﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
(١ - ٢) - ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إنْ جُعل ﴿الم﴾ اسمًا للسورة فهو مبتدأٌ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ خبرُه على أن التَّنزيل بمعنى المنزَل، و﴿مِنْ رَبِّ﴾ صلةُ ﴿تَنْزِيلُ﴾ أو خبر ثانٍ.
وإنْ جُعل تعديدًا للحروف فـ ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، أو مبتدأٌ خبرُه ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، و﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراض لا محل له من الإعراب، والضمير في ﴿فِيهِ﴾ راجع إلى مضمون الجملة؛ أي: لا ريب في ذلك، يعني: في كونه منزلًا من ربِّ العالمين، أو الخبرُ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ و﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من الضمير في ﴿فِيهِ﴾ على أنه للتنزيل أو للكتاب.
* * *
(٣) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
[ ٨ / ١٩٣ ]
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ مؤيِّدٌ لرجوع الضمير في ﴿فِيهِ﴾ لمضمون (^١) الجملة، وكذا قوله:
﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ لأن قولهم: هذا مفترى، إنكار لأنْ يكون من رب العالمين.
والهمزة في ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ إنكارٌ لقولهم وتعجيبٌ منه، فيكون الكلام مصدَّرًا بإعجازه وإثباتِ أنه من ربِّ العالمين، مقرِّرًا بأنه لا ريب في ذلك، ثم مقفًّى بالإضراب عن ذلك إلى إنكار قولهم: ﴿افْتَرَاهُ﴾ والتعجيبِ منه؛ لظهورِ أمره في الإعجاز، ثم بالإضراب عن الإنكار إلى تقرير المقصود، بعد ردِّ قولهم وإثباتِ أنه الحقُّ من ربِّك، ثم ببيان الغرض منه بقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ ولا يُشْكِلُ هذا بقوله:
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]؛ لأنهم لم يخل عن الوقوف بشريعة (^٢) تنذرهم وإن لم يأتهم نذير.
﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ لأنهم كانوا أهلَ الفترة.
﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بإنذارك إياهم.
* * *
_________________
(١) في (ف): "للتنزيل أو إلى مضمون "، بدل: "لمضمون"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (٣/ ٥٠٦)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٢١٩)، قال الزمخشري: (والوجه أن يرتفع [أي: ﴿تَنْزِيلُ﴾] بالابتداء، وخبره ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، و﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراض لا محل له، والضمير في ﴿فِيهِ﴾ راجع إلى مضمون الجملة، كأنه قيل: لا ريب في ذلك، أي: في كونه منزلا من رب العالمين، ويشهد لوجاهته قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ لأنّ قولهم: هذا مفترًى، إنكار لأنْ يكون من رب العالمين، وكذلك قوله: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ …).
(٢) في (ي): "من الوقوف بشريعة"، وفي (ع) و(م): "عن الوقوف شريعة"، وسقطت من (ف) و(ك).
[ ٨ / ١٩٤ ]
(٤) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ سبق تفسيره في سورة الأعراف.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾: ما لكم إذا جاوزتُم رضا اللهِ تعالى أحدٌ ينصركم أو يشفع لكم.
﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ بمواعظ الله.
* * *
(٥) - ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾: يدبر أمرَ الدنيا كلِّها بأسبابٍ سماويةٍ نازلةٍ آثارُها إلى الأرض لكلِّ يومٍ من أيام الله، وهو ألفُ سنة كما قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧].
﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: يصيرُ إليه ويُكتب عنده في صحف ملائكته ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ كلَّ وقتٍ من أوقات هذه المدةِ ما (^١) يرتفع من ذلك
_________________
(١) قوله: "ما" اسم موصول في محل رفع لـ"يصير" أو لـ "يكتب" على التنازع، وقوله: "كلَّ يوم .. " ظرف لهما، والمعنى: (ثم يَصير إليه تعالى وَيثْبُت عنده ﷿ ويُكتب في صحف ملائكته جلّ وعلا كلَّ وقت من أوقات هذه المدة ما يرتفع من ذلك الأمر …)، هذا ما وفق الله إليه في شرح عبارة المؤلف، وهي منقولة عن الزمخشري ولم أجد من شرحها، والعبارة التي أوردتها هي عبارة الآلوسي، والله أعلم بالصواب. انظر: "الكشاف" (٣/ ٥٠٨)، و"روح المعاني" (٢١/ ١٣٢).
