﷽
(١) - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (قد) تُثبت المتوقَّع كما أنَّ (لمَّا) تنفيه، وإذا دخلَتْ على الماضي دلَّتْ على ثباته.
والفَلاحُ: الظَّفرُ بالمطلوب، والنَّجاةُ عن المهروب؛ أي: فازوا بما طلبوا ونجوا عمَّا هربوا.
و﴿أَفْلَحَ﴾: دخلَ في الفَلاح، كأبشرَ دخلَ في البِشارةِ، ويقال: قد أفلحه: إذا أوصله إلى الفلاح، وعليه قراءة: (قَدْ أفلِحَ) على البناء للمفعول (^١).
وقرئ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ بإلقاء حركة الهمزة إلى الدَّال وحذفها (^٢).
وقرئ: (قد أفلحوا) (^٣) على الإبهام والتفسير، أو على لغة: أكلوني البراغيث.
و: (أفلحُ) بضمة اكتفاء بها عن الواو (^٤).
_________________
(١) نسبت لطلحة بن مصرف. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٧).
(٢) وهي قراءة ورش عن نافع. انظر: "السبعة في القراءات " (ص: ١٤٨).
(٣) نسبت أيضًا لطلحة بن مصرف. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٧).
(٤) نسبت أيضًا لطلحة بن مصرف. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٧).
[ ٧ / ١٦٥ ]
لَمَّا كان المؤمنون متوقِّعين بمثل هذه البشارة من فضل الله بُشِّروا بما دلَّ على ثبوت ما توقَّعوه.
والمؤمنون في اللُّغة: المصدِّقون، وأمَّا في الشَّريعة فقد اختُلِفَ فيه على أقوال قد سبق تفصيلُها في تفسير (سورة البقرة).
* * *
(٢) - ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ الخشوعُ في الصَّلاةِ: خشيةُ القلبِ مع التَّواضع، وإلبادُ البصر (^١) موضعَ السُّجود.
رُوي أنَّه ﵇ كان يصلِّي رافعًا بصره إلى السَّماء فنزلَتْ، فنظر نحو مسجده (^٢).
* * *
(٣) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ لِمَا بهم مِن الجِدِّ ما يشغلهم عن اللَّغو، وهو ما لا يعنيك مِن قولٍ أو فعلٍ، كالهزلِ واللَّعب، وكلُّ ما تُوجِب المروءة إلغاءه.
_________________
(١) في (ف): "وإلقاء البصر"، وفي (ك) و(م): "وإلقاء النظر". والمثبت من (ع) و(ي)، وجاء في هامش (ي): "من ألبد بالمكان؛ أي: أقام به. ص".
(٢) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٤٨٣) من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁، وقال: صحيح على شرط الشيخين لولا خلاف فيه على محمد فقد قيل عنه مرسلًا. وقال الذهبي: الصحيح مرسل. والمرسل رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٣٢٦١)، وأبو داود في "المراسيل" (٤٥)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٢٨٣) وقال: هذا هو المحفوظ مرسل.
[ ٧ / ١٦٦ ]
لَمَّا ذكرَ الخشوعَ أَتْبعَه الإعراضَ عن اللَّغو ليجمعَ بينَ فعلِ ما ينبغي أنْ يُفعَلَ وتركِ ما ينبغي أنْ يُترَكَ، وهما الأصلان اللَّذان عليهما مدار التَّكليف.
وبالغَ في أوصاف المؤمنين بإيرادِ الصِّلات جملًا اسميَّة، وتقديمِ صلة الإعراض، والتَّعبيرِ بالاسم دون الفعل، وإيرادِ الإعراض مكانَ التَّرك؛ لأنَّ أصلَه أن يكون في عُرْضٍ (^١) غيرِ عُرْضه ليدلَّ على التَّجنُّب والبعد عنه بالكلِّيَّة مباشرةً وتسبيبًا وميلًا وحضورًا، وكذلك قوله:
(٤) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾؛ أي: للتَّزكية فاعلون؛ لأنَّ الفاعل لا يفعل إلَّا الحدث الذي هو المصدر، ولهذا سُمِّيَ المفعول المطلق، ويمكن أن يُفسَّر بالعَيْن ويُقدَّر مضاف، أي: لأداء الزَّكاة.
وإنَّما لم يقلْ: (مؤدُّون) لأنَّ في زيادة فاعلون دلالةً على المداومة.
* * *
(٥) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ الفرجُ يشتمل على سَوءة الرَّجل والمرأة.
﴿حَافِظُونَ﴾ من قولهم: احفظْ عليَّ عَنان فرسي؛ بمعنى: أمسك، ولا بُدَّ فيه من تضمين معنى النَّفي ليصح الاستثناء؛ أي: يمسكون لا يُطْلقونها على أحدٍ.
* * *
(٦) - ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾.
_________________
(١) بضم فسكون. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٣٢٠).
[ ٧ / ١٦٧ ]
﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ حال؛ أي: والِينَ على أزواجهم، أو: قوَّامين عليهنَّ، والمعنى: حافظون في كلِّ حالٍ إلَّا في حال ولايتهم على أزواجهم.
أو متعلِّق بمحذوف دلَّ عليه: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، أي: يلامون على كلِّ مباشرة إلَّا على ما أُطلق لهم فإنَّهم غير ملومين عليه.
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، أي: إمائهم، ولم يقل: (مَن)، إجراءً للماليك مجرى غير العقلاء (^١)، إذ الملك أصل في غيرهم والحريَّةُ فيهم (^٢)؛ أو لأنَّ الإناث لنقصان عقلهنَّ من جنسٍ غيرهم.
وإنَّما قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، ولم يقل: ما ملكوا، إظهارًا لمِلك اليمين في مقابلةِ مِلك المتعة الظَّاهر من قرينه؛ إشعارًا بانحصار سبب حلِّ الوطء في المِلْكَين المذكورَيْن لا يتعدَّى إلى مِلك الرَّقبة؛ فإنَّها (^٣) إذا خلَتْ مِن ملك اليمين كما في المكاتَب لا يوجد الحِلُّ المذكور.
﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ الضَّمير لـ ﴿حَافِظُونَ﴾، أو لِمَن دلَّ عليه الاستثناء؛ أي: فإنْ أطلقوها لأزواجهم أو إمائهم فإنَّهم غير ملومين على ذلك.
* * *
(٧) - ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ جَعل المستثنى حدًّا وجَب الوقوف عنده، وحَذف مفعول الابتغاء للتَّعميم، وجاء باسم الإشارة، أي: فأولئك المبتغون،
_________________
(١) وهذا على القول باختصاص (ما) بغير العقلاء. انظر: "روح المعاني" (١٨/ ١٦).
(٢) قوله: "غيرهم" و"فيهم " الضمير فيهما للعقلاء.
(٣) في (ف) و(ك): "لأنها".
[ ٧ / ١٦٨ ]
ووسَّط الضَّمير، وعرَّف ﴿الْعَادُونَ﴾؛ أي: مَن أحدثَ ابتغاء وراء ذلك الحدِّ بعدَ هذه الفسحة والاتِّساع فأولئك الكاملون في العدوان المتناهون فيه، كلُّ ذلك مبالغةٌ في التَّحذير عن الزِّنا.
وأفرده بالذِّكر بعد تعميم قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ لأنَّ المباشرة أشهى الملاهي إلى النَّفس وأعظمُها خطرًا.
* * *
(٨) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ﴾ قيل: لِمَا يؤتَمنون عليه ويعاهَدون عليه من جهة الحقِّ أو الخلق.
وفيه: أنَّه لا حاجة إلى الصَّرف عن الظَّاهر؛ فإنَّ العهد وكذا الأمانة ممَّا يُرَاعى.
﴿رَاعُونَ﴾ الرَّاعي: القائمُ على الشَّيء بالحفظ والإصلاح، كراعي الغنم والرَّعيَّة.
وقرئ: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ على الإفراد (^١)؛ لأنَّها في الأصل مصدر، أو لأمنِ الإلباس.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾: يواظبون عليها ويؤدُّونها في أوقاتها، وجاء بلفظ الفعل معها (^٢) لِمَا فيها مِن التَّجدُّد والتِّكرار، والفعل المضارع في الجملة الاسميَّة يدلُّ على دوام التَّجدُّد.
وقرئ بلفظ الجمع هنا (^٣) ليفيدَ المواظبة على أعدادها وأنواعها، ولم يُقرأ به (^٤)
_________________
(١) قراءة ابن كثير. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٨).
(٢) في (ك) و(م): "معا".
(٣) قرا حمزة والكسائي بالإفراد وباقي السبعة بالجمع. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٨).
(٤) في (ف) و(ك) و(م): "ولم يفرد به"، والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (٣/ ١٧٧).
[ ٧ / ١٦٩ ]
فيما سبق؛ لأنَّ الكلام هناك في الخشوع، وهو مطلوب في جنس الصَّلاة وفي بدء الأوصاف، وختمُها بذكرها تعظيمٌ لشأنها وإعلاءٌ لقدرها.
* * *
(٩) - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾ الجامعون لهذه الصِّفات.
﴿هُمُ الْوَارِثُونَ﴾: هم الأحقَّاء بأنْ يُسمَّوا وارثًا دون غيرهم.
* * *
(١١) - ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾؛ أي: يَصلون إليه وإلى ما فيه مِن النَّعيم المقيم بلا تعبِ الكسب، ويبقى في أيديهم، فإن الوراثة أقوى سببٍ للتَّملُّك، حيث لا يُعقب بفسخٍ ولا استرجاع، ولا يُبطل بردٍّ ولا إسقاط.
والفردوسُ: هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثَّمر.
وفي إطلاق الوارثين وتقييدهم، وما ترى من التَّفخيم لِمَا يرثونه وتعظيمِه، واستعارته الوراثة (^١)، وإيراد اسم الإشارة= إشعارٌ بانهم استحقُّوا ذلك الخطبَ الجليل من تلك الأعمال والصِّفات لا بسببيتها له (^٢)، بل بمقتضى وعده، وهذا القَدْر يكفي في التَّحريض.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أنَّثَ الضَّمير على تأويل الجنَّة أو الطَّبقة، فإنَّه أوسط الجنان
_________________
(١) في هامش (م): "لما عرفت أن الاستحقاق بلا كسب معتبر في استعارة الوراثة. منه ".
(٢) في (ف) و(ك): "لا لاستئهاله"، وفي (ع): "لا بسببها له "، وسقطت "له" من (ي).
[ ٧ / ١٧٠ ]
وأعلاها طبقةً، ومن هنا تبيَّن أنَّ ما قيل: إنَّهم يرثون من الكفَّار منازلهم فيها حيث فوَّتوها على أنفسهم لأَنَّه تعالى خلق لكلِّ إنسان منزلًا في الجنَّةِ ومنزلًا في النَّار= لا يُناسِبُ المقامَ (^١).
* * *
(١٢) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ السُّلالةُ: صفوةُ الشَّيء التي (^٢) تُخرج منه كأنَّها تُستلُّ (^٣) منه؛ كالصُّفاوة، فُعالة بمعنى مَفعولٍ، فيه معنى القِلَّة، كالقُلامة والقُمامة (^٤).
_________________
(١) كذا قال، وفي كلامه نظر، فقد رد به تفسيرًا مرفوعًا للنبي ﷺ، رواه ابن ماجه (٤٣٤١) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ ". وإسناده صحيح كما قال القرطبي في "تفسيره" (١٥/ ١٦)، والحافظ في "الفتح" (١١/ ٤٤٢). ولذلك فقد قال الآلوسي بعد ما أتبع الحديث بما اختاره المؤلف ورجحه من أن الإرث مستعار للاستحقاق لأنَّه أقوى أسباب الملك: واختير الأول لأنَّه تفسير رسول الله ﵊ على ما صححه القرطبي. قلت: ولعل المؤلف اغتر بصنيع البيضاوي في "تفسيره" (٤/ ٨٣)، حيث قدم ما اختاره المؤلف، وأخر القول بالحديث المرفوع مقدِّما له بـ (قيل) على عادته في تضعيف ما لا يرتضيه من أقوال.
(٢) في (م): "صوت الشيء ححتى"، وفي (ف) و(ك): "صوت الشيء"، والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر: "تفسير ابن فورك " (١/ ٧٠)، و"غرائب التفسير" للكرماني (٢/ ٧٧١)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٨٣).
(٣) في (ف) و(ك) و(م): "نسل "، والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر المصادر السابقة.
(٤) في (ف) و(ك): "كالعلاقة والعمامة"، وفي (م): "كالعلامة والعمامة والسلامة"، والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (٣/ ١٧٨). ومما ذكروه في هذا الباب: الفُضَالة والنُّخَالة والمُلامة والنُّحاتة والقُوارة والبُراية والكُناسة. انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٨).
[ ٧ / ١٧١ ]
و﴿مِنْ﴾ هنا للابتداء متعلِّقة بـ ﴿خَلَقْنَا﴾، وفي قوله: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ للبيان، صفة لـ ﴿سُلَالَةٍ﴾؛ أي: سلالة من طين (^١).
* * *
(١٣) - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾.
و﴿الْإِنْسَانَ﴾: آدم ﵇، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾: ثم جعلنا نسلَه، على حذف المضاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٧ - ٨].
أو الجنسُ (^٢)؛ لأنَّه لَمَّا خُلِقَ أوَّلُ فردٍ منه من سلالة من طين، وسائرُ أفراده خُلِقوا من ذلك الفرد، كان الجنس مخلوقًا من سلالة من طين.
وأمَّا ما قيل: المراد بالطِّين: آدم ﵇؛ لأنَّه خُلقَ منه، والسلالةُ نطفتُه؛ فلا وجهَ له لِمَا قيل من إخراجه ﵇ من الجنس المذكور، حيث جُعِلَ مخلوقًا مِن نطفته.
﴿نُطْفَةً﴾ بأنْ خلقناه منها.
﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾: مستقَرٍ حصينٍ؛ يعني: الرَّحِم، سُمِّيَ المستقَرُّ بالقَرار مبالغةً كانه نفسُ القَرار، ووُصِف بالمكانة التي هي صفة المستقِرِّ فيه (^٣) على الإسناد المجازي؛ تتميمًا لأمر المبالغة.
* * *
_________________
(١) "أي سلالة من طين" سقط من (ك)، و"أي سلالة" سقط من (ف).
(٢) عطف على: "آدمُ ".
(٣) أي: "النطفة". انظر: "روح المعاني" (١٨/ ٣٢).
[ ٧ / ١٧٢ ]
(١٤) - ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ بأنْ أَحَلْنا النطفة البيضاء علقةً حمراءَ بتدريج بعدَ زمانٍ.
﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ فصيَّرناها قطعةَ لحمٍ.
﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ بأنْ صلَّبناها ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ فأثبتنا عليها لحمًا فصار لها كاللِّباس.
وقرئ: (عَظَمًا) (^١) وضعًا للواحد موضعَ الجمعِ لعدم اللَّبس، واختلافُ العواطف (^٢) لاختلاف الاستحالات والتَّكوُّنات (^٣) في التَّراخي وعدمه، ف (ثمَّ)
_________________
(١) وهي قراءة أبي بكر وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٨).
(٢) قوله: "واختلاف العواطف … إلخ"، قال الشهاب: (يعني: عُطف بعضها بثمَّ الدَّالة على التَّراخي وبعضها بالفاء التعقيبية، مع أنّ الوارد في الحديث من أن مدة كل استحالة أربعين يوما يقتضي أن يعطف الجميع بثم إن نظر لتمام المدة أو لأولها، أو بالفاء إن نظر لآخرها ..). انظر: "حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي" (٦/ ٣٢٢). وانظر شرح الاختلاف المذكور للعواطف في التعليق الآتي.
(٣) في (ت): "لاستحالاة والتكونات"، وفي (ك): "لاستحالات وتكونات" وقوله: "لاختلاف" ساقط منهما. والمثبت من باقي النسخ، وعبارة البيضاوي: (واختلاف العواطف لتفاوت الاستحالات)، قال الشهاب: (يعني: أنّ بعضها مستبعد حصوله مما قبله وهو المعطوف بثم، فجعل الاستبعاد عقلًا أو رتبة بمنزلة التراخي والبعدِ الحسيّ؛ لأنّ حصول النطفة من أجزاء ترابية غريب جدا، وكذا جعلُ تلك النطفة البيضاء دمًا أحمر، بخلاف جعل الدم لحمًا مشابها له في اللون والصورة، وكذا تثبيتها وتصليبها حتى تصير عظمًا؛ لأنَّه قد يحصل ذلك بالمكث فيما يشاهد، وكذا مد لحم المضغة عليه ليستره، وهذا ما عناه المصنف). انظر المصدر السابق.
[ ٧ / ١٧٣ ]
للاستحالة الزَّمانيَّة، والفاء للتَّكوُّن الآتي، إلا ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ﴾ فإنها مستعارة لِمَا بينَ الخلقَيْن مِن التَّفاوت.
﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ التَّنكير للتَّنويع؛ أي: نوعًا آخر مِن الخلق مباينًا للخلق الأوَّل - بنفخ الرُّوح فيه، وجعلِه حيوانًا - مباينةً ما أبعدها (^١)؛ إذ كان جمادًا فجعله حيًّا سميعًا بصيرًا، ذا أعضاء ظاهرة وباطنة، في كلِّ واحدٍ منها عجائبُ حكمِه، وغرائبُ صنعِه، ولطائفُ قوةٍ (^٢) لا يفي بها وصفُ واصفٍ، ولا يبلغها شرحُ شارحٍ.
واحتجَّ به أبو حنيفة على أنَّ مَن غصب بيضة فأَفرخت عنده لزمَهُ ضمانُ البيضةِ لا الفَرْخ؛ لأنَّه خلقٌ آخرُ.
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾: فتعالى شأنُه في قدرته وحكمته.
﴿أَحْسَنُ﴾ بدل أو خبرُ مبتدأ (^٣) محذوف، وليس بصفةٍ لأنَّه نكرةٌ وإنْ أُضِيفَ؛ لأنَّ المضاف إليه عوضٌ مِن (مِن) (^٤).
﴿الْخَالِقِينَ﴾: المقدِّرين تقديرًا، فحذف المميِّز لدلالة ﴿الْخَالِقِينَ﴾ عليه.
رُوي أنَّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول اللّه ﷺ، فنطق بذلك
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "ما بعدها"، والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر: "روح المعاني" (١٨/ ٣٥).
(٢) "قوة" ليست في (ف) و(ك).
(٣) في (ف): "أو خبر لمبتدأ".
(٤) في (ف): "عوضُ مِن". وهذا الذي ذكره المؤلف من منع النعت هو قول أبي البناء، وأجازه غيره على أن الإضافة محضة، فتقيده تعريفا إذا أضيف إلى معرفة. انظر: "روح المعاني" (١٨/ ٣٧).
[ ٧ / ١٧٤ ]
قبل إملائه، فقال له (^١) رسول الله ﷺ: "اكتب هكذا أنزلت" (^٢)، قال عبدُ الله: إنْ كانَ محمَّد نبيًّا يُوحَى إليه فأنا نبيٌّ يُوحَى إليَّ، فلحقَ بمكَّة كافرًا، ثمَّ أسلم يومَ الفتح (^٣).
وهذه الرواية غيرُ صحيحة؛ لأنَّ السُّورةَ مكيَّةٌ، وارتداده كان بالمدينة على ما اعترف به الرَّاوي.
* * *
(١٥) - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾.
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾: لصائرون إلى الموت لا محالة، ولذلك ذكر النَّعت الذي للثُّبوت دون اسم الفاعل، وقد قرئ به (^٤).
* * *
(١٦) - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾.
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ للمحاسبة والجزاء، ومعنى التَّراخي قد عُلم من الطرف، فإيراد أداته ليس لإفادته، بل لإيفاء حقِّ البلاغة.
_________________
(١) "له" ليست في (ف).
(٢) في (ك): "نزلت".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٤٣)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٥٥) عن ابن عباس ﵄. قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٢/ ٤٠١): "غريب". وأصل القصة رواها أبو داود (٤٣٥٨)، والنسائي (٤٠٦٩)، ولفظه: "عن ابن عباس قال: كان عبد الله ابن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله ﷺ فأزله الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله ﷺ أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسول الله ﷺ ".
(٤) أي: (لمائتون). نسبت لزيد بن علي وابن أبي عبلة وابن محيصن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٧)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ١٣٨)، و"البحر" (١٥/ ٤٣٠).
[ ٧ / ١٧٥ ]
(١٧) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾: سماوات؛ لأنَّ بعضَها طُورق فوقَ بعض مطارقةَ النَّعل، وكلُّ شيءٍ فوقه مثلُه فهو طريقُه (^١)، وأمَّا العرش والكرسي فليسا مِن الطَّرائق؛ لعدم المماثلة بينهما وبينها.
﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ﴾: وما كنا عنها وعن حفظها وعن إمساكها أن تقع عليكم.
﴿غَافِلِينَ﴾ وفي التَّعبير عنها بالخلق فضلُ مبالغة في تعظيم شأنها، وزيادة ﴿كُنَّا﴾ لاستمرار النَّفي، لا لنفي الاستمرار.
* * *
(١٨) - ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾.
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾: بتقديرٍ تقتضيه الحكمة، أو بمقدارِ ما علمنا من صلاحهم.
﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ فجعلناه ثابتًا مستقرًّا في الأرض أنهارًا وينابيع.
﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ﴾: على إزالته بالإفساد أو التَّصعيد أو التَّعميق بحيث يتعذَّر استنباطه.
﴿لَقَادِرُونَ﴾ كما قدرنا على إنزاله.
وفي تنكير ﴿ذَهَابٍ﴾ إيماءٌ إلى (^٢) كثرة طرقه وأنواعه، ومبالغةٌ في الإيعاد (^٣)،
_________________
(١) في (م): "طريقة".
(٢) في (ك) و(م): "على".
(٣) قوله: "في الإيعاد" كذا في النسخ بالياء، ومثله في "الكشاف" (١٨٠/ ٣)، و"البحر" (١٥/ ٤٣٣). وجاء في "تفسير البيضاوي" مع حواشي كل من شيخ زاده والشهاب الخفاجي والقونوي: (في الإبعاد به) بالباء وعليه شرحوا، ومثله في "تفسير أبي السعود" (٦/ ١٢٨). وكلا اللفظين يحتملهما=
[ ٧ / ١٧٦ ]
وتعديتُه بالباء تأكيدٌ له، دالٌّ على ذهاب هو (^١) معه يمنعه من الظُّهور، ليس في الإذهاب ذلك، وهو في غاية البلاغة، وزعموا أنَّه ليس في قوله: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] هذه المبالغة والبلاغة، وليس الأمر كما زعموا على ما تقف عليه في موضعه بإذن اللّه تعالى.
﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ﴾ بالماء.
﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا﴾ في الجنَّة.
﴿فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ من غير الجنسَيْن المذكورين تتفكَّهون بها.
﴿وَمِنْهَا﴾: ومن الجنَّات ثمارها وزروعها.
﴿تَأْكُلُونَ﴾ تغذيًا (^٢)، أو: ترزقون وتحصِّلون معايشكم، من قولهم: فلان يأكلُ مِن حرفَتِه.
ويجوز أنْ يكون المراد: لكم في النَّخيل والأعناب أنواعٌ من الفواكه كالرُّطب والعنب والتَّمر والزَّبيب والبُسر والحصرم والدّبس والعصير وغير ذلك، ومنها طعامٌ تأكلونه.
_________________
(١) = السياق، لكن لم أجد من نبه على هذا، ولعلنا لو جمعنا بين اللفظين لم نُبعد؛ لأن في المبالغة بالإبعاد إيعاد لهم شديد، وقد أشار لهذا الآلوسي في درج كلامه معددًا وجوه أبلغية هذه الآية على آية الملك فقال: (تضمين الإيعاد هنا إيعادَهم بالإبعاد عن رحمة الله تعالى؛ لأن ذهب به يستلزم مصاحبة الفاعل المفعولَ، وذهاب الله تعالى عنهم مع الماء بمعنى ذهاب رحمته سبحانه عنهم ولعنهم وطردهم عنها).
(٢) في (ف): "وهو".
(٣) في (ف) و(ك): "تغديًا"، وفي (م): "تعديًا"، والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ٨٤).
[ ٧ / ١٧٧ ]
(٢٠) - ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾.
﴿وَشَجَرَةً﴾ عطف على ﴿جَنَّاتٍ﴾، وقُرِئَتْ بالرَّفع على الابتداء (^١)؛ أي: وممَّا أنشئ لكم به شجرةٌ.
﴿تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾: جبل موسى ﵇؛ إمَّا اسمٌ مركَّبٌ من المضاف والمضاف إليه كامرئ القَيس، وإمَّا اسمٌ مضافٌ إلى بقعة اسمُها سيناء، فمَن وكسر سينَ ﴿سَيْنَاءَ﴾ (^٢) منعَه من الصَّرف للتَّعريف والعجمة، أو التَّأنيث على تأويل البقعة، لا للألف؛ لأنَّ ألف (فِعلاء) ليسَتْ للتأنيث؛ فإنَّه (فِيعال) - كديماس - من السَّناء بالمد وهو الرِّفعة، أو بالقصر وهو النُّور، أو ملحق بـ (فِعلال) من السِّين (^٣)؛ كعِلباء وحِرباء، ومَن فتح السِّين منعه لألف التَّأنيث كصحراء.
﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ في موضع الحال؛ أي: تنبتُ ملتبِسةً بالدُّهن، ويجوز أن تكون الباء للتَّعدية كما في قولك: ذهبت بزيد، ويؤيِّده قراءة ابن مسعود ﵁: (تُخرجُ الدُّهنَ وصبغَ الآكلين) (^٤).
وقرئ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ من الإثبات (^٥)، وهو إما من أَنْبتَ بمعنى نبَتَ، وأصلُه: دخلَ في النَّبات، وإمَّا حذف مفعوله؛ أي: تُنبِتُ زيتونَها ملتبِسًا بالدُّهن.
_________________
(١) نسبت لعاصم ونافع في رواية، والمشهور عنهم النصب كالجماعة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٧).
(٢) قرأ الكوفيون وابن عامر بفتح السين وباقي السبعة بكسرها. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٩).
(٣) "من السين"؛ أي: من هذه المادة. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٣٢٥).
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٧)، و"الكشاف" (٣/ ١٨١) والكلام منه.
(٥) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٩).
[ ٧ / ١٧٨ ]
وقرئ على البناء للمفعول (^١)، وهو كالأوَّل.
﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ معطوف على ﴿بِالدُّهْنِ﴾ جارٍ على إعرابه، عُطف أحدُ وصفَي الشَّيء على الآخر؛ أي: تنبتُ بالشَّيء الجامع بين كونه دُهنًا يُدهَن به ويُسرَج منه وكونه إدامًا يُصبَغ (^٢) فيه الخبز؛ أي: يغمس فيه للائتدام.
وقرئ: (وصِباغٍ) (^٣) كدِباغٍ في دِبْغٍ.
وإنَّما خصَّ الأنواع الثَّلاثة بالذِّكر مِن بين الثِّمار لأنَّها أكرم الشَّجر وأفضلها وأجمعها للمنافع؛ فإنَّ النَّخل والعنب يجمعان التَّفكُّه والتَّغذِّيَ، والزَّيتونَ يجمع الاصطباخ والاصطباغ.
* * *
(٢١) - ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ تعتبِرون بها، وتستدلُّون بها.
﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ من الألبان على ما نُصَّ عليه في سورة النَّحل، استئنافٌ لبيان العِبرةِ.
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ سوى الألبان.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ فتنتفعون بأعيانها.
* * *
_________________
(١) نسبت لعامر بن قيس. انظر: "المختصر في شواذ القراءت" (ص: ٩٧).
(٢) في (م): "يصطبغ".
(٣) نسبت لعامر بن عبد الله. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٧).
[ ٧ / ١٧٩ ]
(٢٢) - ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾.
﴿وَعَلَيْهَا﴾ في البَرِّ ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ في البحرِ ﴿تُحْمَلُونَ﴾ في أسفاركم، وقد غلب استعمال الأنعام في الإبل، ولذلك قُرِنَتْ بالفُلْكِ لأنَّها سفائن البَرِّ.
* * *
(٢٣) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فقصَّتُه وسائر القِصَص مسوقٌ لبيان الكفران مِن النَّاس النِّعمَ المتلاصقة حتى ابتُلوا بزوالها.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾: معبودٍ ﴿غَيْرُهُ﴾ بالرفع على المحلِّ، وبالجر على اللَّفظ (^١).
والجملة (^٢) استئنافٌ يجري مجرى التَّعليل للأمر بالعبادة.
﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: أفلا تخافون أن يزيل نعمَه عنكم (^٣) ويهلكَكم بعذابه برفضكم عبادته بعبادة غيره، وكفرانكم نعمَه التي لا تحصونها.
والهمزة الدَّاخلة على الفاء لا (^٤) لإنكار التَّعقيب، بل لتعقيب الإنكار.
* * *
(٢٤) - ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾.
_________________
(١) قرأ الكسائي بالجر، وباقي السبعة بالرفع. انظر: "التيسير" (ص: ١١٠).
(٢) "والجملة" سقط من (ك).
(٣) في (ك) و(م): "عنكم نعمه".
