﷽
(١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ في ترتيب استحقاق الحمد على إنزال القرآن تنبيهٌ على عظمِ شأنه مِن بينِ النِّعم الجِسام، وذلك بهدايته إلى ما فيه كمالُ العباد، ودعوتهِ إلى ما به انتظامُ صلاح المعاش والفلاح في المعاد.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ مِنْ تتمَّة الصِّلة على أنَّه عطف بيان، إذ المعنى: أنزل على عبده الكتاب الكامل في بابه.
قال ابن السِّكيت؛ كلُّ ما ينتصبُ كالحائط والعُود يقال فيه: عَوَج بالفتح، والعِوَج بالكسر: ما كان في أرضٍ أو دِينٍ أو معاشٍ (^١).
وما قيل: إنه بالكسر في المعاني، مردود (^٢) بقوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧].
وتنكيره لتعميم النَّفي أنواعَ الانحراف عن سَنَن الاستقامة، من جهة الاختلال في التَّركيب، والاختلاف في النظم، والتنافي في المعنى.
* * *
_________________
(١) انظر: "إصلاح المنطق" لابن السكيت (ص: ١٢٥).
(٢) في هامش (م): "رد لصاحب الكشاف والقاضي".
[ ٦ / ٢٢١ ]
(٢) ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾.
﴿قَيِّمًا﴾ على الكتب السَّابقة بالتَّغيير (^١) والتَّقرير، أو بمصالح العباد، فيكون وصفًا له بالتَّكميل بعد وصفه بالكمال.
وقيل: المراد إثبات الاستقامة والاعتدال. فاتَّجه عليه السُّؤال عن فائدة الجمع بينه وبين العوج؛ فإن المفهوم من أحدهما عَيْنُ ما فُهم من الآخر.
وأجيب: بأنَّ فائدته التَّأكيد، فربَّ مستقيمٍ مشهودٍ له بالاستقامة لا يخلو عن أدنى عوج عند السَّبر والتفحُّص (^٢).
ويَرِدُ عليه (^٣) - بعد الإغماض عن أنَّ ما ذكر فيما شهد له العباد -: أنَّ ذلك إنما يصحِّح ذكرَ النَّفي عقيب الإثبات دون العكس، وبعدَ اللُّتَيَّا والتي أنَّ التَّأسيس خيرٌ من التَّأكيد، والإفادة أولى من الإعادة.
وانتصابه على الحال من ﴿الْكِتَابَ﴾، لا من الضمير في ﴿لَهُ﴾ (^٤)؛ لِمَا فيه من الرَّكاكة التي يجب تنزيه كلام (^٥) اللّه تعالى عنها.
_________________
(١) في (م): "في التغيير".
(٢) في (م): "السبر والتفصح"، وفي (ف): "السير والفحص"، وفي "الكشاف" (٢/ ٧٠٢): (السبر والتصفح).
(٣) في هامش (م): "رد لصاحب الكشاف".
(٤) في هامش (م): "رد العلامة البيضاوي".
(٥) "كلام" من (م).
[ ٦ / ٢٢٢ ]
ولا حاجة إلى تقدير مضمر (^١)؛ لأنَّ مبناه أن يتعيَّن عطف ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ﴾ على ﴿أَنْزَلَ﴾، وقد عرفتَ فساد ذلك المعنى (^٢).
﴿لِيُنْذِرَ﴾ أطلقه لعموم الجنس وعدم اختصاصه بأحد الفريقين، على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٢] وفي إطلاقه هنا (^٣) دفعُ وهم الاختصاص السابق إلى الفهم من قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ [الكهف: ٤].
﴿لِيُنْذِرَ﴾ عذابًا ﴿بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾. تقدَّم الكلام عليه في سورة هود ﵇.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾: بأنَّ لهم، وإنْ ضمَّن ﴿وَيُبَشِّرَ﴾ معنى يبيِّن لم يحتجْ إلى الباء.
﴿أَجْرًا حَسَنًا﴾: ثوابًا جميلًا في الجنَّة، وأمَّا نفس الجنَّة ففي التَّبشير بها يكفي الإيمان، ولا حاجة إلى العمل الصَّالح عند أهل الحقِّ.
* * *
(٣) - ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾.
﴿مَاكِثِينَ فِيهِ﴾: في الأجر، أو (^٤) في محلِّه ﴿أَبَدًا﴾ لا إلى غاية.
* * *
(٤) - ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾.
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. خصَّهم بالإنذار بعدَ ما عمَّ الجميعَ؛
_________________
(١) في هامش (م): "رد لصاحب الكشاف".
(٢) في (م): "المبنى".
(٣) في (ك): "هذا".
(٤) "أو" من (ك).
[ ٦ / ٢٢٣ ]
لغاية فحش صنيعهم، ورتَّبه على القول إشعارًا بأنهم استحقُّوا الإنذار به مع قطع النَّظر عن الاعتقاد، وأبهم المنذَر به ليذهب الوهم كلَّ مذهب، وفيه ما لا يخفى من التَّهويل به.
* * *
(٥) - ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾؛ أي: بما قالوا ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾: شيءٌ من العلم؛ لاستحالة المعلوم. والجملة في موضع الحال؛ أي: قالوا جاهلين به.
﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾؛ أي: قلَّدوا (^١) فيه آباءهم وهم مثلُهم في الجهل.
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ (^٢)؛ عظُمَتْ مقالتُهم هذه في الافتراء على اللّه تعالى.
قراءة الجمهور بالنَّصب على التَّمييز، وقرئ بالرَّفع على الفاعليَّة (^٣)، والأوَّل أولى وأبلغ؛ لما فيه من الإبهام والتَّبيين.
وفيه معنى التَّعجُّب، ومرجعُه إلى تعظيم الأمر في قلوب السَّامعين، كأنَّه قيل: ما أكبرَ كلمةً!
﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ صفة للكلمة، ووصفها بذلك مع أنَّ العلم الضَّروري حاصلٌ بأنَّ شأن جنسها ذلك، فلا بُدَّ له من فائدة، وهي الإشعار بأنَّه لا ينبغي أن
_________________
(١) في النسخ: "قدروا"، ولعل الصواب المثبت.
(٢) في النسخ: "كبرت كلمة تخرج"، والصواب المثبت.
(٣) نسبت للحسن وعيسى. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٨).
[ ٦ / ٢٢٤ ]
تتَّصف هذه الكلمة بقصد قلبي (^١) لوضوح بطلانها، فكأنَّه قيل: تخرج بنفسها بلا إخراج منهم، ففيه تأييد لقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾.
﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾: إلَّا قولًا كذبًا.
* * *
(٦) - ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾.
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ (لعلَّ) للتَّرجي في المحبوب والإشفاق في المحذور.
والبخع والبخوع: الإهلاك من شدَّة الوَجد.
﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ عبَر عن إدبارهم وتباعُدهم عن التَّصديق بالقرآن على وجهٍ فصيحٍ، شبَّهه وإياهم حين تولَّوا عنه ولم يؤمنوا به، وما تداخله من الوَجْد والأسف على تولِّيهم، بمَن فارقَه أحبَّتُه، فهو يتساقط حسراتٍ على آثارهم، وَيبخَع على نفسه وجدًا عليهم، فالاستعارة تمثيليَّة.
وقرئ على الإضافة (^٢)، وهو للاستقبال إن قرئ: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ بالكسر، وللمضي إن قرئ بالفتح (^٣)، بمعنى: لأنْ لا يؤمنوا، فلا يجوز إعمال ﴿بَاخِعٌ﴾ إلَّا إذا جعل حكاية حال (^٤) ماضية لتصوير تلك الحالة في ذهن السَّامع واستحضارها.
_________________
(١) في (ف): "يغضد قلبي"، وفي (م): "بقصد قلب".
(٢) أي: (باخعُ نفسِك)، ذكرها ابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ١٠٤) عن سعيد بن جبير وأبي الجوزاء وقتادة. وهي في "الكشاف" (٢/ ٧٠٤) دون نسبة، والكلام منه.
(٣) ذكرها ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٨)، والكسر قراءة الجمهور.
(٤) في (ف): "جعل حالًا"، وفي (ك) و(م): "جعل حالها"، والمثبت من هامش (م).
[ ٦ / ٢٢٥ ]
﴿بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾: القرآن.
﴿أَسَفًا﴾ مفعول له؛ أي: لفَرْط الحزن، ويجوز أن يكون حالًا.
* * *
(٧) - ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ﴾ من الزَّخارف، يرشدك إلى هذا قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤].
﴿زِينَةً لَهَا﴾ مفعول ثانٍ لـ ﴿جَعَلْنَا﴾ مهو بمعنى: صبَّرنا، ويحتمل الحالَ على أنَّه بمعنى: أوجدنا.
﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ في تعاطيه، وحسنِ عمل (^١) الزُّهد فيها، وترك الاغترار بها، ثمَّ زهَّد في الميل بقوله:
(٨) - ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾.
﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾: ترابًا لا نبات فيه. والجُرُز: الأرض (^٢) التي قطع نباتها، من الجَرْزِ بمعنى القَطْع.
فيه (^٣) تسلية لرسول اللّه ﷺ وفقراء المؤمنين عمَّا احتوته أيدي المترَفين من زينتها.
* * *
_________________
(١) في (م): "العمل".
(٢) "الأرض" من (م).
(٣) "فيه" من (م).
[ ٦ / ٢٢٦ ]
(٩) - ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.
﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾: بل أحَسِبْتَ ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ الكهف: الثُّقْب المتَّسع في الجبل، وما لا يتَّسع منه فهو غار. ذكره القرطبيُّ (^١).
والرَّقيم: اسمُ الجبل، أو الوادي، أو القرية (^٢)، أو الكلب، أو لوحٌ رُقِمَتْ فيه أسماؤهم وجُعِلَتْ على باب الكهف.
وقيل: الرَّقيم: أصحاب الغار الذي انطبق عليهم فذكرَ كلُّ واحدٍ منهم (^٣) أصلحَ عمله، وفي هذا خبر معروف أُخْرِج في "الصحيحين" (^٤).
وقال قومٌ: أخبر الله عن أصحاب الكهف، ولم يخبر عن أصحاب الرَّقيم بشيء.
﴿كَانُوا﴾ في بقائهم أحياءً مدَّةً مديدة بلا غذاء.
﴿مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾؛ أي: أحسبْتَ أنَّ أصحاب الكهف والرَّقيم كانوا مِنْ بينِ (^٥) آياتنا عجبًا؟ فليس كذلك، بل كلُّ آياتنا عجبٌ، وفي آياتنا ما هو أعجب منهم.
وقال القشيريُّ: أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم حيث أضافه إلى نفسه بقوله: ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾، فقلبُ (^٦) العادة من اللّه ليس بمستبدَعٍ (^٧).
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢١١)، وفيه: (النقب المتسع …).
(٢) "أو القرية" زيادة من (م).
(٣) "منهم" سقط من (ك).
(٤) رواه البخاري (٢٢٧٢)، ومسلم (٢٧٤٣)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٥) "بين" زيادة من (ك).
(٦) في (ك): "وتعليب"، وفي (م): "ونقليب"، وفي (ف): "وتغليب". والمثبت من "لطائف الإرشادات".
(٧) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٧٨).
[ ٦ / ٢٢٧ ]
(١٠) - ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾.
﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ حين الالتجاء إليه، وروي أنَّهم كانوا شبَّانًا من أبناء الأشراف أرادهم دقيانوس الملك على الشِّرك، فأبوا وهربوا إلى الكهف (^١).
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾: من خزائن رحمتك الموجبة للمغفرة والرِّزق والأمن.
﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار.
﴿رَشَدًا﴾ نصير بسببه مهتدين، أو اجعل (^٢) أمرنا كلُّه هدًى.
والرَّشَد: إصابة الطَّريق المؤدِّي إلى البغية، وكذا الرُّشْد والرَّشاد.
وأصل التَّهيئة: إحداث هيئة الشَّيء.
* * *
(١١) - ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾.
﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾؛ أي: منعناهم أن يسمعوا.
قال قطرب: هذا كقول العرب: ضرب الأمير على يد الرَّعية؛ أي: منعهم عن الفساد، وضرب السَّيِّد على يد عبده المأذون [له في التجارة]: إذا منعه من التَّصرف (^٣).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٤٧) عن محمد بن إسحاق.
(٢) في (ك): "إذا جعل". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٧٤).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٦/ ١٥٧)، و"تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٢٠). وما بين معكوفتين منهما.
[ ٦ / ٢٢٨ ]
وتخصيص الآذان بالذِّكر لأنَّ النَّوم قلَّما ينقطع إلَّا من جهتِهِنَّ، ولا يستحكِم إلَّا مع تعطُّلها، أشير إلى ذلك في قوله ﵇: "ذاك رجلٌ بالَ الشَّيطان في أذنه" (^١).
والذَّاهبون إلى أنَّ المعنى: ضربنا عليها حجابًا من أنْ تَسمعَ، ذاهلون عن أنَّ الحجاب لا يناسب آلةَ السمع، ولذلك أُدخل السَّمعُ في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] تحت الختم دون التَّغشية، على ما اعترفوا به وذكروه في تفسيره.
﴿فِي الْكَهْفِ سِنِينَ﴾ ظرفان لـ ﴿فَضَرَبْنَا﴾.
﴿عَدَدًا﴾ قال الزَّجَّاج: أي: تُعَدُّ عدًّا (^٢) لكثرتها؛ لأنَّ القليل يُعرَف مقداره من غيرِ عَدٍّ (^٣)، فإذا كثر عُدَّ (^٤).
وأمَّا قوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ فهو على القلَّة؛ لأنَّهم كانوا يَعدُّون القليل ويزنون الكثير.
* * *
(١٢) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾؛ أي: من نومهم، يقال لمن أُحيى أو أقيم من نومه: مبعوث؛ لأنَّه كان ممنوعًا من الانبعاث والتَّصرف.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢٧٠)، ومسلم (٧٧٤)، من حديث عبد اللّه بن مسعود ﵁.
(٢) في (ك): "عددًا".
(٣) في (ف): "عدد".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٧١).
[ ٦ / ٢٢٩ ]
﴿لِنَعْلَمَ﴾ عبارة عن خروج ذلك الشَّيء إلى الوجود ومشاهدتهِ، وهذا على نحو كلام العرب، وإلَّا فقد كان الله عَلِمَ. ذكره القرطبي (^١)، فلا حاجة إلى إثبات التَّعليقَين لعلمه تعالى حاليٍّ أو استقباليّ (^٢).
﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ المختلفَيْن؛ منهم أو من غيرهم.
﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ ضَبَط أمدًا لزمانِ لبثهم.
والأمدُ: الغايةُ، وما في ﴿أَيُّ﴾ من معنى الاستفهام علِّق عنه ﴿لِنَعْلَمَ﴾، فهو مبتدأٌ و﴿أَحْصَى﴾ خبره، وهو فعل ماضٍ، و﴿أَمَدًا﴾ مفعوله (^٣)، و﴿لِمَا لَبِثُوا﴾ حالٌ منه (^٤)، أو مفعول له (^٥).
وقيل: إنه المفعول، واللَّام مزيدةٌ، و(ما) موصول (^٦)، و﴿أَمَدًا﴾ تمييز.
وقيل: ﴿أَحْصَى﴾: اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزَّوائد، كقولهم: هو أحصى للمال، وأفلسُ من ابن المُذَلَّق (^٧).
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٢١).
(٢) رد على البيضاوي في قوله: (﴿لِنَعْلَمَ﴾: ليتعلق علمنا تعلقًا حاليًا مطابقًا لتعلقه أو، تعلقًا استقباليًا). انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٧٤).
(٣) في (ف) و(ك): "مفعول له".
(٤) أي: من ﴿أَمَدًا﴾ النكرة وجاز لتقدمه. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٧٩).
(٥) قوله: "أو مفعول له" فاللام للتعليل لازمةٌ لكونه غيرَ مصدر صريح وغيرَ مقارنٍ أيضًا، و(ما) مصدرية غير وقتية. انظر المصدر السابق.
(٦) قوله: "وقيل .. " الخ، مرَّضه لأنَّ اللام لا تزاد في مثله، و(ما) موصولة بمعنى الوقت، والعائد محذوف؛ أي: فيه، وجوِّز فيها على هذا المصدرية وهو بعيد. انظر المصدر السابق. والممرض هو البيضاوي، وعنه نقل المؤلف.
(٧) رجل من عبد شمس بن سعد بن زيد مناة، وكان لا يجد في أكثر أوقاته في بيته قوت ليلة =
[ ٦ / ٢٣٠ ]
ورُدَّ عليه بأن بناء اسم التَّفضيل من غير الثَّلاثي المجرد شاذٌّ فلا يُقاس عليه، ولأنَّ ﴿أَمَدًا﴾ لا ينصب بأفعل؛ لأنَّه لا يعمل، ولا بـ ﴿لَبِثُوا﴾؛ لعدم سداد المعنى عليه، فإنْ زعمْتَ نصبه بإضمار فعل يدلُّ عليه ﴿أَحْصَى﴾ كما في قوله:
وأضربَ منَّا بالسُّيوفِ القوانسا (^١)
[على: نضرب القوانسا] فقد أبعدْتَ المتناوَل وهو قريب، حيث أبيْتَ أنْ يكون فعلًا، ثمَّ رجعْتَ مضطرًا إلى تقديره (^٢).
لكنَّه مردودٌ:
أمَّا أوَّلًا: فلأنَّ دعواه الشُّذوذَ مذهب أبي عليٍّ، وعند سيبويه هو قياس، وبه أخذ الزَّجَّاج، وعلى اختيار ابن عصفور: أنَّ الهمزة إذا كان لغير النَّقل كـ: أشكلَ الأمرُ، وأظلمَ اللَّيل، يجوز أن يقال: ما أشكلَ هذه المسألة! و: ما أظلم هذا اللَّيل! والهمزة في ﴿أَحْصَى﴾ ليست للنَّقل (^٣).
وأما ثانيًّا: فلأنَّ قولَه: إن أفعل لا يعمل؛ ليس بصحيح؛ لأنَّه يعمل في التَّمييز، ومَن زعم أن ﴿أَحْصَى﴾ اسم تفضيل لم يجعله مفعولًا به، بل جعله تمييزًا، ومثله ما (^٤) يقال: زيد أقطع النَّاس سيفًا.
_________________
(١) = واحدة. انظر: "جمهرة الأمثال" (٢/ ١٠٧).
(٢) عجز بيت للعباس بن مرداس، وصدره: أكرَّ وأحمى للحقيقة منهم انظر: "الأصمعيات" (ص: ٢٠٥)، و"الحماسة" بشرح المرزوقي (١/ ٤٤١)، و"الخزانة" (٨/ ٣١٩). والقوانس: جمع قونس، وهو أعلى بيضة الفارس.
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٠٦) وما بين معكوفتين منه.
(٤) انظر: "البحر المحيط" (١٤/ ٢٣٢).
(٥) في (ك) و(م): "بما".
[ ٦ / ٢٣١ ]
وأمَّا ثالثًا: فلأنه يجوز أن يكون (^١) نصب ﴿أَمَدًا﴾ على نزع الخافض، تقديره: لما لبثوا من أمدٍ، على أنَّ الأمد بمعنى المدَّة. ولعل هذا مراد الطَّبري حيث ذهب إلى (^٢) نصب ﴿أَمَدًا﴾ بـ ﴿لَبِثُوا﴾ (^٣).
وأمَّا رابعًا: فلأن اسم التفضيل ينصب المفعول به في مذهب الكوفيين، فلا اضطرار إلى تقدير فعل، إنما ذلك على تقدير ثبوت نزول القرآن على مذهب البصريين، وأنَّى ذلك (^٤).
* * *
(١٣) - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾ قد مرَّ تفسيره في سورة يوسف ﵇.
﴿عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ﴾ النَّبأُ: خبرٌ ذو شأن ﴿بِالْحَقِّ﴾: بالصِّدق.
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾: جمع فتًى، كصبيٍّ وصِبْيَة ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ الرَّبُّ: السَّيِّد النَّاظر في مصلحة عبيده، وللإشعار بذلك عدل عن: آمنوا بنا.
﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ بالتَّثبيت.
* * *
_________________
(١) "أن يكون" من (م).
(٢) في (ك): "إلى أن".
(٣) انظر: "تفسير الطبري" (١٥/ ١٧٨).
(٤) انظر: "البحر المحيط" (١٤/ ٢٣٢)، وهذه الردود على الزمخشري منقولة منه مع شيء من الاختصار والتصرف.
[ ٦ / ٢٣٢ ]
(١٤) - ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ من المجاز: ربط الله على قلبه: صبَّره، ومنه: رابط الجأش، لمَّا كانَ الخوف والقلق يزعج القلوب عن مقارِّها - ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]- قيل في مقابِله: ربط قلبه، إذا تمكَّن وثبت، وهو تمثيل.
والعدول من التَّعدية إلى (على) من باب: (يجرحْ في عراقيبها) (^١)؛ للمبالغة.
﴿إِذْ قَامُوا﴾ على قدم الصِّدق، مجازٌ؛ يُقال: قام إلى أمر كذا: إذا عزم عليه بغاية الجِدِّ.
﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ لم يقل: (ربًا) لأنَّ جهة توحُّده تعالى ألوهيَّةً لا ربوبيَّة.
﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ والله لقد قلنا إذًا قولًا (^٢) شططًا.
والشَّططُ: الخروج عن الحدِّ بالغوا فيه، يقال: شَطَّ منزلُ فلان: إذا جاوز القَدْر في البعد، مصدر وُصِفَ به للمبالغة.
* * *
(١٥) - ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
_________________
(١) قطعة من بيت لذي الرمة يمدح نفسه، وهو في ديوانه (١/ ١٥٦)، وتمامه: وإن تعتذر بالمحل عن ذي ضروعها … إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي
(٢) "قولًا" من (ك).
[ ٦ / ٢٣٣ ]
﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ ﴿قَوْمُنَا﴾ عطف بيان ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ خبره. وهو إخبار في معنى إنكار.
﴿لَوْلَا يَأْتُونَ﴾ ﴿لَوْلَا﴾ حرف تخضيضٍ بمعنى: هلَّا، صحبه الإنكار.
﴿عَلَيْهِمْ﴾ على ألوهيَّتهم ﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾: بحجَّة بالغة ظاهرة.
فيه دليل على فساد التَّقليد في أصول الدِّين.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بنسبة الشَّريك إليه تعالى.
* * *
(١٦) - ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾.
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خطاب مِن بعضِهم لبعضٍ، والاعتزال يشمل الجسمانيَّ والقلبي من مفارقة قومهم ومعتقداتهم.
﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ عطف على الضَّمير المنصوب، سواءٌ كان (ما) موصولة (^١) أو مصدرَّية، والاستثناء متَّصل إن كانوا يعبدون الله تعالى مع آلهتهم، ومنقطِع إن لم يعرفوه (^٢) تعالى.
ويجوز أن تكون ﴿وَمَا﴾ نافيةً على أنَّه إخبار من الله تعالى عن الفتية (^٣) بالتَّوحيد، معترِض بين (إذ) وجوابه تحقيقًا لمضمون الجملة.
_________________
(١) في (ك) و(م): "موصولًا".
(٢) في (م): "يعرفونه".
(٣) في النسخ: "الغيبة"، والتصويب من البيضاوي وأبي السعود والآلوسي.
[ ٦ / ٢٣٤ ]
﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾: يبسطِ الرِّزق لكم ويوسِّع عليكم ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ في الدَّارين.
﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾: ما ترتفقون به؛ أي: تنتفعون. قالوا ذلك ثقةً بفضل الله وقوَّةً في رجائهم.
وقرئ: ﴿مَرْفِقًا﴾ بفتح الميم وكسر الفاء (^١).
قال الجوهري: مَنْ قرأ: ﴿مِرْفَقًا﴾، جعله مثل مِقْطَعٍ، ومن قرأ: ﴿مِرْفَقًا﴾ جعله اسمًا مثل مَسْجِدٍ، ويجوز: مَرْفَقًا؛ أي: رفقًا، مثل: مَطْلَعٍ، ولم يُقرأ [به] (^٢).
* * *
(١٧) - ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾.
﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ الخطاب للنَّبيِّ ﵇، أو لكلِّ أحد (^٣)، والمعنى: إنَّك لو رأيتهم لرأيتهم كذا، لا أنَّ المخاطب رآهم على التَّحقيق.
﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾: تنحَّى وتميل، فلا يقع شعاعها عليهم فيؤذيَهم، وأصله: تتزاور، فأُدغمت التَّاء في الزَّاي.
_________________
(١) وهي قراءة نافع وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٢).
(٢) انظر: "الصحاح" للجوهري (مادة: رفق)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) في (ف): "واحد".
[ ٦ / ٢٣٥ ]
وقرئ بحذفها (^١)، وقرئ: ﴿تَزَاوَرُ﴾ كتَحْمَرُّ (^٢)، و(تَزْوارُّ) كتَحْمَارُّ (^٣)، وكلُّها من الزَّور بمعنى الميل.
﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾: جهة اليمين (^٤)، وحقيقتُها: الجهة المسمَّاة باليمين.
﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ قال الخليل في "كتاب العين": إذا عدلْتَ عن شيء في مسيرك قلت: قرضْتُ يمنةً أو يسرةً (^٥).
في تعدية القرض إيَّاهم دون الكهف - على خلاف تعدية ﴿تَزَاوَرُ﴾ - دلالةٌ على أنَّ الشَّمس كانت تدخل الكهف إذا غربت إلَّا أنَّه لا يقع شعاعها عليهم كيلا ينتبهوا؛ فإنَّ لشعاع الشَّمس وحرها تأثيرًا في الانتباه، وهذا من تتمَّة ما قصد بالضَّرب على آذانهم.
﴿ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ يعني: يمين الكهف وشماله؛ لقوله:
﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾؛ أي: هم في متَّسع داخلَ الكهف، بحيث لا يراهم مَن كان ببابه، وينالهم رَوح الهواء، ولا يؤذيهم كربُ الكهف، وهذا أيضًا مِنْ تتمَّة ما ذُكِرَ.
قيل: وذلك لأنَّ باب الكهف في مقابَلة بنات النَّعش (^٦)، وأقربُ المشارق
_________________
(١) قرأ بها عاصم وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٢).
(٢) قرأ بها ابن عامر، والمصدَّر بها قراءة الحِرْميين وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٢).
(٣) نسبت للجحدري وأيوب السختياني وابن أبي عبلة وغيرهم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٩)، و"المحتسب" (٢/ ٢٥).
(٤) "جهة اليمين" زيادة: في (م).
(٥) انظر: "العين" (٥/ ٥٠).
(٦) بنات نعش: سبع كواكب تشاهد جهة القطب الشمالي، شبهت بحملة النعش. انظر: "المعجم =
[ ٦ / ٢٣٦ ]
والمغارب إلى محاذاته مشرقُ (^١) رأس السرطان ومغربُه، والشمسُ إذا كان مدارها مدارَه تطلع مائلةً عنه مقابِلةً لجانبه الأيمن، وهو الذي يلي (^٢) المغرب، وتغرب محاذية لجانبه الأيسر، فيقع شعاعها على جانبيه (^٣)، ويحلِّل عفونته، ويعدِّل هواءه، ولا يقع عليهم فيؤذيَ أجسامهم ويُبليَ ثيابهم.
ومَبناه الغُفول عمَّا في تعرُّضهم من الدِّلالة على دخول الشَّمس في الكهف عند غروبها، ثمَّ إنَّ ما ذكره (^٤) من حكم مقابلة بنات النعش يختلف باختلاف الأقاليم طولًا وعرضًا.
ثمَّ إنَّ قوله: (ولا يقع عليهم فيؤذي أجسامهم ويبلي ثيابهم) إخراجٌ لِمَا وقع في شأنهم من خوارق العادات عن حدِّها ببيان أسبابها العاديَّة، على أن ما ذكره لا يصلح سببًا كافيًا.
﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ قالوا: ﴿ذَلِكَ﴾ ليسَ إشارة إلى الإيواء، ولا إلى التَّزاور والتَّعرض، بل إلى حفظ الله تعالى إيَّاهم في ذلك الكهف تلك المدَّة الطَّويلة.
مَن تبرَّأ عن اختياره في احتياله، وصدق رجوعه إلى الله تعالى في أحواله، ولم
_________________
(١) = الوسيط" (مادة: نعش).
(٢) في (ك) و(م): "ومشرق"، والمثبت من (ف) وهو الموافق لما في البيضاوي وأبي السعود والآلوسي.
(٣) في النسخ: "وهي التي تلي"، والتصويب من البيضاوي وأبي السعود والآلوسي.
(٤) في النسخ: "جانبها"، والمثبت من البيضاوي، وعند أبي السعود: (جنبيه)، وعند الآلوسي: (جنبه).
(٥) في (ك): "ذكر".
[ ٦ / ٢٣٧ ]
يستعن (^١) بغير الله مِن أشكاله؛ آواه إلى كهف أفضاله، وكفاه جميع أشغاله، وهيَّأ له محلًّا يتفيَّأ فيه من برد ظلاله بكمال إقباله (^٢).
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ بالتَّوفيق ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ الذي أصاب الفلاح.
ثناءٌ عليهم بأنهم جاهدوا في الله تعالى، وأسلموا له وجوههم، فلطَف بهم، وأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة.
﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ الإضلال من الله تعالى بخلقِ دواعي الإضلال، وعند المعتزلة مؤوَّل بالخذلان.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾: مَن يليه ويرشده، والخطاب للنَّبيِّ ﷺ، أو لكلِّ أحدٍ كما في السَّابق واللَّاحق.
* * *
(١٨) - ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾.
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا﴾ لانفتاح عيونهم وتنفُّسهم، وأمَّا تقلُّبُهم فإنَّما يقع أحيانًا، فلا يصلح سببًا لحسبان كلِّ (^٣) لكلِّ مَن يراهم.
وأيقاظ: جمع يَقظ، بضم القاف وكسرها، وهو من (^٤) اليقظان.
﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾: نيام.
_________________
(١) في (م): "يستغن".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٨٢).
(٣) في (ف) و(ك): "سببا لكل".
(٤) "من" زيادة من (م).
[ ٦ / ٢٣٨ ]
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ أضاف التَّقليب (^١) إلى نفسه لأنَّه بتخليقه، خاليًا عن الأسباب العادية وشرائطها.
﴿ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ قال ابن عباس ﵄: ولو لم يُقلَّبوا لأكلتهم الأرض (^٢).
و﴿ذَاتَ﴾ منصوب على الظَّرف؛ لِمَا مَرَّ أنَّ حقيقتها الجهة.
وقرئ: (ويقلبهم) بالياء، والضَّمير لله، و: (تقلُّبَهم) على المصدر منصوبًا بالفعل (^٣)، يدلُّ عليه ﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾؛ أي: وترى تقلُّبهم.
﴿وَكَلْبُهُمْ﴾ أكثر المفسرين على أنَّه كلبٌ حقيقةً، وكان لصيد أحدهم أو زرعه أو غنمه. ذكره القرطبي (^٤).
فلا تأييد في قراءة: (وكالبُهم) (^٥) - أي: صاحبُ كلبهم - لِمَا قيل: إنَّه كلب راعٍ مرُّوا به، فتبعهم وتبعه الكلب، بل التَّأييدُ بخلافه؛ إذ الظَّاهر منها أن يكون الكالب من الفتية.
وقالت فرقة: لم يكن كلبًا حقيقةً، وإنَّما كان أحدَهم وقد كان قعد عند باب الكهف طليعةً لهم؛ كما سمِّي النَّجم التَّابع للجوزاء كلبًا.
_________________
(١) في (م): "التقلب".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٨٦ و١٩١).
(٣) انظر: "المحتسب" لابن جني (٢/ ٢٦)، و"الكشاف" (٢/ ٧٠٩) والكلام منه، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٥٠٣)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٢٤١).
(٤) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٣٠).
(٥) انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٠٩)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٢٤٢).
[ ٦ / ٢٣٩ ]
وقد حكى أبو عُمر المُطَرِّز أنَّه قرئ: ﴿وكالئهم﴾ (^١)، وحُمل على هذا الرَّجلِ؛ إذ (^٢) بَسْطُ الذِّراعين واللُّصوقُ بالأرض مع رفع الوجه للتطلُّع (^٣) هيئةُ الرَّبيئةِ المستخفي بنفسه.
ويحتمل أن يراد بالكالب: الكلب.
﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ أُعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضيِّ؛ لأنَّها حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، ولم يُقصد الإخبار عن فعل الكلب.
وعند الكسائي وهشامٍ، وأبي جعفرٍ من البصريين (^٤): كونُه بمعنى المضيِّ غيرُ مانعٍ من العمل.
والذِّراع: من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى.
_________________
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٥٠٤)، و"تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٣٧)، و"البحر" (١٤/ ٢٤٢). ووقع في النسخ تحريف في الاسم وفي القراءة، فالقراءة وقعت فيها: "وكالبهم"، أما الاسم فوقع فيها: "أبو عمرو المطرزي"، والصواب المثبت، وأبو عمر هو محمد بن عبد الواحد البغدادي الزاهد المعروف بالمطرز، لازم ثعلبًا فأكثر عنه حتى سمي بغلام ثعلب، توفي سنة (٣٤٥ هـ). انظر: "وفيات الأعيان" (٤/ ٣٢٩)، و"سير أعلام النبلاء" (١٥/ ٥٠٨).
(٢) في النسخ: "إذا"، والصواب المثبت.
(٣) في (ف) و(م): "للتطليع".
(٤) "من البصريين" كذا ذكر المؤلف، والذي في "البحر المحيط" (١٤/ ٢٤٢) والكلام منه: (ذهب الكسائي وهشام ومن أصحابنا أبو جعفر بن مضاء)، فلعل المؤلف استبدل (من أصحابنا) بـ (من البصريين)، والصواب والله أعلم أن مراد أبي حيان بأصحابه هو: الأندلسيون، فأبو جعفر المذكور هو أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مضاء اللخمي، وهو قرطبي جياني الأصل توفي بإشبيلية سنة (٥٩٢ هـ)، وكان محدثًا مقرئًا مجتهدًا في العربية. انظر: "الديباج المذهب" (١/ ٢١٠).
[ ٦ / ٢٤٠ ]
﴿بِالْوَصِيدِ﴾: بالباب، ولم يكن للكهف بابٌ، فالمراد منه موضع الباب، ولذلك قال أبو روق: فم الشِّعب.
﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: لو شاهدتَهم، أصله: الإشراف على الشَّيء ناظرًا إليه، ويكنى به (^١) عن المشاهدة الكاملة، والخطاب لمن في: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾.
وقرأ ابن كثير بالتَّشديد للمبالغة (^٢)، وقرئ بضم الواو (^٣).
﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾: لأعرضْتَ بوجهك عنهم، وانتصب ﴿فِرَارًا﴾ على المصدر إمَّا لـ (فررْتَ) محذوفةً، وأما لـ (ولَّيت)؛ لأنَّه بمعنى: لفررْتَ، أو على العلَّة، أو على الحال.
﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾: خوفًا يملأ صدرَك بما ألبسهم الله تعالى من الهيبة.
وقيل: لطول أظفارهم وشعورهم وأجرامهم.
وقيل: لوحشة مكانهم. ويأباه قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾.
والصَّحيح في أمرهم على ما قال ابن عطية: أنَّ الله تعالى حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها ليكون لهم ولغيرهم فيهم آيةٌ، ولم يُنكر النَّاهض إلى المدينة
_________________
(١) بعدها في (م): "أي".
(٢) قوله: "وقرأ ابن كثير … "، كذا قال، ولعله سهو أو سبق قلم، فليس هنا خلاف في القراءة، ويدل على سهو المؤلف عبارة البيضاوي (٣/ ٢٧٦): (وقرأ الحجازيان: ﴿لَمُلِّئْتَ﴾ بالتشديد للمبالغة) وستأتي.
(٣) نسبت لابن وثاب والأعمش. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٤٥١)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٨)، و"المحتسب" (١/ ٥٥)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٥٠٤)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٢٤٣).
[ ٦ / ٢٤١ ]
إلَّا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهمَّ (^١) وأيضًا لَمَا قال بعضهم لبعض (^٢): ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
وقيل: لانفتاح (^٣) عيونهم.
وقيل: لوحشة مكانهم (^٤).
وبالجملة: كان النَّاس محجوبين عنهم (^٥) بالرُّعب، لئلَّا يصلوا إليهم.
وقرئ: ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾ بالتَّشديد (^٦) للمبالغة.
و﴿رُعْبًا﴾ مفعول ثانٍ، أو تمييز، وقرئ ﴿رُعْبًا﴾ بضمِّ العين (^٧).
* * *
(١٩) - ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾.
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ البعثُ: التَّحريك عن سكون، أي: أيقظناهم من نومهم على ما كانوا عليه من هيآتهم لم يتغيَّر شيء من أبدانهم وثيابهم.
_________________
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٥٠٥).
(٢) "لبعض" زيادة من (ك).
(٣) في (ف): "لانتفاخ".
(٤) هذا القيل تكرار لا داعي له.
(٥) "عنهم" من (م).
(٦) قرأ بها ابن كثير ونافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٣).
(٧) قرأ بها ابن عامر والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٣).
[ ٦ / ٢٤٢ ]
﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾: ليسأل بعضُهم بعضًا، ويتعرَّفوا ما لهم وما صنع الله تعالى بهم، فيَعتبروا ويستدلُّوا على عظم قدرة الله تعالى، ويزدادوا يقينًا، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم، ويستبصِروا به أمر البعث.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ دخلوا الكهف في أوَّل النَّهار فنظروا حين استيقظوا فإذا هو آخرُه (^١)، فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا﴾، ثمَّ رأوا من الشمس بقيَّة فقالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وكان عندهم كذلك، فلم يوصَفوا فيه بالكذب، ولم (^٢) يؤاخَذوا به.
﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ إنكارًا عليهم من بعضهم.
استدلَّ ابنُ عبَّاس ﵄ بهذه الآية على أنَّ الصَّحيح من الأقوال في عددهم أنهم سبعة؛ بناءً على أنَّ أقلَّ الجمع ثلاثة (^٣).
قيل: إنهم دخلوا الكهف غدوةً، وكان انتباههم بعد الزَّوال، فظنُّوا أنَّهم في يومهم، فلمَّا نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك. وفيه نظر قد مرَّ وجهه.
ولَمَّا أخذهم ما يأخذ مَن نام طويلًا من الحاجة إلى الطَّعام قالوا:
﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ﴾ كأنَّهم قالوا: خذوا فيما يهمُّكم، ودعوا أمر ذلك إلى الله تعالى.
﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ قرئ بكسر الرَّاء وسكونها، والتَّثقيل وإدغام القاف في الكاف،
_________________
(١) في (ف): "آخر"، وفي (م): "آخر النهار".
(٢) في (ف) زيادة "يقل".
(٣) يعني: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ هذا واحد، ثم: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا .. قَالُوا رَبُّكُمْ﴾ فالجمع في كل من ﴿قَالُوا﴾ الأول والثاني إذا كان أقله ثلاثة أصبحوا ستة، فيكون المجموع سبعة.
[ ٦ / ٢٤٣ ]
وبالتَّخفيف مكسور الواو مدغمًا وغير مدغم، ورُدَّ الإدغام لالتقاء السَّاكنين على غير حدِّه (^١).
والوَرِقُ: الفضَّةُ المضروبة. نصَّ عليه في "الصحاح" و"القاموس" (^٢).
كانوا قد استصحبوا حين خرجوا دراهمَ لنفقتهم، وكانت حاضرةً عندهم، فلهذا أشاروا إليها بقولهم: ﴿هَذِهِ﴾.
﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ هي طَرَسوس.
﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا﴾ الضَّمير للمدينة والمراد أهلها بطريق الاستخدام، والمصير في أمثال هذا إلى الحذف مِن ضِيق العَطَن (^٣).
﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾: أكثر بركة، قال ابنُ عبَّاس وعليٌّ ﵄: إنَّه الأرزُّ (^٤)؛ فإنَّه يزاد بالطَّبخ، وهو من تدبير قليل البضاعة.
_________________
(١) قرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة بإسكان الراء وباقي السبعة بكسرها. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٣). وقرأ أبو رجاء بكسر الواو والراء والإدغام، وقرأ ابن محيصن بكسر الواو وإسكان الراء والإدغام. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٩)، و"الكشاف" (٢/ ٧١٠)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٥٠٥)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٢٤٥). ونقل المؤلف كل ما ذكر من "تفسير البيضاوي"، وقال الشهاب شارحا ومعلقا: والتخفيف تسكين الراء والتثقيل كسرها مع فتح الواو فيهما، وقوله (أي: البيضاوي): وغير مدغم، لم يذكره جار الله، وأمّا التثقيل وكسر الواو فلم يقرأ به. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٨٥).
(٢) انظر: "الصحاح" (مادة: ورق)، و"القاموس المحيط" (مادة: ورق).
(٣) (من ضيق العطن)؛ أي: من ضيق مجاله في المعاني والبيان، والأصل في (العطن): مبرك الِإبل عند الماء. وقوله: "والمصير في أمثال هذا … " إلى هنا من (م).
(٤) لم أقف عليه، وذكره القرطبي دون عزو كما سيأتي.
[ ٦ / ٢٤٤ ]
وفي "تفسير القرطبي": قيل: إنهم أمروه أن يشتري ما يُظنُّ أنَّه طعام اثنين أو ثلاثة لئلا يُطَّلَع عليهم، ثم إذا طبخ كفى جماعة، ولهذا قيل: ذلك الطعام الأرز (^١).
﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾؛ أي: ويتكلَّفْ في استعمال (^٢) دقائق التَّدبير في دخول المدينة وشرائه الطَّعام، فلا يُعلم به في ذهابه وإيابه.
﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾: ولا يفعلنَّ ما يؤدي إلى الشُّعور بكم.
* * *
(٢٠) - ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾.
والضمير في: ﴿إِنَّهُمْ﴾ عائدٌ على ما دلَّ عليه المعنى من أهل تلك المدينة.
﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: إنْ يطَّلعوا عليكم، أو إن يظفروا بكم ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾: يقتلوكم برمي الحجارة ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾: يصيِّروكم فيها.
وقيل: العود على معناه الشَّائع؛ لأنهم كانوا أوَّلًا على دينهم ثم آمنوا، وإنما لم يقل: (إليها) لأنَّه لا يلزم من العود إلى الشيء التلبُّسُ به.
﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾: ولن تفوزوا بخير أبدًا إن ارتدَّيتُّم (^٣).
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٣٧).
(٢) في (ف): "استعماله".
(٣) في (ف) و(ك): "أردتم".
[ ٦ / ٢٤٥ ]
(٢١) - ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.
﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ المفعول محذوف، تقديره (^١): أعثرناهم عليهم؛ أي: كما أنمناهم وبعثناهم لتزداد (^٢) بصيرتهم أطلعناهم عليهم، وأصله: أنَّ مَنْ عثر برجله على شيء وهو غافل نظر إليه حتى يعلمه، فاستُعير العثور للظهور.
﴿لِيَعْلَمُوا﴾؛ أي: ليعلم الذين أطلعناهم على حالهم ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث، أو الموعود الذي هو البعث ﴿حَقٌّ﴾ لأنَّ حالهم في نومتهم (^٣) وانتباههم بعد المُدَد المتطاولة كحالِ مَن يموت ثم يُبعَث.
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: وأنَّ القيامة لا ريب في إمكانها؛ فإنَّ مَنْ توفَّى أنفسهم وأمسكها ثلاث مئةٍ سنينَ حافظًا أبدانَهم عن التَّحلُّل والتَّفتُّت، ثمَّ أرسلها إليهم قَدَرَ أن يتوفَّى نفوس جميع النَّاس ممسكًا إيَّاها إلى أن يَحشر أبدانها فيردَّها عليهم.
﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ﴾ ظرف لـ ﴿أَعْثَرْنَا﴾.
﴿بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ أمْرَ الفتية حين أماتهم الله تعالى ثانيًا، فقال بعضهم (^٤): ماتوا، وقال آخرون: ناموا نومَهم أوَّل مرَّة.
_________________
(١) في (ك) و(م): "التقدير".
(٢) في (ف) و(م): "ليزدادوا".
(٣) في (ك): "نومهم".
(٤) في (ك): "قوم"، وسقطت من (ف).
[ ٦ / ٢٤٦ ]
﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ﴾، أي: على باب كهفهم ﴿بُنْيَانًا﴾ لئلَّا يتطرَّق إليهم النَّاس والدَّواب، ولا يتعرضَ لهم السِّباع.
﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ بأحوالهم أنَّهم ماتوا أو ناموا.
﴿قَالَ﴾ ولم يقل: (وقال) لأنَّه لم يُذْكَر في معرض المنازعة.
﴿الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾؛ أي: قال عظماؤهم بعد الاتِّفاق على البناء عليهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ يُصلَّى فيه ويُتبرَّك بمكانهم.
* * *
(٢٢) - ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.
﴿سَيَقُولُونَ﴾ الضمير لمن خاض في قصَّتهم في زمن رسول الله ﷺ من أهل الكتاب والمؤمنين:
﴿ثَلَاثَةٌ﴾ هم ثلاثة رجال ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، أي: جعَلهم أربعةً بانضمامه إليهم، قيل: هو قول اليهود.
﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قاله النَّصارى، وإنما لم يذكره بالسِّين اكتفاء بعطفه على ما هو فيه.
﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾: يرمون رميًا بالخبر الخفيِّ الذي لا مطَّلع لهم عليه.
﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قاله المسلمون بإخبار الرَّسول عليه
[ ٦ / ٢٤٧ ]
السلام عن جبريل (^١) على ما أنبأ عنه إخراج هذا القول (^٢) عن حيِّز الرَّجم بالغيب.
وأمَّا إتباعُه قولَه: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فلا دخل له في الإنباء المذكور.
ولا دلالة في قوله: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ أنَّ ذلك القليل من جنس الإنس حتى يتمشَّى أن يُقال: أثبت العلم بهم لطائفةٍ بعد ما حصر أقوال الطَّوائف في الثَّلاثة المذكورة؛ فإنَّ عدم إيراد الرَّابع في نحو هذا المحل دليل العدم، مع أنَّ الأصل ينفيه، ثم ردَّ الأوَّلَيْنِ بالإتباع المذكور ليتعيَّن الثَّالث (^٣).
وأمَّا التَّمسُّك بالواو بأنْ يقال: إنَّها (^٤) دخلت على الجملة الواقعة صفةً للنَّكرة، تشبيهًا لها بالواقعة حالًا عن المعرفة؛ لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف، والدِّلالة على أنَّ اتِّصافه بها أمر ثابت (^٥) = فضعيفٌ؛ لأنها من المحكيِّ لا من الحكاية، فدلالتُها على الثُّبوت عند القائل، لا عند الله تعالى.
نعم لو قيل: إنَّها تدلُّ على تصديق القائلين بأنَّهم سبعة؛ لأنَّها عاطفة على كلام (^٦) مصدَّق، تقديره: نعم وثامنهم كلبهم؛ كما إذا قال قائل: زيدٌ شاعرٌ، وقيل: وفقيهٌ أيضًا؛ أي: نعم، وفقيه أيضًا.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "وحي"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٧٧).
(٢) في (ف): "إخراج"، وفي (ك): "إخراجه".
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٧٧). وقوله: ثم رد بصيغة الماضي معطوف على حصر، وقيل إنه مصدر مجرور معطوف على ما حصر وما مصدرية. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٨٨).
(٤) في (ف) و(ك): "بالواو بأنها".
(٥) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٧٧) ..
(٦) في (ف) و(ك): "الكلام".
[ ٦ / ٢٤٨ ]
وفي الخبر: سئل النبي ﷺ أنتوضأ بما أَفضلت الحمر؟ قال: "وبما أفضلت السِّباع" (^١). قال السُّهيْلي: يريد: نعم وبما أفضلت السِّباع (^٢).
وقال جماعة ومنهم الإمام أبو منصور الماتُريدي: لم يبيِّن اللهُ تعالى ذلك لأهل الكتاب ولا لنبيِّه ﵇، ولو كان أعلمه لم يقل: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾؛ لأن علمه به يغنيه عن السُّؤال عنهم (^٣).
﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾: فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلَّا جدالًا ظاهرًا غير متعمّق فيه، وهو أن تقصَّ عليهم (^٤) ما أوحى الله تعالى إليك فحسب، من غير تجهيلٍ لهم ولا تعنيفٍ لهم في الرَّدِّ عليهم.
﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾: ولا تستفتِهم من جهتهم. قاله (^٥) ابن عبَّاس ومجاهد وقتادة (^٦).
روي أنه ﵇ سأل نصارى نجران عنهم فنهي عن السُّؤال. ذكره القرطبي (^٧).
_________________
(١) رواه الدارقطني في "سننه" (١٧٥) و(١٧٦) من حديث جابر ﵁ وضعفه. وضعف الحديث النووي في "المجموع" (١/ ٢٣٢).
(٢) انظر: "أمالي ابن سمعون" (١/ ٣٨٤)، و"حاشية ابن القيم على سنن أبي داود" (١٤/ ٧٦).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٧/ ١٥٦).
(٤) "عليهم" من (ف).
(٥) في النسخ: "قال"، والصواب المثبت.
(٦) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٢٢ - ٢٢٥).
(٧) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٤٩). وانظر أيضًا: "معاني القرآن" (٢/ ١٣٨)، و"الوسيط" للواحدي (٣/ ١٤٣).
[ ٦ / ٢٤٩ ]
(٢٣) - ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾.
﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾: لأجل شيء تعزم عليه ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ﴾ الشَّيء.
إنَّما قال: ﴿فَاعِلٌ﴾ بالتَّنوين دون الإضافة لمكان قوله:
﴿غَدًا﴾ ومبنَى ذلك على قاعدةٍ ذكرناها في تفسير: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].
