﷽
(١) - ﴿الم﴾.
﴿الم﴾ مَرَّ فيه ذِكْرُ الأقاويلِ (^١)، وسبَقَ التَّفصيل، وهنا دليلُ الاستقلال بنفسِه أو بما يُضمر معه، وهو وقوع الاستفهام بعده.
* * *
(٢) - ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾: قوَّةُ أحدِ النَّقيضَيْن على الآخر، كالظَّنِّ، ولا يصحُّ تعليقُهما بمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل، فإذا أردْتَ الإخبار عن مضمونٍ ثابتٍ عندَك على وجهِ الظَّنِّ لا اليقين أدخلت على شرطَي الجملة فعلَ الحسبان حتى يتمَّ (^٢) غرضُك.
والكلامُ الدَّال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان هنا: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ فإنَّه سدَّ مَسَدَّ المفعولَيْن، كما في قوله: ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤]، ونظائره؛ لأنَّ المعنى: أَحَسِبَ النَّاسُ أنفسَهم متروكين.
_________________
(١) في (ف): "أقاويل".
(٢) في (ف): "حتى يقع".
[ ٨ / ٦٩ ]
والتَّركُ: رفضُ الشَّيء قصدًا واختيارًا، أو قهرًا واضطرارًا، ومن الأخير قولُهم: تركَةُ (^١) فلانٍ: لِمَا يخلِّفُه بعدَ موته.
وثاني مفعولَي ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ متروكٌ بدلالة الحال؛ أي: كما هم، أو: على ما هم عليه.
و(^٢) ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ بمعنى: لقولهم، متعلِّقٌ بـ ﴿يُتْرَكُوا﴾ على أنَّه غيرُ مستقِرٍّ.
﴿آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾: غيرَ مختبَرِين بما يتبيَّن به حقيقةُ إيمانهم.
نزلَ في جماعةٍ آمنوا وآذاهم المشركون (^٣).
والمراد مِن الفتنةِ: الامتحانُ بشدائدِ التَّكليفِ؛ مِن مفارقةِ الأوطانِ، ومجاهدةِ الأعداءِ، وسائرِ الطَّاعاتِ الشَّاقةِ، وهجرِ الشَّهواتِ، وبالفقرِ والقَحطِ، وأنواعِ المصائب في الأنفسِ (^٤) والأموالِ، ومصابرةِ الكفَّار على أذاهم وكيدهم.
وقيل: معناه: أَحَسِبوا تركَهم (^٥) غيرَ مفتونين لقولهم: ﴿آمَنَّا﴾، فالتَّرْكُ أحدُ مفعولَيْن و(غير مفتونين) مِن تمامِه، و(لقولهم) هو الثَّاني كقولك: حسبْتُ ضربَه للتَّأديبِ.
وفيه الفصلُ بينَ ﴿يُتْرَكُوا﴾ (^٦) ومعموله.
_________________
(١) في (ع): "تركه"، وفي (ف) و(ك) و(م): "ترك"، والمثبت من (ي).
(٢) "و" سقط من (م).
(٣) ذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٤/ ٣٠٥) عن مجاهد.
(٤) في (ف) و(ك): "النفس".
(٥) في (ك) و(م): "نتركهم"، وفي (ف): "أنتركهم".
(٦) في النسخ: "تركوا"، والصواب المثبت.
[ ٨ / ٧٠ ]
وما يحسِّنه مِن الاهتمام بشأن الخبر؛ لكونه مَصَبَّ الإنكار، مُعارَضٌ بما يقبِّحه مِن إيهام أن يتركوا غير مختبرين لعلَّةٍ أخرى.
* * *
(٣) - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾: اختبرْنا، وهو موصولٌ بـ ﴿أَحَسِبَ﴾ أو بـ ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِن الأمم بأنواعِ الفِتَنِ، والمعنى: إنَّ ذلك سُنَّةٌ قديمةٌ، جاريةٌ في الأزمانِ السَّالفةِ، فلا ينبغي أنْ يُتوقَّعَ خلافُها.
ويجوز أن يكون كقولِكَ: ألَا يُمْتَحنُ فلانٌ وقد (^١) امتُحِنَ مَن هو خيرٌ منه؛ يعني: أنَّ بعضَ الأنبياء كزكريَّا ويحيى وجرجيس ﵈ قد (^٢) امتُحنوا وصَبروا.
﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ بالامتحانِ ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الإيمان ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه.
وعلْمُ الله تعالى بالكائناتِ منزَّهٌ عن النِّسبةِ إلى الزَّمانِ وعمَّا يترتَّبُ عليها مِن التَّبدُّل والتَّغيُّر، فهو هنا كناية عن تحقُّقِ المعلوم قطعًا وظهورِه على وجهٍ أبلغ، فالمعنى: ولَيتميَّزَنَّ (^٣) الصَّادقُ منهم مِن الكاذبِ.
قال ابن عطاء: يتبيَّنُ صدقُ العبد مِن كذبه في أوقاتِ الرَّخاءِ والبلاءِ، فمَن شكرَ في أيَّامِ الرَّخاءِ وصبرَ في أيَّام البلاء فهو مِن الصَّادقين، ومَن بطرَ في أيَّام الرَّخاء وجزعَ في أيَّام البلاء فهو من الكاذبين (^٤).
_________________
(١) في (م): "قد".
(٢) في (ك): "وقد".
(٣) في (ك): "وليتميز"، وفي (ف) و(م): "وليتميز من".
(٤) انظر: "تفسير السلمي" (٢/ ١١٣).
[ ٨ / ٧١ ]
ويعضدُه قراءةُ: (فليُعْلِمَنَّ اللّهُ) مِن الإعلام (^١)؛ أي: ليعرِفَهُم النَّاسُ مَن هم، فحذف المفعولَ الأوَّل.
ويجوز أن يكون مِن قولهم: فارس مُعْلَم؛ أي: أَعْلَمَ نفسَه في الحرب بثوبٍ أو غيره، فيكون من العلامة، فالمعنى: فليَسِمنَّهم (^٢) بسِمَةٍ يُعْرَفون بها يومَ القيامةِ كبياضِ الوجهِ وسوادِه.
* * *
(٤) - ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
﴿أَمْ حَسِبَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا منقطعةٌ؛ لفَقدِ شرط الاتِّصال، وهو أنْ لا يكون بعدَها جملة، ومعناه: (بل) للإضراب بمعنى الانتقال مِن قصَّة إلى قصَّة، لا بمعنى الإبطال والإضراب فيها؛ لأنَّ هذا الحسبانَ (^٣) أبطلُ من الأوَّل؛ لأنَّ ذلك يُقدِّرُ أنَّه لا يُمتَحنُ لإيمانه، وهذا يظنُّ أَنَّه لا يجازى بمساوئه، ولهذا عقَّبَه بالذَّمِّ.
﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ مِن المعاصي، وأمَّا الكُفْرَ فليس مِن جنسِ العملِ؛ لأنَّه لا يُقالُ إلَّا فيما كان عن فكرٍ وروَّيةٍ، نصَّ عليه الرَّاغبُ (^٤)، فحالُ الكفرِ يُعلَم ممَّا ذُكِرَ دلالةً.
﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾: أن (^٥) يفوتونا فلا نَقدِر على أنْ نجازيَهم على مساؤبهم؛ يعني:
_________________
(١) نسبت لعلي ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٤).
(٢) في (ك): "فلنسمنهم".
(٣) في (ك) و(م): "الحساب".
(٤) لم أقف عليه.
(٥) في (ي): "أي يفوتونا".
[ ٨ / ٧٢ ]
أنَّ الجزاءَ يلحقُهم لا محالَة، واشتمال صلة ﴿أَنْ﴾ على مسنَدٍ ومسندٍ إليه سدَّ مَسدَّ المفعولَيْن.
﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَا﴾ في موضِع رفعٍ على معنى: ساءَ الحكمُ حكمُهم، أو نصبٍ على معنى: ساءَ حكمًا يحكمون، والمخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ؛ أي: بئسَ حُكمًا يحكمونه حكمُهم هذا.
* * *
(٥) - ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾: يترقَّبُ ثوابَه، أو: يخافُ عقابَه، فالرَّجاء يحتمِلُهما.
﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ المضروبَ للثَّوابِ والعقاب ﴿لَآتٍ﴾ لا محالةَ، تعليلٌ لجوابِ الشَّرطِ المحذوفِ، تقديرُه: فليبادِرِ العملَ الصَّالح الذي يصدِّقُ رجاءَه ويحقِّقُه.
وإتيانُ الوقتِ المضروبِ لهما كنايةٌ عن إتيانهما، والتَّعبيرُ عنهما بلقاءِ اللّهِ تعميمٌ (^١) للتفخيم والتَّهويل، وإضافتُه إلى اللَّه في الموضعَيْن للتَّعظيم.
ويجوز أن يكون على تمثيل حالِه بحالِ عبدٍ قدِمَ على سيِّدِه بعدَ زمانٍ مديدٍ وقد اطَّلعَ السَّيِّد على أحوالِه، فإمَّا أن بلقاه ببِشْرٍ بما رضيَ مِن أفعالِه، أو بسخطِه لِمَا سخطَ منها (^٢).
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِما يقولُ عبادُه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يفعلونه، فلا يفوتُه شيءٌ.
