا﴾ حالان منه، أي: لا تسأموا كتابةَ الحقِّ أو الدِّينِ على أيِّ حالٍ كان من صغرٍ أو كبرٍ (^٣)، أو: لا تسأموا أن تكتبوه مختصرًا أو مُشْبَعًا، على أن الضمير للكتاب.
﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾: إلى (^٤) وقتِه الذي عيَّنه المتداينان.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ لأنَّه في معنى المصدر.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٢٦٣)، ولم أجده مسندًا.
(٢) "به "ليست في (د).
(٣) في (ف): "صغير أو كبير".
(٤) في (د): "أي".
[ ٢ / ٢٢٤ ]
﴿أَقْسَطُ﴾: أكثرُ قسطًا.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في حُكمه.
﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾: وأثبتُ لها، وأعونُ على إقامتها.
و﴿أَقْسَطُ﴾ مبنيّ من قاسطٍ بمعنى النسب؛ أي: ذي قِسْطٍ، و(أَقْوم) من قويمٍ، ويجوز عند سيبويه أن يُبنى أفعلُ التفضيل من غير الثلاثيِّ، فيكونان مبنيَّين من أَقْسَطَ وأَقامَ (^١).
﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾: وأقربَ لانتفاءِ الرِّيبة في جنس الدَّين وقَدْره وأَجَله والشهودِ ونحوِ ذلك، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، وحَسَّنَ حذفَه وقوعُ أَفْعَلَ خبرًا للمبتدأ (^٢).
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ استثناء مفرَّغ؛ أي: لا تتركوا كتابته وقتًا مّا، أو لعلةٍ ما، إلا وقتَ كونها تجارةً ناجزة (^٣) تتعاطونها بينكم يدًا بيد، أو: لأنْ (^٤) تكون تجارةً ناجزة. على أن ما بعد ﴿إِلَّا﴾ نصب على الظرف أو على المفعول له.
وقرئ: ﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ بالرفع على أنَّ (كان) التامةُ، أو الناقصةُ واسمها ﴿تِجَارَةً﴾ وخبرها ﴿تُدِيرُونَهَا﴾، وبالنصب على: "لا أن تكون التجارةُ تجارةً حاضرةً (^٥).
_________________
(١) انظر: "الكتاب" (١/ ٧٣)، وانظر لزامًا كلام أبي حيان في شرح هذه المسألة في "البحر" (٥/ ١٠٧).
(٢) في (ف) و(ك) سقط: "للمبتدأ".
(٣) في (ح) و(ف): "حاضرة".
(٤) في (م): "أو لا"، وهو خطأ.
(٥) قرأ بالنصب عاصم، وباقي السبعة بالرفع. انظر: "التيسير" (ص: ٨٥).
[ ٢ / ٢٢٥ ]
والتجارةُ الحاضرةُ تعمُّ المبايعة بدَينٍ أو عين، والمفهومُ من تفريع نفي الجناح - وهو الإثم - على الشرط المذكور في المستثنَى ثبوتُ الإثم في عدم الكتابة على تقديرِ فَقْدِ ذلك الشرط، وموجَبُه أن يكون الأمر بالكتابة فيما تقدَّم للوجوب، فالقائلون بحُجِّية المفهوم لا بد لهم من القول بوجوب الكتابة ثمة.
﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ في العاجل والآجل جميعًا، والأمر للندب.
﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ يَحتمِل البناءَ للفاعل والمفعول جميعًا، والدليل عليه قراءة عمر ﵁: (ولا يُضارِرْ) بالإظهار والكسر، وقراءة ابن عباس ﵄: (ولا يضارَرْ) بالإظهار والفتح (^١).
والمراد: نهيُ الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يُطلب منهما، وعن التغيير بالزيادة والنقصان، أو نهيُ المستكتِب والمستشهِد عن الضرر بهما، بأن يُعجَّلا عن مُهمٍّ، أو لا يُعطَى الكاتب (^٢) حقَّه من الجُعْل، أو يكلَّفَ الشهيد مُؤنةَ النقل من مسافة بعيدة، وأمثالِ (^٣) ذلك.
