﷽
(١) - ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿المر﴾ قد مر (^١) في تفسيرها أقاويل، وقيل: معناه: أنا الله أعلمُ وأَرى.
﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى آيات السورة، وفيها تعظيمٌ لها.
﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ اللام للماهية (^٢)، والمراد به السورة؛ أي: تلك الآياتُ العظام آياتُ السورة الكاملةِ العجيبة في بابها.
﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ يعني: القرآنَ كلَّه، ومحلُّه الرفع على الابتداء، وخبره هو: ﴿الْحَقُّ﴾؛ أي: هو الحق الذي لا مزيدَ عليه، لا هذه السورة وحدها، وفي إيقاع الموصول مسندًا إليه تفخيم المنزل (^٣).
وفي توسيط (هو) (^٤) وتعريفِ ﴿الْحَقُّ﴾ أنه هو الذي إذا تحقَّقْتَ الحقَّ وماهيتَه
_________________
(١) "قد مر"من (م).
(٢) في (م): "للمهية".
(٣) في هامش (ف) و(م): "هذا هو الذي يقتضيه جزالة الكلام وحسن انطباقه على مقتضى المقام، وهو تعميم المنزل المستفاد من إيقاع الموصول مسندًا إليه، فلذلك لم يلتفت إلى احتمال أن يكون محله الجر بالعطف على الكتاب، والله أعلم بالصواب ".
(٤) قوله: "وفي توسيط هو" كذا قال، وهو وهم أو سبق قلم، فليس في الآية هنا ضمير الفصل: (هو).
[ ٥ / ٣٦١ ]
فهو هو لا غير، والمراد الإخبار عنه بكمال حقَيَّته (^١) حيث ثبت على مرِّ الدهور ولم يتطرَّق له (^٢) التحريف والتغيير، أو ثبت تلاوته وحكمُه بخلاف سائر الكتب الإلهية، فلا دلالة فيه على أن غير المنزل إليه ليس بحق أصلًا، فلا حاجة إلى تعميمه للمنزل ضمنًا، بل لا وجه له بعد التصريح بأن المراد منه القرآن كلُّه، على أنه لا يجدي نفعًا في دفع النقض بحقيَّة (^٣) ما نزل إلى سائر الأنبياء ﵈.
وفي دَرْجِه في الذي أنزل إليه ﵇ ضمنًا باعتبار أنه نطق بحسن اتّباعه ما لا يخفى من التعسُّف (^٤)، وهو بعد اللُّتيَّا والتي يؤدي إلى أن يكون ترك قوله: ﴿إِلَيْكَ﴾ خيرًا من ذكره.
والجملة الثانية كالحجة على الجملة الأولى، وطريقتُها طريقة الأنمارية في الكَمَلة من بني العَبْسي (^٥): هم كالحَلْقة المفْرغةِ لا يُدرَى أين طرفاها؛ أي: كما أنها نفت التفاضُل آخِرًا بإثبات الكمال لكل واحد دلالةً على أن كمالَ كلِّ لا يحيط به الوصف وهو إجمال بعد التفصيل لهذا الغرض، كذلك لمَّا أثبت لهذه السورة
_________________
(١) في (ف): "حقيقته".
(٢) في (ك): "إليه".
(٣) في (ف): "بحقيقة".
(٤) فيه رد على قول البيضاوي: (وتعريف الخبر وإن دل على اختصاص المنزل بكونه حقًا فهو أعم من المنزل صريحًا أو ضمنًا، كالمثبت بالقياس وغيره مما نطق المنزل بحسن اتباعه). انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٨٠).
(٥) في (ف) و(م): "في الكلمة من بني عيسى". وفي (ك): "في الكلمة من بني عبس ". والأنمارية هي فاطمة بنت الخرشب، ولدت لزياد العبسي: ربيعًا الكامل، وعمارة الوهاب، وقيسًا الحفاظ، وأنس الفوارس، قيل لها: أيهم أفضل؛ فقالت: عمارة، لا بل فلان، لا بل فلان، ثم قالت: ثكلْتُهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرغة. انظر: "فتوح الغيب" (٨/ ٤٥٥).
[ ٥ / ٣٦٢ ]
خصوصًا (^١) الكمال، استدرك بأن كلَّ المنزَل كذلك، لا يختصُّ به سورةٌ دون أخرى للدلالة المذكورة.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لا يصدّقون بأنه منزل من الله تعالى؛ لإعراضهم وعن النظر فيه، أو إخلالهم بحق التأمُّل في وجوه إعجازه.
* * *
(٢) - ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبره (^٢)، ويجوز أن يكون الموصول صفةً (^٣) والخبر ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾، والأول أولى؛ لأن قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ عطفٌ عليه على سبيل التقابُل بين العُلْويات والسُّفْليات، وفي المقابل تعيين الخبريَّة فكذلك فيه (^٤) ليتوافَقَا، ولدلالته على أن كونه كذلك هو المقصود بالحكم، لا أنه ذريعة إلى تحقيق الخبر وتعظيمه (^٥) كما هو مقتضَى الوجه الآخر.
﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾؛ أي: خلَقها مرفوعةً، لا أن تكون موضوعةً فرفعها.
_________________
(١) في (م): "خصوص".
(٢) في (م) و(ك). "وخبر".
(٣) في (م): "صفة الموصول"، وسقطت "الموصول" من (ف) و(ك)، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٨٠).
(٤) قوله: "وفي المقابل" يعني به: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾، وقوله: "تعيين الخبرية"، يعني أن خبرية الموصول متعينة في هذا المقابل، وقوله: "فكذلك فيه" يعني أن خبرية ﴿الَّذِي﴾ هي الوجه في: ﴿اللَّهُ الَّذِي﴾.
(٥) "وتعظيمه" من (م).
[ ٥ / ٣٦٣ ]
﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾: جمع عماد، كإهابٍ وأَهَبٍ، أو محمود كأَديمٍ وأَدَمٍ، وقرئ: (عُمُدٍ) كرُسُلٍ (^١).
والعمود: السارية، وأصله: منع الميل، ومنه: الاعتماد، والأسطون غيرُ مرادف له (^٢).
﴿تَرَوْنَهَا﴾ استئنافٌ للاستشهاد برؤيتهم السماوات كذلك.
وقيل: هي صفةٌ لـ ﴿عَمَدٍ﴾. وفيه إيهامُ أن يكون لها عمدٌ غيرُ مرئية، ومقتضى المقام نفيُ العماد أصلًا، وذكره بصيغة الجمع للتعدُّد في السماء.
وقرئ: (ترونه) (^٣)، أي: ترون رفعها بغير محمد.
قيل: وهو دليل على وجود الصانع الحكيم، فإن ارتفاعها على سائر الأجسام المساوية لها في حقيقة الجرمية (^٤)، واختصاصَها بما يقتضي ذلك لا بد وأن يكون بمخصِّصٍ ليس بجسم ولا جسمانيٍّ يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته، وعلى هذا المنهاج سائر ما ذكر من الآيات.
ولا يخفى أن مبنى تلك الدلالة على ثبوت المساواة المذكورة، ولا دليل عليه لا من جهة العقل ولا من جهة النقل.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥١٢).
(٢) فيه رد على قول البيضاوي: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾: أساطين) وأساطين جمع أسطوانة، وهي معرب أستون. انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٨٠) و"حاشية الشهاب" (٥/ ٢١٧). فقول المؤلف: "أسطون"، لعله بلفظه قبل التعريب.
(٣) نسبت لأبي ﵁. انظر: "الكشاف" (٢/ ٥١٢).
(٤) في (ف) و(ك): "الجسمية". والمثبت من (م) و"تفسير البيضاوي" (٣/ ١٨٠)، والمعنى متقارب.
[ ٥ / ٣٦٤ ]
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بالحفظ والتدبير، ولفظة ﴿ثُمَّ﴾ مستعارةٌ للتراخي في الرتبة.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَر﴾، أي: ذلَّلهما وجعلهما طائعَين له غيرَ ممتنعَينِ عليه، وقصَرهما على سَنَنٍ واحد لمنافع عباده ومصالح بلاده؛ لما يوجد بهما من الآثار في الحبوب والثمار.
﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، أي: كلٌّ منهما يجري لمدةٍ معيَّنة يتم فيها دورُه، فالقمرُ (^١) يقطَع الفُلْك في شهرٍ، والشمس في سنةٍ، لا يختلف جَرْيُ واحد منهما كما قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٨]، وقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، أي: بحسابٍ (^٢) معلوم لا يختلف.
وهذا أيضًا من جملة التدبيرات لمنافع العباد ومصالح البلاد، بخلاف ما قيل: يجري لغاية مضروبة ينقطع دونها سيرُه، وهي: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ فلا يناسب الفصلَ به بين التسخير والتدبير، ثم إن غايتهما المذكورةَ متحدةٌ، والتعبير بـ ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ صريح في التعدُّد، وما للغاية (إلى) دون اللام.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: يدبر أمر ملكوته وربوبيَّته في الإيجاد والتصريف نحو المراد.
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: يأتي بالآيات الدالة على القدرة والتدبير فصلًا فصلًا للتمكُن من تدبُّر كل آيةٍ على حِدَةٍ.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "كالقمر".
(٢) في (ك): "بحسبان ".
[ ٥ / ٣٦٥ ]
﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ فإنَّ مَن تدبَّر هذه الآيات وتفكَّر فيها أيقن أنَّ مَن قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قدر على الإعادة والجزاء، فلا بد من الرجوع إليه بمقتضَى وعده.
والجملتان إما حالان من الضمير في قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقولُه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ من تتمته؛ لأنَّه تقريرٌ لمعنى الاستواء وتبيينٌ له، وإما مفسِّرتان له.
وفي تعقيب الأوائل بهما (^١) للإيقان، والثواني بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢) من فضل السوابق لإفادتها اليقين (^٣)، واللواحقُ ذرائع إلى حصوله، لأن الفكر آلتُه، والإشارة إلى تقدم الثواني بالنسبة إلينا مع التأخر رتبةً، وكلُّ ذلك فائت على تقدير جعل الموصول وصفًا.
لمَّا قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال:
(٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾؛ أي: بسطها طولًا وعرضًا ليُثبِّت فيها الأقدام، ويتقلَّبَ عليها الحيوان، ولمَّا كان مَظِنّةَ أن يقال: لولا ما فيها من الجبال لكان الثبات فيها أيسرَ، ومواضعُ التقلُّب فيها (^٤) أكثر، دفعه ببيان الفائدة في خَلْقها بقوله:
_________________
(١) أي: بقوله: ﴿يُدَبِّرُ﴾ ﴿يُفَصِّلُ﴾. انظر: "روح المعاني" (١٣/ ١٨)، والكلام منقول من "الكشف" كما صرح الآلوسي. وهو "الكشف على الكشاف" للقزويني.
(٢) في النسخ: "إن في ذلك لآيات لمن يتفكر"، والمثبت من المصدر السابق.
(٣) في (ك): "التعين "، وفي (ف) و(م): "التعيين"، والمثبت من المصدر السابق.
(٤) "فيها": ليست في (م).
[ ٥ / ٣٦٦ ]
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ من الرُّسُوِّ، وهو ثبات الجسم الثقيل وقرارُه، ومنه: أرسى السفينة، والمرسى.
كانت الأرض مضطربةً فثقَّلها الله تعالى بالجبال في أحيازها فزال اضطرابها، كذا قيل.
ولمَّا غلب على الجبال وصفُها بالرواسي صارت الصفةُ تُغني عن الموصوف، فجُمع جَمعَ الاسم؛ كحائطٍ وحوائطَ، وكاهلٍ وكواهلَ.
والتحقيق: أنَّ (فاعل) يجمع على فواعِلَ إذا كان لغير الآدميين؛ نصَّ عليه الجوهري حيث قال: إنَّ فواعلَ جمع فاعلةٍ نحو: ضاربة وضوارب، أو جمع فاعل إذا كان صفةً للمؤنث مثلَ: حائض وحوائض، أو ما إذا كان لغير الآدميين مثل: جملٍ بازلٍ وجمالٍ بوازلَ، وحائطٍ وحوائطَ، فأما مذكَّر ما يعقل فلم يجمع عليه إلا فوارسُ وهوالكُ ونواكسُ (^١).
