﷽
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابٌ عامّ يتناول الموجودين في زمان الخطاب ومَن بعدَهم (^١) دون المنقرِضين.
﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ في مخالفة أمره ونهيه.
﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني: آدمَ ﵇، ترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لِمَا فيها من الدلالة على أن (^٢) قدرته تعالى على إهلاكهم وإنشاءِ خَلْقٍ آخَرين (^٣) على أسهل وجه، لا (^٤) لِمَا فيها من الدلالة على القدرة العظيمة، وإلا لكان خلقُ السماوات والأرض أحقَّ بالذِّكر.
وما في ذكر الربِّ من الإشارة إلى نعمة التربية الموجبةِ للطاعة لتضمين الترهيب معنى الترغيب.
_________________
(١) في (م): "بعده".
(٢) "أن ": ليست في (م).
(٣) في (م): "آخر".
(٤) "لا": ليست في (م).
[ ٣ / ٧ ]
﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني: حوَّاءَ، خلقها من ضِلَعٍ من أضلاع آدم ﵇.
بيانُ خَلْقهم من نفسٍ واحدة على وجه الاستئناف؛ كأنه قيل: إنهم خُلقوا من ذكرٍ وأنثى لا من ذكَرٍ وحده؟ فأُجيب بأن تلك الأنثى قد خُلقت منه، فالواو استئنافيةٌ لا عاطفة؛ لِمَا عرفتَ أن مدخولها مقرِّر ومبيِّنٌ لِمَا تقدم، والعاطف لا يَتخلَّل بين الشيء ومقرِّره.
وعلى تقدير العطف على محذوفٍ - أي: خلَقها وخلَق منها زوجها - يندفع المحذور (^١) المذكورُ، إلا أنه لا دخل للمقدَّر في تقريرِ ما ذُكر، ومن شرائط البلاغة تجريدُ الكلام عمَّا لا يقتضيه المقام (^٢).
﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾؛ أي؛ نشر (^٣) من النَّفْسين المذكورَين من جهة التناسُل والتوالُد، أراد بيانَ كيفية توالُدهم ولذلك قال (^٤):
﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ دون: ذكورًا كثيرًا وإناثًا، ومَن لم يتفطَّن لهذه الدقيقة الأنيقة قال في تفسيره: بناتٍ وبنينَ كثيرةً (^٥).
وذكِّر ﴿كَثِيرًا﴾ حفلًا على معنى الجمع، وحُذف وصف النساء لدلالة وصفِ قرينِها (^٦) عليه.
_________________
(١) " المحذور ": من (م).
(٢) في هامش (ح) و(ف) و(م): "رد لصاحب الكشاف ". زاد في (م): "والقاضي ".
(٣) في (ح): "نثر".
(٤) "أراد بيان كيفية توالدهم ولذلك قال" من (ك) و(م)، ووقعت في (ح) و(ف) قبل كلمة "الدقيقة" الآتية، وهو خطأ ظاهر.
(٥) في هامش (ح) و(ف): "رد للقاضي ". وفي هامش (م): "رد للبيضاوي ".
(٦) في (ح) و(ف): "قرينتها". وسقطت كلمة "وصف" من (ف)، وفي هامشها: "وأما ما قيل: إن=
[ ٣ / ٨ ]
وقُرئ: (وخالق … وباثٌّ) (^١) على حذف مبتدأ، تقديره: وهو خالقٌ وباثٌّ.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾؛ أي: يسأل بعضكم بعضًا به، فيقول: أسألك بالله.
أو: تسألون غيرَكم، فجيء بـ (تَفَّاعَلُون) (^٢) موضع (تَفْعلون) للكثرة، وَيعضُده قراءة: (تَسْألون) (^٣).
وأصله: تتساءلون، فأُدغمت التاء الثانية في السين، وقُرئ بطرحها (^٤).
﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب عطفٌ على محلِّ الجارِّ والمجرور، وينصره قراءة: (تَسْألون به وبالأرحام) (^٥)، أو على ﴿اللَّهَ﴾؛ أي: اتَّقوا الله واتَّقوا الأرحام فصِلوها ولا تقطعوها.
وقرئ بالجر عطفًا على الضمير المجرور (^٦).
وما ذهب إليه البصريون من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارِّ، والضعفِ في إضماره، يردُّه هذه القراءةُ الثابتة بالتواتر، فإنها مما
_________________
(١) = الحكمة تقتضي أن يكون الرجال أكثر فوجهه غير ظاهر. منه".
(٢) تنسب لخالد الحذاء. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٤).
(٣) في النسخ عدا (ف): "فجيء يتفاعلون "، والمثبت من (ف).
(٤) تنسب لابن مسعود والأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٤).
(٥) أي: ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ بتخفيف السين، وهي قراءة عاصم وحمزة والكسَائِي، وقرأ باقي السبعة بتشديد السين. انظر: "التيسير" (ص: ٩٣). وانظر كذلك: "الكشاف" (١/ ٤٦٢)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٥٨).
(٦) تنسب لابن مسعود والأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٤).
(٧) وهي قراءة حمزة. انظر: "التيسير" (ص: ٩٣).
[ ٣ / ٩ ]
يُحتج به لا مما يُحتج عليه، إلا عند مَن لا اعتماد له على القراءات الثابتة ولا اعتداد لزعمه الفاسد (^١).
وقرئ: بالرفع على أنه مبتدأٌ محذوف الخبر (^٢)، تقديره: والأرحامُ كذلك؛ أي: مما يُتَّقَى، أو مما يُتساءل به.
وقد نبَّه تعالى إذ قَرن الأرحام باسمه على أن صلتها بمكانٍ منه (^٣)، وعنه ﵇: "الرحم معلَّقةٌ بالعرش تقول: ألَا مَن وَصَلني وَصَلَه اللهُ، ومَن قَطَعَني قَطَعَه الله" (^٤).
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾: حافظًا مطَّلعًا.
* * *
(٢) - ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾.
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ كما بلَغوا إنْ أُونس منهم الرُّشدُ، ولذلك أَمر بابتلائهم صغارًا، واليتامى: جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه، مِن اليتم وهو الانفراد - ومنه: الدُّرَّة اليتيمة، إذا انفَردت في صَدَفها - إمَّا على أنه لمَّا جرى مجرى الأسماء كفارسٍ وصاحبٍ جُمع على يتائم ثم قُلب فقيل: يتامى، أو على أنه
_________________
(١) يعرض بالزمخشري الذي ردها. انظر: "الكشاف" (١/ ٤٦٢)، وقد تأثر كثيرون بكلام الزمخشري منهم البيضاوي فضعفها. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٥٨).
(٢) انظر: "المحتسب" (١/ ١٧٩).
(٣) "منه "ليست في (ح) و(ف).
(٤) رواه البخاري (٥٩٨٩)، ومسلم (٢٥٥٥)، من حديث عائشة ﵂.
[ ٣ / ١٠ ]
جُمع على يَتْمَى كأسرى لأنَّه من باب الآفات، ثم جُمع (^١) يَتْمَى على يتامى؛ كأسرى وأَسارى.
وحقُّ هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار؛ لبقاء معنى الانفراد عن الآباء (^٢)، إلا أنه قد غلب أن يسمَّوا به قبل أن يبلغوا مبلَغَ الرجال، فإذا بلغوه زال عنهم هذا الاسم، وعلى وفق هذا ورد عُرفُ الشرع (^٣)، قال ﵇ (^٤): "لا يُتْمَ بعد الحُلُمِ" (^٥)، أي: لا يجري عليه أحكام اليتيم ولا يحتاج إلى الولي، والمراد في الآية البالغُ على الاتِّساع؛ لقُرب عهدهم بالصغر (^٦)، حثًا على أن تُدفع إليهم أموالهم أولَ بلوغهم قبل أن يزول عنهم هذا الاسم (^٧).
روي: أن رجلًا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخٍ له يتيمٍ، فلما بلغ طلب المال منه فمنعه، فنزلت فلمَّا سمعها العم قال: أطعنا الله ورسوله، نعوذ بالله من الحوبِ الكبير (^٨).
_________________
(١) "جمع": من (ك) و(م).
(٢) وقع بين كلمة "عن " وكلمة "الآباء" في (ح) و(ف): "اعتبار الأخذ والإعطاء من الولي بالنظر إلى حال نفسه، ومراد القائل اعتباره بالنظر إلى حال اليتيم فدائرة الرد على الفهم لا على المفهوم "، وما بين معكوفتين كلمة لم تجود.
(٣) في (م): "ورد عرف اسم الشرع "، وفي (ك): "ورد الشرع ".
(٤) في (م) و(ك): "قال النبي ﷺ ".
(٥) رواه أبو داود (٢٨٧٣) من حديث علي ﵁ مرفوعًا، وعبد الرزاق في "المصنف" (١١٤٥١) عن علي موقوفًا عليه. والمرفوع كما قال الحافظ في "التلخيص الحبير" (٣/ ١٠١): أعله العقيلي وعبد الحق وابن القطان والمنذري وغيرهم، وحسنه النووي متمسكًا بسكوت أبي داود.
(٦) في (ح) و(ف): "بالصلاة"، وهو تحريف.
(٧) في هامش (ف): "وما زاد على هذا في عبارة الكشاف فغير معتبر في زواله. منه ".
(٨) انظر: "الكشاف" (١/ ٤٦٤)، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٤٢) عن مقاتل والكلبي.
[ ٣ / ١١ ]
﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾؛ أي: لا تستبدلوا (^١) الحرام وهو مالُ اليتامى بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب (^٢)، والتفعُّل بمعنى الاستفعال كثير.
أو (^٣): ولا تأخذوا الرفيع من أموالهم، وتُعطوا الخسيس مكانه.
ورُدَّ بأنه تبديل لا تبدُّلٌ، فإن في التبدُّل وكذا في الاستبدال ما دخلتْه الباء متروكٌ، وما تعدَّى إليه الفعل بنفسه مأخوذ، وفي التبديل بالعكس.
ومبناه على اعتبار الأخذِ والإعطاء من الوليِّ بالنظر إلى حالِ نفسه، ومرادُ القائل اعتباره بالنظر إلى حال اليتيم، فدائرة الردِّ على الفهم لا على المفهوم.
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾؛ أي: لا تضمُّوها إلى أموالكم في الأكل (^٤)، فدلَّ (^٥) قوله: ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ على أن المخاطبين أغنياءُ، وذلك لأنَّه إذا كان فقيرًا يجوز أن يأكل بالمعروف، وفيه تعريضٌ بأنهم كانوا يفعلون كذلك.
وفائدةُ التقييد بالمعيَّة: الدلالةُ على غاية قبح فعلهم، حيث أكلوا أموالهم مع الغنى عنها ولم يميزوا بينها وبينها، كما هو حال البهائم، وقُصد بذلك تشهيرُ ما كانوا عليه من ارتكاب هذه الأمور القبيحة (^٦)؛ ليكون أزجرِ لهم (^٧)،
_________________
(١) في (ك): "تتبدلوا".
(٢) قوله: "الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب" من (م) و(ك).
(٣) في (ك): " قيل ". وتحرفت في (م) إلى: (قليل).
(٤) في هامش (ف): "وسائر وجوه الإنفاق تحال على الدلالة، فلا ضرورة لحمل الأكل على الإنفاق مجازًا. منه".
(٥) في (م): " ودل ".
(٦) من قوله: "وفائدة التقييد .. " إلى هنا ليس في (م) و(ك).
(٧) في هامش (ف): "وأما زيادة القبح فيه مع قطع النظر عن التعريض المذكور فلا يصلح ومنها=
[ ٣ / ١٢ ]
ولهذا عُدل عن مقتضَى الظاهر، وهو نهيُ الغنيِّ عن أكل مال اليتيم مطلَقًا.
﴿إِنَّهُ﴾ الضمير للأكل.
﴿كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾: ذنبًا عظيمًا، والحوب: مطلَقُ الإثم، قال ﵇: "ربَّ تَقبَّلْ توبَتي واغْسِلْ حَوْبَتي" (^١)؛ أي: إثمي، ولو اعتُبر فيه العِظَمُ لَمَا وُصف بالكبير (^٢)، فتدبر.
وقرئ: (حَوبًا) وهو مصدر حابَ (^٣)، وكذا: (حابًا)، وقد قُرئ به أيضًا؛ كقال قولًا وقالا (^٤).
* * *
(٣) - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ أي: إنْ خفتُم أنْ لا تعدلوا في يتامى النساء إذا تزوَّجتُم بهن.
﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فتزوَّجوا ما حلَّ لكم من غيرهن.
كان الرجل يجدُ اليتيمة لها مالٌ وجمالٌ، أو يكون (^٥) وليَّها، فيتزوَّجها ضِنًّا بها
_________________
(١) = للعدول عن مقتضى الظاهر فإن القبح في أكل الغنى مال اليتيم وجوه أريد واعتبار غنائه لا يقتضي التغيير بالوجه المذكور. منه ".
(٢) رواه الترمذي (٣٥٥١) من حديث ابن عباس ﵄ وقال: حسن صحيح.
(٣) في (م) و(ك): "بالكبر".
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٤)، و"الكشاف" (١/ ٤٦٦).
(٥) انظر: "الكشاف" (١/ ٤٦٦).
(٦) في النسخ عدا (م): "ويكون "، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٤٦٧)،=
[ ٣ / ١٣ ]
عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشرٌ منهن، فيُخاف لضعفهن وفَقْدِ مَن يغضب لهن أن يَظلمهن حقوقهنَّ ويفرِّط فيما يجب لهن، فقيل لهم: [إن خفتُم أن لا تُقسطوا في يتامى النساء فانكحوا مِن غيرهنَّ ما طاب لكم].
وإنما عبِّر عنهنَّ بـ ﴿مَا﴾ ذهابًا إلى الصفة.
وقرئ: (تَقْسِطوا) بفتح التاء (^١) على أن (لا) مزيدةٌ مثلَها في: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩]؛ أي: إن خفتُم أن تَجُوروا.
﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ منصوبةٌ على الحال من فاعل ﴿طَابَ﴾، معدولةٌ عن أعدادٍ مكرَّرة: ثنتين ثثتين وثلاثةً ثلاثةً وأربعةً أربعةً، غيرُ منصرفةٍ لوجود العدل والوصفِ، فإنها بُنيتْ صفاتٍ وإن كانت أصولها لم تُبْنَ لها (^٢).
ومعناها: الإذن في الجمع بأن ينكح ما شاء من العدد المذكور متَّفقينَ فيه ومختلفينَ (^٣)؛ كقولك: اقتسموا هذه البذرة درهمين درهمين وثلاثةً ثلاثةً، ولو أفرد كان المعنى تجويزَ الجمع بين هذه الأعداد دون التوزيع، ولو عطف ب (أو) لذهب تجويز الاختلاف في العدد.
_________________
(١) = والكلام وما سيأتي بين معكوفتين منه.
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٤)، و"الكشاف" (١/ ٤٦٦).
(٣) في هامش (ح) و(ف): "هذا هو الوجه المطابق لما نزل، والذي ذكره القاضي لا يطابقه كالاسم، وأما الوجهان الآخران المذكوران في الكشاف وتفسير القاضي فلا يخفى بعدهما. منه".
(٤) في (ح) و(ف): "مختلفين "، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٥٩). وعبارة الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٤٦٨) أكثر تفصيلًا حيث قال: (وتحريره: أنّ الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون مَن أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع، إن شاءوا مختلفين في تلك الأعداد، وإن شاءوا متفقين فيها، محظورًا عليهم ما وراء ذلك).
[ ٣ / ١٤ ]
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ فيما فوقه.
﴿فَوَاحِدَةً﴾: فالزموا - أو: فاختاروا - واحدة وذرُوا الجمع، وقرئ بالرفع (^١) على أنه فاعلُ فعلٍ محذوف أو خبره (^٢)، تقديره: فتكفيكم واحدةٌ، أو فالمَقْنَعُ واحدةٌ.
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ سوَّى بين المنكوحة الواحدة وبين الإماء مطلقًا واحدةً كانت أو متعدِّدةً بلا حصرٍ ولا تعيينِ عددٍ في التسرِّي والترخُّص، لخفَّةِ مؤنتهن، وعدمِ شرطِ العدلِ بينهنَّ لا في القَسْم ولا في العزل، ونسبة هذا المِلك إلى اليمين للفرق والتفاوُت بينه وبين مِلك اليد.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى اختيار الواحدة أو التسرِّي.
﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أقربُ من أنْ لا تميلوا فتَجُوروا، يقال: عال الميزان، إذا مال، وعال الحاكم: إذا جار.
وفسِّر بـ: أن لا تَكثُر عيالُكم، على أنه من عال الرجلُ عيالَه يَعُولهم: إذا مانهم، فعبّر عن كثرة العيال بكثرةِ المؤن على الكناية، ويؤيِّده قراءة: (أنْ لا تُعيلوا) (^٣) مِن أعال الرجل: إذا كثر عيالُه، ووجهُه على تقدير أن تكون الإشارةُ إلى التسرِّي: أن العزل يجوز، فهو مَئِنَّةُ قلَّة الولد.
* * *
_________________
(١) هي قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٤٧).
(٢) قوله: "فاعل فعل محذوف أو خبره"، كذا في النسخ، وصوابه: (فاعل محذوف أو خبره) بإسقاط كلمة (فعل) ليستقيم المعنى، وكذا جاءت العبارة على الصواب في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٥٩). ولو قال: (فاعل فعل محذوف أو خبر مبتدأ محذوف) لاستقام المعنى أيضًا.
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٤)، و"الكشاف" (١/ ٤٦٩).
[ ٣ / ١٥ ]
(٤) - ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ مهورَهنَّ، والخطابُ للأزواج، وقيل: للأولياء؛ لأنهم كانوا يأخذون مهور مَوْليَّاتهم (^١).
﴿نِحْلَةً﴾ عطية، يقال: نَحله كذا نِحْلةً ونُحْلًا: إذا أعطاه إياه عن طِيبِ نفسٍ بلا توقُّعِ عِوَضٍ، ونصبُها على المصدر لأنها في معنى الإيتاء.
وقيل: معناه: نحلةً من الله؛ أي: إعطاءً (^٢) من عنده وتفضُّلًا منه عليهن.
وقيل: ديانة، على أنه مفعولٌ له أو حالٌ من الصدقات؛ أي: دِينًا من الله مشروعًا مفروضًا.
﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ جارٍ مجرى اسم الإشارة في التذكير على ما ذكره رؤبة، وقد سبق في تفسير سورة البقرة (^٣)، كأنه قيل: عن شيء من ذلك؛ أي: ما ذكر من الصَّدُقات.
_________________
(١) بفتح الميم وتشديد الياء؛ أي: من كن في ولايتهم. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٣/ ١٠٢).
(٢) في (م) و(ك): "عطاء".
(٣) انظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، وقد جرت في هذا قصة بين أبي عبيدة ورؤبة. انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٤٤)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٦٠)، وفيه: الضمير للصداق حملًا على المعنى، أو مُجرًى مجرَى اسم الإِشارة كقول رؤبة: كأَنَّه في الجلْد تَوْليْعُ البَهَق إذ سئل فقال: أردت: كأن ذاك. وجاء في هامش (ح) و(ف): "وإنما جعل الحجة ما ذكره رؤبة لا نفس السبب لاحتمال أن يكون تذكير الضمير باعتبار الخبر، فالقاضي لم يصب في الاحتجاج بنفس البيت. منه".
[ ٣ / ١٦ ]
أو يرجع إلى ما دلَّ عليه الصَّدُقات من الصَّداق.
و﴿نَفْسًا﴾ تمييز (^١) لبيان الجنس، ولذلك وُحِّد.
والمعنى: فإن أعطين لكم من الصداق عن طيبِ نفسٍ، لكنْ جَعَل العِدةَ طِيبَ النفس للمبالغة، وعدَّاه ب (عن) لتضمين معنى التجافي والتجاوُز.
وفيه دليل على وجوب الاحتياط في ذلك، وضِيقِ المسلَك في قبول شيءٍ من الصَّداق منهن؛ لأنَّه بنَى الشرطَ على طِيب النفس الذي هو أمرٌ خفيٌّ يطرق بها أنْ تدَّعيَ أنها ما طابت نفسًا إن ندمَتْ، ولهذا لم يقل: فإن وهبت، أو: سمحت؛ إشعارًا بأن الشرط تجافي نفسها عن الموهوب من طيبةٍ لا من ضرورة، ثم قال: ﴿عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ بعثًا لها على تقليل الموهوب.
﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ أما صفتان للمصدر؛ أي: أكلًا هنيئًا مريئًا، أو حالان من ضمير (كلوه)؛ أي: كلُوه في حالة كونه هنيئًا مريئًا (^٢).
والهنيء: ما يَلَذُّه الآكل، والمريء: ما يحمد عاقبته، وقد سبق ما في الأكل من الدلالة على سائر وجوه الإنفاق.
رُوي أن ناسًا [كانوا] (^٣) يتأثَّمون أن يَقبل أحدهم من زوجته شيئًا مما ساق إليها، فنزلت.
* * *
_________________
(١) في (م): "ونفسًا تفسير تمييز".
(٢) من قوله: "إما صفتان للمصدر … " إلى هنا من (م) و(ك).
(٣) من "الكشاف" (١/ ٤٧١)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٦٠).
[ ٣ / ١٧ ]
(٥) - ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ الخطاب للأولياء بدلالة السباق واللحاق - ﴿السُّفَهَاءَ﴾: هم الذين ينفقون أموالهم فيما لا ينبغي من وجوه التبذير، ولا يمكنهم (^١) إصلاحُها بالتثمير، والتصرُّفُ فيها بالتدبير (^٢) - وإضافةُ الأموال إليهم لأنها في تصرُّفهم وتحت ولايتهم.
أو لأنَّه لم يُقصد بها (^٣) الخصوصيةُ الشخصية، بل الجنسيةُ التي هي معنى ما يقام به المعاش وتميل إليه القلوب، وهي بهذا المعنى لا تختصُّ باليتامى كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] قصدًا إلى جنس التقوِّي (^٤)، وهذا (^٥) أوفق لقوله:
﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾؛ أي: تقومون بها وتنتعشون.
وعلى الأول يؤوَّل بأنها التي من جنس ما جعَل الله لكم قيامًا، سمي ما به القيام قيامًا للمبالغة.
_________________
(١) في (م) و(ك): "يمكن ".
(٢) في (م) و(ك): "بالتبذير"، ولعله تحريف.
(٣) "بها"من (م).
(٤) يعني: أن المراد بالمال جنسه مما به تعيش الناس، فنسبته إلى كل أحد كنسبته إلى الآخر لعموم النسبة، وإنما المخصوص بواحد دون واحد شخص المال، فجاز أن ينسب حقيقة إلى الأولياء كما ينسب إلى الملاك، والدليل على ذلك وصفه بما لا يختص بمال دون مال، كما أنّ المراد بالنفس في الآية جنسُها مما يقال له: نفس، فإنَّ الشخص لا يقتل نفسه بل غيره. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٣/ ١٠٥).
(٥) في (م) و(ك): "وهو".
[ ٣ / ١٨ ]
وقرئ: ﴿قِيَامًا﴾ (^١) بمعناه كعِوَذٍ بمعنى عِيَاذ.
وقرئ: (قِوَامًا) (^٢) وهو ما يُقام به.
﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ الظرف متعلِّق بالمعطوفَين كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وإنما قال: ﴿فِيهَا﴾ ولم يقل: منها؛ تنبيهًا على ما قال ﵇: "ابتغوا في أموال اليتامى التجارة لا تأكلُها الزكاةُ" (^٣) فعلى هذا يكون الرزق والكسوة من الأرباح لا من أصل المال فيأكلَه الإنفاق.
﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: كلامًا يُؤْنسهم ويؤلِّفُ قلوبهم، ومنه عِدَةٌ جميلةٌ وكلُّ ما سكنت إليه النفسُ واستحسنَتْه لحسنه عقلًا أو شرعًا أو عرفًا فهو معروفٌ، وكلُّ ما نَفَرتْ عنه (^٤) وكرهتْه فهو منكَر.
* * *
(٦) - ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾: واختبِروا عقولهم بتصرُّفاتهم قبل البلوغ.
_________________
(١) هي قراءة نافع وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ٩٤).
(٢) تنسب لابن عمر ﵄. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٤)، و"الكشاف" (١/ ٤٧١).
(٣) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (١/ ٢٥١)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٦٩٩٠)، عن عمر ﵁ قوله. ورواه الطبراني في "الأوسط" (٤١٥٢) من حديث أنس ﵁، ونقل الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ٥٧) عن شيخه أن إسناده صحيح.
(٤) في (م) و(ك): "منه ".
[ ٣ / ١٩ ]
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ بلوغُ النكاح كنايةٌ عن البلوغ؛ لأنَّه يصلُح النكاح عنده.
﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ (^١): فإن تبينتم منهم رشدًا؛ أي: اهتداء إلى مصالحهم.
وقرئ: (أَحَسْتُم) بمعنى: أحسستم (^٢).
﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ من غير تأخيرٍ عن وقت البلوغ.
وتنكيرُ الرشد معناه: نوعًا من الرشد، وهو الرشد في التصرُّف والتجارة، أو: طرفًا من الرشد حتى لا يُنتظرُ إلى تمامه.
ونظم الآية: (إنْ) الشرطيةُ جواب (إذا) المتضمنةِ معنى الشرط، والجملة غايةُ الابتلاء، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقِهم دفعَ أموالهم إليهم بشرطِ إيناسِ الرُّشد منهم.
ويجوز أن تكون (إذا) لمجرَّد الظرفية ليست متضمِّنةً لمعنى الشرط؛ أي: ابتلُوهم إلى وقت البلوغ.
وفي الآية دلالة على أن لا يُدفع إليهم مالهم قبل البلوغ (^٣)، وأمَّا عدمُ دفعه إليهم بعد البلوغ قبل الإيناس فلا دلالة عليه: أمَّا منطوقًا فظاهر، وأمَّا مفهومًا فلأنَّ مفهوم قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ عدمُ الدفع على الفور، لا عدمُ الدفع مطلقًا (^٤).
_________________
(١) في (م) زيادة: "الإيناس الإبصار بالحس".
(٢) تنسب لابن مسعود ﵁. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٥٧)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٦١).
(٣) "وفي الآية دلالة على أن لا يدفع إليهم مالهم قبل البلوغ" من (ك) و(م).
(٤) في هامش (ح) و(ف): "فلا ينافي قول أبي حنيفة في هذه المسألة بل يؤيده، يعني: على تقدير تسليم حجية المفهوم. منه".
[ ٣ / ٢٠ ]
﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾؛ أي: مجاوزةً عن الحد.
﴿وَبِدَارًا﴾؛ أي: مبادَرةً، وهي المسارعة.
﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾: أن يَبلغوا؛ أي: لا تأكلوا مسرفينَ ومبادرينَ، وهو كقولك: بادرتُ مجيءَ زيد؛ أي: فعلتُ قبل مجيئه، والمعنى: لا تأكلوا (^١) قبل بلوغهم واستردادِهم ما لهم منكم، وليس هذا قصرَ التحريم على الإسراف وعلى مبادرةِ البلوغ دون غيرهما، بل هو ذكرُ غالبِ الحال؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣].
﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ في تقييد (^٢) النهي بالإسراف والبِدار إيماءٌ إلى أن للأوصياء حقًّا، فقُسم الأمر بين أن يكون الوصيُّ غنيًّا وبين أن يكون فقيرًا، فاُمر (^٣) الغنيُّ بالاستعفاف من أكل مال اليتيم إلى ماله، وتركِ الطمع في مال اليتيم، والاقتناعِ بما رزقه الله تعالى من ماله؛ إشفاقًا على اليتيم، وإبقاء على ماله. والفقيرُ بالأكل بالمعروف؛ أي: بأكله قُوتًا مقدَّرًا محتاطًا في تقديره على وجه الأجرة لقيامه عليه بحفظه وتثميره، وعلى اليتيم بتسديده وتدبيره.
وفي الاستعفاف مبالغةٌ، كأنه مأمور بطلب زيادة العفَّة، ولو قال: فليَعْفِفْ، لم يكن فيه ذلك.
﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ بأنهم تسلَّموها وقبضوها وبَرِئتْ عنها
_________________
(١) في (ح) و(ك) و(م): "تأكلون"، والمثبت من (ك).
(٢) تحرفت في النسخ عدا (م) إلى: "تغيير"، والمثبت من (م).
(٣) في (م): "إذ أمر".
[ ٣ / ٢١ ]
ذممُكم؛ لئلا يَتوجَّه اليمينُ عليكم عند التناكُر، ولتظهر أمانتكم وتَبرَأَ ساحتُكم عن التهمة، فالأمر بالإشهاد (^١) هنا كالأمر به في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلا دلالة فيه على أن القيِّم لا يصدَّق في دعواه إلا بالبيِّنة.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: كافيًا في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو: محاسبًا يحاسبُكم (^٢) بالبراءة وعدمها والقبضِ وعدمه، فعليكم بالتصادُق وإياكم والتكاذُبَ.
* * *
(٧) - ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ يريد بهم المتوارتينَ بالقُرابة (^٣)، قيل: كان اليونانُ يعطون جميعَ المال للبنات؛ لأنَّ الرجل لا يعجز عن الكسب والمرأةَ تعجز، وكانت العرب لا يعطون البنات، فردَّ الله تعالى على الفريقين، فكان المقام مقامَ التفصيل والإطناب.
وفي عبارة (الرجال) إشارة إلى أن قدرتهم على الكسب غيرُ مانعٍ لاستحقاقهم، فإذا كان الرجل مع قدرته على الكسب مستحِقًّا للنصيب، فالصبيُّ مع عجزه عنه يكون مستحِقًّا له بطريق الأَولى.
﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ بدل من (ما ترك) بإعادة العامل.
_________________
(١) في (ك): "بالشهادة".
(٢) "محاسبًا" ليست في (ك).
(٣) "بالقرابة" من (م).
[ ٣ / ٢٢ ]
وتقديمُ الظرف على المبتدأ في (الرجال) و(النساء) تخصيصٌ لكلِّ واحدة (^١) من القبيلتين بنصيبٍ مفروضٍ على ما فَرض الله مُؤذِنٌ بأنْ لا بد لكلٍّ منهم ما خصَّه الله به لا يستأثرُ به غيرهم ولا يغلبه عليه، ثم أكَّده بقوله:
﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ نصبٌ على الاختصاص؛ أي: أعني نصيبًا مقطوعًا واجبًا، أو على أنه مصدر مؤكِّد كقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، كأنه قيل: قسمةً مفروضةً، أو حال إذ المعنى: ثبت لهم مفروضًا نصيب.
وإنما ذُكِر النصيب على الإبهام لأن التعيين خارج عما سِيق له الكلام في هذا المقام، وفيه دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه.
(٨) - ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾؛ أي: قسمة التركة.
﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ ممن لا يرث ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ من الأجانب.
فرَّق بين مَن لا يرث من الأقارب وبين مَن يرث بقوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ حيث لم يعيِّن لهم نصيبًا، وندب إلى أن يُرضخوا بقليلٍ منه إيماءً إلى أنْ لا حق لهم فيه، ألا ترى كيف جعل أموال اليتامى للسفهاء مكان رزقهم حيث قال: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ لأنها حقُّهم؟
﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ وهو أن يدْعوا لهم، ويَستقلُّوا ما أعطَوهم، ولا يمنُّوا
_________________
(١) في "ك": "واحد".
[ ٣ / ٢٣ ]
عليهم، والأمرُ للندب، والمأمور البالغ من (^١) الورثة، قالوا: ولو كان فريضةً لضُرب له حدٌّ ولو إجمالًا، كالمتعة حيث قال: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
(٩) - ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ أَمر الأوصياء بالخشية متمثِّلين (^٢) في أنفسهم حالَ اليتامى بحالِ أولادهم على الصفة المذكورة ليخشَوا الله في رعايتهم أو أكلِ مالهم، أو متمثِّلين (^٣) المتوفَّى وأبنائه بحالهم وذرياتُهم خَلْفَهم على تلك الصفة، فيَرِقُّوا لهم، وهذا الوجهُ هو الأنسبُ الأَلْيَقُ بنَظْم الكلام من بينِ الوجوه المذكورة في التفاسير، فيكونُ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ تتمةً له، وتصريحًا بحال الأوصياء لو خالفوا مقتضَى الشفقة وأكلوا مال اليتيم، وتهديدًا لهم على ذلك.
