﷽
(١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾.
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ الإشارة إلى آيات السُّورة، والكتابُ والقرآنُ: السُّورة. وهذا أبلغُ على ما قدَّمنا بيانه في تفسير (سورة يونس) (^١).
واللَّام في ﴿الْكِتَابِ﴾ للماهية، والتَّنكيرُ في (القرآن) للتَّفخيم؛ أي: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الكامل في كونه كتابًا ﴿وَقُرْآنٍ﴾ أي قرآنٍ ﴿مُبِينٍ﴾ (^٢) يُبينُ الرُّشدَ من الغَيِّ بيانًا عربيًّا، يعني: الجامعِ للكمال والغرابة في البيان والبلاغة.
ولَمَّا كان في التَّعريف نوعٌ من الفخامة، وفي التَّنكير نوعٌ آخرُ، وكانَ الغرضُ الجمعَ، عَرَّفَ الكتاب ونكَّر القرآن هاهنا، وعكس في (سورة النَّمل)، وقدَّم المعرَّف في الموضعَيْن لزيادة التَّنويه.
* * *
_________________
(١) "يونس" من (ف)، ووقع مكانه في (م) و(ك) بياض، وفي البياض كتب في (ك): "كذا"، وجاء في هامش (م): "بياض بأصله". وانظر ما تقدم في أول يونس.
(٢) بعدها في (ك): "أي".
[ ٥ / ٤٨٣ ]
(٢) - ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.
﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: منقادين لحكم هذا الكتاب، وهذا التَّمني حين يُخرجُ الله تعالى عصاة المؤمنين من النَّار. وروي فيه حديث مرفوع (^١).
وقيل: إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين عند البعث للحساب، أو عند (^٢) الموت إذا رأوا العذاب.
وقيل: في كلِّ الأحوال التي تُخطر بالبال ظهور بطلان ما كانوا عليه من الضَّلال. وهذا أنسب لِمَا قصد بـ ﴿رُبَمَا﴾ من معنى التَّكثير على وجهٍ أبلغ.
وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ حكايةُ ودادهم على لفظ الغيبة، كقولك: حلف بالله ليفعلَنَّ.
_________________
(١) روي من حديث جابر وأبي سعيد وأبي موسى: فحديث جابر رواه الطبراني في "الأوسط" (٥١٤٦) وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣٧٩): (رجاله رجال الصحيح غير بسام الصيرفي وهو ثقة). وصحح إسناده السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٦٢). وحديث أبي سعيد رواه ابن حبان في "صحيحه" (٧٤٣٢). وحديث أبي موسى رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٨٤٤)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٥٥)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٢٦٥) وصححه. ولفظ الحاكم: "إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من أهل القبلة من شاء الله قالوا: ما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فسمع الله ما قالوا، قال: فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فيقول الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين فنخرجَ كما أخرجوا"، قال: وقرأ رسول الله ﷺ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ١ - ٢] مثقلة".
(٢) في (ت) و(ك): "وعند".
[ ٥ / ٤٨٤ ]
وحقُّ ﴿رُبَمَا﴾ أن تدخل الماضيَ لإنشاء تحقُّق (^١) التَّقليل، لكن لَمَّا كان الغرضُ من الماضي تحقُّقَ وقوعه، والمترقَّبُ في إخبار الله تعالى بمنزلة (^٢) الماضي في تحقُّق وقوعه، أُجرِيَ مجراه، ومعنى التَّقليل فيه واردٌ على طريق العرب وقولِهم في موقع النُّصح وارتكاب المخاطَب ما لا يُشكُّ في استتباعه للتَّندُّم: لعلَّك ستندم (^٣)، وربَّما ندم الإنسان على ما فعل، وليس مرادهم الشكَّ والتَّقليل، بل المراد: أنَّ النَّدمَ لو كان مشكوكًا فيه أو قليلَ الوقوع عمَّا تفعل، لكان حقًّا عليك أن لا تفعل؛ لأنَّ قضية العقل التَّحرُّزُ من الغمِّ المظنون والقليل، فكيف واستتباعُ فعلِك للغمِّ والنَّدم الكثيرِ محقَّقٌ؟ أي: لو كانوا يَودُّون الإسلام مرَّةً واحدة فبالحَرِيِّ أن يُسَارعوا إليه، فكيف وهم يودُّونه في كلِّ ساعة؟
وقرئ: ﴿رُبَمَا﴾ بالفتح والتَّخفيف (^٤)، وبتاء التَّأنيث ودونها (^٥).
و(ما) كافَّةٌ تكفُّه عن العمل، فيجوز دخوله على الفعل، وقيل: نكرةٌ موصوفة، كقوله: ربما تكره النُّفوس من الأمر.
* * *
(٣) - ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿ذَرْهُمْ﴾: اتركهم ﴿يَأْكُلُوا﴾ تخصيصُه بالذِّكْر مع اندراجه في قوله:
_________________
(١) في (ف) و(م): "محقق".
(٢) في النسخ: "منزلة"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٥٦٩).
(٣) في (ك): "تستندم"، والمثبت موافق لما في المصدر السابق.
(٤) وهي قراءة عاصم ونافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٥).
(٥) قرأ طلحة بن مصرف وزيد بن علي: (رُبَّتَما). انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٣٤٩)، و"البحر المحيط" (١٣/ ٢٢٩).
[ ٥ / ٤٨٥ ]
﴿وَيَتَمَتَّعُوا﴾ وتقديمُه عليه؛ للتَّنبيه على أنَّ حظَّهم من الحياة الدُّنيا حظُّ البهائم؛ يأكلون ويشربون.
والاقتصار على ﴿يَأْكُلُوا﴾ لأنَّ الأكلَ يستتبع الشُرب عادة، فذكرُه يغني عن ذِكره.
﴿وَيَتَمَتَّعُوا﴾ بدنياهم، وينهمكوا في شهواتهم.
﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾: وَيشغلهم توقُّعهم لطول الأعمار، وجريانُ أمورهم وأحوالهم على وفق هواهم عن الاستعداد للمعاد.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وَخامَةَ (^١) عاقبتهم وسوءَ صنيعهم إذا عاينوا جزاءَهم.
فيه تهديدٌ ووعيدٌ وتحذيرٌ عن إيثار التَّنعيم وطول الأمل، وإلزامُ الحجَّة؛ لأنَّ الأمر بالضِّدِّ لا يكون إلَّا عند تكرُّر (^٢) الإنذار وثبوت الجحود، وكذلك ما رُتِّبَ عليه، وإقناطٌ للرَّسول ﷺ عن إيمانهم، وإيذان بأنهم من أهل الخذلان لا يقبلون النُّصح ولا يجدي فيهم الإنذار.
* * *
(٤) - ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾.
﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ إهلاكُها كنايةٌ عن إخلائها عن أهلها بإفنائهم، وهو أبلغ من المجاز في القرية، وأما تقدير المضاف فلا حاجة إليه، بل لا وجهَ له عند أرباب البلاغة.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "خاتمة".
(٢) في (م): "تكرار".
[ ٥ / ٤٨٦ ]
﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أجلٌ مكتوبٌ في اللَّوح معلومٌ عند الله تعالى موقَّت، ولهذا (^١) قال:
(٥) - ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾.
﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾؛ أي: كتابها؛ أي: لا تتقدَّم أمَّةٌ، و﴿مِنْ﴾ مؤكِّدة.
﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾؛ أي: عنه، فحذف للعلم به، ووحِّد ﴿تَسْبِقُ﴾ بالتَّاء لظاهر كلمة ﴿أُمَّةٍ﴾، وجُمع في قوله: ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ بالواو والنُّون للمعنى.
والكلام (^٢) متصل بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: العذابُ نازل بهم في وقته الذي جعلناه أجلًا له، أخرناها إليه لمَّا كان في علمنا إيمانَ مَن يخرج من أصلابهم، فإذا بلغ الكتاب أجله وجب العذاب على الكافرين ولم يتأخَّر عنهم.
وجملة المستثنى واقعةٌ حالًا من ﴿قَرْيَةٍ﴾ لأنها في معنى العموم قريبةٌ من المعرفة؛ إذ المراد: قرية من القرى.
وهذه الواو هي التي تعطي أنَّ الحالة بعدها في اللفظ هو قبلها في المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، ومَن حملها على الصفة المذكورة (^٣) لكون القرية نكرةً، ثم قال: والقياس أن لا تتوسط الواو بين
_________________
(١) "لهذا"من (م).
(٢) "والكلام" من (م).
(٣) "المذكورة" ليست في (ف). والمراد: جعَل جملة: ﴿وَلَهَا كِتَابٌ﴾ صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، والقائل لذلك الزمخشري، حيث قال: ﴿وَلَهَا كِتَابٌ﴾ جملة واقعة صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف …) إلى آخر ما قال مما سيأتي. انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٧٠) وما سيأتي بين معكوفتين منه.
[ ٥ / ٤٨٧ ]
الصِّفة والموصوف، وإنما جيء بها لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف كما في الحال، تقول: جاءني زيد عليه ثوب، [و: جاءني] وعليه ثوب= فقد تعسَّف؛ لأنَّ الواو إنَّما جيء بها لئلَّا يشتبه الحال بالصفة، لتقدُّم الحال على النَّكرة، ألا ترى إلى قولهم: جاءني رجل وعليه درع، كيف التزموا فيه الإتيان بالواو دفعًا للاشتباه المذكور؟ فكذا هاهنا (^١).
ثمَّ إنَّ فيما اختاره فصلًا بين الصِّفة والموصوف بـ ﴿إِلَّا﴾، وهو غير جائزٍ، نصَّ عليه الأخفش وأبو عليٍّ الفارسي (^٢).
* * *
(٦) - ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ يعني: مشركي مكَّة على وجه الاستهزاء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ نداءٌ للرَّسول ﷺ على سبيل التَّهكُّم، ألا ترى إلى ما نُودي، وهو قولهم:
﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ والتعكيس في الكلام للاستهزاء، والتَّهكُّمُ طريق واسعٌ، ونظيره قول فرعون: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، يعنون: أن ادِّعاءه لنزول الذِّكر عليه قول المجانين، والمراد من الذِّكر: القرآن.
* * *
_________________
(١) "فكذا هاهنا" من (م).
(٢) انظر كلاميهما وتفصيل المسألة في "البحر" (١٣/ ٢٣١).
[ ٥ / ٤٨٨ ]
(٧) - ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿لَوْمَا تَأْتِينَا﴾؛ أي: هلَّا تأتينا، رُكِّبَ (ل) مع (ما)، كما ركب مع (لا) لمعنيَيْن: امتناعِ الشَّيء لوجود غيره (^١)، والتَّحضيض.
والفرق بينهما: أن التحضيضية لا يليها إلَّا الفعل ظاهرًا أو مضمرًا، والامتناعية لا يليها إلَّا الأسماء لفظًا أو تقديرًا عند البصريين.
﴿بِالْمَلَائِكَةِ﴾ ليصدِّقوك ويشهدوا لك ويَعضُدوك على الإنذار، كقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]، أو: ليعاقبونا على تكذيبنا إيَّاك كما أتى الأمَّةَ المكذِّبة مِنْ قَبلُ.
﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: إن كنت صادقًا في دعواك، أو: إن كنت من جملة تلك الرُّسل الصَّادقين في دعواهم.
* * *
(٨) - ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾.
﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ بالياء مسندًا إلى ضمير اسم الله تعالى (^٢).
وقرئ بالنُّون (^٣)، وهو مناسب لما تقدَّم وما تأخَّر من ألفاظ التَّعظيم، وقرئ
_________________
(١) في (ف) و(ك): "لوجوده".
(٢) كذا تابع المؤلف البيضاوي في قوله: "بالياء مسندًا … "، وأورد عليه: أنَّ قراءة الياء لم يقرأ بها أحد من العشرة، ولم توجد في الشواذ أيضًا، بينما بنى البيضاوي تفسيره عليها، وحكى قراءة السبعة بصيغة التمريض. قال الآلوسي: وهو خلاف ما سلكه في تفسيره، ولعله ﵀ قد سها. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٥/ ٢٨٤)، و"حاشية القونوي على البيضاوي" (١١/ ١٢٢)، و"روح المعاني" (١٣/ ٤٠٣).
