﷽
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أَمرَ بني آدم بالتَّقوى، ثمَّ علَّلَ أمرهم به بفظاعة السَّاعة حيث قال:
﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ ليتصوَّروها بعقولهم، ويعلموا أنَّه لا يؤمِّنهم منها سوى التَّدرُّعِ بلباس التَّورُّع، والتَّردِّي برداء التَّقوى، ويُبْقوا على أنفسهم، وَيقوها (^١) من الرَّدى (^٢) بملازمة التَّقوى.
والزَّلزلةُ: شدَّةُ التَّحريك والإزعاج، وأن يُضاعَفَ زليلُ (^٣) الأشياء عن مقارِّها ومراكزها.
وإضافتها إلى ﴿السَّاعَةِ﴾ إضافةُ المصدر إلى الفاعل على التَّجوُّز في الإسناد، كأنَّها هي التي تزلزل الأشياء، أو إلى الظَّرف على إجرائه مجرى
_________________
(١) في (ف): "وينقوها"، وفي (س) و(ك) و(م): "ويتقوها"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" مع حاشية الشهاب (٦/ ٢٨١). قال الشهاب: أي: يحفظوها، وما في بعض النسخ: (ويتقوها) تحريف.
(٢) في (س) و(ك) و(م): "عن الردى"، والمثبت من (ف)، وليست في "تفسير البيضاوي".
(٣) الزليل: مصدر زَللْت: زَلِقت في طينٍ أو مَنْطِقٍ. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: زلل).
[ ٧ / ٨٧ ]
المفعول به، أو بتقدير (^١) (في) كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣].
وهذه الزَّلزلة هي المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ السورة.
عن الحسن: أنها تكون يوم القيامة (^٢).
وعن علقمة والشَّعبي: عند طلوع الشَّمس من مغربها (^٣).
وإضافتها إلى ﴿السَّاعَةِ﴾ لأنَّها من أشراط السَّاعة.
﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ لَمَّا وصفه (^٤) بالعِظَم وأبهمها تعظيمًا بأنَّها شيءٌ لا يُكتَنَهُ كُنْهُ عظمته، أخذ في تصوير هولها بصورةٍ منكرة (^٥)، فليسَ المرادُ من قوله:
(٢) - ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾.
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ﴾ ذهولَ المرضعة ووضعَ الجنين، بل شدَّةُ الهول، هذا على القول الأوَّل.
والضمير للزَّلزلة، و﴿يَوْمَ﴾ منتصبٌ بـ ﴿تَذْهَلُ﴾، وقرئ: ﴿تَذْهَلُ﴾ معروفًا
_________________
(١) في (ف): "أو تقدير".
(٢) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٤١)، وروى الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٥٣) نحوه عن ابن زيد.
(٣) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٤١)، وروى الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٤٦) عن علقمة في تفسير هذه الآية قال: "قبل الساعة"، وروى عن الشعبي قال: "هذا في الدنيا قبل يوم القيامة".
(٤) قوله: "وصفه" كذا في النسخ، ولعل الأنسب بالسياق: (وصفها).
(٥) في هامش (ف) و(م) و(س): "والقاضي ومن حذا حذوه لم يميزوا في تفسيرهم بين القولين. منه".
[ ٧ / ٨٨ ]
ومجهولًا (^١)؛ أي: تذهلها الزَّلزلةُ، من الذُّهول، وهو الذَّهاب عن الأمر دهشةً وحيرة، لا من الذَّهْل لأنَّه بمعنى السُّلوِّ، قال الشَّاعرُ:
صَحا قلبُه يا عزُّ أوكادَ يَذْهَلُ (^٢)
و(ما) مصدرَّية أو موصولة.
والمرضعةُ: هي الَّتي تكون في حال الإرضاع ملقِمةً ثديَها الصَّبيَّ، والمرضعُ التي شأنها أن ترضعَ وإن لم تباشِر الإرضاع.
وأمَّا المعنى على القول الثَّاني - وعليه الجمهور - أنَّ هولها (^٣) بحيث إذا فوجئَتْ به التي ألقمَتْ الرَّضيع ثديَها نزعَتْه مِن فيه وذَهِلَتْ عنه دهشةً، ولقد أحسنَ مَن قال: تَذهَلُ المرضعةُ عن ولدِها لغيرِ (^٤) فِطامِ، وتضعُ الحاملُ ما في بطنِها لغيرِ تمامِ (^٥).
﴿وَتَرَى﴾: وتظن ﴿النَّاسَ سُكَارَى﴾ حقيقة، لا على التَّشبيه ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ في الواقع.
_________________
(١) قراءة المبني للمفعول بلا نسبة في "الكشاف" (٣/ ١٤٢). وقراءة (تُذْهِلُ) بضم التاء وكسر الهاء؛ أي: تذهل الزلزلة أو الساعة (كلَّ) بالنصب. نسبت لابن أبي عبلة واليماني. انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ١٠٦)، و"البحر المحيط" (١٥/ ٣٠٦)، وبلا نسبة في "الكشاف" (٣/ ١٤٢).
(٢) صدر بيت لكثير عزة، وعجزه: وأضحى يُريدُ الصَّرمَ أو يتبدَّلُ انظر: "ديوان كثير عزة" (ص: ١٤٩).
(٣) في (ك): "ذهولها".
(٤) في (ف): "بغير".
(٥) نسب هذا القول للحسن. انظر: "تفسير الماوردي" (٤/ ٦)، و"الكشاف" (٣/ ١٤٢).
[ ٧ / ٨٩ ]
﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ أذهبَ عقولَهم لشدَّته، وطيَّرَ تمييزَهم بِهَوْلِهِ، فجعلَهم بحيث لا يُفَرَّقُ بينَهم وبينَ مَن يَذهبُ السُّكرُ بعقله وتمييزه.
وإنَّما جمعَ فاعل الرُّؤية أوَّلًا وأفرد ثانيًا لأنَّ الأُولى عُلِّقَتْ بالزَّلزلة، والزَّلزلةُ يراها النَّاس كلُّهم، والثَّانيةَ عُلِّقَتْ بكون النَّاس على حال السُّكر، فلا بُدَّ أن يُجعَلَ كلُّ واحدٍ منهم رائيًا لأثر السُّكر على صاحبه.
وقرئ: (تُرى) بالضَّم ونصبِ (النَّاسَ) (^١) من أُريتُكَ قائمًا، أو: رأيْتُكَ قائمًا (^٢)، ورفعِه على إسناد (تُرَى) إليهم (^٣)، [وأنثه] على تأويل الجماعة (^٤).
و﴿سُكَارَى﴾ حال، وقرئ: (سَكْرى) كعطشى (^٥)؛ إجراءً للسُّكْر مجرى العِلَل.
* * *
_________________
(١) نسبت لأبي هريرة وأبي زرعة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٤)، و"الكشاف" (٣/ ١٤٢). وسقطت "ترى" من (م).
(٢) في (ف): "أو رُيتك قائما"، وسقطت العبارة من (ك)، والمثبت من (س) و(م)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" مع حاشية الشهاب (٦/ ٢٨٢). والمعنى على الرباعي (أُريتك): تظنُّ أنت الناس سُكارى، أقيم ضميرُ المخاطب مقام الفاعل، ونصب (النَّاسَ) و(سُكَارَى) على أنهما المفعولان الثاني والثالث؛ لأن أُريت مُتعدٍّ إلى ثلاثةٍ، وإن كان من الثلاثي (رأيتُك) فالمعنى: تُظنُّ الناسُ سُكارى، أقيم (الناسُ) بالرفع مقام الفاعل، ونُصبَ (سُكَارَى) على المفعولية؛ لأن رأيتُ متعدِّ إلى اثنين. وجاء في مطبوع "الكشاف" (٣/ ١٤٢): (رُؤيتُكَ)، وهي نسخة البخاريين كما قال الطيبي، وزاد: وهو مشكلٌ، فإنا ما وجدنا رأيتُ متعديًا إلى ثلاثة.
(٣) أي: (وترَى الناسُ) برفع (الناس). وهي في "المحرر الوجيز" (٤/ ١٠٦) بلا نسبة، ونسبت في "البحر المحيط" (١٥/ ٣٠٦) للزعفراني وعباس.
(٤) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٤٢)، وما بين معكوفتين منه.
(٥) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٧).
[ ٧ / ٩٠ ]
(٣) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ لا يخفى ما في هذا التَّعبير من التَّحقير بشأنه؛ حيث نزَّله بمنزلة مَن احتاج إلى الإخبار عنه بأنَّه من جنس الإنس.
﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾: مَن يخاصِمُ خُصومةً شديدةً.
﴿فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نزلَتْ في النَّضر بن الحارث، وكان جَدِلًا يقول: الملائكة بنات الله تعالى، والقرآن أساطير الأولين، ولا بعْثَ بعد الموت (^١).
وهي عامَّة في كلِّ مجادلٍ لا يرجعُ إلى علمٍ.
﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ في جداله وسِيرته، والمَرِيدُ: المتجرِّدُ للفسادِ.
* * *
(٤) - ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾: على الشَّيطان ﴿أَنَّهُ﴾: الضَّمير للشَّأن ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾؛ أي: جعله وليًّا وتبعه.
وقرئ: (إنَّه) بالكسر (^٢)، على حكاية المكتوب، أو إضمار القول، أو تضمينِ الكتب معناه.
﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ خبر لـ ﴿مَنْ﴾، أو جواب له.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٥٩) عن ابن جريج، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٦) عن ابن عباس ﵄.
(٢) نسبها ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٤/ ١٠٧) إلى أبي عمرو، وتعقبه أبو حيان في "البحر المحيط" (١٥/ ٣١٠) بقوله: وليس مشهورًا عن أبي عمرو.
[ ٧ / ٩١ ]
﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ولا يحصل من ولايته إلَّا الضَّلالُ عن طريق الحقِّ أو الجَنَّةِ، والهدايةُ إلى عذاب النَّار، بإغوائه وإغرائه إلى ما يؤدِّي إليه وحمله عليه؛ أي: يلزمه ذلك كأنَّه كُتِبَ عليه إضلال (^١) مَن يتولَّاه؛ لأنَّه مجبول عليه.
وقرئ: ﴿فَأَنَّهُ﴾ بالفتح (^٢) على أنَّه مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: فحقٌّ أنَّه يضلُّه، أو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: فشأنُه (^٣) أنَّه يضلُّه، ولا وجه للعطف إلَّا أنْ يُجعَلَ الضَّمير للمجادِل و﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ خبر (أنَّ)، وجاز على هذا أن يكون الضَّمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ له أيضًا.
* * *
(٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ من إمكانه وكونه مقدورًا.
وقرئ: (من البَعَثِ) بالتَّحريك كالجَلَبِ والطَّرَدِ (^٤).
_________________
(١) في (ف) و(ك): "الضلال".
(٢) وهي قراءة الجمهور، وقرأ: (فإنه) الأعمش، ورويت عن أبي عمرو في غير المشهور عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٤)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ١٠٧)، و"البحر المحيط" (١٥/ ٣١٠).
(٣) في (ف): "شأنه".
(٤) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٤٤)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ١٠٧).
[ ٧ / ٩٢ ]
وتنوين ﴿رَيْبٍ﴾ للتَّحقير والتَّقليل، ولذلك جيء بكلمة الشَّكِّ؛ أي: اتَّضح دليله، فإنْ بقيَ فيكم أدنى ريبٍ فالنَّظر في بدءِ خلقكم يزيلُه (^١).
﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ كخلقِ آدم منه، أو من الأغذية المتكوِّنة منه.
﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وهي الماء القليل، من النَّطْفِ: وهو الصَّبُّ، والمراد: المنيُّ.
﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾: قطعةٍ من الدَّم الجامد.
﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ وهي اللَّحمة الصَّغيرة قَدْرَ ما يُمْضَغُ.
﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ يُقال: خَلَّق العودَ: إذا سوَّاه وملَّسه، من قولهم: صخرةٌ خَلْقاءُ: إذا كانت ملساءَ.
﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أي: مسوَّاةٍ وغيرِ مسوَّاةٍ؛ كأنَّ اللهَ تعالى خَلَق المُضَغ متفاوتةً (^٢) في التَّسوية والتَّعديل، فتبع ذلك تفاوتُ النَّاس في الصُّورة والقامة والشَّكل والتَّمام والنَّقص.
أو: مصوَّرةٍ وغيرِ مصوَّرةٍ، أو: تامَّةٍ وناقصةٍ (^٣).
﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ بهذا التَّدريجِ قدرتَنا وحكمتنا، وأنَّ مَن قدرَ على تغييره وتصويره أوَّلًا قدر على ذلك ثانيًا، بل هذا أهون عند العقل وأدخلُ في المقدورَّية، وإطلاق التَّبيين غير متعدٍّ إلى مفعولٍ؛ إيماءً إلى أنَّ أفعاله هذه يُتبيَّن بها من قدرته وحكمته ما لا يَدخل تحت الذِّكْرِ ولا يُوْصَفُ.
_________________
(١) في (س): "مزيله".
(٢) في (ك) و(م): "متفاوتًا".
(٣) في (س): "وساقطة".
[ ٧ / ٩٣ ]
﴿وَنُقِرُّ﴾: نُثبتُ ﴿فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ ثبوتَه ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقتُ الوَضْعِ، وعلم منه (^١) حالُ قرينهِ المقابلِ له بطريق المفهوم.
﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ منها ﴿طِفْلًا﴾ حالٌ وُحِّدَت لإرادة الجنس، أو لأنَّه مصدر في الأصل، أو على تأويل: كلّ واحدٍ.
وقرئ: (نُقِرَّ) بالنَّصب وكذا (نخرجَكُمْ) عطفًا على (نبيِّنَ) (^٢).
والمعنى: إنَّا خلقناكم مدرَّجين لغرضَيْن؛ أحدهما: التَّبيين، والثَّاني: الإقرار في الأرحام حتى تُولَدوا وتنشؤوا وتبلغوا حَدَّ التَّكليف.
والغرضُ في الحقيقة هو الأخير؛ أعني: بلوغَ الأشُدِّ والصُّلوحَ للتَّكليف، لكن لَمَّا كان الإقرار وما تلاه من مقدِّماته صحَّ إدخاله في التَّعليل.
وقرئ بالياء رفعًا ونصبًا (^٣).
و: (نَقُرُّ) بالضَّم (^٤)، من قررْتُ الماء: إذا صَبَبْتَه.
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ الأَشُدُّ: كمالُ القوَّةِ والعقلِ والتَّمييزِ، وهو من ألفاظ الجموع التي لم يُستَعمل لها واحدٌ، وكأنَّها شدَّةٌ في غير شيءٍ واحدٍ، فبُنِيَتْ لذلك على لفظ الجمع.
_________________
(١) في (ف): "به"، وسقط من (س).
(٢) نسبت لعاصم ويعقوب. انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ١٠٨)، و"البحر المحيط" (١٥/ ٣١٣). والمشهور عن عاصم ويعقوب كقراءة الجماعة. وهي في "الكشاف" (٣/ ١٤٤) دون نسبة، وعنه نقل المؤلف هذه القراءات.
(٣) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٤٤)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ١٠٨)، و"البحر المحيط" (١٥/ ٣١٣).
(٤) نسبت ليعقوب. انظر: "الكشاف" (٣/ ١٤٤)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ١٠٨).
[ ٧ / ٩٤ ]
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ عند بلوغ الأشُدِّ، أو قبلَه، أو بعدَه قبل الهرم.
وقرئ: (يَتوفَّى) (^١)؛ أي: يتوفَّاه الله تعالى.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: الهَرمِ والخَرَف.
﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: ليعودَ كهيئته الأُولَى في أوان طفوليَّته، سخيفَ العقل، قليلَ الفهم.
والاستغراق المستفاد في ذكر ﴿شَيْئًا﴾ في سياق النَّفي للمبالغة في نسيانِه ما عَلِمَه، وإنكارِه لِمَا عَرَفَهُ.
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾: ميِّتة يابسة، من همدَتِ النَّارُ: إذا صارَتْ رمادًا.
﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾: تحرَّكَتْ بالنَّباتِ.
﴿وَرَبَتْ﴾: وانتفخَتْ، وقرئ: ﴿وَرَبأَتْ﴾ (^٢)؛ أي: ارتفعَتْ.
﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾: مِنْ كلِّ صِنْفٍ ﴿بَهِيجٍ﴾ البهيجُ: الحسنُ السَّارُّ للنَّاظرِ إليه.
وهذه دلالة ثانية على البعث، كرَّرها الله تعالى في كتابه لظهورها وكونها مشاهَدة.
* * *
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٤).