[ ٨ / ١٩٥ ]
الأمر ويدخل تحت الوجود، إلى أن تبلغَ المدة آخِرَها، ثم يدبِّر أيضًا ليومٍ آخرَ، وهلمَّ جرًّا إلى أن تقوم الساعة.
وقيل: يُنْزِل الوحيَ مع جبريل ﵇ من السماء إلى الأرض، ثم يَعرج إليه في زمان هو في الحقيقة ألفُ سنة؛ لأن المسافة مسيرةُ ألف سنة، فإن ما بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام.
وفيه نظر؛ إذ لا يَلزم من قطع المسافة الطويلةِ في مدةٍ قصيرةٍ أن تكون تلك المدةُ طويلةً في الحقيقة، وذلك ظاهر.
نعم لو قيل: في قوله: ﴿مِقْدَارُهُ﴾ تجوُّزٌ، فإن المقدار المذكور للمسافة باعتبار قطعها المعتاد، لكان له وجه.
* * *
(٦) - ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ فيدبِّر على (^١) وَفْق علمه.
﴿الْعَزِيزُ﴾: القويُّ بإنفاذ أمره.
﴿الرَّحِيمُ﴾ على العباد في تدبيره على وفق مصالحهم تفضُّلًا وامتنانًا.
* * *
(٧) - ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾.
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾: حسَّنه على وَفق الحكمة والمصلحة موفورًا عليه ما يَستعدُّه ويليق به، وإنْ تفاوَتَ إلى حَسَنٍ وأَحْسن، و﴿خَلَقَهُ﴾ بدلٌ من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ بدلَ الاشتمال.
_________________
(١) "على": ليست في (م).
[ ٨ / ١٩٦ ]
وقيل: عَلِمَ كيف يخلقه، من قوله: قيمةُ المرء ما يُحْسِنه، أي: يُحسن معرفته، و﴿خَلَقَهُ﴾ مفعول ثان.
وقرئ بفتح اللام (^١)، فالشيءُ على الأول مخصوصٌ بمنفصِل، وعلى الثاني بمتَّصِل.
﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ يعني: آدم ﵇ ﴿مِنْ طِينٍ﴾.
* * *
(٨) - ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ النسل: الذرِّية، سميت به لأنها تَنسلُّ منه، أي: تنفصل وتخرج من صُلبه، والسلالة: ما يُسلُّ من الشيء ويُخرَج.
﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾: ضعيفٍ حقير.
* * *
(٩) - ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾: قوَّمه بتصويرِ (^٢) أعضائه على ما ينبغي.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ أضافه إلى نفسه تشريفًا وإظهارًا بأن له خَلْقًا عجيبًا، وأن له شأنًا له مناسبةٌ ما إلى حضرة الربوبية، قال ﵇: مَن عَرَفَ نَفْسَه فقد عَرَفَ ربَّه (^٣).
_________________
(١) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي ونافع، وباقي السبعة بسكون اللام. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٧).
(٢) في (ك): "بتقدير".
(٣) قال أبو المظفر ابن السمعاني: لا يعرف مرفوعًا، وإنما يحكى عن يحيى بن معاذ الرازي يعني من=
[ ٨ / ١٩٧ ]
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ خصوصًا لتَسمعوا وتُبصروا وتَعقلوا، وإنما قدَّم السمع على البصر لخساسته نظرًا إلى البصر، فإن الكلام على أسلوب الترقِّي من الشريف إلى الأشرف فالأشرف.
﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: تشكرون شكرًا قليلًا.
* * *
(١٠) - ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ قيل: القائل أبيُّ بن خلف، ولا حاجةَ إلى رضاهم بقوله في الإسناد إليهم، بل يكفي وجودُ القول بينهم كقوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢].