و﴿الَّذِينَ لَوْ﴾ بما في حيِّزه صلةٌ لـ ﴿الَّذِينَ﴾، أي: وليخشَ الذين (^٤) حالُهم وصفتُهم أنهم لو شارفوا لأنْ يتركوا خلفَهم ذريةً ضعافًا خافوا عليهم الضَّياعَ لفَقْدِ كافلِهم وكاسبِهم، وفي ترتيب الأمر عليه إشارةٌ إلى المقصود منه والعلَّةِ فيه، وبعثٌ على الترحُّم وأن يُحِبَّ لأولاد غيره ما يحبُّ لأولاده.
_________________
(١) في (ك) و(م): "البلغ عن".
(٢) في (ف): "ممتثلين".
(٣) في (ح) و(ف): "ممثلين"، وفي (م): "ممتثلين".
(٤) في (م) و(ك): "وليخشوا الذين".
[ ٣ / ٢٤ ]
﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (^١) أَمَرَهم بالتقوى الذي هو غاية الخشية بعد ما أَمرهم بها مراعاةً للمبدأ والمنتهَى إذ لا ينفع الأول بدون الثاني، ثم أمرهم أن يقولوا لليتامى ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحسن الأدب.
١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾: ظالمين، أو: على وجه الظلم.
﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ ملءَ بطونهم.
﴿نَارًا﴾ تهويلٌ في الردع، ومبالغة في التهديد، بجعلِ بطونهم ظروفًا مملوءةً نارًا، ولمَّا أراد أن يصوِّر سرعة جَرِّ (^٢) ما يأكلون أنفسَهم إلى النار جَعَلهم يأكلون النار كأنه نارٌ بالحقيقة، ونكَّرها؛ أي: نارًا (^٣) تتعاظَمُ عن الوصف، وقوَّاهُ بتنكير ﴿سَعِيرًا﴾ في قوله:
﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾؛ أي: سعيرًا لا (^٤) يُحتمل سماعُ وصفه، فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، من: سَعَرتُ النار، بمعنى: ألهَبْتُها، وقرئ: (سيُصلون) بضم الياء وتخفيف اللام (^٥)
_________________
(١) بعدها في (م): "أي".
(٢) في (ك): "حر".
(٣) في (م) و(ك): "نار".
(٤) سقطت كلمة "لا" من (ح) و(ف).
(٥) هي قراءة ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر، وقرأ باقي السبعة: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ بفتح الياء. انظر: "التيسير" (ص: ٩٤).
[ ٣ / ٢٥ ]
وتشديدها (^١)، تقول: صَلِيَ (^٢) النار: قاسَى حرَّها، وصَلَيْتُه: شَوَيْتُه، وأَصْلَيْتُه وصَلَّيْتُه: ألقَيْتُه فيها.
(١١) - ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾: يأمرُكم وَيعْهَدُ إليكم.
﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾: في شأن ميراثهم، وهو إجمالٌ تفصيلُه:
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ التعريف في الموضعَين للعهد، والمعهود: الذَّكر والأنثَيان من الأولاد، ولا (^٣) حاجة إلى تقدير: منهم.
وتخصيصُ الذَّكَرِ بالتنصيص على حظِّه لفضله على الأنثى، وإنما لم يقل: للذَّكَر مِثْلَا حظِّ الأنثى، أو: مِثْلَ حظَّي الأنثى؛ لأنَّه حينئذ لا يُعلم عدم نقصان حصة الابن عند تعدُّد البنت، فإنها إذا تعدَّدتْ ينتقصُ حصة سائر العصبات، فيجوِّز العقلُ أن تَنقص حصتُه أيضًا إذا تعدَّدت (^٤).
_________________
(١) أي: (وسيُصَلَّون)، وعزاها ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٤) لأبي حيوة.
(٢) في النسخ عدا (م): "يصلى"، والمثبت من (م).
(٣) في (م): "فلا".
(٤) في هامش (ح) و(ت): "وأما ما قيل: ولأنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث، وهو سبب لورود الآية، فقيل: كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث، فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن مع=
[ ٣ / ٢٦ ]
وأمَّا العكسُ فغير محتمَلٍ، فبعبارة المنزَل عُلم حدُّ حصةِ الابن مع البنتين (^١)، وبدلالته عُلم حصتُه مع الواحدة.
وأدنى الاختلاطِ: أن يجتمع ابنٌ وبنتٌ، وللابن حينئذ الثلثان، فعُرف بهذه الإشارة أن للبنتين الثلثين (^٢) في الجملة، وليس ذلك إلا في حالة انفرادهما عن الأب، ولمَّا كان حكم الاثنتين (^٣) حالةَ الانفراد معلومًا بهذه الإشارة رتَّب عليه بيانَ حكمها إذا كانت فوق اثنتين بقوله:
﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ ﴿كُنَّ﴾ ضميرُ الأولاد طابَق به الخبر (^٤)؛ كما في قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] (^٥)، أو على تأويل المولودات؛ أي إن كانت الأولاد نساءً خلصًا ليس معهنَّ رجل.
﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ خبر ثانٍ لـ (كان)، أو صفة للنساء؛ أي: زائدات على اثنتين.
﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ المتوفَّى منكم، يدلُّ عليه المعنى.
﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾؛ أي: المولودة ﴿وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ وقرئ: ﴿واحدةٌ﴾
_________________
(١) = إدلائهن من القرابة بمثل ما يدلون به= فلا يصلح وجهًا لترجيح المنزل على المتروك وهو: للأنثيين مثل حظ الذكر، ونحوه. منه".
(٢) في (ك): "البنت".
(٣) في (ح) و(ف): "الثلثان".
(٤) في (ح) و(ف): "الاثنين".
(٥) في (م): "ضمير للأولاد طابق الخبر".
(٦) وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾ [الأنعام: ٧٨].
[ ٣ / ٢٧ ]
بالرفع على أن (كان) تامةٌ (^١)، والنصبُ أوفق لقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾.
ولا يجوز أن يكون الضميران في ﴿كُنَّ﴾ و﴿كَانَتْ﴾ مبهَمَين مفسَّرَينِ بـ ﴿نِسَاءً﴾ و﴿وَاحِدَةً﴾ منصوبَين على التفسير على أنَّ (كان) تامةٌ؛ لأن (كان) ليست من الأفعال التي يكون فاعلها مضمرًا (^٢) يفسره ما بعده، بل هذا مختص من الأفعال بنعم وبئس وما حمل عليهما.
اختلف في الثنتين، فقال ابن عباس ﵄: حكمُهما حكمُ الواحدة؛ لأنَّه تعالى جعل الثلثين لمَا فوقهما (^٣).
وقال الباقون: حكمُهما حكمُ ما فوقَهما؛ لِمَا قرَّرناه فيما سبق، وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ لبيانِ أنَّ كثرة عددِهن لا يزيد على ما لهنَّ عند التعدُّد والانفراد عن الذكور، فشرطُ المفهوم مفقودٌ، على أنه لا يعارض المنطوقَ، والوجهُ الذي قدَّمنا (^٤) من قَبيل المنطوق.
وأمَّا ما قيل: إنَّ البنتين أمسُّ رَحمًا من الأختين اللتين تُحرزان الثُّلثين، فهما أولى بذلك الإحراز.
فيَرِدُ عليه: أن الابن مع كونه أمسَّ رحمًا من ابن الأخ قد لا يحرِز ما يُحرزه، كما
_________________
(١) هي قراءة نافع، وقرأ باقي السبعة بالنصب. انظر: "التيسير" (ص: ٩٤).
(٢) في (ح) و(ف): "ضميرًا".
(٣) ذكره ابن عبد البر في "التمهيد" (٥/ ٣٢٣) وقال: هذه الرِّوَايَةُ مُنْكَرَةٌ عندَ أهلِ العلمِ قاطِبَةً، كُلُّهُم ينكرها ويدفعها بما رواه ابن شِهَابٍ عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بن عتبة بن مسعود عن ابن عبَّاس أَنَّهُ جَعَلَ للبنتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، وعلى هذا جماعةُ النَّاسِ، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ مِن أخبارِ الآحادِ العُدُولِ مِثْلُ ما عليه الجماعَةُ في ذلك.
(٤) في (م) و(ك): "قدمناه".
[ ٣ / ٢٨ ]
إذا كانت البنت فوق الأربع، وإذا جاز ذلك في (^١) العصبة - والمعتبر فيه قوةُ القرابة - فلَأنْ يجوزَ فيمَن لا يُعتبر فيه تلك القوةُ من أصحاب الفرائض بطريقِ الأَولى.
وكذا ما قيل: إن الأخت إذا كانت مع أخيها وجب لها الثلثُ، فبالأَولى أن يجبَ لها ذلك إذا كانت مع أختٍ أخرى مثلِها - غيرُ تامٍّ؛ لأن مَبْناه أيضًا على أن مَن أخذ سهمًا مع وارثٍ يأخذ ذلك السهم مع وارثٍ (^٢) آخَرَ دونه بطريقِ الأَولى، وقد عرفتَ عدمَ (^٣) صحة ذلك المبنَى.
﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾؛ أي (^٤): ولأبوي الميت.
﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ بدلٌ منه بتكرير العامل، وفائدتُه: التنصيص على استحقاق كلِّ واحدٍ منهما السُّدسَ، والتفصيل بعد الإجمال للتأكيد.
﴿السُّدُسُ﴾ مبتدأٌ ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ خبرُه، والبدل متوسِّطٌ بينهما للبيان.
﴿مِمَّا تَرَكَ﴾؛ أي: من جُملته.
﴿إِنْ كَانَ لَهُ﴾؛ أي: للميت.
﴿وَلَدٌ﴾ ذكرٌ أو أنثى، وولدُ الابن وإنْ سَفلَ يقومُ مَقام الصُّلبيِّ (^٥) عند عدمه للإجماع، غير أن الأبَ يأخذ مع الأنثى ما بقي من الفروض بالعُصوبة بعد أخذه فرضَه.
_________________
(١) في (ف): "من".
(٢) "يأخذ ذلك السهم مع وارث" ليست في (ح) و(ف).
(٣) "عدم" ليست في (ك).
(٤) "أي": ليست في (م) و(ك).
(٥) في (ح) و(ف): "الصلب"، وفي (ك): "الصبي".
[ ٣ / ٢٩ ]
﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ (^١) فحسبُ.
﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ مما ترك.
لم يذكر حصَّةَ الأب؛ لأنَّه لمَّا فُرِض أن الوارث أبواه فقط، وعُيِّن نصيب الأم، عُلم أن الباقيَ للأب، ولم يعكس مع كونه أحقَّ ببيان نصيبه أصالةً لفضله؛ لأنَّه يَلزم حينئذٍ أن يكون هو صاحبَ فرض وصاحبتُه عصبة، وهو خلاف وضع الشرع (^٢).
ومعنى القيد: أنه إذا ورث مع أبويه أحدُ الزوجين لم يكن لها الثلثُ مما ترك، بل ثلثُ ما بقي بعد فرضه كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لابن عباس ﵄.
والمعنى: أن الأبوين إذا انفردا بالإرث تقاسَما الميراث للذَّكَر مثلُ حظ الأنثيين (^٣)، ولذلك لزم أنهما إذا كانا مع أحد الزوجين كان لها ثلثُ ما بقي، وإلا انقلب الفاضل مفضولًا فيما إذا كانا (^٤) مع الزوج؛ لأن فرضه النصف، فلو فُرض لها الثلثُ بقي للأب السدسُ مع كونه أقوى، وكونهِ ذا فرض وتعصيب.
﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ﴾؛ أي: للميت، والفاءُ هنا أيضًا لترتيب أحد القسمين على الآخر.
﴿إِخْوَةٌ﴾ (^٥) المراد منها ما يعمُّ الأخوات على طريقة عموم المجاز، لا على طريقة التغليب؛ إذ حينئذ لا يتناول الأخوات المنفردةَ، وهذا التعميمُ لا بد
_________________
(١) في هامش (ح) و(ت): "الفاء لترتيب أحد القسمين على الآخر. منه".
(٢) من قوله: "لم يذكر حصة الأب لأنَّه لما فرض … " إلى هنا، وقع في (ح) و(ف) بعد ما سيأتي من قوله: "وكونه ذا فرض وتعصيب"، لكن فيهما: " … أن يكون هو صاحب فرض وهي صاحبة عصبة وهو خلاف … ".
(٣) في هامش (ح) و(ف): "على وفق قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. منه".
(٤) في (م): "كان".
(٥) بعدها في (م): "فلأمه السدس".
[ ٣ / ٣٠ ]
منه عند الجمهور خلافًا لابن عباس، ومن صيغة الجمع ما يتناولُ المثنَّى، وفيه خلافٌ لابن عباس (^١).
وإطلاقُ الإخوة يدلُّ على أنهم يردُّونها من الثلث إلى السدس وإن كانوا لا يرثون كما إذا كانوا مع الأب، وعن ابن عباس ﵄ أنهم يأخذون السدس الذين حجَبوا عنه الأم، فالجمهور على أن الاثنين من الإخوة أو من الأخوات أو منهما سواءٌ كانا من الأعيان أو من العَلَّات أو من الأَخياف، متَّفقَينِ أو مختلفَين، محجوبَينِ أو غير محجوبَين يردُّونها من الثلث إلى السدس.
_________________
(١) اختلفوا في حَجْبِ الأُمِّ بالأَخَوينِ في قولهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ إلى أنَّ الأَخَوينِ يَرُدَّانِ الأمَّ عن الثُّلثِ، بخلافِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ فإنَّه جَعَلَ الثَّلاثةَ مِن الإخْوةِ والأَخَواتِ حاجبة للأُمِّ دونَ الاثْنَينِ، فلها مَعَهُما الثُّلثُ عندَهُ بناءً على أنَّ الإخْوةَ صِيغةُ الجمعِ فلا يَتَناوَلُ المثنَّى، وله في خِلافهِ مع عُثْمانَ في هذهِ المسألةِ قصَّةٌ رَوَاها الطَّبريُّ في "تفسيره" (٦/ ٤٦٥)، والبيهقيُّ في "السنن الكبرى" (٦/ ٢٢٧). أمَّا الجمهورُ فقد ذكر الآلوسي ﵀ أنهم قالوا: إن حُكْمَ الاثْنينِ في بابِ الميراثِ حُكْمُ الجماعةِ، أَلا يُرى أنَّ البِنْتينِ كالبناتِ والأُخْتَينِ كالأخواتِ في اسْتِحقاقِ الثُّلُثَينِ فكذا في الحَجْب، وأيضًا معنَى الجمعِ المُطلَقِ مُشترَكٌ بينَ الاثْنَينِ وما فوقَهُما، بل قال جمع: إنَّ صيغةَ الجمعِ حقيقةٌ في الاثْنينِ كما فيما فوقَهُما في كلامِ العربِ، فقد أَخْرجَ الحاكِمُ في "المستدرك" (٧٩٦١)، والبَيْهقيُّ في "السنن الكبرى" (٦/ ٢٢٧) عن زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّه كانَ يَحجُبُ الأمَّ بالأَخَوينِ، فقالوا لهُ: يا أبا سعيدٍ، إنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ أنتَ تَحجُبُها بأَخَوينِ؟ فقال: إنَّ العربَ تُسمِّي الأَخَوينِ إخْوةً. ومن هنا اخْتَلفَ النَّاسُ في مدلولِ صيغةِ الجمعِ حقيقةً، وصرَّحَ بعضُ الأصوليِّينَ أنَّها في الاثْنينِ في الموَاريثِ والوَصَايا ملحقةٌ بالحقيقةِ، والنُّحاةُ على خلافِ ذلك. انظر: "روح المعاني" (٥/ ٣٥٧). قلتُ: وقد وقعَ عندَ النَّحويِّينَ أيضًا اختِلافٌ في عَدِّ الاثْنينِ جمعًا، وينظر في ذلك رسالة العلامة المؤلف التي بحث فيها خِطابَ الواحدِ بخطابِ الاثْنينِ، ومُعامَلةَ المثنَّى مُعامَلةَ الجمعِ، وهي مطبوعة ضمن "مجموع رسائل العلامة ابن كمال باشا"، وانظر فيها ما قدمناه لتلك الرسالة.
[ ٣ / ٣١ ]
﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ (^١) مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ متعلق بجميعِ ما تقدم (^٢) من قسمةِ المواريث كلِّها؛ أي: هذه الأنصِباءُ للورثة من بعد ما كان من وصيةٍ يوصي بها أو دين.
وإنما قال بـ ﴿أَوْ﴾ التي للإباحة - ومعنى الإباحةِ هنا: التسويةُ في الوجوب (^٣) - دون الواو؛ للدلالةِ (^٤) على أنهما متساويان في التقدُّم على القسمة مجموعَين ومنفردَين، وإن لم يكونا متساويين في التعلُّق بالتركة، فإن الدَّين لا يسقط منه شيءٌ بذهاب بعض المال بخلافِ الوصية.
وإنما قدِّمت على الدَّين وهي متأخِّرة عنه في الحكم؛ لأن مَظِنَّة الاشتباه (^٥) تقديمها، فكان هو أحوجَ إلى البيان، وأما كونها مشبَّهةً بالميراث فيَشُقُّ إخراجُها على الورثة، فلا يَنتظِم بعض الوصايا كالوصية للحج.
ثم أكَّد أمرَ (^٦) الوصية ورغَّب فيها بقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ معترِضًا (^٧)؛ أي: هم نصحاؤكم وأهلُ شفقَتِكم ومحبَّتِكم لا يريدون بكم إلا خيرًا، باعثًا لهم على إمضائها، مبيِّنًا ذلك المعنى بقوله:
﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾: أيُّ الفريقين منهم أنفعُ لكم: أهو مَن أَوصى
_________________
(١) "فلأمه السدس": ليست في (م).
(٢) في (م) و(ك): "تقدمه".
(٣) "ومعنى الإباحة هنا التسوية في الوجوب": ليست في (م) و(ك).
(٤) في (ح) و(ف): "الدالة".
(٥) في (م): "اشتباه".
(٦) "أمر" ليس في (ح) و(ف).
(٧) في (ح) و(ف): "معترض".
[ ٣ / ٣٢ ]
منهم أم (^١) مَن لم يُوصِ؟ لأنَّ مَن أوصى عرَّضكم لثواب الآخرة بإمضائها، وهو وإن كان آجلًا فهو بالحقيقة أقربُ لكم نفعًا وأوفرُ جَدْوى لأنَّه خيرٌ وأبقى، ومَن لم يُوصِ أبقاكم على خيرِ الدنيا، وهو وإن كان عاجلًا لكنه في الحقيقة أبعدَ نفعًا وأقربَ ضرًّا وأقل جَدْوى لأنَّه سيزول ويفنى.
﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هم آباؤكم وأبناؤكم ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ﴾ بيانٌ لحالهم، أو مبتدأ خبره ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ﴾.
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ في موقع المصدر المؤكِّد؛ أي: فرضَ ذلك فرضًا، أو حالٌ مؤكِّدة بمعنى: مفروضةً؛ أي: لكم الأنصباءُ المذكورةُ بيَّنَّاها مفروضةً.
ولمَّا فَرَض أنصباءهم، وأَثبتَ الوصيةَ (^٢)، وسلَب علمَهم به، قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾؛ أي: بمصالح (^٣) دُنياكم وأُخراكم.
﴿حَكِيمًا﴾ في كل ما (^٤) فَرض وقَسَم من المواريث، وحَكَم به من الوصية وغيرها.
(١٢) - ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ
_________________
(١) في (ك): "أو".
(٢) في (ح) و(ف): "الفرضية".
(٣) في (م) و(ك): "لمصالح".
(٤) "ما" من (م).
[ ٣ / ٣٣ ]
بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾؛ أي: ولدٌ وارثٌ، ذكرًا كان أو أنثى، منكم أو من غيركم، وولدُ الابن وإنْ سفلَ يقوم مقام الصُّلبيِّ في الحجب المذكور عند عدمه بالإجماع.
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾:
يستوي الواحدةُ والعددُ منهنَّ في الرُّبع والثُّمن، فَرَض للرجل بحقِّ الزواج ضعفَ ما للمرأة كما في النسب، قيل: وهكذا قياسُ كلِّ رجل وامرأةٍ اشتركا في الجهة والقرب، ولا يستثنى عنه إلا أولادُ الأم والمعتَق والمعتَقة.
وفي الحصر نظر؛ فإن الأبوين أيضًا من هذه الجملة.
﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ﴾؛ أي: الميت.
﴿يُورَثُ﴾؛ أي: يورَث منه، مِن وَرِثَ، صفةٌ لـ ﴿رَجُلٌ﴾.
﴿كَلَالَةً﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، أو ﴿يُورَثُ﴾ خبرُه و﴿كَلَالَةً﴾ حال من الضمير فيه، وهو مَن لم يخلِّف ولدًا ولا والدًا، أو مفعول له، والمراد بها قرابةٌ ليست من جهة الوالد والولد.
[ ٣ / ٣٤ ]
ويجوز أن يكون (^١) الرجلُ الوارثَ، و﴿يُورَثُ﴾ من أَوْرَثَ، ﴿كَلَالَةً﴾ مَن ليس بوالدٍ ولا ولد.
وقرئ: (يُورثُ) على البناء للفاعل (^٢)، فالرجلُ الميتُ، ﴿كَلَالَةً﴾ يحتمِلُ المعانيَ الثلاثَة، وعلى الأول خبرٌ أو حالٌ، وعلى الثاني: مفعول (^٣) له، وعلى الثالث: مفعول به.
وهو في الأصل مصدرٌ بمعنى الكَلَال، فاستُعيرت لقرابةٍ (^٤) لا يقارنُها النسبة (^٥)، لأنها كالَّةٌ (^٦) ضعيفة بالنسبة إلى التي تقارنها النسبةُ، ثم وُصف بها المورِّثُ والوارثُ (^٧) بمعنى: ذي كلالةٍ، كقوله: فلان من قرابتي؛ أي: من ذي قرابتي، ويجوز أن تكون صفةً، كأنه من غايةِ الضعف نفسُ الكلالة.
﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ عطف على ﴿رَجُلٌ﴾.
﴿وَلَهُ﴾؛ أي: ولواحدٍ منهما، فلا ضرورةَ للحمل على الاقتصار؛ كما ذهب
_________________
(١) في (م) زيادة: "يكون".
(٢) وهما قراءتان على البناء للفاعل: الأولى بتخفيف الراء، والثانية بتشديدها. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٥)، و"المحتسب" (١/ ١٨٢).
(٣) في (م) و(ك): "المفعول".
(٤) في (م): "للقرابة التي".
(٥) في هامش (ح) و(ف): "من قال: ليست بالبعضية، لم يصب لأنَّه حينئذ تخرج الأم والجدة من الكفالة. منه". والقائل المذكور هو البيضاوي في "تفسيره" (٢/ ٦٤).
(٦) في (م) و(ك): "كلالة"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصدر السابق.
(٧) "والوارث" من (م)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.
[ ٣ / ٣٥ ]
إليه مَن قال: أي: وللرجل، واكتُفيَ بحُكمه عن حُكم المرأة لدلالةِ العطف على تشارُكهما فيه (^١).
﴿أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾؛ أي: من الأمِّ، على ما نُصَّ عليه في قراءة: (وله أخٌ أو أختٌ من الأمِّ) (^٢) - وقد ذُكر في آخر السورة أن (^٣) للأختين الثلثين، وللإخوة الكلَّ، وهو لا يليق بأولاد الأم، وما قُدِّر هاهنا فرضُ الأم (^٤)، فيناسبُ أن يكون لأولادها.
﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ سوَّى بين الذَّكَر والأنثى لأن الإدلاء بمحضِ (^٥) الأنوثة، وقد عَرَفْتَ أن الكلالة استُعيرت لقرابة لا تقارنها (^٦) النسبة، فينتظِم قرابةَ الأمِّ والجدَّة دون البنت وبنتِ الابن؛ لأن النسب إلى الآباء دون الأمهات، فلا تخصيص فيَ مفهوم الآية (^٧).
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾؛ أي: لورثته، وذلك أن يوصيَ بزيادةٍ على الثلث، أو يوصيَ بالثلث فما دونه ونيَّتُه (^٨) مضارَّةُ ورثته لا وجهُ الله تعالى.
_________________
(١) القائل المذكور هو البيضاوي في "تفسيره" (٢/ ٦٤).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٤٨٦) عن أبي ﵁، وفيه عن سعد بن أبي وقاص ﵁: (من أم)، ورواها عن سعد الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٨٣).
(٣) في (م): "في آخر السورة أن للأخت الواحدة النصف أي أن"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٦٤).
(٤) "الأم " من "ك"، وهو الموافق لما في المصدر السابق.
(٥) في (ف): "بمحضر"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصدر السابق.
(٦) في "ك": (تفارقها)، وهو تصحيف.
(٧) "الآية" من (ك) و(م)، وهو الصواب. ولفظ البيضاوي: (ومفهوم الآية أنهم لا يرثون ذلك مع الأم والجدة كما لا يرثون مع البنت وبنت الابن، فخص فيه بالإِجماع).
(٨) في (ك): "ونيته".
[ ٣ / ٣٦ ]
وعن الحسن: المضَارَّة في الدَّين أنْ يوصيَ بدَينٍ ليس عليه، ومعناه: الإقرارُ.
اعتبر المضارَّة في الدَّين أيضًا بناءً على تأخير الحال عنهما، واعتبر الإيصاء فيه أيضًا بناءً على عطفه على ﴿وَصِيَّةً﴾؛ كأنه قيل: أو دَين يوصَى بها، على قاعدةِ تقييد المعطوف بما قيِّد به المعطوف عليه.
﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ مصدرٌ مؤكِّد، أو منصوبٌ بـ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ على المفعول به، ويؤيدُه القراءة بإضافة (مُضارِّ) إلى (وصيةٍ)؛ أي: (غيرَ مضارِّ وصيةٍ) (^١)؛ [أي: لا يضارُّ وصيةً] من الله، وهو الثلث فما دونه بالزيادة، أو بوصيةٍ منه بالأولاد بالإسراف في الوصية والإقرار الكاذب (^٢).
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمن جار ومَن عدل في وصيته.
﴿حَلِيمٌ﴾ عن الجائر؛ إذ لا يعاجِلُه بعقوبة، وهذا وعيد بليغ.
(١٣) - ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى الأحكام التي تقدَّمت في أمر اليتامى والوصايا والمواريث.
﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾: شرائعُه التي كالحدود المحدودةِ التي لا يجوزُ مجاوَزتها.
_________________
(١) تنسب للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٥)، و"المحتسب" (١/ ١٨٣).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٤٨٦)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٦٤)، وما بين معكوفتين منهما. والعبارة الأخيرة جاءت في "الكشاف" بلفظ: (.. أو وصية من الله بالأولاد وأن لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية).
[ ٣ / ٣٧ ]
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ حَمل أولًا على لفظ ﴿وَمَنْ﴾ (^١) في قوله: ﴿يُطِعِ﴾ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ فأَفرد، ثم حَمل على المعنى في قوله:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فجَمع، وانتصابُه على الحال المقدَّرة، ويجوز أن يكون صفةً لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾ على مذهب الكوفيين، وبه أخذ الزجَّاج هنا (^٢)، ولا يحتاج إلى إبراز الضمير عندهم إذا (^٣) لم يَلتبس.
﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الذي تُستحقَرُ دونه الدنيا وما فيها.
(١٤) - ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ زاد هاهنا على العصيان تعدِّيَ الحدود - وهو في الأعمال - صرفًا للعصيان إلى ما يكون في العقائد، وفائدتُه: التنبيه على أن المراد من الإطاعة في قسيمه ما يكون في العقائد، وأنَّ الموعود مِن دخول الجنة ليس بمشروطٍ بالعمل
_________________
(١) في (ح) و(ف): "لفظه".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٧) وقد اقتصر الزجاج هنا على الحال المقدرة، لكنه أجاز الوجهين - الحال والصفة - في قوله: ﴿خَالِدًا﴾ في الآية التي بعدها، ولعل ما نقله المؤلف هنا عن الزجاج تابع فيه أبا حيان في "البحر" (٦/ ٤٩٨). وكلمة: "هنا" سقطت من (ح) و(ف)، وكذا سقط منهما قوله: "فجمع وانتصابه على الحال المقدرة، ويجوز أن يكون صفة لجنات على مذهب الكوفيين وبه أخذ".
(٣) في (م) و(ك): "إذ".
[ ٣ / ٣٨ ]
الصالح، وذلك في مقابلةِ الإهانة؛ لأنَّه لا يتعدَّاها إلا مَن اغترَّ فناسبه (^١) الإهانة، والمراد غايتُها، وهذا مستفادٌ من توصيف العذاب به، فإنه ظاهرٌ بحيث لا فائدة في ذكره ما دام محمولًا على إطلاقه، فيحمل على الكمال ليفيد.
وأفرد هنا ﴿خَالِدًا﴾ وجمع فيما قبله إشارةً إلى ما في حقِّ المطيعين من لذةٍ روحانيةٍ ومن حظ الاستئناس، وما في حقِّ العاصين من ألم روحانيٍّ وهو عذاب الوحشة.
(١٥) - ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.
﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾: يفعلن الفعلة القبيحة (^٢)، والمراد الزنا؛ لزيادتها في القبح على كثير من القبائح.
﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ﴾؛ أي: فاطلبوا أيها الأئمةُ الذين إليكم إقامةُ الحدود.
﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ من الرجال المؤمنين (^٣) ليشهدوا عليهن بالزنا (^٤).
﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ عليهنَّ به.
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ فخلِّدوهن محبوساتٍ.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "اعتبر مناسبة"، ولعله تصحيف.
(٢) في (ح) و(ف): "يفعلن القبيح".
(٣) في هامش (ح) و(ف): "من قال: ممن قذفهن، ففد أتى بتخصيص بلا مخصص من الكلام، ولا اقتضاء من المقام. منه".
(٤) في (م) و(ك): "بالزنا".
[ ٣ / ٣٩ ]
﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ﴾: يستوفي أرواحهن ﴿الْمَوْتُ﴾، أو: يتوفاهنَّ ملائكة الموت.
قيل: كان ذلك عقوبتَهن في أوائل الإسلام فنُسخ بالحد.
﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ كتعيين الحد المخلِّص عن الحبس، أو النكاح المغني عن السِّفاح.
(١٦) - ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا﴾ يعني: الزاني والزانية، وُصِفَا بما يُوصَف به الذَّكَران تغليبًا للذَّكر على الأنثى، والظاهرُ من زيادة ﴿مِنْكُمْ﴾) هنا، ومن زيادة ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ فيما سبق، تخصيصُ الحكم بالمسلمين والمسلمات.
﴿فَآذُوهُمَا﴾ بالتوبيخ والتقريع.
قال الحسن: أولُ ما نزل من حدِّ الزنا الأذى، ثم الحبسُ، ثم الجلد، فكان ترتيبُ النزول على خلاف ترتيب التلاوة.
وقال الضحاك: كان الرجل إذا زنَى بامرأة وكانا بِكرين حُبس كلُّ واحد منهما في بيت، ثم لا يمر بهما مارٌّ إلا آذاهما بالتعيير.
وعلى هذا يكون الأذى مع الحبس مشروعَين في وقتٍ واحد في حقِّ الرجل والمرأة جميعًا.
وقال مجاهد: آيةُ الأذى في الرجلين؛ أي: الذَّكَرُ يفعل ذلك بالذَّكَر وهو اللِّواطة (^١).
_________________
(١) روى عنه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٩٩) قوله في تفسيرها: (الرجلان الفاعلان، لا يكني)، وفي رواية:=
[ ٣ / ٤٠ ]
قال أبو منصور: آيةُ الأذى هذا يكون حجةً لأبي حنيفة في أنه يعزَّر ولا يحدُّ بالجَلد أو الرَّجم (^١).
﴿فَإِنْ تَابَا﴾ عن المعصية ﴿وَأَصْلَحَا﴾: وغيَّرا الحالَ إلى العفاف.
﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ بالإغماض والسَّتر، واقطعوا عنهما الأذى.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا﴾ يَقبل توبة التائب ﴿رَحِيمًا﴾ فلا يعذِّبه، وهو علةُ الأمر بالإعراض وتركِ المذمَّة.
(١٧) - ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ مِن تاب الله عليه: إذا قبل توبته، لا مِن تاب العبد: إذا رجع إليه.
﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ مُلْتبسين بها، وليست هي عدمَ العلم بأنه ذنبٌ؛ لأنَّه عذرٌ، لكنها تركُ التفكُر في العاقبة كفعلِ مَن يجهلُه.
﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾: من زمانٍ قريب؛ أي: قبل حضور الموت؛ لقوله ﵇: "إن الله يقبلُ توبة عبده ما لم يُغَرغِرْ" (^٢) وسماه قريبًا لأنَّ أمد الحياة قريبٌ.
_________________
(١) = (الزانيان)، وحمل الراغب قول مجاهد هذا على اللواطة. لكن ذكر النحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٣٠٦) ما قد يكون تفسيرًا مخالفًا لما ذهب إليه الراغب في الخبر المذكور، حيث ذكر عن مجاهد أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ عامٌّ لِكُلِّ مَن زَنَى مِن الرجالِ ثَيِّبًا كانَ أو بِكْرًا.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" لأبي منصور الماتريدي (٣/ ٦٧).
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٣٠٦٨) من حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ، والترمذي (٣٥٣٧) وحسنه من حديث ابن عمر ﵄، وابن ماجه (٤٢٥٣) من حديث=
[ ٣ / ٤١ ]
وفي عبارة ﴿ثُمَّ﴾ إشارة إلى أنه لم يُرَدْ من القربِ القربُ من عمل السوء حقيقةً.
﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وعد بالوفاء بما وَعد به وكتب على نفسه بقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾.
وفائدة (أولئك) والفاءِ: أنهم إذا تابوا في هذا الزمان تَسبَّب (^١) توبتُهم للقبول.
ومعنى الحصرِ في ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾: التي كتب الله على نفسه قبولَها ليست إلا هذه، فيلزم أن لا يَقبل غيرها، ولهذا فصَل الآية بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾؛ أي: بالتوبة الموصوفة بما يقتضي القبول، والتي لم تتصف به، ﴿حَكِيمًا﴾ لا يقبل إلا الأولى، فإنه تهديد ووعيد، وما يناسب القبول ترغيبٌ ووعد، فلو لم يكن الحصرُ والسببيةُ لكان ينبغي أن يقول: وكان الله غفورًا رحيمًا.
ولذلك (^٢) وللفرق بين التوبتين صغَّر المعصية هنا بتوحيد السوء والتقييد بالجهالة؛ أي: الغفلة، وقيَّد مجال التوبة بالقرب، وعظَّمها في قوله:
(١٨) - ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ حيث جمع السيئات، وبعَّد مجال التوبة بحرف الغاية، وأضاف إلى المحتضَر قول التوبة لا نفسها، وزاد قوله:
_________________
(١) = عبد الله بن عمرو ﵄.
(٢) في (ح): "بسبب"، وفي (ك): "نسب"، وفي (م): "نسبت".
(٣) في (م) زيادة: "أي".
[ ٣ / ٤٢ ]
﴿الْآنَ﴾، وسوَّى بين الذين سوَّفوا توبتهم (^١) إلى ذلك الأمد البعيد الذي هو حضرة الموت وبين الذين ماتوا على الكفر، مبالغةً في عدم الاعتداد بها في تلك الحالة، وأكَّد الوعيد بقوله:
﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: الموصوفون بأحد الوصفين: التوبةِ وقتَ الاحتضار، والموتِ على الكفر، استحَقُّوا عذابًا أليمًا بسبب اتِّصافهم بما ذُكر، وفخَّم وعيدَهم بتقديم الظرف وتنكير العذاب، ووصفَه بالألم، فافهم.
والإعتاد: التهيئة، من العتَاد وهو العُدَّة.
وقيل: أصله: أَعْدَدنا، فأُبدلت الدالُ الأولى تاءً.
وإنما لم يقل: إذا حضرهم (^٢) الموت؛ لأن المتبادِر منه الموتُ النادر، وهو أن يموت جماعةٌ معًا، وذلك لا يناسب مقام التغليظ للتقصير.
(١٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ كان الرجل إذا مات وله عصبةٌ، ألقى ثوبه على امرأته، وقال: أنا أحقُّ بها، ثم إنْ شاء تزوَّجها بصَداقها الأول، وإن شاء زوَّجها غيرَه وأَخذ صَداقها، وإن شاء عضَلها لتفتديَ بما ورثت من زوجها،
_________________
(١) في (م): "بتوبتهم".
(٢) في (م): "لم يقل: إذا حضروا، وقال: إذا حضر أحدهم".
[ ٣ / ٤٣ ]
فنُهوا عن ذلك، وقيل لهم: لا يحلُّ لكم أن تَحوزوها على سبيلِ الإرث كما يُحاز الميراث وهن كارهاتٌ لذلك، أو مكرَهاتٌ (^١) عليه.
والتقييدُ بالكره لتقرير معنى الأخذِ على سبيل الإرث، وإظهارِ ما فيه من القبح، فلا دلالةَ فيه على جوازه إذا كان طوعًا.
وقرئ: ﴿كَرْهًا﴾ (^٢) وهما لغتان فيه، وقيل: بالضم المشقَّةُ، وبالفتح ما يُكره عليه.
﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ تم الكلام عند (^٣) ﴿كَرْهًا﴾، ثم خاطب الأزواج ونهاهم عن العضل وهو الحبسُ والتضييق، ومنه: عضَّلَتِ المرأةُ بولدها: إذا اختنقت رحمُها به فخرج بعضه وبقي بعضه.
كان أحدهم إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العِشرة معها وشكاسةِ الخُلق حتى تفتديَ منه بمالها وتختلع، فمُنعوا منه وقيل لهم: ولا تحبِسوهنَّ لتأخذوا منهن بعضَ ما آتيتُموهن من الصَّداق.
والواوُ لعطف الجملة، وأمَّا عطفه على ﴿أَنْ تَرِثُوا﴾ على أن يكون الخطابُ لمَن خوطب فيما سبق، فيأباه قوله: ﴿بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، ولا يَنتظِم مع قوله:
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الاستثناءُ من أعمِّ عامِّ الظرف أو المفعول له، تقديره: ولا تعضلوهن للافتداء إلا وقتَ أن يأتين الفاحشةَ، والمراد بها: شَكَاسةُ الخُلق، وإيذاءُ الزوج وأهلِه بالبَذاء والسَّلَاطة، ويدلُّ عليه قراءة: (إلا أنْ يَفْحُشْنَ عليكم) (^٤).
_________________
(١) في (م): "مكروهات".
(٢) هي قراءة حمزة والكسائي، وباقي السبعة بفتح الكاف. انظر: "التيسير" (ص: ٩٥).
(٣) في (م) و(ك): "بقوله".
(٤) تنسب لأبيٍّ ﵁. انظر: "الكشاف" (١/ ٤٩٠).
[ ٣ / ٤٤ ]
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: بالإنصاف في الفعل والإجمالِ في القول.
﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ قوله: ﴿فَعَسَى﴾ إلخ علةٌ للجزاء أُقيم مقامه لاستلزامه إياه؛ أي: فلا تُفارقوهن لكراهة النفس وحدَها، واصبروا عليهن مع الكراهة، فعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم، ونوِّن ﴿خَيْرًا﴾ تعظيمًا، ووصفُه بالكثرة مبالغةٌ.
(٢٠) - ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾؛ أي: إن عزَمْتُم على أن تأتوا بزوجٍ مكانَ زوجٍ مستبدِلين بها إياها، وتصويرُ الكلام في هذه الصورة لتعيينِ أن يكون التطليق لرغبته في تجديد الفراش، لا لسببٍ من جهتها فإنه حينئذ يجوز أخذُ المال في مقابَلة الطلاق.
﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ﴾: إحدى الزوجات، جَمع الضمير لأنَّه أراد بالزوج الجنس.
﴿قِنْطَارًا﴾: مالًا كثيرًا، ضمِّن الكلام الإشارةَ إلى جواز المغالاة في الصَّدُقات، ولهذا تعرَّض لكثرة ما أَعطى، والإشارةَ إلى جواز الاستبدال مع تعدُّدها، ولهذا أتى بعبارةٍ تُفصح عنه، وكان يكفي أن يقول: وأتيتم إياها.
﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ﴾: من القنطار ﴿شَيْئًا﴾ قليلًا.
﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ باهتينَ وآثمين، والاستفهامُ للإنكار والتوبيخ؛ أي: أتفعلون هذا مع ظهور قُبحه.
[ ٣ / ٤٥ ]
قيل: يحتمل انتصابها على العلَّة وإن لم تكن غرضًا، كقولهم: قعدتُ عن الحرب جبنًا.
وفيه: أن الإثم ليس بعلة للأخذ، بل الأمر بالعكس.
وتخصيص البهتان بالذكر لأنهم كانوا إذا أرادوا جديدةً بَهتوا التي تحتهم بفاحشةٍ حتى يُلْجئوها إلى الافتداء منهم بما أعطَوها ليَصْرِفوه إلى تزوُّج الجديدة، فنُهوا عن ذلك.
والبهتانُ أفحش الكذب؛ لأنَّه إذا كان عن قصدٍ يكون إفكًا، والإفكُ إذا كان على الغير يكون افتراءً، والافتراءُ إذا كان بحضرة المقولِ فيه يكون بهتانًا؛ لأنَّه يدهشه ويتركه متحيِّرًا، من بهتَ: إذا دَهِشَ وتَحيَّر.
(٢١) - ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ إنكار لاسترداد المهر.
﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: والحالُ أن معكم ما يَصرف عنه، والإفضاءُ هو الخلوة، من الفضاء: وهو المفازة الخالية، كذا فسَّره الكلبي، وهو حجةُ أصحابنا في أن المهر يتأكَّد بالخلوة الصحيحة من غير وطءٍ.
﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ الميثاق: العهد الوثيق، والغليظ: المبالغةُ فيه، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] واللهُ تعالى أخذ هذا (^١) الميثاق على عباده لأجلهنَّ فهو كأَخْذِهن.
_________________
(١) "هذا" من (م).
[ ٣ / ٤٦ ]
وقيل: هو قول الولي عند العقد: أُنكحكَ على ما في كتاب الله من إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريحٍ بإحسانٍ، وكان ذلك معتادًا في السلف.
(٢٢) - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ﴾: التي نكح.
﴿آبَاؤُكُمْ﴾ وإنما ذكر ﴿مَا﴾ دون: مَن؛ لأنَّه أريدَ به الصِّفةُ.
وقيل: مصدريةٌ على إرادة المفعول من المصدر، فلا يأباه البيانُ بقوله:
﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ وِزانُه وِزانُ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ففائدتُه تأكيد ما في ﴿نَكَحَ﴾ من العموم.
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قيل: استثناءٌ من المعنى اللازم للنهي؛ كأنه قيل: تستحقُّون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد مضى قبل التحريم، أو من اللفظ للمبالغة في التحريم والتعميم؛ كقوله:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم … بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائب (^١)
والمعنى: ولا تنكحوا حلائلَ آبائكم إلا ما قد سلف إنْ أمكنكم أن تنكحوه (^٢).
_________________
(١) البيت للنابغة الذبياني. انظر: ديوانه (ص: ١١).
(٢) يعنى: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فلا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه، وسدّ الطريق إلى إباحته، كما يعلق بالمحال في التأبيد نحو قولهم: حتى يبيضَّ القارُ، وحتى يلج الجمل في سَم الخياط. انظر: "الكشاف" (١/ ٤٩٣) وعنه نقلنا هذا الشرح، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٦٧) وعنه نقل المؤلف.
[ ٣ / ٤٧ ]
وقيل: الاستثناء منقطع، ومعناه: ولكنْ ما قد سلف لا مؤاخذةَ عليه لأنَّه مغفور (^١)، وتقف على أن هذا هو الوجه (^٢).
﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ علةٌ للنهي، وزيادة ﴿كَانَ﴾ للدلالة على أنه لم يرخَّص فيه في شريعةٍ من الشرائع.
﴿وَمَقْتًا﴾: ممقوتًا، والمقت: البغضُ باستحقار.
﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ سبيلُ مَن يراه ويفعلُه.
وكانوا ينكحون روابَّهم (^٣)، وناسٌ من ذوي مروءاتهم يمقُتونه ويسمُّونه (^٤): نكاحَ المقت، وكان المولود عليه يسمَّى: المَقْتيَّ، ولذلك قيل: ﴿فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾؛ أي: في دِين الله تعالى مُفْرِطةَ القبح، مقتًا في المروءة والعرف، ولا مزيدَ على ما يجمع القبحين شرعًا وعرفًا، وبه زاد على الزنا، فإنه تعالى قال فيه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
_________________
(١) في هامش (ح) و(ف): "عبارة القاضي: لأنَّه مقرر، والصواب ما قررنا على ما ستقف عليه. منه". قلت: ولعل الصواب في عبارة القاضي: (لا أنه مقرَّر)، كما جاء في حاشية السيوطي على البيضاوي المسماة "نواهد الأبكار" (٣/ ١٤٣)، و"حاشية شيخ زاده على البيضاوي" (٣/ ٢٨٩)، وحاشية الشهاب على البيضاوي المسماة "عناية القاضي وكفاية الراضي" (٣/ ١٢٠)، و"حاشية القونوي على البيضاوي" (٧/ ٨٧)، وكذا نقله الطيبي عن البيضاوي في حاشيته على "الكشاف" المسماة "فتوح الغيب" (٤/ ٥٠٠). وقال شيخ زاده في شرح جملة (لا أنه مقرر): (لأنَّه ﵊ ما أقر أحدًا على نكاح امرأة أبيه وإن كان واقعا فيما مضى من زمن الجاهلية).
(٢) انظر ما سيأتي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
(٣) الروابُّ: جمع رابة، وهي امرأة الأب. انظر: "فتوح الغيب" (٤/ ٤٨٧).
(٤) في (م): "وسمي"، وقال في الهامش: في نسخة: "ويسمونه".
[ ٣ / ٤٨ ]
(٢٣) - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ أراد تحريم التمتُّع بهن؛ لأن المفهوم في العرف مِن حُرمته (^١): عينُ حرمةِ ما هو المقصود منه، ويلزمه حرمة النكاح؛ لأنَّه موضوعٌ لملك المتعة فلا يصح بدونه.
والأم حقيقةً: هي الوالدة، وفي معناها: كلُّ امرأة (^٢) رجع نسبُك إليها بالولادة من جهةِ أبيك أو من جهةِ أمك.
والبنت: هي كلُّ ابنة ولدْتَها، وفي معناها: كلُّ أنثى رجع نسبها إليك بالولادة؛ بدرجةٍ أو درجات، بإناثٍ أو ذكور.
والأختُ: كلُّ مَن جمعك وإياها صُلبٌ أو بطنٌ.
والعمة: كلُّ مَن جمع أباك وإياها صلبٌ أو بطنٌ، وفي معناها: مَن جمع جدَّك - قريبًا كان أو بعيدًا - وإياها صلبٌ أو بطنٌ.
والخالة: مَن جمع أمَّك وإياها صلبٌ أو بطنٌ، وفي معناها: مَن جمع جدتكَ - قريبةً كانت أو بعيدةً - وإياها صلبٌ أو بطنٌ.
_________________
(١) في (م) و(ك): "حرمت".
(٢) في (ك): "أنثى".
[ ٣ / ٤٩ ]
ونوافلُ الأخ والأخت وإن بَعدت داخلاتٌ في الحكم بالذكور يُدْلِين، أو بالإناث والإخوة من أيِّ جهة كانت.
﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ نزَّل الله تعالى تعالى الرَّضاعةَ منزلةَ النسب، حتى سمَّى المرضعةَ: أمًّا، والمراضِعةُ: أختًا، فلزم منه أنَّ زوج المرضعة أبوه، وأبويه جدَّاه، وأختَه عمتُه، وكلّ ولدٍ وُلد له من غير المرضعة (^١) قبل الرضاع وبعده فهم إخوتُه وأخواتُه لأبيه (^٢)، وأمّ المرضعة جدتُه، وأختها خالتُه، وكلّ مَن ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه، ومَن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه، ومنه قوله ﵇: "يَحْرُمُ من الرَّضاع ما يَحْرُمُ مِن النَّسَب" (^٣).
وقالوا: تحريم الرَّضاع كتحريم النَّسب إلا في مسألتين:
إحداهما: أنه لا يجوزُ للرجل أن يتزوَّج أخت ابنه من النسب، ويجوزُ أن يتزوج أخت ابنه من الرَّضاع؛ لأن المانع في النسب وطؤه أمَّها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع.
والثانية: لا يجوز أن يتزوَّج أمَّ أخيه من النسب، ويجوز في الرَّضاع؛ لأن المانع
_________________
(١) في (ح) و(ف): "المراضعة"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصادر. انظر: "الكشاف" (١/ ٤٩٤)، و"البحر المحيط" (٦/ ٥٤٦)، و"تفسير أبي السعود" (٢/ ١٦١)، و"روح المعاني" (٥/ ٤١٨).
(٢) بعدها في (ك): "وأمه ومَن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأبيه"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصادر السابقة.
(٣) رواه البخاري (٢١٤٦)، ومسلم (٩/ ١٤٤٥)، من حديث عائشة ﵂. ورواه البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧/ ١٣)، من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٣ / ٥٠ ]
في النسب وطءُ الأبِ إياها، وهذا المعنى غيرُ موجود في الرَّضاع.
وفي الحصر نظرٌ؛ لأن أمَّ النافلةِ - أي: زوجةَ الابن (^١) - وجدةَ الولد أيضًا يَحرمان من (^٢) النسب؛ لأن أمَّ النافلة زوجةُ الابن، وجدةَ الولد أمُّ الزوج، ولا يحرمان من الرضاع؛ كمَن أرضعت ولد ولدِك، وكأمٍّ (^٣) أجنبيةٍ أرضعت (^٤) ولدك.
هذا بحسَبِ جليلِ النظر، والذي هو بحسَبِ دَقيقهِ: أنَّ الحرمة في الصورِ المذكورةِ بالمصاهرة دون النسب، فلا حاجة إلى الاستثناء أصلًا.
﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ذكر أولًا محرَّمات النسب، ثم الرَّضاعةِ لأنها لُحمةٌ كلُحمة النسب، ثم محرَّمات المصاهرة فإن تحريمهنَّ عارض لمصلحة الزواج.
والربائب: جمع رَبيبة، والربيبُ ولد المرأة من آخَرَ، سُمي به لأنَّه يربِّيه كما يربي ولدَه في غالب الأمر، فَعيلٌ بمعنى مفعولٍ، وإنما لحقه التاءُ لأنَّه صار اسمًا لولد المرأة وإنْ لم يُربِّه.
وقوله: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ كنايةٌ عن كونهنَّ في ولايتهم وحمايتهم، وقالوا: إنَّ ذِكره خَرج مَخرجَ العادة لا مخرجَ الشرط، ولهذا اكتُفي في موضع الإحلال بنفي الدخول، وهذا ما بحسب جليلِ النظر، والذي هو بحسبِ دَقيقه هو أنه تقويةُ العلة (^٥) وتكميلُها.
_________________
(١) "أي زوجة الابن" من (م).
(٢) في (م): "في".
(٣) في (م): "وكان"، وقال في الهامش: "الصواب كانت".
(٤) في (م): "أو أرضعت".
(٥) في (ك) و(م): "للعلة".
[ ٣ / ٥١ ]
والمعنى: إذا دخلتم بأمهاتهنَّ وهنَّ في احتضانكم، أو من شأنهنَّ وحقِّهنَّ الكونُ فيه، قَوِيَ الشبهةُ بينها وبين أولادكم، فصارت أحقَّاءَ بأن تُجروها مجراهم، وعلى هذا - أي: على تقدير أن يكون المعنى ما (^١) قرَّرناه من تعميم المراد للَّتي مِن شأنها أن تكون في احتضانهم كما هو مقتضَى كونِ الوصف المذكور لتقوية العلَّة - يكون ذلك الوصفُ للحرمة (^٢)، والاكتفاءُ في موضع الإحلال بنفي الدخول لاستلزام انتفائه انتفاءه (^٣).
و﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ حال من ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ أو صفةٌ، أو من جملة الصلة؛ أي: اللاتي من نسائكم، وهو أولى بنظم الكلام.
والباء في ﴿بِهِنَّ﴾ للتعدية، والمعنى: أدخلتُموهنَّ السِّتر، وهي كنايةٌ عن الجماع، وعندنا يقوم اللَّمس مقامه.
ولا يجوز أن يكون ﴿اللَّاتِي﴾ وصفًا لـ ﴿نِسَائِكُمْ﴾ من قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ لعدم الحاجة في إفادةِ المعنى المراد إلى قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، والكلامُ البليغ يجب صونُه عن الحشو.
والرسول ﵇ فرَّق بين أمِّ المرأة وبنتِها فقال [في] رجلٍ (^٤) تزوَّج امرأة
_________________
(١) في (م): "على ما".
(٢) في (م): "الوصف تقييدًا للحرمة".
(٣) في (ك) و(م): "بنفي الدخول لا يستلزم انتفاءه". وقد وضح الآلوسي هذه المسألة بقوله: (وفي الاقتصار في بيان نفي الحرمة على نفي الدخول إشارة إلى أن المعتبر في الحرمة إنما هو الدخول، دون كون الربائب في الحجور، وإلا لقيل: فإن لم تكونوا دخلتم بهن ولسن في حجوركم، أو: فإن لم تكونوا دخلتم بهن أو لسن في حجوركم). انظر: "روح المعاني" (٥/ ٤٣٢).
(٤) في (ح) و(ف): "ورجل"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٤٩٥)،=
[ ٣ / ٥٢ ]
وطلقها قبل أن يدخل بها: "لا بأس أن يتزوج ابنتها، ولا يحلُّ له أن يتزوج أمها" (^١)، وهذا الدخولُ (^٢) شرط بالإجماع، بخلاف كون الربائب في حجورهم فإنه خرج على الأغلب، وليس بشرطٍ عند عامة العلماء.
﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أريدَ استمرارُ النفي لا نفيُ الاستمرار، فمعنى الكون مقدَّم في الاعتبار.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: في نكاح الربائب، وهذا البيانُ مهمٌّ عند مَن لا يقول بحجِّيَّة المفهوم، وعند مَن قال بها فائدتُه دفعُ القياس.
﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾: زوجاتُهم، سُميت حليلةً لحقَها لزوجها، أو لحُلولها معه في محلٍّ (^٣).
﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ بالذات أو بالواسطة، احترز به عن المتبنَّى؛ لأنهم كانوا يجعلونه كولدِ الصُّلب، لا عن الابن من الرضاع.
_________________
(١) = و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٦٨)، وما بين معكوفتين منهما.
(٢) رواه الترمذي (١١١٧) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ ابْنَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، فَلْيَنْكِحْ ابْنتهَا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ أُمِّهَا". قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ وَالمُثَنَّى بْنُ الصَبَّاحِ عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، والمُثَنَّى بنُ الصَّبَّاحِ وَابْنُ لَهِيعَةَ يُضَعَّفَانِ فِي الحَدِيثِ، والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، قَالُوا: إذا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَة ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بها حَل لَهُ أَنْ يَنْكِحَ ابْنَتَها، وإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجلُ الابنةَ فطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بها لَمْ يَحِلَّ له نكاحُ أمِّها؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾.
(٣) "الدخول" من (م).
(٤) في (ح) و(ف): "المحل".
[ ٣ / ٥٣ ]
﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ في محل الرفع عطفٌ على ما قبلَه من المحرَّمات؛ أي: وحرِّم عليكم الجمع بين الأختين في التمتُّع، ويلزمُه حُرمةُ الجمع بينهما بالنكاح - لِمَا قدَّمناه - دون مِلك اليمين؛ لأنَّه يُجامع حرمةَ التمتُّع؛ كما في الأمَة المجوسية، والأختِ رضاعًا، ولا دلالةَ في قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ على حلِّ المملوكة على كلِّ حال، فلا يعارض هذا القولَ الدالَّ على حرمتها في بعض الأحوال حتى يحتاج إلى الترجيح.
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناءٌ منقطع معناه: لكنْ ما قد سلف منكم مغفورٌ (^١)؛ لقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وروَى هشامٌ عن محمد بن الحسنِ أنه قال: كان أهل الجاهلية لا (^٢) يعرفون هذه المحرَّمات إلا ثنتين: نكاحَ امرأة الأب، ونكاحَ الأختين معًا، فلذلك قال هناك: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، وقال هاهنا: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^٣).
_________________
(١) في (ك) و(م): "مغفور له". وجاء في هامش (ف): "من تنبه لهذه الدلالة ثم جوز الاتصال في الاستثناء لم يكن على بصيرة. منه".
(٢) كلمة: "لا"، سقطت من (ح) و(ف). وانظر التعليق الآتي.
(٣) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٢٩٢)، و"تفسير القرطبي" (٦/ ١٩٧). وسقطت من مطبوعيهما كلمة (لا) أيضًا، لكن الصواب إثباتها؛ إذ بحذفها ينقلب المعنى ويصبح خلاف المراد. وقد روى الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٤٩)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٥٢٣) عن ابن عباس نحو ما ذكر عن محمد بن الحسن، ولفظه: (كان أهل الجاهلية يحرِّمون ما حرَّم الله إلا امرأة الأب والجمعَ بين الأختين، فلما جاء الإسلام أنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، و﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾). وروَى الطبري عن قتادة نحوه. وهو يؤيد ما ذكرناه من وجوب إثبات (لا)، وهناك احتمال آخر أقوى منه، وهو أن تكون كلمة (يعرفون) الواردة في=
[ ٣ / ٥٤ ]
(٢٤) - ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ بفتح الصاد، أي: أَحصنَهنَّ التزويج، وقُرئ بكسرها (^١)؛ أي: اللاتي أَحصَنَّ فروجهنَّ بالتَّزويج (^٢).
والإحصان: العفَّة، وتحصينُ النفس من الوقوع في الحرام.
﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: من اللاتي سُبِيْنَ وأُخْرجن (^٣) بدون أزواجهنَّ، فإن الفُرقة إنما تقع بتبايُنِ الدارين لا بالسَّبْي، ولا تَجلب العِدَّةَ، وتحل للغانم بملكِ اليمين بعد الاستبراء، ولا مساغَ لأخذِه على عمومه، فإنها إذا كانت مجوسيةً أو محرَّمةً بسبب الرضاع أو المصاهرة، أو بسببٍ آخر، أو مشتراةً وهي ذاتُ زوج، لا
_________________
(١) = كلام محمد محرفةً عن كلمة: (يحرمون) الواردة في خبر ابن عباس. وجاء في هامش (ف): "هذا هو الموعود فيما سبق. منه". قلت: يشير إلى ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، من قوله: "وقيل: الاستثناء منقطع، ومعناه: ولكنْ ما قد سلف لا مؤاخذةَ عليه لأنَّه مغفور، وتقف على أن هذا هو الوجه".
(٢) تنسب لطلحة بن مصرف. انظر: "الكشاف" (١/ ٤٨٧)، والمشهور في هذه الآية القراءة بالفتح، وما جاء في بعض نسخ البيضاوي من عزو القراءة بالكسر للكسائي خطأ نبه عليه الشهاب في "الحاشية" (٣/ ١٢٢).
(٣) في (م): "بالتزوج".
(٤) في (ح) و(ف): "أو أخرجن".
[ ٣ / ٥٥ ]
تَحلُّ لمالكها، فلا يكون حجةً على أبي حنيفة في قوله: لو سُبي الزوجان معًا لا يرتفعُ النكاح ولا تَحلُّ للسَّابِي.
﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ مصدر مؤكِّدٌ؛ أي: كَتب الله ذلك عليكم كتابًا، وهو تحريمُ ما حرَّم.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ عطفٌ على (كَتَب) المقدَّرِ الناصبِ، يدلُّ عليه قراءةُ: (كَتَبَ الله عليكم وأَحَلَّ لكم) (^١).
وقرئ: (كُتُبُ اللهِ) بالجمع والرفع (^٢)، أي: هذه فرائضُ الله عليكم.
ومَن قرأ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ على البناء للمفعول (^٣) عَطَفه على ﴿حُرِّمَتْ﴾.
﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: ما سوى المذكورِ من الأصناف المحرَّمة (^٤) بالنسب أو الرَّضاع أو المصاهرة أو الجمع، وما ثَبت حرمتُها بالسُّنَّةَ ليست بخارجةٍ منها.
الكافُ والميم في ﴿ذَلِكُمْ﴾ خطابٌ للرجال، والذالُ إشارةٌ إلى المذكورِ قبله من المحرَّمات، ولو أشار إليها لقال: وراء تِلْكُم.
﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ مفعولٌ له، أي: لِأنْ تبتغوا بأموالكم ما أُحلَّ لكم من النساء، ويجوز أن يكون بدلًا من ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ على الاشتمال، والأفصحُ أن لا يقدَّر المفعول؛ أي: ليَصدُر منكم الابتغاءُ بأموالكم، وهو إخراجُها في مهور النساء واشتراءِ الإماء.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٥)، و"الكشاف" (١/ ٤٨٧).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٤٨٧).
(٣) هي قراءة حمزة والكسائي وحفص، وقرأ باقي السبعة بالبناء للفاعل. انظر: "التيسير" (ص: ٩٥).
(٤) "المحرمة" من (م).
[ ٣ / ٥٦ ]
﴿مُحْصِنِينَ﴾ حالٌ ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ صفةٌ، أو حالٌ أخرى.
والمعنى: بيِّن لكم ما يحلُّ مما يحرمُ لكيلا تضيِّعوا أموالكم فيما لا يحلُّ لكم، فتخسروا في دنياكم ودينكم، وتجمَعوا بين الخُسرانين.
والسِّفاح: الزنا، من السَّفْح: وهو صبُّ المائع بإطلاق، ومنه: السَّفَّاح، وهو المسرِفُ في القتل، وفي الزنا: تضييعُ الماء؛ لعدمِ ثبوت النسب به، وفي الآية دلالةٌ على أنه لا نكاحَ إلا بمهرٍ من جنس المال.
﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ من جماع ودواعيهِ، والخلوةُ الصحيحةُ أقيمت مقامه، ولفظة (ما) تدل - على أنَّ يَسير التمتع يوجبُ إيتاء الأجر (^١).
﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: مُهورَهنَّ، والأجر بدل منافع العين في الإجارة، وبدل منافع البضع في النكاح.
﴿فَرِيضَةً﴾ حالٌ من الأجور بمعنى: مفروضة، أو مصدر وُضع موضع: إيتاءً؛ لأن الإيتاء مفروضٌ، أو مصدرٌ مؤكِّد؛ أي: فَرض الله ذلك فريضةً مفروضة.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ مِن حطِّ شيءٍ منها، أو هِبَتِها كلِّها منه، أو من زيادته عليها، أو فيما تراضَيا به من نفقةٍ أو مُقامٍ أو فراق.
وقيل: نزلت في المتعة التي كانت ثلاثةَ أيام حين فتحت مكةُ ثم نسخت، وهي غيرُ النكاح المؤقَّت على ما بُيِّن في محله.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بالمصالح ﴿حَكِيمًا﴾ فيما شرع من الأحكام.
_________________
(١) في (ف): "الأجرة".
[ ٣ / ٥٧ ]
(٢٥) - ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾: غنًى، وأصله: الفضل والزيادة.
﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: لأنْ ينكحَ الحرائرَ؛ لقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ يعني: الإماءَ (^١) ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
قال الشافعي: لا يجوز نكاحُ الأمَة الكتابية بناءً على مفهوم الوصف، ولا نكاحُ الأمَة المسلمة عند القدرة على مهر الحرة ونفقتِها بناءً على مفهوم الشرط، وكِلَا المفهومَين ليس بحجة عندنا، على أن اللازم على تقديرِ حجيَّة المفهوم عدمُ إباحة نكاحهما، ويجوز أن يكون ذلك لكراهيته لا لعدم صحته، ونحن لا ننازع فيها.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ تأنيسٌ بنكاح الإماء وإزالةِ الاستنكاف منه؛ أي: أعلمُ بتفاصيل ما بينكم وبين أرقَّائكم في الإيمان، فربما كان إيمانُ الأمَة أرجحَ من إيمان الحرة، وإيمانُ الحرَّة (^٢) أرجحَ من إيمان الرجل، ولا ينبغي للمؤمِن أن يطلب الفضلَ والرجحان إلا باعتبارِ الإيمان والإسلام، لا بالأحساب والأنساب، وقولُه:
﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ تأكيد لذلك المعنى؛ أي: أنتم وأرقَّاؤكم متواصلون ومتناسبون، نسبُكم من آدم ﵇، ودينُكم الإسلام.