(٢) في النسخ: "أربأت"، والصَّواب المثبت. وهي قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٣٢٥). وانظر كذلك: "تفسير الطبري" (١٦/ ٤٦٦)، و"المحتسب" (٢/ ٧٤)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٤)، و"الكشاف" (٣/ ١٤٥) والكلام منه.
[ ٧ / ٩٥ ]
(٦) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: إشارة إلى ما ذُكِرَ مِن خلق الإنسان في أطوارٍ مختلفةٍ، وتحويله على أحوالٍ متضادَّةٍ، وإحياءِ الأرض بعد موتها، وهو مبتدأٌ خبرُه:
﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾، أي: حاصلٌ بسببِ أنَّ اللهَ هو الحقُّ الثَّابت الوجودِ في نفسه، الذي تتحقَّق به الأشياء.
﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وأنَّه يقدر على إحيائها، وإلَّا لَمَا أَحيَى النُّطفةَ والأرضَ الميتةَ.
﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأنَّ قدرته لذاته، ونسبتُها إلى الكلِّ سواءٌ، فَلَمَّا دلَّتْ المشاهدة على إحياء بعض الأموات لزم اقتدارُه على الكلِّ.
* * *
(٧) - ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾.
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ لا ينبغي أن يُرتَابَ فيها؛ لأنَّ التَّغيُّرَ من مقدِّمات الانصرام وطلائعه.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، أي: إنَّه تعالى حكيمٌ لا يُخْلِفُ ميعادَه، وقد وَعَدَ السَّاعةَ والبعثَ، فلا بُدَّ أن يفيَ بما وعدَ، ولَمَّا كان المرادُ إحياءَ موتى الإنسان عبَّر عنها بما هو مِن خصائصهم، فمعنى ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾: مَن ماتَ مِن جنسِ الإنسانِ بطريق الكنايةِ.
* * *
[ ٧ / ٩٦ ]
(٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾: في صفاتِه، فيصفُه بغير ما هو له، نزلَتْ في أبي جهل (^١).
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ضروريٍّ ﴿وَلَا هُدًى﴾ كسبيٍّ، فإنَّه غالبًا يكون بتعليم الغير وإرشاده ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾؛ أي: وحي.
أي: يجادلُ بتخمينٍ وتقليدٍ، لا بأحدِ هذه الثلاثة.
* * *
(٩) - ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ ثنيُ العَطْفِ كنايةٌ عن الكِبْر والخيلاء بالتَّبختُرِ، أو عن الإعراض عن الحقِّ استخفافًا. وقرئ بفتح العين؛ أي: مانعَ تَعَطُّفِهِ (^٢).
﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تعليلٌ للمجادَلة.
وقرئ بفتح الياء (^٣)، على أنَّ إعراضَه عن الهدى المتمكِّن منه بالإقبال على الجدال الباطل خروجٌ من الهدى إلى الضَّلال، وأنَّه من حيث هو مؤدَّاه كالغرض له.
﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ هو ما أصابَه يوم بدرٍ.
﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: عذابَ النَّار المحرقة.
* * *
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٤٦) عن ابن عباس، وفي "تفسير القرطبي" (١٤/ ٣٢٧): (وأكثر المفسرين أنها نزلت في النضر بن الحارث كالآية الأولى، فهما من فريق واحد، والتكرير للمبالغة في الذم). ويعني بالآية الأولى الآية (٣) من هذه السورة.
(٢) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٤)، و"الكشاف" (٣/ ١٤٦).
(٣) قرأبها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٤).
[ ٧ / ٩٧ ]
(١٠) - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾: إشارةٌ إلى الخزيِ والعذابِ، وغيَّر النَّظمَ بالالتفات إلى الخطاب، وأتى بلفظ البعيد؛ للتَّنبيه، وتعظيمِ الموعَدِ به وتهويله، والإيماءِ إلى تفاقم الخَطْبِ، وإلى أَنَّه بسبب ما اقترفه من الكفر والمعاصي.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عطف على ﴿بِمَا﴾، أي: وبأنَّ الله تعالى؛ يعني: أنَّ العدلَ هو الذي (^١) اقتضى ذلك، لا الظُّلمَ، ولفظ المبالغة لأنَّ قليلَ الظُّلم منه مانعٌ مع علمه بقبحه واستغنائه كالكثير منَّا، وللإيماء إلى أنَّ مَن هو في غاية الكمال شأنُه أن يكون وصفُه كذلك.
* * *
(١١) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ على طرفٍ من الدِّين، لا في وسطِهِ.
﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ كالَّذي يكون على طرفِ الجيش؛ فإنَّ أحسَّ بالظَّفر قَرَّ؛ وإلَّا فَرَّ.
روي أنَّها نزلَتْ في أعاريب قدموا المدينةَ، وكان أحدهم إذا صحَّ بدنه ونُتِجَتْ فرسُه مُهرًا سريًّا، وولدَت امرأتُه غلامًا سويًّا، وكثر ماله وما يشتهيه قال: ما أصبْتُ منذ دخلْتُ في ديني هذا إلَّا خيرًا، واطمأنَّ (^٢)، وإنْ كانَ الأمرُ بخلافه قال: ما أصبْتُ إلَّا شرًّا، وانقلَبَ (^٣).
_________________
(١) "الذي": ليست في (م).
(٢) في (ك) و(م) زيادة: "به".
(٣) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٠٧)، "الكشاف" (٣/ ١٤٦) وعنه نقل المؤلف. وروى =
[ ٧ / ٩٨ ]
وذِكْرُ الفِتنةِ في مقابلةِ الخيرِ للتَّنبيه على أنَّ الشَّرَّ لا يصدر عنه تعالى قصدًا، إنَّما المقصود منه الابتلاء.
﴿خَسِرَ الدُّنْيَا﴾ بذهاب عصمته ﴿وَالْآخِرَةَ﴾ بحبوط عمله بالارتداد.
وقرئ: (خاسِرُ) بالنَّصب على الحال وبالرَّفع (^١) على الفاعليَّة، أو على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، وعلى الأوَّل يكون من باب وضع الظَّاهر موضع الضَّمير تنصيصًا عليه بالخسران.
﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾: الظَّاهر الذي لا يخفَى على أحدٍ.
* * *
(١٢) - ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾.
﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾؛ أي: لا يقدرُ على شيءٍ أصلًا، فإنَّ النَّفع والضُّرَّ في التَّعبير بهما عن جميع الآثار كالسَّماء والأرض في التَّعبير بهما عن جميع الأجسام.
وإعادة كلمة ﴿مَا﴾ للدِّلالة على استقلالِ كلٍّ من الوصفَيْنِ المذكورَيْنِ في إخراج موصوفه إلى معرض الذَّمِّ.
﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ عن المقصدِ، مستعارٌ من ضلالِ مَن أبعدَ في التِّيهِ فطالَتْ وبَعُدَتْ مسافةُ ضلالِه.
* * *
_________________
(١) = نحوه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٧٢ - ٤٧٤) عن ابن عباس ﵄ وجمع.
(٢) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٤٧). والنصب منسوب لحميد ومجاهد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٥).
[ ٧ / ٩٩ ]
(١٣) - ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾.
﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ بكونه معبودًا لإيجابه القتلَ في الدُّنيا والعذابَ في الآخرة.
﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ الذي يُتوقَّع بعبادته، وهو الشَّفاعةُ والتَّوسُّلُ بها إلى الله تعالى.
وإنَّما قال: ﴿أَقْرَبُ﴾ ولا قُرْبَ للنَّفع؛ تهكُّمًا واستهزاءً بهم.
واللَّام معلِّقة لـ ﴿يَدْعُو﴾ من حيث إنَّه بمعنى: يَزعم، والزَّعمُ قولٌ مع اعتقادٌ.
وقيل: إنَّها داخلةٌ على الجملة الواقعة مقولًا؛ إجراءً له مجرى (يقول)؛ أي: يقول الكافر ذلك بدعاءٍ وصُراخٍ حين يرى استضراره به.
ويأباه ما في عبارة ﴿أَقْرَبُ﴾ من معنى التَّفضيل.
ويجوز أن تكون مستأنفة على أنَّ ﴿يَدْعُو﴾ تكريرٌ للأوَّل، و﴿مِنْ﴾ مبتدأ خبرُه: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾: النَّاصرُ ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾: المخالطُ.
* * *
(١٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ من إثابةِ المؤمن الصَّالح، وعقابِ الكافر الطَّالح، لا دافِعَ له ولا مانِع.
* * *
(١٥) - ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
[ ٧ / ١٠٠ ]
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ كلامٌ فيه اختصارٌ، معناه: أنَّ اللهَ تعالى ناصرٌ رسولَه في الدُّنيا والآخرة، فمَن كانَ يظنُّ من حاسديه وأعاديه أنْ لا يفعل ذلك ويغيظه ما يفعل الله:
﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ فلْيَستفرغْ وُسْعَهُ في إزالة غيظِه إلى سماءِ بيتِه، كما يفعل مَن بلغَ به الغيظ كلَّ مَبلغٍ، ثمَّ ليختنق. سمَّى الاختناقَ قَطعًا لأنَّ المختنِقَ يقطعُ نَفَسَهُ بحبسِ مجاريه، ومنه قيل للبُهْر: القُطْع (^١).
أو فليمدُدْ حبلًا إلى السَّماءِ المُظلَّة وليصعَدْ عليه، ثمَّ ليقطعِ الوَحيَ أنْ ينزلَ عليه.
﴿فَلْيَنْظُرْ﴾: ولْيتصوَّرْ في نفسه ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ هل يُذْهِبُ نصرَ اللهِ الذي يغيظه إنْ فعلَ ذلك!
وسمَّى فعلَه كيدًا لأنَّه وضعَه موضعَ الكيدِ، حيثُ اجتهدَ فلم يقدِرْ إلَّا عليه، أو على سبيل الاستهزاء؛ لأنَّه لم يَكِدْ به محسودَه إنَّما كادَ به نفسَهُ.
﴿يَغِيظُ﴾ غيظَه، أو: الذي يَغيظُه من نصر الله.
* * *
(١٦) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الإنزال، والإشارةُ إلى مصدر الفعل المذكور بعدَه، لا إنزالٍ آخر يُقصد تشبيهُ هذا الإنزال به (^٢)، فالكافُ مُقْحَمٌ إقحامًا كاللَّازم، لا يكادون يتركونه في لغة العرب وغيرهم.
_________________
(١) "البهر" بضم الباء: العلة التي تمنع التنفس. انظر: "فتوح الغيب" (١٠/ ٤٥٤). والقُطع بضم القاف بمعناه انظر: "القاموس" (مادة: قطع).
(٢) "به" من (م) و(س).
[ ٧ / ١٠١ ]
﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾: أنزلنا القرآنَ كلَّه ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: واضحاتٍ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي﴾: ولأنَّ الله يهدي به، أو يثبِّتَ على الهداية.
﴿مَنْ يُرِيدُ﴾ هدايته، أو ثباته، أنزله لذلك (^١) مبيِّنًا.
* * *
(١٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني: عبدةَ الأوثانِ.
قيل: الأديان خمسةٌ؛ أربعةٌ للشَّيطان وواحدٌ للرَّحمن. والصَّابئون نوعٌ من النَّصارى، فلا تكون ستَّةً.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ في الأحوال والأماكن، فلا يجازيهم جزاءً واحدًا، ولا يجمعهم في موطنٍ واحدٍ، أو: بالحكومة بينهم وإظهارِ المُحِقِّ منهم مِن المُبْطِلِ.
وإنَّما دخلَتْ ﴿إِنَّ﴾ على كلِّ واحدٍ من طَرَفي الجملة لمزيد التَّأكيد.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ عالمٌ به، مراقِبٌ لأحواله، فلينظرْ كلُّ امرئ معتقدَه وقولَه وفعلَه. وهو أبلغُ وعيدٍ.
* * *
_________________
(١) في (م): "أنزله كذلك".
[ ٧ / ١٠٢ ]
(١٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تعلمْ علمًا يقومُ مَقامَ العَيانِ.
﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ استُعِيْرَ السُّجودُ للانقياد والمطاوعة لِمَا يريدُ الله تعالى من الأفعال؛ لأنَّه هيئةٌ من هيئات المكلَّف، لا هيئةَ أدَلَّ منها على الذِّلَّةِ والتَّسخير.
و﴿مَنْ﴾ يعمُّ أولي العَقلِ وغيرهم للتَّغليب، فيكون قوله:
﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ إفرادًا لها بالذِّكْرِ لِشُهرَتِها واستبعادِ ذلك منها في العادة.
﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ بعدَ التَّعميم، للإيماءِ إلى أنَّ مِن النَّاس مَن لا ينقاد لحكمِه ولا يتسخَّر لأمره.
ولا يلزمُ مِن (^١) عطفِه على سائر السَّاجدين المحذورُ عند (^٢) الجمهور - لِمَا فيه مِن استعمال اللَّفظ الواحد مجازًا وحقيقةً في حالة واحدة - إذ يجوز أن يُجْعَلَ فاعلَ فعلٍ مُضمَرٍ دلَّ عليه ﴿يَسْجُدُ﴾؛ أي: يسجد له كثيرٌ مِنَ النَّاسِ السُّجودَ الحقيقيَّ، ويجوز أن يكون مبتدأً محذوفَ الخبر، مدلولًا عليه بخبرِ قسيمه؛ أي: حَقَّ له الثواب، أو الخبر مذكور (^٣) على ما سيأتي.
_________________
(١) "من" سقط من (ك) و(م) و(س).
(٢) في (ك): "المحذور عن".
(٣) في (ف): "المذكور".
[ ٧ / ١٠٣ ]
﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ بكفرِه وإبائِه عن الطَّاعة، ويجوز أن يكون (كثيرٌ) الثَّاني تكريرًا للأوَّل مبالغةً في تكثير المحقوقِين بالعذاب، وأن يُعطَفَ به على السَّاجدين بالمعنى العامِّ، موصوفًا بما بعدَه.
وقرئ: (حقٌّ) بالضَّمِّ، و(حقًّا) (^١)؛ أي: حقَ عليهم العذاب حقًّا.
﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ بأنْ حكم عليه بالشَّقاوة.
﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ يجعله سعيدًا، وقرئ بالفتح (^٢) بمعنى الإكرام.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من الإهانة والإكرام.
* * *
(١٩) - ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾.
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾؛ أي: فريقان يختصمان، ولذلك قال: ﴿اخْتَصَمُوا﴾ حملًا على المعنى، ولو عكَس وقال: هؤلاء خصمان اختصما، جاز. والمرادُ بهما: المؤمنون والكافرون.
﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ في دينِه، أو: في ذاته وصفاته.
روي أنَّ أهل الكتاب والمؤمنين تخاصموا، فقال أهلُ الكتاب: نحنُ أحقُّ بالله وأقدم منكم كتابًا، ونبيُّنا قبل نبيِّكم، وقال المؤمنون: نحن أحقُّ بالله، آمنَّا
_________________
(١) نسبت الأولى لجناح بن حبيش، والثانية ذكرها ابن جبير. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٥)، و"الكشاف" (٣/ ١٤٧) والكلام منه.
(٢) بفتح الراء، ذكرها أبو معاذ كما قال ابن خالويه، ونسبت لابن أبي عبلة كما ذكر غيره. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٥)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ١١٣)، و"البحر" (١٦/ ٣٣٠).
[ ٧ / ١٠٤ ]
بمحمَّدٍ ونبيَّكم، وبما أنزل الله من كتابٍ، وأنتم تعرفون نبيَّنا وكتابَنا ثمَّ كفرتم به حسدًا. فنزلَتْ (^١).
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فصلٌ لخصومتهم، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: ١٧].
﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ﴾ على مقادير جثثِهم ﴿ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ نيرانٌ تُحِيطُ بهم إحاطةَ الثِّياب.
واختير لفظ الماضي لأنَّه كائن لا محالة.
﴿يُصَبُّ﴾ خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من الضَّمير في ﴿لَهُمْ﴾.
﴿مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾: الماء الحارُّ.
* * *
(٢٠) - ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾.
﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾: حالٌ من ﴿الْحَمِيمُ﴾، أو مِنَ الضَّمير في ﴿رُءُوسِهِمُ﴾، والصَّهرُ: الإذابةُ. وقرئ بالتَّشديد (^٢) للتَّكثير.
﴿بُطُونِهِمْ﴾ من الشُّحوم ﴿وَالْجُلُودُ﴾ فأنَّى اللحوم؟! أي: يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم، فيُذابُ ما في باطنهم (^٣) وظاهرهم.
* * *
_________________
(١) روى نحوه الطَّبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٩١) عن ابن عباس ﵄.
(٢) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٥).
(٣) في (م): "بطونهم".