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ بالفتح والكسر (^١).
﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: صرنا ترابًا مختلِطًا بتراب الأرض بحيث لا امتياز فيه، أو: غبنا فيها.
وقرئ: (صَللْنا) (^٢) من صلَّ اللحم: إذا أَنْتَنَ، وقيل: صِرنا من جنس الصَّلَة وهي الأرض.
_________________
(١) = قوله، وكذا فال النووي: إنه ليس بثابت. انظر: "المقاصد الحسنة" (ص: ٦٥٧). وذكره السلمي في "تفسيره" (٢/ ٨٦) من قول علي ﵁.
(٢) بالفتح قراءة الجمهور، ونسبت قراءة ليحيى بن يعمر وابن محيصن وأبي رجاء وغيرهم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٧)، و"إعراب القرآن " للنحاس (٣/ ٢٩٣).
(٣) قيدها بعضهم بفتح اللام وآخرون بكسرها، ونسبت لعلي وابن عباس والحسن وغيرهم. انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٣١)، و"المحتسب" (٢/ ١٧٣)، و"الكشاف" (٣/ ٥٠٩)، و" المحرر الوجيزي (٤/ ٣٦٠)، و"روح المعاني" (٢١/ ١٤١).
[ ٨ / ١٩٨ ]
وقرئ: ﴿أَإِذَا﴾ على الخبر (^١)، والعامل فيه ما دل عليه:
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو: نُبعث، أو: يجدَّد خَلْقُنا.
وقرئ: ﴿أَإِنَّا﴾ على الخبر (^٢).
﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ لمَّا ذكر (^٣) كفرَهم بالبعث أعرضَ عنه إلى ما هو أبلغُ في الكفر بما بعد الموت من الرجوع إلى الله والجزاء (^٤).
* * *
(١١) - ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ التَّوفِّي: استيفاء النَّفْس، من قولك: تَوَفَّيتُ حقِّي من فلان واستَوْفَيْتُه: إذا أخذْتَه وافيًا كاملًا؛ أي: يَقبض نفوسكم بتمامها.
﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾؛ أي: يَقبِض (^٥) أرواحَكم عند انتهاء مُدد أعماركم، وفي عبارة ﴿وُكِّلَ بِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى وجه التوفيق بين هذه الآية وقولهِ تعالى: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وهو أن فِعْلَ الوكيلِ فِعْلُ الموكِّل.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ للحساب والجزاء.
* * *
_________________
(١) قراءة ابن عامر، والباقون على الاستفهام. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٢).
(٢) قراءة نافع والكسائي، والباقون على الاستفهام. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٢).
(٣) في (ف) و(ك): "رد".
(٤) انظر: "تفسير النسفي" (٣/ ٧)، ولفظه: (لما ذكر كفرهم بالبعث أضرب عنه إلى ما هو أبلغ، وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة لا بالبعث وحده).
(٥) في (ك): "بقبض".
[ ٨ / ١٩٩ ]
(١٢) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾.
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ الأفصح أن يكون الخطاب لكلِّ أحدٍ ممن يَتأتَّى له الرؤيةُ (^١) ولا يقدَّرَ لـ ﴿تَرَى﴾ مفعولٌ؛ لأن المعنى: لو يكونُ منك الرؤية في هذا الوقت.
﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ من الذل والحياء والندم.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: عند حساب ربهم (^٢)، ويُوقَفُ عليه لحقِّ الحذف؛ إذ التقديرُ: قائلين.
﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ صِدْقَ وعدِكَ ووعيدِك ﴿وَسَمِعْنَا﴾ منك تصديقَ رسلك، أو: كنا عميًا وصمًّا أبصرنا وسمعنا.
﴿فَارْجِعْنَا﴾ إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾؛ أي: الإيمانَ والطاعة.
﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ بالبعث (^٣) والحساب الآن.
