﷽
(١) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.
﴿تَبَارَكَ﴾: تزايدَ خيرُه وتكاثرَ، أو: تزايدَ عن كلِّ شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، وهي كلمةُ تعظيمٍ لم تُستعمل إلَّا لله وحده، والمستعملُ منه الماضي فحَسْب، وترتيبه على إنزال الفرقان لِمَا فيه من كثرة الخير.
﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ مرَّ تفسيره في سورة آل عمران.
﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ وقرئ: (على عباده) (^١)، وهم رسولُ الله ﷺ وأمَّتُه، أو المرسلون بالكتب السماوية؛ على أن الفرقانَ اسمُ جنسٍ.
﴿لِيَكُونَ﴾ العبدُ أو الفرقانُ ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾: للثَّقَلين ﴿نَذِيرًا﴾: مُنذِرًا، أو: إنذارًا؟ كالنَكير بمعنى الإنكار.
وهذه الجملة معلومةٌ للرسول ﵊، ولا يَلزم أن تكون الصلةُ معلومةً لكلِّ أحدٍ (^٢).
_________________
(١) نسبت لعبد الله بن الزبير. انظر: "مختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٣)، و"المحتسب" (٢/ ١١٧).
(٢) رد على البيضاوي في قوله: (هذه الجملة وإن لم تكن معلومة لكنها لقوة دليلها أجريت مجرى المعلوم وجعلت صلة). قال الشهاب: هذا بناء على أن جملة الصلة لا بد أن تكون معلومة قبل =
[ ٧ / ٣٠٩ ]
(٢) - ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾.
﴿الَّذِي﴾ رفعٌ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو على الإبدال من ﴿الَّذِي نَزَّلَ﴾ أو على المدح، أو نصب عليه.
﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ على الخلوص (^١).
﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ كما زعم اليهودُ والنصارى ومشركو العرب في العُزَيْر والمسيح ﵇ والملائكةِ.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما زَعَمت الثَّنَويَّة.
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لا كما قالت المجوس: إنَّه تعالى لم يَخلُق الظُّلمة، ولا كما قالت المعتزلة: إنَّه تعالى غيرُ خالقٍ لأفعال العباد.
﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي: قدَّر كلَّ شيءٍ تقديرًا يُوافق الحكمةَ فخلقه، والقلبُ لمحافظة الفاصلة.
* * *
_________________
(١) = التكلم بها؛ لأنّ تعريف الموصول بما في الصلة من العهد، وفي شرح التسهيل أنه غير لازم وأنّ تعريف الموصول كتعريف الألف واللام يكون للعهد والجنس وأنَّه قد تكون صلته مبهمة للتعظيم … وعلى تقدير تسليمه فهذه الجملة معلومة للرسول ﷺ وهو المخاطب بها كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ولا يلزم أن تكون معلومة لكل أحد، وما اختاره المصنف ﵀ من تنزيلها منزلة المعلوم أبلغ لكونه كناية عما ذكر مناسِبةً للرد على مَن أنكر التوحيد والنبوّة). انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٤٠٦).
(٢) في (ف): "الخصوص".
[ ٧ / ٣١٠ ]
(٣) - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.
﴿وَاتَّخَذُوا﴾ الضمير للكافرين؛ لدلالة ﴿نَذِيرًا﴾ عليهم.
﴿مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ لمَّا تضَّمن الكلامُ إثباتَ التوحيد والنبوَّة، أَخذَ في الرَّدِّ على المخالفين فيها:
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وصف آلهتهم بما يدلُّ على أنَّها لا تَستحقُّ العبادةَ؛ أي: لا يَقدرون على الخَلْق ومع ذلك هم مخلوقون، وإنَّما قال: ﴿يُخْلَقُونَ﴾ إظهارًا لتجدُّد حدوثها، وفيه وجهٌ آخرُ لعدم استحقاقها العبادة.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ مِلْكُهما كنايةٌ عن القُدرة على التصرُّف فيهما بالدَّفْع والجَلْب، فلا حاجةَ إلى تقديرِ مضاف، وتقديم الضَّرِّ لأنَّ دفعَه أهمُّ من جَلب النفع، وإنَّما قال: ﴿لِأَنْفُسِهِمْ﴾ إظهارًا لغاية عجزهم، فإنَّ مَن لا يقدر على ذلك في حقِّ نفسِه لا يَقدر عليه في حقِّ غيره، بدون العكس.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا﴾ قدَّمه على الحياة على عكس ترتيب الوجود؛ لتقديم الضَّرِّ على النفع.
﴿وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ أراد به الإحياءَ بعد الموت؛ أي: إنَّهم بمعزلٍ عن الألوهية؛ لعرائهم عن لوازمها واتِّصافهم بما ينافيها، وجعلها كالعقلاء لزعم عابديها.
* * *
(٤) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾.
[ ٧ / ٣١١ ]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ما هذا القرآنُ ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾: كَذِبٌ مصروفٌ عن وجهه ﴿افْتَرَاهُ﴾: اختَلَقه، يعني: محمدًا ﵊.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾؛ أي: اليهودُ، فإنَّهم يُلقون إليه أخبارَ الأمم وأحوالَ الآخرة، وهو يعبِّر عنه بعبارته.
﴿فَقَدْ جَاءُوا﴾ جاء يُستعمل في معنى فَعَل فيُعدَّى (^١) تعديتَه، وأمَّا حذف الجارِّ وإيصالُ الفعل فلا بُدَّ فيه من السماع.
﴿ظُلْمًا﴾ بجَعْل الكلامِ المعجِزِ إفكًا مُختلقًا مُتلقَّفًا من اليهود.
﴿وَزُورًا﴾ بنسبةِ ما هو بريءٌ منه إليه، والزُّور: القولُ المائلُ عن القصد.
* * *
(٥) - ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ما سطَّره المتقدِّمون، وقد مَرَّ بيانُ الأساطير.
﴿اكْتَتَبَهَا﴾؛ أي: كَتَبها بنفسه، أو: اسْتكْتَبها.
وقرئ على البناء للمفعول (^٢)؛ لأنَّه أُمِّيٌّ، وأصله: اكتَتَبها كاتبٌ له، فحُذف اللام وأفضَى الفعلُ إلى الضمير، فصار: اكتَتَبها إيَّاه كاتبٌ، ثم حُذف الفاعل وبُني الفعل للضمير، فاستَتر فيه.
﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ أي: تُلقَى عليه من كتابه ليَحفَظَها، فإنَّه أُمِّيٌّ لا يَقدر أن يَكرَّر من الكتاب.
_________________
(١) في (ي): "فيتعدى".
(٢) نسبت لطلحة بن مصرف. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٣)، و"المحتسب" (٢/ ١١٧).
[ ٧ / ٣١٢ ]
﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ البُكْرةُ: أوَّلُ النهار، والمراد من الأصيل آخرُه؛ بقرينة المقابَلة.
* * *
(٦) - ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والسِّرُّ: إخفاءُ المعنى في القلب، والمراد: ما في السماوات والأرض مِن خفايا الأحوال (^١)، يعني أنَّ في القرآن إخبارًا عمَّا لا يَعلمه إلَّا اللهُ تعالى من الجنَّة والنار وما فيهما، ولا تعرُّض لهما في التوراة والإنجيل، ولو كان مأخوذًا من اليهود أو النصارى لم يَزد على ما فيها، وأيضًا فيه إخبارٌ عن الحوادث السماوَّية والأرضيَّة قبل حدوثها، وليس فيها احتمال الأخذ من كتب المتقدِّمين.
﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ساترًا للذُّنوب ومؤخِّرًا للانتقام ﴿رَحِيمًا﴾ بالإمهالِ وعدمِ الاستعجال وإدرارِ الإنعام؛ ليتوب بعضهم ويرجعَ عن الإصرار، وَيخرج من أصلاب المصِّرين أصحابُ الاعتبار والاختبار، وزيادة ﴿كَانَ﴾ لإفادة الدلالة على العادة.
* * *
(٧) - ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾.
﴿وَقَالُوا مَالِ﴾ وقعت اللامُ في المصحف مفصولةً عن الهاء، وخَطُّ المصحفِ سُنّةٌ لا يغيَّر ﴿هَذَا الرَّسُولِ﴾: ما لهذا الذي يَزعم أنَّه رسولٌ، وفيه استهانة وتهكُّم.
_________________
(١) في (ك): "الأصول". وفي (ف): "الأصل".
[ ٧ / ٣١٣ ]
﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ حالٌ، والعامل فيها ﴿هَذَا﴾، والجملة الأولى كنايةٌ عن غاية الأكل، ولا يَخفى ما فيها من تقبيح الحال الذي يقتضيه مساقُ الكلام، والثانية كنايةٌ عن الغرض من المشي في الأسواق، وهو طَلَب أسبابِ المعاش؛ أي: إن صحَّ أنَّه رسول المَلِك المتعال، فما بالُهُ يَفعل هذه الأفعالَ؟! يَعنون أنه كان يجب أن يكون مَلَكًا بريئًا عن لوازم البشريَّة.
ثم تنزَّلوا عن ذلك الاقتراح (^١) إلى اقتراحِ أن يكون إنسانًا معه مَلَكٌ حتى يتسانَدا في الإنذار، بقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾.
* * *
(٨) - ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾.
ثم تنزَّلوا إلى أن يكون مرفودًا بكنزٍ يُلقى إليه من السماء يَستظهِر به ولا يَحتاج إلى تحصيل المعاش فقالوا: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾.
ثم تنزَّلوا فقالوا: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾؛ أي: إن لم يُلقَ إليه كنزٌ فلا أقلَّ أن يكون له بستانٌ كما للدَّهَاقين والمياسير، فيعيشَ برَيْعه، وحسَّن عطفَ المضارع - وهو ﴿يُلْقَى﴾ و﴿تَكُونُ﴾ - على ﴿أُنْزِلَ﴾ وهو ماضٍ دخولُ المضارع وهو ﴿فَيَكُونَ﴾ بينهما، وانتصب ﴿فَيَكُونَ﴾ لأنَّه جواب ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلَّا، وحكمُه حكم الاستفهام.
وأراد بالظالمين في قوله: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ إيَّاهم بأعيانهم، غيرَ أنَّه وضع موضعَ المضمَر تسجيلًا عليهم بالظلم.
_________________
(١) في (ع): "الاقتران" وكذا في الموضع الآتي.
[ ٧ / ٣١٤ ]
﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ سُحِرَ فغُلِب على عقله، فيخيَّل إليه الشيطانُ مَلَكًا، وكلامُه وحيًا.
* * *
(٩) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: قالوا فيكَ تلك الأقوالَ الغريبةَ واخترعوا لك تلك الأحوالَ النادرة ﴿فَضَلُّوا﴾ عن طريق الحقِّ في جميع ذلك.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى طعنٍ موجَّهٍ (^١)، فيتهافتون وَيخبِطون كالمتحيِّر في أمره لا يَدري ما يَصنع، فلا يَجدون سبيلَ هداية ولا يُطيقونه؛ لالتباسه عليهم.
