﷽
(١) - ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: دنا وقَرب، يقال لمن طلب الإغاثة وقُربَ حصولها: جاءك الغوث.
والمراد من ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾: ما أَوْعدهم من قيام السَّاعة، أو إهلاكِ الله تعالى إيَّاهم، وعلى هذا وجه إصابة الفاء في قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ محزَّها ظاهر، بخلاف ما إذا كان المعنى: أنَّ الأمرَ الموعود بمنزلة الآتي المحقَّق من حيث إنه واجب الوقوع.
والاستعجالُ: طلبُ الشَّيء قبلَ حينه، كانوا يستعجلون ما أوعدهم اللهُ؛ استهزاءً وتكذيبًا، فنزلت.
ولما كان المستعجِل المستهزئ معجِّزًا له تعالى عن القدرة على ما أَوْعده (^١)، وفيه تشبيه بالمخلوق، قال:
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: تنزَّه أنْ يحومَ العجز حولَ سرادق
_________________
(١) قوله: "معجِّزًا له"؛ أي: ناسبًا إليه العجز سبحانه، ومعنى الكلام: لما كان استعجالهم ذلك من نتائج إشراكهم المستتبع لنسبة الله تعالى إلى ما لا يليق به سبحانه من العجز والاحتياج إلى الغير واعتقادهم أن أحدًا يحجزه عن إمضاء وعيده أو إنجاز وعده. انظر: "تفسير أبي السعود" (٥/ ٩٥)، و"روح المعاني" (١٤/ ١٠).
[ ٦ / ٧ ]
كبريائه، وجلَّ (^١) أن يكون له شريك في المعبوديَّة، فيدفعَ ما أراد بهم.
كانوا يقولون: إنْ صَحَّ يا محمَّد (^٢) فالأصنام تخلِّصنا منه، فنزلت.
وقرئ: ﴿تُشْركون﴾ بالتَّاء (^٣)، على وفق: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وبالياء على تلوين الخطاب، وأمَّا ما قيل: الخطاب للمؤمنين، أو لهم ولغيرهم؛ لِمَا روي أنَّه (^٤) لَمَّا نزلَتْ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ وثبَ (^٥) النبي ﷺ ورفع الناسُ رؤوسَهم، فنزلت: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (^٦) = فيأباه التَّصدير بالفاء.
* * *
(٢) - ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾.
﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ استعار الرُّوح للوحي أو للقرآن؛ لأنَّه تحيَى به القلوب الميتة بالجهل حياةَ الجسد بالرُّوح.
وذكرُه عقيب ما وعدَ به إشارةٌ إلى طريق العلم به، وإزاحة لاستبعادهم اختصاصَه ﵇ بالعلم به.
_________________
(١) في (ك) و(م) زيادة: "عن".
(٢) أي: (إن صح مجيء العذاب ..). انظر المصدرين السابقين.
(٣) قرأ بها حمزة والكسائي، والباقون بالياء. انظر: "التيسير" (ص: ١٢١).
(٤) في (ف): "أنها".
(٥) في (ك) و(م): "فوثب".
(٦) ذكر عن ابن عباس ﵁. انظر: "تفسير الثعلبي" (٦/ ٦)، و"زاد المسير" (٤/ ٤٢١).
[ ٦ / ٨ ]
وقرئ: ﴿يُنْزِلُ من أَنزل (^١)، و: (تَنَزَّلُ) بمعنى: تتنزل (^٢)، و: (تُنَزَّلُ) على المضارع المبني للمفعول (^٣)، من التَّنزيل.
﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾: بأمره، أو: من أجْل أمره ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أنْ يتَّخذه رسولًا ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾: بأنْ أنذروا.
والإنذارُ: الإعلام، ويختصُّ بما فيه تخويفٌ، ولتلك الخصوصية مناسبةٌ للمقام من حيث إن المشرك دائرٌ أمرُه بين الإسلام والسَّيف، فإبلاغ أمرِ التَّوحيد إعلامٌ يتضمَّن التَّخويف بالقتل.
ويجوز ﴿أَن﴾ تكون أنْ مفسِّرة؛ لأنَّ في الوحي معنى القول، أو مصدريةً في موضع الجرِّ بدلًا من ﴿بِالرُّوحِ﴾، أو مخفَّفةً من الثَّقيلة.
﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾، أي: الشأنَ لا إله إلا أنا، أو: خوِّفوا أهل الشِّرك بأنَّه لا إله إلا أنا.
﴿فَاتَّقُونِ﴾ رجوعٌ إلى مخاطبتهم بما هو المقصود.
والآيةُ تدلُّ على أنَّ الوحيَ بواسطة الملَك، وأنَّ حاصله التَّنبيه على التَّوحيد الذي هو مُبْتَغى كمالِ القوَّة العلميَّة، والأمرِ بالتَّقوى الذي هو أقصى كمالات القوَّة العمليَّة، وأنَّ النُّبوَّة عطائيَّة، والتي بعدها دليلُ وحدانيته، من حيث إنَّها تدلُّ على أنَّه تعالى هو الموجِد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة، ولو كان له شريكٌ لقدر (^٤) على ذلك، فيلزم التَّمانع.
_________________
(١) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ٧٥).
(٢) نسبت للحسن وسلام. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٢).
(٣) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٣٧٨)، و"البحر المحيط" (١٣/ ١٠٠).
(٤) في (ف) و(ك): "لدل".
[ ٦ / ٩ ]
(٣) - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: أوجدهما على مقدارٍ وشكلٍ وأوضاعٍ وصفاتٍ مختلفةٍ قدَّرها وخصَّصها بحكمته.
﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ لأنَّه موجِدٌ للعالَم كلِّه، وكلُّ ما سواه مفتقرٌ إليه، فهو المتعالي عن رتبة الكلِّ.
والتَّحقيق: أنَّ قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ تنبيهٌ وإيقاظٌ؛ ليكون ما يَرِدُ بعدَه مُمَكَّنًا في نفسٍ حاضرةٍ ملقيةٍ إليه، وهو تمهيدٌ لِمَا يَرِد (^١) مِن دلائل التَّوحيد، وقولَه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ تفصيلٌ لِمَا أجملَه في قوله: ﴿﷾﴾، أيقظَ أوَّلًا ثمَّ نعَى عليهم ما هم فيه من الشِّرك، ثم أردفه بدلائل السَّمع والعقل، وقدَّمَ السَّمعيَّ لأنَّ صاحبه هو القائم بتحرير العقل وتهذيبه أيضًا، فليس النَّظر إلى دليل السَّمع، بل إلى مَن قام به من الملائكة والرُّسل ﵈.
* * *
(٤) - ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾، لا حسَّ لها ولا حراك، سيَّالةٍ لا تحفظ الوضع والشَّكل.
﴿فَإِذَا هُوَ﴾ عطفُه على ما تقدَّم باعتبار أنَّ المراد من خَلْق الإنسان: إيجادُه وتربيتُه إلى أن يبلغ حَدَّ النُّطق والإدراك، فأداتا التَّعقيب والمفاجأة أصابتا المحزَّ.
﴿خَصِيمٌ﴾: مِنطيقٌ مجادلٌ عن نفسِه في الخِصام.
_________________
(١) في النسخ: "يريد"، والمثبت من "روح المعاني" (١٤/ ١١)، والكلام منقول من "الكشف" كما صرح الآلوسي.
[ ٦ / ١٠ ]
﴿مُبِينٌ﴾ للحُجَّة على خصمه، مميِّزٌ للحقِّ عن الباطل، فهو صفة مدح؛ أي: نقله من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشَّريفة، وهي حالة النُّطق والإبانة، ويؤيِّده التَّعقيب بذكر ما امتنَّ به عليه في قِوَام معيشته.
وقيل: معناه: مكافحٌ لخالقه، قائلٌ: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، فهو صفةُ ذمٍّ.
ويأباه التَّوصيف بالإبانة، ولا يساعده سباق الكلام ولحاقه ومَساقه؛ فإنه للدلالة على كمال القدرة والإرادة.
* * *
(٥) - ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
﴿وَالْأَنْعَامَ﴾ ذكر أوَّلًا ما هو أكثر منفعةً وألزمُ لمن أُنزل القرآن بلغتهم، وقد شرح الأنعام في سورة الأنعام.
وانتصابُها بمضمَر يفسِّره قولُه: ﴿خَلَقَهَا﴾، و﴿لَكُمْ﴾ في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ خبر مقدم لـ ﴿دِفْءٌ﴾، و﴿فِيهَا﴾ حالٌ منه، والجملةُ بيان لِمَا خُلِقَ له.
أو بالعطف (^١) على ﴿الْإِنْسَانَ﴾، و﴿خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ بيانُ ما خُلِقَ لأجله، ﴿دِفْءٌ﴾ مبتدأ خبره ﴿فِيهَا﴾، والجملة مع ما بعدها تفصيلٌ لما خلق له (^٢).
والدِّفءُ: ما يدفَّأُ به؛ أي: يسخَّن فيقي (^٣) البرد.
_________________
(١) قوله: "بالعطف" عطف على "بمضمر"؛ أي: أو انتصابها بالعطف.
(٢) وفي الإعراب لهذه الجملة وجوه أخر ينظر شرحها ومناقشاتها في "البحر" (١٣/ ٣٠٥)، و"روح المعاني" (١٤/ ٢٣).
(٣) في (ك): "فينفي".
[ ٦ / ١١ ]
﴿وَمَنَافِعُ﴾: نسلُها ودَرُّها وظهورها، وإنَّما عَبَّرَ عنها بالمنافع ليتناول غرضها.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾؛ أي: تأكلون ما يُؤْكَل منها، مِنَ اللُّحوم والشُّحوم والألبان.
وتقديم الظَّرف للاختصاص؛ إشارةً إلى أن الأصل المعتدَّ به في أكل اللَّحم إنَّما هو منها، وأمَّا الأكل من غيرها فكغير المعتدِّ به، وكالجاري مجرى التَّفكُّه، فجَعْلُه لمجرَّد محافظة الفاصلة تنزيلٌ للمنزَّل عن منزلته الفاضلة.
* * *
(٦) - ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾.
﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾: زينة ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾: تردُّونها من مراعيها إلى مراوحها بالعشيِّ ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: تخرجونها بالغداة إلى المرعَى، فإنَّ الأفنية تَزَّيَّنُ بها، ويتجاوَبُ [فيها] الرُّغاءُ والثُّغاءُ (^١)، فيأنس أهلها ويفرح أربابها، ويُجلُّهم في أعين النَّاظرين إليها (^٢)، ويكسبهم الجاه والحرمة.
وتقديم الإراحة على السَّرح لأنَّ الجَمال فيها أظهرُ إذا أقبلَتْ ملأى البطون حافلةَ الضروع، ثم أوَتْ إلى الحظائر، حاضرةً لأهلها، يأنسون بها مبتهجين.
_________________
(١) الثغاء: صوت الغنم. والرغاء: صوت الإبل. وما بين معكوفتين من "الكشاف" (٢/ ٥٩٤)، ووقع في النسخ: "ويجاوب" والمثبت هو الأنسب بسياق الكلام.
(٢) زاد في (ف): "ولا يخفى لطفُ موقعِ هذا التَّنبيه والتَمهيد السَّابق بقوله: (من)، حيث تضمن الإشعار بأنهم يبتدؤون أكله من البحر مبالغة في تهيئته للأكل في مقام الامتنان، وفي تخصيص أكله طريًا بالذِّكر إشارة إلى أنه في معرض أن يسرع إليه الفساد لكمال لطافته فيسارع إلى أكله، فكأنه قيل: لتأكلوا منه لحمًا في غاية اللطافية". وليس هنا موضع هذا الكلام، وسيأتي في موضعه الصحيح في تفسير قوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾.
[ ٦ / ١٢ ]
وقرئ: (حينًا) (^١)، على أن ﴿تُرِيحُونَ﴾ و﴿تَسْرَحُونَ﴾ كلاهما وصف لـ ﴿حِينَ﴾؛ أي: تريحون فيه وتسرحون فيه.
* * *
(٧) - ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾: أحمالكم ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾؛ أي: ليس من شأنكم بلوغه بأنفسكم على أقدامكم.
﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾: إلَّا بجهد ومشقَّةٍ لو لم تكن الإبل، فضلًا عن أن تحملوا على ظهوركم أثقالَكم (^٢)، فكيف إذا فضلت أثقالكم من أن تحملوها، أو لم تكونوا بالغيه بها إلَّا بِشَقِّ الأنفس.
قرئ: ﴿بشقِّ الأنفس﴾ بكسر الشِّين وفتحها (^٣)، وهما لغتان في المعنى المذكور، وقيل: بينهما فرقٌ، وهو أنَّ المفتوح مصدر شقَّ الأمر عليه شَقًّا، وحقيقته راجعة إلى الشَّقِّ الذي هو الصَّدع (^٤)، وأمِّا الشِّق بالكسر فهو للنِّصف، كأنَّه يذهب نصفُ قوته لما يناله من الجهد.
﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يرأف (^٥) بكم بتيسير مصالحكم ومعايشكم، ويزحمكم بخلق هذه المنافع والحوامل.
_________________
(١) نسبت لعكرمة والضحاك. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٢).
(٢) من قوله: "لو لم يكن .. " إلى هنا ليست في (م).
(٣) بفتح الشين قرأ أبو جعفر من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٣٠٢).
(٤) "الذي هو الصدع" من (م).
(٥) في (ك): "رؤوف".
[ ٦ / ١٣ ]
(٨) - ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ عطف على ﴿الْأَنْعَامَ﴾، وواحد الخيل: خائل، كضائنٍ واحدِ ضأن، وقيل: لا واحد له.
﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ ذكر هنا منفعةَ الرُّكوب عبارةً، وأحالَ تبيين (^١) منفعة الحمل على الدلالة، وعكس فيما تقدَّم؛ اعتبارًا في كلٍّ منهما للأصالة.
﴿وَزِينَةً﴾ انتصب بالعطف على محلِّ ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ على أنَّها مفعولٌ له، وخولف بينهما لا (^٢) لأنَّ الركوب فعل المخاطبين ففُقِدَ شرطُ نَصْبِه، وأمَّا الزينة ففعل الخالق لأنَّه لا يأبى (^٣) عن نظم الثاني في سلك الأول، بل لأنَّ الأوَّل مقصودٌ بالذَّات والثَّاني بالعرض.
وقرئ: (زينةً) بغير واو (^٤)، فجاز أن يكون حالًا عن أحد الضَّميرين، وأن يكون علَّة لـ (تركبوها).
واستُدلَّ به على حرمة لحومهن (^٥)، ووجه الاستدلال: أنَّ المقام مقامُ الامتنان بعدِّ المنافع، والكلام مشتمِل لنوعَي المقصود استئنافًا لها، فلو كان أكلُها حلالًا لكان أحقَّ بالتَّعرُّض من الزِّينة، وأمَّا أكل لحم الحمار وإن كان حلالًا وقتَئذٍ إلَّا أنَّه في معرض التَّحريم، فالامتنان به لا يليق بالحكمة (^٦).
_________________
(١) في النسخ: "بين"، ولعل الصواب المثبت.
(٢) "لا" سقط من (ف).
(٣) في (ف): "لا يأتي".
(٤) انظر: "المحتسب" (٢/ ٨).
(٥) في (م): "لحومهما"، وفي (ف): "لحرمهن"، والمثبت من (ك).
(٦) في (م): "بالجملة"، وفي (ف): "بالحكم".
[ ٦ / ١٤ ]
﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ لما فصَّل الحيوانات المحتاج إليها غالبًا احتياجًا ضروريًّا أو غير ضروريٍّ أجملَ غيرها مما لا يُعلم كُنْهُهُ وتفاصيله؛ أي: فيكم ولكم على سبيل الامتنان، أو ما لم تحصوه ولم يكن لكم به علمٌ لكثرتها، دلالة على مزيد قدرته وحكمته، ويدخل فيه ما خلق في الجنَّة والنَّار مما لا يبلغه وَهْمُ أحدٍ ولا خطر على قلبه.
وغيَر النَّظمَ إلى المضارع استحضارًا لإيجاد ما لم يحطْ به علمًا من الأشياء النَّافعة له، والدلالة على قدرته تذكيرًا للنِّعمة، وتعجيبًا، وتقريرًا لدلائل القدرة، وتعجيزًا لما يشركون به من الآلهة.
* * *
(٩) - ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، أي: عليه تعالى رحمةً وفضلًا هدايةُ الطَّريق المستقيم الموصل إلى الحقِّ، أو: عليه الطَّريق المستقيم؛ أي: يصل إليه مَن يسلكه لا محالة، كما تقول: هذا الطَّريق على موضع كذا إذا انجرت (^١) إليه، والقَصْدُ مصدر بمعنى اسم الفاعل، يقال: سبيلٌ قَصْدٌ وقاصدٌ، أي: مستقيم، كأنَّه يقصد الوجه الذي يؤمُّه السَّالك، والمراد بـ ﴿السَّبِيلِ﴾: الجنس؛ لإضافة (القَصْد) إليها، ولقوله: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ لا يوصِل إلى الحق لسوء استعداد صاحبه.
وقرئ: (ومنكم جائر) (^٢)؛ أي: عن القصد.
_________________
(١) كذا في النسخ، ولعله: انحزت.
(٢) نسبت لعلي وابن مسعود ﵄. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٢)، و"الكشاف" (٢/ ٥٩٦)، و"البحر المحيط" (١٣/ ٣١٣).
[ ٦ / ١٥ ]
وتغيير الأسلوب لأنَّه (^١) ليس [بحقٍّ] على الله تعالى الهداية إلى الطَّريق الجائر عن القصد والاستقامة، أو لا (^٢) يوصَل إلى الله سالكها، أو لأنَّ المقصود بيان سبيله، وذكرُ قسيمه إنما جاء بالعَرَض.
﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: لو شاء الله هدايتكم أجمعين إلى قصد السَّبيل لهداكم إليه هدايةً مستلزِمة للاهتداء.
* * *
(١٠) - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾: من السَّحاب، أو: من جانب السَّماء.
لَمَّا استدلَّ على وجود الصَّانع الحكيم (^٣) بأحوال الحيوان أتْبَعه بذكر الاستدلال عليه بعجائب أحوال النبات.
﴿مَاءً﴾ تنكيره لأنَّه خلاف الماء المعهود، حيث لا يسيل بل ينزل قطراتٍ غير متداركة.
﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، أو خبر ﴿شَرَابٌ﴾ (^٤) في قوله: ﴿مِنْهُ شَرَابٌ﴾؛ أي: مشروبٌ، و﴿مِنْهُ﴾ على الأوَّل خبرٌ لـ ﴿شَرَابٌ﴾، وعلى الثَّاني تبعيضيَّة.
وفي حصر المشروب المستفاد من تقديم ﴿مِنْهُ﴾ دلالة على أنَّ مياه الأرض منه.
_________________
(١) في النسخ: "على أنه"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٢١)، وما سيأتي بين معكوفتين منه.
(٢) في (ف): "ولا".
(٣) "الحكيم" زيادة من (م) و(ك).
(٤) في (م): "لشراب".
[ ٦ / ١٦ ]
﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾: ومنه تكوُّنه، والمراد بالشَّجر: ما يرعاه المواشي، وقيل: كلُّ ما ينبت على الأرض يُطلَق عليه الشَّجر، قال الشَّاعر:
نعلِفُها اللَّحم إذا عَزَّ الشَّجر (^١)
﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾: ترعَون، مِنْ سامَتِ الماشية: إذا رعَتْ، فهي سائمة، وأسامها صاحبُها، وأصلها من السَّومة، وهي (^٢) العلامة؛ لأنها تؤثِّر بالرَّعي علاماتٍ في الأرض.
* * *
(١١) - ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ﴾ وقرئ بالنُّون (^٣) على التَّفخيم.
﴿وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ﴾ تقديم ﴿الزَّرْعَ﴾ لأنَّه الأصل في الغِذاء (^٤)، وتخصيص الأجناس الثَّلاثة من الثَّمرات وتقديمها لإظهار فضلها وإنافتها (^٥) على سائرها، ولعلَّ تقديم ما يُسامُ فيه على الكلِّ (^٦) لصيرورته غذاء
_________________
(١) الرجز للنمر بن تولب كما في "الحيوان" (٧/ ١٤٥)، و"الشعر والشعراء" (١/ ٣٠٩)، و"الأغاني" (٢٢/ ٢٧٨). ونسبه الزمخشري في "أساس البلاغة" (مادة: لحم) للطرمَّاح.
(٢) في (ك) و(م): "التي هو".
(٣) قرأ بها أبو بكر. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٧).
(٤) في النسخ: "الغداء"، والصواب المثبت لأن (الغداء) بالدال: طعام الغداة كما أن العشاء طعام العشي، و(الغذاء) بالذال: ما به نماء الجسم وقوامه، وهو المقصود هنا.
(٥) أي: ارتفاعها وشرفها.
(٦) كذا في النسخ: "على الكل"، وفي "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٢١)، (على ما يؤكل منه).
[ ٦ / ١٧ ]
حيوانيًّا، هو أشرف الأغذية، أسرع ما يكون إلى اللَّبن واللَّحم.
﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾؛ أي: وبعض كلِّها؛ لأنَّ كلَّ ما يمكن من الثَّمرات لا يكون في الأرض.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾: لدلالةً واضحة ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: ينظرون فيستدلون بها على وجود الصَّانع وحكمته وقدرته.
ولَمَّا كان الاستدلال بإنبات الماء وهو واحد وإن كثرت أنواع النَّبات قال هنا: ﴿لَآيَةً﴾ على صيغة الإفراد.
* * *
(١٢) - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ﴾ بأنَّ هيَّأها لمنافعكم.
﴿مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ نصب على الحال؛ أي: نفعكم بها حالَ كونها مسخَّرات بأمره التَكويني، أو على المصدر، وجمع للتَّنويع، جمع مُسَخَّر بمعنى تسخير، أي: سخَّرها أنواعًا من التَّسخير، كأنَّه قيل: سخَّرها تسخيرات.
وقرئ برفع ﴿الشَّمسُ والقمرُ والنُّجومُ﴾ على الابتداء، والخبر ﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾ بالرَّفع (^١)، وبرفع ﴿النُّجُومُ﴾ وحدَه ونصبِ ما قبله، و﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾ خبره (^٢)، يعني أنها مسخراتٌ حقيقةً لله تعالى.
_________________
(١) وهي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٧).
(٢) وهي قراءة حفص، وقرأ باقي السبعة بنصب الكل. انظر: "السبعة" (ص: ٣٧٠).
[ ٦ / ١٨ ]
وإنَّما قيل: إنَّها سُخِّرَتْ لكم باعتبار أنَّ فائدة تسخيرها عائدة إليكم، ومَن وهَم أن المعنى: مسخَّرات لِمَا خُلِقْنَ له، فقد وهِم؛ إذ حينئذٍ يكون إعادةً بلا فائدة.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ أتى هنا بصيغة الجمع لأنَّ وجه الدّلالات في السَّماوات متعدِّد.
﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ذكَرَ العقلَ لأنَّ الاحتياجَ إلى تجريد العقل الصَّرْف في الاستدلال بها أشدُّ؛ فإنَّ القوَّة الفكرية كافية في الاستدلال بما يشاهد من أحوال النَّبات وتغييراته واختلاف أشكاله وألوانه، وأما أحوال العلويَّات فلا بُدَّ فيها من مزيد عقلٍ ومعرفةٍ بالعلم الطَّبيعي والهيئة والهندسة، ومَنْ زعم (^١) أنَّ وجه الدّلالة هنا مع تعددُّه أظهرُ من وجهها ثمَّة مع وحدته فقد كابرَ مقتضى العقل الصَّريح.
* * *
(١٣) - ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾.
﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: من أنواع الحيوان والنَّبات والمعادن، في موضع نصبٍ بفعلٍ محذوفٍ، أي: وخلقَ وأنبتَ، كذا قال أبو البقاء، استبعدَ تسلُّط ﴿وَسَخَّرَ﴾ على ذلك؛ إذ حينئذ يلغو قوله: ﴿لَكُمُ﴾، فقدَّر فعلًا لائقًا (^٢)، ومَنْ لم يتنبَّه لهذا قال: أي: سخَّر لكم ما خلق لكم فيها (^٣).
﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾: أصنافُه، فإنَّها تتخالف باللَّون غالبًا.
_________________
(١) في (ف): "وهم".
(٢) انظر: "الإملاء" للعكبري (٢/ ٧٩١).
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٢٢)، متابعًا في ذلك "الكشاف" (٢/ ٥٩٨).
[ ٦ / ١٩ ]
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: يعتبرون، فإن اختلافها في الطِّباع والهيئات والمناظر ليس إلَّا بصنع قادرٍ حكيمٍ.
وأفرد (الآية) لأنَّه عبَّر عنه بمفرد، ووصفه بمفرد.
* * *
(١٤) - ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ بأنْ مكَّنكم من الانتفاع به بالرُّكوب والاصطياد والغَوص وغير ذلك.
﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ هو الحوت، وإنَّما عبَّر عنه باللَّحم - وهو ما يُؤكَل من الحيوان - تنبيهًا على جهة فضله وامتيازه عن سائر الحيوانات المأكولة، فإنَّها لا تكون لحمًا إلَّا بعد الذَّبح والسَّلخ، ولا يخفى لطف موقع هذا التَّنبيه، والتَّمهيد السَّابق بقوله: (مِن) حيث تضمَّن الإشعار بأنَّهم يبتدؤون أكلَه من البحر؛ مبالغةً في تهيئته للأكل في مقام الامتنان.
وفي تخصيص أكله ﴿طَرِيًّا﴾ بالذِّكر إشارةٌ إلى أنَّه في مَعْرِض أن يسرع إليه الفساد، لكمال لطافته، فيسارع إلى أكله، فكأنَّه قيل: لتأكلوا منه لحمًا في غاية اللَّطافة، وهذا من ألطف الكنايات التي قلَّما يُتنبَّه لها، ولا بدَّ مِنَ الحمل عليها؛ إذ على تقدير إبقائه على ظاهره يكون بيانًا للواقع، خاليًا عن فائدة الخبر ولازمها.
روي أنَّ أبا حنيفة لَمَّا قال: لو حلفَ لا يأكل لحمًا فأكلَ لحمَ السَّمكِ لا يحنث؛ لأنَّ لحم السمك ليس بلحمٍ، سمعَ سفيان الثَّوري قوله، فأنكر عليه محتجًّا بهذه
[ ٦ / ٢٠ ]
الآية، فبعثَ إليه أبو حنيفة ﵁ رجلًا سأله عمَّن حلف لا يصلي على البساط فصلَّى على الأرض، هل يحنث أم لا؟ فقال سفيان: لا يحنث، فقال الرَّجل (^١) أليسَ إنَّ الله تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩]، فعرفَ سفيانُ أنَّ ذلك تلقينَ أبي حنيفة (^٢).
وقيل في وجه قوله (^٣): إنَّ مبنى الإيمان على العادة، وعادةُ النَّاس إذا ذُكِرَ اللَّحم على الإطلاق أن لا يُفهَم منه السَّمك، وإذا قال الرَّجل لغلامه: اشترِ بهذه الدَّراهم لحمًا، فجاء بالسَّمك كان حقيقًا بالإنكار.
وهذا معارَضٌ بأنَّه إذا قال لغلامه: اشترِ بهذه الدَّراهم (^٤) لحمًا، فجاء بلحم العصفور، استحقَّ الإنكار أيضًا مع أنَّه يحنث بأكل لحم العصفور مَنْ حلَفَ لا يأكلُ اللَّحم.
لَمَّا أخرج من البحرِ الملحِ الزُّعاقِ الحيوانَ الذي لحمه في غاية العذوبة ونهاية اللَّطافة عُلِمَ أنَّه إنَّما حدث لا بحسب الطَّبع، بل بقدرة الله تعالى وحكمته، حين أظهر الضِّد من الضِّد.
﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً﴾ كاللُّؤلؤ والمرجان، فإنَّ الحليةَ اسم لِمَا يُتَحلَّى به، وزيادة حرف التَّنفيس (^٥) هنا للدّلالة على أنَّ إخراجها بمشقَّة تقتضي المهلة.
_________________
(١) "الرجل" من (م).
(٢) انظر: "تفسير الرازي" (٢٠/ ٦).
(٣) أي: في تعليل قول أبي حنيفة بعدم الحنث، وصاحب هذا القيل هو الزمخشري. انظر: "الكشاف" (٦/ ٢).
(٤) في (م): "بهذا الدرهم".
(٥) حرف التنفيس: أي: السين، وحرفا التنفيس هما السين وسوف، وإنما سميتا به لأنَّ التَّنفيسَ التَّأخيرُ، =
[ ٦ / ٢١ ]
﴿تَلْبَسُونَهَا﴾: تلبسها النِّساء، فهو من قبيل (^١) إسناد فعل البعض إلى الجملة بقرينة (^٢) السابق.
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾: جواريَ فيه، تشقُّه بحيزومها مع صوتٍ، مِنَ المَخْرِ، وهو شقُّ الماءِ بصوتٍ.
﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ عطف على محذوفٍ تقديرُه: لتركبوا فيها ولتبتغوا.
﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: من سعة رزقه بركوبها للتِّجارة.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: وتشكروا (^٣) الله تعالى على هذه النِّعمة الجليلة؛ حيث يقطع بها المسافة البعيدة في المدَّة القليلة، مع ما فيها من الأحمال والأثقال، بلا مُؤْنَةِ الرَّفع والوَضْع في أثناء السَّفر كما هو المعتاد في مسافرة البر، هذا هو الوجه بتخصيص هذه النِّعمة بتعقيب الشُّكر، وأمَّا جعل المهالك سببًا للانتفاع وتحصيل المعاش فلا يناسب مقام الامتنان بالإحسان، إنما يناسب مقام إظهار القدرة.
* * *
(١٥) - ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ عطفٌ على محذوفٍ، تقديرُهُ: والأرض مددناها
_________________
(١) = وهما أيضا للاستقبال والتَّأخير. انظر: "دستور العلماء" (٢/ ٢٢).
(٢) في (ف) و(ك): "قريب".
(٣) في (م) و(ك): "كقرينه".
(٤) في (ف): "وتشكرون".
[ ٦ / ٢٢ ]
وألقينا فيها رواسيَ، ولَمَّا حُذف المعطوف عليه (^١) عُدِلَ مِنَ الضَّمير إلى الظَّاهر، وقد مرَّ تفسيره في سورة الحجر.
﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: كراهةَ أنْ تميدَ بكم؛ أي: تتحرَّك وتميل.
والمَيْدُ: الاضطراب، وذلك أنَّ الأرضَ لو بقيَتْ على بساطتها كانت كريَّةً مجيبة للتَّحرك بأدنى سبب، أو متحركةً كالفُلك، فلَمَّا خُلِقَتِ الجبال راسخة فيها (^٢) تفاوتت جوانبُها، وتوجَّهت الجبال نحو المركز بثقلها، فصارَتْ كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة والميل من جانبٍ إلى جانبٍ.
﴿وَأَنْهَارًا﴾؛ أي: وجعل فيها أنهارًا؛ لأنَّ ﴿وَأَلْقَى﴾ فيه معناه.
﴿وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: لتهتدوا بها في أسفاركم إلى مقاصدكم.
وإنَّما قال: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لأنَّه لا بُدَّ من الاستدلال في بعض المواضع للاهتداء إلى المقاصد.
* * *
(١٦) - ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
﴿وَعَلَامَاتٍ﴾: ومعالم (^٣) يَستدلُّ بها السَّابلة (^٤) في النَّهار، من الجبال والأنهار ونحو ذلك.
_________________
(١) "عليه" من (م).
(٢) في هامش (ف): "من قال: فلما خلقت الجبال على وجهها، فقد غفل عن وجه العدول عن (ألقى على الأرض) إلى ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ﴾، وقد مرَّ في تفسير سورة الحجر. منه".
(٣) "ومعالم" من (م).
(٤) السابلة: أبناء السبيل المختلفة في الطرقات.
[ ٦ / ٢٣ ]
﴿وَبِالنَّجْمِ﴾ المراد به الجنس، أو الثُّريَّا والفرقدان وبناتُ النَّعْش والجَدْي، ويساعده (^١) قراءته بضمَّتين، وضمٍّ وسكون، على الجمع (^٢).
﴿هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ باللَّيل في البراري والبحار.
وتقديم النَّجم، وتوسيطُ الضَّمير إقحامًا، وإخراجُ الكلام عن سَنَن الخطاب إلى الغيبة، للدِّلالة على أنَّ هؤلاء المنكرين من قريش بالنَّجم خاصَّةً هم خصوصًا يهتدون؛ لأنَّهم كانوا كثيري الأسفار للتِّجارة، مشتهِرين بأنهم أعلمُ النَّاس بالاهتداء بالنُّجوم في مسائرهم، فكان الاعتبار بذلك ألزمَ لهم، والشكر لله به أوجبَ عليهم، فلذلك خُصِّصوا.
* * *
(١٧) - ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ الهمزة للإنكار دخلت على فاء التَّعقيب؛ أي: بعد هذه الدَّلائل المتكاثرة الواضحة الدِّلالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته وانفراده بخلق ما عدَّد من مبدَعاته يقولون (^٣) بمساواة الخالق المطلَق لِمَا لا يخلق شيئًا.
وأورد (مَن) للجمادات التي هي الأصنام؛ إمَّا للمشاكلة، وإمَّا بناءً على اعتقادهم، وتسميتِهم آلهةً، وعبادتِهم لها، وفيه ضربٌ من التَّهكُّم، وإمَّا لأنَّ المرادَ: كمَن لا يخلق مِن أولي العلم، فكيف بالجماد؟! للمبالغة.
_________________
(١) في (ك) و(م): "ويساعدهما". والمثبت من (ف)، والمعنى: ويساعد الوجه الثاني ما سيأتي من القراءتين اللتين تفيدان الجمع.
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٢)، ونسب قراءة الضم والسكون إلى الحسن ومجاهد.
(٣) "يقولون" سقط من (ف) و(ك).
[ ٦ / ٢٤ ]
وكان حقُّ الكلام أن يُقال (^١): أفمَن لا يخلق كمَن يخلق؛ لأنَّه إلزامٌ لعبدة الأوثان، لكنَّه عكس تفظيعًا لشأنهم، بأنَّهم لَمَّا سمَّوها باسمه، وعبدوها كعبادته، وسوَّوا بينه وبينها، فقد جعلوا الله تعالى من جنس هذه المخلوقات وشبيهًا بها، فأنكر ذلك عليهم.
وحذف مفعول ﴿يَخْلُقُ﴾ لأنَّ المراد نفسُ صدور الفعل منه؛ أي: أيكون الخالق شبيهًا بغير الخالق، أو للتَّعميم؛ أي: أفمَن يخلق كلَّ شيء كمَن لا يخلق شيئًا، أو لأنَّ ما عُدِّدَ من المخلوقات دلَّ عليه؛ أي: أفمَن يخلقُ ما عُدِّدَ من الأشياء العظيمة العجيبة كمَن لا يخلق شيئًا منها، أفلا تذكَّرون بعد هذه التَّنبيهات فتعرفوا فسادَ ذلك؛ فإنَّه لجلائه ووضوحه كالبديهيِّ المغفول عنه.
* * *
(١٨) - ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: لا تبلغ طاقتكم ضبطَ عددها، فضلًا عن أن تطيقوا القيام بشكرها، أَتْبع ذلك تعداد النِّعم، وإلزام الحجَّة على انفرادها باستحقاق العبادة؛ تنبيهًا على أنَّ وراءَها مِنَ النِّعم ما لا ينحصر، وأنَّ القيامَ بحقِّ عبادته وشكره غير مقدورٍ لأحدٍ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حيث يغفر تقصيرَكم في أداءِ شكرها ويتجاوز عنه.
﴿رَحِيمٌ﴾ يقطعُها عنكم لتفريطكم، ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها، وفيه إشعار بأنَّه تعالى ما كلَّفكم حقَّ الشُّكر؛ لعدم الإمكان، وتجاوَز عن الممكن إلى السَّهل الميسور.
_________________
(١) "أن يقال" ليست في (ف).
[ ٦ / ٢٥ ]
(١٩) - ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.
وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ ما يُشْعِرُ بأنهم قصَّروا في هذا الميسور أيضًا، فاستحقُّوا العقاب؛ أي: يعلم ما تسرُّون من عقائدكم وعزائمكم وما (^١) تعلنون من أعمالكم وأقوالكم، وهو وعيدٌ على شركهم باعتبار العلم والعمل، وتقصيرِهم في الشُّكر والعبادة، وتقديم ﴿مَا تُسِرُّونَ﴾ لأنَّ الوعيد من جهة العقائد والعزائم أهمُّ.
* * *
(٢٠) - ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: والآلهةُ الذين يدعونهم الكفَّارُ من دونه تعالى، أو يعبدونهم.
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ لَمَّا نفى المساواة والمشابهة بينَ مَنْ يخلقُ وبينَ مَنْ لا يخلقُ بيَّنَ أنَّهم لا يخلقون شيئًا؛ ليَنتج أنَّهم لا يساوونه ولا يماثلونه (^٢).
ثمَّ أثبَتَ لهم صفات تنافي الألوهيَّة تأكيدًا لذلك فقال:
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؛ أي: وهم ممكِناتٌ مفتقِرةٌ إلى التَّخليق، فكيف تكون آلهة والإلهُ يجب أن يكون واجبَ الوجود غنيًّا عن الكلِّ؟
* * *
(٢١) - ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
﴿أَمْوَاتٌ﴾: هم أموات. ولَمَّا احتمل أن يكون المعنى: أموات فيما بعدُ، على طريقة: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] دفَعه بقولِه:
_________________
(١) في (ف): "مما".
(٢) في (ف): "يماثلون".
[ ٦ / ٢٦ ]
﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ ويجوز أن يكون المعنى (^١): جمادات لا يَعرِض لها حياة كما يَعرِض لبعض الأموات، كالنُّطَف التي يحييها الله تعالى ويجعلها حيوانات، وكأجساد الموتى التي يبعثها الله تعالى، وذلك أغرقُ في كونها أمواتًا.
ويجوز أن يكون المعنى: أمواتًا (^٢) حالًا أو مآلًا، غيرَ أحياء بالذَّات؛ ليتناول كلَّ معبود، والإلهُ يحب أن يكون حيًّا بالذَّات لا يعتريه الممات.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا يشعرون متى تُبعث عبَدتهم، فكيف يجازونهم، فإنَّ المعبود يجب أن يعلم عبادة العابد وقتَ بعثه وجزائه حتى يقدر على مجازاته بعد موته؛ فإنَ البعث والجزاء من لوازم التَكليف والعبادة، وفيه تهكُّمٌ بهم وبآلهتهم؟ فإنَّها جمادات لا شعورَ لها بشيءٍ، فكيف ممَّا لا يشعرُ به حيٌّ غير الله تعالى؟
* * *
(٢٢) - ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾.
﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ تلخيصٌ للنَّتيجة، وتكريرٌ للمطلوب، بعد إقامة الحجة عليه على أبلغ الوجوه.
﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ تعكيسٌ للمقصود من النَّتيجة، وبيانٌ لموجِب إنكارهم؛ أي: إنَّه قد ثبت وتحقَّق بالبراهين المذكورة أنَّ الألوهيَّة تمتنع أن تكون إلَّا لله وحدَه، وأنَّه لا شريكَ له فيها، فأنتجَ لهم ذلك إصرارَهم واستمرارهم
_________________
(١) "المعنى" سقط من (ف) و(ك).
(٢) "أمواتا" من (م).
[ ٦ / ٢٧ ]
على شركهم، وإنكار قلوبهم للوحدانيَّة، وذلك لعدم إيمانهم بالآخرة، فإنَّ الذي لا يؤمن بها لا ينظر في الدَّلائل ولا يتأمَّلها، بخلاف المؤمن بها.
﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾: وهم قومٌ عادتهم الاستكبارُ عن التَّوحيد وعن الإقرار به؛ لِمَا رسخَ في قلوبهم من تقليد آبائهم.
* * *
(٢٣) - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾.
﴿لَا جَرَمَ﴾ قد سبقَ تفسيره في تفسير (^١) سورة هود.
﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ فيجازيهم على ذلك، وعيدٌ على ما ذُكِرَ على أبلغ وجهٍ، وهو في موضع الرَّفع على الفاعليَّة؛ لأنَّ (جرم) فعلٌ أو مصدرٌ (^٢).
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ تعليلٌ للوعيد؛ أي: لا يحبُّ كلَّ مستكبرٍ، فكيف
_________________
(١) "تفسير" سقط من (ف).
(٢) كذا أجمل هذا الإعراب، وهو محتاج إلى تفصيل، فقوله: (لا جرم) إما مؤول بالفعل، أو مؤول بالمصدر، أو (جرم) وحده فعل، أو هو اسم (لا)، ولكل ذهب قوم: فذهب الخليل وسيبويه والجمهور إلى أنها اسم مركب مع (لا) تركيب (خمسة عشر)، وبعد التركيب صار معناها معنى فعلٍ وهو: حَقَّ، فهي مؤولة بفعل. وأبو البقاء يؤولها بمصدر قائم مقامه وهو: حقًّا. وقيل: (جَرَم) نفسها فعل ماض بمعنى: ثبت ووجب، و(لا) نافية لكلام مقدر تكلم به الكفرة كقوله سبحانه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] على وجه. و﴿أَنَّ﴾ وما بعدها على هذه الوجوه في تأويل مصدرٍ مرفوع. وذهب الزجاج إلى أن (جرم) فعل أيضا لكن بمعنى: كسب، وفاعلها مستتر يعود إلى ما فهم من السياق، و(لا) كما في القول السابق، و﴿أَنَّ اللَّهَ ..﴾ منصوب على المفعولية لـ (جرم)، وقيل: إنه خبر (لا) حذف منه حرف الجر و(جرم) اسمها، والمعنى: لا صدَّ أو لا منع في أن الله يعلم .. إلخ. انظر: "روح المعاني" (١٤/ ٧٤).
[ ٦ / ٢٨ ]
بالذي استكبرَ عن توحيده أو اتِّباع رسوله. وفي إطلاق ﴿الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ تعميم برهانيٌ.
* * *
(٢٤) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ القائلُ بعضُهم على التَّهكُّم، أو الوافدون عليهم، أو المسلمون ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿مَاذَا﴾ منصوب بـ ﴿أَنْزَلَ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ أنزلَ ربُّكم؟ وتقدير الجواب: ما يدَّعون نزوله أساطيرُ الأولين، أو مرفوع بالابتداء؛ أي: أيُّ شيءٍ أنزله ربكم؟ وتقدير الجواب: هو أساطيرُ الأولين، أو: المنزَل أساطير الأولين، على السُّخرية والتَّهكُم.
والمجيبون: المقتسِمون مداخلَ مكَّة ينفِّرون عن رسول الله ﷺ.
* * *
(٢٥) - ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ متعلِّق بـ ﴿قَالُوا﴾ على التَّعليل في نفس الأمر لا الفرضِ، واللامُ لامُ العاقبة؛ أي: قالوا ذلك إضلالًا للنَّاس فحملوا أوزار إضلالهم (^١) كاملة، فإنَّ إضلالهم نتيجةُ رسوخهم في الضَّلال.
﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾: وبعضَ أوزار ضلال مَنْ ضَلَّ، وهو وزرُ
_________________
(١) في (ف): "ضلالهم".
[ ٦ / ٢٩ ]
الإضلال؛ فإنَّ ضلاله إنَّما حصل بأمرَيْن: إضلالِ هذا، أو مطاوعةِ هذا، فيتحاملان الوزر.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حال من المفعول؛ أي: يضلونهم على جهلهم.
وفائدة التَّقييد به: الدِّلالة على أن جهلهم ليس بعذرٍ؛ إذ كان عليهم أن يبحثوا وينظروا (^١)، فيعرفوا مَن يقلدونهم، ويميِّزوا بينَ المحِقِّ والمُبْطِل.
﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾: بئسَ شيئًا يزرونه فعلُهم.
* * *
(٢٦) - ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: سوَّوا منصوبات (^٢) ليمكروا بها رُسل الله.
﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾: فأتاها أمرُه من جهة العُمُد التي بنوا عليها بأنْ ضَعُفَتْ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ قال ابن الأعرابي: العرب تقول: خرَّ (^٣) علينا سقف، ووقع علينا حائط، إذا كان يملكه (^٤) وإن لم يكن أوقع، عليه، فجاء بقوله:
_________________
(١) في (م): "أو ينظروا".
(٢) أي: صنعوا حيلًا، والمنصوبة: الحيلة. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ٣٢٥).
(٣) في (م): "تخر".
(٤) تحرف في النسخ إلى: "يهلكه"، والمثبت من المصادر. انظر: "تفسير القرطبي" (١٢/ ٣١٤)، و"البحر المحيط" (١٣/ ٣٣٤)، و"روح المعاني" (١٤/ ٨١)، وما سيأتي بين معكوفتين من هذه المصادر. والمعنى كما قال الألوسي: أن المراد إذا انهدم وهو في ملك القائل، وإن لم يقع عليه حقيقة.
[ ٦ / ٣٠ ]
﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ليخرج به هذا عن الذي من كلام العرب؛ أي: عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا.
﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: لا يحتسبون ولا يتوقَّعون.
تمثيلٌ؛ أي: قد دبَّروا حِيَلًا ليمكروا بها رُسُلَ اللهِ، فجعل الله هلاكهم في تلك المماكر والحِيَل واستئصالَهم بها؛ كحالِ قومٍ بنوا بنيانًا وأحكموا قواعده فأتى الله بنيانهم من جهة الأساس، فسقط عليهم السَّقف وهلكوا.
* * *
(٢٧) - ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾: يذلُّهم.
قيل: يعذِّبهم بالنَّار؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢].
ويأباه قوله (^١): ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ لأنَّه قبلَ دخولهم في النَّار أضاف إلى نفسه الشُّركاء حكايةً لإضافتهم؛ توبيخًا لهم بها وتهكُّمًا بهم.
﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾: تعادُون المؤمنين في شأنهم.
وقرئ بكسر النُّون (^٢)، بمعنى: تشاقُّونني، فإنَّ مشاقَّة المؤمنين كمشاقَّة الله.
﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التَّوحيد فيشاقُّونهم ويتكبَّرون عليهم:
_________________
(١) "ويأباه قوله" سقط من (ف) و(ك).
(٢) وقي قراءة نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٧).
[ ٦ / ٣١ ]
﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾ متعلِّق بطرفيه (^١) ﴿وَالسُّوءَ﴾: الذِّلَّةَ والعذاب.
﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ تقريرًا لِمَا كانوا يَعِظونهم به، وتحقيقًا لِمَا أَوعدوهم، أو إظهارًا للشَّماتة بهم، وحكى الله تعالى قولهم ليكون لطفًا لمن سمعه.
وقيل: المراد من القائل: الملائكة، ويأباه قوله:
(٢٨) - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يحتمل الجرَّ صفةً للكافرين، فيكون داخلًا تحت القول، والنَّصب والرَّفع على الذَّمِّ.
﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بأن عرَّضوها على العذاب المخلَّد. نصت على الحال.
﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾: فسالَموا وأُخبتوا وتولَّوا عمَّا كانوا عليه في الدُّنيا مِنَ الشِّقاق والتَكبُّر والتَّعظُّم.
قيل: حين عاينوا الموت، ويأباه السباق واللحاق.
﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾: مِن كفر وعدوان؛ أي: قائلين ذلك، ويجوز أن يكون تفسيرًا للسلم، على أنَّ المراد به: القول الدَّال على الاستسلام.
لَمَّا جحدوا ما كانوا عليه من الكفر والعدوان رَدَّ عليهم أولو العلم بقولهم:
﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهو مُجازيكم عليه، وهذا أيضًا من باب الشَّماتة، وكذلك:
(٢٩) - ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
_________________
(١) أي: متعلق بالخزي والسوء كلاهما لتوسيطه بينهما، وقد مر التنبيه على نظائر له.