_________________
(١) "يعني الإماء" من (ك) و(م).
(٢) في (ك): "المرأة".
[ ٣ / ٥٨ ]
﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾؛ أي: مَواليهِنَّ، اعتبارُ إذنهم دون مباشرتهم ظاهرٌ في انعقاد النكاح بعبارتهن، إذ لو كانت مباشرتُهم أو مباشرةُ وكيلهم شرطًا لكان المهمُّ ذكرَها لا ذكرَ الإذن؛ لأن ذكره لا يُغني عن ذكرها، وهذا ظاهرٌ، والمنكِر مكابرٌ، وذكرُها يغني عن ذكره.
﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وأَتوا مواليَهُنَّ مُهورهن، وحُذف (^١) لأنهنَّ وما في أيديهن ملكُ الموالي، فكان الأداء إليهنَّ أداءً إلى الموالي، وقال مالك: ليس للسيد أن يأخذ مهرَ أَمَته (^٢) ويدَعها بلا جَهَاز (^٣).
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بغيرِ مَطْلِ وضررٍ ونقصانٍ.
﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ عفائفَ.
﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾: غير مجاهرات بالسِّفاح.
﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: أخلَّاءَ في السرِّ.
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ بالتزويج.
﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾: بزنًا.
﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ يعني: الحرائرَ.
﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: ما على الحرائر من الحدِّ وهو الجلدُ؛ لأنَّ الرجم
_________________
(١) في النسخ عدا (م): "وخفف"، والمثبت من (م).
(٢) في النسخ: "مهرًا منه"، والمثبت من المصادر. انظر: "المدونة" (١٤/ ٣١٦)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٣٨)، و"تفسير القرطبي" (٦/ ٢٣٥)، و"البحر" (٦/ ٥٧٧).
(٣) في هامش (ح) و(ف): "هذا ما نقله القرطبي في تفسيره عن مالك، وأما الذي ذكره القاضي فالظاهر منه أن يكون المهر كله ملكًا للأمة دون المولى ولا وجه له. منه".
[ ٣ / ٥٩ ]
لا يتنصَّف، والعذاب المعهود هاهنا هو الحد، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
كان زناهنَّ في الجاهلية من وجهين: بالسِّفاح وهو بالأجر لكلِّ (^١) مَن رغب فيها، والمخادَنةِ وهي في صديق لها على الخصوص، وكان الأول يقع إعلانًا والثاني سرًّا.
وقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ ليس لنفي الحدِّ عنها إذا لم تُنكح، بل لبيانِ أنها بالنكاح لا يزداد حدُّها.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى نكاحِ الإماء.
﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾: خاف الإثم الذي قد يقع فيه مِن غلبةِ الشهوة.
والعنت في الأصل: انكسار العظم بعد الجبر، مستعارٌ لكلِّ مشقَّةٍ قادحةٍ؛ لاشتراكهما في التضرُّر والألم، ولا ضررَ أعظمُ من تَبِعة المأثم (^٢) بأفحشِ القبائح.
وقيل: المراد الحد.
أخذ الشافعي بظاهر الآية وقال: لا يجوز نكاح الأمة إلا بثلاث شرائطَ؛ اثنان في الناكح: عدمُ طَول الحرة وخشيةُ العنت، والثالث في المنكوحة وهي أن تكون مؤمنةً، وهذه الأشياء عندنا للاختيار (^٣) لا للاشتراط.
﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾؛ أي: صبرُكم عن نكاح الأمة.
_________________
(١) في (ح) و(ف) و(م): "بكل".
(٢) في (م): "مواقعة المأثم".
(٣) في (م): "للاحتياط".
[ ٣ / ٦٠ ]
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لأن فيه إرقاقَ الولد، وقال ﵇: "الحرائرُ صلاحُ البيوت، والإماءُ هلاكُ البيوت" (^١).
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ للزنا بإقامة الحد إذا احتَسَب ذلك.
﴿رَحِيمٌ﴾ إذ جعل العذاب عليه الحدَّ في الدنيا لا العقوبةَ في الآخرة.
(٢٦) - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ما هو خفيٌّ عنكم من مصالح دِينكم، أصله: يريد الله أنْ يبيِّن لكم، فزيدت اللام لتأكيد إرادةِ التبيين كما زيدت في: لا أبا لك لتأكيد إضافةِ الأبِ لا لتأكيدِ معنى الاستقبال اللازمِ للإرادة، فإنه لا ينبغي أن يَخطر بالبال في مثل هذا المقال.
﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: مناهجَ مَن تَقدَّمَكم من أهل الرشد لتسلكوا طريقهم.
﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾: ويقبلَ توبتكم إذا رجعتم إليه بسلوك مناهجهم.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده.
﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرَع لهم.
_________________
(١) رواه الثعلبي من حديث أبي هريرة، وفي إسناده أحمد بن محمد اليمامي وهو متروك وكذبه أبو حاتم، ويونس بن مرداس قال الحافظ: لا أعرفه. انظر: "الكاف الشاف" (ص: ٤٢).
[ ٣ / ٦١ ]
(٢٧) - ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ﴾ تقديمُ اسم الله على الفعل للاختصاصِ مع تقوِّي الإسناد؛ أي: واللّهُ خاصةً يريد إرادةً تامة.
﴿أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ بسلوك طريقِ الحقِّ التي هداكم إليها.
﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ يعني: الفَجَرةَ أتباعَ الشهوة في كلِّ حالٍ مذموم؛ لأن ذلك ائتمارٌ لها من حيث ما دعت الشهوةُ إليه، أمَّا إذا كان الاتِّباع من حيث العقلُ أو الشرعُ فذلك هو اتِّباعٌ لهما لا للشهوة.
وقيل: اليهود. وقيل: المجوس (^١)، فإنهم يُحلُّون (^٢) الأخواتِ من الأب (^٣)، وبناتِ الأخ والأخت.
﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ إلى الباطل عن القصد والحقِّ بموافقتهم على اتِّباع الشهوات.
﴿مَيْلًا﴾ التنكير للتكثير.
﴿عَظِيمًا﴾ توصيفه بالعِظَم للمبالغة، فإنه فوق الكثير (^٤)، وهو المناسبُ بمقام التنفير والتحذير.
_________________
(١) في النسخ: "وقيل المجوس وقيل اليهود"، وهو وهم من البيضاوي الذي نقل عنه المؤلف، والمثبت من "الكشاف" (١/ ٥٠١)، ومثله في تفاسير البغوي والرازي وأبي حيان وابن عادل والنيسابوري وأبي السعود وحقي والآلوسي.
(٢) في (ك) و(م): "يحللون"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المصادر السابقة.
(٣) في (م): "الآباء"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المصادر السابقة.
(٤) في (م): "الكبر".
[ ٣ / ٦٢ ]
ولقوة إرادته تعالى، وضعفِ إرادتهم، واستلزامِها للمراد، وتخلُّفِ مُرادهم عن إرادتهم، قدَّمه على الفعل وأخَّرهم عنه.
(٢٨) - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ بإحلال نكاح الإماء وسائر الرُّخص.
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ لا يصبر عن الشهوات، ولا يتحمَّل مشاقَّ التكاليف.
(٢٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ بالوجه الغيرِ المشروع، كالشركة والمضارَبة الفاسدتين، والربا والقمار، وأما السرقةُ والغصب ونحوُهما فلا يناسبها قوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾.
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ استثناءٌ منقطعٌ؛ أي: ولكنْ كونُ تجارةٍ عن تراضٍ غيرُ مَنْهيٍّ عنه؛ أو (^١): اقْصدوا كونَ تجارةٍ.
و﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ صفةُ ﴿تِجَارَةً﴾؛ أي: تجارةٌ صادرةٌ عن تراضي المتعاقدَينِ، وخَصَّ التجارة بالذكر لأن أكثر أسباب الرزق يتعلَّق بها.
_________________
(١) في (ح) و(ف) ت "أي"، وفي (م): "إذ"، وسقطت الجملة من (ك)، والتصويب من "الكشاف" (١/ ٥٠٢)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٧٠)، وعنه نقل المؤلف.
[ ٣ / ٦٣ ]
وقرئ: ﴿تِجَارَةً﴾ بالنصب (^١) على (كان) الناقصة، وإضمارِ الاسم؛ أي: إلا أن تكون التجارةُ - أو: الجهةُ - تجارةً.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: مَن كان مِن جنسكم من المؤمنين، فإنهم كنفسٍ واحدةٍ.
أو: ولا تقتلوا أنفسَكم بالبَخْع (^٢) كما يفعلُه بعض الجَهَلة.
أو: بإلقاءِ النفس إلى التهلكة، ويؤيِّده ما رُوي أنَّ عمرو بن العاص ﵁ تأوَّله في التيمُّم لخوف البرد، ولم ينكِر عليه النبيُّ ﷺ (^٣).
أو: بارتكاب ما يؤدِّي إلى قتلِها.
جمع في التوصية بين حفظ النفس والمالِ الذي هو شقيقُها من حيث إنه سببُ قوامها؛ استبقاءً لهم ريثما تستكمل النفوس وتستوفي فضائلها رأفةً بهم ورحمةً؛ كما أشار إليه بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ما نهاكم عمَّا يضرُّكم إلا لرحمته عليكم.
وقيل: معناه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ﴾ يا أمَّةَ محمدٍ ﴿رَحِيمًا﴾ لمَّا أَمر بني إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه.
(٣٠) - ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
_________________
(١) هي قراءة حمزة والكسائي وعاصم، وقرأ باقي السبعة بالرفع. انظر: "التيسير" (ص: ٩٥).
(٢) البخع بالباء الموحدة والخاء المعجمة والعين المهملة: قتل النفس غمًّا، ومراده به مطلق القتل. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٣/ ١٢٩).
(٣) رواه أبو داود (٣٣٤)، وعلقه البخاري قبل الحديث (٣٤٥).
[ ٣ / ٦٤ ]
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى قتل النفس؛ أي: مَن يُقْدِم على قتل النفس (^١).
﴿عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ لا اقتصاصًا وعدلًا، والمراد من العدوان: التعدِّي على الغير، ومن الظلم: الإتيان بما لا يستحق.
﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾) نُدخله إياها، وقرئ بالتشديد مِن صَلَّى، وبفتح النون مِن صَلَاه يَصْليهِ، ومنه: شاةٌ مَصْلِيَّةٌ، و(يَصْليهِ) بالياء على أن الضمير لله تعالى، أو لـ ﴿ذَلِكَ﴾ من حيث إنه سببُ الصُّلِيِّ (^٢).
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا عسرَ فيه ولا صارفَ عنه.
(٣١) - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الاجتناب: التَّباعُد، والكبائر: جمع كبيرةٍ، وهي الفعلةُ العظيمة الإثمِ، وقد أضافها إلى جميع المنهيَّات، وقرئ: (كبيرَ) على إرادة الجنس (^٣).
﴿نُكَفِّرْ﴾ نَستر ﴿عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ من الصغائر، والكبيرةُ والصغيرةُ وُضعت كلُّ واحدةٍ منهما بالقياس إلى صاحبتها، فكلُّ ما كانت المخالفةُ فيها أكثرَ والنهيُ
_________________
(١) "أي من يقدم على قتل النفس" من (م).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٠٣)، وجميعها من الشواذ، والثانية في "المختصر في شواذ القراءات" (ص:٢٥).
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٥).
[ ٣ / ٦٥ ]
عنها أغلظَ كان أكبرَ وبالعكس، والتكفيرُ مبالغةٌ في سترها بجعلها كأنْ لم تكن حيث لا عقاب عليها.
وعن أمير المؤمنين عليٍّ ﵁: الكبائرُ سبعٌ: الشركُ بالله، والقتلُ، والقذفُ، والربا، وأكلُ مال اليتيم، والفرارُ من الزحف، والتعرُّبُ بعد الهجرة (^١).
وزاد ابن عمر ﵄: السحر، واستحلال البيت الحرام (^٢).
وابن عباس ﵄: أن رجلًا قال له: الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى سبعِ مئةٍ أقربُ؛ لأنَّه لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار (^٣)، وفيه ما فيه.
وقيل: أراد بها هاهنا أنواع الشرك؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
وفيه نظر، وكأن هذا القائل غافلٌ عن الفرق بين ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ وبين: غير ذلك، ولم يتنبَّه لوجه العدول عن الثاني - مع كونه أخصرَ وأظهرَ - إلى المنزل (^٤).
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٠٣)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٤٣) عن محمد بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه قال: إني لفي هذا المسجد، مسجد الكوفة، وعليٌّ يخطب الناسَ على المنبر، فقال: (يا أيها الناس، إن الكبائر سبعٌ ..) فذكره وزاد: (فقلت لأبي: يا أبهْ، ما التعرّب بعد الهجرة، كيف لَحِقَ هاهنا؟ فقال: يا بنيّ، وما أعظمُ من أن يهاجر الرجل، حتى إذا وقع سَهمه في الفيء ووَجب عليه الجهاد، خلع ذلك من عنقه، فرجع أعرابيًّا كما كان؟)
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٠٣)، ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (٨)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٤٦ - ٦٤٧)، ورواه أبو داود (٢٨٧٥) من حديث عمير بن قتادة ﵁ مرفوعًا.
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٠٣). ورواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٥١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٣٤). وانظر كلام المؤلف عليه في الحديث التاسع من الأربعين الأولى من أربعينيات المؤلف، المطبوعة مفردة وضمن مجموع رسائله.
(٤) في هامش (ح) و(ف): "وهو الإشارة إلى أن في المقام ما يساوي الشرك فلا يغفر، كإنكار تبعة نبي=
[ ٣ / ٦٦ ]
أضاف السيئات إلى المخاطبين؛ لأن المراد الذنوبُ التي فعلوها، ولم يضف الكبائر إليهم؛ لأن المراد منها ما اجتنبوا عنها، وفي عبارة الاجتناب إشارةٌ إلى أن تلك الكبائر مما يَعترض (^١) للناس في طرق معاشه ومكاسبه ومعاملته، فالاحترازُ عنها لا يخلو عن مشقَّةٍ وكُلفةٍ، فتلك الكفارة جزاؤه، ولو قيل: إن لم تفعلوا، لفاتت تلك الفائدة.
﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ بضمِّ الميم، وهو مصدرٌ، أو مكانُ الإدخال وهو الجنة، وبفتحها (^٢) وهو مكان الدخول، أو مصدر منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ تقديره: فتدخلوا مَدخلًا، حُذف لدلالة الفعل المطاوع عليه.
(٣٢) - ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ نُهوا عن تَمنِّي ما فضَّل الله به بعضَ الناس على بعضٍ من الجاه والمال والعلم، مع قطع النظر عن كونه ذريعةً إلى التحاسد والتباعد (^٣)؛ لأن ذلك التفضيلَ قسمةٌ من الله تعالى على ما اقتضتْه حكمتُه، فليَرْضَ كلُّ واحد بما قُسم له، علمًا بأنه هو الذي فيه صلاحه.
_________________
(١) = من الله شارع، وإنكار ما هو من ضروريات الدين. منه".
(٢) في "ك": (تعرض).
(٣) هي قراءة نافع، وقرأ باقي السبعة بضم الميم. انظر: "التيسير" (ص: ٩٥).
(٤) في النسخ عدا (م): "ذريعة إلى التجارة"، والمثبت من (م)، وجاء في هامشها: "رد للبيضاوي"، وهو كما قال، وانظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧١)، وسنذكر كلامه في التعليق الآتي.
[ ٣ / ٦٧ ]
ولا يَذهَبْ عليك أن موجَبَ هذا أن يكون التمنِّي المذكورُ منهيًّا سواءٌ كان مقارِنًا للطلب أو لم يكن، فمَن وفِّق بالتعليل المذكور ثم قال: وأنَّه تَشَهٍّ (^١) لحصول الشيء له من غير طلبٍ وهو مذموم؛ لأن تَمنِّيَ ما لم يقدَّرْ له معارضةٌ لحكم القدر، وتمنيَ ما قدِّر له بكسبٍ بطالةٌ وتضييعُ حظٍّ، وتمنيَ ما قدِّر له بغيرِ كسبٍ ضائعٌ وباطلٌ (^٢) = لم يكن على بصيرةٍ.
ثم إنَّ قوله: معارضةٌ لحكم القدر، مبناه الغفولُ عما بُيِّن في موضعه من أنه لا حكم للقدر، وإلا يلزمُ الجبرُ وَيبطل التكليف.
ثم إن الشقَّ الأخير في معرض المنع؛ إذ يحتمل أن يكون ما قدِّر له بغير كسبٍ مشروطًا بالتمني فلا يلزم المحذور المذكور (^٣).
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ بيانٌ لذلك؛ أي: لكلٍّ من الرجال والنساء نصيبٌ مقدَّرٌ على ما تقتضيه الحكمة (^٤)، فلا ينبغي للمفضول أن يتمنى نصيب الفاضل.
_________________
(١) في النسخ عدا (ك): "تشهي"، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧١)، وهذا نص كلامه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ من الأمور الدنيوية كالجاه والمال، فلعل عدمه خير، والمقتضي للمنع كونه ذريعة إلى التحاسد والتعادي، معربة عن عدم الرضا بما قسم الله له، وأنَّه تشه ..) إلى آخر ما قال مما نقله عنه المؤلف.
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧١ - ٧٢).
(٣) من قوله: "ثم إن الشق الأخير … " إلى هنا وقع في النسخ قبل ما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، لكن جرى التنبيه في هامش (م) أن موضعه هنا، وهو الصواب.
(٤) في هامش (ف): "فيه رد لمن قال: فاطلبوا الفضل بالعمل لا بالحسد والتمني. منه". وفيه أيضا: "من قال: جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف الله من حاله الموجبة للبسط والقبض، فكأنه لم يعرف أن المعرف لا ينسب إليه تعالى. منه".
[ ٣ / ٦٨ ]
ونَسب الكسبَ إليهم وجَعل النصيبَ منه لأنَّه جَعل سعيَه سببًا لوصول ما قدِّر له إليه.
﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: لا تتمنَّوا أنصباءَ غيركم من الفضل فإنه طلبٌ للمُحال، ولكن سَلُوا الله من خزائن جُوده التي لا تَنفَدُ (^١).
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ وهو يعلم ما يستحقُّه كلُّ إنسان، فيفضِّل عن علم وتبيان.
رُوي أن أمَّ سلمة قالت ونسوةٌ معها: ليتَ الله كتب علينا الجهاد كما كتب على الرجال، فيكونَ لنا من الأجر مثلُ ما لهم، فنزلت (^٢).
(٣٣) - ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾.
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ صفةٌ لـ (كلٍّ﴾ مبيِّنةٌ له؛ أي: لكلِّ شيء مما ترك الوالدان جعلنا ورَّاثًا يَلُونه ويُحرزونه، و(لكلٍّ) أحدُ مفعولي (جعَل).
أو صفةٌ لمحذوفٍ على أن ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ صفةٌ لـ (كلّ)؛ أي: ولكلِّ قوم جعلناهم موالي نصيبٌ مما ترك الوالدان، والراجع محذوفٌ وهو أحد مفعولي
_________________
(١) في النسخ عدا (م): "تتغير"، والمثبت من (م). وجاء في هامش (ف): "فيه رد لمن قال: أي: لا تتمنوا ما للناس واسألوا الله مثله من خزائنه. منه".
(٢) رواه بنحوه الترمذي (٣٠٢٢)، والإمام أحمد في "المسند" (٢٦٧٣٦) من طريق مجاهد عن أم سلمة ﵂، وفيه انقطاع بينهما نبه عليه الترمذي.
[ ٣ / ٦٩ ]
(جعل)، و(لكلٍّ) خبر مبتدأ محذوفٍ وهو (نصيبٌ).
ولا يجوز أن يكون المعنى: ولكلِّ ميت جعلنا وارثًا مما تركه، إذ لا يلزم أن يكون لكلِّ ميت وارثٌ فضلًا أن يكون وارثًا من الوالدين والأقربين.
﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مولى الموالاة (^١)، كان الحليفُ يورَّث السدسَ من مال حليفه، فنسخ بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥].
وعند أبي حنيفة: إذا تعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا (^٢) صح وورث بحق الموالاة، خلافًا للشافعي.
وحملُه على الأزواج على أن العقد عقد نكاح يأباه قوله: ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾، وهو مبتدأ ضمِّن معنى الشرط، وخبره: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، أو منصوب بمضمرٍ يفسِّره ما بعده؛ كقولك: زيدًا فاضربه، أو معطوف على ﴿الْوَالِدَانِ﴾، وقوله: ﴿فَآتُوهُمْ﴾ جملة مسبَّبةٌ عما تقدم، والضمير للموالي.
وقرئ: ﴿عَقَدَتْ﴾ (^٣) بمعنى: عقدت (^٤) عهودَهم أيمانُكم، فحُذف العهود وأُقيم الضمير المضافُ إليه مقامه، ثم حُذف كما حذف في القراءة الأخرى (^٥).
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ تهديدٌ لمن خالَف الأمر.
_________________
(١) قوله: "مولى الموالاة"، كذا وقع في النسخ بالمفرد، وجاء في "الكشاف" (١/ ٥٠٤)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٧٢): (موالي الموالاة) بالجمع، وهو الأنسب بلفظ الآية.
(٢) في هامش (ف): "الإسلام على يده ليس بشرط. منه". قلت: فيه تعريض بالبيضاوي حيث قال: (وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا …).
(٣) هي قراءة حمزة والكسائي وعاصم، وقرأ باقي السبعة: (عاقدت). انظر: "التيسير" (ص: ٩٦).
(٤) في النسخ: "عاقدت"، والمثبت من "الكشاف" (١/ ٥٠٥)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٧٢).
(٥) في (ك): "الأولى".
[ ٣ / ٧٠ ]
(٣٤) - ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ يقومون عليهنَّ آمرينَ ناهينَ كالولاة، وعلَّل ذلك بأمرين: مَوهبيٍّ وكَسبيٍّ فقال:
﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بسبب تفضيل الرجال على النساء، والتعبير عنه على وجه الإبهام للإيهام بأن هذا التفضيل من جملة التفضيلات الواقعةِ في القِسْمة الأزلية على مقتضَى الحكمة المذكورِ فيما تقدم بقوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
وفيه دليلٌ على أن الرجال إنما يستحِقُّون الولاية عليهن بالفضل لا بالتغلُّب (^١) والقهر، وهو كمالُ العقل وحُسن التدبير، وقوةُ العزم والحزم، ومَزيدُ القدرة على الطاعات وسائرِ الأعمال، ولذلك خُصُّوا بالنبوَّة والإمامة والولاية، وإقامةِ الشعائر، ووجوبِ الجهاد والجمعةِ ونحوها.
﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾ وبسبب ما أخرجوا في نكاحهن.
﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ في مهورهن ونفقاتهن، رُوي أن سعد بن ربيع نَشزت عليه امرأتُه فلطَمها، فانطلق بها أبوها إلى رسول الله ﷺ فشكَى، فقال ﵇: "لتقتصَّ منه" فنزلت فقال: "أردْنا أمرًا وأرادَ الله أمرًا، والذي أرادَ اللهُ خيرٌ" (^٢).
_________________
(١) في (ك): "بالتغليب".
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٥١) عن مقاتل، ورواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٨٨٦) =
[ ٣ / ٧١ ]
ثم بيَّن أن النساء نوعان، فالفاء في قوله:
﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ لتفصيل المجمل المفهومِ مما تقدَّم.
﴿قَانِتَاتٌ﴾؛ أي: النساءُ الموصوفاتُ بالصلاح هنَّ المطيعاتُ لله تعالى، القائماتُ بحقوق الأزواج.
﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾؛ أي: لغَيبة الأزواج، والمعنى: بمواجب الغيبة، أي: يحفَظْنَ في غَيبة الأزواج ما يجب عليهن حفظُه من الفروج والأولاد والبيوت والأموال.
وقيل: لما غاب من الحسِّ من أسرارهم، والوجه هو الأول لما روي عنه ﵇: "خيرُ النساءِ امرأةٌ إنْ نَظرتَ إليها سَرَّتْكَ، وإنْ أَمرْتَها أطاعَتْكَ، وإذا غِبْتَ عنها حَفِظَتْكَ في مالها ونَفْسِها" وتلا الآية (^١).
﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ بحفظِ الله إياهنَّ، يعني: أن حفظهنَّ للغيب ليس من قِبَلِ أنفسهنَّ، بل ذلك بحفظِ الله إياهنَّ لذلك.
وقيل: [بحفظ الله إياهن] بالأمر بحفظ الغيب والحثِّ عليه بالوعد والوعيد.
ويَرِدُ عليه: أنه لا اختصاص بحفظ الله تعالى بهذا المعنى بالنوع الأول منهنَّ، ومن رام الإصلاح بزيادة قوله: والتوفيقِ له (^٢)، لم يَدْرِ أن الذي زاده وجهٌ مستقلٌّ، ومعنًى تامٌّ.
_________________
(١) = عن الحسن مختصرًا دون ذكر الأسماء.
(٢) رواه النَّسَائِيّ في "الكبرى" (٨٩١٢)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٩٣)، من حديث أبي هريرة ﵁، وله شاهد من حديث ابن عباس ﵄ رواه أبو داود (١٦٦٤).
(٣) الذي رام الإصلاح بهذه الزيادة هو البيضاوي. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧٣)، وما تقدم بين معكوفتين منه.
[ ٣ / ٧٢ ]
وقرئ: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ بالنصب (^١) على أنَّ (ما) موصولةٌ، أي: بالأمر الذي يحفظُ حق الله وأمانةَ الله، وهو التعفُّفُ والتحصُّنُ والشفقةُ على الرجال.
﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ عصيانهنَّ وترفُّعَهنَّ (^٢) عن مطاوعة الأزواج، من النَّشز (^٣).
﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ قال الإمام أبو منصور: العظَةُ كلامٌ يُلين القلوبَ القاسية، ويرغِّب الطبائعَ النافرةَ، وهو بتذكير العواقب (^٤).
﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾؛ أي: إذا لم ينفع الوعظُ وظهر النشوزُ فأدِّبوهن بالهجر، وهو القطع، والمضاجع: جمع مَضجعٍ، وهو موضعُ وضعِ الجَنْب للنوم، ولم يُرِدْ به تبعيدَها عن مضجعه، ولذلك لم يقل: عن المضاجع، بل أراد أن يُوليَها ظهرَه وهما في مضجعٍ (^٥) واحدٍ، إعلامًا بالعتب والمؤاخذة (^٦).
﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾؛ أي (^٧): إذا لم تقع الكفايةُ بالهجران فأدِّبوهن بالضرب لإصرارهن على النشوز، وهو ضربٌ غير جارحٍ ولا خادشٍ ولا شائنٍ.
وما ذُكر من الترتيب مع النظم بالواو مستفادٌ من قرينة المقام وسَوقِ الكلام؛ للرفق في إصلاحهن وإدخالهن تحت الطاعة (^٨).
_________________
(١) هي قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٤٩).
(٢) في (م): "وترفعن".
(٣) بسكون الشين وفتحها. انظر: "روح المعاني" (٦/ ١٣).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٣/ ١٦٢).
(٥) في (ك): "موضع".
(٦) في (ك): "والموجدة".
(٧) في (م) و(ك): "يعني".
(٨) "الطاعة" من (ك) و(م).
[ ٣ / ٧٣ ]
﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾: فلا تتعرَّضوا لهن بالأذى والتوبيخ، واجعلوا ما كان منهنَّ كأنْ لم يكن بعد الرجوع إلى الطاعة وتركِ النشوز.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ يعني: إنكم تَعْصونه تعالى مع علوِّ شأنه وكبرياءِ سلطانه، ولا يؤاخذكم بأول الحال، ويدعو إلى التوبة ويقبل إذا تاب، ولا يؤاخذُ بما قد كان، والعبدُ أحقُّ بذلك.
وفي ذكر علوِّه تعالى وكبريائه تحذيرٌ للعبد، ومنعٌ عن مجاوزة الحد فيما يقيمه عليها على (^١) وجه التأديب.
* * *
(٣٥) - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الخطاب لوُلاة الأمر.
﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ خلافًا بين المرأة وزوجها، أضمَرهما قبل الذِّكر لذكر ما يدلُّ عليهما، وأصل الشقاق: أن يصير أحدهما في شقٍّ والآخَرُ في شقٍّ بالمخالَفة والمباعَدة، وإضافتُه إلى الظرف إمَّا لإجرائه مجرى المفعول كقوله: يا سارقَ الليلة، أو الفاعل كقولهم: نهارُه صائمٌ.
﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ متى اشْتبَه عليكم حالُهما؛ لتبيين (^٢)
_________________
(١) في (م): "من".
(٢) في (ح) و(ك) (م): "ليتبين"، وفي (ف): "لتبين"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧٣) والكلام منه.
[ ٣ / ٧٤ ]
الأمر أو إصلاح (^١) ذات البين، رجلًا عدلًا مرضيًا به يصلُح للحكومة والإصلاح من أهله، وآخَرَ من أهلها؛ لأن الأقارب من الطرفين أعرف ببواطن الأحوال، وأَطلَبُ للصلاح، وتَسكُنُ إليهم نفوسُ الزوجين، ولا يَحتشِمان من إبراز ما في ضمائرهما من الحبِّ والبغض، وإرادةِ الصحبة والفرقة، وهذا على وجه الاستحباب، فلو نصِّبا من الأجانب جاز.
وقيل: الخطاب للأزواج والزوجات، ولا يساعدُه نظمُ الكلام كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
واختُلف في أنهما يليان الجمع والتفريق بينهما بحسَب ما رأَيا، أو لا إلا بإذن الزوجين؟ والأصح أن ذلك إليهما، وما جُعلا حكَمين إلا وإليهما بناءُ الأمر على ما يقتضيه اجتهادهما، وبه استُدل على جواز التحكيم.
﴿إِنْ يُرِيدَا﴾؛ أي: الحكمان ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ لذات البَيْنِ ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: أوقع الله بحُسن سعيهما الموافقةَ بين الزوجين.
وقيل: الضميران كلاهما للحكَمين؛ أي: إنْ قصدا (^٢) الإصلاح يوفِّق الله بينهما لتتَّفق كلمتهما، ويحصل مقصودُهما.
وقيل: للزوجين؛ أي: إن أرادا الإصلاح وزوالَ الشقاق أوقع الله بينهما الأُلفة والوفاق.
وفيه تنبيهٌ على أنَّ مَن أَصلح نيَّته فيما تحرَّاه أَصلح الله مُبتغاه.
_________________
(١) في (م): "وإصلاح". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي".
(٢) في (ح) و(ف) و(ك): "أي قصة"، وهو تحريف ظاهر، وفي (م): "أي قصدا"، وقال في الهامش: "لعل لفظ إن ساقط". والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧٣) والكلام منه.
[ ٣ / ٧٥ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ بالظواهر والبواطن، فيعلمُ كيف يُرْفَعُ الشقاقُ ويُوْقَعُ الوفاق به.
إنما ذكر إرادة الإصلاح والتوفيق بينهما، وأهمل ذكر التفريق - مع كون الحكمين منصوبَين لِمَا رأيا من الأمرين جميعًا - حثًّا لهما وبعثًا للزوجين على الوفاق والجمعية والألفة، وردعًا لهما عن الخلاف والتقاطع والفُرقة، وترجيحًا للأول على الثاني.
* * *
(٣٦) - ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ من الأشياء في العبادة، أو: شيئًا من الإشراك جليًّا أو خفيًّا.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ أي: وأَحْسِنوا بهما إحسانًا.
﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ بكلِّ مَن بينكم وبينه قرابةٌ، عَطَف بتكرير الجارِّ ليُفيد أن إحسان ذي القربى بالأصالة لا بالتبعيَّة.
﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ الذي قَرُبَ جوارُه، وليس له اتصالٌ بنسب، وإلا لَمَا فُصِل بينه وبين ذي القربى بالأجنبيِّ.
وقرئ: (الجارَ ذي القربى) نصبًا على الاختصاص (^١)؛ تعظيمًا لحقِّ الجوار.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القرآن" (ص: ٢٧)، و"إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٤٥٤)، و"الكشاف" (١/ ٥٠٩)، و" البحر" (٧/ ٥٤). ووقع في النسخ عدا (ك): "ذي القربى"، والمثبت من (ك) والمصادر.
