﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
(١ - ٢) - ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.
﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أَبانَ لازمٌ ومُتعدٍّ، أي: مُبينٌ خيرَه وبركتَه، أو: مُبينٌ لِمَا أُبهم (^١) بيانُه.
والبيانُ: إظهارُ المعنى للنفس بما يميِّزه عن غيرِه، مشتقٌّ مِن: أَجبنتُ كذا، إذا فصلتَه منه.
* * *
(٣) - ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿نَتْلُو﴾: نقرأ ﴿عَلَيْكَ﴾، أي: يَقرأ جبريلُ ﵇ بأمرنا، ومفعول ﴿نَتْلُو﴾:
﴿مِنْ نَبَإِ﴾؛ النَّبأُ: الخبرُ عمَّا هو عظيمُ الشأن.
﴿مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾، أي: نتلو عليكَ بعضَ خبرِهما ﴿بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنَّهم هم المنتفِعونَ به (^٢).
_________________
(١) في (ي): "بما يُهِمُّ "، وفي (ع): "انمايهم".
(٢) في هامش (ف) و(م): "قد مرَّ في السورة السابقة أنه لا حاجة إلى التأويل في مثل هذا بحمل المؤمن على من يؤمن في علمه تعالى، كما زعم صاحب الكشاف ومن تبعه. منه".
[ ٨ / ٧ ]
(٤) - ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾ استئنافٌ مبيِّن لذلك البعض.
﴿عَلَا﴾: تعاظَمَ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: مصرَ، وإنَّما عبَّر عنه بما هو اسمٌ لجهة السُّفْل؛ إشعارًا بأنَّه أَظهرَ ضدَّ ما يليقُ بشأنه.
﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ (^١): فِرَقًا، بأنْ أغرى بينهم العداوةَ؛ كيلا يتَّفقوا، فهو كالتمهيد لِمَا استأنف بإخباره في قوله:
﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً﴾ هم بَنُو إسرائيل ﴿مِنْهُمْ﴾ من الشِّيَع المذكورة؛ فإنَّهم لو كانوا متَّفقين لَمَا تيسَّر له ذلك.
﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ بدلٌ مِن الاستئناف السابق، وقد تقدَّم تفسيره في سورة الأعراف.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: مِن زمرة المعروفينَ بالفساد، فلذلك اجْتَرَأَ على قَتْل خَلْقٍ كثيرٍ لتخيُّلٍ فاسد.
* * *
(٥) - ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
﴿وَنُرِيدُ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ معطوفة على ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا﴾ من حيث
_________________
(١) في هامش (ف) و(م): "جمع شيعة، وهي الفرقة المتفقة على طريق ومذهب، من شاعه: إذا تبعه، من تفسير سورة الحجر. منه ".
[ ٨ / ٨ ]
إنَّهما واقعان تفسيرًا للنبأ، أو حالٌ مِن ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾، ويجوز أن يتحقَّق تعلُّق الإرادة بتكوين في زمانٍ مترقَّب، وهذا لتكون نعمةُ المنَّة أوقعَ، وسلطانُ التقدير على التدبير أظهرَ.
﴿أَنْ نَمُنَّ﴾: نتفضَّل عليهم بإنقاذهم من بأسه.
﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وإنَّما قال: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ مع عدم الحاجةِ إليه هاهنا ليتمشَّى جعلُ التعريف في ﴿الْوَارِثِينَ﴾ عِوَضًا عن الإضافة إليها (^١).
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾: مقدَّمين في أمرِ الدنيا والدِّين.
﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾؛ أي: يرثون الأرضَ المعهودةَ، لمَّا كانت الوراثةُ أقوى سببٍ في الاستحقاق والتملك حيث لا يُعقَب بفسخٍ ولا استرجاعٍ، ولا يُبطَل بِرَدٍّ وإسقاطٍ، استُعيرت لاستحقاقهم بمنِّ الله تعالى.
* * *
(٦) - ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ﴾ أصل التمكين أن تجعل للشيء مكانًا يَقعد عليه ويَرقد فيه، ثم استُعير للتسليط وإطلاقِ الأمر.
﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أظهر في مقامِ الإضمار؛ تفخيمًا لشأن تلك الأرض.
﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ كان هامانُ وزيرَ فرعون ومدبِّرَ ملكه، فلذلك شَرَّكهُ في إضافةِ الجنود إليهما.
_________________
(١) "إليها" من (م) و(ي).
[ ٨ / ٩ ]
﴿وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ﴾: من بني إسرائيل، ويتعلَّق بـ ﴿وَنُرِيَ﴾ دون: ﴿يَحْذَرُونَ﴾؛ لأن الصلة لا تتقدَّم على الموصول.
﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ من ظهورِ موسى ﵇، وأمَّا ذهابُ ملكهم وهلاكُهم فليسا ممَّا أُرُوْا هم (^١).
الحَذَرُ: التوقِّي من الضرورة، وزيادة ﴿كَانَ﴾ لبيان استمرارهم مدَّة مديدة على ذلك الحذر.
* * *
(٧) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ قد تقدَّم تفسيره في سورة طه.
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾؛ أي: أَلقِمي ثديَكِ فَمَهُ، و﴿أَنْ﴾ تفسيريَّة أو مصدريَّة.
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ مِن القَتْل، بأنْ يَسمع الجيرانُ صوتَه فيَنمُّوا عليه.
﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ قد مرَّ تفصيله في سورة طه.
﴿وَلَا تَخَافِي﴾ مِن الغَرَق والضياع ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ بفراقِه، والإخطارِ به، الخوفُ: هَمٌّ يلحقُ لمتوقَّع، والحزنُ: هَمٌّ يلحقُ لواقعٍ.
﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ بوجهٍ لطيف لتربِّيه ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ في هذه الآية أمرانِ ونهيانِ وخبرا بشارة.
* * *
_________________
(١) في النسخ: "رأوهم" والصواب المثبت. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٦٤). والمراد أن ذلك مما رآه بنو إسرائيل، ولم يروه هم؛ أي: قوم فرعون.
[ ٨ / ١٠ ]
(٨) - ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.
﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ الفاء فصيحةٌ تُفصِح عن محذوف تقديره: فأَرضَعَتْه إلى أنْ خافت عليه فأَلقته في اليَمِّ فالتقطه ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: أَخَذوه، وقد وجدوهُ من غير طلبٍ، وهو معنى الالتقاط، ومنه: اللَّقيط واللُّقَطة.
﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾، أي: ليصيرَ الأمر إلى ذلك، لا أنَّهم أَخَذوه له، كقولهم: للموتِ ما تَلِدُ الوالدةُ، وعن هذا سَمَّوا هذه اللامَ لامَ العاقبة والصيرورة، وهي في الحقيقة لامُ التعليل، وذلك أن كونه لهم ﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ لمَّا كان نتيجةَ التقاطهم له وثمرتَه، شبَّهه بالداعي الذي يفعل الفاعل لأجله، وبعد اعتبار هذا التشبيه على طريق الاستعارة المَكْنيَّة لم يبق حاجةٌ إلى التجوُّز في اللام كما سبق إلى بعض الأوهام (^١).
﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ وقرئ (^٢): ﴿وَحَزَنًا﴾ (^٣)، وهما لغتان كالعَدَم والعُدْم.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ كان هامانُ مدبِّرَ ملكِ فرعونَ وسائسَ جنده، فلذلك أضافهم إليهما.
﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾: مُذنِبين، فعاقبهم اللهُ تعالى بأنْ ربَّى عدوَّهم ومَن هو سبب هلاكهم على أيديهم.
أو: كانوا خاطئين في كلِّ شيءٍ، فليس خَطؤهم في تربية عدوِّهم ببِدْعٍ منهم.
_________________
(١) من قوله: "وهي في الحقيقة " إلى هنا، سقط من (ع) و(ي).
(٢) "وقرئ" من (ف).
(٣) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٧١).
[ ٨ / ١١ ]
وقرئ: ﴿خَاطِئِينَ﴾ (^١) بتخفيف: خاطئين، أو: خاطين الصوابَ إلى الخطأ (^٢).
* * *
(٩) - ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: لفرعونَ حين أُخرِج من التابوت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ (^٣) قد مرَّ تفسيره في سورة الفرقان.
﴿لِي وَلَكَ﴾ أي: هو قرَّة عينٍ لنا؛ لأنَّه لمَّا رَأَياهُ حين أُخرج من التابوت أحبَّاه، وفي الحديث أنَّه قال: هو لكِ لا لي، ولو قال: لي كما هو لكِ، لهداهُ الله تعالى كما هداها (^٤).
﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ الخطاب بلفظ الجمع للتعظيم ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ فإنَّ فيه مخايلَ اليُمْنِ ودلائلَ النفع، وذلك لمَّا رَأَت بُرْءَ البرصاءِ (^٥) بريقه.
﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾: أو نتبنَّاه فإنَّه أهلٌ له.
_________________
(١) قراءة أبي جعفر. انظر: "النشر" (١/ ٣٩٧).
(٢) فهو من خطا يخطو.
(٣) بعدها في (ف) و(م): "لي ولك ".
(٤) ورد بنحوه ضمن خبر طويل جدًّا رواه النَّسَائِيّ في "الكبرى" (١١٢٦٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٦١٨).
(٥) في (ف) و(ك) و(م): "البرصاء برئت "، بدل: "برء البرصاء". وكلاهما صواب، والبرصاء هي بنت لفرعون لما أخرج موسى ﵇ من التابوت عمدت إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت من ساعتها. كذا جاء في خبر طويل رواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٣٤ - ٢٣٦)، وابن عساكر في "تاريخه" (٦١/ ٢٠ - ٢٢)، عن ابن عباس ﵄ موقوفًا.
[ ٨ / ١٢ ]
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ، وذو حالها ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ وتقدير الكلام: فالتقطه آلُ فرعون ليكون لهم عدوًّا وحَزَنًا، وقالت امرأة فرعون كذا وكذا، وهم لا يشعرون أنَّهم على خَطَرٍ عظيمٍ في التقاطِه ورجاءِ النفع في تبنِّيه، وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾ الآية، جملة اعتراضية واقعةٌ بين المعطوفين مؤكِّدة لمعنى خَطَائهم.
وقيل: هو تمامُ كلامِ امرأةِ فرعونَ؛ أي: نتَّخذه ولدًا والناسُ لا يشعرون أنه مُلتَقَط، بل يظنُّون أنَّه وَلَدُنا.
* * *
(١٠) - ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ معطوفٌ على محذوفٍ دلَّ عليه سياقُ الكلام.
﴿فَارِغًا﴾: صُفْرًا مِن العقل لِمَا دَهَمها من الخوف والحَيْرةِ حين سمعت وقوعَه في يَدِ آلِ فرعون.
وقيل: مِن الهَمِّ؛ لفرط وثوقها بوعد الله تعالى، ولسماعها أنَّ فرعونَ عَطَف عليه وتبنَّاه.
ويأباه قوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ويردُّه على الثاني قوله: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾.
﴿إِنْ﴾ مخفَّفةٌ من الثقيلة؛ أي: ﴿كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: لتُظهِر به، والضمير لموسى، والمراد: أمره، والباء صلة.
﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ الربط على القلب: تقويته بإلهامِ الصبر والثبات.
﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: من المصدِّقين بوعدنا، وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف؛ أي: لأَبدَتْه.
[ ٨ / ١٣ ]
(١١) - ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾؛ أي: اتَّبِعي أثَره؛ أي: أثَرَ الملتقطِينَ له وتتبَّعي خبرَه.
﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾؛ أي: رَأَتهُ، والفاء فصيحة ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾: عن بُعُدٍ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: آلُ فرعونَ لا يَعلمون أنَّها أختُه.
* * *
(١٢) - ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ تحريمَ منعٍ لا تحريمَ شرعٍ؛ أي: مَنَعنا أن يرضعَ ثديًا، والمراضع: جمع مُرْضِع، وهي المرأةُ التي تُرضِع، أو جمع مَرْضَع، وهو موضعُ الرَّضاع بمعنى الثدي، وقيل: أو الرَّضاع، ولا يلائمه الجمع.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أنْ رأته أخته.