[ ٦ / ٣٢ ]
﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: كلُّ صنفٍ بابَه المُعَدَّ له. وقيل: أبوابُها: أصناف عذابها.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ هي؛ أي: جهنَّمُ.
والوصف بالتَّكبُّر للإيذان باستحقاق صاحبه النَّار، ومَنْ لم يجوِّز الكذب يومئذ أَوَّلَ قولَهم ذلك: بأنَّا لم نكن في زعمنا عاملين سوءًا، ولا يناسبه الرَّدُّ المذكور كما لا يخفى.
(٣٠) - ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يعني: المؤمنين، عطف على ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾ في (^١) قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾.
﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾؛ أي: أَنزل خيرًا، وإنما رفع الأوَّل ونصب الثَّاني فرقًا بين جواب الجاحد وجواب المقرِّ؛ أي: إنَّ المتَّقين لم يتلعثموا وأطبقوا الجواب على السُّؤال بيِّنًا مكشوفًا، والمشركون عدلوا بالجواب عن السُّؤال فقالوا: هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شيء.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ كلامٌ مدحَ اللهُ تعالى به القائلين خيرًا، وجعل قولهم ذلك من جملة إحسانهم، وحَمِدهم عليه، ووعدهم به.
فهو كلامٌ مبتدأ لا محلَّ له من الإعراب، ويجوز أن يكون بما بعده بدلًا من
_________________
(١) في (ف): "من".
[ ٦ / ٣٣ ]
﴿خَيْرًا﴾ على أنَّه من كلام المتَّقين؛ أي: قالوا خيرًا، ثم فسَّروا الخير بهذه الجملة، بمعنى: أنزل هذا الكلام بعدما أبهموه وسمَّوه خيرًا.
﴿حَسَنَةٌ﴾ مكافأة بإحسانهم في الدُّنيا، وهي العصمة والتَّوفيق والنَّجاة من العذاب المعجَّل.
﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾: ولثوابهم في الآخرة ﴿خَيْرٌ﴾ مما لهم في الدُّنيا.
﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ اللَّام للقسم، و(نعم) كلمةُ مدحٍ؛ إذ لا خوف فيها ولا حَزَن، ونعيمها مقيمٌ، وملكُها دائمٌ، وصاحبها فيها خالد.
وحذف المخصوص بالمدح، وهو: دارُ الآخرة؛ لتقدُّم ذكرها.
(٣١) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، ويجوز أن يكون المخصوصَ بالمدخ.
﴿يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ تقديم ﴿لَهُمْ﴾ للتَّخصيص؛ أي: لهم خاصَّةً دون غيرهم.
وعموم ﴿مَا﴾ مع تقديم ﴿فِيهَا﴾ يفيد أنَّ الإنسان لا يجد جميعَ ما يشاء من المشتهَيات إلَّا في الجنَّة.
﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ فذلكةٌ للتَّأكيد مع تعظيم الجزاء، وفيه تقوية للوجه الأوَّل.
[ ٦ / ٣٤ ]
(٣٢) - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾: طاهرين مِنْ ظُلْمِ أنفسهم بالكفر والمعاصي؛ لأنَّه في مقابلةِ ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، أو: فرحين ببشارة الملائكة إيَّاهم بالجنَّة، أو: طيبين بقبض أرواحهم، لقوَّة إيمانهم وتوجُّه نفوسهم بالكُلِّيَّة إلى عالم القدس.
﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾: لا يَحيقكم بعدُ مكروهٌ.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: بسبب ثباتكم على الأعمال الصَّالحة، وإنَّما قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾؛ لأنَّ القبر روضةٌ من رياض الجنَّة في حقِّهم، ومَن غفل عن هذا ذهب إلى ما ذهب، وارتكبَ لِمَا يخلُّ حُسنَ الانتظام في الكلام.
(٣٣) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: الكفَّارُ المَارُّ ذكرُهم ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ بقبض (^١) أرواحِهم ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: العذابُ المستأصِل الواقع فجأة، وقد سبقَ وجهُ التَّعبير عن مثله بأمر الله تعالى.
وتفسير الأمر بالقيامة يأباه كلمة ﴿أَوْ﴾؛ لأنَّ انتظارهما يجامع انتظار الملائكة.
﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الفعل الشَّنيع القبيح مِنَ الشِّرك والتَّكذيب.
_________________
(١) في (م): "لقبض".
[ ٦ / ٣٥ ]
مَن قال هنا: فأصابهم ما أصابهم (^١)، فكأنَّه غفل عن أنَّ (^٢) الإخبار عنه بعد هذا صريحًا في نظم القرآن يأبى عن اعتباره هنا تقديرًا.
﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بتدميرهم أو تعذيبهم.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بما استوجَبوا به ذلك.
(٣٤) - ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾: جزاءُ سيئاتِ أعمالهم، لا على حذف المضاف، بل على تسمية الجزاء باسمها.
﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: وأحاط بهم جزاؤه، والحيقُ لا يُستَعمَلُ إلَّا في الشَّرِّ.
(٣٥) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ مِنَ البَحائر والسَّوائب وغيرهما ممَّا أحلَّ اللهُ تعالى، وإنَّما قالوا ذلك عنادًا وتعنُّتا وإلزامًا للموحِّدين؛ بناء على زعمهم وقولهم: ما شاء الله يجب
_________________
(١) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٢٦)، وفيه: مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فأصابهم ما أصابهم.
(٢) "أن" من (ك).
[ ٦ / ٣٦ ]
وما لم يشأ يمتنع. ومنعًا للبعثة، وإنكارًا للتَّكليف؛ لعدم الفائدة فيهما (^١) حينئذٍ، وإنكارًا (^٢) لقبيح ما أنكِر عليهم من الشِّرك والتَّحريم ونحوهما، متمسِّكين بأنَّها لو كانت مستقبَحة لَمَا شاءَ اللهُ صدورَها عنهم، ولشاء خلافه ملجِئًا إليه، لا اعتذارًا؛ إذ لم يعتقدوا قبحَ أعمالهم.
﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الفعلِ الشَّنيع من الاستهزاء بالرُّسل، وإنكارِ البِعْثة والتَّكليف، والجدال بالباطل فعلَ أسلافُهم ولَمَّا فُهِمَ منه أنْ إنذار الرُّسل وإرشادهم لم يُجْدِ نفعًا في حقِّ الضَّالين المعاندين اتَّجه السُّؤال بأنْ يُقالَ: فما بالُ المرسلين حيثُ لم يتمُّوا مصلحةَ الإرشاد؛ أجابَ عنه بما حُذِفَ وأُقِيمَ تعليلُه مقامَه - لاستلزام (^٣) العلَّةَ للمعلولِ - قوله (^٤):
﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: لا بأس فيه فهل عليهم إلَّا الإبلاغ الموضِّح للحقِّ؛ أي: ليس لهم عليهم الهداية، ولكنَّ اللهَ سبَّبَ الأسباب بحكمته، وجعلَ تبليغَ الرُّسل من أسباب الهداية لمن شاء هدايته، فليس عليهم (^٥) إلَّا ما كلَّفهم من التَّبليغ والإبانة؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].
ثمَّ بيَّن أنَّ بعثةَ الرُّسل والدَّعوةَ إلى الحقِّ والتَّكليف أمرٌ جرَتْ به السُّنَّة الإلهيَّة
_________________
(١) في (ف): "فيها".
(٢) في (م): "أو إنكار".
(٣) في (م): "لاستلزامه".
(٤) "قوله" من (م).
(٥) في (ك): "عليهم له"، وفي (م): "عليهم له ﵇".
[ ٦ / ٣٧ ]
في الأمم كلِّها سببًا (^١) لهدي مَن أراد اهتداءه، وازدياد (^٢) ضلال مَنْ أراد ضلاله، كالغذاء الصَّالح الذي ينفع مَن اعتدل مزاجُه، ويضرُّ مَن انحرفَ مزاجه، بقوله:
(٣٦) - ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ التَّنكير للتعظيم ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ و﴿أَنِ﴾ يجوز أنْ تكون تفسيريَّة؛ لأنَّ البعث يتضمَّنْ معنى القول، وأنْ تكون مصدريَّة؛ أي: بعثناه بأنِ اعبدوا الله.
﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾: وفَّقهم للإيمان بإرشادهم.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ تغيُّر الأسلوب بالعدول عن قوله: ومنهم مَن (^٣) أضلَّه؛ للتَّنبيه على أنَّ الثَّانيَ لسوء استعدادهم، على ما أفصحَ عنه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
ومَنْ لم يتنبَّه لذلك قال: إذ لم يوفِّقهم ولم يُرِدْ هُداهم.
﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ترتيبُه على موجَب ما تقدَّم من نزول العذاب عليهم، فكأنَّه أخبر عنه، وأحالهم في معرفة ذلك على السَّير في الأرض. ولا اختصاص للأمر المذكور بقريش.
_________________
(١) "سببًا"من (م).
(٢) في (م): "أو ازدياد".
(٣) في (ك) و(م): "لمن".
[ ٦ / ٣٨ ]
﴿فَانْظُرُوا﴾ العطف بالفاء للدِّلالة على أنَّ الغرض من الأمر بالسَّير هو النَّظر المذكور؛ أي: سيروا في الأرض لهذا الأمر، واجعلوه غايةَ سيركم، فالفاء (^١) ترتِّبُ أحدَ الأمرين على الآخر، يكون الأوَّل وسيلةً للثَّاني (^٢)، لا لتعقيب السَّير بالنَّظر، فتدبَّر.
﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ من عاد وثمود وغيرهم؛ لعلَّكم تعتبرون.
(٣٧) - ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
﴿إِنْ تَحْرِصْ﴾ الخطاب للرَّسول ﷺ.
﴿عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ مَن حقُّه أن يُضل.
تعليلٌ للجزاء أُقِيمَ مقامَه لاستلزام العلَّة للمعلول، أي: فهوِّنْ على نفسك ولا تتعبها وتسلَّ عنهم؛ فإنَّ هداهم ممتنع.
وقرئ: ﴿لَا يَهْدِي﴾ على البناء للمفعول (^٣)، وهو أبلغ.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ينصرونهم إذ خذلهم الله تعالى، أو يدفعون العذاب عنهم إذ عذَّبهم، وإنَّما نفى الجمع؛ لأنَّ الاجتماع مظنَّة زيادة القوَّة والقدرة على النُّصرة.
_________________
(١) في (م) زيادة: "بيان".
(٢) "للثاني" من (م).
(٣) قرأ بها نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٧).
[ ٦ / ٣٩ ]
(٣٨) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مستعارٌ مِنْ جَهَدَ نفسَه: إذا بلغ طاقتها وأقصى وسعها؛ للمبالغة في اليمين، وبلوغ غاية غلظتها، وأقصى وكادتها، وهو في حكم الحال؛ لأنَّ أصله: وأقسموا بالله يجهدون أيمانهم، فحذف الفعل ووضع المصدر مكانه مضافًا إلى المفعول.
﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ أرادوا به نفيَ قدرته تعالى على بعث الموتى، والجملة عطف على: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ تصريحًا بأنَّهم كما أنكروا التَّوحيد أنكر والبعث مقسِمين عليه؛ زيادةً في البَتِّ على فساده؛ للإيذان بأنَّهما كفرتان عظيمتان حقيقتان بأن تحكيا وتدوَّنا؛ ليُتعجَّب منهما ويُعتبر بهما.
وقد رَدَّ اللهُ عليهم أبلغَ رَدٍّ فقال: ﴿بَلَى﴾ يبعثهم الله.
﴿وَعْدًا﴾ مصدر مؤكِّد لما دلَّ عليه ﴿بَلَى﴾؛ لأنَّ ﴿يَبْعَثُ﴾ موعِد مِن اللهِ تعالى.
﴿عَلَيْهِ﴾ صفة لـ ﴿وَعْدًا﴾ ﴿حَقًّا﴾ صفة أخرى له؛ أي: وعدًا ثابتًا عليه الوفاء به حقًّا لامتناع الخلف في وعده، ولكون البعث مقتضى حكمته.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم يبعثون، أو: أنَّ وعده حقٌّ عليه إنجازُه بمقتضى حكمته، وعدمُ العلم به لا يستلزم العلم بالعدم، فضلًا عن العلم بالامتناع، فما قيل في التَّعليل: لقصور نظرهم بالمألوف يتوهَّمون امتناعه، من قصور النَّظر.
(٣٩) - ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾.
[ ٦ / ٤٠ ]
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ تعليل لِمَا دَلَّ عليه ﴿بَلَى﴾، أي: يبعثهم ليبيِّنَ لهم، والضَّمير في ﴿مَنْ يَمُوتُ﴾ عامّ للنَّاس كلِّها (^١).
﴿الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وهو الحقُّ.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ في قولهم: ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾، وهو إشارة إلى السَّبب الدَّاعي إلى البعث، المقتضي له من حيث الحكمة، وهو المميِّز بينَ الحقِّ والباطل، والمحقِّ والمبطل بالثواب والعقاب.
(٤٠) - ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
ثم قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿قَوْلُنَا﴾ مبتدأ، ﴿أَنْ نَقُولَ﴾ خبره، و﴿إِذَا﴾ لمجرَّد الظَّرفيَّة؛ أي: وقتَ إرادتنا له، أو شرطيَّةٌ محذوفة الجواب لدلالة الجملة الاسمية عليه؛ أي: إذا أردنا وجود شيء فليس إلَّا أنْ نقولَ له: احدُثْ، فحدث عَقيبَ ذلك بلا توقُّف، تمثيل لبيان إمكان البعث وسهولته على الله، وهو أنَّ كلَّ ما تعلَّق به إرادته من الأشياء لا يمتنع عليه ولا يتوقَّف، بل يكون كمأمورٍ مطيعٍ أمَره أَمر مُطاع، فلم يلبث أن يمتثل، والمبعوث أحدُ الأشياء الممكنة (^٢)، فكيف يمتنع عليه؛ ولا قولَ (^٣).
وقرئ: ﴿فيكونَ﴾ بالنَّصب (^٤)، عطفًا على ﴿نَّقُولَ﴾ أو جوابًا للأمر.
_________________
(١) في (ف): "كلها".
(٢) "الممكنة" زيادة من (م).
(٣) أي: إنما هو تمثيل، وليس هناك قول ولا مقول له، وهذا أحد الأقوال في الآية. انظر: "روح المعاني" (١٤/ ١١٥ - ١١٦).
(٤) قرأ بها ابن عامر والكسائي. انظر: "التيسير" (ع: ١٣٧).
[ ٦ / ٤١ ]
(٤١) - ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ هم رسولُ الله ﷺ وأصحابه المهاجرون ﵃.
ودلَّ قولُه: ﴿فِي اللَّهِ﴾ على أنَّ الهجرة إذا لم تكن لله تعالى لم يكن لها موقع، وكانت بمنزلة الانتقال من بلدٍ إلى بلدٍ.
وقولُه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ على أنهم كانوا مظلومين في أيدي الكفار، والمحبوسون المعذَّبون بمكَّة بعد هجرة رسول الله ﷺ.
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ مباءَةً حسنةً، أو: تبوئةً حسنةً.
﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ ممَّا يعجَّل لهم في الدُّنيا ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الضمير للمهاجرين؛ أي: لو كانوا يعملون لزادوا في اجتهادهم وصبرهم، أو للكفَّار؛ أي: لو كانوا يعلمون أنَّ اللهَ تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين بخير الدَّارين لرغبوا في دينِهم.
(٤٢) - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أذى الكفَّار ومفارقة الوطن، ومحلُّه النَّصب أو الرَّفع على المدح.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: منقطعين إلى الله، ومفوِّضين إليه الأمر كلَّه.
(٤٣) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ رَدٌّ لقولِ قريش: الله أعظم (^١) من أن
_________________
(١) في (ف): "أعلى".
[ ٦ / ٤٢ ]
يكون رسوله بشرًا؛ أي: جَرَت السُّنَّة الإلهيَّة بأن لا يبعث للدَّعوة إلَّا بشرًا يوحي إليه، والموحَى لا يلزم أن يكون بواسطة الملك، فضلًا عن أن يكون على لسانه، والحكمة في ذلك قد ذُكِرَتْ في سورة الأنعام.
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أهل الكتاب، أو علماء الأخبار ليعلموكم (^١).
﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ جوابه محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه، وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل ملكًا ولا امرأة ولا صبيًّا للدَّعوة العامة، ولا ينافيه نبوَّة عيسى وهو في المهد؛ لأنَّها أخصُّ من الرِّسالة (^٢). وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يُعْلَم.
(٤٤) - ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾: بالمعجزات والكتب، متعلِّق بـ ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ على أنَّ الشَّرط للتبكيت والإلزام من حيث الاعتراف بعدم العلم، وسبيلُ الجاهل سؤال مَنْ يَعلم، لا الإنكار.
ويجوز أن يتعلَّق بـ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ داخلًا تحت حكم (^٣) الاستثناء؛ أي: وما أرسلنا إلَّا رجالًا بالبيِّنات، وأن يكون صفة لـ ﴿رِجَالًا﴾؛ أي: رجالًا ملتبسين بالبيِّنات، أو بـ ﴿نُوحِي﴾ على المفعوليَّة، أو الحال عن الفاعل من القائم مقامَ فاعله،
_________________
(١) "ليعلموكم" من (م).
(٢) في (م) زيادة: "النبوة".
(٣) "حكم" من (م).
[ ٦ / ٤٣ ]
على أن قولَه: ﴿فَاسْأَلُوا﴾ اعتراضٌ، ويجوز أن يتعلَّق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ مضمرًا، كأنَّه قيل: بِمَ أرسلوا؟ فقيل: بالبينات والزُّبر، فهو على هذا كلامٌ آخر مستأنَفٌ.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾؛ أي: القرآن، وإنَّما سُمِّيَ ذِكْرًا لأنَّه تذكيرٌ وتنبيهٌ للغافلين.
﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ في الذِّكْرِ بتوسُّط نزوله عليك من الأحكام والمواعيد.
والتَّبيينُ أعمُّ مِنْ أنْ ينصَّ بالمقصود، أو يرشدَ إلى ما يدلُّ عليه كالقياس ودليل العقل.
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: وإرادةَ أن يتأمَّلوا فيه فيتنبَّهوا للحقائق. والواو للعطف على محذوفٍ تقديرُه: إرادةَ أن يُصغوا إليه.
(٤٥) - ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾؛ أي: المكرات السَّيِّئات، وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء ﵈، أو: الذين مكروا رسولَ الله ﷺ وراموا صدَّ أصحابه عن الإيمان، ودخولُ الهمزة على فاء التَّعقيب إنكارٌ لأمنهم بعد اطِّلاعهم على عاقبة المكذِّبين والبيِّناتِ التي أُنْزِلَتْ على الرَّسول ﷺ.
﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ كما خَسَفَ بقارون.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: في حالِ غَفلتهم نائمين، ولا
[ ٦ / ٤٤ ]
يلزم أن يكون من جانب السَّماء، ولا أن يكون بغتةً، ولهذا جمع بينهما في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥].
(٤٦) - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾ الأخذُ هنا كناية عن الإهلاك، كما في قوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾: في تصرُّفاتهم في أمورهم، وهذا أيضًا زمانَ غفلتهم عن تطرُّق الآفَات؛ لتوغُّلهم في تحصيل (^١) المهمات، إلَّا أنَّ لهم فيه شعورًا، وهذا تفصيل ما أجمله الضَّحَّاك بقوله: باللَّيل والنَّهار (^٢).
﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: بفائتين، والفاء للدَّلالة على شدَّة الأخذ بحيث لا ينفلت المأخوذ ولو آنًا، وبه تتم الكناية المذكورة آنفًا.
(٤٧) - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: على مخافةٍ بأنْ يُهلك قومًا قبلَهم فيتخوَّفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوِّفون، وهو خلاف الإتيان والأخذ المذكورَيْن سابقًا؛ لأنَّه أخذٌ على توقُّعٍ، فيكون الغرضُ التَّعميمَ.
_________________
(١) في (م): "تحصيلهم".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٣٤) عن ابن جريج. وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٨٤) عن الضحاك: " ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ يعني على أي حال".
[ ٦ / ٤٥ ]
وقيل: هو مِنْ تخوَّفتُه: إذا تنقَّصتَه؛ أي: يأخذهم على تنقُّصهم شيئًا بعد شيءٍ في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا.
﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ لا يعاجلكم بالعقوبة مع استحقاقكم لها (^١).
وهذا كالتَّعليل للأخذ على التَّخوُّف؛ لأنَّه فيه مهلةٌ وامتدادُ وقت، فيمكن فيها التلافي.
(٤٨) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ استفهامُ إنكارٍ؛ أي: قد رأوا أمثال هذه الصَّنائع فما بالُهم لم يتفكَّروا فيها؛ ليظهر لهم كمال قدرته وقهره، فيخافوا منه؟
وإنما قال: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنَّ المخلوقات على نوعين: ما خلق من شيء كعالَم الأجسام، وما خلق من غير شيء كعالم الأمر، وهو عالم الأرواح، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وإنَّما سمي عالمُ الأرواح: الأمر (^٢)؛ لأَنَّه خُلق بأمرِ: كُن، من غير شيءٍ.
والظِّلُّ من خواصِّ ما في عالَم الخلق، وبهذا اندفع ما قيل: إن بيان ﴿مَا خَلَقَ﴾ بـ ﴿شَيْءٍ﴾ وبيانُ المبهَم بما هو أبهمُ، فافهم.
﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ التَّفيُّؤ: تَفعُّل من فاء يفيء؛ أي: رجع.
_________________
(١) في (ف) و(م): "بها".
(٢) في (ف) و(ك): "والأمر".
[ ٦ / ٤٦ ]
واختلف في الفيء، فقيل: هو مطلَق الظِّلِّ، سواءٌ كان قبل الزَّوال أو بعده، وهو الموافق لمعنى الآية، وقيل: الفيءُ: الذي هو بعد (^١) الزَّوال.
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾؛ أي: عن الجوانب كلِّها، استعير اليمين والشِّمال من جنبي الإنسان لجانبي الشَّيء، ثم أراد بـ ﴿وَالشَّمَائِلِ﴾: الشِّمال والخلف والقُدَّام على طريق التَّغليب؛ لأنَّ الظِّلَّ يفيء من الجهات كلِّها.
﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ حالان من الضَّمير في ﴿ظِلَالُهُ﴾ باعتبار المعنى؛ لأنَّه يرجع إلى ﴿مَا﴾، ووُحِّدَ باعتبار اللَّفظ.
وجُمع ﴿دَاخِرُونَ﴾ بالواو لتغليب العقلاء على سائر ما خلق الله تعالى، ولأنَّ السُّجود والدُّخور من أوصاف العقلاء، ويجوز أن يكونا حالَيْن من الظِّلال، أو الأوَّلُ منها، والثَّاني من الضَّمير، وهذا أولى، لما فيه من وصف الظِّلال بالسُّجود، ووصفِ أصحابها بالدُّخور الذي هو أبلغ؛ لأنَّه انقيادٌ قهريٌّ مع صفة المنقاد، فيكمل حسنُ المعنى بتصعُّد سجود الظِّلِّ وذي الظِّلِّ وتقارُبهما في الوجود.
ويظهر وجه تغير الأسلوب في الحال الثاني، واسْتُعيرَ السُّجودُ والدُّخور للانقياد والاستسلام والتَّسخير لِمَا يريد من المخلوقات أو من ظلالها، سواءٌ كان بالاضطرار أو بالاختيار، يقال: سجدت النَّخلة: إذا مالت لكثرة الحمل، وسجد البعير: إذا طأطأ رأسه ليُرْكَبَ.
والمعنى والله أعلم: ترجع الظِّلال بارتفاع الشَّمس وانحدارها، أو باختلاف (^٢) مشارقها ومغاربها بتقدير الله، من جانب إلى جانب مُنْقادَةً لِمَا قُدِّرَ لها من التَّفيُّؤ، أو
_________________
(١) في (ف): "الفيء هو الذي بعد".
(٢) في (م): "وباختلاف".
[ ٦ / ٤٧ ]
واقعةً على الأرض ملصَقةً بها على هيئة السَّاجد، والأجرام في نفسها داخرةٌ؛ أي: صاغرة منقادة لأفعال الله تعالى فيها.