وبهذا التفصيل تبيَّن فساد ما قيل: رواسي جمع راسية، والتاء للتأنيث على أنها صفة أجبُلٍ أو للمبالغة (^٢).
﴿وَأَنْهَارًا﴾ الأنهار: المجاري الواسعة، والمراد: ما يجري فيها من المياه، وفي ضمِّها إلى الجبال وتعليقِ الفعل الواحد بهما إيماءٌ إلى أن الجبال أسبابٌ لتولُّدها ولهذا كثُر قِرَان ذكرها بذكرها في القرآن.
_________________
(١) انظر: "الصحاح" (مادة: فرس).
(٢) من قوله: "والتحقيق .. " إلى هنا من (م)، ووقع في هامش (ف). وبعده في (م): "إلى هاهنا". وانظر تفصيل الكلام فيه في "روح المعاني" (١٣/ ٢٣).
[ ٥ / ٣٦٧ ]
﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ في قوله: ﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾؛ الزوج (^١) قد يكون اسمًا للشفع، وقد يكون اسمًا (^٢) للفرد المقارب لشبهه، فأتبعه ﴿اثْنَيْنِ﴾ ليُعلم أنه لم يُرد به الشفع؛ أي: جعل من أنواع الثمرات فيها صنفين متقابلين؛ كا لأبيض والأسود، والحلو والحامض، والكبير والصغير.
وأما ما قيل: خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدَّها، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوَّعت، ففيه أنه دعوى بلا دليلٍ، مع أن الظاهر خلافُه، فإن النوع الناطق المحتاجَ إلى الزوجين خُلق ذَكَرُه أولًا، فكيف في الثمرات وتكوُّنُ واحدٍ من كلٍّ أولًا كافٍ في التولُّد؟
وعبارة ﴿كُلِّ﴾ للتكثير، لا للإحاطة حتى يلزم أن يوجد في الأرض صنفين من أنواع الثمرات التي في حيِّز الإمكان.
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ استعارةٌ تَبَعية؛ فإنه شبَّه إخفاء نور الجو وسترَه بالظلمة التي بالتغشية (^٣)، أي: يغطِّي الليلُ النهارَ فيُذهب ضوءَه، ويغشَى النهارُ الليلَ فيُذهب ظلمتَه، فهو مختصر في الذكر مراد في المعنى بدلالة نظائره.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيها، فإن تكوينها وتخصيصَها بوجه دون وجهٍ (^٤) دليل على وجود قادر مختار.
* * *
_________________
(١) في (ف): "أي الزوجين"، وفي (م): "إذ الزوج".
(٢) "اسمًا"من (م).
(٣) أي: استعارةٌ تبعيةٌ تمثيليةٌ مبنيَّةٌ على تشبيه إزالةِ نورِ الجو بالظلمة بتغطية الأشياءِ الظاهرةِ بالأغطية. انظر: "تفسير أبي السعود" (٥/ ٤)، وعبارة النسخ فيها بعض الغموض، لعل سببه سقط أو تحريف.
(٤) "دون وجه" من (م).
[ ٥ / ٣٦٨ ]
(٤) - ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ عدَل عن الضمير إلى الظاهر لأن المتبادِر منه الظرفيةُ كما في قوله: ﴿جَعَلَ فِيهَا﴾ والمراد أن يكون في نفسها كون الجزء في الكل.
﴿قِطَعٌ﴾ ووفي بعض المصاحف: (قطعًا [متجاوراتٍ]) (^١) على (^٢): وجعل، وحينئذ يكون الاحتياج إلى وجه العدول أظهر.
﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: بقاع مختلفةٌ مع كونها متجاورةً متلاصقةً: طيبةً إلى سبخةٍ، وكريمةً إلى زهيدةٍ، ورخوةً إلى صلبةٍ، بعضها يصلح للزرع والضَّرع دون الشجر والثمار، وبعضها بالعكس، وذلك من الدلائل الناطقة بأنه القادر على ما يشاء من تخصيص كلِّ واحدة بخاصيَّةٍ تضادُّ ما للأخرى، مع اتحادها في الطبيعة الأرضية وما يلزمُها وَيعْرِض لها بتوسُّط ما يحدث من الأسباب السماوية من حيث إنها متضامَّة متشاركة في النسب (^٣) والأوضاع.
وكذا الكرومُ والزروع والنخيل النابتة في قطعة واحدة من تلك القطاع مختلفةُ الأجناس والأنواع، متفاوتةُ الثمرات في ألوانها وأشكالها وطعومها وروائحها، متفاضلة فيها، وهي تسقى بماء واحدٍ (^٤) في أرضٍ واحدة.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥١٣) وما بين معكوفتين منه.
(٢) في (م): "عطفًا على"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في "الكشاف" (٢/ ٥١٣)، والمراد: (على تقدير).
(٣) في (ف): "السبب"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٨١).
(٤) "واحد" من (م).
[ ٥ / ٣٦٩ ]
﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾: وبساتينُ فيها أنواع الأشجار والزروع، وتوحيد الزرع لأنَّه مصدر في أصله، والفصل به بين نوعِ جنس واحد وهو من جنسٍ آخر، لِمَا فيه من الفضل حيث كان به قِوام المعاش.
وقرئ: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ بالرفع (^١) عطفًا على ﴿وَجَنَّاتٌ﴾.
وقرئ: (جناتٍ) (^٢) بالنصب عطفًا على ﴿زَوْجَيْنِ﴾، أو بالجر (^٣) عطفًا على ﴿كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾.
﴿صِنْوَانٌ﴾: جمع صِنْوٍ، وهي نخلة ذات ساقين تفرَّعا من أصل واحد ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: ومتفرِّقاتٌ (^٤) مختلفةُ الأصول. وقرئ: بالضم (^٥)، كقنوانٍ في جمع قنو.
﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ وقرئ: ﴿يُسْقَى﴾ بالياء (^٦) على تأويل ما ذُكر إجراءً للضمير مجرى اسم الإشارة.
﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ قرئ بضم الكاف وسكونها، وقرئ:
_________________
(١) قراءة حفص وابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٣١).
(٢) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٦)، و"الكشاف" (٢/ ٥١٣) والكلام منه.
(٣) في النسخ: "وبالجر"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٥١٣) وهو الصواب؛ لأن المراد أن هذه القراءة تحتمل النصب والجر عطفا على ما ذكر في كل واحد من الاحتمالين، لا أنه قرئ بالنصب وبالجر.
(٤) في (م): "وغير متفرقات ".
(٥) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٦)، و"الكشاف" (٢/ ٥١٣) والكلام منه.
(٦) قراءة عاصم وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٣١).
[ ٥ / ٣٧٠ ]
(نفضّل) بالنون والياء على بنائين (^١)، والبناءُ للفاعل ليطابق ﴿يُدَبِّرُ﴾ (^٢).
وإنما خصَّ التفضيل (^٣) في الأُكل بالذكر مع وجود (^٤) التفاضُل في غيره لأنَّه غالبُ وجوه الانتفاع من الثمرات.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولهم للتفكُّر، وفيه إشعارٌ بأن العاقل إذا لم يستعمل عقله لِمَا خلق له فكأنه لا يعقل.
* * *
(٥) - ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ يا محمد -أو: يا أيها السامع الموحِّد- من قولهم (^٥) في إنكارهم للبعث ﴿فَعَجَبٌ﴾: فحقيقٌ بأنْ يُتعجَّب منه ﴿قَوْلُهُمْ﴾ وتقديم الخبر للتخصيص؛ أي: ما قولهم إلا عجب لا أعجبَ منه؛ لأن مَن قدر على إنشاء ما
_________________
(١) ذكر جميع هذه القراءات الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٥١٣)، و﴿الْأُكُلِ﴾ بضم الكاف قراءة العشرة، و﴿وَنُفَضِّلُ﴾ بالنون والبناء للفاعل، و﴿يُفضِّل﴾ بالياء والبناء للفاعل، قراءتان سبعيتان، قرأ بالياء حمزة والكسائي وبالنون الباقون. انظر: "التيسير" (ص: ١٣١)، و"النشر" (٢/ ٢٩٧).
(٢) في النسخ: "يطابق ليدبر"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٨١)، والمراد قراءة حمزة والكسائي ﴿ويفضل﴾ بالياء.
(٣) في (م) و(ك): "التفضل ".
(٤) في (ف): "وجود جودة".
(٥) "من قولهم" من (م).
[ ٥ / ٣٧١ ]
عدِّد من الفِطَر العجيبة كان على الإعادة أقدَر؛ إذ الإعادةُ أهونُ من الإبداء (^١) وأيسر، فإنكارهم أعجوبةٌ من أعجب الأعاجيب.
﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ في محل الرفع بدلًا من ﴿قَوْلُهُمْ﴾، أو في محل النصب بالقول، و(إذا) نصب بما دل عليه قوله: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أي: لفي صَدد ذلك بعد ما كنا ترابًا، وهذا أبلغ في الإنكار.
﴿أُولَئِكَ﴾ المنكرون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾: المتمادون في الكفر بربِّهم؛ لأنهم كفروا بقدرته على البعث.
﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾؛ أي: المصرُّون الذين لا يمكنهم النظر والاستبصار ورفع الرُّؤوس إلى ما دُعوا إليه، وغلُّ الأعناق تمثيلٌ كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس: ٨]، ويجوز أن يكون وعيدًا كما بعده.
﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ في تكرير (أولئك) تعظيم لإنكارهم، وتأكيد في تقبيحه، وبيان لاستيجابهم العذابَ الأبديَّ لذلك؛ أي: إنهم إذا أنكروا ما ثبت بهذه الدلائل الدالة على قدرة المبدئ على الإعادة دلالتَها على الإبداء بل أقوى، فما أقبح إنكارَهم وأشد إصرارهم، وما أحقَّهم بالخلود في النار!
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: لا ينفكُّون عنها، وتوسيط الفصل لتخصيصِ الخلود بالكفار، فإن عبارته وإن كانت مخصوصةً بصنفٍ منهم، وهم المنكِرون للبعث لكنَّ دلالته تعمُّ سائر الأصناف.
* * *
_________________
(١) في (ف): "الابتداء".
[ ٥ / ٣٧٢ ]
(٦) - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: بالعقوبة قبل العافية، وذلك أنهم استعجَلوا ما (^١) هدَّدهم به من عذابِ الدنيا استهزاءً وإنكارًا.
﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾: عقوباتُ أمثالهم من المكذِّبين، فما لهم لم يعتبِروا بها ولم يحترِزوا حلولَ مثلِها بهم، والمثُلة بوزن السَّمُرة: العقوبةُ؛ لأنها مثلُ المعاقَبِ عليه.
وقرئ: (المَثَلات) على أنها جمع مُثلةٍ؛ كرُكْبةٍ ورَكَبات (^٢)، وهي العقوبةُ المستأصِلةُ؛ كقَطْع الأنف والأُذُن ونحوهما.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾ اللامُ للعهد، والمعهود هم المستعجِلون المذكورون، والمراد من المغفرة: السَّتر والإمهال.
﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ في محل النصب على الحال، والعامل فيه المغفرة؛ أي: ظالمين أنفسَهم أيَّ ظالمين، فإن ﴿عَلَى﴾ أبلغ من: مع.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ للظالمين، فلا يُهْمل وإن كان يمهِل، فلا دلالة في الآية على جواز العفو قبل التوبة؛ لأن مبناها على حمل المغفرة على التوبة، وهو غير مسلَّم عند المخالف.
* * *
_________________
(١) في (م) و(ك): "بما".
(٢) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥١٤).
