﷽
(١) - ﴿طسم﴾.
﴿طسم﴾ بتفخيم الألف وإمالتها، وإظهار النُّون وإدغامها (^١)
* * *
(٢) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.
﴿تِلْكَ﴾ الإشارة إلى آيات السُّورة.
﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ المظهِر للحقِّ مِن الباطل.
* * *.
(٣) - ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾: قاتلُها غمًّا ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ مِن أجل امتناعِ قومِك عن الإيمان (^٢).
(لعلَّ) هنا للإشفاق؛ أي: أشفقْ على نفسِك بتخفيفِ هذا الغَمِّ والهَمِّ.
_________________
(١) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بإمالة فتحة الطَّاء، والباقون بإخلاص فتحها، وأظهر حمزة النُّون من هجاء سين عند الميم وأدغمها الباقون. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٥).
(٢) في هامش (ع): "من قال: لئلا يؤمنوا، فكأنه غفل فائدة إدخال فعل الكون. منه".
[ ٧ / ٣٦٣ ]
ولَمَّا كانَ مظنَّة أنْ يُقال: إنَّ ذلك لتنفيذِ أمرِ اللهِ تعالى وتحصيلِ المرادات الإلهيَّة مِن الأوامر والنَّواهي تُدورِكَ (^١) دفعُه بقوله:
(٤) - ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.
﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾ قاهرةً قاسرةً لهم على الإيمان، أُشيرَ إلى ذلك بقولِه: ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني: أنَّ إيمان تلك الطَّائفة ليس بمرادٍ لنا، إنَّما المرادُ مِن بعثِكَ تبليغُ أحكامِ التَّكليفِ على ما تقتضيه الحكمة، فليس أمرُنا عن إرادةٍ، ولا نهيُنا عن كراهةٍ.
﴿فَظَلَّتْ﴾ عطف على ﴿نُنَزِّلْ﴾، عطفَ (أكنْ) على (أصَّدَّق) (^٢)؛ لأنَّه لو قيل: أنزلنا، بدله لصحَّ.
﴿أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ الخضوعُ أمارةُ الانقياد اللَّازم للإذعان، وهو المراد هاهنا (^٣) بطريق الكناية، أصله: فظلُّوا لها خاضعين، فأقحِمَتِ الأعناق لبيان موضعِ الخضوع (^٤)، وتُرِكَ الخبرُ على أصله، وفي الكناية المقصودة مِن عبارة الخضوع إشارةٌ إلى أنَّ قهر تلك الآية قهرُ حجَّةٍ وبرهانٍ، فلا يفوت الاختيار المعتَبر في صحَّة الإيمان.
* * *
_________________
(١) "تدورك" من (م) و(ي) و(ع).
(٢) يعني ما في سورة المنافقون: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾.
(٣) في (ع) و(ي): "هنا".
(٤) في هامش (ع) و(م): "قال المرزوقي: الخشوع في الصوت والبصر كالخضوع في البدن، يقال: خاشع الطرف، خاضع العنق. منه".
[ ٧ / ٣٦٤ ]
(٥) - ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾.
﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾؛ أي: ما يجدِّد (^١) لهم اللهُ تعالى بوحيه على نبيِّه موعظةً وتذكيرًا إلَّا استمروا على ما اعتادوا عليه مِن الإعراض.
* * *
(٦) - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ حذفُ المفعولِ إشارةٌ إلى أنَّ تكذيبَهم تجاوَزَ عن حدِّ الخصوص إلى حدِّ العموم؛ فإنَّ تكذيبَهم محمَّدًا ﵊ كان تكذيبًا لسائر الأنبياء المخبِرين عنه والمبشِّرين به، بل تكذيبًا لله تعالى أيضًا، والفاء في قوله (^٢):
﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ فصيحةٌ، تُفصِحُ عن محذوفٍ معطوفٍ على المذكور، تقديره: واستهزؤوا به.
﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ إتيانُ الخبرِ: عبارةٌ عن وقوعِ المحذورِ المنتَظرِ، وهذا وعيدٌ لهم، وإيذانٌ بأنَّهم سيعلمون -إذا مسَّهم العذابُ يومَ بدرٍ أو يومَ القيامةِ- الشَّيءَ الذي كانوا يستهزئون به.
* * *
(٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ﴾ الواو للعطف على محذوفٍ، تقديره: ألم يتأمَّلوا في عجائب قدرةِ اللهِ تعالى، ولم ينظروا إلى الأرض؟!
_________________
(١) في (ك) و(م): "جدد".
(٢) "قوله" من (ك) و(م).
[ ٧ / ٣٦٥ ]
﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ الزَّوجُ: اللَّونُ؛ قاله الفرَّاء (^١)، و﴿كُلِّ﴾ للإحاطة، و﴿كَمْ﴾ للكثرة.
﴿كَرِيمٍ﴾: كثيرِ المنفعة، يأكل منه (^٢) النَّاسُ والإنعامُ، كالرَّجلِ الكريمِ الذي نفعُه عامٌّ.
وفيه دلالةٌ على كمال القدر، ولذلك قال:
(٨) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: إنباتِ تلك الأنواع ﴿لَآيَةً﴾ عظيمةً على أنَّ مُنبِتَها تامُّ القدرةِ عامُّ النِّعمةِ والرَّحمةِ ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: مصدِّقين.
و﴿كَانَ﴾ هنا صلة في قول سيبويه (^٣)، وهذا إخبار عن حالهم في الواقع، لا عن حالهم في علم الله تعالى.
* * *
(٩) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيعُ الذي لا يغالَبُ، فليسَ لعجزِه وضعفِه طالَتْ مدَّةُ هؤلاءِ في الشِّرك والعتوِّ.
﴿الرَّحِيمُ﴾ فلا يعجِّلُ في عقوبتهم؛ إذ لا يَخاف الفوت، ويقبل توبةَ مَن تابَ منهم قبل الموت.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٧٨).
(٢) في (ي): "منها"، وسقطت من (ف) و(ك).
(٣) انظر: "الكتاب" (١/ ٧٣)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ١١).
[ ٧ / ٣٦٦ ]
ولَمَّا كانَ مساقُ الكلام في بيان القُدرةِ قدَّمَ صفة العزَّة على الرَّحمة، والرَّحمة إذا (^١) كانت عن قدرةٍ كانَت أعظمَ وقعًا.
* * *
(١٠) - ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ مقدَّر بـ (اذكر) (^٢)، أو ظرفٌ لِمَا بعدَه (^٣).
﴿أَنِ ائْتِ﴾: (أن) مصدرَّية أو تفسيريَّة.
﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم، أو لبني إسرائيل.
* * *
(١١) - ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾.
﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عطفُ بيانٍ، وليس فيه اقتصارٌ على قومِه، بل اكتفاءٌ بالدِّلالة في جانبه، وإيماءٌ (^٤) للإشارة إلى أن (^٥) ظُلْمَ قومِه لاتِّباعِهم له.
﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ استئنافٌ للتَّعجُّب من إفراطهم في الظُّلم واجترائهم عليه، وقرئ بالتَّاء (^٦) على الالتفات للتَّوبيخ والحثِّ.
_________________
(١) في (ف): "الرحمة إن" بدل "الرحمة، والرحمة إذا".
(٢) في (ف): "بأن ذكر".
(٣) أي: لـ ﴿قَالَ رَبِّي﴾، وليس بذاك عند الآلوسي. انظر: "روح المعاني" (١٩/ ١٤٥).
(٤) في (ع) و(ف) و(ي): "واعتناء"، وسقط من (ك)، والمثبت من (م).
(٥) "أن": ليست في (م).
(٦) نسبت لعبد الله بن مسلم بن يسار. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٦).
[ ٧ / ٣٦٧ ]
وأصلُ الاتِّقاءِ: صرفُ الأمرِ لحاجزٍ بينه وبين الصَّارف، والمرادُ: اتِّقاءُ العِقابِ بالطَّاعةِ.
* * *
(١٢ - ١٣) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ﴾ الخوفُ: انزعاجُ النَّفسِ بتوقُّع الضَّررِ.
﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ لتكذيبهم إيِّايَّ، مستأنَفٌ أو عطفٌ على ﴿أَخَافُ﴾.
﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ على ما أرى مِن المحال، وأسمعُ من الجدال.
وينصبهما يعقوبُ (^١) عطفًا على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، فالخوف متعلِّقٌ بهذه الثَّلاثة على هذا التَّقدير، وبالتَّكذيب وحدَه بتقدير الرَّفع.
﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾؛ أي: أرسل إليه جبريلَ واجعله نبيًّا يُعينني على الرسالة، ولم يكنْ هذا الالتماس منه ﵇ توقُّفًا في الامتثال، بل التِماسُ عونٍ في تبليغ الرِّسالة، وتمهيد العذر (^٢) في التماس المعين على تنفيذ الأمر، وكفى بطلب العون دليلًا على التَّقبُّل لا على التَّعلُّل، ومِن الدَّليلِ على ذلكَ وقوعُ ﴿فَأَرْسِلْ﴾ معترِضًا بين الأوائل والرَّابعة (^٣)؛ فإنَّه لو كان تعلُّلًا لأخِّر (^٤).
_________________
(١) انظر: "النشر" (٢/ ٣٣٥).
(٢) "وتمهيد العذر" سقطت من (ف) و(ك)، وفي (ع): "وتمهيد القدر".
(٣) في (ف): "الأول والرابع"، وفي (ك) و(م): "الأولى والرابعة".
(٤) في (م): "لأضر"، وفي (ف) و(ك): "لضر".
[ ٧ / ٣٦٨ ]
(١٤) - ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾.
﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾: دعوى جُرْمٍ، وهو قتلُ القِبْطيِّ.
﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ كان عندَه ﵇ خوفان: خوفُ تلفِ النَّفسِ، وخوفُ فواتِ مصلحة الرِّسالة، وإنَّما قدَّم الثَّاني على الأوَّل تقديمًا لمصلحة الرِّسالة على مصلحة نفسه كما هو اللَّائق بشأن أولي العزم مِن الأنبياء ﵈.
* * *
(١٥) - ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾.
﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾ إجابةٌ له إلى الطَّلِبتَيْن بوعدِه للدَّفع اللَّازم ردعه (^١) عن الخوف، وضمِّ أخيه إليه في الإرسال.
والفاء فصيحةٌ دلَّتْ على محذوفٍ تقديرُه ظاهرٌ مِن التَّفصيل في موضعٍ آخر، حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا﴾ الآية [الفرقان: ٣٥ - ٣٦]، فالخطاب في ﴿فَاذْهَبَا﴾ على تغليب الحاضر؛ لأنَّه عطف على الفعل الذي دلَّ عليه ﴿كَلَّا﴾، كأنَّه قيل: ارتدعْ يا موسى عمَّا تظنُّ، فاذهَبْ أنت والذي طَلَبْتَه، وهو هارون.
﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ يعني: موسى وهارون ﵉ وفرعون.
﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ الاستماعُ من السَّمع بمنزلة النَّظر من الرُّؤية، والكلام من قَبيل التَّمثيل، والمراد: إنَّا لكما ولعدوِّكما كالنَّاصر الظَّهير لكما عليه إذا حضر واستمع
_________________
(١) في (ع) و(ي): "وردعه"، وفي (ف): "دعه". والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لكلام البيضاوي، وقال الشهاب في شرحه: "ردعه" مفعول "اللازم"، ويجوز أن يكون فاعله؛ أي: اللازم له ردعه. وقوله: "للدفع"؛ أي: لدفع بلائهم. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٧).
[ ٧ / ٣٦٩ ]
ما يجري بينكما وبينه، فالمفردات (^١) على حقائقها، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
* * *
(١٦) - ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا﴾ له (^٢) ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ويجوز أنْ يُقال: أفردَ الرَّسولَ لاتِّفاقِ كلمتِهما، أو أفرد هنا (^٣) وثنَّى في قوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، وذلك لأنَّه كان في هارون ﵇ جهتان؛ جهة الرِّسالة مِن الله تعالى، وجهة الوزارة لموسى ﵇ على ما نطقَ به قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٥]، فحين قيل: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ (^٤) [طه: ٤٧] نظر إلى جهة رسالته من الله تعالى، وحين قيل: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥) نظر (^٦) إلى جهة وزارته لموسى ﵇، ولكون موسى ﵇ أصلًا في باب الرسالة كان مخاطبة فرعون إياه ومجادلته معه خاصَّة. وإنَّما زِيدَ قوله: (له) (^٧) لعدم كاف الخطاب المغني عنه.
_________________
(١) في (م): "فالمرادات".
(٢) "له" سقط من (ف) و(ك) و(م)، ووقعت في (ع) و(ي) ضمن الآية، وهو مراد المؤلف ظنًا منه أنها من الآية كما هو واضح من كلامه فيما سيأتي عند نهاية تفسيرها.
(٣) في (ك) و(م): "هاهنا".
(٤) "فقولا"سقط من (ف).
(٥) "فقولا" سقط من (ك) و(م).
(٦) في (م): "نظرا".
(٧) "له" سقط من (ف)، والمثبت من باقي النسخ، وهذا سهو من المؤلف ﵀ حيث ظنها من الآية.
[ ٧ / ٣٧٠ ]
(١٧) - ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: بأن أطلق بني إسرائيل عن أسر الاستعباد، وخلِّهم يذهبوا حيث شاؤوا، وهو كإرسال (^١) الصَّيد وأهل القيد.
* * *
(١٨) - ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾.
﴿قَالَ﴾ فرعونُ لموسى بعدَ ما أتياه وقالا له ذلك:
﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾ التَّربيةُ: تنشئةُ الشَّيء حالًا بعدَ حالٍ.
﴿فِينَا﴾: في منازلنا ﴿وَلِيدًا﴾: طفلًا، سُمِّيَ به لقربه مِن الوِلادة.
﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ قيل: مكثَ فيهم ثلاثينَ سنةً.
* * *
(١٩) - ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ يعني: قتلَ القِبطيِّ. وبَّخَهُ به معظِّمًا إيِّاه (^٢) بعدما عدَّدَ عليه مِن نِعمتِهِ، وإنَّما عرَّضَ رعايةً لدأبِ الملوكِ.
وقرئ: (فِعْلتَكَ) بالكسر (^٣)؛ لأنَّها كانَتْ قِتلةً بالوَكْزِ (^٤).
_________________
(١) في (ك) و(م): "كأرسل".
(٢) قوله: "وبخه به"؛ أي: بذلك القتل، وتعظيمُ القتل بما في الموصول من الإبهام الذي يستعمل لذلك كما في نحو: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] كأنه أمر لا يمكن الإحاطة به ومعرفة كنهه، وفيه أيضًا تلطف به لعدم التصريح بذنبه. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٩).