(٤) كلمة: "لا"، سقطت من النسخ لكنها كتبت في (ي) فوق همزة "الفاء" استدراكًا.
[ ٧ / ١٨٠ ]
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ﴾: الأشرافُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ قد سبق في تفسير سورة الأعراف وجهُ توصيف الملأ بهذا الوصف.
﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كنايةٌ على زعمهم عن نفي الرِّسالة عنه.
﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: أنْ يطلبَ الفضلَ ويترفَّعَ عليكم بالرِّئاسة.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن يرسل رسولًا ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ رسلًا.
﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ بكون البشر رسولًا، أو بنوحٍ ونبوَّته، أو بما يأمرهم من تخصيص اللّه تعالى بالعبادة ونفيِ كلِّ مَن دونه مِن الآلهة، أي (^١): بمثل هذا الكلام، وذلك لكونهم في فترة متطاولة، أو لعنادهم وانهماكهم في الغيِّ، فتكذَّبوا (^٢) في ذلك لأنْ يدفَعوا الحقَّ بما أمكنهم، ولهذا جنَّنوه حيث قالوا:
(٢٥) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ مع علمهم أنَّه أرجحُ النَّاس عقلًا. والجِنَّةُ: الجنون.
﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾: فانتظروا ﴿حَتَّى حِينٍ﴾؛ أي: هو مجنون فلا تعجلوا في عقوبته، بل دعوه إلى مدَّة؛ فإمَّا أن يموت، أو يرجع عن هذا، أو تفعلون به ما شئتم.
* * *
(٢٦) - ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عليهم بإهلاكهم وبإنجاز ما وعدتهم من العذاب.
﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ بسبب تكذيبهم إيَّايَ، أو: بدل تكذيبهم إيَّايَ.
_________________
(١) في (ف): "أو".
(٢) في (ف): "فكذبوا"، وفي (ك) و(م): "فيكذبوا"، والمثبت من (ع) و(ي).
[ ٧ / ١٨١ ]
(٢٧) - ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾؛ أي: أجبنا دعاءه فأوحينا إليه.
﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ مبالغةً في الحفظ، كان معه من اللّه تعالى حُفَّاظ (^١) يحفظونه بعيونهم لئلا يُفْسِدَ عليه مفسدٌ عملَه.
﴿وَوَحْيِنَا﴾: وأمرنا وتعليمنا كيف يصنع.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾: عذابُنا، والمراد من مجيئه: ظهورُ طليعته، وهو (^٢) فوران الماء مِن التَّنور، وإنما قال:
﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ مبالغةً، أخرجَ سبَبَ (^٣) الغرقِ مِن موضعِ الحَرقِ؛ ليكونَ أبلغ في الإنذار والاعتبار.
روي أنَّه قيل لنوح ﵊: إذا رأيْتَ الماء يفور مِن التَّنور فاركب أنت ومَن معك في السَّفينة، فلمَّا نبعَ الماء مِن التَّنور أخبرتْهُ امرأتُه فركِبَ (^٤).
﴿فَاسْلُكْ﴾: فأدخل ﴿فِيهَا﴾ سلك يجيء لازمًا ومتعدِّيًا، وجاء: أَسْلكه، بالنَّقل مِن اللَّازم.
_________________
(١) في (ع) و(ك) و(م) و(ي): "حفّاظا".
(٢) في (ك): "وهي".
(٣) في (ف) و(ك) و(م): "بسبب"، والمثبت من (ع) و(ي) و"تفسير النسفي" (٢/ ٤٦٥).
(٤) روى الطبري نحوه في "تفسيره" (١٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥) عن ابن عباس ﵄ والحسن ومجاهد.
[ ٧ / ١٨٢ ]
﴿مِنْ كُلٍّ﴾ بالتَّنوين؛ أي: مِن كلِّ أمَّةٍ ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ تأكيدٌ، وبالإضافة (^١)؛ أي: مِن كلِّ أمَّتي الذَّكر والأنثى واحدَيْن مزدوجَين.
﴿وَأَهْلَكَ﴾ أي: أهلَ بيتك ومَن آمنَ معك.
﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾؛ أي: القولُ من اللّه بهلاكه بكفره، وإنَّما جيء بـ (على) لأنَّ السَّابق ضارٌّ، كما جيء باللَّام حيث كان نافعًا في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١].
﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: مِن أهلِك، وهذا يأبى عن تخصيص تفسيره بمَن آمنَ.
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهذا نهيٌ عن الدُّعاء لهم بالإنجاء على وجهٍ أبلغ، ومَن خصَّ الخطاب بالدُّعاء فقد أخلَّ بحقِّ البلاغة.
جعل النَّهي عن الدُّعاء معلَّلًا بالظُّلم، فلذلك وضع الموصول مع الصِّلة موضع الضَّمير، ولم يقل: ولا تخاطبني فيهم؛ إيماءً إلى العلَّة.
ولَمَّا لوَّح إلى (^٢) أنَّ الحكمة تقتضي هلاك الظَّالم استأنفَ قوله:
﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ بالتَّأكيد؛ أي: لا محالةَ لظلمهم بالإشراك والمعاصي؛ ثمَّ بالغ في ذلك بأمره بالحمد على هلاكهم والنَّجاةِ منهم عُقَيْبَ النَّهي عن الدُّعاء.
* * *
(٢٨) - ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾: فإذا تمكَّنتم عليها راكبين.
_________________
(١) أي: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ قراءة السبعة عدا حفص فقرأ بتنوين اللام. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٤).
(٢) "إلى" ليست في (ف) و(ك).
[ ٧ / ١٨٣ ]
﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أمرَهُ بالحمد على نجاته ونجاة مَن معه؛ إشارة إلى أنَّ نجاةَ أتباعه أيضًا نعمةٌ جليلةٌ في حقِّه، وامتنانًا بها أيضًا، ولو قال: (فقولوا) لم يحصل هذا المعنى.
وأيضًا كبرياء الرُّبوبيَّة يقتضي أنْ (^١) لا يترقَّى إلى الخطاب بحضرتها إلَّا نبيٌّ مثله (^٢)، وأنَّ (^٣) كلامه يغني عن كلامِهم، ولا يستأهل الإجابة إلا مثلُه.
* * *
(٢٩) - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.
﴿وَقُلْ رَبِّ﴾ لَمَّا نهاه عن الدُّعاء لإنجائهم أمرَه بدعاء هو أهمُّ وأنفعُ؛ وهو أنْ يُنزلَ منزلًا مباركًا.
﴿أَنْزِلْنِي﴾ في الأرض من السَّفينة، لا في السَّفينة؛ لأنَّه عَبَّرَ عنه سابقًا بعبارة تدُّل على الصُّعود، وقد حصل الفراغ عنه وعن إظهار الامتنان بما ترتَّب عليه مِن نعمةِ النَّجاة.
﴿مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾: يُبارَك لي فيه، ويتسبَّب لزيادة خير الدَّارَيْن.
وقرئ: ﴿مُنْزَلًا﴾ (^٤) بمعنى إنزالًا، أو موضعَ إنزال.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ثناءٌ مطابقٌ لمسألته، أمرَه بأن يُشفِعَه بها مبالغةً فيها وتوسُّلًا
_________________
(١) في (ف): "لأن".
(٢) في (ف) و(ك): "من مثله" بدل "نبي مثله".
(٣) في (ف): "وإن كان".
(٤) وهي قراءة أبي بكر. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٩).
[ ٧ / ١٨٤ ]
به إلى الإجابة، إنَّما أمرَه بالقولَيْن المذكورَيْن لا بالحمد والدُّعاء تعليمًا (^١) لطريقهما، وإظهارًا لفضيلة الحمد والدُّعاء (^٢) بالعبارَتَيْن المذكورَتَيْن.
* * *
(٣٠) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ فيما فُعِلَ بنوحٍ وقومِه.
﴿لَآيَاتٍ﴾ يَستدلُّ بها وَيعتَبِر أولو الاستبصار والاعتبار.
﴿إِنَّ﴾ هي المخفَّفة مِن الثَّقيلة، واللَّام هي الفارقة بينها وبين النَّافية، والمعنى: إنَّ الشَّأن والقصَّة.
﴿كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ لمختَبِرين بهذه الآيات عبادَنا لننظر مَن يعتبر ويذَّكَّر؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥].
وقيل: لمصيبين قومَ نوحٍ ببلاءٍ عظيمٍ. وليس في الإخبار به كثيرُ فائدةٍ.
* * *
(٣١) - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾.
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾: عادًا قوم هود ﵇؛ لقولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]- فإنَّه قولُ هود ﵇ لا قولُ صالح ﵇ ومجيءِ قصة هود على (^٣) إثر قصَّة نوح ﵉ في سورة الأعراف وهود والشُّعراء.
_________________
(١) في (م): "تعظيما".
(٢) "تعليمًا لطريقهما وإظهارًا لفضيلة الحمد والدعاء" سقط من (ك).
(٣) "على" ليست في (ف) و(ك).
[ ٧ / ١٨٥ ]
(٣٢) - ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾؛ أي: بين ظهرانيهم وفي زمرتهم، ولم يأتهم مِن موضِعٍ آخر.
﴿رَسُولًا﴾ التَّنكير للتَّعظيم ﴿مِنْهُمْ﴾: مِن قبيلَتِهم.
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (أنْ) مفسِّرة لـ (أرسلنا)؛ أي: قلنا لهم على لسان الرَّسول: اعبدوا اللّه.
﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ عذابَه، وإدخال الهمزة على الفاء لإنكار عدم التَّقوى بعد العلم بأنَّه لا إله لهم غيره.
وفيه تنزيلٌ لهم منزلةَ العالم به؛ لتمكُّنهم مِن العلمِ به، وتنبيهٌ على ظهور الدِّلالة على ذلك.
* * *
(٣٣) - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾.
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَمَّا تضمَّن ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾ معنى القَول عطفَ عليه قولهم بالواو (^١)؛ أي: اجتمع في الحصول ذاك (^٢) الحقُّ وهذا الباطلُ.
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: بلقاء ما فيها من الحساب والجزاء، يعني: بالبعث.
﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ﴾: ونعَّمناهم ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بكثرة الأموال والأولاد:
_________________
(١) في هامش (ف) و(م) و(ع): "هذا هو الوجه لا ما ذكر القاضي من عدم اتِّصال كلامهم بكلامه؛ لأنَّه إنَّما يصلح وجهًا لعدم التَّصدير بالفاء، لا للتَّصدير بالواو؛ لبقاء احتمال الفصل على الاستئناف. منه".
(٢) في (ف): "ذلك".
[ ٧ / ١٨٦ ]
﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ في الحال والصَّفة.
﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ تقريرٌ للمماثلة، ولذلك تُرِكَ في قصَّة نوح ﵇ لترك فيد المماثلة.
و(ما) خبريَّة، وحذف العائد إلى الثَّاني لدلالة ما قبلَه، أو لشياع حذف المنصوب؛ أي: تشربونه.
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه.
﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾ واقعٌ في جزاء الشَّرط، وجوابٌ للذين قاولوهم مِن قومهم.
﴿لَخَاسِرُونَ﴾ بالانقياد لمثلكم، ومن حمقهم أنَّهم (^١) أبَوا اتِّباع أمثالهم وعبدوا أعجزَ منهم.
* * *
(٣٥) - ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾.
﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ لَمَّا كان كونه ترابًا معلومًا بطريق العقل وكونُهم عظامًا مشاهَدًا معلومًا بطريق الحسِّ، كان الثَّاني أشدَّ دفعًا في الاستبعاد عندَ العامَّة، فلذلك أخَّره، بل نقول: لولا مشاهدة العظام لكان الوهم يعارض العقل في كونه ترابًا، فهو كالتَّتميم للأوَّل، ولذلك تراه يُذكَرُ مؤخَّرًا في جميع المواضع.
﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ من العدم إلى الوجود تارةً أخرى.
_________________
(١) "أنهم" ليست في (ف).
[ ٧ / ١٨٧ ]
وثنَّى ﴿أَنَّكُمْ﴾ للتَّأكيد، وحَسُنَ ذلك لطول الفصل بين الأوَّل والثَّاني، و﴿مُخْرَجُونَ﴾ خبرٌ عن الأوَّل، و﴿إِذَا﴾ لمجرَّد الظَّرفيَّة، أو محذوف الجواب لدلالة (أنَّ) مع اسمها وخبرها عليه.
أو (^١) ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ مبتدأ خبره الظَّرف، والجملة خبر (أنَّ) الأولى؛ أي: أنكم إخراجكم إذا متم، أو مرفوع بفعل مقدَّر هو جواب الشَّرط، والشرطيَّة خبر؛ أي: أنكم إذا متم وقعَ إخراجكم (^٢).
* * *
(٣٦) - ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾.
﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ من أسماء الأفعال، واقعٌ موقع بَعُدَ، وفاعلها مُضمَر؛ أي: بَعُدَ التَّصديق أو الوقوع، واللَّام في:
﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾ للبيان، كما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، كأنَّهم لَمَّا صوَّتوا بكلمة الاستبعاد قيل: فما الذي له هذا الاستبعاد؟ قالوا: لما توعدون.
أو فاعلها ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾ واللَّام زائدة؛ أي: بَعُدَ ما توعَدُون مِن البعثِ.
وقيل: ﴿هَيْهَاتَ﴾ بمعنى: البُعْدُ، وهو مبتدأٌ خبرُه ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾.
وقرئ بالفتح منوَّنًا للتَّنكير (^٣)، وبالضَّمِّ منونًا على أنَّه جمع هيهةٍ، وغيرَ منوَّنٍ
_________________
(١) في (ك) و(م) و(ع): "و".
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ٨٧).
(٣) نسبت لخالد بن إلياس، ولهارون عن أبي عمرو. انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ١٤٣)، و"زاد المسير" (٣/ ٢٦١).
[ ٧ / ١٨٨ ]
تشبيهًا بـ (قبلُ)، وبالكسر على الوَجهَيْن (^١)، وبالسُّكون على لفظ الوقف (^٢)، وبإبدال التَّاءِ هاءً (^٣).
* * *
(٣٧) - ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ أصله: إنِ الحياةُ إلَّا حياتُنا الدُّنيا، فوضع ﴿هِيَ﴾ موضعَ (الحياة) لدلالة الخبر عليها؛ حذرًا عن التِّكرار، وإشعارًا بأنَّ تعيينها مغنٍ عن التَّصريح، كقوله:
هي النَّفسُ ما حَمَّلتَها تَتحمَّلِ (^٤)
والمعنى: لا حياةَ إلَّا هذه الحياة الدُّنيا؛ لأنَّ (إنْ) النَّافية دخلَتْ على (هي) التي بمعنى الجنس، فوازنت (لا) التي لنفي الجنس.
﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يموت منَّا بعضٌ ويُولَد بعضٌ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعدَ الموتِ.
* * *
(٣٨) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) قرأ بالكسر بلا تنوين أبو جعفر المدني. انظر: "النشر" (٢/ ٣٢٨).
(٢) أي: (هيهاتْ هيهاتْ). نسبت لخارجة بن مصعب وأبو حيوة والأحمر. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٧). وانظر كل ما ذكر من قراءات في "الكشاف" (٣/ ١٨٦).
(٣) وقف الكسائي والبزي بالهاء. انظر: "التيسير" (ص: ٦٠).
(٤) صدر بيت لعلي بن الجهم. انظر: "ديوانه" (ص: ١٦٢)، و"روضة العقلاء" (ص: ١٤٥)، و"معجم الشعراء" (ص: ٤٤)، وعجزه: وللدَّهْرِ أيَّامٌ تجورُ وتعدِلُ
[ ٧ / ١٨٩ ]
﴿إِنْ هُوَ﴾: ما هو ﴿إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ فيما يدَّعيه مِن إرساله (^١)، وفيما يعدنا مِن البعث، والمفتري قد يكون صادقًا في نفسه، ويكون الكذب في نسبته إلى المفترى عليه، فقوله:
﴿كَذِبًا﴾ لدفع هذا الاحتمال، وهذا غاية الضَّلال.
﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾: بمصدِّقين، وتقديم ﴿لَهُ﴾ للمحافظة على الفاصلة.
* * *
(٣٩) - ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عليهم، وانتقم لي منهم ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ قد سبق تفسيره.
فأجاب اللّه ﵎ حيث:
(٤٠) - ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾.
﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ﴾ (عن) يتعلَّق بـ (يصبحُنَّ)، و(ما) زائدة لتوكيد معنى القلَّة، أو بمعنى شيء، أو زمن، و﴿قَلِيلٍ﴾ صفةٌ له، وجواب القسم المحذوف.
﴿لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ على ما فعلوا إذا عاينوا ما يحلُّ بهم.
* * *
(٤١) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾: العقوبةُ الهائلةُ، لا صيحةُ جبريل ﵇ وعلى إخوانه من الملائكة والنَّاس؛ لِمَا عرفْتَ أنَّ القصَّة قصَّة هود ﵇ وعلى إخوانه (^٢)، لا قصَّةُ صالح ﵇.
_________________
(١) في (ف): "الرسالة".
(٢) "وعلى إخوانه" ليست في (ف).
[ ٧ / ١٩٠ ]
﴿بِالْحَقِّ﴾ باستحقاقهم ذلك، أو: بالوجه الثَّابت الذي لا دافع (^١) له، أو: بالعدل من اللّه ﵎، أو: بالوعد (^٢) الصِّدق.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ شبَّههم في دمارهم بالغُثاء، وهو حميل السَّيل ممَّا بَلِيَ واسودَّ من الورق والعيدان، وهذا التَّشبيه يناسب حال قوم هود ﵇.
﴿فَبُعْدًا﴾ مصدر بَعُدَ: إذا هلك، وهو من المصادر المنصوبة بأفعال لا يُستعمل إظهارها.
واللَّام في:
﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ لبيان مَن دُعِيَ عليه بالبُعْدِ، ووُضع الظَّاهر موضع المضمر (^٣) للتَّعليل، ويحتمِل الإخبارَ.
* * *
(٤٢) - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾.
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم ﵇.
* * *
(٤٣) - ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾.
﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ﴾ مزيدةٌ للاستغراق ﴿أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾: الوقتَ الذي عُيِّنَ لهلاكها وكُتِبَ.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "دفع".
(٢) في (ف): "بالوعيد".
(٣) في (ك): "الضمير".
[ ٧ / ١٩١ ]
﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ الأجلَ.
* * *
(٤٤) - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ فَعْلى، والألف للتَّأنيث؛ لأنَّ الرُّسل جماعة.
وقرئ: ﴿تَتْرَى﴾ بالتَّنوين (^١) على أنَّه مصدر بمعنى المتواترة وقع حالًا، والتَّاء بدل من الواو كما في تَوْلَج وتَيْقُور (^٢)؛ أي: متواترين واحدًا بعد واحدٍ، مِن الوتر، وهو الفرد.
﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ أضاف الرُّسل مع الإرسال إلى المرسَل ومع المجيء إلى المرسَل إليهم؛ لأنَّ مبدأ الإرسال (^٣) منه ومنتهى المجيء إليهم، فالرَّسول يلابسُهما (^٤) جميعًا، فتصحُّ إضافتُه إليهما.
﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ﴾: فأتبعنا بعضَ الأمم أو القرون ﴿بَعْضًا﴾ في الإهلاك.
﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ﴾: أخبارًا يُسْمَر بها، ويُتعجَّب منها.
والأحاديثُ تكون اسمَ جمعٍ للحديث، ومنه أحاديث الرَّسول عليه
_________________
(١) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٩).
(٢) التَوْلَجُ: كِناسُ الوحِش الذي يَلِجُ فيه. التاء مبدلة من الواو، وهو فوعل لأنك لا تكاد تجد في الكلام تفعل اسمًا. والتَّيْقورُ: الوقارُ، وأصلُه ويقور، قلبت الواو تاء. انظر: "الصحاح" (مادة: ولج، وقر).
(٣) في (ف): "الرسالة".
(٤) في (م): "ملابسهما".
[ ٧ / ١٩٢ ]
السلام، وتكون جمعًا للأحدوثة، وهي ما يتحدَّث به النَّاسُ تلهِّيًا وتعجُّبًا، وهو المراد هنا.
﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ﴾: سبق تفسيره آنفًا ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ به.
* * *
(٤٥) - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ للإشعار بأنَّ إرساله ﵇ كان تَبعًا لموسى ﵇، تعرَّض لأخوَّته له، ونزَّل ذلك الوصفَ منزلةَ الأصل، حيث جعل اسمه بدلًا عنه.
﴿بِآيَاتِنَا﴾ بالآيات التِّسع.
﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ وحجَّةٍ واضحةٍ تظهِرُ بُطلانَ المخالِف، ويجوز أنْ يُراد به العصا، وإفرادُها بالذِّكرِ لأنَّها أمُّ المعجزات وأُولاها، وتعلَّقَتْ بها معجزاتٌ شتَّى كما ذكر، كأنَّها (^١) ليست بعضَها لِمَا استندت به من الفضل، ويجوز أنْ يُرادَ الآياتُ أنفسها؛ لأنَّها آياتٌ وحجَّةٌ بيِّنةٌ.
* * *
(٤٦) - ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ لاستخلاص بني إسرائيل عن أيديهم على ما أفصح عنه في سورة الشعراء، حيث قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٦، ١٧] أي: خلِّهم يذهبوا معنا إلى الشَّام.
_________________
(١) في (ف): "كما إذا ذكر أنها"، وفي (ك): "كما ذكر أنها".
[ ٧ / ١٩٣ ]
﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن تصديقِهما في الرِّسالة المذكورة، وعن الائتمار بأمرِهما، لا عن المتابعة؛ لأنهما ﵉ لم يَدْعوهم إليها، دلَّ على ذلك قولهما: خلِّهم يذهبوا معنا إلى الشَّام.
﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾: متكبرين.
* * *
(٤٧) - ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾.
﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ﴾: أنذعَنُ وننقادُ ﴿لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ البَشرُ اسم الجنس، كما يُطلَق على الجمع كقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦]، يُطلَق على الواحد كقوله: ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، وبهذا الاعتبار يثنَّى.
و(مثْل) كغير: يُوصَفُ به الاثنان والجمع، والمذكَر والمؤنَّث، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، ويقال أيضًا: هما مثلاه، وهم أمثالهم.
﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ يعني: بني إسرائيل.
﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ على الحقيقة، كأنَّه كان يدَّعي الإلهيَّة فادَّعى للنَّاس العبادةَ.
* * *
(٤٨) - ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾.
﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ بالغرق.
* * *
(٤٩) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
[ ٧ / ١٩٤ ]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ بعدَ إهلاكِهم ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾: التَّوراةَ.
لَمَّا كان إيتاؤه موسى ﵇ في حكم إيتائه قومه قال:
﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يعملون بشرائِعِها ومواعظها؛ فإنَّ الاهتداءَ بالكتبِ الإلهيَّةِ إنَّما يحصل بالعملِ بما فيها، لا بعلْمِها.
* * *
(٥٠) - ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عَبَر عنه بكنيته دون اسمه؛ لما فيها من الإشارة إلى وجه كونه آية، وهو ولادته مِن غير أب، وذلك أنَّ الأصل في النَّسب هو الأب، فلا يُعدَلُ عنه إلَّا عندَ فقدِه.
﴿وَأُمَّهُ آيَةً﴾ بولادتها إيَّاه من غير مسيسٍ، فهما معًا آيةٌ واحدةٌ.
أو: وجعلنا ابنَ مريم آيةً بأنْ تكلَّم في المهد وظهرَتْ منه معجزاتٌ أُخَر، وأمَّه آيةً بأنْ ولدَتْ مِن غيرِ مَسيسٍ، فحذف الأولى لِدلالةِ الثَّانية عليها.
﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾: هي الأرضُ المرتفعة، قيل: هي بيت المقدس، وقيل غيره.
﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾: مستقرٍّ مِن أرضٍ منبسطةٍ، وقيل: ذات ثمارٍ وزروعٍ، فإنَّ ساكنيها يستقرُّون فيها لأجلها.
﴿وَمَعِينٍ﴾ المَعينُ الماءُ الجاري على وجه الأرض، مفعول مِن عَانَه: إذا أدركه بالعَيْن، نحو رَكَبَهُ: إذا ضربَه بالرُّكْبَةِ؛ أي: يُدْرَكُ بالعَيْن لظهوره، فميمه على هذا زائدة.
[ ٧ / ١٩٥ ]
أو فعيل مِن مَعَنَ الماء: إذا جرى، وأصله: الإبعاد في الشَّيء، أو مِن الماعون الذي هو المنفعة؛ أي: نفَّاع، فميمُه أصليَّةٌ.
* * *
(٥١) - ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ هذا النِّداءُ والخطاب ليسا على ظاهرهما؛ لأنهم أُرْسِلوا متفرِّقين في أزمنةٍ مختلفةٍ، وإنَّما المعنى الإعلام بأنَّ كلَّ رسولٍ في زمانِه نُودِيَ لذلك ووصِّي به؛ ليعتقد السَّامع أن أمرًا نودي له جميع الرُّسل ووُصُّوا به حقيقٌ أنْ يُؤْخَذ به ويُعْمَل عليه، أو خطابٌ لمحمَّدٍ ﵊ لفضله وقيامه مقامَ الكلِّ في زمانه، وكان يأكل من الغنائم، أو لعيسى ﵇ لاتِّصال الآيةِ بِذِكْرِه، وكان يأت مِن غَزْل أمِّه، وهو أطيب الطَّيِّبات.
والمراد بـ ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾: ما (^١) حل، والأمرُ للتَّكليف، أو: ما يُستطَابُ ويُستَلَذُّ، والأمرُ للتَّرفيه (^٢) والإباحة، ومع الاحتمال لا يتمُّ الاحتجاج به على الرَّهبانيَّة (^٣) في رفض الطَّيِّباتِ بالمعنى الثاني.
﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾: موافقًا للشريعة.
﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فأجازيكم على أعمالكم.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(م): "مما".
(٢) في (ك): "للتنزيه".
(٣) في (ك): "الرهابنة".
[ ٧ / ١٩٦ ]
(٥٢) - ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾.
﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾ بالكسر على الاستئناف، وبالفتح (^١) بمعنى: ولأنَّ، والمعلَّل ﴿فَاتَّقُونِ﴾، أو هو معطوف على ما قبله؛ أي بما تعملون عليم وبأنَّ هذه، أو تقديره: واعلموا أن هذه.
وقرئ بالتَّخفيف (^٢).
﴿أُمَّتُكُم﴾: مِلَّتكم وطريقَتكم.
﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ في أصول الشَّرائع والمعتقدات، أو: جماعتكم جماعة واحدة متِّفقة في التِّوحيد والإيمان، ونصبُها على الحال.
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ وحدي ﴿فَاتَّقُونِ﴾ في شقِّ العَصا ومخالفة الكلمة.
* * *
(٥٣) - ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.
﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ تقطَّع بمعنى قطَّع، والضَّمير لِمَا دلَّ عليه (الأمَّة) مِن أربابها، أو لها.
﴿أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾: ما أُمِروا به مِن الشَّرائع والأحكام.
﴿زُبُرًا﴾: جمع زبور؛ أي: كُتُبًا مختلفة؛ يعني: جعلوا دينهم أديانًا، وقيل: تفرَّقوا في دينهم كلٌّ ينتحل (^٣) كتابًا.
_________________
(١) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٩).
(٢) بتخفيف النون مع فتح الهمزة قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٩).
(٣) في (ف) و(ك): "سجل"، وفي (م): "مسجد". والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر: "تفسير النسفي" (٢/ ٤٧٢)، والكلام منه، ولفظه: "تفرقوا في دينهم فرقًا كل فرقة تنتحل كتابًا".
[ ٧ / ١٩٧ ]
وعن الحسن: قطَّعوا كتابَ الله قطعًا (^١).
ويؤيده قراءة: (زُبَرًا) بفتح الباء (^٢)، جمع زُبْرةٍ مستعارة من زُبَر الحديد، ويجوز أن يكون حالًا من ﴿أَمْرَهُمْ﴾، أو من الواو.
﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾: كلُّ فرقةٍ مِنْ فِرَقِ هؤلاء المختلفين المتقطِّعين دينهم.
﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ مِن الكتاب والدِّين، أو مِن الهوى والرَّأي.
﴿فَرِحُونَ﴾: معجبون معتقدون أنَّهم على الحقِّ.
* * *
(٥٤) - ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾.
﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾: في جهالتهم، شبَّهها في غلبتها عليهم بالماء الذي يَغْمُرُ القامةَ؛ لأَنَّهم مغمورون فيها، أو شُبِّهوا باللَّاعبين في غمرةِ الماءِ؛ لِمَا هم عليه مِن الباطل.
﴿حَتَّى حِينٍ﴾ إلى أن يُقتلوا أو يموتوا (^٣). سُلِّيَ به رسول اللّه ﷺ، ونُهي عن الاستعجالِ بعذابِهم.
* * *
(٥٥) - ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾.
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾: أنَّ ما نعطيهم ونجعله مددًا لهم ﴿مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ بيانٌ
_________________
(١) انظر: "تفسير النسفي" (٢/ ٤٧٢). وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٢ - ٦٣) عن مجاهد.