[ ٥ / ٣٧٣ ]
(٧) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ لعنادهم وعدم اعتدادهم بالآيات المنزلة على رسول اللّه ﷺ، ومكابرتهم (^١) مقترحِين مثل آيات موسى وعيسى ﵈.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾: مرسَل للإنذار والتخويف من سوء العاقبة كغيرك من الرسل، لا للإتيان بما اقتَرحوا عليك، وما عليك (^٢) إلا إتيانُ ما تصحُّ به نبوتك من الآيات، والآياتُ كلها سواءٌ في ذلك.
﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾: نبيٌّ مخصوص بمعجزاتٍ من جنس ما هو الغالبُ عليهم، يهديهم إلى الحق بوجهٍ من الهداية التي تخصُّهم، أو: قادرٌ على هدايتهم وهو الله تعالى؛ أي: ما عليك إلا الإنذار، فلا يهمَّنَّك (^٣) عنادُهم وإنكارهم للآيات المنزلة عليك، فليس إليك هدايتُهم، ولست بقادر عليها، إنما القادر على ذلك هو الله تعالى، لكنه لا يهدي إلا مَن يشاء من عباده بما يشاء من آياته.
ثم عقَّبه بما دل على كمال علمه وتقديره للأشياء على مقتضَى حكمته؛ تنبيهًا على أنه عالم بأحوال الأنبياء ﵈ والأممِ، قادر على إنزال مقترحاتهم، ولكنَّ الأمر مقدَّر عنده على ما يجب أن يكون عليه من حكمته من تخصيص كلِّ نبي بما خُص به من الآيات.
وأما ما قيل: أو عالم بهم قادرٌ على هدايتهم لكنه لم يهدهم لسبق قضائه عليهم بالكفر، فمرجعُه إلى تصحيح مبنى مذهب الجبرية.
_________________
(١) في (م): "ومكارتهم".
(٢) "وما عليك" من (م).
(٣) في (م) و(ك): "يهمك".
[ ٥ / ٣٧٤ ]
(٨) - ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾.
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ إما استئنافٌ لبيان سبب الامتناع من إنزال ما اقترحوا، وإما جملتان: الأولى تفسير لـ ﴿هَادٍ﴾، أي: هو الله، والثانية ابتداءُ كلام لبيان كون الكل بعلمه وتقديره.
ويجوز أن يكون جملة قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ﴾ مقدَّرةً، ويكون من باب إقامة الظاهر مقام المضمَر؛ كأنه قيل: هو يعلم - أي: ذلك الهادي - ما تحمله كل أنثى أو حملها على أيِّ حال [هو] من الأحوال الحاضرة والمترقَّبة (^١).
﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾: ما تنقصه وما تزداده في الجثة والمدة والعدد.
وقيل: المراد نقصانُ دم الحيض وازديادُه.
(غاض) جاء متعديًا ولازمًا، وكذا (ازداد)؛ قال تعالى: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]، فإن جُعلا لازمين تعيَّن (^٢) (ما) أن تكون مصدريةً، وإسنادهما إلى ﴿الْأَرْحَامُ﴾ على المجاز فإنهما لله تعالى أو لِمَا فيها.
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ بقَدَرٍ واحد من جهة الكمِّ والكيف والزمان، لا يجاوزه ولا ينقص عنه، والمراد من العندية الحضورُ العلمي، أي: هو عالم بكمية كلِّ شيء وكيفيته ووقت حدوثه، فيهيِّئ له أسبابًا مَسوقةً إليه تقتضي ذلك، وهذه الجملة مقرِّرة لِمَا تقدَّم، وليس في الاتصال كالتي بعدها، ولذلك وصل هذه له وفصَل هي عما قبلها.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥١٥)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ١٨٢)، وما بين معكوفتين منهما.
(٢) في (م): "يتعين".
[ ٥ / ٣٧٥ ]
(٩) - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: الغائبِ عن الحس ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: الحاضرِ له ﴿الْكَبِير﴾: العظيم في شأنه وسلطانه ﴿الْمُتَعَالِ﴾: المستعلي على كلِّ شيء بقدرته، فلا يخرج شيءٌ عن حكمه كما لا يَعزب عن علمه.
* * *
(١٠) - ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.
﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾؛ أي: أخفاه في نفسه ﴿وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾: أظهره لغيره.
﴿وَمَنْ هُوَ﴾، أي: وسواءٌ مَن هو ﴿مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾: طالبٌ للخفاء في مختبَئ من الليل ﴿وَسَارِبٌ﴾: بارزٌ ﴿بِالنَّهَار﴾ يراه كلُّ راءٍ، من سَرَب سُروبًا: إذا برز، عطفٌ على (مَن).
أو على ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ و(مَن) في معنى الاثنين كما في قول الفرزدق:
نكُنْ مِثْلَ مَن يا ذئبُ يصطحِبان (^١)
كأنه قيل: سواءٌ منكم اثنان: مستخفٍ بالليل وساربٌ بالنهار.
والنكتة في زيادة ﴿هُوَ﴾ في الأول: أنه الدالُّ على كمال العلم فناسَبَ زيادةَ تحقيق، وهو النكتةُ أيضًا في تقديم ﴿أَسَرّ﴾ وإعماله في صريح القول على ﴿جَهَرَ﴾ وإعماله في ضميره، وفي حذف الموصوف من (سارب) على الوجه الأول.
* * *
_________________
(١) انظر: "الديوان" (٢/ ٣٢٩)، و"الكتاب" (٢/ ٤١٦)، و"الكشاف" (٢/ ٥١٦)، وصدره: تعشَ فإن عاهدتني لا تخونني
[ ٥ / ٣٧٦ ]
(١١) - ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾.
﴿لَهُ﴾: لمن أسرَّ أو جهر، واستخفى أو سَرَب ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾: ملائكةٌ تَعْتَقِبه في حفظه: جمعُ معقِّبةٍ، من عقَّبه مبالغةُ عَقَبه: إذا جاء على عَقِبه؛ لأن بعضهم يَعْقُب بعضًا على الدوام، أو لأنهم يُعَقِّبون ما يفعل ويتكلم به فيكتبونه، والتاءُ للمبالغة، أو لأنها جماعات.
ومَن وَهَم أن أصله: معتقِباتٌ، أدغمت (^١) التاء في القاف كقوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠]؛ أي: المعتذرون (^٢)، فقد وَهِم؛ لِمَا نص عليه التصريفيون من أنَّ التاء لا تُدغم في القاف، ولا القاف في التاء، لا من كلمتين ولا من كلمة، ثم إن ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ لا يَتعين أن يكون أصله: المعتذرون.
وقرئ: (مَعَاقيبُ) جمعُ معقِّبٍ أو معقِّبةٍ، والياءُ عوضٌ من حذف إحدى القافين في التكسير (^٣).
﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: من جوانبه.
﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: من الآفَات التي لا يمكن دفعُها بأسبابٍ عادية، والإنسان ليس في وسعه التحرُّزُ عنها، فالله تعالى بلطفه عيَّن له حفظةً يحفظونه من هذا النوع من الآفَات، قال النبي ﷺ: "وكِّل بالمؤمن مئة وستُّون
_________________
(١) في (ف) و(ك): "أدخلت".
(٢) قائله الزمخشري وتابعه البيضاوي كما قال الشهاب، قال: وقد اتفقوا على رده. انظر: "الكشاف" (٢/ ٥١٧)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ١٨٣)، و"حاشية الشهاب" (٥/ ٢٢٥).
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٦)، و"المحتسب" (١/ ٣٥٥)، و"الكشاف" (٢/ ٥١٧).
[ ٥ / ٣٧٧ ]
ملَكًا يَذُبُّون عنه كما يُذَبُّ عن قصعة العسل الذبابُ، ولو وُكِل العبد إلى نفسه طرفةَ عين لاختطفته الشياطين" (^١).
وإنما خُصَّ هذا النوع من الآفَات بالإضافة إلى أمر الله، وإن كان كلُّها بأمره تعالى؛ لعدم ظهور أسبابها العادية.
هذا ما عندي، والذي ذكره القوم: أنه صفةٌ لـ ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ كـ ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾؛ أي: له معقِّبات ثابتةٌ من أمر الله يحفظونه، أو متعلق بـ ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾؛ أي: يحفظونه من أجْل أمر الله تعالى، يعني: من أجل أن الله تعالى أمرهم بحفظه، ولا يدل عليه قراءةُ: (بأمر الله) (^٢)؛ لجواز تعلُّقه بالسابق؛ أي: معقِّبات بأمر اللّه.
أو: يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بالاستغفار، أو الاستمهال عسى أن يتوب.
وقيل: المراد من المعقبات: الحرس والجَلَاوِزة حول السلطان يحفظونه في توهُّمه من قضاء الله أوعلى التهكُّم به.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ من العافية والنعمة إلى البلاء والنقمة.
﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ من الصلاح والطاعة إلى الفساد والمعصية.
﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾: فلا رادَّ له، والعامل في (إذا) ما دل عليه الجواب.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾: ممن يلي أمرهم فيدفعُ عنهم السوءَ، أو يدفعه
_________________
(١) رواه الطبراني في "الكبير" (٧٧٠٤) من حديث أبي أمامة ﵁. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٠٩): (فيه عفير بن معدان وهو ضعيف).
(٢) نسبت لجمع منهم علي وابن عباس ﵃. انظر: "المحتسب" (١/ ٣٥٥)، و"الكشاف" (٢/ ٥١٧)، و"البحر" (١٣/ ٤٥).
[ ٥ / ٣٧٨ ]
بالعنف أو باللطف؛ أي: لا رافع ولا دافع ولا شافع ولا نافع أصلًا.
وأما الدلالة على أن خلاف مراد الله تعالى محالٌ فالآيةُ ساكتة عنها.
* * *
(١٢) - ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ من ضرره ﴿وَطَمَعًا﴾ في نفعه، إذا لمع البرق يُخاف الصواعق ويُطمع في الغيث، كما قال أبو الطبيب:
فتًى كالسحاب الجُونِ يُخْشَى ويُرْتَجى … يُرَجَّى الحَيَا منها ويُخْشَى الصَّواعقُ (^١)
أو: يَخاف عنده (^٢) المطرَ مَن له فيه ضرر، فإنَّ الغيث لا يخلو عن العيث، ويَطمع فيه من له نفع فيه.
وانتصابهما على الحالية من المخاطَبين؛ أي: يريكم خائفين طامعين، أو من البرق كأنه في نفسه من شدة ما يُخاف ويُطمع فيه عينُ الخوف والطمع، أو ذا خوفٍ وذا طمعِ.
أو مفعولٌ لهما على أن المخاطَبين رائين؛ لأن إراءهم متضمِّن لرؤيتهم، والخوف والطمع من أفعالهم حيث إنهم فاعلو الفعلِ المعلَّل الذي هو الرؤية، فيرجع المعنى إلى معنى: قعدتُ عن الحرب جُبنًا (^٣)، فيكونان مفعولًا لهما. أو على تقدير حذف المضاف؛ أي: إرادةَ خوفٍ وطمع، بمعنى: إخافةً وإطماعًا.
_________________
(١) انظر: "ديوان المتنبي" (٣/ ٨٦)، الجُون: جمع الجَون وهو الَأسوَد، والحيا: المطر.
(٢) في (ف): "عند".
(٣) في (ك): "جبنًا".
[ ٥ / ٣٧٩ ]
﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ﴾: الغيم المنسحِب في الهواء ﴿الثِّقَالَ﴾: جمع ثقيلة، وإنما وصفت به لأن اسم الجنس في معنى الجمع.
* * *
(١٣) - ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾ عن ابن عباس ﵄: سئل النبيُّ ﷺ عن الرعد فقال: "ملك موكَّلٌ بالسحاب معه مخاريقُ من نار يسوقُ بها السحاب" (^١).
﴿بِحَمْدِهِ﴾: مُلْتبسًا به.
ويجوز أن يكون إسناد التسبيح والحمد إلى الرعد مجازيًّا من باب الإسناد إلى فاعلية الفاعل؛ أي: يسبح سامعو (^٢) الرعد من العباد الراجين للمطر حامدين لله يصيحون: سبحان اللّه والحمد للّه، ولما كان الرعد باعثًا لتسبيحهم وتحميدهم، فكأنه سبَّح وحمد.