[ ٣ / ٧٦ ]
﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: الذي بَعُد جِوارُه ولا قرابةَ له، قال النبيُّ ﵇: "الجيرانُ ثلاثةٌ: جارٌ له حقٌّ واحد وهو حقُّ الجِوار وهو الجارُ المشرِك، وجارٌ له حقَّان حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام وهو الجار المسلم، وجار له ثلاثةُ حقوق حقُّ الجار وحقُّ الإسلام وحقُّ القرابة وهو الجارُ المسلمُ القريب" (^١).
﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ هو الذي (^٢) صَحِبَك بأنْ حصَل بجنبك: إمَّا رفيقًا في سفرٍ، أو شريكًا في تعلُّمِ علمٍ أو حِرفة.
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المسافر، والضيفُ في حكمه.
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من الرقيق.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ تيَّاهًا يتكبَّر عن إكرام أقاربه وجيرانه وأصحابه ومماليكه فلا يلتفتُ إليهم، وقد سبق أنَّ عدم المحبة عبارةٌ عن البغض.
﴿فَخُورًا﴾ يتفاخر عليهم.
* * *
(٣٧) - ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
_________________
(١) رواه البزار (١٨٩٦ - كشف الأستار) من حديث جابر ﵁، وفي إسناده عبد الله بن محمد الحارثي، وهو وضاع كما في "مجمع الزوائد" (٨/ ٣٠٠). ورواه الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (ص: ٤٠ - ٤١)، والبيهقي في "الشعب" (٩٥٦٠)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وفي إسناده مجموعة من الضعفاء، لكنهم غير متهمين بالوضع كما قال البيهقي.
(٢) في (ك): "من".
[ ٣ / ٧٧ ]
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بما مُنحوا به (^١) ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ أمرَ إرشاد ﴿بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: الغنى والعلم.
بدلٌ من قوله: ﴿مِنْ كَانَ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿مَنْ﴾ قال: ﴿مُخْتَالًا﴾ حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾، ثم قال: ﴿الَّذِينَ﴾ حملًا على المعنى، أو نصبٌ على الذمِّ، أو رفعٌ عليه؛ أي: هم الذين، أو مبتدأٌ خبره محذوف، كأنه قيل: الذين يبخلون ويأمرون ويكتمون أحقَّاءُ بالمقت والتعذيب.
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ يُهانون به في الآخرة غايةَ الإهانة (^٢)، وهذا يُستفاد من جَعل الوصف أمرًا ظاهرَ اللزوم للموصوف بحيث لا فائدةَ في ذكره إن لم يُحمل على المبالغة (^٣)، والمعنى: أعتدنا لهم وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧].
والعدول عن المضمَر إلى الظاهر للإشعار بأنَّ أمرهم الناسَ بالبخل، وإخفاءَهم ما أنعم الله تعالى عليهم من المال وسعةِ الحال، أثرُ الكفر.
وفيه تنبيهٌ على أن الكفران لنعمة الله تعالى من وادي الكفر، قال طاوسٌ: البخلُ هو أن يبخل الإنسان بما في يده، والشحُّ هو أن يَشحَّ بما في أيدي الناس، فهم جامعون بين البخل والشح.
_________________
(١) في (ك): "منه".
(٢) وهذا التعبير شائع في سائر الألسنة أيضًا.
(٣) في (ح) و(ف): "البالغ".
[ ٣ / ٧٨ ]
(٣٨) - ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾؛ ليقال: ما أسخاهم وما أَجْوَدهم، لا ابتغاءَ وجه الله.
عطفٌ على ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، وإنما شاركهم في الذمِّ والوعيد؛ لأنَّ البخل والسَّرَفَ - الذي هو الإنفاق لا على ما ينبغي - من حيث إنها طرفُ إفراطٍ وتفريطٍ سواءٌ في القبح واستجلابِ الذم.
أو مبتدأ خبره محذوفٌ مدلولٌ عليه بقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾.
﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ليتحرَّوا بالإنفاق مَراضِيَه وثوابَه، ونفقةُ مَن لا يؤمن لا تكون لرضا اللهِ، بل تكون لتزيين الشيطان، ولذلك ختم الآيةَ بقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ حيث حملهم على البخل والرِّياء وكلِّ رذيلة، أو حين يُقرَن بهم في النار فيكون وعيدًا لهم.
في ﴿فَسَاءَ﴾ ضميرٌ مبهَمٌ ﴿قَرِينًا﴾ تفسيرُه وبيانُه، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ؛ أي: الشيطان.
* * *
(٣٩) - ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾.
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾: وأيُّ تَبعةٍ ووبالٍ في الإيمان والإنفاق في سبيل الله، والمرادُ: الذمُّ والتوبيخ على الجهل بمكان المنفعة (^١)،
_________________
(١) في النسخ عدا (م): "النفقة"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧٤).
[ ٣ / ٧٩ ]
والاعتقادِ في الشيء على خلافِ ما هو عليه، وإيهامٌ أنهم في الاعتياد بالرذائل والشَّغَف بالكفر والقبائح كأنهم يعتقدون أنهم مُثابون على ذلك، ومُعاقَبون على أضدادها من الفضائل والإيمان والمحاسن، وتحريض على الفكر (^١) في طلب الجواب لعله يؤدِّي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة، والعوائد (^٢) الجميلة، وتنبيهٌ على أنَّ المدعو إلى أمر لا ضررَ فيه (^٣) ينبغي أن يجيب إليه احتياطًا، فكيف إذا تضمَّن المنافع.
ولمَّا قَصد في الآية الأولى إلى ذمِّهم بالإنفاق رياءً لكونهم غيرَ مؤمنين، قدَّم ذكره وجعل قوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ في موضع الحال تنبيهًا على أن ذلك منهم لكونهم غيرَ مؤمنين، ولمَّا حثَّهم في هذه الآية على ما يجب أن يتَّخذوه ابتدأ بذكر الإيمان تنبيهًا على أن إنفاقهم غيرُ معتدٍّ به إلا بعد الإيمان.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي: أنشأهم على علمه بأنهم لا يؤمنون؛ ليعلم الخلائق أن مخالفتهم إياه لا تَضرُّه (^٤).
* * *
(٤٠) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ أي: لا يَنقصُ من الثواب الموعود ولا يَزيدُ في
_________________
(١) في (ح) و(ف): "الكفر"، وهو تحريف شنيع.
(٢) في (ك): "والفرائد". ووقع قبلها في (ح) و(ف): "وتنبيه"، ولا معنى لها هنا، وليست في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧٤)، والكلام منه.
(٣) في (ح) و(ت) و(ك): "وتنبيه على المدعو إلى الله لا حذر فيه"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي".
(٤) في هامش (ف): "ولو قصد الوعيد لهم كما زعمه القاضي لذكر تعلق العلم بأعمالهم لا بهم. منه".
[ ٣ / ٨٠ ]
العقاب المعهود أصغرَ شيءٍ كالذرَّة، وهي النملةُ الصغيرة، ويدلُّ عليه قراءةُ (مثقالَ نملة) (^١).
والمثقال: مِفعالٌ من الثِّقَل، وفيه تنبيهٌ على أن الأعمال صورٌ مثاليةٌ لها ثقلٌ وخفَّةٌ، وإيماءٌ إلى حكمة الميزان (^٢).
﴿وَإِنْ تَكُ﴾ مثقالُ ذرَّة ﴿حَسَنَةً﴾ وتأنيثُ الضمير لتأنيث الخبر، أو لإضافة المثقال إلى الذرة، وحُذف النون من غيرِ قياسٍ تشبيهًا بحروفِ العلة.
وقرئ: ﴿حَسَنَةً﴾ بالرفع على كان التامَّة (^٣).
﴿يُضَاعِفْهَا﴾: يضاعِفْ ثوابَها، وقرئ: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ (^٤) والمعنى واحد.
﴿وَيُؤْتِ﴾؛ أي: صاحبَها.
﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من عنده تفضُّلًا (^٥)، وفيه تنبيه على أنَّ إطلاق الأجر عليه بحسَب الوعد لا ينافي كونَه تفضُّلًا في الحقيقة.
﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ما وصفَه الله تعالى بالعظم فمَن يعرفُ مقداره؟ مع أنه سمَّى الدنيا وما فيها قليلًا، وسمَّى هذا الفضل عظيمًا.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٦).
(٢) في هامش (ف): "وأما الإيماء إلى […] ذكره القاضي فوجهه غير ظاهر. منه". وما بين المعكوفتين كلمة لم تجود، والذي قاله القاضي هنا: (والمثقال مفعال من الثقل، وفي ذكره إيماء إلى أنه وإن صغر قدره عظم جزاؤه).
(٣) هي قراءة ابن كثير ونافع، وقرأ باقي السبعة بالنصب. انظر: "التيسير" (ص: ٩٦).
(٤) هي قراءة ابن كثير وابن عامر، وقرأ باقي السبعة: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾. انظر: "التيسير" (ص: ٨١).
(٥) في هامش (ف): "من زاد على هذا قوله: زائدًا على ما وعد في مقابلة العمل، فقد احتاج في ارتكاب التعسف في توجيه الأجر. منه". والمقصود البيضاوي.
[ ٣ / ٨١ ]
(٤١) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
﴿فَكَيْفَ﴾ حالُ هؤلاء الكفرة من أهل الكتاب وغيرهم.
﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم السالفة.
﴿بِشَهِيدٍ﴾ يَشهدُ عليهم بما فَعلوا وهو بينهم.
و﴿إِذَا﴾ إشارة إلى وقت المجيء بالرسل للشهادة، والعامل في الظرف مضمونُ المبتدأ والخبر من هول الأمر وتعظيمِ الشأن.
﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ يا محمد ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: هذه الأمَّةِ ﴿شَهِيدًا﴾؛ لقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
* * *
(٤٢) - ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾.
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾؛ أي: خالفوا أمره ونهيه.
﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ بيانٌ لحالهم حينئذ؛ أي: يودُّ الذين جمعوا بين الكفر وعصيان الرسول في ذلك الوقت ويتمنَّون أنْ تسوَّى بهم الأرض بأنْ يكونوا من جملةِ الأرض ترابًا، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] وهذا لأن الأرض إنما تسوَّى بشيء منها (^١).
﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عطفٌ على ﴿يَوَدُّ﴾؛ أي: يَودُّون ذلك ولا يقدِرون كتمانَه؛ لأن جوارحَهم تشهدُ عليهم بذلك.
_________________
(١) في (م): "منهما".
[ ٣ / ٨٢ ]
وقيل: الواو للحال؛ أي: يودُّون أن تُسوَّى بهم الأرض، وحالُهم أنهم لا يكتمون من الله حديثًا ولا يَكْذِبونه بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؛ إذ رُوي أنهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم فتشهدُ عليهم جوارحُهم، فيَشتبِهُ الأمر عليهم، فيتمنَّون أن تُسوَّى بهم الأرض.
* * *
(٤٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ أي: لا تَدْنوا إلى مواضع الصلاة - وهي المساجدُ - حالةَ السُّكر؛ لعطف قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ عليه، وهو نهيُ الجنُب عن قُربان المساجد؛ لأنَّ الاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ في حقِّ المساجد دون الصلاة، ولا يجوز أن يكون معناه إلا في السَّفر؛ لأن السفر ليس بمرخَّصٍ فيه، والمصيرُ إلى أن المعنى: إذا لم يَجد الماء وتَيمَّمَ (^١)، ارتكابٌ لتعسُّفٍ ظاهرٍ.
ثم إنه على تقدير اعتبار الشرط المذكور لا يبقى فرق بين المسافر والمقيم.
والنهيُ عن قُربان المساجد حالةَ السُّكر نهيٌ عن الصلاة في تلك الحال على أبلغِ وجهٍ بطريق الدلالة؛ لأن حرمةَ موضعها لحُرمتها، ثم إنَّ النهي ليس عن الصلاة لأنها عبادةٌ لا يُنهى عنها، بل هو نهيٌ عن الإفراط في الشرب في وقتٍ يلزمُه أداء
_________________
(١) قائله البيضاوي في "تفسيره" (٢/ ٧٦). ولفظه: (أي: لا تقربوا الصلاة جنبًا في عامة الأحوال إلا في السفر وذلك إذا لم يجد الماء وتيمم).
[ ٣ / ٨٣ ]
الصلاة حالةَ السُّكر فما ذُكر ينطبق على سببِ النزول دلالةً وإنْ لم ينطبق عليه (^١) عبارةً، وهو ما رُوي أنَّ عبد الرحمن بنَ عوفي ﵁ صنع مائدةً ودعا نفرًا من الصحابة ﵃ حين كانت الخمرُ مباحةً، فأكلوا وشربوا حتى ثَملوا، وجاء وقتُ صلاة المغرب، فتقدَّم أحدهم ليصلِّيَ بهم، فقرأ: أعبدُ ما تَعبدون، فنزلت (^٢).
وقرئ: (سَكَارَى) بالفتح، و: (سَكْرَى) على أنه جمعٌ كـ: هلكى، أو مفردٌ بمعنى: وأنتم قوم سَكْرَى (^٣)، و: (سُكْرَى) كحُبْلَى على أنه صفةُ الجماعة (^٤). والسُّكْر من السَّكْر وهو السَّدُّ.
﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ بيَّن (^٥) أن السكر المانع هو أن يصيرَ بحالٍ لا يَعلم ما يقول.
﴿وَلَا جُنُبًا﴾ عطفٌ على قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ إذ الجملة مع الواو في موضع النصب على الحال (^٦)، والجنب: الذي أصابته الجنابة، يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، والواحد والجمع؛ لأنَّه يجري مجرى المصدر.
_________________
(١) في (م) و(ك): "عليها".
(٢) رواه أبو داود (٣٦٧١)، والترمذي (٣٠٢٦)، من حديث علي ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح غريب.
(٣) في النسخ: "سكارى"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (١/ ٥١٤)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٧٥).
(٤) انظر هذه القراءات في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٦)، و"المحتسب" (١/ ١٨٨)، و"الكشاف" (١/ ٥١٤)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٧٥).
(٥) في (ف): "يبين".
(٦) في هامش (ح) و(ف): "المفرد المنصوب إذا وقع موقع الجملة لم يصح معه الواو فدل على أنه واقع موقع الجملة والواو جميعًا. منه مذكور في التيسير".
[ ٣ / ٨٤ ]
﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ متعلِّقٌ بقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ استثناءٌ من أعمِّ الأحوال؛ أي: لا تقربوا المسجد في عامةِ الأحوال إلا في حالِ العبور، أو صفةٌ لقوله: ﴿جُنُبًا﴾؛ أي: جنبًا غيرَ عابري سبيل.
قيل في نزوله: إن رجالًا من الأنصار كانت أبوابُهم في المسجد، وكانت (^١) تصيبهم جنابةٌ ولا ماءَ عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فأنزل الله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٢).
وإضافةُ العابر إلى السبيل لتخصيصِ الرُّخصة بحالِ الضرورة، بأنْ لا يكونَ له سبيلٌ إلا في المسجد، ولهذا قال أبو حنيفة: لا يجوز له المرورُ في المسجد إلا إذا كان فيه الماء أو الطريق (^٣).
﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ غايةُ النهي عن القربان حالةَ الجنابة، والتيمُّمُ بدلٌ عنه، فذكرُ الاغتسال يُغني عن ذكره.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ مرضًا (^٤) يمنعُه عن استعمال الماء حقيقةً؛ كما إذا لم يكن ماءٌ، ولا يقدر على الحركة، وليس عنده مَن يأتي به، أو حُكمًا كما إذا كان مرضُه يشتدُّ باستعمال الماء أو يمتدُّ.
﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾؛ أي: مسافرين، أراد به البُعدَ من العُمران ومواضعِ الماء، ولم يُردْ به كمال مدةِ السفر، ولا مسافرًا يجد الماء.
_________________
(١) في (م) و(ك): "فكانت".
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٥١٤)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٥٧) عن يزيد بن أبي حبيب، وهو مرسل.
(٣) في هامش (ح) و(ف): "ومن لم ينتبه لهذا زعم أن ظاهره ينطبق على قول الشافعي. منه".
(٤) في (ف): "مريضًا".
[ ٣ / ٨٥ ]
ولمَّا ثبت أنَّ الحكم لم يتعلَّق بعين المرض والسفر بل بمعنًى فيهما، وهو العجز عن استعمال الماء، وإنما علِّق بهما ظاهرًا لأن العجز عنه يقعُ فيهما غالبًا، ثبت أن الحكم كذلك في كلِّ موضع تحقَّق العجزُ، وظهر به صحةُ قول أبي حنيفة في إجازة التيمُّم للجنابة في المِصر إذا عَدِمَ الماءَ الحارَّ، وخاف أن يضرَّه الاغتسالُ بالماء البارد.
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط: المكان المطمئنُّ من الأرض، وكانوا يأتونه لقضاء الحاجة قبل اتِّخاذ الكنيف في البيوت، والمجيءُ منه كنايةٌ عن الحَدَث، ولمَّا كان الاجتماعُ في السفر مندوبًا - بخلافِ التغيُّطِ فإن المندوب فيه الانفرادُ - غيَّر الأسلوب، ولم يقل: أو جئتم من الغائط.
وأمَّا قولُه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فعلى طريقةِ مقابَلة الجمع بالجمع، ففيه أيضًا رُوعي (^١) ما هو المندوب.
وقرئ: ﴿لَمَسْتُمُ﴾ (^٢)؛ أي: جامعْتُم فاجتَنبتُم، قال ابن عباس ﵄: الملامسةُ واللمس والمباشرة والإفضاء كناياتٌ عن الجماع (^٣).
﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ حقيقةً أو حكمًا؛ كما إذا يكن مقدورَ الاستعمال لمانعٍ، أو يكون في استعماله نوعُ حرجٍ لضررِ بدنٍ (^٤) أو مالٍ.
بقي هاهنا إشكال، وهو أن الجمع بين الأمور المذكورة في الشرط المرتَّب عليه جزاءٌ واحدٌ وهو الأمر بالتيمم عند فقدان الماء، مع أن سببية الأوَّلَينِ إنما هي
_________________
(١) في (ف): "رعي".
(٢) هي قراءة حمزة والكسائي، وقرأ باقي السبعة: ﴿لَامَسْتُمُ﴾. انظر: "التيسير" (ص: ٩٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٤ - ٦٧)، وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ١١٦).
(٤) في (ح) و(ك): "لضرورة بدن"، وفي (ف): "لضرورة بدون.
[ ٣ / ٨٦ ]
للترخُّص، والثالثِ لوجوب الوضوء، والرابعِ لوجوب الغسل، وليس الأمر بالتيمُّم معنًى واحد (^١) يعم الكل.
ووجهُ حلِّه: هو أن القصد إلى الترخُّص في التيمُّم بالتراب مَن وجَب عليه التطهير ولم يجد الماء، فقيدُ عدم الوجدانِ راجعٌ إلى الكل، وقيدُ وجوب التطهير المكنيِّ عنه بالمجيء من الغائط والملامسةِ اللَّذينِ هما من أغلب أسباب وجوب التطهير معتبرٌ في الكلِّ حتى المرضى والمسافرين (^٢)، وذكرُهما تخصيصٌ قبل التعميم بناءً على زيادةِ استحقاقهما للترخيص بغلبة المرض والسفر على سائر أسباب الرخصة، فكأنه قيل: إن جاء أحد منكم (^٣) من الغائط أو لامستم النساء ولم تجدوا ماء خصوصًا المرضى والمسافرين فتيمَّموا، ووجهُ سببيَّةِ مضمونِ الشرط لمضمونِ الجزاء ظاهرٌ.
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ التَّيمُّم: القصدُ، والصَّعيد: وجهُ الأرض، والطيِّب: الطاهرُ.
ويجوز التيمُّم بكلِّ ما كان من أجزاء الأرض عند أبي حنيفة؛ لَزِقَ بالكفِّ أو لم يَلْزقْ؛ عملًا بإطلاقِ النص.
وعند محمدٍ كذلك لكنْ إذا لزق بالكفِّ، لقوله في المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: من بعضه.
وعند أبي يوسف: الصعيدُ هو الترابُ والرمل.
_________________
(١) في النسخ عدا (م): "واحد"، والمثبت من (م).
(٢) في هامش (ف): "لا بد من هذا التعميم ليفيد الترخيصُ المريضَ الواجدَ للماء العاجز عن الاستعمال، ويصح أن المرض من الأسباب الغالبة، وإلا فهو باعتبار العجز عن الحركة والوصول إلى لماء من الأسباب النادرة لا غالب. منه".
(٣) في (ف): "أحدكم".
[ ٣ / ٨٧ ]
وعند الشافعيِّ: هو التراب لا غير، والطيِّب: المنبِتُ من الأرض عنده.
واللائق بموضع الطهارة إنما هو المعنى الأولُ (^١).
وشرط (مِن) التبعيضيةِ - وهو صحة وضع (بعض) موضعَها - منتَفٍ هاهنا؛ إذ لو قيل: فامسحوا وجوهكم وأيديكم بعضَه، أفاد أن المطلوب جعلُ الصعيد ممسوحًا والعضوِ ماسحًا (^٢)، وهو فاسدٌ بالاتِّفاق (^٣).
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (^٤) لأنَّه بدلٌ (^٥) عن الوضوء، فيتقدَّر بقَدْرِ (^٦) الأصل، ولأنه ﵇ تيمَّم ومسح يديه إلى مرفقيهِ.
ومسحُ الشيء: إمرارُ اليد على الشيء (^٧)، تقول: مسحتُ برأسه، ومسحتُ رأسَه، بمعنًى.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ إشارةٌ إلى وجه الترخُّص والتيسير؛ لأن مَن كانت عادته العفوَ عن الخطَّائينَ والغفرانَ عن المذنبين فلَأنْ يكونَ ميسِّرًا غيرَ معسِّر أَحْرَى.
_________________
(١) في هامش (ف): "فيه تنبيه على أن التمسك لمحمد لا للشافعي؛ لأن الضمير للصعيد لا للتراب، والله أعلم بالصواب. منه".
(٢) قوله: "ماسحًا" جاء في (م) بدلًا منه: "من آلته". وسقط من (ك).
(٣) في هامش (ف): "رد للقاضي، حيث فسر الطيب بالطاهر ثم زعم أن الآية حجة للشافعي. منه".
(٤) في جميع النسخ جاءت الآية هكذا: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى المَرَافِقِ) وهذه آية المائدة، والصواب المثبت حيث إن المؤلف بصدد شرح آية النساء.
(٥) في (ح): "خلف"، وفي (ك): "خلق".
(٦) في (ح) و(ف): "بتقدير".
(٧) في (ح) و(ف) و(ك): "إمرار الماء إليه على الشيء".
[ ٣ / ٨٨ ]
(٤٤) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا﴾ كلمةُ تعجُّبٍ عن أمر قد بلغ المخاطَبَ، فيُخْرجُ مُخرجَ التذكير، أو لم يبلغه فيُخرج مُخرج التعليم، من رؤية البصر؛ أي: ألم تنظُرْ إليهم، أو القلب وتعديتُه بـ (إلى) لتَضمُّنه معنى الانتهاء.
﴿نَصِيبًا﴾: حظًّا، وتنكيره يَحتمِل التعظيمَ والتحقير.
﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: التوراة، أو جنسِ الكتب السماوية (^١)، و﴿مِنَ﴾ للتبعيضِ أو للبيان.
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾: يستبدِلون اليهودية التي هم عليها بالهدى الذي (^٢) هو دينُ الإسلام؛ لتَمكُّنهم منه بعد ما تبيَّن لهم من علم الكتاب أنه الحقُّ.
﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أيها المؤمنون ﴿السَّبِيلَ﴾: سبيلَ الحق، وتَنخرِطوا في سِلكهم.
* * *
(٤٥) - ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أخبرهم بعداوتهم وما يريدون بهم تحذيرًا (^٣) إياهم.
_________________
(١) في هامش (ح) و(ف): "وكون المراد أخبار اليهود لا ينافي إرادة جنس الكتب، على أن تلك الإرادة غير متعينة. منه".
(٢) في (م): "بالذي"، وفي (ك): "الذي"، وليس فيهما: "بالهدى".
(٣) في (ح) و(ف): "أخبر بعداوتهم … تحذيره".
[ ٣ / ٨٩ ]
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ يلي أمركم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ ينصركم عليهم، فثِقوا عليه واكتفُوا به عن غيره. والباء تزاد في فاعل (كفى) لتوكيد الاتصال الإسناديِّ بالاتصال الإضافيِّ.
* * *
(٤٦) - ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ بيان لـ ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ لأنَّه متناوِلٌ لليهود والنصارى، والجمل الثلاث توسَّطت بينه وبين المبيَّن على سبيل الاعتراض: الأولى للتصريح بما أومن (^١) إلى سببه لأن المخالفة في الدين سببُ العداوة، والباقيتان لتشجيعهم وتقوية قلوبهم في عدم الميَلان بأعدائهم، ولذلك كرَّر ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ لتقرير معنى كفايةِ الله تعالى عنهم في تقوُّلهم، وأن ولاية الله تعالى بالانفراد كافيةٌ لهم كما أن نصرةَ الله تعالى وحدها كافية.
أو بيان لـ (أعدائكم) وما بينهما اعتراضٌ.
ويجوز أن يكون صلةً لـ ﴿نَصِيرًا﴾؛ أي: ينصركم من الذين هادوا؛ كقوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [الأنبياء: ٧٧]، أو كلامًا مبتدأً على أنَّ ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ صفةُ مبتدأ محذوفٍ تقديره: من الذين هادوا قوم.
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾؛ أي: يُميلونه.
_________________
(١) في (م): "أوقن".
[ ٣ / ٩٠ ]
﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ التي وضعه الله تعالى فيها، بإزالتهِ عنها وإثباتِ غيره فيها، أو يؤوِّلونه على ما يشتهون فيُميلونه عمَّا (^١) أنزل الله فيه.
والكَلِمُ والكَلِمةُ كالتَّمْرِ والتَّمْرةِ، على أنه اسمُ جنس فُرِّق بينه وبين واحدِه بالتاء، لا على أنه جمع، ولهذا ذكِّر الضمير (^٢)، وأمَّا جمع المواضع فلتكرُّره في التوراة (^٣) في مواضعَ بحسب الجنس.
وقرئ: (الكِلْمَ) بكسر الكاف وسكونِ اللام على أنه جمعُ كِلْمةٍ تخفيفَ كَلِمةٍ (^٤)، وتذكير الضمير على هذه القراءة لإرادةِ جنس الكَلِم.
﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا﴾ قولَك ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أمرَك (^٥).
﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾؛ أي: مدعوًّا عليك بـ: لا سمعتَ لصممٍ أو موت، أو: اسمع غيرَ مُجابٍ إلى ما تدعو إليه، أو: اسمع غير مسمَعٍ كلامًا ترضاه، أو: اسمع كلامًا (^٦) غير مسمَعٍ إياك لأن أُذنك تنبو عنه، فيكون مفعولًا به.
وأمَّا ما قيل: واسمع غيرَ مسمعٍ مكروهًا (^٧)، من قولهم: أسمعه فلان، إذا
_________________
(١) في (م): "على ما".
(٢) في (م) و(ك): "ضميره".
(٣) في (ك): "التورية".
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٦)، و"الكشاف" (١/ ٥١٧).
(٥) في هامش (ف): "قد صرحوا بالكفر والعصيان في قولهم: عصينا، وأما بالشتم والذم فلم يصرحوا خشية منه وخوفًا من بطش المؤمنين. منه".
(٦) في (ك): "كلام"، وسقطت من باقي النسخ، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (١/ ٥١٧)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٧٧).
(٧) في (ف): "مكرهًا"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب. انظر المصدرين السابقين. وجاء في =
[ ٣ / ٩١ ]
سبَّه، فيأباه السياق، وكونه على قصد النفاق لا يتحمله السياق لأنهم بقولهم وعصينا أظهروا الخلاف والشقاق.
﴿وَرَاعِنَا﴾: انظُرنا نكلِّمْك ونفهمْ كلامك.
﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾: فتلًا بها وصرفًا للكلام إلى ما يُشبِهُ السبَّ، حيث وضعوا (راعنا) موضع (انظُرنا)، و(غيرَ مسمَعٍ) موضع: لا أُسمعتَ مكروهًا (^١).
﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ كانوا يقولون له ﵇: السَّام عليك، فيخرجون ويقولون: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]؛ أي: لو كان هو على الدِّين الحقّ (^٢) فلماذا [لا] (^٣) يعذِّبنا الله بهذا؟
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ ﴿أَنَّهُمْ قَالُوا﴾ فاعلُ فعلٍ محذوف دلَّ عليه معنى الثبوت والتحقُّق (^٤) في (إنَّ)؛ أي: ولو ثَبتَ أنهم قالوا، يعني: ولو ثبت قولُهم هذا مكان ما قالوا.
والضمير المستكنُّ في ﴿لَكَانَ﴾ يرجع إلى هذا القول.
﴿خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾: وأعدل.
﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: خذلهم الله، وأبعدهم عن الهدى.
_________________
(١) = هامش (م): "رد للبيضاوي"، والواقع أنه رد لكليهما أعني الزمخشري والبيضاوي، فإن الثاني إنما أخذه من الأول، لكنه زاد عليه قصد النفاق الآتي ذكره.
(٢) في هامش (ف): "وأما الاستهزاء والسخرية فليس من قبيل الطعن في الدين. منه".
(٣) "الحق" من (م) و(ك).
(٤) ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق، وقد تمت الإشارة إليها في هامش (م) حيث جاء فيه: "لعل لفظ لا ساقط".
(٥) في (ف): "والتحقيق".
[ ٣ / ٩٢ ]
﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ بسبب كفرهم.
﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: إلا إيمانًا قليلًا لا يُعبأ به، وهو الإيمان ببعض الكتب والرسل.
ويجوز أن يراد بالقلة: العدمُ؛ لأنَّه رديفُها في الغالب؛ أي: لا يؤمنون إلا إيمانًا معدومًا، على طريقة: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]؛ أي: إن كان الإيمان المعدوم إيمانًا فهم يُحدثون شيئًا من الإيمان، فهو في المعنى تعليق بالمحال بكون ما بعد (إلا) موافقًا لِمَا قبلها في المعنى (^١)، ولا يجوز ذلك في الاستثناء، وكذا لا يجوز أن يكون المعنى: إلا قليلًا منهم آمنوا، أو: سيؤمنوا؛ لعدم صحة تسبُّبه عمَّا تقدَّم، فافهم.
* * *
(٤٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ خطاب لليهود والنصارى.
﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ وهو القرآن.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ من الكتاب الذي أنزل على نبيَّكم، يعني: التوراةَ والإنجيلَ متضمِّنًا صفة النبيِّ ﷺ وصحةَ ما جاء به.
_________________
(١) في هامش (ف): "وبهذا التفصيل اندفع ما قيل: إنه حينئذ يكون ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ لغوًا لا فائدة فيه إذ الانتفاء منه قد فهم من قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ﴾، وأيضًا يؤدي إلى أن يكون ما بعد ﴿إِلَّا﴾ موافقًا لما قبلها في المعنى، وباب الاستثناء لا يكون فيه ما بعد أداة الاستثناء موافقًا لما قبلها، ومنشأ ما ذكره ثانيًا عدم الفرق بين السالبة والموجبة التي محمولها معدولة، فإن (إلا) على ما ذُكر موجبة، فلا يخالف قاعدة الاستثناء. منه". وفوقه: "رد لأبي حيان".
[ ٣ / ٩٣ ]
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: مِن قبلِ أن نمحوَ تخطيطَ صورها ونجعلَها على هيئة أدبارها، يعني: الأقفاء، أو نُنكِّسها إلى ورائها في الدنيا أو في الآخرة (^١).
وأصل الطمْس: محوُ الأثر وإزالةُ الأعلام، وقد يُطلق بمعنى الطَّلْس (^٢) في إزالة الصورة، ولمطلَق القلب والتغيير، ولذلك قيل: معناه: من قبلِ أن نغيِّر وجوهًا فنسلبَ وَجاهتَها وإقبالها ونكسوَها الصَّغار والإدبار، أو نردَّها حيث جاءت منه، وهي أذرعاتُ الشام، يعني: إجلاءَ بني النضير.
أو: من قبل أن نطمس وجوهًا بأنْ نُعْميَ الأبصار عن الاعتبار، ونُصِمَّ الأسماع عن سماع الحق بالطبع، ونردَّها عن الهداية إلى الضلالة.
﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾: نُخزيَهم بالمسخ كما أخزينا به (^٣) أصحاب السبت، أو باللعن المتعارَف.
