مدنية مئة وعشرون آية
﷽
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تشريفٌ ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ تكليفٌ، ولمَّا علم أن في التكليف بإيفاء العقود كلِّها كلفةً قدَّم التشريف بالنداء على التكليف بالأداء.
والوفاءُ والإيفاءُ: القيام بمقتضى العهد.
والعَقْد: العَهْدُ الموثَّق، فإن العهد إلزامٌ والعقدَ التزامٌ على سبيل الإحكام.
شبَّه العهد بالحبل، وشبَّه الموثَّق منه - كالعزيمة الموثَّقة بالأمر الموجَب - بعقد الحبل، والظاهر نظرًا إلى براعة الاستهلال وما فيها من التفصيل بعد الإجمال: أن المراد عقود الله تعالى عليهم في دِينه الكريم من التحليل والتحريم، وحالُ سائر ما يجب الوفاء به من العقود يُعلم بطريق الدلالة، وفي هذه الإحالة إعمالُ النص عبارةً ودلالةً، والإعمال خير من الإهمال.
ولشدَّة الاعتناءِ بتلك العقودِ أَمَرنا بالوفاء بها مجمَلًا، ثم فصَّلها بقوله تعالى:
﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ إلى آخر الأحكام، والبهيمة: كلُّ حيٍّ لا يميز، ثم اختص بذوات الأربع، وإضافتُها إلى الأنعام للبيان، ومعناه: البهيمة من الأنعام؛
[ ٣ / ٢٣٥ ]
لقوله تعالى في سورة الحج (^١): ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾ [الحج: ٣٠]، وهي الإبلُ البقر والغنم، سميت بذلك للِين (^٢) مسِّها، وزيدَ هنا عبارة البهيمة إشارةَ إلى ردِّ قول الثَّنَوية الذين لا يَرون ذبح الحيوانات وأكلَها، ويقولون: هي بهائم لا تَعقل، وأكلها من القسوة وقلة الرحمة.
﴿إِلَّا مَا يُتْلَى﴾؛ أي: يُبيَّن (^٣) لكم حالُه، يعني: من جهة الحرمة بقرينة الاستثناء من التحليل، وهذا أبلغ إيجازًا في التعبير، والمصيرُ في مثل هذا إلى التقدير مِن ضِيق العَطَن كما لا يخفى على أصحاب الفِطَن.
وفيه بيان أن (^٤) التحريم لا يكون إلا بنصٍّ متلوٍّ (^٥).
﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ حالٌ من الضمير في ﴿لَكُمْ﴾، و﴿الصَّيْدِ﴾ يحتمِل المصدرَ والمفعول.
﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حالٌ من المستكنِّ في ﴿مُحِلِّي﴾، والحُرُم: جمع حرامٍ، وهو المُحْرِم، وتقديره: أَحِلُّوا بهيمةَ الأنعام غيرَ محلِّين لها في الإحرام إذا كان صيدًا، والأنعام يتناولها لأن البقرة الوحشية منها والظباءُ كالعُنوز، فالمستثنى منه ينتظمها
_________________
(١) في هامش (ي): "والقرآن يفسر بعضه بعضًا. منه".
(٢) م "للين" من (ي).
(٣) في (ي): "بين".
(٤) "بيان أن" من (ي).
(٥) في هامش (ي): "سواء كان من كلام الله تعالى كقوله: ﴿عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ الآية، أو من كلام الرسول ﵇ كقوله: "كل ذي ناب من السباع حرام" فمن جوَّز أن يكون تقدير الكلام: إلا ما يتلى عليكم آيةُ تحريمه لم يصب، ثم إنه لا حاجة إلى تقدير الدالِّ، فإن نسبة التلاوة إلى المدلول على طريق الإسناد المجازي شائع ذريع. منه".
[ ٣ / ٢٣٦ ]
دلالةً، وإذا أَحَلَّ لهم بعض الإنعام في حال امتناعهم من الصيد فبأَنْ يُحِلَّها لهم وهم غيرُ محرِمين بطريق الأَولى.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ أراد به التعميم، ودخل فيه التحليل والتحريم دخولًا أوليًّا، فلا مساغَ للسؤال بأن الصيد أحقُّ بالإحلال من الأنعام في حالة الإحرام؟
* * *
(٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: جمع شعيرة، وهي اسم ما أُشعر؛ أي: جُعل شعارًا، سُمي به أعمالُ الحج ومَواقفه لأنها علاماته وأعلام النُّسك، والمراد بإحلال الشعائر وما يتبعها: التهاون بحرمتها، والتعرُّض لها (^١)؛ كالحيلولة بينها وبين المتنسِّكينَ بها، وإحداثِ ما حرَّمه الشرع في الشهر الحرام من صيد وغيره، ومنعِ الهدي وغَصْبه.
﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾: اسمُ جنسٍ (^٢) يقع على الأشهر الحرُم كلِّها.
﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾: ما أُهدي إلى الكعبة، جمع هَدْيةٍ؛ كجَدْيٍ في جمع جَدْيَةٍ.
﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾؛ أي: ذواتِ القلائد من الهدْي وهي البُدْن، وفي عطفها على
_________________
(١) في (ي): "بها".
(٢) في (ع): "جمع".
[ ٣ / ٢٣٧ ]
الهَدْي إظهارُ فضلها، أو القلائدُ أنفسها، وفيه المبالغة في النهي عن التعرُّض للهَدي.
والقلائد: جمع قِلادةٍ، وهو ما قلِّد به الهديُ من نعلٍ أو لحاءِ شجرٍ ليُعلَم به أنه هديٌ فلا يُتعرضَ له.
﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: قاصدين زيارتَه (^١).