وهذا الوجه أولى؛ لأن الرعد في المتعارف يقع على الصوت المخصوص، وهو الذي يُقرن بالذكر مع البرق والسحاب، والكلام في إراءة الآيات الدالة على القدرة الباهرة وإيجادِها (^٣)، وتسبيحُ ملَك الرعد لا يلائم ذلك، أمَّا حمل الصوت المخصوصِ للسامعين على التسبيح والحمد فشديد الملائمة، وإذا حمل على
_________________
(١) رواه الترمذي (٣١١٧) وقال: حسن غريب.
(٢) في (ف): "سامع".
(٣) في (م): "الباهرة في إيجادها"، والمثبت من باقي النسخ و"روح المعاني" (١٣/ ٧٩)، والكلام منقول من "الكشف" كما صرح الآلوسي.
[ ٥ / ٣٨٠ ]
الإسناد حقيقةً فالوجه أن يكون اعتراضًا؛ دلالةً على اعتراف الملَك الموكَّل بالسحاب وسائرِ الملائكة بكمال قدرته تعالى وجحود الإنسان ذلك.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: ويسبِّح الملائكة ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾؛ أي: من خوف الله تعالى وإجلاله.
وقيل: الضمير للرعد.
﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ إصابتَه فيهلكُه.
﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾؛ أي: والذين كفروا وكذَّبوا رسول الله ﷺ يجادلون (^١) فيما وصفه به من كمال العلم والقدرة، والتفرُّدِ بالألوهية، والإعادة (^٢) والجزاء - بعد مشاهدتهم الآيات المذكورة - بقولهم: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، واتخاذِهم الأندادَ، ونسبتهم الولدَ إليه، فالواو لعطف الجملة على الجملة، والمعطوف عليه قولُه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الرعد: ٧] المعطوفِ على ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ [الرعد: ٦]، والعدول من الفعلية إلى الاسمية، وطرحُ رعاية التناسب؛ للدلالة على أنهم ما ازدادوا بعد الآيات إلا عنادًا، فزادتهم رجسًا إلى رجسهم.
ويجوز أن يعطف على قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ﴾ على معنى: هو الذي يريكم هذه الآيات الكواملَ الدالةَ على القدرة والرحمة، وأنتم تجادلون فيه. وهذا أقرب مأخذًا، والأول إملأُ فائدةً.
_________________
(١) في (م): "يجادلونه".
(٢) "والإعادة" من (م).
[ ٥ / ٣٨١ ]
وقيل: للحال؛ أي: فيصيب بها مَن يشاء في حال جدالهم، وهو التشدُّد (^١) في الخصومة، من الجَدْل وهو الفتل، ووجهُ هذا: هو أن أربد أخا لبيدٍ العامريِّ وفد على رسول اللّه ﷺ مع عامر بن الطفيل قاصدَينِ لقتله، فأخذه عامر بالمجادلة، ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف، فتنبه له الرسول ﷺ وقال: اللهمَّ اكفنِيْهِما بما شئتَ، فأرسل الله تعالى على أربد بالصاعقة فقتله، ورُمي عامر بغدَّةٍ فمات في بيت سَلُوليَّةٍ وهو يقول: غُدَّةٌ كغُدَّة البعير وموتٌ في بيتِ سَلُوليَّة، فنزلت (^٢).
اعلم (^٣) أن في الكلام التفاتًا؛ لأن قوله: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ﴾ فيه التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، وإن شئتَ فتأمل قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ثم التَفتَ من الخطاب إلى الغيبة، وحسن مواقعهما:
أما الأول: فما فيه من تخصيص الوعيد المدمَج في ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ﴾ ولهذا ذيَّله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ وَالٍ﴾، وفيه من التهديد ما لا يخفى على ذي بصيرة، ومن الحث على طلب النجاة وزيادة التقريع في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ﴾، ومجيءِ (^٤): ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ﴾ بعد قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ﴾ هكذا من دون حرف النسق؛ لأن الأول مقرر لقوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ﴾
_________________
(١) في (م) و(ك): "التشدد".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤٦٧ - ٤٧٠) عن ابن زيد مطولًا، و(١٣/ ٤٨١ - ٤٨٢) عن ابن جريج. وكلاهما مرسل. ورواه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٧٦) من طريق محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح (وتسمى سلسلة الكذب) عن ابن عباس.
(٣) الكلام من هنا منقول من "الكشف" كما صرح الآلوسي "روح المعاني" (١٣/ ٨٥).
(٤) في المصدر السابق: (وفي مجيء).
[ ٥ / ٣٨٢ ]
مع زيادة الإدماج المذكور تحقيقًا للعلم، والثاني مقرِّر لما ضمِّن من الدلالة على القدرة في قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ مع رعاية نمط التعديد على أسلوب: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ مما يبهر الألباب، ويُظهر للمتأمل في وجه الإعجاز التنزيلي (^١) العجَب العُجاب.
وأما الثاني: فما فيه من الدلالة على أنهم مع وضوح الآيات وتلاوتها عليهم، والتنبيهِ البالغ ترغيبًا وترهيبًا، لم ينالوا بها نالة (^٢)، فكأنه يشكو جنايتهم إلى مَن يستحق الخطاب، أو كمَن يدمدم في نفسه: إني (^٣) أصنع بهم وأفعل كيت وكيت جزاء ما ارتكبوه؛ ليُريَ (^٤) ما يريد أن يوقعه بهم.
﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾: قويُّ المكر بأعدائه، يأتيهم بالهلاك من حيث لا يحتسبون.
المُحال: المماحَلة، وهي شدة المماكَرة والمكايَدة، ومنه تمحَّل لكذا: إذا تكلَّف له استعمالَ الحيلة واجتهد فيه.
وقرئ بفتح الميم (^٥) على أنه مَفْعَلٌ (^٦) مِن حال يَحُول مَحالًا: إذا احتال، ومنه: أَحْوَلُ من ذئب؛ أي: أشد حيلة منه، وجاز أن يكون (شديد المَحال) على هذه القراءة
_________________
(١) في (م) و(ك): "التنزيل"، والمثبت من (ف) و"روح المعاني".
(٢) كذا في النسخ، والذي في "روح المعاني": (لم يبالوا بها بالة).
(٣) تحرفت في النسخ إلى: "أي"، والتصويب من "روح المعاني".
(٤) في (ف): "سوى"، وفي (ك): "لسوى"، وفي (م): "يسوي". والمثبت من "روح المعاني".
(٥) نسبت للأعرج. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٦)، و"المحتسب" (١/ ٣٥٦)، و"الكشاف" (٢/ ٥٢٠).
(٦) تحرفت في النسخ إلى: "مفعول"، والتصويب من "الكشاف" (٢/ ٥٢٠)، و"روح المعاني" (١٣/ ٨٨).
[ ٥ / ٣٨٣ ]
مثَلًا في القوة والقدرة؛ كما جاء: "فساعِدُ اللهِ أشدُّ ومُوساهُ أَحَدُّ" (^١)؛ لأن المَحال جمع المَحَالةٍ وهي الفَقَارة، فيكون معناه: شديد الفَقَار، والحيوان إذا اشتد فَقَاره كان منعوتًا بشدة القوة.
* * *
(١٤) - ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: الدعاءُ الحق؛ فإنه الذي يَحقُّ أن يُعبد ويُدْعى إلى عبادته دون غيره، أو: له الدعوة المجابة فإن مَن دعاه أجاب، ويؤيده ما بعده. والحق على الوجهين: ما يقابل الباطل، وإضافةُ الدعوة إليه للملابَسة بينهما، أو على تأويل: دعوة المدعوِّ الحق.
وقيل: الحق هو الله تعالى، وكلُّ دعاء إليه دعوة الحق.
والجملتان على الوجه الأول وعيدٌ للكفرة على مجادلتهم الرسول ﷺ بحلول محاله بهم، وتهديدٌ لهم بإجابة دعوته ﵇، أو ببيان أن دعوته ﵇ إلى التوحيد حقٌّ.
وعلى قصة أربد ونزولِ الآية فيها فمعناهما: أن إصابته بالصاعقة وإصابةَ صاحبه بالغدَّة مِحالٌ من الله تعالى ومكرٌ بهما من حيث لا يشعرا، وأن دعوة رسول اللّه ﷺ بقوله: "اللهم اكفنيهما بما شئت" دعوة الحق، أو أن دعوتهم لآلهتهم ضلالٌ باطل؛ لتخصيص دعوة الحق به.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٢٠). وهذه قطعة من حديث رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٧٢٢٨)، والنسائي في "الكبرى" (١١٠٩٠)، عن ابن مسعود ﵁.
[ ٥ / ٣٨٤ ]
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: والآلهة الذين يدعونهم من دون الله ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ من طلباتهم.
﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ إلا استجابةً كاستجابة باسط كفيه ﴿إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ أي: كاستجابةِ مَن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يُبلغه فاه ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ لأنَّه جماد لا يشعر بدعائه ولا بعطشه، ولا يقدر على إجابته، فكذلك آلهتهم لأنها جماداتٌ كالماء.
وقيل: شبِّهوا في عدم جدوى دعائهم لآلهتهم بمن بسط كفَّيه ناشرًا أصابعه إلى الماء ليغرفه إلى فيه، فلم يمسك كفَّاه شيئًا منه، ولم يبلغ حاجته من شربه؛ لأن الماء يحصل بالقبض عليه لا بالبسط إليه.
فهو على الأول من تشبيه المركَّب بالمركَّب التمثيلي في الأصل، أُبرز في معرض التهكُّم حيث أثبت أنهما استجابتان زيادة في التحيير والتحسير (^١).
وعلى الثاني من تشبيه المفرد المقيد بمثله؛ كقولك لمن لا يحصل من سعيه على شيء: هو كالراقم على الماء، فإن المشبَّه هو الساعي مقيَّدًا بكون سعيه كذلك، والمشبَّه به هو الراقم مقيَّدًا بكونه على الماء، وكذلك فيما نحن فيه.
﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾: إلا في ضياع لا فائدة له: أما ضياع دعائهم لآلهتهم فظاهر، وأما ضياع دعائهم لله تعالى فلأنه لا يجيبهم لكفرهم وبُعدهم عن حيِّز الإجابة.
* * *
_________________
(١) في (ف): "في النخير والتخسير". وانظر: "روح المعاني" (١٣/ ٩٢) وفيه: (التخسير والتحسير).
[ ٥ / ٣٨٥ ]
(١٥) - ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الظاهر أن السجود على حقَيقته، ولهذا خص بالذكر ﴿مَنْ﴾ المخصوص بالعقلاء، ويشهد له قوله:
﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ الساجدون له طوعًا هم الملائكة والمؤمنون من الثَّقلين، والساجدون كرهًا مَن ضمَّه السيف إلى الإسلام (^١)، وانتصابهما على الحال.
﴿وَظِلَالُهُمْ﴾؛ أي: ويسجد ظلالهم، والسجود هاهنا بمعنى الانقياد لأمره تعالى، ولهذا أخره عن قوله: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، وانقيادها لتصريفه تعالى من جانب آخر على ما أفصح عنه في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨].
قال الفرَّاء (^٢): الظلُّ مصدر، يعني: في الأصل، ثم أطلق على الخيال الذي يظهر للجِرم عند مسامَتته للشمس.
﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ ظرف لـ ﴿يَسْجُدُ﴾ المقدر، أو حال من الظلال، وقد مر تفسيرهما في سورة الأعراف، والمراد بهما: تمام النهار.
* * *
(١٦) - ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
_________________
(١) يعني أسلم نفاقًا بعد أن وقعت عليه الغلبة، لا أنه أدخل إلى الإسلام بالسيف؛ لأنَّه لا إكراه في الدين.
(٢) كما في "البحر" (١٣/ ٦٠).
[ ٥ / ٣٨٦ ]
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: خالقُهما ومتولي أمرهما.