(٣) قرأ بها حفص وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٥).
[ ٥ / ٤٨٩ ]
بالتَّاء والبناء للمفعول ورفع ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ (^١)، وقرئ: ﴿نُنَزِّلُ﴾ (^٢) بمعنى: تتنزَّل.
﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ متعلق بالفعل قبله (^٣)، أو بمحذوفٍ على أنَّه حال من الفاعل، أو المفعول؛ أي: ملْتبسين بالحقِّ، أو نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إلَّا تنزيلًا ملتبسًا بالحقِّ؛ أي: بالحكمة والصَّواب (^٤)، ولا حكمة في أن يأتيكم بصور تشاهدونها وتشهدون بصدقه؛ فإنه لا يزيدكم إلا لبسًا، كقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، ولا في معاجلتكم (^٥) بالعقاب؛ فإنَّ منكم ومن ذراريكم مَن سبق له حكمنا بالإيمان.
وقيل: الحقُّ: الوحيُ، وقيل: العذاب.
﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ جوابٌ لهم وجزاءُ شرطٍ (^٦) مقدَّر؛ أي: لو (^٧) أنزلنا الملائكة ما كانوا مُنْظَرين.
* * *
(٩) - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ رَدٌّ لإنكارهم واستهزائهم، ولهذا أكَّده بـ (إنَّ) والضَّميرِ وبناءِ الفعل عليه، وقرَّره بقوله:
_________________
(١) قرأ بها أبو بكر علام عاصم. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٥).
(٢) قرأ بها باقي السبعة. انظر المصدر السابق.
(٣) في النسخ: "بفعل قبله"، والصواب المثبت، والمراد: ﴿نُنَزِّلْ﴾. انظر: "روح المعاني" (١٣/ ٤٠٤).
(٤) في (ف) و(م): "والثواب".
(٥) في (م): "معالجتكم".
(٦) في (ك): "لشرط".
(٧) في (ك): "ولو".
[ ٥ / ٤٩٠ ]
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾؛ أي: من الطَّعن والتَّحريف والزِّيادة والنُّقصان، بأنْ جعلناه مباينًا لكلام البشر، لا يخفى على أهل البلاغة إعجازُه وتغييرُ نظمه لو غُيِّرَ، بخلاف الكتب المتقدِّمة؛ فإنَّه تعالى لم يتولَّ حفظَها، واستحفظها الرَّبانيُّون والأحبار، ولم يجعلْ لفظها ونظمها معجزًا لا يمكن تغييرها (^١)، فاختلفوا فيما بينهم وحرَّفوا وغيَّروا.
وقيل: الضَّمير لرسول الله ﷺ، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
* * *
(١٠) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: أرسلنا رسلًا. و﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ يجوز أن يتعلَّق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، وأن يتعلق بالمحذوف على أنَّه نعتٌ له.
والشِّيع: جمع شيبة، وهي الفرقة المتَّفقة على طريقٍ ومذهبٍ، مِن شاعه: إذا تبعه، وأصله الشِّياعُ، وهو الحطب الصِّغار تُوقَدُ بها الحطب (^٢) الكبار.
والمعنى: نبَّأنا رجالًا فيهم وجعلناهم رُسلًا فيما بينهم.
* * *
(١١) - ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كما يفعل هؤلاء، وهو تسليةٌ للنَّبيِّ ﷺ.
_________________
(١) في (ك): "تغييرهما".
(٢) في (م): "حطب".
[ ٥ / ٤٩١ ]
قيل: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ؛ لأنَّ (ما) لا يدخل على مضارع إلَّا هو في موضع الحال، ولا على ماضٍ إلَّا هو قريب من الحال.
ورُدَّ عليه: بأنَّ (ما) يكثر دخوله على المضارع مر ادًا به الحال، ويدخل عليه مرادًا به الاستقبال، كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥]، وأُنشِدَ شاهدًا له قول أبي ذؤيب:
أَوْدَى بَنيَّ وأَوْدَعونيْ حَسْرةً … عندَ الرُّقادِ وعَبْرةً ما تُقْلِعُ (^١)
وقول الأعشى في مدح رسول الله ﷺ:
له ناحلاتٌ مانعاتٌ نَوالها … وليس عطاءُ اليومِ مانِعَهُ غَدا (^٢)
وقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا﴾ يجوز أن يكون حالًا من مفعول ﴿يَأْتِيهِمْ﴾، ويجوز أن يكون صفة لـ ﴿رَسُولٍ﴾، ففيه وجهان؛ الجرُّ باعتبار اللَّفظ، والرَّفعُ باعتبار المحلِّ، وإذا كانت حالًا فهي حالٌ مقدَّرة.
* * *
(١٢) - ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك السَّلْك ﴿نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ والسَّلْك: إدخال
_________________
(١) انظر: "شرح التسهيل" (١/ ٣١)، وروايته في "ديوان الهذليين" (ص: ٢): أودى بنيَّ وأعقبوني غُصَّة … بعد الرُّقاد وعبرة لا تقلع
(٢) انظر: "البحر" (١٣/)، وصدره فيه: له نافلات ما يُغِبُّ نَوَالُها وفي "شرح التسهيل" (١/ ٣١): (له نائلات ..)؛ وصدره في "ديوان الأعشى" (ص: ١٨٧): له صدقات ما تغبُّ ونائلُ
[ ٥ / ٤٩٢ ]
الشيء في الشيء كالخيط في المِخْيَط، والرُّمحِ في المطعون، والضمير لـ ﴿الذِّكْرَ﴾، أي: ندخله في قلوبهم مكذَّبًا مستهزأً به غير مقبول (^١)، كالضَّمير الأخير في قوله:
(١٣) - ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وهو حالٌ من هذا الضَّمير، أو بيانٌ للجملة (^٢) المتضمِّنة له، أو حال من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾، أو منهما، ولا ينافي كونَها (^٣) مفسِّرة للمعنى الأول، بل يقوِّيه، وتعاقُبُ الضمائر وإن لم يستلزم توافقها في المرجوع إليه لكنَّه مستحسَن لا يُعدل عنه عند سداد المعنى به.
﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ استئناف، أي: قد مضت طريقتُهم التي سنَّها الله تعالى في إهلاكهم حين كذَّبوا الرُّسل وكذَّبوا الذِّكر المنزَل إليهم، وهو وعيدٌ لأهل مكَّة على تكذيبهم، فمَوقع هذا الكلام مَوقعُ الغاية في (سورة الشعراء)؛ أعني قوله: ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨].
* * *
(١٤) - ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾.
﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾: على هؤلاء المقترحين المعاندين.
﴿بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾؛ أي: يسَّرنا لهم معراجًا يصعدون فيه إليها طول النَّهار ويعاينون ما هنالك، وذكر الظُّلول ليكون عروجهم بالنَّهار مستوضِحين لِمَا يعاينون طوله.
_________________
(١) في (ف): "باستهزاء به غير معقول".
(٢) في (ف): "الجملة". والمراد بها: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾.
(٣) في النسخ: "كونه"، والصواب المثبت. انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٠٨).
[ ٥ / ٤٩٣ ]
(١٥) - ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾.
﴿لَقَالُوا﴾ من غلوِّهم في العناد وتشكيكًا في الحقِّ:
﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾: حُيِّرَتْ (^١) من السُّكْر، ويدل عليه قراءة: (سَكِرَتْ) (^٢)؛ أي: حارت كما يَحار السكران، أو: حُبست، من السِّكْر (^٣)، ويدل عليه قراءته بالتَّخفيف (^٤)؛ أي: حُبست ومنعت من الإبصار كما يُحبَس النَّهر من الجري.
﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ قد سَحَرَنا محمَّدٌ ﷺ بذلك، كما قالوا عند ظهور غيره من الآيات؛ أي: هذا أمرٌ تخييليٌّ لا حقيقةَ له قد سكر أبصارَنا، بل سحرنا به (^٥).
ومعنى ﴿إِنَّمَا﴾: أنهم يبتُّون القول بأنَّ ذلك ليس إلا تسكير الأبصار، وهذا (^٦) معنى الإضراب في ﴿بَلْ﴾، وإيرادِ الجملة الاسمية؛ أي: قد سُحرنا سحرًا ثابتًا لا إفاقة معه.
* * *
(١٦) - ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ هي الاثنا عشر المعروفةُ مختلفةُ الهيئات والخواصِّ على ما دلَّ عليه الرَّصد والتَّجربة، ومن زاد على هذا قوله: مع بساطتها، فقد ادَّعى ما دون إثباته خَرْطُ القَتادِ.
_________________
(١) في (ك): "صيرت"، وفي (ف): "خيرت".
(٢) نسبت للزهري. انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٣٥٣)، و"البحر" (١٣/ ٢٣٨).
(٣) بكسر السين، وهو السد والحبس. انظر: "البحر" (١٣/ ٢٣٨).
(٤) هي قراءة ابن كثير بتخفيف الكاف، وشددها الباقون. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٦).
(٥) "بل سحرنا به" من (م).
(٦) في (ف): "وكذا".
[ ٥ / ٤٩٤ ]
﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بالأشكال والهيئات البهيَّة ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾: المعتبرين المستدِلِّين بها على قدرة مبدِعها وتوحيد صانعها.
* * *
(١٧) - ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾.
﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ الضَّمير للسَّماء، وكذا في ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾؛ إذ لا وجه لتخصيص الزِّينة بالبروج.
﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ فلا يقدر أن يصعد إليها، ويوسوسَ أهلها، ويتصرَّفَ في أمرها، ويطَّلع على أحوالها.
﴿رَجِيمٍ﴾: مرجوم بالنُّجوم؛ أي: مَرْميٍّ بها.
* * *
(١٨) - ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾.
﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ في محلِّ النَّصب على الاستثناء المتَّصل.
واستراق السَّمع: اختلاسُه سرًّا، شُبِّهَتِ الخطفة اليسيرة التي للشَّياطين من سكان السماوات لبعض الغيب بما بينهم من المناسبة في الجواهر - أو بالاستدلال من أوضاعها وحركاتها - بالسَّرقة في المسموعات.
وعن ابن عباس ﵄: كان الشياطين غيرَ محجوبين عن السماوات، فلمَّا بُعِثَ عيسى ﵇ مُنِعوا من ثلاث سماوات، فلمَّا بُعِثَ محمَّدٌ ﷺ مُنِعوا منها جميعًا بالشُّهب (^١).
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٤٨١)، و"زاد المسير" (٤/ ٣٨٩).
[ ٥ / ٤٩٥ ]
ولا يقدح فيه تكوُّنها قبل المولد؛ لجواز أن يكون لها أسبابٌ أخر.
ويجوز أن تكون ﴿مِنْ﴾ في محل الرَّفع بالابتداء، وخبره:
﴿فَأَتْبَعَهُ﴾؛ أي: طلب لحوقه، وإنما دخلت الفاء لأن ﴿مِنْ﴾ إمَّا شرطيَّة، وإمَّا موصولة مشبَّهة (^١) بالشرطية، والاستثناء منقطع.
وقيل: إنه بدل من ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾، فيكون محلُّه الجرَّ.
وفيه: أنَّ الكلام موجَب فيحتاج إلى تأويله بالنَّفي، ولا ضرورة هاهنا، بخلاف قوله: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩]؛ فإنَّ فيه ضرورةً على قراءة الرفع، ومَن قال: أي: فتبعه ولحقه، فكأنَّه لم يفرِّق بين (تَبِعَه) و(أَتْبَعه)، والفرق قائم، يقال: أَتْبَعه إتباعًا: إذا طلب الثَّاني اللُّحوق بالأوَّل، وتَبِعه تبعًا: إذا مرَّ به فمضى معه، وكذلك اتَّبعه اتِّباعًا بالتَّشديد.