(٢) نسبها الداني في "جامع البيان" لابن عامر (٢/ ٣٠٣) لكن بخلاف بين أصحاب هشام راوية ابن عامر، ونسبت لأبي عمرو في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٩).
(٣) في (م): "ويموتوا".
[ ٧ / ١٩٨ ]
لـ (ما) لا خبرٌ له، فإنَّه غيرُ مُعابٍ عليه، وإنَّما المعاب عليه اعتقادهم أنَّ ذلك خيرٌ لهم، فخبرُه:
* * *
(٥٦) - ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ والعائد مِن خبر (أنَّ) إلى اسمها محذوفٌ؛ أي: نسارع لهم به، والمعنى: إنَّ هذا الإمداد ليس إلَّا استدراجًا لهم إلى المعاصي، وهم يحسبونه مسارعةً لهم في الخيرات، ومعاجلةً بالثَّواب جزاءً على حُسن صنيعهم، ويجوز أن يُراد: في جزاء الخيرات كما يُفعل بأهل الخير من المسلمين.
﴿بَلْ﴾ إضراب عمَّا يحسبونه.
﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: بل (^١) هم أشباهُ البهائم، لا فِطنةَ بهم ولا شعور حتى يتأمَّلوا ويتفكَّروا (^٢) في ذلك، فيعلموا أنه استدراجٌ لا مسارعةٌ في الخير.
* * *
(٥٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ الخشيةُ: خوفٌ يَشوبُه التَّعظيمُ.
﴿مُشْفِقُونَ﴾: قاضُون لحقِّ الهيبة والعظمة على حذرٍ ورقْبَةٍ. والإشفاقُ: خوفٌ معَ اعتناءٍ.
* * *
_________________
(١) "بل" سقط من (ف).
(٢) في (ك): "أو يتفكروا".
[ ٧ / ١٩٩ ]
(٥٨) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ المنصوبة والمنزَّلة.
﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدِّقون مدلولَها ونزولَها مِن عند اللّه.
* * *
(٥٩) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ شركًا جليًّا ولا خفيًّا.
* * *
(٦٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ يعطون ما أعطوه من الصَّدقات. وقرئ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ (^١)؛ أي: يفعلون ما فعلوه مِن الطَّاعات.
﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أنْ لا يُقبلَ منهم، وأنْ لا يقعَ على الوجه اللَّائق فيؤاخَذوا به.
والوَجَلُ: اضطرابُ النَّفسِ لتوقُّعِ ما يُكْرَه (^٢).
﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ لأنَّ مرجعهم إليه، وهو يعلم ما يخفى عليهم.
* * *
(٦١) - ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: يرغبون فيها أشدَّ الرَّغبةِ فيبادرونها، والأحسنُ طباقًا لِما تقدَّم والأشدُّ وِفاقًا له أنَّ المعنى: أنَّهم يسارعون في نيل الخيرات
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٨)، و"المحتسب" (٢/ ٩٥).
(٢) في (م): "لتوقع مكروه".
[ ٧ / ٢٠٠ ]
الدُّنيويَّة ويتعجَّلون في الدُّنيا المنافع ووجوه الإكرام؛ لأنَّهم إذا سُورِعَ بها لهم فقد سارعوا في نيلها وتعجَّلوها؛ لقوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨]؛ لأنَّ فيه إثباتَ ما نُفِيَ عن الكفَّار للمؤمنين.
﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ أي: لأجلها فاعلون السَّبْقَ، أو: سابقون النَّاس لأجلِها، أو: إيَّاها سابقون؛ أي: ينالونها قبلَ الآخرة، حيث عُجِّلَتْ لهم في الدُّنيا.
حال من فاعل ﴿يُسَارِعُونَ﴾، أو عطف على ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ﴾ عطفَ الجملة على الجملة، ﴿لَهَا﴾ صلة ﴿سَابِقُونَ﴾، أو علته (^١)، أو خبر (هم)، و﴿سَابِقُونَ﴾ خبرٌ بعدَ خبرٍ.
* * *
(٦٢) - ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: قَدْرَ طاقتها، يريد به التَّحريض على ما وصفَ به الصَّالحين وتسهيله على السَّامعين.
﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾ أي: ما عملوه غيرُ ضائعٍ، بل مثبَت في كتابٍ؛ أي: اللَّوحِ، أو صحيفةِ الأعمال.
﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾: يبيِّنُ الصِّدق، لا يوجد فيه ما يخالفُ الواقعَ.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بزيادة عِقابٍ، أو نقصان ثواب، وتقديم ﴿وَهُمْ﴾ للمحافظة على الفاصلة، ثم عاد إلى ذِكْر الكافرين فقال:
_________________
(١) والمعنى: يرغبون في الطاعات والعبادات أشد الرغبة، وهم لأجلها فاعلون السبق، أو لأجلها سابقون الناس إلى الثواب أو إلى الجنة. انظر: "روح المعاني" (١٨/ ١٠٣).
[ ٧ / ٢٠١ ]
(٦٣) - ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾.
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾: في غفلةٍ غامرةٍ لها ﴿مِنْ هَذَا﴾: مِن الذين وُصِفَ به السَّابقون.
﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾ خبيثة ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ متجاوزةٌ عمَّا وُصِفُوا به، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ للتَّعظيم.
﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾: معتادون فعلها.
* * *
(٦٤) - ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ متنعِّميهم.
﴿بِالْعَذَابِ﴾ وهو القَتْلُ يومَ بدرٍ، أو الجوعُ حين دعا عليهم رسولُ الله ﷺ فقال: "اللهمَّ اشدُدْ وَطْأتكَ على مُضَرَ، واجعَلْها عليهم سنينَ كسِني يوسف" (^١)، فابتلاهم اللهُ تعالى بالقَحْطِ حتى أكلوا الجيَف والكلاب والعِظام المحرَّقة والقِدَّ والأولاد (^٢).
﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ الجؤارُ: الصُّراخُ بالاستغاثة؛ أي: فاجَؤوا به، وهو جواب الشَّرط، والجملة مبتدأ بعد ﴿حَتَّى﴾، ويجوز أن يكون الجوابُ:
(٦٥) - ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾.
﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ فإنَّه مُقدَّر بالقول؛ أي: يُقال لهم: لا تجأروا.
_________________
(١) رواه البخاري (٨٠٤)، ومسلم (٦٧٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٩٣). القد بالكسر: سير يقد من جلد غير مدبوغ.
[ ٧ / ٢٠٢ ]
﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ تعليلٌ للنَّهي؛ أي: لا تجأروا، فإنَّه لا ينفعكم إذ لا تُمنعون (^١) منا، أو لا يلحقكم نصرٌ مِن جهتنا.
* * *
(٦٦) - ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾.
﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي﴾ يعني: القرآن.
﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: قد استمرَّ تجدُّد تلاوته عليكم وقتًا بعدَ وقتٍ.
﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ تُعرضون عنها؛ أي: عن سماعها وتصديقها على أشنع وجه مستمرِّين على ذلك، والنُّكوص: أن يرجع القَهْقَرى، وهو أقبح مشيَةٍ لأنَّه لا يرى ما وراءه.
* * *
(٦٧) - ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾.
﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ على المسلمين ﴿بِهِ﴾: بالبيت أو بالحرم (^٢)؛ لأنَّهم يقولون: لا يظهر علينا أحدٌ لأنَّا أهلُ الحرم، والذي سوَّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت (^٣).
أو: بـ ﴿آيَاتِي﴾ لأَنَّها في معنى: كتابي، ومعنى استكبارهم به: تكذيبُهم به استكبارًا على التَّضمين، أو مستكبرين بسببه؛ أي: إذا تُتلَى عليكم حدثَ بسببِه استكباركُم.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "تمتنعون".
(٢) في هامش (ع) و(ف) و(م): "وأمَّا التَّكذيب فلا يصلح سببًا للاستكبار، بل الأمر بالعكس".
(٣) "بالبيت" سقط من (ك).
[ ٧ / ٢٠٣ ]
أو يتعلق الباء بقوله: ﴿سَامِرًا﴾؛ أي: تَسْمُرون (^١) بذكر القرآن وبالطَّعن فيه، وذلك أنَّهم كانوا يجتمعون حولَ البيت يَسمُرونَ، وكانت (^٢) عاقبةُ سَمَرِهم ذكرَ القرآن وتسميتَه سحرًا وشعرًا. والسَّامرُ نحوُ الحاضر في الإطلاق على الجمع.
أو بقوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ وهو مِن الهَجْرِ بالفتح: الهذيان، وبالضَّم: الفُحْش.
وقرئ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ (^٣)، [و: (تُهَجِّرون)] (^٤)، مِن أَهْجَرَ في منطقه: إذا أَفْحَشَ، ومن هَجَّر الذي هو مبالغةٌ في هَجَرَ: إذا هَذَى؛ أي: تُعْرِضون عن القرآن وتَهْذون في شأنه، أو تُفحشون (^٥).
* * *
(٦٨) - ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ القرآنَ؛ ليعلموا عند تدبُّره أنَّه الحقُّ المبين، فيصدِّقوا به وبمَن جاء به، أو ليخافوا (^٦) عند تأمُّل أقاصيصِه مثلَ ما أنزل (^٧) بمَن قبلِهم مِن المكذِّبين.
_________________
(١) في (م): "تستمرون".
(٢) في (ف) و(م): "وكان".
(٣) وهي قراءة نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٩).
(٤) من "الكشاف" (٣/ ١٩٤). ونسبت لابن مسعود وابن عباس وجمع. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٨)، و"البحر" (١٥/ ٤٦٨).
(٥) في (ع) و(ف) و(ك) و(م) "تفحشونه"، والمثبت من (ي).
(٦) في (ف) و(ك) و(م): "ليخالفوا"، والمثبت من (ع) و(ي) وهو الصواب. انظر: "روح المعاني" (١٨/ ١١٤).
(٧) في (ك) و(م): "ما نزل".
[ ٧ / ٢٠٤ ]
والهمزةُ للتَّقرير والتَّوبيخ؛ أي: أبعدَ وضوحِ آياتي المتلوَّة عليهم لم يتدبَّروه؟! و﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ منقطعةٌ؛ أي: عدم تدبُّرهم أجاءَهم ما لم يأتِ آباءَهم الأقدمين مِن كتاب أو رسولٍ أو أَمْنٍ مِن عذابِ الله تعالى فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون كإسماعيل ﵇ وأعقابه؟!
فالهمزة هذه للإنكار، ويجوز أن يكون المراد بـ ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: الذين مَضوا ممَّنْ سبقوهم مِن الأقربين الذين قلَّدوهم، فتكون الهمزة للتَّقرير أيضًا.
* * *
(٦٩) - ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ إضراب عَّما ذُكِرَ، وإنكارٌ لعدم معرفتهم إيَّاه؛ لأنَّهم عرفوه بالأمانة والصِّدق، وحسن الخُلُق، وكمال العلم مع عدم التَّعلُّم، إلى غير ذلك مما هو صفة الأنبياء.
﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ تفريغٌ على عدم معرفتهم إيَّاه، فيدخل تحت الإضراب والإنكار.
ولا وجه لِمَا قيل: لأحد هذه الوجوه (^١)؛ لأنَّ الآتي بعده مِن جملة الوجوه، فلا وجه للفصل بينها بما ذُكِر.
* * *
_________________
(١) يشير إلى البيضاوي الذي قال: ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ دعواه لأحد هذه الوجوه إذ لا وجه له غيرها). قال الشهاب: قوله: (لأحد هذه الوجوه) المذكورة تعليل للإنكار بوجوه مذكورة في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا﴾ إلى هنا فإنها وجوه للإنكار ترتب عليها (لا وجه له)؛ أي: للإنكار (غيرها). انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٣٤٠).
[ ٧ / ٢٠٥ ]
(٧٠) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.
﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إضرابٌ وإنكارٌ أيضًا لقولهم: ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ لأنَّهم كانوا يعلمون أنَّه أرجحُهم عقلًا، وأتقنُهم رأيًا، وأصوبُهم نظرًا.
ويجوز أن تكون الهمزة للاستفهام، و﴿أَمْ﴾ هي المتصلة، ويكون الكلام على طريق المجادلة بالتي هي أحسن؛ أي: أيّ هذه الأمور كائنٌ، كما يقول المناظر: إنَّ الأمر لا يخلو مِن أحد هذه الأقسام، لكنَّ الأقسامَ (^١) كلَّها باطلة إلَّا القسمَ الأوَّل، وهو عدم التَّدبُّر، وعبَّرَ عنه بقولِه:
﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ بمخالفته أهواءَهم، فلذلك لم يتدبَّروا، وإنَّما قيَّد الحكم بالأكثر لأنَّه كان منهم مَن تركَ الإيمان استنكافًا مَن توبيخِ قومِه، أو لقلَّة فطنتِه ولعدمِ فكرَتِه، لا لكراهةِ الحقِّ.
* * *
(٧١) - ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ﴾ على سبيل الفَرْضِ والتَّقدير كما تُفْرَضُ المحالاتُ ﴿أَهْوَاءَهُم﴾ في الشِّرك بأنْ كان في الوجود آلهةٌ شتَّى ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ كما سبق تقريره في تفسير قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
أو: وَلَوِ اتَّبع الحقُّ الذي قام به السَّماوات والأرضُ أهواءَهم لانقلَبَ باطلًا، ولذهبَ ما قام به العالم فلا يبقى شيءٌ منه (^٢).
_________________
(١) "لكن الأقسام" من (م) و(ي).
(٢) في (ف): "منه شيء".
[ ٧ / ٢٠٦ ]
أو: وَلَوِ اتَّبع الحقُّ الذي جاء به محمَّدٌ ﵇ وهو الإسلام - أهواءَهم وانقلب شركًا لجاء اللّه تعالى بالقيامة وأهلك العالَم مِن فرط غضبه ولم يؤخّر.
وأمَّا ما قيل: معناه: ولو كان اللّه إلهًا يَتَّبع (^١) أهواءهم ويأمر بالشِّرك والمعاصي لَمَا كان إلهًا ولكن شيطانًا؛ ففيه ما لا يخفى من جرأةٍ (^٢) على الله تعالى، وسوءِ أدبٍ فاحشٍ.
﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ خصَّ العقلاء تنبيهًا على أنَّ وجودَ الغيرِ تبعٌ لهم.
﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾: بالكتاب الذي هو ذكرهم؛ أي: وَعْظُهم، أو: صِيْتُهم وفَخْرُهم، أو بالذِّكْرِ الذي كانوا يتمنَّونه بقولهم: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨].
﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ لا يلتفتون إليه، وإنما أعاد الذِّكْرَ باسمه تفخيمًا.
* * *
(٧٢) - ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
و﴿أَمْ﴾ في: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ منقطعةٌ.
﴿خَرْجًا﴾ وقرئ: (خَرْاجًا) (^٣).