* * *
_________________
(١) "تعميم" سقط من (م) و(ي) و(ع).
(٢) في (ك): "أو بسخط أي سخط منها"، وفي (ف): "أو سخطه أي سخط منها".
[ ٨ / ٧٣ ]
(٦) - ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾ نفسَه بالصَّبر على مخالفتِها في طاعة اللَّه تعالى.
﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ لأنَّ منفعةَ ذلك ترجِعُ إليها.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ فلا نفعَ له في طاعتِهم ومجاهدتِهم، وإنَّما كلَّفَهم رحمةً عليهم ومراعاةً لمصالحهم.
* * *
(٧) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ التَّكفيرُ: إذهابُ السَّيئةِ بالحسنةِ كإذهابِ الكُفْرِ بالإيمان، والمعصيةِ بالتَّوبة.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إنَّما قالَ: ﴿أَحْسَنَ﴾ لأنَّ المباح حسن، ولا جزاءَ له.
* * *
(٨) - ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾: بإيتائهما (^١) فعلًا ذا حُسْنٍ، أو ما هو في ذاته حَسَنٌ لفَرْطِ حُسْنِهِ، ووصَّى حُكمُه (^٢) حُكمُ أَمَر في معناه وتصرُّفه، ومعنى وصَّيْتُ زيدًا بعمروٍ: أمرتُهُ بتعهُّدِه ومراعاته.
_________________
(١) في النسخ: "بإتيانهما"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٣/ ٤٤٢)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ١٨٩)، و"تفسير النسفي" (/ ٦٦٥).
(٢) في (ع): "حكم".
[ ٨ / ٧٤ ]
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾؛ أي: وقلنا: وإنْ جاهدَاكَ ﴿لِتُشْرِكَ بِي (^١) مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني: بإلهيَّته، عبَّر عن نفيها بنفي العلم إشعارًا بأنَّ ما لا يُعْلَمُ صحَّتُه لا يجوز اتِّباعُه وإنْ لم يُعلَمْ بطلانُه، فضلًا عمَّا عُلِمَ بُطلانُه.
﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في ذلك، فإنَّه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية (^٢) الخالق.
﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾: مرجعُ المطيعِ والعاصي منكم.
﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بالجزاءِ عليه.
وفي ذكر المرجع والوعيد تحذيرٌ مِن متابَعَتْهما على العصيان، وحَثٌّ على الثَّباتِ والاستقامة في الطَّاعة، روي أنَّ سعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ ﵁ لَمَّا أسلم نذرَتْ أمُّه أنْ لا تأكلَ ولا تشربَ ولا تنتقل من الضِّحِّ (^٣) حتَّى يرتدَّ، ولبثَتْ ثلاثةَ أَيَّام كذلك، فشكى سعدٌ ﵁ إلى النَّبيِّ ﵇، فنزلَتْ هذه الآية، والتي في سورة لقمان، والتي في الأحقاف (^٤).
* * *
(٩) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾: في الأنبياء والأولياء بأنْ نحشرَهم معهم.
_________________
(١) في (ك) و(م) زيادة: "شيئًا".
(٢) في (ف) و(ي): "معصيته".
(٣) الضِّحُّ: ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض. انظر: "النهاية" (مادة: ضحح).
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ٢٧١)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٤١)، و"الكشاف" (٣/ ٤٤٢ - ٤٤٣) دون سند عندهم. وروى نحوه مسلم (١٧٤٨) كتاب فضائل الصحابة، عقب الحديث (٢٤١٢)، والترمذي (٣١٨٩). والتي في لقمان الآيتان (١٤ - ١٥)، والتي في الأحقاف الآية (١٥).
[ ٨ / ٧٥ ]
(١٠) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ في الإخبار عنهم بأنَّهم مِن النَّاس تحقيرٌ لشأنهم.
﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾؛ أي: في طاعته، و﴿فِي﴾ للسَّببية كما في ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].
﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾؛ أي: أذاهم له للصَّرْفِ عن طاعة اللَّه تعالى.
﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ في الخوفِ منه (^١) فيطيعهم.
﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي (^٢): فتحٌ وغنيمةٌ.
﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾؛ أي؛ مشايعين لكم في دينِكم، فأعطُونا نصيبنا (^٣) مِن المغنَمِ.
﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ﴾ صيغة أَفعلَ هنا لمطلق الزِّيادة وإثباتِ العلم على الوجه الأبلغ، و(أو) (^٤) للعطف على محذوفٍ تقديرُه: أليس اللَّه بأشدَّ عذابًا (^٥) من النَّاس.
﴿بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ من الإخلاص والنِّفاق، فكيف يَتوهَّم هذا المنافقُ أنْ يَخفَى حالُه على المسلمين ولا يخبرُهم اللّهُ به وهو عالمٌ، فهذا تهديدٌ دنيويٌّ له، كما أنَّ قولَه:
_________________
(١) في (ك) و(م): "منهم".
(٢) "أي" من (م).
(٣) في (ك): "نصيبًا".
(٤) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (والواو)، والصواب المثبت.
(٥) في (م): "علما".
[ ٨ / ٧٦ ]
(١١) - ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾.
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ تهديدٌ أخرويٌّ، كَنى بالعلمِ عن أثرِه، وهو الجزاء على المعلوم، وعبَّر عن الإخلاص بالإيمان، إخراجًا للإقرار باللِّسان الخالي عن التَّصديق بالجَنان عن حدِّ الإيمان.
وفي اختلافِ الصِّيغتَيْنِ إشعارٌ بثبات المنافقِ على النِّفاق ومزيَّته على الكفر بزيادة التَّقرُّر في محلِّه.
* * *
(١٢) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ أمرُوهم باتِّباعِ سبيلِهم، وهي طريقتُهم التي كانوا عليها في دينِهم، وأَمروا أنفسَهم بحمل خطاياهم، فعطف الأمرَ على الأمرِ، وأرادوا: ليَجتمعْ هذان الأمران في الحصول، والمعنى: تعليق الثَّاني على الأوَّل على وجهِ المبالغةِ، والوعدِ بتخفيف الأوزار عنهم - إنْ كانت (^١) - تشجيعًا لهم على الاتِّباع، ولهذا رَدَّ عليهم وكذَّبهم بقوله:
﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في ذلك، ﴿مِنْ﴾ الأُولى للتَّبيين، والثَّانية مزيدة لتأكيد الاستغراق.
* * *
_________________
(١) قوله: "إن كانت"؛ أي: إن وجدت، فهي تامة، وضمير الفاعل يعود على "الأوزار". انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٩٤).
[ ٨ / ٧٧ ]
(١٣) - ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾: أوزارَ أنفسِهم بضلالِهم ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾: وأوزارَ الضَّالِّين (^١) بإضلالهم، وهو كما قال: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥].
﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: يكذبون على اللّهِ، سؤالَ توبيخٍ.
واللَّام في الفعلَيْن للقَسَم، وحذف فاعلُهما - الواوُ - ونونُ (^٢) الرَّفع.
* * *
(١٤) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ بعدَ المبعَثِ إلى حدوثِ الطُّوفان، واختيار هذه العبارة لِمَا في ذكرِ الأَلْف مِن تخييل طول المدَّة إلى السَّامع؛ فإنَّ المقصودَ تسليةُ رسولِ اللهِ ﵇، وتثبيتُه على ما يكابدُ مِن الكفرة.
وجِيءَ بالمميِّز أوَّلًا بالسَّنة ثمَّ بالعامِّ لأنَّ تكرارَ لفظٍ واحدٍ في كلامٍ واحدٍ حقيقٌ بالاجتناب في البلاغة.
﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ هو ما أطافَ وأحاطَ بكثرةٍ وغلبةٍ، مِن سيلٍ أو ظلامِ ليلٍ (^٣) أو نحوهما، والواقعُ طُوفان الماءِ.
_________________
(١) في (ي): "وأوزارًا للضالين".
(٢) في (ف) و(ك): "والواو والنون".
(٣) "ليل" سقط من (ك).
[ ٨ / ٧٨ ]
﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أنفسَهم بالكفْرِ.
* * *
(١٥) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾؛ أي: نوحًا ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾؛ أي: والذين حملَهم نوحٌ ﵇ في السَّفينةِ.
﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾؛ أي: السَّفينةَ؛ لأنَّها (^١) بقيَتْ أعوامًا حتَّى مرَّ عليها النَّاسُ ورأَوْها، فحصل لهم العلمُ بها، أو: الحادثةَ.
﴿آيَةً﴾: علامةً أو عبرةً ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ يعتبرون بها.
* * *
(١٦) - ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ عطفٌ على ﴿نُوحًا﴾ وقرئ بالرَّفع (^٢) على تقدير: ومن المرسلين إبراهيمُ.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ظرفٌ لـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ففيه دلالةٌ على أنَّه لم يتهاونْ في أمرِ الرِّسالةِ حيث بلَّغ الدَّعوةَ كما أُمِرَ.
﴿وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ممَّا أنتم عليه ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إنْ كنتم مِن أهل العلمِ.
_________________
(١) في (ك) و(م): "لا لأنها"، وفي هامش (م): "لعل لفظ (لا) زائد".
(٢) نسبت لأبي جعفر في غير المشهور عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٥).