ثمَّ إنَّ ما روي عن ابن عباس ﵄ بعد قوله: منعوا منها جميعًا، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلَّا رُمِيَ بشهابٍ قبسٍ، فإنْ أصابَه أحرَقَه، وإنْ أخطأه خبَله، فصار غولًا يضلُّ النَّاسَ في البوادي (^٢) = صريح في عدم اعتبار اللُّحوق في الإتباع.
﴿شِهَابٌ مُبِينٌ﴾: ظاهر للمبصِرين.
والشِّهابُ: شعلةُ نارٍ ساطعةٌ، وإطلاقه على الكوكب والسِّنان بطريق الاستعارة؛ لِمَا فيها من البريق (^٣).
_________________
(١) في (ك) و(م): "شبهت".
(٢) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (١٢/ ٥٦٦ - ٥٦٧)، و"تفسير الرازي" (١٩/ ١٣٠).
(٣) في (ف): "البرق".
[ ٥ / ٤٩٦ ]
(١٩) - ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾.
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: بسَطناها؛ ليحصل بها الانتفاع لمن حلَّها.
وقيل: المدُّ هو البسط؛ أي: ما لا يُدرك منتهاه (^١).
ولما كانت هذه الجملة تقدمها جملة فعلية كان النصب على الاشتغال أرجحَ من الرَّفع على الابتداء، فلذلك نصب ﴿وَالْأَرْضَ﴾.
﴿وَأَلْقَيْنَا﴾: طرَحنا، وإنما قال: ﴿فِيهَا﴾ دون (عليها)؛ لدفع ما يتبادر إلى الفهم من [أنَّ] (^٢) إلقاء الجبال إلقاؤها على الأرض من الخارج، وبيانِ أنَّ المراد تكوُّنها فيها على وجه يتظاهر كأنَّها ملقاةٌ عليها.
﴿رَوَاسِيَ﴾: جبالًا ثوابت، وقد مرَّ ما يتعلق به في تفسير (سورة الرعد).
﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض.
والإنبات في الجبال يندرج في الإنبات في الأرض بدون العكس، فلا حاجة إلى الجمع، ولا وجه لعود الضمير إلى الجبال خاصَّة (^٣).
﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لفظة ﴿كُلِّ﴾ للتَّكثير والتَّفخيم، لا للإحاطة والتَّعميم، وقد مَرَّ نظائرها.
﴿مَوْزُونٍ﴾ بميزان الحكمة مقدَّرٍ بقَدْر تقتضيه، أو: مستحسَنٍ مناسب،
_________________
(١) في (ف): "ما لا يدرى أنى منتهاه".
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) في (ف) و(ك): "والإنبات في الجبال يندرج، ولا وجه لإرجاع الضمير إلى الجبال خاصة، فلا حاجة إلى الجمع في الإنبات في الأرض بدون العكس"، والمثبت من (م).
[ ٥ / ٤٩٧ ]
كقولهم: كلام موزون، أو: ذي (^١) قَدْر ووَقعٍ في باب النِّعمة والمنفعة (^٢).
* * *
(٢٠) - ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ قد مرَّ تفسيره في (سورة الأعراف).
﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ نصب عطفًا على ﴿لَكُمْ﴾، لا على الضمير المجرور، وإلَّا لوجب إعادة الجارّ؛ أي: وجعلنا لكم فيها معايش ومَن لستم له برازقين من العيال والخدم والمماليك والأنعام والدَّوابِّ ممن تظنُّون أنَّكم رازقوهم ظنًّا كاذبًا، والله يرزقكم وإيَّاهم.
أو على ﴿مَعَايِشَ﴾؛ أي: وجعلنا فيها مَن لستم له برازقين ممَّا ذُكِرَ؛ فإنَّها من معايشكم.
وفذلكة الآية: الاستدلال بجعل الأرض ممدودةً بمقدارٍ وشكلٍ معيَّن، مختلفةَ الأجزاء في الوضع، محدثةً فيها أنواع النبات والحيوان المختلفة خِلقةً وطبيعة، مع جواز أن لا يكون كذلك، على (^٣) كمال قدرته تعالى، وتناهي حكمته، والتَّفرُّدِ في الألوهيَّة، والامتنانِ على العباد بما أنعم الله عليهم في ذلك ليوحِّدوه ويعبدوه، ثم بالغَ في ذلك فقال:
* * *
_________________
(١) في (ك) و(م): "أي ذو".
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٠٨١)، وفيه بعد (كلام موزون): (أو ما يوزن ويقدر أو له وزن في أبواب النعمة والمنفعة).
(٣) "على" متعلق بقوله: "الاستدلال".
[ ٥ / ٤٩٨ ]
(٢١) - ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾.
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ في محلِّ الرَّفع مبتدأ، خبره (^١) ﴿عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ و﴿مِنْ﴾ زائدة لتأكيد العموم.
الخزائن: جمع الخزانة، وهي اسم المكان الذي يخزن - أي: يحفظ - فيه نفائس الأموال.
شبَّه معلوماته تعالى الممكنةِ التي إذا تعلقت الإرادة بها وُجِدَتْ بقدرته بالأشياء المخزونة في الخزائن، فهي استعارة.
وقيل: ضرب ذلك مثلًا لاقتداره في كلِّ مقدور وإيجاده وتكوينه بحسَب الإرادة؛ أي: ما من شيء من الأشياء الممكِنة إلَّا ونحن قادرون على إيجاد أضعاف ما وجد منه.
﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾؛ أي: نكوِّنه ونُوجده في العالم السُّفلي.
﴿إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ إلا بمقدار معيَّن، وقد عيَّنته الحكمة، واقتضته المشيئة، فإنَّ تخصيص (^٢) كلٍّ منها بصفةٍ دون أخرى، وشكلٍ ومقدارٍ ووقتٍ معيَّنٍ دون ما يخالفها، لا بُدَّ له من مخصِّصٍ حكيمٍ.
* * *
(٢٢) - ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾.
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ فيه إشارة إلى أنَّ مقتضى طبع الرِّيح الهُبوب، وإنَّما يركُد بالقسر الإلهي لِمَا في هبوبه الزَّائد عن قَدْر الحاجة مفسَدةٌ عظيمةٌ.
_________________
(١) في (ف): "خبره".
(٢) في (ف): "تخصص".
[ ٥ / ٤٩٩ ]
﴿لَوَاقِحَ﴾: حواملَ، أو: ملقِحاتٍ للشَّجر والسَّحاب، ونظيره: الطَّوائح بمعنى المَطاوح، جمع مُطيحة، كقوله:
ومُخْتَبِطٌ ممَّا تُطِيْحُ الطَّوائِحُ (^١)
أي: المطيحات، شبَّه الرِّيحَ التي جاءت بخير كإنشاء سحابٍ ماطرٍ (^٢) وإنبات زرعٍ وعشب بالحامل، كما شَبَّه ما لا يكون كذلك بالعقيم.
وقرئ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ على تأويل الجنس (^٣).
﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قد مرَّ تفصيله في تفسير (سورة البقرة).
﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ (^٤): فجعلناه لكم سُقْيا.
﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ نفيٌ لما أثبته لنفسه في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ عنهم، كأنَّه قال: نحن الخازنون للماء لا أنتم؛ أي: نحن القادرون على خزنه في السَّحاب وإنزاله، وما أنتم عليه بقادرين، دلالةً باهرة على عظيم قدرته، وإظهارًا لعجزهم.
وقيل: معنى ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ في الغدران والعيون والآبار.
* * *
_________________
(١) اختلف في نسبته. فنسب في "الكتاب" لسيبويه (١/ ٢٨٨) للحارث بن نهيك، وفي "مجاز القرآن" (١/ ٣٤٩) لنهشل بن حري، وبلا نسبة في "المقتضب" (٣/ ٢٨٢)، و"الخصائص" (٢/ ٣٥٣). وصدره: ليُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ
(٢) في (ك) و(م): "السحاب الماطر".
(٣) هي قراءة حمزة. انظر: "التيسير" (ص: ٧٨).
(٤) "فجعلناه لكم سقيًا" زيادة من (ك) و(م).
[ ٥ / ٥٠٠ ]
(٢٣) - ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ تقديم الضَّمير للاختصاص، وتكريره وتأكيده بـ ﴿إِنَّ﴾ للحصر والتَّقوية؛ أي: لا قدرة على الإحياء والإماتة (^١) إلَّا لنا.
ويجوز أنْ يُرادَ بالحياةِ ما يعمُّ الحيوان والنَّبات، وبالموت ما يقابله.
﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾: الباقون بعد فناء الخلق كلِّه، استُعير الوارث للباقي، من وارث الميت؛ لأنَّه يبقى بعد فنائه.
* * *
(٢٤) - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: مَن استَقْدَم ولادةً وموتًا، ومَنْ تأخَّرَ مِنَ الأوَّلين والآخِرين فيهما.
أو: مَنْ خرج مِنْ أصلاب الرِّجال ومَنْ لم يخرج بعدُز.
أو: مَنْ تقدَّم في الإسلام والجهاد وسبقَ إلى الطَّاعة ومَن تأخَّر، لا يخفي علينا من أحوالكم شيءٌ، فهو بيانٌ لكمال علمه تعالى بعد الاحتجاج على كمال قدرته، وقد دلَّ على علمه أيضًا ما دلَّ على قدرته.
وقيل: رَغَّبَ رسولُ الله ﷺ في الصَّف الأوَّل في الصَّلاة، فازدحموا عليه، فنزلت (^٢).
_________________
(١) "والإماتة" من (م).
(٢) روي عن الربيع بن أنس كما في "تفسير الثعلبي" (٥/ ٣٣٨)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٧٦).
[ ٥ / ٥٠١ ]
وقيل: إنَّ امرأة حسناء كانت في المصلِّيات خلفَ رسول الله ﷺ، فاستقدم بعضُ القوم لئلَّا يقعَ بصره عليها، واستأخر بعضُهم ليبصرها، فنزلت (^١).
وما تقدَّم من الوجوه والذي يتلوه هو المطابق للسَّابق واللَّاحق.
* * *
(٢٥) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الحشر: جمع الحيوان من جهات شتَّى إلى مكان؛ أي: هو (^٢) وحده يقدر على حشرهم وحصرهم مع تباعد أطراف عددهم.
وتصدير الجملة بـ (إنَّ) لتحقيق الوعد، والتَّنبيهِ على أنَّ ما سبق من الدَّليل على كمال قدرته تعالى وعلمه يدلُّ على صحَّة هذا الحكم، كما صرَّح به في قوله:
﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾: باهر (^٣) الحكمة، متفنِّنٌ (^٤) في أفعالِه.
﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: واسع العلم، يحيط بكلّ شيءٍ علمًا.
* * *
(٢٦) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.
_________________
(١) رواه الترمذي (٣١٢٢)، والنسائي (٨٧٠)، وابن ماجه (١٠٤٦) عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄. ورواه الترمذي عن أبي الجوزاء دون ذكر ابن عباس ﵄، وقال: وهذا أشبه أن يكون أصح. وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: غريب جدا وفيه نكارة شديدة.
(٢) "هو" من (م).
(٣) في (م): "أي باهر".
(٤) في (ك): "متقن".
[ ٥ / ٥٠٢ ]
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ لَمَّا نبَّه تعالى على منتهى الخلق - وهو الحشر يوم القيامة؛ أي: ما يستقرُّون فيه - نبَّههم (^١) على مبدأ أصلِهم.
والصَّلصالُ: الطين اليابس الذي يُصلصِل لشدَّة يبسه، وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخَّار، وقيل: إذا سمع في صوته مَدٌّ عند النَّقر فهو صليل، وإذا سمع ترجيع فهو صلصلة، وقيل: هو تضعيف (صَلَّ): إذا أنتن.
﴿مِنْ حَمَإٍ﴾ صفة ﴿صَلْصَالٍ﴾؛ أي: كائنٍ من حمأ، ويجوز أن يكون بدلًا من ﴿صَلْصَالٍ﴾ بإعادة الجارّ.
والحمأُ: طينٌ تغيَّر واسودَّ من طولِ مجاورةِ الماءِ.