﴿فَقَالَتْ﴾ أختُه وقد دخلت دارَ فرعون بين المراضع ورَأَته لا يَقبلُ ثديًا:
﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾: أُرشدكم ﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾ احترز بذلك (^١) عن الرِّقِّ ودناءَة الأصل؛ فإنَّهما مَّما يُحتَرز عنه في أمرِ الرضاع.
﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ بالإرضاع وغيره ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ والنصح: إخلاصُ العمل من شائبِ الفساد، وهو نقيض الغِشِّ.
روي: أنَّ هامان لمَّا سمعها (^٢) قال: إنَّها لتعرفُه وأهلَه، خذوها حتى تُخبرَ بحاله.
_________________
(١) في (ك): "أخبرته بذلك احترازًا".
(٢) في النسخ: "سمعه"، والصواب المثبت.
[ ٨ / ١٤ ]
فقالت: إنَّما أردتُ: وهم للمَلِك ناصحونَ، فأمرها فرعونُ بأن تأتيَ بمَن يكفله، فأَتَت بأمِّها وموسى على يدِ فرعونَ يبكي وهو يعلِّله، فلمَّا وجد ريحَ أمِّه استأنسَ والتَقَمَ ثديَها، فقال لها: مَن أنتِ منه، فقد أَبَى كلَّ ثديٍ إلَّا ثديك. قالت: إنِّي امرأةٌ طيِّبةُ الرِّيح طيِّبةُ اللَّبنِ، ما أُوتَى بصبيٍّ إلَّا قبِلني. فدفعه إليها وأَجرى عليها، فرجعت به إلى بيتها مِن يومها وهو قوله:
(١٣) - ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بالمُقام معه ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ بفراقه ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ عِلْمَ مشاهدةٍ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ موعدَه حقٌّ فيرتابون فيه، فيشبه التعريضَ بما فرَط منها حين سمعت بخبرِ موسى.
* * *
(١٤) - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: مبلغَه الذي لا يزيد عليه نشؤه، وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأقاليم.
﴿وَاسْتَوَى﴾: واعتدلَ وتمَّ استحكامُه.
﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾: حكمةً ﴿وَعِلْمًا﴾: فقهًا في الدين قبل أن يُبعَث نبيًّا.
﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثلَ ذلك الذي فعلنا بموسى وأمِّه ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم.
* * *
[ ٨ / ١٥ ]
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾.
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾: مدينةَ فرعون - وهي منف (^١) - بعد أن غاب عنها (^٢) مدة.
﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ وهو وقتُ القائلةِ، وقيل: ما بين العِشاءَين، ويأباه قوله: ﴿اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ﴾.
وإنما قال: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ لأنَّ الغفلةَ هي المقصودةُ، فصار هذا كما تقول: جئتُ على غفلةٍ، وإن شئتَ قلتَ: جئتُ على حينِ غفلةٍ، بخلاف ما إذا أضفتَ إلى ما ليس بمقصود، كما إذا قلت: جئتُ حينَ غروب الشمس.
قيل: لمَّا أُوتيَ موسى ﵇ حكمًا وعلمًا، عابَ ما عليه قومُ فرعون، وفَشَا ذلك منه، فأخافوه فخافهم، فكان لا يدخل المدينة إلَّا خائفًا مستخفيًا.
﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أحدهما سِبْطيٌّ والآخر قِبْطيٌّ، والإشارة إلى الحكاية، وفي عبارة العدوِّ نوع إشارة إلى ما نقلناه آنفًا.
﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾: فسأله أنْ يُغيثه بالإعانة، ولذلك عُدِّيَ بـ (على).
﴿الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾، أي: دَفَع صدرَه بجُمْع كفِّه
_________________
(١) بفتح الميم وسكون العين، كذا قال ياقوت، وقال الشهاب الخفاجي في "الحاشية" (٧/ ٦٧): بضم الميم، وفتحُها وإن ذكره بعضهم لا يوثق به، والنون ساكنة، وهي ممنوعة من الصرف والمعروف فيها منوف. اهـ. وقال ياقوت: بينها وبين الفسطاط ثلاثة فراسخ، وبينها وبين عين شمس ستة فراسخ. انظر: "معجم البلدان" (٥/ ٢١٣).
(٢) في النسخ: "عنه"، والصواب المثبت.
[ ٨ / ١٦ ]
﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾: فقتَلَه، أصله: أنهى حياتَه، من قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦].
﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إشارةٌ إلى القتل الحاصل بغيرِ قصدٍ، وإنَّما جعل قتل الكافر مِن عمل الشيطانِ وسمَّاه ظُلْمًا لنفسه واستغفر منه؛ لأنَّه لم يُؤذَن له في القتل، وعن [ابن] جريج: ليس لنبيٍّ أنْ يَقتُلَ ما لم يُؤمَر (^١). ولا يَقدح ذلك في عصمته ﵇، لكونه خطأ.
﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾: ظاهر الإضلال، ويلزمه ظهور العداوة بدون العكس.
* * *
(١٦) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بقَتْله ﴿فَاغْفِر﴾ ذنبي ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ باستغفاره ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ لذنوبِ المستغفرين ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم.
* * *
(١٧) - ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ قَسَمٌ جوابه محذوف تقديره: أُقسِم بإنعامِك عليَّ من المغفرة وغيره لأتوبنَّ ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ إنْ عصمتني ﴿ظَهِيرًا﴾: معينًا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾: الكافرين.
أو استعطاف، كأنه قال: ربِّ اعصِمني بحقِّ ما أنعمتَ عليَّ من المغفرة، فلن أَكون إن عصمتني ظهيرًا للمجرمين.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ١٦٨)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٨ / ١٧ ]
وأراد بمظاهرة المجرمين: صحبتُه فرعونَ وانتظامُه في جملته وتكثيرُ سواده، حيثما كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد.
وقيل: أراد: أن لا أُعِينَ بعد هذا سِبطيًّا، وكان يومئذ السِّبط كفَّارًا، ومعنى ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾: مِن فرقته المتعصِّبة له نَسَبًا لا دِينًا، قال ابنُ عباس: فلم يَستثن - أي: لم يقل: إن شاء الله - فابتلي ثانيًا (^١).
* * *
(١٨) - ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا﴾ مِن قتل القبطيِّ ﴿يَتَرَقَّبُ﴾؛ أي: ينتظر ما يَحدث بعده.
﴿فَإِذَا الَّذِي﴾ (إذا) للمفاجأة، وما بعده مبتدأ ﴿اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يصيحه مِن بعيد مستغيثًا من قبطيٍّ آخَرَ.
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾؛ أي: لذلك السِّبطيِّ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ بيِّن الغواية؛ لأَنَّك تُشارُّ مَن لا تطيقه.
وقيل: لأنك تسبَّبت لقَتْل رجلٍ وتقاتلُ آخَرَ.
* * *
(١٩) - ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
ولا يناسبه: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ لأنَّ تذكُّر موسى ﵇ تسبُّبه
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ٢٩٨).
[ ٨ / ١٨ ]
لذلك المحظورِ باعث الإحجام لا باعث الإقدام، وإنَّما زيد (أنْ) للتأكيد والتقوية لمعنى الإرادة، والمقام يقتضيها، وذلك أنَّ إرادةَ البطشِ ليست على حقيقتها؛ لأنَّها لا تصلُح (^١) لأنْ تكون سببًا للخوف، بل كناية عن بَسْط اليدِ نحو المقصود بالبطش، والتي يَتبعها الفعلُ ويرادفها إنَّما هي الإرادة البالغة إلى حدِّ العزم لا مطلق الإرادة.
﴿بِالَّذِي﴾، أي: بذلك القبطيِّ الذي ﴿هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾: لموسى والسِّبطيِّ.
﴿قَالَ﴾ السِّبطيُّ لموسى ﵇ وقد توهَّم أنه أراد أخذَه لا أخذَ القبطيِّ، حيث أَغلظ له في القول:
﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ﴾، أي: ما تريد.
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا﴾ الجبَّار فعَّال، مِن جَبَرهُ على الأمرِ بمعنى: أَجبره، وهو الذي يُجبِر الناسَ على ما يريده.
﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أرض مصر.
﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ بينَ الناس فتدفعَ التخاصُمَ بالذي هي أحسن، وكان قَتْل القبطيِّ بالأمسِ قد شاعَ ولكن خَفِيَ قاتلُه، فلمَّا أفشى على موسى ﵇ عَلِم القبطيُّ أنَّ قاتلَه موسى، فأَخبر مَلَأَ فرعونَ، فهمُّوا بقتله، فخرج مؤمنٌ مِن آلِ فرعونَ وهو ابن عمِّه ليخبره كما قال:
(٢٠) - ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "لا يصح".
[ ٨ / ١٩ ]
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾: يُسرع، صفة لـ ﴿رَجُلٌ﴾، أو حالٌ منه إذا جعل من ﴿أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ صفةً له لا صلةً لي (جاء)؛ لأنَّ تخصيصه بها يُلحِقه بالمعارف.
﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾: يتشاورونَ بسببِك، وإِنَّما سِّمي التشاورُ ائتمارًا؛ لأنَّ كلًّا من المتشاوِرَيْن يأمرُ الآخَرَ وَيأتمرُ.
﴿فَاخْرُجْ﴾ من المدينة ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ اللام للبيان، وليس بصلة لـ ﴿النَّاصِحِينَ﴾؛ لأنَّ معمولَ الصلة لا يتقدَّم على الموصول.
* * *
(٢١) - ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا﴾: من المدينة ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ التعرُّضَ له في الطرق (^١)، أو أنْ يَلحقه مَن يَطلبه.
﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: خلِّصني منهم، واحفظني مِن لحوقهم.
* * * *
(٢٢) - ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ﴾ التوجُّه: الإقبالُ على الشيء ﴿تِلْقَاءَ﴾: قبَالةَ ﴿مَدْيَنَ﴾ قرية شعيب ﵇، سُمِّيت باسم مدين بنِ إبراهيم ﵇، ولم تكن في سلطان فرعونَ، وكان بينها وبين مصرَ ثمانيةُ أيام، قال ابن عباس ﵄: خرج ولم يكن له علمٌ بالطريق إلَّا حسن ظنِّه بربِّه (^٢).
_________________
(١) قوله: "في الطرق" سقط من (ي).
(٢) رواه الطبريُّ في "التفسير" (١٨/ ٢٠٣).
[ ٨ / ٢٠ ]
﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: وَسَطَه ومُعظَمَ نهجه، فجاءَه ملكٌ فانطلق معه إلى مدين.
* * *
(٢٣) - ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾:
﴿وَلَمَّا وَرَدَ﴾ وصل ﴿مَاءَ مَدْيَنَ﴾: ماءَهم الذي يستقون منه، وكان بئرًا.
﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾ فوق شَفيرها ﴿أُمَّةً﴾: جماعةً كثيرة ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ إنَّما قال: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ مع أنَّ السقي لا يكون إلَّا منهم؛ تنزيلًا لشأنهم، كأنَّه قيل: كانوا لئامًا لا يستحقُّون إلَّا التعبير باسم الجنس، بل هم في ذلك في درجةٍ احتاجوا إلى بيانِ كونهم من جنسِ الإنس.
﴿يَسْقُونَ﴾ مواشيَهم.
﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾: في مكانٍ أسفلَ مِن مكانهم.
﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾: تُطرَدان غنمهما (^١) عن الماء؛ لعَجْزهما عن المزاحمة مع تلك الأمَّة، تركَ المفعول في ﴿يَسْقُونَ﴾ و﴿تَذُودَانِ﴾؛ لأنَّ الغرضَ هو الفعلُ لا المفعولُ، إذ هو يكفي في البَعث على سؤال موسى ﵇، وما زاد على المقصود يُعدُّ لُكْنةً وفضولًا، وأمَّا البعث على المرحمة، فليس هذا موضعه، فإنَّ له قولهما: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾.