_________________
(١) في (ك): "لتبع"، وفي (م): "تبع"، وفي (ف): "ليتبع". والمثبت من (ع) و(ي) و"الكشاف" (٣/ ١٩٦).
(٢) في (ف): "الجرأة".
(٣) قرأ حمزة والكسائي: ﴿خَرْجًا فَخَرَاجُ﴾، وقرأ ابن عامر: ﴿خَرْجًا فَخَرَاجُ﴾، وباقي السبعة: ﴿خَرْجًا فَخَرَاجُ﴾. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٦).
[ ٧ / ٢٠٧ ]
والخَرْجُ: ما تُخرجُه إلى الإمام مِن زكاة أرضك، وإلى كلِّ عاملٍ مِن أجرته وجعله.
وقيل: الخرْجُ: ما تبرَّعْتَ به، والخَراجُ: ما لزمَكَ أداؤُه.
والوجهُ: أنَّ الخَرْجَ أخَصُّ مِن الخَراجِ بقولِكَ: خَراجُ القرية وخَرْجُ الكَرْدة (^١)، زاد اللَّفظ لزيادة المعنى، ولهذا حسنت القراءة الأولى؛ يعني: أم تسألهم على هدايتك لهم قليلًا مَن عطاء الخَلْقِ.
﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ﴾ فالكثيرُ مِن عطاء الخالق ﴿خَيْرٌ﴾ ففيه مندوحةٌ لكَ عن عطائِهم.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ تقرير لخيريَّة خراجه.
* * *
(٧٣) - ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قد سبقَ تفسيرُه في الفاتحة. والتَّنكير ها هنا للتَّعظيم.
ولَمَّا ألزمهم الحجَّةَ وأزاح العلَّة بحصر الأقسام التي تقتضي الإنكار والاتهام (^٢)، وبيَّنَ انتفاءها إلا عدم (^٣) التَّدبُّر وكراهتهم الحقَّ لمخالفته أهواءهم، وأقام الدَّلائل على امتناع موافقته لِمَا هم عليه مِن التَّقليد واتِّباع الهوى؛ لِمَا يلزم
_________________
(١) في (ك) و(م): "الكر"، وفي (ف): "الثمرة"، والمثبت من (ع) و(ي) و"الكشاف" (٣/ ١٩٧). الكَرْدَةُ: جمعُها: الكُرَدُ، وهو من وضع الكرد، والعرب لا تعرفها، وهي قطعةٌ من الأرض المزروعة، ولا تُعرفُ هذه اللغة في الأصول. انظر: "حاشية الطيبي على الكشاف" (١٠/ ٦٠٨).
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "والابهام".
(٣) في (ك): "لا عدام".
[ ٧ / ٢٠٨ ]
ذلك مِن الفساد الكلِّيِّ= ثبتَ أنَّ ما عليه هو الصِّراط المستقيم البيِّن استقامتُه بشهادة العقول السَّليمة والفطرة الصَّافية، وأنَّه يدعوهم إليه، وأنَّهم لكفرهم عن الصِّراط المذكور لعادلون (^١).
* * *
(٧٤) - ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾.
وإنَّما عدل في قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ عن الضَّمير إلى الموصول؛ للتَّنصيص على علَّة عدولهم، وليكون كالبرهان على عدولهم؛ لدخولهم في الموصول دخولًا أوَّليًّا.
* * *
(٧٥) - ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ يعني: القَحْطَ.
﴿لَلَجُّوا﴾: لتمادَوا ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في إفراطهم في الكفر والاستكبار عن الحقِّ وعداوة الرَّسول ﵇ والمؤمنين ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: لعادُوا إلى ما كانوا عليه مِن اللَّجاجِ في الطُّغيان، ولذهبَ عنهم هذا الإبلاس (^٢) والتَّمسكُن بينَ يديه يسترحمونه، عَمِهِيْنَ عن الهدى.
ثمَّ استشهد على ذلك بقوله:
(٧٦) - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾.
_________________
(١) في (ع) و(ي): "لعادلوا"، ولعل الصواب: (عادلون).
(٢) في (ع) و(ف) و(ك) و(م): "الالباس"، والمثبت من (ي) وهو الصواب.
[ ٧ / ٢٠٩ ]
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ أي: القتلِ والأسرِ يومَ بدرٍ.
﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ فما خضَعوا، وما تذلَّلوا، ولم يوجَدْ منهم تضرُّعٌ.
استكانَ: استفعل مِن الكون؛ لأنَّ المُتَذَلِّلَ انتقل مِن كونٍ إلى كونٍ، كالمستحيل للمتنقِّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، أو افتعل مِن السُّكون أُشبع فتحتُه.
* * *
(٧٧) - ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: بابَ الجوع الذي هو أشدُّ مِن القتل والأسر.
﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ الإبلاسُ: اليأسُ (^١) مِن كلِّ خيرٍ.
وقيل: السُّكوتُ مع التَّحيُّر؛ أي: فأُبلسوا ساعتئذٍ وخضعَتْ رقابُهم، حتى جاء أعتاهم يستعطفُكَ.
رُوي أنَّه لمَّا أسلمَ ثُمامَةُ بنُ أُثالٍ الحنفيُّ ولحقَ اليمامة ومَنع المِيْرَةَ من أهل مكَّة، وأخذهم الله تعالى بالسِّنين حتى أكلوا العِلْهِزَ (^٢)، جاءَ أبو سُفيانَ رسولَ اللّه ﷺ فقال له: أَنشدُكَ الله والرَّحمَ! ألستَ تزعمُ أنَّك بُعِثْتَ رحمةَّ لَلعالمين؟ فقال: "بلى"، قال: قتلْتَ الآباءَ بالسَّيفِ والأبناءَ بالجوعِ، فنزلَتْ (^٣). وهذا صريح في أنَّها مدنيَّة.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "أي إبلاس" بدل "الإبلاس اليأس".
(٢) طعام من الدم والوبر كان يتخذ في المجاعة. انظر: "القاموس" (مادة: علهز).
(٣) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٩٣) عن ابن عباس ﵄، وانظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٦٣٨ - ٦٣٩). وخبر ثمامة رواه البخاري (٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤) دون ذكر مجيء أبي سفيان ونزول الآية.
[ ٧ / ٢١٠ ]
(٧٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴿قَلِيلًا﴾ نصب على المصدر، و﴿مَا﴾ زائدة للتَّوكيد بمعنى حقًّا؛ أي: شكرًا قليلًا تشكرون حقًّا، وإنَّما خَصَّ ﴿السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ بالذِّكر في مقام الامتنان لأَنَّها أصول المُدْرَكات المُنتفَع بها في المنافع الدِّينيَّة والدنياوَّية، ولا يمكن الاستكمال إلَّا بها، فإنه موقوف على الاعتبار والاستماع والاستبصار بالنَّظر والاستدلال، فهي أصولُ النِّعَمِ الموجبةُ للشُّكر، ولَمَّا كان العمدة في الشُّكر استعمالَها فيما خُلِقَتْ لأجله، ومقدمتُها الإقرار بواهبها ومُنشِئها قال:
(٧٩) - ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: خلقَكم فيها بالتَّناسُلِ.
﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: تُجمَعون يومَ القيامة بعدَ تفرُّقكم.
* * *
(٨٠) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قد سبق تفسيرُه؛ أي: هو المختصُّ باعترافكم بإنشاء الجوارح المذكورة وإنشائكم، والمختصُّ بالإحياء والإماتة، ﴿وَلَهُ﴾ خاصَّةً ﴿اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، وهو متولِّيه، لا يقدر على تصريفهما (^١) غيره، والاختصاصُ مستفادٌ مِن تقديمِ الضَّمير والظَّرف.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أبعْدَ هذه الدَّلائل الواضحة لا تعقلون بالنَّظر والاستدلال
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "تصرفها"، وفي (ع): "تصريفها"، والمثبت من (ي).
[ ٧ / ٢١١ ]
واستعمال المُدْرَكات المذكورة أنَّ الكلَّ منَّا، وأنَّ قدرتنا تعمُّ الممكنات كلَّها، وأنَّ البعث مِن جُملتها، فلا تنكرونه.
والالتفات مِن التَّكلُّم إلى الغيبة ممَّا لا تخفى فائدته مِن التَّعظيم كما في ﴿رَبِّهِمْ﴾ (^١)، وقرعِ العصا بالتكرير والافتنانِ فيه (^٢).
وقرئ: (يعقلون) بالياء (^٣) على الالتفات أيضًا، أو على أنَّ الخطاب السَّابق لتغليب المؤمنين.
* * *
(٨١) - ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾.
﴿بَلْ قَالُوا﴾؛ أي: كفار مكَّة ﴿مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾: كما قال الكفَّار قبلَهم.
* * *
(٨٢) - ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ قد سبقَ وَجْهُ تأخير قوله: ﴿وَعِظَامًا﴾ عن قوله: ﴿تُرَابًا﴾.
﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ تكرار الهمزة للمبالغة في الإنكار والاستبعاد.
والتَّأكيد بـ (إنَّ) واللَّام لتوجيه الإنكار إلى الجزم بالبعث، واعتقادِ تحقُّقه، والإتيانِ به كما عليه الرَّسول والمؤمنون، ويُخبرون عنه.
* * *
_________________
(١) كتب فوقها في (ك): "في قوله: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ "
(٢) كتب فوقها في (ك): "مثل في التفهيم، يعني تفهيم المعنى لإلقاء مكررًا، وبالتفنن بالعبارة".
(٣) رواية عن أبي عمرو. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٨).
[ ٧ / ٢١٢ ]
(٨٣) - ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا﴾؛ أي: البعث ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: مِن قبلِ مجيءِ محمَّدٍ ﵇.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ الأساطيرُ: جمعُ أسطورةٍ، وهذا البناء لِما يُتلهَّى به، كالأضحوكة والأعجوبة والألعوبة (^١).
وقيل: جمع أسطارٍ، جمع سطر، وهي ما كتبه الأوَّلون ممَّا لا حقيقة له.
* * *
(٨٤) - ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ إنَّما قيل: (مَن) تغليبًا للعقلاء، أو لأنَّه يلزم أن يكون له غيره (^٢) من طريق الأَولى.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إنْ كنتم مِن أهل العلم، أو: مِن العالمين بذلك، زيادة استهانة بهم (^٣)، وتقريرُّ لفَرْط جهالتهم.
* * *
(٨٥) - ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لأنهم مقرُّون بأنَّه الخالق.
﴿قُلْ﴾؛ أي: بعد ما قالوه: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فتعلموا أنَّ مَن فطرَ الأرض ومَن فيها كان قادرًا على إعادة الخلق، وكان حقيقًا بأنْ لا يُشرَك به بعضُ خلقه في الرُّبوبيَّة.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٨٨).
(٢) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (غيرهم). انظر: "روح المعاني" (١٨/ ١٣١).
(٣) في هامش (ع) و(ف) و(م): "وإنما قال: زيادة؛ لأنَّ أصلها فاصلة بالسؤال، على ما سنقف عليه".
[ ٧ / ٢١٣ ]
(٨٦) - ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ في توصيفه بـ ﴿الْعَظِيمِ﴾ تصغير للسَّماوات السَّبع مع هذه العظمة في جنبه، وهذا غاية في التَّعظيم.
* * *
(٨٧) - ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لأنَّ ذلك أيضًا قد تقرَّر عند العرب بإخبار أهل الكتاب.
وقرئ: ﴿لِلَّهِ﴾ بغير لام فيه وفيما بعده (^١) على ما يقتضيه لفظ السُّؤال، والأوَّل محمولٌ على المعنى؛ لأنَّ قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ معناه: لله هذه الأشياء، وهذا جوابٌ صحيحٌ، قال الشَّاعرُ:
إذا قِيلَ مَنْ رَبُّ القيانِ (^٢) بموقِفٍ … ورَبُّ الجيادِ الجرْدِ قيل لخالد (^٣)
﴿قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: أفلا تخافونه فلا تشركوا به (^٤)، ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته.
* * *
_________________
(١) قراءة أبي عمرو، ولا خلاف في الحرف الأول. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٠).
(٢) في (ع): "القيام"، وفي (ف): "العباد"، وفي (ك): "العباب"، وفي (م): "العتاب"، وفي (ي): (القباب)، والمثبت من "حاشية الطيبي على الكشاف" (١٠/ ٦٢٠).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ٥٤)، و"تفسير القرطبي" (١٥/ ٨٠)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٤٧٩)، و"روح المعاني" (١٨/ ١٣٠). وصدره فيها جميعا: إذا قيل من رب المزالف والقرى
(٤) في (ك): "فلا تشكرونه".
[ ٧ / ٢١٤ ]
(٨٨ - ٨٩) - ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾.
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: مالكيتُه ومدبِّريَّته.
قيل: الملكوتُ: الملك، والواو والتَّاء للمبالغة، فينبئ عن عظم الملك.
﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾: وهو يغيثُ مَن يشاءُ، مِن أجرْتُ فلانًا على فلان: إذا أغثته منه ومنَعْته (^١).
﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾: ولا يغيثُ أحدٌ منه أحدًا، وتعديته بـ (على) لتضمُّنه معنى النُّصرة.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ تُخدَعون فتُصرَفون عن توحيده وطاعته مع ظهور الأمر وتظاهر الأدلَّة.
وهذه الأسوِلة (^٢) استهانةٌ بهم، وتقريرٌ لفرط جهالتهم في الأمور الدِّينيَّة، حيث جَهِلوا مثلَ هذا الجليِّ الواضح، وإلزامٌ بما لا يمكن مَن له أدنى مُسْكَةٍ مِن العلم إنكارُه، ولذلك أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا بقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لأنَّ العقل الصَّريح قد اضطرهم إلى الإجابة بما أجابَ، فلا يمكن لعاقلٍ (^٣) أن يجيب بجواب آخر.
ثمَّ إنَّه رُوعِيَ في السُّؤالِ قضيَّة التَّرقي، فسئل عمَّن له الأرض وما فيها، ثمَّ سُئِلَ عمَّنْ له السَّماوات والعرش العظيم، والأرض بالنِّسبة إليه كلا شيءٍ، ثمَّ سُئِلَ
_________________
(١) في (ك): "أعنته" بدل "أغثته منه ومنعته"، وفي (ف): "أعنته منعه ومنعته".
(٢) في (ك): "الأسئلة".
(٣) في (ف) و(ك): "عاقل"، وفي (م) و(ع): "عاقلًا"، والمثبت من (ي).
[ ٧ / ٢١٥ ]
عمَّنْ بيدِه ملكوتُ كلِّ شيءٍ، فأُتي بأعمِّ العامِّ وكلمةِ الإحاطة، وأُوثر الملكوت وهو الملك الواسع، وقيل: ﴿بِيَدِهِ﴾ تصويرًا وتخييلًا.