﴿مَسْنُونٍ﴾: مصبوبٍ مفرَّغٍ، من سَنَّ الماء: إذا صبَّه؛ أي: أُفرغ صورةَ إنسان كما تُفرغ الصورة والتَّماثيل من الجواهر المذابة، كأنه أَفرغ الحمأ فصوَّر منها تمثال إنسان أجوفَ، فيبس حتى إذا نُقر صلصل، ثم غيَّر ذلك طورًا بعد طورٍ حتى سوَّاه ونفخ فيه من روحه.
* * *
(٢٧) - ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾.
﴿وَالْجَانَّ﴾: أبو الجنِّ إبليس (^٢)، كما أنَّ اَدم ﵇ أبو الإنس، ويجوز أن يُرادَ به الجنس، كما هو الظَّاهر من ﴿الْإِنْسَانَ﴾، فإنَّ تشعُّب الجنس لما كان من شخصٍ واحدٍ خُلق من مادة واحدة كان الجنس بأسره مخلوقًا منها.
وانتصابه بفعل يفسِّره: ﴿خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾: من قبلِ خلق الإنسان.
_________________
(١) في (م): "نبأهم".
(٢) "إبليس" سقط من (م) و(ك).
[ ٥ / ٥٠٣ ]
﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾: من نار الحرِّ الشَّديد النافذ في المسام، وهذا باعتبار الغالب، كقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم: ٢٠]، ولا يمتنِع خلقُ الحياة في الأجرام البسيطة، كما لا يمتنِع خلقها في الجواهر المجرَّدة، فضلًا عن الأجساد المؤلفة التي الغالبُ فيها الجزء النَّاري، فإنها أقبلُ لها من الغالب فيها الجزءُ الأرضي.
ومساق الآية كما هو للدّلالة على كمال قدرة الله تعالى، وبيانِ بدء خلق الثَّقلَين، فهو للتَّنبيه على المقدِّمة الثَّانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر، وهو قَبول الموادِّ للجمع والإحياء.
* * *
(٢٨) - ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ اذكُرْ وقتَ قولِه: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ إنما قال هاهنا ﴿بَشَرًا﴾؛ لأنَّ المراد الجسد الخالي عن الرُّوح، والمراد فيما سبق جنس الإنس، ولم يقصد خلوَّه عن الرُّوح، فلذلك عبَّر عنه ثمَّة بـ ﴿الْإِنْسَانَ﴾.
* * *
(٢٩) - ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾: عدَّلْتُ خِلقته وهيأتُه لنفخ الرُّوح فيه.
﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾؛ أي: أحييته، وهو تمثيل لتحصيل ما تحيى به جثَّته فيه، وما ثمَّةَ نفخٌ ولا منفوخ، لكن لَمَّا كان ظهور الرُّوح الإنساني المخصوص بالله تعالى فيه إنما هو بفيضان القوَّة الحيوانيَّة على البخار اللَّطيف المتولِّد في القلب الساري
[ ٥ / ٥٠٤ ]
منه في الشَّرايين إلى سائر أعضاء البدن عبَّرَ عن إحيائه بنفخ الرُّوح، فإنَّ النَّفخ إنما هو إجراء الرِّيح (^١) في تجويف جسم آخرٍ.
وإضافة الرُّوح إلى نفسه لأنّه مصدَر نه بلا واسطةٍ.
﴿فَقَعُوا لَهُ﴾: فاسقطوا له ﴿سَاجِدِينَ﴾: أمرٌ من وقَعَ يَقَعُ.
* * *
(٣٠) - ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾.
﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ تعلُّقه لأمرٍ منجَزٍ مذكورٍ في مواضع أُخر، وقد قرَّرناه في تفسير (سورة الأعراف)، لا لأمرٍ معلَّقٍ مذكورٍ هاهنا، فالفاء فصيحة (^٢) للعطف على محذوفٍ، تقديره ظاهرٌ لمن وقف على الأمر التَّنجيزي.
﴿أَجْمَعُونَ﴾ أكَّدَ بتأكيدَيْن للمبالغة في التَّعميم ومنع التَّخصيص، هذا على قول سيبويه (^٣).
وعن المبرِّد: أكَّد بالكُلِّ للإحاطة، وبـ (أجمعين) للدَّلالة على أنَّهم سجدوا دفعة واحدة.
وردَّه الزَّجَّاج بأنَّ (أجمعين) معرفة، فلا يكون حالًا (^٤).
_________________
(١) في (ك): "إجزاء الروح".
(٢) في (م): "الفصيحة".
(٣) انظر: "الكتاب" (٢/ ٣٨٧).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٧٩). وجاء في هامش (م): "قيل: فيه إشارة إلى الرَّد على البيضاوي حيث قال بعد ما نقل عن المبرد: فيه نظر؛ إذ لو كان الأمر كذلك كان الثَّاني حالًا لا تأكيدًا. انتهى. أقول: مراد القاضي البيضاوي كان الثاني حالًا، إذ فيه تأسيس، والحال أنه لا يكون حالًا لأنَّه معرفة؛ يعني مراد الفاضل القاضي أنَّ اللَّازم نظر، والملزوم مثله. منه. =
[ ٥ / ٥٠٥ ]
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾.
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ استثناء متَّصل، وقد سبق وجهه في سورة البقرة والأعراف.
﴿أَبَى﴾ استئناف، كأن سائلًا قال: هلَّا سجد، فقيل: أبى.
﴿أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ في عبارة ﴿مَعَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ إبليس كان في حيِّز التَّابعين في أمر السُّجود، ومع ذلك استكبر، ولا يخفى لطف موقع هذه الإشارة حيث كان الكلام في تقبيح حاله.
* * *
(٣٢) - ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾.
﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ﴾: أيُّ غرضٍ لك في أن لا تكون ﴿مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ لآدم.
* * *
(٣٣) - ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.
﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ اللَّام لتأكيد النَّفي؛ أي: لا يصحُّ منِّي، وينافي حالي أن أسجد ﴿لِبَشَرٍ﴾ جسمانيٍّ كثيفٍ، وأنا روحانيٌ لطيفٌ.
_________________
(١) = ويمكن الجواب من جانب المبرِّد أنّ وضعَ لفظ (كل) و(أجمعين) للتَّأكيد، وكل واحد منهما تأكيد للملائكة من جهة مستقلَّة، وذلك أن الإحاطة تفهم من قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾ فيكون قوله: ﴿كُلُّهُمْ﴾ تأكيدًا من حيث الإحاطة كما في قولهم: جاءني القوم كلهم، وأيضًا يفهم من قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾ سجدتهم مجتمعين دفعة، فيكون قوله تعالى: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ تأكيدًا من حيث الدلالة على أنهم سجدوا مجتمعين دفعة كما في قولهم: جاءني القوم أجمعون، فعلى هذا ليس فيه تأسيس حتى لا يكون تأكيدًا بل حالًا. هداية الله عمر من خطه".
[ ٥ / ٥٠٦ ]
﴿خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾؛ أي: خلقتَه من أخسِّ الأجرامِ، وأنا مخلوق من أشرفها، استنقَص آدمَ ﵇ باعتبار النَّوع والأصل، وقد سبق الجواب عنه.
* * *
(٣٤) - ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾.
﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾: من السَّماء أو من (^١) الجنَّة.
﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾: مطرودٌ من رحمة الله تعالى، أي: ملعونٌ لأن الطَّرد من الرَّحمة هو اللَّعن، والرَّجم في الأصل هو الرَّمي بالحجارة (^٢)، وجُعل الرَّجم طردًا لأنَّ مَنْ يُطرَد يُرْجَم بالحجارة.
وقيل: مِن الشَّياطين المرجومين بالشُّهب، وهذا ليس جوابًا عن الشُّبهة على سبيل التَّصريح، بل هو جوابٌ على سبيل التَّنبيه، وذلك أنَّ الذي قاله (^٣) تعالى نصٌّ، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النَّص بالقياس كان رجيمًا ملعونًا.
* * *
(٣٥) - ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ هو الإبعاد والطرد.
﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ جعلَه منتهَى أمد (^٤) اللَّعن، لا بمعنى أنَّه ينقطع عنده، بل
_________________
(١) "من "من (م).
(٢) "بالحجارة" من (م).
(٣) في (ك): "قاسه".
(٤) في (ك): "أمر".
[ ٥ / ٥٠٧ ]
بمعنى أن الإغواء الموجِب للَّعن على لسان المكلَّفين ينقضي بانقضاء التَكليف وقتَ الجزاء، فينقطع ذلك اللَّعن، ثمَّ يُجازَى بما يَنسى معه اللَّعن، ويستحقُّه (^١) من أنواع العذاب، وإلَّا فاللَّعن في القيامة منصوصٌ عليه في مواضعَ من كلام الله تعالى، كقوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤].
وقيل (^٢): حُدَّ اللَّعنُ به لأنّه أبعدُ غايةٍ يضربها النَّاس في التَّأبيد، كقوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧].
* * *
(٣٦) - ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾: فأخِّرني، والفاء متعلِّقة بمحذوفٍ دلَّ عليه سياق الكلام تقديره: فإذا جعلْتَني رجيمًا إلى يوم القيامة فأنظرني ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ إنَّما سأل الإنظارَ (^٣) طلبًا للإمهال في العقوبة.
قيل: أراد أن يجد فُسْحةً في الإغواء، أو نجاةً عن الموت؛ إذ لا موت بعد وقت البعث، فأجابه إلى الأوَّل دون الثَّاني. وما ذكرنا أهمُّ، وهو مستلزِم لما ذكره أوَّلًا، وأمَّا ما ذكره ثانيًا فمبناه ضعيف على ما ستقف عليه.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(ك): "ويستحق".
(٢) في (ف): "قيل".
(٣) "إنما سأل الإنظار" زيادة من (م).
[ ٥ / ٥٠٨ ]
(٣٧) - ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾.
﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ الفاء للعطف على محذوفٍ تقديرُه: لا حاجة إلى السُّؤال؛ فإنَّك من الذين اقتضى حكمة التَّكليف إنظارَهم، فكان فيها تنبيه (^١) على أنَّه لا إجابة له ولا كرامة من جهة الإسعاف لبعض سؤاله.
* * *
(٣٨) - ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾.
﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ هذا و(يوم الدِّين) و(يوم يبعثون) واحد، إلا أنَّه خولف بين العبارات قضاءً لحقِّ البلاغة في الكلام، فعبَّر عنه أوَّلًا بيوم الجزاء لِمَا عرفْتَ، وثانيًا بيوم البعث لأنَّه المناسب لغرض اللَّعين، وثالثًا بيومِ الوقت المعلوم لوقوعه في الكلامَيْن.
وزيادة الوقت للتَّنبيه على أنَّ التَّأخير إلى ذلك اليوم لا يقتضي نجاته؛ لأنَّه زمانٌ ممتدٌّ، والبعث في بعض أوقاته، فيجوز أن يموت في أوَّله ثم يُبعَث مع سائر الخلائق في وقت البعث.
وهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطةٍ لم تدلَّ على كرامته عند الله تعالى؛ لأنَّه على سبيل الإهانة والإذلال.
* * *
(٣٩) - ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للسبب، و(ما) مصدريَّة؛ أي: بعد أن أمهلْتَني لأجتهدنَّ في إغوائهم بأيِّ طريقٍ يمكنني بسبب إغوائك إيايَّ بواسطتهم.
_________________
(١) في (ك): "تنبيهًا".
[ ٥ / ٥٠٩ ]
وقيل: الباء للقسم، ويردُّه قوله تعالى في موضع آخر: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، والقصَّةُ واحدةٌ، وهو صريحٌ في أنَّ القسم بصفة الذَّات، فمَن قال: والمعنى: أقسم بإغوائك إيَّايَّ، ثم قال: وفي انعقاد القسم بأفعال الله تعالى خلافٌ = فقد أخطأ في الأوَّل، ولم يصب في الثَّاني؛ لأنَّ الخلاف للفقهاء ونزاعَهم في أنَّه يمين يترتَّب عليها أحكامها من الكفَّارة وغير ذلك، لا في اليمين المتعارف، فإنَّه لا خلاف في أنَّ (^١) اسم الحَلِف في عُرف العرب يقع عليه، وهو متعارف عندهم، ولهذا وردَ النَّهيُ عن الحلف بالآباء، وعدَّه الأصحاب مكروهًا، فالكلام المذكور لا مساسَ له لهذا المقام.
﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لأزِّيننَّ لهم المعاصيَ في الدُّنيا التي هي دار الغرور، كقوله: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦].
وقيل: ومعنى تقييد التَّزيين بقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: قدرتُ على تزيين الأكل من الشَّجرة لآدم ﵇ في السَّماء (^٢) فلَأَنْ أقدر على تزيين المعاصي لذرِّيته في الأرض أولى.
﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: ولأحملنَّهم على الغواية.
* * *
(٤٠) - ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾؛ أي: الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته، وطهَّرهم عن الشَّوائب.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "أنه".
(٢) "في السماء" من (م).
[ ٥ / ٥١٠ ]
وقرئ بكسر اللام (^١)؛ أي: الذين أخلصوا نفوسهم ودينَهم لله تعالى.
وكان يكفيه أن يقوله: (إلا المخلصين منهم) فزاد قوله: ﴿عِبَادَكَ﴾؛ إشارةً إلى وجه خلاصهم عن إغوائه، وهو اختصاصهم بالله تعالى من جهة العبودية، وتوطئةً لتوصيفهم بالوصف المذكور.
* * *
(٤١) - ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾.
﴿قَالَ هَذَا﴾ إشارة إلى ما تضمَّنه الاستثناء، وهو تخلُّص المخلَصين من إغوائه، أو إلى الإخلاص.
﴿صِرَاطٌ عَلَيَّ﴾؛ أي: تخلُّصهم من إغوائك وانتفاءُ سلطانك عليهم حقٌّ عليَّ أن أراعيَه، أو الإخلاص طريق عليَّ، بمعنى: يؤدِّي إلى الوصول إليَّ والدُّخول عليَّ.
وإيثار حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء لتأكيد الاستقامة، والشَهادةِ باستعلاءِ مَن ثبت عليه، فهو أدلُّ على التَّمكين من الوصول، فهو تمثيل؛ إذ لا استعلاء لشيءٍ عليه، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.
﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ من غير اعوجاجٍ، أو هذا الصِّراطُ حقٌّ عليَّ أنْ أراعيَه، وهو أن لا يكون لك سلطانٌ على عبادي، فقوله تعالى:
(٤٢ - ٤٣) - ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ تفسير للصِّراط المشار إليه بهذا على طريق الاستئناف.
_________________
(١) قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي عمرو، وقرأ الباقون بفتحها. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٨).
[ ٥ / ٥١١ ]
وقرئ: ﴿عَلِيٌّ﴾ مِن عُلُوِّ الشَّرفِ والمكانةِ (^١).
وفي القول المذكور ردٌّ لما أَوهمَ اللَّعين مِن أنَّه إنَّما استثنى المخلَصين رعايةً لشرف تقرُّبهم من الله تعالى.
والإضافة في ﴿عِبَادِي﴾ للتَّشريف؛ يعني: إنَّ المخلصين بعبادتي المشرَّفين بالانتساب إليَّ لا قدرةَ لكَ على إغوائهم، فالاستثناء في قوله:
﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ منقطعٌ؛ أي: لكن مَن اتَّبعك من الغاوين فلكَ عليهم سُلطان، والواو في قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ﴾؛ أي: لموعدُ المتَّبِعين، للعطفِ على المحذوف المذكور (^٢).
وأمَّا ما قيل: إنه تكذيبٌ له فيما أَوهم أنَّ له سلطانًا (^٣) على مَن ليس بمخلِصٍ (^٤) من عباده، فإنَّ منتهى أمره التَّحريض والتَّدليس، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فلا يخفى بعدُه؛ لأنّه إنْ أُريْدَ بالسُّلطان: القدرة على الإغواء والضَّلال، فلا وجه للتَّكذيب له، وإنْ أُريْدَ به: ما أراده في القول المنقول عنه من القدرة القاهرة، فكلامه خلوٌ عن إيهامه، ثمَّ إنَّ مبناه على انقطاع الاستثناء مع صحَّة التَّناول في المستثنى منه للمستثنى، ولا يخفى ما فيه؛ فإنَّ حقَّ الاستثناء على تقدير العموم في المستثنى منه (^٥) الاتِّصال، كما ذهب إليه مَنْ قال: إنَّه
_________________
(١) قرأ بها يعقوب من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٣٠١).
(٢) "المذكور" من (م).
(٣) في النسخ: "أوهم أنه سلطان"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢١٢).
(٤) في (ف): "بمخلصين".
(٥) "منه": سقط من (م) و(ك).
[ ٥ / ٥١٢ ]
تصديقٌ لإبليس فيما استثناه (^١)، ولا يذهبْ عليك أنَّ خطابه بالتَّصديق فيما قاله لا يخلو عن نوعِ إجلالٍ له، فلا يناسب مقام الإهانة والإذلال.
﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد للضَّمير، أو حال والعامل فيها الموعد إن جعلته مصدرًا على تقدير مضاف، ومعنى الإضافة إن جعلته اسمَ مكان فإنَّه لا يعمل.
* * *
(٤٤) - ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾.
﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ بحسب طبقاتها، استئناف، أو خبر ثانٍ، ومَن قال: يدخلون فيها لكثرتهم، أو طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم لم يصب في واحدٍ منهما، أما في الثَّاني فظاهر؛ لأنَّ الأبواب مداخل تلك الطَّبقات لأنفسها، وأمَّا في الأوَّل فلأنَّ مبناه على أن يكون التَّعدد في المداخل (^٢) فقط، وليس كذلك، قال عليٌّ ﵁: إن الله تعالى وضع الجِنَان على العرض، ووضع دَرَكَات النِّيران بعضها فوق بعض، فأسفلها جهنَّم، وفوقها اللَّظى، وفوقها الحُطَمة، وفوقها سَقر، وفوقها الجحيم، وفوقها السَّعير، وفوقها الهاوية (^٣).
ومَنْ وهَم عكس التَّرتيب فقد وهِم.
﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ﴾: من الأتباع ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أُفرز له، فأعلاها للموحِّدين، والثَّانيةُ لليهود، والثالثة للنصارى - وروي أنَّ الثَّانية للنَّصارى والثالثةَ لليهود - والرَّابعة للصَّابئين، والخامسة للمجوس، والسَّادسة للمشركين، والسابعة للمنافقين، قال الله
_________________
(١) في (م): "استثنا".
(٢) في (ك) و(م): "المدخل".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ٣٤٢).
[ ٥ / ٥١٣ ]
تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] (^١). وهذا صريحٌ في أنَّها دَرَكَاتٌ بعضُها فوقَ بعضٍ.
وبما قرَّرناه ظهرَ أنَّ تخصيصَ العدد لأنَّ أهلها سبعُ فرقٍ، لانحصار مجامع المهلكات في الرُّكون إلى المحسوسات، ومتابعةِ القوَّة الشهوانيَّة والغضبيَّة.
وقرئ: ﴿جُزْءٌ﴾ بالتَّثقيل (^٢)، وقرئ: ﴿جُزٌّ﴾ على حذف الهمزة وإلقاء حركته على الزَّاي ثم الوقف عليه بالتَّشديد، ثم إجراء الوصل مجرى الوقف (^٣).
و﴿مِنْهُمْ﴾ حالٌ منه، أو من المستكنِّ في الظَّرف، لا في ﴿مَقْسُومٌ﴾ (^٤)؛ لأنَّ الصِّفة لا تعمل فيما تقدَّم على موصوفها.
* * *
(٤٥) - ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ من اتِّباعه، مَن قال: في الكفر (^٥) والفواحش فإنَّ غيرها مكفَّرة. فكأنَّه غفل عن اشتراط كفارة الصَّغائر بالاجتناب عن الكبائر.
﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ قد سبق في تفسير (^٦) سورة البقرة: أنَّ الجِنَان أيضًا سبعٌ، وفي كلِّ واحدة منها مراقب ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال.
_________________
(١) ذكره الثعلبي عن الضحاك. انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ٣٤٢).
(٢) يعني: بضم الزاي، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم. انظر: "التيسير" (ص: ٨٢).
(٣) قرأ بها أبو جعفر المدني من العشرة. انظر: "النشر" (١/ ٤٣٢).
(٤) في (ف) و(م): "المقسوم".
(٥) أي: (من اتِّباعه في الكفر …)، والقائل البيضاوي. انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢١٢).
(٦) في (ك) و(م): "سبق تفسيره في".
[ ٥ / ٥١٤ ]
﴿وَعُيُونٍ﴾ يحتمل أن يكون المراد بها الأنهار المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، وأن تكون منابع مغايرة (^١) لتلك الأنهار.
* * *
(٤٦) - ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾.
﴿ادْخُلُوهَا﴾ على إرادة القول، وقرئ بقطع الهمزة وكسر الخاء (^٢)، على أنه ماضي الإدخال.
﴿بِسَلَامٍ﴾: سالمين، أو: مسلَّمًا عليكم، أي: يسلِّم عليكم الملائكة.
﴿آمِنِينَ﴾ من الآفات والعاهات، وأمَّا الزَّوال فالأمن عنه إنَّما يُعلَم من قوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، فلا وجه لدَرْجه في الأمن المراد هاهنا.
* * *
(٤٧) - ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ كان لبعضهم في الدُّنيا على آخر، نزعَ الله تعالى ذلك من قلوبهم بعد دخولهم الجنَّة، وطيَّب نفوسَهم.
روى أبو أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ أهلَ الجنَّةِ يدخلونَ
_________________
(١) "مغايرة" سقط من (ك).
(٢) أي: (أُدْخِلُوها). ونسبت للحسن وليعقوب في رواية رويس، والمشهور عن يعقوب: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ كقراءة الجمهور. انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٤٩٠)، و"النشر" (٢/ ٣٠١).
[ ٥ / ٥١٥ ]
الجنّةَ بما في صدورِهم مِنَ الشَّحناءِ والغِلِّ، فإذا ترافقوا وتقابلوا نزعَ اللهُ تعالى ذلك مِن صدورِهم، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ الآية" (^١).
فمن وهَم أن ذلك النَّزعَ في الدنيا فقد وهِم.
وعن علي ﵁: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزُّبير منهم (^٢).
والغِلُّ: الحقد الكامن في القلب، مِن انغلَّ في جوفه وتغلغل، فلا وجه لما قيل: من التَّحاسد على درجات الجنَّة ومراتب القُرْب.
﴿إِخْوَانًا﴾ حال من الضمير المجرور في ﴿صُدُورِهِمْ﴾، وجاز ذلك لأنَّ المضاف جزء المضاف إليه، أو من فاعل ﴿ادْخُلُوهَا﴾، أو من الضمير في ﴿آمِنِينَ﴾ أو من الضمير في ﴿جَنَّاتٍ﴾، وكذا قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ويجوز أن يكونا صفتين لـ ﴿إِخْوَانًا﴾، أو حالين من ضميرهم لأنَّه بمعنى متصافِين، أو يكون ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ حالًا من المستتر في ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾.
* * *
(٤٨) - ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾.
﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ استئناف، أو حال بعد حال، أو حالٌ من الضمير في ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾.
والنَّصَبُ: الوهن الذي يَلحَق من التَّعب في العمل.
_________________
(١) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٧٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٢٤٠٠) موقوفًا على أبي أمامة ﵁ من طريق القاسم بن عبد الرحمن. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: والقاسم بن عبد الرحمن في روايته عن أبي أمامة ضعيف.
(٢) رواه الصنعاني في "تفسيره" (٢/ ٢٢٩)، والإمام أحمد في "فضائل الصحابة" (١٠٥٧).
[ ٥ / ٥١٦ ]
﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ نصٌّ في الخلود، وبه تتمُّ النِّعمة، ولَمَّا أتمَّ ذِكْرَ الوعد والوعيد رتَّبه بقوله:
(٤٩ - ٥٠) - ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾.
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ تقريرًا لِمَا ذكر، وتمكينًا له في النُّفوس، وهو فذلكةٌ لذلك.