(٤٩) - ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
﴿وَلِلَّهِ﴾ خاصَّة ﴿يَسْجُدُ﴾: يَنقاد لإرادته وقدرته انقيادًا يعمُّ الاختياريَّ والاضطراري، ومَنْ ذَكَرَ بدل الأوَّل ما يكون طوعًا وبدل الثَّاني ما يكون طبعًا، لم يُصبْ في واحدٍ منهما.
﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ بيانٌ لِمَا في الأرض؛ لأنَّ الدَّابة ما يدبُّ في (^١) الأرض، ولا يلزم أن يكون على وجهها.
والسُّكوت عن بيان ما في السَّماوات، للإشعار بكثرة ما فيها أجناسًا وأنواعًا، ومَن رامَ تعميم البيان زاعمًا أنَّ الدَّبيب هي الحركة الجسمانيَّة، سواءٌ كانت في جسمٍ سماويٍّ أو أرضيٍّ، فقد غفلَ عمَّا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥] من الدِّلالة على اختصاص الدَّابة بما في الأرض؛ لأنَّ ما في السماء لا يُخْلَق بطريق التَّوالد.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ خصَّب بالذِّكْرِ معطوفةَ على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ للتَّعظيم، عطفَ جبريلَ على الملائكة (^٢)؛ أي: والملائكة خصوصًا مِنَ السَّاجدين؛ لأنَّهم أطوع خلقٍ وأعبدُهم.
_________________
(١) في (ف): "على".
(٢) أي: كما عطف جبريل على الملائكة في سورة البقرة، عطف هنا الملائكة على ما في السماوات.
[ ٦ / ٤٨ ]
﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن عبادته، جملةٌ استئنافيَّة، وتقديم ﴿وَهُمْ﴾ للتَّخصيص.
(٥٠) - ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ خوفَ إجلالٍ وهيبةٍ وتعظيمٍ، حال من ضمير ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، أو بيانٌ لنفي الاستكبار وتأكيدٌ له؛ لأنَّ مَنْ خافَ الله تعالى لم يستكبرْ عن عبادته.
﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ حالٌ من ﴿رَبَّهُمْ﴾، مجاز بمعنى القهر والعلو؛ أي: عاليًا (^١) لهم قاهرًا.
﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ خوفًا له، وعلمًا بعظمته ونفاذ سلطانه وقدرته، ولا دلالة فيه على أنَّ الملائكة مكلَّفون (^٢) بالتَّكليف الشَّرعي الذي يترتَّب عليه الثَّواب والعقاب.
(٥١) - ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾.
﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أكَّد ﴿إِلَهَيْنِ﴾ بالوصف بـ ﴿اثْنَيْنِ﴾، وإنْ دلَّتْ التَّثنية عليه، للدِّلالة على أنَّ مَساق النَّهي هو العدد لا الإلهيَّة، وأنَّ الاثنينيَّة تنافي الإلهيَّة، كما وصف الإله بواحد في قوله:
﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ دلالةً على أنَّ المقصود إثبات الوحدانيَّة دون الإلهيَّة، وأنها لازمة للإلهيَّة.
_________________
(١) في (ف): "غالبًا".
(٢) في (ك): "متكلفون".
[ ٦ / ٤٩ ]
﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ التفات من الغيبة إلى التكَلم، إيقاعًا للرَّهبة في القلوب، وتمكينًا لها في النُّفوس، ومبالغةً في التَّرهيب، وتصريحًا بالمقصود، ولذلك قدَّم المفعول مع فاء السَّببية، وكرَّر الفعل، أي: إن كنتم رهبتم شيئًا فإيَّايَ فارهبون دون غيري، فأنا ذلك الإله الواحد القاهر لكلِّ شيء.
(٥٢) - ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾.
﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ التفاتٌ آخر للتَّعظيم، وتقريرِ وجوب تخصيص الرَّهبة به ووجوبِ الانقياد له في قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾؛ أي: له ما فيهما خلقًا وملكًا، فكيف لا ينقادون له ولا يخصُّونه بالرَّهبة.
وتقديم الظرف تأكيدٌ وتقويةٌ لمعنى الاختصاص الذي في اللَّام، وكذا قوله:
﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾، أي: الطَّاعة والانقياد ﴿وَاصِبًا﴾؛ أي: واجبًا ثابتًا، أي: وله الجزاء دائمًا سرمدًا لا يزول، وهو تأكيدٌ وتقرير آخر، وتعليلٌ لوجوب الانقياد والرَّهبة؛ أعني: على الوجه الثَّاني، وكذا:
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ تأكيدٌ آخر بتقديم المفعول مع أن الهمزة الإنكارَّية داخلة على الفاء التعقيبيَّة؛ أي: أبعد العلم بالتَّوحيد، وتخصيصِ الكلِّ به خلقًا وملكًا، تخصُّون غيرَه بالاتِّقاء؟! وفيه توبيخٌ بليغٌ.
(٥٣) - ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾.
﴿وَمَا بِكُمْ﴾: وأيُّ شيءٍ اتَّصل واستقرَّ بكم ﴿مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أو: الذي
[ ٦ / ٥٠ ]
اتَّصل بكم فهو مِنَ الله، و﴿مَا﴾ شرطيَّة، أو موصولة متضمِّنةٌ لمعنى الشَّرط باعتبار الإخبار أو العلم؛ لأنَّ استقرارَ النِّعمة بهم سببٌ للإخبار أو العلم بأنَّه مِنَ الله لا بحصوله منه.
﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ الجؤارُ: رَفعُ الصَّوت بالدُّعاء والاستغاثة؛ أي: فما يتضرَّعون (^١) في كشفه إلَّا إليه.
وفرَّق بين حصول النِّعمة ووقوع الضُّرِّ بعموم ﴿مَا﴾، وإيراد الباء الإلصاقيَّة في الجملة الاسميَّة، أي: وكلُّ ما استقرَّ بكم مِنَ النِّعمِ المستمرَّة فهو مِنَ اللهِ، يجب عليكم شكره؛ لأنَّ الإنسان لا يخلو في حالٍ ما مِن نِعَمٍ كثيرةٍ.
وبإيراد ﴿وثُمَّ﴾ المفيدة (^٢) معنى التَّراخي، والمسِّ الذي هو أدنى إصابة، وجنسِ الضُّرِّ الذي يكفي في إطلاقه أقلُّ ما يطلق عليه الاسم في الجملة الفعليَّة؛ أي: ثمَّ إذا تجدَّد إصابةُ أدنى شيءٍ من جنس الضُّرِّ بعد زمانٍ طويلٍ لا تجأرون إلَّا إليه، وإنما جاء بـ ﴿إِذَا﴾ دون (إنْ) لأنَّ وقوع هذا القَدْر من الضُّرِّ في بعض الأحايين مُحقَّق.
(٥٤) - ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾.
﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ مُستَعارٌ لاستبعاد الشُّكر (^٣) بعدَ كَشْفِ الضُّرِّ عند تخصيصه تعالى بالتَّضرُّع إليه في طلب كشفه، والعلمِ بحصولِ جميعِ النِّعم منه.
_________________
(١) في (م): "تضرعون".
(٢) في (ك) و(م): "المفيد".
(٣) في (م): "الشرك".
[ ٦ / ٥١ ]
﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿إِذَا﴾ فجائيَّة، والخطاب عامٌّ، والفريق: هم (^١) الكفرة، أو خاصٌّ بالمشركين، و﴿مِنْكُمْ﴾ للبيان لا للتَّبعيض؛ أي: إذا فريق وهم أنتم بربهم يشركون، أو للتبعيض (^٢) على أنَّ منهم مَنِ اعتبرَ وازدجرَ، كقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢].
(٥٥) - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ من نعمةِ الكشف عنهم، بيانٌ لرسوخ الكفران فيهم وغلبته على طباعهم، حتى كأنَّهم جعلوا غرضَهم من الشِّرك كفران النِّعمة.
﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ وقرئ: (فَيُمَتَّعوا) بالياء مبنيًا للمفعول (^٣)، عطفًا على ﴿لِيَكْفُرُوا﴾، على أنَّ اللَّام للتَّعليل، ويجوز أن تكون لامَ الأمر الوارد للتَّهديد، والفاء للجواب.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تخليةٌ لهم (^٤)، ووعيد بليغ، ويكون ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ أيضًا واردًا على سبيل الخذلان والتَّخلية.
(٥٦) - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾.
_________________
(١) في (ك): "هو".
(٢) من قوله: "أي إذا فريق وهم أنتم .. " إلى هنا ساقط من (ف) و(ك)، وعبارة: (أو للتبعيض)، مستفادة من كلام الآلوسي في "روح المعاني" (١٤/ ١٦٠) نقلًا عن "الكشف"، ووقع مكانها في (م) كلمتان لم تُجوَّدا.
(٣) نسبت لأبي العالية. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٢).
(٤) أي: تخلية لهم وما هم فيه لخذلانهم. انظر: "روح المعاني" (١٤/ ١٦٢).
[ ٦ / ٥٢ ]
﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لآلهتهم التي لا يعلمون حقيقتها، فيعتقدون أنَّها تضرُّ وتنفع وتشفع لهم عند الله تعالى، وهي جمادات لا تضرُّ ولا تنفع، على أنَّ العائد إلى (ما) محذوفٌ، أو لجهلهم على أنَّ (ما) مصدرية، والمجعول له محذوف للعلم به، أو لأَلهتهم التي لا علم لها لأنَّها جمادات، فيكون الضَّمير لـ ﴿مَا﴾.
﴿نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ من أنعامهم وزروعهم تقرُّبًا به إليها.
﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ مِنْ أنَّها آلهة حقيقةٌ بالتَّقرُّب إليها، وهو وعيدٌ لهم عليه.
(٥٧) - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾.
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ كانت خزاعةُ وكنانة يقولون: الملائكة بنات الله تعالى.
﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهٌ له عن قولهم، وتعجيب منه.
﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ نصب عطفًا على ﴿الْبَنَاتِ﴾؛ أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون من البنين؛ أي: يختارون، أو رفع على الابتداء، و﴿وَلَهُم﴾ خبره، و﴿سُبْحَانَهُ﴾ اعتراض.
(٥٨) - ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾: أُخْبِرَ بولادتها ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ﴾: صارَ أو دام (^١) النَّهارَ
_________________
(١) في (م): "صار ودام".
[ ٦ / ٥٣ ]
كلَّه ﴿مُسْوَدًّا﴾ من الكآبة، واسودادُ الوجه كنايةٌ عن (^١) الاغتمام والتَّشوير (^٢).
﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوءٌ غيظًا؛ أي (^٣): على المرأة.
(٥٩) - ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾: يَستخفي منهم ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾: من أجلِ سوء المُبَشَّر به.
﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ محدِّثًا نفسه متفكِّرًا في أن يتركه ﴿عَلَى هُونٍ﴾: ذُلِّ ﴿أَمْ يَدُسُّهُ﴾؛ أي (^٤): يخفيه ﴿فِي التُّرَابِ﴾؛ أي: يئدُه. وتذكير الضَّمير للَفظ ﴿مَا﴾، وقرئ بالتَّأنيث فيهما (^٥).
﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ حيث يجعلون لِمَنْ تَنزَّه عن الولد (^٦) ما هذا محلُّه عندَهم، ولأنفسهم مَن هو على ضِدِّ هذا الوصف.
_________________
(١) في (ك) و(م): "مجاز من".
(٢) في (م): "والتشويش"، وفي (ف): "والتشويه". والتَّشوير: الخجل. يقال: شورت الرجل فتشور؛ أي: أخجلته فخجل. انظر: "الصحاح" (مادة: شور).
(٣) "أي" من (م).
(٤) في (م): "أم".
(٥) نسبت للجحدري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٢).
(٦) "عن الولد" من (م).
[ ٦ / ٥٤ ]
(٦٠) - ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾: صفةُ السَّوء، من الحاجة إلى الولد ليقوم مقامهم، وإرادةِ الذُّكور استظهارًا بهم، وكراهةِ الإناث ووأدِهنَّ خشيةَ الإملاقِ الشَّاهد على أنفسهم بالشُّحِّ البالغ.
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ من الغِنَى المطلق بالوجوب الذَّاتي والوجود الكامل، والنَّزاهة عن صفات المخلوقين.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنفرد بكمال القدرة والقوَّة على بطشهم وأخذهم بذنوبهم.
﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي يؤخِّرهم إلى أجلٍ مُسمًّى تقتضيه الحكمة.
(٦١) - ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾: بسبب كفرهم ومعاصيهم.
﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾: على الأرض، وجاز إضمارها من غير ذِكْرٍ لدلالة (الدَّابة) عليها؛ لِمَا عرفْتَ أنَّها ما يدبُّ فيها (^١).
﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ لأنَّ غيرَ الإنسان من الدَّواب إنَّما خُلِقَتْ لأجله؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
ولو أُخِذَ الظَّالم بظلمه لانقطع نسل الإنسان؛ إذ ما مِنْ شخصٍ إلَّا في (^٢) آبائه
_________________
(١) في (م) زيادة: "قط".
(٢) في (م): "وفي".
[ ٦ / ٥٥ ]
ظالم، فلا دلالة في الآية على أنْ يكون النَّاس كلُّهم ظالمين؛ لِمَا عرفْتَ أنَّ المراد من الظُّلم المضاف إليهم: ما صدر عن بعضهم.
﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ سمَّاه لأعمارهم، أو لعذابهم، كي يتوالَدوا.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قد سبق تفسيره في سورة الأعراف.
(٦٢) - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾.
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾؛ أي: ما يكرهون لأنفسهم من البنات، والشركاءِ في الرِّياسة، والاستخفافِ بالرُّسل (^١)، وأراذلِ (^٢) الأموال.
﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ﴾ مع ذلك ﴿الْكَذِبَ﴾ وهو: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾؛ أي: عندَ الله تعالى، كقوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، بدل من ﴿الْكَذِبَ﴾، أو على إسقاط الحرف؛ أي: بأنَّ لهم.
وقرئ: (الكُذُب) بضمَّتين (^٣)، جمع كذوب، صفة للألسنة.
﴿لَا جَرَمَ﴾ قد سبق تفسيره في سورة هود (^٤).
_________________
(١) فإنهم يغضبون لو استخف برسول لهم أرسلوه في أمر لغيرهم ويستخفون برسل الله تعالى ﵈. انظر: "روح المعاني" (١٤/ ١٧٤).
(٢) في (ف) و(م): "وأرذال".
(٣) نسبت لمسلمة بن محارب. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٢).
(٤) عند تفسير الآية (٢٢) منها، وانظر ما سلف عند تفسير الآية (٢٣) من هذه السورة.
[ ٦ / ٥٦ ]
﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ ردٌّ لكلامهم، وإثباتٌ لضده.
﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ بالفتح مخفَّفًا ومشدَّدًا، بمعنى: مُقدَّمون إلى النَّار؛ أي: مُعجَّلون. من أفرطْتُ فلانًا وفرَّطْتُه في طلب الماء: إذا قدَّمته.
وقيل: مَنسيُّون متروكون، من أفرطْتُ فلانًا خلفي: إذا خلَّفته ونسيته.
وقرئ بالكسر مخفَّفًا (^١)، من الإفراط في المعاصي، ومشدَّدًا (^٢) من التَّفريط في الطَّاعات وما يجب عليهم (^٣).
(٦٣) - ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ تسليةٌ للرَّسول ﷺ فيما كان يناله من الغمِّ بسبب جهالات القوم، ووعيدٌ لأهل مكَّة.
﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ حكاية الحال الماضية التي كانت يُزَيِّن لهم الشَّيطان أعمالَهم فيها. و﴿الْيَوْمَ﴾: عبارة عن ذلك الوقت، أراد استحضارَ صورة التَّزيين في وقته للسَّامعين؛ عسى أن يعتبروا بها فيحترِزوا عن مثلها، ويخرجوا عن ولاية اللَّعين. والوليُّ: بمعنى القرين (^٤)، والذي يتولَّونه.
أو حكاية الحال الآتية، وهي حالُ كونهم معذَّبين في النَّار، والفائدة للاستحضار
_________________
(١) قراءة نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٨).
(٢) أي: ﴿مُفْرَطُونَ﴾، وهي قراءة أبي جعفر المدني. انظر: "النشر" (٢/ ٣٥٤).
(٣) "وما يجب عليهم" من (م).
(٤) في النسخ: "القرب"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٣١).
[ ٦ / ٥٧ ]
المذكور في أذهان المخاطَبين. والوليُّ بالمعنى المذكور، أو بمعنى النَّاصر؛ أي: فهو ناصرهم اليوم، لا ناصر لهم غيره، فيكون نفيًا للناصر لهم على أبلغ الوجوه.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في النَّار.
(٦٤) - ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾: للنَّاس ﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ من التَّوحيد والقَدَر، وأحوالِ المعاد من البعث والجزاء، وأحكامِ الأفعال من التَّحليل والتَّحريم ونحوهما.
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ عطفًا على محلِّ ﴿لِتُبَيِّنَ﴾، نصبًا على التعليل؛ لكونهما فعلي فاعل الإنزال المعلَّل بهما، بخلاف التَّبيين، فجيء فيه باللام لفقدان شرط نصبه.
(٦٥) - ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.
﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ قد سبق وجه (^١) تنكير الماء.
﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾: أنبَتَ فيها أنواع النبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بعد يبسها، والتَّعقيب الذي دلَّ عليه الفاء لا ينافي المهلة الواقعة بين المعطوفين؛ لأنَّ ذلك إنما يكون على حسب ما يَعُدُّه الناس متعقَّبًا، والإحياء بعد الإنزال يعدُّ متعقَّبًا
_________________
(١) "وجه" من (م).
[ ٦ / ٥٨ ]
لا متراخيًا، ألا ترى إلى صحَّة قولك: تزوج زيد فوُلد له، إذا (^١) لم يكن إلا مهلةُ الحمل.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أراد بالسَّمع: القَبول، كما في (سمع الله لمن حمده)؛ أي: لقومٍ يتأمَّلون فيها (^٢)، ويعقلون وجهَ دلالتها، ويَقبلون مدلولها. وإنَّما خَصَّ كونها آية لهم؛ لأنَّ غيرهم لا ينتفعون بها.
ويحتمل أن يكون المعنى: لقوم يسمعون من الغير، فكيف الذين (^٣) يبصرونه؛ أي: ذلك آية للأعمى، فكيف البصير؟!
وهذا التَّخصيص كالتَّخصيص في قوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣].
وبما قرَّرناه تبيَّن وجهُ العدول عن: يبصرون، إلى: ﴿يَسْمَعُونَ﴾.
(٦٦) - ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾.
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾: دلالةً على قدرة الله تعالى وحكمته، والتَّنكير للتَّفخيم.
﴿نُسْقِيكُمْ﴾ استئناف لبيان العبرة ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ ذكَّر الضمير ووحَّده هنا للَّفظ، وأنَّثه في (سورة المؤمنين) للمعنى؛ فإنَّ ﴿الْأَنْعَامِ﴾ اسم جمع، ولذلك عدَّه سيبويه
_________________
(١) في (ك): "إذ".
(٢) "فيها" من (م).
(٣) في (ف): "الذي".
[ ٦ / ٥٩ ]
في المفردات المبنيَّة على أفعال (^١)، ومَن قال: إنه جمع نَعَمٍ، جعل الضَّمير للبعض؛ فإنَّ اللَّبن لبعضها دون جميعها، أو لواحده، أو له على المعنى؛ فإنَّ المرادَ به الجنسُ.
﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا﴾ الفَرْثُ: فضالة ما يبقى من العلف في الكَرِش، وكثيف ما يبقى من الأكل في الأمعاء.
﴿مِنْ﴾ الأولى تبعيضيَّة؛ لأنَّ اللَّبن بعضُ ما في بطونها، والثانية ابتدائيَّة؛ لأنَّ الإسقاء يبتدئ من مادةٍ مبدؤها الدَّم، ومنتهاها الفضلة التي لا حاجة إليها، بل يجب أن تُدفع كالفَرْث دفعًا للضَّرر عن البدن، أو (^٢) من مادة بين الفرث الذي من الفضول المحضةِ والدَّم الذي من الأصول المحضة، فهو بالنِّسبة إلى الفرث أصلٌ؛ لأنَّه لا بُدَّ منه في بقاء النَّسل، وبالنِّسبة إلى الدَّم فضل؛ لأنَّه لا حاجة إليه في بقاء الشَّخص.
وعلى هذا يجوز أن تكون ﴿مِنْ﴾ الثانية أيضًا تبعيضيَّة؛ لأن تلك المادة غير منحصرة في اللَّبن؛ فإنَّ الدَّم الذي يصير غذاءَ الجنين منها، وكذا مادة المنيِّ، وحينئذ يكون المقول المذكور حالًا؛ أي: كائنًا مِنْ بين فرث ودم.
وإنَّما قُدِّم على ﴿لَبَنًا﴾ وهو صفة له في المعنى لأنَّه موضع العبرة، فهو معنًى به جدير بالتَّقديم؛ لكونه حاصلًا من نجس (^٣)، وهو في مَعْرِض أن ينقلب إليه؛ لأنَّه إن لم يسبق يخرج من مخرج فضلات الهضم الرابع (^٤)، وذلك أنَّ العلف ينهضم فتنجذب صفاوته إلى الكبد ويتولَّد منه الدَّم، ويبقى الفرث في
_________________
(١) انظر: "الكتاب" (٣/ ٢٣٠).
(٢) في (م) زيادة: "صح".
(٣) في (م): "جنس".
(٤) فإنَّ الغِذاء يَحصُلُ له في المَعِدَةِ هضمٌ أوَّل، وفي الكَبِد هضمٌ ثانٍ، وفي العروقِ هضمٌ ثالثٌ، وعند وصوله إلى جواهر الأعضاء هضمٌ رابعٌ. انظر: "تفسير الرازي" (١٩/ ١٧٣).
[ ٦ / ٦٠ ]
الكرش ويتسفَّل، ويتوزَّع الدَّم على الأعضاء ليغذوَها، وَيفْضُل من غذائه قسطٌ صالح يرتقي إلى الضَّرع الذي هو لحمٌ غدديٌّ رخوٌ أبيض، فينقلب الدَّم عند انصبابه إليه (^١) إلى اللَّبن، هذا هو القول الصَّحيح في تولُّد اللَّبن، فمِن وَهَمَ أنَّ محلَّه بين الفرث والدَّم فقد وَهِم.
﴿خَالِصًا﴾: مصفًّى عمَّا يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضيق مخرجه، ولهذا صار ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾: سهلَ المرور في حلقهم.
وأمَّا ما قيل: صافيًا لا يستصحِب لون الدَّم ولا رائحة الفرث، فمبناه الوهم الفاسد المذكور آنفًا، وإلَّا فأين موضع تولُّد اللَّبن من محلِّ الفرث.
(٦٧) - ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ متعلِّق بما في الإسقاء من معنى الإطعام، أي: نطعمكم منها، فينتظِمُ المأكولَ منها والمشروبَ المُتَّخَذَ من عصيرها، ولا حاجة إلى تقدير محذوفٍ، وتعلُّقه بـ ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ يؤدِّي إلى إخراج التَّمر والزَّبيب من الرِّزق الحسن، ولا وجهَ له.
﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ استئناف لبيان الإطعام، وتذكير الضمير باعتبار جنس التَّمر.
ولَمَّا كان اللَّبن لا يحتاج إلى معالجةٍ منَّا أخبرَ عن نفسه تعالى بقوله: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾، ولَمَّا كان السَّكَر والرِّزق الحسن يحتاج إلى معالجة منَّا قال: ﴿تَتَّخِذُونَ﴾.
_________________
(١) "إليه" من (م).
[ ٦ / ٦١ ]
وإنَّما قال: ﴿مِنْهُ﴾ لأنَّ منه ما لا يُؤكَل لا محالة.
والسَّكَرُ: مصدر سمِّي به الخمر، وقيل: السَّكَرُ النَّبيذُ.
﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ كالتَّمر والزَّبيب والدِّبس والخلِّ (^١) ونحوها، وفي عطفه على ﴿سَكَرًا﴾ تعريضٌ بكراهة الخمر، وأنَّه ليس بحسَنٍ (^٢)، ورمزًا إلى أن السكر وإن كان مباحًا فهو مما يَحسُن اجتنابه، وهذا على ما قالوا: إن الآية نازلة قبل تحريم الخمر.
قيل: لمَّا ميّز السكر من الرزق الحسن قال أكثر الصحابة ﵃: لو كان فيها خيرًا لم تميز عن الرزق الحسن، فامتنعوا عن شربها، ونزولُ الآية قبل تحريمها لا ينافي كونَها جامعةً بين العتاب والمنَّة، فإن المنافيَ لإباحتها هو العتاب في الآخرة لا العتاب (^٣) في الدُّنيا الذي مرجعُه النَّهي الإرشادي.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولهم بالنَّظر والتَّأمُّل في الآيات.
ولَمَّا قال في بدء الكلام: ﴿لَعِبْرَةً﴾ ناسبَ ختمه بـ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ لأنَّه لا يَعتَبِرُ إلَّا ذوو العقول.
(٦٨) - ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾.
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ الإيحاء إلى النَّحل: إلهامُها وإيداعها، دلَّ عليه حذاقتُها في صنعتها، وتدبيرِ أمرها، وترتيبِ مراتب عَمَلتها.
_________________
(١) في (م): "والنخل".
(٢) في (ف): "يحسن".
(٣) "والمنة فإن المنافي لإباحتها هو العتاب في الآخرة لا العتاب" سقط في (م).
[ ٦ / ٦٢ ]
﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾: بأنِ اتَّخذي، ويجوز أن تكون ﴿أنْ﴾ مفسِّرة؛ لأن في الإيحاء معنى القول، وتأنيث الضَّمير لأنَّ النَّحل جمعُ نحلةٍ.
﴿وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾: ما يعرشُ النَّاس ويرفعونه من سقوف البيت، وإنَّما ذُكِرَ بحرف التَّبعيض؛ لأنها لا تتَّخذ في كلِّ جبلٍ وكلِّ شجرٍ وكلِّ ما يعرشون، ولا في كلِّ مكانٍ منها.
وليس المراد من بيتها: ما تبنيه لتُعسِّلَ فيه - كما توهَّمه مَنْ قال: وإنَّما سُمِّيَ ما تبنيه لتُعسِّل فيه (^١) بيتًا تشبيهًا بالذي بناه الإنسان؛ لما فيه من حُسْنِ الصَّنعةِ وصحَّة القسمة، التي لا يَقوَى عليها حُذَّاق المهندسين إلَّا بآلات رفيعة وأنظار دقيقة، ولعلَّ (^٢) ذكره للتَّنبيه على ذلك - بل ما تتَّخذه (^٣) في الجبال وكُواها وفي متجوّف الأشجار وفيما يَعْرِش ابن آدم من السُّقوف.
(٦٩) - ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿ثُمَّ كُلِي﴾ فيه إرشادٌ إلى العمل، فإنَّها تسوِّي البيوت أوَّلًا، ثم تأخذ في الجَرْس للعسل.
_________________
(١) "فيه" من (م). وقوله: "لتعسِّل فيه"؛ أي: لتضع العسل فيه، وهو تفعيل من العسل. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ٣٤٨).
(٢) في (ك) و(م): "ولعله"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٣٣).
(٣) في (ف): "تتخذ".
[ ٦ / ٦٣ ]
﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ﴿كُلِّ﴾ للتَّكثير (^١)، كما في قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] و﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية.
﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ التي ألهمك، راجعةً إلى بيوتك لا تضلِّين فيها، فإنَّها ربَّما أَبعدَتْ في طلب نجعتها إلى مواضعَ بينها وبين بيوتها فراسخ.
﴿ذُلُلًا﴾ جمع ذَلول، وهو حال من السُّبُل؛ أي: مذلَّلة، ذلَّلها الله تعالى وسهَّلها لك.
﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾ التفات من خطاب النَّحل إلى الغيبة؛ تصريفًا للخطاب إلى النَّاس؛ لأن الغرض الامتنانُ بالنِّعمة الجسيمة بين الغذائيَّة والدَّوائيَّة (^٢) واللَّذة والشِّفاء عليهم، والاعتبارُ بحاله العجيبة، ولطفِ صنعتها التي تبهر العقول، والاستدلالُ بها على قدرة الصَّانع وكمالِ علمه وحكمته.
﴿شَرَابٌ﴾ يعني: العسل؛ لأنَّه ممَّا يُشْرَب.
وفيه دلالة على ما هو (^٣) المختار عند المحققِّين، مِنْ أنَّ النَّحل يأكل الأزهار والأوراق العطرة، فيستحيل في باطنها، ثم يقيء ادِّخارًا للشِّتاء.
ومَنْ زعم أنَّ العسل نباتيٌّ محضٌّ، وقال: إنها تلتقط بأفواهها أجزاءً طَلِّيةً (^٤) حلوةً صغيرة متفرِّقة على الأوراق والأزهار، وتضعها في بيوتها ادِّخارًا= لزمه أن يجعل البطون مستعارة لأفواه النَّحل، ويكون الأكل ترشيحًا لها.
_________________
(١) "كل للتكثير" من (م).
(٢) في (م): "الغداية والدوايبة".
(٣) في (ف) و(ك): "ما فيه".
(٤) نسبة للطل. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ٣٤٩).
[ ٦ / ٦٤ ]
﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ أبيض وأحمر وأصفر وأزرق، بحسب لون النَّور أو سنِّ النَّحل.
﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ لأنَّه من الأغذية الدَّوائيَّة، وقلَّ معجون لم يقع فيه.
وإنَّما نكَّر ﴿شِفَاءٌ﴾ لأنَّ فيه شفاءً مّا لبعض الأمراض لا لكلِّها (^١)، أو لتعظيم الشِّفاء الذي فيه.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فإنَّ مَن تَدبَّر اختصاص النَّحل بتلك العلوم الدَّقيقة والأفعال العجيبة حقَّ التَّدبُّر علم قطعًا أنَّه لا بُدَّ من قادرٍ حكيمٍ يلهمها ذلك ويحملها عليه.
(٧٠) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ بآجالٍ مختلفةٍ.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ﴾: يعادُ، عطف على محذوفٍ تقديره: فمنكم مَنْ يعجَّل وفاتُه ومنكم مَنْ يُرَدُّ، فالواو فصيحة.
﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: أخسِّه، يعني: الهرمَ الذي يشابه الطفوليَّة في نقصان العقل والقوَّة.
﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ليصير إلى حالةٍ شبيهة بحالة الطفوليَّة في النِّسيان وسوء الفهم.
_________________
(١) في (م): "كلها".
[ ٦ / ٦٥ ]
(كي): مصدريَّة ناصبة بنفسها الفعلَ بعدها، وهي ومنصوبها في تأويل المصدر مجرور باللَّام التَّعليليَّة المتعلقة بـ ﴿يُرَدُّ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ بمقادير أعمارهم ﴿قَدِيرٌ﴾ يميت الشَّابَ القويَّ، ويُبقي الشَّيخ الضَّعيف، وفيه دليل على أنَّ تفاوت أَجالِ النَّاس بتقدير قادرٍ حكيمٍ، وأمَّا أنَّه لا دخل فيه للاستعداد واقتضاء الطَّبع وسوء التَّدبير فلا دلالة عليه.
(٧١) - ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ تقديم اسم الله تعالى للتَّخصيص؛ أي: الله تعالى فضَّل دون غيره بأن جعلكم متفاوتين في الرِّزق.
﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾؛ أي: جُعل رزقهم أفضل من رزق غيرهم ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ﴾: بمعطي رزقهم ﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: على مماليكهم فيسووهم بأنفسهم في المأكل والملبس.
﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾؛ أي: هم إخوانهم وأمثالهم، فحقُّهم أن يساووهم في ذلك، فالجملة لازمة للجملة المنفيَّة (^١) ومقرِّرة لها، ويجوز أن تكون واقعة (^٢) موقع الجواب، كأنَّه قيل: فما الذين فُضِّلوا برادِّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا في الرِّزق، على أنَّه رَدٌّ وإنكارٌ على المشركين، فإنَّهم يشركون بالله تعالى بعض مخلوقاته في الألوهيَّة، ولا يرضون أن يشاركهم عبيدهم فيما أنعم الله عليهم، فيساوونهم فيه.
_________________
(١) "المنفية" من (م).
(٢) في (م): "واقعة لها".
[ ٦ / ٦٦ ]
﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾؛ أي: تلك التَّسويةُ شكرُ نعمة الله تعالى، فإذا لم تسوُّوهم بأنفسكم في ذلك فذلك هو كُفْران نعمة الله.
أو: فما المُفضَّلون في الرِّزق برادِّي رزقهم على مماليكهم، فإنَّ رزقهم ما يأكلونه، بل نحن نرزق المماليك كما نرزق الموالي، فهم - أي: الموالي والمماليك - سواءٌ في رزق الله، فلا يحسبَنَّ (^١) الموالي أنَّهم يرزقونهم، فإنَّه رزقي أجريتُه إليهم، ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ حيث ينسبون رزقَ مماليكهم إلى أنفسهم لا إلى الله، ويجحدون أنَّه مِن عندِ الله، والباء في (بنعمة الله) تحمل الجحود على الكفر حملَ النَّظير على النَّظير.
وعلى الوجه الأوَّل: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ جملة توبيخيَّة، والهمزة الدَّاخلة على الفاء التَّعقيبيَّة وتقديم ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ تقريرٌ للتَّوبيخ، وإنكار لفعلهم؛ أي: أبعدَ علمهم بأنَّ الله هو الرَّزاق، ووضوحِ دلائل ذلك بنعمة الله خاصَّةً يكفرون جاحدين لها، وعلى الوجه الثَّاني فالتَّوبيخ والإنكار إنَّما يكون في الجملة الأخيرة بالأصالة لا فيما قبلها.
(٧٢) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾.
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾؛ أي: من جنسكم؛ لتأنسوا بها، وليكون أولادكم منهنَّ أمثالكم.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ لم يقل: (منها)؛ لاحتمال العود إلى الأنفس.
_________________
(١) في (ف) و(م): "تحسبن".
[ ٦ / ٦٧ ]
﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: جمع حافدة، وهو الذي يسرع في الخدمة والطَّاعة، قيل: المراد منهم البنون أنفسهم، والعطف لتغاير الوَصْفَين، وقيل: هم البنات، وفيه - أي: في التعبير عنهن بالحفدة دون البنات - تنصيصٌ على وجه الامتنان بالبنات، وهو أنهنَّ تخدمن في البيوت أتمَّ خدمة.
وقيل: هم الأختان على البنات، وحينئذ يكون إشارة إلى أنَّ البنات من حيث أنهنَّ وصلةٌ بالأجانب نعمةٌ جليلةٌ.
وقيل: هم الرَّبائب، وحينئذ يظهر وجه الاحتياج إلى قوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
وأمَّا الحمل على أولاد (^١) الأولاد فيأباه تخصيص البنين بالذكر، فإنَّه حينئذ حقُّه التَّعميم أوَّلًا أيضًا.
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: بعضَها؛ لأن كلَّها إنما يكون في الجنة، والمراد: الأطعمة الشهية.
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو أن الأصنام تنفعهم، أو أن من الطيبات ما يحرم عليهم كالبحائر والسوائب.
﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ حيث أضافوها إلى غيره تعالى، وحرَّموا ما أحلَّ اللهُ لهم.
وإقحام ﴿هُمْ﴾ بينَ قوله: ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ و﴿يَكْفُرُونَ﴾ للتَّقوية المعاضِدة للتَّوبيخ والإنكارِ بالهمزة الواردة على فاء التَّعقيب؛ أي: أبعدَ وضوح دلائل بطلان ما يعتقدونه يؤمنون بذلك الباطل؟!
_________________
(١) "أولاد" سقط (م).
[ ٦ / ٦٨ ]
ويجوز أن يكون لإبهام التَّخصيص مبالغةً، وكذا تقديم (بالباطل) و(بنعمة الله) على ما تعلَّقتا به (^١).
(٧٣) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ من مطر ونبات، وهو مفعول ﴿رِزْقًا﴾ إن كان بمعنى المصدر، وبدلٌ منه إن كان بمعنى المرزوق، ويجوز أن يكون مصدرًا لـ ﴿يَمْلِكُ﴾ للتَّأكيد (^٢)؛ أي: ما لا يملك رزقًا مّا شيئًا من الملك.
﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ صلة للرِّزق إن كان مصدرًا، وصفةٌ له إن كان اسمًا.
والتَّنوين في ﴿رِزْقًا﴾ و﴿شَيْئًا﴾ للتَّحقير والتَّقليل، وفي إبدال ﴿شَيْئًا﴾ من ﴿رِزْقًا﴾ تقليلٌ آخر، وفي إيراد ﴿مَا﴾ دون (مِن) تحقيرٌ آخر.
وفي التَّقييد بقوله: ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبالغةٌ في نفي ملك الرزق عنها؛ أي: ما لا يملك (^٣) رزقًا مّا في جهةٍ من جهات العالم، ولا في مكانٍ وقطر منه.
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ الضَّمير لـ ﴿مَا﴾؛ لأنَّه في معنى الإلهيَّة، وهو من الأفعال التي لا يُقدَّر لها مفعول وتُجعَل مطلقة كالفعل اللَّازم، والمراد: نفي الاستطاعة المطلقة؛ أي: لا يملكون أن يَرزقوا، ولا استطاعةَ لهم أصلًا؛ لأنَّهم أموات، وإنْ
_________________
(١) في هامش (ف): "وأما محافظة الفواصل فإنما يصار إليها عند عدم باعث معنوي. منه".
(٢) "للتأكيد" سقط من (م).
(٣) في (م) زيادة: "لهم".
[ ٦ / ٦٩ ]
قُدِّرَ المفعول لدلالة القرينة - وهي مفعول ﴿يَمْلِكُ﴾ - عليه، فالمرادُ بالجمع بين نفي الاستطاعة والملك جميعًا التَّوكيدُ أو نفي الوقوع وإمكانهِ؛ أي: لا يملكون الرِّزق ولا يمكنهم أن يملكوه.
ويجوز أنْ يكون الضَّمير للكفَّار؛ أي: ولا يستطيع هؤلاء الكفرة مع أنَّهم أحياء متصرِّفون عقلًا شيئًا من الرِّزق، فكيف بالجماد الذي لا حراك به ولا حِسَّ؟
(٧٤) - ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ نهيٌ عن الإشراك بالله في التَّشبيه على طريقة التَّمثيل؛ لأنَّ مَن يضربِ المَثَلَ شبَّهَ حالًا بحال وقصَّةً بقصَّة (^١)، فجعل ضرب المثل مثلًا للإشراك والتَّشبيه، فكأنَّه قيل: ولا تشركوا بالله، وعدل إلى المُنزَل دلالة على التَّعميم في النَّهي عن التَّشبيه وصفًا وذاتًا.
وفي لفظ ﴿الْأَمْثَالَ﴾ لمن لا مثال له أصلًا نعيٌ عظيمٌ على سوء فعلهم، وفيه إدماجُ أنَّ الأسماء توقيفيَّة، وهذا هو الظَّاهر؛ لدلالة الفاء، وعدم ذكر ضرب المثل منهم سابقًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ تعليلٌ للنَّهي عن الشِّرك ووعيا عليه؛ أي: إنَّ الله يعلم قبح ما تفعلون وكُنْهَه وعظمه، فهو معاقبُكم عليه بما يوازيه في العظم.
﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ كُنْهَ ذلك وكُنْهَ عقابه، فلذلك اجترأتم عليه.
ويجوز أن يراد بقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا﴾ إلخ ظاهرُه، وهو النَّهي عن ضرب الأمثال لله
_________________
(١) في النسخ: "حالًا بحال قصة بقصة"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٦٢٢)، ولفظه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾: تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به؛ لأنَّ مَن يضرب الأمثال مشبِّه حالًا بحال وقصةً بقصة).
[ ٦ / ٧٠ ]
تعالى، ويكون معنى التَّعليل: إنَّ اللهَ وحدَه يعلم كيف يضرب المثل له وأنتم لا تعلمون ذلك، وكأنه أريد المبالغةُ في أن لا يُلحِدوا في أسمائه تعالى وصفاته، فإنه إذا لم يجز ضرب المثل، والاستعارات يكفي فيها شَبَهٌ مّا، والإطلاق لتلك العلاقة كافٍ (^١)، فعدمُ جواز إطلاق الأسماء من غير سبقِ تعليم منه تعالى وإثبات الصِّفات أولى وأولى، ثمَّ علَّمهم كيف يُضرب، فضرب مثلًا لنفسه ولمن عُبد دونه فقال:
(٧٥) - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ﴿عَبْدًا﴾ بدل من ﴿مَثَلًا﴾.
﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ (مَن) موصوفةٌ عُطفت على ﴿عَبْدًا﴾، أو موصولة.
﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ مثَّل ما أُشرك به بالمملوك العاجز عن التَّصرف مطلقًا، ومثَّل ذاته تعالى بالحرِّ الذي رزَقه الله مالًا كثيرًا، فهو يتصرَّف فيه وينفق منه كيف يشاء.
وقيَّد العبد بالمملوك ليمتاز عن الحرِّ؛ فإنَّ العبد قد يطلق على الحرِّ باعتبار أنَّه عبد الله تعالى، وبقوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ليخرج عنه المكاتَب والمأذون، فإنَّهما يقدران على شيء (^٢).
_________________
(١) في النسخ: "والاستعارة يكفي فيه شبهٌ ما، والإطلاق بتلك العلامة كافٍ"، والمثبت من "روح المعاني" (١٤/ ٢٢١)، والكلام منقول من "الكشف" كما صرح الآلوسي.
(٢) في (م) زيادة: "فكأنه قيل ولا تشركوا بالله شيئًا".
[ ٦ / ٧١ ]
ولا دلالة فيه على أنَّ المملوك لا يملك؛ لأنَّه لم يُجعل قسيمًا للمالك إلَّا بعد التَّقييد بقوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾، والأصل في القيود الاحتراز، بل للمخالف - كمالك على ما قيل - أن يتمسَّكَ به بناء على هذا الأصل.
﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾؛ أي: هل يستوي الأحرار والعبيد، فإذا كان هذان لا يستويان عندكم مع كونهما من جنس واحد ومشتركَين في الإنسانيَّة، فكيف تشركون بالله تعالى وتسوُّون به مَنْ هو مخلوقٌ له مقهورٌ بقدرته؟!
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾﴾: كلُّ الحمد له، لا يستحقُّه غيرُه، فضلًا عن العبادة؛ لأنَّه مولى النِّعم كلِّها.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيضيفون (^١) نعمَه إلى غيره ويعبدونه لأجلها، وكلمة ﴿بَلْ﴾ رَدٌّ لِمَا زعموه من استحقاق الأصنام للعبادة والشكر.
(٧٦) - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾؛ أي: لا نفعَ فيه من جهة القول، وقد سبق بيان (^٢) معنى البَكَم، والفرقِ بينه وبين الخَرَس.
﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ فلا يقع فيه من جهة الفعل أيضًا.
_________________
(١) وقع بعدها سقط لوحة رقم (٣٨٦) من (ك)، وسوف ننبه على نهايته في مكانه.
(٢) "بيان" من (م).
[ ٦ / ٧٢ ]
﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ مع ذلك هو ثقل وعيال على مَن يلي أمره ويتولَّاه (^١).
﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾: حيث ما يرسله مولاه في أمرٍ ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ بنجحٍ ونفعٍ، والتَّنكير للتَّقليل.
﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾: ومَن (^٢) هو مِنطيقٌ فَهِمٌ ذو كفايةٍ ورشد، يأمر النَّاس بالعدل لكونه جامعَ الفضائلِ كلِّها.
﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ﴾: وهو في نفسه على طريقٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ ودين قويمٍ؛ أي: كامل مكمَّل.
كرَّر التَّمثيل لزيادة الكشف والإيضاح، وتصويرِ امتناع الاشتراك والتَّشبيه في صورتين محسوسَتَيْن؛ ليتمكَّن في نفس السَّامعين، واحتجَّ في كلِّ واحدٍ من المَثَلَيْن بامتناع الاشتراك والتَّسوية بين ممكنين متماثلين، مع اشتراكهما في الجنسيَّة والمخلوقيَّة على امتناع الاشتراك والتَّسوية بين الأصنام التي هي أخسُّ المخلوقات وأعجزُها وبينَ اللهِ تعالى الواجبِ بذاته الخالقِ القادرِ على الإطلاق.
(٧٧) - ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: يختصُّ به تعالى علمُ ما غاب فيهما عن العباد.
وقيل: يوم القيامة؛ فإنَّ علمه غائب عن أهل السَّماوات والأرض.
_________________
(١) في (م): "وبقوله".
(٢) في (م): "من".
[ ٦ / ٧٣ ]
وعلى هذا يكون العدول عن الضمير في قوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾؛ أي: أمرُ قيامها في سرعة وقوعه، إلى الاسم الظَّاهر لِمَا فيه من التَّقوية للخبر.
﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾: إلَّا كرَجْع (^١) الطَّرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، تمثيلٌ لأمرٍ آنيِّ الوقوع غير زمانيٍّ بأقلِّ ما يمكن (^٢) أن يدرَك من الزَّمان، ولهذا قال:
﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾؛ أي: أسرع وأقصر زمانًا بأنْ يكون في مقدار نصف تلك الحركة؛ أو (^٣) في آنِ ابتداء تلك الحركة؛ لأنَّ اللهَ تعالى يُحيي الخلائقَ دفعةً واحدةً، وما هو دفعيُّ الوجود يكون حدوثه في آنٍ، و﴿أَوْ﴾ بمعنى: بل.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقدر على أن يُقيم السَّاعة ويبعث الخلق في أسرع وقتٍ، كما قدر على إحيائهم متدرِّجًا.
(٧٨) - ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
ثمَّ دلَّ على قدرته فقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ بيانٌ لعجزنا في الابتداء، يعني: لم تكونوا قادرين بأنفسكم على الخروج فأنا أخرجتكم، كما أنَّ قوله:
﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ بيان لجهلنا فيه في موضع الحال؛ أي: غيرَ عالمين.
وفيه دلالة على أنَّ الحركةَ للجنين غيرُ إراديَّةٍ.
_________________
(١) في (م): "كرجوع".
(٢) "يمكن" من (م).
(٣) في (ف): "أي".
[ ٦ / ٧٤ ]
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ خصَّهما بالذِّكْرِ - والمراد جميع الحواس - لأنَّهما أشرفها، والاعتبار والاستدلال بمدركاتها أكثرُ، كما خصَّ الصَّلاة والزَّكاة في مواضعَ من القرآن بالذِّكْرِ والمراد جميع العبادات؛ لأنَّهما أصلها.
وتقديم ﴿السَّمْعَ﴾ لأنَّه أعمُّ نفعًا وأتمُّ، حيث يحصَّل به العلوم النَّقليَّة التي لا يتطرَّق فيها الغلط.
﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾؛ أي: أنعم عليكم بهذه الآلات والقِوَى لتدركوا بالحواسِّ والمشاعر (^١) الجزئيات، وتتنبَّهوا بالأفئدة لكلِّياتها، فتحصل لكم العلوم البديهيَّة، وتقدروا على اكتساب النَّظريَّات بها.
والأفئدة من جموع القلَّة التي جرَتْ مجرى جموع الكثرة؛ إذ لم يَرِدْ في السَّماع غيرها.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: إرادةَ أنْ تشكروا نِعمَه الظَّاهرة والباطنة بالعمل بتلك العلوم، فترثوا العلوم الكشفيَّة، كما قال ﵇: "مَنْ عَمِلَ بما علم ورَّثه اللهُ تعالى علمَ ما لم يعلم" (^٢)، فتكمُلوا وتَسْعَدوا.