[ ٨ / ٧٩ ]
(١٧) - ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ الوثَنُ: ما يُعمَل من حجر أو طين.
﴿وَتَخْلُقُونَ﴾؛ أي: تَكذِبون، أو: تصنعون (^١)، وقرئ: (تُخَلِّقونَ) (^٢) مِن خَلَّقَ بمعنى التَّكثير في خَلَق.
﴿إِفْكًا﴾ وقرئ: (أَفِكًا) (^٣)، وهو مصدر نحو كَذِب ولَعِب، والإفْكُ مخفَّفٌ عنه كالكِذْبِ واللِّعْبِ من أصلهما، واختلاقهم الإفْكَ بتسميتِهم الأوثانَ آلهةً وشركاءَ للّهِ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ استدلَّ أوَّلًا على شَرارَةِ ما هم عليه مِن حيثُ إنَّه زورٌ وباطل، ثمَّ استدلَّ عليه مِن حيثُ إنَّه لا يجدي بطائلٍ.
و﴿رِزقًا﴾ يَحتمِل النَّصب على المصدر؛ أي: لا يستطيعون أنْ يرزقُوكم، وأنْ يُرادَ المرزوق، وتنكيرُ للتَّعميم.
﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا عندَ الأسبابِ ﴿الرِّزْقَ﴾ كلَّه، إنَّما لم يقلْ: مِن اللّهِ؛ لعدمِ الدِّلالةِ (^٤) فيه على الأمرِ بترك الاعتماد على الأسباب العاديَّة.
ثمَّ بيَّنَ طريقَ الطَّلبِ فقال: ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾؛ أي: في كلِّ حالٍ ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ لِمَا مَضَى (^٥) مِن الإفضالِ، مستعدِّين للقائِه بها، فإنَّه:
_________________
(١) في (ي): "وتصنعون".
(٢) نسبت لعلي بن أبي طالب ﵁ والسلمي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٥).
(٣) نسبت لابن الزبير. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٥).
(٤) في (ف) و(ك) و(م): "دلالة".
(٥) في (ف): "لما ما من"، وفي (م): "بما مضى".
[ ٨ / ٨٠ ]
﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم بما عملْتُم مِن الشُّكر والكُفْران، والعبادة والطُّغيان، وهو وعدٌ ووعيدٌ.
* * *
(١٨) - ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كقومِ نوح وهود وصالح ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: وإنْ تكذِّبوني فلا تضرُّونني (^١) بتكذيبِكم، فإنَّ الرُّسلَ قبلي قدْ كذَّبهم أمَمُهم، وما ضرُّوهم وإنَّما ضرُّوا أنفسَهم؛ حيثُ حلَّ بهم العذابُ بسببِ تكذيبِهم، وأمَّا الرَّسول فقد تمَّ أمرُه حينَ بلَّغَ البلاغَ المبين الذي زال معه الشَّكُّ، وهو اقترانُه بآياتِ اللّهِ ومعجزاتِه.
أو: وإنْ كنْتَ مُكَذَّبًا فيما بينكم فلي في سائرِ الأنبياء أُسوةٌ حيث كُذِّبوا، وعلى الرَّسول أنْ يبلِّغَ (^٢)، وما عليه أنْ يُصدَّقَ ولا يُكذَّبَ، فالآية وما (^٣) بعدَها مِن جُملَة قصَّة إبراهيمَ ﵇.
* * *
(١٩) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ وقرئ بالتَّاء (^٤) على تقدير القولِ.
﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾؛ أي: قد رأوا ذلك وعلموه. وقوله:
_________________
(١) في (ك): "تضروني".
(٢) في (ف): "وما على الرسول إلا أن يبلغ".
(٣) في (ك): "جامعة" بدل "وما".
(٤) وهي قراءة أبي بكر وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٣).
[ ٨ / ٨١ ]
﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ليس بمعطوف على ﴿يُبْدِئُ﴾، وليسَتِ الرُّؤيةُ واقعةً عليه، وإنَّما هو إخبارٌ على حِيالِه (^١) بالإعادة بعدَ الموت، كما وقع النَّظرُ في قوله: ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] على البدء دون الإنشاء، بل هو معطوفٌ على جملة قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾.
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾؛ أي: لإعادةَ ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: سهلٌ.
* * *
(٢٠) - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿قُل﴾ حكاية كلام اللَّه تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ على كثرتِهم واختلافِ أحوالِهم؛ لتعرفوا عجائبَ فِطرةِ اللّهِ تعالى في المشاهدَةِ، وبدأَ وأبدأَ بمعنى.
﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ بعدَ النَّشأة الأولى التي هي الإبداء، فإنَّه والإعادةَ نشأتان من حيثُ إنَّ كلًّا اختراعٌ وإخراجٌ مِن العدمِ.
ولَمَّا كانَ المقصودُ مِن السِّياق الاستدلالُ مِن الابتداء على الإعادة، والدَّليلُ النَّفسي أقربُ وأوضحُ من الآفاقي، ذكرَ الرُّؤيةَ في الأوَّلِ والنَّظرَ في الثَّاني، وكانَ القياسُ أنْ يُقالَ: كيفَ بدأ اللَّه الخلقَ، ثم ينشئ النَّشأة الآخرة، وإنِّما قيل: ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ لأنَّ الكلامَ معَهم وقعَ (^٢) في الإعادة،
_________________
(١) في (ك): "مثاله". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٣/ ٤٤٨)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٦٧٠).
(٢) "وقع" مكررة في (ك).
[ ٨ / ٨٢ ]
فلمَّا قرَّرهم في الإبداء بأنَّه مِن اللّهِ تعالى، احتجَّ عليهم بأنَّ الإعادة إنشاءٌ مثلُ الإبداءِ، فإذا لم يُعجزْهُ الإبداءُ وجبَ أنْ لا يعجزَه الإعادةُ، فكأنَّه قال: ثمَّ ذلك الذي أنشأَ النَّشأةَ الأولى هو الذي ينشئُ النَّشأة الآخرة، فللتَّنبيه على هذا المعنى أبرزَ اسمَه وأوقعَه مبتدأً.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومن جملة الأشياء ما يُعاد، فهو قادرٌ على الإعادةِ.
* * *
(٢١) - ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾.
﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ تعذيبَه ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ رحمتَه ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾: تردُّون.
* * *
(٢٢) - ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ربَّكم؛ أي: لا تفوتونه إنْ هربتم مِن حُكمِه وقضائِه.
﴿فِي الْأَرْضِ﴾ الفسيحةِ ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ التي هي أفسحُ منها وأبسطُ لو كنْتُم فيها.
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولَّى أمورَكم فيحرُسَكم عن بلائي ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يمنعُ عذابي ويدفَعُه عنكم.
* * *
(٢٣) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
[ ٨ / ٨٣ ]
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: بدلائلِه على وحدانيَّته، أو بكتبِه ﴿وَلِقَائِهِ﴾ بالبعث.
﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ في الدُّنيا لإنكار البعث والجزاء.
﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرةِ بكفرِهم.
* * *
(٢٤) - ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾: قومِ إبراهيمَ ﵇، وقرئ بالرَّفع (^١) على أنَّه الاسم، والخبر:
﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾؛ أي: قال بعضُهم لبعضٍ، أو: قال واحدٌ منهم وكانَ الباقون راضين، ثم اتَّفقوا على تحريقِه.
﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ الفاء فصيحة؛ أي: قذفوه فيها، فأنجاه اللّهُ مِن النَّار بجعلِها عليه بردًا وسلامًا.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: في إنجائه منها ﴿لَآيَاتٍ﴾ هي عدمُ تأثيرها فيه مع شدَّةِ توقُّدِها، وكونُها باردةً عليه، وحارَّةً على ما هي (^٢) عليه.
رُوي: أنَّها لم تحرِقْ إلَّا الحبل الذي أوثقوهُ به (^٣).
_________________
(١) نسبت للحسن وسالم الأفطس. انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ١٠)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٣١٢)، و"البحر المحيط" (١٧/ ١٢٠).
(٢) "هي" سقط من (ك) و(ي) و(ع) و(م).
(٣) انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ٣١٣).
[ ٨ / ٨٤ ]
ورُوي: أنَّه لم يُنتفع ذلك اليوم بالنَّار لذهابِ حرِّها (^١).
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنَّهم المنتفِعون بها.
* * *
(٢٥) - ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: لِتَتوادُّوا بينكم وتتواصلوا؛ لاجتماعكم على عبادتها، واتِّفاقكم عليها كما يتَّفقَ النَّاسُ على مذهبٍ فيكون ذلك سببَ تحابِّهم.
وثاني مفعولي ﴿اتَّخَذْتُمْ﴾ محذوف، ويجوز أن يكون ﴿مَوَدَّةَ﴾ المفعولَ الثَّانيَ بتقدير مضافٌ أو بتأويلها بالمودودة؛ أي: اتخذتم أوثانًا سببَ (^٢) المودَّة بينكم.
وقرئَتْ منوَّنةً ناصبةً ﴿بينكم﴾، والوجهُ ما سبَقَ، وقرئَتْ مرفوعةً مضافةً على أنَّها خبرُ مبتدأ محذوفٍ (^٣)؛ أي: هي مودَّةُ، أو: سببُ مودَّةِ بينِكم، والجملةُ صفةُ ﴿أَوْثَانًا﴾ أو خبر (إنَّ) على أنَّ (ما) موصولة أو مصدريَّة، والعائد محذوف، وهو المفعول الأوَّل.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٥٠).