وجواب (لو) محذوف تقديره: لرأيت أمرًا فظيعًا، والمضيُّ فيها وفي ﴿إِذِ﴾ لأن المترقَّب من الله تعالى بمنزلة الواقع.
* * *
(١٣) - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
_________________
(١) في (ك): "القدرة".
(٢) في (ف) و(م): "حسابهم ".
(٣) في (ف): "بالغيب".
[ ٨ / ٢٠٠ ]
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾: ما تهتدي به إلى الإيمان والعمل الصالح بالتوفيق له.
﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾: سبَق حُكمي وقضائي، وهو: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾ إنما قدَّم الجنَّ لأن المقام مقامُ التحقير ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: ولكن اقتضى الحكمةُ خلافَ ذلك، وما ذُكر من سبق القضاء به كنايةٌ عن ذلك الاقتضاء، فليس فيه تسبُّبُ عدم إيمانهم عن سبق التقدير الأزلي به كما سبق إلى بعض الأوهام.
* * *
(١٤) - ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَذُوقُوا﴾ يعني: ما أنتم فيه من الخزي والغم.
﴿بِمَا نَسِيتُمْ﴾: بسبب نسيانكم ﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أو: بتركِكُم العمل لهذا اليوم كأنكم نسيتُموه فلم تذكروه.
﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾، أي: تركناكم في العذاب، أو: جازيناكم على نسيانكم، وفي استئنافه وبناءِ الفعل على (إنَّ) واسمها تشديدٌ في الانتقام منهم.
﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾؛ أي: واعلموا أن هذا العقاب خالدٌ لكم - غيرُ زائل عنكم.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: بأعمالكم من الكفر والمعاصي، وإنما كرَّر الأمر (^١)
_________________
(١) "الأمر": ليست في (م).
[ ٨ / ٢٠١ ]
للتأكيد، ولمَا نِيطَ به من التصريح بمفعوله، وتعليلِه بأفعالهم السيئة كما علَّله بتركهم تدبُّر أمر العاقبة والتفكُّرَ فيها دلالةً على أن كلًّا منها يقتضي ذلك، وهذا منادٍ ينادي على أنه لا عذر لهم في ذلك (^١) من جهة القضاء الأزلي.
* * *
(١٥) - ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾: وعظوا بها.
﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ خوفًا من عذاب الله تعالى.
﴿وَسَبَّحُوا﴾: نزهوه عما لا يليق به كالعجز عن البعث.
﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: حامدين له شكرًا على ما وفَّقهم للإسلام وآتاهم الهدى.
﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن (^٢) الإيمان والطاعة.
* * *
(١٦) - ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
﴿تَتَجَافَى﴾ ترتفعُ وتتنحَّى ﴿جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾: الفرُش ومواضعِ النوم، مبالغة في الاعتياد (^٣) بقيام الليل، كأنهم يقومون بالطبع لا بالاختيار كما يقومون لحاجاتهم الطبيعية.
_________________
(١) في هامش (م): "ولكن لا حياة لمن ينادى منه".
(٢) في (م): "على".
(٣) في (م): "الاعتبار".
[ ٨ / ٢٠٢ ]
﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾: داعين إياه ﴿خَوْفًا﴾ من سَخَطه ﴿وَطَمَعًا﴾ في رحمته، وعن النبيِّ ﵇ في تفسيرها: قيامُ العبد من الليل (^١).
وقيل: كان ناسق من الصحابة يصفُون من المغرب إلى العشاء، فنزلت فيهم (^٢).
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في وجوه الخير.
* * *
(١٧) - ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ واحدةٌ من النفوس، لا مَلَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل.
﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ على البناء للمفعول والفاعل، وقرئ: ﴿مَا أُخْفِيَ﴾ على أنه مضارع أَخْفَيتُ (^٣).
و: (ما نخفي)، و: (ما أَخْفيتُ) (^٤).
والفاعل في الكل هو الله تعالى، و﴿مَا﴾ موصولة والعِلم بمعنى المعرفة، أو استفهامية (^٥) بمعنى: أيُّ شيء؟ علِّق عنها الفعل.