* * *
(٢٤) - ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: إلَّا بأنْ يشاء الله؛ أي: إلا ملْتبسًا بمشيئة الله (^١) قائلًا: إن شاء الله.
وهذا نهيُ تأديبٍ مِن اللهِ تعالى لنبيِّه ﵇ حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الرُّوح، وعن أصحاب الكهف، وذي القرنين. فسألوه فقال: "ائتوني غدًا أخبركم" ولم يَستثنِ، فأبطَّأ (^٢) عليه الوحي حتَّى شقَّ عليه، وكذَّبته قريشٌ (^٣).
فقوله: ﴿غَدًا﴾ بمعناه الحقيقيِّ، لا بمعنى ما يُستقبل من الزَّمان، وعدمُ اختصاص الحكم به من جهة دلالة النَّص لا من جهة عبارته.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "أي ملتبسًا أي بمشيئته".
(٢) في (ف): "فبطأ".
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٦٨). ورواه ابن إسحاق في "السير والمغازي" (ص: ٢٠١): حدثني رجل من أهل مكة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، فذكره مطولًا.
[ ٦ / ٢٥٠ ]
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾؛ أي: مشيئةَ ربِّك، وقل: إن شاء الله، كما رُوي أنَّه لما أنزل قال ﵇: "إن شاء الله" (^١).
﴿إِذَا نَسِيتَ﴾ إذا فرَط منك نسيانٌ لذلك ثمَّ تذكَّرتَه.
وعن ابن عباس ﵄: ولو بعد سنةٍ ما لم يحنث (^٢).
قال القرطبي: هذا في تداركه التبرُّك (^٣) بالاستثناء للتَّخلُّص (^٤) عن الإثم، وأما الاستثناء المغيِّر حكمًا فلا يصحُّ إلَّا متَّصلًا (^٥).
ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربَّك بالتَّسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء؛ مبالغةً في الحثِّ عليه.
﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾: يدلَّني ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾: لأقرب رشدًا وأظهرَ دلالةً على أنِّي نبيٌّ مِن نبيٌّ أصحاب الكهف، وقد فعل ذلك، من حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك وأدلُّ (^٦).
والظَّاهر أن يكون المعنى: إذا نسيْتَ شيئًا فاذكر ربَّك عند نسيانه (^٧)، وذِكْرُ ربِّك عند نسيانه أن تقول: عسى ربِّي أن يهديني لشيء آخر بدلَ هذا المنسيِّ أقرب منه
_________________
(١) في "الفتح السماوي" للمناوي (٢/ ٧٩٤): أخرجه ابن مردويه.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٢٥)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١١٠٦٩)، والحاكم في "المستدرك" (٧٨٣٣) وصححه.
(٣) "التبرك" سقط من (ف) و(ك)، وفي (م): "الترك"، والمثبت من "تفسير القرطبي".
(٤) في النسخ: "والتخلص" والمثبت من "تفسير القرطبي".
(٥) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٥١).
(٦) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٧٨).
(٧) "عند نسيانه" من (م).
[ ٦ / ٢٥١ ]
رشدًا، أو (^١) أدنى خيرًا ومنفعةً منه، ولعلَّ النِّسيان كان خيرًا، لقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].
* * *
(٢٥) - ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.
﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ يريد لبثهم فيه أحياءً مضروبًا على آذانهم.
﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالإضافة (^٢)، على وضع الجمع موضع الواحد في التَّمييز، كقوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣].
ومَن قال: على وضع الجمع موضع الواحد، ويحسِّنه هاهنا أنَّ علامة الجمع فيه جبر لِمَا حذف من الواحد، وأنَّ الأصل في العدد إضافته إلى الجمع (^٣) = فقد تدافع طرفا كلامه؛ لأنَّ مبنى قوله: (على وضع الجمع موضع الواحد) هو أن يكون الأصل الإضافةَ إلى الواحد (^٤).
وقرأ الجمهور بتنوين ﴿مِائَةٍ﴾ ونصبِ ﴿سِنِينَ﴾ على أنَّه عطفُ بيان، وحملُه على البدليَّة ضعيفٌ؛ لأنَّه يلزم أن لا يكون العدد مقصودًا (^٥).
﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ قيل: إنهم لبثوا ثلاثَ مئةِ سنةٍ شمسيَّةٍ بحساب الأمم، ولما
_________________
(١) في (ك): "و".
(٢) انظر: "التيسير" (ص: ١٤٣).
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٧٨).
(٤) في هامش (م): "قال القرطبي نقلًا عن أبي علي: هذه الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد قد تضاف إلى الجموع. منه".
(٥) في (ف) زيادة: "وأن".
[ ٦ / ٢٥٢ ]
كان الإخبار هنا للعرب ذُكرت التِّسع؛ إذ المفهوم عندهم من السِّنين القمريَّة، فهذه الزِّيادة هي ما بين الحسابَيْن، فهو بيان لما أجمله تعالى قبلُ.
وقيل: إنَّه حكاية كلام أهل الكتاب؛ فإنَّهم اختلفوا في مدَّة لبثهم، كما اختلفوا في عددهم؛ فقال بعضهم: ثلاث مئةٍ، وقال بعضهم: ثلاثَ مئة وتسعَ سنين.
* * *
(٢٦) - ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾.
ويعضده قراءةُ ابن مسعود ﵁: (وقالوا لبثوا) (^١)، وقولُه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾.
﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما غاب فيهما وخفيَ من أحوال أهلهما (^٢)، وأنَّه هو وحده العالمُ به.
﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أمران معناهما: إنشاءُ التَّعجب.
والهاء في ﴿بِهِ﴾ لله، محلُّه الرَّفع على الفاعليَّة عند سيبويه؛ لأنَّ أصله عنده: صار ذا بصر، كأَغَدَّ البعيرُ: صار ذا غدة، ثمَّ نُقِلَ إلى التَّعجُّب، وغُيِّرَ إلى صيغة الأمر؛ لأَنَّه إنشاءٌ، والتَّعجُّب إنشاءٌ، فبرزَ الضَّمير لأنَّ ضمير الغائب لا يستتر في أمر المخاطب، وزيدَ الباء. فيه لتأكيد التَّعجُّب، ولخلوه عن الضم لم تختلف صيغته بحسب اختلاف المخاطب إفرادًا وتثنية وجمعًا (^٣).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للنحاس (٤/ ٢٢٦)، و"تفسير الثعلبي" (٦/ ١٦٥).
(٢) في (ك): "أحوالها".
(٣) من قوله: "ولخلوه عن الضم .. " إلى هنا من (م).
[ ٦ / ٢٥٣ ]
وعند الأخفش: منصوبٌ على المفعوليَّة، والفاعل ضمير المخاطب، وهو كلُّ أحدٍ، والهمزة للتعدية، والباء مزيدة.
وعند بعضهم: الهمزة للصيرورة والباء للتعدية (^١).
والإتيان بصيغة التَّعجب للدِّلالة على أنَّ أمره تعالى في الإدراك خارج عمَّا عليه إدراك السَّامعين والمبصِرين؛ إذ لا يحجبه شيء، ولا يتفاوت دونه لطيف وكثيف، وصغير وكبير، وخفيٌّ وجليٌّ.
﴿مَا لَهُمْ﴾: لأهل السَّماوات والأرض ﴿مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾: من متولٍّ لأمورهم.
﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ﴾: في قضائه ﴿أَحَدًا﴾ منهم، ولا يجعل له فيه مدخلًا (^٢).
وقرئ بالتاء والجزم على النَّهي (^٣).
* * *
(٢٧) - ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾.
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾: من القرآن، ولا تَسمع لما يَهذون به من طلب التَّبديل.
﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾؛ أي: لا يقدر أحدٌ غيره على تبديلها.
_________________
(١) "والباء للتعدية" من (م)، وهو الموافق لما في "روح المعاني" (١٥/ ٢٩٧)، وهذا القول عزاه الآلوسي للزجاج.
(٢) في (م): "مدخلًا فيه".
(٣) وهي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٣).
[ ٦ / ٢٥٤ ]
﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾: ملتجأً تعدِل إليه إن هممْتَ به.
* * *
(٢٨) - ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾: واحبسها وثبِّتها ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ قد مرَّ تفسيره في سورة الأنعام.
﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾؛ أي: لا تَصرف عيناك النَّظرَ عنهم إلى غيرهم، من عدَوْتُه عن الأمر: صرفتُه عنه، وما تصرفُه العين ليس إلا النَّظر، فحُذِفَ لظهوره.
قيل: ولا تجاوزهم نظرَك إلى غيرهم، وتعديتُه بـ (عن) لتضمينه معنى نبا (^١). وفيه: أنَّ عدا بمعنى جاوز يتعدَّى بنفسه وبـ (عن).
قال الجوهري: عدَاه: جاوزه، وما لي عن فلان مَعْدًى؛ أي: تجاوُزٌ إلى غيره (^٢) ثمَّ إنَّ معنى الصَّرف أمسُّ للمقام من معنى التَّجاوز.
وقرئ: (ولا تُعْدِ) [و: (لا تُعَدِّ)] من أعداه وعدَّاه (^٣).
_________________
(١) أي: لما ضمِّن معنى (نبا) عدِّي تعديته، يقال: نبا الشيء عنه ينبو؛ أي: تجافى وتباعد، ونبا بصري عن الشيء: إذا اقتحمه ولم يعلق به. انظر: "حاشية شيخ زاده على البيضاوي" (٥/ ٤٧٢).
(٢) انظر: "الصحاح" (مادة: عدا).
(٣) قرأ الحسن: (ولا تُعْدِ) بضم التاء وكسر الدال، وقرأ الحسن وعيسى: (ولا تُعَدِّ). انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٩)، و"الكشاف" (٢/ ٧١٧)، والكلام وما بين معكوفتين منه.
[ ٦ / ٢٥٥ ]
﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ حال من الكاف على المشهورة (^١)، ومن الضَّمير المستتر في الفعل على غيرها، والعامل على الأوَّل أيضًا الفعل السَّابق؛ كما (^٢) سبق في قوله: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (^٣).
ويجوز أن يكون حالًا من الفاعل، وتوحيد الضَّمير لأنهما عضوٌ واحد في الحقيقة، أو لاتحاد الإحساس، أو للاكتفاء بأحدهما عن الآخر، واستبشاعُ (^٤) إسناد الإرادة إلى العين مندفعٌ بأنَّها كناية عن إرادة صاحبها، كما يقال: تستلذُّه العين أو السَّمع، وإنَّما المستلِذُّ الشَّخصُ.
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾: مَن جعلنا قلبه غافلًا ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾ وقرئ: (أغفَلَنَا قَلْبُهُ) (^٥) بإسناد الفعل إلى القلب، على معنى: حَسِبَنا قلبُه غافلين (^٦) عن ذكرنا إيَّاه بالمؤاخذة.
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ قيل: نزلَتْ في أميَّة بن خلف، وذلك أنَّه دعا النَّبيَّ ﵇ إلى تبعيد الفقراء عنه وتقريب صناديد قريش (^٧).
_________________
(١) في (ف) و(ك): "المشهور"، والمثبت من (م)، والمراد: القراءة المشهورةُ في السبعة المتواترة. انظر. "حاشية الشهاب" (٦/ ٩٦).
(٢) في (ك) و(م): "لما".
(٣) في (م): "فاتبع ملة .. ". وفي "روح المعاني" (١٥/ ٣١٣) نقلا عن "الكشف": "بل ملة … ".
(٤) في (ك): "واستتباع"، وفي (ف): "والاستتباع". والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.
(٥) نسبت لعمرو بن فائد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٩).
(٦) في (ف): "غافلًا".
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" (٦/ ١٦٦)، و"زاد المسير" (٥/ ١٣٣).
[ ٦ / ٢٥٦ ]
﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾؛ أي: مجاوزًا فيه الحدَّ. ذكره الجوهري (^١).
* * *
(٢٩) - ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾.
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿الْحَقُّ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، و﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حال مؤكِّدة، أو خبرٌ بعد خبر؛ أي: جاء الحقُّ وزاحت (^٢) العلل، فلم يبقَ إلَّا اختيارُكم لأنفسكم ما شئتم.
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ليس هذا بترخيص وتخييرٍ بين الإيمان والكفر، وإنَّما هو وعيدٌ وتهديدٌ، وجيء بلفظ الأمر والتَّخيير لأنَّه لمَّا مكِّن مِن اختيار أيِّهما شاء، فكأنَّه مخيَّر (^٣) مأمورٌ بأنْ يتخيَّر ما شاء من النجدَيْن.
قيل: هو لا يقتضي استقلالَ العبدِ بفعله؛ فإنَّه وإن كان بمشيئته، فمشيئتُه ليست بمشيئة (^٤).
وكأنَّه زعم أنَّ الأمر بالإيمان والكفر يكون أمرًا بجعلهما وإيجادهما حتى قال ما قال، والحقُّ كون (^٥) العبد مأمورًا بالكسب فقط، وماذا بعد الحقِّ إلَّا الضَّلال.
_________________
(١) انظر: "الصحاح" (مادة: فرط).
(٢) في (ك): "وراحت".
(٣) "مخير" من (ك) و(ك)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٢/ ٧١٩)، والكلام منه.
(٤) هذا كلام البيضاوي في "تفسيره" (٣/ ٢٧٩).
(٥) في (ف) لعلها: "حرر".
[ ٦ / ٢٥٧ ]
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾: هيَّأنا ﴿لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ هو ما يُمَدُّ فوقَ صحن الدَّار. ذكره الجوهري (^١).
فارسيٌّ معرَّب، أصله: سَراطاق، لا سَرَايَرْدَه، كما تُوهَّم.
وما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ على ما خرَّجه الترمذي - وقال فيه: حسن صحيح - من قوله ﵇: "لِسُرادق النَّار أربعُ جُدُرٍ … " (^٢) يعضدُ ما ذكرنا، ويردُّ ما قيل: إنَّه الحجرة (^٣) التي تكون حول الفسطاط، وما قيل: إنَّه الحائط.
﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ من العطش.
﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ أي: يؤتوا بماء كالمهل (^٤)، وإنَّما قال: يُغاثوا على طريقة:
تحيَّة بينهم ضربٌ وجيعُ (^٥)
_________________
(١) انظر: "الصحاح" (مادة: سردق).
(٢) رواه الترمذي (٢٥٨٤)، وقال: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد، وفي رشدين مقال، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. والمؤلف في نقل التصحيح عن الترمذي تابع في ذلك القرطبي في "تفسيره" (١٣/ ٢٦٢).
(٣) كذا في النسخ: "الحجرة"، ومثله في مطبوع "الكشاف" (٢/ ٧١٩)، وجاء في "تفسير البيضاوي" بهامش "حاشية الشهاب" (٦/ ٩٨)، و"فتوح الغيب" للطيبي (٩/ ٤٦٤)، و"روح المعاني" (١٥/ ٣٢١): (الحجزة) بالزاي، قال الشهاب: قوله (أي: البيضاوي): (الحجزة) بالزاي المعجمة، أي: ما يحجز ويمنع من الوصول إليه من خندق ونحوه، أو بالمهملة؛ أي: الحظيرة التي تجعل حوله.
(٤) "أي: يؤتوا بماء كالمهل" زيادة من (م).
(٥) عجز بيت لعمرو بن معدي كرب. انظر: "الكتاب" (٣/ ٥٠)، و"النوادر" لأبي زيد (ص: ١٥٠)، و"الخزانة" (٩/ ٢٦٥)، وقال البغدادي: ولم أره في شعره. وصدره: وخيلٍ قد دَلَفْتُ لها بخيلٍ
[ ٦ / ٢٥٨ ]
تهكُّمًا.
والمُهْلُ: هو ماءٌ غليظٌ كدُرْديِّ الزَّيت (^١). ذكره ابن عباس ﵄ (^٢)، ويوافقه ما في حديث التِّرمذي عن النَّبيِّ ﵇ أنَّه قال: "كعَكَرِ الزَّيْتِ" (^٣).
﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾: من فَرْط حرارته إذا قُدِّمَ ليُشرَب، وهو صفة ثانية لـ (ماءٍ)، أو حال منه؛ لأنَّه قد وُصِفَ فحَسُن مجيء الحال منه، أو من (المهل)، أو الضميرِ في الكاف.
﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ المخصوصُ بالذَّمِّ محذوف تقديره: بِئْسَ الشَّرَابُ هو؛ أي: الماء الذي يغاثون به.
﴿وَسَاءَتْ﴾ النَّارُ ﴿مُرْتَفَقًا﴾: متَّكأً، وأصله: الاتِّكاء على المرفق، وهذا لمشاكلة قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾، وإلَّا فلا ارتفاق لأهل النَّار ولا اتِّكاء، إلَّا أن يكون كنايةً عن عدم النُّوم، كما في قوله:
نام الخليُّ وبِتُّ اللَّيل مرتفِقًا (^٤)
_________________
(١) دردي الزيت: عكره وما يستقر منه في قعر الإناء. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٩٨).
(٢) رواه هناد بن السري في "الزهد" (٢٨٣)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٤٩).
(٣) رواه الترمذي (٢٥٨١) و(٢٥٨٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، ورشدين قد تكلِّم فيه. وقد تقدمت قطعة منه قريبًا.
(٤) صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في "ديوان الهذليين" (١/ ١٠٤)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٤٠٠)، و"تفسير الطبري" (١٥/ ٢٥٣)، و"الكشاف" (٢/ ٦١٩)، ورواية الديوان: "مشتجرًا". وعجزه: كأنَّ عَيْنِيَ فِيهَا الصَّابُ مَذْبُوحٌ الخلي: الذي لا هم له، والصاب: شجرة مرة لها لبن يحرق العين إذا أصابها، والمذبوح: المشقوق.
[ ٦ / ٢٥٩ ]
(٣٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ التَّنكير للتَّقليل.
* * *
(٣١) - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: إقامةٍ؛ إذ هو وسَط (^١) الجنان.
وإنما جيء بلفظ الجمع لسعتها، بحيث كان كلُّ بقعة منها صالحةً لأنْ تكون جنَّة.
ويجوز أن يراد بالجنَّات: سائر الجنان، وإضافتها إلى ﴿عَدْنٍ﴾ لأنَّه معظمُها.
والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾، وما بينهما اعتراض؛ أو (^٢) هو أيضًا خبرٌ على قيام ﴿مَنْ أَحْسَنَ﴾ مقامَ الضمير؛ لأنَّ ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾: ﴿الَّذِينَ (^٣) آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ويأباه التَّقليل (^٤) المستفاد من التَّنكير في ﴿عَمَلًا﴾، أو على أن الضمير (^٥) مستغنًى عنه بعموم ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، كما هو مستغنًى عنه في قولك: نِعْمَ الرَّجلُ زيدٌ.
وأمَّا حذفه على أنَّ المعنى: مَن أحسن عملًا منهم. ففيه أنَّه يؤذِنُ تنوُّع ﴿الَّذِينَ
_________________
(١) في (ف): "متوسط".
(٢) في (م): "إذ" وهو تحريف.
(٣) في (ف) و(م): "والذين".
(٤) في النسخ: "فيأباه التعليل"، والصواب المثبت. انظر: "روح المعاني" (١٥/ ٣٢٦).
(٥) "على أن الضمير" معطوف على "على قيام من أحسن .. ".
[ ٦ / ٢٦٠ ]
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى مَن أحسن عملًا، وإلى مَن لم يحسنه، ولا صحَّة له (^١).
أو الخبر هو، و﴿أُولَئِكَ﴾ كلام مستأنَف لبيان الأجر المبهَم.
ويجوز أن يكون الثَّاني بدلًا عن الأوَّل، فلا يحتاج الأوَّل إلى خبر، كما في قول الشَّاعر:
إنَّ الخليفةَ إنَّ اللهَ سربلَهُ … سِرْبالَ مُلْكٍ به تُرْجَى الخواتيمُ (^٢)
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ قد مرَّ تفسيره في سورة البقرة.
﴿يُحَلَّوْنَ﴾: يُجعل لهم حليًّا، بنى التَّحلية للمفعول إشعارًا بأنَّهم يكرَّمون بذلك ولا يتعاطونه بأنفسهم.
﴿فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى للابتداء، والثَّانية للتَّبيين صفةٌ لـ ﴿أَسَاوِرَ﴾، وتنكيرها لإبهام أمرها في الحسن، وهي جمع أسورة، والأسورة: جمع سِوار بالكسر: زينةٌ تُلْبَسُ في الزِّند من اليد.
وقال أبو عمرو: واحد الأساور: الأُسْوار بالضَّم (^٣)، وهو بمعنى السِّوار، لا جمعُه.
﴿وَيَلْبَسُونَ﴾ أسند فعل اللُّبس إليهم لأنَّ الإنسان يتعاطى ذلك بنفسه، خصوصًا إذا كان باديَ العورة (^٤).
_________________
(١) هذا على تقدير كون (مِن) تبعيضية، وليس بمتعين لجواز كونها بيانية، ولو سلم فلا بأس به، فإن الإحسان زيادة الإخلاص الوارد في حديث الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه". انظر: "روح المعاني" (١٥/ ٣٢٦).
(٢) البيت لجرير. كما في "ديوانه" (بشرح محمد بن حبيب) (٢/ ٦٧٢).
(٣) في "الصحاح" (مادة: سور) عن أبي عمرو بن العلاء: (إسوار).
(٤) في (ك): "مأوى الصورة"، وفي (ف) و(م): "بادي الصورة"، والمثبت من "البحر المحيط" (١٤/ ٢٧٢).
[ ٦ / ٢٦١ ]
﴿ثِيَابًا خُضْرًا﴾ لأنَّها أحسن الألوان وأكثرها طراوة، وقد روي فيها في ذلك أثر أنها تزيد في ضوء البصر (^١).
﴿مِنْ سُنْدُسٍ﴾: ما رقَّ من الدِّيباج ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾: ما غلظ منه، معرَّب فارسيُّه: اصطبرك.
جمع بين النَّوعَيْن للدِّلالة على أنَّ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذُّ الأعين.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: جمع أريكة (^٢)، وهي السَّرير في الحجال، خصَّ الإتِّكاء لأنَّه هيئة المتنعِّمين.
﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ الجنَّة ونعيمها ﴿وَحَسُنَتْ﴾ الأرائك ﴿مُرْتَفَقًا﴾: متَّكأً.
* * *
(٣٢) - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾.
_________________
(١) رواه القضاعي في "مسند الشهاب" (٢٨٩) عن جابر بن عبد الله ﵄ يرفعه: "النظر إلى الخضرة يزيد في البصر والنظر إلى المرأة الحسناء يزيد في البصر". وهو خبر باطل كما في "الميزان" ترجمة أبي الفضل محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث. ونحوه رواه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٤/ ٢٨٦) من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وفي إسناده أبو البختري القاضي رمي بالوضع. انظر: "المقاصد الحسنة" (ص: ٢٧٥). وقد ذكر هذا الحديث ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ١١٢)، وكذا ابن القيم في "المنار المنيف" (ص: ٦٢) وغيرهما. ورواه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ١٤٤)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (١٠/ ٢٨٢) موقوفًا على ابن عبَّاس ﵄، ولفظه: (ثلاث تجلو البصر: النظر إلى الخضرة …).
(٢) في (ف) و(ك): "أريك".
[ ٦ / ٢٦٢ ]
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ للكافرين والمؤمنين ﴿مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ حالَ رجلَيْن مفروضَيْن أو موجودَيْن.
﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا﴾ وهو الكافر ﴿جَنَّتَيْنِ﴾: بُستانَيْن ﴿مِنْ أَعْنَابٍ﴾: من كروم.
والجملة بتمامها بيان التَّمثيل، فلا محلَّ لها من الإعراب (^١)، أو صفة الرَّجلَيْن، [فموضعها النصب].
﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾؛ أي: جعلناه مُطيفًا (^٢) بهما، وهذا مما يُؤْثِره الدَّهاقين؛ أي: يجعلوها مؤزرةً (^٣) بالأشجار المثمرة.
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾: جعلها أرضًا جامعة للأقوات والفواكه.
وصف العمارة بأنها متواصلةٌ متشابكة لم يتوسطها ما يقطعُها ويفصل بينهما، مع الشَّكل الحسن والتَّرتيب الأنيق.
* * *
(٣٣) - ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾.
﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾: ثمرها، وإفراد الضَّمير لإفراد ﴿كِلْتَا﴾، ولو قيل: (أتتا) على المعنى لجاز، والمختار هو الأوَّل.
﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ﴾؛ أي: لم تنقص مِنْ أُكُلِها ﴿شَيْئًا﴾ يُعهَد في سائر البساتين.
_________________
(١) قوله: "فلا محل لها من الإعراب"، وقع بعد قوله: "أو صفة الرجلين"، والصواب المثبت. انظر: "البحر" (١٤/ ٢٧٥)، و"روح المعاني" (١٥/ ٣٣٦)، وما سيأتي بين معكوفتين منهما. ووقع في النسخ: "لا محل له .. " والصواب المثبت.