(٢) في النسخ: "بسبب". والمثبت من "الكشاف" (٣/ ٤٥٠)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ١٩٢)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٦٧٢).
(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: ﴿مودَّةُ﴾ بالرَّفع من غير تنوين ﴿بَيْنِكُمْ﴾ بالخفض، وحفص وحمزة: ﴿مَوَدَّةَ﴾ بالنَّصب من غير تنوين ﴿بَيْنِكُمْ﴾ بالخفض، والباقون: ﴿مَوَدَّةَ﴾ بالنَّصب والتَّنوين و﴿بَيْنِكُمْ﴾ بالفتح. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٣).
[ ٨ / ٨٥ ]
وقرئت مرفوعةً منوَّنةً ومضافةً بفتح (بينكم)، كما قرئ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] (^١).
﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ يتبرَّأُ القادة من الأتباع.
﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ يلعَنُ الأتباعُ القادةَ.
﴿وَمَأْوَاكُمُ﴾: مصيرُكم جميعًا ﴿النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يخلِّصونكم منها.
(٢٦) - ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾؛ أي: صدَّقَه فيما قاله واتَّبع له، لا أنَّه أحدثَ الإيمانَ في ذلك الوقت؛ لأنَّ الكفرَ لا يجوز على الأنبياء ﵈.
﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ من كُوْثَى؛ وهي (^٢) من سواد الكوفة.
﴿إِلَى رَبِّي﴾ إلى حيثُ أمر ربِّي (^٣).
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: المنيعُ الذي مَن لجأ إليه منعَه مِن (^٤) أعدائِه.
﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يأمرُ إلَّا بما فيه خيرٌ.
_________________
(١) انظر القراءتين في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٥)، و"الكشاف" (٣/ ٤٥٠)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ١٩٢)، وعنه نقل المؤلف كل ما سبق.
(٢) "وهي" من (ي) و(ع).
(٣) في (م): "أمرني ربي"، وفي (ف) و(ك): "أمرني".
(٤) في (ف): "أمن من"، وسقطت من (ك).
[ ٨ / ٨٦ ]
رُويَ أَنَّه هاجرَ مع لوطٍ ابنِ أخيه وسارةَ بنتِ عمِّه إلى حَرَّان، ثمَّ منها إلى الشَّام، ونزلَ فلسطينَ، ونزل لوطٌ سَدُومَ.
* * *
(٢٧) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ولدًا ونافلةً، قيل: حين أيس من الولادة مِن عجوز عاقر، ولذلك لم يُذكر إسماعيل ﵇، ويردُّه قوله: ﴿وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩].
﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ فإنَّه شجرة الأنبياء ﵈.
﴿وَالْكِتَابَ﴾ يريدُ به الجنس، فيتناول الكُتُبَ الأربعةَ.
﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ﴾ على هجرتِه إلينا ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: الثَّناءَ الحَسَنَ، والصَّلاةَ عليه إلى آخرِ الدَّهر، ومحبَّةَ أهلِ المِلَلِ له، وأمَّا ما (^١) تقدَّمَ ذكرُه فالعطف عليه يأبى عن دخوله في الأجر.
﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الذين لهم الدَّرجاتُ العُلَى.
* * *
(٢٨) - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَلُوطًا﴾ عطفٌ على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، أو على ما عُطِفَ عليه.
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م) زيادة: "قيل".
[ ٨ / ٨٧ ]
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾: الفِعلَةَ البالغةَ في القُبْحِ.
﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ جملةٌ مستأنَفةٌ مقرِّرةٌ لفحاشة تلك الفِعلَةِ، كأنَّ قائلًا قالَ: لِمَ كانت فاحشةً؟ فقيل: لأنَّ (^١) أحدًا قبلَهم لم يُقْدِمْ عليها.
* * *
(٢٩) - ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ طريقَ المارَّةِ بفعلكم الفاحشةَ بمَن يمُرُّ بكم، فتركَ النَّاسُ الممَرَّ بكم.
﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ﴾: مجلسِكُم الذي تجتمعون فيه، ولا يُسمَّى ناديًا إلَّا ما دام فيه أهلُه.
﴿الْمُنْكَرَ﴾ كالمضارَطةِ، والمجامعةِ، والسِّبابِ، والفُحْشِ في المِزاحِ، والخذفِ بالحصا، ومَضغِ العِلكِ، والفرقعةِ والسِّواك بين النَّاس (^٢).
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قد سبقَ في سورة الأعراف.
* * *
(٣٠) - ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ بإنزالِ العذابِ ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ بابتداعِ الفاحشةِ،
_________________
(١) في (ك): "إن".
(٢) ذكره الزمخشري عن ابن عباس ﵄. انظر: "الكشاف" (٣/ ٤٥٠).
[ ٨ / ٨٨ ]
وسنِّها فيمَن بعدَهم، وصفَهم بذلك مبالغةً في استنزالِ العذابِ، وإشعارًا بانهم أحقَّاءُ بأنْ يُعجَّلَ لهم العذاب.
* * *
(٣١) - ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
﴿جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾: بالبِشارةِ بالولدِ لقوله: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣].
﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾: قريةِ سَدُومَ، و﴿هَذِهِ﴾ تُشْعِرُ بأنَّها قريبةٌ مِن موضِعِ إبراهيم ﵇، والإضافةُ لفظيَّة؛ لأنَّ المعنى على الاستقبال.
﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ تعليلٌ لإهلاكِهم؛ أي: الظُّلمُ قد استمرَّ فيهم في الأيَّام السَّالفة، وهم عليه مصرُّون، وإنَّما قال: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا﴾ ولم يقلْ: (إنهم) تضمينًا للتَّعليل الإشعارَ بمنشأ خُبْثِ طبيعتِهم، وهو خبث طينتهم.
ففيه إشارةٌ خفيَّة إلى أنَّ المرادَ مِن أهل القرية: مَن نشأَ فيها، فلا يتناولُ لوطًا، ومَن لم يتنبَّه لهذا زعم أنَّ في قولهم الآتي تخصيصًا للأهل بمَن عداه.
* * *
(٣٢) - ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ معارضةٌ للموجِب بالمانع، وهو كونُ النَّبي بينَ أظهُرِهم.
[ ٨ / ٨٩ ]
وأمَّا الاعتراضُ عليهم بأنَّ فيها مَن لم يظلِم (^١)، فلا يناسبُ حالَ المعترض؛ لأنَّ مَبناه الغفولُ عن الإشارة التي قدَّمنا بيانها.
﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ﴾ منك ﴿بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ وليس هنا خطابٌ بمعنى حكمٍ شرعيٍّ، فلا وجهَ لِما قيل: فيه تأخيرُ البيانِ عن الخطابِ.
﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: الباقين في العذاب، قال في سورة الحجر: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا﴾ [الحجر: ٥٨ - ٦٠].
والتَّوفيقُ بينَ القولَيْن بأنْ يُقالَ: إنَّ الحكايةَ قد تكون على وجهِ التَّفصيلِ والنَّقلُ بالعبارة أو بمرادفها، وقد يكون على وجهِ الإجمالِ والنَّقلُ بحاصل المعنى، والمذكور ثَمَّةَ مِن قَبيلِ الثَّاني، والمذكور هاهنا مِن قَبيل الأوَّل.
ثمَّ أخبر عن مصير الملائكة إلى لوطٍ ﵇ بعدَ مفارَقَتِهم إبراهيمَ ﵇ بقوله:
(٣٣) - ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾: ساءَه مجيئُهم، و﴿أَنْ﴾ صلةٌ أَكَّدَتْ وجودَ الفعلينَ مرتَّبًا أحدُهما على الآخَر، كأنَّهما وُجِدا في جزءٍ واحدٍ مِن الزَّمانِ، كأنَّه قيل: كما أحسَّ بمجيئهم فاجأته المساءة مِن غير رَيْثٍ خيفةً عليهم مِن قومِه أنْ يتناولُوهم بالفُجور.
_________________
(١) رد على البيضاوي القائل: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ اعتراضٌ عليهم بأن فيها مَن لم يظلم. انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ١٩٣).
[ ٨ / ٩٠ ]
﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾: وضاقَ بشأنِهم وبتدبيرِ أمرِهم ذَرْعُهُ؛ أي: طاقته، وقد جعلوا ضيقَ الذَّرع والذِّراع عبارةً عن فقدِ الطَّاقة، كما قالوا: رَحْبُ الذِّراعِ، إذا كان مطيقًا له.
والأصل فيه: أن الرَّجلَ إذا طالَتْ ذراعُه نالَ ما لا ينالُه القصير الذِّراع، وصارَ ذلك مَثلًا في العَجْزِ والقُدْرةِ، وهو منصوبٌ على التَّمييزِ.
﴿وَقَالُوا﴾ عطفٌ على محذوفٍ متفرِّعٍ على ما تقدَّمَ، تقديرُه: فكشفوا الحالَ وقالوا ذلك لِمَا رأوا فيه أثرَ الضجرة، فالواوُ فصيحة.
﴿لَا تَخَفْ﴾ الخوفُ: انزجاعُ النَّفسِ بتوقُّعِ الضَّررِ.
﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ لا على تمكُّنِهم منَّا لاندفاع الخوف والحزن مِن تلك الجهة بإعلامهم أنَّهم رسلُ اللَّه، بل على نفسِه وأهلِه لمَّا عَلِمَ أنَّ نزولهم لحادثة عظيمة، فقولُهم (^١):
﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ تعليلٌ لنفي الخوف والحزن.
﴿وَأَهْلَكَ﴾ نصبٌ بإضمارِ فعلٍ؛ لأنَّ موضع الكاف جَرٌّ على المختار، أو بالعطف على محلِّها باعتبار الأصل.
﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ﴾؛ أي: في أمرِ اللّهِ ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: مِن الباقين في الهلاك.
* * *
(٣٤) - ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: عذابًا منها، سُمِّيَ
_________________
(١) في (ك): "بقولهم".
[ ٨ / ٩١ ]
بذلك لأنَّه يُقْلِقُ المعذَّب، مِن قولهم: ارتجزَ: إذا ارتجسَ؛ أي: اضطرَبَ، فاستُعْمِلَ لِمَا تضطربُ منه النَّفسُ.
﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: بسببِ استمرارِهم على تجديدِ الفسقِ في كلِّ حينٍ.
* * *
(٣٥) - ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا﴾: مِن القريةِ ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾: هي آثارُ منازلهم الخَرِبةِ.
وقيل: الحجارةُ الممطورة.
وقيل: الماءُ الأسودُ على وجهِ الأرضِ.
﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: يَستعملون عقولَهم في الاستبصار والاعتبار، وهو متعلِّق بـ ﴿تَرَكْنَا﴾ أو ﴿بَيِّنَةً﴾.
* * *
(٣٦) - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾: وأرسلنا إلى مدينَ ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ الأمرُ بالرَّجاءِ أمرٌ بسببِه اقتضاءً، ولا تجوُّز فيه.
ويجوز أن يكون الرَّجاء بمعنى الخوف، و﴿الْيَوْمَ﴾ مجازٌ عمَّا فيه مِن الثَّوابِ أو العقاب.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قد سبقَ تفسيرُه.
* * *
[ ٨ / ٩٢ ]
(٣٧) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: هي زعزعةُ الأرضِ تحتَ القدمِ، وفي سورة الحجر: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣]؛ أي: صيحةُ جبريل ﵇، وهي سببُ الرَّجفةِ.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾: في ديارهم، على ما ذُكِرَ في سورة هود ﵇، فاكتفى هنا بالواحد لِأَمْنِ اللَّبْسِ.
﴿جَاثِمِينَ﴾ الجاثِمُ: البارك (^١) على ركبتيه مستقبِلًا بوجهِهِ الأرضَ؛ أي: ميِّتين على هذا الحال.
* * *
(٣٨) - ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾.
﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ منصوبان بفعلٍ دلَّ عليه ما قبله مثلَ: أهلكنا. وقرئ: ﴿وَثَمُودَ﴾ غير منصرِّف على تأويل القبيلةِ (^٢).
﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ ذلك، يعني: ما وصفَه مِن إهلاكِهم.
﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ مِن جهةِ مساكِنهم إذا نظرتم إليها عند مرورِكم بها، وكانَ أهلُ مكَّة يمرُّون عليها في بعض أسفارِهم فيبصرونها.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ مِن الكفْرِ والمعاصي.
_________________
(١) في (ك): "النازل".
(٢) قرأ حفص وحمزة بفتح الدَّال من غير تنوين ووقفًا بغير ألف، والباقون بالتنوين ووقفوا بالألف. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٥).
[ ٨ / ٩٣ ]
﴿فَصَدَّهُمْ﴾ الصَّدُّ: الصَّرْفُ عن الخير، ولا يقال: صدَّه عن الشَّرِّ، ولكن يقال: صرَفَه عن الشَّرِّ ومنعَه منه (^١).
﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: الصِّراط المستقيم الذي هداهُم إليه الرُّسُلُ.
﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾: متمكِّنين مِن النَّظر والاستبصارِ لكنَّهم لم يفعلوا، أو: متبيِّنين أنَّ العذابَ لاحقٌ بهم بإخبارِ الرُّسلِ لهم، ولكنَّهم لَجُّوا حتَّى هلَكوا.
* * *
(٣٩) - ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾.
﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ معطوفٌ على ﴿وَعَادًا﴾، وتقديم ﴿وَقَارُونَ﴾ لشرف نسبه.
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾: فائتين، بل أدركَهم أمرُ اللّهِ، مِن سبقَ طالبَه: إذا فاتَه.
* * *
(٤٠) - ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
﴿فَكُلًّا﴾ مِن المذكورِين ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾: عاقبنا بسببٍ مِن جهتِه.
_________________
(١) في (م): "عنه".
[ ٨ / ٩٤ ]
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ الحاصبُ: ريحٌ تأتي بالحصباء، وهي (^١) الحصا الصِّغار كقومِ لوطٍ.
﴿مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ كمدين وثمود.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ كقارون.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ كفرعون وقومه، وأمَّا قومُ نوح ﵇ فليسوا (^٢) مِن المذكورين.
الغرقُ لا يكون إلَّا في الماء بخلاف الخسف، ولذلك زاد فيه قوله: ﴿بِهِ الْأَرْضَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾: ليعاملهم معاملةَ الظالم فيعاقبَهم بغير جُرْمٍ، وزيادة ﴿كَانَ﴾ لبيان أنَّه ليس مِن عادته ذلك.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالتَّعريض للعذاب.
* * *
(٤١) - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: مَثَلُ مَن أشرَكَ باللّه الأوثانَ.
﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ التَّاءُ فيه كتاء (طاغوت)، تقع على الواحد والجمع، والمذكَّر والمؤنَّث.
_________________
(١) في (ك): "وهو".
(٢) في (ك): "ليسوا"، وفي (ي) و(ع): "ليس".
[ ٨ / ٩٥ ]
﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾؛ أي: كمَثَل العنكبوت فيما تتَّخذُه لنفسِها مِن بيتٍ؛ فإنَّ ذلك البيت لا يدفعُ عنها الحرَّ والبرد، ولا يقي ما تقي البيوتُ، فكذلك الأوثان لا تنفعُهم في الدُّنيا والآخرة.
ولا وجهَ لِمَا قيل في تفضيل (^١) بيتها: بل ذلك أوهن، فإن لهذا حقيقةً وانتفاعًا مَّا (^٢)؛ لأنَّ قضية التَّشبيه عكس هذا.
﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ مِن هنا ظهر أنَّ الغرضَ تشبيهُ ما اتَّخذوه مُتَّكَلًا ومعتمَدًا في دينهم بما هو مَثَلٌ عند النَّاسِ في الوهن والضَّعف، لا تشبيهُ ذواتِهم بالعنكبوت.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: يرجعون إلى علمٍ لعَلِموا أنَّ هذا مَثَلُهم، أو أنَّ دينَهم أوهنُ مِن ذلك، ويجوز أنْ يُخرجَ الكلامُ بعد تشبيهِ دينهم ببيت العنكبوت مخرَجَ الاستعارة؛ فيُرادَ ببيتِ العنكبوتِ دينَ المشركين وعبادةَ الأوثان، فيكون استعارةً مصرِّحة تمثيليَّةً.
* * *
(٤٢) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ على إضمار القول؛ أي: قل للكفرة: إنَّ اللَّه يعلم.
_________________
(١) في هامش (ع) و(ف) و(ي): "موجب التفضيل أن يكون سائر البيوت دونه في الوهن فلا يجدي ما قيل في تفسيره: لا بيت أوهن منه. منه".
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ١٩٥).
[ ٨ / ٩٦ ]
وقرئ: ﴿يَدْعُونَ﴾ بالياء (^١)، حملًا على ما قبله.
و﴿مَا﴾ استفهاميَّةٌ منصوبة بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، و﴿يَعْلَمُ﴾ معلَّقةٌ عنها، و﴿مِن﴾ للتَّبيين.
أو نافيةٌ و﴿مِن﴾ مزيدة، و﴿شَيْءٍ﴾ مفعولُ ﴿يَدْعُونَ﴾.
أو مصدريةٌ و﴿شَيْءٍ﴾ مصدر (^٢).
أو موصولةٌ مفعولٌ لـ ﴿يَعْلَمُ﴾، ومفعولُ ﴿يَدْعُونَ﴾ عائدُه المحذوف.
والكلام على الأوَّلَيْنِ تجهيلٌ لهم وتوكيدٌ للمَثلِ، وعلى الآخرَيْنِ وعيدٌ لهم.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تعليلٌ على المعنيَيْنِ، فإنَّ مِن فَرْط الغباوة إشراكُ ما لا يُعدُّ شيئًا بمن (^٣) هذا شأنه، وأنَّ الجمادَ بالإضافة إلى القادر القاهر على كلِّ شيءٍ، البالغِ في العلم وإتقان الفعل الغايةَ، كالمعدوم، وأنَّ مَن هذا صفتُه قَادِرٌ (^٤) على مجازاتهم.
* * *
(٤٣) - ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾.
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ يعني: المثلُ المذكور وأشباهُه.
﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ تقريبًا لِمَا بَعُدَ مِن أفهامِهم.