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ حكاية لاعترافهم وتأكيدٌ عليهم؛ أي: لم يكن لهم بد من أن يقولوا: اللّه، فهم والخصم في الجواب سواءٌ؛ لكونه من البيِّن الذين لا مِراء فيه؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦، ٨٧]، فهو كقول المُناظر لصاحبه: أهكذا قولُك؟ فإذا اعترف به حكاه تقريرًا له واستيثاقًا منه، ثم يقول له: فيلزمك كذا وكذا، فيبكِّته بالحجة.
أو تلقين؛ أي: إن تلعثموا في الجواب لعلمهم (^١) بما يلزمهم من الحجة بناءً على إقرارهم، فلقِّنهم فإنهم يتلقونه ولا يقدرون أن ينكروه.
﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ إلزام وتقرير وتوبيخ؛ أي: أبَعْدَ أن علِمْتُموه رب السماوات والأرض اتخذتم من دونه أولياء، فجعلتم ما هو سببُ التوحيد من علمكم وإقراركم سببَ الشرك، فالفاء عاطفة للتسبيب والتفريع، دخلت الهمزة عليه لأن المنكَر الاتخاذُ بعد العلم لا العلمُ.
﴿يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾؛ أي: لا يقدرون أن يجلبوا إليها نفعًا أو يدفعوا عنها ضرًّا فكيف يستطيعون إنفاع الغير وإدفاع الضر عنه؟ وهو دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء رجاءَ أن يشفعوا لهم.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ تمثيل للمشرك الجاهل الذي لا يهتدي والموحِّد العالم المهديِّ الهادي.
﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ تمثيل للشرك والضلالة والتوحيد والهداية.
_________________
(١) في النسخ: "بعلمهم"، والصواب المثبت.
[ ٥ / ٣٨٧ ]
﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾: بل أجعلوا، والهمزة للإنكار، وقوله تعالى: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ صفةٌ لـ ﴿شُرَكَاءَ﴾ داخلة في حكم الإنكار، ومعنى الإضراب: أن تعكيسهم ذلك لمَّا لم يكن عن شُبهة فضلًا عن حجةٍ كان حكايةُ ذلك أدخلَ في ذمهم، وفيه طرفٌ من التهكُّم.
﴿فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ خلقُ الله وخلقُهم؛ أي: إنهم ما اتخذوا لله تعالى شركاء خالقين مثله حتى يتشابه عليهم الخلق فيقولوا: هؤلاء خَلقوا كما خَلق الله تعالى فاستحقُّوا العبادة كما استحقها، ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلًا عما يقدر عليه الخالق، نبَّه على مكان الشبهة نافيًا ناعيًا عليهم ومتهكِّمًا بهم، وليس من إرخاء العنان والتدريج في شيء.
﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ولا خالق غيره فيشاركَه في العبادة، جعل الخلق مُوجِبَ العبادة ولازم (^١) استحقاقها، ثم نفاه عمَّن سواه ليدل على قوله: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ﴾: المتوحِّد بالألوهية والربوبية ﴿الْقَهَّار﴾ لكل شيء، فما سواه مغلوب مقهور له فكيف يستقيم أن يكون له شريك؟
* * *
(١٧) - ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾.
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾: من جهتها ﴿مَاءً﴾ التنكير للتكثير، وباعتباره صحَّ التفريع في قوله: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾: جمع وادٍ، وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرةٍ،
_________________
(١) في (ف): "لازم".
[ ٥ / ٣٨٨ ]
فاتُّسع فيه واستعمل للماء الجاري، وتنكيرها لأن المطر يأتي على تناوُب بين البقاع فتسيل في بعض الأودية دون بعض، وكذا في الممثَّل له ليس كلُّ قلب قابلًا بل بعضٌ منها دون بعض.
﴿بِقَدَرِهَا﴾: بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضار، أو: بمقدارها في الصِّغر والكبر.
﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا﴾ (احتمل) بمعنى: حمل، جاء فيه افتَعَل (^١) بمعنى المجرَّد كاقتدر وقَدَر، وعرِّف السيل لأنَّه عُني به ما فُهم من الفعل (^٢)، والزَّبَد: كدَرُ الجوهر السيَّال وخبَثُه المميَّز منه بالحركة والخضخضة والغليان.
﴿رَابِيًا﴾: منتفخًا (^٣) مرتفعًا على وجه الماء.
﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ عبارةٌ جامعة لأنواع الفلزِّ على وجه التهاون به، حيث لم يذكر الأنواع بأسمائها بل أَجمل بذكر وصفها في أحسن الأحوال، وإهانتها بالإيقاد كما هو عادة الملوك إظهارًا لكبريائه.
﴿زَبَدٌ﴾ مرفوع بالابتداء، وخبره: (ومما توقدون)، وقرئ: ﴿يُوقِدُونَ﴾ بالياء (^٤)؛ أي: الناس، وإضماره للعلم به، وانتَصب ﴿ابْتِغَاءَ﴾ على أنه مفعولٌ له.
والحلية: ما يُعمل للنساء مما يَتزيَّنَّ به من الذهب والفضة، والمتاع: ما يُتخذ من الحديد والنحاس وما أشبههما من الآلات التي هي قِوام العيش؛ كالأواني
_________________
(١) "افتعل" من (م).
(٢) "من الفعل" من (م).
(٣) "منتفخًا" من (م).
(٤) قراءة حمزة والكسائي وحفص، والباقون بالتاء. انظر: "التيسير" (ص: ٣٣).
[ ٥ / ٣٨٩ ]
والمساحي وآلات الحرث والحرب (^١) وغير ذلك، والمقصود منه بيان منافعها.
و(مِن) لابتداء الغاية أو للتبعيض؛ أي: منه زبدٌ، أو بعضُه زبد.
﴿مِثْلُهُ﴾: مثلُ زبد الماء، والمماثلة في كونهما يتولَّدان من الأكدار والأوساخ.
﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الضرب ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ (^٢) فذلكةٌ وتبيينٌ و﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ تأكيد له وتعميم.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ من السيل والفلز المذاب ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾: مجفوًّا؛ أي: مرميًّا به، يقال: جفأَت القِدْر بزبَدها، وجفأه السيل: رمى به، وأَجفأ السيل وأجفل، وقرئ: (جُفالًا) (^٣) والمعنى واحد، وانتصابه على الحال.
﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ من الماء وصلاحية الفلز ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ مدةً طويلة يَنتفع بها أهلها.
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ لإيضاح المشتبِهات.
قد مر ما في تكثير الأمثال في الكتب الإلهية وكلمات الحكماء من الفوائد.
ولمَّا ضرب الظلمات والأعمى مثلًا للباطل وأهله، والنورَ والبصير مثلًا (^٤) للحق وأهله، أكَّد التمثيل الأخير - وهو قوله: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ - بهذا المثل؛ لأن الغرض إثباتُ الحق وإبطال الباطل، فمثَّل الحقَّ من العلم النازل إلى الرسول ﷺ بالماء الذي ينزل من السماء، والقلوبَ الصافية والفهوم الصائبة
_________________
(١) "والحرب" من (م).
(٢) بعدها في (م): "مثل الحق والباطل".
(٣) نسبت لرؤبة بن العجاج. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٦)، و"الكشاف" (٢/ ٥٢٣).
(٤) "مثلا" ليس في (ك).
[ ٥ / ٣٩٠ ]
بالأودية، وقبولَها له بقَدْر استعدادها بسيلانها بقَدْر سعتها (^١)، والباطلَ من الجهالات والشكوك والشُّبَه التي ينفيها العلم بالزَّبد الذي يرمي به السيل، وكذا شبَّه الحقَّ من العمل الصالح الصحيح بالفلزِّ الذي ينتفع به الناس باتخاذ الحليِّ والأواني والأمتعة منه، والعملَ الفاسد الباطل في اضمحلاله وسرعة زواله بزبده، وانتفاءَ الشكوك والشُّبه والأعمال الفاسدة وكونَها هباءً في الآخرة، وبقاءَ الحق من العلم والعمل وحصولِ سعادة الدارين بهما والثوابِ الأبديِّ والنعيمِ السرمدي، بانتفاء الزبدين في اضمحلالهما سريعًا، وبقاءَ ما ينفع الناس من الماء بالسقي والحرث والزرع وسريانه في عروق (^٢) الأرض إلى منابعه وتنوُّع العيون والقُنيِّ منه ومن الفلز، بصَيغ (^٣) الحلي واتخاذِ الأمتعة وآلات الحرث والحرب منه.
* * *
(١٨) - ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ كلام مستأنف بعد ضرب الأمثال وتمام الكلام فيه، و﴿الْحُسْنَى﴾ مبتدأ خبره ﴿وَالَّذِينَ﴾؛ أي: للَّذين استجابوا المثوبةُ الحسنى.
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ مبتدأ خبره ﴿لَوْ﴾ مع ما في حيِّزه؛ أي: الجملة الشرطية، والواو عاطفة الجملة على الجملة.
وقيل: اللام في ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلقة بـ ﴿يَضْرِبُ﴾، و﴿الْحُسْنَى﴾ صفةٌ لمصدر
_________________
(١) في (ف): "لسيلانها يعد سفها"، وفي (ك): "بسيلانها يعد سفها".
(٢) في (م) و(ك): "عرق".
(٣) في (م): "بصيوغ"، وفي (ك): "يتخذ".
[ ٥ / ٣٩١ ]
﴿اسْتَجَابُوا﴾ أي: الاستجابةَ الحسنى، و(الذين لم يستجيبوا) عطف على (الذين استجابوا).
وقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدَّ لغير المستجيبين، والمعنى: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين والكافرين؛ أي: هما مثلا الفريقين، يعني: مثل (^١) سبيلهما ودينهما.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾: المناقشةِ فيه، وعن النخعي: أنْ يحاسَب المذنب بذنبه كلِّه لا يغفر منه شيء.
﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾: مرجعهم بعد الحساب ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: المستقَرُّ، والمخصوص بالذم محذوفٌ، وفي ﴿الْمِهَادُ﴾ تهكُّم بهم على ما تقدَّم بيانه في تفسير سورة الأعراف.
* * *
(١٩) - ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ فيستجيبَ (^٢) ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ القلب لا يستبصِر فيستجيبَ.
لمَّا ذكر تعالى مثلَ المؤمن والكافر، وذكر ما للمؤمن والكافر من الثواب والعقاب، ذكر استبعاد مَن يجعلهما سواءً، وأنكر ذلك متفرِّعًا على ما تقدم، فالفاء للعطف على وجه التفريع، وإنما قدِّمت همزة الاستفهام وهي مؤخَّرةٌ معنًى لأن له صدرَ الكلام.
_________________
(١) في (ك): "مثلي".
(٢) في (م): "فيستجيب به".
[ ٥ / ٣٩٢ ]
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: ذوو العقول المبرَّأة عن شوائب (^١) الإلْف ومعارضة الوهم.
* * *
(٢٠) - ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾.
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ مبتدأ خبرُه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وحينئذٍ يكون: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ﴾ إلخ استئنافًا بصفاتِ مَن استُؤنف عنهم؛ أي: أولئك الموصوفون بتلك الصفات، دلالةً على أنَّ استيجابهم لعقبى الدارِ إنما كان بسبب (^٢) تلك الصفات.
والأول أوجهُ؛ لأن عطف الجملة الثانية وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ .. أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ يشهد بذلك.
وعهدُ الله: ما عقَدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا: ﴿بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وما عَهِد اللّه تعالى عليهم في كتبه.
﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾: ما وثَّقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى، وما بينهم وبين العباد، وهو تعميم بعد تخصيص.
* * *
(٢١) - ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ من الأرحام والقرابات، ومُوالاةِ قرابة
_________________
(١) في (م) و(ك): "شائبة".
(٢) في (م) و(ك): "سبب".
[ ٥ / ٣٩٣ ]
رسول اللّه ﷺ، ومواصلةِ المؤمنين كلّهم بالأخوَّة الإيمانية، ومراعاةِ حقوقهم بالإحسان والشفقة والنصيحة.
﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ فلا يعصُونه هيبةً وحياءً ورهبةً ولا يخالفونه في شيء عمومًا ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ خصوصًا، فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسَبوا.
* * *
(٢٢) - ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عما تحبه النفس بالهوى وعلى ما تكرهه.
﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾: طلبًا لرضاه (^١) خاصةً، لا نظرًا إلى الخلق رياءً وسمعةً، أو إلى النفس زينةً وعُجبًا، جاء الصلةُ هنا بلفظ الماضي، وفي الموصولين قبله وما عُطف عليهما بلفظ المضارع؛ لأنَّه قُصد بهما الاستصحابُ والالتباس دائمًا، وهذه الصلة قصد بها تقدُّمها على تينك الصلتين وما عُطف عليهما؛ لأن حصولها (^٢) مترتِّب على حصول الصبر، وتقدُّمه عليها، ولكونه مما لا بد منه في حصول التكاليف لم يأت صلة في القرآن إلا بصيغة الماضي.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضةَ ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ بعضَه الذي وجب عليهم إنفاقُه ﴿سِرًّا﴾ لمن تمنعُه المروءة أن يأخذه ﴿وَعَلَانِيَةً﴾ لمن لا تمنعه.
قيل: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ يتناول النوافلَ لأنها في السر أفضل،
_________________
(١) في (ف) و(ك): "طلب الرضا".
(٢) أي: (لأن حصول تلك الصلات)، كما هي عبارة "البحر" (١٣/ ٧٦)، والكلام منه.
[ ٥ / ٣٩٤ ]
والفرائضَ لأنها بالجهر أفضل نفيًا للتهمة. ويأباه التخصيص المستفاد من تقديم الجارِّ والمجرور في الخبر.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾: يدفعونها بها؛ أي: يجاوزون الإساءة بالإحسان، أو: يُتبعون السيئةَ بالحسنة فتمحوها.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: عاقبة الدنيا، وما ينبغي أن يكون مآلُ أهلها، وما يَصلح (^١) أن يكون عاقبةً وهي الجنة.
* * *
(٢٣) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدلٌ من ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾، والعدْنُ في الأصل: الإقامة، ثم صار علَمًا لجنة من الجنان السبع على ما مر تفصيله في تفسير سورة البقرة.
﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ عطفٌ على الضمير المرفوع في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ من غير تأكيدٍ للفصل بالضمير المنصوب، أو مفعول معه.
﴿مِنْ آبَائِهِمْ﴾: جمع أبوَيْ (^٢) كلِّ واحد منهم، فيتناول آباءهم وأمهاتهم.
﴿وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ إنما جُمعوا فيها مع قراباتهم ليتم لهم النعمة بزيادة الأُنس والجمعيَّة بهم، وقيِّدوا بالصلاح دلالةً على أن مجرَّد النسب والقرابة لا يكفي في الجمع بينهم، بل لا بد من شرط الصلاح، ولا دلالة فيه أنه يلحق بهم مَن صلح من
_________________
(١) في (ف): "يصح".
(٢) في (م) و(ك): "أبوين".
[ ٥ / ٣٩٥ ]
أهلهم وإنْ لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعًا لهم وتعظيمًا لشأنهم، حتى يُستدل به على أن الدرجة تعلو بالشفاعة خصوصًا إذا كان ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ مفعولًا معه.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ من أبواب المنازل، أو: من أبواب الفتوح والتُّحف (^١).
* * *
(٢٤) - ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ في محل الحال؛ أي: قائلين: سلام عليكم بشارةً بدوام السلامة.
﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ متعلِّق بمحذوفٍ، والباءُ للسببية أو البدلية؛ أي: هذا الثواب بسبب صبركم أو بدلَ ما احتملتم من الصبر ومتاعبه هذه الملاذُّ (^٢) المآلف والنعم، ويجوز أن يتعلق بالظرف؛ أي: سلام عليكم بسبب صبركم، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿سَلَامٌ﴾ لأن الخبر فاصل.
﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ المخصوصُ بالمدح محذوف؛ أي: فنعم عقبى الدارِ الجنةُ، وقرئ: ﴿فَنِعْمَ﴾ بفتح النون، والأصل: نَعِمَ، فمَن وكسر النون فينقلُ وكسرة العين إليها، ومَن فتحها فيسكِّن العين تخفيفًا بلا نقل (^٣).
* * *
_________________
(١) الفتوح: جمع فتح، وهو الرزق الذي يفتح الله به عليهم مما لم يكن على بال من الأرزاق، وليس التحف عطف تفسير له. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ٢٣٦).
(٢) "الملاذ" من (م).
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٢٧).
[ ٥ / ٣٩٦ ]
(٢٥) - ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ يعني: مقابل الأوَّلين ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾: من بعدِ ما أَوثَقوه من الاعتراف والقبول.
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالظلم وتهييج الفتن.
﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾: الإبعاد من رحمة الله تعالى ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ عذابُ النار وسوءُ عاقبة الدنيا؛ لأنها في مقابلةِ ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾، وإنما لم يقل: سوءُ عاقبة الدار، تفاديًا أن يجعلها عاقبةً حيث جعل العاقبة المطلَقة هي الجنة.
* * *
(٢٦) - ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾.
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ لمَّا كان كثير من الأشقياء فُتحت عليهم أبوابُ نِعَم الدنيا ولذَّاتها، أخبر تعالى أنه هو الذي يوسِّع الرزق لمن يشاء ويضيِّقه، والكفرُ والإيمان لا تعلق لهما بالرزق، قد يَقْدِر على المؤمن ليَعْظُم أجره ويَبْسط للكافر إملاءً لازدياد (^١) آثامه.
﴿وَفَرِحُوا﴾؛ أي: أهلُ مكة ﴿بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بما بُسط لهم، فرَحَ بطرٍ لا فرحَ سرور بفضل الله تعالى عليهم، واغتروا به، ولم يشكروا ما أنعم الله تعالى عليهم، ولم يَصرِفوه فيما يستوجبون به نعيمَ الآخرة.
_________________
(١) في (ف): "لزيادة".
[ ٥ / ٣٩٧ ]
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ﴾: في جنبِ ما أُعدَّ لأهلها فيها ﴿إِلَّا مَتَاعٌ﴾: إلا شيء نَزْر حقيرٌ يُتمتع به ولا يدوم، كعجالة الراكب وزاد الراعي.
* * *
(٢٧) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مقتضَى الظاهر إظهارُ فاعل ﴿وَفَرِحُوا﴾ إذ لم يَجْرِ لكفار مكة ذكرٌ، وإضمارُ فاعل ﴿وَيَقُولُ﴾ يجري ذكره حينئذٍ، فأُخرج على خلاف الظاهر لإرادة التمكين (^١) في ذهن السامع بالإبهام والتوضيح، أو للظهور والتعيُّن (^٢) في الأول، والذمِّ والتسجيل بالكفر في الثاني.
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ عنادٌ وجحودٌ للآيات المنزَلة عليه ﵇؛ لعدم اعتدادهم بها واعتبارهم لها، ولهذا أمر في الجواب بقوله:
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾: قَبِل (^٣) الحقَّ ورجع عن العناد، وحقيقتُه: دخل في نوبة الخير، وهو كلام جارٍ مجرى التعجُّب من قولهم، كأنه قيل: قل لهم: ما أعظم عنادكم! حيث لم تقتدوا بهذه الآيات الباهرة التي لم يؤت نبيٌّ مثلَها، وكفى بالقرآن وحده آيةً أنَّ الله يُضل من يشاء ممن كان على صفتكم من الجحود والتصميم على الكفر، فلا سبيل إلى اهتدائه وإن أُتي بكل آية، ويهدي من يشاء ممن كان على خلاف صفتكم من التصميم
_________________
(١) في (ف): "التمكن".
(٢) في (ف) و(ك): "والتعيين".
(٣) في (م): "أقبل".
[ ٥ / ٣٩٨ ]
على الكفر (^١)، وفي تنزيله ﴿إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ منزلةَ ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ تنبيهٌ على أن مشيئة الهداية مخصوصةٌ بغير المعاند.
* * *
(٢٨) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بدلٌ من ﴿مَنْ﴾ ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أُنسًا به، أو بالقرآن، أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته.
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾: تسكن إليه، جملة اعتراضية تفيد: كيف لا تطمئن قلوبهم به ولا اطمئنان للقلب بغيره؟
* * *
(٢٩) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بدل من ﴿الْقُلُوبُ﴾ على تقدير المضافٍ؛ أي: قلوب الذين آمنوا، أو مبتدأ خبره.
﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ وهو فُعْلَى من الطِّيب كبُشرى وزُلفى، قُلبت ياؤه واوًا لضمةِ ما قبلها كموقِنٍ وموسِرٍ، وقرئ: (طِيْبَى) بكسر الطاء (^٢).
وهي من المصادر المنصوبة أو المعدولة إلى الرفع؛ أي: طيبًا لهم، وطيبٌ لهم، كقولك: سلامًا لك، وسلام لك، والقراءة في قوله: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ بالرفع والنصب (^٣) تدل على محليهما.
_________________
(١) "على الكفر" من (ك).
(٢) نسبت لمكوزة الأعرابي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٧)، و"الكشاف" (٢/ ٥٢٨).
(٣) نسبت لابن محيصن ويحيى بن يعمر وابن أبي عبلة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"=
[ ٥ / ٣٩٩ ]
واللام في ﴿لَهُمْ﴾ للبيان، مثلَها في: سَقْيًا لك، وتكون الجملة الدُّعائية خبرًا على التأويل.
* * *
(٣٠) - ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الإرسال العظيمِ الشأن الذي له فضلٌ ومزيَّةٌ على سائر الإرسالات، أو: مثلَ إرسال الرسل قبلك.
﴿أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا﴾: قد تقدَّمهم ﴿أُمَمٌ﴾ أرسلوا إليهم، فليس ببِدعٍ إرسالُك إليها.
﴿لِتَتْلُوَ﴾: لتقرأ ﴿عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من الكتاب العظيم.
﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ﴾: وحال هؤلاء أنهم يكفرون ﴿بِالرَّحْمَنِ﴾ الشامل الرحمةِ، الذي وسعت رحمته كلَّ شيء، فكفروا نعمه خصوصًا ما أنعم به عليهم بإرسال مثلك إليهم، وإنزالِ هذا القرآن المعجز المصدِّق لسائر الكتب، الذي هو مناط المنافع الدينية والدنياوية.
وقيل: نزلت في مشركي مكة حين قيل لهم: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾.
﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾؛ أي: الرحمن خالقي ومتولِّي أمري.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لا مستحِقَّ للعبادة سواه.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في نصرتي عليكم ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾: مرجعي ومرجعكم فيحكم بيننا:
_________________
(١) = (ص: ٦٧)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٣١٢)، و"الكشاف" (٢/ ٥٢٨).
[ ٥ / ٤٠٠ ]
(٣١) - ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ دال على أن اسم الإشارة والموصولَ فيما تقدم لتعظيم القرآن وتفخيم شأنه.
﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ جواب (لو) محذوفٌ، أي: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال عن مقارِّها وزُعزعت، أو قطِّعت به الأرض حتى تنصدع قطعًا قطعًا من خشية الله تعالى، أو كلِّم به الموتى فتسمعَ وتجيبَ، لكان هذا القرآنَ؛ لكونه غايةً في التذكير والإعجاز، ونهايةً في التخويف والإنذار؛ كقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١].
وقيل: أراد به المبالغة في عناد الكفرة وتصميمهم؛ أي: ولو أن قرآنًا وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى لَمَا آمنوا به؛ كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية [الأنعام: ١١١].
قيل: إن قريشًا قالوا: يا محمد إن كان (^١) تريد أن نتَّبعك، فسيِّر بقرآنك الجبال عن مكة حتى تتَّسع لنا فنتَّخذ فيها بساتينَ وقطائع، أو سخِّر لنا به الريح لنركبها ونتَّجر إلى الشام، أو ابعث من كنانةَ قصيَّ بن كلاب وغيرَه من آبائنا ليكلمونا فيك، فنزلت. وعلى هذا فتقطيع الجبال قطعها بالسير.