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ أنْ يثبِّتهم ويرضى عنهم، والجملة حالٌ من المستكن في ﴿آمِّينَ﴾ لأن التقدير: ولا قومًا آمِّين، ولا يجوز أن يكون صفةً لـ ﴿آمِّينَ﴾ إذ المختارُ أنه إذا عمل قام مقام الفعل فلا يوصف (^٢)، وفائدتُه: تعظيمهم، والتنبيهُ (^٣) على علة وجوب الامتناع عن التعرُّض لهم، واستنكارُ أن يُتعرَّض لقوم هذه صفتُهم.
وقالوا: المراد من ابتغاء فضل الله تعالى طلبُ الرزق بالتجارة؛ أي: سواءٌ قصدوه لمصلحة الدنيا أو لمصلحة الآخرة، والعطف بالواو الواصلة دون (أو) (^٤) الفاصلة لدفعِ وهم منع الجمع بينهما، وسببُ النزول إنما يساعد هذا؛ إذ روي: أنها نزلت في عام قضاء العمرة في حجَّاج اليمامة لمَّا همَّ المسلمون أن يتعرَّضوا لهم
_________________
(١) في (ي): "لزيارته".
(٢) في هامش (ي): "هذا أولى مما قيل: إن اسم الفاعل الموصوف لا يعمل، إذ يتجه حينئذ أن يقال: إعماله هنا قبل أن يوصف. منه".
(٣) في (ع): "والتنبه".
(٤) "أو" من (ي).
[ ٣ / ٢٣٨ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ [المائدة: ١] بسبب أنه كان فيهم الحُطَمُ شريحُ بن ضَبيعةَ، وكان قد استاق سرحَ المدينة (^١)، وعلى هذا فالآيةُ منسوخة.
والمراد من الرضوان ما في زعمهم؛ لأن الكافر لا نصيبَ له منه.
وقرئ: (تبتغون) على خطاب المؤمنين (^٢).
﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ وقرئ: (أَحْلَلْتُم) (^٣)، يقال: حلَّ المحرِمُ وأَحَلَّ.
﴿فَاصْطَادُوا﴾ إذْنٌ في الاصطياد بعد زوال المحرِّم.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾؛ أي: لا يَحملنَكم ولا يَكْسِبَنَكم
﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: شدةُ بغضهم، وهو مصدرٌ أضيف إلى المفعول أو الفاعل، وقرئ بسكون النون (^٤)، وهو أيضًا مصدر كليَّان (^٥)، أو نعتٌ بمعنى: بُغضُ قوم، وفَعْلان في النعت أكثرُ.
﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٦): لِأَنْ يصدُّوكم عنه، يعني: عامَ الحديبية، وقرئ بكسر الهمزة (^٧) على أنه شرطٌ معترِض أغنى عن جوابه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٣١) مطولًا عن السدي وعكرمة.
(٢) نسبت لحميد بن قيس والأعرج. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣١)، و"الكشاف" (١/ ٦٠٢).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٦٠٢).
(٤) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ٩٨).
(٥) الليان: المطل، من لويته ليانًا.
(٦) في (ي): "أن يصدوكم .. " وجاء في هامشها: "هكذا عن نسخة المؤلف، وصوابه: أن صدوكم".
(٧) هي قراءة ابن عامر وشعبة. انظر: "التيسير" (ص: ٩٨).
[ ٣ / ٢٣٩ ]
﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ بالانتقام، وهو ثاني مفعولي ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ فإنه يتعدى إلى مفعولٍ وإلى اثنين ككَسَبَ، ومَن قرأ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بضم الياء (^١) جعله منقولًا من المتعدِّي إلى مفعولٍ بالهمزة إلى مفعولين.
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾: على فِعل الإحسان وتركِ العصيان بالعفو والإغضاء.
﴿وَلَا تَعَاوَنُوا﴾؛ أي: ولا تتعاونوا، حُذف إحدى التاءين تخفيفًا.
﴿عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ للتشفي والانتقام، والإثم: الوِزْر، والعدوان: مجاوزة الحد.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه وما اتَّقاه، والعقاب: ما يَعْقبُ الجُرم مما يَسوءُ صاحبَه.
* * *
(٣) - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ بيانُ ﴿مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ والميتة: ما يموت بغير تَذْكيَة.
_________________
(١) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣١)، و"المحتسب" (١/ ٢٠٦)، و"الكشاف" (/).
[ ٣ / ٢٤٠ ]
﴿وَالدَّمُ﴾ أي: المسفوح؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وكان أهل الجاهلية يصبُّونه في الأمعاء ويَشوونها.
﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ أُريد بلحمه: ما يؤكل منه مطلقًا على طريقةِ ذِكر الجزءِ وإرادةِ الكلّ.
﴿وَمَا أُهِلَّ﴾ أي: رُفع الصوتُ ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، وهو قولهم: باسم اللات والعزى، ونحوُه، عند ذبحه.
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾: التي ماتت بالخنق.
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: التي ماتت بضرب خشبٍ (^١) أو حجرٍ، والوَقْذ: شدَّة الضرب.
﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾: التي تَردَّتْ من عُلوٍ أو في بئرٍ فماتت.
﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: التي ماتت من نطحِ أخرى، والتاء للنقل (^٢).
﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾؛ أي: أكله ذو ناب وأظفار من الحيوان، يعني: افترسه فأهلكه (^٣)، سواءٌ أكل منه أو لم يأكل، والاستثناءُ الآتي ذكرُه قرينةٌ لعدم إرادة الحقيقة من الأكل، وفي تقدير: منه، إخراجُ ثاني القِسمين المذكورين عن حيِّز الإرادة، ولا وجه له لعدم الفرق بينهما في الحرمة (^٤).
_________________
(١) في (ع): "خشبة".
(٢) أي: للنقل من الوصفية إلى الاسمية.
(٣) في (ع): "فأكله".
(٤) في هامش (ي): "ومن غفل عن هذا قال: وهي تدل على أن جوارح الصيد إذا أكلت مما اصطادته لم يحل، ثم إنه غفل عن أن السبع لا ينتظم ما لا ناب له من الجوارح وعن أنه يؤكل وإن أكل منه البازي منه".