(٢) في (ك): "جعله مطيفًا"، وفي (م): "جعلته مطبقًا"، وفي (ف): "جعلناه مطيقًا"، والصواب المثبت.
(٣) في (ف) و(ك): "مؤيدة".
[ ٦ / ٢٦٣ ]
﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ ليدومَ شربها، فإنَّه الأصل، ويزيد بهاؤها.
* * *
(٣٤) - ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾.
﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾؛ أي: أنواع المال؛ مِن ثمَّر ماله: إذا كثَّره.
﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ الظَّاهر منه أنَّهما ليسا بأخوَين.
﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾؛ أي: يراجعه في الكلام ويجاوبه، من حارَ: إذا رجع.
﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾: أولادًا، دلَّ على ذلك قول صاحبه: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾، والمراد الذُّكور؛ لأنهم ينفرون معه دون الإناث.
* * *
(٣٥) - ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾.
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ بصاحبه ليريَه ما فيها، ويعجِّبَه منها، ويفاخرَه بما ملَكَ من المال دونه.
وإفراد الجنَّة تجريد الكلام (^١) لما سبق من الغرض، وصونًا له عمَّا يخيِّل أمرًا آخر، والغرض هاهنا: بيان ما قاله عند دخول (^٢) جنَّته، والتَّعرُّض لتعدُّدها فضلةٌ في ذلك، وهذا كما تقول إذا رأيت لباسًا طويلًا على امرأة قصيرة: اللباس طويل واللَّابس قصير، ولو قلت: اللابسة قصيرة، جئْتَ بما هو لُكْنةٌ (^٣)
_________________
(١) قوله: "وإفراد الجنة تجريد الكلام"، كذا في النسخ، ولعله ضرب على ألف (إفراد) في (م)، ولعل صواب العبارة: (وأفرد الجنة تجريدًا للكلام) بدلالة ما عطف عليه من قوله: "وصونًا".
(٢) في (ك): "دخوله".
(٣) في (ف): "لكنت"، وفي (م): "لنكتة".
[ ٦ / ٢٦٤ ]
وفضولُ قول؛ لأنَّ الكلام لم يقع في ذكورة اللَّابس وأنوثته، وإنما وقع في غرضٍ وراءهما.
﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بتعريضها لسَخَطِ الله تعالى، بعُجبه وكفره، وهو أفحش الظُّلم.
﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ﴾؛ أي (^١): تَهلِكَ ﴿هَذِهِ﴾: الجنَّة ﴿أَبَدًا﴾ وهذا لاغتراره بانتظام أحواله واطِّراح النَّظر في عواقب أمثاله.
* * *
(٣٦) - ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾.
﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾: كائنةً.
﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ إقسامٌ منه لاعتقاده (^٢) أنَّه تعالى إنَّما أولاه ما أولى لاستئهاله واستحقاقه إيَّاه لذاته، وهو معه أينما يلقاه، على أنَّه إنْ رُدَّ إلى ربِّه على سبيل الفَرْض.
﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا﴾: من جنَّته. وقرئ: ﴿منهما﴾ (^٣)؛ أي: من الجنتين.
﴿مُنْقَلَبًا﴾: مرجعًا وعاقبة؛ لأنها فانية، وتلك باقية، وانتصابه على التَّمييز.
* * *
(٣٧) - ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾.
_________________
(١) في (م): "أن".
(٢) "لاعتقاده" من (م).
(٣) قرأ بها نافع وابن كثير وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٣).
[ ٦ / ٢٦٥ ]
﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ أراد: خلْقَ أصله آدم ﵇، أو أصل مادَّته، وذلك أن ماء الرَّجل يتولَّد من أغذية حاصلة من تراب، فنبَّهه أوَّلًا على ما تولَّد منه بالواسطة، ثم على ما تولَّد منه بالذَّات فقال:
﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ فإنَّها مادَّته القريبة.
﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾: جعلَكَ إنسانًا ذكرًا بالغًا مبلغَ الرِّجال سويًّا.
قيل: عدَلَكَ. ويردُّه قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧].
جعل كفره بالبعث كفرًا بالله تعالى؛ لأنَّ منشأ الشَّكِّ في قدرته تعالى (^١)، ولذلك رتَّبَ الإنكار على خلقه إيَّاه من تراب، كأنَّه يقول: مَن اعترف بخلقه تعالى إيَّاه من التَّراب لا ينكر إعادته منها؛ لأنَّها أهون منه، فالإنكار بالثَّاني لا يجامع الاعتراف بالأوَّلى.
* * *
(٣٨) - ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ استدراك من قوله: ﴿أَكَفَرْتَ﴾؛ لأَنَّه استفهامُ إنكارٍ وتوبيخٍ، فهو في الحقيقة إخبار عن كفره.
وأصل ﴿لَكِنَّا﴾: لكنْ أنا، فحذفت الهمزة، فتلاقَتِ النُّونان، فكان الإدغام.
وقرئ بالألف في الوصل (^٢)؛ لتعويضها من الهمزة، أو لإجراء الوصل مجرى الوقف.
_________________
(١) في (م): "في قدرة الله تعالى".
(٢) وهي قراءة ابن عامر، وفي الوقف جميع السبعة يقرؤونها بإثبات الألف. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٣).
[ ٦ / ٢٦٦ ]
وقرئ: (لكنْ أنا) على الأصل (^١)، و﴿هُوَ﴾ ضمير الشَّأن، وهو بالجملة الواقعة خبرًا له خبرُ (أنا) (^٢)، أو ضمير ﴿اللَّهُ﴾ و﴿اللَّهُ﴾ بدلٌ، و﴿رَبِّي﴾ خبرُه، والجملةُ خبر (أنا).
وقرئ: (لكنْ هو الله ربي) (^٣)، و: (لكن أنا لا إله إلا الله ربي) (^٤).
* * *
(٣٩) - ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾.
﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾: وهلَّا قلْتَ عند دخولها:
﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ﴿مَا﴾ موصولةٌ مرفوعةُ المحل على أنَّه خبر مبتدأ محذوف تقديرُه: الأمرُ ما شاء الله، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره: ما شاء الله كائن، أو شرطيَّةٌ منصوبة الموضع والجزاء محذوف، بمعنى: أيَّ شيءٍ شاء الله كان؛ إقرارًا بأنَّها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أبادها (^٥).
_________________
(١) نسبت لأبيٍّ والحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٩)، و"الكشاف" (٢/ ٧٢٣).
(٢) في (م): "خبر إن" وسقطت من باقي النسخ، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٨١)، والكلام منه.
(٣) نسبت لعيسى الثقفي. انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٢٣)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٢٨٤).
(٤) نسبت لابن مسعود. انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٢٣) وفيه: (لكن أنا لا إله إلا هو ربي)، وفي "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٩) عن ابن مسعود: (لكن هو الله ربي لا إله إلا هو).
(٥) في النسخ: "أباها"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٨١)، والكلام منه. قال الشهاب في "الحاشية": أبادها بمعنى: أفناها وأهلكها.
[ ٦ / ٢٦٧ ]
﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ وقلتَ: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ اعترافًا بالعجز على نفسك، والقدرةِ لله تعالى، وأن ما تيسَّر (^١) لك من تعميرها وتدبير أمرها فبمعونته وإقداره.
﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ مَن رفع ﴿أَقَلَّ﴾ (^٢) جعله خبرًا، وجعل ﴿أَنَا﴾ مبتدأً، والجملةَ مفعولًا ثانيًا لـ ﴿تَرَنِ﴾، ومَن نصبه جعل ﴿أَنَا﴾ فصلًا أو تأكيدًا للمفعول الأوَّل.
* * *
(٤٠) - ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾.
﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ في الدُّنيا أو في الآخرة لإيماني، وهو جواب الشَّرط.
﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾ على جنَّتك بكفرك ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: مراميَ، واحده: حُسبانةٌ، قاله الأخفش وأبو عبيدة. وقال ابن الأعرابي: الصَّواعق (^٣).
﴿فَتُصْبِحَ﴾ دلَّ على إتيان الحسبان باللَّيل.
﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾: أرضًا اصطلم جميعُ ما عليها من النَّبات، كالرَّأس إذا حُلِقَ لا يبقى عليه شعر، مصدر بمعنى المفعول، مِن زَلَق رأسه زَلْقًا: إذا حلَقه.
* * *
_________________
(١) في (ك): "يتيسر".
(٢) هو عيسى بن عمر. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٤٥٧)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٥١٨)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٢٨٧).
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٤/ ١٩٣).
[ ٦ / ٢٦٨ ]
(٤١) - ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾.
﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ عطف على ﴿وَيُرْسِلَ﴾، على تنويع ما ترجَّى إلى آفَةٍ سماويَّة وآفَةٍ أرضيَّة.
﴿مَاؤُهَا غَوْرًا﴾؛ أي: غائرًا، مصدر بمعنى الفاعل، يقال: غار الماء غورًا: إذا سفلَ في الأرض.
﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ﴾؛ أي (^١): للماء الغائر ﴿طَلَبًا﴾: لن تقدر على طلبه؛ لعدم بقاء الأثر منه.
* * *
(٤٢) - ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ الواو فصيحة عاطفة على مقدَّر هو تحقّق ظنّه، وثمرُه: أمواله، وإحاطتُه عبارةٌ عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من أحاط به العدو، فإنَّ قومًا قد أحاط بهم العدوُّ قلَّما ينجو منهم (^٢) شخصٌ، ثم استعمل في كلِّ إهلاك (^٣).
﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ كنايةٌ عن التَّحسُّر والنَّدم، فإنَّ النَّادم يقلِّب كفَّيه ظهرًا لبطنٍ، فكأنَّه قيل: يندم.
﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾: في عمارتها، فهو متعلِّق بـ ﴿يُقَلِّبُ﴾، ويجوز أن يكون حالًا؛ أي: متحسِّرًا على ما أَنفَقَ فيها.
_________________
(١) "أي" من (م).
(٢) "منهم" من (ك).
(٣) في (ك) و(م): "هلاك".
[ ٦ / ٢٦٩ ]
﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾: ساقطةٌ ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ بأن سقط عروشُها على الأرض، وسقط الكروم فوقها.
﴿وَيَقُولُ﴾ عطف على ﴿يُقَلِّبُ﴾، أو حال من ضميره.
﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ تذكَّر موعظة أخيه، فعلم أنَّه أُتِيَ من جهة شركه وطغيانه، فتمنَّى لو لم يكن مشركًا حتى لا (^١) يُهلك الله أمواله، ويحتمل أن تكون توبةً (^٢) عن الشِّرك وندمًا على ما سبق منه.
* * *
(٤٣) - ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾.
﴿وَلَمْ تَكُنْ﴾ بالتَّاء والياء (^٣) ﴿لَهُ فِئَةٌ﴾ قد مرَّ ما يتعلَّق باشتقاق (فئة) في آل عمران.
ولَمَّا افتخر بعزَّة نفَره أخبر تعالى أنَّه لم يكن له جماعة يُجْدونه نفعًا (^٤).
وحُمل: ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ على المعنى دون اللَّفظ؛ أي: يقدرون على نصره بدفع الإهلاك، أو ردِّ المهلَك (^٥)، وأما الإتيان بمثله فليس من النَّصر؛ لأنَّه (^٦) المعونة بالقهر والغَلَبة، لا مطلق المعونة.
_________________
(١) "لا" من (م).
(٢) في النسخ: "توبته"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٨٢)، والكلام منه.
(٣) قرأ حمزة والكسائي بالياء، والباقون بالتاء. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٣).
(٤) في (م): "تبعًا".
(٥) (رد المهلك) بفتح اللام؛ أي: ردّه بعينه إن قيل بجواز إعادة المعدوم بعينه، أو بمثله إن لم نقل به. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ١٠٤).
(٦) في (ف): "لأن".
[ ٦ / ٢٧٠ ]
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: هو القادر وحده على ذلك.
﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾: قادرًا على الانتصار بنفسه.
* * *
(٤٤) - ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾.
﴿هُنَالِكَ﴾: في ذلك المقام وتلك الحال ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾: النُّصرة له وحدَه، لا يقدر عليها غيره، تقرير لقوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
وقرئ بالكسر (^١)، ومعناه: السُّلطان والملك؛ أي: هنالك السُّلطان والملك لله تعالى، لا يُغلب ولا يُمتنع عنه.
أو (^٢) في مثل تلك الحالة الشَّديدة يتولَّى (^٣) اللهَ تعالى ويؤمنُ به كلُّ مضطر، فيكون تنبيهًا على أن قوله: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ كان عن اضطرار وجزع ممَّا دهاه من شؤم (^٤) كفره، ولولا ذلك لم يقلها.
ويجوز أن يكون المعنى: هنالك الولاية لله ينصر فيها (^٥) أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم، ويشفي صدورهم من أعدائهم، يعني: أنَّه نَصَر فيما فَعَل بالكافر صاحبَه المؤمن، وصدَّق قولَه: ﴿فَعَسَى رَبِّي﴾ الآية.
وقيل: ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى الآخرة؛ أي: في تلك الدَّار الولاية لله تعالى؛
_________________
(١) أي: ﴿الْوَلَايَةُ﴾ بكسر الواو، قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٣).
(٢) في النسخ: "و"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٧٢٤).
(٣) في النسخ: "يقوى"، والمثبت من "الكشاف".
(٤) في (ك): "شدة"، والمثبت موافق لما في المصدر السابق.
(٥) في (ك) و(م): "بها"، والمثبت موافق لما في المصدر السابق.
[ ٦ / ٢٧١ ]
كقوله (^١): ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، ويعضده قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾.
وقرئ: ﴿الْحَقِّ﴾ بالرَّفع والجرِّ (^٢)، صفةً لـ ﴿الْوَلَايَةُ﴾ و﴿لِلَّهِ﴾.
وقرئ بالنَّصب (^٣) على المصدر المؤكِّد (^٤).
وقرئ: ﴿عُقْبًا﴾ بالسُّكون وبالضَّم (^٥)، وقرئ: (عُقْبَى) (^٦) على فُعْلَى، وكلُّها بمعنى العاقبة.
* * *
(٤٥) - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾.
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾: ومثِّل لهم، من قولهم: هذه الأشياء على ضَرْبٍ واحد؛ أي: مثالٍ واحد.
﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: صفتَها الغريبةَ (^٧) في سرعة تَقضِّيها (^٨) وذهابِ نعيمها بعد إقبالها واغترار النَّاس بها.
_________________
(١) في النسخ: "لقوله"، والمثبت من المصدر السابق.
(٢) قرأ أبو عمرو والكسائي بالرفع، وباقي السبعة بالجر. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٣).
(٣) نسبت لعمرو بن عبيد وغيره. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٩)، و"الكشاف" (٢/ ٧٢٥)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٥١٩).
(٤) أي: المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة، والناصب له عامل مقدر كما تقول: هذا عبد الله حقًا، أي: الحق لا الباطل. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ١٠٥).
(٥) قرأ عاصم وحمزة بإسكان القاف، وباقي السبعة بضمها. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٣).
(٦) نسبت لعاصم في غير المشهور عنه. انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٥١٩).
(٧) في (ك): "القريبة".
(٨) في (ك): "نقضها".
[ ٦ / ٢٧٢ ]
﴿كَمَاءٍ﴾ هو كماءٍ ﴿أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾، أي: بالماء، والباء للسببيَّة؛ أي: فالتفَّ بسببه وخالط بعضُه بعضًا من كثرته وتكاثفه، ويجوز أن تكون للتَّعدية؛ أي: نجع في النبات حتى رَويَ ورفَّ (^١).
وحقُّ هذه الباء أن تدخل في أقل المخلوطَيْن، وسلك هنا مسلك القلب؛ للمبالغة في كثرة الماء.
﴿فَأَصْبَحَ﴾؛ أي: أتى أمر الله، على ما أفصح عنه في سورة يونس ﵇، فالفاء فصيحة، نكتتها الإشعار بسرعة الزَّوال.
﴿هَشِيمًا﴾: متكسِّرًا (^٢) من اليبس متفتِّتًا ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾: تفرِّقه، وقرئ: (تُذْريه) (^٣)، والتَّشبيه تمثيليٌّ، شبَّه الهيئة (^٤) المنتزعة من أحوال الدنيا بالهيئة المنتزعة من أحوال النَّبات (^٥)، إلَّا أن إيلاء أداة التَّشبيه بالماء لا يخلو عن نوع إشعارِ شَبَهِ الدُّنيا بالماء في أنَّ قليله يَروي وكثيرَه يُردي، كما ورد في الخبر قال ﵇: "ذرِ الدُّنيا وخذ منها كالماء؛ فإنَّ القليل منها يكفي، والكثيرَ منها يُطغي" (^٦).
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإنشاء والإفناء ﴿مُقْتَدِرًا﴾: قادرًا.
_________________
(١) (نجع): دخل، من النجعة وهي الارتحال والحركة - وليس هنا بمعنى: نفع، من قولهم: نجع فيه الدواء إذا نفعه - وإذا دخل فيه فقد خالط أجزاءه حقيقة، و(روي) كرضي؛ أي: تمّ شربه، و(رفَّ) بمعنى: تحرك بلطف لرطوبته ونضرته. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ١٠٥).
(٢) في (ف) و(م): "منكسرًا".
(٣) نسبت لابن عباس ﵄. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٩).
(٤) في (م): "والتشبيه تمثيل الهيئة".
(٥) في (ك) و(م): "النباتات".
(٦) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٨٩).
[ ٦ / ٢٧٣ ]
(٤٦) - ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ لأنَّ في المال جَمالًا ونفعًا، وفي البنين قُرَّة ورفعًا.
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: الأعمال الخيِّرات التي تبقى ثمرتها للإنسان أبدَ الآباد، من أيِّ نوعٍ كان من أنواع القول والعمل.
وقيل: هي النيَّات والهَمَّات؛ لأن بها (^١) يُقبَل العمل ويُرْفَع.
﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ من المال والبنين ﴿ثَوَابًا﴾: عائدة.
﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ إذ ينال بها صاحبها في الآخرة ما كان يؤمِّل بها في الدُّنيا.
* * *
(٤٧) - ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾؛ أي: اذكُرْ يومَ ﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ من سُيِّرتْ، وقرئ: ﴿نُسَيِّرُ﴾ (^٢) من سيَّرنا، و: (تَسِيْرُ) مِنْ سارَتْ (^٣)؛ أي: تَسير في الجو كما يسير السَّحاب، كما قال في آية أخرى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، وهذا بعدَ كونها كالعِهن المنفوش.
ومَن ذهب إلى أنها تسير سيرَ السَّحاب ذهب إلى أن يكون المعنى: يُذهَب بها بأنْ تُجعَل هباءً منبثًّا، فذهب عن صوب الصَّواب.
_________________
(١) "بها"سقط من (ك)، و(ف).
(٢) قرأ الكوفيون ونافع ﴿نُسَيِّرُ﴾ بالنون وكسر الياء، وباقي السبعة بالتاء وفتح الياء، و﴿الْجِبَالَ﴾ بالنصب على الأولى والرفع على الثانية. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٤).
(٣) نسبت لابن محيصن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٩).
[ ٦ / ٢٧٤ ]
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: ظاهرةً ليس عليها ما يسترها من جبلٍ ولا شجر (^١) ولا بنيان.
وقرئ: (وتُرَى) على بناء المفعول (^٢).
﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ الحشرُ: السَّوق من جهاتٍ مختلفة إلى مكانٍ واحدٍ، ومجيئه ماضيّا بعد ﴿نُسَيِّرُ﴾ و﴿وَتَرَى﴾ لتحقيق الحشر.
وقيل: للدِّلالة على أن حشرهم قبل التَّسيير ورؤيتِها بارزة؛ ليعاينوا ويشاهدوا ما وعدلهم، كأنَّه قيل: وحشرناهم قبل ذلك، فلا حاجة إلى جعل الواو للحال بإضمار (قد)، بل لا وجه له، ويردُّه ما دلَّ على أنَّ ذلك قبل الحشر من الآيات، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٣، ١٤].
﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ بالنُّون والياء (^٣)، يُقال: غادره: إذا تركه، ومنه الغدر (^٤)؛ لأنَّه ترك الوفاء، والغدير: ما غادره السَّيل.
* * *
(٤٨) - ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾.
﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ﴾ شُبِّهَتْ حالهم بحال الجند المعروضين على السُّلطان، ولا
_________________
(١) في (ك): "ولا من شجر".
(٢) نسبت لعيسى. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٩).
(٣) قرأ بالنون الجمهور، وبالياء عاصم في غير المشهور عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص:٨٠).
(٤) في (ف): "الغدرة".
[ ٦ / ٢٧٥ ]
حاجة إلى ما قيل: لا ليعرفهم، بل ليأمرَ فيهم (^١)، إنَّما الحاجة إليه إذا شُبِّهَتْ حاله تعالى بحال السُّلطان المعروض عليه جندُه.
﴿صَفًّا﴾ مفردٌ ينزَّل منزلة الجمع؛ أي: صفوفًا؛ لِمَا ورد في الحديث الصحيح: "يَجمع الله الأوَّليْنَ والآخرِيْنَ في صَعِيْدٍ واحدٍ صُفوفًا" (^٢). ومَن غفل عن هذا قال: مصطفِّين ولا يحجب أحدٌ أحدًا.
﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ معمولٌ لقولٍ محذوفٍ تقديرُه: وقلنا، وهو حالٌ، ولا يجوز أن يكون عاملًا في ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ﴾ لِمَا عرفْتَ أنَّه قبل الحشر، وهذا القول بعدَه.
﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ؛ أي: مجيئًا مثلَ مجيء خلقكم.
﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: "حفاةً عراةً غُرْلًا"؛ كما ورد في الحديث (^٣).
وقيل: عراةً لا شيء معكم من المال والولد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤].
﴿بَلْ﴾ للإضراب بمعنى: الانتقال من كلام إلى كلام ليس بمعنى الإبطال.
﴿زَعَمْتُمْ أَلَّنْ﴾ (أنْ) مخففَّة من الثَّقيلة، وفُصل بينها وبين الفحل بحرف النفي كما فُصل في قوله: ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣].
_________________
(١) قوله: (ليعرفهم) مضارع عرف منصوب، أو مصدر من التعرُّف مجرور، بيان لأن العرض قد يكون لتعرّف السلطان جنده، وقد يكون لتنفيذ أمره، والمقصود التشبيه بالاعتبار الثاني. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ١٠٧).
(٢) رواه البخاري (٣٣٦١)، ومسلم (١٩٤)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠)، من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٦ / ٢٧٦ ]
﴿نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾: مكانَ وعدٍ أو (^١) زمان وعد لإنجاز (^٢) ما وُعدتم على ألسنة الأنبياء ﵈ من البعث والنشور.
* * *
(٤٩) - ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾: صحائفُ الأعمال في الميزان، أو في أيدي العباد، واحدٌ أريد به الجمع؛ لأَنَّه جنسٌ.
﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ الإشفاق: الخوف من وقوع المكروه مع تجويز أن لا يقع.
﴿مِمَّا فِيهِ﴾ من السَّيئات.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ الواو للحال: ﴿يَاوَيْلَتَنَا﴾ هذه لفظةُ مَن وَقعَ في شدَّةٍ.
والويل: الهُلْك، والنِّداءُ لمن يحضر لهم، كأنَّهم قالوا: يا مَن بحضرتنا انظروا هلكتَنا.
﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ (ما) استفهاميَّة مبتدأ، و(لِ هذا) في موضع الخبر، تقديره: أيُّ شيء لهذا الكتاب؟ تعجيبٌ لشأنه.
_________________
(١) في (م): "و".
(٢) قوله "لإنجاز" تحرف في النسخ إلى: "لا يجاوز"، والتصويب من "الكشاف" (٢/ ٧٢٦)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٨٣).
[ ٦ / ٢٧٧ ]
﴿لَا يُغَادِرُ﴾ جملةٌ حاليَّة ﴿صَغِيرَةً﴾: سيِّئةً صغيرةً، قدَّمها لأنها أَدخَلُ في التَّعجيب ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ يعني: لا يترك شيئًا من المعاصي.
﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ الإحصاء هنا كنايةٌ عن الضَّبط والحفظ، وإسناده إلى حفظ الكتاب مجازٌ.
﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا﴾ من خيرٍ وشرٍّ ﴿حَاضِرًا﴾: موجودًا (^١) في الخارج، على ما دلَّ عليه قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦]، لا بوجوده (^٢) في الكتابة؛ لأنَّه إعادةٌ (^٣) للمعنى السابق.
﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ بإحضارِ ما لم يعملوا، ولا بعدمِ إحضار (^٤) بعضِ ما عملوا.
* * *
(٥٠) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ لَمَّا بَيَّنَ حالَ المغرور بالدُّنيا، وكانَ السَّببُ تسويلَ الشَّيطان، زهَّدهم أوَّلًا في زخارفها، ثمَّ نفَّرهم عن الشَّيطان بتذكير (^٥) ما بينهم من العداوة القديمة.