(٣) نسبت للشعبي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٥).
(٤) قوله: "قِتلةً" بكسر القاف، و(فِعْلةٌ) للهيئة والفعلِ المخصوص، كما أشار إليه بقوله: "بالوكز"، وهو الضرب بجمع كفه، وعلى الفتح هو للمرّة. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٩).
[ ٧ / ٣٧١ ]
﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ بنعمتي، حيث قتلْتَ خبَّازي.
* * *
(٢٠) - ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾.
﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا﴾؛ أي: إذ ذاك ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: الجاهلين، وقد قرئ به (^١)، والمعنى: مِن الفاعلين فِعلَ أولي الجهلِ، أو: مِن الذَّاهِلين عمَّا يَؤول إليه الوَكْزُ؛ لأنَّه أراد به التَّأديب.
والضَّالُّ عن الشَّيء: هو الذَّاهِبُ عَن معرفتِه.
* * *
(٢١) - ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ الفِرارُ: الذَّهابُ على وجهِ التَّحرُّزِ مِن الإدراكِ ﴿لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ أنْ تقتلوني (^٢).
﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾: حكمةً ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: مِن جُملةِ رُسُلِهِ.
* * *
(٢٢) - ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (تلك) إشارةٌ إلى خصلة شنعاءَ مبهمةٍ لا يُدرى ما هي إلَّا بتفسيرها.
_________________
(١) نسبت لابن مسعود وابن عباس ﵃. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٥).
(٢) في (ف) و(م) و(ك): "تتفقدوني".
[ ٧ / ٣٧٢ ]
ومحلُّ ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾ الرَّفعُ عطفَ بيانٍ لـ (تلك)؛ أي: تعبيدك (^١) لبني إسرائيل نعمةٌ تمنُّها عليَّ! كرَّ على امتنانِه عليه بالتَّربية فأبطلَه من أصلِه، وأبى أن (^٢) يسمي نعمته إلَّا نقمة، حيثُ (^٣) بيَّنَ أنَّ حقيقةَ إنعامِه عليه تعبيدُ بني إسرائيل؛ لأنَّ تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السَّبب في حصوله عنده وتربيته، ولو تركهم لربَّاه (^٤) أبواه، فكأنَّ فرعونَ امتنَّ على موسى ﵇ بتعبيد قومه وإخراجه مِن حجر أبوَيْه إذا حُقِّقَتْ (^٥).
وتعبيدُهم: تذليلُهم واتِّخاذُهم عبيدًا.
ووحَّد الضمير في ﴿تَمُنُّهَا﴾ و﴿عَبَّدْتَ﴾ وجمع في ﴿مِنْكُمْ﴾ و﴿خِفْتُكُمْ﴾؛ لأنَّ الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكنَّه منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله.
* * *
(٢٣) - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ لَمَّا سمع جوابَ ما طَعن به فيه (^٦)، ورأى أنَّه لم يَرْعَوِ بذلكَ، شرعَ في الاعتراض على دعواه، فبدأ بالاستفسار عن حقيقة المرسِل.
_________________
(١) في (ف) و(م): "والمعنى أن تعبيدك"، وفي (ك): "والمعنى أن تعبدك"، بدل: "أي تعبيدك".
(٢) في (ع): "والى" بدل "وأبى أن".
(٣) في (ك) و(م): "حين".
(٤) في (ف) و(م): "ولو تركه لربه".
(٥) قال الطيبي في "فتوح الغيب" (١١/ ٣٧): (قوله: (إذا حققت)؛ أي: إذا حققت التربية والمنة التي امتن بها فرعون على موسى ﵇ كانت تعبيد بني إسرائيل نقمة لا نعمة، فهو من تعكيس الكلام، ويروى: (حقَّقْتَ) بفتح التاء؛ أي: إذا حققت النظر أيها المخاطب).
(٦) "فيه" من (ك) و(م) و(ي)، وسقطت "به" من (ي).
[ ٧ / ٣٧٣ ]
(٢٤) - ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ عرَّفَه بأظهر خواصِّه وآثارِه لَمَّا امتنعَ تعريفُ حقيقتِه.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: إنْ كنتم تعرفون الأشياء بالدَّليل، فكفى (^١) خلقُ هذهِ الأشياءِ دليلًا، وإن كان يُرْجَى منكم الإيقانُ الذي يؤدِّي إليه النَّظرُ الصَّحيح نفَعَكم هذا الجواب، وإلَّا لم ينفعْ.
والإيقانُ: العلمُ الذي يُستَفادُ بالاستدلال، ولذا لا يُقالُ: اللهُ موقِنٌ.
* * *
(٢٥) - ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾.
﴿قَالَ﴾ فرعونُ ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ مِن أشرافِ قومِه:
﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ مُعجِّبًا قومَه مِن جوابه؛ لأنَّهم يزعمون قدَمهما (^٢) وينكرون أنَّ لهما ربًّا، فاحتاجَ موسى ﵇ إلى أن يستدلَّ بما شاهدوا مِن حدوثِه وفنائِه.
* * *
(٢٦) - ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبُّكُمْ﴾ عدولًا إلى ما لا مجال للنِّزاع فيه، وإنَّما قال:
﴿وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ لأنَّ فرعون كان يدَّعي الرُّبوبيَّة على أهل عصره، دونَ مَن تقدَّمهم.
_________________
(١) في (م): "فيكفي".
(٢) في (ع) و(ي): "قومهما"، ومكانها بياض في "ف"، وسقطت من (ك). والمثبت من (م)، والضمير يعود على ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
[ ٧ / ٣٧٤ ]
(٢٧) - ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.
﴿قَالَ﴾ فرعونُ: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ أسألُه عن شيءٍ ويجيبُني عن آخر!
وسمَّاه رسولًا سخريةً، وترفَّعَ (^١) عن نسبته إلى نفسه ولو سخريةً، ولذلك لم يقل: (إلينا).
* * *
(٢٨) - ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ انتقلَ إلى هذا لأنَّ طلوعَ الشَّمس مِن أحد الخافِقَين وغروبها في الآخر على تقديرٍ مستقيمٍ في فصول السَّنة، وحسابٍ مستوٍ، مِن أظهرِ ما استدلَّ به (^٢)، ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليلُ الرَّحمن عن الاحتجاج بالإحياء والإماتة على نمرود بن كنعان.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: إنْ كانَ لكم عقلٌ علمتُم أنَّه لا يمكنُ معرفتُه إلَّا بهذا الطَّريق.
* * *
(٢٩) - ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.
فلمَّا تحيَّر فرعونُ ولم يتهيَّأ له أنْ يَدفعَ ظهورَ آثار صنعِه ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ عُدولًا إلى التَّهديد عن المحاجَّة بعد الانقطاع، وهكذا دَيْدَنُ المعانِدِ المحجوجِ.
_________________
(١) في (ف): "وترفعًا".
(٢) في (م) زيادة: "وأظهره".
[ ٧ / ٣٧٥ ]
واللَّام في ﴿الْمَسْجُونِينَ﴾ للعهد؛ أي: ممَّنْ عرفْتَ حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يريد سَجنه فيطرحَه في هوَّةٍ ذاهبةٍ في الأرض، بعيدةِ العمقِ، فردًا لا يُبصرُ فيها (^١) ولا يسمعُ، وكان ذلك أشدَّ من القتل، ولو قيل: (لأسجننك) لم يؤدِّ هذا المعنى، وإن كان أَخْصَرَ.
* * *
(٣٠) - ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾.
﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ الواو للحال، وهمزة الاستفهام إنَّما دخلَتْ على الفعل المقدَّر، والمعنى: أتفعل ذلك ولو جئتك.
﴿بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ صِدْقَ دَعوايَ؛ يعني: المعجزة.
* * *
(٣١) - ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ﴾: بالذي يبيِّنُ صِدقَكَ ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في أنَّك قادر على إتيانه، وهذا الكلام بمعزَلٍ عن الدِّلالة على أنَّ المعجزة لا يأتي بها إلَّا الصادق (^٢).
* * *
(٣٢) - ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.
﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: حيَّةٌ عظيمةٌ، يُقال: انثعبَ الماءُ: إذا جرى
_________________
(١) "فيها" ليست في (ف) و(ك).
(٢) في (ي) و(ع): "لا تأتي بهذا الصادق".
[ ٧ / ٣٧٦ ]
باتِّساعٍ، والمثعَبُ: المجرَى الواسِع، ومنه: الثُّعبانُ؛ لأنَّه يجري باتِّساعٍ لعظمه (^١).
والجانُّ أيضًا: هو العظيم من الحيَّات، ذكره في "الفائق" (^٢).
فلا تَدَافُعَ بينَ هذا وبينَ قوله: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [النمل: ١٠]، على أنَّ المشابهة للجانِّ في الاهتزاز لا ينافي الثُّعبانيَّة، على تقدير المخالفة بينهما في القَدْرِ.
﴿مُبِينٌ﴾ أبانَ عن نفسه أنَّه ثُعبانٌ حقيقةً، لا شيءٌ يشبه الثُّعبان، كما تكون الأشياء المزوَّرة بالشَّعوذة (^٣) والسِّحر.
* * *
(٣٣) - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾.
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾؛ أي: أخرجَها مِن جيبِه أو كمِّه. والنَّزْعُ: إخراجُ الشَّيءِ ممَّا كان (^٤) متَّصلًا به، أو ملابسًا له.
﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ لها شُعاعٌ يكاد يُغشي الأبصار ويسدُّ الأفق.
وفي قوله: ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ دلالةٌ على أنَّ بياضها كان شيئًا يجتمع (^٥) النَّظَّارَةُ (^٦) على النَّظر إليه؛ لخروجه (^٧) عن العادة.
_________________
(١) في (ع) و(ف) و(ي): "لعظمته".
(٢) انظر: "الفائق" (١/ ٢٣٩) (مادة: جنن).
(٣) في (ك): "بالشعبذة".
(٤) "كان" سقط من (ي).
(٥) في (ك): "تجتمع".
(٦) النَّظَّارَةُ: القوم ينظرون إلى الشيء. انظر: "الصحاح" (مادة: نظر).
(٧) في (ك) و(م): "بخروجه".
[ ٧ / ٣٧٧ ]
(٣٤) - ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿قَالَ لِلْمَلَإِ﴾: للأشراف (^١)؛ ليلبِّسَ عليهم.
﴿حَوْلَهُ﴾ منصوب بنصبَيْن؛ نصب في اللَّفظ، والعامل فيه ما يُقدَّر في الظَّرف، ونصب في المحلِّ وهو النَّصب على الحال من الملأ؛ أي: كائنين حولَه، والعامل فيه ﴿قَالَ﴾.
﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾: فائِقٌ في علم السِّحر.
* * *
(٣٥) - ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.
﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ بأنْ يُلقِي العَداوةَ والفُرْقةَ بينكم، ويستميل بعضَكُم ليحارِبَ به بعضَكُم، فيخرجَكُم مِن بلادِكم.
﴿فَمَاذَا﴾ منصوب لأنَّه مفعول به، من قولك: أمرتُكَ الخيرَ (^٢).
﴿تَأْمُرُونَ﴾: تشيرون في أمرِه، من المؤامَرة، وهي المشاوَرة.
* * *
(٣٦) - ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾؛ أي: أخِّر أمرَهما، وإنَّما أشاروا بذلك لأنَّهم رأوا أنَّ
_________________
(١) في (ك): "الأشراف".
(٢) قطعة من بيت اختلف في نسبته، فنسب لعمرو بن معدي كرب، وللعباس بن مرداس، ولزرعة بن السائب، ولخفاف بن ندبة. انظر: "الكتاب" (١/ ٣٧)، و"خزانة الأدب" (١/ ٣٣١)، وتمامه: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ … فقد تركتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ
[ ٧ / ٣٧٨ ]
النَّاس يُفتَنون إنْ قُتِل أو حُبِس، وأنَّ السَّحرة إذا قاومَتْه زالَ ذلك الافتتان، فكان له حينئذ عُذْرٌ في قتلِه أو حبسِه بحسب ما يراه.
﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾: رجالًا يحشرون. والحشرُ: السَّوقُ مِن جهاتٍ مختلفة إلى مكانٍ واحدٍ.
ثم إنَّهم عارضوا قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بقولهم:
(٣٧) - ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾.
﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ فجاؤوا بكلمة الإحاطة وصيغةِ المبالغة ليسكِّنوا بعضَ قلقِه.
* * *
(٣٨) - ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.
﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ﴾؛ أي: أَنفذ الحاشرين في المدائن، وأنهم حَشَروا فجمعوا السَّحرة، فالفاء فصيحة.
﴿لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾: يومِ الزِّينة، وميقاتُه: وقتُ الضُّحى؛ لأنَّه الوقت (^١) الذي وقَّتَ لهم موسى ﵇ في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩].
والميقاتُ: ما وُقِّتَ به - أي: حُدِّدَ - مِن زمانٍ أو مكانٍ، ومنه مواقيت الإحرام.
* * *
_________________
(١) في (ي): "وقت".
[ ٧ / ٣٧٩ ]
(٣٩) - ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾.
﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾؛ أي: اجتمِعوا، وهو استبطاءٌ لهم في الاجتماع، والمراد منه استعجالهم.
* * *
(٤٠) - ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾.
﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ في دِينهم ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾: إن غلبوا موسى ﵇، وليس غرضُهم اتِّباع السَّحرة، وإنَّما الغرضُ أن لا يتَّبعوا موسى ﵇، فساقوا الكلامَ مساقَ الكناية.
والغَلَبة: الاستعلاءُ بالقوَّةِ.
* * *
(٤١ - ٤٢) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ الأجرُ: الجزاءُ على العمل بالخير، وإذا كان بالشَّرِّ يُسمَّى عقابًا.
﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا﴾؛ أي: حينئِذٍ ﴿لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ التزمَ لهم الأجرَ، والقُرْبَةَ عنده زيادةً عليه إنْ غَلَبَوا (^١).
* * *
_________________
(١) في (ف): "غلبوه"، وفي (ك): "غلبه".
[ ٧ / ٣٨٠ ]
(٤٣) - ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾.
﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ لم يُرِدْ به أمرَهم بالسَّحر والتَّمويه، بل الإذنُ في تقديم ما هم فاعلوه لا محالة؛ توسُّلًا به إلى إظهار الحقِّ، ولذلك زاد قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ فإنَّ قوله: ﴿أَلْقُوا﴾ كان كافيًا في جوابهم حين قالوا: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥].