وقرأ الحسن: (ولا يضارِّ) بالكسر (^٤).
﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ أي: وإنْ تضارُّوا، أو: إن تفعلوا شيئًا مما نُهيتم عنه.
﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ خروجٌ عن الطاعة لاحقٌ بكم.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مخالفة أمره ونهيه.
_________________
(١) القراءتان في "الكشاف" (١/ ٣٢٧).
(٢) في (د): "المكاتب".
(٣) في (د): "أو مثال".
(٤) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٢٧).
[ ٢ / ٢٢٦ ]
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أحكامه المتضمِّنةَ لمصالحكم.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كرَّر لفظة (اللّه) ثلاثَ مراتٍ متوالياتٍ، وكان الثاني والثالث موضعَ كناية، ولهذا الباب قانونٌ يعرف به المستحسَن من المستقبَح، وهو: أن كلَّ تكرير على طريق تعظيم الأمر أو تحقيره في جملٍ متوالياتٍ كلُّ جملة منها مستقلةٌ بنفسها، فذلك غيرُ مستقبَحٍ، وإذا كان ذلك في جملةٍ واحدة، أو في جملٍ في معنًى واحد، ولم (^١) يكن فيه التعظيم أو التحقير، فذلك مستقبَح.
وهذا ظاهر في الآية، فإن الجملة الأولى منها حثٌّ على التقوى، والثانيةَ تذكيرٌ بنعمته، والثالثةَ تعظيم له متضمِّن لوعدٍ ووعيدٍ شديد، وقُصد تعظيم كلِّ واحد من هذه الأحكام، فأعيد لفظةُ (اللّه) فيها.
* * *
(٢٨٣) - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لم يقل: مسافرين؛ لِمَا بينهما من الفرق الظاهر، فإنَّ مَن دخل مدينةً ولم ينوِ الإقامة مسافرٌ، ولكنه ليس على سفرٍ، والمناسبُ لأنْ لُذكر تمهيدًا لقوله: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ هو الثاني دون الأول.
﴿فَرِهَانٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: فالذي يُستوثَق به رهانٌ وهو جمع رهنٍ،
_________________
(١) في (ح) و(د) و(ف): "أو لم"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق للمصادر. انظر: "فتوح الغيب" للطيبي (٣/ ٥٦٣)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي" (٢/ ٣٥١)، و"وروح المعاني" (٣/ ٥٠٠).
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وهو العين المقبوض بالدَّين توثيقًا له، وقرئ: ﴿فَرِهَانٌ﴾ (^١) وهو جمعُ جمعٍ.
قال الجوهري: كأنه يُجمع رَهْنٌ على رِهَانٍ، ثم يُجمعُ على رُهُنٍ، مثل: فِرَاشٍ وفُرُشٍ، ولا يجمع فَعْلٌ على فُعُلٍ إلا قليلًا شاذًا (^٢).
و﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ نعتٌ للرهان، ودلَّ ذلك على أن حكمه دوامُ الحبس؛ فإنه لا يصير رَهنًا إلا بابتداء القبض، فذِكرُ الرَّهن ذكرٌ لذلك القبض، ثم وصفُها بالمقبوضة بعد ذلك اشتراطٌ لدوام القبض فيها، وليس الغرضُ تخصيصَ الرَّهن بالسفر شرطًا في جوازه، لكنْ لمَّا كان السفر مَظِنَّةَ إعْوازِ الكاتب والشهيد أُرشد المسافر إلى حفظ المال بأنْ يقيم التوثُّقَ بالارتهان مقامَ التوثُّقِ بالكَتْب والإشهاد.
وعن مجاهد والضحاك: أنهما لم يجوِّزاه إلا في حال السفر أخذًا بظاهر الآية، وليس بشيء؛ لأن رسول اللّه ﷺ رهن درعه في حضَرٍ (^٣)، وأمَّا القبض فلا بد من اعتباره على ما نبَّهت عليه (^٤) آنفًا، وعليه الجمهور.