_________________
(١) في (م): "موجودة"، وفي (ف): "بوجود".
(٢) في (ك): "موجود".
(٣) في (م): "أعاد".
(٤) في (ك): "ولا بإحضار".
(٥) في (ف): "بتذكر".
[ ٦ / ٢٧٨ ]
﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ استئنافٌ للتعليل، كأنَّه قيل: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجنِّ.
﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾: فخرج عن أمره تعالى بترك السُّجود، والفاءُ للتَّسبيب.
ومَن قال: هذا الكلامُ المعترِضُ تعمُّد من الله تعالى لصيانة الملائكة عن وقوع شبهة في عصمتهم (^١). فقد سها حيث أساءَ في عبارة التَّعمُّد.
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ الهمزة للإنكار والتَّعجُّب (^٢)، والفاء للعطف على مقدَّرٍ تقديره: أتعلمون (^٣) أنه عدوُّ الله تعالى وعدوُّ أبيكم فتتخذونه ﴿وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾: تستبدلونهم بي.
قال الشَّعبيُّ: سألني رجل فقال: هل لإبليس زوجة؟ فقلْتُ: إنَّ ذلك عرسٌ لم أشهده، ثمَّ ذكرْتُ قولَه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾، فعلمْتُ أنَّه لا يكون ذريَّةٌ إلَّا من زوجة، فقلْتُ: نعم (^٤).
﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ولم يقل: أعداءٌ، في مقابَلة ﴿أَوْلِيَاءَ﴾؛ إنباءً عن اتِّحادهم في أمر العداوة، وشدَّة اتفاقهم على ذلك.
﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ من الله تعالى إبليسُ وذريَّتُه.
* * *
_________________
(١) القائل هو الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٧٢٧). ووقع في النسخ: "بصيانة الملائكة".
(٢) لو قال: "للتعجيب" لكان أولى. انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٢٧)، و"روح المعاني" (١٥/ ٣٨١).
(٣) "أتعلمون" زيادة: في (م).
(٤) روى نحوه ابن الجوزي في "أخبار الظراف" (٥٤).
[ ٦ / ٢٧٩ ]
(٥١) - ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾.
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ وقرئ: (ما أشهدناهم) (^١).
﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: [و] لا أشهدْتُ (^٢) بعضهم خلقَ بعضٍ، كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ففي إحضار إبليس وذريَّتِه خلقَ السَّماوات والأرض وإحضارِ بعضهم خلقَ بعضٍ توطئةٌ لنفي الاعتضاد، والذي (^٣) ذكره بقوله:
﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾؛ يعني: ما كنْتُ متَّخذُهم ﴿عَضُدًا﴾؛ أي: أعوانًا.
فوُضع ﴿الْمُضِلِّينَ﴾ موضعَ الضَّمير ذمًّا لهم بالإضلال واستبعادًا للاعتضاد (^٤) بهم، فإذا لم يكونوا عضدًا لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاءَ لي في العبادة؟!
وقيل: الضَّمير للمشركين، والمعنى: ما أشهدتُهم خلقَ ذلك؛ أي: لم أستعنْ بهم وبرأيهم، وما أوقفتُهم على أسرار ملكي، فلا فضيلة (^٥) لهم دون غيرهم، حتى لو آمنوا تبعهم النَّاس كما يزعمون، فلا تلتفت إلى قولهم طمعًا في نصرتهم للدِّين؛ فإنَّه لا ينبغي لي أن اعتضد بالمضلِّين لديني.
_________________
(١) نسبت ليزيد بن القعقاع وعون العقيلي والسجستاني. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٩).
(٢) ما بين معكوفتين من "الكشاف" (٢/ ٧٢٨)، وكلمة "لا" من (ك) و(م).
(٣) في (ك): "الذي".
(٤) في النسخ: "الاعتضاد"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٧٤).
(٥) "فلا فضيلة" من (م).
[ ٦ / ٢٨٠ ]
ويعضده قراءة: ﴿وَمَا كُنْتُ﴾ (^١) على خطاب الرَّسول ﵇.
ويجوز أن يقال: فيه ردٌّ لأرباب التَّنجيم وأصحاب الهيئة والمتبحِّرين في علم الطِّب (^٢).
وقرئ: ﴿مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾ على الأصل، و: (عَضدًا) بالتَّخفيف، و: (عُضُدًا) بالإتْباع، و: (عَضَدًا) كخَدَمٍ (^٣): جمع عاضد، مِن عضده: إذا قوَّاه، والأصل فيه: عَضُدُ اليد، ثم وُضع موضع العون والتَّقوية؛ لأنَّ اليد قوامُها العَضُدُ، وإنَّما أُوقع الواحد موقعَ الجمع؛ لأنَّه في سياق النَّفي أبلغ.
* * *
(٥٢) - ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾.
﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾؛ أي: للكفَّار؛ وقرئ بالنَّون (^٤)، وإنَّما لم يقل: (شركاءنا) على هذه القراءة (^٥) لأنَّ المقامَ مقامُ إظهار التَّوحيد.
﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ﴾ في عبادتكم ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّهم شفعاؤكم، ليمنعوكم من عذابي.
_________________
(١) قرأ بها أبو جعفر. انظر: "النشر" (٢/ ٣١١).
(٢) بياض في (ف)، وسقط من (ك)، والمثبت من (م).
(٣) انظر هذه القراءات في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٠)، و"الكشاف" (٢/ ٧٢٨)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٨٤)، وعنه نقل المؤلف.
(٤) قرأ بها حمزة. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٤).
(٥) "على هذه القراءة" زيادة من (م).
[ ٦ / ٢٨١ ]
﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ فنادوهم للإعانة ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾: فلم يغيثوهم (^١).
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ بين الدَّاعين والمدعوِّين ﴿مَوْبِقًا﴾: حاجزًا؛ لقوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨].
قال ابن الأعرابيِّ: كلُّ شيء حاجزٍ بين شيئين فهو مَوْبِقٌ.
أو: جعلنا تواصلهم في الدُّنيا مهْلِكًا في الآخرة. قاله الفراء (^٢).
يقال: وَبَقَ يَبِقُ وُبُوقًا، ووَبِقَ يَوْبَقُ وَبَقًا (^٣): إذا هلك، والموبِقُ: اسمُ مكانٍ أو مصدرٌ.
* * *
(٥٣) - ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾.
﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾: رأوها مِن مكانٍ بعيدٍ فظنُّوا أنَّها تأخذهم في الحال، وفي الخبر: "إنَّ الكافرَ يرى جهنَّم ويَظنُّ أنَّها مواقِعَتُه مِنْ مسيرةِ أربعينَ سنةً" (^٤).
والمواقعةُ: ملابسةُ الشَّيءِ بشدَّة، ومنه: وقائع الحروب (^٥).
_________________
(١) وفي: (ك): "فلم يعينوهم". وفي (ف): "فلم يستغيثوهم".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٤٧).
(٣) في النسخ: "وبوقًا"، والمثبت من "الصحاح" (مادة: وبق).
(٤) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١١٧١٤)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٣٨٤)، ونحوه عند الحاكم في "المستدرك" (٨٧٦٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وصححه الحاكم، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣٣٦): وإسناده حسن على ما فيه من ضعف. ويشهد له ما رواه ابن حبان في "صحيحه" (٧٣٥٢) من حديث أبي هريرة ﵁ لإسناد حسن.
(٥) في (ف): "الحرب".
[ ٦ / ٢٨٢ ]
﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾: انصرافًا، أو: مكانًا ينصرفون إليه.
* * *
(٥٤) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: من كلِّ نوعٍ من أنواع المعاني الغريبة. وتصريفُه: تنقيله في وجوه البيان على تمكين الأفهام.
﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾: أكثرَ الأشياء التي يتأتَّى منها الجدال.
والجَدْلُ (^١): شدَّة الفَتْل من المذهب (^٢) بطريقِ الحِجاجِ، ولا يلزم أن يكون بالباطل، ولذلك احتيجَ إلى التَّقييد به في قوله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦].
وانتصابه على التَّمييز.
* * *
(٥٥) - ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾.
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾: من الإيمان (^٣) ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾: الرَّسولُ أو القرآن ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾: ومن الاستغفار عن الذُّنوب.
_________________
(١) في (ك) و(م): "والجدال "، والصواب المثبت. انظر: "تهذيب اللغة" (١٠/ ٣٤٢)، و" المحرر الوجيز" (٣/ ١٦٦).
(٢) "من المذهب" من (م).
(٣) أي: وما منع الناس من أن يؤمنوا، فـ ﴿أَنْ﴾ مصدرية مقدر قبلها حرف الجر: من.
[ ٦ / ٢٨٣ ]
﴿إِلَّا﴾ تقديرُ أو طلبُ ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾: وهو الاستئصال، فحذف المضاف وأُقِيْمَ المضافُ إليه مقامَه.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ﴾: عذاب الآخرة.
﴿قُبُلًا﴾ بكسر القاف وفتح الباء: عيانًا، وقرئ بضمهما (^١)، وهو لغة فيه، أو جمع قبيل بمعنى: ضُروب، وقرئ بفتحتين، وهو أيضًا لغة (^٢)، وانتصابه على الحال من أحد المفعولين.
* * *
(٥٦) - ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾.
﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ بالثَّواب والعقاب، للمطيعين والعاصين.
﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾: باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات، وإنكارِ كون البشر رسلًا (^٣) من الله تعالى.
﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ﴾: ليزيلوا بالجدل ﴿الْحَقَّ﴾ عن مقرِّه ويُبطلوه، من إدحاض القدم وهو إزلاقها (^٤).
﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي﴾؛ يعني: القرآنَ ﴿وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾: والذي أُنذروه من العقاب، أو: إنذارهم.
_________________
(١) قرأ الكوفيون بضمتين، وباقي السبعة بكسر القاف وفتح الباء. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٤).
(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٢٦٩)، و"الكشاف" (٢/ ٧٢٩).
(٣) في (ف) و(م): "رسولًا".
(٤) في (م): "الندم وهو إزلاقها "، وفي (ف): "العدم وهو إذلاقها"، وفي (ك): "القدم وهو انزلاقها"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٢٩)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٨٥).
[ ٦ / ٢٨٤ ]
﴿هُزُوًا﴾: استهزاء، وقرئ بالسُّكون (^١)، وهو ما يُستهزء به.
* * *
(٥٧) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾: بالقرآن.
﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾: فلم يتذكر حين ذُكِّرَ ولم يتدبَّر.
﴿وَنَسِيَ﴾ عاقبةَ ﴿مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾؛ أي: لم يتذكَّر ما يترتَّب على فعله من العذاب.
والتَّعبير عن عدم التَّذكُّر (^٢) بالنِّسيان للمبالغة، وإنما حَسُن التجوُّز عن الجملة باليدين لأنَّ المسْنَد (^٣) ممَّا يُكسب، وهما أقوى آلته.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا﴾ مرتبط بقوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على أنَّه تعليل لإصرارهم على ما كانوا عليه، وما بينهما من قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ إلخ جملةٌ معترضةٌ في تقبيح حالهم.
﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ قد مزَ تفسيرُه في سورة بني إسرائيل.
﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ فلا يكون منهم اهتداء البتَّة لشدَّة تصميمهم.
﴿إِذًا أَبَدًا﴾ مدَّة التَّكليفِ كلِّها، و﴿إِذًا﴾ جزاءٌ وجوابٌ للرَّسول ﵇،
_________________
(١) قرأ بها حمزة عند الوقف، وكذا في الوصل لكن مع إبدال الواو همزًا. انظر: "التيسير" (ص: ٧٤).
(٢) في النسخ: "التذكير"، والصواب المثبت. وسقطت "عدم " من (ف) و(ك).
(٣) في (ف): "المسند".
[ ٦ / ٢٨٥ ]
على تقدير قوله: مالي لا أدعوهم (^١)؟ فإنَّ حرصه ﵇ على إسلامهم يدلُّ عليه.
* * *
(٥٨) - ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾.
﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ﴾: البليغ المغفرة ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ هو: الموصوف بالرَّحمة.
ثم استشهد على ذلك بإمهال أهل مكَّة مع إفراطهم في عداوة الرسول ﵇، فقال:
﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ في الدُّنيا.
﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾ وهو يوم القيامة، أو يوم بدر.
﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾: منجًا ولا ملجأً، يقال: وألَ: إذا نجا، [و] وألَ إليه: إذا التجأ إليه.
* * *
(٥٩) - ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾.
﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ يريد: قرى الأوَّلين من ثمودَ وعادٍ وقوم لوط وأضرابهم، إشعارٌ لهم إليها ليعتبروا.
و﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ، و﴿الْقُرَى﴾ صفةٌ أو عطفُ بيان، والخبر:
_________________
(١) في النسخ: "ما لي أدعوكم" والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٣٠)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٨٥)، و"البحر" (١٤/ ٣١٢)، و"تفسير أبي السعود" (٥/ ٢٣٠)، و"روح المعاني" (١٥/ ٣٩٩).
[ ٦ / ٢٨٦ ]
﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ ويجوز أن تكون ﴿الْقُرَى﴾ الخبر، و﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ جملةٌ حاليَّة، كقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢]، وأن تكون ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ نصبًا بإضمار: (أهلكنا) على شريطة التَّفسير.
و﴿الْقُرَى﴾ مجازٌ عن أهلها، وذلك خير من تقدير المضاف، ولا بدَّ من أحدهما؛ ليكون مرجع الضمائر.
﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ هو مثلَ ظلم أهلِ مكَّة (^١)، وفيه إشعارٌ بعلَّةِ الإهلاك تحذيرًا منها، وبهذا استدلَّ ابنُ عصفور على حرفيَّة المَّا)، وأنها ليست بمعنى (حين)؛ لأنَّ الظَّرف لا دلالة فيه على العلَّة (^٢).
وإنَّما تُرك مفعول ﴿ظَلَمُوا﴾ تنزيلًا له منزلة اللَّازم؛ ليذهبَ الوهمُ كلَّ مذهبٍ.
﴿وَجَعَلْنَا﴾: وضربْنا ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾ المُهْلَك بضم الميم وفتح اللَّام: الإهلاك.
﴿مَوْعِدًا﴾: وقتًا معلومًا لا يتأخَّرون عنه، كما ضربنا لأهل مكَّة يوم بدر. وقرئ بفتح الميم واللَّامُ مفتوحة أو مكسورة (^٣)؛ أي: لهلاكهم.
* * *
(٦٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾.
_________________
(١) في (م): "مثل ظلم مكة".
(٢) انظر: "البحر المحيط" (١٤/ ٣١٣)، و"الجنى الداني في حروف المعاني" لبدر الدين المرادي (ص: ٥٩٥).
(٣) قرأ أبو بكر بفتح الميم واللام، وحفص بفتح الميم وكسر اللام، وباقي السبعة بضم الميم وفتح اللام. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٤).
[ ٦ / ٢٨٧ ]
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ مقدَّر بـ: اذكُر (^١).
﴿لِفَتَاهُ﴾ هو (^٢) يوشع بن نون، ابنُ أخت موسى ﵇، وإنَّما قيل: (فتاه)؛ لأنَّه كان يخدمه ويتبعه، وقيل: كان يأخذ منه العلم، والعرب تسمِّي التِّلميذ فتًى وإن كان شيخًا.
﴿لَا أَبْرَحُ﴾: لا أزال أسير، فحذف الخبر لدلالة حالهِ - وهو السَّفر - وقولهِ: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ من حيث إنها غاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له.
ويجوز أن يكون الخبر ﴿حَتَّى أَبْلُغَ﴾ على أن يكون أصل الكلام: لا يَبرح مسيري (^٣)، فينقلب الضَّمير والفعل بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.
وأن يكون (^٤) المعنى: لا أبرح ما أنا عليه؛ يعني: ألزمُ المسيرَ والطَّلبَ ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغَ، كما تقول: لا أبرح المكانَ، فلا يستدعي الخبرَ.
و﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾: ملتقاهما، وهما: الكُرُّ والرَّسُّ بأرمينية. قاله السُّديُّ (^٥).
وقيل: بحرا فارس والرُّوم. ويَرِدُ عليه: أنهما لا يلتقيان، ولا يقرب أحدهما من الآخر.
_________________
(١) في (ك) و(م): "مقدر بالذكر".
(٢) في (ك) و(م): "وهو".
(٣) في (ف): "مسير"، وفي (م): " فسيرى"، وفي هامشها: "لعلها: مسيري".
(٤) أي: (ويجوز أن يكون) كما هي عبارة الزمخشري. انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٣١).
(٥) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٢٣)، وذكره أبو العباس القرطبي في "المفهم" (٦/ ١٩٥)، وتلميذه القرطبي المفسر في "تفسيره" (١٣/ ٣١٦)، وتحرفت (الرس) في النسخ إلى: "الراس"، والمثبت من المصادر. وانظر: "معجم البلدان" (٣/ ٤٤).
[ ٦ / ٢٨٨ ]
وفي "التَّيسير" (^١): كان البحرُ الذي (^٢) يعملون فيه أصحابُ السَّفينة ما بين بحر فارس إلى بحر الروم.
وإذ لا اتِّصال بينهما فلا صحَّة لهذا الكلام أيضًا.
ولعل (فارس) (^٣) محرَّف من: فاس، وهي بالمغرب (^٤) حاضرةُ البحر، من أجلِّ المدن القديمة، ويعضده ما قاله محمَّد بن كعب: إنَّ مجمعَ البحرين عند طنجة (^٥)، وما قاله أبيُّ بن كعب: إنَّه بإفريقية (^٦).
وقول الخضر لموسى ﵉ حين سلَّم عليه: "وأنَّى بأرضك السَّلام " (^٧) يدلُّ على أنَّ ملاقاتهما لم تكن بين بحر فارس والزُوم؛ لأنَّ تلك الأرض أرضُ بني إسرائيل وما يقرب منها، وهي منشأ السَّلام (^٨) ومعدن الإسلام.
وقرئ: (مَجْمِعَ) بكسر الميم (^٩).
قال الجوهري: الموضع مَجْمَعٌ ومَجْمِعٌ؛ كمَطْلَعٍ ومَطْلِعٍ (^١٠).
_________________
(١) "التيسير في التفسير" لنجم الدين، أبي حفص: عمر بن محمد النسفي الحنفي، المتوفى بسمرقند سنة (٥٣٧). انظر: "كشف الظنون" (١/ ٥١٩).
(٢) في (ف): "كان الذين".
(٣) في (ك): "بحر فارس".
(٤) في (ك) و(م): "بالغرب".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٠٩).
(٦) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٣١٦).
(٧) رواه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠)، من حديث أبي بن كعب ﵁.
(٨) في (م): "الإسلام".
(٩) نسبت لعبد الله بن عبيد بن مسلم بن يسار. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٠).
(١٠) انظر: "الصحاح" (مادة: جمع).
[ ٦ / ٢٨٩ ]
﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ الحُقُبُ: الدَّهر، وقيل: ثمانون سنة، وقيل: تسعون؛ أي: أسير زمانًا طويلًا، والمعنى: حتى بلوغ المجمع ومُضيِّ الحُقب.
روي في "الصحيحين": أنَّ موسى ﵇ قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أيُّ النَّاس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب اللهُ عليه إذ لم يردَّ العلم إليه، فأوحى إليه: إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك. فقال موسى: يا ربِّ، وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مِكْتَلٍ، فحيثما فقَدْتَ الحوت فهو ثَمَّ، فأخذ حوتًا فجعله في مكتل ثمَّ انطلق، وانطلق معه فتاه يوشَعُ بنُ نونٍ، حتى إذا أتيا الصَّخرة وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه، فسقط في البحر (^١).
قيل: اضطراب الحوتِ كان بعد ما استيقظَ يوشع ﵇، وتوضَّأ من عين الحياة، فانتضح الماء عليه، فعاش ووثب في الماء (^٢).
* * *
(٦١) - ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.
﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾؛ أي: مجمع البحرين، و(بين): ظرف أضيف إليه على الإتباع.
﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [أي: نسيا] تفقُّدَ أمره وما يكون منه [مما جعل] أمارةً على الظَّفر بالمطلوب (^٣).
_________________
(١) رواه بنحوه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠)، من حديث أبي بن كعب ﵁.
(٢) ورد نحو هذا ضمن رواية البخاري (٤٧٢٧)، وهي زيادة أنكرها الداودي كما في "فتح الباري" (٨/ ٤١٥)، وانظر كلامه ثمة.
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٣٢)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٦ / ٢٩٠ ]
ولا وجهَ لما قيل: نسيَ موسى ﵇ أن يطلبه ويتعرَّفَ حالَه، ويوشعُ ﵇ أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر؛ لأنَّ هذا النِّسيان منه قبل ذلك، على ما دلَّ عليه قوله:
﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ الفاء فصيحة تُفصح عن مقدَّرٍ يدلُّ على حياة الحوت وسقوطه في البحر، على ما نقل فيما سبق.
﴿سَرَبًا﴾؛ أي: جَعَل سبيله في البحر كالسَّرب، وهو الثُّقب الذي يُدخل فيه فيُسلك منه إلى موضع، وفي الحديث المارِّ ذكره: "وأمسكَ اللهُ عن الحوت جِرْيَةَ الماءِ، فصار عليه مثل الطاق" (^١).
وأمَّا السَّارب في قوله تعالى: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ فبمعزَلٍ عن هذا؛ لأنَّه بمعنى الظَّاهر، صرَّح به الجوهري (^٢)، ودلَّ عليه بقوله: ﴿مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرعد: ١٠] مقابَلته.
ونصبُه على المفعول الثَّاني، و﴿فِي الْبَحْرِ﴾ حالٌ منه، أو من السَّبيل، ويجوز تعلقه بـ (اتخذ).
* * *
(٦٢) - ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾.
﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ مجمع البحرين، وفي الحديث المذكور: "فانطلقا بقيَّة يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد".
﴿قَالَ﴾ موسى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ ما نتغدَّى به.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٠١)، ومسلم (٢٣٨٠)، من حديث أبي بن كعب ﵁.
(٢) انظر: "الصحاح" (١/ ١٤٦) (مادة: سرب).
[ ٦ / ٢٩١ ]
﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا﴾ قيل: لم ينصَبْ موسى ﵇ في سفرٍ غيره، ويؤيِّده التَّقييد بقوله:
﴿هَذَا﴾ وقيل في الحديث المذكور: إنه ﵇ لم ينصَبْ حتى جاوز الموعد.
﴿نَصَبًا﴾: تعبًا وعناءً.
قيل: عنى هنا (^١): الجوع، ولا يخفى أنَّ الفعل وتعديتَه إنَّما يناسبان الأوَّل.
وجه الارتباط بين الكلامَيْن: أنَّ القعود للتغدِّي يتضمَّن الاستراحة، فكأنَّه قال: آتنا غداءنا حتى نتغدى ونستريح زمانًا.
* * *
(٦٣) - ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾.
قال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ﴾: أعلمْتَ ما دهاني (^٢) ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾؛ أي: أقَمنا عندها.
﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾؛ يعني: أَمْرَ ذكرِهِ في مَعْرِضِ الاعتذار لِمَا جرى في الحوت من المعاهدة، وذلك (^٣) على ما ذكر في "صحيح البخاري ": أنَّ موسى ﵇ قال له: لا أكلِّفُكَ إلَّا أنْ تخبرني بحيث يفارقك الحوت. فقال: ما كَلَّفْتَ كثيرًا (^٤).
_________________
(١) في (ف): "عناؤه".
(٢) في (م): "دعاني".
(٣) في (ف): "وذكر".
(٤) رواه البخاري (٤٧٢٦) من حديث أبي بن كعب ﵁.
[ ٦ / ٢٩٢ ]
﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ بدل من الضَّمير؛ أي: ما أنساني ذكرَه إلَّا الشَّيطان.
وفي مصحف عبد الله: (وما أنسا نيه أنْ أذكِّرَكَهُ (^١) إلَّا الشَّيطان) (^٢)؛ أي: وسوسني وشغلني بغيره حتى نسيْتُ، والحال وإن (^٣) كانت لغرابتها أجلَّ من ذلك، إلَّا أنَّه لَمَّا اعتاد مشاهدة (^٤) أمثالها عند موسى ﵇ وألفها قلَّ اهتمامه بها، فهو اعتذار عن نسيانه.
﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾؛ أي: اتِّخاذًا عجبًا، والمفعول الثَّاني الظَّرف.
وإنَّما كان عجبًا لخروجه من المكتل، وحياته بعد كونه مشويًّا أو مأكولًا بعضٌ منه، وإمساك جريةِ (^٥) الماء عليه.
وقيل: سبيلًا عجبًا.
وفيه: أنَّ أكثر العجائب ليس بحال السَّبيل، وأيضًا لو كان المعنى ذلك لقيل: واتخذ في البحر سبيلًا عجبًا (^٦).
وهو من كلام يوشع ﵇.
وقيل: قال موسى ﵇ في جوابه: ﴿عَجَبًا﴾؛ أي: تعجُّبًا.
_________________
(١) في النسخ: "أذكر له"، والمثبت من مصادر التخريج الآتية.