وقيل: الجواب مقدَّم، وهو قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ وما بينهما اعتراض.
_________________
(١) "كان" من (ك).
[ ٥ / ٤٠١ ]
وتذكير ﴿كُلِّمَ﴾ خاصةً لاشتمال ﴿الْمَوْتَى﴾ على المذكَّر الحقيقي.
﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ إضراب عما تضمَّنه (لو) من معنى النفي؛ أي: بل لله القدرة على كلِّ شيء، فله القدرة على الإتيان بما اقترحوا من الآيات، إلا أنه لم تتعلق إرادته بذلك؛ لعلمه أنهم لا يؤمنون ويزدادون العناد والجحود، ويؤيده قوله:
﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: عن إيمانهم مع ما رأوا من مكابرتهم وإنكارهم (^١).
والأكثر على أن معنى ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾: أفلم يعلم؛ لِمَا روي: أن عليًّا وابن عباس ﵃ وجماعةً من الصحابة والتابعين قرؤوا: (أفلم يتبين) (^٢) وهو تفسير ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾، فيكون بمعنى: أفلم يعلم، وإنما استُعمل اليأس بمعنى العلم لأنَّه مسبَّب عن العلم بأن المأيوس لا يكون، وقيل: هو لغة قوم من النخع.
ولذلك علقه بقوله: ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ لأن معناه نفيُ هداية بعض الناس لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم، وتعلُّقه على الأول بـ ﴿آمَنُوا﴾ أي: ولم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرةِ الذين آمنوا بأنْ لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا، أو بمحذوف تقديره: أفلم ييأس الذين آمنوا عن إيمانهم علمًا منهم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا.
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا﴾ من الكفر وسوء الأعمال ﴿قَارِعَةٌ﴾: داهية تَقرعهم وتُقلِقهم.
_________________
(١) "وإنكارهم" من (م).
(٢) نسبت لابن محيصن ويحيى بن يعمر وابن أبي عبلة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٧)، و، "المحرر الوجيز" (٣/ ٣١٣)، و"الكشاف" (٢/ ٥٣٠).
[ ٥ / ٤٠٢ ]
﴿أَوْ تَحُلُّ﴾؛ أي: القارعة ﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ فيفزعون منها وَيضطربون ويتطايرُ إليهم شرارها ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾؛ أي: الموت أو القيامة.
وقيل: ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله ﷺ من العداوة والتكذيب قارعةٌ؛ لأن رسول الله ﷺ كان لا يزال يبعث السرايا فتُغير حول مكة وتصيب من مواشيهم، أو تحلُّ أنت يا محمد قريبًا من دارهم بجيشك كما حل بالحديبية، حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان الله قد وعده ذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ لا لعدم القدرة عليه؛ لأن ما تعلق به الوعد كان ممكنًا وبتعلقه لم ينقلب ممتنعًا لاستحالة الانقلاب، وكلُّ ممكنٍ داخلٌ تحت قدرته تعالى، بل لأن الخُلف لا يليق بشأنه تعالى.
* * *
(٣٢) - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ تسليةٌ لرسول الله ﷺ، ووعيدٌ للمستهزئين والمقترحين عليه (^١).
﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الإملاء: أن يُترك ملاوةً (^٢) من الزمان في دَعَةٍ وأمن.
﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾؛ أي: كان عقابي إياهم، استفهامُ معناه التعجُّب مما حل بهم والتقريرُ، وفي ضمنه وعيدُ مَن في عصره ﵇ من الكفار.
_________________
(١) "عليه" ليست في (ف).
(٢) ملاوة وملوة بتثليث الميم فيهما بمعنى حينٍ وبرهة من الزمن ومنه الملوان. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ٢٤١ - ٢٤٢).
[ ٥ / ٤٠٣ ]
(٣٣) - ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ أفالله الذي هو قائم رقيبٌ على كل نفس ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ من خير وشر لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، ولا يفوت عنده شيء من جزائهم، والخبر محذوف تقديره: كمن هو ليس كذلك، دخلت الهمزة على الفاء لإنكار أن يسوُّوا مَن هو مطَّلع على سرِّهم وعلنهم قادرٌ على مجازاتهم بمن هو على خلافه بعد علمهم بما حل بالمنكِرين من الأخذ المفاجئ والبطش الشديد.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ استئناف، أو عطف على مقدَّر؛ أي: لم يوحِّدوه وجعلوا، وفيه إظهار في موضع الإضمار للتهويل والتوبيخ والتفضيح في معرض الاحتجاج والتبكيت، ويؤيده ما بعده، أسلوبٌ بديع ضمِّن فيه (^١) الترقي في الإنكار أولًا، يعني: لا عجب من إنكارهم لآياتك الباهرة مع ظهورها، إنما العجب كلُّ العجب جعلُهم القادرَ على إنزالها، المُجازي لهم على إعراضهم عن تدبُّر معانيها وأمثالها بقوارعَ تَتْرى واحدةً غبَّ (^٢) أخرى فيشاهدونها رأيَ عين تترامى بهم إلى دار البوار وأهوالها، كمَن لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عمن اتخذه ربًّا يرجو منه جلبًا أو دفعًا! مدمجٌ فيه التسلِّي ثانيًا.
_________________
(١) "فيه" ليست (ك).
(٢) تحرفت في النسخ إلى: "تحت"، والتصويب من "روح المعاني" (١٣/ ١٦٢)، والكلام من "الكشف" كما صرح الآلوسي.
[ ٥ / ٤٠٤ ]
وفي العدول عن صريح الاسم إلى قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾ تفخيمًا (^١) بواسطة الإبهام المضمَّن في إيراده موصولًا، مع تحقيقِ أن القيام كائن وهم محقِّقون، ما يداهش (^٢) له الألباب، ويقضي من بديع إيراده العجبَ العجاب، وفي قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ بوضعه مقامَ المضمر الراجع إلى (مَن) دلالةٌ على أن (^٣) المتوحِّد ذاتًا واسمًا جعلوا له (^٤) شركاءَ لا شريكًا كذلك، ولا يَهْلِك على الله إلا هالك، وفي حذف الخبر تعظيمًا للقالة وتحقيرًا لمن هو (^٥) بتلك الحالة ما لا يخفى من الجزالة.
﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ كان قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾ كافيًا في هدم قاعدة الإشراك؛ للتفرع السابق، والتحقيقِ بالوصف اللاحق، وهو إبطالٌ من طرف الحق، فذيَّله بإبطاله من طرف النقيض على أبلغ وجه؛ أي: ألزمْهم بذلك، فإنهم إنْ سمَّوهم قالوا: حجر أو خشب أو نحاس أو نحو ذلك، فافتَضَحوا بإشراكهم بمن لا يستحق العبادة إلا هو وحده، رُوعي فيه أنه لا أسماء للشركاء فضلًا عن المسمَّى على الكناية الإيمائية، ثم بولغ فيه بأنه لا يستأهل السؤال عن حالها لظهور فساده (^٦)، وسلك فيه مسلك الكناية التلويحية من نفي العلم على نفي المعلوم، ثم منه على عدم الاستئهال.
﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾: بل أتنبئونه ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾: بشركاء لا يعلمهم في
_________________
(١) في (ف): "تفخيم".
(٢) في (ك): "يدهش".
(٣) في (ك): "أنه".
(٤) في (ك): "لله".
(٥) في (ف) و(م): "أن".
(٦) "فساده" كذا في النسخ، وفي "حاشية الشهاب" (٥/ ٢٤٣)، و"روح المعاني" (١٣/ ١٦٦): (فسادها)، والكلام من "الكشف" كما صرح الآلوسي.
[ ٥ / ٤٠٥ ]
الأرض، يعني: بما ليس بشيء؛ لأن ما لا يعلمه عالم الغيب والشهادة لا وجود له؛ كقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨]، والهمزة المضمَّنة فيها تدل على التوبيخ، وتقريرِ أنهم يريدون أن ينبِّئوا عالم السر والخفيَّات بما لا يَعلم، وهذا محالٌ على محالٍ، ثم أضرب عن ذلك، وقال: قد بين (^١) الشمس لذي عينين، وما تلك التسميةُ إلا بظاهر من القول من غير أن يكون تحته طائل، وما هو إلا مجردُ صوت فارغ.
﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾، أي: بل أتسمُّونهم شركاء بمجرد ظاهر القول، وإطلاقِ لفظة الشركاء أو الآلهة من غير أن يكون لذلك معنًى وحقيقةٌ من الألوهية والمشارَكة؛ كقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠].
وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها منادٍ على نفسه بلسانٍ طَلْقٍ ذَلِقٍ أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأَنصف من نفسه، ومَن زاد على هذا قولَه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فقد أتى بكلمة حقٍّ أريد بها باطل يدندن بها مَن هو عن حلية (^٢) الإنصاف عاطل (^٣).
_________________
(١) في (ف): "تبين".
(٢) في (م): "حيلة".
(٣) يعرض بالزمخشري في قوله: وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها مناد على نفسه بلسان طلق ذلق أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه، فتبارك اللّه أحسن الخالقين. وتعقبه ابن المنير بقوله: هذه الخاتمة كلمة حق أراد بها باطلًا؛ لأنَّه يعرض فيها بخلق القرآن فتنبه لها، وما أسرع المطالع لهذا الفصل أن يمر على لسانه وقلبه ويستحسنه وهو غافل عما تحته، لولا هذا التنبيه والإيقاظ، والله أعلم. انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٣٢).
[ ٥ / ٤٠٦ ]
﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾: تمويهُهم، فتخيَّلوا أباطيل ثم قالوها، أو اختداعُهم للضعفة.
﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾: سبيل الحق، وقرئ: ﴿وَصُدُّوا﴾ بالفتح (^١)؛ أي: وصَدُّوا الناس عن الإيمان، و: (صدٌّ) بالتنوين عطفًا على ﴿مَكْرُهُمْ﴾ (^٢).
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ بالخذلان ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: فما له من أحد يقدر على هداية (^٣) بوجهٍ من الوجوه.
* * *
(٣٤) - ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾.
﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالقتل والأسر وسائر ما يصيبهم من المصيبات.
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ لدوامه وشدةِ إيلامه.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾: من عذاب اللّه تعالى في الدارين، قيل: أو من رحمته، ولا يساعده المساق، ولا يوافقه عبارة ﴿وَاقٍ﴾.
﴿مِنْ وَاقٍ﴾: من ساترٍ (^٤) يحفظهم عن العذاب ويحميهم، فـ ﴿مِنْ﴾ الأولى صلة ﴿وَاقٍ﴾ قدِّمت عليه، والثانيةُ مزيدة للتأكيد.
ولمَّا ذَكر ما أعدَّ للكفار في دار القرار ذكر ما أعدَّ للمؤمنين فيها فقال:
_________________
(١) قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٣).
(٢) نسبت لابن أبي إسحاق. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٧)، و"الكشاف" (٢/ ٥٣٢).
(٣) في (م): "هدايته".
(٤) في (ف): "ساتر ما".
[ ٥ / ٤٠٧ ]
(٣٥) - ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾.
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: صفتُها التي في غرابة المثل، تقول: مثلتُ الشيءَ: إذا وصفتَه وقرَّبته للفهم، وارتفع ﴿مَثَلُ﴾ على الابتداء في مذهب سيبويه والخبرُ محذوف؛ أي: فيما قصَصْنا عليهم مثلُ الجنة (^١).
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ تفسير لذلك المثَل؛ أي: في غاية النزهة، وذلك أن العرب كانوا في عوز من الماء، فكانوا يَعدُّون هذا أعظم نزهةٍ، أو حالٌ من العائد المحذوف من الصلة.
وقيل: هي (^٢) خبره على طريقة قولك: صفةُ زيدٍ أسمرُ. أو على حذف موصوف؛ أي: مَثَلُ الجنة جنةٌ تجري، فعلى هذا لفظُ المثَل على حقيقته قُصد به تمثيل الغائب في الشاهد لم يُسْتَعرْ (^٣) من القول السائر للصفة الغريبة.
﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ لا ينقطع، والأُكُل: ما يؤكل فيها.
﴿تِلْكَ﴾؛ أي: وظلُّها كذلك لا يُنسخ كما يُنسخ في الدنيا بالشمس.
﴿تِلْكَ﴾؛ أي: الجنة الموصوفة ﴿عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ عن الكفر: مآلهم ومنتهى أمرهم.
﴿وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ لا غير.
وفي ترتيب النَّظمَين إطماع للمتقين وإقناط للكفار.
_________________
(١) انظر: "الكتاب" (١/ ١٤٣).
(٢) في (م) و(ك): "هو".
(٣) في (م): "الغائب بما في الشاهد ثم استعير".
[ ٥ / ٤٠٨ ]
(٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: مَن أسلم من اليهود كعبد اللّه بن سلام وأضرابه، ومن النصارى وهم ثمانون رجلًا: أربعون بنجران، وثمانيةٌ باليمن، واثنان وثلاثون بالحبشة.
﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أو عامتُهم (^١) فإنهم كانوا يفرحون بما نزل موافقًا لمَا في كتبهم.
﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾؛ أي: كفارهم الذين تحزَّبوا على رسول اللّه ﷺ بالعداوة؛ نحو كعب بن الأشرف، والعاقبِ والسيد أُسقفي نجران، وأشياعِهما.
﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ وهو ما يخالف شرائعهم وما حرَّفوه منها، دون الأقاصيص وما يوافقها.
﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ شيئًا، جواب للمنكرين؛ أي: قل لهم: إنما أمرت فيما أُنزل إليَّ بأن أعبد اللّه ولا أشركَ به، وهو العمدة في الإسلام، ولا سبيل لكم إلى إنكاره لأنكم قائلون بوجوب عبادته وتوحيده، وأما ما يخالف بعض شرائعكم من جزئيات الأحكام، فليس الاختلاف ببدع في الكتب الإلهية.
وقرئ: (ولا أشركُ) بالرفع على الاستئناف (^٢).
_________________
(١) تحرفت في (م) إلى: "ادعاء منهم". وقوله: (أو عامتهم) معطوف على (من أسلم)، أي: من أسلم من أهل الكتاب يفرحون بما أنزل إليك، أو عامة أهل الكتاب يفرحون بما يوافق كتبهم منه، فالمراد في الثاني بـ ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: بعضه الذي يوافق كتبهم لا كله. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ٢٤٥).
(٢) نسبت لنافع في غير المشهور عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٧)، و"الكشاف" (٢/ ٥٣٣).
[ ٥ / ٤٠٩ ]
﴿إِلَيْهِ أَدْعُو﴾ لا إلى غيره ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾: مرجعي للجزاء لا إلى غيره، فلا معنى لإنكاركم؛ لأن هذا هو القَدْرُ المتفق عليه بين الأنبياء كلِّهم، فأما ما عدا ذلك من التفاريع فمما يختلف بالأعصار والأمم، فلا معنى لإنكاركم المخالَفة فيه.
* * *
(٣٧) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الإنزال المشتمِل على أصول الديانات المجمَع عليها ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أصل الكلام: أنزلناه هذا الإنزالَ الذي تشاهدونه مشتمِلًا على التوحيد والدعوة إليه، فأُوثر ذلك تفخيمًا، وجيء بالمثل زيادةً له، ولأمر ما أكثر في كتابه الكريم (^١) من إيراد هذا الأسلوب.
﴿حُكْمًا﴾ يحكم في القضايا والوقائع بما تقتضيه الحكمة.
﴿عَرَبِيًّا﴾ مترجَمًا بلسان العرب ليسهُل لهم فهمه وحفظه، وانتصابه على الحال.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ التي يدعونك إليها من الأمور الموافِقة لدينهم وخصوصًا الصلاةُ إلى قِبلتهم بعد ما حوِّلْتَ عنها.
﴿بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ بنسخ ذلك.
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ يَنصرك ويمنع العقاب عنك، وهو حسم لأطماعهم، وتهييجٌ للمؤمنين على الثبات في الدِّين، واللام في (لئن) موطِّئةٌ للقسَم، و﴿مَا لَكَ﴾ جوابُه (^٢) سدَّ مسدَّ جواب الشرط.
_________________
(١) "الكريم" من (م).
(٢) في (م) و(ك): "جواب".
[ ٥ / ٤١٠ ]
(٣٨) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾: بشرًا مثلَك، والتنكير للتكثير.
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ﴾ فيه تغليبٌ للأكثر على الأقل، وإلا فمنهم مَن لا زوج له ولا ذرية كعيسى ﵇.
﴿أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾: نساءً وأولادًا كما هو (^١) لك، كانوا يَعيبونه ﵇ بالزواج والولاد، كما كانوا يقولون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]، وكانوا يقترحون عليه الآيات، وينكرون النسخ، فقيل: كان الرسل قبله كذلك ذوي أزواج وذريات.
﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾: ما صحَّ، ولم يكن في وسعه ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ مما اقتَرح عليه قومه، ولا مما اقتضاه رأيه ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فإنه القادر على ذلك، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما اقتضته الحكمة.
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾؛ أي: ولكل (^٢) وقتٍ ومدةٍ حكمٌ يُكتب على العباد بحسَب ما يقتضيه استصلاحُهم (^٣)، فإن الشرائع مصالح الأحوال والعباد، والاستعدادات (^٤) تختلف في الأوقات والأزمان فتختلف الشرائع بحسب ذلك.
* * *
_________________
(١) في (ف): "هن".
(٢) في (م): "لكل".
(٣) في (ك): "إصلاحهم".
(٤) في النسخ: "والاستبدادات"، والصواب المثبت.
[ ٥ / ٤١١ ]
(٣٩) - ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: ينسخ ما يكون الصلاح في نسخه.
﴿وَيُثْبِتُ﴾ بدَله ما هو صالحٌ أو أصلحُ في وقته (^١) لعباده، أو يتركه غيرَ منسوخ.
وقيل: يمحو سيئات التائب ويثبت بدلَها الحسنات.
وقيل: يمحو من كتاب الحفَظة ما لا يتعلق به الجزاء، ويترك ما يتعلق به مثبَتًا.
وقيل: يمحو قَرْنًا ويثبت آخر (^٢).
وقيل: يمحو الفاسدات ويثبت الكائنات.
﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾؛ أي: أصل كلِّ كتاب، وهو اللوح المحفوظ، إذ لا كائن إلا وهو مكتوب فيه.
* * *
(٤٠) - ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾.
﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾؛ أي: وكيف ما دارت الأحوال: أريناك بعض ما وعدناهم من العذاب النازل بهم أو توفَّيناك قبله ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾: فما عليك إلا تبليغ الوعيد بالعقوبة لا تعجيلُها.
﴿وَعَلَيْنَا﴾ لا عليك ﴿الْحِسَابُ﴾: حسابهم؛ أي: مراعاةُ أجَلها المعلوم، والإيقاعُ بهم عند الوقت المحتوم.
ولمَّا نهاه ﵇ عن الاهتمام بغير التبليغ، والتضجُّرِ لتأخُّر النصر، عقَّبه بالتسلية، وطيَّب نفسَه ونفَّس عنها بذكر طلائع ما وَعد بقوله:
_________________
(١) في (م): "وقت".
(٢) في (م): "آخرين".
[ ٥ / ٤١٢ ]
(٤١) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ﴾: أرضَ الكفرة ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بما نفتحه على المسلمين منها [فننقُص من دار الحرب ونزيد في دار الإسلام.
﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ اعتراضٌ لا محل لها، أو حالٌ كأنه قيل: نافذًا حكمُه؛ كما تقول: جاءني زيد لا عمامةَ على رأسه؛ أي: حاسرًا.
والمعقِّب: الذي يَكِرُّ على الشيء ويُبطله، وحقيقتُه: الذي يُعقِّبه بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق: معقِّب؛ لأنَّه يقفِّي غريمَه بالتقاضي والطلب.
والمعنى: لا رادَّ لحكمه ولا مُبطِلَ، وقد حكم للإسلام بالظهور والإقبال، وعلى الكفر بالتراجع والإدبار، وذلك كائن لا يمكن لأحد تغييرُه، وهذا من تباشيره.
﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فعمَّا قليل يحاسبهم في الآخرة، ويجازيهم بأشد العذاب بعد عذاب الدنيا بالقتل والإجلاء.
* * *
(٤٢) - ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ بأنبيائهم والمؤمنين منهم.
﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ جملةٌ تعليليَّة أُقيمت مقام المحذوف، وهو المعطوف على ما ذكر قبلها، تقديره: ولا عبرةَ بمكرهم فلله المكر جميعًا، وصفَهم بالمكر ثم جعل
[ ٥ / ٤١٣ ]
مكرَهم بالنسبة إلى مكره كَلَا مكرٍ عند مكره تعالى؛ لأنَّه (^١) القادر على إيقاع المراد من المكر بهم دونهم فلا مكر إلا مكرَه تعالى.
﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ فيُعدُّ (^٢) جزاءه لاضمحلال كلِّ مكر عند مكره تعالى؛ لأنَّه إذا علم كلَّ ما كسبوا، وأعدَّ لهم جزاءه، فيأتيهم به بغتةً من حيث لا يعلمون، كأنَّ المكر كلَّ المكر له تعالى.
﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾: وحينئذ يُعلمهم ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: لمن حسنُ العاقبة من الفريقين، والسينُ لوجوب وقوع ذلك، وعلمِهم به حالَ وقوعه، واللام في ﴿لِمَنْ﴾ دلت على أن المراد بالعقبى المضافِ إلى الدار: العاقبةُ المحمودة.
وقرئ: (سيَعْلَم الكفرُ) (^٣)؛ أي: أهلُه، و: (سيُعْلَم) من أَعْلَمَ: إذا أخبره (^٤).
* * *
(٤٣) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ قيل: المراد بهم رؤساء اليهود.
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ حيث أظهر من الدلائل الواضحة والحجج البيِّنة على رسالتي (^٥) ما يُغني عن شاهدٍ يَشهد عليها.
_________________
(١) في (ف): "لأن".
(٢) في (ك): (فيعد).
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٧)، و"الكشاف" (٢/ ٥٣٥).
(٤) نسبت لجناح بن حبيش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٨)، و"الكشاف" (٢/ ٥٣٥).
(٥) في (م) و(ك): "رسالته".
[ ٥ / ٤١٤ ]
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: والذي عنده علمُ القرآن - وما ألِّف عليه من النَّظم المعجِز الفائت لقوى البشر - والتوراةِ والإنجيل من علماء الكتاب الذين أسلموا كعبد اللّه بن سلام وأضرابه؛ لأنهم يشهدون بنعته ﵇ في كتبهم.
وقيل: هو اللّه ﷿، والكتاب: اللوح المحفوظ، والمعنى: كفى بالذي يَستحق العبادة، وبالذي لا يَعلم ما في اللوح المحفوظ إلا هو، شهيدًا بيني وبينكم.
ويؤيِّده قراءةُ مَن قرأ: (ومن عندِه) بالكسر (^١)، و﴿عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ على الأول يرتفع (^٢) بالظرف لأنَّه معتمد على الموصول، أو مبتدأٌ خبره الظرف، وهو متعين على الثاني.
وقرئ: (ومن عندِه عُلِمَ) على الحرف وبناءِ الفعل للمفعول ورفع (الكتابُ) (^٣)، واللّه أعلم بالصواب.
* * *
_________________
(١) نسبت لعلي وابن عباس ﵃ وعكرمة والضحاك وغيرهم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٧)، و"المحتسب" (١/ ٣٥٨)، و"الكشاف" (٢/ ٥٣٦)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٣٢٠)، و"البحر" (١٣/ ١٢١).
(٢) في (ك): "مرتفع".
(٣) انظر المصادر السابقة.
[ ٥ / ٤١٥ ]