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٦١٦) وصححه، والنسائي في "الكبرى" (١١٣٣٠)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٦١٤)، من حديث معاذ ﵁.
(٢) رويت فيه أخبار كثيرة تنظر في "الدر المنثور" (٦/ ٥٤٦)، وروى نحوه أبو داود (١٣٢١) و(١٣٢٢)، والترمذي (٣١٩٦) وصححه، من حديث أنس ﵁.
(٣) هذه فراءة حمزة، وقرأ باقي السبعة: ﴿أُخْفِيَ﴾ بالبناء للمفعول. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٧). وقراءة (أَخْفَى) بالماضي المبني للفاعل نسبت لمحمد بن كعب. انظر: "الكشاف" (٣/ ٥١٢)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٣٦٢).
(٤) نسبت الأولى لابن مسعود والثانية للأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٨)، و"الكشاف" (٣/ ٥١٢)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٣٦٢).
(٥) في (ف) و(م): (الاستفهامية).
[ ٨ / ٢٠٣ ]
﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾: ممَّا تَقَرُّ به أعينُهم، وقرئ: (مِن قُرَّاتِ أعينٍ) (^١) لاختلاف الأنواع.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مفعولٌ له، أي: أُخفيَ للجزاء، أو مصدر، أي: جُزُوا جزاءً، أو حال على التسمية بالمصدر. والفاء للسببية، أي: إذا لقينا مَن كانوا يُخفون عبادتنا بالليل فلا تعلم نفسٌ ما أَخفينا لهم.
وفي الإبهام ثم التوضيحِ والتفسيرِ لـ ﴿قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ تفخيم لشأن جزائهم وتعظيمٌ له، وإن جُعل (^٢) ﴿مَا﴾ استفهاميةً زِيدَ تعظيمٌ على تعظيمٍ.
* * *
(١٨) - ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾.
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ الفاء للتعقيب والهمزةُ للإنكار، أي: أَبَعْدَ ما ذُكر مِن ثواب المؤمن وكرامته هل يكون مساويًا للفاسق الخارج عن الإيمان في الشرف والمثوبة.
﴿يَسْتَوُونَ﴾ تأكيد وتصريحٌ، والجمع للحمل على المعنى.
* * *
(١٩) - ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، أي: المأوى الحقيقيُّ الأبديُّ فإنَّ الدنيا منزلٌ مرتحَلٌ عنها، وقيل: نوع من الجِنان كما في قوله تعالى:
_________________
(١) نسبت لابن مسعود وأبي الدرداء وأبي هريرة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٨)، و"المحتسب" (٢/ ١٧٤)، و"الكشاف" (٣/ ٥١٢)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٣٦٣).
(٢) في (ف) و(م): "يجعل".
[ ٨ / ٢٠٤ ]
﴿(١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٤] عن ابن عباس ﵄: تأوي إليها أرواح الشهداء.
﴿نُزُلًا﴾ سبق تفسيره في آل عمران.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: بأعمالهم.
* * *
(٢٠) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ فجنةُ مأواهم النارُ؛ أي: النار لهم مكان جنة المأوى للمؤمنين؛ كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].
﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قد سبق تفسيره.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ إهانةً لهم وزيادةً في غيظهم.
* * *
(٢١) - ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾: عذابِ الدنيا مما محنوا به من الأسر والقتل والقحط سبغ سنين.
﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾: عذاب الآخرة.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعلَّ مَن بقي منهم ﴿يَرْجِعُونَ﴾: يتوبون عن الكفر.
[ ٨ / ٢٠٥ ]
رُوي أن الوليد بن عقبةَ فاخَرَ عليًّا ﵁ يوم بدر، فنزلت هذه الآية (^١).