* * *
(١٠) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾: تكاثَرَ خيرُ الذي إن شَاء (^٢) وَهَبَ لك في الدنيا خيرًا ممَّا قالوا، ولكن أخَّره إلى الآخرة لأنَّه خيرٌ وأبقى، وقوله:
﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بدلٌ من ﴿خَيْرًا﴾.
﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ عطفٌ على محلِّ الجزاء، وقرئ بالرفع (^٣)؛ لأن الشرط إذا وقع ماضيًا جاز في جزائه الجزمُ والرفعُ، ويجوز أن يكون استئنافًا بوعدِ ما
_________________
(١) في (ك): "بوجه".
(٢) في (ف) و(م): "يشأ".
(٣) قرأ بها ابن كثير وابن عامر وشعبة، وقرأ الباقون بالجزم. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٣).
[ ٧ / ٣١٥ ]
يكون له في الآخرة، وقرئ بالنصب (^١) على أنه جوابُ الشرط بالواو.
* * *
(١١) - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ عطف على ما حُكيَ عنهم، يقول (^٢): بل أتوا بأعجبَ من ذلك كلِّه وهو تكذيبُهم بالساعة، أو متَّصل بما يليه؛ كأنه قال: بل كذَّبوا بالساعة، وكيف يلتفتون إلى هذا الجواب، وكيف يُصدَّقون بتعجيلِ مثلِ ما وعدك في الآخرة وهم لا يؤمنون بها؟!.
﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ﴾: وهيَّأنا للمكذبين بها نارًا شديدةَ الإسعار، والإسعار: تهييج النار بشدَّة الإيقاد.
* * *
(١٢) - ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾.
﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾: إذا قابَلَتْهم وصارت منهم بقَدْرِ ما يرى منهم الرائي، كقولهم: دُورُهُم تَتَراءَى؛ أي: تتناظر وتتقابل بحيث تكون إحداهما بمرأًى من الآخرى، على المجاز، والتأنيث لأنَّه بمعنى النار أو جهنَّم.
﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أَقصى ما يُمكن أن يرى منه.
﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾: صوتَ تغيُّظٍ، شبَّه صوتَ غليانها بصوت المغتاظ (^٣) وزفيرِه، وهو صوتٌ يُسمَع من جوفه، هذا ما يتراءى في بادئ النظر.
_________________
(١) نسبت لعبيد الله بن موسى وطلحة بن سليمان. انظر: "المحتسب" (٢/ ١١٧).
(٢) في (ف) و(ك) (م): "بقول".
(٣) في هامش (ي): "المغتاظ؛ أي: الممتلئ غضبًا".
[ ٧ / ٣١٦ ]
والذي يظهر عند التأمُّل: هو أنه تمثيلٌ (^١) من قَبيل المجاز التمثيلي الشائع في كلام الله تعالى، شبِّهت النار بمَن له تلك الحال، وذلك في غاية البلاغة، فمفرداتُ الكلام على حالها، وإنما قال: ﴿لَهَا﴾ دون: منها، أو: فيها؛ تنصيصًا على ما يتمُّ به التمثيل، وهو أن يكون التغيُّظ والزفير لها لا لِمَا فيها.
* * *
(١٣) - ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾.
﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا﴾ بيان تقدَّم فصار حالًا ﴿مَكَانًا﴾: في مكان ﴿ضَيِّقًا﴾ لزيادة العذاب، فإنَّ الكربَ مع الضيق، كما أنَّ الرَّوحَ مع السَّعَة، وعن ابن عباس ﵄: أنه يضيق عليهم كما يضيَّق الزُّجُّ في الرُّمْحِ (^٢).
﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قُرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، أو يُقرَن مع كلِّ كافر شيطانُه في سلسلةٍ، وفي أرجلهم الأصفاد.
﴿دَعَوْا هُنَالِكَ﴾: ثَمَّ ﴿ثُبُورًا﴾: هلاكًا؛ أي: يتمنَّون الهلاكَ وينادونه، فيقولون: واثُبُوراهُ؛ أي: تعالَ يا ثبور فهذا حينُك، فيقال لهم:
(١٤) - ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾.
﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ إذ هم أحقَّاءُ بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن هناك قولٌ، أي: لا تقتصروا على حزنٍ واحد، بل احزنوا حزنًا كثيرًا، وكثرته إمَّا لدوام العذاب متجدِّدًا، وإمَّا لأنَّه أنواعٌ، وكلُّ نوعٍ منه يكون ثبورًا لشدَّته وفظاعته.
_________________
(١) "تمثيل" من (ي).
(٢) انظر: "الكشاف" (٣/ ٢٦٧)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٢٠٢).
[ ٧ / ٣١٧ ]
(١٥) - ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾.
﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: وُعدها، فالراجع إلى الموصول محذوفٌ، والمراد من المتقينَ بقرينة المقابلة: مَن يتَّقي أنواع الكفر من الشرك والتكذيب.
والإشارة إلى مكان العذاب وهو النار، وإنما قال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ولا خيرَ في النار؛ توبيخًا وتهكُّمًا للكفار، ويجوز أن تكون الإشارة إلى الكنز والجنَّة، وإضافة الجنَّة إلى الخلد للمدح لا (^١) للدلالة على خلودها؛ لأنها (^٢) حاصلة بقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾.
﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً﴾ على أعمالهم بالوعد الأزليِّ ﴿وَمَصِيرًا﴾: مرجعًا.
* * *
(١٦) - ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾.
﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾: ما يشاؤونه من أنواع الملاذِّ والمشتهَيات، والمشيئة تتبع العلم، فالتفاوت في درجات أهلِ الجنة وأنواعِ تلذُّذهم بحسب عملهم (^٣)، وإنَّما ذكر فيها مع عدم الحاجة إليه؛ للتنبيه بتقديمه على أنَّ حصول كلِّ المشتهيات لا يكون إلا في الجنَّة.
﴿خَالِدِينَ﴾ حالٌ من أحد ضمائرهم.
_________________
(١) "للمدح لا" سقطت من (ف) و(ك)، و"لا" سقطت من (ع).
(٢) في (ع) و(ف) و(ك): "ولأنها".
(٣) في (ف) و(ك)، و(م) و(ي): "علمهم".
[ ٧ / ٣١٨ ]
والضمير في ﴿كَانَ﴾ لـ ﴿مَا يَشَاءُونَ﴾، و﴿عَلَى﴾ في قوله: ﴿عَلَى رَبِّكَ﴾ استعيرَ لِمَا في منزلة الوجوب في التأكُّد (^١) بقرينة الوعد والسؤال، ومَن وَهَمَ أنه على حقيقته؛ لامتناع الخُلْف في وعده تعالى، ثم قال: ولا يلزم منه الإلجاء إلى الإنجاز؛ لأن تعلُّق الإرادة بالموعود مقدَّم (^٢) على الوعد الموجِب للإنجاز (^٣) = فقد وَهِمَ؛ حيث لم يفرِّق بين الوجوبِ على الله والوجوبِ منه، فإن اللازم حينئذٍ هو الأول، والذي صحَّحه ودفع (^٤) المحذور عنه هو الثاني.
﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾؛ أي: كان ذلك موعودًا حقيقًا بأن يُسأل ويُطلب، أو: مسؤولًا سأله الناسُ في دعائهم.
* * *
(١٧) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ للجزاء ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعمُّ كلَّ معبود سواه، و(ما) وضعُه عامٌّ، ولذلك يُطلَق لكلِّ شبحٍ (^٥) يُرى (^٦) ولا يُعرَف، أو يُراد به الوصف، أو لتغليب الأصنام لا تحقيرًا؛ لأن المغلَّب عليه من الأنبياء والملائكة لا يَليق ذلك بشأنهم، بل اعتبارًا لغَلَبة عبَّادهم.
_________________
(١) في (ع): "التأكد".
(٢) في (م): "يتقدم".
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ١٢٠).
(٤) في (ك): "ووقع".
(٥) في (ع): "شيء".
(٦) في (ف) و(ك) و(م): "رئي".
[ ٧ / ٣١٩ ]
وإنما قلنا: يعم كلَّ معبودٍ، إذ لا قرينة للتخصيص لا بالأصنام، وذلك ظاهر، ولا بالملائكة والأنبياء؛ لأن كلَّ شيء يَنطِق يومئذٍ، فلا يكون السؤال والجواب قرينةً.
﴿فَيَقُولُ﴾ للمعبودين: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي﴾ الإضافة لتعظيم جريمة الإضلال، لا لتشريفهم؛ لأنهم مشركون (^١).
﴿هَؤُلَاءِ﴾ بدلٌ من ﴿عِبَادِي﴾، ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ لإخلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المُرشِد النَّصيح، والاستفهام للتقريع والتبكيت للعَبَدة، فلذلك قدِّم الضمير على الفعل إيلاءَ حرفِ (^٢) الاستفهام للمقصود بالسؤال، وهو الفاعل لا الفعل (^٣)، وإنَّما حذف صلة (ضلَّ) للمبالغة.
* * *
(١٨) ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تعجُّبًا ممَّا قيل لهم؛ لأنَّهم إمَّا ملائكة، أو أنبياءُ معصومون، أو جماداتٌ لا تَقدِر على شيء، أو قصدوا به تنزيهَه تعالى عن الأنداد.
﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾؛ أي: ما كان يصحُّ لنا ولا يَستقيم ﴿أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ
_________________
(١) في (م): "لأنهم هم المشركون".
(٢) في (ك) و(م): "طرف"، وفي باقي النسخ: "ظرف"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٤/ ١٢٠)، وفيه: (ليلي حرفَ الاستفهام المقصودُ بالسؤال وهو المتولي للفعل).
(٣) في هامش (ع) و(ف) و(م): "فإن تقديم الفعل يفسد المعنى، ومن غفل عن هذا علَّله بقوله: لأنَّه محقَّق لا شبهة فيه، ولم يدرِ أن فيه الإشعار بأن في الفاعل الشبهة، ولا يخفى فساده. منه".
[ ٧ / ٣٢٠ ]
أَوْلِيَاءَ﴾ للعصمة أو عدم القدرة، فكيف يصحُّ لنا أن ندعوَ غيرَنا أو أن نتولَّى أحدًا دونك.
وقرئ: ﴿نَتَّخِذَ﴾ (^١) على البناء للمفعول من (اتَّخَذَ) الذي له مفعولان، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] ومفعوله الثاني ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ و﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ لأن (مِن) لا تزاد في المفعول الثاني، بل في الأول، وعلى الأول مزيدةٌ لتأكيد النفي.
ولمَّا تضمَّن قولهم: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾ أنَّا لم نضلَّهم ولم نَحملْهم على الامتناع من الإيمان، صلح أن يستدرك بـ ﴿وَلَكِنْ﴾ فقالوا:
﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ بالأموال والأولاد وطُول العمر والسلامة من العذاب.
﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ حتى غَفلوا عن ذِكْرك، أو التذكُّرِ لآلائك.
والواو الفصيحة في ﴿وَكَانُوا﴾ للعطف على محذوف تقديره: فكفروا ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾: هالكينَ، مصدرٌ وصفَ به، ولذلك يَستوي فيه الجمعُ والواحد، قال ابن الزِّبَعرى في الواحد:
يا رسولَ الإله إنَّ لساني … راتقٌ ما فَتَقتُ إذ أنا بُورُ (^٢)
* * *
(١٩) - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾.