(٢) انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٣٣)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٥٢٩)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٣٢٦).
(٣) في (م): "والحال إن".
(٤) في (ف) و(ك): "بمشاهدة".
(٥) في (ك): "جري "، والمثبت هو الموافق لما تقدم قريبًا في الحديث.
(٦) وفيه مناقشة ذكرها الشهاب في "الحاشية" (٦/ ١١٨).
[ ٦ / ٢٩٣ ]
وقيل: الفعل لموسى ﵇؛ أي: اتخذ موسى ﵇ سبيل الحوت في البحر.
وبردُّهما تأخير ﴿قَالَ﴾ عنه.
* * *
(٦٤) - ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.
﴿قَالَ ذَلِكَ﴾ الإشارة إلى فَقْدِ الحوت؛ لما مرَّ في الحديث أنَّه قيل: "فحيثما فقدْتَ (^١) الحوت فهو ثمَّة".
﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ تقديره: نبغيه؛ أي: نطلبُه؛ لأنَّه أمارة المطلوب.
﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾؛ أي: على طريقهما الذي جاءا منه.
﴿قَصَصًا﴾: اتِّباعًا لذلك الأمر، فانتصَب على المصدرَّية بإضمار (يقصَّان)، على ما أفصح عنه النَّبيُّ ﷺ في الحديثِ المارِّ ذكرُه حيث قال في تفسيره: "فرجعا يقصَّان آثارَهما حتى انتهيا إلى الصَّخرة، فإذا رجل مسجًّى ثوبًا، فسلَّم عليه موسى، فقال الخَضِرُ: وأنَّى بأرضِكَ السَّلام؛ فقال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتُكَ لتعلِّمني ممَّا عُلِّمْتَ (^٢) رُشْدًا" (^٣).
* * *
(٦٥) - ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾.
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ هذه إضافة تشريفٍ واختصاصٍ، وهو الخَضِرُ، اسمه
_________________
(١) في (ك): "فقد".
(٢) في (ف): "علمته ".
(٣) رواه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠)، من حديث أبي بن كعب ﵁.
[ ٦ / ٢٩٤ ]
إيليا، شهد بذلك الحديث المذكور (^١)، واتَّفق عليه الجمهور، وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّما سمِّيَ الخَضِرُ خَضِرًا لأنَّه جلسَ على فروةٍ بيضاءَ فاهتزَّتْ تحتَه خضراء" (^٢)، والفروة هنا: وجه الأرض. قاله الخطَّابيُّ (^٣).
﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ الرَّحمة هنا: النُّبوَّة (^٤)، كما في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢].
﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ ممَّا يَختصَّ بنا، ولا يُعلَم إلَّا بتوفيقنا، وقد مرَّ ما يتعلَّق بـ (لدن) في (آل عمران).
﴿عِلْمًا﴾: هو علم الغيوب.
* * *
(٦٦) - ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ على هذه المصلحة.
بدأ بالاستفهام والاستئذان، ووصف نفسه بالاتِّباع، ومدحَه بالعلم، وأظهر الرَّغبة فيما عنده من العلم، وهذا غاية التَّواضع من موسى ﵇، وتعليمٌ لِمَن طلبَ العلم من غيره، ولا يناسِبُهُ تقدير الشَّرط على أن يكون المعنى: على شرط أن تعلِّمَني.
_________________
(١) يعني بأن اسمه الخضر، رواه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠)، من حديث أبي بن كعب ﵁.
(٢) رواه الترمذي (٣١٥١)، وهو عند البخاري (٣٤٠٢).
(٣) انظر: "أعلام الحديث" للخطابي (٣/ ١٥٥٣).
(٤) في (ف) و(م): "الرحمة هنا الرحمة والنبوة".
[ ٦ / ٢٩٥ ]
﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾: علمًا ذا رشد، وهو إصابة (^١) الخير. وقرئ بفتحتين (^٢)، وهما لغتان كالبُخْل والبَخَل.
وهو مفعول ﴿تُعَلِّمَنِ﴾، أو مصدر في موضع الحال، وذو الحال الضَّمير في ﴿أَتَّبِعُكَ﴾، ومفعول ﴿عُلِّمْتَ﴾ العائد المحذوف، وكلاهما منقولان من (عَلِم) الذي له مفعول واحد، ويجوز أن يكون علَّةً لـ ﴿أَتَّبِعُكَ﴾.
وكون موسى ﵇ صاحبَ شريعة لا ينافي أن يتعلَّم من غيره ما لا حاجةَ إليه في شريعته.
* * *
(٦٧) - ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.
﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أراد نفي الصَّبر معه، إلَّا أنَّه بالغَ فيه حيث نفى استطاعته على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه كأنَّه لا يصحُّ ولا يستقيم، دلَّ على ذلك قوله:
(٦٨) - ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾.
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ﴾ والصَّبرُ: تجرُّع مرارة حبس النَّفس ومنعِها (^٣) عمَّا تُنازعُ إليه.
﴿عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾؛ أي: إنَّ صبرك على ما لا خبرة لك به مستَبْعَدٌ، وهذا كالتَّعليل للنَّفي السَّابق، ومجيئُه بالواو شائع.
وفيه تدارُكٌ لِمَا عسى أنْ يُتوهَّم أنَّه نَسب إليه ﵇ عدمَ التثبُّت.
_________________
(١) في (م): "وإصابة".
(٢) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٤).
(٣) في النسخ: "ومنعه"، ولعل الصواب المثبت.
[ ٦ / ٢٩٦ ]
قيل: فيه إبداء [عُذرٍ] له (^١)، حيث لا يمكنه الصَّبر لِمَا يرى من المناكير؛ لأنَّ الأنبياء ﵈ لا يجوز لهم السُّكوت عند ذلك.
وفيه: أن ثالثها ليس بمنكَرٍ شرعًا ولا عقلًا، وأيضًا قد عرفْتَ أنَّ المنفيَّ نفسُ الصَّبر معه، لا استطاعتُه.
و﴿خُبْرًا﴾ تمييزٌ، أو مصدر على غير الصدر (^٢)؛ لأنَّ ﴿لَمْ تُحِطْ﴾ بمعنى: لم تَخْبَره، والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها وما يُختَبرُ منها.
* * *
(٦٩) - ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾.
﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ معكَ، غيرَ منكِرٍ عليك.
وتعليق الوعد بالمشيئة للاستثناء، ولا بُدَّ منه صونًا للوعد عن الخُلف؛ فإنَّه لا يجوز خصوصًا في حقِّ الأنبياء ﵈.
﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ عطف على ﴿صَابِرًا﴾؛ أي: صابرًا وغيرَ عاصٍ، كقوله تعالى: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]؛ أي: وقابضاتٍ.
أو على ﴿سَتَجِدُنِي﴾، فلا محل لها من الإعراب.
وفيه: أنَّه حينئذ لا يكون مقيَّدًا بالمشيئة، ولا بُدَّ منه (^٣) كيلا يلزمَ الخلف المذموم، حيث وعد أنْ لا يعصيَ له في أمرٍ، وقد أمره بترك السُّؤال، ولم يُطعه (^٤) فيه.
_________________
(١) في النسخ: "فيه إبداله "، وما بين معكوفتين زيادة من "البحر المحيط " (١٤/ ٣٣٠).
(٢) في النسخ: "المصدر"، والصواب المثبت. انظر: "البحر" (١٤/ ٣٣١).
(٣) أي: ولا بد من التقييد بالمشيئة.
(٤) في (ف) و(م): "تعطه "، وقال في هامش (م): "لعله يطعه "، وفي (ك): "يعظه ".
[ ٦ / ٢٩٧ ]
وإنَّما قلنا: فلا محل له من الإعراب مع أنَّه مَقول القول على هذا الوجه؛ لأنَّه لا تأثير للعامل في المعنى، وإنَّما أثره حينئذ مجرَّد اللَّفظ، والجملة هناك ليست واقعة موقع المفرد ليكتَسيَ حكمه محلًّا.
وهذا تواضع آخر من موسى ﵇ بعد تمنُّعٍ كان من الخَضِر ﵇، ثم يحكم عليه بوجهٍ آخر على ما أفصح عنه قولُه:
(٧٠) - ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.
﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي﴾ وقرئ بالنُّون الثَّقيلة (^١).
﴿عَنْ شَيْءٍ﴾ أنكرتَهُ منِّي ولم تعلم وجهَ صحَّته.
﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ حتى أنبَئّكً ببيانه.
وهذا من الخضر ﵇ تأديبٌ وإرشادٌ، ولو صبرَ ودأبَ لرأى العجبَ، لكنَّه أكثرَ من الاعتراض، فتعيَّن الفراق والإعراض (^٢).
* * *.
(٧١) - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.
﴿فَانْطَلَقَا﴾؛ أي: انطلق موسى والخضر ﵉، وأمَّا يوشع ﵇ فقد صرفه موسى ﵇ وردَّه إلى بني إسرائيل، وفي الحديث السابق ذكرُه: "فانطلقا يمشيان على ساحل البحر"، وفي الحديث المذكور:
_________________
(١) وهي قراءة نافع وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٤).
(٢) في (ف): "والاعتراض".
[ ٦ / ٢٩٨ ]
"فمرَّتْ سفينة فكلَّموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهما (^١) بغير نول ".
﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ﴾ (ركبَ) متعدٍّ، وإنَّما (^٢) قيل: ﴿فِي السَّفِينَةِ﴾ إظهارًا لِمَا في ركوبها خاصَّة من بين المراكب من معنى الدُّخول.
﴿خَرَقَهَا﴾ قال ﵇ في الحديث المذكور: "فلما ركبا في السَّفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلعَ لوحًا من السفينة بالقَدُومِ".
قال أبو العالية: لم يرَ الخضرَ حين خرق السَّفينة غيرُ موسى ﵇، وكان عبدًا لا يَراهُ إلَّا مَن أرادَ الله أن يريه (^٣)، ولو رآه القومُ حينئذٍ لمنعوه مِنْ خَرْقِ السَّفينة (^٤).
﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾؛ أي: فعلْتَ ذلك وغرضُكَ إغراقُ أهلها.
وقرئ بالتَّشديد للتَّكثير (^٥)، وقرئ بالياء ورفع ﴿أَهْلَهَا﴾ (^٦)، أي: فعلتَه لشيءٍ (^٧) يُغرق أهلها، وقيل: إنها لام العاقبة، والأُولى أَولى في مقام الإنكار.
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾: منكرًا، مأخوذ من الأَمِر؛ لأنَّه الفاسد الذي يحتاج إلى
_________________
(١) في (ف): "فحملوهم"، وهو الموافق لرواية البخاري (٤٧٢٥). والمثبت من باقي النسخ وهو لموافق لما رواه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠/ ١٧٠).
(٢) في (ف): "وأما".
(٣) في (ك): "يراه".
(٤) رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٤٢٥)، وهو في "تفسير لقرطبي" (٣٢٨/ ١٣).
(٥) نسبت للحسن وأبي رجاء. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٠).
(٦) أي: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾، وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٤).
(٧) في (ك): "أي فعلته شيء". وفي (م): "ما فعلته شيء".
[ ٦ / ٢٩٩ ]
أن يؤمَر بتركه، ومنه أَمِرَ القوم: إذا كثروا، أي: احتاجوا إلى مَن يأمرهم وينها هم، ومنه الأمر من الأمور، أي: الشَّيء الذي من شأنه أن يؤمَر فيه، ولهذا لم يكن كلُّ شيء أمرًا، ومن هنا (^١) ظهر وجه إيثار ﴿شَيْئًا﴾ على (أمرًا) مع ما فيه من صنعة الجناس.
ولو كان الأمر هنا بمعنى العظيم - كما قيل - لروعي حسنُ التناسب (^٢) لفظًا، وقيل: أمرًا إمرًا؛ لعدم المانع من جهة المعنى حينئذ.
* * *
(٧٢) - ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ظاهره تذكير للقول السابق، وباطنه تقرير لصعوبة الصَّبر معه، وإشارة إلى منكَر ارتكبه موسى ﵇، وهو عدم محافظته الوعد، فكأنَّه قصد المعارضة، ولهذا ضمَّنَ كلامه الاعتذار عن ذلك، على ما أفصح عنه قوله تعالى:
(٧٣) - ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾.
﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ من أمري؛ أي: بسبب نسياني.
والمؤاخذة على ترك التَّحفُّظ لا على النِّسيان؛ لأنَّه غير مقدور، ولذلك لم يقل: على ما نسيْتُ، فكأنَّه قال: ما صدر عنِّي ما صدرَ إلَّا بسبب أمرٍ غير مقدور، وصيغة النَّهي كقرينها قد تجيء للالتماس، وهو المناسب للمقام.
﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ الإرهاقُ: إدراك الشَّيء ممَّا يغشاه، ومنه: غلام مراهق: إذا قارب أن يغشاه حالُ البلوغ.
_________________
(١) في (ك) و(م): "هاهنا".
(٢) في (ف): "التأديب".
[ ٦ / ٣٠٠ ]
﴿مِنْ أَمْرِي﴾: هو اتِّباعُه إيَّاه.
﴿عُسْرًا﴾، أي: ولا تُغشني عُسْرًا من أمري، يعني: ولا تعسِّر عليَّ متابعتَكَ بالمؤاخذة على ما صدرَ بسبب النِّسيان، ويسِّرها على الإغضاء.
و﴿عُسْرًا﴾ مفعولٌ ثانٍ لـ (ترهق)، وقرئ بضمَّتين (^١).
* * *
(٧٤) - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾.
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا﴾ وفي الحديث السَّابق ذكره: "ثم خرجا به من السَّفينة، فبينما هما يمشيان على السَّاحل إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده ".
﴿فَقَتَلَهُ﴾ فما (^٢) قيل: كان قتله بفتل عنقه، أو بضرب رأسه بالحائط، مردودٌ بنصِّ الحديث الصَّحيح، وكذا ما قيل: أضجعه فذبحه.
والفاء هنا للدلالة على عدم تراخي القتل عن لقاء الغلام، بخلاف خرق السفينة، فإنَّه لم يتعقَّب الرُّكوب كذلك فلم يذكر الفاء ثمَّة.
ولَمَّا كان القتلُ قتلَ معصوم - حقيقةً أو ظاهرًا، على اختلافٍ في صغره - لم يتمالك (^٣) أن يعترضَ، ولا دخلَ في ذلك لدلالة الفاء على عدم التَّروِّي والاستكشاف.
_________________
(١) قراءة أبي جعفر المدني. انظر: "النشر" (٢/ ٢١٦)، و"إتحاف الفضلاء" (ص: ١٨٥).
(٢) في (ك) و(م): "مما".
(٣) في (ك): "يتماسك". وفي (م): "يتملك ".
[ ٦ / ٣٠١ ]
﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ وقرئ: ﴿زَكِيَّةً﴾ (^١).
قال الكسائي: هما لغتان، مثل ﴿قَاسِيَةً﴾ و﴿قسيَّة﴾ (^٢) ﴿المائدة: ١٣].
وقال أبو عمرو: الزَّاكية التي لم تذنب قطّ، والزَّكيَّة: التي أذنبت وتابت. ولذلك اختار الأولى (^٣).
وهذا على ما قاله الجمهور: أنه كان صغيرًا غيرَ بالغ.
وقال الحسن والكلبي: كان بالغًا يقطع الطَّريق، ويعضده:
﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أي: من غير أن قتلَتْ نفسًا، يفهم منه أنه لو كان مِن (^٤) قَتْلِ نفسٍ لم يكن به بأس، والظَّاهر منه كبر الغلام لأنَّ الصَّغير لا يُقاد، ولا تنبيه فيه على أنَّ القتل لا يُباح إلَّا حدًّا أو قصاصًا، كيف ولا صحَّة للحصر على ما نبَّهْتُ عليه في تفسير سورة الأنعام.
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾: منكرًا، وقرئ بضمَّتين (^٥).
اختلفوا أيَّما أبلغ ﴿إِمْرًا﴾ أو ﴿نُكْرًا﴾، فقيل: هنا القتل واقع وهناك مترقَّب فـ ﴿نُكْرًا﴾ أبلغ.
وقيل: هذا [قتلُ واحدٍ وهناك، إهلاكُ جماعة فـ ﴿إِمْرًا﴾ أبلغ.
_________________
(١) في (ك) و(م): "زاكية، وقرئ: زكية". وقرأ الكوفيون وابن عامر بتشديد الياء من غير ألف، وباقي السبعة بالألف وتخفيف الياء. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٤).
(٢) قرأ حمزة والكسائي بتشديد الياء من غير ألف، وباقي السبعة بالألف وتخفيف الياء. انظر: "التيسير" (ص: ٩٩).
(٣) انظر: "حجة القراءات" لأبي زرعة (ص: ٤٢٤).
(٤) في "المحرر الوجيز" (٣/ ٥٣٢) والكلام منه: (عن).
(٥) قرأ بها نافع وأبو بكر وابن ذكوان. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٤).
[ ٦ / ٣٠٢ ]
قال ابن عطيَّة: وعندي أنَّ ﴿إِمْرًا﴾ أفظع وأهول من حيث هو متوقَّعٌ عظيمٌ، و﴿نُكْرًا﴾ أبينُ (^١) في الفساد؛ لأن مكروهه قد وقع (^٢).
ومَن غفل عن هذا قال: ولعلَّ تغيير النَّظم بأنْ جُعل خرقُها واعتراضُ موسى ﵇ مستأنفًا، وفي الثَّانية جُعل قتله من جملة الشَّرط واعتراضُه جزاءٌ؛ لأنَّ القتل أقبح، والاعتراضَ عليه أَدْخَلُ، فكان جديرًا بأنْ يُجعل عمدة الكلام (^٣). فالوجه في التَّغيير ما قد عرفتَه من أن تعقيب القتل للِّقاء دون الخرق للركوب اقتضى ذلك.
* * *
(٧٥) - ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ في زيادة ﴿لَكَ﴾ مشافهةٌ بالعتاب زجرًا وإغلاظٌ ليس في الأوَّل؛ لأنَّ مُواقعةَ التَّساؤل في ثانيهِ بعد التَّقدُّم إلى ترك السُّؤال واعتذارٍ بالنِّسيان أقطع وأفظع في مخالفة ما كان أَخذ على نفسه من الصَّبر وعدم العصيان.
* * *
(٧٦) - ﴿سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾.
﴿سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾: بعد هذه المرَّة، أو هذه المسألة.
_________________
(١) في (ف): "بين ".
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٥٣٢)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٨٩).
[ ٦ / ٣٠٣ ]
﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ وإن طلبت صحبتك، وقرئ: (فلا تُصْحِبْنِي) (^١)، قال الكسائي: فلا تتركني أصحبك (^٢).
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾؛ أي: بلغْتَ مِن قِبَلي مبلغًا تُعذَر به في ترك مصاحبتي.
وعن رسول الله ﷺ: "رحم الله أخي موسى استحيى فقال ذلك، ولو لبث (^٣) مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب " (^٤).
وقرئ: ﴿لَدُنِّي﴾ بتخفيف النون وضم الدال، وبالتخفيف والسكون وفتح اللَّام، وبضمِّ اللَّام وسكون الدَّال (^٥).
_________________
(١) نسبت للجحدري والنخعي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨١).
(٢) انظر: "النكت والعيون" (٣/ ٣٣٠)، و"تفسير القرطبي" (١٣/ ٣٣٣).
(٣) في (م): "ثبت".
(٤) انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٣٦ - ٧٣٧)، ورواه أبو داود (٣٩٨٤)، والنسائي في "الكبرى" (١١٢٤٨)، من حديث أبي بن كعب ﵁، وورد نحوه من حديث أبيٍّ المتقدم عند البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠)، ولفظ مسلم: "رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجَّل لرأى العجب، ولكنَّه أخذته من صاحبه ذمامة، ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦]، ولو صبر لرأى العجب ".
(٥) قرأ نافع بضم الدال وتخفيف النون، وأبو بكر بإسكان الدال وإشمامها الضم وتخفيف النون، والباقون بضم الدال وتشديد النون. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٥). وقال أبو بكر بن مجاهد: (وروى أبو عبيد عن الكسائي عن أبي بكر عن عاصِم في كتاب القراءات: (لُدْني) بضم اللَّام وتسكين الدَّال وهو غلط). فقال أبو علي الفارسي: (يشبه أن يكون التغليط من أبي بكر أحمد في وجه الرواية، فأما من جهة اللغة ومقاييسها فهو صحيح). وذكرها الأزهري وقال: (هي لغة لبعض العرب، كان الضمة في الدال، فنقلت إلى اللام). انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٦)، و"معاني القراءات" للأزهري (٢/ ١١٧)، و"الحجة" للفارسي (٥/ ١٦٢).
[ ٦ / ٣٠٤ ]
وقرئ: (عُذُرًا) بضمَّتين (^١).
* * *
(٧٧) - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾: قرية (^٢) بجزيرة الأندلس، روي ذلك عن أبي هريرة (^٣). وقيل: بالجزيرة الخضراء، وقيل: إنها برقة، وأما ما قيل: إنها أنطاكية، وما قيل: إنها أُبُلَّة (^٤)، وبصرة، فمبناه على أن يكون أحد البحرين بحرَ فارسَ، وقد عرفتَ ما فيه.
وقيل: إنها باجروان أرمينية، وذلك على (^٥) ما قيل: إنَّ البحرين بنهر الكرِّ والرسِّ (^٦).
﴿اسْتَطْعَمَا﴾ الاستطعام: سؤال الطَّعام (^٧)، والمراد به هنا بقرينة آخر الكلام: سؤالُ الضِّيافة والقِرى.
﴿أَهْلَهَا﴾ كرَّر ذكر الأهل تعظيمًا لهم، ولأنَّ المراد من الأهل في الأوَّل:
_________________
(١) نسبت لعيسى. انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٥٣٣)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٣٣٧).
(٢) "قرية": ليست في (ك) و(م).
(٣) انظر: " المحرر الوجيز" (٣/ ٥٣٣)، و"تفسير القرطبي" (١٣/ ٣٣٤).
(٤) في (ك): "ايليا". وقد اختلفت المصادر فيها بين: (أَيْلة) و(الُابُلة). انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٣٣٤).
(٥) "على" زيادة من (ك).
(٦) في (ك): "والراس"، وقد تقدم أنه تحريف.
(٧) في (ك): "للطعام".
[ ٦ / ٣٠٥ ]
البعض، كما هو المتبادِر المعتاد، والمراد به في الثَّاني: الكل، فكان المناسبُ إعادتَه باسمه الظَّاهر؛ لأنَّ الظَّاهر من الضَّمير عوده على ما ذكر أوَّلًا بعينه، وعن النبي ﷺ: "لئامًا (^١)، فطافا في المجالس فاستَطعما" (^٢).
﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ وقرئ: (أن يُضِيْفُوهما) (^٣). يقال: ضافَه: إذا كان له ضيفًا، وأضافه وضيَّفه: أنزله وجعله ضيفَه، هذا حقيقة الكلام، ثم شاع الضِّيافة كنايةً عن القِرى والإطعام، وبهذا انطبق مقتضى المقام.
﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ الانقضاض: السُّقوط بسرعة، وانقضَّ: انفعل، مطاوع قضَضْتُه، وقيل: افعلَّ من النَّقض، كاحمرِّ من الحمرة.
وقرئ: (أن يُنْقَضَ) (^٤)، و(أن ينقاصَ) بالصَّاد المهملة (^٥)، من انقاصَت السن: إذا انشقت طولًا، والإرادةُ مستعارة للمشارَفة كالهم والعزم.
﴿فَأَقَامَهُ﴾ ذكر في الحديث المارِّ ذكرُه "أنَّه قال بيده "؛ أي: أشار إليه بها، وهو الأشبه بسائر أفعاله.
_________________
(١) في (ك): "لئام "، والمثبت موافق لرواية مسلم.
(٢) هو إحدى روايات حديث أبي بن كعب السابق الذي ساق المصنف أطرافًا منه، رواها مسلم (٢٣٨٠).
(٣) نسبت لابن الزبير وأبي رزين وأبي رجاء وسعيد بن جبير. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص:٨١).
(٤) بلا نسبة في "المحتسب" (٢/ ٣١)، ونسبت لأبي بن كعب في "المحرر الوجيز" (٣/ ٥٣٤)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٣٣٩).
(٥) نسبت لابن مسعود ﵁، وكذا: (ينقاض) بالضاد المعجمة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨١).
[ ٦ / ٣٠٦ ]
﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ﴾ افْتَعَل من تَخِذَ، كاتَّبع من تَبِع، وليس من الأخذ عند البصريين، وقرئ: ﴿لَاتَّخَذْتَ﴾ (^١)؛ أي: لأخذْتَ، واختلفوا في إظهار الذَّال وإدغامها (^٢).