[ ٣ / ٢٤١ ]
﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أطلق الذَّكاة لينتظِم غيرَ الاختياري، وهي بالتسمية عند إرسال الجارح، والشرع إنما اعتبر قطعَ الحلقوم والمريِ بمحدَّدٍ في الذكاة الاختياري، ومَن لم يتنبَّه لهذا قال: إلا ما أدركتُم ذكاتَه وفيه حياةٌ مستغرق (^١)، ثم إنَّ قيد الاستقرار لا يصحُّ اعتباره عندنا ولا عند الشافعي ﵀ على الأشهر من قوله، والاستثناء مما يَقبل الذَّكاة من الخمسة المذكورة.
﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ هو واحد الأنصاب، كانت لهم حجارةٌ منصوبةٌ حول البيت يذبحون عليها وَيشرحون اللحم عليها يعظِّمونها بذلك، يَعُدُّونه قربةً يسمونها الأنصاب.
﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ عطفٌ على ﴿الْمَيْتَةُ﴾ كالبواقي؛ أي: حرِّم عليكم الاستقسام بالأزلام، وهي الأقداح، وذلك أنهم إذا قصدوا فعلًا ضربوا ثلاثة أقداح مكتوبٍ على أحدها: أمرني ربي، وعلى الآخر، نهاني ربي، والثالث غُفْلٌ، فإن خرج الأمر مَضَوا على ذلك، وإن خرج النهي اجتنبوا عنه، وإن خرج الغُفل أجالوها ثانيًا، فمعنى الاستقسام: طلبُ معرفة ما قُسم لهم دون ما لم يُقسم بالأزلام.
وقيل: هو استقسامُ الجزور بالأقداح على الأَنْصِباء المعلومة.
وواحد الأزلام: زَلَمٌ كجَمَلٍ، أو زُلَمٌ (^٢) كصُرَدٍ.
_________________
(١) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١١٤)، وفيه: (حياة مستقرة)، وكذا نقله عنه الطيبي في "فتوح الغيب" (٥/ ٢٦٩). قال الشهاب في "الحاشية على البيضاوي" (٣/ ٢١٧): والحياة المستقرّة هي التي لا تكون على شرف الزوال قيل، وعلامتها أن تضطرب بعد الذبح لا وقت الذبح فإنه لا يحسب.
(٢) في (ع): "وزلم".
[ ٣ / ٢٤٢ ]
﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ إشارة إلى الاستقسام.
﴿فِسْقٌ﴾ لأنَّه ضلال باعتقادهم أنه طريق إلى علم الغيب الذي استأثر اللّه تعالى به، وافتراءٌ على الله تعالى بقولهم: أمرني ربي، وإن كان المراد بالرب الصنم فشرك، هذا على المعنى الأول، وعلى الثاني فظاهرٌ؛ لحرمة الميسر.
لمَّا حلَّل ما حلَّل، وحرَّم ما حرَّم، وختم الكلام بوجهٍ أحكم، حرضهم على التمسك بما شرع لهم فقال تعالى:
﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾: أن يُبْطلوه، وأن تَرجعوا محلِّلين لهذه الخبائث بعدما حرِّمت عليكم، أو: أن يغلبوكم عليه، إن الله تعالى وفَى بعهده من إظهاره على الدِّين كله.
و(اليوم) في مثل هذا مجازٌ عن الزمان الحاضر وما يُدانيه من الماضي والمستقبل، كقولك: كنتَ بالأمس شابًّا وأنت اليوم أشيَبُ.
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ أن يظهروا عليكم ﴿وَاخْشَوْنِ﴾: وأخلِصوا الخشية لي.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بالتنصيص على قواعد العقائد، والتوفيقِ على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد؛ لأنها نزلت بعرفاتٍ عامَ حَجةِ الوداع ولم يكن بعدها شرعٌ، قاله ابن عباس ﵄ (^١).
﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بفتح مكة وهدم منار (^٢) الجاهلية.
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٨/ ٨٠).
(٢) "منار" من (ي).
[ ٣ / ٢٤٣ ]
ذكر في حقِّ الدِّين الإكمالَ وفي حقِّ النعمة الإتمام؛ لأن الكامل ما لا يحتمِل المزيدَ عليه والتمامَ يحتملُه.
﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾: اخترتُه لكم ﴿دِينًا﴾ من بين الأديان، وهو الدِّين عند اللّه تعالى.
﴿فَمَنِ اضْطُرّ﴾ متصلٌ بذكر المحرَّمات، والتفريعُ باعتبار مفهوم الشرط الآتي ذكرُه (^١)، وما بينهما اعتراضٌ أكِّد به معنى التحريم ببيان علَّته، والإشارةِ إلى أن تحريم تلك الخبائث من جملة تكميل الدين وتتميمِ النعمة برفعِ عادات أهل الشرك ويأسهم من رجوعكم عن دينكم.
﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ متعلّق بـ ﴿اضْطُرّ﴾ ومعنى اضطُر: أُصيب بالضرِّ الذي لا يمكنُه الامتناع من تناول ما يجد من جنس المأكول. ومعنى المخمصة: المجاعةُ؛ لأنها تَخْمصُ لها البطونُ؛ أي: تَضْمُر.
﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾: غير مائلٍ له ومنحرِفٍ إليه بأنْ يأكلها تلذُّذًا أو مجاوِزًا حدَّ الرخصة؛ لقوله تعالى ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣].
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لا يؤاخذه بأكله بالجملة ﴿رَحِيمٌ﴾ لا يُحبط حسناتهم بذلك، ولا ينقصُ أجورها، وذلك أن الأكل لتحصيل القوة الوافية لإقامة العبادة المفروضة حسنةٌ يثاب عليها العبد، فافهم هذه الدقيقة الأنيقة.
* * *
_________________
(١) في هامش (ي): "فيه دلالة على حجة مفهوم الشرط. منه".