وإنَّما ذكر (^٣) آلة العلم في مقام الامتنان والحثَ على الشكر دون آلة القدرة
_________________
(١) "والمشاعر" من (م).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١٠/ ١٥)، وقال: ذكر أحمد بن حنبل هذا الكلام عن بعض التابعين عن عيسى بن مريم ﵇، فوهم بعض الرواة أنه ذكره عن النبي ﷺ، فوضع هذا الإسناد عليه لسهولته وقربه، وهذا الحديث لا يُحتمل بهذا الإسناد عن أحمد بن حنبل. ورواه الطبراني في "الأوسط" كما ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١٣٦) وقال: وفيه ياسين الزيات وهو منكر الحديث.
(٣) في (م): "ذكرت".
[ ٦ / ٧٥ ]
تعظيمًا للعلم، وتنبيهًا على أنَّ المقصود من خلق ابن آدم - بل من إيجاد العالم - هو العلمُ، على ما عُلم من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: ليَعْرِفون، ومن قوله ﵇: "كنت كنزًا مخفيًّا فأحببْتُ أنْ أُعْرَفَ … " الحديث (^١).
(٧٩) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾: جمع طائر ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾: مُذلَّلاتٍ للطَّيران بما خُلِقَ لها من الأجنحة وهُيِّئ لها من الأسباب الموافقة لذلك.
﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾: في الهواء المرتفع من الأرض. وفي إضافته إلى ﴿السَّمَاءِ﴾ إظهارٌ لجهةِ لطافته تقويةً لمعنى التَّسخير.
﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ فيه ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ فإنَّ ثقِلَ أجسادها يقتضي السُّقوط، ولا علاقة فوقها، ولا دعامة تحتها تمسكها، فلا مُمْسِكَ إلَّا الله تعالى بقدرته.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ تسخير الطَّير للطيران بأنْ خلقها خلقةً يمكِن معها الطَّيران، وخلق الجوَّ بحيث يمكِن الطَّيران فيها، وإمساكها مع ما فيها من الثِّقَل في الهواء مع غاية لطافته على خلاف طبعها.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خصَّهم بتلك الآيات لأنَّهم هم المنتفِعون بها.
_________________
(١) قال الزركشي في "اللآلئ المنثورة" (ص: ١٣٦): قال بعض الحفاظ: ليس هذا من كلام النبي ﷺ ولا يعرف له إسناد صحيح ولا ضعيف.
[ ٦ / ٧٦ ]
(٨٠) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾.
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ التي تبنونها من الحجر والمدر ﴿سَكَنًا﴾ فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ، وهو ما يُسْكَن فيه أو إليه مِنْ مَسْكن أو مَأْلف.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ﴾ إنَّما أعاده لأنَّ الامتنان هنا بنوع آخر من النِّعمة.
﴿مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ التَّنكير للتَّنويع؛ أي: نوعًا غريبًا منها، وهي (^١) القِباب المُتَّخذة من الأُدُم، ولا حاجة إلى أن يُتكلَّف في تعميمها المُتَّخذة من الوبر والصَّوف والشَّعر؛ لاندراجها فيما يأتي بُعَيد هذا.
﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾: تجدونها خفيفةً، يخفُّ عليكم حملُها ونقلها.
﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ الظَّعن بفتح العين وتسكينها: الارتحال.
﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾: وقتَ نزولكم وإقامتكم في مسائركم، لم يثقل عليكم ضربها ونقضها، أو يوم قراركم في منازلكم، والأوَّل أولى؛ إذ ظهور المِنَّة في خفَّتها في السَّفر أتمُّ وأظهر.
﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ الصَّوف للضَّأن، والوبر للإبل، والشَّعر للمعز، والكنايات راجعة إلى الأنعام، والفصل بما للإبل بينَ ما للضأن وما للمعز لأنَّه أكثر استعمالًا في السَّفر والحضر.
﴿أَثَاثًا﴾؛ أي: أمتعةً وثيابًا تصلح للسَّفر والحضر، منها ما يُلبَس، ومنها ما يُفْرَش، ومنها ما ينصب كأخبية الشَّعر واللبد.
_________________
(١) في (ف): "وهو".
[ ٦ / ٧٧ ]
﴿وَمَتَاعًا﴾ المتاع: ما يُنتفع به ويُتَّجر.
﴿إِلَى حِينٍ﴾: إلى أن تَبلى وتَفنى، أو: إلى أن تقضوا منها أوطاركم. والتَّنوين للتَّعظيم، والإشارةِ إلى أنها تبقى مُدَّةً مديدة، أو للإبهام لأنَّه غير معيَّن؛ أي: مدَّة مّا من الزَّمان غير معلومة.
(٨١) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾.
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ شرَع في الامتنان بنعمةٍ خالصة عن شَوْب الكسب، ولهذا أعاد الإسناد إلى ظاهر اسم الله تعالى.
﴿مِمَّا خَلَقَ﴾ في السَّماء كالسَّحاب المظلم على ما ذُكِرَ (^١) في قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ [الأعراف: ١٦٠] (^٢)، أو في الأرض كالجبل والشجر.
﴿ظِلَالًا﴾: ما يُستظلُّ، لَمَّا كانت بلاد العرب عليها الحرُّ المفرِط امتنَّ عليهم بما يتَّقون به من حرِّ الشَّمس، وفيه نوعُ تمهيدٍ لتخصيص الحرِّ بالذِّكر فيما سيأتي (^٣).
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾: مواضعَ تستكنُّون بها، من الكهوف والغيران.
الإنسان إمَّا مقيم أو مسافر، والمسافر إمَّا غنيٌّ يستصحِب معه ما يستظلُّ به
_________________
(١) هنا انتهى السقط من (ك).
(٢) في (ف): "وظللنا عليكم الغمام"، وهي الآية (٥٧) من سورة البقرة.
(٣) في (م): "يأتي".
[ ٦ / ٧٨ ]
ويكنُّ به (^١)، أو فقير لا يقدر عليه، فامتنَّ على الأوَّل بقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾، وعلى الثَّاني بقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾، وعلى الثَّالث بقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ من القطن والكَتَّان والصُّوف، جمع سربال.
قال الزَّجَّاج: كلُّ ما لبستَه فهو سربال (^٢).
﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ اقتصر عليه لكون البرد في بلادهم يسيرًا محتمَلًا، أو اكتفى بأحد الضِّدَّين عن الآخر، وتخصيص الحرِّ بالذِّكر لما أشارَ إليه من كون وقاية الحرِّ أهمُّ عندهم.
﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ يعني: الدُّروع والجواشن.
﴿كَذَلِكَ﴾ كإتمام هذه النِّعم التي تقدَّمَتْ ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾: تنظرون في نعمه الفائضة عليكم، فتؤمنون به، وتنقادون له.
وقرئ: (تَسْلَمُون) بفتح التَّاء (^٣) من السَّلامة؛ أي: تشكرون نعمه فتَسْلَمون مِن نِقَمه، أو تَسْلَم قلوبُكم من الشِّرك، أو تَسْلَمون مِنَ الجِراح بلبس الدُّروع.
(٨٢) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يحتمل أنْ يكون ماضيًا على الالتفات؛ أي: فإن أعرضوا عن
_________________
(١) في (م): "فيه".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢١٥).
(٣) نسبت لابن عباس ﵄. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٢).
[ ٦ / ٧٩ ]
الإسلام، ويحتمل أن يكون مضارعًا؛ أي: فإنْ تتولَّوا، وحُذفَتِ التَّاء، ويكونُ جاريًا على الخطاب السَّابق.
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: فلا يضرُّك فإنَّما عليك البلاغ، وقد بلَّغْتَ، فهو من باب إقامة السَّبب مقام المسبَّب، فإنَّ البلاغ سببُ العذر، وكونه معذورًا كنايةٌ عن عدم التَّضرُّر من جهة الرِّسالة.
(٨٣) - ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ يعرف المشركون نعمةَ الله مِن التي عدَدْناها وغيرِها حيث يعترفون بها وأنَّها مِنَ الله.
﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ بعبادة غير المُنْعِم بها، وبقولهم: هي من الله لكنْ بشفاعة آلهتنا، أو بنسبتها إلى مَن أجراها الله تعالى على يده.
وقيل: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: نبوَّة محمَّد ﷺ، عرفوها بالمعجزات، ثم أنكروها عنادًا، و﴿ثُمَّ﴾ مستعارٌ لاستبعاد الإنكار بعد المعرفة (^١).
﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾: الجاحدون عنادًا، وإنَّما قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ﴾ لأنَّ فيهم مَن لم يكن معاندًا، بل جاهلًا لم يعرف الحق، لنقصان عقله، أو تفريطه في النَّظر، أو لأنَّ فيهم مَن لم تقم عليه الحُجَّة، لأنَّه لم يبلغ حدَّ التَكليف، وعلى هذا يكون الكافر على إطلاقه، وعلى كلَا التَّقديرَيْن لا مساغ لحمل الأكثر على معنى الكلِّ.
_________________
(١) في هامش (ف): "من نظم هذا الوجه مع سياقه في سلك واحد لم يصب. منه".
[ ٦ / ٨٠ ]
(٨٤) - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾: يشهد لهم وعليهم بالإيمان والكفر، وهو نبيُّهم.
﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الاعتذار؛ أي: لا عُذْرَ لهم، فَدَلَّ بانتفاء الإذن على انتفاءِ العذر.
و﴿ثُمَّ﴾ (^١) مستعارٌ لغاية البُعْدِ بينَ تهنئتهم بشهادة الرُّسل ﵈ وبين بليَّتهم بانتفاء الإذن في الكلام؛ لما فيها من الإقناط الكلِّي عن العفو والغفران بالمنع من الاعتذار والإدلاء بحجَّةٍ أو شبهة.
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ الاستعتاب: طلبُ الرِّضا وإزالة الغضب، من العُتْبَى (^٢)، وهو الرِّضا؛ أي: لا يُطلب منهم إرضاء الرَّبِّ؛ لأنَّ الآخرة دار الجزاء لا دار العمل.
و(يومَ) منصوب بمحذوف؛ أي: ويوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه، أو: كان ما لا يدخل تحت الوصف، أو واذكر يوم نبعث.
(٨٥) - ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
وكذا: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ﴾؛ أي: حاقَ بهم ما حاقَ، أو: شَقَّ عليهم، ونحو ذلك.
_________________
(١) في (ك) و(م): "ثم".
(٢) في النسخ: "العتب"، والمثبت من "تفسير البيضاوي"، وهو الصواب. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ٣٦١).
[ ٦ / ٨١ ]
﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾؛ أي: العذاب ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي (^١): يمهَلون.
(٨٦) - ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾: أوثانَهم التي دعَوها شركاء، أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه.
﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾: نعبدهم، أو نطيعهم، وهو اعتراف بكونهم مخطئين في ذلك، أو التماس لأنْ يُشطر عذابهم.
﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾، أي: أجابوهم بقولهم: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في أنَّنا شركاء الله، أو في دعوى عبادتنا، ولا يمتنع إنطاق الله الأصنام (^٢) حينئذٍ، أو في أنهم حملوهم على الكفر وألزموهم إيَّاه، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢].
(٨٧) - ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
﴿وَأَلْقَوْا﴾؛ أي: وألقى الذين ظلموا ﴿إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾: الاستسلامَ لحكمه بعد الاستكبار في الدُّنيا.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: ضاع عنهم وبطل ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من أنَّهم شركاءُ الله، وأنهم يشفعون لهم وينصرونهم حين كذَّبوهم وتبرَّؤوا منهم.
_________________
(١) "أي" من (م).
(٢) في (ف): "للأصنام".
[ ٦ / ٨٢ ]
(٨٨) - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: مَنعوا عن الإسلام وحَملوا على الكفر.
﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ المُسْتَحَقِّ بكفرهم.
﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾: بكونهم مفسدين بصدِّهم.
* * *
(٨٩) - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني: نبيَّهم.
﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: من جنسهم، ومَنْ وَهَمَ أنَّ نبيَّ كلِّ أمَّة كان منهم فقد وهِم، وهذا القيد لم يُذْكَر فيما سبق؛ لدلالة ﴿مِنْ﴾ عليه.
﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾: يا محمَّدُ ﴿شَهِيدًا﴾: يشهد ﴿عَلَى﴾ صدق ﴿هَؤُلَاءِ﴾ الشُّهداء، لعلمك بعقائدهم، واستجماع شرعك مجامعَ قواعدهم، وأمَّا كونه ﵇ شهيدًا على أمَّته فقد عُلِمَ ممَّا تقدَّم.
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ استئنافٌ، أو حالٌ بإضمار (قد).
﴿تِبْيَانًا﴾: بيانًا بليغًا ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ عبارة (كلّ) للتَّكثير والتَّفخيم، لا للإحاطة والتَّعميم، كما في قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥].
وما قيل: من أمور الدِّين على التَّفصيل، أو الإجمال بالإحالة إلى السُّنَّة
[ ٦ / ٨٣ ]
والقياس، فيأباه ما في التِّبيان من المبالغة في البيان، ثمَّ إنَّ قوله: (من أمور الدِّين) تخصيصٌ، لا يساعده الكلام، ولا يقتضيه المقام.
﴿شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى﴾: بشارةً (^١) ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾ متعلِّق بـ ﴿وَبُشْرَى﴾، ومن حيث المعنى متعلِّق بـ ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣].
* * *
(٩٠) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ بمراعاة الوسط بين الأطراف، وسلوكِ طريق الوسط بين طرفي الإفراط والتَّفريط، فهو جماع الفضائل كلِّها، الشاملُ للحكمة المتوسطة بين البلاهة والدَّهاء، والشجاعةِ المتوسطة بين الجبن والتَّهوُّر، والعفَّة المتوسطة بين التَّنزُّه وخور الشَّهوة (^٢).
فمن الحكمة:
اعتقادًا؛ كالتَّوحيد المتوسط بين التَّعطيل والتَّشريك، والقول (^٣) بالكسب المتوسِّط بين محضِ الجبر والقدر.
_________________
(١) في (م): "وبشارة".
(٢) في (ف) و(ك): "الشره وجمود الشهوة"، وفي "تفسير أبي السعود" (٥/ ١٣٦): (من العِفة المتوسّطة بين الخلاعة والخمود)، ومثله في "روح المعاني" (١٤/ ٢٦٨) لكن بلفظ: (والجمود).
(٣) في (ق) و(ك): "والقوى"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٣٨)، و"تفسير أبي السعود" (٥/ ١٣٦)، و"روح المعاني" (١٤/ ٢٦٨)
[ ٦ / ٨٤ ]
وعملًا؛ كالتَّعبُّد بأداء الواجبات المتوسِّط (^١) بين البطالة والتَّرهب، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر المتوسط بين المداهنة والعنف في الأمور الدِّينيَّة.
وخُلُقًا؛ كالتَّواضع المتوسِّط بين الضّعة والتَّكبر، والجود المتوسِّط بين البخل والتَّبذير، والقناعة المتوسِّطة بين الحرص والقعود عن طلب الضَّروري من المعاش.
ولَمَّا كانت مراعاة العدل (^٢) في غاية الصُّعوبة شفَعه بالإحسان بقوله: ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ ليتدارك به ما فات من العدالة احتياطًا؛ فإنَّ العدلَ هو القيام بالواجب في كلِّ شيءٍ، والإحسانَ هو النَّدب، والانحرافُ عن سمة العدالة الذي هو الطَّريق المستقيم لأحد الجانِبَين قد يكون إلى جانب التَّفريط أحسن وإلى جانب (^٣) الإفراط، فالإحسان هو الإتيان بالحسن، والمحافظةُ على جانبه (^٤)؛ كالميل إلى التَّنزيه في الاعتقاد، والتَّطوعِ بالنَّوافل في الأعمال باعتبار الكميَّة، والزِّيادةِ في الإخلاص بالإخفاء باعتبار الكيفيَّة، والميلِ إلى الصَّلابة التي (^٥) هي الحميَّة الدِّينيَّة في الشَّجاعة، وإلى الضَّعة والصَّفح دون الانتقام فيما يتعلَّق بحقِّ نفسه فيها، وإلى الإفراط في الجود، وإلى التفريط في كلِّ ما سواه من خصال العفَّة، ولهذا نهى عن الإفراط في متابعة الشَّهوة وهي الفحشاء.
﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾: وإعطاءِ الأقارب ما يحتاجون إليه، وهو تخصيصٌ
_________________
(١) في (ف) و(م): "المتوسطة"، والمثبت من (ك)، والمصادر السابقة.
(٢) في (ك) و(م): "العدالة".
(٣) "التفريط أحسن وإلى جانب" من (م)، ولعل الصواب: (أو إلى) بدل: (وإلى).
(٤) في (م): "جانب".
(٥) "التي "من (م).
[ ٦ / ٨٥ ]
بعدَ التَّعميم للاهتمام به؛ تنبيهًا على فضل هذه الخصلة من بين خصال العدل والإحسان، وكذا الرَّذائل الثَّلاث المذكورة (^١) بعدها، فإنَّ المنهيَّ (^٢) منها داخل في الأمر بالعدل، وخُصَّتْ (^٣) بالذِّكْرِ والنَّهي عنها بالانفراد؛ تنبيهًا على قُبْحها، وكونها في غاية الرَّذالة، ألا ترى أنَّ البغي هو الظُّلم المنافي لصريح العدل، فلا (^٤) يفيد ذكره إلَّا التَّأكيدَ والمبالغة في التَّحذير.
﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ عن الإفراط في متابعة القوَّة الشَّهوانيَّة كالزِّنا والحرص.
﴿وَالْمُنْكَرِ﴾؛ أي: ما يُنْكَر شرعًا أو عقلًا من إفراط القوَّة الغضبيَّة.
﴿وَالْبَغْيِ﴾؛ أي: الاستعلاءِ والتَّجبُّر على النَّاس والاستيلاءِ، وهو من تسلُّط القوَّة الوهميَّة على العاقلة التي يتولَّد منها (^٥) الشَّيطنة؛ فتارةً يغلب الغضب ويحدث الاستكبار، وتارة يميل إلى الإفراط في باب الحكمة فتحدث الجربزة (^٦) والمكر والتَّفرعُن (^٧)، وتارة تغلب الشَّهوة فتورِث النَّهب وسلب الأموال وغصب حقوق النَّاس، وكلها تنافي العدالة.
ولا يوجد من الإنسان شرٌّ إلَّا وهو داخل في هذه الأقسام الثلاثة (^٨) بتوسُّط
_________________
(١) "المذكورة" من (م).
(٢) في (ك) و(م): "النهي".
(٣) في (ك): "وخصصت".
(٤) في (ف): "ولا".
(٥) في (ك) و(م): "منه".
(٦) الجُرْبُزُ: الخَمث الخبيث، والمصدر: الجَزْبَرَة. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: جربز).
(٧) في (ف): "والتنفر عن"، وفي (م): "التغير عن " وكتب على الهامش: "لعلها: التفرعن".
(٨) "الثلاثة" سقط من (ك).
[ ٦ / ٨٦ ]
إحدى هذه القوى الثَّلاث، ولذلك قال ابن مسعود ﵁: هي أجمع آية في القرآن للخير والشَّرِّ (^١).
وصارت سببَ إسلام عثمان بن مظعون ﵁ (^٢).
ولو لم يكن في القرآن إلَّا هذه الآيةُ لكفى به تبيانًا لكلِّ شيءٍ وهدً ى ورحمةً وبشرى للمسلمين.
ولأمرٍ ما عقَّب قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ بها.
﴿يَعِظُكُمْ﴾ بالأمر والنَّهي، والميْزِ بين الخير والشَّرِّ، حال من فاعل ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾، أو من مفعوله، أو منهما جميعًا، أو خبر ثانٍ؛ لـ ﴿إِنَّ﴾.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: تتَّعظون.
* * *
(٩١) - ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: هي البيعة لرسول الله ﷺ على الإسلام في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].
﴿إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾؛ أي: اثبُتوا على ما عاهدتم الله عليه، وبايعتُم به رسول الله ﷺ بالأيمان التي تحلفون بها.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٣٣٧).
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٩١٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨٣٢٢)، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (١١/ ٣١)، من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٦ / ٨٧ ]
﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾؛ أي: لا تنكثوها بالحِنث بعد إحكام عقدها على أنفسكم بذكر الله تعالى.
﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾: شاهدًا ورقيبًا؛ لأنَّ الكفيلَ شاهدٌ بحال المكفول به رقيبٌ عليه.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ في نقض الأيمان والعهود، وعيدٌ.
* * *
(٩٢) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾: ما غزلتْه، مصدرٌ بمعنى مفعول.
﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ تعلِّق بـ ﴿نَقَضَتْ﴾؛ أي: نقضَتْ غزلها بعدما أبرمته وأحكمته.
﴿أَنْكَاثًا﴾: طاقاتٍ، نكثت فَتْلها، جمع نَكْثٍ، وهو ما نُقِضَ فتلُه.
وانتصابه على الحال من ﴿غَزْلَهَا﴾، أو المفعولِ الثَّاني لـ ﴿نَقَضَتْ﴾ لتضمُّنه معنى: صيَّرتْ، ولا يجوز انتصابه على المصدريَّة؛ لأنَّ النكث اسمٌ لا مصدرٌ، والمراد: تشبيه النَّاقض بمن هذا شأنه، وهي ريطةُ بنت سعد بن تيمٍ (^١) القُرشيَّة، فإنَّها كانت خرقاءَ تفعل ذلك (^٢).
﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: حال من الضَّمير في ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾.
_________________
(١) "تيم "من (م).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٨٤)، و"تفسير الثعلبي" (٦/ ٣٨).
[ ٦ / ٨٨ ]
﴿دَخَلًا﴾ ثاني مفعولٌ تتخذ، أي: متَّخذيها دخَلًا، أي: مَفْسدةً ودخلًا، وأصله: ما يدخل الشَّيءَ ولم يكن منه.
﴿أَنْ تَكُونَ﴾ بسبب أن تكون ﴿أُمَّةٌ﴾؛ أي: جماعة قريش ﴿هِيَ أَرْبَى﴾: أزيدُ عددًا وأوفرُ مالًا ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾؛ أي: جماعة المؤمنين.
﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ الضَّمير لقوله: ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ (^١)؛ لأنَّه في معنى المصدر؛ أي: إنما يختبركم بكونكم أربى؛ لينظرَ أتُوْفون بعهد الله وما عقدتم على أنفسكم من أيمان البيعة لرسول الله ﷺ كون به، أم تغترُّون بكثرة قريش وثروتهم وتخافون من قلَّة المؤمنين وفقرهم فتنقضون.
كانت قريش إذا رأت شوكةً وقوَّة في أعادي حلفائهم غدروا وحالفوا أعداءهم، فنُهي المؤمنون عن عادتهم في الغدر (^٢).
﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ إذا جازاكم على أعمالكم بالثَّواب والعقاب. إنذار وتحذيرٌ من مخالفة ملَّة الإسلام (^٣).
* * *
(٩٣) - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً﴾: متَّفقةً على الإسلام.
﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ بالخذلان ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بالتَوفيق.
_________________
(١) في (م) زيادة: "أمة ".
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٣٨).
(٣) من قوله: "إذا جازاكم .. " إلى هنا من (م).
[ ٦ / ٨٩ ]
﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سؤالَ تبكيتٍ ومجازاة.
* * *
(٩٤) - ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ تصريحٌ بالنَّهي، وتكريرٌ له، تأكيدًا عليهم، وإظهارًا لعِظَم المنهيِّ عنه، ومبالغةً في قبحه، ولهذا وحَّد ﴿قَدَمٌ﴾ ونكَّر في قوله:
﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ والمراد: فتزلَّ أقدامكم عن محجة الإسلام ﴿بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ عليها، تنبيهًا على أنَّ زللَ قدمٍ واحدٍ عظيمةٌ من العظائم (^١)، فكيف بأقدام كثيرة؟!
﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾: العذابَ في الدَّنيا ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: بسبب صدودكم عن الوفاء، أو صدِّكم غيرَكم عنه، فإنَّ مَنْ نقضَ البيعة وارتدَّ جعلَ ذلك سُنَّة لغيره.
﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرة.
* * *
(٩٥) - ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قد سبقَ تفسيرُه في (سورة البقرة)، والمراد هنا من الثَّمن القليل: ما يَعِدُه قريش لضعفاء المسلمين ويشرطون لهم على ارتدادهم.
﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِن نصرِكم وتغنيمكم في الدُّنيا، والتوابِ الجزيل في الآخرة.
﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مما يَعِدونكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إنْ كنتم من أهل العلم والتَّمييز.
_________________
(١) في (ف): "عظائم".
[ ٦ / ٩٠ ]
(٩٦) - ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿مَا عِنْدَكُمْ﴾ من أعراض الدُّنيا ﴿يَنْفَدُ﴾ وينقضي (^١).
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الثَّواب الموعود المدَّخر في خزائنه (^٢) لكم ﴿بَاقٍ﴾: لا يزولُ، وهو تعليلٌ للحكم السَّابق، ودليل على أنَّ نعيمَ الجنَّة باقٍ.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ﴾ على أذى الكفَّار ومشاقِّ التَّكاليف ومرارة الفاقة.
﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بما ترجَّح فعلُه على تركه كالواجبات والمندوبات، وما ترجَّح تركه على فعله ممَّا تركوا (^٣) كالمحرَّمات والمكروهات.
والتَّعبير بالعمل عن الكلِّ للتَّنبيه على أنَّ التَّركَ إنَّما يُثابُ عليه إذا قارنه عمل القلب، وهو النِّيَّة والقصدُ إلى الامتثال بالانتهاء عمَّا نهي عنه، وفي عبارة الصبر نوع إشارة إليه.
وفي الآية دلالةٌ (^٤) على أنَّ المباح حسن، وأنَّه لا يثاب عليه.
وعبارة (كان) للدِّلالة على أنَّ المباح لا يَستحق الأجر وإنْ وُجِدَ الاستمرار عليه، فكيف إذا وُجِدَ نادرًا؟!
* * *
_________________
(١) في (ف): "وينقض"، وفي (ك): "وينقص".
(٢) في (ف): "المؤخر في خزانته"، وفي (ك): "المؤخر في خزائنه"، والمثبت من (م).
(٣) في (م) زيادة: "مما فعلوا".
(٤) في (ف): "دليل".
[ ٦ / ٩١ ]
(٩٧) - ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ بيَّن ﴿مَنْ﴾ لإبهامه، وكونهِ ظاهرًا في الذكور لو لم يبيَّن، ففسِّر بهما ليعمَّ الموعدُ (^١).
وإنما قال: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة (^٢)، لا في استحقاق الثَّواب ولا في تخفيف العقاب؛ لأنَّه يُجعل هباءً منثورًا، بدلالة نصِّ الكتاب، هذا ما عندي، والله أعلم بالصواب (^٣).
ثم العمل الصالح لا يكون إلَّا للمؤمن، فزيادةُ القيد المذكور لبيان أنَّ المعنى: مَن عمل صالحًا في الحال، وَهُوَ مُؤْمِنٌ في المآل؛ لأنَّ اعتبارَ (^٤) صفاء الحال بوفاء المآل، والأمورُ بخواتيمها.
﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ في الدُّنيا يعيش عيشًا طيِّبًا؛ لأن المؤمن الصالح إن كان موسرًا فظاهر، وإن كان معسرًا يطيب عيشه (^٥) بالقناعة، والرِّضا بالقسمة، وتوقُّعِ الأجر العظيم في الآخرة، والفاجر بالعكس؛ فإنَّه إن كان معسرًا فظاهر، وإن كان موسرًا فلا يدعه الحرص وخوف العواقب أن يتهنَّأ بعيشه.
وإنَّما قلنا: إنه في الدُّنيا؛ لدلالة قوله:
_________________
(١) في هامش (ف) و(م): "ويحتمل وجهًا آخر ذكر في تفسير سورة النساء، وهو أن تكون (من) للابتداء. منه ".
(٢) في (ف) و(ك): "الكفر".
(٣) "بالصواب" من (م).
(٤) "اعتبار" من (م).
(٥) "عيشه "من (م).
[ ٦ / ٩٢ ]
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ يعني: في الآخرة عليه، وليس بتكرارٍ؛ لأنَّ الأوَّل في حقِّ الذين عاهدوا رسول الله ﷺ فحفظوا، وهذا في كلِّ مَنْ آمن وعمل صالحًا.
* * *
(٩٨) - ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: إذا أردْتَ قراءته، وإطلاق الفعل على إرادته مِن قَبِيْلِ إطلاق المسبَّب على السَّبب مجازًا؛ لملابسته له ولزومه إيَّاه غالبًا، ودليل المجاز السُّنَّة المستفيضة، وأما الفاء فلا دلالة فيها عليه (^١)، وإنَّما دلالتها على تأخير المراد بمدخولها (^٢) عن (^٣) المعنى المراد بـ ﴿قَرَأْتَ﴾ (^٤)، وإجماعُهم على صحَّة هذا المجاز قد دلَّ على أنَّ وجود القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة ليس بشرط فيه (^٥).
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: فاسأل اللهَ أن يعيذك من وساوسه؛ لئلا يوسوسك في القراءة.
والجمهور على أنَّه للاستحباب، ولا دلالة فيه على أن المصلِّي يستعيذ في كلِّ
_________________
(١) في هامش (م): "فيه رد على صاحب المفتاح ". ولفظ السكاكي في الاستدلال على المجاز الحاصل من كون ﴿قَرَأْتَ﴾ استعملت مكان: أردت القراءة: (بقرينهَ الفاء في ﴿فَاسْتَعِذْ﴾، والسنة المستفيضة بتقديم الاستعاذة). انظر: "مفتاح العلوم" (ص: ٣٦٦).
(٢) في (ف) و(ك): "بدخولها".
(٣) في (ف): "على".
(٤) في هامش (م): "مذكور في الهداية".
(٥) في النسخ: "فيها"، والمثبت من "روح المعاني" (١٤/ ٢٩٥)، وقد تعقب الآلوسي هذا الكلام بقوله: (ليس بشيء).
[ ٦ / ٩٣ ]
ركعة بناء على أن الحكم المترتب على الشَّرط يتكرَّر بتكرُّره؛ لأنَّ ما يقع في خلال الصَّلاة من القراءات في حكم قراءة واحدة، ولهذا لا تُستَحبُّ الحمدلة والبسملة عند الشروع لكلِّ فعلٍ من أفعال الصلاة.
قيل: تعقيبه لذكر العمل الصالح والوعدِ عليه إيذانٌ بأن الاستعاذة عند القراءة من هذا القَبيل.
ولا يذهبْ عليك أن الأمر الاستحبابي أغنى عن هذا الإيذان.
والأولى أن يقوله: (أستعيذُ بالله) ليوافق القرآن، ويقرُبُ منه: (أعوذ بالله) كذا قالوا، ويردُّه ما رُوِيَ عن ابن مسعود أنه قال: قرأت على رسول الله ﷺ فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال: "قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبريل ﵇، عن القلم، عن اللَّوح المحفوظ" (^١).
* * *
(٩٩) - ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾: تسلُّطٌ وولاية ﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فإنَّهم لا يطيعون أوامره، ولا يقبلون وَساوِسَه إلَّا فيما يحتقِرون على ندور (^٢) وغفلة، ولذلك أمروا بالاستعاذة.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٤١) مسلسلًا، وعنه تلميذه الواحدي في "الوسيط " (٣/ ٨٣ - ٨٤). وقد ورد جواز الاستعاذة بلفظ: (أعوذ باللّه السميع العليم) في حديثي أبي سعيد وعائشة عند أبي داود (٧٧٥) و(٧٨٥). وحديث معقل بن يسار عند الترمذي (٢٩٢٢).
(٢) في "على ندور" سقط من (ف) و(ك).
[ ٦ / ٩٤ ]
ولما ذكرها عقَّبها بسلب (^١) سلطانه، لئلا يُتوهَّم أنَّ له سلطةً (^٢) عليهم:
(١٠٠) - ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾: على مَن يتولَّاه ويطيعه دون غيره.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾: بالله تعالى، أو بسبب الشَّيطان ﴿مُشْرِكُونَ﴾ لأنَّه هو الذي حملهم على الإشراك بالله.
* * *
(١٠١) - ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: نسخنا آيةً بآيةٍ، فجعلنا النَّاسخة مكان المنسوخة لفظًا أو حكمًا.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ في باب المصالح، فإنَّ الشَّرع صلاح حال العباد بحسب المعاش والمعاد، وما يكون مصلحةً في وقت يصير مفسدةً في وقت آخر وبالعكس، والله أعلم بمصالح الجمهور منهم، فينزِّل في كلِّ وقت ما هو صلاح ذلك الوقت، وينسخُ به ما كان صلاحَ الوقت الماضي، وقد تغيَّر في الوقت الآتي إلى مفسدةٍ، فوجدوا مدخلًا للطَّعن لجهلهم بحكمة النَّسخ.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: الكفرة: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ متقوِّلٌ على الله، تأمر بشيء، ثم يبدو لك فتنهى عنه، نسبوا إليه ﵇ الافتراء بأنواع من المبالغة والتَّغليظ، وهي الحصر والخطاب، واسمِ الفاعل الدَّالِّ على الثُّبوت والاستقرار.
_________________
(١) في (ك) و(م): "بسبب".
(٢) في (ك) و(م): "سلطنة".
[ ٦ / ٩٥ ]
وهو جواب ﴿وَإِذَا﴾، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ اعتراضٌ لتوبيخ الكفَّار على قولهم، والتَّنبيهِ على فساد سندهم (^١)، ويجوز أن يكون حالًا.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿بَلْ﴾ إضراب عن الافتراء الذي نسبوه إليه، وما بعده تأكيدٌ للاعتراض (^٢) والتَّوبيخ بأنَّهم جاهلون بحكمةِ الأحكام، لا يميِّزون بينَ الخطأ والصَّواب.
وإنما قال: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾؛ لأنَّ منهم مَن يعلمها لكن ينكرها عنادًا.
* * *
(١٥٢) - ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾؛ يعني: جبريل؛ أي: الرُّوح المطهَّر من ألواثِ البشريَّة، وإضافةُ الرُّوح إلى القدُس - وهو الطُّهر - كإضافة حاتم إلى الجود في قولهم: حاتم الجود (^٣)؛ للمبالغة في ذلك الوصف، كأنَّه طبع منه.
وفي ﴿يُنَزِّلُ﴾ و﴿نَزَّلَهُ﴾ من معنى التدريج في الإنزال على حسب المصالح ما يُشعر بأن التَّبديل إنَّما هو لرعاية المصالح التي فأتت لو أُنْزِلَتْ دفعةً.
﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ ملتبِسًا بالحكمة.
﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باعتقادِ أنَّه الحقُّ من ربهم، فإنَّهم إذا لم يتشوَّش
_________________
(١) في (م): "مسندهم".
(٢) في (ف): "للإعراض".
(٣) "في قولهم حاتم الجود" من (م).
[ ٦ / ٩٦ ]
اعتقادهم بالنَّسخ وتيقَّنوا أنَّه مقتضَى حكمته، وعلموا أنَّ النَّاسخ هو الذي فيه صلاح الحال دون المنسوخ، ثبتَتْ أقدامهم ورسخَتْ عقائدهم واطمأنَّتْ قلوبُهم.
﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ المنقادين لحكمه، وهما مفعولٌ لهما معطوفان على محلِّ ﴿لِيُثَبِّتَ﴾؛ أي: تثبيتًا لهم وإرشادًا وبشارةً.
وفيه تعريضٌ بحصول أضداد هذه الخِصَال لمن سواهم من الكفَّار.
* * *
(١٠٣) - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر﴾ أرادوا جبرًا (^١) الرُّوميَّ، وقيل: جبرًا وسمارًا (^٢).
﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ لغةُ الرَّجل الذي يُميْلون قولهم عن الاستقامة إليه، يقال: لَحَد وأَلحد: إذا مال عن القصد، ومنه: اللَّحد (^٣).
﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ غيرُ بَيِّنٍ ﴿وَهَذَا﴾؛ أي: هذا القرآن ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾: ذو بيانٍ وفصاحةٍ.
والجملتان مستأنفتان، رَدٌّ لقولهم، وإبطال لطعنهم، وتقريرُه: أنَّ القرآنَ معجِزٌ
_________________
(١) في (ف) و(م): "جبر".
(٢) عبدان نصرانيان كانا يصنعان السيوف بمكة، وكانا يقرأ أن الإنجيل. روى القصة بذلك الطبري في "التفسير" (١٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨)، والبيهقي في "الشعب" (١٣٨)، عن عبد الله بن مسلم الحضرمي.
(٣) في هامش (م): "رد البيضاوي، فيه رد لمن قال: إنه مأخوذ من لحد القبر. منه ".
[ ٦ / ٩٧ ]
بلفظه كما هو معجِزٌ بمعناه، فإنْ زعمتم أنَّ بشرًا يعلِّمه معناه، فكيف يعلِّمه (^١) هذا الكلامَ الذي بذَّ كلَّ كلامٍ عربيٍّ في البيان والفصاحة، وهو أعجمي؟!
وطعنُهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الرَّكيكة دليل على غاية عجزهم.
* * *
(١٥٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: الذين يعلمُ اللهُ منهم أنَّهم لا يؤمنون بها؛ أي: لا يصدِّقون أنَّها مِن عند الله تعالى.
﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ إلى الحقِّ، أو إلى (^٢) طريق النَّجاة في الدُّنيا.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.
هدَّدهم على كفرهم بالقرآن بعدما أماطَ شبهتهم ورَدَّ طعنهم فيه، ثمَّ قلب الأمر عليهم فقال:
(١٠٥) - ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ لأنَّهم لا يخافون عقابًا يردعهم عنه.
﴿وَأُولَئِكَ﴾ إشارة إلى الذين كفروا، أو إلى قريش.
﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ بالحقيقة، الكاملون في التكَذيب؛ لأنَّ التَّكذيب بآيات الله
_________________
(١) في (ف): "يعلم ".
(٢) في (ف) و(ك): "وإلى".
[ ٦ / ٩٨ ]
هو أعظم الكذب، أو: الذين عادتهم الكذب لا يبالون به في كلِّ شيء؛ إذ لا تردعهم (^١) عنه مروءة ولا دين، أو: الكاذبون في قولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ إلخ.
* * *
(١٠٦) - ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وما بينهما اعتراض، أو من ﴿وَأُولَئِكَ﴾، أو من ﴿الْكَاذِبُونَ﴾، أو مبتدأ خبره محذوف دلَّ عليه قوله: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾، أو منتصبٌ بالذَّم، أو مرتفعٌ على خبرِ مبتدأ مضمَرٍ على الذَّم، أو ﴿مِنَ﴾ شرطيَّة محذوفةُ الجواب، دلَّ عليه:
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ على الافتراء، أو كلمةِ الكفر، استثناءٌ متَّصل؛ لأنَّ الكفر لغةً يعمُّ القول والعقد، كالإيمان.
﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ لم تتغيَّر عقيدتُه، جملةٌ حاليَّة، ولا دلالة فيه على انحصار الإيمان في التَّصديق القلبي.
﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ﴾؛ أي: وسَّعه لقبول (^٢) الكفر، مجازٌ عن الرِّضا وطيب الخاطر.
﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ والتَّنكير للتَّعظيم، وقوله:
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ (^٣) لأن الغضب من العظيم عظيمٌ.
_________________
(١) في (ف) و(م): "يدعهم".
(٢) في (م): "بقول".
(٣) في (م) زيادة: "لرتبته".
[ ٦ / ٩٩ ]
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إذْ لا أعظمَ مِنْ جُرْمِه.
روي أنَّ قريشًا أكرهوا عمارًا ﵁، فأعطاهم بلسانه ما أرادوا مكرهًا، ولما أتى رسولَ الله ﷺ وهو يبكي قال: "ما لَكَ؛ إنْ عادوا لك فعُدْ لهم" (^١).
وهو دليلٌ على جواز التَّكلُّم بالكفر عند الإكراه، وإن كان الأفضلُ التَّجنُّبَ عنه، إعزازًا للدِّين.
* * *
(١٠٧) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الكفر بعد الإيمان أو الوعيد ﴿بِأَنَّهُمُ﴾: بسبب أنَّهم ﴿اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾: آثروها عليها.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: وبأنَ الله لا يهدي إلى الإيمان مَن حَقَّتْ عليه الضَّلالة، وعَلِمَ منهم الكُفْرَ؛ فإنَّ هذا هو السَّبب الحقيقيُّ، والأوَّل هو السبَّبُ العادي.
* * *
(١٠٨) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٢٧٥)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٣/ ٢٤٩)، والحاكم في "المستدرك" (٣٣٦٢)، وصححه.
[ ٦ / ١٠٠ ]
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: الكاملون في الغَفلة، الذين لا أحدَ أغفلُ منهم؛ لأن غاية الغفلة ومنتهاها: الغفلةُ عن تدبُّر العواقب.
* * *
(١٠٩) - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿لَا جَرَمَ﴾ قد سبق تفسيره (^١).
﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: البالغون في الخسران؛ إذ ضيَّعوا أعمارهم وصرَفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلّد.
* * *
(١١٠) - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ بالولاية والنَّصر ﴿مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾؛ أي: عُذِّبوا، كعمار ﵁. ﴿ثُمَّ﴾ مستعارٌ لتباعُد حال هؤلاء عن حال أولئك.
﴿ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ على الجهاد وما أصابهم على المشاقِّ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾: من بعد الهجرة والجهاد والصَّبر ﴿لَغَفُورٌ﴾ لما فعلوا قبلُ ﴿رَحِيمٌ﴾ يُنعم عليهم، مجازاةً على ما صنعوا بعدُ.
* * *
_________________
(١) عند تفسير الآية (٢٢) من سورة هود، وعند تفسير الآية (٢٣) من هذه السورة.
[ ٦ / ١٠١ ]
(١١١) - ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ منصوب بـ ﴿رَحِيمٌ﴾، أو بـ (اذكر).
﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾: عن ذاتها؛ أي: كلُّ شخصٍ يسعى (^١) في خلاص نفسه لا يهمُّه شأنُ غيرِه، كلٌّ يقولُ: نفسي نفسي.
والمراد بالمجادلة: الاعتذارُ عنها بمثل قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾: جزاءَ ما عملَتْ.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: لا يُعاقَبون بغير ذنبٍ، وأمَّا نقص الأجر فلا احتمالَ له بعد التَّوفية.
* * *
(١١٢) - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ جعل اللهُ قريةً هذه صفتُها مثلًا لكلِّ قومٍ أنعمَ الله عليهم فأبطرتْهم النّعمة فكفروا فأبدلهم الله بالنِّعمة نقمةً، أو لمكَّةَ خاصَّة.
﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾: لا يزعجُ أهلَها خوفٌ.
﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا﴾: أقواتُها ﴿رَغَدًا﴾: واسعًا.
_________________
(١) "يسعى" من (م).
[ ٦ / ١٠٢ ]
﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ من نواحيها، ولفظة: ﴿كُلِّ﴾ للتَّكثير.
﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾: بنِعَمه، جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتَّاء، كدِرْعٍ وأَدْرُعٍ، أو جمع نُعْم، كبُؤْسٍ وأَبْؤُسٍ.
واختيار جمع القلَّة للتَّنبيه بالأدنى على الأعلى؛ يعني أنَّ كفران النِّعَم القليلة لَمَّا أوجبَ العذاب فكفرانُ النِّعَم الكثيرة أولى به (^١).
﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ لَمَّا تقدَّم ذِكْرُ الأمنِ وإيتاءِ (^٢) الرِّزق قابلَهما بالجوع النَّاشئ عن انقطاع الرِّزق، وبالخوف، وقدَّم الجوع لِيَلِي المتأخِّرَ - وهو إتيانُ الرِّزق - كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
والإذاقة استُعيرت (^٣) للإصابة، وإنَّما أوثرت عليها للدِّلالة على شدَّة التَّأثير التي تَفوت لو استعملَتِ الإصابة، والعلاقة: المشابهة بين المدرَك من أثر الضَّرر، والمدرَك من طعم المرِّ والبَشِع (^٤).
واللِّباس استُعير لِمَا غَشِيَ الإنسان من أثر الجوع والخوف، وهو ضررهُما، فالغاشي هو الضَّرر لا الجوع والخوف، وإلَّا لكان ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ تشبيهًا على حَدِّ:
_________________
(١) "به ": ليست في (م).
(٢) "إيتاء" سقط من (ك).
(٣) في (ف): "وحصر الإذاقة استعير"، وفي (ك): "وحصر الإذاقة استعيرت ".
(٤) في (ك): "والشبع "، وهو تحريف، والمثبت من (ف) و(م)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٢/ ٦٣٩). وفي غيره: (المر البشع) بلا عاطف. انظر: "تفسير أبي السعود" (٥/ ١٤٥)، و"حاشية الشهاب" (٥/ ٣٧٣)، و"روح المعاني" (١٤/ ٣٢٢).
[ ٦ / ١٠٣ ]
لُجين الماء (^١)، وحينئذ يتبيَّن وجه إيقاع الإذاقة على اللَّباس، إذ المعنى: فأذاقهم ما غشيَهم من ضرر الجوع والخوف.
وبهذا التَّقرير ظهر وجه إيثار التَّجريد على التَّرشيح؛ لأنَّ الإذاقة تفيد ما لا تفيد الكسوة من زيادة التَّأثير الموجبة لقوَّة الإدراك، وأمَّا إيثار اللِّباس على الطَّعم فللدِّلالة على الشُّمول، وهذا أولى مِن حمل اللِّباسِ على انتقاع اللَّون ورثاثة الهيئة اللَّازمين للجوع والخوف؛ إذ حينئذٍ تكون الإصابةُ أبلغَ موقعًا (^٢).
قرئ: (والخوفَ) بالنَّصب (^٣)؛ عطفًا على ﴿لِبَاسَ﴾، أو على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ أي: ولباس الخوف.
﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: بصنيعهم الذي استمرُّوا عليه، جرى هاهنا على ما هو المراد من القرية، وفيما تقدَّم على ظاهره (^٤).
* * *
(١١٣) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
_________________
(١) أي: أذاقها الله الجوعَ الذي هو في الإحاطة كاللباس، ومثله ما قيل في: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾؛ أي: فصب عليهم ربك عذابًا كالسوط، على معنى: أنواعًا من العذاب مخلوطًا بعضُها ببعض اختلاط طافات السوط بعضها ببعض. انظر: "روح المعاني" (١٤/ ٣٢٣).
(٢) أي: إذا حمل اللباس على رثاثة الهيئة، وتغير اللون اللازمين للجوع والخوف - كما ذهب إليه السكاكي في "مفتاح العلوم" (ص: ٣٧٨) - لا يحسن حينئذ موقع الإذاقة، وتكون الإصابة أبلغ موقعًا، يعني أنه حينئذ استعارة محسوس لمحسوس مثله فتفوت المبالغة التي اختير لأجلها الإذاقة. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ٣٧٤)، و"روح المعاني" (١٤/ ٣٢٣).
(٣) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٢٧)، و"البحر المحيط" (١٣/ ٤٧٨).
(٤) في (م): "على ظاهر المجاز".
[ ٦ / ١٠٤ ]
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ يعني: محمَّدًا ﵇، والضَّمير لأهل مكَةَ، عادَ إلى ذكرهم بعدما ذكرَ مَثلَهم.
﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾: ما أصاب مِنَ الجَدْب الشَّديد، أو ضرب الحديد في حرب بدر.
﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾: في حال التباسهم بالظُّلم.
* * *
(١١٤) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ أمرهم بأكل ما أَحلَّ لهم، وشُكر ما أَنعم عليهم، بعدما زجرهم عن الكفر، وهدَّد عليه (^١) بما ذكر مِنَ التَّمثيل والعذاب الذي حلَّ بهم، صدًّا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبهم الفاسدة.
ومعنى الفاء في ﴿فَكُلُوا﴾: التَّسبيب، أي: إذا نُبِّهْتُم على سوءِ صنيعِ أهلِ القريةِ ووَخامةِ عاقبتِهم، وذُكِّرْتُم بالتَّمثيلِ، فاعتبِروا بحالِهم، وخذوا بضدِّ ما أنتم عليه من طريق الجاهلية، كيلا يحلَّ بكم مثلَ ما حلَّ بهم.