وقال مالك: يصحُّ الرهن بمجرَّد الإيجاب والقبول بدون القبض.
﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: فإنْ أَمِنَ بعضُ المتدايِنينَ بعضَ المديونين لحُسن ظنه به.
﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾؛ أي: فليَجِبْ على المديون أداءُ أمانته التي ائتَمَنه
_________________
(١) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ٨٥).
(٢) انظر: "الصحاح" (مادة: رهن).
(٣) رواه البخاري (٢٩١٦) من حديث عائشة ﵂.
(٤) "عليه" ليست في (د).
[ ٢ / ٢٢٨ ]
عليها بأنْ لم يَرتهن منه شيئًا؛ حثًا له على أن (^١) يكون عند ظنه به، وفي تسمية الدَّين أمانةً أيضًا حثّ للمديون على أدائه، وإن كان مضمونًا بخلافِ الأمانة.
وقرئ: (فإن أومن)؛ أي: آمَنَه الناس بأنْ وصفوه بالأمانة والدِّيانة والاستغناء عن الارتهان من مثله (^٢).
﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ نهيٌ عن الخيانة وإنكار الحق على أبلغ وجه، وقد مرَّ وجه الجمع بين اسم الذات والوصف.
﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ خطاب للشهود.
﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، ﴿آثِمٌ﴾ خبر (إنَّ)، و﴿قَلْبُهُ﴾ فاعل ﴿آثِمٌ﴾؛ أي: فإنه يأثم قلبُه. أو ﴿قَلْبُهُ﴾ مبتدأ و﴿آثِمٌ﴾ خبره، والجملة خبر (إنَّ).
وقرئ: (قلبَه) بالنصب كقوله: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] (^٣).
وقرئ: (أثَم قلبَه)؛ أي: جعَله آثمًا (^٤).
أُسند الإثم إلى القلب لكونه أبلغَ من وجوه:
أحدها: أن يُعلم أنه الذي أَضمرها، ولم يؤدِّ إلى اللسان ليُظهرها، فالقلب هو المقترِف، فيكون صاحبه قاصدًا للذنب لا اللسان، فيكون كالبوادر.
والثاني: أن الفعل إذا أُسند إلى الجارحة التي عُمل بها كان أبلغ وآكَدَ؛ كما إذا أردتَ التأكيد قلتَ: هذا مما أبصره عيني، وسمعه أذني، وعرفه قلبي.
_________________
(١) في (ك) و(م): "أنه".
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٢٩)، وعزا الزمخشري القراءة لأبيٍّ ﵁.
(٣) تنسب لابن أبي عبلة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٨).
(٤) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٣٠) وعزاها الزمخشري لابن أبي عبلة أيضًا.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
والثالث: أن القلب هو الرئيس، والأصل في البِنْية، فإسناده إليه أفاد أنه تمكَّن في أصل نفسه ومَلَك أشرف محل فيه، ورسخ في ذاته.
الرابع: أن الآثام المتعلقة بالأعضاء الظاهرة أسهلُ وأخفُّ وأسرع زوالًا ما دام القلب سليمًا، وأما القلبيات فتكون أشدَّ وأغلظ وأبعدَ عن العفو (^٥).
الخامس: الإيذان بأن الكتمان من الكبائر المتعلقة بالعقائد كالكفر والنفاق والشرك وأمثالها، ولهذا قال ابن عباس ﵄: أكبر الكبائر الإشراك باللّه؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] وشهادة الزور، وكتمان الشهادة.
السادس: القلب هو الأصل الذي يتقوَّم به سائر الأعضاء، فأفعاله هي الأصول التي يتشعَّب منها (^٦) أفعال الجوارح، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر، فهو الذي إذا صلح صلح الكلُّ، وإذا فسد فسد الكلُّ، فإذا تأثَّم القلب تأثَّم الكل.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وعيدٌ وتهديد (^٧).
* * *
(٢٨٤) - ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾.
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ناسَبَ ختمُ ما في هذه السورة من الكلام المشتمِل للأحكام العديدة، والتكاليف الشديدة، بذكر أنه تعالى له ما في
_________________
(١) في (ك): "الغفر".