* * *
(٤٤) - ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾.
﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا﴾؛ أي: جاؤوا بسحرٍ عظيمٍ وقالوا، فالواو فصيحةٌ.
﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ أقسموا بعزَّته، وهي مِن أيمان الجاهليَّة. والعزَّةُ: القدرةُ (^١) التي يُمتَنع بها مِن إلحاقِ ضيمٍ لعلوِّ منزلَتِها.
* * *
(٤٥) - ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾.
﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾ الفاءُ فصيحةٌ تنبئ عن مقدَّر ذُكِرَ في سورة الأعراف.
﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ التَّلقُّفُ: تناول الشَّيء بالفم بسرعة.
﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾: ما يخيلونه (^٢) منقلِبًا عن وجهه بتمويههم وتزويرهم، أو: إفكَهم؛ تسميةً للمأفوك به مبالغةً.
_________________
(١) في (ع) و(ي): "القوة".
(٢) في (ف) و(م): "يحيلونه"، وفي (ع): "يحبونه".
[ ٧ / ٣٨١ ]
(٤٦) - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾.
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ لعلمهم بأنَّ مثلَه لا يتأتَّى بسحرٍ.
وعبَّرَ عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة؛ لأنَّه ذُكِرَ مع الإلقاءات، ولسرعةِ ما سجدوا كأنَّهم أُلْقُوا.
* * *
(٤٧) - ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بدلٌ مِن (ألقي) بدلَ الاشتمال، أو استئنافٌ.
* * *
(٤٨) - ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.
﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ عطفُ بيانٍ لـ ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّهم أرادوا به فرعون؛ لأنَّه حين حشر جنوده نادى فقال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤].
* * *
(٤٩) - ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾؛ أي: لموسى ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ بذلك.
﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ فعلَّمكم شيئًا دون شيءٍ، فلذلك غلبَكُم، وواعدَكُم ذلك، وتواطأتم عليه، وقد أفصح عن ذلك في سورة الأعراف، وأراد به التَّلبيس على قومِه كيلا يعتقدوا أنَّهم اَمنوا عن بصيرةٍ وظهورِ حقٍّ.
﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبالَ ما قصدتم، فالفاء فصيحةٌ، ومدخولُها مرتبِطٌ
[ ٧ / ٣٨٢ ]
بمحذوفٍ، وهو على ما ذكر في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ [الأعراف: ١٢٣]، ثمَّ خبَّرَ بما كَنى عنه فقال:
﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ مِن كلِّ (^١) شِقٍّ طرفًا، وهذه الطَّريقةُ في السِّياسة على الحكمة؛ فإنَّه حينئذٍ لا ييأس الجاني عن الحياة والتَّعيُّش، فيكون القتلُ بعدَه سياسةً أخرى، بخلافِ ما إذا قُطِعا مِن شِقٍّ واحدٍ، فإنَّه حينئذٍ يكون القتلُ راحةً وإزاحةً للعذابِ المَحْضِ.
﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: لا أتركُ أحدًا منكم لا (^٢) تنالُه عقوبتي.
* * *
(٥٠) - ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾.
﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾: لا ضررَ، وخبر ﴿لَا﴾ محذوفٌ؛ أي: في ذلك، أو: علينا.
﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ قد تقدَّم تفسيرُه في سورة الأعراف.
* * *
(٥١) - ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾ الطَّمعُ: طلبُ النَّفسِ للخير الذي يُقدَّر فيها أنَّه يكون.
﴿أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾؛ أي (^٣): ما فعلناه مِن السِّحر وغيره. والخطيئةُ: الزَّوالُ عن الاستقامة المؤدِّية إلى الثَّوابِ.
﴿أَنْ كُنَّا﴾: لأن كنَّا ﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مِن أتباعِ فرعونَ، أو مِن أهلِ المشهدِ.
_________________
(١) "كل" سقط من (ف) و(م) و(ك).
(٢) في (ف): "إلا".
(٣) "أي" من (م).
[ ٧ / ٣٨٣ ]
والجملةُ في المعنى تعليلٌ ثانٍ لنفي الضَّير، أو تعليلٌ للعلَّة المتقدِّمة.
وقرئ: (إنْ كنَّا) (^١) على الشَّرط؛ لهضم النَّفس وعدم الثِّقة بالخاتمة، أو على طريقة المُدِلِّ (^٢) بأمرِه، المتحقِّقِ لصحَّته (^٣).
* * *
(٥٢) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ وكانَ هذا بعدَ سنين مِن إيمان السَّحرة.
﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾: ببني إسرائيل، وإضافتَهم إلى نفسه للتَّشريف؛ لأنَّهم آمنوا به وصدَّقوا نبيَّه. والإسراءُ: السَّير في اللَّيل، وإنَّما زِيْدَ قولُه:
﴿لَيْلًا﴾ لأنَّ المرادَ: السَّيرُ في معظمه، لا في أوائله أو أواخره.
﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾: يتَّبعُكم عدوُّكم، وهو علَّةُ الأمر بالسَّير في الوقت المذكور، فإنَّهم لو ساروا في أوَّل اللَّيل لتبعه العدوُّ في الحال، فلا يحصل لهم التَّقدُّم، وكذا لو ساروا في آخره.
* * *
(٥٣) - ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.
﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾؛ أي: ففعلَ موسى ﵇ ذلك فخرجوا، فأُخْبِرَ بذلك فرعونُ فأرسلَ، فالفاء فصيحة.
﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾: مدائن مصر.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٦).
(٢) في (ف) و(ك): "المدلول".
(٣) في (ف) و(ك) و(م): "بصحته".
[ ٧ / ٣٨٤ ]
وتعدية (أرسل) بـ ﴿فِي﴾ دون (إلى) للتَّنبيه على الاستعجال منه وسرعةِ الامتثال مِن الرُّسلِ، وعلى أنَّ ملكَ مصر كان معمورًا في عهده، بحيث سار الرُّسلُ كما خرجوا مِن عنده في المدائن.
وفيه كسر استبعاد ما (^١) ذكر في كثرة (^٢) جنده.
﴿حَاشِرِينَ﴾ العساكرَ ليتَّبعوهم:
* * *
(٥٤) - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾.
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ على إرادة القول. والشِّرْذِمَةُ: الجمعُ المحتَقَرُ، ذكرهم بالاسم الدَّال على القلَّة، ثمَّ وصفَهم بها، وأتى بصيغة الجمع باعتبار الأسباط، واختار جمع السَّلامة الذي هو للقلَّة، وإنَّما (^٣) استقلَّهم وكانوا ستَّ مئة ألف وسبعين ألفًا لكثرةِ مَن معه (^٤).
* * *
(٥٥) - ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾.
﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ لفاعلون ما يَغيظنا بخروجهم مِن مِصرَ بلا إذنٍ منَّا، وذهابهم بأموالنا التي استعاروها.
* * *
_________________
(١) "ما" سقط من (ع).
(٢) في (ف): "وفيه كثير استبعاد ما ذكره في أكثر جنده".
(٣) في (ف): "وإن".
(٤) أو لشدة استهانته بهم وأنهم مع كثرتهم لا يغنون شيئًا.
[ ٧ / ٣٨٥ ]
(٥٦) - ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾.
﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ وقرئ: ﴿حَاذِرُونَ﴾ (^١)، فالحذرُ: اليقظُ، والحاذِرُ الذي يجدِّد حذرَه (^٢).
يعني: نحنُ قومٌ مِن عادتنا التَّيقُّظُ والحذرُ واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارِجٌ سارعنا إلى حسمِ فسادِه.
وهذه معاذيرُ اعتذرَ بها إلى أهلِ المدائن؛ لئلا يُظَنَّ به العجزُ والفتورُ.
* * *
(٥٧ - ٥٨) - ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾.
﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾ بإحداثَ الدَّاعي على الخروج.
﴿مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ﴾ إنَّما خصَّها لأنَّ أموالهم الظَّاهرة قد انطمسَتْ، ومَن غفلَ عن هذا قال: سمَّاها كنوزًا لأنَّهم لم ينفقوا منها في طاعة الله.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: بهيٍّ بهيجٍ.
* * *
(٥٩) - ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾ يحتمل النَّصبَ على: أخرجناهم مثلَ ذلك الإخراج، والجرَّ على أنه صفة (مقامٍ)؛ أي: مثلِ ذلك (^٣) المقام الذي كان لهم، والرَّفعَ على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: الأمرُ كذلك.
_________________
(١) قرأ الكوفيون وابن ذكوان بالألف، وباقي السبعة بغير ألف. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٥).
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "فالحذر اليقظة والحذر الذي يحذر حذره".
(٣) "ذلك" ليست في (ف) و(ك).
[ ٧ / ٣٨٦ ]
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ عن الحسنِ: لَمَّا عبروا النَّهر رجعوا وأخذوا ديارهم وأموالهم (^١).
* * *
(٦٠) - ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾.
﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ يقال: أتْبَعَ فلانٌ فلانًا وتبعَهُ: إذا اقتفى أثرَه (^٢).
وقالَ الزَّجَّاجُ: يُقال: شَرَقَتْ: إذا طَلَعَتْ، وأشرَقَتْ: إذا أضاءَتْ (^٣).
* * *
(٦١) - ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾؛ أي: تقابَلا بحيثُ يَرى كلٌّ منهمُ الَاخرَ.
﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾: لملحَقون.
* * *
(٦٢) - ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿كَلَّا﴾ لن يدركوكم؛ فإنَّ اللهَ تعالى وعدَكُم الخلاصَ عنهم. ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾؛ أي: وعدَ ربِّي (^٤).
_________________
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ٢٣٢).
(٢) في هامش (م): "من وهم أن الإتباع هنا بمعنى اللحوق فقد وهم، كيف ويأباه قوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى﴾ الآية. منه".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٩٢).
(٤) في (ف): "أي وعدني ربي". وجاء في هامش (م): "لو كان المراد المعية بالحفظ والنصرة لكان الأنسب أن يقال: إن معنا ربنا. منه".
[ ٧ / ٣٨٧ ]
﴿سَيَهْدِينِ﴾ طريقَ النَّجاةِ، ويجوز أن يكونَ مِن قَبيلِ التَّمثيل.
* * *
(٦٣) - ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾: بحرَ القُلْزُم (^١).
﴿فَانْفَلَقَ﴾؛ أي: فضربَ فانفلقَ فانشقَّ فصار اثني عشر فِرْقًا على عدد الأسباط.
وفي حذف الفعل وترتيبِ الانفعال على الأمر المذكور في الظَّاهر إشعارٌ بأنَّ ذلك الأمرَ الخارق أثرُ أمرِه تعالى، لا أثرُ ضَرْبِ موسى ﵇.
﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾: كالجبل المنيف الثَّابت في مقرِّه، فدخلوا في شِعابها، كلُّ سبطٍ في شعبٍ (^٢).
* * *
(٦٤) - ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾.
﴿وَأَزْلَفْنَا﴾: وقرَّبنا ﴿ثَمَّ﴾: حيثُ انفلق البحر ﴿الْآخَرِينَ﴾ فرعونَ وقومَه، حتى دخلوا على أثرِهم مداخلَهم.
* * *
(٦٥) - ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ بحفظِ البحرِ على تلك الهيئةِ إلى أنْ عَبروا.
وإنَّما قالَ: ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾، ولم يقل: قومه؛ لينتظِمَ مؤمنَ آلِ فرعون؛ فإنَّه كانَ بينَ يدَي موسى ﵇.
_________________
(١) هو البحر الأحمر. وفي (ف) و(م) و(ك): "قلزم".
(٢) "في شعب" زيادة من (م) و(ي) و(ع).
[ ٧ / ٣٨٨ ]
ويدلُّ على أنَّ نجاتهم كانت لبركةِ مصاحبتِهم (^١) موسى ﵇ ومتابعتِه.
* * *
(٦٦) - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾.
﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ بإطباقِ البحرِ عليهم، وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ دلَّتْ على تأخُّر الهالكين عن خروج النَّاجين، وذلك بحبس (^٢) جبريل أوَّلَهم ليَلحقَ به آخرُهم، لا يَشَذَّ منهم أحدٌ.
* * *
(٦٧) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: فيما فُعِلَ بموسى ﵇ وفرعونَ ﴿لَآيَةً﴾: لعبرةً عجيبةً لا توصَفُ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وما تنبَّه (^٣) عليها أكثرهم؛ إذ لم يؤمن بها أحدٌ ممَّن بقي في مصر من القِبْط وبنو (^٤) إسرائيل، بعد ما نجوا سألوا بقرة يعبدونها، واتَّخذوا العجل، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (^٥) [البقرة: ٥٥].
* * *
_________________
(١) في (ع) و(م): "مصاحبة"، وفي (ك): (مصاحبته".
(٢) في (ك): "بحث"، وفي (م): "بحبسان".
(٣) في (ف) و(ع): "تنبيه". ولعلها مع الحفاظ على الرسم: (يتنبه).
(٤) "وبنو" كذا في النسخ، ولعل رفعها جاء على الحكاية.
(٥) "لك": ليست في (م) و(ع).
[ ٧ / ٣٨٩ ]
(٦٨) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ غيرُ عاجزٍ عن الانتقام مِن أعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾ يؤخِّرُ العذاب برحمته ليتوبَ منهم مَن تاب.
* * *
(٦٩) - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾: على مشركي العرب ﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾: خبرَه العجيبُ الشَّأن.
* * *
(٧٠) - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾.
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾: أيُّ شيءٍ تعبدون؟ سألهم يريهم أنَّ ما يعبدونه ليس بمستحَقٍّ للعبادة.
* * *
(٧١) - ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾.
﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ كان السؤال عن المعبود لا عن العبادة، وإنَّما زادوا ﴿نَعْبُدُ﴾ في الجواب افتخارًا ومباهاة بعبادتها، ولذا عطفوا على ﴿نَعْبُدُ﴾:
﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾: فنُقيم على عبادتها طول النَّهار، ويحتمل أن يكون (نظلُّ) بمعنى: ندوم، فلا يدلُّ على اختصاص عبادتهم بالنَّهار.
* * *
(٧٢) - ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾.
﴿قَالَ﴾ إبراهيمُ ﵇: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾: هل يجيبونكم ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾؟
[ ٧ / ٣٩٠ ]
فإنَّ سَمِعَ بمعنى أجاب شائعٌ، ومنه: سمعَ اللهُ لمن دعَى، ولو كان (يسمعون) على معناه الحقيقىِّ لقيل: هل يسمعونكم تدعون؟
* * *
(٧٣) - ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾.
﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ إن عبدتموها ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ إنْ تركْتُم عبادَتها.
* * *
(٧٤) - ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.
﴿قَالُوا بَلْ﴾ إضراب؛ أي: لا تسمَعُ ولا تنفعُ ولا تضرُّ، ولا نعبدُها لشيءٍ (^١) مِن ذلك، ولكن ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فقلَّدناهم.
* * *
(٧٥ - ٧٦) - ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾.
﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ فإنَّ التَّقدُّم لا يدلُّ على الصِّحة ولا ينقلب بها الباطل حقًّا.
* * *
(٧٧) - ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ العدوُّ والصَّديقُ يجيئان في معنى الوحدة والجماعة، يعني: لو عبدتهم لكانوا أعداءً لي (^٢) إلى يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢].
_________________
(١) في (ك): "بشيء".
(٢) "لي" من (ي) و(ع).
[ ٧ / ٣٩١ ]
وقال الفرَّاء: هو مِن المقلوب؛ أي: فإنِّي عدوٌّ لهم (^١).
وفي قوله: ﴿لي﴾ دون: لكم، زيادةُ نصحٍ؛ ليكونَ أدعى لهم إلى القَبول.
﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ استثناء منقطع، أو متَّصلٌ على أنَّ الضَّمير لكلِّ معبودٍ عبدوه، فيدخل فيه المعبودُ بحقٍّ، ولا حاجة إلى أنْ يُقالَ: وكان من آبائهم مَن عبدَ اللهَ؛ لأنَّهم أيضًا يعبدون الله إلَّا أنَّهم يشركون الأصنام في العبادة، دلَّ على ذلك قوله: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨].
* * *
(٧٨) - ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾.
﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ بالتَّكوين في القرار المكين.
﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ لِمَناجِح (^٢) الدُّنيا ولمصالح الدِّين.
والاستقبال في ﴿يَهْدِينِ﴾ مع سبقِ العناية بالهداية لأنَّه يحتمل: يهديني للأهمِّ الأفضل والأتمِّ الأكمل.
أو: الذي خلقني لأسبابِ خدمته فهو يهديني إلى آداب (^٣) خلَّته.
والفاء للسَّببية إنْ جُعِلَ الموصولُ مبتدأً، وللعطف إنْ جُعِلَ صفةَ ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، فيكون اختلافُ النَّظمِ لتقدُّم الخلق واستمرار الهداية.
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٦/ ٣٧)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٥٦٧).
(٢) في (ك): "لمناهج"، ومثله في مطبوع "تفسير النسفي" (٢/ ٥٦٧).
(٣) في (ف) و(ك) و(م): "لآداب".
[ ٧ / ٣٩٢ ]
(٧٩) - ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾.
﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ على الأوَّل مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ لدلالة ما قبلَه، وكذا (^١) اللَّذان بعدَه.
وتكرير الموصول على الوجهين للدِّلالة على أنَّ كلَّ واحدةٍ من الصِّلاتِ مستقلَّة باقتضاءِ الحكم.
أضاف الإطعام إلى وليِّ الإنعام لأنَّ الرُّكون إلى الأسباب عادةُ الأنعام.
* * *
(٨٠) - ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ لم يقلْ: أَمرضني؛ لأنَّه قصدَ الذِّكْرَ (^٢) بلسانِ الشُّكر، فلم يُضفْ إليه ما يقتضي الصَّبر (^٣)، ولأنَّ ذلك لم يكون مقصودًا بذاته كسائر ما ذُكِرَ (^٤) مِن أفعاله تعالى الكمالية، وإنَّما هو من (^٥) روادف الطَّعام والشَّراب، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ على الفرض (^٦)، فلم (^٧) يَنسبه إليه تعالى نسبةَ البواقي؛ تنبيهًا على الفصل بينهما.
﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ إنْ شُفِيْتُ لا غيرُه، لا أنَّه يشفين لا محالة.
_________________
(١) في (م): "وكذلك".
(٢) في (ع): "الركن".
(٣) في (ع): "الضر"، وكذا في "تفسير النسفي" (٢/ ٥٦٨).
(٤) في (ي) و(ع): "سيرده"، ولعلها: "سيرد".
(٥) في (ي) و(ع): "في"، وسقطت من (ف) و(ك).
(٦) في (ف) و(ك) و(م): "العرض"، وفي هامش (م): "لعلها الفرض".
(٧) في (ي): "ولا".
[ ٧ / ٣٩٣ ]
(٨١) - ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾.
﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾ لم يقل: إذا متُّ؛ لأَنَّه الخروج مِن حبسِ البلاءِ ودارِ الفَناء إلى رَوضِ البقاء لوعد اللِّقاءِ، فليس هو كالمرضِ.
ولَمَّا كانت الإماتةُ والبعث ممَّا لا يمكن إسنادها (^١) إلَّا إلى الله تعالى كالخَلْقِ، لم يَحتجْ إلى توكيدٍ، بخلاف الهداية والإطعام والإسقاء والشِّفاء، فإنَّه ممَّا يمكن إسنادها إلى غير الله تعالى.
وإنَّما أتى بأداة التَّراخي في قوله: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ لأنَّه أرادَ الإحياءَ في الآخرة دون القبر، وبأداة التَّعقيب في الهداية والشِّفاء لأنهما يعقبان الخَلْق والمرض، وبأداة الجمع المطلق في السَّقي لأنَّه قد يَعقب الإطعامَ وقد يتأخَّر وقد يتقدم عليه (^٢).
* * *
(٨٢) - ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.
﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ﴾ طمعَ العبيد في الموالي بالإفضالِ، لا على الاستحقاق بالسُّؤالِ.
﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ استغفارُ الأنبياء ﵈ تواضعٌ منهم لربِّهم، وهضمٌ لأنفسهم، وتعليمٌ للأمم في طلب المغفرة.
قدَّم الثَّناء على الله وذَكَره بالأوصاف الحسنة بين يدَي طَلِبته ومسألته، ثمَّ سألَه تعالى فقال:
* * *
_________________
(١) في (ك): "إسنادهما".
(٢) "عليه" سقط من (ف) و(م).
[ ٧ / ٣٩٤ ]
(٨٣) - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾: كمالًا في العلم والعمل لأنتظِم في عداد الكاملين في صلاح الدِّين (^١) لا يشوب صلاحَهم كبيرُ ذنبٍ ولا صغيرُه.
﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾؛ أي: الأنبياءِ ﵈، ولقد أجابه حيث قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠].
* * *
(٨٤) - ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.
﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ﴾؛ أي: ثناءً حسنًا وذِكْرًا جميلًا. وفي العبارة باللِّسان عن القول ما لا يخفى مِن البلاغة، وإنَّما أضافه إلى الصِّدق إضافةَ الموصوفِ إلى الصِّفة الدَّالة للاختصاص به والعَراقة فيه؛ احترازًا عن الإطراء في شأنه.
﴿فِي الْآخِرِينَ﴾: في الأمم التي تجيء مِن بعدي، فأُعْطِيَ ذلك، فكلُّ أهلِ دينٍ يتولَّونه (^٢) ويثنون عليه بلا إطراء (^٣).
* * *
(٨٥) - ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾.
﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ أي: وارثًا من ﴿وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ سألَه أن يفعل معه من الألطاف ما يختار عنده (^٤) الطَّاعات؛ لأن الجنة لا يُتنعَّم فيها إلَّا بالاستحقاق،
_________________
(١) في (ف) و(ك): "الذين".
(٢) في (ف) و(م): "يقولونه".
(٣) في (ك): "بالإطراء".
(٤) في (ع): "عنه"، وفي (ف) و(م): "عند".
[ ٧ / ٣٩٥ ]
وإنْ كان الدُّخول بمَحْضِ لُطْفِ الله تعالى، فلذلك قال: ﴿مِنْ وَرَثَةِ﴾؛ فإنَّ الوارث يأخذ الميراث بلا كَسْبٍ منه (^١).
* * *
(٨٦) - ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾.
﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ طلبَ هدايتَه إلى الإيمان اقتضاءً؛ قضاءً لحق أبوَّته (^٢)، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: استمرَّ على الضَّلال في الأزمنة الماضية، قاله تأسُّفًا وتلهُّفًا، لا إخبارًا وإظهارًا، أو كان ذلك الطَّلبُ (^٣) منه ﵇ قبلَ أنْ (^٤) مات أبوه، ولَمَّا ماتَ أبوه على الكفر فتبيَّن أنَّه عدوُّ الله (^٥) تبرأ منه (^٦).
* * *
(٨٧) - ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.
﴿وَلَا تُخْزِنِي﴾ الإخزاءُ: مِن الخِزْيِ، وهو الهوان، أو مِن الخزاية، وهي الحياء.
﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ الضَّمير للنَّاس لأنَّه معلوم؛ أي: لا تخزني على رؤوس المعشر بتعذيب أبي يوم المحشر (^٧)، فهو مِن تتمَّة الاستغفار لأبيه.
_________________
(١) في هامش (م): "فكل من الوراثة وإضافة النعيم إلى الجنة لا يخلو عن دقيقة أنيقة. منه".
(٢) في (م): "أبويه".
(٣) في (م): "للطلب".
(٤) بعدها في (ف) و(ك): "كان".
(٥) في (ع): "أنه عدو أبعد".
(٦) في هامش (م): "من قال: إنما استغفر له بعد موته على الكفر لأن الاستغفار للكفار لم يمنع بعد، فكأنه غافل عن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ ".
(٧) في (م): "لا تخزني بتعذيب إلى يوم المحشر على رؤوس المعشر".
[ ٧ / ٣٩٦ ]
(٨٨) - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾.
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ﴾ - بدلٌ مِن اليوم الأوَّل - ﴿وَلَا بَنُونَ﴾ أحدًا، كما ينفع في الدُّنيا يفديه (^١) ماله ويذبُّ عنه بنوه (^٢).
* * *
(٨٩) - ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
﴿إِلَّا مَنْ﴾ مفعول لـ ﴿يَنْفَعُ﴾.
﴿أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن الكفرِ والنِّفاق سليم القلب (^٣)، فقلبُ الكافر والمنافق مريض لقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠].
أي: إنَّ المال إذا صُرِفَ في وجوه البرِّ وبنوه صالحون فإنَّه ينتفع به وبهم سليمُ القلبِ.
قد صوَّب الجليل استثناء الخليل إكرامًا له، ثم جعله صفةً له في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٨٤﴾.
* * *
_________________
(١) في (ك): "تعدد"، وفي (ي): "بفدية".
(٢) في هامش (م): "أي لا ينفع تفريق المال ولا جمع الرجال، يعني: لا تُدفع مكارهُ ذلك اليوم لا باللطف ولا بالعنف، ومعتاد العرب المظاهرةُ بالعشيرة والقبيلة، وإيراد البنون من قبيل ذكر الجزء وإرادة الكل، وعلى هذا يظهر وجه إيثاره على الولد، وإتيانه صيغة الجمع، وموجَبه انقطاع الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ﴾، إذ على تقدير الاتصال لا مجال لتعميم النفع ". وطمست كلمة أو اثنتان في آخر الكلام.
(٣) "سليم القلب" ليست في (ع) و(ي).
[ ٧ / ٣٩٧ ]
(٩٠) - ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: قُرِّبَتْ، عطفُ جملةٍ على جملةٍ؛ أي: تُزلَف مِن موقفِ السُّعداء، فينظرون إليها، ويتبجَّحون بحشرهم إليها.
* * *
(٩١) - ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾.
﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾؛ أي: أُظْهِرَتْ، فيرونَها مكشوفةَّ، ويتحسَّرون على أنَّهم مسوقون إليها.
وفي اختلافِ الفِعلَيْن دلالة على أنَّ أرضَ المحشر قريبةٌ مِن الجحيم.
﴿لِلْغَاوِينَ﴾ الغاوي: العاملُ بما يوجب الخيبةَ مِنَ الثَّوابِ، وأصلُ الغِوايةِ: الخيبةُ، قالَ الشَّاعرُ:
فمَنْ يلقَ خيرًا يَحمَدِ النَّاسُ أمرَهُ … ومَنْ يغوِ لا يعدمْ على الغيِّ لائمًا (^١)
* * *
(٩٢ - ٩٣) - ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ على وجهِ التَّوبيخ والتَّقريع: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾: هل ينفعونَكُم بنصرتهم لكم.
﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾: أو هل ينفعون أنفسَهم بانتصارهم، وهذا لأنَّهم وآلهتَهم وَقودُ النَّارِ.
* * *
_________________
(١) للمرقش الأصغر. انظر: "المفضليات" (ص: ٢٤٧).
[ ٧ / ٣٩٨ ]
(٩٤) - ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾.
﴿فَكُبْكِبُوا﴾: نُكِّسُوا، أو طُرِحَ بعضُهم على بعضٍ ﴿فِيهَا﴾: في جهنَّم ﴿هُمْ﴾؛ أي: الآلهة ﴿وَالْغَاوُونَ﴾ وعبدتُهم الذين برِّزَتْ لهم الجحيم.
والكَبْكَبَةُ: تكرير الكَبِّ، جعل التَّكريرَ في اللَّفظ دليلًا على التَّكرير في المعنى، كأنَّه إذا أُلْقِيَ في جهنَّمَ ينكبُّ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ حتى يستقرَّ في قَعرها.
* * *
(٩٥) - ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾.
﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾: شياطينُه، أو مُتَّبعوه مِن عُصاةِ الإنسِ والجنِّ.
﴿أَجْمَعُونَ﴾: تأكيدٌ للجنود، إنْ جُعِلَ مبتدأً خبرُه ما بعدَه، وإنْ لم يُجْعلْ مبتدأً بل معطوفًا على ﴿هُمْ﴾ يكون ﴿أَجْمَعُونَ﴾ تأكيدًا للضَّمير الذي هو ﴿هُمْ﴾ ولِمَا عطف عليه وهو ﴿الْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾، وهذان الاحتمالان قائمان في الضَّمير المنفصل، وما يعودُ عليه في قوله:
(٩٦) - ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾.
﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ يجوزُ أنْ يُنْطِقَ الله تعالى الأصنامَ حتَّى يصحَّ التَّقاوُلَ والتَّخاصُمَ، ويؤيِّدُه الخطاب في: ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾.
* * *
(٩٧ - ٩٨) - ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: بَيِّنٍ ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾: نَعْدِلُكم أيُّها الأصنام ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في استحقاق العبادة.
[ ٧ / ٣٩٩ ]
(٩٩) - ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾.
﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: رؤساؤهم الَّذين أضلُّوهم، أو إبليس وجنوده، ومَن (^١) سَنَّ الشِّرْكَ.
* * *
(١٠٠) - ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾.
﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ مِن الأباعد (^٢)، كما للمُؤمِنين (^٣) مِن الأنبياءِ والأولياءِ والملائكةِ.
ولَمَّا أتى بصيغة الجمع لمصلحة الفاصلة تُدورِكَ حقُّ المقام بزيادة (مِن) التَّبعيضيَّة.
* * *
(١٠١) - ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾.
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾: مِن الأقارب، كما نرى (^٤) للمؤمنين أصدقاء، قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
والحميمُ: مِن الاحتمام، وهو الاهتمام، وهو الذي يهمُّكَ ما يهمُّه، أو من الحامَّة بمعنى الخاصَّة، وهو الصَّديق الخاص.
* * *
_________________
(١) في (ك): "من".
(٢) في (ع) و(ي): "الإباعة".
(٣) في (م): "كالمؤمنين".
(٤) في (ك) و(ي): "ترى".
[ ٧ / ٤٠٠ ]
(١٠٢) - ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾: رجعةً إلى الدُّنيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وجوابُ (لو) محذوفٌ، وهو: لفعلنا كَيْتَ وكَيْتَ.
أو (لو) (^١) في مثل هذا للتَّمنِّي، كأنَّه قيل: فليْتَ لنا كرَّةً؛ لِمَا بينَ معنى (لو) و(ليت) من التَّلاقي.
* * *
(١٠٣) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: فيما ذُكِرَ مِن قصَّةِ إبراهيمَ ﵇.
﴿لَآيَةً﴾: لَحُجَّةً وعبرةً لِمَنْ أرادَ أنْ يستبصِرَ بها ويعتبرَ؛ فإنَّها جاءَتْ على أنظَمِ ترتيبٍ وأحسنِ تقريرٍ، يتفطَّنُ المتأمِّلُ فيها لغزارة علمه؛ لِمَا فيها مِن الإشارة إلى أصول العلوم الدِّينيَّة، والتَّنبيه على دلائلها، وحسن دعوته للقوم، وحُسْن مخالفته معهم، وكمال إشفاقه عليهم، وتصويرِ الأمر في نفسه، وإطلاقِ الوعد والوعيد على سبيل الحكاية تعريضًا وإيقاظًا لهم؛ ليكون أدعى لهم إلى الاستماع والقَبولِ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾: أكثرُ قومه ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ به.
* * *
(١٠٤) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: القادرُ على تعجيل الانتقام ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالإمهال، لكي يؤمنوا هم أو أحدٌ مِن ذرِّيَّتِهم.
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(ي): "ولو". والصواب المثبت. انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ١٤٣)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٥٧١) والكلام منه.
[ ٧ / ٤٠١ ]
(١٠٥) - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ القومُ مؤنَّثة (^١)، ولذلك يصغَّرُ على: قُوَيْمَة.
﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ قد مرَّ الكلام في تكذيبهم المرسَلين.
* * *
(١٠٦) - ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ﴾ إنَّما قال: ﴿أَخُوهُمْ﴾ لأنَّه كان منهم:
﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ خالقَ الأنام فتتركوا عبادةَ الأصنام.
* * *
(١٠٧) - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ كان مشهورًا بالأمانة فيهم، كمحمَّدٍ ﵊ في (^٢) قريش.
* * *
(١٠٨) - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمرُكم به مِنَ التَّوحيد والطَّاعة للهِ تعالى.
* * *
(١٠٩) - ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على ما أنا عليه مِن الدُّعاءِ والنُّصحِ.
_________________
(١) في (م): "مؤنث".
(٢) في (ك): "و".
[ ٧ / ٤٠٢ ]
﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ الأجرُ: عبارةٌ عن المنفعةِ المستحقَّة، فأمَّا الذي لا يكون مستحَقًّا فذلك لا يُسمَّى أجرًا، بل هبةً.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بحكم وعدِه، وفيه دلالةٌ (^١) على عِظَمِ شأنِ ما أُمِرَ بتبليغِه، وهذا هو الموجِبُ لطاعته فيما يدعوهم إليه، فلذلك أعادَ قولَه:
(١١٠) - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ وأمَّا حَسْمُ الطمع المستفادُ ممَّا تقدَّم فقاصرٌ عن إيجابها.
ثمَّ إنَّ قولَه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ التزام الأجر في ذلك لمصلحةِ تربيتِهم، لا لأمرٍ يعود إلى نفسِه مِن نفعٍ أو دفعٍ.
* * *
(١١١) - ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾.
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ﴾ الواو للحال، و(قد) مُضمَرةٌ بعدَها، دليله قراءة: ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ (^٢) جمعُ تابعٍ؛ كشاهد وأشهاد، أو: تَبَعٍ؛ كبَطَل وأبْطَال.
﴿الْأَرْذَلُونَ﴾: جمع الأرذل (^٣) على الصِّحة، والرَّذالةُ: الخسَّةُ والدناءةُ.
وإنَّما استرذلوهم لإيضاع نسبِهم وقلَّة نصيبهم مِن الدُّنيا، وقيل: كانوا مِن أهل الصِّناعاتِ الدَّنيَّةِ، وأشاروا بذلك إلى أنَّ اتِّباعَهم ليس عن نظرٍ وبصيرةٍ، وإنَّما هو لتوقُّعِ مآلٍ ورفعة فلذلك:
_________________
(١) في (م) و(ك): "تنبيه"، وفي (ف): "دليل".
(٢) قرأ بها يعقوب. انظر: "النشر" (٢/ ٣٣٥).
(٣) في (ي): "أرذل".
[ ٧ / ٤٠٣ ]
(١١٢) - ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أنَّهم عملوه إخلاصًا أو طَمَعًا في طُعْمَةٍ (^١)، وما عليَّ إلَّا اعتبار الظَّاهر.
* * *
(١١٣) - ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾.
﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾: ما حسابُهم على بواطنهم إلا على الله تعالى؛ فإنَّه المُطَّلعُ على السَّرائرِ.
﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ لعلمتم ذلك، ولكنَّكم تجهلون، فتقولون ما لا تعلمون.
* * *
(١١٤) - ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جوابٌ لِما أَوهم قولهم: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ مِن استدعاء طردهم استنكافًا عن الشِّركةِ معهم في المتابعة - خصوصًا إذا كان لهم فضلُ التَّقدُّم وقدمُ السَّبقِ - وتوقيفِ (^٢) إيمانهم عليه، وقوله:
* * *
(١١٥) - ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ كالعلَّة له؛ أي: ما أنا إلَّا رجلٌ مبعوثٌ لإنذار المكلَّفين مِن الكفر والمعاصي، سواءٌ كانوا أعزَّاء أو أذلَّاء، وكم مِن ذليلٍ عندَ النَّاسِ وهو عزيزٌ
_________________
(١) في (ع) و(ي): "طمعًا وطمعة"، والمثبت موافق لما في "تفسير البيضاوي" (٤/ ١٤٤).
(٢) في (ع): "وتوفيق". والمثبت موافق للمصدر السابق، ولفظه: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جواب لما أوهم قولهم من استدعاء طردهم وتوقيفِ إيمانهم عليه حيث جعلوا اتباعهم المانع عنه.
[ ٧ / ٤٠٤ ]
عندَ اللهِ، وبالعكس، فكيفَ يليقُ بي طردُ الفقراء لاستتباعِ الأغنياءِ، أو: ما عليَّ (^١) إلَّا إنذاركم إنذارًا بيِّنًا بالبرهانِ الواضحِ، ثمَّ أنتم أعلمُ بشأنِكم.
* * *
(١١٦) - ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾.
﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ﴾ عمَّا تقولُ، والانتهاءُ: بلوغُ الحدِّ مِن غير مجاوزةٍ إلى ما وقعَ عنه (^٢) النَّهيُ، وأصلُ النِّهايةِ: بلوغُ الحدِّ.
﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾: مِن المضروبين بالحجارة.
* * *
(١١٧) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ إظهارًا لِمَا يدعو عليهم لأجله، وهو تكذيبُ الحقِّ، لا تخويفهم له واستخفافهم عليه.
* * *
(١١٨) - ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾: فاحكم بيني وبينهم حُكْمًا، مِن الفتاحة وهو الحُكومَةُ، والفَتَّاحُ: الحاكم؛ لأنَّه يفتحُ المستغلَقَ.
وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مِنْ قَصدِهم، أو مِن شُؤمِ عَملِهم.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(ك): "أمَّا ما عليَّ".
(٢) في (ف): "عليه".
[ ٧ / ٤٠٥ ]
(١١٩) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: المملوء، ومنه شِحنةُ (^١) البلدِ؛ أي: الذي يملؤه كفايةً.
كانت السَّفينة مملوءةً مِن النَّاس وأنواع الحيوان مِن سباعِ البهائم وجوارح الطَّير، فكانت في قصَّتهم هذه نجاةٌ في نجاةٍ، ومن هنا اتَّضح وجه (^٢) توصيف الفُلك بالوصف المذكور في مقام الامتنان.
* * *
(١٢٠) - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾.
﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا﴾ ﴿ثُمَّ﴾ للتَّفاوُتِ بينَ الحالَيْنِ لا للتَّراخي، ولذلك قال:
﴿بَعْدُ﴾؛ أي: بعدَ إنجائه ومَن معَه ﴿الْبَاقِينَ﴾ مِن قومِه.
* * *
(١٢١) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ عظيمةً، شاعَتْ وتواترَتْ ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
* * *
(١٢٢) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنتقم (^٣) بإهانة مَنْ جَحَدَ وأصَرَّ ﴿الرَّحِيمُ﴾: المنعِمُ بإعانَةِ مَن وحَّدَ وأقرَّ.
_________________
(١) في (ف) و(ع): "شحنه".
(٢) "وجه": ليست في (ك) و(م).
(٣) في (ف) و(ك): "الممتنع". والمثبت موافق لما في "تفسير النسفي" (٢/ ٥٧٤).
[ ٧ / ٤٠٦ ]
(١٢٣) - ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ هي قبيلةٌ، وفي الأصل اسم رجلٍ هو أبو القبيلة.
* * *
(١٢٤ - ١٢٧) - ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قد تقدَّم تفسيره عن قريب.
* * *
(١٢٨) - ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾.
﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾: مكانٍ مرتفعٍ، والبناءُ: وضعُ سافٍ على سافٍ (^١) إلى حيث ينتهي.
الرِّيعُ: الارتفاع من الأرض، ومنه: الرِّيع في الطَّعام، وهو ارتفاعه بالزِّيادة والنَّماء.
﴿آيَةً﴾: بناءً يكون لارتفاعه كالعلامَة.
﴿تَعْبَثُونَ﴾: تلعبون.
* * *
_________________
(١) (السَّافُ): الصَّفُّ مِن اللَّبِن أَو الطِّين. انظر: "المغرب في ترتيب المعرب" (مادة: سوف). ووقع في (ف): "ساق على ساق".
[ ٧ / ٤٠٧ ]
(١٢٩) - ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾.
﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾: مآخِذَ الماءِ، أو: قصورًا (^١) مشيَّدة، أو: حصونًا؛ أي: أتجعلون في كلِّ موضعٍ عالٍ مشرِفٍ علامةً تبنونها ولا تحتاجون إليها لسكناكم، إنَّما تريدون به المباهاة والمراءاة وذا عبثٌ.
﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾: وترجون الخلود في الدُّنيا فتُحْكِمون بُنيانها.
* * *
(١٣٠) - ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾.
﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾ البَطْشُ: العَسْفُ قتلًا (^٢) بالسَّيف وضربًا بالسَّوط.
﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ الجبَّارُ: العالي على غيره بعظيم (^٣) سلطانه، وهو في صفةِ الله تعالى مدحٌ، وفي صفة غيره ذمٌّ.
وقال الحسن: بطش الجبرية: هو المبادرة مِن غير تثبُّت ولا توقُّف (^٤).
فذمَّهم الله تعالى بذلك، ونهاهم هود ﵇.
* * *
(١٣١) - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بترك هذه الأشياء ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه؛ فإنَّه أنفع لكم.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "وقصورًا".
(٢) "قتلا": ليست في (م).
(٣) في (ف) و(ك) و(م): "العالي إلى غيره لعظيم"، لكن كتب فوق "إلى" في (ك): "على".
(٤) بنحوه في "الكشاف" (٣/ ٣٢٦).
[ ٧ / ٤٠٨ ]
(١٣٢ - ١٣٣) - ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾.
﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ قرَنَ البنينَ بالأنعام لأنَّهم يُعينونهم على حفظِها والقيام عليها.
* * *
(١٣٤) - ﴿وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.
وقرن العيون بالجنَّات في قوله: ﴿وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (^١) لأنَّ قوامَها ودوامَ منافعها بها.
كرَّرَ الأمرَ بالاتِّقاء مرتَّبًا على إمداد الله إيَّاهم بما يعرفونه (^٢) من أنواع النِّعم؛ تعليلًا وتنبيهًا (^٣): بالوعد عليه بدوام الإمداد، والوعيد على تركه بالانقطاع، ثمَّ فصَّل بعضَ تلك النِّعم كما فصَّل بعضَ مساويهم المدلول عليها إجمالًا بالإنكار في ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ مبالغةً في الإيقاظ والحثِّ على التَّقوى (^٤) فقال:
* * *
(١٣٥) - ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في الدُّنيا والآخرة، فإنَّه كما قدرَ على الإنعام قدرَ على الانتقام.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "العالي إلى غيره لعظيم"، لكن كتب فوق "إلى" في (ك): "على".
(٢) بنحوه في "الكشاف" (٣/ ٣٢٦).
(٣) في (م): "أو تنبيهًا".
(٤) في (م) زيادة: "ثم أوعدهم".
[ ٧ / ٤٠٩ ]
(١٣٦) - ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا﴾؛ أي: مستوٍ عندَنا، وإنَّما قيل: ﴿عَلَيْنَا﴾ لأنَّ المراد بالاستواء من جهة التَّأثير.
﴿أَوَعَظْتَ﴾ الوعظُ: كلامٌ يليِّنُ القلب (^١) بذكر الوعدِ والوعيدِ.
﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ فإنَّا لا نَرْعَوي عمَّا نحن عليه. وتغيير شقِّ النَّفي عمَّا تقتضيه المقابلة بارتكاب الإطناب؛ للمبالغة في جانب السكوت عن الوعظ (^٢)؛ لكونه مقصودًا، فإنَّ الإخراج مِن عداد الواعظين أبلغُ مِن نفي المباشرة للوعظ، والمحافظةِ (^٣) على رؤوس الآي.