[ ٧ / ١٠٥ ]
(٢١) - ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾: سِياطٌ منه، جمع مِقْمَعة (^١)، وحقيقتُها: ما يُقْمَعُ به؛ أي: يُكَفُّ بعنف.
* * *
(٢٢) - ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من النَّارِ ﴿مِنْ غَمٍّ﴾ بلُ اشتمالٍ من ﴿مِنْهَا﴾ بإعادة الجارِّ، أو الأُولى لابتداء الغاية، والثَّانيةُ بمعنى: مِن أَجْل؛ يعني: كلَّما أرادوا الخروجَ مِنَ النَّار مِن أجلِ غَمٍّ يلحقهم.
وإرادةُ الخروجُ كنايةٌ عن القرب منه، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] (^٢).
﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾ بالمقامِعِ. والمرادُ إعادتُهم إلى معظم النَّار، لا أنَّهم يخرجون منها ثمَّ يعودون إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]، ولقوله: ﴿فِيهَا﴾ دون: إليها.
﴿وَذُوقُوا﴾ أي: وقيل لهم: ذوقوا ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: النَّارَ البالغةَ في الإحراق.
ثمَّ ذكر جزاء الخصم الآخر بقوله:
* * *
_________________
(١) في هامش (س) و(ف): "بكسر الميم المقرعة يقمع بها المضروب. منه".
(٢) في هامش (ف) و(م) و(س): "ولو كان مساق الكلام على خروجهم لقيل: كلما خرجوا منها أعيدوا؛ إذ حينئذ يضيع ذكر الإرادة، وما روي عن الحسن: أنَّ النَّار تضربهم بلهبها صريحٌ في أنَّ الإرادة ليست على حقيقتها. منه".
[ ٧ / ١٠٦ ]
(٢٣) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ تغييرُ النَّظم في التَّفصيل بترك العطف، واستئنافِ الكلام، وإدخال حرف التَّأكيد، وإسناد الإدخال إلى الله تعالى، تعظيمٌ لشأن المؤمنين وإحمادٌ لحالهم.
﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ من حَلِيَتِ المرأةُ: إذا لبست الحليَّ، فهي حاليَةٌ، شُدِّدَ للنَّقل (^١)، وقرئ مخففًا مبنيًّا للمفعول (^٢).
﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ صفة مفعول محذوف، والأساور: جمع أَسْوِرة، وهي جمع سِوَارٍ.
﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ بيانٌ له.
﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ عطف على ﴿أَسَاوِرَ﴾، أو ﴿ذَهَبٍ﴾ على أنَّها مرصَّعة [به] (^٣).
وقرئ منصوبًا (^٤) على إضمار فعلٍ؛ أي: يلبسون أو يُؤتون، أو عطفًا على محلِّ الجارِّ والمجرور.
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ تغيير الأسلوب فيه للدَّلالة على أنَّ الحريرَ لباسُهم المعتاد، مع رعاية الفاصلة.
* * *
_________________
(١) أي: شدد الفعل للنقل من اللزوم إلى التعدية. انظر: "البحر المحيط" (١٥/ ٣٣٤).
(٢) أي: (يُحْلَون). انظر: "البحر المحيط" (١٥/ ٣٣٤).
(٣) أي: على أن الأساور مرصعة به. انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ٦٩)، وما بين معكوفتين منه.
(٤) قرأ نافع وعاصم: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ بالنَّصب، وباقي السبعة بالخفض. انظر: "التيسير" (٦/ ٧٥).
[ ٧ / ١٠٧ ]
(٢٤) - ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾.
﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أُبهم الفاعل، ولم يُقل: (وهداهم الله)؛ إيفاءً لحقِّ التَّعظيم، وأُبهمَ القولُ، وجيء بـ ﴿الطَّيِّبِ﴾ ثمَّ بُيِّن تفخيمًا لشأنه، وإيماءً إلى أنَّه هذا الملقَّبُ بالطَّيِّب، وهو قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] أو كلمةُ التَّوحيد.
﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ كرَّر ﴿وَهُدُوا﴾ تنبيهًا على أنَّ كلَّ واحدٍ منها أمرٌ مرضيٌّ بالأصالة، تامٌّ معتدٌّ به في الهداية إليه.
واختير اسم ﴿الْحَمِيدِ﴾ من أسماء الله تعالى للإشارة إلى خصوصيَّة القول الطَّيِّب؛ أي: إلى طريق المستحِقِّ لذاته الحمدَ، وهو الله تعالى، أو أرادَ: المحمود عاقبتُه، وهو الإسلام.
وقيل: طريق الجنَّة، وأضيف إلى الله تكريمًا للجنَّة بنسبتها إليه، وأن طريقَها طريقُه.
* * *
(٢٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ محذوفٌ، دلَّ عليه جواب الشَّرط؛ أي: إنَّ الذين كفروا نذيقهم من عذاب أليم.
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾ عطف على ﴿كَفَرُوا﴾؛ لقوله تعالى في موضع آخر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٧]؛ أي: يواظبون على الصُّدود، وهو الصَّرف عن الخير خاصَّة، وليس المراد الحالَ أو الاستقبال، بل
[ ٧ / ١٠٨ ]
استمرارُ وجودِ الصَّدِّ منهم في جميع الأزمان، كقولهم: فلانٌ يُحسن للفقراء (^١) ويكرم الضِّيفان، ولذلك حَسُن عطفه على الماضي.
﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عطف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ مطلقًا من غير فرقٍ بين حاضر وبادٍ، فإنْ أُرِيدَ بالمسجد الحرام مكَّةُ، ففيه دليل على أنَّه لا يجوز بيع أرض مكَّة ولا إجارتُها، ولا يعارضه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحج: ٤٠] لأنَّ الإضافة باعتبار أنَّهم يملكون البناء، ولا شراءَ عمر ﵁ دارًا يسجنُ فيها؛ لأنَّه اشترى البناءَ دونَ الأرضِ (^٢).
وإن أريد به البيت فالمعنى: أنَّه قِبلةٌ لجميع النَّاس، والأوَّل هو الظَّاهر؛ لقوله تعالى:
﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾: المقيمُ بمكَّة ﴿وَالْبَادِ﴾ أي: السَّاكنُ في البادية؛ أي: ليسَ لأحدٍ أن يمنعَ أحدًا عنه.
قيل: كانت بيوتُ مكَّةَ لا يُتَّخذُ لها أبوابٌ حتى ظهرَتِ السَّرقةُ فيهم، فقال عمر ﵁ لرجلٍ منهم - وهو أوَّل مَنِ اتَّخذ بابًا -: اتخذْتَ بابًا لتحتَجِبَ به؟ فقال: لا، ولكنْ أحرزْتُ المتاعَ عن السَّرقة. فقال له: إنَّه لا يحلُّ لأهل مكَّة أن يأخذوا أجورَ بيوتهم (^٣).
_________________
(١) في (ف) و(م) و(س): "الفقراء".
(٢) روى نحوه عبد الرزاق في "المصنف" (٩٢١٣)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٣٢٠١)، والفاكهي في "أخبار مكة" (٢٠٧٦).
(٣) لم أجده.
[ ٧ / ١٠٩ ]
وفي جوازِ بيعِ أرضِ مكَّةَ عن أبي حنيفةَ روايتان، قال في "الجامع الصغير": لا يجوز (^١).
وروى ابن زياد عنه أنَّه يجوز (^٢).
و﴿لِلنَّاسِ﴾ مفعول ثانٍ لـ ﴿جَعَلْنَاهُ﴾، و﴿سَوَاءً﴾ خبر مقدَّم، و﴿الْعَاكِفُ﴾ مبتدأٌ، والجملة حالٌ، أو مفعول ثانٍ، و﴿لِلنَّاسِ﴾ حال.
وقرئ: ﴿سَوَاءً﴾ بالنَّصب (^٣) على أنه مفعول ثانٍ أو حالٌ.
و﴿الْعَاكِفُ﴾ مرفوع على الفاعلية؛ أي: مستويًا العاكفُ فيه والباد، وقرئ: (العاكفِ) بالجرِّ (^٤) على أنَّه بدل من (النَّاس).
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾ تُرِكَ مفعولُه ليتناولَ كلَّ متناوَلٍ، وقرئ بالفتح (^٥) من الورود.
﴿بِإِلْحَادٍ﴾ الإلحادُ: العدولُ عن القَصْد، وأصلُه: إلحادُ الحافرِ.
﴿بِظُلْمٍ﴾ بغير حقٍّ.
وهما حالان مترادفان، أو الثَّاني بدل من الأوَّل بإعادة الجارِّ، أو صلةٌ له، أي:
_________________
(١) ونص قوله: (ولا بأس ببيع بناء بيوت مكة ويكره بيع أرضها)، وقال في شرحه: (قوله: ويكره بيع أرضها، هذا عند أبي حنيفة، وعندهما لا بأس ببيع أرضها أيضّاَ لَأنها مملوكة لهم كالبناء، ولأبي حنيفة أن مكة حرة محرمة بالنص فلا يجوز بيعها). انظر: "الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير" (ص: ٤٨١).
(٢) انظر: "عيون المسائل" للسمرقندي (ص: ٢٦٧).
(٣) قرأ حفص بالنصب والباقون بالرفع. انظر: "التيسير" (ص: ١١٥٧).
(٤) نسبت للأعمش في رواية. انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ١١٥).
(٥) حكاها الكسائي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٥).
[ ٧ / ١١٠ ]
ملحدًا بسبب الظُّلم، كالإشراك واقتراف الآثام، وعلى قراءة فتح الياء في (يَرِدْ) تكون الباء في ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ للتَّعدية؛ أي: ومن أتى فيه بإلحاد ظالمًا.
﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ جواب لـ (مَن).
* * *
(٢٦) - ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾؛ أي: واذكرْ حين جعلنا لإبراهيمَ مكانَ البيت مباءةً؛ أي: مرجعًا يَرجع إليه للعبادة، ولَمَّا كان المقصود من التَّبوئة العبادةَ فُسِّرَتْ بالنَّهي عن الشِّرك والأمرِ بتطهير البيت، فـ ﴿أَنْ﴾ في قوله:
﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ مفسِّرةٌ، كأنَّه قيل: تعبَّدْنا إبراهيم قلنا له: لا تشرك بي شيئًا وطهِّر بيتي عن الأوثان والأقذار أنْ تُطرح حوله للطَّائفين والمصلِّين، وإنَّما عَبَّرَ عن الصَّلاة بأركانها للدِّلالة على أنَّ كلَّ واحدٍ منها مستقلٌّ باقتضاء ذلك، كيف وقد اجتمعَتْ.
وفصلَ بين الأوَّلِ والأخيرَيْنِ بالواو، وجمع بينَ الأخيرَيْن بغير واو؛ لأنَّ القيامَ تعظيمُ اللهِ تعالى، والرُّكوعَ والسُّجودَ تذلُّلٌ له، فاتَّحد هذان وغايرهما (^١) الأوَّل.
وقيل: هي مصدرَّية موصولة بالنَّهي؛ أي: فعلنا ذلك لئلَّا تُشرك بعبادتي، وتطهِّرَ (^٢) بيتي.
* * *
_________________
(١) في النسخ: "وغيرهما"، والصواب المثبت.
(٢) أي: ولتطهر بيتي، وفي (م): "وطهر".
[ ٧ / ١١١ ]
(٢٧) - ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾: نادِ فيهم. وقرئ: (آذِنْ) من الإيذان (^١).
﴿بِالْحَجِّ﴾ بدعوته والأمر به. والحجُّ: القصْدُ البليغُ إلى مقصدٍ منيعٍ.
روي أنَّه (^٢) ﵇ صعد أبا قبيس فقال: يا أيها النَّاس، حجُّوا بيتَ ربِّكم، فأجابَ مَن قُدِّرَ له أن يحجَّ من الأصلاب والأرحام بـ: لبَّيْكَ اللَّهمَّ لبَّيْكَ (^٣).
وعن الحسن: أنَّه خطابٌ لرسول الله ﷺ، أمِرَ أنْ يفعلَ ذلك في حجَّة الوداع (^٤). والأوَّل أظهر.
وجواب الأمر: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾: مشاةً، كقائم وقيام.
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ معطوف على (رِجَال)، كأنَّه قال: رجالًا وركبانًا. والضَّامرُ: البعيرُ المهزولُ.
والإطناب المعنوي، وزيادة لفظ ﴿كُلِّ﴾؛ للمبالغة في تعميم الأمر لكلِّ مَن يقدر على المركب ولو ضعيفًا، وقدِّم الرِّجال على الرُّكبان إظهارًا لفضيلة المشاة، كما ورد في الحديث (^٥).
_________________
(١) نسبت للحسن وابن محيصن. انظر: "الكشاف" (٣/ ١٥٢)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ١١٧).
(٢) أي: إبراهيم ﵇.
(٣) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٩٠٩٩) عن علي، والطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥١٥)، عن ابن عباس ﵃.
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ١٨)، و"الكشاف" (٣/ ١٥٢).
(٥) لعله يقصد ما رواه الأزرقي في "أخبار مكة" (٢/ ٧)، والبزار في "مسنده" (٤٧٤٥)، وابن خزيمة في=
[ ٧ / ١١٢ ]
﴿يَأْتِينَ﴾ صفة لـ ﴿كُلِّ ضَامِرٍ﴾؛ لأنَّه في معنى الجمع، وقرئ: (يأتون) (^١) صفة للرِّجال والرُّكبان، أو استئناف فيكون الضمير للناس.
﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾؛ أي: طريق واسع.
﴿عَمِيقٍ﴾ وإنَّما عبَّرَ عن البعد بالعمق ليناسب الغرض المعتبَر في مفهوم الفجِّ (^٢).
وقرئ: (مَعِيْقٍ) (^٣)، والمعنى واحد.
* * *
(٢٨) - ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾.
﴿لِيَشْهَدُوا﴾: ليحضروا، متعلِّق بـ ﴿وَأَذِّنْ﴾، أو ﴿يَأْتُوكَ﴾.
_________________
(١) = "صحيحه" (٢٧٩١)، والحاكم في "المستدرك" (١٦٩٢) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "من حج ماشيًا كتب له بكل خطوة سبع مئة حسنة من حسنات الحرم" قال بعضهم: وما حسنات الحرم؟ قال: "بكل حسنة بمئة ألف حسنة". وصححه الحاكم، فتعقبه الذهبي بقوله: ليس بصحيح. وقال البوصيري في "إتحاف المهرة" (٣/ ١٥١): رواه أبو يعلى، ورجاله على شرط مسلم إلا أنه منقطع، ورواه ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم وصححه، والبيهقي وقال: تفرد به عيسى بن سوادة وهو مجهول، وفال ابن خزيمة: إن صح الخبر؛ فإن في القلب من عيسى بن سوادة. قال الحافظ المنذري: قال البخاري: منكر الحديث. قلت: وكذا قال أبو حاتم، وقال ابن معين: كذاب رأيته. وانظر: "الترغيب والترهيب" للمنذري (٢/ ١٠٧).
(٢) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٥).
(٣) في (م): "الحج".
(٤) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: "الكشاف" (٣/ ١٥٢)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٧٠).
[ ٧ / ١١٣ ]
﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ دينيَّةً ودنيويَّة، وتنكيرها لأنَّ المراد نوعٌ منها مختصٌّ بهذه العبارة.
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ عندَ إعداد الهدايا والضَّحايا وذبحها.
وقيل: كُني بالذِّكر عن النَّحْرِ لأنَّ ذبح المسلمين لا ينفكُّ عنه؛ تنبيهًا على أنَّه المقصود ممَّا يُتقرَّب به إلى الله تعالى.
﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ هي عشر ذي الحجَّة وأيَّام النَّحر ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ الله ﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ علَّقَ الفعل بالمرزوق وبيَّنه بالبهيمة تحسينًا للكلام بنوعٍ من البلاغة لم يوجد في غير هذه العبارة، وتنبيهًا على الكناية بالقرينة، وتعظيمُ المرزوق بالإبهام والتَّوضيح للتَّحريض على التَّقرُّب به، وقد سبق في (المائدة) ما يتعلَّق بتفسير ﴿بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (^١).
﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحةٍ؛ إزاحةً لِمَا عليه أهل (^٢) الجاهلية من التَّحرُّج فيه، أو ندبًا لِمَا فيه من مواساة الفقراء ومساواتهم، واستعمالِ التَّواضع، وهذا في هَدْي التَّطوُّع والمتعة والقِران؛ لأنَّه دمُ (^٣) نُسكٍ فأشبهَ الأضحية دونَ سائر الهدايا.
﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾: الذي أصابه بأسٌ؛ أي: شدَّة ﴿الْفَقِيرَ﴾: المحتاج.
لأمر فيه للوجوب، وقد قيل به في الأوَّل.