والضميرُ لأصحاب الوجوه؛ لأن المعنى: من قبل أن نطمس وجوهَ قوم، أو لـ ﴿الَّذِينَ﴾ على طريقة الالتفات، أو للوجوه إنْ أريد الوجهاء.
وعطفُه على الطمس بالمعنى الأول يدلُّ على أن المراد به ليس مسخَ الصورة
_________________
(١) قوله: "أو ننكسها … الخ"؛ أي: نجعل العيون وما معها في القفا فنقلب صورهم، وهذا إما مسخ في الدنيا، أو أنه يكون في الآخرة لتشهيرهم. انظر: "حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي" (٣/ ١٤٤).
(٢) في (ف) و(م): "الطمس"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧٧). والطلس: محو النقوش والصور، ولذا أريد به مطلق التغيير سواء كان عن هيئة له أو صفة. انظر: "حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي" (٣/ ١٤٤).
(٣) "به" من (م).
[ ٣ / ٩٤ ]
في الدنيا، ومَن حمل الوعيدَ على تغيير الصورة في الدنيا قال: إنه بعدُ مترقَّبٌ، أو كان وقوعه مشروطًا بعدم إيمانهم وقد آمَن بعضهم.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ بإيقاع شيء.
﴿مَفْعُولًا﴾ كائنًا، إنما المنتظَر إبداؤه بالنظر إلى المقيدين بقيد متى (^١)، لا إبداعُه المجردُ عنه.
* * *
(٤٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ لأنَّه بتَّ (^٢) الحكم على خلود عذابه، ويشاركُه في الحكم المذكورِ ما في منزلته وهو سائر وجوه الكفر، فإن الحكم على خلود عذابها أيضًا قد ثبت (^٣)، ولوجود هذا القسم قال:
﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ﴾ ولم يقل: يغفر غيره، مع أنه أخصرُ وأظهرُ دلالةً على المراد، على تقديرِ عدمِ قسمٍ آخَرَ (^٤)، فتدبَّر والله الهادي إلى الرَّشاد.
وإنما قال: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مع أنه معلوم أن المغفرة لا تكون إلا بمشيئةِ الله تعالى؛ للدلالةِ على أنها لا تعمُّ، والإشارةِ إلى أنَّ ما دون الشرك يخالفه من (^٥)
_________________
(١) في (ك): "المقيدين بقيدين".
(٢) في (ح) و(ف): "بث"، وفي (ك) و(م): "ثبت"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧٨).
(٣) في (ح) و(ف): "بث".
(٤) في هامش (ح) و(ف): "ومن لم ينتبه لهذا الدقيقة الأنيقة قال ما قال وماذا بعد الحق إلا الضلال. منه". وفوقها فيهما: "يعني المعتزلة".
(٥) "من" من "م".
[ ٣ / ٩٥ ]
حيث إن المشيئة لا تتعلق بمغفرته (^١) أصلًا.
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى﴾: فقد ارتكب مفتريًا؛ أي: مفتعِلًا ما لا يصحُّ كونُه.
﴿إِثْمًا عَظِيمًا﴾ تستحقَر دونه الآثام.
ويجوز أن يكون المعنى: فقد افترى أمرًا (^٢) عظيمًا، وذلك الأمرُ لكونه سببًا للإثم عبِّر عنه بالإثم مبالغةً، كما عبِّر بالنار عن موجَبها في قوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤]، وهذا أبلغ، وفيه إشارةٌ إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب.
* * *
(٤٩) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ بقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] و: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤]، و: إنَّا نعلِّم أبناءَنا الصغارَ التوراة فتكفَّر بذلك ذنوبنا فنصير كأننا لا ذنب (^٣) لنا، وفي ذلك غضٌّ (^٤) على من يزكي نفسه بزيادة الطاعة والتقوى.
﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي﴾ ﴿بَلِ﴾ إضرابٌ عن (^٥) تزكيتِهم أنفسَهم، وإنما قدِّم ﴿اللَّهُ﴾ على الفعل للتخصيص، أي: لا يزكِّي أحدٌ نفسَه ولا غيرَه، فإنه غيرُ معتبرٍ ولا معتدٍّ به، إذ لا علمَ لأحدٍ بما ينطوي عليه الإنسانُ من حُسنٍ وقبحٍ، بل الله خاصةً يزكِّي.
_________________
(١) في النسخ عدا (م): "بمعرفته"، والمثبت من (م).
(٢) في (ك): "إثمًا".
(٣) في (ك): "كأنا لا ذنوب".
(٤) في (ح): "خص"، وفي (ف): "حض".
(٥) في (م): "اضطراب من"، وفي "ك": "إضراب من".
[ ٣ / ٩٦ ]
﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من المرتضَينَ من عباده الذين عَرف منهم الزَّكاء، وأصل التزكية: نفي ما يُستقبح فعلًا أو قولًا.
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛ أي: أقلَّ قليلٍ من الظلم، والفتيل - وهو (^١) ما يُفتل من الوسخ عند دَلْكِ الأصبع بالأصبع - مَثَلٌ في القِلَّة؛ أي: يثابون على زكائهم ولا يُنقص من ثوابهم الموعودِ شيء.
* * *
(٥٠) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾.
﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بقولهم (^٢): نحن عند الله أزكياءُ.
﴿وَكَفَى بِهِ﴾: بافترائهم هذا.
﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾ من جملة آثامهم.
* * *
(٥١) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ قد سبق تفسيرُه في هذه السورة.
﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ الجبتُ في الأصل: اسم صنم، ثم أُطلق على كلِّ ما عُبد (^٣) من دون الله، والطاغوت: الشيطان، وكلُّ رأس في الضلال.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "هو".
(٢) في هامش (ف): "لا بزعمهم كما زعمه الزمخشري والقاضي؛ لأن الكذب من أوصاف القول لا الاعتقاد، فإن وصفه البطلان دون الكذب، وكذا الافتراء يكون بالقول دون الاعتقاد. منه".
(٣) في (م): "يعبد".
[ ٣ / ٩٧ ]
نزلت في يهودٍ كانوا يقولون: إن عبادة الأصنام أرضَى عند الله مما يدعو إليه محمد (^١).
﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: لأَجْلهم وفيهم.
﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارةٌ إليهم.
﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حذفوا (^٢) المفعول لا اختصارًا بل احتقارًا.
﴿سَبِيلًا﴾ أرشدُ دينًا وأقومُ طريقًا.
* * *
(٥٢) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يمنع العذاب عنه بالنصرة، والخطابُ لكلِّ أحد (^٣).
* * *
(٥٣) - ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾.
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ، ومعنى الهمزة إنكارُ أن يكون لهم نصيبٌ من الملك، والتنكيرُ في ﴿نَصِيبٌ﴾ للتحقير، ففيه جحدٌ (^٤) على أبلغ وجهٍ لِمَا زعمت اليهود من أن الملك سيصير إليهم.
_________________
(١) رواه النَّسَائِيّ في "الكبرى" (١١٦٤٣)، وابن حبان في "صحيحه" (٦٥٧٢)، والطبري في "تفسيره" (٧/ ١٤٢)، عن ابن عباس ﵄.
(٢) في (م) و(ك): "حذف".
(٣) والشفاعة ليست منها. منه.
(٤) في النسخ: "حجة"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧٩)، و"روح المعاني" (٦/ ٨٥)، وهو الأنسب بسياق الكلام.
[ ٣ / ٩٨ ]
﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ النقير: النُّقرة في ظهر النَّواة، ومعنى (إذًا): أنه لو كان لهم نصيب من الملك فإذًا لا يُؤتون أحدًا مقدارَ نقيرٍ لفَرْط بخلهم، وهذا هو الإغراقُ في بيان شحِّهم، فإنهم إذا بخلوا بالنقير وهم ملوك، فما ظنُّكم (^١) بهم إذا كانوا أذلَّاء متفاقرين.
و(إذًا) إذا وقع بعد الواو والفاء لا لتشريكِ مفردٍ جاز فيه الإلغاء والإعمال، ولذلك قرئ: (لا يؤتوا) بالنصب (^٢).
ثم انتقل من هذه الخصلةِ الذَّميمة إلى خصلةٍ أشدَّ منها وهي الحسد، فإن البخل: مَنْعُ البخيلِ (^٣) وصولَ خيرٍ من نفسه إلى الغير، والحسدَ: تَمنِّي زوال ما أَعْطَى الله تعالى الغيرَ من الخير، فقال:
* * *
(٥٤) - ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾.
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ إنكارٌ لحسدهم رسولَ الله ﷺ والمؤمنين على ما آتاهم الله تعالى من النُّصرة والغلَبة، وازديادِ العزِّ والقوة والتقدُّم كلَّ يوم.
واللام في ﴿النَّاسَ﴾ للماهية، كأنهم الناسُ بالحقيقة وما عدَاهم من اليهود ليس بالناس (^٤).
_________________
(١) في (ح) و(ف): "ظنك".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٧٣)، و"والكشاف" (١/ ٥٢٢). ووقع في (ك) و(م): "على النصب".
(٣) "البخيل": ليست في (م).
(٤) في هامش (ح) و(ف): "من قال: لأن من حسد النبوة فكأنما حسد الناس كلهم، فقد =
[ ٣ / ٩٩ ]
﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني: النبوةَ والكتاب والنصرةَ والإعزاز.
﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ إلزامٌ لهم بما عرَفوه من إيتاء الله تعالى الكتابَ والنبوَّةَ والملكَ العظيم إلى آل (^١) إبراهيمَ الذين (^٢) هم أسلافُ محمد ﵇، وأنَّه ليس ببِدْعٍ أن يؤتيَه اللّه تعالى مثلَ ما أُوتي أسلافه (^٣).
* * *
(٥٥) - ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾.
﴿فَمِنْهُمْ﴾: فمن اليهود ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾: بما ذُكر من حديث آل إبراهيم ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ وأنكر مع علمِه بصحته.
أو: فمِنهم مَن آمَنَ برسول الله ﷺ، ومنهم مَن أنكر نبوته.
أو: من آل إبراهيم ﵇ مَن آمَن بنبوَّته، ومنهم مَن كفر، فلا تتعجَّب من قومك فإن أحوال جميع الأمم هكذا، وذلك تسليةٌ له ﵇.
﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ نارًا مسعورةً يعذَّبون بها إن لم يُعجَّلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أُعد لهم من سعير جهنم.
* * *
(٥٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
_________________
(١) = ضيع هذه النكتة. منه".
(٢) "آل" من (م).
(٣) في (ف): "الذي".
(٤) في (ف): "أسلافهم".
[ ٣ / ١٠٠ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ كالبيان والتقرير لذلك، وتنكير ﴿نَارًا﴾ للتعظيم.
قال سيبويه: (سوف) كلمة تُذكر للتهديد والوعيد [وينوبُ عنها السين]، وقد يزادان (^١) في الوعد أيضًا (^٢).
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾؛ أي: بلغت إلى حدٍّ لا يتأثَّر من الإحراق.
﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾؛ أي: أعدْنا تلك الجلودَ غيرَ محترقةٍ، قال ابن عباس ﵁: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] إن الأرض تلك الأرض لكن بدِّلتْ آكامُها وجبالها وأنهارها وأشجارها.
والجملة في محل النصب على الحال من الضمير المنصوب في ﴿نُصْلِيهِمْ﴾.
﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾: ليتجدَّد لهم ذَوقُ العذاب، ولما كان تأثُّر الذائقة أسرعَ وأقوى من تأثُّر (^٣) اللامسة استُعير الذوق لإدراك اللامسة (^٤) مبالغةً في التأثُّر (^٥) عن العذاب.
وقيل: يخلقُ مكانه جلدًا آخَر.
والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية المدرِكة لا لآلةِ إدراكها، فلا محذور.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ العزيز: القادر الغالب، والحكيم: الذي لا يفعل إلا الصواب.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "تردان".
(٢) انظر: "الكليات" لأبي البقاء (ص: ٥٠٠)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) في (م): "تأثير" في الموضعين.
(٤) في (ح) و(ف): "الملامسة".
(٥) في (ف): "التأثير".
[ ٣ / ١٠١ ]
إنما قاله لأنَّه قد يقع في القلب تعجُّب من كون الكريم الرحيم يعذِّب الشخص الضعيف إلى هذا الحدِّ العظيم أبدَ الآباد، فقيل: ليس هذا بعجَبٍ؛ لأنَّه القادر على ذلك، وكما أنه رحيم فهو أيضًا حكيم، والحكمة تقتضي ذلك.
* * *
(٥٧) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ الوعد والوعيد متعاقبان في الذكر غالبًا، وقدِّم الوعيد هاهنا لأن الكلام في الكفار.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ قد سبق تفسيره.
﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ صفةٌ مشتقَّةٌ من لفظ الظلِّ لتأكيدِ معناه، كما يقال: ليلٌ أليلُ، ويومٌ أَيْوَمُ، وهو ما كان مُطْبِقًا لا فُرجةَ فيه، ودائمًا لا يُنسخ، وسَجيجًا لا حرَّ فيه ولا بردَ.
ولمَّا (^١) كانت بلادُ العرب في غاية الحرارة، كان الظلُّ عندهم من أعظم أسباب الراحة، ولهذا جعلوه كنايةً عن الراحة، قال ﵇: "السلطانُ ظلُّ اللهِ في الأرض" (^٢) فلا يتَّجهُ السؤال بأنْ يقال: إذا لم يكن في الجنة شمسٌ تؤذي بحرِّها فما فائدةُ وصفها بالظلِّ الظليل؟
_________________
(١) في النسخ عدا (م): "ولما"، والمثبت من (م).
(٢) رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (١٠٢٤) من حديث أبي بكرة ﵁. وله شواهد تنظر في "المقاصد الحسنة" (ص: ١٨١).
[ ٣ / ١٠٢ ]
(٥٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا﴾ بأنْ تؤدُّوا.
﴿الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ خطابٌ يعمُّ المكلَّفين والأمانات وإن كان سببُ النزول خاصًّا، وهو أخذُ رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة من سادنيها (^١) وردُّه لهم بعد نزول هذه الآية.
﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا﴾ بأنْ تحكموا.
﴿بِالْعَدْلِ﴾ العدل يقابله الجَور، والإنصاف يقابله الظلم.
﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (ما) في ﴿نِعِمَّا﴾ نكرةٌ موصوفةٌ منصوبةٌ؛ أي: نِعْمَ شيئًا يعظُكم، أو معرفةٌ موصولةٌ مرفوعة؛ أي: نعمَ الذي يعظُكم به.
والمخصوصُ بالمدح محذوفٌ؛ أي: ذلك، يعني: المأمور به من أداء الأمانات إلى أهلها والحكمِ بالعدل.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا﴾ بأقوالكم وأحكامكم (^٢).
﴿بَصِيرًا﴾ بما تعملون في الأمانات.
* * *
(٥٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
_________________
(١) في (م): "أسادنتها".
(٢) في (ف): "لأقوالكم وأحوالكم".
[ ٣ / ١٠٣ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ كرِّر لفظ ﴿وَأَطِيعُوا﴾ تعظيمًا لأمر الرسول ﷺ، ولهذا - أي: لِمَا ذُكر من أن تكرُّره للتعظيم - تُرك إعادتُه في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ فرقًا بين المطاعَين في التعظيم (^١).
لمَّا أَمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها والحكمِ بالعدل، أَمر الناس بأن يُطيعوهم ويمتثِلوا أمرهم، والمراد بهم أمراء المؤمنين القائمون بالعدل الثابتون على الحق، لا أمراءُ الجور، على ما ستقف على وجهه فيه.
وفي قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ تمهيدٌ للرخصة في المنازعة المفروضة في قوله:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ لمَّا كان في الأمر بالطاعة لأُولي الأمر إشعارٌ باشتراطِ العدالة وكونِهم على الحق، وفيما تقدم من قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ﴾ الآيةَ نوعُ تمهيدٍ لذلك، رتب الشرطية المذكورة على ما قبله.
﴿فِي شَيْءٍ﴾ من أمور الدِّين وأمور الدنيا.
﴿فَرُدُّوهُ﴾: فراجعوا فيه (^٢).
﴿إِلَى اللَّهِ﴾: إلى كتابه (^٣) تعالى.
﴿وَالرَّسُولِ﴾: إلى سنَّته قوليةً كانت أو فعليةً أو تقريريةً، هذا يَنتظِم حالتي حياتهِ ومماته (^٤).
_________________
(١) في هامش (ف): "وهكذا ترك عند عدم الحاجة إلى الفرق بين المطاعين كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا﴾. منه".
(٢) "فيه": ليست في (م).
(٣) في (م): "كتاب الله".
(٤) في هامش (ف): "قيل: بالسؤال عنه في زمانه، ويردُ عليه أن المراجعة إليه ﵇ في حياته لا =
[ ٣ / ١٠٤ ]
﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإنَّ الإيمان بالمبدأ والمَعاد يوجبُ ذلك.
صدر الأمر بطاعة أولي الأمر بأمرهم بالحكم بالعدل، وقيَّده (^١) بجمعهم مع الله ورسوله في العطف وتخصيصِهم بقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، وذَنَّبه بالأمر بالرجوع إلى الكتاب والسنَّة فيما أَشكَل واختُلفَ فيه، إعلامًا بأنَّ طاعة المتغلِّبة من أمراء الجور الذين هم على خلافِ ذلك ليست بواجبةٍ، بل الواجب مخالفتُهم وعصيانُهم فيما لا يطابق الكتابَ والسنَّة من أحكامهم.
واحتجَّ بالآية المذكورة منكِرو القياس، حيث حَصَر المرجعَ إليه في الكتاب والسُّنَّة، ولم يَذكر القياس، لكنها حجةٌ عليهم لا لهم؛ لأنَّه تعالى أَوجب في كل متنازَعٍ فيه الردَّ إليهما، ولا يوجد في كلِّ حادثةٍ نصٌّ ظاهر، فعُلم أنه أمرٌ (^٢) بالنظر في مُوْدَعاته، والعملِ بمدلولاته ومقتضياته.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ لكم (^٣) ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ عاقبةً.
* * *
(٦٠) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ
_________________
(١) = يلزم أن تكون بالسؤال عنه، بل يجوز أن يعلم من قبله أو تقريره أو قوله للغير. منه".
(٢) في (م) و(ك): "وقيد".
(٣) "أمر": ليست في (م) و(ك).
(٤) "لكم": ليست في (م).
[ ٣ / ١٠٥ ]
يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ عن ابن عباس ﵄: أن منافقًا خاصم يهوديًّا، فدعاه اليهودي إلى النبيِّ ﷺ، ودعاه (^١) المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكَما إلى رسول الله ﷺ فحكم لليهودي، فلم يَرض المنافق، وقال: نتحاكمُ إلى عمر، فقال اليهودي لعمر ﵁: قضى لي رسول الله ﷺ فلم يرضَ بقضائه، وخاصَم إليك! فقال عمر ﵁ للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال: مكانكما حتى أخرجَ إليكما، فدخل فأخذ سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق وقال: هكذا أقضي لمن لم يرضَ بقضاء رسول الله ﷺ، فنزلت، وقال جبريل: إن عمر فرَقَ بين الحقِّ والباطل، فسمِّي الفاروق (^٢).
والطاغوت على هذا كعبُ بن الأشرف، وفي معناه مَن يحكم بالباطل، سُمِّي بذلك لفَرْط طغيانه ولشَبَههِ بالشيطان من حيثُ إنه الحاملُ عليه كما قال.
﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ وقرئ: (بها) (^٣)، على أن الطاغوتَ جمعٌ كقوله: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ (^٤) ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ قيل: ظاهرُ الآية يدلُّ على أنه كان المخاصم منافقًا من أهل الكتاب كأنْ يُظهرَ الإسلام على سبيل النفاق؛ لأن قوله تعالى: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: ٦٠] إنما يليقُ
_________________
(١) في (ك): "ودعا"، وفي (م): "ودعى".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٣٧)، وتلميذه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٦٢)، من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. والكلبي متروك، وأبو صالح ضعيف ولم يسمع من ابن عباس. وأما لقب عمر بالفاروق فهو باتفاق وفي أخبار أخر. انظر: "فتح الباري" (٧/ ٤٤).
(٣) تنسب للعباس بن الفضل. انظر: "الكشاف" (١/ ٥٢٥).
(٤) في (م): "أن تضلوا".
[ ٣ / ١٠٦ ]
بمثل هذا المنافق، وأما صيغةُ الجمع فلعلها لدَرْجِ أمثاله فيما ذُكر فإنهم في صدد ذلك وإن لم يظهر منهم.
* * *
(٦١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ لمَّا بيَّن رغبتَهم في التحاكم إلى الطاغوت بيَّن هنا رغبتهم عن التحاكم إلى الرسول ﵇، وقد سبق الكلام في ﴿تَعَالَوْا﴾ في سورة آل عمران.
﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾ في موقع الحال.
﴿صُدُودًا﴾؛ أي: يعرضون عنك إعراضًا (^١).
* * *
(٦٢) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾.
﴿فَكَيْفَ﴾ يكون حالهم ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ كقتل عمر ﵁ المنافقَ، أو النقمة من الله تعالى.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من التحاكم إلى غيرك وعدمِ الرضا بحُكمك.
﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ عطف على ﴿أَصَابَتْهُمْ﴾؛ أي: بعد ما أصابتهم جاءوك للاعتذار، أو على ﴿يَصُدُّونَ﴾ وما بينهما اعتراض.
_________________
(١) في هامش (ف): "قال الجوهري: صد عنه يصد صدودًا اعترض وصده عن الأمر صدًا منعه وصرفه. منه".
[ ٣ / ١٠٧ ]
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ حالٌ.
﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ ما أردنا بذلك إلا الفصلَ بالوجه الأحسن، والتوفيقَ بين الخصمين.
وقيل: جاء أصحاب القتيل طالبينَ بدمه، وقالوا: ما أردنا بالتحاكُم إلى عمر ﵁ إلا أن يُحْسنَ إلى صاحبنا ويوفِّقَ بينه وبين خصمه (^١).
* * *
(٦٣) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق، فلا يُغني عنهم الكتمانُ والحَلِفُ الكاذبُ من العقاب.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن عقابهم في الدنيا لمصلحةٍ في استبقائهم، أو: عن قبول معذرتهم.
﴿وَعِظْهُمْ﴾ بلسانك، وكُفَّهم عما هم عليه، وهذه المخاطبةُ لا تنافي الإعراض عن المعاتبة.
﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فيما يحلُّ بهم من العذاب إن لم يرجعوا، وما يصلُ إليهم من الثواب إن رجعوا.
﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يبلغ منهم ويؤثِّر فيهم، أمره بالتجافي عن معاتَبتهم والنصحِ لهم، والمبالغة فيه بالترهيب والترغيب كما هو مقتضى شفقةِ الأنبياء ﵈ (^٢).
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٢٦ - ٥٢٧).
(٢) في هامش (ف): "من لم يذكر هذا ثم ذكر الترغيب بعده لم يكن على بصيرة. منه".
[ ٣ / ١٠٨ ]
وتعلُّق الظرف بـ ﴿بَلِيغًا﴾ على معنى: بليغًا في أنفسهم مؤثرًا فيها، يجوز على أصل الكوفيين خلافًا للبصريين (^١).
* * *
(٦٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بتيسيره وتوفيقه لطاعته، أو: بسببِ إذنِ الله تعالى في طاعته؛ أي: بأمره للمبعوث إليهم أن يُطيعوه؛ لأنَّه مبلِّغ عن اللّه تعالى وخليفةٌ له، فطاعتُه طاعةُ الله تعالى، لمَّا أَمر النبيَّ ﷺ بوعظِهم وإبلاغِ القول فيهم أَمرهم بطاعته فيما أَمر واتِّعاظهم بما وَعظ، ولا دلالة فيه على أنَّ مَن لم يتَّعظ (^٢) ولم يَرْضَ بحكمه كان كافرًا مستوجِبَ القتل، فإن الكفر لا يستوجب القتل البتة، كيف والذِّمِّيُّ والمستأمَن كافران ولا (^٣) يجب قتلُهما.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالتحاكُم إلى الطاغوت.
﴿جَاءُوكَ﴾ تائبينَ منه، وهو خبر (أنَّ)، و(إذ) متعلِّقٌ به.
﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ مخلصِينَ له (^٤)، معتذرِينَ إليك مما ارتكبوه من ردِّ قضائك، حتى استغفرت لهم.
_________________
(١) لأن معمول الصفة عندهم لا يتقدم على الموصوف؛ لأن المعمول إنما يتقدم حيث يصح تقدم عامله، وقيل: إنه إنما يصح إذا كان ظرفا، وقواه البعض. انظر: "روح المعاني" (٦/ ١١٤).
(٢) في (م) و(ك): "لم يتعظ".
(٣) في (م): "ولم".
(٤) في (م) زيادة: "الدين".
[ ٣ / ١٠٩ ]
ولمَّا كان تحاكُمُهم إلى الطاغوت إساءةً على الرسول ﵇، وإدخالًا للغمِّ في قلبه، لزمهم الاعتذارُ له ﵇ وطلبُ الاستغفار منه.
وإنما قال (^١): ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ على طريقة الالتفات؛ تعظيمًا لشأنه، وتفخيمًا لاستغفاره، وتنبيهًا على أنَّ مَن كان رسولَ الله ﷺ فاستغفارُه وشفاعته من الله بمكان (^٢)، وأمَّا قبول اعتذار التائب فلا دخل فيه لوصف الرسالة، فلا وجه للتنبيه عليه بالالتفات.
﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾: قابلًا لتوبتهم، متفضِّلًا عليهم بالرحمة.
﴿تَوَّابًا﴾ حال و﴿رَحِيمًا﴾ بدلٌ منه، أو حالٌ من الضمير فيه.
* * *
(٦٥) - ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾؛ أي: فوَربِّكَ، و(لا) مزيدةٌ لتأكيد القسَم؛ لا لتُظاهِرَ (^٣) (لا) في قوله:
﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأنها تزاد أيضًا في الإثبات كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١].
وفي إضافته تعالى نفسَه إليه ﵇ في القَسَم رفعُ قَدْره.
﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ غايةٌ متعلِّقةٌ بقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
_________________
(١) "قال": ليست في (م) وفي هامشها: "لعل هنا لفظ قال ساقط".
(٢) في (م) و(ك): "بمكان من الله".
(٣) في النسخ عدا (م): "لتظاهر" بإسقاط (لا)، والمثبت من (م) وهو الصواب. "الكشاف" (١/ ٥٢٩)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٢).
[ ٣ / ١١٠ ]
﴿فِيمَا شَجَرَ﴾: فيما اختَلَف ﴿بَيْنَهُمْ﴾ واختلط، ومنه: الشجر؛ لتَداخُل أعضائه واختلافِها في الجهات.
﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ ضِيْقًا ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾: مما حكَمْتَ به، أو: مِن حُكمك. وإنما قال: ﴿ثُمَّ﴾ لأن المحتمَل الغالِبَ وجدانُ ذلك بعد زمان.
﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: وينقادوا انقيادًا بظاهرهم وباطنهم.
* * *
(٦٦) - ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (أنْ) مصدريةٌ، أو مفسِّرةٌ لأنَّ ﴿كَتَبْنَا﴾ في معنى: أمرنا.
﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾؛ أي: لو أوجبْنا عليهم مثلَ ما أوجبْنا على بني إسرائيل حين استتابتِهم من عبادة العجل مِن قتلهم أنفَسهم أو إخراجِهم (^١) من ديارهم.
﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ الضمير للمكتوب الذي دلَّ عليه ﴿كَتَبْنَا﴾.
﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قوم قليلٌ (^٢) ﴿مِنْهُمْ﴾ وهم المخلِصون.
وهذا توبيخٌ بليغٌ لهم، لمَّا بيَّن أن إيمانهم لا يَتِمُّ إلا بأنْ يُسلِّموا حقَّ التسليم نبَّه على قصور أكثرهم ووَهْنِ إسلامهم.
وقرئ بالنصب على الاستثناء، أو على: إلا فعلًا قليلًا (^٣).
_________________
(١) في (ك) و(م): "وإخراجهم".
(٢) "قليل" ليست في (ف).
(٣) هي قراءة ابن عامر وقرأ باقي السبعة بالرفع. انظر: "التيسير" (ص: ٩٦)، و"الكشاف" (١/ ٥٣٠).
[ ٣ / ١١١ ]
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ من متابعةِ الرسول ومطاوَعتِه في أوامره ونواهيه بلا اعتراضٍ وشبهةٍ في أنفسهم.
﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في عاجلهم وآجلهم.
﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لإيمانهم وأنفسِهم، وأبعدَ اضطرابًا، ونصبُه على التمييز.
وهذه الآية نزلت في شأن المنافق واليهوديِّ (^١)، وقيل غيرُ ذلك.
* * *>
﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ¶٤¶٦٧ (٦٨) - ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.
﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ أي: وفَّقناهم لطريق التوحيد، وزيادةِ الخيرات، والاستقامةِ في الأحوال.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "المنافقين واليهود"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٢).
(٢) في (ك) و(م): "تثبتوا".
(٣) في (ك) و(م): "رفع".
(٤) في (ك): "معدودًا".
[ ٣ / ١١٢ ]
(٦٩) - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ مزيدُ ترغيبٍ في الطاعة بالوعد عليها (^١) موافقةِ أكرم الخلائق وأعظمِهم قَدْرًا.
﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بيان لـ ﴿الَّذِينَ﴾، أو حال منه أو من ضميره.
﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ هم الصادقون في أقوالهم وأعمالهم ونياتهم وأحوالهم، المتقدِّمون لغاية الصدق في تصديق الأنبياء من أفاضل أصحابهم.
﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ الباذلون للأرواح لله تعالى لغايةِ حضورهم وشهودهم له.
﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ هم أهل الاستقامة إلى الله تعالى بالأعمال المقرِّبة، أو في الله بالتخلُّق بأخلاقه، والاتِّصاف بصفاته، وليس المراد من المعية (^٢) المعيةَ في الدرجة، فإن ذلك غير ممكن (^٣)، بل المعنى: أن الأرواح الناقصة إذا استكملت علائقَها مع الأرواح الكاملة في الدنيا بقيتْ بعد المفارَقة تلك العلائقُ، فينعكِس الشعاعُ من بعضها على بعضٍ، فتصيرُ أنوارُها في غاية القوة.
﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ يفيدُ التعجُّب؛ كأنه قيل: وما أحسنَ أولئك رفيقًا!
و﴿رَفِيقًا﴾ منصوب على التمييز، ولذلك لم يُجمع إذ لم يقصد الأنواع، ويجوز أن يَنتصِب على الحال.
_________________
(١) في (م): "على"، والمثبت من باقي النسخ و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٢).
(٢) في (م) و(ك): "المراد بالمعية".
(٣) في هامش (ف): "فيه رد لمن قال: حث كافة الناس على أن لا يتأخروا عنهم. منه". والقائل المذكور هو البيضاوي.
[ ٣ / ١١٣ ]
(٧٠) - ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ قُصد بها التعظيم ﴿الْفَضْلُ﴾ صفتُه (^١) ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبرُه.
أو ﴿الْفَضْلُ﴾ خبرٌ، و﴿مِنَ اللَّهِ﴾ حالٌ، والعامل فيه معنى الإشارةِ.
وفيه تنبيهٌ على ما أُعطي المطيعون من الأجر العظيم، ومرافقةِ المنعَم عليهم، فضلٌ (^٢) خاصٌّ منه تعالى لا عدلٌ متقدِّرٌ (^٣) بإزاء طاعتهم، بل مزيدٌ عليه من عنده، وتفضُّلٌ به عليهم تكملةً لثوابهم وإكرامًا لهم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بجزاءِ مَن أطاعه؛ لعلمه بأحواله، وما يقتضي هذا الفضلُ من استعدادهم بحسب العناية الأولى في حقِّهم، فهو يوفِّقهم على حسب تلك العناية.
* * *
(٧١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾؛ أي: احذروا واحتَرِزوا من العدوِّ، ولا تمكِّنوه من أنفسكم، كأنهم أُمروا بأن يجعلوا الحذرَ آلتَهم التي يَقُون بها أنفسَهم، ويَعصمون بها أرواحهم، والحِذْرُ والحَذَرُ بمعنًى كالإثْر والأَثَر، يقال: أخذَ حِذْرَه: إذا تَيَقَّظَ واحْترَزَ من المَخُوف.
﴿فَانْفِرُوا﴾ يقال: نفر القوم: إذا نهضوا لقتال عدوِّهم وخرجوا للحرب.