[ ٣ / ٢٤٤ ]
(٤) - ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ لمَّا تضمَّن السؤال معنى القول أُوقع على الجملة وأُجريَ الكلام على الغيبة مطابقًا لـ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ حكايةً عما قالوه، والمسؤول ما أُحل لهم من المآكل، فإنهم لمَّا تُلي عليهم ما حُرِّم عليهم سألوا عما أحل لهم، وقد سبق الكلام في (ماذا) (^١).
﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾: ما لم تَستخبِثْه الطباع السليمة ولم تَنفِر عنه، وفيه التنبيهُ على أن تحريم ما حُرم (^٢) لخباثته.
وقيل: ما لم يدلّ نصٌّ ولا قياسٌ على حرمته.
وفيه: أن الجواب حينئذ لا يكون شافيًا في حق غير المجتهد.
﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ عطفٌ على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ إن جُعل (ما) موصولةً على تقدير: وصيدُ ما علَّمتُم، أو مبتدأ خبره: ﴿فَكُلُوا﴾ على أن (ما) موصولةٌ متضمِّنةٌ معنى الشرط، أو شرطيةٌ جوابها ﴿فَكُلُوا﴾، والواو عاطفة للجملة على الجملة.
والجوارح: كواسبُ الصيد على أهلها من سباعِ ذواتِ الأربع والطيرِ.
_________________
(١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [البقرة: ٢٦].
(٢) في هامش (ي): " [مَن] قال: من المطاعم، فقد غفل عن عمومها للمشروبات، أو عن اختصاص الكلام في المأكولات، فإن قوله بعده: ﴿فَكُلُوا﴾ ظاهر فيه. منه". وما بين معكوفتين زيادة يقتضيها الكلام.
[ ٣ / ٢٤٥ ]
﴿مُكَلِّبِينَ﴾ من الكَلَب الذي هو معنى الضراوة، يقال: هو كَلِبٌ بكذا، إذا كان ضاريًا به.
وقيل: معناه: معلِّمين إياه الصيدَ، مشتقٌّ من الكَلْب؛ لأن التأديب يكون فيه أكثرَ، أو لأن كلَّ سَبُعٍ يسمَّى كلبًا؛ لقوله ﷺ اللهم: "سَلِّطْ عليه كلبًا مِن كلابِكَ" (^١)، ويأباه كونه حالًا من ﴿عَلَّمْتُمْ﴾، وفائدتها أن يكون المعلِّم ماهرًا في التعليم موصوفًا بالتكليب.
﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حالٌ أخرى للتأكيد، أو استئناف.
﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ من علم التأديب والتكليب؛ لأنَّه (^٢) إلهام من الله تعالى يُقتنص بالفطنة الصافية، أو: مما عرَّفكم أن تعملِّوه؛ من اتِّباع الصيد بإرسال صاحبه، وانصرافه بدعائه، وانزجاره بزجره (^٣)، وإمساكه عليه وامتناعِه عن أكله.
﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ إمساكُ الكلب الصيدَ على صاحبه: أن لا يأكل منه؛ لقوله ﷺ لعَديِّ بن حاتم: "وإنْ أَكَل منه فلا تأكُلْ، إنَّما أَمْسَكَ على نفسه" (^٤).
هذا في صيد الكلب ونحوِه، فأما صيدُ البازيِّ ونحوِه فأكلُه لا يحرِّمه عندنا، ويُعْرف هذا في الفقهيَّات.
_________________
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٩٨٤)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٢١١).
(٢) في (ع): "لأنها".
(٣) "بزجره" من (ي).
(٤) رواه البخاري (١٧٥)، ومسلم (٢٠٢٢)، من حديث عمر بن أبي سلمة ﵁.
[ ٣ / ٢٤٦ ]
و(من) للتبعيض؛ لأن المجروح منها يؤكل دون المخنوق، وأيضًا ما يؤكل منها هو اللحوم والشحوم دون الدم والعظم.
﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الضميرُ لـ (ما أمسكن)؛ أي: إذا أدركتُم ذكاتَه، أو لـ (ما علَّمتم)؛ أي: عند إرساله، أو للأكل؛ لقوله ﷺ: "سَمِّ الله، وكُلْ ممَّا يَليك" (^١) ويرجِّح هذا تأخيرُه عن الأمر بالأكل، فإنه على الأوَّلَينِ حقُّه التقديمُ عليه.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: واحذروا مخالفة أمره ونهيه.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ للجزاء، لا يشغله شأن عن شأنٍ، فلا يستدعي مهلةً وزمانًا.
* * *
(٥) - ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ كرَّره للمِنَّة، وكان الأول لبيان حكم النعمة.
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ من اليهود والنصارى ﴿حِلٌّ لَكُمْ﴾ يعني: ذبائحَهم، بدلالة سياق (^٢) الكلام، ولا بد من هذا التخصيص؛ لأن سائر الأطعمة لا يَختص
_________________
(١) رواه البخاري (٥٣٧٦)، ومسلم (١٩٢٩).
(٢) في (ي): (سباق).
[ ٣ / ٢٤٧ ]
حلُّها بأهل الكتاب، قال ﷺ في المجوس: "سُنُّوا بهم سُنّةَ أهل الكتاب غيرَ ناكِحِي نسائهِم ولا آكِلِي ذبائحَهم" (^١).
﴿وَطَعَامُكُمْ﴾: ذبائحُكم ﴿حِلٌّ لَهُمْ﴾ وفيه ردٌّ لامتناعهم عن ذبيحتنا، وتعميمُ الطعام في المقامين يُحوج الكلامَ إلى مزيدِ تقديرٍ (^٢).