_________________
(١) تفسير سورة المائدة غير موجود كاملًا والموجود منها في بعض النسخ إلى الآية رقم (١٢) منها، وقد نبهت النسخ كلها كما تقدم على ذلك.
(٢) "أهل" ليست في (ف).
(٣) في (ف): "لأنَّه ﵇"، ولعله وهم من الناسخ، ظن (دم): (ع م) وهي في أكثر النسخ رمز لـ ﵇.
[ ٧ / ١١٤ ]
(٢٩) - ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا﴾: ثم ليزيلوا عنهم أدرانهم، كذا قال نفطويه (^١).
وقيل: قضاء التَّفث: قصُّ الشَّارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد، وذلك عند الإحلال، ولذلك صدَّره بكلمة التَّراخي.
﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: مواجبَ حجِّهم، والعرب تقول لكلِّ مَن خرج عمَّا وجبَ عليه: وفَّى بنذره وإن لم ينذر، أو: ما ينذرونه من أعمال البر في حجِّهم.
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ طوافَ الزِّيارة الذي هو ركن الحجِّ، ويقع (^٢) به تمامُ التَّحلُّل.
وقيل (^٣): طواف الوداع.
﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: القديم؛ لأنَّه أوَّل بيت وُضِعَ للنَّاس، أو: الكريم، ومنه: عِتاق الخيل، لكرائمها، وعتاق الرَّقيق: الخروج مِنْ ذُلِّ (^٤) العبودية إلى كرم الحريَّة، أو: المعتَق من الغرق لأنَّه رُفِعَ من الطُّوفان، أو مِنْ تسلُّط الجبابرة، فكم مِن جبَّار سارَ إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى، وأمَّا الحَجَّاجُ فإنَّه قصدَ إخراج ابن الزُّبير ﵁ الذي تحصن (^٥) به - منه، دون التَّسلُّط عليه.
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير الرازي" (٢٣/ ٢٢٢)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٤٣٧). ونفطويه هو إبراهيم بن محمد بن عرفة توفي سنة (٣٢٣ هـ). ويعرف بابن عرفة وبنفطويه.
(٢) في (ف) و(ك): "قد يقع".
(٣) في (ك): "وقبل".
(٤) في (ك) و(م): "عن ذل".
(٥) في (م): "تحصر".
[ ٧ / ١١٥ ]
(٣٠) - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمرُ ذلك، وهو وأمثاله للفصل بين كلامَيْن.
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ الحرمة: ما لا يَحلُّ هتكُه (^١)، وجميع ما كلَّفه اللّه تعالى بهذه الصِّفة، فيجوز أن يكون عامًّا في جميع أحكامه، وأن يكون خاصًّا فيما يتعلَّق بالحجِّ.
وقيل: ﴿حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾: البيت الحرام، والمشعَر الحرام، والشَّهر الحرام.
﴿فَهُوَ﴾؛ أي: التَّعظيم ﴿خَيْرٌ لَهُ﴾ والتَّعظيمُ: القيامُ بمراعاتها مع اعتقاد أنَّها واجبة المراعاة.
﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ يعني: في الآخرة.
﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تحريمُه، وهو ما حُرِّمَ منها لعارض كالميتة وما أُهلَّ به لغير الله، فلا تحرِّموا منها (^٢) غيرَ ما حرَّم الله تعالى كالبَحيرة والسَّائبة.
وفي عبارة ﴿يُتْلَى﴾ إشارةٌ إلى أنَّ التَّحريم لا يكون إلَّا من الشَّارع بنصٍّ متلوٍّ.
_________________
(١) في (ف): "اهتكه".
(٢) في (ف): "فيها"، وسقطت من (س). والمثبت من (ك) و(م) وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٤/ ٧٠).
[ ٧ / ١١٦ ]
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ صدَّره بالفاء السَّببيَّة لأنَّه لَمَّا حثَّ على تعظيم حرمات اللّه تعالى لزم وجوب المحافظة على حدوده وأعظمُها التَّوحيد، فدخل وجوب الاجتناب من عبادة الأوثان فيه دخولًا أوَّليًّا، وتسبَّبَ منه.
و﴿مِنَ﴾ للبيان؛ أي: الرِّجسَ الذي هو الأوثان، وهو غاية المبالغة في النَّهي عن تعظيمها، حيث سمَّاها ﴿الرِّجْسَ﴾، وعرفه بلام الجنس، وأمر بالاجتناب عن عينه، وبيَّنه بـ ﴿الْأَوْثَانِ﴾، كأنَّ جنس الرِّجس ما هو الأوثان، كلُّ ذلك تنفيرًا عن عبادتها خصوصًا جَعْلُها الرِّجس الذي ينفر الإنسان عنه بطبعه.
﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ قرنه بالشِّركِ في وجوب الاجتناب عنه، ولم يعطف، بل كرَّر (اجتنبوا) تنبيهًا على أصالة تحريمه، وتعميمًا لِمَا ذُكِرَ؛ فإنَّ الشِّركَ يلزمه قول الزُّور؛ إذ المشرك يدَّعي ألوهيَّةَ الوثن، ويدخل فيه تحريم البَحائر وغيره من مفترياتهم (^١)، فيكون كالعلَّة لتحريم الشِّرك بتحريمِ لازِمه الأعم.
وقيل: المراد بـ ﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾: شهادةُ الزُّور؛ لِمَا روي أنَّه ﵇ قال: "عَدَلَتْ شهادةُ الزُّور الإشراكَ بالله" ثلاثًا، وتلا هذه الآية (^٢).
والأظهرُ العمومُ ليتناول الشَّهادةَ وسائرَ الأكاذيب.
_________________
(١) في (ك) و(م): "مقترحاتهم".
(٢) رواه أبو داود (٣٥٩٩)، والترمذي (٢٣٠٠)، وابن ماجه (٢٣٧٢)، من حديث خريم بن فاتك ﵁. قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٤/ ٣٤٩): إسناده مجهول.
[ ٧ / ١١٧ ]
والزُّورُ: مِنَ الزَّوَرِ، وهو الانحراف، كما أنَّ الإفْكَ مِن الأَفْكِ وهو الصَّرفُ، فإنَّ الكذبَ منحرِفٌ ومصروفٌ عن الواقع.
* * *
(٣١) - ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾.
﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾: مستقيمي الطَّريقة على أمر الله، وأصلُ الحَنَفِ: الاستقامةُ، وقيل للمائلِ القدمِ: أحنف؛ تفاؤلًا بالاستقامة.
﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ غيرَه في العبادة. وهما حالان (^١) من الواو.
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ لَمَّا أخذَ في التَّمثيل عدلَ عن الضَّمير إلى الاسم الظَّاهر في التَّفخيم المناسب لمقام التَّهويل.
﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾: سقطَ منها ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾: الخَطْفُ: الاستلابُ بسرعةٍ.
﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾؛ أي: تسقطُه (^٢)، والهُويُّ: السُّقوطُ.
﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾: بعيدٍ، شبَّهَ حالَ المشرك في هلاكه هلاكًا لا خلاص معه (^٣) بحالِ مَن يخرُّ مِنَ السَّماء فاختطفه الطَّير فتفرَّقَ قطعًا في حواصلها (^٤)، أو عصفَتْ به
_________________
(١) في (م): "حال".
(٢) في (ف): "أي تسقط"، وفي (م): "أو تسقطه".
(٣) في (ك): "له"، وسقطت من (ف).
(٤) في هامش (م) و(س): "من قال: إلى الأرض، لم يصب لأن الفاء الدالة على تعقيب الخرور بالخطف يأباه".
[ ٧ / ١١٨ ]
الرِّيح فهوَتْ به في بعض المهالك البعيدة، هذا إذا جعلْتَه من باب التَّشبيه المركَّب وتمثيلِ صورةِ حاله بصورةِ حالِ مَن هلك على إحدى الصُّورتَيْن (^١).
وإنْ جعلْتَه مِنْ بابِ التَّشبيه المفرَّق (^٢): شُبِّهَتِ الفطرةُ القابلة للتَّوحيد في علوِّ رتبتها بالسَّماء، والمشرك بالسَّاقط، والأهواءُ المُرْديَةُ الموزِّعةُ أفكارَه (^٣) بالطَّير المختطفة، والشيطان الذي يطوحُ به في تيه الضَّلال بالرِّيح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة (^٤)، والشرك الذي فيه (^٥) بالمكان السَّحيق.
و﴿أَوْ﴾ للتخيير كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩] أو للتَّنويع، فإنَّ مِن المشركين مَن لا خلاص له أصلًا، ومنهم مَن يمكن خلاصُه بالتَّوبة لكن على بُعْدٍ (^٦).
* * *
(٣٢) - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الأمر ذلك.
_________________
(١) في هامش (س): "لا تشبيه هلاكه بهلاك أحد الهالكين كما توهمه القاضي، إذ حينئذ لا يكون من تشبيه المركب بالمركب بل من تشبيه المقيد بالمقيد، والفرق واضح عند أهل البيان".
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "المفرد".
(٣) أي: أفكار المشرك. انظر: "تفسير أبي السعود" (٦/ ١٠٥)، و"روح المعاني" (١٧/ ٣١٢).
(٤) في (م): "المختلفة"، وفي (س): "المتعلقة".
(٥) "فيه": ليست في (م).
(٦) في هامش (م) و(س): "من قال: شبهت بالتوحيد، فكأنه غافل عن أن المشرك بمعزل عن مقام التوحيد، فأنَّى السقوط! ".
[ ٧ / ١١٩ ]
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ معالمَ دينه، أراد بها الهدايا؛ لأنَّها من معالم الحجِّ، والمخصِّص ما قبلها وما بعدها (^١).
وتعظيمُها: اعتقادُ كونِ التَّقرُّب بها من معاظم الطَّاعات، واختيارُها حِسانًا سمانًا غاليةَ الأثمان، وتركُ المكاس في شرائها.
روي أنَّ عمرَ ﵁ أهدى نَجِيْبَةً طلبت منه بثلاث مئة دينار (^٢).
جزاؤه محذوفٌ تقديرُه: فهم متَّقون حقًّا (^٣)؛ لدلالة التَّعليل القائم مقامه، ولهذا أدخل الفاء الجزائية عليه.
والضمير في: ﴿فَإِنَّهَا﴾ لتعظيمات مَن عظَّموا (^٤) شعائر الله.
﴿مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ أي: ناشئةٌ منها.
واللَّام عوض عن (^٥) المضاف إليه؛ أي: مِن تقوَى قلوبهم، وإضافتُها إليها للاحتراز عن تَقْوَى المُرائي.
_________________
(١) في هامش (س): "سيظهر وجه هذا القيد عند بيان وجه إضافة التقوى إلى القلوب".
(٢) رواه أبو داود (١٧٥٦) من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) في هذا الجزاء خلاف أساسه جعلُ قوله: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ هو الجزاءَ مع تقدير العائد، وفيه بحث طويل تفصيله في "روح المعاني" (١٧/ ٣١٥ - ٣١٨)، ثم ختمه الآلوسي ﵀ بما لعله عنى به المؤلفَ وتقديرَه فقال: (وذهب بعض أهل الكمال إلى أن الجزاء محذوف تقديره: فهم متقون حقا؛ لدلالة التعليل القائم مقامه عليه). ثم أورد عليه تعقُبا، وتعقبه، فقال: (وتُعقِّب بأن الحذف خلاف الأصل، وما ذكر صالح للجزائية باعتبار الإعلام والإخبار كما عُرف في أمثاله)، وتعقبه بقوله: (وأنت تعلم أن هذا التقدير ينساق إلى الذهن، ومثله كثير في الكتاب الجليل).
(٤) في (ك): "عظم"، وفي (ف) و(م): "عظمها"، والمثبت من (س).
(٥) في (ف): "من".
[ ٧ / ١٢٠ ]
(٣٣) - ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ كثيرةٌ؛ دينيَّةٌ ودنيويَّة، مِن دَرِّها ونسلها وظهرها وصوفها، والتَّصدُّقِ بفوائدها (^١).
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: إلى وقتِ نحرها.
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: ثمَّ موضِعُ حِلِّ نحرها ينتهي إلى البيت أو قريب إليه (^٢)، وهو الحرم، و﴿ثُمَّ﴾ يَحتمِل التَّراخيَ في الوقت والتَّراخيَ في الرُّتبة، أي: لكم فيها منافع دنيويَّة إلى وقت النَّحر، وبعده منافع دينيَّة أعظمُ منها.
* * *
(٣٤) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: أهلِ دِيْنٍ ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾: متعبَّدًا، أو قربانًا (^٣) يتقرَّبون به إلى الله تعالى.
وقرئ بالكسر (^٤)؛ أي: موضِعَ نُسكٍ.
﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ علَّة للجَعْلِ مبيِّنةً أنَّ المقصودَ مِن المناسكِ ذكرُ اللهِ عزَ اسمُه عليها.
﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ فيه تنبيهٌ على أنَّ القربان لا يكون إلَّا مِنَ النَّعم.
_________________
(١) في (ف) و(م): "بعوائدها".
(٢) في (ف): "منه".
(٣) في (م): "وقربانا".
(٤) أي بكسر السين. وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٧).
[ ٧ / ١٢١ ]
﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ الفاء في الموضعين للسَّببية، وتقديم (له) للتَّخصيص؛ أي: لَمَّا كان المقصدُ الأصليُّ (^١) مِن وَضْعِ المناسك ذكرَ اللّهِ تعالى وتوحيدَه، فاعلموا أنَّ إلهكَم وإلهَ جميعِ الأمم إلهٌ واحدٌ، فله خاصَّة أخلصوا الذِّكْرَ دون غيره، واجعلوه له سالمًا؛ أي: خالصًا لا تشوبوه بالإشراك البتَّة.
﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾: المتواضعين الخاشعين، مِن الخَبْتِ، وهو المطمئن من الأرض.
* * *
(٣٥) - ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ﴾: خافَتْ ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ منه هيبةً لإشراق أشعَّة جلاله عليها.
﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ من المحنِ والمصائب.
﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ في أوقاتها.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في وجوه الخير.
* * *
(٣٦) - ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "الأصل".
[ ٧ / ١٢٢ ]
﴿وَالْبُدْنَ﴾: جمع بَدَنة، كخُشْبٍ وخَشَبة (^١)، وأصله الضَّم، وقد قرئ به (^٢).
وإنَّما سُمِّيَتْ به لِعِظَمِ بَدَنها، مأخوذ من بَدُنَ بَدَانَةً، وهي الإبل خاصَّة، وقد دلَّ عليه إلحاق رسول الله ﷺ البقرَ بالبَدَنَةِ حين قال: "البُدْنُ عن سبعةٍ، والبقر عن سبعةٍ" (^٣)، ولا دلالة فيه على صيرورة البدنة متناوِلة للجنسين في الشريعة.
وانتصابه بفعلٍ يفسِّرُه: ﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾ وقرئ بالرَّفع (^٤) على الابتداء، كقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ [يس: ٣٩].
﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾؛ أي: من أعلام الشَّريعة التي شرَعَها الله تعالى، وإضافتُها إلى اسمه تعظيم.
﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ منافعُ دينيَّة ودنيويَّة.
﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ بأن تقولوا عند النَّحْرِ: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، واللّه أكبر، اللَّهمَّ منك وإليك (^٥).
﴿صَوَافَّ﴾ حال من الهاء؛ أي: قائماتٍ، من صففْنَ أيديهنَّ وأرجلهنَّ.
_________________
(١) تجمع أيضًا على: خَشَبٌ، وخُشُبٌ. انظر: "تاج العروس" (مادة: خشب).
(٢) أي: (البُدُن)، نسبت للحسن وعيسى. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٥).
(٣) رواه مسلم (١٣١٨) من حديث جابر بن عبد الله ﵁، وفيه: "البدنة" بدل "البدن".
(٤) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٥٨)، و"البحر المحيط" (١٥/ ٣٥٩).
(٥) روى الحاكم في "المستدرك" (٧٥٧١) عن عبد الله بن عباس ﵄ أنَّه قال: يقول الله ﵎: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قال: "قيامًا على ثلاث قوائم معقولة، بسم الله، والله أكبر، اللَّهمَّ منك وإليك" وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
[ ٧ / ١٢٣ ]
وقرئ: (صَوَافِنَ) (^١) مِنْ صُفونِ الفرس، وهو أنْ يقومَ على ثلاثٍ، وطَرَفِ سُنْبُكِ الرَّابعةِ؛ لأنَّها تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث.
و: (صوافنًا) بالتَّنوين عوضًا من حرف الإطلاق عند الوقف (^٢).
و: (صَوَافيَ) (^٣)؛ أي: خوالصَ لوجه الله.