* * *
(٢٢) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ ولم يتفكَّر فيها، و﴿ثُمَّ﴾ مستعار للاستبعاد؛ لأن الإعراض عن مثل هذه الآيات مع وضوحها وإنارةِ برهانها وإرشادها إلى الفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعَدٌ عقلًا؛ كما تقول لصاحبك: وجدتَ مثلَ هذه الفرصةِ ثم لم تَنْتهِزها! ومنه ما في بيت الحماسة:
ولا يَكشفُ الغمَّاءَ إلَّا ابنُ حُرَّةٍ … يَرَى غَمَراتِ الموتِ ثم يَزورُها (^٢)
﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ استئناف مؤذِنٌ بأن الانتقام منهم هو أشدُّ الانتقام؛ لأنَّه لمَّا بيَّن أنه أظلمُ من كلِّ ظالم، ثم دلَّ على أنه يَنتقم من كلِّ مجرم والظالمُ
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ٥١٤). قال الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: ١٣١) ونقله عنه الشهاب في "الحاشية" (٧/ ١٥٤) مع بعض زيادة: (قوله: إن ذلك شجر بينهما يوم بدر، غلط فاحش، فما كان الوليد حينئذ رجلا، بل طفلًا لا يتصور منه حضور بدر وصدور ما ذكره الزمخشري من مشاجرته لعلي ﵁. قلت: قد رويت القصة دون تعيين يوم بدر، رواها عن ابن عباس ﵄ الإمام أحمد في "فضائل الصحابة" (١٠٤٣)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٢١). وكذا أوردها في تفاسيرهم السمرقندي والثعلبي والواحدي والبغوي وابن عطية وابن الجوزي، لكن نقل ابن عطية عن الزجاج والنحاس وغيرهما أنها نزلت في علي وعقبة بن أبي معيط، قال: وعلى هذا يلزم أن تكون الآية مكية؛ لأن عقبة لم يكن بالمدينة وإنما قتل في طريق مكة منصرف رسول الله ﷺ من بدر. قلت: ولعله على هذا يكون لما ذكره الزمخشري وجه إلا أنه وهم فذكر الوليد بدل أبيه.
(٢) البيت لجعفر بن عُلْبةَ - بضم العين وسكون اللام بعدها باء - الحارثي. انظر: "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي (١/ ٤٩)، و"الحماسة البصرية" (١/ ٤٦٤)، و"الكشاف" (٣/ ٥١٥).
[ ٨ / ٢٠٦ ]
مجرم، كان ممَّن (^١) هو أظلمُ أشدَّ انتقامًا، فلهذا المعنى وَضع ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ موضع الضمير (^٢).
* * *
(٢٣) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ كما آتيناك.
﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾: في شكٍّ ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾: من لقائك الكتابَ؛ لقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٦]، أي: إنك أوتيتَ ما أوتيتَ (^٣) مثلَ ما أُوتيه، كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤].
أو: من لقاء موسى الكتابَ، ويؤيِّده انتظامُ قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: المنزلَ على موسى ﵇ ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
وأما عودُ الضمير إلى موسى ﵇؛ أي: من لقائكَ موسى، فيأباه تصديرُ النهي بأداة التفريع.
* * *
(٢٤) - ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ الناسَ إلى ما فيه من الحِكَم والأحكام.
_________________
(١) في النسخ: "من"، والصواب المثبت.
(٢) بعدها في (ف) و(م): "له "، ولا وجه لها.
(٣) "ما أوتيت" من (ف) و(ك).
[ ٨ / ٢٠٧ ]
﴿بِأَمْرِنَا﴾ (^١) إياهم به، أو بتوفيقنا له.
﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾: لصبرهم، وقرئ: ﴿لَمَّا﴾ (^٢)؛ أي: حين صبروا.
﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ لإمعانهم في النظر.
* * *
(٢٥) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يقضي فيَمِيزُ الحقَّ من الباطل بتمييز المحقِّ من المبطِل.
﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين.
* * *
(٢٦) - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الواو للعطف على مقدَّرٍ من جنس المعطوف؛ أي: ألم يؤمنوا - أو: ألم تَدْعهم - ولم يَهْدِ لهم، والفاعل ما دل عليه:
﴿لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾؛ أي: كثرةُ إهلاكنا القرونَ، أو هذا الكلام كما هو بمضمونه كقولك: تعصمُ لا إلهَ إلا الله (^٣) الدماءَ والأموالَ، أو ضميرُ ﴿رَبَّكَ﴾ بدلالة قراءته بالنون (^٤).