_________________
(١) قرأ بها من العشرة أبو جعفر. انظر: "النشر" (٢/ ٣٣٣).
(٢) انظر: "ديوان عبد الله بن الزبعرى" (ص: ٣٦).
[ ٧ / ٣٢١ ]
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ المعنى: فقد كذَّبكم المعبودون، وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصَّة إذا انضمَّ إليها الالتفاتُ وحُذف القول، وقد سبق تحقيقُ هذا في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ من سورة المائدة [الآية: ١٩] (^١).
﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ بقولكم فيه: إنَّهم آلهة، أو: هؤلاء أضلُّونا، والباء بمعنى (في)، أو مع المجرور بدل من الضمير.
وقرئ بالياء (^٢)، ومعناه: فقد كذَّبوكم بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾.
﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ قرئ بالتاء (^٣) على خطاب العابدين ﴿صَرْفًا﴾ هو: دفعًا للعذاب عنكم ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ فيُعِينكم عليه.
ثم خاطب المكلَّفين على العموم بقوله:
﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ الشرط وإن عمَّ كلَّ مَن كفر أو فسَق، لكنه في اقتضاء الجزاء مقيَّد بعدم المُزاحم وهو التوبة إجماعًا، وبالإحباط بالطاعة والعفو عندنا في الأخير.
﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ وهو عذاب النار، وفي عبارة ﴿نُذِقْهُ﴾ إشارةٌ إلى أن العذاب جسمانيٌّ.
* * *
(٢٠) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾.
_________________
(١) لم نقف على هذا الموضع من التفسير، وانظر ما جاء في المقدمة من تفصيل لهذا الأمر.
(٢) نسبت لأبي حيوة. انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ٢٠٤).
(٣) قرأ بها حفص من السبعة، وقرأ الباقون بالياء. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٣).
[ ٧ / ٣٢٢ ]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ كُسرَت (إنَّ) لا لأجل اللامِ في الخبر؛ لأنَّ دخولها وخروجها هاهنا سواءٌ، بل لأنَّه موضع ابتداء تقديره: إلَّا هم يأكلون، والجملة بعد (إلَّا) صفةٌ لموصوف محذوف، والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحدًا من المرسلين إلَّا آكلين وماشين، وإنَّما حذف لدلالة ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ عليه (^١)، ويجوز أن يكون حالًا اكتفي فيها بالضمير، وهو جواب لقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ﴾ أيُّها الناس ﴿لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾: ابتلاءً، ولا دلالة فيه على القضاء والقَدَر لأن قوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ علَّةٌ للجعل لا للتقدير، والمعنى: وجعلنا بعضَكم لبعضٍ فتنة ليَظهر أيُّكم يَصبر (^٢).
ومن الفتنة: أن يَحسد المُبتلَى المعافَى، ويَحقِرَ المعافَى المبتلَى، والصبرُ أن يَحبس كلاهما نفسَه؛ هذا عن البَطَر (^٣)، وذاك عن الضجر.
﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ بصَبْر مَن صَبَر، وضَجَر مَن ضَجِر، أو: بالصواب فيما يَبتلي (^٤) به وغيرِه.
* * *
_________________
(١) في هامش (ع) و(ف) و(م): "قال في التيسير: وهو كما يقال: ما قدم علينا أمير إلا إنه مكرِم لي، بالكسر. منه".
(٢) في (ف) و(ك): "أنكم تصبرون"، وفي (م): "أيكم تصبروا"، والمثبت من (ع) و(ي) والبيضاوي.
(٣) في (ع) و(ف) و(ي): "النظر"، وفي (م): "البسطة"، والمثبت من (ك).
(٤) في النسخ: "فيمن ابتلى"، والمثبت من المصادر. انظر: "الكشاف" (٣/ ٢٧٢)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ١٢١)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٥٣١)، و"البحر" (١٦/ ١٧٨)، و"روح المعاني" (١٨/ ٥٥٨).
[ ٧ / ٣٢٣ ]
(٢١) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ الرجاء: ترقُّب الخير الذي يقوَى في النفس وقوعه، وبهذا القيد الأخير يفارق الأمل.
﴿لِقَاءَنَا﴾ بالخير؛ لكفرهم بالبعث، أو: لا يخافون عقابنا؛ إما لأنَّ الراجيَ قلق فيما يرجوه، كالخائف، أو لأنَّ الرجاء في لغةِ تِهامة الخوفُ.
واللقاءُ: المصيرُ إلى الشيء من غير حائل، ولهذا صحَّ لقاءُ الجزاء؛ لأن العباد يصيرون إليه في الآخرة، وعلى هذا يصحُّ أن يقال: لا بدَّ مِن لقاء الله تعالى.
﴿لَوْلَا﴾: هلَّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ رسلًا دون البشر، أو شهودًا على نبوَّته ﵇ ودعوى رسالته.
﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ جهرةً فيُخبرَنا برسالته ويأمرَنا باتِّباعه.
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: في شأنها، حتى أرادوا لها ما يتفق للأفراد من الأنبياء - الذين هم أكملُ خلقِ الله تعالى في أكملِ أوقاتها - وما هو أعظمُ من ذلك (^١).
﴿وَعَتَوْا﴾ العتوُّ: الخروج إلى أفحشِ الظلم ﴿عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ بالغًا أقصى مراتبه؛ حيث عاينوا المعجزاتِ الباهرةَ فأَعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسِهم الخبيثةِ ما
_________________
(١) قوله: "للأفراد من الأنبياء … "، المراد بالأفراد: عظماؤهم، و(أكمل أوقاتها) هو الوحي بالملائكة لا بإلهام ومنام ونحوه، أو المراد به رؤية الملك جهارًا معايَنًا على صورته؛ لأنَّه هو الذي اقترحوه، وضمير (أوقاتها) للأفراد، وأنثه لظاهر الجمع، ولو قال: أوقاتهم، كان أظهر، ويمكن أن يقال: الضمير للنبوة المفهوم منه، و(ما هو أعظم) رؤية الله عيانًا. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٤١٦).
[ ٧ / ٣٢٤ ]
سُدَّت دونه مطامع النفوس القدسيَّة، واللام جوابُ قَسَم محذوف، وفي الاستئناف بالجملة حُسْنٌ وإشعار بالتعجُّب (^١) من استكبارهم وعتوِّهم، فإن في فحوى هذا الفعل دليل على التعجيب من غير لفظه، أَلا يُرى أنَّ المعنى: ما أشدَّ استكبارهم وما أكبرَ عتوَّهم!
* * *
(٢٢) - ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾: ملائكةَ الموت أو العذاب، و﴿يَوْمَ﴾ نصب بما دلَّ عليه: ﴿لَا بُشْرَى﴾؛ أي: يومَ يَرَون الملائكةَ يُمنعون البشرى أو يعدمونها (^٢).
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مؤكِّد لـ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾، أو خبرٌ و﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ تبيينٌ، أو خبرٌ ثانٍ، أو ظرفٌ لِمَا تتعلَّق به اللام، أو لـ ﴿بُشْرَى﴾ إن قدِّرت منوَّنةً غيرَ مبنيَّةٍ مع (لا)، فإنَّها لا تعمل، أو بإضمار: اذْكُر، ثم أخبر فقال: لا بشرى بالجنة (^٣) يومئذٍ.
وقيل: لا ينتصب بـ ﴿يَرَوْنَ﴾؛ لأنَّ المضاف إليه لا يَعمل في المضاف، ولا بـ ﴿بُشْرَى﴾؛ لأنها مصدرٌ، والمصدر لا يَعمل فيما قبله، ولأنَّ المنفىَّ بـ (لا) (^٤) لا يَعمل فيما قبل (لا).
﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ظاهرٌ في موضعِ ضميرهم؛ تسجيلًا على جرمهم، وإشعارًا بما هو المانع للبُشرى والمُوجِبُ لما يقابلها، أو عامٌّ يَتناول حكمُه حكمَهم من طريق
_________________
(١) في (ك): "بالتعجيب".
(٢) تحرفت في النسخ إلى: "يعدمونها". انظر: "الكشاف" (٣/ ٢٧٣)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ١٢١).
(٣) ليست في (ف) و(ك).
(٤) في (ك) و(ي): "ولأن المنفي لا"، وفي (ف): "ولأن النفي لا".
[ ٧ / ٣٢٥ ]
البرهان، ولا يلزم من نفي البشرى لعامة المجرمين حينئذٍ نفيُ البشرى بالعفوِ والشفاعةِ في وقتٍ آخر.
﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ عطفٌ على المدلول؛ أي: يقول الكفرةُ حينئذٍ هذه الكلمةَ؛ استعاذةً وطلبًا من الله تعالى أن يَمنع لقاءَهم، وهي ممَّا كانوا يقولونه عند لقاءِ عدوٍّ أو هجومِ مكروهٍ، أو يقولها الملائكةُ بمعنى: حرامًا محرَّمًا عليكم الجنة أو البشرى.
وقرئ: (حُجْرًا) بالضَّمِّ (^١)، وأصله الفتح أو الكسر، فإنَّهما لغتان فيه، غير أنَّه لمَّا اختصَّ بموضعٍ مخصوصٍ غيِّر (^٢)؛ كـ: قَعْدَكَ وعمرَكَ (^٣)، ولذلك لم يتصرَّف فيه (^٤)، ولا يظهر ناصبُه، ووصفه بـ ﴿مَحْجُورًا﴾ للتأكيد، كقولهم: موتٌ مائِتٌ.
* * *
_________________
(١) نسبت للحسن والضحاك. انظر: "مختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٤).
(٢) قوله: "لما اختص بموضع .. " يعني: لما خصوا استعماله بالاستعاذة أو الحرمان صار كالمنقول، فلما تغيَّر معناه غيِّر لفظه عما هو أصله - وهو الفتح - إلى الكسر أو الضم لإيهام أنه لفظ آخر كالمرتجل. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٤١٧).
(٣) قوله: "كقعدك وعمرك" (قعدك): بفتح القاف، وحكي كسرها عن المازني [وكذا ضبطت في (ي) بكسر القاف] وأنكره الأزهري، والعين ساكنة يقال: قَعْدَكَ اللهَ، وقَعِيدَكَ اللهَ، بنصب الاسم الشريف لا غير، و(قَعْدَك) منصوب على المصدرية، والمراد: رقيبك وحفيظك الله، ثم نقل إلى القسم فقيل: قَعْدَك الله لا تفعل. وأمّا (عَمْرَك الله) فبفتح العين وضمها، والراءُ مفتوحة لأنَّه منصوب على المصدرية ثم اختص بالقسم. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٤١٧).
(٤) قوله: "ولذلك لم يُتصرف فيه"؛ أي: يلزم النصبَ على المصدرية بفعل لازم الإضمار. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٤١٧ - ٤١٨).