_________________
(١) قراءة عاصم وأبي عمرو، وباقي السبعة بالتاء. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٤).
(٢) "شيء مصدر" سقط من (ك)، و"مصدر" سقط من (ف).
(٣) في (ف) و(م) و(ي) و(ع): "لمن".
(٤) في النسخ: "قدر"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٤/ ١٩٥).
[ ٨ / ٩٧ ]
﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾: وما يعقلُ حسنَها وفائدتَها ﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾: الواقفون على أنَّ الأمثال والتَّشبيهات إنَّما هي الطُّرق إلى المعاني (^١) المستورة حتَّى تبرزَها وتصوِّرَها للأفهام.
* * *
(٤٤) - ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ مُحقًّا؛ يعني: لم يخلقهما باطلًا، بل لحكمةٍ، وهي أنْ تكونا (^٢) مساكنَ عبادِه، وعبرةً للمعتبِرين منهم، ودلائلَ على (^٣) عظم قدرته، كما أشار إليه بقوله:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ خصَّهم بالذِّكرِ لأنَّهم المنتفِعون بها.
* * *
(٤٥) - ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ تقرُّبًا إلى الله بقراءته، وتحفُّظًا لألفاظه، واستكشافًا لمعانيه؛ فإنَّ القارئ المتأمِّل قد ينكشِفُ له بالتَّكرارِ ما لم ينكشفْ له أوَّل ما قرعَ سَمْعَه.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾؛ أي: دُمْ على إقامَتِها.
_________________
(١) في (ك): "للمعاني".
(٢) في (ف) و(ك) و(ي): "تكون".
(٣) "على" سقط من (م).
[ ٨ / ٩٨ ]
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قد مرَّ تفسيرُهما، والنَّهيُ مجازٌ عن المنعِ.
رُويَ: أنَّ فتًى مِن الأنصار كان يصلِّي معَ رسول اللَّه ﵊ ولا يَدَعُ شيئًا من الفواحش إلَّا ركبَه، فوُصِفَ له ﵇ فقال: "إنَّ صلاتَه ستنهاهُ"، فلم يلبَثْ أنْ تابَ (^١).
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؛ أي: والصلاةُ أكبرُ مِن غيرِها مِن الطَّاعات، وإنَّما عبَّرَ عنها به لتستقلَّ بالتَّعليل، كأنَّه قالَ: والصَّلاةُ أكبرُ لأَنَّها ذِكرُ اللّهِ.
أو: لذكرُ اللّهِ (^٢) إيَّاكم برحمته أكبرُ مِن ذكركِم إيَّاه بطاعتِه.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ منه ومن سائر الطَّاعاتِ، فيجازيكم بها أحسنَ المجازاة.
* * *
(٤٦) - ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ أصلُ الجدالِ: شِدَّة الفَتْلِ (^٣).
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ٢٨١)، و"الكشاف" (٣/ ٤٥٦)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٣٢٠)، وعزاه الثعلبي وابن عطية لرواية أنس ﵁، لكن قال الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: ١٢٨): (لم أجده). قلت: روى الإمام أحمد في "المسند" (٩٧٧٨)، وابن حبان في "صحيحه" (٢٥٦٠)، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول اللَّه، إنَّ فلانًا يصفي باللَّيل، فإذا أصبحَ سرقَ، قال: "سينهاهُ ما تقولُ". ورجاله رجال الصحيح كما في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٥٨).
(٢) "ولذكر الله" زيادة من (ي).
(٣) قال الخازن في "تفسيره" (١/ ٥٩٥): "لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يفتل صاحبه عما هو عليه".
[ ٨ / ٩٩ ]
﴿إِلَّا بِالَّتِي﴾: إلَّا بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ كمعارضة الخشونةِ باللِّين، والغضب بالكَظْم، والمشامَتة بالنُّصح.
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ بالإفراطِ في الاعتداءِ والعِناد، فلم ينفعْ فيهم الرِّفقُ.
وقيل: معناه: ولا تجادلوا الدَّاخلين في الذِّمَّة إلَّا بالتي هي أحسنُ، إلَّا الذين ظلموا فنبذوا الذِّمَّة ومنعوا الجزية، ومجادلتُهم بالسَّيف.
﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ مِن جِنس المجادلة بالأحسن، وعن النَّبيِّ ﵇: "لا تصدِّقوا أهلَ الكتابِ ولا تكذِّبوهم، وقولوا: آمنَّا باللّهِ وكتبِه ورسلِه، فإن كان باطلًا لم تصدَّقوهم، وإنْ كان حقًّا لم تكذِّبوهم" (^١).
﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: مطيعون له خاصَّة، وفية تعريضٌ باتِّخاذهم أحبارَهم ورهبانَهم أربابًا مِن دونِ اللّهِ.
* * *
(٤٧) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثْلَ ذلك الإنزالِ ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ مصدِّقًا لكتبهم بأنْ نزلَ على ما وُصِفَ فيها.
﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ كعبد اللَّه بن سلام وأضرابه، تفريعٌ على نزول القرآن على ما وُصِفَ في كتابهم، وإنَّما قالَ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ دون: آمنوا به؛ لأنَّ منهم مَن لم يؤمن بعدُ.
_________________
(١) روى نحوه أبو داود (٣٦٤٤) من حديث أبي نملة الأنصاري ﵁، وأصل الحديث عند البخاري (٤٤٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٨ / ١٠٠ ]
﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الإشارةُ إلى أهل مكَّة، أو إلى عامَّة العربِ، لا إلى مَن في عهد الرَّسولِ ﵇ مِن أهل الكتاب؛ لأنَّهم داخلون فيما تقدَّم، ولا مجال لتخصيصه بمَن تقدَّم عهدَه ﵇ لأنَّ التَّفريع يأباه (^١).
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ مع ظهورِها وقيامِ الحجَّة عليها، ولذلك قال: ﴿وَمَا يَجْحَدُ﴾؛ فإنَّ الجَحْدَ ليسَ مطلقَ الإنكارِ، بل الإنكارُ بعدَ المعرفةِ.
﴿إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾: إلا السَّاترون للحقِّ بعدَ وضوحِه عندهم عنادًا (^٢).
* * *
(٤٨) - ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: مِن قبلِ نزولِ القرآن عليك، فيُفهَم منه أنَّه ﵇ كان قادرًا على التِّلاوة والخطِّ بعدَه.
﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ عربيًّا كان أو عبريًّا أو سريانيًّا أو فارسيًّا.
﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ فإنَّ ظهورَ هذا الكتاب الجامعِ لأنواع العلوم الشَّريفة على مَن لا يقدرُ على القراءة والخطِّ (^٣) خارقٌ للعادة.
وذِكرُ اليمين زيادةُ تصويرٍ للمنفيِّ، ونفيٌ للتَّجوُّز في الإسناد، وما فيه من الإطناب المعنوي لإفادة أنَّ الكتابة من أشرف الصِّناعات، فحقُّها أن تكون باليمين
_________________
(١) في هامش (ي): "رد للكشاف"، وهو كما قال.
(٢) في هامش (ف) و(ي) و(ع): "ولولا هذا الاعتبار لكان الكلام خلوًا عن الفائدة. منه".
(٣) في هامش (ي): "من بدل الخط بالتعلم فكأنه استلال [أو: استدراك، أو: استدلال]، ولا يخفى ما فيه. منه".
[ ٨ / ١٠١ ]
دون اليسار المخصوصةِ بخسائس الأمور، على ما أشار إليه النَّبيُّ ﵇ بقوله: "اليمين للوضوء واليسار للاستنجاء" (^١).
﴿إِذًا﴾ تقديره: ولو كنْتَ تتلو الكتابَ وتخطُّه إذًا ﴿لَارْتَابَ﴾: لشكَّ ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ مِن أهل الكتاب، وقالوا: الذي نجده في كُتبنا أميٌّ لا يقرأُ ولا يكتبُ، وليس به.
وإنَّما سمَّاهم مبطلين لأنَّهم وجدوه في كتبهم كذلك فغيَّروه (^٢).
قيل: أي: لو كنْتَ ممَّنْ يخطُّ (^٣) ويُقرأُ لقالوا: لعلَّه تعلَّمَ أو التقطه مِن كتبِ الأقدمين.
وفيه: أنَّ ذلك الارتياب لا يندفع بكونه ﵇ أُمِّيًّا؛ فإنَّ التَّعلُّم مِن الغير لا يتوقَّفُ على القراءة والكتابة.
* * *
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ويوجد أحاديث كثيرة لاستحباب استخدام اليمين في الوضوء وما يستحسن، والنهي عن استخدامها في الاستنجاء، منها ما رواه البخاري (١٥٣) ومسلم (٢٦٧) عن أبي قتادة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه". وروى أبو داود (٣٣) عن عائشة ﵂ قالت: "كانت يد رسول اللَّه ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى".
(٢) في هامش (ع) و(ي): "لمَّا عرفت أن الارتياب مخصوص بهم بين أهل الكتاب فقد ظهر عندك وجه التعبير بالمبطلين دون الكافرين، ومن لم يتنبه لذلك زعم أن المراد منهم الكافرين. منه".
(٣) في (ف) و(ي): "تخطه".
[ ٨ / ١٠٢ ]
(٤٩) - ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾.