* * *
(١٣٧) - ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ قرئ: ﴿خُلُقُ﴾ بفتح الخاء، مِن الاختلاق؛ أي: ما هذا الذي جئتنا به إلَّا كذب الأوَّلين.
وقرئ بضم الخاء (^٤)؛ أي: ما هذا الذي نحن عليه مِن تهيئة أسباب المعاش واتِّخاذ الأبنية إلَّا عادة الأوَّلين.
* * *
_________________
(١) في (م): "القلوب".
(٢) أي: للمبالغة في بيان قلة اعتدادهم بوعظه.
(٣) عطف على"للمبالغة".
(٤) وهي قراءة ابن كثير والكسائي وأبي عمرو، وقرأ باقي السبعة بضمهما. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٦).
[ ٧ / ٤١٠ ]
(١٣٨) - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ في الدُّنيا، ولا بعْثَ ولا عذابَ في الآخرة.
* * *
(١٣٩ - ١٤٥) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ بسبب تكذيبهم إيَّاه بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١) تقدَّم تفسيرُه في هذه السُّورة.
* * *
(١٤٦) - ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾.
﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ إنكارٌ لأَنْ يتركوا كذلك، وتذكيرٌ بالنِّعمةِ في تخلية (^٢) الله تعالى إيَّاهم وأسباب تنعيمهم.
﴿فِي مَا هَاهُنَا﴾: في الذي استقرَّ (^٣) في هذا المكان مِن النَّعيم.
﴿آمِنِينَ﴾ مِن العذاب والزَّوال والموت، ثمَّ فسَّرَه بقولِه:
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): " ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
(٢) في (ك): "تحلية"، وفي (ع): "تخلفة".
(٣) في (ف): "يستقر".
[ ٧ / ٤١١ ]
(١٤٧) - ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.
﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وهذا أيضًا إجمال ثمَّ تفصيل.
* * *
(١٤٨) - ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾.
﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ﴾ أفردَ النَّخل تفضيلًا له على سائر أشجار الجنَّات.
﴿طَلْعُهَا﴾ وهو ما يخرجُ من النَّخلة كنَصْلِ السَّيفِ.
﴿هَضِيمٌ﴾: ليِّنٌ نضيجٌ (^١).
كأنَّه قالَ: ونخلٍ قد أَرْطبَ ثمرُه، فإنَّه ما دام رطبًا فهو هضيم، فإذا يَبِسَ فهو هَشِيم.
* * *
(١٤٩) - ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.
﴿وَتَنْحِتُونَ﴾: وتَنقبون ﴿مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾: بَطِرين (^٢)، وهذا هو المناسب لِمَا في سورة الحِجْر مِن قوله: ﴿آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]، لا معنى: حاذقين (^٣).
* * *
_________________
(١) في (ع) و(ي): "نضج".
(٢) في هامش (م): "وفي سورة الأعراف ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ﴾ على الحذف والإيصال، والقرآن يفسر بعضه بعضًا، فلا وجه لما قيل: إن انتصاب ﴿بُيُوتًا﴾ على الحالية، أو على أن (تنحتون) بمعنى: تتخذون. منه".
(٣) زاد في (ي): "طيب قلب"، وزاد في (ع): "طبيب قلب".
[ ٧ / ٤١٢ ]
(١٥٠ - ١٥١) - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا﴾؛ أي: لا تمتثلوا ﴿أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ إنَّما صرف الكلام عن الظَّاهر، والكلمةَ عن المتبادِر، حيث لم يقل: (ولا تطيعوا المسرفين) تنزيلًا لشأنهم من درجة الإطاعةِ، وتبعيدًا لهم عن حيِّزِ المطاعين، وأمَّا جَعْلُ الأمرِ مُطاعًا على المجاز الحكمي فلا يناسب المقام (^١).
* * *
(١٥٢) - ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وصفٌ موضِّحٌ لإسرافِهم، ولذلك عطف: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ على ﴿يُفسِدُونَ﴾؛ دلالةً على خلوصِ فسادِهم (^٢)، وتعميمُ إفسادِهم (^٣) المستفادُ من الإسناد إلى كليَّة الأرض يناسبُ هذا.
* * *
(١٥٣) - ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ المسحَّرُ: الذي سُحِرَ كثيرًا حتى غلبَ على عقلِه.
* * *
(١٥٤) - ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ كنايةٌ عن استحالةِ كونه رسولًا بناءً على ما زعموا مِن أنَّ
_________________
(١) في هامش (ي): "لأن المقام مقام نفي الإطاعة لهم رأسًا، لا نفي كمال الإطاعة لهم. منه".
(٢) في (ع): "الفسادهم"، وكذا كانت في (ي)، ثم ضرب على (الـ).
(٣) في (ك): "وتعميم فسادهم". وسقطت من (ع) و(ي).
[ ٧ / ٤١٣ ]
الرَّسولَ (^١) لا يكون مِن جنس البشرِ، خصوصًا بلا امتيازٍ له عن سائر الأفراد.
وكأن صالحًا ﵇ ردَّ قولهم هذا بأنْ يقولَ: إنِّي رسولُ اللهِ بواسطة الملك، ولي (^٢) امتياز عن سائر البشر بالمعجزة الخارقة للعادة، فقالوا في مقابلته: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ خارقةٍ للعادةِ ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في دعواك.
* * *
(١٥٥) - ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.
﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ﴾ وفي سورة الأعراف: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣].
﴿لَهَا شِرْبٌ﴾: نصيبٌ من الماء، فلا تزاحموها فيه.
﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ لا تزاحمُكُم فيه.
* * *
(١٥٦) - ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ نهيٌ عن المسِّ الذي هو مقدِّمة الإصابة (^٣) بالسوء الجامعِ لأنواع الأذى؛ مبالغةً في الأمر، وإزاحةً للعذر.
﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عِظَمُ اليومِ لعِظَمِ ما يحلُّ فيه، وهو أبلغ مِن تعظيمِ العذابِ؛ لأنَّ اليوم إذا عَظُمَ بسببِه (^٤) كان موقعُه مِن العِظَمِ أشَدَّ.
_________________
(١) في (ع): "رسول الله ﷺ "، وفي (ي): "رسول الله".
(٢) من قوله: "امتيازٍ له … " إلى هنا سقط من (ي).
(٣) في (ف) و(ك) و(م): "إصابة".
(٤) في (ي) و(ع): "لسبب"، والمثبت موافق لما في "تفسير النسفي" (٢/ ٥٧٧).
[ ٧ / ٤١٤ ]
(١٥٧) - ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾.
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ الفاءُ فصيحةٌ، والجملة المحذوفة مذكورة في سورة الأعراف، وإنَّما أسندَ الفعل إلى الجميع لأنَّه كان بأمرهم وتعاوُنهم على ما أفصح عنه قوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩].
﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ لا على عقرها خوفًا من نزول العذاب بهم؛ لأنَّه مردود بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني بعدما عقروها: ﴿يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، بل على ترك ولدِها، وقد تقدَّم ذلك في سورة الأعراف.
* * *
(١٥٨) - ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: العذاب الموعود، وهو الرَّجفةُ الحادثةُ مِن الصَّاعقةِ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ عظيمةً ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في نفي الإيمان عن أكثرهم في هذا المعرض إيماءٌ بأنَّه لو آمنَ أكثرُهم أو شطرهم لَما أُخِذوا بالعذابِ، وأنَّ قريشًا إنَّما عُصِموا عن مثله ببركة مَن آمنَ منهم.
* * *
(١٥٩) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ جامع لجهَتَي الانتقام والإنعام.
* * *
(١٦٠ - ١٦٤) - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
[ ٧ / ٤١٥ ]
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١) تقدم (^٢) تفسيره في هذه السورة.
* * *
(١٦٥) - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾؛ أي: أتأتون [الذكران] مِن أولادِ آدمَ مع كثرتهم وغلبةِ الإناث فيهم كأنهنَّ قد أعوَزْنَكم.
أو: أتأتون مِن بينِ مَن عَداكم ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ الذُّكرانَ، لا يشارككم فيه غيركم.
فالمراد بـ ﴿الْعَالَمِينَ﴾ على الأوَّل: النَّاس، وعلى الثَّاني: كل مَن يُنكَح (^٣).
وعلى هذا: الجمعُ للتَّغليب، ومبنى هذا الوجه على اختصاص ذلك الفعل بالإنسان، وفيه نظر.
* * *
(١٦٦) - ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾ لأجلِ استمتاعِكم ﴿رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ لبيانِ ﴿مَا﴾ إنْ أُريدَ به جنسُ الإناث، أو للتَّبعيضِ إنْ أُريدَ به العضو المباح منهنَّ، فيكون تعريضًا بأنَّهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائِهم، وإنَّما خَصَّ الأزواجَ بالذِّكْرِ لعمومِه؛ فإنَّ الإماء مخصوصَةٌ بالأحرار.
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ".
(٢) في (م): "قد تقدم".
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ١٤٧)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٧ / ٤١٦ ]
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ إضرابٌ بمعنى الانتقال مِن شيء إلى شيء.
والعادي (^١): المتعدِّي في ظُلْمِه، المجاوِزُ فيه الحدَّ، والمرادُ هاهنا: التَّجاوزُ عن حدِّ الشَّهواتِ بالزِّيادة على سائر النَّاس، بل الحيوانات، أو الإفراطُ في المعاصي مطلقًا، وعلى هذا: الإضرابُ للتَّرقي.
* * *
(١٦٧) - ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾.
﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾؛ أي: لم تمتنعْ من إنكارك علينا، وتقبيحِ (^٢) أمرنا.
﴿يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾: مِن جُملةِ مَن أخرجْناه مِن بينِنا وطردْناه مِن ديارِنا، ولعلَّهم كانوا يُخْرِجُونَ مَن أخرجُوهُ على أسوءِ حالٍ.
* * *
(١٦٨) - ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ فلا أكرَهُ مفارَقتكم، ولا أرضى مجاوَرَتَكم.
والقِلَى: البغضُ الشَّديدُ، كأنَّه بغضٌ يقلي الفؤادَ.
وإنَّما قال: ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ للتَّنبيه على أنَّه غير منفردٍ بذلك، بل واحدٌ مِن الجماعة المعروفين به، وأيضًا هو أبلغ مِن (قَالٍ) وإن كان هو أرجحَ من جهة اللَّفظ لِمَا بينه وبين ﴿قَالَ﴾ مِن صنعة التَّجنيس.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(م) زيادة: "المتعادي".
(٢) في (ك) و(م): "أو تقبيح".
[ ٧ / ٤١٧ ]
(١٦٩) - ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾: مِن شؤمِه وعذابِه.
* * *
(١٧٠) - ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾؛ أي: مَن آمنَ به أَجْمَعِينَ﴾ بإخراجِهم مِن بينهم وقتَ حلولِ العذاب بهم.
* * *
(١٧١) - ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾.
﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ مقدَّرةً ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ العجوزُ: المرأةُ التي قد أعجزَها عن أمورٍ كثيرةٍ كبرُ سنِّها.
وهي امرأتُه على ما أفصحَ عنه قوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣]؛ أي: الباقين من لِدَاتِها وأهل بيتها.
وقيل: الغابرُ: الباقي في قِلَّةٍ، كالتُّراب الذي يذهب بالكنس ويبقى غباره.
* * *
(١٧٢) - ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ التَّدميرُ: الإهلاك.
* * *
(١٧٣) - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أمطرَ اللهُ تعالى على شذَّاذِ (^١) القومِ حجارةً فأهلكَهم.
_________________
(١) في (ع) و(ف) و(ك) و(م): "شداد"، والمثبت من (ي) وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (٣/ ٣٣١)، =
[ ٧ / ٤١٨ ]
﴿فَسَاءَ﴾ فاعله: ﴿مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ والمخصوصُ بالذَّمِّ - وهو: مطرُهم - محذوفٌ، والمرادُ بـ ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾: جنسُ الكافرين.
* * *
(١٧٤ - ١٧٥) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ تقدَّم تفسيرُه.
* * *
(١٧٦ - ١٨٠) - ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الخليلُ: الأيكةُ: غيضةٌ تُنبتُ السِّدرَ والأراكَ وناعمَ الشَّجر (^١).
﴿الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ إنَّما لم يقل: أخوهم شعيب؛ لأنَّه لم يكن مِن نسبِهم، بل كان مِن نسبِ أهلِ مَدين. وفي الحديث: أنَّ شعيبًا أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة (^٢).
_________________
(١) = و"تفسير البيضاوي" (٤/ ١٤١)، "تفسير النسفي" (٢/ ٥٧٩). قال الشهاب في "الحاشية" (٧/ ٢٥): "شذاذ" بمعجمات بوزن جُهال، جمع شاذ، وهو من انفرد عنهم في الطريق أو من كان غريبًا من غير قبائلهم، وهذا إشارة إلى التوفيق بين طرق إهلاكهم، فإنه ورد أنه بصيحة، وفي أخرى برجفة، وفي أخرى بإمطار حجارة، فهو إمّا بوقوع بعضه لبعضهم، أو لأنَّه أرسل لطائفتين أهلك كل منهما بنوع منه، ولا مانع من الجمع بينهما.
(٢) انظر: "العين" للخليل (مادة: أيك) (٥/ ٤٢٣).
(٣) روى نحوه ابن أبي حاتم في "العلل" (١٧٨٦)، ونقل عن علي بن الحسين بن الجنيد قوله: هذا باطل. وقال ابن كثير في "تفسيره" (٣/ ٣٤٦): "غريب، وفي رفعه نظر".
[ ٧ / ٤١٩ ]
﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١) قد مرَّ تفسيرُه في هذه السُّورة.
* * *
(١٨١) - ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾.
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾: أتمُّوه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ حقوقَ النَّاسِ بالتَّطفيف.
ولو قيل: ولا تُخسروا، لكان أبلغَ في النَّهي، على ما تقدَّم في تفسير: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣]، وإنَّما عدل عنه إلى ما ذَكَرَ تعريضًا لاشتهارِهم بتلكَ الحالِ.
* * *
(١٨٢) - ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ الوزنُ: وضعُ الشَّيء بإزاء المعيار بما يُظهِرُ منزلَتَهُ منه في ثِقَلِ المقدار: إمَّا بالزِّيادة، أو النُّقصان (^٢)، أو التَّساوي.