[ ٧ / ٣٢٦ ]
(٢٣) - ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ لا قدومَ ولا ما يُشبه القدومَ، ولكن مُثِّلت حالُ هؤلاء وأعمالهم التي عملوها في كفرهم - من صلةِ رحمٍ وإغاثةِ ملهوفٍ، وقِرَى ضيفٍ، ونحوِ ذلك - بحالِ مَن خالَفَ سلطانَه وعَصاهُ، فقدِم إلى أسبابه وما تحت يديه فأفسدها ومزَّقها كلَّ ممزَّقٍ، ولم يترك لها أثرًا.
وعلى هذا يكون الكلامُ المذكورُ تمثيلًا على سبيل الاستعارة، لا الاستعارة (^١) في مفرداته، بخلافِ ما إذا كان المعنى: وعَمدنا إلى ما عملوا في كفرهم من المكارم فأَحبطناهُ، فإنه حينئذٍ تكون الاستعارة في المفردات لا في الكلام.
والهباء: الشيءُ المنبثُّ الذي تراهُ في البيت من ضوء الشمس، والهباء أيضًا دُقاقُ التراب، ويقال له إذا ارتفع، و﴿مَنْثُورًا﴾ صفته، وليس فيه تشبيهٌ على تقدير التمثيل.
وأمَّا على المعنى الثاني فقد شبَّه به عملَهم المُحبَط في حقارته وعدمِ نفعه ثَمَّ بالمنثور منه في انتشاره؛ بحيث لا يَقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع.
* * *
(٢٤) - ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ تمييزٌ، والمُستَقَرُّ: المكان الذي يُستَقَرُّ فيه في أكثرِ الأوقات للتجالُس والتحادُث.
﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قال الأزهريُّ: القيلولةُ والمَقيلُ: الاستراحةُ في نصف النهار
_________________
(١) قوله: "لا الاستعارة" سقط من (ع)، وقوله: "لا" سقط من (م).
[ ٧ / ٣٢٧ ]
وإن لم يكن مع ذلك نومٌ (^١)، ورُوي أنه يُفرغُ من الحساب في نصف ذلك اليوم، فيقيلُ أهلُ الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار (^٢).
وفي لفظَي (^٣) الخيرِ والأحسنِ تهكُمٌ بهم.
* * *
(٢٥) - ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾: واذْكُر يومَ ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾ أصله: تتشقَّق، فحَذف التاءَ بعضُهم، وأَدغمها في الشين الآخرون (^٤).
﴿بِالْغَمَامِ﴾: بسبب طلوعِ الغمام منها، وهو الغمام المذكور في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠].
﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ في ذلك الغمامِ بصحائف أعمالِ العباد.
* * *
(٢٦) - ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾: الثابتُ له؛ لأنَّ كلَّ مُلْكٍ يومئذٍ يَبطُل ولا يَبقى إلَّا
_________________
(١) انظر: "تهذيب اللغة" (٩/ ٢٣٣).
(٢) رواه ابن المبارك في "الزهد" (١٣١٣)، والطبري في "التفسير" (١٩/ ٥٥٦) عن ابن مسعود: أنه كان يقول: والذي نفسي بيده، لا ينتصفُ النهار يوم القيامة حتى يقيل أهلُ الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار، ثم قال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
(٣) ليست في (ف) و(ك).
(٤) قرأ بإدغام التاء في الشين ابن كثير ونافع وابن عامر، وباقي السبعة بحذف التاء. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٣ - ١٦٤).
[ ٧ / ٣٢٨ ]
مُلْكَه تعالى، فهو الخبر، و﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ صلته أو تبيينٌ، و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ معمولُ ﴿الْمُلْكُ﴾ لا ﴿الْحَقُّ﴾؛ لأنَّه متأخِّر، أو صفةٌ والخبر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أو ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾.
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾: شديدًا؛ لِمَا يَنالهم من الأهوال والتشديد في السؤال، ثم الخزيِ والنكال، ثم النارِ والأغلال، ويُفهَم منه يُسْرُه على المؤمنين، وفي الحديث: "يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون عليهم أخفَّ من صلاةٍ مكتوبةٍ صلَّوها في الدنيا" (^١).
* * *
(٢٧) - ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ مِن فرط الحسرة، وعضُّ اليدين كنايةٌ عن الغيظ والحسرة؛ لأنَّه من روادفهما، ولإفادة الدلالة على استمرارِ تلك الحال ضمِّن الفعلُ المذكور معنى الاستقرار، فعدَّاه بـ ﴿عَلَى﴾، والمراد بالظالم الجنس، وقيل: عُقْبَة بنُ أبي مُعَيْط.
﴿يَقُولُ﴾ جملة في محلِّ النصب على الحال: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ في الدنيا ﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ تابعًا له ﴿سَبِيلًا﴾ هَداهُ الله إليه، وتنكيره للإشعار بكمال الاتِّباع.
* * *
(٢٨) - ﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾.
﴿يَاوَيْلَتَى﴾ وقرئ بالياء (^٢)، وهو الأصل؛ لأنَّ الرجلَ ينادي ويلته، وهي هَلَكتُه، يقول لها: تعالي فهذا أوانُك.
_________________
(١) رواه بنحوه الإمام أحمد في "المسند" (١١٧١٧) من حديث أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، وحسَّن إسناده الحافظ في "الفتح" (١١/ ٤٤٨).
(٢) نسبت للحسن وابن قطيب. انظر: "مختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٤).
[ ٧ / ٣٢٩ ]
﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يعني: مَن أضلَّه، و(فلان) كنايةٌ عن الأعلام، كما أنَّ الهَنَ كنايةٌ عن الأجناس.
* * *
(٢٩) - ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾: عن ذِكْر اللهِ، أو كتابه، أو موعظةِ الرسول، أو كلمة الشهادة ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ من الله، اعترافٌ بالقصور من جانبه.
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ يعني: الخليلَ المضِلَّ، أو إبليسَ؛ لأنَّه حَمَله على مخالفته ومخالفةِ الرسول، أو كلَّ مَن تشيطَنَ من الجنِّ والإنس ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المطيعِ له ﴿خَذُولًا﴾ مبالغةٌ في الخذلان؛ أي: من عادته ترك مَن يواليه وقتَ حاجته إليه.
* * *
(٣٠) - ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾؛ أي: في الدنيا بثًّا إلى الله، ولو كان في الآخرة لَمَا عدل عن سَنَنِ ما تقدَّم: ﴿يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا (^١) ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾: متروكًا؛ أي: تركوه ولم يؤمنوا به، من الهجران، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾.
وفي هذا تعظيمٌ للشكاية وتخويفٌ لقومه؛ لأن الأنبياء ﵈ إذا شَكَوا إليه تعالى قومَهم، حلَّ عليهم العذابُ ولم يُنظَروا.
ثم أقبل عليه مسلِّيًا وواعدًا بالنصرة عليهم فقال:
_________________
(١) في (ف) و(ك): "أقربائي".
[ ٧ / ٣٣٠ ]
(٣١) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: كما جعلناه لك ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ فاصبر كما صبروا، ومعنى الكلِّية الكثرةُ؛ كما في: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فلا يُشكِل بآدم ﵇؛ فإنه لم يكن مبتلًى بعداوة قومه، والعدوُّ يجوز أن يكون واحدًا وجمعًا.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾؛ أي: إلى طريق الصبرِ المؤدِّي إلى النصر، والباء زائدة، و﴿هَادِيًا﴾ تمييزٌ، ويجوز أن يكون حالًا؛ أي: كفى ربُّك في حال الهداية.
﴿وَنَصِيرًا﴾ لك عليهم.
* * *
(٣٢) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: أحبارُ اليهود (^١): ﴿لَوْلَا﴾: هلَّا ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ﴾؛ أي: أُنزل عليه كخبَّر بمعنى أَخْبَر، بدلالة قوله:
﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: مُجتمِعًا دفعةً واحدةً كالتوراة والزَّبور، وهذا فضولٌ من القول ومماراةٌ بما لا طائلَ تحته، وغفولٌ عن مقتضى أصولِ البلاغة؛ من وجوب رعاية المطابقة لمقتضى المقام (^٢) في كلِّ جملةٍ من الكلام، ولا تتيسَّر تلك الرعاية عند نزولِ مجموعِ القرآن دفعةً واحدةً والشريعةِ من وجوبِ تقديم المُجمَل والعامِّ
_________________
(١) في هامش (ف) و(م): "في سورة النساء: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا﴾. منه".
(٢) في (ع) و(ي): "الكلام"، وفي (م): "الحال".
[ ٧ / ٣٣١ ]
والمنسوخ، وتأخيرِ البيان والخاص والناسخ، ولا يتيسَّر ذلك أيضًا على التقدير المذكور والتذكير من (^١) وجوب رعايةِ شرط التكرير، وهو أن يكون في أوقاتٍ متعدِّدة، مع أنَّ للتفرقة فوائدَ:
منها: ما أشار إليه بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ جوابٌ لهم؛ أي: أنزلناه إنزالًا كذلك (^٢)، والإشارةُ إلى مدلولِ قولهم؛ لأَّن معناه: لِمَ ينزل عليه القرآنُ مفرَّقًا؟ فأَعْلمَ أن ذلك ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ بتفريقه؛ ليَقْوَى فؤادُك حتى تعيَهُ وتحفظَه؛ لأنَّ المتلقِّن وإن لم يكن أميًّا إنَّما يقوى قلبُه على حفظ العلم شيئًا بعد شيء، ولو أُلقيَ عليه جملةً واحدةً لعَجَزَ عن حفظه.
أو: لنثبِّت به فؤادَك عن الضَّجَر بتواتر الأصول، وتتابُع الرسول؛ لأن قلبَ المحبِّ يَسكُن بتواصل كُتُبِ المحبوب، ولأنه إذا نزل منجَّمًا وهو يتحدى (^٣) بكلِّ نجمٍ فيَعجزون عن معارضته، زاد ذلك قوَّة قلبه.
ومنها: أنَّ نزوله بحسب الوقائع يوجب زيادةَ بصيرة وغوصًا في المعنى (^٤).
ومنها: انضمام القرائنِ الحالية إلى الدلالات اللفظية، فإنه يُعِين على البلاغة، وأما أنَّ الناسخ والمنسوخ لا يجتمعان، وكذا أسباب النزول لا يجتمعنَ، فليس من الفوائد وإن كان من جملة البواعث لذلك.
_________________
(١) في (ع): "عن".
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "أنزلناه كذلك إنزالًا".
(٣) في (ك): "متحد".
(٤) في هامش (ف): "رد لمن قال: لأنَّه يخالف حال موسى ﵇، ثم إن ذلك القائل غافل عن نزول التوراة مكتوبًا فهو بمعزل عما نحن فيه. منه".
[ ٧ / ٣٣٢ ]
ويحتمل أن يكون ﴿كَذَلِكَ﴾ من تمام كلامِ الكفرة، ولذلك وقف عليه، فيكون حالًا، والإشارة إلى الكتب السالفة، واللام على الوجهين متعلِّق بمحذوف.
﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾: وقرأناه عليك شيئًا بعد شيء على تُؤَدةٍ وتَمهُّلٍ، وأصله الترتيل في الأسنان وهو تفليجها (^١).