﴿ثُبَاتٍ﴾ نصب على الحال؛ أي: جماعاتٍ متفرِّقةً سَرِيَّةً بعد سريَّةٍ، جمعُ
_________________
(١) في (ح) و(ف): "صفة".
(٢) في (ك): "وفضل".
(٣) في النسخ عدا (م): "مقتدر"، والمثبت من (م).
[ ٣ / ١١٤ ]
ثُبَةٍ، من ثبَّيتُ (^١) على الرجل: إذا أثنيتَ عليه كأنك جمعتَ محاسنَه.
﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾: مجتمعِينَ كوكبةً واحدةً، ولا تتفرَّقوا وتتخاذلوا فتُلقوا بأيديكم إلى التهلُكة، والآيةُ نزلت في الحرب، ولا دلالة (^٢) في لفظها إلى وجوب المبادرة إلى الخيرات كلها.
* * *
(٧٢) - ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾.
﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ الخطابُ لعسكر الرسول ﷺ المؤمنين منهم والمنافقين، والمبطِّئون منافقوهم، تثاقلوا وتخلَّفوا عن الجهاد، مِن بَطَّأ بمعنى: أَبطأَ، وهو لازم، أو بطَّأ غيرَه كما فعل ابن أبيٍّ يومَ أحد.
واللام الأولى للابتداء دخلت اسمَ (إنَّ) للفصل بالخبر، والثانية جوابُ قسم محذوفٍ، والقسمُ بجوابه صلةُ (مَن)، والراجعُ إليه ما استكنَّ في ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾، والتقدير: وإنَّ منكم لمن أَقسم بالله ليبطِّئن، ووجوهُ التأكيد لتحقيق حال المنافقين، وأنهم على خلافِ ما يُظهرون من الإيمان.
﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ من قتلٍ وهزيمة.
﴿قَالَ﴾؛ أي: المبطِّئُ.
﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ حاضرًا فيصيبَني ما أصابهم، و﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ﴾ ظرف ناصبُه ﴿أَنْعَمَ﴾ بمعنى: مَنَّ.
_________________
(١) في النسخ عدا (ح): "ثبت"، والمثبت من (ح) وهو الصواب. انظر: "مفردات الراغب" (مادة: ثبا)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٣)، و"روح المعاني" (٦/ ١٣٦).
(٢) في (ح) و(ف): "ودلالتها"، وفي (ك): "ولادلتها"، والمثبت من (م).
[ ٣ / ١١٥ ]
(٧٣) - ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ من الفتح والغنيمة.
﴿لَيَقُولَنَّ﴾ ذلك المنافق، أكَّده لفَرْطِ تحسُّره، وقرئ بضم اللام إعادةً للضمير إلى معنى (مَن)؛ لأنَّه في معنى الجماعة (^١).
﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ اعتراضٌ بينه وبين مفعوله، وهو:
﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ حكى الله سرورَ المنافق عند نكبةِ المسلمين، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولتهم بسببِ فَوَاته الغنيمة، فقَبْلَ أن يذكر الكلام بتمامه ألقى هذا القولَ في البَيْن للتعجُّب كأنه (^٢) يقول: انظروا إلى ما يقولُه هذا المنافق كأنْ لم يكن بينكم وبينه مودةٌ ومخالطةٌ أصلًا (^٣)، والذي حَسَّن موقع الاعتراض كونُ ما بعدها فاصلةً وهي ليست بفاصلةٍ.
أو حالٌ (^٤) من الضمير في ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، أو داخلٌ في المقول؛ أي: يقولُ المبطِّئ لمن يثبِّطه من المنافقين وضَعفةِ المسلمين تقريعًا (^٥) وحسدًا: كانْ لم يكن بينكم وبين محمدٍ ﷺ مودةٌ حيث لم يَستعن بكم فتَفوزوا بما فاز، يا ليتني كنتُ معهم.
_________________
(١) تنسب للحسن. انظر: "المحتسب" (١/ ١٩٢)، و"الكشاف" (١/ ٥٣٣).
(٢) في (ف): "كأنه نظر".
(٣) في هامش (ح) و(ف): "فيه رد لمن زعم أن فيه تهكمًا فإن نفاقه في أمر الإسلام لا ينافي مودته حينئذ للمسلمين لعلاقة نسبيته أو سببيته، وأما ضعف عقيدته فلا حاجة إلى التنبيه عليه بهذا الكلام. منه".
(٤) عطف على ما تقدم من قوله: "اعتراض … ".
(٥) في (ح) و(ف): "تصريفًا".
[ ٣ / ١١٦ ]
و﴿كَأَنْ﴾ مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمُه ضمير الشأن وهو محذوف.
وقرئ: ﴿تَكُنْ﴾ بالتاء (^١) لتأنيث لفظ المودَّة.
والمنادى في ﴿يَالَيْتَنِي﴾ محذوفٌ؛ أي: يا قوم، وقيل: (يا) أُطلق للتنبيه على الاتِّساع.
﴿فَأَفُوزَ﴾ نصبٌ على جواب التمنِّي.
وقُرئ بالرفع على تقدير: فأنا أفوزُ في ذلك الوقت (^٢)، أو العطفِ على ﴿كُنْتُ مَعَهُمْ﴾؛ ليندرج الفوز مع الكون معهم في حكم التمنِّي فيكونا متمنَّيين (^٣) جميعًا.
* * *
(٧٤) - ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ إنْ جُعل ﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى: يبيعون، فالأمر للمؤمنين؛ أي: إنْ صدَّ هؤلاء المبطِّئون عن القتال فليقاتلِ الثابتون في الإيمان، المخلِصون الذين يستحبُّون الآخرة على الدنيا ويستبدلونها بها.
وإنْ جعل بمعنى: يشترون، فالأمر للمبطِّئين الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، وعُظوا بأنْ يغيِّروا نيَّاتهم وما بهم من النفاق، ويخلِصوا (^٤) الإيمان بالله ورسوله، ويجاهدوا في سبيل الله.
_________________
(١) هي قراءة ابن كثير وحفص، والباقون بالياء. انظر: "التيسير" (ص: ٩٦).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٧)، و"الكشاف" (١/ ٥٣٣).
(٣) في (ك) و(م): "متمنين". والمثبت من باقي النسخ و"الكشاف" (١/ ٥٣٣).
(٤) في (م): "ويخلصون".
[ ٣ / ١١٧ ]
فالفاء على الأول جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ، وعلى الثاني للتعقيب، يعني: ينبغي أنْ يُعْقِبوا ما صدَر عنهم من التثبيط عن القتال والثباتِ على النفاق بالتحريض على القتال.
﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ لم يقل: فيُغْلَبْ أو يَغْلِبْ؛ إذ حينئذٍ يندرج في الأول الفارُّ من الزحف ولا أجرَ له، ولم يقل: فيُقْتَلْ أو يَقْتُلْ؛ للتنبيه على أنه يَستحقُّ الأجرَ بالغلبة قُتل أو لم يُقتل، وعلى أنَّ حقَّه أن لا يَقصد بالذات إلى القتل، بل إلى إعلاءِ الحق وإعزاز الدِّين، وتقديمُ الأول للدلالة على أنه أولى وأحقُّ بالأجر.
والاقتصارُ عليهما للتنبيه على أن حقَّ المجاهد أن يثبت في المعركة ولا يَفِرَّ حتى يُعزَّ نفسَه بالشهادة أو الدينَ بالظَّفَر والغلبة.
﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قيل: وَعد له الأجرَ غُلِبَ أو غَلَب؛ ترغيبًا للقتال، وتكذيبًا لقوله: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢].
وفيه: أنه لم يُصِبْ في قوله: غُلِبَ، على ما نبَّهتُ عليه آنفًا، وكذا في قوله: وتكذيبًا؛ لأن مراد ذلك المنافق من القول المذكور مطابقٌ للواقع.
* * *
(٧٥) - ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾.
﴿وَمَا لَكُمْ﴾ مبتدأ وخبره.
﴿لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حالٌ، والعاملُ فيها ما في الظرف من معنى الفعل.
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ مجرورٌ عطفٌ على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في سبيل الله وفي خلاصِ المستضعَفين، أو نصبٌ على الاختصاص؛ أي: وأَخْتَصُّ من سبيل الله
[ ٣ / ١١٨ ]
خلاصَ المستضعفين (^١)؛ فإن سبيل الله تعالى تمامٌ في كل خير (^٢)، ومن أعظم الخيرات خلاصُهم من أيدي الكفار، وهم الذين أسلموا بمكة، وصدَّهم المشركون عن الهجرة، فبقُوا بين أظهُرهم مستذَلِّين.
﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ جعل الولدانَ من جملة المستضعَفين تسجيلًا على الظَّلَمة بإفراطِ الظلم حتى بلغ أذاهم الصبيانَ إرغامًا وإيذاء لآبائهم وأمَّهاتهم، ومَبْغَضةً وإيلامًا لهم.
ويجوز أن يكون ذكرُ الولدان مع المستضعفين لإشراكهم الأطفال في الدعاء استرحامًا من الله تعالى بدعاء الصغار الذين لم يُذْنبوا.
ويجوز أن يراد بالرجال والنساء: الأحرارُ والحرائر، وبالولدان: العبيدُ والإماء؛ لأن العبد يُدْعَى بالوليد فغلِّب الذَّكَر وأُطلق عليهما الولدان، كما يقال الوالدان.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ أرادوا بالتوصيف التنبيهَ على أن طلبهم الخروجَ منها لظلمِ أهلها، وإلا فهي وطنُهم وأشرفُ البقاع، لا يريدون الخروج منها بلا اضطرارٍ، ولمَّا كان المراد من القرية مكةَ - شرَّفها الله تعالى - تجنَّبوا عن المبالغة في ظلم أهلها بنسبة الظلم إلى القرية، ولم يسلكوا مسلَكَ قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ [الطلاق: ٨] ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ﴾ [القصص: ٥٨].
﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾: وهيِّئْ لنا من عندك مَن يتولَّى كفايتنا.
﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾: مَن ينصرُنا ويمنعُنا من عدوِّنا.
فاستجاب الله تعالى دعاءهم، جعَل رسول الله ﷺ وليَّهم، وعتَّابَ بنَ أَسِيدٍ
_________________
(١) "أو نصب على الاختصاص واختص من سبيل الله خلاص المستضعفين" من (م).
(٢) في (ك): "حين".
[ ٣ / ١١٩ ]
ناصرَهم (^١)؛ قال عطاء: فكان يَستنفِذُ واحدًا واحدًا منهم ويبعثُه على يد مَرْثَد بن أبي مَرْثَدٍ إلى المدينة (^٢).
* * *
(٧٦) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: فيما يَصِلُون به إلى الله.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾: فيما يبلُغ بهم إلى الشيطان.
﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ لمَّا حرَّضهم ورغَّبهم (^٣) على القتال في سبيل الله، وفي خلاصِ المستضعفين، شجَّعهم ورغَّبهم فيه ترغيبًا بإخبارهم أنهم إنما يقاتلون في سبيل الله فاللهُ وليُّهم وناصرُهم، والكفارُ يقاتلون في سبيل الشيطان فلا وليَّ لهم إلا الشيطان.
﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾؛ أي: كيدُه للمؤمنين في جنب كيدِ الله تعالى للكافرين أضعفُ شيء وأوهنُه، فلا تخافوا أولياءَه.
* * *
(٧٧) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
_________________
(١) في هامش (ح) و(ف): "وأما قول القاضي: فاستجاب اللّه تعالى دعاءهم بأنْ يسر لبعضهم الخروج، ففيه أن قوله: بأن يسر، لا يناسب مقام الاستجابة؛ لأنَّه ليس بواسطة الولي والناصر. منه".
(٢) لم أجده.
(٣) "ورغبهم" من (ك) و(م).
[ ٣ / ١٢٠ ]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عن القتال.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: واشتغِلوا بما أُمرتم به.
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ على ما طُبع عليه البشر من المخافة لا عن المخالفة (^١).
وذلك أن المسلمين كانوا بمكة مكفوفينَ عن القتال، وكانوا يتمنَّون أن يؤذَن لهم فيه، فلمَّا كُتب عليهم القتال بالمدينة أَحجم فريق منهم خوفًا من الموت، وضِنَّةً بالأرواح، وجُبنًا عن الأخطار بها، لا ريبةً في الدين.
﴿إِذَا﴾ للمفاجأة جيء بها في جواب الشرط مع الجملة الاسمية بدلَ الفاء، و﴿فَرِيقٌ﴾ مبتدأٌ تخصَّص بالصِّفة وهي ﴿مِنْهُمْ﴾، خبرُه: ﴿يَخْشَوْنَ﴾ (^٢).
﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ في موضعِ النصبِ صفةً للمصدر المحذوف؛ أي: خشيةً مثلَ ما يُخشَى اللهُ، فهي مضافةٌ إلى المفعول، أو على الحال من ضمير ﴿يَخْشَوْنَ﴾؛ أي: يخشون الناسَ (^٣) مثلَ أهلِ خشيةِ الله منه.
﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ نصبٌ عطفٌ على المصدر؛ أي: خشيةً مثلَ خشيةِ اللهِ أو خشيةً أشدَّ خشيةً من خشيةِ الله، على أن الخشية خاشيةٌ (^٤).
أو جرٌّ عطفٌ على (خشيةِ الله)؛ أي: كخشيةِ الله أو كخشيةٍ أشدَّ خشيةً من خشيةِ الله،
_________________
(١) في (ح) و(ك): "لا على المخالفة"، وفي (ف): "لا على المخافة".
(٢) في النسخ: "خبره خشية الله"، والصواب المثبت. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٥)، و"روح المعاني" (٦/ ١٤٨).
(٣) "الناس" من (م).
(٤) على طريقة: (جدَّ جدُّه). انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٥)، و"روح المعاني" (٦/ ١٤٩).
[ ٣ / ١٢١ ]
أو على ﴿اللَّهِ﴾ على أن الخشية من الفعل المبنيِّ للمفعول؛ أي: كخشيةِ الله أو خشيةٍ هي أشدُّ في كونه مختشيًا من الله، كما ذكر في ﴿أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].
أو نصبٌ على العطف في محلِّ الكاف.
والخشية في الأصل: الخوف مع تعظيم المَخوف منه، والمراد هنا: المبالغةُ في الخوف، وكلمة أو (^١) للدلالة على تفاوُته في الخشية، فإن خشية بعضهم كان مثلَ خشية الله تعالى، وخشيةَ بعضهم كان أشدَّ منها (^٢).
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ هذا المقالُ لا يناسب حالَ الصحابيِّ الراسخِ قدمُه في الإيمان، المنشرِحِ جَنانُه بالإسلام، الذي يرى الوصول إلى الدار الآجلةِ خيرًا من القرار في الدار العاجلة، ولهذا قيل: هم المنافقون، والتأويل بأنهم ما تفوَّهوا به ولكنهم قالوه في أنفسهم فحَكَى الله عنهم، مع أنه بعيد لم يُعهَد مثله في القرآن، لا يُجدي نفعًا.
﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ استزادةً في مدةِ الكفِّ عن القتال حذَرًا عن الموت، كأنهم حَسِبوا القتال قتلًا فتمنَّوا تأخيرَ الأجَل، وهذا آيةُ غايةِ جُبنهم.
﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾: سريع التَّقضِّي.
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾؛ أي؛ المعاصيَ.
_________________
(١) في (ح): "و"، وفي (م): "ثم"، وفي "ك": (أشد)، والمثبت من (ف)، وهو الصواب. انظر التعليق الآتي.
(٢) "منها" ليست في (ك). وهذا الوجه جعله أبو حيان من معنى التنويع في (أو) فقال: ولو قيل: إنَّها للتَّنويع، لكان قولًا، يَعني: أنَّ منهم مَن يَخْشَى النَّاسَ كخشيةِ اللهِ، ومنهم مَن يخشاهم خشية تَزيدُ على خَشيتِهم الله. وذكر لـ (أو) معاني أخر. انظر: "البحر" (٧/ ٢٠١).
[ ٣ / ١٢٢ ]
﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ شيئًا يسيرًا (^١) بالنقصِ عن الثواب الموعود، لا بالزيادة على العقاب المعهود، وقد تقدَّم تفسير الفتيل، وفيه ترغيبٌ في التحمُّل على مشاقِّ القتال، وترهيبٌ عن مخالفة الامتثال لأمر الجهاد.
وقرئ: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (^٢) لتقدم الغيبة.
* * *
(٧٨) - ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾.
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي (^٣): لا خلاصَ لكم من الموت، والجهادُ موتٌ يستعقبُه سعادةٌ أُخروية، فإذا كان لا بدَّ من الموت، فالموتُ في سبيل الله تعالى أولى.
وقرئ: (يدركُكم) بالرفع على حذف الفاء (^٤)، كما في قوله:
مَن يَفْعَلِ الحسناتِ اللهُ يشكرُها (^٥)
_________________
(١) بعدها في (ح) و(ف) و(ك) "من قَصَر على الأول فقد قصَّر"، والمثبت من (م).
(٢) هي قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ٩٦).
(٣) في (ك) و(م): "إذ".
(٤) تنسب لطلحة بن سليمان. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٧)، و"الكشاف" (١/ ٥٣٧).
(٥) صدر بيت عزاه سيبويه لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وعجزه: والشرُّ بالشرِّ عند الله مِثلانِ انظر: "الكتاب" (٣/ ٦٥)، و"الكشاف" (١/ ٥٣٧).
[ ٣ / ١٢٣ ]
أو على أنه كلامٌ مبتدأ، و﴿أَيْنَمَا﴾ متصلٌ بـ (لا تُظلمون)، وعلى هذا (أين) ظرفُ مكان لا اسم شرطٍ، وانتفاءُ الظلم يَنتظِم الدارين.
﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾: في قصورٍ أو حصونٍ مرتفعةٍ، والبرج في الأصل: بيت على طَرَف القصر، وأصل البروج: الظهور، ومنه: تَبَرَّجت المرأة، إذا أظهرت محاسنَها.
وقرئ: (مُشيِّدةٍ) وصفًا لها بوصفِ فاعلها (^١)؛ كقولهم: شِعرٌ شاعرٌ، و(مَشِيْدةٍ) (^٢) من شاد القصر: إذا رفعه.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾: نعمةٌ كخصبٍ.
﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: نسبوها إليه تعالى نسبةً مجرَّدةً عن توسُّط كسبِ العبد.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: بَلِيَّةٌ كقحطٍ.
الحسنةُ والسيئة كما يقعان على الطاعة والمعصية، كذلك يقعان على النعمة والبليَّة.
﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: أضافوها إليك، وقالوا: إنْ هي إلا شؤمُك؛ كما قالت اليهود: منذ دخل محمدٌ ﷺ المدينةَ نَقَصتْ ثمارُها وغَلَتْ أسعارها.
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: بتقديرِ الله، واقعٌ على حَسَبِ سنَّته في خلقه، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [لأعراف: ١٦٨] وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤].
_________________
(١) تنسب لنعيم بن ميسرة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٧)، و"الكشاف" (١/ ٥٣٨).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٣٨).
[ ٣ / ١٢٤ ]
ولما كان هذا تفصيلَ ذلك المجمَل المنزَل ظهَر حُسن الموقع للفاء في قوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ يوعَظون به وهو القرآن، وتنكيرُه للتعظيم والتنبيهِ على أنه لا حاجةَ إلى الإشارة عند الإطلاق ومساعدةِ المساق (^١).
نفَى المقاربةَ وهو أبلغ من نفي الفعل.
* * *
(٧٩) - ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
﴿مَا أَصَابَكَ﴾ خاطَب النبيَّ ﷺ ليُعلم حالُ ما أصاب غيرَه بطريق الدلالة.
﴿مِنْ حَسَنَةٍ﴾: من نعمة.
﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ تفضُّلًا منه، فإنَّ كلَّ ما يفعله الإنسان من الطاعة لا يكافئُ نعمة الله، فكيف (^٢) يقتضي غيرَه.
﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾: من بَليَّةٍ (^٣).
﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ يعني: هو وإن كان من عند الله باعتبارِ الإيجاد والفاعليَّة، لكنْ لمَّا كان السببُ القابلُ (^٤) المقتضي لذلك فعلَك واستحقاقَك فهو من عندك، وبما كسَبَتْ
_________________
(١) في هامش (ح) و(ف): "والمعنيان الآخران المذكوران في تفسير القاضي لا يناسبان المقام، كما لا يخفى على ذوي الإفهام. منه". قلت: والمعنيان اللذان ذكرهما القاضي البيضاوي في "تفسيره" (٢/ ٨٥) زيادة على المصنف هما: حديثًا مّا كبهائم لا أفهام لها، أو: حادثًا من صروف الزمان فيفتكرون فيه فيعلمون أن القابض والباسط هو الله ﷾.
(٢) في النسخ: "وكيف"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٦).
(٣) "من بلية" ليست في (ك) و(م).
(٤) "القابل" من (ك) و(م).
[ ٣ / ١٢٥ ]
يداك واستدعائك إياه أنزلت بك، كقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
لمَّا نسبوا النعمة إلى الله، والبليَّةَ إلى النبيِّ ﷺ، ردَّ الله عليهم بأنَّ الكلَّ من عند الله لا فاعلَ لها سواه، ولا واسطة في البلايا سوى أنفسِهم دون النبيِّ ﷺ على ما زعموا، فتمامُ الردِّ عند قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (^١).
﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ جميعًا، لا للعرب خاصةً كما زعمه بعض المنكِرين، وهذا المعنى مستفادٌ من ذكر اسم الجنس بمساعدة المقام (^٢).
﴿رَسُولًا﴾ حالٌ قُصد بها التأكيد، ويجوز نصبُه على المصدر كقوله:
ولا خارجًا مِن فيَّ زُورُ كلامِ (^٣)
ولا يجوزُ تعلُّق الجارِّ بها؛ لأنَّه يُفهَم منه اختصاصُ رسالته ﷺ بجنسِ الإنس.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على ذلك بنصبِ المعجزة، فوجب على الكلِّ طاعتُك واتِّباعُك، ولهذا قال:
* * *
(٨٠) - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.
_________________
(١) في هامش (ف): "وبهذا يندفع ما يقال: إنهم لم يجعلوا النبي ﷺ فاعلًا للبلايا، بل واسطة كما في قوله تعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ ولهذا قال: وما كانت إلا بسومك، فلا يمكن جعل المبدئ والفاعل هو الله وحده ردًا لمقالهم. منه".
(٢) في هامش (ح) و(ف): "لا دخل فيه لتقديم الجار والمجرور لمتعلقه. منه".
(٣) عجز بيت للفرزدق، وهو في ديوانه (٢/ ٢١٢)، و"الكتاب" (١/ ٣٤٦)، وصدره: على حلفةٍ لا أَشْتِمُ الدَّهرَ مسلمًا وأراد كما قال سيبويه: ولا يخرج خروجًا.
[ ٣ / ١٢٦ ]
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ لا لأنَّه في الحقيقة مبلِّغٌ والَامرُ هو الله تعالى؛ لأنَّه لا ينتظِمُ إطاعتَه في غير الأحكام الشرعية، بل لأنَّه تعالى أرسله وأَمر بإطاعته.
والعدول عن الضمير إلى المُظهَر للإشعار بترتُّب إيجاب الإطاعة على وصف الرسالة.
ورُوي أنه ﷺ قال: "مَن أحبَّني فقد أَحَبَّ اللهَ، ومَن أطاعَني فقد أطاعَ اللهَ" فقال المنافقون: لقد قارَفَ الشركَ وهو يَنهَى عنه، ما يريد إلا أنْ نتَّخِذَه ربًّا كما اتَّخذت النصارى عيسى، فنزلت (^١).
﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾؛ أي: عن طاعته؛ حُذف جزاؤُه وهو: فأَعْرِضْ عنه، وأُوقع ما هو سببٌ (^٢) له موقعَه فقيل:
﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبُهم عليها، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، وهو حالٌ من الكاف.
* * *
(٨١) - ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ إذا أمرتهم أمرًا أو نهيتهم عن شيء.
﴿طَاعَةٌ﴾؛ أي: أمرُنا طاعةٌ؛ أي: لك، وأصلُها النصبُ على المصدر، والعدولُ إلى الرفع للدلالة على الثبات.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٣٩). قال الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: ٤٦): لم أجده.
(٢) في (م) و(ك): "مسبب".
[ ٣ / ١٢٧ ]
﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ خرجوا ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾؛ أي: غابوا عنك، والفاءُ للدلالة على عدم التراخي بين قولهم الموافقِ وفعلهم المخالف (^١).
﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: زوَّرت وسوَّت (^٢).
﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ خلافَ ما قلتَ لها، أو ما قالت لك من القبول وضمان الطاعة.
والتبييت: إمَّا من البيتوتة لأن الأمور تدبَّر بالليل، أو من البيت المبنيِّ لأنَّه يسوَّى ويدبَّر.
وقرئ: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ (^٣) بالإدغام؛ لقُربهما في المخرج.
﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ وعيدٌ لهم؛ أي: يُثْبتُ في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه، أو: يكتب في جملةِ ما يُوحي إليك فيطلعُك عليه، فلا يُغني عنهم إسرارُهم.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تشتغل بالانتقام منهم.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ في الأمور كلِّها سيَّما في شأنهم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ لمن توكَّل عليه، فهو الرافع كيدَهم عنك، والمنتقمُ منهم لك.
* * *
(٨٢) - ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.
_________________
(١) "المخالف" من (م).
(٢) في (ك) و(ف): "وسورت"، وفي (ك): "وسولت". والمثبت من (م)، وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (١/ ٥٣٩)، و"روح المعاني" (٦/ ١٦٣).
(٣) هي قراءة حمزة وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ٩٦).
[ ٣ / ١٢٨ ]
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ الهمزة للإنكار، والفاءُ للعطف على محذوفٍ، أي: أيقدَحون في القرآن فلا يتدبَّرونه (^١)؛ لأنهم لو تدبَّروه حقَّ التدبُّر لم يكن لهم شكٌّ في تَوافُق معناه وتناسُقِ نَظْمه.
والتدبر: إثارةُ المعاني بغَوصِ الأفكار، واستخراجُ جواهر المعاني بدقائق الاعتبار، وهو في الأصل: النظر في دُبُر الأمر؛ أي: عاقبتِه، ثم استُعمل في كلِّ تأمُّلٍ ونظرٍ سواءٌ كان في حقيقة الشيء وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه، أو لواحقِه وأعقابه، وفيه باعتبار أصله إشارةٌ إلى ما في مقاطع (^٢) الكلام من مظانِّ الطعن في بادئ الرأي، التي تزول عند التأمُّل وتدقيق النظر.
والواو في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ للحال، وغيرُ الله ينتظِمُ الجنَّ والملَك، وفيه دلالةٌ على أنه كلام الله تعالى، وأمَّا إعجازه فالثابتُ به أنه ليس من كلام البشر، ولا يلزمُ منه أن يكون كلامَ الله تعالى.
﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ من جهة فصاحة اللفظ وبلاغةِ النَّظْم وصحةِ المعنى؛ لأن الخطيب الفصيح البليغ إذا كثُر كلامه اختلَّ نظامه، واختلفت أقسامُه، خصوصًا إذا تطاولت في تفاريق كلامه أيامُه؛ لنقصان قُدرة غير خالق القُوى والقُدَر (^٣)، وما يوجد فيه من الاختلاف في الأحكام لاختلاف الأحوال في الحِكَم، لا للتناقض في الحُكْم.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "يتدبرون".
(٢) في النسخ عدا (م): "مقاطعة"، والمثبت من (م).
(٣) في هامش (ح) و(ف): "من قال: لنقصان القوة البشرية، لم يدر أنه لا يكفي في تمام التقرير على ما نبهت عليه. منه". قلت: المراد بالقائل المذكور هو البيضاوي. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٦).
[ ٣ / ١٢٩ ]
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ ﴿مِنَ﴾ للبيان، وبيانُ (الأمر) بمجموعِ الأمن والخوف؛ أي: ما يوجبهما، لا بأحدهما على سبيل البدل، فكلمة ﴿أَوِ﴾ للتنويع لا لمنع الجمع.
﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾: فعلوا الإذاعة به، وهو أبلغُ من: أذاعوه؛ للدلالة على أنه يوجد نفس الحقيقة؛ كما في نحو ينظر ويمنع، ولِمَا (^١) فيه من الإبهام والتفسير.
والإذاعة: الإشاعة والإفشاء، كان يفعلُه قوم من ضَعَفة المسلمين إذا بلَغهم خبرٌ عن سرايا رسول الله ﷺ، أو أخبرهم (^٢) الرسول ﵇ بما أُوحي إليه من ظَفَرٍ بالعدوِّ أو تخويفٍ من الكفرة، أذاعوا به لعدم حزمهم، وكانَ فيه مفسدةٌ.
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾؛ أي: الأمرَ.
﴿إِلَى الرَّسُولِ﴾؛ أي: لم يحدِّثوا به حتى يكون النبيُّ ﷺ هو الذي يحدِّث به.
﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ وهم كبارُ الصحابة ﵃ البُصَراءُ بالأمور، أو أمراءُ السرايا.
﴿لَعَلِمَهُ﴾ على أيِّ (^٣) وجهٍ يُذكر.
﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾: يستخرجون تدبيره بتجاربهم وأنظارهم، وأصل
_________________
(١) في النسخ عدا (م): "لما"، والمثبت من (م).
(٢) في (ف): "أخبر"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٧).
(٣) "أي" من (م)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٧).
[ ٣ / ١٣٠ ]
الاستنباط: إخراج النَّبَط، وهو الماء الذي يخرجُ من البئر أوَّلَ ما تُحفر. وقيل: كانوا يسمعون أراجيفَ (^١) المنافقين فيذيعونها، فيعود وبالًا على المسلمين، ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم حتى يسمعوه منهم وَيعرفوا أنه هل يصحُّ أن يُذاع؟ لعُلم ذلك من هؤلاء الذين يستنبطونه من الرسول وأولي (^٢) الأمر؛ أي: يستخرجون علمه من جهتهم.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أيها الرسول والمؤمنون بما أَنزل من الهدى، وأَظهر من كيد الشيطان والمنافقين.
﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ودُمتم على الكفِّ عن القتال والإصغاء إلى المنافقين المثبِّطين.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هم رسلُ الله صلوات الله عليهم أجمعين والمستنبِطين (^٣)، وفيه تحريكٌ من حميَّة الضَّعَفة مع لُطفٍ وإخمادٍ لحال الأقوياء.
* * *
(٨٤) - ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾.
ثم قال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: فإذا كان الأمر كذلك من أنك أُوتيتَ الفضل والرحمة مع ما وفِّقت له من سابقة القَدَم في التجنُّب عن اتِّباع الشيطان، قاتلْ في
_________________
(١) في (م): " بأراجيف".
(٢) في النسخ: "وإلى أولي"، وهو خطأ. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٧).
(٣) في (ح) و(ف): "هم أصحاب رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين والمستنبطين"، وفي (ك): "هم رسول الله والمستنبطين"، والمثبت من (م). ولعل الصواب: (والمستنبطون).
[ ٣ / ١٣١ ]
سبيل الله وإعلاءِ كلمة الرحمن، ولا تُبالِ بكيد المنافقين واستجرارِهم الضعفاء، وما تحصَّلَ من مَفسدة الإذاعة، فإنه لا يَضرُّك خذلانُ خاذلٍ قويٍّ أو ضعيف (^١)، فالله ناصرك لا الجنودُ، بإحلال بأسه بمن يُعاديك.
﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ نصبٌ على الحال من فاعل ﴿فَقَاتِلْ﴾؛ أي: فقاتل (^٢) غيرَ مكلَّفٍ إلا نفسَك وحدها؛ يعني: لا يضرُّك مخالفتُهم وتقاعدُهم فتقدَّمْ إلى الجهاد وإنْ لم يساعدك أحدٌ، فإن الله ناصرُك لا الجنود.
رُوي: أنه ﵇ دعا الناس في بدرٍ الصُّغرى إلى الخروج، فكرهه بعضُهم فنزلت، فخرج وما معه إلا سبعون لم يَلْوِ على أَحَدٍ (^٣).
وقرئ: (لا تُكلَّف) بالجزم، و: (لا نُكلِّفُ) بالنون على بناء الفاعل؛ أي: لا نكلِّفُكَ إلا فِعْلَ نفسِك، لا أنَّا لا نكلِّف أحدًا إلا نفسَك (^٤)؛ لقوله:
_________________
(١) في هامش (ح) و(ف): "على ما ذكر القاضي وغيره لا يظهر وجه هذا الترتيب. منه".