﴿بَلْ هُوَ﴾: بل القرآنُ ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هما مِن خصائص القرآن: كونه آياتٍ بيِّناتٍ للإعجاز، وكونه محفوظًا في الصُّدور، بخلافِ سائر الكتُبِ السَّماويَّة؛ فإنَّها لم تكن معجزات في حدود أنفسها (^١)، وما كانت (^٢) تقرأ إلَّا مِن المصاحفِ.
وفي قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ تشريف للحفَّاظِ، وتنبيهٌ على أنَّ حفظه حقيقةً إنَّما يكون بالوقوف على معانيه.
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾: إلَّا المتوغِّلون في الظُّلم بالمكابرة بعدَ وضوح دلائل الإعجاز.
* * *
(٥٠) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ عطفٌ على اللَّازم ممَّا تقدَّم؛ أي: لم يَعتدُّوا (^٣) بتلك الآيات وقالوا:
_________________
(١) في هامش (ي) و(ع): "ولا ينافي هذا كون بعضها معجزة من جهة أخرى، كالتوراة فإنها نزلت من السماء مكتوبة. منه".
(٢) "كانت" سقطت من (ع).
(٣) في (ع): "لا تعبدوا"، وفي (ف): "لا تعدوا"، وفي (ك): "لا تعتدوا"، وفي (م): "لا يقتدوا"، وفي (ي): "لا يعتدوا"، والصواب المثبت.
[ ٨ / ١٠٣ ]
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ مثلَ ناقةِ صالح، وعصا موسى، ومائدةِ عيسى، ﵈.
﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ينزِلها كما يشاءُ، وأمَّا ما قيل: لسْتُ أهلَها فآتيَكم بما تقترحونه، فلا يناسبُ المقامَ؛ لأنَّ الاقتراح كان من الله تعالى لا منه ﵇ ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ليسَ مِن شأني إلَّا تبليغُ ما أُمِرْتُ به مِن الإنذار والإبانةِ ممَّا أُعْطِيْتُ مِن الآيات، والاقتصارُ على ذِكْرِ الإنذارِ لزيادةِ التَّهديد لهم والوعيدِ في حقِّهم، وإلَّا فشأنه ﵇ غير مقصور على ما ذُكِرَ، بل التَّبشيرُ أيضًا من شأنه.
* * *
(٥١) - ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ آيةٌ مغنية عمَّا اقترحوه.
﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: الكاملَ في جنسِه.
﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: تدومُ تلاوتُه عليهم في كلِّ مكانٍ وزمانٍ، فلا يزال معهم آيةً ثابتةً لا تزولُ كما تزول كلُّ آيةٍ بعدَ كونِها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: إنَّ في مثل هذه الآية الموجودة في كلِّ مكانٍ وزمانٍ إلى آخرِ الدَّهر.
﴿لَرَحْمَةً﴾: لنعمةً عظيمةً ﴿وَذِكْرَى﴾: وتذكرةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لمن همُّه الإيمانُ دونَ التَّعنُّت.
* * *
[ ٨ / ١٠٤ ]
(٥٢) - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ بصِدْقي (^١)، وقد صدَّقني بالمعجزات، أو: بتبليغي ما أُرْسِلْتُ به إليكم ونصحي ومقابلتِكم إيَّايَّ بالتَّكذيبِ والتَّعنُّتِ.
﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو مُطَّلِع على أمري وأمرِكم، وعالمٌ بحقِّي وباطلِكم.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ وهو الذي يُعبَدُ مِن دونِ اللّهِ ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ منكم ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ في صفقتهم حيث اشتروا الكفرَ بالإيمانِ.
* * *
(٥٣) - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ بقولهم: أمطرْ علينا حجارةً مِن السَّماء.
﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ على مقتضى الحكمة لكلِّ عذابٍ أو قومٍ ﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ عاجلًا.
﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ العذابُ في الأجل المسمَّى ﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بوقتِ مجيئه، فليس وقعة بدر منه (^٢).
_________________
(١) في (م): "يصدقني".
(٢) في (ك): "فليس وقت بدر منه"، وفي (ف): "فليس وقت بدلٌ منه"، وفي (م): "فليس وقت يدرأ منه". والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب، حيث ذكره ردًا على البيضاوي (٤/ ١٩٧) في قوله: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة في الدنيا كوقعة بدر.
[ ٨ / ١٠٥ ]
(٥٤ - ٥٥) - ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أعاده لربط قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ﴾ أُرِيدَ بـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ ما يوجبُها، أو نزَّل الإحاطة المقدَّرة منزلةَ المحقَّقة للقَطْع بوقوعِها، وهذا بحسب النَّظر الجليل.
وأمَّا الذي يقتضيه النَّظر الدَّقيق: فهو أنَّه تعالى مُنزَّه عن النِّسَبِ الزَّمانيَّة، فالكائناتُ كلُّها واقعةٌ في أوقاتِها (^١) المعيَّنة بالنَّظر إليه تعالى، فلا تجوُّزَ في أحدِ جُزْأي الكلام.
﴿بِالْكَافِرِينَ﴾ اللَّام للعهد على وضع الظَّاهر موضعَ المضمَرِ؛ للدِّلالة على موجِب الإحاطة، أو للجنس فيكون استدلالًا بحكم الجنس على حكمِهم.
ولا وقف على ﴿بِالْكَافِرِينَ﴾ لأنَّ: ﴿يَوْمَ﴾ ظرفُ إحاطةِ النَّار بهم.
﴿يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ كقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦].
وذكر (^٢) ﴿أَرْجُلِهِمْ﴾ للدِّلالة على أنَّ تلك التَّغشية في حال انتصابهم.
﴿وَيَقُولُ﴾ اللّهُ، أو بعضُ الملائكةِ بأمرِه؛ لقراءة: ﴿ونقول﴾ بالنُّونِ (^٣): ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: جزاءَه.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(ك): "إفادتها".
(٢) في (ك): "ذكر".
(٣) قرأ الكوفيون ونافع بالياء، وباقي السبعة بالنون. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٤).
[ ٨ / ١٠٦ ]
(٥٦) - ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾.
﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾؛ أي: إذا لم تتسهَّل العبادةُ في بلدةٍ، ولم يتيسَّرْ لكم إظهارُ دينِكُم، فهاجروا إلى حيثُ يتمشَّى لكم ذلك، والفاء في قوله:
﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ جوابُ شرطٍ محذوفٌ؛ إذ المعنى: إنَّ أرضي واسعةٌ، إنْ لم تخلِصوا العبادةَ في أرضٍ فأخلِصوها في غيرها، ثمَّ حذفَ الشَّرطَ وعوَّضَ مِن حذفه تقديمَ المفعولِ، مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص، ثمَّ شجَّع المهاجِرَ بقوله:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ ¶٢٩¶٥٧
(٥٨ - ٥٩) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾: لننزلنَّهم ﴿مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾: علاليَ.
وقرئ: ﴿لَنُثْوينَّهم﴾ مِن الثَّواء (^٢)، وهو النُّزولُ للإقامة، وثَوَى غيرُ متعدٍّ، فإذا
_________________
(١) في (م): "تيقن".
(٢) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٤).
[ ٨ / ١٠٧ ]
تعدَّى بزيادة الهمزة لم يتجاوز مفعولًا واحدًا، والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف: إما إجراؤُه مجرى لننزلنَّهم ولنبوِّئنَّهم، أو حذف الجار وإيصال الفعل، أو تشبيهُ الظَّرفِ المؤقَّتِ بالمبهم.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ وقرئ: (فنعم) (^١)، والمخصوص بالمدح محذوف دلَّ عليه ما قبلَه.
ويُوقف على ﴿الْعَامِلِينَ﴾ على أنَّ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هم الذين صبروا على أذيَّة المشركين، والهجرةِ للدِّين، إلى غير ذلك مِن المحنِ والمشاقِّ.
والوصل أجود؛ ليكون ﴿الَّذِينَ﴾ نعتًا لـ ﴿الْعَامِلِينَ﴾.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: ولا يتوكَّلون في جميع ذلك إلَّا على اللّهِ.
* * *
(٦٠) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿وَكَأَيِّنْ﴾: وكم ﴿مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾: لا تطيقُ حملَه لضعفِها، ولا تدَّخره، وإنَّما تصبح ولا معيشةَ عندَها.
﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ ثمَّ إنَّها مع ضعفِها وتوكُّلِها، وإيَّاكم مع قوَّتِكم واجتهادِكم في الكسْبِ، سواءٌ في أنَّه (^٢) لا يرزُقها وإيَّاكم إلَّا اللَّه، فإنَّه لو لم يقدِّركم ولم يقدِّرْ لكم أسبابَ الكسب لكنْتُم أعجزَ مِن أضعفِ الدَّوابِّ، فلا تخافوا على معاشِكم بالهجرةِ.
_________________
(١) نسبت ليحيى بن وثاب. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٥).
(٢) في (ك): "أنها".
[ ٨ / ١٠٨ ]
رُويَ أَنَّهم لَمَّا أُمِروا بالهجرة قال بعضُهم: كيف نَقْدمُ بلدةً ليس لنا فيها معيشة، فنزلَتْ (^١).
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لقولِكم: نخشى الفقرَ والضَّيعةَ ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في ضمائرِكم.