و: (صَوَافٍ) (^٤) على لغةِ مَن يسكِّن الياء مطلقًا، نحو مثل العرب: أعطِ القوسَ باريها (^٥).
﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾؛ أي: سقطت على الأرض بعد نحرها قائمةً، وهو كناية عن موتها.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾؛ أي: إذا مات حلَّ لكم الأكل منها والإطعام.
والقانع: الرَّاضي بما عندَه، وبما يُعطى من غير سؤالٍ، مِن قَنِعْتَ قُنوعًا وقَناعةً، يؤيِّده أنَّه قرئ: (القَنِعَ) (^٦)، وهو الرَّاضي.
_________________
(١) نسبت لابن مسعود وابن عباس وابن عمر ﵃ وغيرهم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٥)، و"المحتسب" (٢/ ٨١)، و"البحر" (١٥/ ٥٩).
(٢) نسبت لعمرو بن عبيد. انظر: "الكشاف" (٣/ ١٥٨).
(٣) نسبت لأبي موسى الأشعري والحسن وزيد بن أسلم وجمع. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٥) و"المحتسب" (٢/ ٨١)، و"الكشاف" (٣/ ١٥٨)، و"البحر" (١٥/ ٥٩).
(٤) نسبت للحسن أيضًا. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٥)، و"الكشاف" (٣/ ١٥٨) وعنه نقل المؤلف هذه القراءات مع توجيهها، و"البحر" (١٥/ ٥٩).
(٥) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٥٨). وهذه قطعة من بيت كما في "جمهرة الأمثال" (١/ ٧٦)، وتمامه: يا باريَ القوسِ بريًا ليسْتَ تُحكمُه … لا تظلمِ القوسَ أعطِ القوسَ باريها
(٦) انظر: "المحتسب" (٢/ ٨٢)، و"الكشاف" (٣/ ١٥٨)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ١٢٣).
[ ٧ / ١٢٤ ]
والمعترُّ: المتعرِّض بالسُّؤال (^١).
وقيل: القانع: السَّائل، مِن قَنَعْتُ إليه: إذا خضعْتَ له وسألتَه، قُنوعًا.
والمعترُّ: المتعرِّض بغير سؤال.
وقرئ: (والمُعْتَرِي) (^٢)، يقال: عَرَّهُ وعَرَاهُ، واعْترهُ واعْتَراهُ بمعنى.
﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ما وصفناها قيامًا معقولةً أيديها ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ عظمها وفَرْط قوَّتها، حتى تأخذوها فتعقلوها وتحبسوها صافَّةً قوائمها، ثم تطعنون في لَبَّاتها (^٣).
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إنعامَنا عليكم بالتَّقرُّب والإخلاص.
* * *
(٣٧) - ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ﴾: لن يصيبَ رضاه، ولن يقعَ منه موقعَ القَبولِ ﴿لُحُومُهَا﴾ المتصدَّقُ بها ﴿وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ المهراقةُ عندَ النَّحر من حيث إنها لحوم ودماء.
﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾: ولكن يصيبُه ما يصحبه من تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى تعظيم أمر الله، والتَقرُّب إليه، والإخلاص له، والتَّحرُّز عنها.
_________________
(١) "المتعرض بالسؤال"، كذا في النسخ، وفي مطبوع البيضاوي (٤/ ٧٢): "المعترض بالسؤال "، وفي "حاشية القونوي" (١٣/ ٦٩) مثل النسخ، فلعله من اختلاف نسخ البيضاوي، والمؤدى واحد.
(٢) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٥).
(٣) اللَّبَّات: جمع اللَّبَّة، وهي موضع النَّحر. انظر: "المصباح المنير" (مادة: لبب).
[ ٧ / ١٢٥ ]
قيل: كانَ أهلُ الجاهليَّة إذا نحروا البُدْنَ نضحوا الدِّماءَ حول البيت ولطَّخوه بالدَّم، فلمَّا حجَّ المسلمون أرادوا مثل ذلك، فنزلَتْ (^١).
﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ كرَّرَ التَّسخيرَ؛ تذكيرًا للنِّعمة، وتعليلًا بقوله:
﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي: لتَعْرفوه (^٢) بإقداره إيَّاكم، وتعلموا أنَّه القادر على ما لا يقدر عليه غيره، فتصفوه بالكبرياء، وتشكروه على إنعامه عليكم بالهداية إلى طريق تسخيرها وكيفيَّة التَّقرُّب بها. فتعديتُه بـ ﴿عَلَى﴾ على تضمين معنى الشكر.
﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾: المخلصين فيما يأتون به ويذرونه، وإنَّما ترك المُبَشَّر به للإشارة إلى أنَّه ممَّا لا يُعيِّنه العبارة (^٣).
* * *
(٣٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَدْافَعُ﴾ وقرئ: ﴿يُدَافِعُ﴾ (^٤)؛ أي: يبالغ في الدَّفع مبالغةَ مَن يُغالِبُ فيه.
﴿عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حذف المفعول للتَّعميم، ثمَّ علَّلَ بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ﴾ في أمانةِ اللهِ ﴿كَفُورٍ﴾ لنعمته؛ أي: لا يحب
_________________
(١) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٧٠) عن ابن جريج.
(٢) في (ك): " لتفردوه"، وفي (ف): "لتفرحوا ". وفي "تفسير البيضاوي" (٤/ ٧٢): "لتعرفوا عظمته باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره فتوحدوه بالكبرياء".
(٣) في (ف): "مما يعينه العبارة"، وفي (م): "مما لا يفيه العبارة".
(٤) فرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿يدفع﴾، والباقون: ﴿يُدَافِعُ﴾. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٧).
[ ٧ / ١٢٦ ]
أضدادهم (^١)، وضمَّنه الإيماءَ إلى أن أعاديَهم الواجبَ دفعُهم هم المشركون، والتَّنصيصَ عليهم بأنَّهم الخوَّانون الكفَّارون، والتَّعريضَ بأنَّ أضدادهم المؤمنين هم الأمناء الشَّاكرون، وأنَّ الله تعالى يحبُّهم، وعلى مقتضى ما ضمَّنه أتى بصيغة المبالغة، وإلَّا فمقتضى الظَّاهر نفي محبَّته عن كلِّ خائنٍ وكافرٍ، بل إثباتُ بغضه لهما.
* * *
(٣٩) - ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
﴿أُذِنَ﴾: رُخِّصَ ﴿لِلَّذِينَ﴾ حذف المأذون فيه لدلالة: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ عليه، وقرئ: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التَّاء (^٢)؛ أي: للَّذين يقاتلهم المشركون.
﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾: بسبب أنَّهم ظُلِموا، وهم أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ، كان المشركون يؤذونهم، وكانوا يأتونَه مِن بين مضروبٍ ومشجوجٍ يتظلَّمون إليه، فيقولُ لهم: "اصبروا فإنِّي لم أؤمر بالقتال "، حتى هاجر، ثم نزلَتْ هذه الآية (^٣).
وهي أوَّلُ ما نزلَ في القتال (^٤)، بعدَما نُهي عنه ﵇ في نيفٍ وسبعين آيةً.
_________________
(١) في (ف): "لأَنه لا يحبُّ كلَّ أحد أضدادهم "، وفي (ك): "لأنَّه يحب أضدادهم"، وفي (س):؛ لأنَّه لا يحب أضدادهم"، والمثبت من (م).
(٢) قرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح التاء والباقون بكسرها. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٧).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ٢٥) وعزاه للمفسرين، وذكره ابن حجر في "العجاب في بيان الأسباب" (٢/ ٩١٨) عن قتادة ومقاتل.
(٤) قطعة من خبر رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٤٨٠)، والإمام أحمد في "المسند" (١٨٦٥)، والترمذي (٣١٧١)، والنسائي (٣٠٨٥)، عن ابن عباس ﵄. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولم يرد عنده قول ابن عباس: (هي أول آية …).
[ ٧ / ١٢٧ ]
﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وعدٌ لهم واردٌ على سَنَنِ كلام الملوك المقتدرين الجبَّارين، وتأكيدٌ لِمَا سبقَ من الوعد بدفع أذى الكفَّار؛ فإنَّ النَّصر ليسَ مطلقَ العون، بل العونُ بدفع الضَّرر.
* * *
(٤٠) - ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ في محل الجرِّ، بدل من (الذين)، أو نصب بـ (أعني)، أو رفع بإضمار: (هم).
﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ يعني: مكَّة ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: بغير (^١) موجِبٍ استحقُّوا به الإخراج.
﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ إبدال ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ من ﴿حَقٍّ﴾، تأكيدٌ للمدح بما يشبه الذَّمَّ على طريق قول النَّابغة:
ولا عيْبَ فيهِمْ غيرَ أنَّ سيوفَهُم … بهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِبِ (^٢)
أي: بغير موجِبٍ سوى التَّوحيدِ الموجِبِ للإعزاز والتَّمكين والإكرام.
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ بتسليط المؤمنين على المشركين بالجهاد.
﴿لَهُدِّمَتْ﴾ الهدمُ كنايةٌ عن الإبطال والتَّعطيل على وجه أبلغ؛ أي: لاستولى المشركون على أهل المِلَلِ وعطَّلوا متعبداتهم.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "يعني".
(٢) انظر: ديوانه (ص: ١١). وقد تقدم في أكثر من موضع في هذا الكتاب.
[ ٧ / ١٢٨ ]
﴿صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ الصَّوامعُ: جمع صومعةٍ، وهي متعبَّد الرَّهابنة.
والبِيَعُ: جمعُ بِيْعَةٍ، وهي متعبَّد النَّصارى ومصلَّاهم.
والصَّلوات وهي كنيسةُ اليهود، سُفَيَتْ صلاة لأنَّها يُصلَّى فيها، وقيل: كلمة معرَّبة أصلها بالعبرانيَّة: صلاة.
﴿وَمَسَاجِدُ﴾ ومساجد المسلمين، إنَّما خصَّ التَّعبير بالمسجد عن مصلَّاهم (^١) لأنَّ السَّجدة من أركان صلاتهم خاصَّة، وإنَّما أُخّرَتْ عن غيرها لِمَا في التَّقديم مِن القُرْبِ من التَّهديم.
﴿يُذْكَرُ فِيهَا﴾ لا في المساجد خاصَّة، بل في جميع ما ذُكِرَ؛ لأنَّه كالتَّعليل لصونها عن التَّهديم بالدَّفع المذكور.
﴿اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: ذكرًا كثيرًا.
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾؛ أي: ينصرُ دينَه ورسلَه. إخبارٌ من الله عن الغيب، ووعدٌ أنجزه بتسليط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرة الروم.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ على نصرهم ﴿عَزِيزٌ﴾ غالبٌ على أمره، وفيه تأكيد لوعده.
* * *
(٤١) - ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.
_________________
(١) في (س) و(ف) و(ك): "بمصلاهم".
[ ٧ / ١٢٩ ]
﴿الَّذِينَ﴾ بدل مِن ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، أو صفةٌ أخرى لـ ﴿لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ﴾ إلخ اعتراضٌ بين الصِّفتَيْن (^١).
﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وبسطنا لهم في الدُّنيا.
﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾؛ أي: قاموا (^٢) بأمر الدِّين حقَّ القيام.
وعن عثمان ﵁: هذا والله ثناءٌ قبل بلاءٍ (^٣)؛ أي: أثنى عليهم قبلَ أن يُحْدِثوا من الخير ما أَحْدثوا، وفيه دليل على صحَّة أمر الخلفاء الرَّاشدين؛ إذ لم يَسْتَجمع ذلك غيرُهم (^٤) من المهاجرين.
﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾؛ أي: مرجعُها إلى حكمِه وتقديرِه، وفيه أيضًا تأكيدٌ لو عدِه.
* * *
(٤٢) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ﴾.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ تسلية لرسوله ﵇ من تكذيبِ قومِه إيَّاه؛ أي: لسْتَ بأوحديٍّ في التَّكذيب.
_________________
(١) "بين الصفتين" ليس في (ف).
(٢) في (ف): "أقاموا".
(٣) رواه خليفة بن خياط في "تاريخه" (ص: ١٧١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٩/ ٣٤٧).
(٤) في (ك) و(م): "في غيرهم" والمثبت من (س) و(ف)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٤/ ٧٣)، وعبارة "الكشاف": (وقالوا: فيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين؛ لأنّ الله لم يعط التمكين ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة غيرهم من المهاجرين، لا حظ في ذلك للأنصار والطلقاء).
[ ٧ / ١٣٠ ]
﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾: قبلَ قومَكِ ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوحًا ﵇ ﴿وَعَادٌ﴾ هودًا ﵇ ﴿وَثَمُودُ﴾ صالحًا ﵇.
ولم (^١) يقل فيهما: (قوم صالح وقوم هود)؛ لأنَّ الأصل في التَّعبير هو العَلَم، والعدول في غيرهما إلى التَّعبير بالأمر العام لضرورة فَقْدِ العلم.
* * *
(٤٣) - ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ﴾.
﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ﴾ إبراهيمَ ﵇ ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ لوطًا ﵇.
* * *
(٤٤) - ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾ شعيبًا ﵇، ولم (^٢) يقل هاهنا: (وقوم شعيب) لأنَّ المكذِّبين له من قومِه أصحابُ مدين خاصَّة.
﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ غُيِّر النَّظم فيه، ولم يُقَلْ: (وقوم موسى)؛ لأنَّ قومَه بنو إسرائيل لم (^٣) يكذِّبوه، وإنَّما كذَّبه القِبْط، وأُفرد له الفعلُ لتعظيمه وبيان أنَّ تكذيبه كان أشنع، وآياتِه كانت أعظمَ وأسبغ، كأنَّه قيل: وكُذِّبَ موسى مع عظم آياته ووضوح معجزاته، فما ظنُّك بغيره؟!
_________________
(١) في (ك) و(م): "لم".
(٢) في (م): "لم".
(٣) في (ك) و(م): "ولم".
[ ٧ / ١٣١ ]
وبُني الفعل للمفعول إتمامًا للكلام بالتَّجريد لِمَا سِيْقَ له.
﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: فأمهَلْتُهم (^١) إلزامًا للحُجَّةِ.
﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ عاقَبْتُهم على كفرهم.
﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: إنكاري عليهم بتغيير النِّعمةِ نَقمةً، والحياةِ هلاكًا، والعمارةِ خرابًا، والبقاءِ استئصالًا.
* * *
(٤٥) - ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾.
﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ منصوبُ المحلِّ (^٢) بفعل مقدَّرٍ يفسِّرُهُ: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ أو مرفوعةٌ بالابتداء، والخبر ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾. يعني: بإهلاكِ أهلها.
﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾؛ أي: أهلُها، حال.
﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ جملة معطوفة على ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ لا محلَّ لها من الإعراب على الأوَّل، وفي محلِّ الرَّفع على الثَّاني.
﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ متعلقة بـ ﴿خَاوِيَةٌ﴾، أو خبرٌ بعد خبرٍ.
والخاوي: السَّاقط، من خَوَى المنزل: إذا خلا من أهله.
والعرشُ: كلُّ مرتفعٍ مُظِلٍّ من سقفٍ أو خيمةٍ أو كَرْم.
أي: ساقطةٌ على عروشها بأنْ خَرَّتِ (^٣) السُّقوف على الأرض، ثمَّ سقطَتْ
_________________
(١) في (م): " فأمهلتهم أي: فأمهلهم".
(٢) "المحل" سقط من (ك).
(٣) في النسخ: "خوت" والمثبت من "الكشاف" (٣/ ١٦١)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٧٤).
[ ٧ / ١٣٢ ]
جدرانها (^١) فوقَ السُّقوف، أو: خاليةٌ مع بقاء عروشها وسلامتها، وعلى الوجه الثَّاني من الإعراب: فهي خاويةٌ وهي قائمة مع عروشها، أو مائلة مشرفة على السُّقوف السَّاقطة، بأنْ سقطَتِ السُّقوف على الأرض وبقيَتِ الجدران مشرفةً عليها.
﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عطف على ﴿قَرْيَةٍ﴾؛ أي: وكم بئر عامرة في البوادي فيها الماء عُطِّلَتِ وتُرِكَتْ لا يُستقى منها لهلاك أهلها. وقرئ بالتَّخفيف مِنْ أَعْطَله، بمعنى عَطَّله (^٢).
﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾: مجصَّصٍ، مِن الشِّيْد وهو الجصُّ، أو: مرفوعِ البنيان، مِن شادَ البناء: إذا رفَعه.
أخليناه عن ساكنيه، حُذِفَ لدلالة ﴿مُعَطَّلَةٍ﴾ عليه.