* * *
(٣٣) - ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾.
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ سؤالٍ عجيبٍ من سؤالاتهم الباطلة، كأنه مَثَلٌ في البطلان.
﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الدافعِ له ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ وبما هو أحسن بيانًا، التفسير: التكشيف عمَّا يدلُّ عليه الكلام.
* * *
(٣٤) - ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾؛ أي: يُساقون ويُجرُّون ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾، ذمٌّ منصوب أو مرفوعٌ، أو مبتدأٌ خبرُه:
﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ جعل مكانهم شرًّا ليكون أبلغَ في الدلالة على شرارتهم، وقيل: ﴿مَكَانًا﴾: مُنصَرَفًا.
﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ وصفُ السبيل بالإضلال من الإسناد المجازيِّ للمبالغة، والمفضَّل عليه هو الرسولُ ﵊ على طريقةِ قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ الآية [المائدة: ٦٠]، كأنه قيل: إنَّ
_________________
(١) في (ف) و(م): "تقليحها".
[ ٧ / ٣٣٣ ]
حاملَهم على هذه الأسولة (^١) تحقيرُ مكانه بتضليل سبيله (^٢)، ولا يعلمونَ حالَهم ليعلموا أنَّهم شرٌّ مكانًا وأضلُّ سبيلًا.
* * *
(٣٥) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: التوراةَ ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ﴾ في عبارة ﴿مَعَهُ﴾ إشارةٌ إلى أصالةِ موسى ﵇ في أمر الدعوة ﴿أَخَاهُ هَارُونَ﴾ بدل أو عطفُ بيان ﴿وَزِيرًا﴾ وهو في اللغة: مَن يُرجَع إليه ويُتحصَّن برأيه، مِن الوَزَر وهو الملجأ، والوزارة لا تنافي النبَّوة؛ فقد كان يُبعَث في الزمن الواحد أنبياءُ، ويُؤمَرون بأن يُوازرَ بعضهم بعضًا.
* * *
(٣٦) - ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾.
﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: فرعونَ وقومِه.
﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ التدميرُ: الإهلاك (^٣) بأمرٍ عجيبٍ، أراد الاختصارَ فاقتصر على حاشيتي القصَّة؛ لأنَّها المقصودُ منها، وهو إلزامُ الحجَّة ببعثة الرسل، واستحقاقُ التدمير بتكذيبهم، فالفاء فصيحةٌ، وهي فاءٌ سببيَّةٌ، ولا يلزمها التعقيب.
* * *
_________________
(١) في (ك): "الأسئلة".
(٢) في (ف): "سببه".
(٣) في (م): "الهلاك".
[ ٧ / ٣٣٤ ]
(٣٧) - ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ منصوب بفعل مقدَّر يفسِّره هذا الظاهر؛ أي: أغرقنا قومَ نوحٍ، والعامل في ﴿لَمَّا﴾ ذلك المحذوف.
﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾: أنكروا البعثةَ مطلقًا كالبراهمة.
﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ بالطُّوفان ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾: وجعلنا قصَّتهم ﴿لِلنَّاسِ آيَةً﴾: عبرةً.
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ لقومِ نوحٍ ﵇، وأصله (^١): وأعتدنا لهم، إلَّا أنه أراد تظليمَهم فأُظهروا، وهو عامٌّ لكلِّ مَن ظَلَمَ ظُلْمَ شركٍ، ويتناولهم بعمومه.
﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في جهنَّم، وأمَّا عذابهم في البرزخ فغيرُ متراخٍ عن إغراقهم.
* * *
(٣٨) - ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾.
﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ عطفٌ على (هم) في ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾، أو على ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ لأنَّ المعنى: ووعدنا الظالمين.
وإنَّما صُرفَ (ثمود)؛ على تأويل الحيِّ، أو لأنَّه اسمُ الأبِ الأكبرِ، وقرئ: ﴿وَثَمُودَ﴾ (^٢) على تأويل القبيلة.
﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ هم قومُ شعيبٍ ﵇ كانوا يعبدون الأصنامَ فكذَّبوا
_________________
(١) "وأصله": ليست في (م).
(٢) قرأ بها حفص وحمزة، وقرأ الباقون بالصَّرف. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٥).
[ ٧ / ٣٣٥ ]
شعيبًا، فبينما هم حول ﴿الرَّسِّ﴾ - وهو البئرُ غيرُ المطويَّة (^١) - انهارت بهم، فخُسف بهم وبديارهم.
وقيل: الرَّسُّ: قريةٌ نبيِّهم، فهلكوا وهم أصحاب الرَّسِّ والأُخدود.
﴿وَقُرُونًا﴾: وأهلَ أعصارٍ، قد مرَّ تفسير القرون في سورة الأنعام.
﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر ﴿كَثِيرًا﴾ لا يَعلمها إلا الله.
* * *
(٣٩) - ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾.
﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ بيَّنَّا له القصصَ العجيبةَ من الأمم التي كانت قبلهم؛ أي: حذَّرنا كلَّ أمة أن يَنزل بها ما نزل بمَن قبلها، فلمَّا أصرُّوا أُهلكوا، كما قال:
﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾؛ أي: أهلكنا إهلاكًا، وأصلُ التَّتبيرِ: التفتيتُ، ومنه: التِّبْر، لِفُتاتِ الذهبِ والزجاجِ.
و(كلًّا) الأوَّل منصوب بما دلَّ عليه ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾، وهو: أَنذرْنا، أو: حذَّرنا، والثاني بـ ﴿تَبَّرْنَا﴾ لأنَّه فارغ له.
* * *
(٤٠) - ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾.
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ يعني: أهلَ مكَّة ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ سَدُوم، وهي أعظمُ قرى قومِ لوط ﵇.
_________________
(١) أي: غير المبنية، يقال: طويت البئر، إذا بنيتَها بالحجارة.
[ ٧ / ٣٣٦ ]
﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾؛ أي: أُهلكت بالحجارة، و﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ مفعول ثانٍ، والأصل: أُمطرت القريةُ مطرًا، أو مصدر محذوف الزوائد؛ أي: إمطارَ السَّوء.
﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ في مِرَارِ مرورهم فيتَّعظون بما يَرَون فيها من آثار عذابِ الله تعالى.
﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾: بل كانوا كفرةً لا يخافون (^١) نشورًا، فلذلك لم يَنظروا ولم يتَّعظوا.
* * *
(٤١) - ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾.
﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾: ما يتَّخذونك ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾: موضعَ هُزُوٍ، أو: مَهزوءًا به.
﴿أَهَذَا﴾ محكيٌّ بعد القول المضمَر، و(هذا) استصغارٌ واستحقار؛ أي: قائلين: ﴿أَهَذَا﴾.
﴿الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ والعائدُ إلى ﴿الَّذِي﴾ محذوف؛ أي: بعثه الله، وإخراجُه في معرض التسليم بجعله صلةً وهم في غاية الإنكارِ تهكُّمٌ واستهزاءٌ.
* * *
(٤٢) - ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
_________________
(١) في (ف): "لا يرجون".
[ ٧ / ٣٣٧ ]
﴿إِنْ كَادَ﴾: إنَّه كاد ﴿لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾: ليَصرفُنا عن عبادتها (^١) ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ فيه دلالةٌ على فرط مجاهدةِ الرسول ﵊ في دعوتهم وعَرْضِ المعجزاتِ عليهم، حتى شارفوا - بزَعْمهم - أن يَتركوا دينهم إلى دين الإسلام لولا فرطُ لجاجِهم واستمساكهم بعبادة آلهتهم.
ولمَّا عَدُّوا عبادتهم الأصنام رشادًا واعتقدوا صرفهم عنها ضلالًا، أوعدهم الله تعالى فقال:
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ فيه وعيدٌ ودلالةٌ على أنَّه لا يُهملِهم وإنْ أَمهلهم.
* * *
(٤٣) - ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾.
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾؛ أي: مَن أطاع هواه فيما يأتي وَيذَر، فهو عابدُ هواه وجاعلُه آلهةً، فيقول لرسوله: هذا الذي لا يَرى معبودًا إلَّا هواهُ كيف تستطيع أنْ تَدعوَه إلى الهدى، وإنَّما قدَّم المفعول الثاني للإشعار بأنَّ المعبودَ حقُّه التقديمُ والتعظيم، فهم أَخلُّوا بحقِّه حيث اتخذوا أهواءَهم آلهةً (^٢).
﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: حفيظًا تحفظه عن متابعة هواهُ وعبادةِ ما يهواهُ، أو: أفأنت تكون عليه موكَّلًا فتصرِفَه عن الهوى إلى الهدى، عرَّفه أنَّ إليه التبليغ فقط، فالاستفهام الأول للتعجُّب والتقرير، والثاني للإنكار.
_________________
(١) في (م): "عبادتنا".
(٢) في هامش (ع) و(ف) و(م): "ومن زعم أنه قدِّم لمجرَّد العناية، فكأنَّه عن أن مثل هذا التقديم لا يكون بسلامة الأمر. منه".
[ ٧ / ٣٣٨ ]
(٤٤) - ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ فيُجدي لهم الآياتُ أو الحِجَجُ فتهتمَّ بشأنهم وتطمعَ في إيمانهم.
﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (أم) منقطعة، معناه: بل أَتحسب، كأنَّ هذه المذمَّة أشدُّ من التي تقدَّمتْها حتى حُقَّت بالإضراب عنها إليها، وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول؛ لأنَّهم لا يُلقُون إلى استماع الحقِّ أُذُنًا، ولا إلى تدبُّره (^١) عقلًا، ومشبَّهين بالأنعام التي هي مَثَلٌ في الغفلة والضلالة، فقد رَكِبهم الشيطانُ بالاستزلال لتركهم الاستدلال.
ثم هم أَرجحُ ضلالةً منها؛ لأنَّ الأنعامَ تُسبِّح ربَّها وتسجد له، وتطيع مَن يَعلفها، وتعرف مَن يُحسِن إليها ممَّن يُسِيءُ إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنبُ ما يضرُّها، وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادونَ لربِّهم ولا يَعرفون إحسانه إليهم مِن إساءةِ الشيطان الذي هو عدوُّهم، ولا يطلبون الثوابَ الذي هو أعظمُ المنافع ولا يتَّقون العقاب الذي هو أشدُّ المضارِّ، ولا يهتدون للحقِّ الذي هو المَشْرع الهنيُّ والعَذْب الرَّويُّ.
وإنَّما ذكر الأكثر؛ لأنَّ فيهم مَن لم يصدَّه عن الإسلام إلَّا حبُّ الرئاسة، وكفى به داءً عضالًا، ولأنَّ فيهم مَن آمَنَ.
* * *
_________________
(١) في (ك): "نذيره".
[ ٧ / ٣٣٩ ]
(٤٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾: أَلم تنظر إلى صُنع ربِّك وقُدْرته ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾؛ أي: بَسَطه فعمَّ الأرضَ؛ وذلك من حينِ طلوع الفجر إلى وقتِ طلوع الشمس في قول الجمهور، ولأنَّه ظلٌّ ممدودٌ لا شمس معه ولا ظُلْمة، وهو أطيب الأحوال، فإنَّ الظُّلْمة الخالصة تُنفِّر الطبع وتسدُّ النظر، وشعاعَ الشمس يُسخِّن الجوَّ ويُبهِر البصرَ، ولذلك وَصَف به الجنة فقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠].
﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾: ثابتًا دائمًا لا يَزول ولا تُذهِبه الشمسُ، وفيه دليل على أنه تعالى يَفعل بالقدرة والاختيار لا بالإيجاب والاضطرار.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ لأنَّه بالشمس يُعرَف الظِّلُّ، ولولا الشمسُ لَمَا عُرفَ الظِّلُّ، فالأشياء تُعرَف بالأضداد.
* * *
(٤٦) - ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾.
﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ القَبْض: جَمْعُ المنبسطِ من الشيء، والمراد: إزالتُه بإيقاع الشيء موقعَه.
﴿إِلَيْنَا﴾؛ أي: حيث أردنا.
﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾: سهلًا، أو قليلًا قليلًا.
وجاء بـ ﴿ثُمَّ﴾ في الموضعين؛ لتفاضُل الأمور.
* * *
[ ٧ / ٣٤٠ ]
(٤٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ شبَّه ظلامَه الساترَ باللباس.
﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾: راحةً للأبدان بقطع المشاغل، وأصلُ السَّبْتِ: القَطْعُ، والنائمُ مسبوتٌ؛ لأنَّه انقطع عملُه وحركتُه.
﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾: ذا نشور؛ أي: انبعاثٍ من النوم، كنُشُور الميت، أو يَنشُر فيه الخَلْقَ للمعاش.
وفي هذه الآية - مع دلالتها على قدرة الخالق - إظهارٌ لنعمته على خَلْقه، فإن في الاستجنان (^١) بستر الليل فوائدَ دينيَّةٍ ودنيويَّة، وفي النوم واليقظة الشَّبِيهين بالموت والحياة عبرةً لمن اعتَبر.
* * *
(٤٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ وقرئ على التوحيد (^٢)؛ إرادة للجنس ﴿نُشُرًا﴾ ناشراتٍ للسَّحاب، جمع: نَشُور، وقرئ بالفتح على أنه مصدرٌ وصفت به، وقرئ: ﴿بُشْرًا﴾ تخفيف بُشُر (^٣)، جمع: بَشُور، بمعنى مُبشِّر.
_________________
(١) في (ع) و(ي): "الاحتجاب"، وفي (ف): "الاستحباب". واضطرب رسمها في (م)، والمثبت من (ك).
(٢) قرأ بها ابن كثير، وقرأ الباقون بالجمع. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٥).
(٣) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ﴿نُشُرًا﴾ بضم النون والشين، وابن عامر: ﴿نُشُرًا﴾ بضم فسكون، وعاصم: ﴿بُشْرًا﴾ بالباء، وقرأ الباقون: ﴿نُشُرًا﴾ بفتح فسكون. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٥).
[ ٧ / ٣٤١ ]
﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: قدَّام المطر؛ لأنَّه ريح ثم سحاب ثم مطر، وهذه استعارةٌ مَليحةٌ.
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾: بليغًا في طهارته، وذلك لأنَّه لم يَشُبْهُ شيءٌ، بخلاف ما نَبَعَ من الأرض ونحوه، فإنَّه يَشوبُه أجزاءٌ أرضيَّةٌ مِن مَقرِّه أو مِن ممرِّه، أو ممَّا يُطرَح فيه، وقيل: مُطهِّرًا لقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، وهو اسمٌ لِمَا يُتطهَّر به، كالوضوء لَمَا يُتوضَّأ به، قال ﵊: "الترابُ طهورُ المؤمنِ" (^١).
* * *
(٤٩) - ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾.
﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ بالنباتِ ﴿بَلْدَةً﴾ ذكَّر ﴿مَيْتًا﴾ على إرادة البلد والمكان، أو لأنَّه غير جارٍ على الفعل كسائر أبنية المبالغة، فأُجري مجرى الجامد.
﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ وقرئ: (ونَسْقِيَه) (^٢)، وسَقَى وأَسْقَى لغتان، والأناسيُّ: جمع إِنْسِيٍّ على القياس، ككِرْسيّ وكَراسيَّ، أو: إنسانٍ، وأصله: أَناسِين، كسِرْحان وسَراحين، فأُبدلت النونُ ياءً وأُدغمت.
وقدِّم إحياء الأرض على سقي الأنعام والأناسيِّ لأنَّ حياتها سببٌ لحياتهما، فقدِّم سبب حياتهما على سقيهما.
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٣٣)، والترمذي (١٠٤)، ولفظه: "إنَّ الصَّعيدَ الطَّيِّبَ طَهورٌ، وإن لم تَجِدِ الماءَ إلى عَشرِ سِنينَ .. "، من حديث أبي ذرٍّ الغفاري، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) قرأ بها ابن مسعود، والأعمش والمفضل في رواية عن عاصم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٥). والمشهور عن عاصم كقراءة الجماعة.
[ ٧ / ٣٤٢ ]
وتخصيصُ الأنعامِ مِن بين الحيوانِ الشارب؛ لأنَّ عامَّةَ منافع الأناسيِّ متعلِّقةٌ بها، فكان الإِنعامُ بسقي الأَنعام كالإِنعام بسقيهم.
وتنكيرُ الأنعام والأناسي ووصفُهما بالكثرة؛ لأنَّ أكثر الناس مُنيخون بالقُرب من الأودية والأنهار، فيهم غُنيةٌ عن سقي الماء، وأعقابهم - وهم كثيرٌ - يعيشون بما ينزل من رحمته.
وتنكيرُ البلدة؛ لأنَّه يريد بعضَ بلاد هؤلاء المتبعِّدين (^١) عن مظانِّ الماء.
ولمَّا كان سقيُ الأناسيِّ من جملة ما أُنزِل له الماءُ وَصَفه بالطَّهور؛ إكرامًا لهم، وبيانًا أنَّ من حقِّهم أن يُؤثِروا الطهارةَ في بواطنهم وظواهرهم؛ لأنَّ الطهورَّيةَ شرطٌ للإحياء.
* * *
(٥٠) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾: صرَّفنا هذا القولَ بين الناس في القرآن وسائرِ الكُتُب المنزلة على الرسل.
﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾: ليتفكَّروا ويعتبروا، أو يعرفوا كمالَ القدرة وحقَّ النعمة فيَشكروا.
﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: فأَبى أكثرُهم إلَّا كفر أن النعمة وقلَّةَ الاكتراث لها، وإنَّما عدل عن الضمير لكيلا يُتوهَّم أنَّ المرادَ أكثرُ ذلك الكثيرِ.
أو: صرَّفنا المطرَ بينهم في البلدان المختلفة والأوقاتِ المتغايرة على الصفات المتفاوتة مِن وابلٍ وطَلٍّ وجَودٍ ورذاذٍ ودِيْمَة، فأَبَوا إلَّا كفورًا، وأن
_________________
(١) في (م): "المبعدين".
[ ٧ / ٣٤٣ ]
يقولوا: مُطِرنا بنَوءِ كذا، ولا يذكروا صنعَ الله تعالى ورحمته، وعن ابنِ عبَّاس ﵄: ما مِن عامٍ أقلُّ مطرًا من عامٍ، ولكن الله يُصرِّفه حيث يشاء، وقرأ الآية (^١).
* * *
(٥١) - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾.
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾: نبيًّا يُنذِر أهلها، يعني: أنَّ المقصودَ من البعثة إبلاغُ الدعوة وإلزامُ الحجة، لا الاهتمامُ في أمر الهداية وقَبولها، وإلَّا لفعلنا ما هو أدعى لذلك من دعوة كلِّ أهلِ قريةٍ بنذيرٍ مستقلٍّ.
* * *
(٥٢) - ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾.
﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: فلا تُوافِق هواهُم في بعض الأمور؛ ابتغاءً لقَبولهم الدعوة ودخولِهم في طريق الهداية.
وأمَّا ما قيل: نبيًّا يُنذِر أهلَها فيخفُّ عليكَ أعباءُ النبوَّة، لكن قَصَرْنا الأمرَ عليكَ تعظيمًا لشأنك وتفضيلًا لكَ على سائر الرسل، فقابِلْ ذلك بالثبات والاجتهاد في الدعوة، فلا تُطعِ الكافرينَ فيما يريدونك عليه.
فيَرِدُ عليه: أنَّ موجَب ذلك العطفُ بالواو دون الفاء، على ما أَفصحَ عنه مَن قال: فقابل ذلك بالتشدُّد والتصبُّر، ولا تُطع الكافرين، ولم يَدْرِ أنَّ فيه تغييرًا لنَظْم القرآن وإثباتًا للقصور فيه.
_________________
(١) رواه الطبري في "التفسير" (١٧/ ٤٦٨)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٢٠) وصححه.
[ ٧ / ٣٤٤ ]
﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ لترك طاعتهم الذي دلَّ عليه ﴿فَلَا تُطِعِ﴾ يعني: أنَّهم يجتهدون في إبطال حقِّك، فقابِلْهم بالاجتهاد في مخالفتهم (^١) وإزاحة باطلهم.
﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ لأنَّه جهاد مع كلِّ الكفرة، على ما فُهم ممَّا سبق مِن بعثه إلى (^٢) جميع القرى وجملة الأمم.
ثم عاد إلى تعداد النِّعَم فقال:
(٥٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: خلَّاهما متجاورين متلاصقين، تقول: مرجتُ الدَّابَّة، إذا خلَّيتَها ترعى، وسمَّى الماءَين الكثيرين الواسعين بحرين.
﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ قامعٌ للعطش مِن فرط عذوبته.
﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ بليغُ الملوحة، وقرئ: (مَلِحٌ) على فَعِلٍ (^٣)، ولعلَّ أصله: مالح، فخفّف، كبَرِدٍ في بارد، وقد نقل الأزهريُ عن الكسائيِّ صحَّةَ: مالح، وإن كان المليحُ الفصيحُ: مِلْح (^٤).
﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾: حاجزًا من قُدرته.
﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾: وتنافرًا بليغًا، كأنَّ كلًّا منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوِّذ
_________________
(١) في (ف) و(م): "مقابلتهم".
(٢) في (ك): "بعثته إلى"، وفي (م): "بعثه على".
(٣) نسبت لطلحة بن مصرف وقتيبة عن الكسائي في غير المشهور عنه. انظر: "مختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٥)، و"المحتسب" (٢/ ١٢٥).
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (٥/ ٦٤)، والنقل فيه عن أبي الدقيش لا عن الكسائي.
[ ٧ / ٣٤٥ ]
عنه، أو: سترًا ممنوعًا عن الأعين، كقوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥].
* * *
(٥٤) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ﴾: من النطفة ﴿بَشَرًا﴾ لم يقل: إنسانًا، لأَّن حقيقته وهو الروح غيرُ مخلوق منها.
﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ أراد تقسيم البَشَر قِسْمَين:
ذوي نَسَب؛ أي: ذكورًا يُنسَب إليهم، فيقال: فلان بنُ فلانٍ، وفلانةُ بنتُ فلانٍ.