وفي ذكر المغفرة إيماءٌ إلى أنَّه لم يُرد بـ ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: الذين اجتنبوا الذُّنوب بأسرها كبيرها وصغيرها.
وعن ابن عباس ﵄: غفور لمن تاب، وعذابه لمن لم يتب (^١).
وفي توصيف ذاته بالغفران والرَّحمة دون التَّعذيب، والتَّأكيدِ بالضَّمير، وتعريفِ الاسمين، ترجيحٌ لجانب الوعد.
(٥١) - ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾.
وفي عطف: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ تحقيق لها بما يعتبرون به مما نزلَ بقوم لوطٍ ﵇ من العذابِ، وإنجاء لوطٍ وآله.
* * *
(٥٢) - ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾.
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾؛ أي: نسلِّم عليك، أو: سلَّمنا سلامًا، أو سَلِمْتَ سلامًا.
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ٣٤٣)، و"الكشاف" (٢/ ٥٨٠).
[ ٥ / ٥١٧ ]
﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ الوَجَلُ: اضطراب النَّفس لتوقُّع مكروه (^١)، وذلك لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت، وقيل: لامتناعهم من الأكل.
* * *
(٥٣) - ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾.
﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ وقرئ: (لا تُوْجَلْ) بضم التَّاء (^٢)، من أَوجلَه: إذا أخافه.
وقرئ: (لا تَاجَلْ) و(لا تُواجَلْ) (^٣) من واجَله، بمعنى: أوجله.
﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ استئناف في معنى التَّعليل للنَّهي عن الوَجَل؛ أي: إنك في محل الأمن والبِشارة، فإن المبشِّر (^٤) لا يُخاف منه.
وقرئ: ﴿نُبَشِّرُكَ﴾ بفتح النَّون والتَّخفيف (^٥)، من البِشر.
﴿بِغُلَامٍ﴾ هو إسحاق ﵇، لقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود: ٧١].
﴿عَلِيمٍ﴾ بالدِّين، فأُدمج فيه الإشارةُ إلى نبوَّته كما ضمِّن قوله: ﴿بِغُلَامٍ﴾ البشارةَ بكون الولد ذكرًا.
* * *
(٥٤) - ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾.
_________________
(١) في (م): "مكروه كان".
(٢) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧١).
(٣) نسبت الأولى لأبي معاذ، والثانية لأصحاب عبد الله. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص:٧١).
(٤) في (ف): "البشر".
(٥) وهي قراءة حمزة. انظر: "التيسير" (ص: ٨٧ - ٨٨).
[ ٥ / ٥١٨ ]
﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ مسُّ الكبر: كناية عن تغييره إيَّاه عن الحال التي يطمع في الولد إلى حال اليأس عنه، ومعنى الهمزة: التَّعجب والاستنكار؛ أي: البشارة بالولد مع كبر السنن أمرٌ (^١) عجيبٌ مستنكَر في العادة، ولذلك أكده بقوله:
﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾؛ أي: فبأيِّ أعجوبة تبشرونني (^٢)؟! فإنَّ البِشارة بما لا يُتَصوَّر وقوعه في العادة كَلَا بشارةٍ، أو بشارة بغير شيء.
وقرئ ﴿تُبَشِّرُونَ﴾ بكسر النُّون والتَّشديد على إدغام نون الجمع في نون الوقاية، وبكسرها والتَّخفيف على حذف نون الجمع (^٣)، والأصل: تبشرونني.
* * *
(٥٥) - ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾.
﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بما هو محقَّق الوقوع، أو: باليقين الذي لا لَبْسَ فيه.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ سؤالًا عن وجه البشارة وطريقته؛ أي: بأي طريقة تبشرونني بالولد، ولا طريق إلى هذه البِشارة في العادة؟ وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾: بطريقة هي الحقُّ، وهو قول الله تعالى ووعده.
_________________
(١) في (م): "مع سنن الكبير أمر".
(٢) في (م): "تبشروني".
(٣) قرأ نافع: بكسر النون مخففة، وابن كثير بكسرها مشددة، والباقون بفتحها. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٦).
[ ٥ / ٥١٩ ]
﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾: من الآيسين من (^١) ذلك، فإنَّه القادر على إيجاد بشرٍ من غير أبوَيْن، فكيف من شيخ هرم وعجوز عاقر، وكان استعجاب إبراهيم ﵇ باعتبار العادة دون القدرة ولذلك:
(٥٦) - ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾.
﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾؛ أي: المخطئون طريقَ المعرفة، فلا يعر فون كمال قدرته وسعة رحمته، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]؛ أي: لم أستبعدْ ذلك قنوطًا من رحمته تعالى واستبعادًا من قدرته، بل استبعدته استعجابًا باعتبار العادة.
وقرئ (^٢) ﴿يَقْنَطُ﴾ بالحركات الثَّلاث (^٣)، وقرئ: (من القَنِطين) مِنْ قنطَ يقنَط (^٤).
* * *
(٥٧) - ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾.
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾؛ أي: فما الأمرُ الجليل الذي بُعثتم له؟
تفريعٌ على ما عُلِمَ ممَّا تقدَّم مِنْ أنَّ كلَّ القصد من إرسالهم ليس البشارةَ لأنهم كانوا ذوي عدد، ولو لم يكن المقصود إلا البشارة لاكتُفي بالواحد كما اكتُفي به في
_________________
(١) في (ك): "عن".
(٢) في (م): "قرئ".
(٣) قرأ النحويان والأعمش بكسر النون، وقرأ باقي السبعة بفتحها، وزيد بن علي والأشهب بضمها. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٦)، و" المحتسب" (٢/ ٥).
(٤) نسبت إلى ابن وثاب وطلحة والأعمش. انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٣٦٦)، و"البحر المحيط" (١٣/ ٢٦٨).
[ ٥ / ٥٢٠ ]
بشارة زكريا ومريم، ولأنهم بشروه في أثناء إزالة الوجل، ولو كان المقصود هي وحدها لابتدؤوا بها، ولأنَّ نزول الملائكة يكون غالبًا للعذاب.
* * *
(٥٨) - ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾.
﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أريدَ بهم معيَّنون، يدل عديه قولهم في سورة هود: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠]، وإنَّما نكَّرها (^١) هاهنا على سبيل الاستهانة بهم، كأنهم أُبهِموا أوَّلًا، ثم بُيِّنوا، فنُقل كلٌّ منهما في موضع اكتفاء بقَدْر الحاجة.
وفي الإشارة في توصيفهم بالمجرمين إلى أنَّ إرسالهم بالعذاب غنيٌّ عن العبارة عنه بقوله: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] الواقع في موضعٍ آخر، فكأنهم قالوا: إنا أرسلنا بالعذاب إلى قوم مجرمين.
والمجرم: المنقطِع عن الحقِّ إلى الباطل.
* * *
(٥٩) - ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ استثناء مُتَّصل من الضَّمير في ﴿مُجْرِمِينَ﴾ أي: قومٍ أجرموا كلُّهم إلَّا آلَ لوطٍ، أو من ﴿قَوْمٍ﴾ على أن توصيفهم بالإجرام باعتبار الغالب، وعلى كِلَا التَّقديرَيْن: القوم والإرسال شاملان للمجرمين وآلِ لوط المؤمنين به ﵇، والمعنى: إنَّا أرسلنا إلى قوم لوط وآله ليهلكوا قومه وينجو وأهلَه (^٢) إلا امرأته.
_________________
(١) في (ك): "نكر".
(٢) في (ك): "أهله".
[ ٥ / ٥٢١ ]
﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾؛ أي: ممَّا يعذَّب به القوم.
﴿أَجْمَعِينَ﴾ استئناف للجواب عن سؤال إبراهيم ﵇، وهو مذكور في موضع آخر بقوله: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢]، وهذا القدْر من الاختلاف في أسلوب الكلام لا يضرُّ إذا كان المراد نقل خلاصة المعنى وحاصل المرام.
* * *
(٦٠) - ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ استثناء من الضَّمير المجرور في ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾، أو من ﴿آلَ لُوطٍ﴾ على أن يُجعل ﴿لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ اعتراضًا.
﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ﴿إِنَّهَا﴾ كسرت لأجل اللَّام في خبرها، ولولاها لفتحَتْ، وهي معلِّقة لِمَا قبلها؛ لأنَّ فعل التَّقدير يعلَّق إجراءً له مجرى القَول؛ لأنَّ التَّقديرَ بمعنى القضاء قول، أو مجرى العلم إمِّا لكونه بمعناه، أو لكونه مترتِّبًا عليه، وأمَّا تضمينه معنى العلم فلا يجدي نفعًا؛ لبقاء معنى الفعلَيْن.
وأصل التَّقدير: جعلُ الشيء على مقدار غيره.
والغابر: الباقي، والمراد: البقاء في العقوبة.
وهذه الجملة من كلام الله تعالى ذكرَتْ تقريرًا للاستثناء الواقع في كلام الملائكة؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ صريحٌ فيه، والقصَّة واحدة، فلا مساغَ لأنْ يكون من كلام الملائكة، فالذين سَعوا في توجيه إسنادهم التقدير إلى أنفسهم بما لا يخلو عن نوعِ تعسُّفٍ لم يكن سعيهم مشكورًا.
* * *
[ ٥ / ٥٢٢ ]
(٦١) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ الفاء الفصيحة للعطف على محذوفٍ تقديرُه ظاهر بقرينة المقام وباقي الكلام.
* * *
(٦٢) - ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾.
﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ تُنْكِرُكُمْ نفسي، وأخاف أن تَطرقوني بِشَرٍّ.
* * *
(٦٣) - ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.
﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾؛ أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله وتخافه، بل جئناك بما يَسرُّك ويشفيك من أعدائك، وهو العذاب الذي تتوعَّدهم بنزوله، فيجادلونك فيه تكذيبًا لك، وقوله في سورة هود ﵇: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٨٠ - ٨١] لا يمكن توفيقه لهذه المقاولة إلا بحمل قوله ﵇ هاهنا على تصوير الحال والتَّعبير عنها، وحمل ما نُقِلَ عنهم على نَقل مآل المعنى وحاصل الكلام.
* * *
(٦٤) - ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: باليقين من عذابهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرناك به.
* * *
[ ٥ / ٥٢٣ ]
(٦٥) - ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾.
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ فاذهبْ بهم في اللَّيل.
قرئ: ﴿فَأَسْرِ﴾ بقطع الهمزة ووصلها من أسرى وسرى (^١)، وقرئ: (فسِرْ) من السَّير (^٢).
﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بطائفة منه، وقيل: من آخره، قال:
افتحي البابَ وانظري في النُّجومِ … كم علينا من قِطعِ ليلٍ بهيمِ (^٣)
﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾: وكنْ على إثرهم تذودهم؛ لئلا يتخلَّف منهم (^٤) أحد فيصيبَه العذاب؛ ولتكون مطَّلعًا عليهم وعلى أحوالهم، فلا يَشتغل قلبك بمن خلفك، ولا يصدر من أحدهم (^٥) هفوةٌ في تلك الحالة المهولة احتشامًا منك.
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ فيرى ما بهم من العذاب وَيرِقَّ لهم، أو يرى ما لا يطيقه من الهول فيبقى على مكانه دهشًا فيَهلِكَ، أو ينصرفَ فيصيبه العذاب.
وقيل: نهوا عن الالتفات إلى الأوطان والمألوفات تحسرًا عليها ليواطنوا نفوسهم على المهاجرة.
_________________
(١) قرأ نافع وابن كثير بوصل الألف، والباقون بقطعها. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٥).
(٢) انظر: "الصحاح" (مادة: قطع)، و"الكشاف" (٢/ ٥٨٣)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢١٤).
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٨٣).
(٤) في (م): "عنهم".
(٥) "من أحدهم" من (م).
[ ٥ / ٥٢٤ ]
ويجوز أن يكون النهي عن الالتفات كنايةً عن الأمر بتواتر السَّير واتِّصاله، وتركِ التَّواني والتَّوقف، فإنَّ الملتفِت لا بُدَّ له من أدنى وقفة وتوانٍ.
﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي: حيث أمركم الله تعالى بالمضيِّ، وهو الشَّام أو مصر.