والأنسب لهذا أن معنى ﴿خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: خالية مع عروشها، والأظهر أنَّ البئر والقصر على العموم؛ أي: أهلكنا (^٣) البادية والحاضرة جميعًا، فخلَتِ القصور عن أربابها، والآبار عن وارديها.
* * *
(٤٦) - ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور﴾.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ حثٌّ لهم على السَّفر ليعتبروا بما رأوا من مصارع
_________________
(١) في (م): "جداراتها".
(٢) نسبت للحسن. انظر: "الكشاف" (٣/ ١٦٢).
(٣) في (ك): "أهلكناها ".
[ ٧ / ١٣٣ ]
المُهلَكين، وبقاء آثارهم، وهم وإن كانوا قد سافروا ولكنَّهم لم يعتبروا، فكأنَّهم لم يسافروا لعدم الفائدة لهم (^١).
﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾: ما يجب أن يُعْقلَ من توحيد الله تعالى وقدرته عند الاعتبار والاستبصار.
﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾: ما يجبُ انْ يُسمَعَ من الوحي والتَّذكير بحالِ مَن شاهدوا آثارَهم، وإنَّما ذكَرَ الأُذنَ دون البصر - مع أنَّه أنسب أنْ يُذْكَر - نظرًا إلى اتِّساق الكلام للاعتبار بالآثار؛ لأنَّ المقصود بيانُ حصول طريقي (^٢): العلمِ الاستدلالي، والأخذِ من أفواه الرِّجال، والوصولُ إليهما (^٣) بالسَّير للاعتبار، والبصرُ من وسائل الطَّريق الأوَّل، فلذلك لم يُذْكَرْ أصالةً (^٤).
﴿فَإِنَّهَا﴾ الضَّمير للقصَّة، وفي قراءة ابن مسعود ﵁: (فإنَّهُ) (^٥) على تأويل الشَّأن، ويجوز أن يكون ضميرًا مُبْهمًا يفسِّره ﴿الْأَبْصَارُ﴾، وفي ﴿تَعْمَى﴾ راجع إليه، أو الظَّاهرُ أُقِيمَ مقامَه.
﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾؛ أي: ما عميت أبصارهم عن الإبصار (^٦)، بل قلوبهم عن الاعتبار، والآفَةُ في قلوبهم باتِّباع الهوى والتَّقليد.
_________________
(١) "لهم" ليست في (ف).
(٢) في (ف): "طريق".
(٣) في (ف): "إليها".
(٤) "أصالة" ليست في (ف) و(ك).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٢٨)، و"تفسير الطبري" (١٦/ ٥٩٥)، و"الكشاف" (٣/ ١٦٢).
(٦) في (ك): "البصائر".
[ ٧ / ١٣٤ ]
﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ تأكيدٌ لنفي التَّجوُّز، فإنَّه يُقال: القلبُ لُبُّ كلِّ شيءٍ، والتَّنبيه على أنَّ العمى المتعارَف الذي في البصر لا اعتبار له (^١)، وليس بعمًى في الحقيقة بالنِّسبة إلى عمى القلوب، فإنَّ العمى الحقيقيَّ هو عمى القلب الذي محلُّه الصَّدر، فهو مقرِّر لِمَا ذُكِرَ أنَّ الأمر على خلاف ما عليه الجمهور مِن أنَّ العمى إنَّما هو في البصر حقيقةً وفي القلب استعارةً.
قيل: لما نزل ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢] قال ابن أمِّ مكتومٍ: يا رسول الله، أنا في الدُّنيا أعمى، أفأكون في الآخرة أعمى؟ فنزلَتْ (^٢).
وَيرِدُ عليه أنَّه حينئذ يكون المعنى: لا تعمى الأبصار في الآخرة ولكن تعمى القلوب، ويردُّه قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا [طه: ١٢٥].
* * *
(٤٧) - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ لا بالإهمالِ ولا بالإمهال؛ لأنَّه المحال في حقِّ الملك المتعال.
وحقيقة ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾: إخبار في معنى الاستفهام على سبيل الإنكار، أي: لِمَ يستعجلون بالعذاب المتوعَّد به كأنَّهم شاكُّون في وقوعه، ومحالٌ أنْ يخلفَ الله وعدَه، فلا بُدَّ من وقوعه وإن طالَ الزَّمانُ.
_________________
(١) في (ك): "به ".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ٢٧)، و"تفسير القرطبي" (١٤/ ٤٢٠).
[ ٧ / ١٣٥ ]
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾؛ أي: كيف يستعجلون بعذابٍ من يومٍ واحدٍ من أيَّام عذابه في طول ألفِ سنة من سنيكم؛ لأنَّ أيَّام الشَّدائدِ طِواك.
* * *
(٤٨) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ كرَّره للتَّهويل، وتصويرِ حالهم في الإملاء، وبيانِ أنَّ الظَّلَمَةَ لا يُهمَلون غيرَ معذَّبين؛ أُمْهِلوا أو لم يُمْهَلوا، وإنَّما عطف الأوَّل بالفاء لكونها بدلًا من قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِير﴾، وبقائها على التَّسبُّب، وأمَّا حكم هذه فحكمُ ما تقدَّمها من الجملتَيْن المعطوفَتَيْن بالواو، وهما: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، و﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ على سبيل الاعتراض، وبيانِ أنَّ الاستعجالَ أمرٌ منكَر؛ إذ لا بدَّ من تحقُّق العذاب.
﴿أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ كما أمهلْتكم ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ مثلَكم.
أصل ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾: من أهلِ قرية، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامَه في الإعراب، ورجع إليه الضَّمائر والأحكام مبالغةً في التَّعميم والتَّهويل.
﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ بالعذاب.
﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: حكمي مرجعُ الجميع، وتقديم (إلى) للاختصاص، والمبالغةِ في الوعيد (^١)؛ أي: لا إلى غيري (^٢).
* * *
_________________
(١) في (ك) و(م) و(س): "والمبالغة للوعيد".
(٢) في (م): "غيره".
[ ٧ / ١٣٦ ]
(٤٩) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ الخطاب عامٌّ للمؤمنين والكفَّار، والمنذَر به قيام السَّاعة، وإنَّما كان ﵇ نذيرًا مبينًا لأنَّ بعثته من أشراطها، فاجتمع فيه الإنذار بها قالًا وحالًا، فقوله: ﴿أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ﴾ كقوله ﵇: "أنا النَّذير العُرْيان" (^١)، وقد دلَّ على ذلك تعقيب الخطاب بالإنذار بتفصيل حال الفريقَيْن عند قيامها بقوله:
(٥٠) - ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم عند الحساب؛ لأن الحسنات يُذْهِبْنَ السِّيئات.
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الجنَّة. الكريم من كلِّ نوعٍ: ما يَجْمَج (^٢) فضائلَه.
* * *
(٥١) - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ بالرَّدِّ والإفساد، وبالطَّعن فيها حيث سمَّوها سحرًا أو شعرًا أو أساطير الأوَّلين (^٣)، وتثبيطِ النَّاس عنها، يُقال: سعى في أمرِ كذا: إذا أصلحه أو أفسده بسَعْيه.
﴿مُعَاجِزِينَ﴾: سابقين في السَّعي جادِّين فيه، مشاقِّين له، أو: سابقين في زعمهم، طامعين أنَّ كيدهم للإسلام يَتمُّ لهم. من عاجَزَه فأعجَزَه: إذا سابَقَه
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤٨٢)، ومسلم (٢٢٨٣)، من حديث أبي موسى ﵁.
(٢) في النسخ: "اجتمع "، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٤/ ٧٥).
(٣) في (ك) و(س): "وشعرا وأساطير"، وسقطت "الأولين" من (س).
[ ٧ / ١٣٧ ]
فسبَقَه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتسابِقَيْن في طلب إعجاز الآخر عن اللَّحاق به، وإذا سبقَه قيل: أعجَزَه وعجَّزَه.
وقرئ: (مُعْجِّزِيْنَ) (^١) على أنه حالٌ مقدَّرة؛ أي: مثبِّطينَ النَّاسَ عن الإيمان.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: النَّارِ الموقَدةِ، وقيل: اسمُ دَركَةٍ من دَرَكاتِها.
* * *
(٥٢) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ قد سبق تفسيرُهما في سورة الأعراف وسورة مريم (^٢)، وبيانُ الفرق بينهما بعموم الثَّاني وخصوص الأوَّل، ومَن شرَط في (^٣) الرَّسول شريعةً مجدِّدة (^٤) فكأنَّه نسي ما زعمه (^٥) من الدِّلالة في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١] على أنَّ الرَّسول لا يلزم أنْ يكون صاحب شريعة.
﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾: تلا، قال الشَّاعِرُ:
تمنَّى كتابَ اللهِ أوَّلَ ليلِهِ … تَمَنِّيَ داودَ الزَّبورَ على رِسْلِ (^٦)
_________________
(١) قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٨).
(٢) "في سورة الأعراف وسورة مريم" من (م)، ووقعت هذه العبارة في هامش (س) و(ف) مع زيادة: "منه ".
(٣) في (ف): "من".
(٤) في (ف): "محددة".
(٥) في هامش (س) و(ف) و(م): "إنما قال: زعمه، لفساده على ما بين في سورة مريم. منه.".
(٦) دون نسبة في "السيرة النبوية" لابن هشام (٣/ ٧٤)، و"الزاهر" لابن الأنباري (٢/ ١٥١)، و"المحكم" لابن سيده (١٠/ ٥١١). وجعلوهما بيتين صدرهما واحد، وعجز الآخر:=
[ ٧ / ١٣٨ ]
﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ﴾: في تلاوته.
قالوا: إنه ﵇ قرأ في نادي قومه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، فلمَّا بلغَ قولَه: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ سكَتَ، فقال الشَّيطان: تلك الغرانيق العُلى، وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرْتَجى، وقرأها متَّصلًا بقراءة النَّبيِّ ﵇، فوقعَ عند بعضهم أنَّه ﵇ هو الذي تكلَّم بها، وهذا معنى إلقاء اللَّعين في قراءة سيِّد المرسلين (^١).
وكان يتكلَّم في زمنِ النَّبيّ ﵇، ويُسْمَع (^٢) كلامه، فقد روي أنه نادى يوم أحد: ألا إنَّ محمَّدًا قد قُتِلَ، وقال يوم بدر: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ (^٣).
وهذا لا يُخلُّ بالوثوق على القرآن؛ للاندفاع بقوله:
﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: يَذْهَبُ به ويُبْطلُه، ويُخْبِرُ أنَّه من الشَّيطان.
_________________
(١) = وآخِرَه لاقى حِمامَ المقادر وذكر ابن الأنباري أنه في رثاء عثمان، وعزاه الالوسي في "روح المعاني" (١٧/ ٣٦٠) لحسان.
(٢) رويت في هذه الحادثة مرسلات عن قتادة والضحاك وأبي العالية وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وغيرهم، وروي فيها خبر من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، لكن إسناده ضعيف جدا. انظر هذه الأخبار في "تفسير الطبري" (١٦/ ٦٠٤ - ٦١٢). وللعلماء كلام كثير في توهين ما روي في هذه القصة. انظر: "الشفا" (٢/ ١١١)، وقد رأى ابن حجر في "فتح الباري" (٨/ ٤٣٩) أن كثرة الطرق تدل على أن للقصَّة أصلًا، ثم ذكر مسالك العلماء في تأويلها لعدم جواز الحمل على الظاهر، فراجع كلامه إن شئت.
(٣) في (ك): "وسمع ".
(٤) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٧٤) و(٢/ ٧٨).
[ ٧ / ١٣٩ ]
﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾؛ أي: يُثْبِتُها ويحفظُها عن تطرُّق النُّقصان، ولحوق الزَيادة من الشَّيطان.
ولَمَّا كان الإحكام بهذا الوجه على رتبةٍ من النَّسخ المذكور صدَّره بكلمة ﴿ثُمَّ﴾.
ولا احتمال لأنْ يكون هذا الكلام ونظائرُه كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] أيضًا من زيادة الشَّيطان؛ لأنَّ ظهور الإعجاز عند انضمامه إلى ما يَبلغ به المجموع مقدار أقصر سورة من القرآن دلَّ على أنَّه من الرَّحمن؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ الآية [الإسراء: ٨٨]، فلا دلالة في الآية على جواز السَّهو على الأنبياء ﵈ وتطرُّقِ الوسوسة إليهم.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما أوحى إلى نبيِّه ﵇ وبقصَّة الشَّيطان.
﴿حَكِيمٌ﴾ يدعُه حتى يُكْشَفَ ويزيله، ثم ذكر أن ذلك ليفتنَ اللهُ تعالى به قومًا بقوله:
* * *
(٥٣) - ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾: محنةً وابتلاءً.
﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: شكٌّ وتردُّد.
﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ الجازمين بمعتقدهم الباطل، مُظهَرًا كان ذلك أو مضمرًا، ومن زعم أن المراد من الأوَّل المنافق فكأَنَّه غافل عن أنَّ المنافق أقسى قلبًا من الكافر المجاهر.
[ ٧ / ١٤٠ ]
﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ من باب وضع الظَّاهر موضع الضَّمير تسجيلًا على الفريقَيْن بالظُّلم؛ لأنَّ القياس أن يقول بعد ذكرهما: وإنهم.
﴿لَفِي شِقَاقٍ﴾: خلافٍ ﴿بَعِيدٍ﴾ عن الحق، ويلزمه البعد عن الرَّسول وعن المؤمنين.
* * *
(٥٤) - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: الاعتقادَ المطابق للواقع، وهم المؤمنون.
﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أنَّ القرآن هو الحقُّ النَّازل من عند الله، فلا يلتبسه (^١) ما يلقي (^٢) الشَّيطانُ من الباطل ولا يدخل فيه.
﴿فَيُؤْمِنُوا﴾: فيعتقدوا ﴿بِهِ﴾ ويطيعوا بأحكامه (^٣).
﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ بالخشوع والخضوع والخشية.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيما أشكلَ عليهم بالتَّوفيق للنَّظر الصَّحيح، وللكشف بنور هدايته.
﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ طريقٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ هو طريق التَّأويل لِمَا يتشابه بالتطبيق على الأصول المحكمة، فلا يلحقهم حيرة (^٤) ولا يعتريهم شبهة.
_________________
(١) في (ف): "يلبسه".
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "ما بلغ".
(٣) في (ف) و(ك) و(م): "بإمكانه".
(٤) في (ف) و(ك): "ضيرة".
[ ٧ / ١٤١ ]
(٥٥) - ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ﴾ قد سبقَ في أوَّل سورة البقرة الفرق بين المرية والشَّك والرَّيب.
﴿مِنْهُ﴾: من القرآن.
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾: القيامة، والمرادُ إتيانُ الموت، فإنَّه من طلائِعها (^١)، ولذلك قال ﵇: "مَن مات فقد قامت قيامته" (^٢).
﴿بَغْتَةً﴾: فجأة.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: يومِ حربٍ يُقْتَلون فيه كيوم بدرٍ، وإنَّما وُصِفَ يومُ الحرب بالعُقْمِ لأنَّ أولاد النِّساء يُقتَلون فيه، فيَصِرْنَ كالعُقم (^٣).
وقيل: العقيم الذي لا خير فيه، يقال: ريح عقيم: إذا لم تُنشئ مطرًا ولم تُلْقِح شجرًا (^٤).
* * *
_________________
(١) في هامش (ف): "ضرورة أن مريتهم لا تبقى إلى قيام الساعة بل تزول عند الموت. منه ".
(٢) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" (١١١٧) من حديث أنس ﵁، وقال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (٢/ ١٠١٣): رواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الموت" بإسناد ضعيف. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٦٨) عن المغيرة بن شعبة ﵁ موقوفًا.
(٣) في النسخ: "كالعقر"، والمثبت من المصادر. انظر: "الكشاف"، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٧٦)، و"تفسير أبي السعود" (٦/ ١١٥)، و"روح المعاني" (١٧/ ٣٦٤).
(٤) في هامش (ف) و(س): "فوصف اليوم بوصفين اتساعًا. منه.".
[ ٧ / ١٤٢ ]
(٥٦ - ٥٧ ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم القيامة، والتَّنوين فيه ينوب عن الجملة التي دلَّتْ عليها الغاية؛ أي: يوم تزول مِرْيَتِهم.
﴿لِلَّهِ﴾ فلا منازع له فيه.
﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ بالمجازاة، والضَّمير يعمُّ الفريقَيْنِ، دلَّ عليه تفصيل الحكم بقوله:
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، الفاء في خبر الثَّاني دون الأوَّل تنبيهٌ على أنَّ إثابة المؤمنين بالجنَّات تفضُّل مِن الله تعالى، وأن عقاب الكافرين مسبَّبٌ عن أعمالهم، ولذلك قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾، ولم يقل: (هم في عذاب) كما قال: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، وفي تقديم الجار والمجرور دلالة على أنَّ العذابَ المهين مخصوصٌ بهم لا يشاركهم فيه المؤمنون.