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: العفائفُ منهم (^٣)، وتخصيصُه بعثٌ على ما هو الأولى.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يستوي فيه الحربيَّاتُ وغيرُهن خلافًا لابن عباس ﵄، والحرائرُ والإماءُ خلافًا للشافعي ﵀، ومَن رام حِفظَ مذهبه وفَسَّر المحصنات في الموضعين بالحرائر العفائف فقد أَخلَّ به من حيث لم يَدْرِ، وكان يكفيه تخصيصُ المحصنات المذكورة ثانيًا بمعنى العفائف بالحرائر بقرينةِ قوله:
_________________
(١) هذا حديث مجموع من حديثين مرسلين، فقد قال الحافظ في "الدراية" (٢/ ٢٠٥): (لم أَجِده هكذا، ولكن رَوَى عبد الرَّزَاق وابن شيبة من طريق الحسن بن محمَّد بن الحنفية رفعه: كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمَن أسلم قُبل منه ومن لم يسلم ضربت عليه الجِزيَة غير ناكحي نسائِهم ولا آكِلِي ذبائحِهم. ولمالك عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رَفعه سنوا بهم سنة أهل الْكتاب). قلت: رواه مالك في "الموطأ" (١/ ٢٧٨) عن جعفرِ بن محمَّد بن عليٍّ عن أبيه: أنَّ عُمرَ ابن الخَطاب ذَكَرَ المَجُوسَ فقال: ما أدري كيف أَصنعُ في أَمْرِهِم؟ فقال عبد الرحمن بن عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "سُنُوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكِتابِ". قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢/ ١١٦ - ١١٤): هذا حديث منقطع لأن محمد بن علي لم يلق عمر ولا عبد الرحمن بن عوف … ولكن معناه متصل من وجوه حسان.
(٢) في هامش (ي): "مَن قصَر ذكر التقديرِ بأحدهما فقد قصَّر. منه).
(٣) كذا في النسختين، والصواب: "منهن".
[ ٣ / ٢٤٨ ]
﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ لأن مهرَ الأمة لا يُدفع إليها بل إلى سيِّدها، والتعبير عن المهر بالأجر للتنبيه على أن أثر النكاح ملكُ المتعة لا ملكُ اليمين، والمراد من الإعطاء الالتزامُ كما في آية الجزية، وفائدةُ المجاز: المبالغةُ في وجوب إيتاء المهر، وإلا فهو ليس شرطًا للنكاح، والكلام كنايةٌ عن النكاح بالمهر؛ أي: إذا نكحتموهن بالمهور؛ لكونه في مقابلة الزنا سرًّا وعلانيةً.
﴿مُحْصِنِينَ﴾: أَعِفَّاءَ بالنكاح ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ بالزنا.
﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ قال الزجَّاج: المسافحُ والمسافحةُ: الزانيان غيرَ ممتنعَينِ مِن أحدٍ، فإذا كانت تزني بواحدٍ فهي ذات خِدْنٍ، فحرَّم الله تعالى الزنا على كلِّ حالٍ: على السِّفاح، واتخاذِ الصديق (^١).
وقال ابن عباس ﵄: الخِدْنُ هو الصديق الذي يكون للمرأة يزني بها سرًّا، كذا كان في الجاهلية، والسِّفاح: ما ظهر (^٢) منه، وكان فيهم مَن يحرِّم ما ظهر من الزنا ولا يحرِّم ما خَفِي منه (^٣).
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾: بمقتضاه من أحكامه وشرائعه مما أَحلَّ اللّه تعالى وحرَّم، ولا يخفى ما في هذا (^٤) المجاز من المبالغة، والإشعارِ بأن الشرائع من لوازم الإيمان، وإنكارُها كفرٌ؛ لانتفاء الملزوم بانتفاء اللازم.
﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ مقتضَى الظاهر العطفُ بالفاء
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٧).
(٢) في (ع): "أظهرت".
(٣) انظر: "البحر" (/)، ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٠٣).
(٤) "هذا" من (ع).
[ ٣ / ٢٤٩ ]
التفريعية، وإنما عدل عنه تنزيلًا لخسران العمل منزلة العدم؛ للمبالغة في تعظيم ذلك الخسران المبهم، فافهم.
* * *
(٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تخصيصُ الخطاب بالمؤمنين لاختصاصِ الغاية التي ذكرها بهم، فلا دلالة فيه على أن الكفار غيرُ مكلَّفين بالعبادات.
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ تعدِيَةُ القيام بـ ﴿إِلَى﴾ صريحٌ في معنى التوجُّه والقصدِ؛ لأن القيام بمعنى الانتصاب لا يتعدى بـ (إلى) (^١).
وظاهرُ الآية يُوجب الوضوء على كلِّ قاصد إلى الصلاة محْدِثًا كان أو غيرَ محدثٍ، والإجماع على خلافه؛ لِمَا رُوي أنه ﷺ صلى الخَمْسَ بوضوء واحد يوم الفتح (^٢)، فلا بد من تخصيص الخطاب بالمحْدِثين (^٣)، أو صرفِ الأمر إلى النَّدب، أو القولِ بالنسخ، ولا وجه للاحتجاج بقوله ﷺ: "المائدة من آخر القرآن نزولًا،
_________________
(١) في هامش (ي): (فكأنه غفل عن هذا من جوز أن يكون المعنى إذا أردتم القيام إلى الصلاة منه).
(٢) رواه مسلم (٢٧٧) من حديث بريدة ﵁.
(٣) في هامش (ي): "إنما قلنا: من تخصيص الخطاب بالمحدثين، ولم نقل: من تقييده بالحدث؛ لأن التقييد من قبيل النسخ، والتخصيصَ من قبيل البيان، فهو أهون منه".
[ ٣ / ٢٥٠ ]
فأَحِلُّوا حلالَها وحرِّموا حرامها" (^١)؛ لأن مبناه على عدم جواز انتساخ الكتاب بالسنَّة، ولا صحة له عندنا.
﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ غسلُ الشيء: إسالةُ الماء عليه، والوجهُ حدُّه من منتهى (^٢) مَنبِت الشعر إلى الأذنين وأسفلِ الذقن.
﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ جمعُ مرفقٍ بفتح الميم مع كسر الفاء، وقَلْبِ ذلك (^٣)، وهو مجتمَع طوفي الساعد والعضُد، و﴿إِلَى﴾ للغاية، فينتهي (^٤) عندها حكمُ الغَسل عند زُفرَ والشافعيِّ ومالكٍ رحمهم اللّه تعالى، فلا يجب غسلُها لأن الحدَّ لا يدخل تحت المحدود، وعند أئمتِنا الثلاثةِ يجب غسلها؛ لأن ضرب الغاية لا بد له من فائدةٍ، وهي: إما مدُّ الحكم عليها، أو إسقاطُ ما وراءها، والأول يحصل هاهنا بدونه لأن اليد اسمٌ لذلك العضو إلى الإبط، فتَعيَّن الثاني، ومُوْجَبُه دخول الغاية في حكم المغيَّا، وبهذا التقدير تبيَّن أنه لا حاجة إلى التقدير (^٥) ولا إلى التغيير (^٦).
﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ المعتبرُ في المسح إصابةُ البَلَل، وهو المراد هاهنا، أو
_________________
(١) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٢٣٩) عن عطية بن قيس مرفوعًا مرسلًا.
(٢) "منتهى"من (ي).
(٣) يعني: كمِنْبَرٍ ومَجْلِسٍ. انظر: "القاموس" (مادة: رفق).
(٤) تحرفت في (ع) إلى: "فسمي".
(٥) في هامش (ي): "فيه رد لمن قال: تقديره: وأيديكم مضافة إلى المرافق. ومَن قال في رده: ولو كان كذلك لم يبق معنى للتحديد ولا لذكره مزيد فائدة؛ لأن مطلق اليد يشتمل عليها، لم يصب لأنها كما يشتمل عليها يشتمل ما وراءها أيضًا، فلولا التحديد لوجب غسل اليد إلى الإبط. منه".
(٦) في (ع): "التعيير". وجاء في هامش (ي): "فيه رد لمن زعم أن إلى بمعنى في".
[ ٣ / ٢٥١ ]
إزالتُها وهو المراد في قولنا: مسحتُ اليد بالمنديل، وحقُّ الباء أن تدخل فيما ليس فيه البللُ.
واختلفوا في مقدار المفروض: فعن أصحابنا فيه ثلاثُ روايات، في ظاهرها: مقدار بثلاث (^١) أصابع من اليد مطلقًا، وفي رواية أخرى: مقدَّر بربع الرأس، وفي الرواية الثالثة: المفروضةُ مقدار الناصية (^٢).
وقال مالكٌ رحمه: ما لم يمسح جميع الرأس أو أكثرَه لا يجوز (^٣).
وقال الشافعي رحمه: إذا مسح مقدارَ ما يسمَّى ماسحًا جاز.
﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قرئ بالنصب عطفًا على ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ (^٤) ويؤيده السنَّة الشائعة وعملُ الصحابة ﵃، وقولُ أكثر الأئمة، قيل: والتحديد إذ المسح لم يحدَّد (^٥)، وفيه مصادرةٌ على المطلوب، لا يقال: لا نظير له في الشرع؛ لأن ما ورد على خلاف القياس لا يطلب له النظير.
وبالجرِّ وهو ظاهرٌ في العطف على (رؤوسِكم) وبه تمسَّك مَن قال: وظيفة الرجلين، قال قتادة: افترض اللّه تعالى غَسْلينِ ومسحين.
_________________
(١) قوله: "مقدار بثلاث"، كذا في النسخ، ولعل الصواب: (مقدر بثلاث)، أو: (بمقدار ثلاث)، أو: (مقدار ثلاث).
(٢) في هامش (ي): "وبهذا التفصيل تبين فساد ما قيل: وأبو حنيفة أوجب مسح ربع الرأس لأنَّه ﵇ مسح على ناصيته، وهو قريب من الربع. منه".
(٣) "لا يجوز" من (ي). وجاء في هامشها: "فيه رد لمن قال: ومالك مسح كله أخذًا بالاحتياط. منه".
(٤) هي قراءة نافع وابن عامر وحفص والكسائي، وقرأ باقي السبعة بالجر. انظر: "التيسير" (ص: ٩٨).
(٥) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١١٧)، وفيه: (… وقول أكثر الأئمة، والتحديد إذ المسح لم يحد).
[ ٣ / ٢٥٢ ]
وقال عامرٌ الشعبيُّ: نزل جبرائيل ﵇ بالمسح، ألا ترى أن التيمُّم يُمسح فيه ما كان غَسلًا ويُلغَى ما كان مسحًا.
وكان عكرمةُ ﵁ يمسح رجليه ويقول: ليس في الرِّجلين غَسلٌ، إنما نزل فيهما المسح (^١).
وذهب ابن جرير الطبريُّ إلى أن فرضَهما التخييرُ بين الغَسل والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين (^٢).
وقال النحاس: ومِن أحسنِ ما (^٣) قيل فيه: إنهما واجبان جميعًا، فالمسح واجب على قراءة الجر، والغَسلُ واجب على قراءة النصب، والقراءتان بمنزلة الآيتين (^٤).
ومَن أَوْجَب المسح بالكتاب، وذهب إلى أن الغَسل إنما ثبت بالسُّنة، عَطَف النصب على محلِّ المجرور إنْ جُعلت الباء زائدة، وعلى محل الجارِّ والمجرور أن جُعلت لتضمين معنى الإلصاقٌ، وتعديةُ المسح بنفسه شائع.
ويَرِدُ عليه: أنه يُخلُّ بالبلاغة عند الإلباس.
للذاهبين إلى وجوب الغَسل بالكتاب وجوهٌ في تأويل قراءة الجر:
أحدها: أنه على الجِوار.
ورُدَّ: بأنه إنما يَجوز إذا لم يكن ثمةَ واسطةٌ كما في قوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ
_________________
(١) روى هذه الأخبار الطبري في "تفسيره" (٨/ ١٩٦ - ١٩٧).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (٨/ ١٩٨ - ٢٠٠).