وكذلك روعي هذه النُّكتة في الفواصل، فعبِّر أولًا بعدم التَّذكُر، فإنَّ أيسر (^١) النَّظر يكفي في انحلال عقدهم، ثمَّ بعدم الاتقاء (^٢)، وفيه وعيدٌ، ثمَّ بالتَّعجُّب مِن خَدْع عقولهم فتخيِّل (^٣) الباطل حقًّا والحقَ باطلًا، وأنَّى لها التَّذكُّر والخوف.
* * *
(٩٠) - ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾: بالتَّوحيد، واستحالةِ نسبة الولد والشَّريك إليه.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ حيث أنكروا ذلك، وادَّعوا أنَّ له ولدًا ومعه شريكًا.
* * *
(٩١) - ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ لتقدُّسه عن مماثلة أحدٍ.
﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في الوجود ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ يساهمه في الألوهية.
_________________
(١) في (ف) و(م): "أسير"، وفي هامش (م): "لعله يسير". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق موافق لما في "روح المعاني" (١٨/ ١٣١)، والكلام منقول من "الكشف" كما صرح بذلك الآلوسي.
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "الإيفاء"، والمثبت من (ع) و(ي) والمصدر السابق.
(٣) في (ك): "بنخيل"، وفي (م): "بتخييل"، والمثبت من (ع) و(ف) و(ي) والمصدر السابق.
[ ٧ / ٢١٦ ]
﴿إِذًا﴾ جوابٌ لمحاجَّتهم، وجزاءُ الشَّرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ أي: لو كان معه آلهة كما يقولون إذًا (^١).
﴿لَذَهَبَ﴾: لانفرد ﴿كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾: بخَلْقه الذي خلَقَه، واستبَدَّ به، ولرأيتم امتيازَ مُلكِ كلِّ واحدٍ عن مُلك الآخرين، ووقع بينهم التَّحاربُ والتَّغالبُ.
﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: ولغلَبَ بعضُهم بعضًا كما هو حالُ ملوكِ الدُّنيا، ممالكُهم متمايزة، وهم متغالبون، وحين لم تروا أثرًا لتمايز الممالك والتَّغالُب فاعلموا أنَّه إلهٌ واحدٌ بيده ملكوتُ كلِّ شيءٍ.
وأمَّا ما قيل: فلَمْ يكن بيده [وحده] ملكوت كلِّ شيءٍ، ولم يكن واحدٌ منهم إلهًا مطلقًا، واللَّازم باطل بالإجماع والاستقراءِ وقيامِ البرهان على استناد جميع الممكنات إلى واجبٍ واحدٍ (^٢).
فيَرِدُ عليه: أنَّ الإجماع والاستقراء لا يناسب المقام، وأمَّا البرهان فإنَّما قام على وجوب انتهاء سلسلة الموجودات إلى واجبٍ بالذَّات، ولا يلزم منه أنْ لا يتعدَّد الواجب، ولا يكون في الوجود سلاسل ينتهي بعضها إلى واجبٍ وبعضها إلى واجب آخر.
_________________
(١) انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ٩٤)، وفيه: (أي: لو كان معه آلهة كما تقولون لذهب كل منهم بما خلقه)، لم يذكر في التقدير (إذا)، وكذا في "تفسير أبي السعود" (٦/ ١٤٨)، و"روح المعاني" (١٨/ ١٣٣)، ونقلوا هذا التقدير عن الفراء، وانظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٧٤)، ولم يذكر في التقدير (إذا) أيضًا.
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ٩٤)، وما بين معكوفتين منه. وهذا القول جاء عنده بعد عبارة: (كما هو حال ملوك الدنيا)، ومثله في "تفسير أبي السعود" (٦/ ١٤٨).
[ ٧ / ٢١٧ ]
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: عمَّا يصفونه مِن نِسبة الولد والشَّريك إليه؛ لِمَا سبق من الدَّليل على فساده.
* * *
(٩٢) - ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، وقرئ بالجرِّ (^١) على الصِّفة، دليل آخر على نفي الشَّريك بناءً على توافقهم في أنَّه المنفرد بذلك، ولذلك رتَّب عليه:
﴿فَتَعَالَى﴾ اللهُ ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالفاء.
* * *
(٩٣) - ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾.
﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ (إنْ) هي الشَّرطيَّة، و(ما) والنُّون مؤكِّدتان لمعنى الشَّرط، وجواب الشَّرط: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي﴾؛ أي: إن كان لا بُدَّ مِن أنْ تريَني ما تعدُهم مِن العذاب في الدُّنيا أو في (^٢) الآخرة.
* * *
(٩٤) - ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿رَبِّ﴾ تكرارٌ ما بين الشَّرط والجزاء، معترِض للتَّنبيه على فضل التَّضرع والجؤار.
_________________
(١) قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحفص بخفض الميم والباقون برفعها. انظر: "التيسير" (ص:١٦٠).
(٢) في (ف) و(ك): "وفي".
[ ٧ / ٢١٨ ]
﴿فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: فلا تجعلني قرينًا لهم في العذاب.
عن الحسن: أخبره الله تعالى أنَّ له في أمَّته نقمةً، ولم يُخبره أفي (^١) حياته أم بعد موته، فأمره أن يدعو بهذا الدُّعاء (^٢).
وهو إمَّا لهضم النَّفس والقيام بحقِّ (^٣) العبودية مع علمه بأنَّه لا يفعله، وإمَّا للإعلام بأنَّ شؤم الظَّلمة قد يَحيق بمَن وراءهم (^٤)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
* * *
(٩٥) - ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾.
﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ كانوا يستعجلون العذاب إنكارًا وعنادًا (^٥)، ويضحكون منه استهزاء، فقيل لهم: إنَّ اللّهَ قادرٌ على إنجاز ما وعدَ عاجلًا، لكِنْ يُؤخِّرُه علمًا بأن بعضهم أو بعض أعقابهم يؤمنون، أو: لا يعذبهم وأنت فيهم.
وقيل: قد أراه (^٦) يوم بدر أو يوم فتح مكَّة.
* * *
_________________
(١) في (م): "في".
(٢) انظر: "الكشاف" (٣/ ٢٠١)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٩٤).
(٣) في (م): "بمعنى".
(٤) في (ف) و(ك) و(م): "يحيق عن ورائهم"، والمثبت من (ع) و(ي).
(٥) في (ف): "أو عنادًا".
(٦) في (ف): "أراكهم"، وفي (ك) و(م): "أراد" والمثبت من (ع) و(ي).
[ ٧ / ٢١٩ ]
(٩٦) - ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾.
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ حثَّه على مكرمةٍ هي أفضل المكارم، ما لم تؤدِّ إلى ثَلمٍ في الدِّين أو إزراء (^١) بالمروءة، وهو أبلغ مِن أنْ يُقالَ: بالحسنة السَّيئة؛ لِمَا فيه مِن صيغة التَّفصيل والإجمال، والتفصيل (^٢) بإبهام الموصول، وتبيين الصِّلة؛ أي: زدْ (^٣) على الصَّفح عن الإساءة بمقابلة السيَّئة بما يمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصَّفح والإحسان وبذل الوسْعِ فيه كانت حسنةً مضاعفةً بإزاء سيئةٍ، ودفعًا لها بالتي هي أحسن.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾: بما يصفونك به من صفات السُّوء، أو بوصفِهم لكَ وسوءِ ذكرِهم، وهو وعيدٌ لهم وتسليةٌ له ﵇؛ أي: والله أعلم بقولهم وفعلهم، وهو يجازيهم.
* * *
(٩٧) - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ﴾ أمرٌ (^٤) بالتَّعوذ مِن نخساتهم بلفظ المبتهِل إلى ربِّه، المكرِّر لندائه تضرُّعًا وابتهالًا بالتَّعوُّذ مِنْ أنْ يَحضروه أو يحوموا حوله (^٥).
﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ شبَّه حثَّ الشَّياطين النَّاسَ على المعاصي بالوساوس
_________________
(١) في (ك) و(م): "ازدراء".
(٢) في (م) و(ي): "التفضيل والإجمال والتفضيل".
(٣) في (ف) و(م): "رد".
(٤) في (ف): "أمر".
(٥) في (ف) و(ك): "يحدثوا" بدل "يحوموا حوله".
[ ٧ / ٢٢٠ ]
بهمزِ الرَّاضةِ للدَّوابِّ على المشي بالمهماز، والجمع إمَّا لتعدُّد الوساوس، أو لتنوُّعها، أو لتنوُّع المضاف إليه وتعددهم (^١).
* * *
(٩٨) - ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾.
﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: عند تلاوة القرآن، وعن عكرمةَ: عند النَّزْعِ (^٢). وقيل: عند الصَّلاة.
والتَّخصيص بأحدها لأَنها أحرى الأحوال بأنْ يُخاف عندَه.
* * *
(٩٩) - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ يتعلَّق (^٣) بـ ﴿يَصِفُونَ﴾، غايةٌ لها؛ أي: لا يزالون يذكرونك بسوءٍ إلى هذا الوقت، وما بينهما اعتراض للإغضاء عنهم، مستعينًا بالله على (^٤) الشَّيطان أن يستزلَّه (^٥) عن الحلم ويغريَه على الانتصار منهم.
أو بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (^٦).
_________________
(١) في (م): "أو تعددهم".
(٢) انظر: "الكشاف" (٣/ ٢٠٢).
(٣) كتب فوقها في (ك): "الأول لا الثاني".
(٤) في (ك): "من"، وبياض في (ف).
(٥) في (ع): "ينزله"، وفي (ك): "يزله"، وفي (م): "يستنزله".
(٦) يريد أن (حَتَّى) يتعلق بـ (يصِفُونَ) أو مردودٌ على قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. انظر: "فتوح الغيب" (١٠/ ٦٢٦)
[ ٧ / ٢٢١ ]
﴿قَالَ﴾ تحسُّرًا على تفريطه السَّابق لَمَّا اطلع على الأمر اللَّاحق.
﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾: رُدُّوني إلى الدُّنيا. والخطاب بلفظ الجمع للتَّعظيم، أو لتكرير (ارجعني)، كما قيل: في قِفَا وأَطْرِقا، وهو يناسب الجؤار والتَّضرُّع.
* * *
(١٠٠) - ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾: في الإيمان الذي تركْتُه، أو لعلِّي آتي بما تركْتُه من الإيمان وأعمل فيه صالحًا.
وقيل: فيما تركْتُ فيه مِن المال، أو في الموضع الذي تركْتُ، وهو الدُّنيا.
﴿كَلَّا﴾ رَدعٌ عن طلب الرَّجعة واستبعادٌ لها.
﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾؛ أي: طائفةٌ مِن الكلام المنتظِم بعضُها مع بعض، وهو قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ إلخ.
﴿هُوَ قَائِلُهَا﴾ لا محالةَ، لا يسكُتُ عنها؛ لاستيلاء الحسرة والنَّدامة عليه، أو: هو قائلها وحده، لا يُجابُ ولا يُسمَعُ منه.
﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾: أمامِهم، والضَّمير للجماعة ﴿بَرْزَخٌ﴾ البرزَخُ: الحاجزُ.
قال الضَّحَّاكُ: هو الحاجز بين الدُّنيا والآخرة (^١).
وقيل: بينهم وبين الرُّجوع إلى الدُّنيا. ويأباه قوله:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ١١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٠٩).
[ ٧ / ٢٢٢ ]
﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ لأنَّه لا يصلح غايةً لعدمِ الرُّجوع المذكور، والعلمُ بأنَّه لا رجعةَ يومَ البعث إلى الدُّنيا يفيد الإقناطَ الكليَّ عن الرُّجوع إلى الدُّنيا، ولكنَّه لا يصلح أمرًا لغايته (^١).
* * *
(١٠١) - ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ للبعث والنُّشور.
والقراءة بفتح الواو، وبه (^٢) وبكسر الصَّاد (^٣)، يؤيِّده أنَّ الصُّوْرَ أيضًا جمع الصُّورة، إذ الأصل في القراءة التَّوافُق.
﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ المنفيُّ نفعُ الأنساب لا نفيُها، فإنَّ لكلِّ امرئٍ يومَئذٍ ما اكتسَبَ لا ما انتسَبَ.
قيل: لزوال التَّعاطف والتَّراحم مِن فَرط الحيرة واستيلاء الدَّهشة، بحيث يفرُّ المرء من أخيه وأمِّه وأبيه وصاحبته وبنيه، وفيه نظر (^٤).
﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ كما يفعلون اليومَ، وهذا ليس عقيب نفخة البعث، بل بعد
_________________
(١) في (ف) و(م): "لغاية"، وفي (ع): "لغائبة".
(٢) في (ع) و(ف) و(ك): "به"، وسقطت من (م)، والمثبت من (ي) و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٩٥).
(٣) نسبت قراءة (في الصُّوَر) لابن عياض والحسن، ونسبت قراءة: (في الصِّوَر) لأبي رزين. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٨).
(٤) في هامش (ف) و(م): "أمَّا أوَّلًا فلأنَّ التَّعاطف والتَّراحم يتحقَّق بين الصِّبيان ووالديهم على ما نطقَتْ به الأخبار، وأمَّا ثانيًا فلأنَّ زوال التَّعاطف لا يستلزم عدمَ نفع الأنساب، وأمَّا ثالثًا فلأنَّ القرار المذكور ليس لفرط الحيرة، بل للحذر عن المطالبة. منه".
[ ٧ / ٢٢٣ ]
زمانٍ؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ [يس: ٥٢]، فإنَّه صريحٌ في أنَّهم يتساءلون، وقوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، قال ابن عبَّاسٍ ﵄: ذلك عند القيام بالنَّفخةِ الثَّانيةِ (^١).
والفاءُ الجزائيَّةُ لا تدلُّ على التَّعقيبِ.
* * *
(١٠٢ - ١٠٣) - ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾.
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قد سبق تفسيره في سورة الأعراف.
﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ بدلٌ مِن ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، والجملتان في حكم الصِّلة، فلا محلَّ لهما (^٢) من الإعراب، أو خبرٌ بعد خبر لـ ﴿فَأُولَئِكَ﴾، فهو في محلِّ الرَّفع كـ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ.
* * *
(١٠٤) - ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾.
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾: تُحرقُها. قال الزَّجَّاجُ: اللَّفْحُ كالنَّفْخِ، إلَّا أنَّ اللَّفْحَ أشدُّ تأثيرًا (^٣).
﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ مِن شدَّة الإحراق.
_________________
(١) قطعة من خبر رواه البخاري قبل الحديث (٤٨١٦)
(٢) في (م): "لها".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٢٣).
[ ٧ / ٢٢٤ ]
والكُلوحُ: أنْ تتقلَّصَ الشَّفتان، وتتشمَّرا (^١) عن الأسنان كما ترى الرُّؤوس المشويَّة.