* * *
(٦١) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ المسؤول أهل مكَّة.
﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾؛ أي: هم مُقرُّون بذلك، ولا يخفى ضعفُ التَّمسُّكِ بوجوب انتهاء الممكنات إلى واحدٍ واجبِ الوجود في هذا المطلبِ.
﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: فكيفَ يُصرَفون عن (^٢) توحيده مع إقرارِهم بهذا كلِّه.
* * *
(٦٢) - ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: يوسِّعُه ﴿لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِر﴾ يُقالُ: قَدَرَ الرِّزقَ وقتَرَهُ: إذا ضيَّقه.
﴿لَهُ﴾؛ أي: لِمَن يشاءُ، فوضعَ الضَّميرَ مَوْضِعَ (من يشاء) لأنَّه مُبْهَمٌ غيرُ معيَّن، فكان الضَّميرُ مُبْهمًا مثلَه.
وليس المراد مِن الموسَّع له والمضيَّق عليه واحدًا باعتبار الوَقْتَين؛ إذ حينئذٍ حقُّ قوله: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أنْ يُصدَّرَ بأداة التَّعاقبِ.
_________________
(١) انظر: "النكت والعيون" (٤/ ٢٩٣)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ١٩٨).
(٢) في (م): "على".
[ ٨ / ١٠٩ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يعلمُ ما يُصلِحُ العبادَ وما يفسدُهم.
* * *
(٦٣) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ معترِفين بذلك، فكيف يشركون به ما لا يقدِرُ على شيءٍ أصلًا.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هذه النِّعمةِ العُظمى، فإنَّ الماءَ مادَّةُ حياةِ كلِّ شيءٍ.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فلا يعلمون ما يقولون، وما فيه مِن الدِّلالة على بطلانِ الشِّركِ وصحَّة التَّوحيد.
وكلمة ﴿بَلْ﴾ إضرابٌ عن جهلِهم الخاصِّ في الإتيان بما هو حجَّة عليهم، يعني: أنهم مسلوبو (^١) العقولِ، فلا يَبعدُ عنهم مثلُه.
وقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ معترِض، ويأتي في سورة لقمان تفسيرُ هذه الآيةِ بوجهٍ آخر.
* * *
(٦٤) - ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ إشارةُ تحقيرٍ، كيف وهي لا تزنُ (^٢) عند اللَّه جناحَ بعوضة.
_________________
(١) في (ف): "مسلوبون".
(٢) في (ف) و(ك): "تسوى"، وفي (م): "وهي لا تزن عند الله ولا تسوى عند الله".
[ ٨ / ١١٠ ]
﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾؛ أي: ما هي لسرعةِ زوالِها وعدمِ النَّفعِ في مآلها إلَّا كما يَلْهَى وَيلعبُ به الصِّبيان، ويجتمعون إليه، ويبتهجون به ساعةً، ثمَّ يتفرَّقون.
واللَّهْوُ: ما يتلذَّذُ به الإنسانُ فيلهيه ساعةً ثمَّ ينقضي.
﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾؛ أي: هي دارُ الحياةِ الحقيقيَّة، لعدمِ طَرَيان الموت عليها، أو كأنَّها في ذاتها حياةٌ؛ إذ ليس فيها إلَّا حياة مستمرَّة دائمة.
و﴿الْحَيَوَانُ﴾: مصدرُ حَيِيَ، وقياسُه: حَيَيَان، فقُلِبَتِ الياء الثَّانية واوًا، ولم يقل: لهي الحياة؛ لِمَا في بناء فَعَلان من معنى الحركة والاضطراب، والحياةُ حركة والموتُ سكون، فمجيئه على بناءٍ دالٍّ على معنى الحركة مبالغةٌ في معنى الحياةِ.
ويوقف على ﴿الْحَيَوَانُ﴾ لأنَّ التَّقدير: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ حقيقةَ الدَّارَيْن لَمَا اختاروا اللَّهو الفانيَ على الحيوان الباقي، ولو وُصِلَ لصار وصفُ الحيوان معلَّقًا بشرطِ علمِهم ذلك، وليس كذلك.
* * *
(٦٥) - ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.
﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ مُتَّصلٌ بما دلَّ عليه ما قبلَه مِن شرح حالِهم بطريق الإشارة، وليس هنا محذوفٌ؛ أي: هم على ما وُصِفوا به مِن الشِّرك والعناد، فإذا ركبوا في البحر ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ في تلك الحالة.
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ حقيقةً، حيث لا يَدْعون معه غيرَه؛ لعلمِهم بأنَّه لا يكشف الشَّدائدَ إلَّا هو، وهذا - أي: التَّوافق بين العلم والعمل - حقيقةُ الإخلاصِ، لا
[ ٨ / ١١١ ]
صورتُه (^١)، وأيضًا مساقُ الكلام في تقبيح حالِهم وكمالِ القبح في انقلابهم عن الإخلاص إلى الشِّرك بغتةً.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾: فاجَؤوا المعاوَدَةَ إلى الشِّرك.
* * *
(٦٦) - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ اللَّام فيه لام (كي)، وكذا في:
﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ على قراءة الكسر؛ أي: يعودون إلى شركهم ليكونوا بالعَود إليه كافرين بنعمة النَّجاة، متمتِّعين باجتماعهم على عبادة الأصنام، وتوادِّهم (^٢) عليها والتَّلذُّذِ لا غير، على خلاف عادة المخلصين من المؤمنين، فإنَّهم يشكرون نعمة اللَّه تعالى إذ أنجاهم، ويجعلون نعمة النَّجاة ذريعةً إلى زيادة الطَّاعة، لا إلى التَّمتُّع والتَّلذُّذ (^٣).
وعلى هذا لا وقفَ على ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ومَن جعلَه لام الأمر متشبِّثًا بقراءة السُّكون (^٤) على وجه التَّهديد كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] يقفُ عليه.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ سوءَ تدبيرِهم عندَ تدميرِهم.
* * *
_________________
(١) في (ف): "صورة".
(٢) في (ك): "وتواددهم".
(٣) في (م): "التلذذ والتمتع".
(٤) قراءة ابن كثير وقالون وحمزة والكسائي، وباقي السبعة بكسر اللَّام. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٤).
[ ٨ / ١١٢ ]
(٦٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ أي: أهل مكَّة ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ بلدَهم ﴿حَرَمًا﴾: ممنوعًا مصونًا عن النَّهب والتَعدي ﴿آمِنًا﴾: يأمنُ داخلوه سواءٌ كان مِن أهلِه أو مِن غيرِهم مِن القتلِ والسَّبي.
﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يُختلسون قَتْلًا وسَبْيًا؛ إذ كانَتِ العربُ حولَه في تغاورٍ وتناهبٍ.
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾: أبعدَ هذه النِّعمةِ المكشوفةِ وغيرِها ممَّا لا يَقدرُ عليه إلا اللَّه، بالصَّنم أو الشَّيطانِ ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ حيثُ أشركوا به غيرَه، وتقديم الصِّلتَيْن لمحافظةِ الفاصلةِ والاختصاصِ على طريق المبالغةِ.
* * *
(٦٨) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأنْ جعلَ له شريكٌ، قائلينَ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وهذا القولُ منهم باعتبار أنَّ التَّقرُّبَ لا يكون إلَّا بالطَّاعة في معنى القول بأنَّ تلك العبادةَ طاعةٌ أمروا بها، وهذا افتراءٌ منهم على اللَّه تعالى.
ثُمَّ إنَّ الافتراءَ نفسَه وإن كان لا يخلو عن كذبٍ لكنَّ المفتَرى قد يكون صادقًا، والمفتَرى هاهنا - وهو كون عبادة الأصنام طاعةً - لَمَّا كان كذبًا زادَ قولَه: ﴿كَذِبًا﴾ زيادةً (^١) في تقبيحِ شأنِهم.
_________________
(١) "زيادة" سقط من (ك).
[ ٨ / ١١٣ ]
﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾؛ يعني: الرَّسول أو الكتاب.
وفي: ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ تسفيهٌ لهم حيثُ لم يتوقَّفوا ولم يتأمَّلوا قطُّ حين جاءهم، بل سارعوا إلى التَّكذيبِ أوَّلَ ما سمعوه.
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ تقريرٌ لثوائهم فيها؛ أي: ألا (^١) يَثْوون فيها، وقد افتروا مثل هذا الافتراء على اللَّه، وكذَّبوا بالحقِّ هذا التَّكذيب؛ أو: ألم يصحَّ عندهم أنَّ في جهنَّم مثوًى للكافرين، حتَّى اجترؤوا مثلَ هذه الجرأة.
* * *
(٦٩) - ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ أطلقَ المجاهدة ليتناولَ كلَّ ما تجب مجاهدته من الأعادي الظَّاهرة والباطنة بأنواعها.
﴿فِينَا﴾: في حقِّنا ومن أجلِنا ولوجهنا خالصًا.
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾: لنزيدنَّهم هدايةً إلى سُبُلِ الخير وتوفيقًا لسلوكها، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧].
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالنُّصرةِ والمعونةِ في الدُّنيا، وبالثَّوابِ والمغفرة في العُقبى.
* * *
_________________
(١) في النسخ عدا (ف): "لا"، والمثبت من (ف)، وهو الصواب.
[ ٨ / ١١٤ ]