(٢) في (ك) و(م): "عنها".
(٣) في (ك) و(ف): "وعيد تهديد".
[ ٢ / ٢٣٠ ]
عالَمَي الملك والملكوت، فهو يكلِّف مَن يشاء بما يشاء، ولمَّا كانت التكاليف محلُّ اعتقادها الأنفسُ قال:
﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من السوء.
﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ ولا يدخل فيه الوساوس وحديثُ النفس، إذ ليس في وسعه الخلوُّ منه، ولا يكلِّف اللّه نفسًا إلا وسعها، ولكنْ ما اعتقده أو عزم عليه.
﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال الحسن: ليس يعاقبُ اللّه تعالى عبدًا يوم القيامة أسرَّ عملًا أو أعلنه من حركةِ جوارحه، أو همَّ في قلبه، دون أن يعرِّفه إياه يوم القيامة حتى يقرِّره (^١)، ثم يغفر ما يشاء لمن يشاء، ويعذب مَن يشاء بما يشاء (^٢).
﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من أهل المغفرة.
﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من أهل العقوبة، وهذا صريحٌ في نفي وجوب التعذيب، وفي الآية دلالة على وقوع الحساب، فيكون حجةً على مَن أنكره من المعتزلة والروافض.
قرئ: (فيغفر … ويعذب) مجزومَين على جواب الشرط، ومرفوعَين على الاستئناف (^٣)، وتقديره: فهو يغفرُ ويعذِّب.
وقرئ: (يَغفرْ) بغير فاءٍ مجزومًا (^٤) على البدل من ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾ بدلَ البعض من الكلِّ، وبدل (^٥) الاشتمال، ومعنى الإبدال: تفصيل للإجمال الذي في الحساب؛ لأن
_________________
(١) في (ح) و(ك) و(ف): "يقرر".
(٢) ذكره بنحوه البغوي في "تفسيره" عند تفسير هذه الآية.
(٣) قرأ عاصم وابن عامر بالرفع وباقي السبعة بالجزم. انظر: "التيسير" (ص: ٨٥).
(٤) وكذا: (ويعذبْ) بالجزم أيضًا على هذه القراءة. انظر: "المحتسب" (١/ ١٤٩).
(٥) في (م): "أو بدل".
[ ٢ / ٢٣١ ]
التفصيل أبينُ وأوضح، فكل ما يحتاج إلى البيان يجري فيه هذا البدل اسمًا كان أو فعلًا، إذ الفعل قد يُحتاج إليه احتياج الاسم.
والقراءة إظهار الراء في الجزم، وإدغام الباء، ومَن روى إدغام الراء في اللام عن أبي عمرو فهو مخطئ مرتين: حيث أَلْحن لحنًا فاحشًا، إذ الراء لا تدغم إلا في مثلها، ثم نسبه (^١) إلى أعلم الناس بالعربية، والسبب عدمُ ضبط الرِّواية لعدم الدِّراية.
كذا قيل (^٢)، وفيه بحث يُطلب من تفسير أبي حيان (^٣).
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يَعجز عن الإحياء والمحاسَبة وما يَعقُبها من المغفرة والتعذيب.
* * *
(٢٨٥) - ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ تنصيصٌ من اللّه تعالى على صحة إيمانه ﵇ والاعتداد به.
﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ روي عن ابن عباس ﵄: أن جبريل ﵇ أنزل على محمد جميع القرآن إلا هذه الآيات الثلاث، فإن اللّه تعا لي أوحاها إليه ﵇ ليلة المعراج. وبه قال الحسن ومجاهد وابن سيرين (^٤).
_________________
(١) في (ف): "ينسبه ".
(٢) القائل الزمخشري. انظر: " الكشاف " (١/ ٣٣٠).
(٣) وقدم تعقب أبو حيان الزمخشري ورد عليه بالرواية والدراية. انظر: "البحر" (٥/ ١٣٣).