روي (^٢) عن النَّبيِّ ﵊ أنه قال: "تَشْوِيْهِ النَّارُ فَتَتقلَّصُ شَفَتُهُ العُلْيا حتى تبلغَ وَسطَ رأسِهِ، وتَسْتَرخِي شَفَتُهُ السُّفلى حتى تبلغَ سُرتَهُ" (^٣).
* * *
(١٠٥) - ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾.
﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ على إضمارِ القَولِ، أي: يُقالُ لهم: ألم تكن تُتلَى عليكم آياتي (^٤) في الإنذار.
﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ تعنيفٌ وتذكيرٌ ممَّا استحقُّوا هذا العذابَ بسببِه.
* * *
(١٠٦) - ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾.
﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ مَلَكَتنا (^٥)، من قولك: غلبني فلان على كذا: إذا أخذه منك وامتلكه. والشَّقاوةُ: سوءُ العاقبة.
_________________
(١) في (ع): "وينشمرا"، وفي (م): "ويتشمر".
(٢) في (م): "وروي".
(٣) رواه الترمذي (٣١٧٦)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وقال: حديث حسن صحيح غريب.
(٤) في (ف) و(ك): "آياتي عليكم".
(٥) في (ف) و(ك) و(م): "هلكتنا"، والمثبت من (ع) و(ي) و"الكشاف" (٣/ ٢٠٤).
[ ٧ / ٢٢٥ ]
وقرئ: ﴿شِقْوَتُنَا﴾ و: ﴿شَقَاوَتُنَا﴾ بفتح الشِّين وكسرها (^١)، كالسَّعادة والكِتابة؛ أي: غلبَتْ علينا الأعمالُ الرَّديَّة والأحوال القبيحة التي شقينا بها.
﴿وَكُنَّا﴾ بها ﴿قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ عن الحقِّ والصَّواب.
وليس هذا باعتذارٍ، بل هو اعترافٌ منهم بسوء الصَّنيعِ، ولا صحَّة لِما قيلَ: غلبَتْ علينا ما كُتِبَ علينا مِن الشَّقاوة؛ لأنَّه إنَّما يُكْتَبُ ما يَفْعلُ العبدُ، وما يُعْلَمُ أنَّه يختارُه، ولا يُكْتَبُ غيرُ الذي عُلِمَ أنَّه يختارُه، والعلمُ تابعٌ للمعلومِ لا العكس، فلا يكون مَغلوبًا ومُضطرًا في الفعل بسببِ التَّقديرِ الأزليِّ.
* * *
(١٠٧) - ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾.
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ مِن النَّارِ ﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾ إلى الكفر والتَكذيب ﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ لأنفسنا.
* * *
(١٠٨) - ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.
﴿قَالَ اخْسَئُوا﴾: انْزَجِروا ﴿فِيهَا﴾ أذلَّاءَ، انزجارَ الكلابِ إذا زُجِرَتْ، يُقال: خَسَأَ الكَلْبُ وأخساتُه لازمًا ومتعدِّيًا.
شُبِّهوا بالكلبِ في الذُّلِّ والهَوانِ فَطُرِدوا بـ ﴿اخْسَئُوا﴾.
﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ في رفعِ العذاب، أو: ولا تكلِّمونِ أصلًا.
_________________
(١) (شَقَاوَتُنَا) بفتح الشين وبالألف قراءة حمزة والكسائي، وباقي السبعة: ﴿شِقْوَتُنَا﴾ بكسر الشين مع إسكان القاف. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٠). أما (شِقَاوتنا) يكسر الشين وبالألف فنسبت لقتادة ورواية عن الحسن. انظر: "البحر" (١٥/ ٤٨٩).
[ ٧ / ٢٢٦ ]
قيل: هو آخِرُ كلامٍ يتكلَّمون به، ثمَّ لا كلامَ بعدَ ذلك إلَّا الشَّهيق والزَّفير والعِواء كعواء الكلاب (^١)، لا يَفهمون ولا يُفهِمون.
* * *
(١٠٩ - ١١٠) - ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾.
﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ الشَّأنَ، وقرئ بالفتح (^٢)؛ أي: لأنَّه.
﴿كَانَ﴾ تعليلٌ لوجوبِ انزجارهم.
﴿فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ يعني: المؤمنين، قيل: هم الصَّحابة ﵃، وقيل: أهل الصُّفَّة خاصَّة.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ في تفريعِ طلبِ (^٣) المغفرةِ والرَّحمةِ على الإيمان دلالةٌ على كفايته فيها.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ هُزُوًا، واشَّاغلتم (^٤) ساخرين.
﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ﴾ بكثرةِ تشاغُلِكم بهم ﴿ذِكْرِي﴾ أي: تركتم أن تذكروني فتخافوني في أوليائي.
والسخريُّ بالضم والكسر: مصدر سَخِر كالسُّخُرِ، إلَّا أنَّ في ياء النَّسب زيادةَ قوَّة في الفعل ومبالغة، كما قيل: الخصوصية في الخصوص، وعن الكسائي
_________________
(١) في (ك): "والزفير وعواء الكلاب"، وفي (ف): "والزفير والعواء كالكلاب".
(٢) نسبت لأبي بن كعب ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٨).
(٣) في (ك): "في توزيع طلب"، وفي (م): "هذا تفريع لطلب".
(٤) في (ع) و(ف) و(م) و(ي): "وشاغلتم".
[ ٧ / ٢٢٧ ]
والفرَّاء: أنَّ المكسور من الهزؤ، والمضموم من السُّخرة، بمعنى الانقياد والعبودية؛ أي: سخَّروهم واستعبدوهم (^١). والأوَّلُ مذهب الخليل وسيبويه (^٢).
﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ استهزاءً بهم.
* * *
(١١١) - ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.
﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ على أذاكم.
﴿أَنَّهُمْ﴾ بالفتح، ثاني مفعولي ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾، وبالكسر (^٣) استئنافٌ، كأنَّه لَمَّا أبهمَ الجزاء للتَّعظيم ولم يبيِّنه اتَّجه أنْ يَسألَ سائلٌ: كيف حالهم؟ قال: إنهم.
﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ مخصوصون بالفوزِ بجميع مراداتهم.
* * *
(١١٢) - ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾.
﴿قَالَ﴾، أي: اللهُ تعالى، أو المأمور بسؤالهم من الملائكة، وقرئ على الأمر (^٤) لمالك (^٥)، أو لبعض رؤساء أهل النَّار.
﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: في الدُّنيا أحياءً وأمواتًا في القبور.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٤٣)، و"الكشاف" (٣/ ٢٠٥).
(٢) أي: مذهبهما أن مكسور السين ومضمومها معناهما واحد وهو الهزؤ. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٣/ ١٢٤)، لكن وقع في "العين" للخليل (٤/ ١٩٦) تفريق بينهما.
(٣) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٠).
(٤) أي: ﴿قل﴾، وهي قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٠).
(٥) في (ع) و(ك) و(م) و(ي): "للمالك"، وفي "تفسير البيضاوي" (٤/ ٩٧): "للملك".
[ ٧ / ٢٢٨ ]
﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾، أي: كم عددُ سنين لبثتم؟ فـ ﴿كَمْ﴾ نصب بـ ﴿لَبِثْتُمْ﴾، و﴿عَدَدَ﴾ بـ ﴿كَمْ﴾.
* * *.
(١١٣) - ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾.
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ استقصَروا مدَّة لبثهم فيها بالنِّسبة إلى خلودهم في النَّار، أو لأنَّها كانَتْ أيَّام سرورهم، وأيَّامُ السُّرور قِصارٌ، أو لأنَّها منقضيةٌ، والمنقضي في حكم المعدوم الذي يستحقُّ أنْ يُعبَّرُ عنه بالقِلَّةِ.
﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾: الذين يتمكَّنون مِن عدِّ أيامها (^١) إنْ أردْتَ تحقيقَها، فإنَّا لِمَا نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكُّرها وإحصائها، أو: الملائكةَ الذين يَعدُّون أعمارَ النَّاس ويُحصون أعمالهم.
وقرئ: (المعادِيْنَ) بالتَّخفيف (^٢)؛ أي: الظَّلمةَ، فإنَّهم يقولون كما نقول.
وقرئ: (المعادِيِّين) (^٣)؛ أي: القدماء (^٤) المعمَّرين فإنهم يستقصرونها، فكيف بمن دونهم؟!
﴿قَالَ﴾ وقرئ: (قل) (^٥).
* * *
_________________
(١) في (ك): "عدادها" بدل "عدِّ أيامها".
(٢) نسبت للحسن ورواية عن الكسائي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٨).
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٨)، و"الكشاف" (٣/ ٢٠٦). ووقع في (ع) و(ف) و(ك) و(م): "المعادين"، والمثبت من (ي) ومصدري التخريج.
(٤) في (ع): "قدماء". والمثبت من باقي النسخ و"الكشاف" (٣/ ٢٠٦): "المعمرين".
(٥) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٠).
[ ٧ / ٢٢٩ ]
(١١٤) - ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: ما لبثتم إلَّا زمنًا (^١) قليلًا، أو لبثًا قليلًا.
﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ صدَّقَهم اللهُ في مقالهم لِسِني لبثِهم في الدُّنيا، ووبَّخهم على غفلتهم التي كانوا عليها.
* * *
(١١٥) - ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.
﴿أَفَحَسِبْتُمْ﴾ توبيخٌ آخر على تغافلهم، وتجهيلٌ معَ إنكارٍ.
﴿أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ حال؛ أي: عابثين، أو مفعول له؛ أي: ما خلقناكم للعبث، وإنَّما خلقناكم لنتعبَّدكم ونجازيكم على أعمالكم، وهو كالدَّليل على البعث.
﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ عطفٌ على ﴿أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾، ويجوز أن يكون معطوفًا على ﴿عَبَثًا﴾؛ أي: للعبث ولترككم غيرَ مرجوعين.
وقرئ: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بفتح التَّاء (^٢).
* * *
(١١٦) - ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾.
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ مِن أنْ يخلقَ عبثًا، تعليلٌ لِمَا تقدَّم.
﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾: الذي يحقُّ له الملك؛ لأنَّ كلَّ شيء منه وإليه، أو: الثَّابتُ
_________________
(١) في (م): "زمانًا".
(٢) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٠).
[ ٧ / ٢٣٠ ]
الذي لا يزول، ولا يزولُ (^١) ملكُه، ومَن عداه مملوكٌ له (^٢) بالذَّات، مالكٌ بالعَرَض زائلُ الملك.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فإنَ ما عدَاه عبيد.
﴿رَبُّ الْعَرْشِ﴾ الذي يحيط بالأجرام.
﴿الْكَرِيمِ﴾ بالجرِّ على أنَّه (^٣) صفة العرش، وإنَّما وصفه بالكرم لأنَّ الرَّحمةَ والخير والبركة الإلهيَّة تنزل منه، ويجوز أن يكون توصيفُه بالكرم لنسبته إلى أكرم الأكرمين مجازًا، كما يُقال: بيتٌ كريمٌ: إذا كان ساكِنوه كرامًا.
وقرئ بالرَّفع (^٤) على أنَّه صفة لـ ﴿رَبُّ﴾.
* * *
(١١٧) - ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ يعبدُه إفرادًا أو إشراكًا (^٥).
﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ صفةٌ أخرى لـ (إله)؛ أي: لا حجَّة له عليه؛ لأنَّ البرهان عقليٌّ أو نقليٌّ، وليس في واحدٍ منهما ما يجوز أنْ يكون معه إلهٌ آخر، وهذا
_________________
(١) "ولا يزول" من (م) و(ي).
(٢) "له" من (ك) و(م).
(٣) "على أنه" سقط من (ك).
(٤) نسبت لأبان بن تغلب وابن محيصن وأبي جعفر المدني وإسماعيل عن ابن كثير. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٨).
(٥) في (ف) و(ك): "وإشراكا".
[ ٧ / ٢٣١ ]
وإنْ كان مذكورًا في موضع الصِّفة فليس للتَّمييز؛ لأنَّ الباطلَ بمعزلٍ عن أنْ يكون له دليل ضعيفٌ، فضلًا عن برهانٍ، وإنَّما جيءَ بها للتَّأكيد، ولبناء الحكم بالوعيد عليه؛ تنبيهًا على أنَّ التَّديُّن بما لا دليل عليه ممنوعٌ، فضلًا عمَّا دلَّ الدَّليل على خلافِه.
أو اعتراضٌ (^١) بين الشَّرط والجزاء لبيان الملازمة، كقولك: مَن أحسنَ إلى زيدٍ لا أحقَّ بالإحسان منه، فاللهُ مُثيبُهُ (^٢).
قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ كنايةٌ عمَّا ذُكِرَ؛ أي: فهو مُجازٍ له بما يستحقُّه.
﴿إِنَّهُ﴾ أي: إنَّ الشَّأنَ. وقرئ بالفتح (^٣)؛ أي: لأنَّه، أو على أنه خبر؛ أي: حسابُه ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، من باب وضع الظَّاهر موضِعَ المُضْمَر؛ إذ أصله: حسابُه أنَّه لا يُفْلِحُ هو؛ لأنَّ (مَن يَدْعُ) في معنى الجمع، فمعنى حسابه أنَّه لا يفلح: حسابهم أنَّهم لا يفلحون، فغيّر تفظيعًا لشأنهم، وتفضيحًا لصورة حالهم، وإيماءً إلى عدم الفلاح لكفرهم.
وصيغة الجمع للتَّنبيه على أنَّه لا يُغني اجتماعهم (^٤)، وإلَّا فالظَّاهر أنْ يُؤتَى بصيغة الإفراد؛ لأنَّ الفلاحَ منتفٍ عن جنسهم.
وزاوَجَ (^٥) بين فاتحة السُّورة وخاتمتها بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في الفاتحة، و﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ في الخاتمة.
_________________
(١) في (ع) و(ف) و(ك) و(م): "واعتراض"، والمثبت من (ي) و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٩٧).
(٢) في (ك): "مثبته".
(٣) نسبت لقتادة وعيسى والحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٨).
(٤) في (ع): "لا يفضي اجتماعهم"، وفي (ف) و(ك): "لا يغني لاجتماعهم".
(٥) في (ف): "وقد جمع"، وسقط من (ك).
[ ٧ / ٢٣٢ ]
ثمَّ علَّمنا سؤال المغفرة والرَّحمة بقوله:
(١١٨) - ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.
﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾؛ لأنَّ رحمَته إذا أدركَتْ أحدًا أغنَتْه عن رحمةِ غيره، ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته (^١).
* * *
_________________
(١) في (م) زيادة: "والله أعلم".
[ ٧ / ٢٣٣ ]