_________________
(١) بعدها في (ك): "بآياتنا".
(٢) قراءة جمهور السبعة، وقرأ حمزة والكسائي بكسر اللام وتخفيف الميم. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٧).
(٣) في (ك): كتب فوق لفظ الجلالة: (هو).
(٤) نسبت لعلي وابن عباس وأبي عبد الرحمن السلمي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"=
[ ٨ / ٢٠٨ ]
﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ يعني: أهل مكة يمرُّون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ قد سبق في تفسير سورة الروم وجهُ توصيف القوم بالسمع وكان الظاهر توصيفُهم بالإبصار.
* * *
(٢٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الواو لعطف الاستفهام على نظيره، وتأخيرُه عن أداتها لصدارتها.
﴿أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾؛ أي (^١): التي جُرز نباتها؛ أي: قُطع؛ إما لعدم الماء، أو لأنَّه أُزيل أو رُعي، ولا يقال للَّتي لا تُنبت كالسباخ: جُرُزٌ، بدليل قوله:
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ وقيل: اسمُ موضع في اليمن.
﴿تَأْكُلُ مِنْهُ﴾ " أي: من الزرع ﴿أَنْعَامُهُمْ﴾ من عَصْفِه وتِبْنِه ﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ من حبِّه وثمره، قدِّم أَكلُها على أَكلهم لأن ما تأكله من الورق والقَصيل (^٢) يحصل مقدَّمًا.
﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ فيستدلون به على كمالِ فضله وقدرته.
* * *
_________________
(١) = (ص: ١١٨)، و"الكشاف" (٣/ ٥١٦)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٣٦٥).
(٢) "أي "من (ف) و(ك).
(٣) القصيل: ما اقتُصل من الزرع أخضر. انظر: "القاموس" (مادة: قصل).
[ ٨ / ٢٠٩ ]
(٢٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾: النصر، أو الفصل بالحكومة، من قوله: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩] لا من قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]، فإن إطلاق يوم الفتح على يوم القيامة لانفتاح أبواب السماء حينئذ، لا لانتصار المسلمين على الكفار.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في الوعد به.
* * *
(٢٩) - ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يومُ الفتح: يومُ القيامة لأنَّه يُفتح فيه بين المؤمنين وبين أعدائهم ويُنصرون عليهم.
وقيل: هو يومُ بدر، أو يومُ فتح مكة، والمراد بالذين كفروا: المقتولون في أحد اليومين، فإنه لا ينفعهم إيمانهم حالَ القتل ولا يُمهَلون.
وتطبيق الجواب على سؤالهم من حيث المعنى؛ لأن غرضهم من الاستفهام لم يكن طلبَ تعيين الوقت بل الاستعجال، كأنه قيل: لا تستعجلوا به فإنه إذا جاء لا ينفعكم الإيمان إن آمنتم ولا تُنظَرون إن استَنظَرتُم، و﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من باب وضع الظاهرِ موضع المضمَر للتسجيل عليهم بالكفر، وأن الكفر المستمرَّ إلى وقت العذاب هو الذي يُوجِب عدم نفعِ الإيمان وينفي (^١) الإنظار.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(م): "ونفي".
[ ٨ / ٢١٠ ]
(٣٠) - ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تبال بتكذيبهم، وقيل: هي منسوخة بآية السيف.
﴿وَانْتَظِرْ﴾ النصرةَ عليهم وهلاكَهم.
﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ الغلبةَ عليكم وهلاكَكم.
وقرئ: (منتظَرون) بفتح الظاء (^١)؛ أي إنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم أي إن الملائكة ينتظرون هلاكهم فإنهم هالكون لا محالة.
* * *
_________________
(١) نسبت لمحمد بن السميفع. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٨)، و"المحتسب" (٢/ ١٧٥)، و"الكشاف" (٣/ ٥١٧)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٣٦٦).
[ ٨ / ٢١١ ]