(٤) انظر: "تفسير القرطبي" (٤/ ٤٩١). وروى مسلم (١٧٣) من حديث ابن مسعود ﵁ حديثا فيه أنه ﷺ أعطي في الإسراء خواتيم سورة البقرة.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ في عبارة الربِّ إشارة إلى أن في الإنزال المذكور تربيةً له ﵇، ولهذا كان تدريجًا.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ إن عُطف ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ على ﴿الرَّسُولُ﴾ كان التنوين في ﴿كُلٌّ﴾ عوضًا عن الضمير الراجع إلى ﴿الرسولُ … والمؤمنون﴾؛ أي: كلُّهم آمن، ووخَد ضمير ﴿كُلٌّ﴾ في ﴿آمَنَ﴾ ليتناول كلَّ واحد فيكونَ أبلغ من الجمع.
وإنْ جُعل مبتدأً كان الضمير للمؤمنين دون الرسول، وباعتباره يصحُّ وقوع ﴿كُلٌّ﴾ بخبره خبرَ مبتدأ، فيكون إفراد الرسول ﵇ بالحكم إمَّا لتعظيمه، أو لأن إيمانه عن مشاهَدةٍ وعِيَانٍ، وإيمانَهم عن نظر وبرهان، فكأنهما جنسان.
﴿وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ذُكر الكتبُ بين الملائكة والرسل باعتبارِ أنها تصل منهم إليهم.
وقرأ ابن عباس ﵄: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ (^١) يريد القرآنَ أو الجنس، وعثه: الكتابُ أكثرُ من الكتب (^٢). لِمَا ذُكر من تناوُله وحدانَ الجنس، بخلاف الكتب فإنَ تناوله وحدان الجمع (^٣).
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٥/ ١٤٩)، و"الكشاف" (١/ ٣٣١)، والكلام منه. وهي قراءة حمزة والكسائي من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٨٥).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (٥/ ١٤٩)، و"الكشاف" (١/ ٣٣١).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٣٣١)، وفيه: (فإن قلت: كيف يكون الواحد أكثر من الجمع؟ قلت: لأنَّه إذا أريد بالواحد الجنس - والجنسية قائمة في وحدان الجنس كلها - لم يخرج منه شيء، فأما الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع). وتعقبه أبو حيان في "البحر" (٥/ ١٣٩) بقوله: (وليس كما ذكر ..)، ثم ساق بحثًا في الرد عليه، أما الآلوسي فقال في "روح المعاني" (٣/ ٥١٣): (وهذا =
[ ٢ / ٢٣٣ ]
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾؛ أي: يقولون: لا نفرق.
وقرئ: ﴿يُفرِّقُ﴾ بالياء (^١) على أن الفعل لـ ﴿كُلٌّ﴾.
وقرئ: (لا يفرِّقون) (^٢) حملًا على معناه؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧].
و(أَحَد) في الأصل بمعنى: وَحَدٍ، وهو الواحد، ثم وُضع في النفي العام مستويًا فيه المذكَّر والمؤنَّث والواحد و(^٣) ما وراءه (^٤)، وهذا العموم غير العموم المستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي، يدل عليه أنه لا يستقيم: لا نفرق بين رسولٍ من الرسل، إلا بتقدير عطفٍ؛ أي: رسولٍ ورسولٍ.
والمراد: الفرق بالتصديق لا الفرق مطلقًا، فإن الفرق بالتفضيل والبعثة بالشريعة غير منهيٍّ عنه.
﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا﴾ أي: فهمنا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]؛ أي: كان إطاعتنا عن إذعانٍ وقبول، لا عن تقليدٍ على العمياء، أو طمعًا في متاع الدنيا.
وقيل: أي: أجبنا.
_________________
(١) = المبحث من معضلات علم المعاني، وقد فرغ من تحقيقه هناك).
(٢) هي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٣٧)، وعزاها الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٣٣١) لأبي عمرو، وهي خلاف المشهور عنه.
(٣) تنسب لابن مسعود. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٨)، و"الكشاف" (١/ ٣٣١).
(٤) الواو من (ك) و(م).