وذوات صهر؛ أي: إناثًا يُصاهَر بهنَّ، وهو كقوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة: ٣٩].
﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ حيث خَلَقَ من النطفة الواحدة تَوأَمَيْنِ ذكرًا وأنثى.
* * *
(٥٥) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ﴾ إنْ عبدوه ﴿وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ إنْ تركوه.
﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ﴾: على معصيته ﴿ظَهِيرًا﴾ مُعينًا ومظاهرًا، يعني: للشيطان، وفَعِيل بمعنى مفاعل غيرُ عزيزٍ.
* * *
(٥٦) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ للمطيعين ﴿وَنَذِيرًا﴾ للعاصين؛ كافرًا كان أو مؤمنًا.
* * *
[ ٧ / ٣٤٦ ]
(٥٧) - ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾.
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾: على التبليغ الذي دلَّ عليه ﴿إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.
﴿مِنْ أَجْرٍ﴾: جُعْلٍ ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ﴾: إلَّا فعلَ مَن شاء ﴿أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: أن يتقرَّب إليه ويَطلُب الزُّلفى عنده بالإيمان والطاعة، فصوَّر ذلك بصورة الأجر من حيث إنَّه مقصودٌ فِعْلُه، واستثناه منه قلعًا لشُبهة الطمع، وإظهارًا لغاية الشفقة، حيث اعتدَّ بإنفاعك نفسَك بالتعرُّض للثواب والتخلُّص عن العقاب أجرًا وافيًا مرضيًّا به، مقصورًا عليه، وإشعارًا بأنَّ طاعتهم تعود عليه بالثواب من حيث إنها بدلالته (^١).
* * *
(٥٨) - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾: اتَّخذْ مَن لا يموت وكيلًا، لا يَكِلْك إلى مَن يموت ذليلًا، يعني: ثِقْ به وأَسْنِد أمرَك إليه في استكفاءِ شرورهم والإغناءِ عن أجورهم، فإنه الحقيقُ بأن يُعتمَد عليه في كلِّ أمرٍ.
_________________
(١) قوله: "اعتدّ" الضمير للنبي ﷺ، وضمير "إنفاعك" لغير معيَّن، والمراد: كل مؤمن مبلَّغ، والإنفاع لم يوجد في اللغة، وإنما فيها النفع، ولذلك غلط البيضاوي في استعماله، و"بالتعرض" متعلق به، فهو كقول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال: ما أطلب منك ثوابًا على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه. وقوله: "أجرًا" منصوب بـ "اعتد" لتضمنه معنى الجعل، وكونه وافيا أي: تامّا مرضيًا لحصره فيه لعدم الاعتداد بغيره. وقوله: "به" متعلق بـ "مرضيا" لتضمنه معنى قانعًا، أو الباء زائدة وضمير عليه للأجر أو للرسول ﷺ، وكون طاعتهم تعود عليه من جعلها أجرا له. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٤٣٢).
[ ٧ / ٣٤٧ ]
﴿وَسَبِّحْ﴾ ونزِّهْه عن أن يَكِلَ إلى غيره مَن توكَّل عليه ﴿بِحَمْدِهِ﴾: بتوفيقه الذي يُوجب الحمدَ.
﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ﴾ ما ظَهَر منها وما بَطَن ﴿خَبِيرًا﴾: مطَّلعًا، يعني: أنَّه عالمٌ بأحوالهم، كافٍ في جزاء أعمالهم.
* * *
(٥٩) - ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾.
﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قد سبق الكلام فيه، وذكره هنا لزيادة تقريرٍ لكونه حقيقًا بأنْ يُتوكَّلَ عليه من حيث إنه الخالق للكُلِّ والمتصرِّف فيه، وتحريضٌ على الثبات والتأنِّي في الأمور، فإنه تعالى مع كمال قدرته وسرعةِ نفاذِ أمره في كلِّ مراد خَلَقَ الأشياء على تَؤدَةٍ وتدرُّجٍ.
﴿الرَّحْمَنُ﴾ خبر لـ ﴿الَّذِي﴾ إنْ جُعل مبتدأً، أو لمحذوفٍ إنْ جعل صفةً لـ ﴿الْحَيِّ﴾، أو بدلًا من المستكنِّ في ﴿اسْتَوَى﴾، وقرئ بالجَرِّ (^١) صفةً لـ ﴿الْحَيِّ﴾.
﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ السؤال كما يعدَّى بـ (عن) لتضمُّنه معنى البحث والاستفسار، يُعدَّى بالباء لتضمُّنه معنى الاعتناء، قيل: إنَّه صلة ﴿خَبِيرًا﴾ أي: فاسأل عمَّا ذكر من الخَلْق والاستواء عالمًا يُخبرْك بحقيقته، وهو الله تعالى، أو جبريل ﵇، أو مَن وجده في الكتب المتقدِّمة ليصدقَكَ فيه.
* * *
_________________
(١) قرأ بها زيد بن علي. انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ٢١٦)، و"البحر المحيط" (١٦/ ٢٢٤).
[ ٧ / ٣٤٨ ]
(٦٠) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾: للمشركين: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: لا نعرف الرحمنَ فنسجدَ له، فهذا سؤال عن المسمَّى به؛ لأنهم ما كانوا يعرفونه بهذا الاسم، والسؤال عن المجهول بـ (ما)، أو لأنَّهم ظنُّوا أنه أراد به غيرَه، ولذلك قالوا:
﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾؛ أي: للَّذي تأمرنا بالسجود له، أو لأمرك لنا من غيرِ عرفان، وقرئ: ﴿تَأْمُرُنَا﴾ بالياء (^١)، على أنه قولُ بعضِهم لبعضٍ.
﴿وَزَادَهُمْ﴾؛ أي: الأمرُ المذكورُ ﴿نُفُورًا﴾: تباعُدًا عن الإيمان.
* * *
(٦١) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ يعني: البروج الاثني عشر، سُمِّيت به لظهورها وارتفاعها، قال الزجَّاج: كلُّ ظاهرٍ مُرتفِعٍ يقال له: بُرْجٌ (^٢).
﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ يعني: الشمس لتوقُّدها، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦]. وقرئ: ﴿سِرَاجًا﴾ (^٣) وهي الكواكبُ الكبارُ.
وقيل: الشمس والكواكب الكبار، وعلى هذا يَلزم تخصيصُ القمرِ بالذِّكر بعد دخوله في السُّرُج، مع أنَّ حقَّ التخصيص بالذِّكر للشمس؛ لظهور فضيلتها على سائرها.
_________________
(١) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٤).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٧٣).
(٣) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٤).
[ ٧ / ٣٤٩ ]
﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ أي: مضيئًا بالليل، وقرئ: (قُمْرًا) كالرَّشَد والرُّشْد، والعَرَب والعُرْب (^١).
* * *
(٦٢) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ جعلهما ذَوَي خِلْفةٍ؛ يَخلُف كلٌّ منهما الَاخَر؛ بأن يَقوم مقامه فيما ينبغي أن يُعمَل فيه، أو بأن يَعتقِبان (^٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وهي للحالة مِن خَلَفَ، كالرِّكْبة والجِلْسة.
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾: يتذكَّر اَلاءَ الله ويتفكَّرَ في صنعه فيَعلم أنَّه لا بُدَّ له من صانعٍ حكيمٍ.
﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾: أن يَشكُرَ اللّهَ على ما فيه مِن النِّعم.
* * *
(٦٣) - ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ مبتدأٌ، خبره في آخر السورة ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾.
﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ وإضافتهم إلى الرحمن للتخصيص والتفضيل، وقرئ: (وعُبَّادُ الرحمنِ) (^٣) على أنه جمع: عابِد، كتُجَّار وتاجِر.
_________________
(١) نسبت للحسن والأعمش والنخعي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٥)، و"الكشاف" (٣/ ٢٩٠)، و"والمحرر الوجيز" (٤/ ٢١٧)، و"البحر" (١٦/ ٢٢٩).
(٢) في (م): "يعتقبا".
(٣) قرأ بها اليماني. انظر: "مختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٥).
[ ٧ / ٣٥٠ ]
﴿هَوْنًا﴾ حالٌ أو صفةٌ للمشي؛ أي: هَيِّنين، أو مشيًا هيِّنًا، والهونُ: الرِّفق واللِّين؛ أي: يمشون بسكينةٍ ووقارٍ وتواضعٍ دون مرحٍ واختيال وتكبُّر، ولذا ولقولِه: ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] كَرِهَ بعضُ العلماء الركوبَ في الأسواق.
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾؛ أي: السفهاءُ بما يَكرهون ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾: سدادًا من القول يَسلمون فيه من الإيذاء والإثم، أو: تسلُّمًا منكم؛ نتارككم ولا نجاهلكم، فأقيم السلام مقام التسلُّم (^١).
قيل: نَسَختها آيةُ القتال. ولا وجه له؛ لأن الإغضاءَ عن السفهاء مُستَحسنٌ شرعًا ومروءةً.
هذا وصفُ نهارهم، ثم وَصَفَ ليلَهم بقوله:
(٦٤) - ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا﴾: جمع ساجد ﴿وَقِيَامًا﴾: جمع قائم، والبيتوتةُ خلاف الظلول، وهي أن يُدرِككَ الليلُ، نمتَ فيه أو لم تَنَم، وتخصيصُها لأن العبادةَ بالليل أحمزُ وأبعدُ من الرياء، وتأخيرُ القيام لمحافظة الفاصلة.
* * *
(٦٥) - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: لازمًا، ومنه الغريم لملازمته، وهو إيذانٌ بأنهم مع حُسْنِ مخالطتهم مع الخَلْق
_________________
(١) في (ف) و(ك): "التسليم".
[ ٧ / ٣٥١ ]
واجتهادهم في عبادة الحقِّ وَجِلونَ مِن العذاب، مبتهِلونَ إلى الله في صَرْفه عنهم؛ لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقِهم على استمرار أحوالهم.
* * *
(٦٦) - ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ ﴿سَاءَتْ﴾ في حُكْم: بِئْسَت، وفيها ضميرٌ مُبهَمٌ يُفسِّره ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ والمخصوصُ بالذَّمِّ ضميرٌ محذوفٌ معناه: ساءَت مستقرًّا ومقامًا هي، وهذا الضمير هو الذي ربط الجملةَ باسم (إنَّ) وجعلها خبرًا لها.
أو بمعنى: أَحْزَنَت، وفيها ضمير اسم (إنَّ)، و﴿مُسْتَقَرًّا﴾ حالٌ أو تمييزٌ، والجملة تعليلٌ للعلَّة الأولى، أو تعليلٌ ثانٍ، وكلاهما يحتمِلان الحكاية والابتداء من الله تعالى.
* * *
(٦٧) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ الإسرافُ: مجاوزة الحدِّ في الإنفاق، والإقتارُ: التقصيرُ عمَّا لا بُدَّ منه، وعن ابنِ عباس ﵄: الإسرافُ: الإنفاقُ في معصية الله تعالى قلَّ أو كَثُرَ، والإقتار: مَنْعُ حقِّ اللهِ تعالى من المال (^١).