والقِسْطاسُ: الميزانُ، أو القبان؛ فإنْ كان مِن القِسْطِ وهو العدل وجعلَتِ العين مكرَّرة فوزنه فِعلاس (^٣)، وإلَّا فهو رباعيٌّ.
_________________
(١) في (ف) و(م) و(ك): " ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ".
(٢) في (ف): "المقدار إلى الزيادة والنقصان".
(٣) قوله: "فعلاس"، كذا قاله الزمخشري، وتابعه النسفي، ونقل فيه الطيبي فيه نظرًا بأن الصواب أن وزنه: فعلاع؛ لأن التكرير يقتضي أن يوزن بما قبله، وأما فعلاسٌ فلم يوجد أصلًا. قلت: وهو عند الآلوسي: (فعلاع). انظر: "الكشاف" (٣/ ٣٣٢)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٥٨٠)، و"فتوح الغيب" (١١/ ٤١٢)، و"روح المعاني" (١٩/ ٢٦٣).
[ ٧ / ٤٢٠ ]
(١٨٣) - ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ﴾ يقال: بخستَهُ حقَّه: إذا نقصْتَه إيَّاه.
﴿أَشْيَاءَهُمْ﴾: دراهمهم ودنانيرهم (^١) بقطع أطرافها، ولولا (^٢) [أن] المرادُ النَّهيُ عن المعتاد لقيل: ولا تبخسوا الناس شيئًا؛ لأنَّه أبلغُ في النَّهي.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ وهذا أيضًا نهيٌ عن معتادهم، ولذلك عدل عن الأبلغ في النَّهي وهو: (لا تفسدوا في الأرض).
والعُثُوُّ: أشدُّ الفسادِ، وذلك قد يكون لمصلحةٍ كتخريب ديار الكفر (^٣)، فلدَفْعِ هذا الاحتمال قيل: ﴿مُفْسِدِينَ﴾.
* * *
(١٨٤) - ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾؛ يعني: مَن تقدَّمهم مِن الخلائق، أُطلقَ الخليقةُ وأُريدَ به (^٤) الخَلْقُ.
قيل: ﴿وَالْجِبِلَّةَ﴾: الخَلْق المتجمِّد (^٥) الغليظ، مأخوذ مِن الجَبلِ، فحينئذ يناسبُ التَّفسير عن خِلْقَةِ عادٍ وثمودَ.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(م) و(ك): "دراهم ودنانير".
(٢) في (ف): "ولو كان"، والمثبت هو الصواب، وما سيأتي بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(٣) في (م): "الكفرة"، في (ي) و(ع): "الكفار".
(٤) في (ف) و(ك) و(م): "بها".
(٥) في (ف): "المتجد"، وفي (م) و(ك): "المتخذ". وفي "البحر المحيط" (١٦/ ٣١٩): "المتجسد".
[ ٧ / ٤٢١ ]
(١٨٥) - ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ تركَ أداةَ الجمع في قصَّة ثمود ليفيدَ التَّوكيد والتَّقرير والقطع بأنَّه بشرٌ مثلهم؛ أي: لا ينبغي أنْ نؤمن برسالتك إلَّا بشيءٍ تمتازُ به عنَّا، ولهذا قالوا: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وأتى بها هنا للدِّلالة على أنَّه جامعٌ بينَ وصفَيْنِ متنافِيَيْنِ للرِّسالة؛ مبالغةً في تكذيبهم، فكأنَّهم قالوا: نحن وأنت في عدم صلاحيَة الرِّسالة من جهة كوننا بشرًا سواءٌ، ولكَ (^١) المزيَّة علينا في كونك مسحَّرًا (^٢) دوننا، ثمَّ أكَّدوا ذلك بقولهم:
﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ والظَّنُّ بمعنى اليقين، ولذلك أدخل (إنْ) واللَّام.
ولَمَّا كانَ هذا الرَّدُّ أبلغُ مِن الأوَّلِ، ما طلبوا البرهان كما طلبَ ثمودُ حيثُ قالوا: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤]، بل قطعوا بما يدلُّ على اليأس مِن إيمانهم بقولهم على سبيلِ الاستهزاءِ:
(١٨٧) - ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾: جمع كِسْفَةٍ، وهي قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ عقوبةً ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ كما قطعَ قريشٌ بقولهم: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢].
* * *
_________________
(١) في (ك): "ذلك".
(٢) في (ي): "مسخرًا".
[ ٧ / ٤٢٢ ]
(١٨٨) - ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: إنَّ اللّهَ تعالى أعلمُ بأعمالِكم وبما تستحقُّون عليها مِنَ العذابِ؛ فإنْ أرادَ أن يعاقبَكُم بإسقاط كِسَفٍ مِن السَّماءِ فَعَلَ، وإنْ أراد عقابًا آخر فإليه الحكم والمشيئة.
* * *
(١٨٩) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ على نحو ما اقترحوا.
و﴿الظُّلَّةِ﴾: سحابةٌ أظلَّتْهُم بعدَ ما حُبِسَ عنهم الرِّيحُ وعُذِّبوا بالحرِّ سبعةَ إيَّام، فاجتمعوا تحتَها مستجيرين (^١) بها ممَّا نالهم مِن الحرِّ، فأمطرَ تْعليهم (^٢) فاحترقوا.
ولهذا - أي: ولكونهم معذَّبَين في ذلك الوقت بسببٍ آخر غير الظُّلَّةِ - أضيف العذاب إلى اليوم دون الظُّلَّة، وقطعُ إضافةِ العذابِ عنها لا يخلو عن نوعِ إشعارٍ بأنَّ عذابهم قبلَ نزول النَّار مِن الظُّلَّةِ بلغ إلى حَدٍّ كان ذلك خلاصًا لهم من العذاب.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قد مرَّ أنَّ وصفَ اليومِ بالعِظَمِ أبلغُ مِن وصفِ العذابِ بِهِ.
* * *
_________________
(١) في (ك) و(م) و(ف): "متحسرين "، وفي (ع): "مسحرين "، والمثبت من "تفسير النسفي " (٢/ ٥٨١).
(٢) من قوله: "وعُذِّبوا بالحرِّ .. " إلى هنا سقط من (ي).
[ ٧ / ٤٢٣ ]
(١٩٠) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هذا آخر القَصص السَّبع المذكورة على وجه الاختصار تسليةً لرسول الله ﷺ وتهديدًا للمكذبين به.
* * *
(١٩٢) - ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: إنَّ القرآنَ لَمُنزَّلٌ مِن عندِ اللهِ تعالى لمصلحةِ العالَمِين.
* * *
(١٩٣) - ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾.
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾: أي: جبريل ﵇، فإنَّه أمين الله على وحيه.
وقرئ ﴿نَزَلَ﴾ مشدَّدًا و﴿الرُّوحُ﴾ منصوبًا (^١)؛ أي: جعلَ اللهُ الرُّوحَ نازلًا به، والباء على القراءتَيْنِ للتَّعدية.
* * *
(١٩٤) - ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.
﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ أقحمَ القلبَ - والمعنى: عليكَ - لأنَّه محلُّ الوحيِ والتَّثبيت، وليُعْلَمَ أنَّ المنزَلَ محفوظٌ عن المخالطة والمغالطة؛ لوصوله إلى القلب بالذَّات، لا بواسطة الصَّوت وآلة السَّمع، فافهم هذا السَرَّ الدَّقيقَ.
_________________
(١) قرأ بها ابن عامر وحمزة وأبو بكر والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٦).
[ ٧ / ٤٢٤ ]
﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ اقتصرَ على الإنذار لعمومِه الفريقَيْن، ولأنَّه أزجرُ للسَّامعِ.
* * *
(١٩٥) - ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾: بلغةِ العربِ، متعلِّق بـ ﴿نَزَلَ﴾ هو، ويجوز أنْ يتعلَّق بـ ﴿الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: لتكونَ ممَّنْ أنْذَروا بلغة العرب، وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمَّد عليهم الصلاة والسلام.
﴿مُبِينٍ﴾ للنَّاسِ ما يحتاجون إليه مِن أمورِ دينِهم ودنياهم.
* * *
(١٩٦) - ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: ذِكْرُ مثبَتٌ في سائر الكتب المنزَلَةِ السَّماويَّةِ.
وقيل: إنَّ معانيه فيها، فلا دلالة فيه على أنَّ القرآن قرآن إذا تُرْجِمَ بغير العربية.
والزُّبُرُ: جمع زَبُورٍ، كرُسُل ورَسُولٍ، وقد تقدَّمَ بيانُه.
* * *
(١٩٧) ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً﴾ على صحَّةِ القرآنِ ونبوَّةِ محمَّدٍ ﵇ ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أنْ يعرفوه بنعته المذكور في كتبِهم. وهو تقريرٌ لكونه دليلًا.
قرئ: ﴿يَكُنْ﴾ بالتَّذكير، و﴿آيَةً﴾ بالنَّصب، على أنَّها خبره، و﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ هو الاسم، تقديره: أو لم يكن لهم عِلمُ علماءِ بني إسرائيل آيةً.
[ ٧ / ٤٢٥ ]
وقرئ: ﴿تَكُنْ﴾ بالتَّأنيث و﴿آيَةً﴾ بالرَّفع (^١)، على أنهَّا اسم (كان) وخبره: ﴿لَهُمْ﴾، و﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ بدل.
وقيل في ﴿تَكُنْ﴾ ضمير القصَّة، و﴿آيَةً﴾ خبر مقدَّم والمبتدأ ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾، والجملة خبر (كان).
وقيل: (كان) تامَّةٌ، والفاعل ﴿آيَةً﴾، و﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ بدل منها (^٢)، أو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: أولم يحصل لهم آيةٌ.
* * *
(١٩٨) - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ كما هو زيادة في إعجازه، أو: بلغة العجم.
* * *
(١٩٩) - ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لفَرْط عنادِهم واستكبارِهم، أو لعدم فهمِهم واستنكافِهم مِن اتِّباع العجم.
و﴿الْأَعْجَمِينَ﴾: جمع أعْجَميٍّ (^٣) على التَّخفيف، كما قالوا: الأشعرون؛ أي: الأشعريُّون، بحذف ياء النِّسبة، ولولا هذا التَّقديرُ لم يَجزْ أنْ يُجمَعَ جمعَ السَّلامة؛ لأنَّ مؤنَّثه عجماء (^٤).
_________________
(١) قراءة ابن عامر، وباقي السبعة بالياء والنصب. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٦).
(٢) في (ك): "منه ".
(٣) "أعجمي ": ليست في (ك) و(م)، وفي (ف): "عجمي ".
(٤) في (ف): "لأن مؤنث عجمي عجماء".
[ ٧ / ٤٢٦ ]
وزيادة (كان) لإفادة معنى الاستمرار، والمرادُ استمرارُ (^١) النَّفيِ، لا نفيُ الاستمرار؛ فافهم سرَّ هذا الاعتبار.
* * *
(٢٠٠) - ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾؛ أي: مثلَ ما ذكرنا مِن إدخال (^٢) التَّكذيب به على تقدير قراءة الأعجم أدخلنا التَّكذيب ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ بقراءة أفصحِ العربِ.
* * *
(٢٠١) - ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ المرادُ به: معاينةُ العذابِ عندَ الموت، وذلك إيمان يأسٍ (^٣) فلا ينفعهم.
* * *
(٢٠٢) - ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني: أنَّ العذاب الذي يستعجلونه يجيئهم فجأةً.
والبغتةُ: حصولُ الأمرِ العظيمِ الشَّأن مِن غيرِ توقُّعٍ وتقديمِ أسبابٍ.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه.
* * *
_________________
(١) "استمرار": ليست في (م).
(٢) "من إدخال " ليست في (ع) و(ي).
(٣) في (ف) و(ك): " بأس "، وفي (ي) و(ع): " الباس ".
[ ٧ / ٤٢٧ ]
(٢٠٣) - ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾.
﴿فَيَقُولُوا﴾ حذف النُّون منه عطفًا عَلى قوله: ﴿يَرَوُا﴾.
﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾: يَسألون النَّظِرةَ والإمهال طرفةَ عينٍ فلا يجابون إليها.
* * *
(٢٠٤) - ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾.
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ فيقولون: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠]، وحالُهم عند حلول (^١) العذاب طلب النَّظِرة، فجيء بالهمزة للإنكارِ، والفاءُ دلالةٌ (^٢) على ترتيبه على السَّابق، إلَّا أنهَّا أُخِّرَتْ لأنَّ همزة الاستفهام لها حقُّ الصَّدارة وإنْ استعيرَتْ لمعنًى آخر.
قال يحيى بن معاذ: أشدُّ النَّاسِ غفلةً مَن اغترَّ بحياته، والتذَّ بمراداته (^٣)، وسكن إلى مألوفاته، واللّه يقول:
(٢٠٥ - ٢٠٧) - ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾.
﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (^٤) مِن العذابِ ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ به في تلك السِّنين في دفع العذاب وتخفيفه.
_________________
(١) في (ك): " نزول ".
(٢) في (ف): "دالة".
(٣) في (ك): " بمراراته".
(٤) انظر: "تفسير السلمي" (٢/ ٨١).
[ ٧ / ٤٢٨ ]
وإنَّما جيء بفعل الرُّؤية والاستفهامِ ليكون في معنى أخبر إفادةً لمعنى التَّعجُّب والإنكار، وأنَّ مِن حقِّ هذه القصَّة أنْ يُخبَرَ بها كلُّ أحدٍ حتى يتعجَّب (^١).
وزيادة (كان) في الموضعَيْن لإفادة الاستمرار.
* * *
(٢٠٨) - ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾.
﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا﴾ لم تدخل الواو على الجملة بعد إلَّا كما في: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾ [الحجر: ٤] لأنَّ الأصل عدم الواو؛ إذ الجملة صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصِّفة بالموصوف.
﴿مُنْذِرُونَ﴾ أتى بصيغة الجمع لأنَّ ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ عامٌّ، فكأنَّه قيل: وما أهلكنا من القرى، والعدول عنه لإفادته الدِّلالة على أنَّ المراد الكلَّ الإفراديَّ، لا الكلَّ (^٢) المجموعيَّ.
* * *
(٢٠٩) - ﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
﴿ذِكْرَى﴾: تذكرةً، ومحلُّها النَّصب على العلَّة، أو المصدر؛ لأنها في معنى الإنذار، أو حال من الضَّمير في ﴿مُنْذِرُونَ﴾، أو الرَّفعُ على أنَّه صفة منذرين بإضمار ذَوو، وبجعلهم ذكرى لإمعانهم في التَّذكرة (^٣)، أو خبرُ مبتدأ محذوف بمعنى: هذه ذكرى.