(٥) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): "ذكره صاحب الكشاف في تفسير سورة الأحزاب. منه ".
[ ٢ / ٢٣٤ ]
وفيه: أن قوله: ﴿وَأَطَعْنَا﴾ يغني عنه، والإفادةُ خيرٌ من الإعادة، ويجوز أن يكون المراد: سمعنا قولك فيما كلَّفْتَنا وأطَعْنا أمرك في ذلك.
﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ منصوبٌ بإضمار فعله، يقال: غفرانك لا كفرانك؛ أي: نستغفرك ولا نَكفرُك؛ أي: من التقصير في حقِّك وفي عبادتك التي لا نُوفي حقَّها.
* * *
(٢٨٦) - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: إلا ما يسع (^١) فيه طوقُها ويتيسَّر عليها، دون مدى الطاقة والمجهود، وهذا إخبارٌ من عدله ورأفته؛ كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ لأنَّه كان في طاقته أن يصلِّي أكثر من الخمس، ويصومَ أكثر من الشهر، ويحجَّ أكثر من حجة، وفيه دلالة على عدم وقوع التكليف بالمحال، وأمَّا أنه ممتنعٌ فلا دلالة عليه، بل الظاهر من الإخبار عن عدم وقوعه إمكانُه.
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ من ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ من شرٍّ، وتقديم (لها) و(عليها) على الكسب والاكتساب للتخصيص؛ أي: لا يثابُ بخيرها ولا يؤاخَذ بشرها غيرُها، بل يختصَّان بها.
_________________
(١) في (د): "يتسع".
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وتخصيص الكسب بالخير والاكتسابِ بالشر؛ لأنَّ الاكتساب فيه اعتمالٌ، والشرَّ تشتهيه النفس وتنجذبُ إليه، فكان أجدَّ في تحصيله وأعملَ، بخلافِ الخير.
وفيه التنبيهُ على زيادة اللطف، وكمال الفضل، حيث يُثيب على الخير كيفما وقع، ولا يُعاقبُ على الشر إلا بعد الاعتمال فيه وقوةِ التصرُّف.
﴿رَبَّنَا﴾؛ أي: يقولون: ربنا، كما تقدَّم، وما بينهما إخبارٌ من الله تعالى، والاعتراضُ قبل (^١) تمام الكلام كثيرٌ في القرآن.
﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ النسيان والخطأ مَجازان من باب إطلاق اسم السبب على المسبب؛ أي: لا تؤاخذنا إنْ فرَط منا ذنبٌ بسبب النسيان أو الخطأ.
أو من بابِ إطلاق اسم المسبَّب على السبب؛ أي: لا تؤاخذنا بما أدَّى بنا إلى النسيان والخطأ من تفريطٍ وقلةِ مبالاةٍ.
ويجوز أن يكون على حقيقتهما؛ إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلًا، لكنه تعالى وغد التجاوز عنهما رحمةً وفضلًا، فيجوز أن يدعو الإنسان فيه استدامةً واعتدادًا بالنعمة فيه.
وقولُه ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (^٢) يَحتمِل المعنيين
_________________
(١) في (د): "من قبل".
(٢) رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٩٥)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٢١٩)، والحاكم في "المستدرك" (٢٨٥١)، وابن حزم في "الإحكام " (٥/ ١٤٩)، من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: "إن الله تجاوز عن أمتي … " وصححه الحاكم وابن حزم، وقد أعله أبو حاتم كما في "العلل" لابنه (١/ ٤٣١) لكن بعلة غير قادحة كما قال الحافظ في "الفتح" (٥/ ١٦١). ورواه ابن ماجه (٢٥٤٥) بلفظ: "إن الله وضع عن أمتي … "، لكن في إسناده انقطاع كما استظهر البوصيري في "الزوائد".
[ ٢ / ٢٣٦ ]
أيضًا؛ لأن المرفوع أثرهما لا نفسُهما، وعلى هذا يصحُّ أن يراد المعنى الأول.