وقال ﵊: "مَن مَنَعَ حقًّا فقد قَتَر، ومَن أَعطى في غيرِ حقٍّ فقد أَسرف" (^٢).
_________________
(١) رواه عنه الطبريُّ في "التفسير" (١٧/ ٤٩٧ - ٤٩٨). وانظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ٢٢٠).
(٢) انظر: "تفسير النسفي" (٢/ ٥٤٩).
[ ٧ / ٣٥٢ ]
﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ بضمِّ التاء، وبضمِّ الياء وكسرِ التاء، وبفتحِ الياء وكسرِ التاء (^١)، والقترُ والإقتارُ والتَّقتيرُ: التضييقُ الذي هو ضدُّ الإسراف.
﴿وَكَانَ﴾؛ أي: إنفاقهم ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: الإسراف والإقتار.
﴿قَوَامًا﴾ القَوام بالفتح: العَدل، وبالكسر: العماد، وهو ما يُقام به الحاجة، لا يَفضُل عنها ولا يَنقص، وهو خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ مؤكِّدة، ويجوز أن يكون الخبرُ ﴿قَوَامًا﴾، و﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ لغوًا.
* * *
(٦٨) - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾؛ أي: لا يُشرِكون.
﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾؛ أي: حرَّمها، يعني (^٢): ذمَّ قتلها (^٣)، وهي نفس الإنسان.
﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ متعلِّق بالقتل المحذوف، أو بـ ﴿لَا يَقْتُلُونَ﴾.
﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ نفى عنهم أُمَّهات المعاصي بعدما أَثبت لهم أصولَ الطاعات؛ إظهارًا لكمال إيمانهم، وإشعارًا بأنَّ الأجر المذكور موعودٌ للجامع
_________________
(١) قرأ بالثانية نافع وابن عامر، وبالثالثة ابن كثير وأبو عمرو، وبالأولى الباقون. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٤).
(٢) في (م): "أي".
(٣) في (ف) و(ك): "حرم قتلها". وجاء في هامش (ع) و(ف): "أراد بالقيد المذكور الاحتراز عن نفس الحيوان فإن قتلها غير محرم. منه".
[ ٧ / ٣٥٣ ]
بين ذلك، وتعريضًا للكفرة بأضدادهم، ولذلك عقَّبه الوعيد؛ تهديدًا لهم فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ قال أبو عبيدة: الأثامُ: العقوبةُ (^١)، وقرئ: (أيَّامًا) (^٢) أي: شدائدَ، يقال: يومٌ ذو أيَّام؛ أي: صَعْبٌ.
* * *
(٦٩) - ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.
﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بدلٌ مِن ﴿يَلْقَ﴾ لأنهما في معنًى واحد؛ إذ مضاعفةُ العذاب هي لُقيُّ الآثام.
وقرئ: ﴿يُضَاعَفْ﴾ (^٣) على الاستئناف، أو على الحال، وكذلك ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (^٤): ذليلًا.
* * *
(٧٠) - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ عن الكفر ﴿وَآمَنَ﴾ بمحمَّد ﵊ ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ بعد توبته.
﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ بأن يمحوَ سابق معاصيهم بالتوبة، ويُثبِت مكانها لواحقَ طاعاتهم، أو يوفِّقَهم للمحاسن بعد القبائح.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٨١).
(٢) قرأ بها ابن مسعود. انظر: "الكشاف" (٣/ ١٠١)، و"البحر المحيط" (١٦/ ٢٤٣)، وفي مطبوع "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٥): (الأيامى) ونسبها أيضًا لابن مسعود.
(٣) قرأ بها شعبة عن عاصم. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٤).
(٤) وهي قراءة شعبة عن عاصم الآنفة الذكر.
[ ٧ / ٣٥٤ ]
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ولذلك يكفِّر السيئات ﴿رَحِيمًا﴾ يُبدِلها بالحسنات.
* * *
(٧١) - ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾.
﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: ومن خرج عن المعاصي ودخل في الطاعات؛ أي: تاب وحقَّق التوبة بالعمل الصالح ﴿فَإِنَّهُ﴾ بذلك ﴿يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ مرضيًّا عنده، مُكفِّرًا للخطايا، مُحصِّلًا للثواب.
* * *
(٧٢) - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾: لا يُقيمون الشهادةَ الباطلةَ، أو: لا يَحضرون محاضرَ الكذبِ، فإنَّ مشاهدةَ الباطل شَركةٌ فيه؛ لأنَّ حضورَهم ونظرَهم دليل على (^١) الرضا به، وسببُ وجودِ الزيادة فيه.
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ يعني: إذا مرُّوا بأهل اللغوِ والمشتغلينَ به، وهو كلُّ (^٢) ما ينبغي أن يُلقى ويُطرح.
﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾: مُعرِضين عنه، مُكرِمين أنفسَهم عن التلوُّث به بالوقوف (^٣) عليه والخوض فيه.
* * *
_________________
(١) ليست في (ف) و(ك).
(٢) سقط من (ك).
(٣) في (ك) و(م): "بالتوقف". وسقطت "به" من (م).
[ ٧ / ٣٥٥ ]
(٧٣) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: قُرئَ عليهم القرآنُ، أو وُعِظوا به.
﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ هذا ليس بنفي للخرور، بل هو إثباتٌ له ونفىٌ للصَّمم والعَمى، ونحوه قول الشاعر:
بأيدي رجالٍ لم يَشيموا سيوفَهم … ولم تكثُر القتلى بها حين سُلَّتِ (^١)
أي: بأيدي رجالٍ شاموا سيوفَهم، فقد كثرت القتلى.
يعني: أنَّهم إذا ذكِّروا بها خَرُّوا سُجَّدًا وبُكيًّا، سامعينَ باَذانٍ واعيةٍ، مُبصرين بعيونٍ باصرةٍ لِمَا أُمروا به ونُهُوا عنه، لا كالمنافقين وأشباههم، دليله: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] فإن القرآن يُفسِّر بعضُه بعضًا.
* * *
(٧٤) - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ للبيان، كأنَّه قيل: هَبْ لنا ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ ثم بُيِّنت القُرَّةُ وفُسِّرت بقوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، ومعناه: أنْ يَجعلهم اللهُ قُرَّةَ أعينٍ، وهو من قولهم: رأيتُ منكَ أسدًا؛ أي: أنتَ أسدٌ.
أو للابتداء؛ على معنى: هَبْ لنا مِن جهتِهم ما تَقَرُّ به عيونُنا من طاعةٍ وصلاح،
_________________
(١) البيت في "الكامل" للمبرد (١/ ٤٠١)، و"الأضداد" لابن الأنباري (ص: ٢٥٩).
[ ٧ / ٣٥٦ ]
فإنَّ المؤمن إذا شاركه أهلُه في طاعةِ الله سُرَّ بهم قلبُه وقَرَّت بهم عينُه؛ لِمَا يَرى من مساعدته في الدِّين، وتوقُع لحوقهم به في الجنة.
وتنكير الأعين لإرادة تنكير القُرَّة تعظيمًا، فإنَّ المضاف لا سبيلَ إلى تنكيره إلَّا بتنكير المضافِ إليه.
وإنما قيل: ﴿أَعْيُنٍ﴾ على القِلَّة، دون: عيون؛ لأن المرادَ أعينُ المتقين، وهي قليلٌ بالإضافة إلى عيونِ غيرهم.
﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: أئمَّةً يَقتدون بنا في أمرِ الدِّين بإفاضة العلمِ والتوفيق للعمل، واكتفى بالواحد لدلالته على الجنس وعدم اللَّبْس، كقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] أو لأنَّه مصدر في الأصل، أو لأنَّ المرادَ: واجْعَل كلَّ واحدٍ منَّا، أو لأنَّهم كنفسٍ واحدةٍ؛ لاتِّحادهم في الطريقة واتفاقِ كلمتهم.
وقيل: جمعُ اَمٍّ، كصائمٍ وصيامٍ، ومعناه: قاصدين لهم مقتدِين بهم، قيل في الآية:
(٧٥) - ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾.
﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾؛ أي: الغُرُفات؛ وهي العلالي في الجنَّة، فوحِّد اقتصارًا على الواحد الدالِّ على الجنس، دليلُه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: بصبرهم على المشاقِّ مِن مضض الطاعات، ورفض الشهوات، وتحمُّل المجاهدات.
﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ دعاءٌ بالتعمير وبالسلامة، يعني: أنَّ الملائكة
[ ٧ / ٣٥٧ ]
يُحيُّونهم ويسلِّمونهم، أو يُحيِّي بعضُهم بعضًا ويُسلِّم عليه، وقرئ: ﴿يُلَقَّوْنَ﴾ (^١) مِن لقي (^٢).
* * *
(٧٦) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ لا يموتونَ ولا يخرجونَ عنها.
﴿حَسُنَتْ﴾؛ أي: الغرفة ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: موضعَ قرار وإقامةٍ، وهي في مقابَلةِ: ﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ مِثْله إعرابًا.
* * *
(٧٧) - ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾.
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ (ما) متضمِّنةٌ لمعنى الاستفهام، وهي في محلِّ النصب على المصدر، كأنه قيل: أيَّ عَبْءٍ يَعبأُ بكم؟ معناه: ما يصنع بكم ربِّي؟ مِن: عبأتُ الجيشَ، إذا هيَّأته.
﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾: لولا دعاؤه إيَّاكم إلى الإسلام، أو: لو لا عبادتُكم له؛ أي: أنه خَلَقكم لعبادته؛ لقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: الاعتبار عند ربِّكم لعبادتكم (^٣)، أو: ما يَصنَع بعذابكم لو لا دعاؤكم معه آلهةً، وهو كقوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].
_________________
(١) قرأ بها حمزة والكسائي وشعبة. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٥).
(٢) في (ف) و(ك): "يلقى".
(٣) في (ف) و(ك): "لعبادته".
[ ٧ / ٣٥٨ ]
﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ بما أخبرتُكم به حيث خالفتُموه (^١).
وقيل: فقد قصَّرتم في العبادة، من قولهم: كذب القتالَ، إذا لم يُبالغ فيه.
وقرئ: (فقد كذَّب الكافرون) (^٢) منكم؛ لأن الخطاب لعامَّة الناس بما وجدَ في جنسهم من العبادة والتكذيب.
﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ جزاء التكذيبِ وأَثَره ﴿لِزَامًا﴾ لازمًا بكم، وإنَّما أُضمر من غير ذكرٍ للتهويل، أو التنبيه على أنه ممَّا لا يُكتنهُ كنهُه بالوصف.
وقرئ: (لَزامًا) (^٣) بمعنى اللزوم، كالثبات والثبوت.
* * *
_________________
(١) في (م): "خالفتموني".
(٢) قرأ بها ابن الزبير وابن عباس. انظر: "مختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٥)، و"المحتسب" (٢/ ١٢٦).
(٣) قرأ بها المنهال وأبان بن تغلب وأبو السمال. انظر: "البحر المحيط" (١٦/ ٢٥٣ - ٢٥٤).
[ ٧ / ٣٥٩ ]