ثمَّ خُصَّ قومٌ من الفريق (^١) الأوَّل بفضيلة فقال:
(٥٨) - ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خرجوا من أوطانهم مجاهدين ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ في الجهاد ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ حَتْفَ أنوفهم.
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "بالفريق "، والمثبت من (س).
[ ٧ / ١٤٣ ]
﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ الرِّزْقُ الحسنُ: الذي لا يلحقه ألمُ الانقطاع، ولا يسبقه تعبُ الكَسْبِ، وذلك في البرزخ قبلَ دخول الجنَّة؛ لأنَّ الرِّزقَ الحسنَ في الجنَّة لا اختصاص له بالمجاهدين من المؤمنين، وإنَّما سوَّى بينَ مَن قُتِلَ في الجهاد ومَن ماتَ حَتْفَ أنفه في الموعد؛ لاستوائِهما في القَصْدِ، وما في وسعهما من العمل.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ فإنَّه يرزق بغير حساب.
* * *
(٥٩) - ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ الجنّة، دلَّ هذا على أنَّ ما تقدَّم من التَّرزيق قبل دخولها.
بَدلٌ من قوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ﴾، و﴿يَرْضَوْنَهُ﴾ صفة المُدْخَل، وهذا وصف لها بكلِّ جميل؛ لأنَّ ما وقع (^١) موقعَ الرِّضى فقد كَمَلَ.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ بأحوال مَنْ قضى نحبَه مجاهدًا، وآمالِ مَن مات (^٢) وهو ينتظر مُعاهِدًا ﴿حَلِيمٌ﴾ إمهال مَن قاتلهم معاندًا.
رُوِيَ أنَّ طوائفَ مِنْ أصحاب رسولِ الله ﷺ قالوا: يا نبيَّ الله، هؤلاء الذين قُتِلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنا (^٣) معك؛ فأنزل الله تعالى هاتين الآيتَيْنِ (^٤).
_________________
(١) في (ف): "يقع".
(٢) في (ك): "يمت".
(٣) في (ك): "قبضنا".
(٤) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٦٧).
[ ٧ / ١٤٤ ]
(٦٠) - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ للفصل بين الكلامين؛ أي (^١): الأمرُ ذلك، فما بعده مستأنف.
﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾؛ أي: لم يزد في القَصاص، وإنَّما سُمِّيَت الجناية المبتدأة باسم جزائها الذي هو العقاب؛ لِمَا بينَ السَّبب والمسبَّب من الملابسَةِ، فأُطلقَ اسمُ المسبَّب على السبب مجازًا، أو للازدواج، وليُتصوَّر سرعة أداء السَّبب إليه.
﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ بالمعاودة إلى العقوبة ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾؛ أي: مَن جازى بمثلِ ما فُعِلَ به من الظُّلم ثمَّ ظُلِمَ بعد ذلك فحقٌّ على الله أن ينصرَه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾: يمحو آثارَ الذُّنوبِ ﴿غَفُورٌ﴾: يسترُ أنواعَ العيوب.
وإنَّما وعدَ المنتصِر بهما لأنَّه اتَّبع هواه في الانتقام، وأعرضَ عمَّا نَدب الله إليه بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣].
وفيه تعريضٌ بالحثِّ على العفو، فإنَّ الله تعالى مع كمالِ قدرتِه وتعالي شأنِه لَمَّا كانَ يعفو فغيرُه بذلك أولى.
وتنبيهٌ على أنَّه قادرٌ على العقوبةِ؛ إذ لا يُوصَفُ بالغفور إلَّا القادر على ضدِّه.
* * *
_________________
(١) في (ف): "أن".
[ ٧ / ١٤٥ ]
(٦١) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾؛ أي: ذلك النَّصر بسببِ أنَّ اللّهَ تعالى قادرٌ على التَّصرُّف في العالم على وفقِ مشيئته ومقتضى حكمته، وما ذكر من التَّغييب خاصَّة في المَلَوَيْنِ (^١) بتغييب أحدِهما في (^٢) الآخر كنايةٌ عن التَّصرُّف في الأفلاك بالتَّحريك على وجهٍ عليه مَدارُ الكائنات (^٣) في عالم الكون والفسادِ (^٤) كيف يشاء، والنصر المذكور من جملة ما تقتضيه الحكمة.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ لما يقولون، ولا يشغله سَمْعٌ عن سَمْعٍ وإنِ اختلفَتِ (^٥) الأصوات في النَّهار بفنون اللُّغات.
﴿بَصِيرٌ﴾ بما يفعلون ولا يستتر عنه شيء بشيء في اللَّيالي وإنْ توالَتِ الظُّلُمات.
* * *
(٦٢) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: ذلك الوصفُ بكمال القدرة والعلم بسبب
_________________
(١) (المَلَوَانِ): اللَّيلُ والنَّهار، الواحدُ (مَلًا) مقصورٌ. انظر: "الصحاح" (مادة: ملا).
(٢) في (ف): "على".
(٣) في (م): "الكنايات".
(٤) الكون: الخروج من العدم إلى الوجود، والفساد عكسه. انظر: "حاشية الشهاب" (٤/ ١٥٤).
(٥) في (م): "اختلف".
[ ٧ / ١٤٦ ]
أنَّ اللّهَ هو الحقُّ الثَّابت في نفسه، الواجب لذاته (^١)، وكلُّ ما كان كذلك كان مبدأً لِمَا سِواه، عالِمًا بذاته ممَّا عداه، أو الثَّابتُ الإلهيَّة، ولا يصلح لها إلَّا مَن كان عالمًا قادرًا.
﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ من دون الله إلهًا.
وقرئ بالتَّاء على مخاطبة المشركين (^٢)، وبالبناء للمفعول (^٣)، فتكون الواو لـ ﴿مَا﴾ فإنه مِن معنى الألوهيَّة (^٤).
﴿هُوَ الْبَاطِلُ﴾: المعدوم في حدِّ ذاته، أو الباطل الألوهيَّة.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾؛ أي: العالي على كلِّ شيءٍ بالقَهْرِ والسُّلطان بدون توهُّمِ المكان.
﴿الْكَبِيرُ﴾ عن أن يساوَيه شيء، فضلًا عن أن يكون أعلى منه شأنًا وأكبر سلطانًا.
* * *
(٦٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِي﴾.
_________________
(١) في هامش (س) و(ف) و(م): "ولا حاجة إلى التقييد بالوحدة لأن الواجب لذاته لا يكون إلا واحدًا، ومن قال: إن وجوب وجوده ووحدته يقتضيان أن يكون مبدأ الكل، فقد أوهم التشريك في الاقتضاء المذكور بين وصفي الوجوب الذاتي، وليس كذلك، فإن المقتضي هو الوجوب الذاتي وإن الوحدة من جملة مقتضياته. منه ".
(٢) قرأ بها الحرميان وابن عامر وأبو بكر، وباقي السبعة بالياء. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٨).
(٣) نسبت لليماني وموسى الأسواري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٦).
(٤) في "الكشاف" و"البيضاوي": (في معنى الآلهة)، بدل: "من معنى الألوهية".
[ ٧ / ١٤٧ ]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ استفهامُ تقرير، ولهذا رُفع:
﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ عطفًا على ﴿أَنْزَلَ﴾؛ إذ لو نصب جوابًا له (^١) لدلَّ على نفيِ الاخضرار، كما في قولِكَ: ألم تر أني أنعمْتُ عليكَ فتشكرُ (^٢)، والمقصود إثباته، والرفع لعطفه على ﴿أَنْزَلَ﴾، وتسبُّبه منه مثبتٌ البتَّة، كذلك في المثال؛ لأنَّه عطف على (أنعمتُ)، وأما النَّصب فلا وجه له إلَّا التَّسبُّب عن الاستفهام، وَيؤُول المعنى في المثال إلى: ما رأيْتَ فما شكرْتَ؛ أي: لو رأيْتَ لشكرْتَ، وكذلك في الآية.
على أنَّ فيها مانعًا آخر، وهو أنَّ إصباحَ الأرضِ مخضرَّة لا يصحُّ أنْ يتسبَّب عمَّا بعد الاستفهام، وإنما عدل عن الماضي ولم يقل: (أصبحَتْ) لاستحضار الحال الماضية، والتَّنبيه على كمال صنع الصَّانع بالمشاهدة، والدِّلالة على بقاء أثر المطر زمانًا بعد زمان.
وقرئ: (مَخْضَرَة) (^٣) على وزن: مَفْعَلَة؛ أي: ذاتَ خضرةٍ، كمَبْقَلَة ومَسْبَعَة (^٤).
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ واصلٌ فضلُه وعلمُه إلى كلِّ شيءٍ.
﴿خَبِيرٌ﴾ بمصالح الخلق ومنافعهم.
* * *
_________________
(١) "له "سقط من (ف) و(ك).
(٢) إن نصبته فأنت نافي لشكره شاكٍ تفريطَه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر. انظر: "الكشاف" (٣/ ١٦٨).
(٣) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٦٨).
(٤) في (ف) و(ك): "كمبقلة ومسغبة"، وفي (م): "كمقبلة ومسبغة"، والمثبت من (س). وانظر: "البحر المحيط" (١٥/ ٣٩٨).
[ ٧ / ١٤٨ ]
(٦٤) - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مُلْكًا ومِلْكًا.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ في ذاته عن كلِّ شيءٍ، وما سواهُ محتاجٌ إليه.
﴿الْحَمِيدُ﴾ المستوجِبِ للحمدِ بصفاته وأفعاله.
* * *
(٦٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ مَنَّ علينا بتسخيره لنا ما بنا حاجةٌ إليه في معاشنا من الحيوان وغيره، فلا أصلبَ من الحجارة والحديد، وقد ذلَّلهما نتَّخذ منهما ما نريد، فقوله: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ عامٌّ، لكنَّ المراد منه ما ينفعنا بقرينة قوله: ﴿لَكُمْ﴾.
﴿وَالْفُلْكَ﴾ عطف على ﴿مَا﴾. وقرئ بالرَّفع (^١) على الابتداء.
و﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ حال منهما، أو خبر.
﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ﴾ بيد القدرة ﴿أَنْ تَقَعَ﴾: من أن تقعَ، أو كراهةَ أن تقع ﴿عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ إلا بمشيئته.
وفيه رَدٌّ لاستمساكها بذاتها، وأما ما قيل: إنها مساوية لسائر الأجسام في الجسميَّة فتكون قابلة للميل الهابط قَبولَ غيرها (^٢)؛ منظور فيه.
_________________
(١) نسبت للأعرج والسلمي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٦).
(٢) "قبول غيرها" من (س). وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٤/ ٧٨).
[ ٧ / ١٤٩ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ بفتحه عليهم أبوابَ المنافع، ودفعِه عنهم أسباب المضارِّ.
والرَّؤوفُ أبلغ من الرَّحيم، وإنَّما قُدِّمَ عليه محافظةً على الفاصلة، وكذا تقديم ﴿بِالنَّاسِ﴾ عليهما لها (^١).
* * *
(٦٦) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ بعد أن كنتم جمادًا ترابًا ونطفةً وعلقةً ومضغةً.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ إذا جاء آجالكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ في الآخرة.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾: لجحودٌ لِمَا أفاضَ عليه مِنَ النِّعَمِ مع ظهورها.
* * *
(٦٧) - ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ كرَّره بغير واوٍ للتَّأكيد والتَّعميم، وتعليقِ الزِّيادة به، وجيء بالواو في الأوَّل لأنَّها وقعت مع ما يناسبها من الآي الواردة في أمر النسائك (^٢)، فعطف عليها، وأمَّا هذه فواقعةٌ مع أجانب من معناها، فلم تجد معطفًا (^٣).
﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ هم عاملون به.
_________________
(١) أي: للفاصلة.
(٢) في (ف): "المناسك"، وفي (ك) و(م): "التناسك".
(٣) في (ف) و(ك): "مقطعًا".
[ ٧ / ١٥٠ ]
﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ﴾ سائرُ أرباب المِلَلِ.
﴿فِي الْأَمْرِ﴾ في أمر الدِّين والنسائك (^١)؛ لأنَّهم جُهَّالٌ أو أهل عناد (^٢)، أو لأنَّ أمر دينك أظهر من أن يَقبل النِّزاع.
وقيل: إنَّه نهي لرسول الله ﷺ عن التَّعرُّض لمنازعتهم بالمناظرة المؤدِّية إلى نزاعهم، فإنَّها إنَّما تنفع طالب الحقِّ، وهم أهل مراءٍ وعناد؛ أي: لا تلتفِتْ إليهم ولا تمكِّنهم من أن يتنازعوا، أو عن منازعتهم (^٣)، كما تقول: لا يضارِبَنَّكَ فلان؛ أي: لا تضاربه (^٤) البتَّة، ولهذا إنَّما يجوز في الفعل الذي بين اثنين.
وروي أنَّها نزلت في الخزاعيين قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتُم، ولا تأكلون ما قتله الله (^٥)؟! يعني: الميتة.
وقرئ: (فلا يَنْزِعُنَّكَ) (^٦)؛ أي: اثْبُتْ في دينك ثباتًا لا يمكنهم أن يزيلوك
_________________
(١) في (ف): "والمناسك "، وفي (ك) و(م): "والتناسك".
(٢) في (ف) و(ك): "أو أهل فساد"، وفي (م): "وأهل فساد".
(٣) قوله: "عن منازعتهم" معطوف على قوله: "عن التعرض لمنازعتهم "، لكن في عبارة المؤلف نظر؛ لعدم ظهور الفرق بين المعطوف والمعطوف عليه، وعبارة البيضاوي في "تفسيره" (٤/ ٧٨): (وقيل: المراد نهي الرسول ﷺ عن الالتفات إلى قولهم وتمكينهم من المناظرة المؤدية … أو عن منازعتهم …). ونحوه في "الكشاف" (٣/ ١٦٩).
(٤) في (ك): "لا يضار بك فلان أي لا تضار به ".
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي " (٧/ ٣٣)، و"الكشاف" (٣/ ١٦٩). وروى الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٢٣) عن عكرمة: أن ناسًا من المشركين دخلوا على رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: "الله قتلها"، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
(٦) نسبت لأبي مجلز. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٦)، و"الكشاف" (٣/ ١٦٩).
[ ٧ / ١٥١ ]
عنه، والمرادُ: زيادةُ التَّثبيت بما يُهيِّج حميَّته ويُلهب غضبه لله ولدينه.
وقال الزَّجَّاج: هو من باب المغالبة؛ أي: لا يغلِبُنَّكَ (^١) في المنازعة، من نازَعْتُهُ فنزعتُه؛ أي: غلبتُه في النِّزاع (^٢).
﴿وَادْعُ﴾ النَّاسَ ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾: إلى عبادة ربِّك.
﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ طريقٍ إلى الحقِّ سويٍّ.
* * *
(٦٨) - ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: وإنْ أبَوا إلَّا المجادلة بعد وضوح أمر دينك واجتهادك في ترك النِّزاعِ، فادفعهم بأنَّ اللهَ أعلمُ بما تعملونه من الجدال الباطل والعناد، فمجازيكم عليها، وهذا وعيدٌ مع رفق.
* * *
(٦٩) - ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿اللَّهُ يَحْكُمُ﴾: يفصل ﴿بَيْنَكُمْ﴾ بثواب المؤمنين وعقاب الكافرين يوم القيامة، كما فَصَلَ في الدُّنيا بالآيات والبيِّنات.
﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدِّين.
الخطاب عام، وفيه تسلية لرسول الله ﷺ بما يَلقى منهم (^٣).
_________________
(١) في (م): "يغالبنك".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٤٣٧).
(٣) في هامش (ف) و(س): "قد سبق وجهها في هذه السورة. منه".
[ ٧ / ١٥٢ ]
ومن تمام التَّسلية تقرير علمه بمضمون ما ذكره بقوله:
(٧٠) - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ من الغيب والشَّهادة.
﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ اللَّوح المحفوظ، كتبه فيه قبل حدوثه. وتنكيره لأنَّه ليس من جنس الكتب المتعارفة.
ولَمَّا كان الإثبات في اللَّوح المحفوظ مَظِنَّة الحاجة في الحفظ إلى الكَتَبة دفعه بقوله:
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾، أي: الإحاطة به وإثباته في اللَّوح المحفوظ.
﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لعدم الحاجة إلى الآلة، فإنَّ علمه تعالى بذاته، فلا يخفى عليه شيءٌ، فلا يهمَّنَّكَ أمرُهم.