(٣) في هامش (ي): "وهو قول حسن على ما ذكر في الكشاف منه".
(٤) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٩).
[ ٣ / ٢٥٣ ]
أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦]، وقولِهم: هذا (^١) جُحرُ ضبٍّ خَرِبٍ، وأما توسُّطُ ما هو ثابتُ العامل كحرف العطف فلم يثبت.
وأيضًا: الجرُّ بالجِوارِ لم يَجئ مع الإلباس، وهاهنا مُلْبِسٌ، وذكرُ الغاية لا يدفعه؛ لِمَا عرفتَ من ضعفِ مبناه.
وثانيها: أنه عطف على الممسوح لا ليُتمسَّح ولكنْ ينبِّهُ على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها؛ لأن الأرجُل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تُغسل بالصبِّ، فكانت مَظِنّةَ الإسراف المذموم المميّز عنه.
ويَرِدُ عليه: أنه حينئذ يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز حيث أريد بالمسح في قلة استعمال الماء، والقولُ بتقدير إعادة العامل في المعطوف مرادًا به المعنى المجازيُّ يُفضي إلى إضمار الجارِّ، وهو ضعيف.
ثم إن وجوب الاقتصاد في صب الماء على الأرجل غيرُ مسلَّم، كيف والإسباغُ مستحبٌّ؟
وثالثها: أن العطف على الممسوح من قَبيل:
علَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا (^٢)
ومحذور الجمع المذكورِ يلزم حينئذ أيضًا (^٣).
_________________
(١) "هذا" من (ع).
(٢) صدر بيت أنشده الفراء لبعض بني دُبَير - قبيلة من أسد - يصف فرسه. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٤)، و"تفسير الطبري" (١/ ٢٦٤)، و"الكشاف" (٢/ ١٠٨)، و"الخزانة" (١/ ٤٩٩). وعجزه: حَتَّى شَتَتْ هَمّالَةٌ عَيْناهَا
(٣) في هامش (ي): "وتقدير: اغسلوا، يأبى به الجر، وأيضًا حينئذ لا يكون عطفًا على الممسوح. منه".
[ ٣ / ٢٥٤ ]
وبالرفع (^١) على: وأرجلُكم مغسولةٌ.
وإدخالُ الممسوح بين المغسولَين للجمع بين قراءتي النصب والجر، فلا دلالة فيه على اعتبار الترتيب، وعلى تقدير التسليم كفى اعتبارُه ندبًا.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾: فاغتَسلوا.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الخطابُ هنا أيضًا للجماعة في المعنى، وإن اعتُبر الإفراد في اللفظ مراعاةً للأدب في الذهاب إلى الغائط، ولهذا صح اندراجُه تحت الأمر للجماعة.
﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ كنايةٌ عن الجماع.
﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ صدَّره بأداة التعقيب - وإن لم يُعتبر مفهوم في صحة التيمُّم - إيماءً إلى أن الجنب إذا وجد الماء حقُّه أن لا يؤخِّر الاغتسال وإن لم يجب عليه بعد ما لا يجوز أداؤه بدون الطهارة (^٢)، ونَفْي إرادة الحرج الآتي ذكرُه ترتُّبه على هذا.
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ سبق تفسيره، وتكريره لا ليتَّصل الكلام في بيان أنواع الطهارة، بل لئلا يَسبق إلى الوهم انتساخُ حكم التيمُّم من الاقتصار على ذكر الوضوء والأمر به حتمًا عند إرادة الصلاة محدِثًا (^٣).
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ في باب الطهارة، حتى لا يرخِّص لكم في التيمم إذا فرَّطتُم في حفظ الماء للطهارة.
_________________
(١) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣١)، و"المحتسب" (١/ ٢٠٨).
(٢) في هامش (ي): "فإن الجنب إذا وجد الماء ولم يغتسل ثم فقده يجوز له التيمم. منه".
(٣) في هامش (ي): "كما في الصورة المار ذكرها في الحاشية السابقة. منه".
[ ٣ / ٢٥٥ ]
﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾: لينظِّفَكم، أو: ليطهِّركم من (^١) الذنوب، فإن الوضوء تكفيرٌ لها، ومفعول ﴿يُرِيدُ﴾ في الموضعين محذوف، واللام للعلة.
﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالرخصة ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمتَه فيثيبَكم بالشكر.
* * *
(٧) - ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام؛ ليذكِّركم المنعِمَ ويرغِّبَكم في شكره.
﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾: عاقدتُم به عقدًا وثيقًا.
﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أراد عهدَه على المسلمين حين بايعهم رسولُ اللّه ﷺ على السمع والطاعة في حال اليُسر والعُسر، فقبلوا وقالوا: سمعنا قولكَ وأطعنا أمرك.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الكُفران والعصيان، ويدخل فيه الاتِّقاءُ في العزم على نقض ميثاقه دخولًا أوليًّا، وعلى هذا يكون الأمر بالاتِّقاء عن نقضه على وجه أبلغَ، والتعليلُ بقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ من السرائر والضمائر على وجه أظهر.
* * *
_________________
(١) في (ي): "عن".
[ ٣ / ٢٥٦ ]
(٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لمَّا حثَّهم على الانقياد للتكاليف وهي مع كثرتها محصورةٌ في نوعين: التعظيم لأمر اللّه تعالى، والشفقة على خلقه:
فقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ إشارةٌ إلى الأول، والمراد أن تقوم للّه بالحقِّ في كلِّ ما يلزمه على وجه الاهتمام.
وقوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ إشارةٌ إلى الثاني، أمرهم بالصدق في أفعالهم وأقوالهم
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾؛ أي: لا يَحمِلنكم شدةُ بغضكم للمشركين ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾: على ترك العدل فيهم، وهو (^١) النهي عن الجَور بارتكاب ما لا يحل؛ كمُثْلةٍ، وقتلِ نساءٍ وصِبْيةٍ، ونقضِ عهدٍ على أبلغ وجه.