﴿عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ كانت الحالُ حالَ اضطرار وافتقار إلى المَطعم، وقد أَلزمتهما (^٣) الحاجة إلى آخر كسب المرء، وهو المسألة، فلم يجدا مواسيًا، فلمَّا أقام الجدار لم يتمالك موسى ﵇ لِمَا رأى مِنَ الحِرْمان ومساس الحاجة أن قال ذلك، وبما قرَّرناه تبيَّن وجه تقديم استطعامهما عن أهل القرية وإبائهم (^٤) التضييف.
* * *
(٧٨) - ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.
﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾؛ أي: هذا الاعتراضُ الأخير سببُ فراقنا بحكم ما شرطْتَ على نفسك.
وإضافة الفراق إلى البَيْن إضافةُ المصدر إلى الظَّرف على الاتِّساع، وقرئ على الأصل (^٥).
_________________
(١) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٥).
(٢) أظهرها ابن كثير وحفص، وأدغمها باقي السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ٤٤).
(٣) في (ف): "لزمتهما"، وفي (ك) و(م): "لزمتها". والصواب المثبت.
(٤) زاد في (ك): "عن".
(٥) أي: (فراقٌ بيني وبينَك)، ونسبت لابن أبي عبلة. انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٤٠)، و"زاد المسير" (٥/ ١٧٨)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٣٤٢).
[ ٦ / ٣٠٧ ]
تكريرُه بالإضافة إلى أحدهما مرَّة، وإلى الآخر أخرى مع كفاية: بيننا؛ لمعنى التَّأكيد. قاله سيبويه (^١).
وقال ابن عباس ﵄: كان قول موسى ﵇ في السَّفينة والغلامِ لله تعالى، فلم يكن سببًا للفراق، وكان قوله في الجدار لنفسه في طلب شيءٍ من الدُّنيا فكان سببًا له (^٢).
﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾: سأخبرك بما في باطن ما لم تقدر أن تصبرَ عليه لكونه منكرًا، أو غير مناسِبٍ للحال بحسب الظَّاهر. والسِّين للتَّأكيد.
* * *
(٧٩) - ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾.
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ لقومٍ ضعفاء لعارضتهم البدنيَّة كالزَّمانة والعمى والخرس، أو لعجزهم عن دفع الظلم، وهذا كما تقول لرجلٍ غنيٍّ وقع في وهلةٍ أو خَطْبٍ: مسكين؛ مرحمةً لحاله وشفقةً عليه، فلا دلالة فيه على أن المساكين تُطلق على مَن يملك مالًا إذا لم يكفه.
﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ قد مرَّ ما يتعلَّق بتعيين البحر.
﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أجعلَها ذاتَ عيب، تفريع على كون السَّفينة للمساكين.
وقوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ﴾ كالتَّعليل للتَّفريع، ومجيئه بالواو كثير في القرآن؛ منها قوله
_________________
(١) انظر: "الكتاب" (٢/ ٤٠٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٢١).
[ ٦ / ٣٠٨ ]
تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، فعلى هذا نظمُ الكلام في غاية الحُسن، ومَن لم يتنبَّه له تكلَّف في توجيهه (^١).
﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ﴾: أمامَهم، وقد قرئ به (^٢)، أو خلفَهم وكان رجوعهم إليه.
﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صحيحةٍ سالمةٍ، وقد قرئ بكلٍّ منهما (^٣).
﴿غَصْبًا﴾ من صاحبها.
* * *
(٨٠) - ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾.
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ﴾ فيه تغليبٌ.
﴿مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾: يُغْشيهما ﴿طُغْيَانًا﴾ عليهما ﴿وَكُفْرًا﴾ لنعمتهما بعقوقه (^٤)، ويُلحق بهما شرًّا، ويقرنَ بإيمانهما طغيانَه وكفره (^٥)، فيجتمعَ في بيت واحد مؤمنان وطاغٍ كافرٍ.
أو يُعديَهما بدائه (^٦)، ويضلَّهما بضلاله، فيرتدَّا بسببه، ويَطغَيَا ويكفرا بعد الإيمان.
_________________
(١) في (ك) و(م): "يتكلف في توجيهه ".
(٢) قرأ بها ابن عباس ﵄ كما رواه عنه البخاري (٣٤٠١)، ومسلم (٢٣٨٠).
(٣) قرأ ابن عباس: (صالحةٍ) كما في رواية الصحيحين السابقة، أما قراءة: (سالمة) فلم أقف عليها.
(٤) تحرفت في النسخ إلى: "بعقوبة"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٧٤١)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٩٠).
(٥) في (م): "وكفرانه".
(٦) في النسخ: "بذاته"، والمثبت من "الكشاف"، وفي "تفسير البيضاوي": (بعلته).
[ ٦ / ٣٠٩ ]
أو بممالأته إيَّاهما (^١) على طغيانه وكفره حبًّا.
وإنَّما خشيَ ذلك لأن الله تعالى أعلمه.
وقرئ: (فخافَ ربُّك) (^٢)؛ أي: كَرِه كراهةَ مَن خاف سوءَ عاقبته (^٣).
قيل: ويجوز أن يكون قوله: ﴿فَخَشِينَا﴾ حكايةَ قوله تعالى، ولا يلائمه.
* * *
(٨١) - ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾.
﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾: أن يرزقَهما بدله ولدًا.
﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾: طهارةً من الذُّنوب والأخلاق الرديَّة.
﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ والرَّحمةُ مصدران كالكُثْرِ والكَثْرةِ؛ أي: رحمة وعطفًا لديه، وقرئ: (رَحِمًا) بالتَّخفيف (^٤).
نتصابه على التَّمييز، و(أفعل) هنا ليس للتَّفضيل؛ لأنَّ ذلك الغلام الكافرَ فيه، والمناسب للمقام أن لا يكون فيه رُحْمًا أيضًا، على أنَّ التَّفضيل بين
_________________
(١) كذا في النسخ، والصواب: (بممالأتهما إياه)، وفي "تفسير البيضاوي": (بممالأته) وإسقاط (إياه)، وهو صواب أيضًا.
(٢) هي قراءة ابن مسعود ﵁. رواها عنه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٥٧). ونسبت لأبي بن كعب ﵁. انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٥٧)، و"الكشاف" (٢/ ٧٤١).
(٣) في (ف): "عاقبته ". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" مع حاشية الشهاب (٦/ ١٩٩)، وقال الشهاب: قوله: كراهة من خاف سوء عاقبة؛ أي: ككراهته، إشارة إلى أنه استعارة إذ الخوف لا يليق بجنابه تعالى، وقيل: إن الخوف مجاز مرسل عن لازمه وهو الكراهة.
(٤) نسبت لابن عباس ﵄. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٠).
[ ٦ / ٣١٠ ]
التَّمييزين (^١) بحمل أحدهما على التَّفضيل دون الآخر، لا يخلو عن نوعِ خللٍ في حسن النَّظم.
* * *
(٨٢) - ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هي القرية المذكورة قبلها.
﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾: هو كلُّ مالٍ مدخور (^٢) من ذهب وفضة، وروي مرفوعًا أنه كان ذهبًا وفضة (^٣).
وعن قتادة: أُحِلَّ الكنز لمن قبلنا وحُرِّمَتِ الغنيمة (^٤).
ولا دلالة فيه على أنَّه كان للأب الصَّالح حتى يُحتاج إلى الاعتذار بأنَّ الكنز المذموم ما لا تُؤدَّى زكاته.
﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ اعتداد بصلاح أبيهما، وحفظ (^٥) لحقِّه فيهما.
قيل: كان بينهما وبين الأب الصَّالح سبعة آباء.
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾: قوَّتهما. قال الجوهري: هو ما بين ثماني
_________________
(١) في (م): "التمييز".
(٢) في (ك): " مذخور".
(٣) رواه الترمذي (٣١٥٢) من حديث أبي الدرداء ﵁. وقال: غريب.
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٤٠٧)، وروى الطبري شطره الأول في "تفسيره" (١٥/ ٣٦٥).
(٥) في (م): "وحفظه".
[ ٦ / ٣١١ ]
عشرة إلى ثلاثين (^١). والمراد: الإدراك إلى قوَّة الرَّأي لا إلى الحُلُم.
﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ يعني: أراد الله تعالى بقاءَ ذلك المال مدفونًا محفوظًا عن أيدي التغلُّب إلى زمان بلوغهما مبلغَ الرِّجال الكاملينَ في الرَّأي، القادرين على استخراج الكنز سالمًا عن تعدِّي الغير، فإنَّ الصِّبيان والرِّجال العاجزين عن التَّدبير لا يقدرون على ذلك.
أسند الإرادة أوَّلًا إلى نفسه وإلى الله تعالى؛ لأنَّ التبديل بمباشرته إهلاكَ الغلام، وخلقِ اللهِ تعالى البدل، وثالثًا إلى الله تعالى وحده لأنَّه لاْ مدخل له أصلًا في بلوغ الغلامين أشدَّهما، ولأنَّ الأوَّل شرٌّ، والثَّالث خيرٌ، والثَّاني ممتزجٌ.
ولك أن تقول: في إضافة الفعل إلى نفسه على صيغة الانفراد نوعُ قصور في مراعاة أدب الكلام، فلا يُلتزم (^٢) إلا لعلَّة، وهي موجودة في الأوَّل ومفقودةٌ في الثَّاني، ولا مجال للإضافة إلى نفسه في الثَّالث، وتلك العلَّة صونُ جناب العزَّة أن يُعزَى إليه ما هو شرٌّ ظاهر.
﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: نعمةً منه، وهي المالُ الحاصل بالسُّهولة، الواصلُ إلى صاحبه بلا كُلْفةِ الكسب.
وانتصابه على الحال، وقيل: مفعولٌ على أنَّ الرَّحمة بمعناها الشائع، أو مصدرٌ منصوب بـ ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ لأنَّه بمعنى: رحمهما، وأما تعلُّقه بمحذوف تقديره: فعلتُ ما فعلتُ رحمةً من ربِّك، فلا يلائمه قوله:
﴿وَمَا فَعَلْتُهُ﴾، أي: ما فعلْتُ ما رأيتَه ﴿عَنْ أَمْرِي﴾: عن رأي، إنَّما فعلتُه بأمر الله تعالى.
_________________
(١) انظر: "الصحاح" (مادة: شدد).
(٢) في (ك): "يلزم ".
[ ٦ / ٣١٢ ]
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أصله: تَستطع، فحذف التَّاء تخفيفًا.
* * *
(٨٣) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ اليهود امتحانًا، أو مشركو مكَّة.
﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ هو إسكندر الملك اليوناني المقدوني، وتلقيبُه بذي القرنين لِمَا روي مرفوعًا أنَّه مَلَكَ قَرْنَي الدُّنيا شرقَها وغربها (^١)، قال الشَّاعر وهو التُّبَّعُ اليماني:
قد كان ذو القرنين جدِّي مسلمًا … ملكًا تدينُ له الملوكُ وتسجدُ
بلغَ المشارقَ والمغاربَ يبتغي … أسبابَ أمرٍ من حكيمٍ مرشدِ (^٢)
وما قيل: إنه إسكندر الرُّومي ملك فارس والرُّوم، مردودٌ بأنَّه تلميذ أرسطو، ومذهبه مذهب الفلاسفة، وذو القرنين هذا لا شبهة في إسلامه وولايته، إنَّما (^٣) الخلاف في نبوَّته.
قال القرطبي: والظَّاهر من علم الأخبار (^٤) أنَّ إسكندر اثنان:
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٤٣). وقال ابن حجر في "الكافي الشاف" (ص: ١٠٤): (لم أجده مرفوعًا، وإنما رواه الدارقطني في "المؤتلف" من رواية عبد العزيز بن عمران، عن سليمان بن أسيد، عن الزهري قال: إنما سمي ذا القرنين لأنَّه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرن الشمس من مطلعها).
(٢) انظر: "فتوح مصر" (١/ ١٠٣)، و"تاريخ دمشق" (١٧/ ٣٣٢)، و"تفسير القرطبي" (١٣/ ٣٧٠). مع اختلاف في بعض ألفاظه.
(٣) في (ف): "وإنما".
(٤) في (ف): "العلماء الأخبار"، وفي (ك) و(م): "الأخبار"، والمثبت من "تفسير القرطبي".
[ ٦ / ٣١٣ ]
أحدهما: كان على عهد إبراهيم ﵇، وهو الذي قضى له حين تحاكموا في بئر السبع بالشام.
والآخر: كان قريبًا من عهد عيسى ﵇ (^١).
﴿قُلْ﴾ في جوابهم: ﴿سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ﴾ من ذي القرنين ﴿ذِكْرًا﴾: خَبَرًا.
* * *
(٨٤) - ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾.
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أعطيناه التَّمكين فيها، وزيادةُ اللام للاختصاص.
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من مهمَّات الملك ﴿سَبَبًا﴾ أصل السَّبب: الحبل (^٢)، ثمَّ تُوسِّع فيه حتى صار يُطلَق على ما يُتوصَّل به إلى الغرض.
* * *
(٨٥) - ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾.
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ الفاء فصيحة، تقدير الكلام: أراد بلوغ المغرب فاتَّبع طريقًا يوصله إليه حتى بلغ. وقرئ بقطع الألف مخفَّفة التَّاء (^٣).
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٣٦٦). ووقع في النسخ: "موسى ﵇ "، والمثبت من المصدر.
(٢) في (ف): "الجعل".
(٣) قرأ الكوفيون وابن عامر: ﴿فَأَتْبَعَ﴾ ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ﴾ ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ﴾ في الثلاثة بقطع الألف مخففة التَّاء، والباقون بوصل الألف مشددة التاء. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٥).
[ ٦ / ٣١٤ ]
(٨٦) - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾؛ أي: كثيرةِ الحَمْأة، وهي الطِّينة السَّوداء، من حَمِئَتِ البئر حَمَأً بالتَّحريك: إذا كثرَتْ حمأتُها (^١).
وقرئ: ﴿حامِيَةٍ﴾ (^٢)؛ أي: حارَة.
وقيل: لا تَنافيَ بينهما؛ لجواز أن تكون العين جامعةً للوَصْفَين، أو تكون ﴿حَمِئَةٍ﴾ من الحمأة، فخفِّفَتِ الهمزة وقُلِبَتْ ياء لانكسار ما قبلها، ويأبى عن ذلك ما جرى بين ابن عباس ومعاوية ﵄.
وتفصيلُه على ما ذكره القرطبي: أنَّ ابن عباس ﵄ قال: أقرأنيها أبيٌّ كما أقرأه رسول الله ﷺ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾، وقال معاوية ﵁: هي ﴿حامِيَةٍ﴾، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃: وأنا مع أمير المؤمنين، فجعلوا كعبًا بينهم حكمًا، وقالوا: يا كعب، كيف تجدها في التَّوراة؟ فقال: أجدها: تغرب في عينٍ سوداء، فوافقَ ابنَ عبَّاس ﵄ (^٣).
فإنه على تقدير التَّوفيق بين القراءتَيْن على أحد الوجهَيْن المذكورَيْن لَمَا تمشَّى الخلاف المزبور، ففيه تجهيل لهؤلاء الأعلام.
_________________
(١) في القرطبي: (حَمَأْتُ البئرَ حَمْأً - بالتسكينِ -: إذا نَزَعْتَ حَمْاتها، وحَمِئتِ البئرُ حَمَأً - بالتحريك -: كَثُرَت حَمْأَتُها).
(٢) قرأ بها ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٥).
(٣) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٣٦٩). والخبر رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٤١١)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٧٥)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ١٦٤ - ١٦٥).
[ ٦ / ٣١٥ ]
وما ذكره القفَّالُ: ليس المراد أنَّه انتهى إلى الشَّمس غربًا وشرقًا حتى وصل جِرمها؛ لأنَّها تدور مع السَّماء حولَ الأرض من غير أن تلتصق بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عينٍ من عيونها، بل هي أكبر منها أضعافًا مضاعفة (^١) = مبناه على أصولٍ فلسفيَّةٍ لا تعويل عليها (^٢).
ومنهم مَن تعمَّق وقال: لعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك، إذ لم يكن في مطمحِ بصره غير الماء، ولذلك قال: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾، ولم يقل: كانت تغرب.
ويرِدُ عليه أن الوجدان يدل على الوجود، ولو كان المعنى على ما ذكر لقيل: رآها تغرب، ثم إن في إطلاق العين على البحر المحيط ما لا يخفى على ذي بصيرة.
﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا﴾ عند تلك العين ﴿قَوْمًا﴾ كانوا كفَّارًا، فخيَّره فيهم بين الأمرين.
﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ مَن قال: إنَّه كان نبيًّا تمسَّك بهذا الخطاب، ومَن أنكره قال: كان الخطاب على لسانِ نبيٍّ في عهده، واحتمالُ الإلهام لا يجدي؛ لأنَّ الدَّعوة إلى الحقِّ لا تكون إلَّا من نبيٍّ أو نائبه.
﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ بالقتل على الكفر ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ﴾ لم يقل: لهم، دلالةً على الثُّبوت والاستقرار.
﴿حُسْنًا﴾، أي: ذا الحسنَى فيهم، دعوتهم إلى الله تعالى وتوحيده.
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٣٧٠).
(٢) بل ما قاله القفال ﵀ هو الأقرب إلى الصواب عدا ما ذكره من كون الشمس تدور حول الأرض، وتتمة كلامه كما في المصدر السابق: (بل المرادُ أنَّه انتهَى إلى آخِرِ العِمَارةِ مِن جهة المغربِ ومن جهةِ المشرِقِ، فوجدها في رأْيِ العين تَغْرُبُ في عينٍ حَمِئَةٍ، كما أنَّا نشاهدُها في الأرضِ الملساءِ كأَنَّها تدخلُ في الأرضِ …).
[ ٦ / ٣١٦ ]
وما قيل: خيَّر الله تعالى بين القتل والأسر، وسمَّاه: إحسانًا في مقابلةِ القتل - يأباه قوله: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾؛ لأنَّه دلَّ على أنَّه آثر الدَّعوة، وقد كان في التخيير (^١) بلفظ: ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (^٢)، وإضمارِ متعلَّق التَّعذيب مع إظهار متعلَّق الحسنى، إيماءٌ إلى ترجيح الشِّقِّ الثَّاني، فنبَّه له (^٣) وآثر ما يحقُّ الإيثار.
* * *
(٨٧) - ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾.
﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾: أمَّا مَن دعوتُه فظلمَ نفسه بعدم قَبول الدَّعوة والاستمرار على الكفر.
﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أتى بحرف التسويف إشعارًا بما يتخلل بين اختيارهم عدم قَبول الدَّعوة وتعذيبِهم بالقتل من الإمهال بتكرار الدَّعوة إظهارًا لإصرارهم على الكفر.
وبنون العظمة في ﴿نُعَذِّبُهُ﴾ على عادة الملوك في قولهم: نحن فعلنا.
﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ كان خطابه لأتباعه، فإنَّه تعالى لَمَّا خَيَّرَه بينَ الأمرَيْنِ المذكورَيْنِ أعلم بذلك أتباعه.
[وقيل: فيه إشعار بأنَ التَّخْييرَ لذي القرنين ليس مِن اللهِ تعالى، إذ لو كان كذلك لكانَ التَّركيبُ] ثم يُرَدُّ إليك [فتعذبه] (^٤).
﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابًا نُكْرًا﴾: عذابًا منكرًا لم يُعهد مثلُه.
_________________
(١) في (ك) و(م): "التنجيز".
(٢) في النسخ: "إما أن تتخذ فيهم حسنى".
(٣) في (ف): "فسر له "، وفي (ك): "فسهله".
(٤) ما بين معكوفتين مستفاد من "البحر" (١٤/ ٣٥٩)، ولا يستقيم السياق إلا بمثله.
[ ٦ / ٣١٧ ]
(٨٨) - ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾.
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ مما يقتضيه الإيمان ﴿فَلَهُ﴾ في الدَّارين.
﴿جَزَاءً الْحُسْنَى﴾: جزاءُ الفعْلةِ الحُسنى.
وقرئ منوَّنًا منصوبًا على الحال (^١)؛ أي: فله المثوبةُ الحسنى مجزيًّا بها، أو على المصدر لفعله المقدَّر حالًا؛ أي: يُجزى بها جزاءً، أو على التَّمييز.
وقرئ منصوبًا غيرَ منوَّن (^٢)، على أنَّ تنوينه حُذِفَ لالتقاء السَّاكنين، ومنونًا مرفوعًا (^٣)، على أنه المبتدأ والخبر [الجارُّ والمجرور، و﴿الْحُسْنَى﴾ بدله] (^٤).
﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا﴾: ممَّا نأمرُ به ﴿يُسْرًا﴾: قولًا ذا يسر. وقرئ بضمَّتين (^٥).
قيل: ويجوز أن تكون ﴿أَمَّا ﴿وَأَمَّا﴾ للتَّقسيم دون التَّخيير؛ أي: ليكن شأنك معهم إمَّا التَّعذيب وإمَّا الإحسان؛ فالأوَّل لمن أصرَّ على الكفر، والثَّاني لمن تاب.
ويأباه تصدير الجواب بـ ﴿إِمَّا﴾ التَّفصيليَّة؛ لأنَّه يستدعي لسبق (^٦) الإجمال، وعلى ما ذكر إجمال في الكلام السابق.
_________________
(١) وهي قراءة حفص وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٥).
(٢) نسبت لابن عباس ﵄. انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٥٤٠)، و"البحر المحيط " (١٤/ ٣٦١).
(٣) نسبت لعبد الله بن أبي إسحاق. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٤٧١)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٥٤٠)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٣٦١).
(٤) ما بين معكوفتين مستفاد من المصادر. انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٩٢)، و"البحر" (١٤/ ٣٦١)، و"روح المعاني" (١٥/ ٥٥٨).
(٥) أي: (يُسُرأ)، قرأ بها أبو جعفر حيث وقعت. انظر: "النشر" (٢/ ٢١٦).
(٦) في (ف): "سبق".
[ ٦ / ٣١٨ ]
(٨٩) - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾.
﴿(٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾: ثم اتَّبع طريقًا، وهو الذي يوصله إلى المشرق، [وقرئ] (^١) بقطع الألف مخففة التاء.
* * *
(٩٠) - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ يعني: الموضعَ الذي تطلع الشَّمس عليه (^٢) أوَّلًا من معمورة الأرض. وقرئ بفتح اللَّام (^٣).
قال الجوهري: والمطلع أيضًا (^٤): موضعُ طلوعها (^٥). فلا حاجة إلى إضمار مضاف.
﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾؛ أي: حجابًا يستترون به عند طلوعها، قيل (^٦): لا جبلَ فيها ولا شجر ولا مأوى، ولا لهم ثوب يسترهم، فإذا طلعت عليهم الشمس دخلوا في الأسراب - وقيل: في النَّهر - فإذا ارتفعت عنهم خرجوا إلى معايشهم.
* * *
_________________
(١) ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق، وقد تقدم تخريج القراءتين في الموضع الأول.
(٢) في (ف): "تطلع فيه الشمس".
(٣) نسبت للحسن وعيسى وابن محيصن. انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٥٤٠)، و"زاد المسير" (٥/ ١٨٧)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٣٦١).
(٤) في (ك): "والمطلع هنا"، والمثبت من باقي النسخ والمصدر.
(٥) انظر: "الصحاح" (٣/ ١٢٥٣) (مادة: طلع).
(٦) في (ف): "وقيل".
[ ٦ / ٣١٩ ]
(٩١) - ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: أمرُ ذي القرنين كذلك؛ أي: كما وصفناه في رِفعة المكان وبَسطة الملك.
و[قيل] (^١): لم نجعل لهم من دونها سترًا مثلَ ذلك السِّتر الذي جعلنا لكم من الجبال والحصون والأبنية والأكنان من كلِّ جنس، والثِّياب من كلِّ صنف.
﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ﴾ من العَدد والعُدد.
﴿خُبْرًا﴾ تكثيرًا كذلك؛ يعني: أن كثرة ذلك بلغت مبلغًا لا يحيط به إلَّا علم اللَّطيف الخبير.
* * *
(٩٢) - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾.
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ ثم اتَّبع طريقًا آخر، وهو المعترض بين المشرق والمغرب، آخذًا (^٢) من الجنوب إلى الشَّمال.
* * *
(٩٣) - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ هما على ما ذكره وهبٌ: جبلان متَّسعان في السَّماء أملسان، يزلق عليهما كلُّ شيءٍ (^٣).
_________________
(١) ما بين معكوفتين من "الكشاف" (٢/ ٧٤٥).
(٢) في (ف): "أخذ".
(٣) انظر: "زاد المسير" (٥/ ١٨٩). وفيه: "هما جبلان منيفان في السماء" دون "أملسان يزلق عليهما كل شيء". وروى نحوه مرفوعًا أبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٦٨). والمنيفان:=
[ ٦ / ٣٢٠ ]
وإنَّما سُمِّيا سدَّين لسدِّهما فجاج الأرض، وكانت بينهما فجوة يلج (^١) فيها يأجوج ومأجوج، وهذا المكان في منقطع أرض التُّرك.
وما قيل: هما جبلا أرمينية وأذربيجان؛ وهمٌ.
وقرئ: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بالضَّم (^٢).