_________________
(١) تحرفت في النسخ إلى: "عنهما"، والصواب المثبت. انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ٢٨٣)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ٢٥٧)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٦٣٦) والكلام منه.
[ ٨ / ٢١ ]
﴿قَالَ﴾ موسى ﵇: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾؛ أي: ما شأنكما تذودانِ؟ سَأَلهما عن سبب الذَّود، فأَجابا بما مرجعه إلى العَجْز عن المزاحمة، أو الاجتناب عن المخالطة.
ولمَّا اتَّجه أنْ يُقال: خِدمةُ السقي كانت للرجال، فما بالُكم تباشرونها؟ تداركتا الاعتذار عنه بما تقديره: ليس لنا راعٍ وأبونا شيخٌ كبيرٌ، فحذف صدر الكلام الاستئنافي؛ لدلالة الواو الفصيحة في أوَّل الباقي عليه.
﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي﴾ غَنَمَنا ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾: يَصرف الرِّعاءُ مواشيَهم عن الماء.
وقرئ: ﴿يَصْدُرَ﴾ (^١)؛ أي: يَنصَرف.
و﴿الرِّعَاءُ﴾: جمع راعٍ، وقرئ: ﴿الرِّعَاءُ﴾ بضمِّ الراء (^٢)، وهو اسمُ جمعٍ كالرُّخال (^٣).
﴿وَأَبُونَا﴾ عطف على محذوف بيَّنَّاه آنفًا ﴿شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ في السّنِّ لا يَقدِرُ على السَّقْي والرَّعْي.
* * *
_________________
(١) قرأ بها ابن عامر وأبو عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٧١).
(٢) انظر: "مختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٢)، ونسبها لبعضهم.
(٣) في (ف) و(ك) و(م): "كالرضاء"، والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (٣/ ٤٠١)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ١٧٥). والرخال بضم الراء المهملة والخاء المعجمة وفي آخره لام: جمع رَخِلة ورِخلة بكسر الراء، وهي الأنثى من أولاد الضأن. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٦٩).
[ ٨ / ٢٢ ]
(٢٤) - ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾: فسقى غنمهما لأجلهما رغبةً في المعروف وإغاثةً للملهوف، روي أنه كانت هناك بئرٌ أخرى عليها صخرة، فأَقَلَّها وحدَهُ واستقى منها.
﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾: إلى ظلِّ الشجرة.
﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ يحتاج إلى الطعام.
قيل: كان لم يَذُق طعامًا سبعةَ أيام، وقد لَصقَ ظهرُه ببطنه، قد كان يكفيه: ربِّ إنِّي فقيرٌ، إلَّا أنه قدَّم بيانَ سبب حاجته؛ تمهيدًا للاعتذار عمَّا ارتكبه من مخالفة المعتادِ بالخروج إلى السفرِ البعيد بلا زاد، ومراده مِن النازلة المذكورة ما ابتلاهُ اللّهُ مِن قَتْله القبطيَّ، فإنه كان سببًا لهربه مِن مصرَ بلا تدارُكٍ لعُدَدِ السفر، وإنَّما بيَّنه بقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾؛ دَفْعًا لِمَا يتراءى؛ مِن ظاهره التشكِّي، وإنَّما جزم بكونه خيرًا لعِلمه بأنَّ الخيرَ ما اختاره الله تعالى.
* * *
(٢٥) - ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾ الفاءُ فصيحةٌ، روي أنَّهما لمَّا رجعا إلى أبيهما قبل الناس، قال لهما: ما أَعجَلَكما؟! قالتا: وجدنا رجلًا صالحًا رَحِمَنا فسقى لنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادْعِيهِ لي.
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾؛ أي: مستحيَةً.
﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ﴾: ليُكافِئك ﴿أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾: جزاءَ سَقْيكَ
[ ٨ / ٢٣ ]
لنا، روي أنَّها لما قالت: ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ كَرِهَ ذلك، وإنَّما أجابها لئلَّا يخيِّب قصدها؛ لأنَّ للقاصد حرمةً.
ولمَّا وضع شعيبٌ ﵇ الطعامَ بين يديه امتنع، فقال شعيب ﵇: ألستَ جائعًا؟ فقال: بلى، ولكن أخاف أن يكون عِوَضًا ممَّا سقيتُ لهما، وإنَّا أهل بيتٍ لا نبيعُ ديننا بالدنيا، ولا نأخذُ على المعروف ثمنًا، فقال شعيب: هذه عادَتنا مع كلِّ مَن ينزل بنا، فأَكَلَ.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُ﴾ الفاءُ فصيحةٌ، أي: أجابها موسى ﵇، فلمَّا جاءَ أباهما ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ القصصُ مصدرٌ كالعَلَل (^١) سُمِّي به المقصوص.
﴿قَالَ﴾ له: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ إذ لا سلطانَ لفرعونَ بأرضنا.
* * *
(٢٦) - ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ يعني: التي استدعته: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ لرَعْي الغنم ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾: تعليل جامع يَجري مجرى الدليل على أَنَّه حقيقٌ بالاستئجار، وللمبالغة فيه جُعل ﴿خَيْرَ﴾ اسمًا لـ ﴿إِنَّ﴾، وذُكر الفعلُ بلفظ الماضي؛ للدلالة على أنَّه مجرَّب معروفٌ.
روي أنَّ شعيبًا ﵇ قال لها: وما عِلْمك بقوَّته وأمانته؟ فذكَرَت إقلالَ الحَجَرِ، وأنَّه صوَّب رأسَه حتى بلغته، وأمرها بالمشي خَلْفه (^٢).
_________________
(١) مصدر علَّ، وهو يأتي بمعنى: الشرب ثانيًا، أو الشرب بعد الشرب تباعًا. انظر: "القاموس" (مادة: علل).
(٢) رواه مطولًا الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٢٥) عن ابن عباس ﵄، وفيه: (… وأما =
[ ٨ / ٢٤ ]
(٢٧) - ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾: أُزوِّجك ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ لا دلالَة فيه على أنه كانت له غيرهما، إذ يكفي في الحاجة إلى الإشارة عدمُ علم المخاطَب بأنه كانت له غيرهما.
﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾: تكون أجيرًا لي، من أَجَرْتُه: إذا كنت له أجيرًا.
﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ ظرف، والحِجَّة: السَّنَة؛ لأنَّ في كلِّ سَنَةٍ حِجَّةً، فسَمَّوا بها لتضمُّنها إيَّاها تعظيمًا لها، والمعنى: على أن تجعل أجري إيَّاك على تزويجِ ابنتي رعيَ ماشيتي ثماني سنين، والتزويج على رعي الغنم جائزٌ في شريعتنا أيضًا.
﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾؛ أي: عَمَلَ عشرِ حججٍ (^١) ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾؛ أي: فذلك تفضُّلٌ منكَ ليس بواجبٍ عليك، أو: فإتمامه مِن عندك، ولا أحتِّمه عليك، ولكن (^٢) إنْ فعلتَهُ فهو منك تفضُّل وتبرُّع.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بإلزام أتمِّ الأجلَيْن، أو المناقشة في مراعاة الأوقاتِ واستيفاءِ الأعمال، وحقيقةُ: شقَّ عليه الأمرُ: أنَّه إذا تعاظمك فكأنَّه (^٣) شقَّ عليكَ ظنَّك باثنين، تقول تارةً: أطيقه، وطَورًا: لا أطيقه.
_________________
(١) = أمانته، فإنه نظر حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوَّب رأسه فلم يرفعه، ولم ينظر إلي حتى بلَّغته رسالتك …).
(٢) في (ف): "سنين".
(٣) في (ك) و(م): "ولكنه".
(٤) في (م): "فإنه".
[ ٨ / ٢٥ ]
﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ في حُسْن المعاملة والوفاء بالعهد، ويجوز أن يُراد الصلاح على العموم، ويدخل تحت حُسْن المعاملة، والمراد باشتراط مشيئةِ اللّه تعالى فيما وعد مِن الصلاح: الاتِّكالُ على توفيقه تعالى فيه ومعونته.
* * *
(٢٨) - ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
﴿قَالَ﴾ موسى ﵇: ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، وهو إشارةٌ إلى ما عاهده عليه شعيبٌ ﵇، والخبر: ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، يعني: ذلك الذي قلتَه وعاهَدْتني فيه وشارَطْتني عليه قائمٌ بيننا جميعًا لا يَخرُج كلانا عنه، لا أنا عمَّا شرطتُ، ولا أنتَ عمَّا شرطتَ على نفسك، ثم قال:
﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾، (أيَّ): نصب بـ ﴿قَضَيْتُ﴾، و(ما) زائدة مؤكِّدة لإبهام (أيَّ) وهي شرطيَّة، وجوابها:
﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾؛ أي: لا تعتدي عليَّ في طلب الزيادة، قال المُبرِّد: قد علم أنه لا عدوانَ عليه في أَتمِّهما، ولكن جَمَعهما ليجعل الأقلَّ كالأتمِّ في الوفاء، كما أنَّ طلب الزيادة على الأتمِّ عدوان، فكذا طلب الزيادة على الأقلِّ (١).
﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾ من المشارطة ﴿وَكِيلٌ﴾ هو مَن وَكَل إليه الأمرَ، وعُدِّيَ بـ ﴿عَلَى﴾ لأنَّه استعمل في موضع الشاهد والرقيب.
* * *
[ ٨ / ٢٦ ]
(٢٩) - ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ قال ﵇: قضى أوفاهما، وتزوَّج صغراهما (^١).
﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾: بامرأته نحو مصرَ ﴿آنَسَ﴾ مرَّ تفسيره.
﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾: من الجهة التي تلي الطور ﴿نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾: الْبَثُوا مكانَكم ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ مرَّ تفسيره.
﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ بفتح الجيم وكسرها وضمها: قطعةٌ غليظةٌ من الحطب كانت رأسُه نارًا أو لم تكن، ولذلك بيَّنه بقوله:
﴿مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ مرَّ تفسيره.
* * *
(٣٠) - ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ أتاهُ النداءُ من الشاطئ الأيمنِ لموسى ﵇ ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ بتكليم اللّهِ تعالى فيها، متَّصل بالشاطئ، أو صلة لـ ﴿نُودِيَ﴾.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ٤٠٧). قال الحافظ في "الكافي الشاف" (ص: ١٢٦): أخرجه الطبراني [في "الأوسط" (٥٤٣٠)، والبزار [في "مسنده" (٣٩٦٤)، من طريق عوبد بن أبي عمران الجوني عن أبيه عن عبد اللّه بن الصامت عن أبي ذر: أن النبي ﷺ سئل: أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال: "أوفاهما وأبرهما"، قال: وسئل: أيَّ المرأتين تزوج؟ قال: "الصغرى منهما"، وعويد ضعيف. ثم ذكر عن ابن مردويه نحوه من حديث أبى هريرة رفعه وقال: وفي إسناده سليمان الشاذكوني وهو ضعيف.
[ ٨ / ٢٧ ]
﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بدل من الشاطئ بدل الاشتمال؛ لأنها كانت نابتةً على الشاطئ.
﴿أَنْ يَامُوسَى﴾ (أنْ) مفسِّرة أو مخفَّفة من الثقيلة.
﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ هذا يوافق ما في سورة طه والنمل في المقصود، وإن خالفه في اللفظ، لمَّا دَنَا من النار شملته أنوارُ القُدس وأحاطت به جلابيبُ الأُنس، فخاطب بألطفِ خطابٍ، واستدعى منه أحسنَ جواب، فصار بذلك مكلَّمًا شريفًا أُعطيَ ما سأل، وأَمِنَ ممَّا خاف منه (^١).
* * *
(٣١) - ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾.
﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾: ونُودي أنْ ألقِ عصاك، فأَلقاها فقلبها اللّهُ تعالى ثعبانًا.
﴿فَلَمَّا رَآهَا﴾ الفاء فصيحة ﴿تَهْتَزُّ﴾ الاهتزازُ: شدَّة الاضطراب في الحركة ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ مرَّ تفسيره.
﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ عن المخاوف.
* * *
(٣٢) - ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ قال في سورة النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [الآية: ١٢] عطفًا على قوله: ﴿أَلْقِ﴾، وترك العطف هنا، كيلا يذهب الوهم إلى عطفه على ﴿أَقَبِلْ﴾.
_________________
(١) "منه" من (ي).
[ ٨ / ٢٨ ]
﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ مرَّ تفسيره.
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ أريدَ بضمِّ الجناح إليه تجلُّدُه وضبطه نفسَه عند خروج يده بيضاءَ حتى لا يتحرَّز ولا يضطرب من الخوف، استعارةً من هيئة الطائر؛ فإنه إذا خاف نَشَرَ جناحيه وأَرخاهما، وإلَّا فجناحاه مضمومان إليه مشمَّران، فهذا القول هنا بمنزلة قوله: ﴿وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١]، فيما تقدَّم.
﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾: مِن أجل الرَّهب، جُعل الرَّهْبُ الذي كان يصيبه سببًا وعلَّة فيما أُمر به من ضمِّ جناحه إليه، والرهب: الخوف مع تحرُّز واضطراب.
﴿فَذَانِكَ﴾ مخفَّفًا مثنَّى (ذاك)، ومشدَّدًا مثنَّى (ذلك) (^١)، وإحدى النونين عوض من اللام المحذوفة، والمراد: اليد والعصا.
﴿بُرْهَانَانِ﴾: حجَّتان نيِّرتان، وبُرْهان فُعْلانٌ؛ لقولهم: أَبْرَهَ الرجلُ، إذا جاء بالبُرهان، أو: مِن قولهم: بَرِهَ الرجلُ: إذا ابيضَّ، وقيل: فُعْلالٌ، من قولهم: بَرهَنَ.
﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ مرسلًا بهما ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ فكانوا أحقَّاء بأنْ يرسَل إليهم.
* * *
(٣٣) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بها.
* * *
_________________
(١) بالتشديد قراءة أبي عمرو وابن كثير، وباقي السبعة بالتخفيف. انظر: "التيسير" (ص: ١٧١).
[ ٨ / ٢٩ ]
(٣٤) - ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.
﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ الرِّدْءُ: العَونُ الذي يَدفع الشَّرَّ عن صاحبه ﴿يُصَدِّقُنِي﴾؛ أي: رِدْءًا مصدِّقًا (^١)، وقرئ بالجزم (^٢) جوابًا لـ (أرسِلْه).
ومعنى تصديقِه موسى ﵇: إعانتُه إيَّاه بزيادةِ البيان في مظانَ الجدال إن احتاج ليُثبِت دعواه.
﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ تعليلٌ يقوم مقام الجواب المحذوف على قراءة ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بالرفع.
* * *
(٣٥) - ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾: سنقوِّيك بأخيك، إذ اليد تشتدُّ بشدَّة العَضُد؛ لأنَّه قِوامُ اليد، والجملةُ تَقْوَى بشدَّة اليد على مزاولة الأمور.
﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾: غلبةً وتسلُّطًا أو حجَّة ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ باستيلاءٍ أو حِجاجٍ.
﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلِّق بـ ﴿يَصِلُونَ﴾؛ أي: لا يصلونَ إليكما بسبب آياتنا، وتمَّ الكلام، أو بـ ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾؛ أي: تسليطًا بآياتنا، أو بمحذوف؛ أي: اذهبا
_________________
(١) في (م) زيادة: "بها".
(٢) قرأ بالرفع عاصم وحمزة، وباقي السبعة بالجزم. انظر: "التيسير" (ص: ١٧١).
[ ٨ / ٣٠ ]
بآياتنا، أو قَسَمٌ جوابه محذوف، وهو: لا يصلون، حُذف لدلالة ما قبله عليه.
أو هو بيانٌ لـ ﴿الْغَالِبُونَ﴾ في قوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ لا صلةٌ له، بل للَّذي بيَّنه وهو الغالبون المقدَّر، أو صلةٌ له على أنَّ اللام فيه للتعريف لا بمعنى (الذي)؛ لامتناع تقدُّم الصلة على الموصول، ومعمولُ (^١) الصلة في حكمها.
* * *
(٣٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾: واضحات ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ تَختلقُه لم يُفعَل مِن قَبْلُ مثلُه، أو: سحرٌ تعمله ثم تفتريه على اللّه، أو: سحرٌ موصوفٌ بالافتراء كسائر أنواع السحر.
﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ يعنون السحرَ، أو ادِّعاء النبوَّة.
﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ حالٌ منصوبة عن (هذا)؛ أي: كائنًا (^٢) في زمانهم، يعني: ما حُدِّثنا بكونه فيهم.
* * *
(٣٧) - ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾: فيَعلم أنَّه محقٌّ وأنتم مبطِلون،
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "وموضعه معمول". ولم أجد وجها لإقحام كلمة "موضعه".
(٢) في (ف): "كائنان".
[ ٨ / ٣١ ]
وقرئ بغير واو (^١)؛ لأنَّه قال جوابًا لمقالهم، ووجهُ العطف: أنَّ المرادَ حكايةُ القولين؛ ليوازن الناظر بينهما، فيختبرَ صحيحَهما من الفاسد.
﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾: العاقبةُ المحمودةُ، فإنَّ المراد بالدار الدنيا، وعاقبتُها الأصليَّة هي الجنة؛ لأنها خُلقت مجازًا إلى الآخرة، والمقصود منها بالذات هو الثواب، والعقاب وإنَّما قصد بالعرض.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: لا يفوزون بالهدى في الدنيا وحُسنِ العاقبة في العُقبى، والإتيان بصيغة الجمع للإيذان بأنَّ جمعَهم لا يُغني.
* * *
(٣٨) - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ نفى علمَه بإلهٍ غيرِه دون وجوده، إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم به.
ولمَّا كان الظاهرُ مِن نفي العلم في مقامٍ يقتضي نفيَ الوجود على تقدير ثبوته عند اشتباه الحال، فرَّع عليه الأمرَ ببنائه الصرحَ ليَصعد عليه ويطَّلعَ على حقيقة الحال بقوله:
﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ قيل: أوَّل مَن اتَّخذ الآجُرَّ فرعونُ، ولذلك أمر باتِّخاذه على وجهٍ يتضمَّن تعليم الصنعة مع ما فيه مِن تعظُّم، ولذلك نادى هامان باسمه بـ ﴿يا﴾ في وسط الكلام بما يُؤمَر به السُّوقة.
_________________
(١) قرأ بها ابن كثير. انظر: "التيسير" (ص: ١٧١).
[ ٨ / ٣٢ ]
﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ الصَّرْح: البناءُ العالي الظاهر، ومنه: التصريح، لشدَّة ظهور المعنى.
﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ﴾ الطُّلُوع والاطّلاع: الصعود، وتعديتُه بـ (إلى)، وأمَّا تعديته بـ (على) فباعتبار تضمُّنه معنى الإشراف.
﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ حَسِبَ أنَّه في مكانٍ كما كان هو فيه.
﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في دعواهُ أنَّ له إلهًا، وأنَّه أرسله إلينا رسولًا، والظَّنُّ هنا ليس بمعناهُ المتعارَف المصطَلح، وهو الاعتقاد الراجح، بل بمعناه اللغويِّ؛ وهو ما لا يكون جازمًا، سواءٌ كان راجحًا أو مرجوحًا أو مساويًا.
* * * *
(٣٩) - ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾.
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾؛ أي: تعاظموا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: أرضِ مصرَ ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: بالباطل؛ لأنَّه كان بغيرِ استحقاقٍ، فإنّ الاستكبار بالحقِّ للّه تعالى.
﴿وَظَنُّوَاْ﴾ عبَّر عن اعتقادهم وإن كان جازمًا بالظَّنِّ تحقيرًا له.
﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا﴾: إلى حسابنا وجزائنا ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾ يوم القيامة، وليس هذا بعذرٍ لهم، بل ذمٌّ لهم بالجهل وتركِ التأمُّل في الآيات حتى يعلموا.
* * *
(٤٠) - ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.
[ ٨ / ٣٣ ]
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾ أَخْذَ عقوبة ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ من الكلام الفخم (^١) الذي دلَّ به على عِظَمِ شأنِه، شبَّههم استقلالًا بعددهم وإن كانوا الجَمَّ الغفير بحصَيَات أخَذهنَّ آخِذٌ (^٢) بكفِّه فطرحهنَّ في البحر.
﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ وحذِّر قومَك عن مثلها.
* * *
(٤١) - ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾: قدوةً للضلال بالحَمْل على الإضلال.
﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾: إلى مُوجِبها من الكفر والمعاصي.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾: بدَفْع العذاب عنهم.
* * *
(٤٢) - ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾.
﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾: طَردًا عن الرحمة، أو لعنَ اللاعنين، تلعنُهم الملائكةُ والمؤمنون.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾: المطرودين، أو ممَّن قُبِّحَ بسوادِ الوجوه وزُرْقة العيون، و(يوم) ظرفٌ لـ ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "المفحم".
(٢) في (ك): "أحد".
[ ٨ / ٣٤ ]
(٤٣) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: التوراةَ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قومَ نوح وهود وصالح ولوط ﵈.
﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾: حالٌ من الكتاب، والبصيرة: نورُ القلب الذي يُبصِر به الرشدَ، كما أنَّ البصرَ نورُ العين الذي يُبصر به، يريد: آتيناهُ التوراةَ أنوارًا للقلوب؛ لأنَّها كانت عمياءَ لا تستبصرُ ولا تَعرف حقًّا مِن باطلٍ.
﴿وَهُدًى﴾ وإرشادًا إلى الشرائع التي هي على سبيل الحقِّ ﴿وَرَحْمَةً﴾ لأنَّهم لو عملوا بها نالوا رحمةَ اللّه تعالى ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: ليكونوا على حالٍ يُرجى منهم التذكُّر.
* * * *
(٤٤) - ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمَّدُ ﴿بِجَانِبِ﴾ الجبل ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ وهو الذي وقع فيه ميقاتُ موسى ﵇، فإنَّه كان في شقِّ الغرب مِن مقامه، أو: الجانب الغربي منه على أنه مِن قَبيل إضافةِ الشيءِ إلى صفتِه، كقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩].
﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾: أَوحينا ﴿إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ الذي أَردنا تعريفَه.
﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. للوحي إليه، أو: على الوحي عليه، وهم نقباؤه السبعونَ المختارونَ للميقاتِ، والمراد: الدلالة على أنَّ إخباره عن ذلك مِن قَبيل الإخبار عن المغيَّبات التي لا تُعرَف إلَّا بالوحي، ولذلك استدرك عنه بقوله:
[ ٨ / ٣٥ ]
(٤٥) - ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾.
﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾؛ أي: ولكنَّا أَوحينا إليكَ لأنَّا أَنشأنا قرونًا مختلفة بعد موسى، فتطاول الأَمَدُ، فحُرِّفت الأخبار، وتغيَّرت الشرائع، واندرست العلوم، فحُذف المستدرَك وأُقيم سببُه مقامه متضمِّنًا لدَفْع ما عسى أنْ يَخطُر بالبالِ مِن احتمالِ أنْ يكون إخبارُه ﵇ عن ذلك بطريق الأَخْذ من أفواهِ الرجال.
﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾: مُقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾: ﵇ والمؤمنين معه.
﴿تَتْلُو﴾: تَقرأُ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ تعلُّمًا منهم ﴿آيَاتِنَا﴾ التي فيها قصَّة شعيبٍ ﵇ وقومِه، و﴿تَتْلُو﴾ في موضع نصبٍ، خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ مِن الضمير في ﴿ثَاوِيًا﴾.
﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ إيَّاك، ومُخبرِين لك بها.
* * *
(٤٦) - ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى أنْ خُذ الكتابَ بقوَّة.
﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ﴾؛ أي: ولكنْ عرَّفناك ذلك رحمةً منَّا إظهارًا لنبوَّتك، وقرئت بالرفع (^١)، على: هذه رحمةٌ.
_________________
(١) نسبت لأبي حيوة. انظر: "مختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٣).
[ ٨ / ٣٦ ]
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: لوقوعِهم في فترةٍ بيَنك وبين خالد ابنِ سِنان القيسيِّ ﵇ (^١) ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: يتَّعظون.
* * *
(٤٧) - ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾: عقوبةٌ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر والمعاصي، ولمَّا كان اكثرُ الأعمال تزاوَلُ بالأيدي، نُسبت الأعمالُ إليها وإن كان من أعمال القلوب؛ تغليبًا للأكثر على الأقلِّ.
﴿فَيَقُولُوا﴾ عند العذاب: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾.
(لولا) الأولى امتناعيَّة، وجوابها محذوف، والثانية تحضيضيَّة، والفاء الأولى
_________________
(١) كذا جزم المؤلف به، وفيه نظر، فقد ورد ذكره نبوته في حديث ضعيف رواه البزار (٢٣٦١ - كشف)، والطبراني في "الكبير" (١٢٢٥٠) عن ابن عباس ﵄، وهو مع ضعفه مخالف لما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه أن النبي ﷺ قال في عيسى: "ليس بيني وبينه نبي"، رواه البخاري (٣٤٤٢)، ومسلم (٢٣٦٥). وقال الآلوسي في "روح المعاني" (٢١/ ١٢٨): وأما العرب غير المعاصرين للنبي ﷺ فلم يأتهم من عهد إسماعيل ﵇ نبي منهم، بل لم يرسل إليهم نبي مطلقًا، وموسى وعيسى وغيرهما من أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام لم يبعثوا إليهم على الأظهر، وخالد بن سنان العبسي عند الأكثرين ليس بنبي، وخبر ورود بنت له عجوز على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لها: "مرحبا بابنة نبي ضيعه قومه" ونحوُه من الأخبار مما للحفاظ فيه مقال لا يصلح معه للاستدلال، وفي شروح "الشفاء" و"الإصابة" للحافظ ابن حجر بعض الكلام في ذلك). قلت: والحديث الذي ذكره من مجيء ابنته إلى النبي ﷺ قد قدمنا في أول التعليق تخريجه وتضعيفه.
[ ٨ / ٣٧ ]
للعطف، والثانية جوابُ (لولا)، لكونها في حكم الأمر، إذ الأمرُ باعثٌ على الفعل، والباعث والمخصِّص من وادٍ واحدٍ، والفاء تدخل في جواب الأمرِ، والمعنى: لولا قولُهم إذا أَصابَتْهم عقوبتُهم (^١) بسبب كفرِهم ومعاصيهم: ربَّنا هلَّا أَرسلت إلينا رسولًا يبلِّغنا آياتِكَ فنتَّبعَها ونكونَ مِن المصدقين، ما أرسلناك، أي: إنَّما أرسلناك قطعًا لعذرهم وإلزامًا للحُجَّة عليهم.
فإن قلتَ: كيف استقامَ هذا المعنى، وقد جعلت العقوبةُ هي السببَ في الإرسالِ لا القولُ لدخول (^٢) (لولا) الامتناعيَّة عليها دونه؟
قلت: القول هو المقصود بأنْ يكونَ سببًا للإرسال، والعقوبة لمَّا كانت سببًا للقول وكان وجودُه بوجودها، جُعلت العقوبةُ كأنَّها سببُ الإرسال، فأُدخلت عليها (لولا)، وجِيءَ بالقول معطوفًا عليها بالفاء المعطيةِ معنى السببية المنبِّهةِ على أنَّ القولَ هو المقصودُ بأنْ يكون سببًا بانتفاء ما يُجاب به، وأنَّه لا يَصدُر عنهم حتى تُلجئهم العقوبة.
﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ أراد بالآياتِ: المعجزاتِ، وباتِّباعها: العملَ بموجَبِ دلالتها، فقوله:
﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: مِن المصدِّقين برسلك كالتفصيل له.
* * *
(٤٨) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾.
_________________
(١) في (م): "عقوبة".
(٢) في (ك): "بدخول".
[ ٨ / ٣٨ ]
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾؛ أي: القرآنُ، أو الرسولُ المصدَّق بالكتاب المُعجِز ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ﴾: هلَّا أُعطيَ ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ من الكتاب المنزل جملةً واحدةً، أو من الآيات كاليد والعصا.
﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ يعني: أبناءَ جنسِهم ومَن مذهبُهم مذهبَهم، وعنادُهم عنادَهم، وهم الكَفَرةُ في زمن موسى ﵇ ﴿بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾: مِن قَبل هذا القول.
﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ يعني: موسى ومحمَّدًا ﵉ ﴿تَظَاهَرَا﴾ تعاونا بإظهار تلك الخوارق، أو بتوافق الكتابين، وقرئ: ﴿سِحْرَانِ﴾ (^١)؛ أي: التوراةُ والقرآن، وإسناد تظاهرهما إليهما دلالةٌ على سبب الإعجاز.
﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾؛ أي: بكلٍّ منهما، أو: بكلّ الأنبياء ﵈.
* * *
(٤٩) - ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: فإذا كذَّبتم يا معشرَ العرب بهذين الكتابَيْن، فَأْتوا بكتابٍ مِن عند اللّه ﴿هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ ممَّا أُنزل على موسى وعليَّ (^٢)، وإضمارهما لدلالة المعنى.
﴿أَتَّبِعْهُ﴾ جواب ﴿فَأْتُوا﴾.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنَّهما سحران مختلَقان لا هدايةَ فيهما، وهذا من الشروط التي يُراد بها الإلزامُ والتبكيتُ، وفي مجيء حرف الشَّكِّ نوعُ تهكُّم بهم.
_________________
(١) قرأ بها عاصم وحمزة والكسائي، وباقي السبعة: ﴿ساحران﴾. انظر: "التيسير" (ص: ١٧٢).
(٢) في (ف): "على موسى ومحمد ﵉".
[ ٨ / ٣٩ ]
(٥٠) - ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾؛ أي: الإتيانَ بالكتاب الأهدى، فحذف المفعول للعلم به، وهذا الحذف شائعٌ عند ذِكْر الداعي، وتعديتُه إليه باللام، وإلى الدعاء بنفسه، وأمَّا قولُ الشاعر:
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عندَ ذاك مُجِيْبُ (^١)
فمعناه: فَلَم يَستجب دعاءَهُ، على حذف المضاف، فلا تعديةَ فيه إلى الداعي.
﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ إذ لو اتَّبعوا حُجَّةً لأَتَوا بها.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي.
﴿بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ في موضع الحالِ؛ للتأكيد أو للتقييد؛ لأنَّ هوى النفس قد يوافق الحقَّ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسَهم.
* * *
(٥١) - ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ التوصيل: تكثيرُ الو صل وتكرُّره، يعني أنَّ القرآن أتاهم متتابعًا في الإنزال ليتَّصل التذكُّر، أو في النظم لتتقرَّر الدَّعوةُ بالحجَّة والمواعظُ بالمواعيد والنصائحُ بالعِبَر.
_________________
(١) البيت لكعب بن سعد الغنوي، وهو في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٦٧ و١١٢ و٢٤٥ و٣٢٦) و(٢/ ١٠٧)، و"الحماسة البصرية" (١/ ٢٣٤)، و"خزانة الأدب" (١٠/ ٤٣٦)، وصدره: وداع دعا يا مَن يُجيبُ إلى النَّدى
[ ٨ / ٤٠ ]
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فيفلحوا.
* * *
(٥٢) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾: مِن قَبْل القرآن، وخبر ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿هُمْ بِهِ﴾: بالقرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ نزلت في مؤمني أهلِ الكتاب.
* * *
(٥٣) - ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾.
﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾ القرآن ﴿عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: بأنَّه كلام اللّه تعالى ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾: استئنافٌ لبيانِ ما أَوجبنا إيمانهم به.
﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾ مِن قَبْل نزولِ القرآن ﴿مُسْلِمِينَ﴾: كائنين على دينِ الإسلام، مؤمنينَ بمحمَّد ﵊.
وقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ تعليلٌ للإيمان به؛ لأنَّ كونه حقًّا مِن اللّه، حقيقٌ بأنْ يُؤمَن به، وقوله: ﴿إِنَّ﴾ بيانٌ لقوله: آمنَّا؛ لأنَّه يَحتمل أن يكون إيمانًا قريبَ العهد وبعيدَهُ، فأَخبروا أنَّ إيمانَهم به متقادِمٌ.
* * *
(٥٤) - ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ مرَّةً على إيمانهم بكتابهم، ومرَّةً على إيمانهم بالقرآن.
[ ٨ / ٤١ ]
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: بصبرِهم على الإيمان بالقرآن قَبْلَ نزولِهِ وبعد نزولِه، أو بصبرِهم على أذى المشركين وأهلِ الكتاب.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ يدفعون بالطاعة المعصيةَ، لقوله ﵊: "أَتْبِع الحسنةَ السَّيِّئة تَمْحُها" (^١).
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في سبيل الخير.
* * *
(٥٥) - ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾.
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ تكرُّمًا ﴿وَقَالُوا﴾ للَّاغين: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ متاركةً لهم وتوديعًا، ودعاءً لهم بالسلامة عمّا هم فيه.
﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾: لا نطلب صُحبتهم ولا نريدها.
* * *
(٥٦) - ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾: لا تَقدِرُ على أنْ تنوِّر قلبَ مَن أحببتَ بنور الهداية، فإنَّك شفيعُ الجناية لا شريكُ الهداية.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ لقد أصاب كلّ مِن عبارتي الحبِّ والمشيئةِ محزَّها.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (٢١٩٨٨)، من حديث معاذ ﵁.
[ ٨ / ٤٢ ]
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾: بالمستعدِّين لذلك، قال الزجَّاج: أَجمعَ المفسِّرون على أنَّها نزلت في أبي طالب وإن كانت الصيغةُ عامَّةً (^١).
* * *
(٥٧) - ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾؛ أي: وقالوا: يا محمَّد، إنْ نتَّبعِ الهدى فنكونَ معك، أو نتَّبعِ الهدى الذي معك، وهو القرآن.
﴿نُتَخَطَّفْ﴾ التخطُّف: الاستلابُ بسرعة.
﴿مِنْ أَرْضِنَا﴾؛ أي: نُخرَج منها في الحال.
وهو تعلُّلٌ فاسدٌ منهم تعلَّقوا به عند عجزهم عن معارضته، فردَّ اللهُ عليهم بقوله:
﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾؛ أي: أَلم نَدفع عنهم شَرَّ العرب ولم نُمكِّن لهم ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾؛ أي: أَلم نَجعل مكانَهم في حرمٍ ذا أمنٍ لا يُسبَونَ فيه ولا يُغار عليهم، ولا يُتعرَّض لهم بمكروهٍ.
ثمَّ هذا الحرمُ في موضعٍ لا ضرعَ فيه ولا زرعَ ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: يُجمَع ويُجلَب إليه مِن كلِّ شيء أَرفعُه وأَنفعه، كما يقال: ثمرة الكلام، ومعنى الكليَّةِ: الكثرةُ، كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ١٤٩)، وحديث نزولها في أبي طالب رواه مسلم (٢٥/ ٤٢)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٨ / ٤٣ ]
﴿رِزْقًا﴾ مصدر؛ لأنَّ معنى ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ﴾: يُرزَق، أو مفعولٌ له، أو حالٌ من الثمرات إن كان بمعنى: مرزوقًا، لتخصيصها بالإضافة، كما ينتصب عن النكرة المتخصِّصة بالصفة.
﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: تفضُّلًا منَّا، فإذا كان حالُهم وهم عبدةُ الأصنام هكذا، فكيف يعرِّضهم للتخوُّف والتخطُّف إذا ضمُّوا إلى حرمةِ البيت حرمةَ التوحيد؟
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: جَهَلة لا يتفطَّنون له ولا يتفكَّرون ليعلموا، وقيل: متعلِّق بقوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: قليل منهم يُقرُّون بأنَّ ذلكٌ رزقٌ مِن عند اللّه، إذ لو علموا أنَّه مِن عند اللّه لعلموا أنَّ الخوفَ والأمنَ أيضًا مِن عند اللّه.
ثم بيَّن أنَّ الأمر بالعكس بأنَّهم أحقَّاءُ بأن يخافوا مِن بأس ما هم عليه بقوله:
* * *
(٥٨) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾: وكم مِن أهلِ قريةٍ كانت حالُهم كحالِهم في الأمن وخَفْضِ العيش حتى أَشِروا، فدمَّر اللّهُ عليهم، وخرَّب ديارهم.
و(كم) نصبٌ بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، و﴿مَعِيشَتَهَا﴾ بحذف الجارِّ وإيصالِ الفعل، أو بجعلها ظرفًا بنفسه، كقولك (^١): زيد ظنِّي مقيمٌ، أو بتقدير ظرفِ الزمان المضاف، أصله: بَطِرَت أيَّامَ معيشتِها، أو: مفعولٌ على تضمين ﴿بَطِرَتْ﴾ معنى: كَفَرت.
والبَطَر: سوءُ احتمال الغنى، وهو أنْ لا يحفظ حقُّ اللّه فيه.
_________________
(١) كتب تحتها في (ك): "أي: في ظني".
[ ٨ / ٤٤ ]
﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ﴾: منازلهم باقيةَ الآثار تُشاهدونها في الأسفار.
﴿لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ حالٌ، والعامل فيه الإشارة.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ مِن السُّكنى؛ أي: لم يَسكنها إلَّا المسافر ومارُّ الطريق يومًا أو ساعة.
﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ لتلك المساكن مِن ساكنيها؛ أي: لا يملك التصرُّف فيها غيرُنا.
* * *
(٥٩) - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾؛ أي: ليس في عادته أنْ يُهلك القرى ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾: في أصلها وقصَبتها (^١) التي هي أعمالُها؛ لأن أهلها تكون أفطنَ (^٢) وأنبلَ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ لإلزام الحجَّة وقَطْع المعذرة.
أو: ما كان في حكم اللّه وسابِقِ قضائه أنْ يُهلِك قرى الأرض حتى يَبعث في أمِّ القرى - يعني: مكَّة - رسولًا، وهو محمَّد ﵊.
والظاهر المناسب لعبارة ﴿وما كان ربك﴾ هو الأول.
﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ بتكذيب الرسل والعتوِّ في الكفر.
* * *
_________________
(١) في (ك): "قصبها". وفي (م): "وقضاياها".
(٢) في (ف): "أفضل".
[ ٨ / ٤٥ ]
(٦٠) - ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في محلِّ النصب على الحال، وذو الحال الضميرُ العائد من الصلة إلى الموصول؛ أي: وما أُوتيتموه كائنًا من شيء ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾؛ أي: وأيَّ شيء أَصبتموه من أسباب الدنيا فما هو إلَّا تمتُّعٌ وزينةٌ أيامًا قلائلَ وهي مدَّة الحياة الفانية.
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهو ثوابه ﴿خَيْرٌ﴾ هو في نفسه مِن ذلك؛ لأنَّه لذَّة خالصةٌ وبهجة كاملة ﴿وَأَبْقَى﴾ لأنَّه دائمٌ لا ينقطع.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ الباقيَ خيرٌ مِن الفاني فتستبدلونه به، وقرئ بالياء التحتانية (^١)، وهو أبلغ في الوعظ (^٢).
* * *
(٦١) - ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾: وعدًا بالجنة؛ فإنَّ حُسْنَ الوعد بحُسْن الموعود.
﴿فَهُوَ لَاقِيهِ﴾: مُدرِكه لا محالةَ؛ لعدم الخُلْف في وعده.
﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الذي هو مشوبٌ بالآلام، مكدَّر بالمتاعب، مستعقِبٌ للتحسُّر على الانقطاع.
﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ للحساب أو العذاب.
_________________
(١) قرأ بها أبو عمرو. انظر: "التيسير" (١٧٢).
(٢) لإشعاره بأنهم لعدم عقلهم لا يصلحون للخطاب. انظر: "حاشية الشهاب". (٧/ ٨١).
[ ٨ / ٤٦ ]
والفاء الأولى لترتيب الإنكار المستفاد مِن الاستفهام، المعنى: أنَّه لمَّا ذكر التفاوت بين متاعِ الحياة الدنيا وما عنده، عقَّبه بقوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ﴾؛ أي: أَبعدَ هذا التفاوتِ الجَليِّ يسوَّى بين أبناء الدنيا وأبناء الآخرة؟
والفاء الثانية للتسبيب؛ لأنَّ لقاءَ الموعود مسبَّب مِن الوعد.
و﴿ثُمَّ﴾ لتراخي حال الإحضار عن حال التمتع.
وقرئ: ﴿ثُمَّ هْو﴾ بسكون الهاء (^١)؛ تشبيهًا للمنفصل بالمتَّصل.
* * *
(٦٢) - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ نداءَ توبيخٍ، وهو (^٢) عطفٌ على يوم القيامة، أو منصوب بـ: اذكُر.
﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؛ أي: تزعمونهم شركائي، فحُذف المفعولان لدلالة الكلام، ويجوز حذفهما في باب: ظننت، وإنْ لم يَجز الاقتصارُ على أحدهما.
* * *
(٦٣) - ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾.
﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾؛ أي: وجب مقتضاه وثبت، وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، وغيرُه مِن آياتِ الوعيد:
_________________
(١) قرأ بها الكسائي وقالون. انظر: "التيسير" (ص: ٧٢).
(٢) في (م): "وهذا".
[ ٨ / ٤٧ ]
﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ، ﴿الَّذِينَ﴾ صفةٌ له، و﴿أَغْوَيْنَا﴾ صلة لـ ﴿الَّذِينَ﴾، والعائد محذوف تقديره: أغويناهم.
و﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ خبرٌ المبتدأ، وتقيَّد بقوله: ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ (^١) فاستفيد مِن الخبر ما لم يُستفد مِن الصلة، والكاف في ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ صفة مصدر محذوف تقديره: أغويناهم فغَوَوا غيًّا مثل ما غَوَينا، يَعنُون: أنَّا لم نَغْوَ إلا باختيارِنا، فهؤلاء كذلك غَوَوا باختيارهم؛ لأنَّ إغواءَنا لهم لم يكن إلَّا وسوسًة وتسويلًا، فلا فرقَ إذًا بين غيِّنا وغيِّهم، فإنَّ تسويلنا وإنْ كان داعيًا إلى الكفر، فقد كان في مقابَلته دعاء اللّهِ لهم إلى الإيمان؛ بما وضع فيهم مِن أدلَّة العقل، وما بعثَ إليهم مِن الرسل، وأنزل عليهم من الكتب، فهو كقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ إلى قوله ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
ويجوز أن يكون ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأً، و﴿الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ خبر المبتدأ، و﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ استئنافُ إخبار مقيَّدًا بقوله: ﴿غَوَيْنَا﴾.
﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ منهم ممَّا اختاروا مِن الكفر ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ بل يعبدون أهواءَهم ويُطيعون شهواتهم، وإخلاء الجملتين مِن العاطف لكونهما مقدَّرتين بمعنى الجملة الأولى.
* * *
(٦٤) - ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾.
﴿وَقِيْلَ﴾ للمشركين: ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾؛ أي: آلهتكم لتخلِّصكم مِن العذاب.
_________________
(١) في النسخ: "كما أغوينا"، والصواب المثبت. وكلمة: "وتقيد" سقطت من (ف) و(ك) و(م)، ووقعت في (ع) و(ي): "ويقيد"، والمثبت هو الأنسب بسياق الكلام.
[ ٨ / ٤٨ ]
﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ لا لفرط الحيرة، بل لضرورة الامتثال.
﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ لا لعجزهم عن الإجابة، إذ يومئذٍ يَنطقُ كلُّ شيء؛ بل لعجزِهم عن الاستجابة (^١).
﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ الضمير للتابع والمتبوع ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ جوابُ ﴿لَوْ﴾ محذوف؛ أي: لَمَا رأوا العذاب.
* * *
(٦٥) - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ عطف على الأول، فإنه تعالى يسأل أولًا عن إشراكهم به، ثم عن تكذيبهم الأنبياءَ ﵈.
﴿فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين أُرسلوا إليكم.
* * *
(٦٦) - ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: خَفِيَ عليهم الأخبار والأعذار خفاءً لا يُرجى زواله، فلم يستطيعوا أنْ يُجيبوا بما فيه نجاةٌ لهم، وأتى بلفظ الماضي لتحقُّق وقوعه.
﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾: لا يَسأل بعضُهم بعضًا عن العذرِ (^٢) والجوابِ؛ رجاءَ أنْ
_________________
(١) في هامش (ف): "من هنا ظهر وجه حسن الاستعارة المذكورة، ومن خفي عليه هذا زعم أنه من قبيل عكس الكل للمبالغة".
(٢) في (ف): "العذاب".
[ ٨ / ٤٩ ]
يكون عنده ما ليسَ عند نفسِه؛ لأنَّهم يتساوون في العَجْز عن ذلك بالسبب المذكور - على ما أفصح عنه الفاءُ التفريعيَّة - لا لفَرْط (^١) الدَّهْشة كما تُوهِّم.
* * *
(٦٧) - ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾.
﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾ من الشرك، و(أمَّا) هذه للإشعار بزيادة اعتناء بشأن ما دخلت عليه فيما سيقَ له الكلامُ، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] وتصديره بالفاء؛ لتفريعه على ما أُقيم مقام قَسيمه.
﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: وجمعَ بين الإيمان والعمل الصالح.
﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ يومئذٍ، و(عسى) مِن الكرام تحقيقٌ، لا ترجٍّ مِن التائب بمعنى: فلْيتوقَّع أنْ يفلح.
* * *
(٦٨) - ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾: المشيئة تُجامِع الإيجابَ بالذات دون الاختيار، ففيه تنصيص للرَّدِّ على الفلاسفة، كما أنَّ في إثبات المشيئة تنصيصًا للرَّدِّ على مَن زعم أنَّه تعالى يقتضي العالَم اقتضاءَ النار للإحراق (^٢).
_________________
(١) في النسخ عدا (ك): "بفرط"، والمثبت من (ك). انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ١٨٣)، و"تفسير أبي السعود" (٧/ ٨٢).
(٢) انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٨٣)، وفيه: "مقتضٍ للعالم" بدل: "يقتضي العالم".
[ ٨ / ٥٠ ]
﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ترك العاطف لأنَّه تقريرٌ لِمَا قبله، فإنَّ معنى ﴿وَيَخْتَارُ﴾؛ أي: يدخل تحت تكوينه كلُّ ما تعلَّق به اختياره، ويلزمه أن لا يكون لاختيارِ الغيرِ تأثيرٌ، وإلَّا لجاز أنْ لا يدخُل بعضُ ما اختاره اللّهُ تعالى تحت تكوينه.
والخيَرة: مِن التخيُّر، يُستعمل بمعنى المصدر، كالطِّيَرة بمعنى التَّطيُّر؛ أي: ليس لأحدٍ مِن خلقه أنْ يختارَ عليه.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾: تنزيهًا له أن يُزاحِم اختيارُ أحدٍ اختيارَه.
﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي (^١): اللّه تعالى برئٌ من إشراكهم.
* * *
(٦٩) - ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾.
﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ يقال: أكننتُ الشيءَ في صدري (^٢)؛ أي: أَخفيتُه، أسند الإخفاء إلى الصدور مبالغةً.
﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: يعلم ما أَضمروه؛ كعداوةِ رسولِ اللّه ﵊ وحسدِه، وما أَظهروه كمطاعنهم فيه.
* * *
(٧٠) - ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾: الذات المستحقُّ للعبادة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا معبودَ يستحقُّها إلَّا هو، ترك العاطف لأنَّه تقريرٌ لِمَا قبله.
_________________
(١) في (م): "إن".
(٢) قوله: "في صدري" ليس في (ف) و(م).
[ ٨ / ٥١ ]
﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ الاختصاص المستفاد مِن تقديم الظرف باعتبار المجموع، فإنَّ الحمدَ في الدنيا وإن شاركه - تعالى - فيه غيرُه، فإنَّ المستحِقَّ للحمد لا يَلزم أن يكون مُوليًا للنِّعم، لكن الحمد في الآخرة لا يكون إلَّا له.
﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ بالقضاء النافذ في كلِّ شيء ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالبعث والنشور.
* * *
(٧١) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾؛ أي: أخبروني ﴿إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ﴾ إنَّما قال: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ لأنَّ النفعَ إنَّما هو في تقلُّب (^١) المَلَوَيْن، فأيٌّ منهما استمرَّ يَنقلب نفعُه ضرًّا.
﴿اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾؛ أي: دائمًا، مِن السَّرد وهو المتابعة، ومنه قولهم في الأشهر الحُرُم: ثلاثة سردٌ وواحدٌ فردٌ، والميم مزيدة، ووزنه: فَعْلٌ.
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بالكسوف، أو بإسكان الشمسِ تحت الأرض.
﴿مَنْ إِلَهٌ﴾ كان حقُّه: هل إلهٌ؟ فذكر ﴿مَنْ﴾ على زعمهم أنَّ غيرَه آلهةٌ.
﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صفةُ ﴿إِلَهٌ﴾.
﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ إنَّما قال: ﴿بِضِيَاءٍ﴾ وولم يقل: بنهار، كما قال في قرينِه الآتي: ﴿بِلَيْلٍ﴾ لأنَّ النهارَ لا يَلزمه الضياءُ، على ما نبَّهت عليه آنفًا، والنَّفعُ إنَّما هو بوجود الضياء فيه، فإنه لو خَلَا عنه لانقلبَ نفعُه ضررًا، حتى قالوا: إنَّ الكسوفَ ساعةً يكون سببًا لبعض الآفاتِ مِن الزلازل وغيرها، بخلاف الليل؛ فإنَّه لا يَخلو عن النفع المذكور، مُظلمًا كان أو مستنيرًا.
_________________
(١) في (ف): "لتقلب".
[ ٨ / ٥٢ ]
ولمَّا كان مبنى ما ذكر ممَّا لا يقف عليه عوامُّ الأنامِ إلَّا بالسماع عن الخواصِّ، قال هنا: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ ومَن ذَكَر أنَّ ذِكْرَ السماع هنا لكثرة منفعة الضياء، فقد أَبْعَدَ.
* * *
(٧٢) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا﴾ أخَّر أمر النهار عن أمر الليل لأنَّه أصلٌ والنهارَ عارضٌ.
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بإسكان الشمس فوق الأفق، أو بتحريك كُرَةِ الأرض على وَفْقِ حركتها، وإنَّما كان الفساد في إدامة النهار في دار التكليف ولم يكن في دار النعيم؛ لأنَّ دار التكليف لا بُدَّ فيها مِن التَّعَب والنَّصَب الذي يُحتاج معه إلى الجَمَام والراحة، وليس كذلك دار النعيم.
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾: استراحةً عن متاعب الأشغال، وإنَّما تعرَّض لوصف الليل دون الضياء؛ لأنَّه نعمة في ذاته مقصودةٌ بنفسه، ولا كذلك الليل.
ولمَّا كان ما ذُكر ممَّا يقف (^١) عليه كلُّ مَن له بَصَرٌ، ولا يتوقَّف على أمرٍ آخَرَ، قال هنا: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
* * *
_________________
(١) في (ك): "يتوقف".
[ ٨ / ٥٣ ]
(٧٣) - ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
و(مِن) في قوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ للسبب.
﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾؛ أي: خَلَقهما لأجْلكم ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾؛ أي: في الليل، وللتنبيهِ على انفرادِ كلٍّ مِن المنفعتين في علِّيَّة كلِّ (^١) واحد منهما على التوزيع، أُعيد اللامُ في قوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ وإنَّما حذف اكتفاءً بما ذكر في قرينِه، فيكون مِن باب اللَّفِّ والنَّشْرِ على الترتيب.
وفي التعبير بالابتغاء عن كسب العبدِ إشارةٌ إلى أنَّه لا مزيدَ له على معنى الطلب، ففيه نفيٌ للتأثير مِن جهته، كما أنَّ في قوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ نفيًا للإيجاب منه تعالى والوجوبِ عليه.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ولكي تعرفوا نعمةَ اللّهِ في ذلك فتَشكروه عليها، تعليلٌ اَخرُ للجعل المذكور، ولذلك صدَّره بأداة العطف.
* * *
(٧٤) - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كرَّر التوبيخ باتخاذ الشركاء ليُؤذِن بأنَّه لا شيءَ لغضب اللّه تعالى أَجلبُ مِن الإشراك به، كما لا شيءَ أَدخلُ في مرضاته من توحيده.
* * *
_________________
(١) "كل" من (ك) و(م)، وليست في باقي النسخ.
[ ٨ / ٥٤ ]
(٧٥) - ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
﴿وَنَزَعْنَا﴾: أَخرجنا وأَحضرنا، يقال: فلانٌ نَزَعَ إلى وطنه؛ أي: يَحِنُّ إليه حنينًا يُطالبه بالخروج إليه.
﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِن الأمم الضالَّة؛ بدليل سياق الكلام ولَحاقه.
﴿شَهِيدًا﴾: شاهدًا عليهم بما أَجابوا به رسلَهم، كما قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]، وقال: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩]، وهذا صريحٌ في أنَّهم غيرُ الأنبياء.
﴿فَقُلْنَا﴾ لتلك الأمم: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ حُجَّتكم على صحَّة ما كنتم تدينونَ به.
﴿فَعَلِمُوا﴾ حينئذٍ ﴿أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الإلهيَّة لا يُشاركه فيها أحدٌ ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: وغاب عنهُمْ غيبةَ الشيءِ الضائع ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أُلوهيَّة غيرِ اللّه تعالى والشفاعةِ لهم.
* * *
(٧٦) - ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
﴿إِنَّ قَارُونَ﴾: لا ينصرف للعَلَمية والعُجْمة، ولو كان (فاعولًا) مِن قرنتُ الشيءَ لانْصَرفَ.
﴿كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾: كان ابنَ عمِّ موسى ﵇.
[ ٨ / ٥٥ ]
﴿فَبَغَى﴾: تفريع على مقدَّرٍ يدلُّ إجمالًا على غناهُ المفرِطِ، على ما يُفصِح عنه التفصيلُ الآتي ذِكْرُه، فالفاءُ فصيحةٌ، والبَغْي: طَلَب العلوِّ بغير حقٍّ، ومنه قيل لوُلاةِ الجَورِ: بغاةٌ.
﴿عَلَيْهِمْ﴾: روي أنَّه قال لموسى ﵇: لكَ الرسالةُ ولهارونَ الحبورةُ (^١)، وأنا في غير شيء، إلى متى أصبر؟!
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾: مِن الأموال المدَّخرة ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ ﴿مَا﴾ بمعنى (الذي) في موضع نصبٍ بـ ﴿آتَيْنَا﴾ و﴿إِنَّ﴾ واسمُها وخبرُها صلةُ ﴿الَّذِي﴾، ولهذا كُسرت ﴿إِنَّ﴾.
والمفاتح: جمع مِفْتَح - بالكسر - وهو ما يُفتَح به بيتُ المال أو الصندوقُ.
﴿لَتَنُوءُ﴾ يقال: ناءَ يَنوءُ نَوءًا؛ أي: حملَ على ثقلٍ ونهضَ به على مشقَّة حتى مالَ تحتَهُ، وهو لازمٌ، وصار هنا متعدِّيًا بالباء الذي في قوله:
﴿بِالْعُصْبَةِ﴾: وهي الجماعة الكثيرة ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾: الشِّدَّة.
وقرئ: لينوء بالياء (^٢)، على إعطاءِ المضاف حكمَ المضاف إليه.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ منصوب بـ (بغى)، وما بينهما اعتراضٌ في مَعرض التعليل لبَغْيه، لا بـ (تنوء)، إذ لا وجهَ لتخصيصه بذلك الوقت:
﴿لَا تَفْرَحْ﴾ أُريد بالفرح هنا: المرح الذي يُخرِج إلى الأَشَرِ وهو البَطَر، ولذلك قال:
_________________
(١) تحرفت في (ف) إلى: "الحروب ". والحبورة بضم الحاء المهملة والباء الموحدة: مصدر حبر الرجل: إذًا صار حبرًا؛ أي: إماما مقتدى. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٨٥).
(٢) نسبت لبديل بن ميسرة. انظر: "المحتسب" (٢/ ١٥٣).
[ ٨ / ٥٦ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ لأنَّه إذا أَطلق صفة الفَرَح فهو الخارج بالمرح إلى البَطَر، فأمَّا قوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] فحَسُن بهذا التقييد (^١).
* * *
(٧٧) - ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ﴾ مِن الغنى ﴿الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ بصَرْفه فيما يوجبُها لك.
﴿وَلَا تَنْسَ﴾: ولا تترك تَرْك المنسيِّ ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: خُذْ مع هذا مِن دنياك ما لا بُدَّ لك منه في معاشِك فإنك غيرُ مَلوم على ذلك، فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩].
﴿وَأَحْسِنْ﴾ إلى عباد اللّه تعالى ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ﴾ فيما وسَّع عليك وبَسَط لك.
﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾: بالبغي والظلم.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ بل يُبغِضهم، والاكتفاء بنفي حبِّه تعالى منهم للتنبيه على أنَّ هذا القَدْر يكفي في انزجارِ العاقل عن الفساد.
* * *
(٧٨) - ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
_________________
(١) في (ك): "القيد".
[ ٨ / ٥٧ ]
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾؛ أي: المالَ ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾؛ أي: على استحقاقٍ لِمَا ديَّ مِن العلم الذي فَضَلتُ به الناس؛ وهو علم التوراة، أو علم الكيمياء، أو العلمُ بوجوهِ المكاسب؛ مِن التجارة والزراعة.
و﴿عِنْدِي﴾ صفةُ لـ ﴿عِلْمٍ﴾، وزيادتُه لإفادته معنى الاختصاص له.
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للمالِ، أو: أكثر جماعةً وعددًا، تعجُّب (^١) وتوبيخ على اغتراره بقوَّته وكثرةِ ماله مع علمه بذلك (^٢)؛ لأنَّه قَرَأه في التوراة، أو سمعه مِن حفَّاظ التواريخ، والواو للعطف على مقدَّر؛ أي: أَلم يَقرأ في التوراة، أو: أَلم يَسمع مِن الحفَّاظ، ولم يعلم إلخ، أو: ردٌّ لادِّعائه العلم وتعظُّمه [به] (^٣) بنفي العلمِ المهمِّ عنه؛ أي: أَعنده مثلُ ذلك العلمِ الذي ادَّعى ولم يعلم هذا حتى يقيَ نفسَه مصارعَ الهالكين؟!
﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ سؤالَ استعلامٍ، فإنَّه تعالى مطَّلع عليها، أو معاتبةٍ؛ فإنَّهم يُعذَّبون بها بغتةً، كأنَّه لمَّا هَدَّدَ بذِكْر إهلاكِ مَن قبله ممَّن كانوا أقوى منه وأَعتى، أكَّد ذلك بأنْ بيَّن أنَّه لم يكن مما (^٤) يخصُّهم، بل اللّهُ مطَّلعٌ على ذنوب المجرمين كلِّهم يُعاقبهم عليها لا محالة.