﴿اعْدِلُوا﴾ فيهم وإنْ أساؤوا إليكم، استئنافٌ لقصد التأكيد، فإن الأمر بالعدل على الإطلاق تأكيدٌ للنهي عن تركه بأيِّ سببٍ كان.
﴿هُوَ﴾؛ أي: العدلُ ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ استئنافٌ لبيان سببِ الأمر بالعدل، ولا خفاءَ في أن الجَور في حق الكفار أشدُّ وخامةً من الجَور في حقِّ المؤمنين؛ لإمكانِ إرضائهم يومَ الجزاء دون الكفار، ومَن غفل عن هذا الاعتبار قال: وإذا كان هذا للعدل مع الكفار فما ظنُّكم بالعدل مع المؤمنين؟
_________________
(١) في (ي): "وهي".
[ ٣ / ٢٥٧ ]
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كلِّ أمرٍ ونهيٍ، أعاده لمزيد الاهتمام بالعدل، والمبالغةِ في إطفاء نائرة الغيظ.
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وعدٌ ووعيدُ، ولذلك ذَكَر بعدها آيتين: إحداهما في وعد المؤمنين، والأخرى في وعيد الكافرين.
* * *
(٩) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ كلامٌ تامٌّ معناه: قدَّم لهم وعدَه.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ استئنافٌ في موقع البيان للموعود، أطلق الوعد وأبهمه أولًا لتعظيم ثواب العدل والتقوى، ثم بيَّنه، كأنه لمَّا قدَّم الوعد المطلَق قيل: أيَّ شيء وعدهم؟ فأُجيب به، وتقديمُ الخبر وتنكيرُ ﴿مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ﴾ من مقوِّمات هذا المعنى.
* * *
(١٠) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أَتبع حال أحد الفريقين حالَ الآخَر إيفاءً لحقِّ الوعد (^١)، وفيه مزيدُ وعدٍ للمؤمنين وتطييبٍ لقلوبهم.
* * *
(١١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
_________________
(١) في (ي): "الوعدة".
[ ٣ / ٢٥٨ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الخطاب بهذا الوصفِ إشارةٌ إلى أن إيمانهم هو الباعثُ لنعمة الكشفِّ الآتي ذكره.
﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ رُوي أنَّ المشركين رأوا رسول اللّه ﷺ وأصحابه بعُسْفانَ قاموا إلى الظهر معًا، فلما صلَّوا ندموا ألا كانوا أَكَبُّوا عليهم، وهمُّوا أن يُوقعوا بهم إذا قاموا إلى العصر، فردَّ اللّه تعالى كيدهم بأنْ أنزل صلاةَ الخوف (^١). والآيةُ إشارةٌ إلى ذلك، وقيل غيرُ ذلك (^٢).
﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالقبض والإهلاك (^٣)، يقال: بسط إليه يده، إذا بَطَش به، وبسط إليه لسانه: إذا شتمه، ومعنى بسطِ اليد: مدُّها، وكذلك بسطُ اللسان، وإنما البطش والشتم حاصلُ المعنى.
﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾: مَنَعها عن الإضرار بكم، قدَّم ﴿إِلَيْكُمْ﴾ ثمةَ وأخَّر ﴿عَنْكُمْ﴾ هاهنا لنكتةٍ لفظيَّة: وهي رعايةُ قوَّةِ المناسبة وشدَّةِ الاتصال بين الكفِّ واليد، ودقيقةٍ معنويةٍ: وهي أن الاختصاص المستفادَ من تقديم ﴿عَنْكُمْ﴾ فضلةٌ في المقام، والاشتمالُ على الفضلة هُجْنةٌ في الكلام.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ منتظِمٌ مع قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ كَنى بذكرها عن الشكر عليها إيماءً إلى أنها من النِّعم الجِسام التي لا مانع من (^٤) القيام
_________________
(١) رواه مسلم (٨٤٠/ ٣٠٨) من حديث جابر ﵁.
(٢) انظر حديث ابن عباس في "دلائل النبوة" لأبي نعيم (٤٢٥)، وحديث جابر عند البخاري (٢٩١٠)، ومسلم (٨٤٣) كتاب الفضائل. وانظر: "روح المعاني" (٧/ ٨٧).
(٣) في "البيضاوي" (٢/ ١١٨): (بالقتل والإهلاك).
(٤) في (ي): "عن".
[ ٣ / ٢٥٩ ]
بشكرها سوى الذهولِ والغفلة عنها، ولا يَخفى ما في الكناية بهذا الوجهِ من تفخيم تلك النعمةِ. ثم أمر بالاتِّقاء عن الكفران، وفي التعبير عن اتِّقائه باتِّقاء اللّه تعالى ما لا يخفى من المبالغة في التحذير.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ مرتبطٌ بقوله تعالى: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ فالفاءُ لإفادة السبب، فإنَّ دفع همِّ العدو على الوجه المذكور غيرُ مقدورٍ للعبد، ولا تأثير فيه لتدبيره، فحقُّه أن يَتوكَّل على القادر عليه. والتخصيصُ المستفاد من تقديم الجارِّ والمجرور مبناه تخصيصُ (^١) الأمر بالمؤمنين، وفيه رعايةُ المناسبة بين فاتحة الكتاب وخاتمته، والواو لعطف الجملة على الجملة.
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ النقيب هو الذي ينقِّب عن أحوال القوم ويفتِّش عنها، روي أن بني إسرائيل … (^٢).
* * *
_________________
(١) في (ع): "هاهنا وتخصيص" بدل: "مبناه تخصيص".
(٢) هنا تنتهي القطعة المفسرة من سورة المائدة، ولم نقف على تتمة لها في النسخ كما تقدم في مقدمة التحقيق، وبعدها في النسخ أول سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٦٠ ]