عدِّى ﴿وَامْضُوا﴾ إلى ﴿حَيْثُ﴾ بنفسه؛ لأنَّه ظرف مبهَم في الأمكنة، وكذا ﴿تُؤْمَرُونَ﴾ إلى ضميره المحذوف على الاتِّساع.
* * *
(٦٦) - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾.
﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾ ضمِّنَ ﴿وَقَضَيْنَا﴾ معنى أوصينا فعُدِّي بـ (إلى)، كأنَّه قيل: وأوصينا إليه مقضيًّا مبتوتًا (^١).
﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ مبهَم يفسِّره: ﴿دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾ ومحلُّه النَّصب على البدل منه؛ أي: يُستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد، وفي إبهامه والإشارةِ إليه (^٢) بـ ﴿ذَلِكَ﴾ ثم تفسيرِه تفخيمٌ للأمر وتعظيمٌ له.
وقرئ: (إنَّ) بالكسر (^٣) على الاستئناف، كأنَّ قائلًا قال: ما ذلك الأمر؟ فقال: إن دابر … إلخ.
﴿مُصْبِحِينَ﴾: داخلين في الصُّبح، حال من ﴿هَؤُلَاءِ﴾، أو من الضمير
_________________
(١) في (م): "مثبوتًا".
(٢) "إليه" من (م).
(٣) نسبت للأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧١).
[ ٥ / ٥٢٥ ]
في ﴿مَقْطُوعٌ﴾، وإنَّما جُمع حملًا على المعنى، فإنَّ ﴿دَابِرَ هَؤُلَاءِ﴾ في معنى: مُدْبري هؤلاء.
* * *
(٦٧) - ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾: سَدُوم ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: بأضياف لوط ﵇؛ طمعًا فيهم.
* * *
(٦٨) - ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ﴾.
﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ الضَّيفُ في الأصل مصدر: ضاف يَضيف ضيفًا (^١): إذا أتى إنسانًا لطلبِ القِرى، وهو اسم يقع على الواحد والجمع والمذكَّر والمؤنَّث، وإطلاق الضَّيف على الملائكة لكونه في صورته.
﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ بفضيحة ضيفي؛ فإن مَن أُسيء إلى ضيفه فقد أُسيء إليه، يقال: فضحه يفضحه فضحًا وفضيحةً: إذا ظهر من أمره ما يلزمه العار.
* * *
(٦٩) - ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ركوب الفاحشة.
﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾: ولا تذلّونِ بسببهم، مِنَ الخِزْي وهو الهوان، أو (^٢): لا تُخجلونِ فيهم، من الخَزَاية، وهي الخجالة.
_________________
(١) "ضيفًا" من (ك). ووقع في النسخ: "مصدر أضاف يضيف"، والصواب المثبت.
(٢) في (ف) و(م): "و".
[ ٥ / ٥٢٦ ]
وهذا القول منه ﵇ صريحٌ في أنَّ مجيء أهل المدينة والمقاوَلةَ معهم في شأن الأضياف قبل العلم بأنَّهم ملائكة أُرْسِلوا للنَّصر، فجاء في قوله: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إخبار عن مجيئهم عقيب نزول الملائكة في بيت لوط ﵇ قبل محاورته معهم وعلمه (^١) بأنَّهم ملائكة، وما في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ إخبارٌ عن محاورته ﵇ مع الملائكة بعد تمام مقاولته مع أهل المدينة، ولا دلالة في الواو على التَّرتيب.
* * *
(٧٠) - ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ الهمزة (^٢) للاستفهام الإنكاري، والواو للعطف على محذوفٍ تقديرُه: ألم نقل لك: لا تُجِرْ أحدًا بالإنزال في بيتك ولم ننهك عن العالمين؟! أي: عن المنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرَّضون لكلِّ واحدٍ، وكان لوط ﵇ يمنعهم عنه بقدر وسعه.
* * *
(٧١) - ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ فيه وجوهٌ قد مرَّ بيانها في تفسير سورة هود ﵇.
﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ شكّ في قَبولهم لقوله؛ كأنه قال: إن فعلتم ما أقول لكم، وما أظنكُم تفعلون.
وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشَّهوة ففيما أحلَّ الله تعالى دون ما حرَّم.
_________________
(١) في النسخ: "وعلمهم"، والصواب المثبت.
(٢) "الهمزة" ليست في (م) و(ك).
[ ٥ / ٥٢٧ ]
(٧٢) - ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ قسمٌ بحياة المخاطَب، وهو نبيُّنا ﷺ، وقيل: لوط ﵇، قالت الملائكة له ذلك.
واللام لام الابتداء، و(عَمْرُكَ) مبتدأٌ خبرُهُ محذوفٌ، تقديره: لَعَمْرُكَ قَسَمِي.
والعَمْر بالفتح لغةٌ في العُمْر، يختصُّ به القسم إيثارًا للأخفِّ فيه؛ لأنَّه كثير الدَّور على ألسنتهم، ومتى (^١) اقترن بلام الابتداء يلزمه حذف الخبر؛ لسدِّ جواب القسم مسدَّه.
﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾؛ أي: غوايتهم، أو شدَّة غُلْمَتهم (^٢) التي أذهبت تمييزهم بين الخطأ الذي هم عليه وبين الصَّواب الذي يشار به إليهم.
﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتحيَّرون، فكيف يقبلون النُّصح؟!
* * *
(٧٣) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ اللَّام للجنس، والمراد به: الفرد الكامل في معناه (^٣)، وهو صيحة جبريل ﵇؛ فإن اسم الجنس كما يستعمل لمسمَّاه مطلقًا يستعمل لِمَا يَستجمع المعانيَ المقصودة منه، ولذلك (^٤) يُسلب عن غيره، فيقال: زيد ليس بإنسان.
_________________
(١) في (م): "وهو متى".
(٢) الغُلْمَة: شدة الشهوة. انظر: "المصباح المنير" (مادة: غلم).
(٣) في (ف): "المعنى". وفي (ك): "معنى".
(٤) في (ف): "وكذلك".
[ ٥ / ٥٢٨ ]
والصَّيحةُ: صوت يخرج من الفم بشدَّة.
وأَخْذُهم الصيحة: قهرُها إيَّاهم وتمكُّنها منهم، ومنه: الأَخيذ، بمعنى: الأسير.
﴿مُشْرِقِينَ﴾: داخلين في الشُّروق، وهو بزوغ الشَّمس، يقال: شَرَقت الشَّمس شروقًا: إذا طلعَتْ، وأشرقَ الرَّجل: إذا دخل في شروق الشَّمس.
كان ابتداء العذاب حين أصبحوا، وتمامه حين أشرقوا، فلا منافاة بينه وبين قوله: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١].
* * *
(٧٤) - ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.
﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾: عاليَ المدينة، أو عاليَ قراهم ﴿سَافِلَهَا﴾: منقلبةً عليهم.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾: من طينٍ متحجِّر عليه كتاب من السِّجيل (^١)، لقوله ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً﴾ [الذاريات: ٣٣ - ٣٤]؛ أي: معلَّمة بكتاب.
قيل: قذفوا بالحجارة أوَّلًا ثم قُلبوا، وقيل (^٢): التقليب كان للحاضرين، والأمطار لمن شذَّ منهم.
* * *
(٧٥) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.
_________________
(١) قوله: "من طين متحجر … " كذا في النسخ، وعبارة البيضاوي في "تفسيره" (٣/ ٢١٥): (من طين متحجر أو طين عليه كتاب من السجل). قال الشهاب في "الحاشية" (٥/ ٣٠٥): (وكونه من السجل - وهو الكتاب أو الصك - لأنها كتب عليها أسماؤهم، أو لأنها مما كَتب الله تعذيبهم بها).
(٢) في (ف) و(ك): "قيل".
[ ٥ / ٥٢٩ ]
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾: للمتفرِّسين، أي: النَّاظرين المتثبِّتين في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشَّيء بسِمَته، يقال: توسَّمْتُ في فلان كذا: إذا عرفْتُ وَسمةً فيه.
* * *
(٧٦) - ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾.
﴿وَإِنَّهَا﴾: وإن المدينة أو القرى ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾: ثابت يسلكه النَّاس ويرون آثارهم لم تندرس بعدُ، وهو تنبيهٌ لقريشٍ المارِّين به، وتهديدٌ لهم، كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨].
* * *
(٧٧) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ (^١) لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالله ورسوله، ولام الاختصاص لأنَّ الانتفاع بها مخصوص بهم (^٢).
* * *
(٧٨) - ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾.
﴿وَإِنْ كَانَ﴾ (إنْ) هي المخففَّة، واللَّام فارقة.
﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ هم قومٌ ممَّا بُعِثَ إليهم شعيب ﵇، كانوا يسكنون الغيضة.
و﴿الْأَيْكَةِ﴾: الشجرةُ الملتفَّة، واحدةُ الأيك.
_________________
(١) في النسخ: "لآيات".
(٢) "بهم" من (م).
[ ٥ / ٥٣٠ ]
﴿لَظَالِمِينَ﴾؛ لأنهم كذَّبوه ﵇، فأُهلكوا بالظُّلَّة.
* * *
(٧٩) - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ في عبارة الانتقام دلالةٌ على أنَّهم أهلكوا (^١) بعذابٍ شديدٍ.
﴿وَإِنَّهُمَا﴾؛ أي: مدينةَ لوط ﵇ أو قراها - والأيكةَ (^٢).
وقيل: الأيكة ومدين؛ فإنَّه ﵇ كان مبعوثًا إليهما، فدلَّ ذكر ﴿الْأَيْكَةِ﴾ على مدين فأتى بضميرهما.
﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ لبطريقٍ واضحٍ.
والإمامُ: اسم لما يُؤتَمُّ به، فسمِّي به الطَّريق واللَّوح ومِطْمَر (^٣) البنَّاء؛ لأنها مما يؤتمُّ به.
* * *
(٨٠) - ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ يعني: ثمود كذَّبوا صالحًا ﵇، ومَن كذَّبَ واحدًا من الرُّسلِ فقد كذَّب الجميع؛ لأنَّ سائره (^٤) يصدِّقونه، فلا حاجة
_________________
(١) في (ف): "هلكوا".
(٢) "والأيكة" سقط من (ك).
(٣) في (ف) و(ك): "ومنظم"، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في "الكشاف" (٢/ ٥٨٦)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢١٦)، و"تفسير أبي السعود" (٥/ ٨٧)، وغيرها. والمطمر: الزِّيج الذي يكون مع البنَائين. انظر: "فتوح الغيب" (٩/ ٥٦). والزيج: خيط البنَّاء، معرب. انظر: "معجم متن اللغة" (مادة: زيج).
(٤) الأحسن: "سائرهم".
[ ٥ / ٥٣١ ]
إلى التَأويل بحمل ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ على صالح ﵇ ومَن معه من المؤمنين.
والحِجْرُ: وادٍ بينَ المدينة والشَّام كانوا يسكنونها (^١).
(٨١) - ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.
﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ يعني: آياتِ الكتاب المنزَل على نبيهم، أو معجزاته.
* * *
(٨٢) - ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾.
﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ من الانهدام ونقب اللُّصوص وتخريب الأعداء؛ لوَثاقتها، أو من عذاب الله تعالى لفرط غفلتهم وحسبانهم أنَّ الجبال تحميهم منه.
* * *
(٨٣) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾: أتاهم صيحةٌ من السَّماء فأخذتهم زلزلتُها، وهو المذكور في سورة الأعراف.
* * *
(٨٤) - ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من بناء البيوت المحكمة والأموال والعدد.
_________________
(١) "كانوا يسكنونها" من (م).
[ ٥ / ٥٣٢ ]
(٨٥) - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلَّا خَلقًا ملْتبسًا بالحقِّ؛ أي: بالعدل والحكمة، لا ملتبسًا بالباطل والعبَث، فيهمَلون على فسادهم وظلمهم، ولا يؤاخَذون بالعذاب؛ فإنه ينافي الحكمة والعدل.
﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ فيُنتقَم لك فيها ممَّن كذَّبك.
﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ أي: فاصفح عنهم ولا تعجَل بالانتقام منهم، وعامِلهم بالخُلُقِ معاملةَ الصَّفوح الحليم، وقيل: هي منسوخة بآية السَّيف.
* * *
(٨٦) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ﴾ الذي خلقَكَ وخلقهم، وبيده أمرك وأمرهم.
﴿الْعَلِيمُ﴾ بحالك وبحالهم، فلا يخفى عليه ما يجري بينك وبينهم، فهو يحكم بينكم ويجازيكم على أعمالكم، أو هو الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، فأمرَ اليوم بالصَّفح لعلمِه بأنَّه الأصلح إلى أن يكون السَّيف أصلحَ.
* * *
(٨٧) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾: سبعَ آياتٍ، وهي الفاتحة، على ما نصَّ عليه النَّبيُّ ﷺ، وقد بيَّناه في تفسيرها.
[ ٥ / ٥٣٣ ]
وقيل: سبعَ سور، وهي الطَّوال، وسابعُها الأنفال والتَّوبة، فإنَّهما في حكمِ سورة واحدة، ولذلك لم يُفصل بينهما بالتَّسمية.
ورُدَّ بأنَّ هذه السُّورة قد نزلَتْ وما نزل من السَّبع الطِّوال شيء، والصَّرف عن الظَّاهر يأباه مقام الامتنان.
﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾ بيانٌ للسَّبع، من التَّثنية، وهي التَّكرير، أو من الثَّناء؛ لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى، الواحدة مَثْناةٌ؛ أي: موضع التَّثنية أو الثَّناء (^١).
تنكير ﴿سَبْعًا﴾ للتَّعظيم، والإبهام الذي فيه والتَّوضيح بقوله: ﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾ للتَّمكين في نفوس السَّامعين.
وقوله: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ من باب عطف الكلِّ على البعض؛ للتَّعميم وتكثير الامتنان، وتفخيم شأن البعض المعطوف عليه، كأنه المقصود بالذِّكر، والأصلُ لسائر الأبعاض، والمراد من الكلِّ: مجموع ما نزلَ وقتَ نزول هذه الآية، لا مجموع القرآن حتى يلزمَ المحذور المذكور آنفًا.
* * *
(٨٨) - ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾: لا تطمحنَّ ببصرك طموحَ راغبٍ.
النَّاظر إنَّما يكون مادًّا عينيه إلى الشيء إذا أدام النَّظر إليه، وإدامة النَّظر إلى الشَّيء تدل على استحسانه والرَّغبة فيه.
_________________
(١) في (ف): "والثناء".
[ ٥ / ٥٣٤ ]
﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: أصنافًا من الكفَّار، فإنَّ ما أوتيتَه من القرآن العظيم أعظمُ منها؛ لأنَّه كمال مطلوب بالذَّات، موصِل إلى دوام جوامع اللَّذات، أو ما أوتوا فهو مستحقَر بالنِّسبة إليه أقلُّ مِن لا شيء.
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أنَّهم لم يؤمنوا فيتقوَّى بهم الإسلام، أو أنَّهم المتمتِّعون به دون المؤمنين.
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: لِمَنْ معكَ مِنْ فقراءِ المؤمنين وضعفائهم.
خفضُ الجناح مجازٌ مرسَل عن التَّعطف والرِّفق، مرتَّبٌ على الكناية، وأصله: أنَّ الطَّائر إذا ضمَّ الفرخَ إليه بسط جناحَه له ثمَّ قبضه على فرخِه.
* * *
(٨٩) - ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾.
﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ أنذركم ببيان وبرهان أنَّ عذابَ اللهِ نازلٌ بكم إن لم تؤمنوا.
وإنَّما وصفه بـ ﴿الْمُبِينُ﴾؛ لأنَّ إنذاره ﵇ أبينُ من إنذار سائر الأنبياء ﵈؛ لأنَّه ﵇ مِن أَمارات السَّاعة، فهو منذرٌ بلسان الحال كما أنَّه منذرٌ بلسان المقال، وقد نبَّه ﵇ على هذا المعنى حيث قال: "أنا النذير العريان" (^١).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤٨٢)، ومسلم (٢٢٨٣)، من حديث أبي موسى ﵁. (النذير العريان): أصله أن الرجل إذا أراد إنذار قومه وإعلامهم بما يوجب المخافة نزع ثوبه وأشار به إليهم إذا كان بعيدًا منهم ليخبرهم بما دهمهم وأكثر ما يفعل هذا ربيئة قومه وهو طليعتهم ورقيبهم. انظر: "شرح مسلم" للنووي (١٥/ ٤٨).
[ ٥ / ٥٣٥ ]
(٩٠) - ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾.
﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ في محل النَّصب صفةُ مصدرٍ لـ ﴿آتَيْنَاكَ﴾ لأنَّه في معنى: أنزلنا عليك، كأنَّه قال: ولقد أنزلنا عليك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على أهل الكتاب المقتسمين: الذين اقتسموا القرآن إلى حقٍّ وباطل، حيث قالوا عنادًا: بعضه حقّ موافق للتَّوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالفٌ لهما، أو اقتسموه إلى شعرٍ وسحرٍ وكهانةٍ وأساطير الأوَّلين.
فيكون ذلك تسلية لرسول الله ﷺ، وقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ﴾ إلخ اعتراضًا ممدًّا له.
أو صفةُ مفعولٍ لـ ﴿النَّذِيرُ﴾، أُقيمَ مقامه؛ أي: أنذر قريشًا عذابًا مثل ما أنزلنا مِنَ العذاب على المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكَّة؛ للتَّنفير عن الرَّسول، والصَّدِّ عن الدِّين.
* * *
(٩١) - ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾.
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: أجزاءً، جمع عِضَةٍ بمعنى: جزء، وأصلها: عِضْوةٌ، فِعْلةٌ مِن عَضَّى الشَّاة: إذا جعلها أعضاءً، وقيل: هي فِعْلة من عَضهْتُه: إذا بهتَّه.
وعن عكرمة: العَضْهُ (^١) بلسان قريش: السِّحر، يقولون للساحرة: العاضهة (^٢).
_________________
(١) في النسخ: "العضهة"، والمثبت من المصادر وستأتي.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٢٦٠)، والطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٣٧)، والماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ١٧٣).
[ ٥ / ٥٣٦ ]
ولعن رسول الله ﷺ العاضهة والمستعضهة (^١).
ونقصانها على الأول واو وعلى الثاني هاءٌ، وإنَّما جُمِعَ جَمعَ السَّلامة جبرًا لما حذف منه (^٢)، كقولهم: قلون وثبون.
والموصول بصلته صفة لـ ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾، أو مبتدأ خبره:
* * *
(٩٢ - ٩٣) - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من التَّقسيم، أو النِّسبة إلى السحر، فنجازيهم عليه، وقيل: عامٌّ، أي: عن كلِّ ما عملوا من المعاصي، فيتناولهما، وهو وعيد لهم، وقيل: يسألهم سؤالَ تقريع.
* * *
(٩٤) - ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾: فاجْهَر به وأظهره. وقيل: افرُقْ بينَ الحقِّ والباطل به.
والصَّدع في الأصل: شقٌّ في الأجسام الصُّلبة كالزُّجاج والحديد، ويلزمه الإبانة والتَّمييز.
_________________
(١) رواه الحربي في "غريب الحديث" (٣/ ٩٢٣)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٣٣٩) من حديث ابن عباس ﵄. وفيه سلمة بن وهرام، قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس برواياته. وقال ابن طاهر في "ذخيرة الحفاظ" (٢/ ٨٦٩): رواه سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس. وسلمة قال أحمد بن حنبل: أخشى أن يكون حديثه ضعيفًا. والبخاري قال: فيه نظر. وجاء في هامش (ف) و(م): "من هنا ظهر ما في كلام القاضي من الخلل، حيث أوهم أن يكون ما في الحديث بمعنى البهتان. منه".
(٢) "منه" زيادة من (ك).
[ ٥ / ٥٣٧ ]
و﴿مَا﴾ موصولة؛ أي: بالذي تؤمر به من الشَّرائع، فحذفَ الجارَّ، كقوله:
أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ (^١)
أو مصدرية؛ أي: بأمرك، كقول أبي طالب:
فاصدعَ بأمرِكَ ما عَليْكَ غَضاضة (^٢)
وهو مصدر من الفعل المبني للمفعول، قيل: فيه خلاف، والصَّحيح أنه لا يجوز، ورُدَّ بأنَّ الخلاف هو في المصدر المصرَّح به، وأمَّا الحرف المصدري فليس محلَّ النِّزاع.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: لا تلتفت إلى ما يقولون، فالإعراض كناية عن عدم الالتفات (^٣).
* * *
(٩٥) - ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.
﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ﴾؛ أي: نكفيك. وذكره على صيغة الماضي للدّلالة على قربه.
﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بإهلاكهم وتدميرهم، وهم كانوا خمسة نَفَرٍ من أشراف قريش، وقصتهم مذكورة في كتب التفاسير والسِّيرِ.
* * *
_________________
(١) البيت في "الكتاب" (١/ ٣٧)، و"خزانة الأدب" (١/ ٣٣١)، واختلف في نسبته، قال البغدادي: نسب لعمرو بن معدي كرب، وللعباس بن مر داس، ولزرعة بن السائب، ولخفاف بن ندبة. وعجزه: فقد تركتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ
(٢) من شواهد "خزانة الأدب" للبغدادي (٣/ ٢٧٨)، وعجزه: وأبشر بذاك وقر منه عيونا
(٣) في هامش (م): "من لم يتنبه للكناية المذكورة قال: فلا تلتفت".
[ ٥ / ٥٣٨ ]
(٩٦) - ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ صفة ﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ما ينزلُ بهم عاجلًا وآجلًا.
* * *
(٩٧) - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ ضيقُ الصَّدرِ كناية عن انقباض النَّفس، كما أنَّ انشراحَهُ كنايةٌ عن انبساطه.
﴿بِمَا يَقُولُونَ﴾ من أقاويل الطَّاعنين فيك وفيما أُنزِلَ عليك، والمستهزئين فيك.
* * *
(٩٨) - ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾.
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: فنزِّه ربَّك عن العجز والانتقام منهم.
وتفريعُه على ما تقدَّم باعتبار أنَّه كناية عن الوعد بإزالة ما هو السَّبب لضيق صدره ﵇، ومَن لم يقف على هذا فسَّره بقوله: فنزهه عمَّا يقولون حامدًا له على أنْ هداك للحقِّ.
وأمَّا ما قيل: فافزع إلى الله فيما نابك يكفيك ويكشفِ الغمَّ عنك، فلم يُصبْ محزَّه.
والفزعُ إلى الله تعالى: هو الذِّكرُ الدَّائم، وكثرةُ السُّجود؛ لأنَّ التَّوسُّل بما ذكر إنَّما هو معنى قوله:
[ ٥ / ٥٣٩ ]
﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾؛ أي: من المصلِّين. وعنه ﵇: أنَّه كان إذا حزبه أمرٌ فزعَ إلى الصَّلاة (^١).
* * *
(٩٩) - ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾: ودُمْ على عبادة مَنْ خلقَكَ وربَّاك.
﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾؛ أي: الموت؛ فإنَّه متيقَّن اللُّحوق لكلِّ (^٢) جسم ذي حياة؛ أي: ولا تُخلَّ بالعبادة ما دمْتَ حيًّا.
وفيه إشارة وبشارة: أمَّا الإشارة (^٣) فإلى أنَّه ﵇ يموت كما يموت سائر الأنبياء والمرسلين، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، مَّا البِشارة فبأمنه ﵇ عن العاهات المانعة للتَّكليف (^٤) بالعبادة إلى أن قضى نحبه.
تمَّ الكلام في هذا المقام، والحمد لله على التَّمام.
* * *
_________________
(١) رواه أبو داود (١٣١٩) من حديث حذيفة ﵁، ولفظه: "كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر صلى".
(٢) في (ك) زيادة "ذي".
(٣) في (ف): "أما الأول".
(٤) في (ف): "للتكلُّف".
[ ٥ / ٥٤٠ ]