* * *
_________________
(١) كذا في النسخ، والأولى أن يقال: (تعجيب). انظر: "تفسير البيضاوي" مع حاشية القونوي (١٤/ ٥٧٤). والمعنى: تعجيب للسامعين، فإن التعجب لا ينسب لله ﷾.
(٢) أي: بالإهلاك. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٨٧).
(٣) من "تفسير البيضاوي" (٤/ ١٨٥)، ووقع في النسخ: "وتعظيمه"، والمثبت من المصدر المذكور.
(٤) في النسخ: "ما"، والصواب المثبت. انظر: "حاشية القونوي على البيضاوي" (١٤/ ٥٧٥).
[ ٨ / ٥٨ ]
(٧٩) - ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ معطوفٌ على محذوفٍ دلَّ عليه مساقُ الكلام مِن عدم تنصُّحه لِمَا قيل له، وإظهارِ أسباب البَطَر، فالفاء فصيحة.
﴿فِي زِينَتِهِ﴾ حالٌ مِن فاعل: (خرج)؛ أي: متزِّينًا.
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ على سبيل الرغبة في اليسار: ﴿يَا﴾ للتنبيه ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾. غِبْطةً، والغابط: هو الذي يتمنَّى مثلَ نِعَمِ صاحبِه مِن غيرِ أنْ يزولَ عنه ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ الحظُّ: الجدُّ وهو البَخْت والدولة.
* * *
(٨٠) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾.
﴿وَقَالَ﴾ لهم ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بأحوال الآخرة:
﴿وَيْلَكُمْ﴾ أصلُ: ويلك، دعاءٌ بالهلاك، ثم استُعمل في الزجر والرَّدع والبعث على ترك ما لا يُرتضى.
﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ في الآخرة ﴿خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ ممَّا أوتي قارونُ، بل مِن الدُّنيا وما فيها، وفي حذف المفضَّل عليه تعظيمٌ للمفضَّل، كما في قوله: اللّهُ أكبرُ.
﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: لا يلقَّى هذه الكلمةَ، وهي: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ على الطاعات وعن المعاصي.
* * *
[ ٨ / ٥٩ ]
(٨١) - ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾.
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ﴾ أي: بقارون؛ أي: ساخت به الأرضُ وأذهبت في جهة السُّفْل ﴿وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾.
روي أنَّه كان يؤذي موسى ﵇ كلَّ وقتٍ، وهو يداريه للقرابة التي بينهما، حتى نزلت الزكاةُ فصالَحَه عن (^١) كلِّ ألفٍ على واحد، فحَسَبه فاستكثره فشحَّت به نفسُه، فعمد إلى أنْ يفضحَ موسى ﵇ بين بني إسرائيل ليرفضوه، فبَرْطَلَ بغيَّةً لترميَهُ بنفسها، فلمَّا كان يوم العيد قال موسى ﵇ في خطبته: مَن سرقَ قطَعناه، ومَن زنَى غير محصَن جلدناه، ومَن زنى محصَنًا رجمناه. فقال قارون: ولو كنتَ. قال: ولو كنتُ. قال: إنَّ بني إسرائيل يزعمون أنَّك فَجَرتَ بفلانةَ، فأُحضرت، فناشدها موسى ﵇ باللّه أنْ تَصدُقَ، فقالت: جعل لي قارونُ جُعْلًا على أنْ أَرميَكَ بنفسي، فخَرَّ موسى ﵇ ساجدًا يبكي، قال: يا ربِّ، إنْ كنتُ رسولَكَ فاغْضَب لي، فأوحى إليه أنْ مُرِ الأرضَ بما شئت، فقال: يا أرضُ خُذِيه، فأخذته الأرضُ إلى ركبته، ثم قال: خُذِيه، فأخذته إلى وَسطه، ثم قال: خُذِيه، فأَخذته إلى عنقه، وكان قارونُ يتضرَّع إليه في هذه الأحوال وموسى لا يلتفتُ إليه؛ لشدَّة غضبه، ثم قال: خُذِيه، فانطَبَقت عليه، فقال الله تعالى لموسى ﵇: استغاثَ بك مرارًا فَلَم ترحمه، فَوَعزَّتي لو استَرحمني مرَّةً (^٢) لرحمته، ثم قال بعض بني إسرائيل: إنَّما أَهلكه ليرث مالَهُ! فدعا اللّهَ تعالى حتى خسفَ بداره وأمواله (^٣).
_________________
(١) في (ك): "على".
(٢) سقط من (ك).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٨٤٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠١٨)، والحاكم=
[ ٨ / ٦٠ ]
﴿فَمَا كَانَ﴾، فالفاءُ فصيحةٌ؛ للعطف والتفريع على محذوفٍ دلَّ على مفهومه الإجماليِّ مساقُ الكلام.
﴿لَهُ مِنْ فِئَةٍ﴾: أعوانٍ، مرَّ تفسيره على وجه التفصيل في سورة البقرة.
﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ إنَّما ذكر امتناعَ نصرِه برفع عذابِ اللّه مع أنَّه معلومٌ؛ لأنَّ المرادَ بيانُ أنَّه لم يكن الأمر على ما قدَّره مِن امتناعه بحاشيته وجندِه، فإنَّ ذلك الذي غرَّه حتى تمرَّد في طغيانه، ثم أخبر أنَّه كما لم يكن له مَن يَنصُره، لم يكن هو أيضًا ممَّن ينتصر بنفسه؛ لضعفه عن ذلك.
* * *
(٨٢) - ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ﴾: منزلته، لم يقل: مثلَ مكانه؛ اكتفاءً بما ذكره قبل هذا ﴿بِالْأَمْسِ﴾ استُعير لزمانٍ قريب ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ﴾؛ أي: صاروا يقول بعضُهم لبعضٍ: أَلَم تعلموا أنَّ اللّهَ.
﴿وَيْكَأَنَّ﴾ كلمةُ تقريرٍ معناها: أَمَا ترى، أَمَا تعلم، قاله الفراء (^١).
وروي أنَّ أعرابيَّةً قالت لزوجها: أينَ ابنُكَ؟ قال: ويكأنه وراء البيت؛ أي: أَمَا ترَيْنَهُ؟
وقال قطرب: هما كلمتان؛ (ويك) بمعنى: ويلك، محذوف اللام، قال عنترة:
_________________
(١) =في "المستدرك" (٣٥٣٦)، عن ابن عباس ﵄ موقوفًا.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣١٢).
[ ٨ / ٦١ ]
ولقد شَفَى نفسِي وأَبْرَأ سُقْمها … قولُ الفوارسِ وَيْكَ عنتر أَقْدِمِ (^١)
وهذا الحذف للتخفيف لكثرة الاستعمال.
وأمَّا ما قيل: إنَّ (وي) للتعجُّب، و(كأنَّ) للتشبيه، ففيه: أنَّ التشبيه لا يناسب المقام.
﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ بمقتضى مشيئته؛ لا لكرامة تقتضي البَسْط، ولا لهوانٍ يوجب القبض.
﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بصَرْف ما كنَّا تمنَّيناه بالأمسِ ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ لتولِيده فينا ما ولَّده فيه (^٢).
﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ لنعمةِ اللّه، أو: المكذِّبون برسله وبما وَعَدوا لهم مِن ثواب الآخرة.
* * *
(٨٣) - ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾: تعظيمٌ لها وتفخيمٌ لشأنها، كانه قال: تلك التي سمعتَ خبرها وبلغك وصفُها، والدار صفة، والخبر:
﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾: غلبةً وقهرًا ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ ظُلْمًا على الناس، لم يعلِّق الموعود بترك العلوِّ والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميلِ القلوب
_________________
(١) البيت في "شرح المعلقات السبع" للزوزني (ص: ١٥٢)، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي (ص:٢٤٩).
(٢) قوله: "لتوليده"، الضمير لقوله: "ما كنا تمنيناه". انظر: "حاشية القونوي" (١٤/ ٥٧٥).
[ ٨ / ٦٢ ]
إليهما، كما قال: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣]، فعلّق الوعيد بالركون.
﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودةُ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ ما لا يرضاه اللّه تعالى.
* * *
(٨٤) - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ مرَّ في النمل.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾. معناه: فلا يُجزون، فوضع ﴿الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ موضع الضمير؛ لأنَّ في إسناد عمل السيئة إليهم مكرَّرًا فضلَ تهجينٍ بحالهم، وزيادةَ تبغيضٍ للسيئة إلى (^١) قلوب السامعين.
﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: إلَّا مثلَ ما كانوا يعملون، وحذف المثْل وأُقيم مقامه ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مبالغةً في المماثلة.
* * *
(٨٥) - ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾: أوجب عليك تلاوتَه وتبليغَه والعملَ بما فيه.
﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ يعني: مكَّة، أريد ردُّه ﵇ إليها يومَ الفتح، وإنَّما نكّر لأنَّها كانت في ذلك اليومِ مَعَادًا له شأنٌ، ومرجعًا له اعتدادٌ؛ لغلبة الرسول عليه
_________________
(١) في (ك): "في".
[ ٨ / ٦٣ ]
الصلاة والسلام وقهرِه لأهله، ولظهور عِزِّ الإسلام وأهلِه، وذُلِّ الكفر وحزبِه.
والسورة مكية، ولكن هذه الآية نزلت بالجُحْفَة لا بمكَّة ولا بالمدينة، حين اشتاقَ ﵊ إلى مولدِه ومولدِ آبائه.
﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ وما يستحقُّه مِن الثواب والنصر، و﴿مَن﴾ منتصبٌ بفعلٍ يفسِّره ﴿أَعْلَمُ﴾ ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: وما استحقَّه مِن العذاب والإذلال، يعني به نفسَه والمشركين (^١)، فهو تقرير للوعد السابق.
* * *
(٨٦) - ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو﴾ مرَّ تفسير الرجاء في سورة الفرقان.
﴿أَنْ يُلْقَى﴾: يوحَى ﴿إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾؛ أي: سيردُّك إلى معادِك كما ألقى إليكَ الكتابَ وما كنت ترجوه ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ هذا محمولٌ على المعنى؛ أي: وما ألقى عليك الكتاب إلَّا رحمةً؛ لأجل أنْ تُرحَم، أو ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (لكن) للاستدراك؛ أي: ولكنْ لرحمةٍ مِن ربك أَلقى إليك.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا﴾: عونًا ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾.
* * *
(٨٧) - ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
_________________
(١) "نفسَه": من جاء بالهدى، و"المشركين": من هو في ضلال مبين. ففي الكلام لف ونشر. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٨٩).
[ ٨ / ٦٤ ]
﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: عن قراءتها والعملِ بها ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾؛ أي: بعد وقتِ إنزاله.
﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾: إلى عبادته وتوحيده ﴿تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بمساعدتهم.
* * *
(٨٨) - ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ هذا وما قبله تهييجٌ وقطعُ أطماع المشركين عن مساعدته لهم، على أنَّ العصمة لا تمنع النهيَ.
والوقف على ﴿آخَرَ﴾ مهو لازمٌ؛ لأَته لو وُصل لصار ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ صفةً لـ ﴿إِلَهًا آخَرَ﴾، وفيه مِن الفساد ما فيه.
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: إِلَّا ذاته، والوجه يُعبَّر به عن الذات، وإنَّما قال: ﴿هَالِكٌ﴾ لأنَّ المراد كونُه كذلك في حدِّ نفسه، وذلك ليس بمجرَّد، فإنَّ كلَّ ممكنٍ في حدِّ نفسه ليس بموجودٍ.
﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾: القضاءُ النافذُ في الخَلْق.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للجزاء بالحقِّ.
* * *
[ ٨ / ٦٥ ]