* * *
(٧١) ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: ما لم يتمسكوا في جواز عبادته ببرهانٍ نازلٍ بالوحي من عند الله (^١)، ولا بعلمٍ ضروريٍّ أو نظريٍّ، أي: ليس لهم في ذلك مستندٌ لا من جهة النَّقل ولا من جهة العقل، وإنَّما قدَّم الوجه
_________________
(١) في هامش (ف) و(م): "قد مرَّ وجه الفرق بين مطلق الحجة وبين البرهان والسلطان وبيان مزيتهما عليها في سورة الأعراف. منه".
[ ٧ / ١٥٣ ]
النَّقلي لأنَّه الأصل في أمر العبادة، وفي العبارة عنه بما ذكر إشارةٌ إلى أنَّه مع انقسامه إلى أربعة أقسام مذكورة في علم الأصول مرجعُه إلى الوحي.
وإعادة عبارة ﴿مَا﴾ مع عدم الحاجة إليها في إفادة المعنى المذكور كإعادتها في قوله: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج: ١٢].
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾: وما للذين ظلموا هذا الظُّلمَ الشَّنيع ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ يُعِينهم بدفع العذاب عنهم (^١)، ووُضع (^٢) الظَّاهر موضعَ الضَّمير للتَّسجيل على المشركين بالظُّلم.
* * *
(٧٢) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ من القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾: واضحاتِ الدِّلالة على العقائد الحقَّة.
﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: يظهر فيها ظهورًا بيِّنًا حتى يَعرفُه كلُّ مَن يراه.
﴿الْمُنْكَرَ﴾: الإنكارَ؛ لفرط نكيرهم للحقِّ وغيظهم لأباطيل أخذوها تقَليدًا. وهذا مُنتَهى الجهالة، وللإشعار بذلك وضع ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ موضع الضَّمير.
أو: الأمرَ المنكَرَ الفظيع من آثار الغيظ وما يقصدونه من الشَّر.
_________________
(١) في هامش (ف) و(س): "قد مر أن معنى الدفع معتبر في معنى النصر. منه ".
(٢) في (ف): "وضع".
[ ٧ / ١٥٤ ]
﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ السَّطوُ: الوثبُ والبَطشُ.
﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ هم النَّبيُّ ﷺ وأصحابُه ﵃.
﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾: من غيظكم على التَّالِينَ (^١) وسطوِكم عليهم، أو: ممَّا أصابكم من الكراهة والضَّجر بسبب ما يُتلَى عليكم.
﴿النَّارُ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، كأنَّ قائلًا قال: ما هو؟ فقيل: النَّار، أو مبتدأ خبره: ﴿وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
وقرئ بالنَّصب (^٢) على الاختصاص، وبالجر (^٣) بدل من (شرٍّ)، وعلى هذين الوجهَين يحتمل أن تكون الجملة حالًا بإضمار (قد)، وأن تكون استئنافًا كما إذا وقعت خبرًا.
﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ النَّارُ.
* * *
(٧٣) ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ بُيِّنَ لكم حالة غريبة، سُمِّيَتْ مثلًا على سبيل
_________________
(١) في (ف) و(ك): "القالين".
(٢) بلا نسبة في "الكشاف" (٣/ ١٧٠)، ونسبها في "البحر المحيط" (١٥/ ٤٠٤) إلى ابن أبي عبلة والأعشى وزيد بن علي.
(٣) بلا نسبة في "الكشاف" (٣/ ١٧٠)، ونسبها في "البحر المحيط" (١٥/ ٤٠٤) إلى ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن نوح عن قتيبة.
[ ٧ / ١٥٥ ]
الاستعارة؛ لأنَّ الأمثال إنَّما سُيِّرَتْ لكونها مستغربةً، فلهذا نودي النَّاس لها (^١).
وأكَّد غرابتها بقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ وأبهم وبيَّن.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾؛ أي: تدعونه، وقرئ: (يُدْعَوْنَ) مبنيًّا للمفعول (^٢).
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ آلهةً، يعني: الأصنام.
﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ الذُّبابُ: مِنَ الذَّبِّ؛ لأنَّه يُذَبُّ سُمِّي ذبابًا؛ لأنَّه كُلَّما ذُبَّ استقذارًا منه آبَ لاستكباره، وتخصيصُه لمهانته (^٣) وضعفه، وتأكيدُ النَّفيِّ بـ ﴿لَنْ﴾ للدِّلالة على استحالة خلق الذُّباب منهم (^٤)، كأنَّه قال: محالٌ أن يخلقوه (^٥).
﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ بجوابه (^٦) المقدَّرِ له المدلولِ عليه بالمذكور في موضع الحال، جيء بها للمبالغة؛ أي: لا يقدرون على خلقه مجتمعين له متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين؟
﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾؛ أي: هذا الخلق الأذلُّ الأقلُّ لو اختطف منهم شيئًا فاجتمعوا على أن يستخلِصوه منه لم يقدروا عليه.
عن ابن عباس ﵄: أنهم كانوا يَطْلونها بالزَّعفران ورؤوسَها بالعسل، فإذا سلبَه الذُّباب عجز الأصنام عن أخذه (^٧).
_________________
(١) في (م): "بها".
(٢) نسبت لليماني وموسى الأسواري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٦).
(٣) في (ف) و(م) و(ك): "بمهانته"، والمثبت من (س).
(٤) "منهم "من (م) و(س).
(٥) "يخلقوه" زيادة من (م) و(س).
(٦) في (س) و(ف): "لجوابه"، وهو خطأ.
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣١٢)، و"الكشاف" (٣/ ١٧١).
[ ٧ / ١٥٦ ]
والظَّاهر: أنَّ المرادَ جعلُ امتناعِ خلقِهم ذبابًا وامتناعِ استنقاذِهم منه عند سلبه شيئًا منهم مثلًا لانتفاءِ قدرتهم المستلزِمة لانتفاء الألوهيَّة التي تستلزم الاقتدار على جميع المقدورات، ويُستحقُّ بها العبادة، فإنَّ ما (^١) لا يقدر على خلقِ أحقر (^٢) شيءٍ - بل على الاستنقاذ منه - كيف يَستحق أن يُعْبَد عبادةَ مَن له كمالُ القدرة على إيجاد كلِّ شيءٍ وتستخيره؟!
وهذا غايةٌ في تجهيلِهم واستركاك عقولهم.
﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ الصَّنم الطالبُ للاستنقاذ، والذُّبابُ المطلوب أن يُستَنقَذ منه.
وفي هذا التَّذييل إيهامُ التَّسوية، وتحقيقُ أنَّ الطَّالبَ - يعني: الصَّنم - أضعفُ لأنَّه قدّم عليه أنَّ هذا الخلق الأذلَّ هو السَّالب، وذلك طالبٌ خاب عن طَلِبته (^٣).
ولَمَّا أجراهم مجرى العقلاء بإثبات الطَّلب لهم، وبيَّنَ ألَهم أضعف من أذلِّ الحيوان، فقد نبَّه به على مكان آلهتهم في ذلك.
* * *
(٧٤) ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: ما عرَفوه حقَّ معرفته، حيث أشركوا به، وسمَّوا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبةً، وأَوغلُ في الاتِّصاف بأضداد صفاته.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾: قادرٌ على خلق الممكِنات كلِّها.
_________________
(١) في (م): "من".
(٢) في (م): "أصغر".
(٣) في (س): "طلبه".
[ ٧ / ١٥٧ ]
﴿عَزِيزٌ﴾: غالبٌ على كلِّ شيءٍ، ولا يغلبه شيء، فكيف يُشْرَكُ به شيء، سيَّما أحقر الأشياء وأعجزها وأذلُّها؟!
ولَمَّا قرَّر الوحدانيَّة ونفى إلهيَّة الأنداد أرادَ أن ينفي عنها ما يدَّعون لها من التَّوسل بها إلى الله تعالى والتَّقربِ إليه بتوسُّطها فقال:
(٧٥) - ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾: يختارُ ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ يتوسَّطون بينَه وبينَ الأنبياء ﵈ بالوحي.
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ رُسُلًا يبلِّغون رسالته إلى مَن دونهم، ويدعونهم إليه ويشفعون لهم، فلا وسيلة غير هذَيْن الصِّنْفَيْن، ولا تقرُّب إلى الله تعالى بغيرهما.
ففيه نفيٌ لما ادَّعوه من قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣٩]، وقولهم: الملائكةُ بناتُ اللهِ، وردٌّ لمذهبهم واعتقادهم أنَّ الرَّسولَ لا يكون من البشر.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوال الرَّسول فيما تقبله العقول ﴿بَصِيرٌ﴾ بأحوال الأمم في الرَّدِّ والقَبولِ.
* * *
(٧٦) - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما مضى وما غَبَر، لا تخفى منهم خافيةٌ.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: وإليه مرجعُ الأمور كلِّها؛ لأنَّه مالكُها ومدبِّرُها، فلا اعتراض لأحدٍ على حكمه وتدبيره واختيار رسله.
* * *
[ ٧ / ١٥٨ ]
(٧٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ درجَ في هذه الأوامر من الأخصِّ إلى الأعمِّ، فأمر بالصَّلاة المشتمِلة على أصناف الطَّاعات من القلبيَّات والقوليَّات والبدَنيَّات، وعبَّرَ عنها بالرُّكوع والسُّجود لأنَّهما (^١) أعظم أركانها، ثمَّ بمطلق العبادات كالصَّوم والزَّكاة والحجِّ، ثمَّ بسائر الخيرات كصلة الأرحام ومكارم الأخلاق والإصلاح بين النَّاس وأمثالها.
وقيل: كان النَّاسُ في أوَّلِ الإسلام يركعون بلا سجودٍ، ويسجدون بلا ركوعٍ، فأُمِرُوا بالجمع بينهما في الصَّلاة (^٢).
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: افعلوا هذا كلَّه وأنتم راجون الفلاح غيرَ متيقِّنين به، متَّكلين على أعمالكم.
وعن عقبةَ بن عامر ﵁ قال: قلْتُ: يا رسولَ اللهِ، في سورة الحجِّ سجدتان؟ قال: "نعم، إن لم تسجدهما فلا تقرأهما" (^٣).
وعن عبد الله بن عمر ﵄: "فُضِّلَتْ سورةُ الحجِّ بسجدتَيْن" (^٤).
_________________
(١) في (ك) و(م): "لأنها".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٣١)، و"الكشاف" (٣/ ١٧٢). قال الآلوسي في" روح المعاني" (١٧/ ٤٢٣): لم نره في أثر يعتمد عليه.
(٣) رواه أبو داود (١٤٠٢)، والترمذي (٥٧٨)، وفيهما: "نعم، ومن لم يسجدهما، فلا يقرأهما"، قال الترمذي: إسناده ليس بذاك القوي.
(٤) ذكره الترمذي بعد الحديث السابق عن عمر وابن عمر ﵄. وروى نحوه الإمام مالك في "الموطأ" (١/ ٢٠٥) عن عمر بن الخطاب ﵁.
[ ٧ / ١٥٩ ]
وبذلك احتجَّ الشَّافعي فرأى السَّجدتَيْن فيها، وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون فيها إلا سجدة واحدةً؛ لأنَّهم يقولون: قُرِنَ السُّجودُ بالرُّكوع، فدلَّ ذلك على أنها سجدةُ صلاة لا سجدةُ تلاوة (^١).
* * *
(٧٨) - ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ﴾ في شأنِه ومن أجلِه، أمرٌ بالغزوِ، أو بمجاهدة النَّفس والهوى، وهو الجهاد الأكبر؛ لقوله ﵇ عند رجوعه من غزوة تبوك: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" (^٢).
﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أصله: جهادًا حقًّا؛ أي: خالصًا لوجه الله، فأضيف الحقُّ إلى الجهاد للمبالغة، كقولك: هو حقُّ عالمٍ، ثم أضيف الجهاد إلى ضمير ﴿اللَّهِ﴾ إمِّا للملابسة لاختصاصه به من حيث إنَّه مفعول لأجله، أو للاتِّساع في الظُّروف.
﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾: اختاركم لدينه ونصرته، وبناء الفعل على الضَّمير للاختصاص المفيد لوجوب الجهاد؛ أي: هو وحده اجتباكم دون غيره، والذي اجتباه الله بنفسه لا بُدَّ له من الجهاد الأكبر لقضاء حقِّ القرب والولاية، والأصغرِ
_________________
(١) في هامش (ف): "لا لأنَّه كما توهم لعدم الدلالة فيها على ما ظهر من تقدير ما ذكره أبو حنيفة. منه ".
(٢) رواه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٥٢٣)، والبيهقي في "الزهد" (٣٧٣) من حديث جابر بن عبد الله ﵄، وقال: إسناده ضعيف.
[ ٧ / ١٦٠ ]
لقوَّة (^١) يقينه، ووثوقه بحفظه وكلاءته، ولإعلاء كلمته، وإعزاز دينه، ففيه دليل على المقتضي للجهاد في قوله:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾: ضِيقٍ بتكليفِ ما يشتدُّ القيام به عليكم، على أنَّه لا مانع لهم عنه (^٢)، ولا عذر لهم في تركه، وضمَّنه الإشارة إلى الرُّخصة في إغفال بعض ما أمرهم به حيث شقَّ عليهم لقوله ﵇: "إذا أمرتُكُمْ بشيءٍ فأتوا به ما استطعْتُم" (^٣).
وقيل: ذلك بأنْ جعل لهم من كل ذنبٍ مخرجًا، بأن رخَّص لهم في المضايق، وفتح عليهم بابَ التَّوبةِ، وشرعَ لهم الكفَّارات في حقوقه، والأروشَ والدِّيَات في حقوق العباد، فلا ذنْبَ إلَّا وقد جعل لكم منه مخرجًا.
وَيرِدُ عليه: أنَّ الحرج لا ينتفي بوجود (^٤) المحرج في الجملة، لِمَا عرفْتَ أنَّه عبارة عن الضِّيق، لا عن عدم المخلَصِ.
﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ نصبٌ على الاختصاص؛ أي: أعني بالدِّين ملَّة أبيكم، أو على الإغراء؛ أي: الْزَموا ملَّة أبيكم، أو بمضمون ما تقدَّم على المصدر؛ أي: وسَّع دينكم توسعةَ ملَّةِ أبيكم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامَه.
﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ عطف بيان.
وإنَّما جعله أبًا لأنَّ كلَّ نبيٍّ أبو أمَّته من حيث الحقيقة، وهو كان أبا محمَّدٍ ﵇، وأبُ الأبِ أبٌ، أو لأنَّ أكثرَ العرب كانوا من ذرَّيته، فغلِّبوا على غيرهم.
_________________
(١) في (ف): "لسدَّ".
(٢) "عنه": ليست في (م).
(٣) رواه مسلم (١٣٣٧) عن أبي هريرة ﵁.
(٤) في (م): "بوجوه".
[ ٧ / ١٦١ ]
﴿هُوَ﴾؛ أي: الله تعالى ﴿سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ من قبلِ القرآن في الكتب المتقدِّمة.
﴿وَفِي هَذَا﴾؛ أي: في القرآن.
وقيل: الضَّمير لإبراهيم ﵇، وهو وإنْ لم يسمِّهم فيه المسلمين، لكن سُمُّوا به بسبب تسميته إياهم (^١) مسلمين من قبلُ في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].
وقولُه: ﴿وَفِي هَذَا﴾ تقديره: وفي هذا بيانُ تسميته إيَّاكم مسلمين.
ويشهد للأوَّل قراءة أُبيٍّ ﵁: (اللهُ سمَّاكم) (^٢)؛ أي: هو خصَّكم بالاجتباء وسمَّاكم بهذا الاسم الأكرم.
﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ يومَ القيامة، متعلِّق بـ ﴿سَمَّاكُمُ﴾، أو بـ ﴿اجْتَبَاكُمْ﴾.
﴿شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ بأنَّه بلَّغكم، أو بعصيانِ مَن عصى وطاعةِ مَن أطاع.
﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بأنَّ الرُّسلَ قد بلَّغَتْهم.
﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: وإذ قد خصَّكم بهذه الكرامة والشَّرف فاعبدوه وتوبوا إليه بأنواع الطَّاعات.
﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ وثقوا به في مجامعِ أمورِكم.
﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ فلا تطلبوا النَّصرَ والولايةَ إلَّا منه.
﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ حيث لا يمنعُكم رزقَكم بعصيانِكم، ويعينكم على جلب المسارِّ ويدفَعُ عنكم المضارَّ.
_________________
(١) في (ك) و(م): "تسمية أبيهم ".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٦)، و"الكشاف" (٣/ ١٧٣).
[ ٧ / ١٦٢ ]