﴿رَبَّنَا﴾ تكرير للمنادى فلا يُخلُّ بعطف قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا﴾ على قوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا﴾.
﴿إِصْرًا﴾ الإصر: العبءُ الذي يَأصِرُ حاملَه؛ أي: يحبسُه في مكانه لا يستقلُّ به لثِقله، والمراد به: التكاليفُ الشاقة.
وقرئ: (ولا تحمِّل) بالتشديد (^١)؛ للمبالغة في الطلب لا في المطلوب انتفاؤه.
﴿كَمَا حَمَلْتَهُ﴾ حملًا مثلَ حملِكَ إياه ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ من الأمم، أو: مثلَ الذي حملتَه عليهم، فيكونُ صفةً لـ ﴿إِصْرًا﴾.
والمراد به ما كلِّف به بنو إسرائيل من قتل الأنفس، وقطعِ موضع النجاسة، وخمسين صلاةً في اليوم والليلة، وصرفِ ربع المال للزكاة.
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ من العقوبات النازلة بالأمم السالفة، طلبوا الإعفاء عن التكاليف الشاقَّة التي كُلِّفها مَن قبلَهم، ثم عمَّا نزل بهم من العقوبات لتفريطهم في المحافظة عليها.
وقيل: هو تأكيد للأول بالتكرير.
أو المراد به: الشاقُّ الذي لا يكاد يُستطاع من التكاليف، وهذا دليل على جواز التكليف بما لا يطاق، ولم يتعيَّن هذا المعنى مرادًا من الآية حتى تتمَّ الدلالةُ فيها على جوازه.
والتشديد هنا لتعديَةِ الفعل إلى المفعول الثاني.
_________________
(١) تنسب لأبيٍّ. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٨)، و"الكشاف" (١/ ٣٣٣).
[ ٢ / ٢٣٧ ]
﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ قال الأزهريُّ: كلُّ مَن استحَقَّ عقوبةً فتركتَها فقد عفوتَ عنه، لفظُ اللازم والمتعدِّي سواءٌ، يقال: عفا اللهُ عن العبد عفوًا، وعفَتِ الرياحُ الأثرَ عفاءً، فعَفَا الأثرُ عُفُوًّا (^١).
﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾: واستر ذنوبنا، ولا تفضحنا بكشف عيوبنا (^٢)، والعفوُ لا يستلزمُ الستر، فلا تكرار.
﴿وَارْحَمْنَا﴾: وتعطَّفْ بنا وتفضَّلْ علينا.
﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾: سيدنا ونحن عبيدك، أو: ناصرُنا ومتولِّي أمورنا.
﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ فإنَّ مِن حقِّ المولَى أن ينصُر مواليَه على الأعداء، فإن (^٣) ذلك من أمورنا التي تولاها (^٤).
خُتمت السورة الكريمة بمثل ما بُدئت به من إثبات توحيده، وصفاتِ جلاله، والنبوَّات، والمعاد، والقضاء والقدر، في ضمن ذكر المؤمنين السامعين المطيعين، وهم المتقون الذي جُعل الكتاب هدًى لهم، وبيَّن شمول لطفه في شأن هذا النوع، وخصوصًا هذه الأمة، وجعل ختام ذلك كلِّه ما يدل على أن كمال حال المؤمن المطيع أن لا يزال مستمِدًّا من بحر جُوده بألسنة الاستعداد والحال والمقال، فبذلك ارتقاؤه في مدارج الكمال، ومعارج الجلال والجمال (^٥).
* * *
_________________
(١) انظر: "تهذيب اللغة" (٣/ ١٤١).
(٢) في هامش (د) و(م): "قال القاضي: بالمؤاخذة، ولا وجه له لأن الأول مغني عنه. منه ".
(٣) في (ك) و(م): "أو فإن".
(٤) في (د) و(ك) و(م): (توليها).
(٥) في (م) بدل "والجمال": "والحمد لله على التمام والصلاة على نبيه سيد الأنام وعلى آله وصحبه الكرام ما تعاقب الليالي والأيام ".
[ ٢ / ٢٣٨ ]