_________________
(١) في هامش (ي): "لما كانت الرؤية أقوى سند الإخبار استعمل (أرأيت) بمعنى الإخبار. منه ".
(٢) في (ف): "الكلي الإفرادي لا الكلي".
(٣) في (ف): "التذكر".
[ ٧ / ٤٢٩ ]
والجملة اعتراضية، فلا يجوز أن يكون ﴿ذِكْرَى﴾ متعلِّقةً بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ مفعولًا لَه؛ لأنَّ مذهب الجمهور أنَّ ما بعد إلَّا لا يعمل فيما قبلَها، إلَّا أن يكون مستثنًى أو مستثنًى منه، أو تابعًا له غير معتمِد على الأداة.
﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾؛ أي: ليس مِن شأننا الظُّلم فنعذِّبَ فيها غير مستحقِّين له.
ولَمَّا قال المشركون: إنَّ الشَّياطين تلقي القراَنَ على محمَّد ﵊ نزل:
(٢١٠) - ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾.
﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن ﴿الشَّيَاطِينُ﴾ وإنَّما أتى بصيغة التَّكلُّف والجمعِ لأنَّه على تقدير وقوع المنفيِّ لا يكون إلَّا بزيادة كُلْفَةٍ ومشقَّةٍ مِن جماعةٍ منهم على ما بُيِّنَ عند تفصيل كيفيَّة استراق السَّمع.
ردٌّ لِما زَعَمَ المشركون أنَّه مِن قَبيل ما يُلقي الشَّياطينُ على الكهنةِ.
* * *
(٢١١) - ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾.
﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أن ينزِلوا به ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ذلك. نفى أوَّلًا الوقوع، ثمَّ اللِّياقة، ثمَّ القدرة، ثمَّ بيَّنَ علَّة عدم القدرة بقوله:
(٢١٢) - ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾.
﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ﴾ لكلامِ الملائكةِ ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾: لمنحَّونَ.
والعَزْلُ: تنحية الشَّيء عن الموضع (^١) إلى خلافه.
_________________
(١) في (ع): "الموضوع".
[ ٧ / ٤٣٠ ]
وسبب ذلك ما ذُكِرَ في سورة الجنِّ من كونهم مَرْجومينَ بالشُّهبِ.
* * *
(٢١٣) - ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾.
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ إنَّما نهى النَّبيَّ ﵇ عن الشِّركِ في العبادة مع عدم الحاجة إليه في حقِّه تمهيدًا لبيان ترتُّب العذابِ عليه على وجهٍ لا يتخلَّفُ عنه أصلًا، حيث لا يتخلَّف عنه في حقِّ (^١) خيرِ الخلقِ، فكيف في حقِّ غيره؟
* * *
(٢١٤) - ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ خصَّهم لنفي التُّهمة؛ إذ الإنسان يُساهِلُ قرابَته، وليَعلموا أنَّه لا يغني عنهم مِن الله شيئًا؛ فإنَّ النَّجاةَ في اتِّباعه دون قربه.
والعشيرة تنتظِم الفخذَ فما فوقَها.
* * *
(٢١٥) - ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾: وألِنْ (^٢) جانِبَكَ وتواضَعْ، مستعارٌ مِن خفضِ الطَّائر جناحَه إذا أرادَ أنْ ينحطَّ.
﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مِن عشيرتِكَ وغيرهم، ولإفادة هذا التَّعميم ذكر قولَه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وإلَّا فالإيمان واتِّباعه ﵊ توأمان.
_________________
(١) في (ف): "عن حق".
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "وألق".
[ ٧ / ٤٣١ ]
(٢١٦) - ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ مرتبطٌ بقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، وكان أصلُ الكلامِ: أنذرْ أقرباءَكَ فإنِ اتَّبعوك وأطاعوك فاخفضْ لهم جناحَك وإنْ عصَوْكَ (^١) ولم يتَّبعوكَ فتبرَّأْ مِن أعمالهم، إلَّا أنَّه غيَّرَ التَّعبير في أحدِ الشِّقَّينِ تنزيلًا للمُقَدَّرِ منزلةَ المُحَقَّقِ في الجانب الغالب، وعمَّمَ حكمَه تنبيهًا على أنَّ حكم الإنذار أصلُه غيرُ مخصوصٍ، إنَّما (^٢) الاختصاص بأقربائه ﵇ في صفة تقديمه، وخصَّ حكم شقِّ العصيان بهم ليظهرَ ذلك الحكم في حقِّ غيرِهم بطريقِ الأَولى.
﴿فَقُلْ﴾ لهم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾ لَمَّا كانَ الحكمُ في صورة الاتِّباع وجوديًّا، وفي صورة خلافه عدميًّا، أمرَ بنفسِ الحكم في الأولى، وبالإظهار قولًا في الثَّانية، وهذا مِن دقائق الاعتبار، قلَّما يتنبَّه له إلَّا ذوو الاختبارِ (^٣).
﴿مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ممَّا تعملونه، أو: مِن أعمالِكم.
أمرَ بالبراءة مِن عملِهم لا منهم؛ إشعارًا بانَّهم لا يُترَكون بإظهار العصيانِ، بل يُدعَون إلى الإطاعة مرَّةً بعدَ أخرى باللُّطف، إلى أنْ نزلَ الأمرُ بالعنفِ.
* * *
(٢١٧) - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾.
﴿وَتَوَكَّلْ﴾ التَّوكُّلُ: تفويضُ الأمرِ إلى مَن يملكُه. وقرئ: ﴿فَتَوَكَّلْ﴾ (^٤) على الإبدال من جواب الشرط.
_________________
(١) في (م): "عصوا".
(٢) في (م): "وإنما".
(٣) في (ك) و(م): " الاختيار".
(٤) قرأ به نافع وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٧).
[ ٧ / ٤٣٢ ]
﴿عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾: على الذي يقهَرُ أعداءَك بعزَّتِه، وينصرُكَ عليهم برحمَتِهِ، يَكفِكَ شرَّ مَن يعصيْكَ منهم ومن غيرهم.
* * *
(٢١٨) - ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾.
﴿الَّذِي يَرَاكَ﴾ الرُّؤيةُ: علمٌ خاصٌّ بنوع مِن المحسوسِ غيرُ متوقِّف على النَّظر، بل قد يحصل بطريقٍ آخر، فلذلك زاد موسى ﵇ قوله: ﴿أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] حين طلب الرُّؤيةَ المعهودة.
﴿حِينَ تَقُومُ﴾ متهجِّدًا.
* * *
(٢١٩) - ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.
﴿وَتَقَلُّبَكَ﴾؛ أي: ويرى تقلُّبَكَ ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾: في المصلِّين.
أتبعَ كونَه رحيمًا على رسولِه ما هو مِن أسبابِ الرَّحمةِ، وهو ذكرُ ما كان يفعلُه في جوفِ اللَّيل مِن قيامِه للتَهجُّدِ، وتردُّدِه في تصفُّح أحوال المتهجِّدين مِن أصحابه ﵃ ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون، ويعلم أنَّهم كيفَ يعبدون اللّه في خلواتِهم.
وقيل: تصرُّفه فيما بين المصلين بالقيام والركوع والسجود إذا أمَّهم، ولا يخفى ما في التعبير عن أركان صلواته ﵊ حال إمامته بالتقلب في الساجدين مما يخلُّ بشأنها، ثم إن المناسب عطفه على ﴿تَقُومُ﴾، والعدول عن سننه لكونه جنسًا، وهو على ما قررناه.
[ ٧ / ٤٣٣ ]
(٢٢٠) - ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ لِمَا تقولُه وتعمَلُه (^١). هوَّن عليه معاناةَ مشاقِّ ما تحمَّلَه مِن التَهجُّدِ والتَّفقُّد حيث أخبرَ برؤيته له؛ إذْ لا مشقَّةَ على مَن يعلَمُ أنَّه يعملُ بمرأًى مِن مولاه.
* * *
(٢٢١) - ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾.
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ إنَّما قال: ﴿تَنَزَّلُ﴾ لأنَّه أكثر ما يكون في الهواء، وأنَّه تمر مَرَّ (^٢) الرِّيحِ.
* * *
(٢٢٢) - ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾.
﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾: على كلِّ مَن بلغَ في الإفكِ والإثمِ الغايةَ.
لَمَّا بَيَّنَ أنَّ القرآنَ لا يصحُّ أنْ يكون ممَّا تنزَّلُ به الشَّياطينُ أكَّدَ ذلك بأنْ بيَّنَ أنَّ محمَّدًا ﵊ لا يصلحُ لأنْ ينزلوا عليه بوجهَيْن (^٣):
أحدهما: أنَّه إنَّما يكون على شرِّيرٍ كذَّابٍ كثيرِ الإثم وهم الكهَنة والمتنبِّئة، ومحمَّد ﵇ يشتمُ الأفَّاكين ويذمُّهم، فكيف تنزلُ الشَّياطينُ عليه؟! وإنَّما زادَ كلمة ﴿كُلِّ﴾ اعتبارًا لِمَا في ﴿مَنْ﴾ مِن معنى العموم، وإلَّا فلا حاجةَ إليه في أصل الكلام.
_________________
(١) في (ع): "ولعلمه".
(٢) في (ع): "من".
(٣) في (ف): "لوجهين".
[ ٧ / ٤٣٤ ]
(٢٢٣) - ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾.
وثانيهِما: ما ذكرَه بقوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾؛ أي: الأفَّاكون يلقونَ السَّمعَ إلى الشَّياطين، فيتلقَّون منهم ظنونًا وأماراتٍ لنُقصان علمِهم، فيضمُّون إليها على حسب تخيُّلاتهم أشياءَ لا تُطابق أكثرَها، كما جاء في الحديث: "الكلمة يَخطَفُها (^١) الجنِّيُّ، فيقُرُّها (^٢) في أذن وليِّه، فيزيد فيها أكثرَ مِن مئةِ كَذْبَةٍ" (^٣).
ولا كذلك محمَّدٌ ﵊، فإنَّه أخبرَ عن مغيَّباتٍ كثيرةٍ لا تُحصَى، وقد طابق كلُّها.
و﴿يُلْقُونَ﴾ حالٌ؛ أي: تنزِلُ مُلقينَ السَّمع، أو صفةُ ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ﴾؛ لأنَّه في معنى الجمع، فيكون في محل الجرِّ، أو استئناف فلا يكون له محلٌّ من الإعراب، كأنَّه قيل: لِمَ تنزلُ على الأفَّاكين؟ فقيل: لأَنَّهم يفعلون كيْتَ وكيْتَ.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ أي: أكثرُ الأفَّاكين ﴿كَاذِبُونَ﴾: يفترون على الشَّياطين ما يُوحون إليهم.
واختصاصُ هذا النَّوع مِن الكذبِ بأكثرهم لا ينافي تناولَ جنس الكذبِ كلَّهم.
* * *
(٢٢٤) - ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ وأتباعُ محمَّد ﵊ ليسوا كذلك، وهو استئنافٌ أبطلَ كونَه شاعرًا.
_________________
(١) في (ي) و(ع) و(م): "يحفظها".
(٢) في (ي) و(ع): "فيقرؤها"، وفي (م): "فيقرعها".
(٣) روى نحوه البخاري (٥٧٦٢)، ومسلم (٢٢٢٨)، من حديث عائشة ﵂. قوله: "يخطفها" من الخطف وهو الأخذ بسرعة "فيَقُرُّها": يصبها. "وليه"؛ أي: الكاهن الذي يواليه.
[ ٧ / ٤٣٥ ]
(٢٢٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ تمثيلٌ لذهابهم في كلِّ شِعْب مِن القَولِ، واعتسافِهم، وقلَّةِ مبالاتهم، بالغُلُوِّ في المنطقِ (^١)، ومجاور الحدِّ في القصدِ، حتى إنهم يفضِّلون (^٢) أجبنَ النَّاسِ على عنترة، وأشحَّهم على حاتم، وبَهَتوا البريءَ، وفسَّقوا التَّقيَّ.
* * *
(٢٢٦) - ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.
﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ وذلك لغلوِّهم في أفانين الكلام، ولَهجهم بالفصاحة والمعاني اللَّطيفة، وقد ينسبون لأنفسهم ما لا يقع منهم.
لَمَّا كان إعجازُ القرآن مِن جهة المعنى واللَّفظ، وقد قدحوا في المعنى بأنَّه ممَّا تنزَّلُ (^٣) به الشَّياطين، وفي اللَّفظ بأنَّه مِن جنسِ كلام الشُّعراء = تكلَّمَ في القِسْمَيْنِ، وبيَّنَ منافاةَ القرآنِ لهما، ومضادَّة حالِ الرَّسول ﵇ بحالِ أربابهما.
* * *
(٢٢٧) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناءٌ للشُّعراءِ (^٤) مِن المؤمنين الصَّالحين؛
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): " النطق "، وفي (م): " بالغوا "، بدل: " بالغلو".
(٢) في (ع) و(ك) و(م) و(ي): "يفضلوا".
(٣) في (ف): "تنزله ".
(٤) في (ك) و(م): "استثناء الشعراء"، وفي (ف): "استثنى الشعراء".
[ ٧ / ٤٣٦ ]
كعبد اللّه بن رواحة، وحسَّان بن ثابت، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك.
﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: كان ذكرُ اللّهِ وتلاوةُ القرآنِ أغلبَ عليهم مِن الشِّعرِ، وإذا قالوا شعرا قالوه في التَّوحيد باللّه تعالى والثَّناء عليه.
﴿وَانْتَصَرُوا﴾: وهَجَوا ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾: هُجُوا (^١)؛ أي: رَدُّوا هجاءَ مَن هجا رسول اللّه ﷺ والمسلمين.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تهديدٌ شديدٌ؛ لِمَا في ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ مِن الوعيدِ البليغِ، وفي ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِن الإطلاق والتَّعميم، وفي: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ - أي: بعدَ الموت - من الإبهام والتَّهويل.
وقرئ: (أيَّ منفلَتٍ ينفلتون) بالفاء والتَّاء (^٢)، ومآلُ المعنى واحدٌ، ذكره الثعلبي (^٣).
ختم السُّورة بما يقطِّع أكبادَ المتكبِّرين (^٤) المنذَرين (^٥).
* * *
_________________
(١) "هجوا" سقط من (ف) و(ع).
(٢) نسبت لابن عباس ﵄. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٨).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي " (٧/ ١٨٧).
(٤) في (ك) و(م): " المنكرين ".
(٥) في (ي) و(ع): " المتدبرين ".
[ ٧ / ٤٣٧ ]