وجُعل هذا الوصل ذريعةً إلى ما رُتِّبَ عليه مِن تعداد نوعٍ آخرَ من قبائحهم.
وقد سبق في تفسير سورة البقرة ما يتعلَّق بهذا الكلام من وجوه الإعراب، وما في قوله: ﴿طَيِّبًا﴾ من الفائدة الزَّائدة.
﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ إضافة النِّعمة إليه تعالى للتَّشريف، فإنَّ عبادته لا
_________________
(١) في (ك) و(م): "عليهم ".
[ ٦ / ١٠٥ ]
تَتمُّ إلَّا بالشُّكر على نعمه، فلا وجهَ لِمَا قيل: إنْ صَحَّ زعمُكم أنَّكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادتَه؛ لأنَّ مبناه على اعتبار التَّخصيص في الشَّرط المذكور.
﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وتقديم المفعول لمحافظة الفاصلة؛ إذ لا دخل لمعنى التَّخصيص في التَّعليق.
* * *
(١١٥) - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة وسورة الأنعام.
لَمَّا أمرهم بتناول ما أحلَّ لهم عدَّد عليهم حرماته (^١)؛ ليعلموا أنَّ ما عدَاها حِلٌّ لهم، ثمَّ أكَّد ذلك بالنَّهي عن التَّحريم والتَّحليل بأهوائهم فقال:
(١١٦) - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ كما قالوا: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٣٩].
ومقتضى سياق الكلام وتصدير الجملة بـ ﴿إنَّمَا﴾ حصرُ المحرَّمات في الأجناس الأربعة وقتَ نزول تلك الآية (^٢).
_________________
(١) في (ف): "حرمانه ".
(٢) في هامش (ف): "وأما الاستثناء الذي ذكره القاضي بقوله: إلا ما ضم إليها، فلا دخول له في=
[ ٦ / ١٠٦ ]
وانتصاب ﴿الْكَذِبَ﴾ بـ ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾، و﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ بدلٌ منه، أو متعلِّق بـ ﴿تَصِفُ﴾ على إرادة القول؛ أي: ولا تقولوا الكذبَ لِمَا تصف ألسنتكم فتقول هذا حرام وهذا حلال، أو مفعول ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾، و﴿الْكَذِبَ﴾ منتصِب بـ ﴿تَصِفُ﴾، و﴿مَا﴾ مصدرَّية، أي: ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب؛ أي: لا تحرِّموا ولا تحلُّوا بمجرَّد قولٍ تنطق به ألسنتكم من غير دليلٍ.
وفي نصب ﴿الْكَذِبَ﴾ بوصف الألسنة نوعٌ من المبالغة بديعٌ، ووجهٌ من الفصاحة جميل، ومبالغةٌ في وصف كلامهم بالكذب عظيمةٌ، وهو أنَّه جُعل كأنَّه نفسُ الكذب وحقيقتُه، وكانت مجهولةً فعرَّفته (^١) ألسنتهم بوصفها وحِلْيتها، وبيَّنه بكلامهم هذا، كقولهم: وجهُها يصفُ الجمالَ، وعينُها تصف السِّحر.
ورُدَّ هذا الوجه الأخير بأنَّ النُّحاة نصُّوا على أنَّ المصدر المنسبك مِنْ (أنْ) والفعل لا يُنعت، لا يقال: لا يعجبني أن تخرج السريعُ (^٢)، ولا فرقَ بين هذا وباقي الحروف المصدريَّة.
وقرئ: (الكَذِبِ) بالجرِّ بدلًا من ﴿مَا﴾، و: (الكُذُبَ) جمع كذوب أو كِذَاب،
_________________
(١) = المقتضى المذكور، كما لا يخفى. منه".
(٢) كذا في النسخ: "فعرفته"، ولعل الصواب: (فعرفتها).
(٣) أي: خروجك السريع، وكانت العبارة في النسخ: "لا تعجبين أن يخرج السريع "، والمثبت مستفاد من كلام أبي حيان الذي يظهر أن المؤلف نفل منه، ولفظه: ولا يُوجَدُ مِن كلامهم: يُعجبُني أنْ قُمْتَ السَّريعَ، يريد قيامُكَ السَّريعُ، ولا: عَجِبْتُ مِن أنْ تَخرجَ السَّريعَ؛ أي: من خروجكَ السَّريعِ. انظر "البحر المحيط" (١٣/ ٤٨٠).
[ ٦ / ١٠٧ ]
بالرفع (^١) صفة للألسنة، وبالنَّصب على الذَّم، أو بمعنى: الكَلِم [الكواذب] أو هو جمع] الكِذَاب (^٢).
﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ تعليلٌ لا يتضمَّن الغرض.
لَمَّا كان المفتري يفتري لتحصيل مطلوبٍ نفى عنهم الفوز بقوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾: لا يُجدي عليهم افتراؤهم شيئًا. ثمَّ بيَّنه بقوله:
(١١٧) - ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾؛ أي: منفعتُهم، فمَا (^٣) هم فيه من الأفعال الجاهليَّة والتَّحريم والتَّحليل منفعةٌ قليلةٌ تنقطع عن قريبٍ.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.
* * *
(١١٨) - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾؛ أي: في سورة الأنعام، في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الخ [الأنعام: ١٤٦].
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلِّق بـ ﴿قَصَصْنَا﴾، أو بـ ﴿حَرَّمْنَا﴾.
_________________
(١) في النسخ: "وبالرفع" بالواو، وهو خطأ، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٦٤١).
(٢) انظر القراءات السابقة في "الكشاف" (٢/ ٦٤١) والكلام وما سيأتي بين معكوفتين منه، "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٢٩)، و"البحر المحيط" (١٣/ ٤٨٠).
(٣) في (م): "فيما"، وفي هامشها: "فما".
[ ٦ / ١٠٨ ]
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بالتَّحريم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فحرَّمنا عليهم ببغيهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ [النساء: ١٦٠].
وفيه تنبيهٌ على الفرق بينهم وبين غيرهم في التَّحريم، وأنَّه كما يكون للمضرَّة يكون للعقوبة.
* * *
(١١٩) - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ﴾ يعمُّ الافتراء على الله تعالى وغيرَه.
﴿بِجَهَالَةٍ﴾: بسببها، أو ملْتبِسين بها، وتنكيرُها للإبهام، فتشمل عدم العلم بالله تعالى وصفاته، وعقابه وثوابه، وعدمَ التَّدبُّر للعواقب بسبب الغفلة اللَّازمة للانهماك في الشَّهوات، ومتابعةِ الهوى في طلب اللَّذات.
﴿ثُمَّ تَابُوا﴾ قد دلَّ ﴿ثُمَّ﴾ بالتَّراخي، إلَّا أنَّها قد تُستعار للتَّراخي في الرُّتبة، ولهذا زاد قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ السُّوء.
﴿وَأَصْلَحُوا﴾؛ أي: تابَ عنه وندم عليه وعزم أن لا يعود (^١) إليه (^٢)، وأصلح العمل في المستأنف.
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾: مِن بعد التَّوبة، وأمَّا الإصلاح فهو تكميل للتَّوبة لا أنَّها شيء آخر، ولهذا لم يذكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٧].
_________________
(١) في النسخ: "يعودها"، والصَّواب المثبت.
(٢) "إليه" زيادة من (م).
[ ٦ / ١٠٩ ]
وإنَّما أعيد ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ على سبيل التَّأكيد؛ لطول الكلام ووقوع الفصل.
﴿لَغَفُورٌ﴾ لذلك السُّوء ﴿رَحِيمٌ﴾: يثيب على الإنابة المستتبِعة للعمل الصالح.
* * *
(١٢٠) - ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾؛ أي: كان وحده أمَّة؛ لحصول الكمالات والفضائل التي لا تكون إلَّا متفرعة في أمَّة كثيرة مجموعةٍ فيه:
ليسَ من اللهِ بِمُسْتَنْكَرٍ … أنْ يَجْمَعَ العَالَمَ في وَاحِدِ (^١)
وهو رئيس الموحِّدين، وقدوة المحقِّقين، جادل فِرَقَ المشركين، وأبطل مذاهبهم الزَّائغة بالحُجَج الدَّامغة، ولذلك عقّب ذكره بتزييف مذاهب المشركين مِنَ الشِّرك والطَّعن في النُّبوَّة، وتحريم ما أحلَّه الله تعالى، أو لأنَّه ﵇ كان وحده مؤمنًا وسائر النَّاس كفارًا.
وقيل: هي فُعلة بمعنى مفعول، كالرُّحلة والنُّخبة (^٢)، مِن أَمَّهَ: إذا قصده أو اقتدى به، فإنَّ النَّاس كانوا يؤمُّونه للاستفادة ويقتدون بسيرته، كقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤].
﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾: مطيعًا له، قائمًا بأمره.
﴿حَنِيفًا﴾: مائلًا عن كلِّ ذي باطلٍ، مائلًا إلى دين الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧].
_________________
(١) البيت لأبي نواس. انظر "ديوانه" (ص: ٢١٨)، و"البحر المحيط" (١٣/ ٤٨٥)، وفيهما: (وليس لله …).
(٢) الرُّحلة: المرحول إليه، والنُّخبة: المنتخَب. انظر: "روح المعاني" (١٤/ ٣٣٥).
[ ٦ / ١١٠ ]
﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: لم يكُ مِنْ عِدادهم، وهذا في سياق النَّفي أبلغ من: لم يشرك، والمراد: استمرار النَّفي، لا نفيُ الاستمرار، فمفهوم (كان) مُقدَّم على مفهوم (لم) في الاعتبار.
وإنما نفى عنه ﵇ الشِّرك على أبلغ وجه تكذيبًا لكفار قريش في زعمهم أنهم على ملَّة أبيهم (^١) إبراهيم ﵇، وترغيبًا لهم إلى التَّوحيد ودين الإسلام.
* * *
(١٢١) - ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿شَاكِرًا﴾ يجوز أن يكون خبرًا ثالثًا، أو حالًا من أحد الضَّميرين في ﴿قَانِتًا﴾ و﴿حَنِيفًا﴾.
﴿لِأَنْعُمِهِ﴾ إنما جاء بلفظ القِلَّة للتَّنبيه على أنَّه ﵇ كان لا يُخِلُّ بشكر النِّعَمِ القليلة فكيف بالكثيرة؟!
هذا ما بحسَب جليل النَّظر، والذي هو بحسب دقيقه: أنَّه للتَّنبيه على صعوبة مقام الشُّكر لكلِّها (^٢) بالإشارة إلى عجز البشر، وذلك أنَّه عيه السلام - مع جلالة قدْره - لَمَّا كان قاصرًا (^٣) عن شكر النِّعَم الكثيرة (^٤)، فغيرُه أولى بالقصور عنه.
وإنَّما قلنا: (إنه لَمَّا كان قاصرًا) لأنَّ المقام مقام مدحه بما كان فيه من
_________________
(١) "أبيهم "من (م).
(٢) "لكلها"من (م).
(٣) "وذلك أنه عيه السلام مع جلالة قدره لما كان قاصرًا" من (م).
(٤) في (ف): "عن الشكر للنعم الكثير"، وفي (ك): "عن شكر النعم للكثير".
[ ٦ / ١١١ ]
الأوصاف الكاملةْ، فلولا القصور عنه لكان المذكور على صيغة جمع (^١) الكثرة.
﴿اجْتَبَاهُ﴾: اختاره واختصَّه لنفسه، والاجتباء هو أن يأخذ الشَّيءَ بالكليَّة، وأصله: جمع الماء في الحوض، وهو الجابية (^٢)، حال أو خبر آخَر لـ ﴿كَانَ﴾.
﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أرشده إلى طريقِ الحقِّ.
* * *
(١٢٢) - ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ هي (^٣) اسمٌ جامعٌ لكلِّ حالٍ (^٤) جميلةٍ، فيتناول كلَّ خصائصه المذكورة في النُّصوص؛ من الرِّسالة والخُلَّة واللِّسان الصِّدق (^٥) وغير ذلك.
والعدولُ من الغيبة إلى التُّكلُّم للالتفات؛ تعظيمًا لشأنه، وتفخيمًا لما أعطاه.
﴿فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: المستحقِّين لكلِّ منزلةٍ رفيعةٍ ودرجةٍ عالية في الجنَّة، لم يقل: (وجعلناه في الآخرة من الصَّالحين) تنبيهًا على أنَّه آثر ذلك الإيتاء إلى أمرٍ آخر، فتدبَّر.
* * *
_________________
(١) "جمع "سقط من (ف).
(٢) في (ف): "الخابية".
(٣) في (ف) و(ك): "من".
(٤) في (ك) و(م): "حالة".
(٥) في (ف): "والصدق".
[ ٦ / ١١٢ ]
(١٢٣) - ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الخطاب لنبيِّنا ﷺ، وفيه إشارة إلى أنَّ مِن أَجَلِّ ما أوتي خليلُ الله صلوات الله عليه، وأَشْرَفِ ما أُولي مِنَ النِّعمة والكرامةِ: اتِّباعُ رسولِ اللهِ ﷺ مِلَّتَه؛ لأنَّه (^١) من جهة أنَّ ﴿ثُمَّ﴾ دلَّت على تباعُد هذا النَّعت في المرتبة عن سائر النُّعوت الَّتي أثنى الله بها عليه، وفيها من تعظيم منزلة رسول الله ﷺ وإجلال محلّه ما لا يخفى على الفَطِن.
وفي لفظ: ﴿أَوْحَيْنَا﴾، ثم الأمرِ باتَباع الملَّة لا اتِّباعِ (^٢) إبراهيم ﵇ ما يدلُّ على أنَّه ﵇ ليس بتابعٍ له، بل هو مستقلّ بالأخذ عمَّن أخذ إبراهيمُ ﵇ عنه.
وبهذا البيان اندفع ما عسى أنْ يتبادر إلى الوهم مِنْ أنَّه ﵇ كان دون إبراهيم ﵇، ولذلك أُمِرَ باتِّباعه.
واتَّضح إيثار ﴿فَبِهُدَاهُمُ﴾ على: فبِهِم، في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
والمراد من الاتِّباع: الاتِّباع في أصول الدِّين لا في فروعه؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
والملَّةُ: ما شرَعه الله تعالى لعباده على لسان أنبيائه ﵈، مِن أمللْتُ الكتابَ: إذا أملَيْتَه (^٣).
_________________
(١) "لأنَّه" سقط من (ك).
(٢) في النسخ: "لاتباع"، والصواب المثبت. انظر: "روح المعاني" (١٤/ ٣٣٩)، والكلام منقول من "الكشف" كما صرح الآلوسي.
(٣) في هامش (م): "ذكره القاضي في سورة البقرة، ثم زعم هاهنا أنها بمعنى الطريقة حيث قال:=
[ ٦ / ١١٣ ]
﴿حَنِيفًا﴾ ولَمَّا كانَ التَّوصيف بالحنيف في مقام التَّعليل للأمر بالاتِّباع كانَ في معنى: فإنَّه مالَ عن الأديان الباطلة، فعطف عليه قوله:
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بل كان قدوةَ الموحِّدين.
* * *
(١٢٤) - ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾: فُرِضَ عليهم تعظيمُه والتَّخلِّي فيه للعبادة وتركِ الصَّيد.
﴿السَّبْتُ﴾: مصدر سبَتَتِ (^١) اليهود: إذا عظَّمَتْ سَبْتَها.
﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: على نبيِّهم، وذلك أنَّ موسى ﵇ أمرهم أن يتفرَّغوا للعبادة يوم الجمعة، فأبوا وقالوا: نريد يوم السَّبت الذي فرغَ الله تعالى فيه من خلق السَّماوات والأرض، إلَّا شرذمةً منهم قد رضوا بالجمعة، فذلك اختلافهم في السَّبت، فألزمهم الله تعالى السَّبت، وشدَّد الأمر عليهم، وذكَرهم هاهنا لتهديد المشركين، كذكر القرية التي كفرَتْ بأنعم الله تعالى.
﴿رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ أي: يحكم للمحِقَين بالثَّواب، وللمبطِلين بالعقاب؛ تمييزًا بينهم، وفصلًا لخصومتهم في محلِّ الاختلاف، وهذا ظاهر في أنَّ الاختلاف إنَّما كان بين العاصين والمطيعين، ويشهد لذلك ما في
_________________
(١) = [﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾]، في التوحيد والدعوة إليه بالرفق، منه ". وانظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٤٤)، وما بين معكوفتين منه للتوضيح.
(٢) في النسخ: "سبت". والمثبت من "الكشاف" (٢/ ١٧١).
[ ٦ / ١١٤ ]
(سورة الأعراف) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٤].
فلا وجه لما قيل: معناه: إنَّما جعل وَبالُ السَّبت، وهو المسخ على الذين اختلفوا فأحلُّوا الصَّيد تارة وحرَّموه أخرى واحتالوا الحيل.
* * *
(١٢٥) - ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
﴿ادْعُ﴾ حذف المفعول للتَّعميم، وفيه الإشارة إلى البعثة (^١) العامَّة، والتَّنبيهُ على فضله ﵇ على مَن تقدَّمه مِنَ الرُّسل، وفيه تأييدٌ للتَّدارك السَّالف ذكرُه.
﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾: إلى الإسلام.
﴿بِالْحِكْمَةِ﴾: بالمقابَلة المحكمَة، وهو الدَّليل القاطع الموضِّح للحقَ، المزيل للشبهة.
﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾: بالخطابيَّات (^٢) الإقناعيَّة، والعِبَر النَّافعة، على وجهٍ لا يخفى عليهم أنَّكَ تُناصحهم وتقصد ما ينفعهم.
والأُوْلَى لدعوة خواصِّ الأمَّة الطَّالبين للحقائق، والثَّانية لدعوة عوامِّهم.
﴿وَجَادِلْهُمْ﴾: وجادل معانديهم ﴿بِالَّتِي هِيَ﴾: بالطَّريقة التي هي ﴿أَحْسَنُ إ﴾ طرقِ المجادلة؛ من الرِّفق واللِّين، واختيارِ الوجه الأيسر والطَّريق الأشهر، فإنَّ ذلك أشدُّ تسكينًا لشغبهم (^٣)، وتليينًا لعريكتهم.
_________________
(١) في (ك) و(م): "بعثته".
(٢) في (ك): "بالخطابات".
(٣) في (ف): "أشد تسكينًا لسعيهم "، وفي (ك) "أشد لشغبهم "، وفي (م): "أشد لسعيهم". والصواب المثبت.
[ ٦ / ١١٥ ]
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾؛ أي: ما عليك إلَّا الدَّعوةُ بهذه الطُّرق، وأمَّا الهدايةُ والمجازاة فليسا إليك؛ فإنَّ الله أعلم بهم، فمَن هديتُه كفاه القدْرُ اليسير من الحكمة إن كان مستعدًّا لها، والموعظة إن كان قائلًا غير منكِرٍ، والجدل الحسن الرَّقيق (^١) إن (^٢) كان منكرًا منصفًا (^٣)، فلا حيلة في هدايته إن (^٤) كان معاندًا، فكِلْ أمرَه إلى مَن هو أعلم به فإنَّه يجازيه.
وإنَّما قدَّم الضَّالَّ؛ لأنَّ الكلامَ واردٌ فيهم، والخطابَ دائرٌ معهم، وذكرَ مقابله بصيغة الفاعل؛ لأنَّ الدَّوام والثَّبات يناسب حاله.
* * *
(١٢٦) - ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ لَمَّا أمره ﵇ بالدَّعوة، وبَيَّن له طرقها، أشار إليه وإلى مَن تابعه بمراعاة الحقِّ مع الخلق، وملازمةِ طريق العدالة مع مَن يناصبهم؛ لأنَّ الدَّعوة لا تخلو عن المناداة (^٥) والمناصبة، من حيث إنها ترفع العادات وتبعث على رفض (^٦) المألوفات، وتقدح (^٧) في الأديان والمعتقدات، وتحكم على أهلها بالكفر والضَّلال.
_________________
(١) في (ك) و(م): "الدقيق".
(٢) في (ف) و(ك): "وإن".
(٣) "منصفًا" من (م).
(٤) في (ف) و(م): "وإن".
(٥) في (ف): "المنادات"، ولعل الصواب: "المعاداة".
(٦) في (م): "رفع" وسقطت من باقي النسخ، والصواب المثبت. انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٤٥).
(٧) كلمة غير واضحة في (ك) و(م)، والمثبت من (ف) وهو الصواب. انظر المصدر السابق.
[ ٦ / ١١٦ ]
روي أنَّ المشركين مثَّلوا بالمسلمين يوم أُحُد، ووقف رسول الله ﷺ على حمزة ﵁ وقد مُثِّل به، فقال: "أمَا والذي أحلف به، لئن أظفرني الله بهم لأمثلنَّ بسبعين مكانك"، فنزلَتْ، فكفَّر عن يمينه (^١).
وفيه أمر رخصةٍ في المُثْلَة بواحد، ثم نُسِخَتْ المثلة.
وفيه حثّ على العفو؛ تعريضًا بقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾، وتصريحًا على الوجه الآكد بقوله:
﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ﴾، أي: الصبر ﴿خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ من الانتقام للمنتقمين.
ويجوز أن يرجع الضَّمير إلى صبرهم (^٢)، ويرادَ بالصَّابرين: المخاطبون؛ أي: ولئن صبرتم لَصَبرُكم خيرٌ لكم، فوُضِعَ الصَّابرون موضعَ الضَّمير؛ ثناءً من الله تعالى عليهم بأنهم صابرون في الشَّدائد، وفيه إرشاد إلى أنَّه إنْ صبرتم فهو شيمتُكم (^٣) المعروفة.
وفيه ترغيب في الصَّبر بالغٌ (^٤)، ثمَّ صرَّح الأمرَ به لرسوله ﵇؛ لأنَّه أولى النَّاس به لزيادة علمه تعالى ووثوقه عليه، فقال:
_________________
(١) روى نحوه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ١٨٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١١٠٥١)، والدارقطني في "سننه" (٤/ ١١٦)، من حديث ابن عباس ﵄. وفيه كلام. وروى نحوه أيضًا الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٩٣٧)، والحاكم في "المستدرك" (٤٨٩٤)، من حديث أبي هريرة ﵁. قال الذهبي: فيه صالح المري واهٍ. وانظر: "الكاف الشاف" (ص: ٩٧)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٤٧٧).
(٢) في (ف) و(ك): "صبرتم".
(٣) في (ف): "سمتكم"، وفي (ك): "شكيمتكم ".
(٤) في (م): "بأبلغ ".
[ ٦ / ١١٧ ]
(١٢٧) - ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.
﴿وَاصْبِرْ﴾ ولَمَّا كان الصَّبر في هذا المقام شديدًا شاقًّا ذكر بعده ما يفيد سهولته فقال:
﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾: إلا بتو فيقه ومعونته.
ولَمَّا ذكر هذا السَّبب الكلِّي الأصلَ (^١) في حصول جميع الطَّاعات، ذكر بعده ما هو السَّبب الجزئي القريب فقال:
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ وذلك لأنَّ الإقدام على الانتقام لا يكون إلَّا عند هيجان الغضب، وهو إمَّا لفوات نفعٍ كان حاصلًا في الماضي، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: على قتلى أحد؛ أي: ولا تحزن بفوات أولئك الأصدقاء، أو على إعراض الكافرين عنك، وإمَّا لتوقُّع ضررٍ في المستقبل، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: في ضيق صَدْرٍ مِنْ مَكرهم.
* * *
(١٢٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ للمعاصي، ويدخل فيها دخولًا أوَّليًّا استيفاءُ الزِّيادة ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ في أعمالهم، بالولاية والفضل.
_________________
(١) في (ف): "الأصلي". وفي (ك): (الأصيل).
[ ٦ / ١١٨ ]
ويدخل فيها دخولًا أوَّليًّا ترك الانتقام، فكأنَّه قال: إن أردْتَ أن أكون معك بالفضل والرَّحمة والتَّربية فكنْ من المتَّقين المحسنين.
وقيل: الأوَّل (^١) إشارة إلى التَّعظيم لأمر الله، والثَّاني إلى الشَّفقة على خلق الله.
* * *
_________________
(١) في (م): "الأولى".
[ ٦ / ١١٩ ]