قال الكسائي: هما لغتان، كالمَكْث والمُكْث.
وقال أبو عمرو: السَّدُّ بالفتح: الحاجز بينك وبين الشَّيء، وبالضَّمِّ: الغشاوة في العين (^٣).
ولهذا قال مَن قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو بالفتح، وما كان من صنعة الله تعالى فهو بالضَّم.
وانتصب ﴿بَيْنَ﴾ على أنه مفعولٌ به؛ لأنَّه من الظروف المتصرفة.
﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا﴾ اختلف في عددهم وصفاتهم، ولم يصحَّ في ذلك شيء.
﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾: لا يفقهونه من إشارة ونحوها إلَّا بجهد ومشقَّة، فإنَّ زيادة (يكاد) قد تكون لإفادة هذا المعنى، كما في ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، وذلك لقلَّة فطنتهم، وأما غرابة اللغة فلا يصح علةً لهذا.
_________________
(١) = المرتفعان كما قال الشهاب في "الحاشية" (٦/ ١٣٤).
(٢) في (م) و(ف): "تلج ".
(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص بفتح السين وباقي السبعة بضمها. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٥).
(٤) انظر القولين في "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٣٠٦).
[ ٦ / ٣٢١ ]
وقرئ: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ (^١)؛ أي: لا يُفْهِمون السَّامعَ كلامَهم، أو لا يبينونه (^٢) إلَّا بمشقة لغرابة لغتهم أو لَثْغتهم.
* * *
(٩٤) - ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾.
﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ دلَّ هذا الخطاب على أنَّه لقبُ تعظيم، وهو في المعنى الذي ذكرناه فيما سبق دون غيره من المعاني المذكورة في التَّفاسير، وقدرةُ ذي القرنين على فهم قولهم وتفهُّمهم من جملة الأسباب التي آتاه الله تعالى.
﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ اسمان لقبيلتين من ولد يافث، ممنوعا الصَّرف، ولا دلالة فيه على عجميَّتهما لوجود علَّتين أخريين: التَّأنيث والعلميَّة. وقرئا مهموزين (^٣).
قال الأخفش: مَن همز جعل الألف من الأصل، كأنه من أجيج النَّار، ومَن لم يهمز جعل الألف زائدة وقال: يأجوج من يَجَجْت [ومأجوج من مَجَجْت] (^٤).
وقال أبو عليٍّ: إن همز يأجوج فهو من أجَّت النَّار، وإن لم يهمز فيمكن أن
_________________
(١) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٥).
(٢) في (ف): "يثبتونه".
(٣) قرأ عاصم بهمزهما، وباقي السبعة بغير همز. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٦).
(٤) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٣/ ٥٧)، و"الصحاح" (مادة: أجج)، و"تفسير القرطبي" (١٣/ ٣٧٧). وما بين معكوفتين من المصادر.
[ ٦ / ٣٢٢ ]
يكون خفَّفَ الهمزة فقلبت ألفًا مثل: راس، وأما مأجوج فهو مفعول من أجَّ، وإن لم يُهْمَز فيجوز أن يكون على التَّخفيف وأن يكون فاعولًا من مَجَّ (^١).
﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالقتل والتَّخريب والإتلاف، قيل: كانوا يخرجون أيَّام الرَّبيع فلا يتركون أخضرَ إلَّا أكلوه، ولا يابسًا إلَّا احتملوه، وقيل: كانوا يأكلون النَّاس.
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ﴾ استفهام على جهة حُسن الأدب.
﴿خَرْجًا﴾: جعلًا، نخرجه من أموالنا (^٢).
وقرئ: ﴿خَراجًا﴾ (^٣)، قال أهل اللغة: الخَرْجُ: ما يُخرج من المال، والخَراجُ: ما يُخرج من الأرض، وقيل: كلاهما واحد كالنَّوْل والنَّوال.
﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ يمنعُهم من (^٤) الخروج علينا.
وقرئ: ﴿سَدًّا﴾ بالفتح والضم (^٥).
قال القرطبي: قال الخليل وسيبويه: الضمُّ هو الاسم والفتح المصدر، وقال عكرمة وأبو عمرو وأبو عبيدة: ما كان بخلق الله تعالى ولم يشاركه فيه أحد فهو بالضَّم، وما كان من صنع البشر فهو بالفتح، ويلزم أهلَ هذه المقالة أن يقرؤوا هنا
_________________
(١) انظر: "الحجة للقراء السبعة" لأبي علي الفارسي (٥/ ١٧٢)، وانظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٣٧٨).
(٢) في (ف) زيادة "امها"، وفي (م) زيادة "إنهابًا". والمثبت من (ك) و" الكشاف" و"تفسير البيضاوي".
(٣) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٦).
(٤) في (ف): "عن ".
(٥) قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بالضم، وباقي السبعة بالفتح. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٦).
[ ٦ / ٣٢٣ ]
بالفتح، وفيما (^١) سبق [﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾] بالضَّم، وهي قراءة حمزة والكسائي (^٢).
والعجب أنَّ الكسائي ينكر الفرق بينهما معنى، فحقُّه أن لا يخصِّص أحدهما بموضع والآخر بموضع آخر، وأبو عمرو يعترف بالفرق وموجَبُه التَّخصيص المذكور، فكلٌّ منهما أخذَ ما هو حقُّ صاحبه.
* * *
(٩٥) - ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾.
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾: ما جعلني فيه مكينًا من كثرة المال والملك ﴿خَيْر﴾ مما يبذلون لي من الخَرَاج، فلا حاجة.
وقرئ: ﴿مَكَّنَنِي﴾ على الأصل (^٣).
﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أراد معاونتهم بعمل اليد وبقوَّة البدن (^٤)، والتَّخصيصُ بقوَّة العمل من ضعف الفِطْنة، فكأنه قال: رفعتُ عنكم مؤنةَ المعونة بالمال، فأعينوني بخدمةٍ بلا أجر، وهذا من تأييد الله تعالى، حيث آثر ما هو أيسرُ في حقِّهم، وأنفعُ في حقِّه، وأسرع في قضاء الحاجة.
﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ الرَّدمُ: السَّدُّ المتراكِبُ، من قولهم: ثوب مُردَّم: إذا كان رقاعًا فوق رقاع.
* * *
_________________
(١) في (ف): "فيما".
(٢) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٣٨٤)، وما بين معكوفتين منه، وتقدمت القراءة في مكانها.
(٣) وهي قراءة ابن كثير. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٦).
(٤) في (ك): "بقوة البدن "، وفي (ف): "بقوة اليدين".
[ ٦ / ٣٢٤ ]
(٩٦) - ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.
﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ الزُّبر - بفتح الباء وضمها -: جمع زُبرة، وهي القطعة العظيمة، ولا يلزم أن يكون من الحديد، دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ [المؤمنون: ٥٣]، ولذلك قيَّده بالإضافة إلى الحديد، وإعطاؤها من قبيل تحصيل (^١) الآلة بالخدمة؛ لأنها ممَّا تحصل بمجرد العمل، فلا حاجة إلى صرف الإيتاء عن معناه إلى معنى المناولة، ولا دلالة على ذلك في قراءة: ﴿آتُونِي﴾ بكسر النَّون موصولة الهمزة (^٢)، على معنى: جيئوني (^٣).
والباء محذوفة حذْفَها في (أمرتك الخير)؛ لأنَّه هنا (^٤) في معنى الإعطاء غاية لا بعينه (^٥).
﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ في الكلام محذوفٌ تقديرُه: فأتوه بما طلب حتَّى إذا ساوى، يعني: البناء بَيْن الصَّدَفينِ، والصَّدفُ: الجبل المرتفع. ذكره الجوهري (^٦).
_________________
(١) في (ف): "تخصيص ".
(٢) قرأ أبو بكر: (ردمًا ائتوني) بكسر التنوين وهمزة ساكنة بعده من باب المجيء، وإذا ابتدأ كسر همزة الوصل وأبدل الهمزة الساكنة بعدها ياء. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٦).
(٣) في النسخ: "جئتموني "، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٩٣).
(٤) في (ك) و(م): "لأنَّه لا هنا".
(٥) في (ف): "غايته لا بعينه"، وفي (م): "غايته لا يعاينه".
(٦) انظر: "الصحاح" (مادة: صدف)، وفيه: "والصَدَفُ والصُدَفُ: منقطَعُ الجبلِ المرتفع، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ ".
[ ٦ / ٣٢٥ ]
وقرئ بضمَّتين، وبالضَّمِّ والسُّكون (^١)، وبالفتح والسُّكون (^٢)، وبفتح الأوَّل وضمِّ الثَّاني (^٣)، والكلُّ بمعنًى واحد.
﴿قَالَ انْفُخُوا﴾؛ أي: على زبر الحديد بالأكيار.
﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾؛ أي: جعل النَّفخُ ما نُفِخَ فيه كالنَّار بالإحماء.
﴿قَالَ آتُونِي﴾ فيه القراءتان اللَّتان في ﴿آتُونِي﴾ المتقدمة.
﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾: نحاسًا مُذابًا من القِطر؛ لأنَّه إذا أذيب قَطَرَ كما يقطر الماء، منصوب بـ ﴿أُفْرِغْ﴾، وتقديره: آتوني قطرًا أفرغ عليه قطرًا، فحُذف الأوَّل لدلالة الثَّاني عليه؛ إذ لو أُعمل الأوَّل لقيل: أفرغه؛ إذ لا يُضمر في الثَّاني على الفصيح.
* * *
(٩٧) - ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾.
﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ حذف التاء تخفيفًا لقربها من الطَّاء، وقرئ بالإدغام (^٤)، وهو على غير حدِّه؛ إذ لا يصحُّ إلَّا أن يكون قبل الإدغام متحرِّك أو حرف مدٍّ ولين، ولذلك قال أبو علي: هي غير جائزة (^٥).
وقرئ بقلب السِّين صادًا (^٦).
_________________
(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ بضمتين، وأبو بكر بضم الصَّاد وإسكان الدَّال، والباقون بفتحتين. انظر: " التيسير" (ص: ١٤٦).
(٢) نسبت لقتادة. انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٥٤٣)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٣٧٠).
(٣) نسبت للماجشون. انظر: "المحتسب" (٢/ ٣٤)، و" المحرر الوجيز" (٣/ ٥٤٣).
(٤) أي: بإدغام التاء في الطاء، وهي قراءة حمزة. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٦).
(٥) انظر: "الحجة للقراء السبعة" لأبي علي الفارسي (٥/ ١٧٨).
(٦) انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٤٨)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٣٧١).
[ ٦ / ٣٢٦ ]
﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾: أن يَعْلوه بالصُّعود لارتفاعه وانملاسه.
﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ لصلابته وثخانته.
* * *
(٩٨) - ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.
﴿قَالَ هَذَا﴾ إشارة إلى السَّدِّ ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ على عباده.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾، أي: فإذا دنا مجيء يوم القيامة وشارف أن يأتي، تفريع على ما ذُكِرَ؛ يعني لَمَّا كان وجوده رحمة ينعدم عند انتهاء زمان الرَّحمة بانقضاء المستحقِّين لها.
﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾: مدكوكًا مبسوطًا مسوًّى بالأرض، وكلُّ ما انبسط بعد ارتفاعه فقد اندكَّ، ومنه الجملُ الأدكُّ: المنبسط السَّنام.
وقرئ: ﴿دَكَّاءَ﴾ بالمدِّ (^١)، أي: أرضًا مستوية.
﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ كائنًا لا محالة، وهو آخر القصَّة.
* * *
(٩٩) - ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾.
﴿وَتَرَكْنَا﴾: جعلنا ﴿بَعْضَهُمْ﴾ بعض الخلق (^٢) ﴿يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ﴾ يضطرب ﴿فِي بَعْضٍ﴾ فيختلطون إنسُهم وجنُّهم (^٣) حيارَى.
_________________
(١) قرأ الكوفيون بالمد والهمز من غير ثنوين والباقون بالتنوين من غير همز. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٦).
(٢) في النسخ: "الحق "، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٧٤٨).
(٣) في النسخ: "السهم وجهنم". والمثبت من المصدر السابق.
[ ٦ / ٣٢٧ ]
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّور﴾ هذه النَّفخة نفخة الإنشاء، لا نفخةُ الإفناء، دلَّ على ذلك الفاء التَّعقيبيَّة في قوله:
﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ للحساب والجزاء، وما هو لقيام السَّاعة إنَّما هو نفخة الإفناء.
* * *
(١٠٠) - ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾.
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ﴾: وأبرزنا لهم.
﴿عَرْضًا﴾ أشار بتنكيره إلى خروجه عن حدِّ التَّعريف والبيان.
* * *
(١٠١) - ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾.
﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾: عن آياتي التي يُنظر إليها، فأُذكَرُ بالتَّوحيد والتَّعظيم.
﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾: استماعًا (^١) لذكري وكلامي لفرط صممهم عن الحقِّ، وهذا أبلغ من إثبات الصَّمم لهم؛ لأنَّ الاسم قد يستطيع السَّمع إذا صيح به (^٢).
* * *
(١٠٢) - ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾.
_________________
(١) في النسخ: "إسماعا"، والتصويب من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٩٤).
(٢) "به" من (ك).
[ ٦ / ٣٢٨ ]
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: (أفظنَّ الذين كفروا)، وقد قرأ كذلك ابن مسعود ﵁ (^١)، معطوف على قوله: ﴿كَانَتْ﴾ ﴿وَكَانُوا﴾ دلالةً على أن الحسبان ناشئ من التَّعامي والتَّصامِّ، وأُدخل عليه همزةُ الإنكار ذمًّا على ذمٍّ، وقطعًا له عن المعطوف عليهما لفظًا لا معنًى؛ للإيذان بالاستقلال المؤكِّد (^٢) للذَّم في قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، من وضع الظاهر مقام المضمَر زيادة للذَّم.
﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي﴾: هم (^٣) مَنْ عُبِدَ من الملائكة والمسيح وعزيرٍ ﵈.
﴿مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: أنَّهم لا يكونون أولياء كما حكي عنهم: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤١].
[وقرئ] (^٤): (أَفَحَسْبُ الذين كفروا) (^٥)؛ أي: أفكافيهم (^٦) ومُحْسِبُهم أن يتخذوهم أولياء، على الابتداء والخبر، أو على الفعل والفاعل؛ لأن النَّعت إذا اعتمد الهمزة ساوى الفعلَ في العمل.
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ استئناف لبيان خطأ حسبانهم، وفي جعل جهنَّم نزلًا
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٧٤٩)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٥٤٥)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٣٧٣).
(٢) في النسخ: "بالاستقلال المذكور"، والمثبت من "روح المعاني" (١٥/ ٥٨٦)، والكلام من "الكشف" على ما صرح به الآلوسي.
(٣) "هم "من (ك).
(٤) ما بين معكوفتين زيادة لتوضيح الكلام. وانظر: "الكشاف" (٢/ ٧٤٩).
(٥) نسبت لعلي بن أبي طالب وابن عباس ﵃. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٠)، و"الكشاف" (٢/ ٧٤٩).
(٦) في (ف) و(م): "أمكافيهم".
[ ٦ / ٣٢٩ ]
لهم - وهو ما يقام للنَّزيل (^١)؛ أي: الضيف - تهكُّمٌ بهم، وتنبيهٌ على أنَّ لهم وراءها من العذاب ما تُستعذب وتُستلذُّ جهنَّم بالنِّسبة إليه.
* * *
(١٠٣) - ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾.
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ نصب على التَّمييز، وجُمع لتنوُّع أعمالهم.
* * *
(١٠٤) - ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.
﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ضاع وبطل لكفرهم وإنكارهم الحشر.
قيل: هم الخوارج أهلُ حَرُوراءَ.
وقيل: هم الرُّهبان أصحاب الصَّوامع.
ويردُّهما قوله تعالى بعد ذلك: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، إذ ليس منهما مَن يكفر بلقاء الله تعالى والبعث والنَّشر.
ومحله الرَّفع على الخبر المحذوف، فإنَّه جواب السُّؤال، أو الجرُّ على الوصف، أو على البدل، أو النصب (^٢) على الذَّم.
﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ لعُجبهم واعتقادهم أنَّهم على الحقِّ.
* * *
(١٠٥) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ بدلائله المنصوبةِ على التَّوحيد والنُّبوَّة، أو: بالقرآن.
_________________
(١) في (ف) و(م): "للتنزيل ".
(٢) في (ف): "البدلية أو انتصب".
[ ٦ / ٣٣٠ ]
﴿وَلِقَائِهِ﴾ بالبعث على ما هو عليه، أو: لقاءِ عذابه.
﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ بكفرهم فلا ينتفعون بها، لا بنيل الثَّواب ولا بتخفيف العذاب.
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾: فلا نضع لهم ميزانًا لوزن (^١) أعمالهم؛ لانحباطها.
وقيل: فنزدري بهم ولا نجعل لهم مقدارًا واعتبارًا.
وَيرِدُ عليه: أنَّ حقَه حينئذ أن يعطف بالواو عطفَ أحدِ الفرعين على الآخر، لأنَّ منشأ الإزدراء بهم كفرُهم بآيات الله تعالى ولقائه، لا حبوطُ أعمالهم.
* * *
(١٠٦) - ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الأمر ذلك، وقو له: ﴿جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ جملةٌ مبيِّنة له.
ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأً، والجملة خبره، والعائد محذوف؛ أي: جزاؤهم به، أو ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ بدلُه، و﴿جَهَنَّمُ﴾ خبره، أو ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ خبره، و﴿جَهَنَّمُ﴾ عطف بيان للخبر.
﴿بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾؛ أي: بسبب ذلك، وقد تقدَّم تفسيره الهزو (^٢).
* * *
(١٠٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ﴾ فيما سبق مِن حكم الله ووعده.
_________________
(١) في (ف) و(ك) تحتمل: "بوزن" أو "يوزن "، وفي (م): "يوزن". والصواب المثبت.
(٢) في (ك) و(م): "تفسير الهزء". وتقدم تفسير كليهما عن قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾.
[ ٦ / ٣٣١ ]
﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ قد مرَّ معنى النزل وما فيه من التَّنبيه. و﴿الْفِرْدَوْسِ﴾: البستان الذي يجمع محاسن كلِّ بستان. قاله الزَّجَّاج (^١).
وروي مرفوعًا أنَّه أوسط الجنَّة وأعلاها (^٢).
* * *
(١٠٨) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ نصبٌ (^٣) على الحال، ولَمَّا كان ما ذكر في سابق تقديره تعالى لم يحتج هاهنا إلى تقدير.
﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾؛ أي: لا يطلبون عنها التَّحوُّل؛ إذ لا مزيد عليها حتى تنازعَهم إليه أنفسُهم، بل فيها جميع ما تشتهي أنفسهم، وهذه غاية الوصف.
والتَّحوُّلُ: التَّنقُّل من موضعٍ إلى موضعٍ، والاسم: الحِوَل. ذكره الجوهري (^٤).
وفيه تأكيد الخلود؛ لأنَّهم إذا لم يريدوا الانتقال عنهما لا يُنْقَلون (^٥)؛ لعدم الإكراه فيها.
* * *
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج (٣/ ٣١٥).
(٢) روى البخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "إن في الجنة مئة درجة، أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدَّرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنَّة وأعلى الجنَّة - أراه - فوقه عرش الرَّحمن، ومنه تفجر أنهار الجنَّة".
(٣) في (ك): "نصبه".
(٤) انظر: "الصحاح" (٤/ ١٦٨٠) (مادة: حول).
(٥) في (ك): "لا ينتقلون "، وفي (م): "لم ينتقلون".
[ ٦ / ٣٣٢ ]
(١٠٩) - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ هو في الأصل: الحاوي شيئًا بعدَ شيءٍ على اتِّصال، وصار اسمًا لكلِّ ما يُمَدُّ به الشَّيء على العموم، والمراد هنا: الحِبر، وهو اسم خاصٌّ لِمَا في المِحبرة.
﴿لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾: لكلماتِ علمه وحكمته.
﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾: لنفد جنسُ البحر؛ أي: لم يبقَ منه شيء؛ لتناهيه.
﴿قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ﴾ قرئ بالتَّاء والياء (^١).
﴿كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ لعدم تناهيها، وفي نفاده قبل نفادها لا يلزم تحقُّق نفادها بعد نفاده، ولذلك يقع الطَّلاق الواحد إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالقٌ واحدةً بعد واحدةٍ.
﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾: بمثلِ البحر الموجود مَددًا لنفد أيضًا، والكلمات أيضًا غيز نافدة؛ ضرورةَ أنَّ كلَّ ما يدخل تحتْ الوجود متناهي (^٢) المقدار، فلا بُدَّ مِنْ نفاده، بخلافِ ما لا نهاية له فإنَّه يستحيل نفادُه.
و﴿مَدَدًا﴾: تمييز، وهو مثلُ المداد، وقرئ: (مِددًا) بكسر الميم (^٣)، جمع مِدَّة، وهي (^٤) ما يَستمدُّه الكاتب فيَكتبُ به.
_________________
(١) قرأ حمزة والكسائي بالياء، والباقون بالتاء. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٦).
(٢) في النسخ: "متناه"، والصواب المثبت.
(٣) نسبت للأعرج. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٠).
(٤) في (ف): "وهو".
[ ٦ / ٣٣٣ ]
وقرئ: (بمثله مدادًا) (^١).
وسبب نزوله: أنَّ اليهود قالوا: في كتابكم: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وتقرؤون: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، فنزلَتْ. يعني أن ذلك خيرٌ كثيرٌ، ولكنَّه قطرةٌ من بحر كلمات الله تعالى (^٢).
* * *
(١١٠) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ في العجز عن الإحاطة عن كلماته (^٣)، إلَّا أنِّي أفارقكم بنزول الوحي عليَّ، وبعضِ الإحاطة بسببه.
﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ نبَّه على الوحدانيَّة؛ لأنَّهم كانوا كفارًا بقولهم: عزيرٌ ابن الله، ثمَّ حضَّ على ما فيه النجاة بقوله:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ الرَّجاء: توقُّع الخير في المستقبل، وهو الطَّمع أيضًا، لكنَّه يُستعمل في الأمور المحمودة.
وفرِّق بين الرَّجاء والاغترار: بأنَّ الرَّجاء يكون لمن مهَّد أسباب المرجوِّ، والاغترار لمن أخلَّ بها.
_________________
(١) نسبت لابن مسعود وابن عباس ﵃. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص:٨٠).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٦٢)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٥٤٦)، و"الكشاف" (٢/ ٧٥٠).
(٣) "عن كلماته" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (بكلماته).
[ ٦ / ٣٣٤ ]
والمراد من لقاء الله تعالى: كرامتُه، وتقدير المضاف على أن يكون الكلام: (حُسْنَ لقاء ربِّه) لا يغني عن هذا التَّجوُّز، وهذا يغني عنه.
﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ لائقًا لذلك الرَّجاء.
﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ قال ابن جبير: لا يرائي في عمله، ولا يبتغي إلَّا وجهَ ربِّه خالصًا لا يخلط به غيره (^١).
روي: أن جندب بن زهير قال لرسول الله ﷺ: إنِّي أعمل العمل لله تعالى، فإذا اطَّلع عليه أحدٌ سرَّني؟ فقال: "إن الله لا يقبل ما شُوْرِكَ فيه" فنزلَتْ تصديقًا له ﵇ (^٢).
وعنه ﵇: "اتقوا الشِّركَ الأصغرَ" قالوا: وما الشِّركُ الأصغرُ؟ قال: "الرياء" (^٣).
_________________
(١) انظر: "النكت والعيون" (٣/ ٣٥٠)، و"زاد المسير" (٥/ ٢٠٣).
(٢) قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٢/ ٣١٣): (غريب، وذكره الواحدي في أسباب النزول عن ابن عباس ﵄. قلت: هو في "أسباب النزول" (ص: ٢٩٢). ورواه بنحوه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (١٥٩١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١١/ ٣٠٤)، من طريق محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ومحمد بن مروان كذاب، والكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس، والإسناد كما ترى.
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٣٦٣٠) و(٢٣٦٣٦) من حديث محمود بن لبيد ﵁. ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٤٣٠١) من حديث محمود بن لبيد عن رافع بن خديج ﵄. ورى نحوه البزار في "مسنده" (٣٤٨١)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٧١٦٠)، والحاكم في "المستدرك" (٧٩٣٧)، وصححه.
[ ٦ / ٣٣٥ ]
والآية جامعة لخاصَّتي العلم والعمل، وهما التَّوحيد والإخلاص في الطَّاعة.
وقرئ: (تشرك) بالتَّاء (^١)، التفاتًا من الغيبة إلى الخطاب، ثم عاد إلى الالتفات من (^٢) الخطاب إلى الغيبة في ﴿رَبِّهِ﴾ (^٣). والله أعلم بالصواب.
* * *
_________________
(١) انظر: "البحر المحيط" (١٤/ ٣٨٣).
(٢) "الالتفات من": ليست في (م).
(٣) "والله أعلم بالصواب" ليست في (ف).
[ ٦ / ٣٣٦ ]