(٢) "فقاتل" من (م).
(٣) ذكره عند تفسير هذه الآية دون عزو كل أبي الليث والبغوي والزمخشري والقرطبي والبيضاوي وعنه نقل المؤلف، وعزاه الطبرسي في "مجمع البيان" (٥/ ١٧٦ - ١٧٧) للكلبي، فلعله من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وعلى كل فالكلبي متروك، والخبر لا حجة فيه، كما أنه يخالف ما رواه النَّسَائِيّ في "الكبرى" (١١٠١٧)، حيث روى هذه القصة من حديث ابن عباس ﵄ لكن في سبب نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤].
(٤) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٤٢)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٧). وقوله: "لا نكلِّفُكَ إلا فِعْلَ نفسِك، لا أنَّا لا نكلِّف أحدًا إلا نفسَك" رد من البيضاوي على الزمخشري في قوله شارحًا للقراءة: (أي: لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها). لكن قيل: لا مانع من ذلك على معنى: لا نكلف =
[ ٣ / ١٣٢ ]
﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على القتال، وما عليك إلا تحريضُهم فحسْبُ، لا التَّعنيفُ بهم.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: كفارِ قريش، وقد كفَّ، وقد بدا لأبي سفيان وقال: هذا عامٌ مجدِبٌ، فرجع بهم (^١).
﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾ من قريش.
﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ تعذيبًا منهم، وفيه تقريعٌ لمن لم يتَّبعه.
* * *
(٨٥) - ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ هي التي رُوعي بها حقُّ مسلم، ودُفع بها عنه شرٌّ، أو جُلب بها إليه خيرٌ، لا في حدٍّ من حدود الله أو حقٍّ من حقوقه، طلبًا لرضى الله تعالى لا لغرضٍ من أغراض الدنيا، والسيئةُ بخلاف ذلك.
﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ وهو ثوابُ الشفاعة والتسبُّبِ إلى الخير الواقع بها.
وقيل: الشفاعة الحسنةُ هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعةِ إلى الله تعالى، وعسن النبي ﵇: "مَن دعا لأخيه المسلمِ بظهرِ الغيب استُجيبَ له، وقال له الملك: ولك مثلُ ذلك" (^٢)، فذلك النصيب، والدعوةُ على المسلم بضدِّ ذلك.
_________________
(١) = أحدًا هذا التكليف إلا نفسك. انظر: "روح المعاني" (٦/ ١٧٤).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٤٢).
(٣) رواه مسلم (٢٧٣٢) من حديث أبي الدرداء ﵁،
[ ٣ / ١٣٣ ]
﴿يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾: نصيبٌ من وِزْرِها مُساوٍ له في القَدْر.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾: مقتدِرًا، من أقاتَ على الشيء: إذا قدر عليه.
أو: شهيدًا حافظًا، من القُوت فإنه يقوِّي البدنَ ويحفظُه.
* * *
(٨٦) - ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾.
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الجمهور على أنه في السلام، ويدلُّ على وجوب الجواب؛ إمَّا بأحسن منها وهو أن يزيد عليه: ورحمة الله، فإن قاله المسلِّم زاد: وبركاتُه، وهي النهاية، وذلك لاستجماعه أقسامَ مطالب السلامة عن المضارِّ، وحصولِ المنافع وثباتها. أو بردِّها (^١) بأن يقول: عليك (^٢)، إنْ بلغ المسلِّم نهايته؛ لِمَا رُوي: أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ: السلام عليك، قال: "وعليك السلام ورحمة الله"، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله، فقال: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته"، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال: "وعليك" فقال الرجل: نَقَصْتني (^٣) فأين ما قال الله؟ وتلا الآية، فقال ﵇: "إنك لم تترك لي فضلًا فردَدْتُ عليك مثلَه" (^٤).
فكلمة ﴿أَوْ﴾ للتنويع لا للتخيير؛ لِمَا عَرفتَ أنَّ كلًّا من الزيادة وردِّ المثل مشروطٌ بشرطٍ ينافي شرطَه الآخر فلا يجتمعان.
_________________
(١) في (م): "يردها".
(٢) "عليك" من (م).
(٣) في (م): "أنقصتني".
(٤) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٤٤)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٨). ورواه الطبراني من حديث سلمان ومن حديث ابن عباس، وكلا الحديثين إسناده ضعيف. انظر: "الكاف الشاف" (ص: ٤٦).
[ ٣ / ١٣٤ ]
وأيضًا: التخيير بين أمرين أحدُهما أيسرُ من الآخر لا يكون على وجه الوجوب، على ما تقرَّر في موضعه.
وهذا الوجوبُ على الكفاية، وحيث السلامُ مشروعٌ فلا يُردُّ في الخطبة وقراءة القرآن، وفي الحمام وعند قضاء الحاجة.
والتحية: تفعلةٌ من حيَّى يُحيِّي تحيَّةً.
وكانت تحيةُ العرب عند اللقاء: حيَّاك الله؛ أي: أطال الله حياتَك، ونُقل ذلك في الإسلام إلى السلام، وبقي الاسم كذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ يحاسبُكم على التحية وغيرها.
* * *
(٨٧) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.
﴿اللَّهُ﴾ مبتدأٌ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾) خبرٌ، أو اعتراضٌ والخبر:
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ أَخبر بجمعه العالَم في يوم القيامة للمجازاة، وإنما قال:
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ تنبيهًا على أن جمعهم بطريق الحشر. والقيامُ والقيامةُ كالطِّلاب والطِّلابة، وهي قيامُ الناس من قبورهم أو للحساب.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في اليوم، أو في الجمع، فهو حال من اليوم أو صفة للمصدر.
ولمَّا ذكر الجمع مُقسِمًا عليه أردفه بقوله:
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾؛ أي: لا أحد أصدق ﴿مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، فإنه لا يتطرق الكذب إلى خبره بوجهٍ؛ لأنَّه نقص ينافي الألوهية.
[ ٣ / ١٣٥ ]
(٨٨) - ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
﴿فَمَا لَكُمْ﴾ الفاء للترتيب على ما فُهم مما تقدَّم من أنَّ ما نزل (^١) في حقِّ المنافقين وبيانِ أحوالهم حقٌّ مطابقٌ للواقع.
﴿لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾؛ أي: فما لكم تفرَّقتُم في أمر المنافقين فرقتين ولم تتَّفقوا على كفرهم الذي نطق به المنزَل، وذلك أن ناسًا منهم استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة (^٢)، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلةً مرحلةً حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم (^٣). وقيل غيرُ ذلك.
و﴿فِئَتَيْنِ﴾ نصبٌ على الحال من الضمير في (ما لكم) والعامل فيها ما في الظرف من معنى الاستقرار، كقولك: ما لك قائمًا.
و﴿فِي الْمُنَافِقِينَ﴾ حال من ﴿فِئَتَيْنِ﴾؛ أي: متفرِّقين فيهم، أو من الضمير؛ أي: فما لكم تفترقون فيهم، ومعنى الافتراقِ مستفاد من ﴿فِئَتَيْنِ﴾.
﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾: ردَّهم في حُكم المشركين. أصل الرَّكْس: ردُّ الشيء مقلوبًا.
_________________
(١) في (ك): "أنزل".
(٢) أي: معتلين باجتواء المدينة، كما هي عبارة "الكشاف"، والمذكور من "تفسير البيضاوي"، وعنه نقل المؤلف. والاجتواء بالجيم من قولهم: اجتويت البلد، إذا كرهت الإقامة فيها وإن كنت في نعمة، وأصل معناه: كراهيتُها لوخامتها المقتضيةِ للجوى، وهو المرض داء الجوف إذا تطاول. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٣/ ١٦٤).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٤٥)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٨). والخبر رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٨٢) عن مجاهد.
[ ٣ / ١٣٦ ]
﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ من لحوقهم بهم (^١)، واحتيالِهم على رسول الله ﷺ.
أو: ردَّهم في الكفر بسبب مرضِ قلوبهم وسوءِ عقيدتهم.
جملةٌ اعتراضية مُثْبتةٌ لوجوب اتِّفاق المؤمنين على نِفاقهم، رافعةُ لاختلافهم في ذلك، مقرِّرةٌ لمعنى الإنكارِ الذي في (ما) الاستفهاميةِ، أو حالٌ مبيِّنة.
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا﴾ إلى الحق ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ عن طريق الحقِّ.
معنى (^٢) الهمزة: إنكارُ إرادتهم هدايةَ مَن أضلَّ اللهُ تعالى لكونه مستحيلًا، ولذلك قال (^٣): ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾؛ أي: إلى الاهتداء، أو: لن تجد لهدايته سبيلًا؛ لاستحالةِ وقوع ما أراد الله (^٤) خلافَه تقريرًا لإنكار إرادتهم (^٥) المتعلِّقة بالمحال.
* * *
(٨٩) - ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾: تمنَّوا راغبين في أن تكفروا ككفرهم، أكد ودادتَهم لكفرهم بـ ﴿لَوْ﴾ وبقوله: ﴿كَمَا كَفَرُوا﴾؛ أي لا يرضَون (^٦) بما شأنكم (^٧)
_________________
(١) "بهم" من (م).
(٢) في (م): "ومعنى"، وسقطت الكلمة من (ح).
(٣) في (م) زيادة: "إلى الحق".
(٤) لفظ الجلالة: "الله" من (ك) و(م).
(٥) في (ك) و(م): "لإرادة إنكارهم".
(٦) في (ح) و(ف) و(ك): "يعرضون".
(٧) في (م): "نشأ بكم".
[ ٣ / ١٣٧ ]
الكفر، بل تمنَّوا لكم كفرًا بالغًا أصيلًا راسخًا مثلَ كفرهم، ثم بالَغ في ذلك بقوله:
﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ لا يترجَّح كفرُهم، عطفٌ على ﴿وَتَكْفُرُونَ﴾؛ أي: ودُّوا كفرَكم وكونَكم مستوِينَ معهم في الضلال، ويجوز نصبُه على جواب التمنِّي (^١).
﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾: فلا تتولَّوهم وإنْ أظهروا الإيمان.
﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: حتى يظاهِروا الإيمان بهجرةٍ صحيحةٍ في سبيل الله، بنيَّةٍ صادقة لله ولرسوله، لا لغرضٍ من أغراض الدنيا.
وسبيلُ الله: ما أَمر بسلوكه.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: فإن أعرضوا عن الهجرة المستقيمة التي تصدِّق إيمانهم.
﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: فحكمُهم حكمُ (^٢) سائر المشركين في وجوب قتلهم حيث وُجدوا في الحِلِّ والحَرَم.
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾؛ أي: وإنْ بذلوا لكم الولاية والنُّصرة، فلا تقبلوا وجانِبوهم مجانَبةً كلِّيةً.
* * *
(٩٠) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.
_________________
(١) في هامش (ح) و(ف): "يعني التمني المفهوم من لفظ ﴿لَوْ﴾ لا من لفظ ﴿وَدُّوا﴾ كما توهم أبو حيان. منه".
(٢) في (ك) و(م): "كحكم".
[ ٣ / ١٣٨ ]
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ استثناءٌ من قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ إلا الذين يتصلون (^١) وينتهون إلى قوم عاهدوكم ويفارقون محارَبتكم، فإنهم (^٢) في حكمهم في الميثاق، وهم مَن وادَعَ رسول الله ﷺ وقتَ خروجه إلى مكةَ على أنْ لا يُعِينوه ولا يُعِينوا عليه، ومَن لجأ إليهم فله من الجِوارِ مثلُ ما لهم.
﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ عطفٌ على صلة الموصول؛ أي: أو إلا الذين جاءوكم كافِّين من قتالكم وقتالِ قومهم، استثنى عن المأمور بالأخذ والقتل مَن ترك المحارِبين ولحقَ المعاهَدين، ومَن جاء المؤمنين وكفَّ عن قتالِ الفريقين.
لا (^٣) على صفةِ ﴿قَوْمٍ﴾ لأن الاستثناء يدلُّ بأن سبب ترك التعرُّض لهم أمران:
أحدهما: الاتصال بالمعاهَدين.
والآخر: الاتصال بالكافِّين عن القتال إن كان العطف على الصفة، ونفسُ الكفِّ عن القتال إن كان العطف على الصلة، وقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ يرشدُ إلى أنه الكفُّ.
وقرئ بغير العاطفِ (^٤) على أنه بيانٌ لـ ﴿يَصِلُونَ﴾، أو بدلٌ، أو استئنافٌ.
﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ في موضع الحال بإضمارِ (قد)، يدلُّ عليه قراءة: ﴿حَصِرَةً صُدُورُهُمْ﴾ (^٥)، و: (حَصِرَاتٍ [صدورُهم])، و: (حاصِراتٍ صدورُهم) (^٦)، وجعلَه
_________________
(١) في (ف): "يصلون"، وسقطت من (ح).
(٢) في (ح) و(ف): "فإنكم"، وهو تصحيف.
(٣) كلمة: "لا" وقع بدلا منها في (ح): "أو"، وسقطت من (ف) و(ك).
(٤) أي: ﴿جَاءُوكُمْ﴾ دون ﴿أَوْ﴾، وتنسب لجناح بن حبيش كما في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٨)، ولأبي ﵁ كم في "الكشاف" (١/ ٥٤٧).
(٥) هي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٥١).
(٦) نسبت أولاهما للضحاك، والثانية لجناح بن حبيش كما في "المختصر في شواذ القراءات" =
[ ٣ / ١٣٩ ]
المبرِّد صفة لموصوفٍ؛ أي: أو جاءوكم قومًا حَصِرَت صدورُهم (^١).
وقيل: بيان لـ ﴿جَاءُوكُمْ﴾. وهم بنو مُدْلجٍ، جاءوا إلى رسول الله ﷺ غيرَ مقاتلين.
والحَصَر: الضِّيقُ والانقباض.
﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾: عن أن يقاتلوا، صلةٌ لـ ﴿حَصِرَتْ﴾، أو: كراهةَ أن يقاتلوكم، مفعولٌ له.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ولو شاء الله أن يبتليَكم بهم لابتلاكم بتسليطهم عليكم، وهذا بيانُ القدرة ولا يلزمه الموافقةُ للحكمة فإنها تستتبعُ الوقوع دون القدرة (^٢).
﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ ولم يكفُّوا عنكم.
﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾؛ أي: فإنْ لم يتعرَّضوا لكم.
﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾: الاستسلام والانقياد.
﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾: فما أذِنَ لكم في قتلهم وأخذِهم.
* * *
(٩١) - ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
_________________
(١) = (ص: ٢٨)، وانظر: "الكشاف" (١/ ٥٤٧)، والكلام وما بين معكوفتين منه.
(٢) "وحصرات وحاصرات صدورهم وجعله المبرد صفة لموصوف أي أو جاءوكم قومًا حصرت صدورهم" من (م)، والموافق لما في "الكشاف".
(٣) في هامش "ف": "ومن لم يفرق بينهما قال ما قال وماذا بعد الحق إلا الضلال. منه".
[ ٣ / ١٤٠ ]
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ هم أسدٌ وغطفان.
وقيل: بنو عبد الدار، أتوا المدينة وأظهروا الإسلام فلمَّا رجعوا كفروا.
﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾: كلما دعاهم قومُهم إلى قتال المسلمين.
﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ رُدُّوا فيها وقلبوا أَخْبثَ قلبٍ وأشنعَه (^١)؛ لضمِّهم الكفر إلى الغدر ونقضِ العهد.
﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾: الاستسلامَ والانقياد ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ عن قتالكم، كلاهما معطوفان على ﴿يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ في حُكم الجزم بـ ﴿لَمْ﴾.
﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: حيث تمكَّنْتُم منهم؛ لأنهم لم يَكفُّوا أيديَهم عن القتال (^٢).
﴿وَأُولَئِكُمْ﴾ إشارة إلى أن الموصوفين بدوامِ نقض العهد والخيانةِ مرةً بعد أخرى في جميع الأوقات إنما يستحقُّون تسليط الله تعالى إياكم عليهم، وإظهارَكم بالحجة لهذه الصفات.
﴿جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: حجةً واضحة في التعرُّض لهم بالقتل والسَّبي؛ لظهور حالهم في الكفر والعداوة والغدر، أو: تسلُّطًا ظاهرًا حيث أَذن لكم في قَتْلهم أينما اقتَدَرْتم عليهم.
_________________
(١) في (م): (وأبشعه)، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٥٤٨). وتحرفت العبارة في (ح) و(ف) إلى: "وقبلوا خبث قلب واسعة".
(٢) في هامش (ح) و(ف): "من لم يتنبه له قال: فإن مجرد الكف لا يوجب نفي التعرض. منه". والقائل هو البيضاوي في "تفسيره" (٢/ ٨٩).
[ ٣ / ١٤١ ]
(٩٢) - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾؛ أي: ليس من شأنه ولا يليقُ بوصف الإيمان.
﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ يباشرَ بقتله مِن عند نفسه بلا إيجابِ الشرع ولا رخصةٍ منه.
﴿إِلَّا خَطَأً﴾ مفعولٌ له؛ أي: لعلةٍ ما (^١) إلا للخطأ وحده، أو حالٌ بمعنى: مخطئًا؛ أي: ليس له قتلُه في حالٍ من الأحوال إلا في حالِ الخطأ، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إلا قتلًا خطأً، وهو ما لا يُضامُّه القصدُ إلى الفعل أو الشخصِ، فما لا يُقصد به زُهوق الروح غالبًا من قَبيل الأول؛ لأنَّه ما قَصد إلى القتل بل قَصد إلى الضرب، وما لا يُقصد به محظورٌ - كرمي مسلم في صفِّ الكفار مع الجهل بإسلامه - من قبيل الثاني؛ لأنَّه ما قصد إلى الشخص المسلم في زعمه، بل قصد الشخص الكافر، والمعتبَر في القصد زعمُ القاصد.
وأمَّا غير المكلَّف فالشرعُ لم يعتبر قصدَه، فأعطاه حكمَ الخطأ.
وقرئ: (خطاءً) بالمد (^٢)، و: (خطًا) كعصًا بتخفيف الهمزة (^٣).
_________________
(١) في (م): "أي لا لعلة ما".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٨).
(٣) انظر: "المحتسب" (١/ ١٩٤).
[ ٣ / ١٤٢ ]
والآيةُ نزلت في عيَّاشِ بن أبي ربيعةَ أخِ أبي جهلٍ من الأمِّ، لقي الحارث بن زيد في طريق وكان قد أسلم، ولم يَشعرْ به عياشٌ فقتله (^١).
﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: فعليه - أو: فواجبُه - تحريرُ رقبة.
والتحريرُ: جعل الإنسان حرًّا، كما أن الإعتاق: جعلُه عتيقًا، والحرُّ: العتيق والكريم؛ لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد، وحُرُّ الوجه: أكرمُ موضعٍ منه.
والرقبةُ يعبَّر بها عن النَّسَمة كما يعبَّر عنها بالرأس.
﴿مُؤْمِنَةٍ﴾: كبيرةً كانت أو صغيرةً، ذكرًا كان أو أنثى.
﴿وَدِيَةٌ﴾: عطفٌ على (تحرير).
﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: مؤداة.
﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ تُصْرف إلى ما تُصْرف إليه تركتُه، فالأهل يَنتظِم الوصيَّ وأمينَ بيت المال (^٢).
ولم يعيِّن الله تعالى في كتابه ما يُعطَى في الدِّية، ولم يبيِّن فيه أن إيجابها على العاقلة أو القاتل، وإنما أُخذ ذلك من السُّنة.
﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾: يتصدَّقوا عليه بالدِّية، وأصلُها على القاتل وتحملُها العاقلة تخفيفًا عليه، وسمِّي العفو عنها بالتصدُّق حثًّا عليه، وتنبيهًا على فضله، وعن النبيِّ ﷺ: "كلُّ معروفٍ صدقةٌ" (^٣).
_________________
(١) رويت فيه مراسيل عن مجاهد وعكرمة والسدي. انظر: "تفسير الطبري" (٧/ ٣٠٦ - ٣٠٨).
(٢) في هامش (ح) و(ف): "من قال: إلى ورثته .. إلخ، لم يصب. منه".
(٣) رواه البخاري (٦٠٢١) من حديث جابر ﵁، ومسلم (١٠٠٥) من حديث حذيفة ﵁.
[ ٣ / ١٤٣ ]
وهو متعلِّقٌ بـ (عليه) (^١)، أو بـ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾؛ أي: تجب الدِّية عليه - أو: يسلِّمها إلى أهله - إلا حالَ تصدُّقهم إياها عليه، فهو في محلِّ النصب على الحال من القاتل، وأمَّا انتصابُه على الظرف فقيل: إنه مخالفٌ لنصِّ النحويين على منعِ قيام (أنْ) وما بعدها مقامَ الظرف، فإنه مما اختَصَّ به (ما) المصدريةُ.
﴿فَإِنْ كَانَ﴾؛ أي: إنْ كان المقتول (^٢) ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾: كفارٍ محاربين ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: المقتول ﴿مُؤْمِنٌ﴾ يعني: إذا أسلم الحربيُّ في دار الحرب ولم يهاجر إلينا، فقتَلَه مسلم ولم يعلم بإيمانه.
ولإفادة هذا القيد صدِّر الكلام بالفاء المرتِّبة له على ما تقدم، وفيه الكفارةُ لا غير، وهو قوله:
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ قيل: دون الدِّيَة لأهله؛ إذ لا وراثة بينه وبينهم لأنهم محاربون.
وكأن هذا القائل غافلٌ عن العموم المذكور فيما سبق في مصرِف الدية.
والشافعيُّ حمله على مؤمنٍ اختلطَ بأهل الحرب، ويأباه قوله: ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾؛ لأنَّه حينئذٍ لا يكون منهم.
﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ يَنتظِم عهدَ الأمان وعقدَ الذمة.
﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: حكمُه حكمُ المسلم في وجوب الكفارة والدية، وتقديم الدية هاهنا اهتمامًا في رعاية حكم الميثاق.
_________________
(١) وهو المقدر بعد الفاء في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾.
(٢) في هامش (ح) و(ف): "من زاد على هذا قوله: المؤمن فكأنه غافل عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. منه". قلت: رد على قول البيضاوي في "تفسيره" (٢/ ٩٠): أي: (فإن كان المؤمن المقتول).
[ ٣ / ١٤٤ ]
قيل: هذا في مشركي العرب الذين كان بينهم وبين النبيِّ ﷺ عهدٌ على أن يُسلِموا أو يؤذَنوا بحربٍ إلى أجلٍ معلوم، ومَن قُتل منهم وجَبتِ الدية والكفَّارة، ثم نُسخ بقوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وأما ما قيل: ولعله فيما إذا كان المقتول معاهَدًا وكان له وارثٌ مثلُه (^١)، فلا صحة له:
أمَّا أولًا: فلأن قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ﴾ صريحٌ في كون المقتول معاهَدًا، فلعله لم يُصِبْ محزَّه.
وأما ثانيًا: فلأن دية الذِّمِّي تؤخَذ لبيت المال إذا لم يكن له وارثٌ، وديةَ الحربي إنما تُعطى بحكم العهد، فقوله: أو كان (^٢) له وارثٌ، مما لا وجه له.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾؛ أي: الرقبةَ المؤمنة، بأنْ لم يملكها ولا ما يَتوصَّل به إليها، أو لم توجد في دياره.
﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾: فعليه - أو: فواجبٌ - صيامُ شهرين.
﴿مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً﴾ مصدر مؤكِّد؛ أي: تاب الله عليه توبةً، أو مفعولٌ له؛ أي: شَرَع ذلك توبةً منه.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفتُها.
_________________
(١) قوله: "وكان له وارث مثله"، كذا وقعت العبارة في النسخ، والذي في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٩٠) وهو صاحب القيل المذكور: (… أو كان له وارث مسلم)، وعلى هذا شرح الشهاب في "الحاشية" (٣/ ١٦٧) فقال: (يعني: لا يلزم دية بقتل شخص من قوم معاهدين؛ إذ يجوز أن يكون غير معاهد ولا مؤمن، إلا إذا كان معاهدًا فيلزم الدية للعهد، أو مسلمًا وله وارث مسلم، فالظاهر أن يقول: أو كان مسلمًا وله وارث مسلم، إذ المسلم لا يرث من الكافر، ففي عبارته تقصير).
(٢) في النسخ عدا (م): "فقوله وكان"، والمثبت من (م) وهو الصواب. انظر التعليق السابق.
[ ٣ / ١٤٥ ]
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بالأحوال، ويندرجُ فيها حالُ القاتل دخولًا أوليًا.
﴿حَكِيمًا﴾ في الأفعال، ومنها ما أَمر في شأنه.
* * *
(٩٣) - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ عَدَل هنا عن الماضي إلى صيغة المستقبل استبعادًا لوقوع هذا النوع من القتل.
﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ اقتَصر هنا (^١) على بيانِ حكمه الأُخرويِّ لأنَّه بيَّن حكمَه الدنيويَّ في سورة البقرة.
﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ المراد بالتخليد: المكثُ الطويل، دون التأبيد، ولهذا لم يقل: أبدًا؛ لأن الدلائل متظاهرةٌ على أن عُصاة المسلمين لا يدومُ عذابهم.
وقيل: إنه مخصوصٌ بمن لم يَتُب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه: ٨٢] ونحوِه.
أمَّا تخصيصُه بالمستحلِّ له كما ذكره عكرمةُ وغيرُه (^٢)، ففيه: أنه تخصيصٌ بلا
_________________
(١) في (م) و(ك): "هاهنا".
(٢) انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص: ٣٤٩)، وفيه: (وهذا القولُ يقالُ: إنَّه قولُ عكرمةَ؛ لأنَّه ذَكَرَ أنَّ الآيةَ نزلت في رجلٍ قَتلَ مؤمِنًا مُتعمِّدًا ثم ارتدَّ). قلت: والذي يظهر من كلامه أنه لم يجد نصًّا صريحًا عن عكرمة بهذا القول، فرأى أن من قال به قد استنبطه استنباطًا من رواية عكرمة للخبر المذكور، ولعله يشير بهذا إلى الطبري، حيث قال في "تفسيره" (٧/ ٣٤١): (وقال آخرون: عُنِي بذلك رجل بعينه، كان أسلم فارتدّ عن إسلامه، وقتل رجلا مؤمنًا، قالوا: فمعنى الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ مستحلًّا قتلَه ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، ذكرُ من قال ذلك …)،=
[ ٣ / ١٤٦ ]
مخصِّصٍ، فإن سبب النزول لا يَصلُح له، وهو أن مِقْيَسَ بن ضُبابةَ وجد أخاه هشامًا قتيلًا في بني النَّجار، ولم يَظهر قاتلُه، فأخذ منهم الدِّيَةَ بأمره ﵇، ثم حَمل على مسلمٍ فقتله فرجع إلى مكة مرتدًّا (^١) = إذ لا تصريحَ فيه بقتله مستحِلًّا، وقد تقرَّر في الأصول أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوصِ السبب.
ومراد ابن عباس ﵄ من قوله: لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمدًا (^٢)، التشديدُ (^٣)؛ إذ رُوي عنه خلافُه (^٤).
_________________
(١) = ثم روى الخبر المذكور عن عكرمة كما سيأتي، وقد روي هذا الخبر أيضًا عن سعيد بن جبير وابن جريج وابن عباس كما سيأتي، ولذلك - والله أعلم - لم يقتصر البيضاوي الذي ينقل عنه المؤلف في عزو القول بالاستحلال على عكرمة بل قال: (ذكره عكرمة وغيره)، وعزاه ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٢/ ٦٥) لابن عباس، والآلوسي في "روح المعاني" (٦/ ٢٢٢) لعكرمة وابن جريج وجماعة. بقي أن نذكر أن النحاس نفسه قد غلَّط القول المذكور معلِّلا ذلك بقوله: (لأنَّ "مَن" عامٌّ لا يُخَصُّ إلَّا بتوقيفٍ أو دليلٍ قاطعٍ)، في حين اعتبره ابن عطية هو الأصح في تفسير الآية.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ١٠٣٧ - ١٠٣٨) عن سعيد بن جبير، والطبري في "تفسيره" (٧/ ٣٤١)، وابن بشكوال في "غوامض الأسماء المبهمة" (٢/ ٧٦٠) عن ابن جريج. ورواه ابن بشكوال أيضًا من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ﵄. ورواه الطبري أيضًا من طريق ابن جريج عن عكرمة.
(٣) رواه البخاري (٤٧٦٤)، ومسلم (٣٠٢٣/ ٢٠).
(٤) "عمدًا التشديد" سقطت من (ح) و(ف)، و"التشديد" سقطت من (ك).
(٥) في (ح) و(ف): "خلاف". وروى عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" واللفظ له، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٧٧٥٣)، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٣٤٩)، عن سعد بن عبيدة: أن ابن عباس كان يقول: لمن قتل مؤمنًا توبة، فجاءه رجل فسأله: ألمن قتل مؤمنًا توبة؟ قال: لا، إلا النار. فلما قام الرجل قال له جلساؤه: ما كنت هكذا تفتينا، كنت تفتيتا أن لمن قتل مؤمنًا توبة مقبولة، فما شأن هذا اليوم؟! قال: إني أظنه رجلًا مغضبًا يريد أن يقتل مؤمنًا، فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك.
[ ٣ / ١٤٧ ]
﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾؛ أي: انتَقَم منه وطرده من رحمته.
﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾؛ لاجْتِرائه على الله.
لمَّا كان قتلُ النفس المحرَّمة أكبرَ الكبائر بعد الشرك بالله (^١)، بالَغ فيه بأنْ جعله منافيًا للإيمان حيث قال:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ﴾ أي: ينافي وصفَ الإيمان قتلُ المؤمن، ثم بتنكير (مؤمن)؛ أي: ليس لأيِّ مؤمن كان، ثم بحذف الخبر المقدَّم لشدة العناية بالتصريح بالكفَّارة، ثم بإيجاب الدية والكفَّارة على قاتل الكافر المعاهَد حرمةً لها - وإن كانت كافرةً - بمجرد العهد، ثم بالوعيد مع التوبة بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ لأنَّه أعظم الإثم بعلمه به، وإلا لقال: (غفورًا رحيمًا) اعتدادًا بالتوبة وتفخيمًا لها، فحقَّر التوبة في جنب الإثم مع كونه خطأً؛ لِمَا عسى يقعُ من تفريطٍ فيما يجب عليه من الاحتياط والتحفظ، ثم بالتهديد العظيم والإيعاد، والإبراق الشديد والإرعاد، على قتل العمد العدوَان بالوجوه المذكورة؛ من دخول جهنم، والخلودِ فيها، واستحقاقِ الغضب، ثم العذابِ العظيم، كلُّ ذلك تغليظٌ للدلالة على غلظ الأمر وعظم الخطب (^٢).
* * *
(٩٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
_________________
(١) "بالله" من (م).
(٢) في (م): "الخطيئة".
[ ٣ / ١٤٨ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: إذا غزوْتم وسرتُم إلى الجهاد.
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وقرئ: ﴿فَتَثَبَّتوا﴾ (^١)، وتَفَعَّلَ (^٢) بمعنى استَفْعَلَ الدالِّ على الطلب؛ أي: فاطلبوا بيانَ الأمر وثباتَه ولا تَعْجَلوا فيه، وقد قُوبل البيانُ بالعجلة في قوله ﵇: "التبيينُ من الله والعجلة من الشيطان" (^٣).
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾؛ أي: لمن حيَّاكم بتحيةِ السلام (^٤).
وقرئ: ﴿السَّلَمَ﴾ (^٥)؛ أي: الاستسلامَ والانقياد، وفسِّر به ﴿السَّلَامَ﴾ أيضًا.
﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وإنما فعلتَ ذلك متعوِّذًا. وقرئ: (مؤمَنًا) بالفتح من آمَنه (^٦)؛ أي: لا يُؤْمِنُك.
﴿تَبْتَغُونَ﴾ في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿تَقُولُوا﴾، مُشعِرٌ بما هو الحاملُ لهم على العجلة؛ أي: لا تقولوا ذلك مبتغينَ.
﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الغنيمةَ التي هي (^٧) حطامٌ سريع النفاد، فتتركون التثبُّت والتفحُّص عن حالِ مَن تقتلونه لأجْله.
_________________
(١) هي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ٩٧).
(٢) في (م): "وتفعل".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٥١ - ٣٥٢) عن قتادة عن النبي ﷺ مرسلًا بلفظ: "التبين .. "، وهو الأنسب بلفظ الآية.
(٤) في (م): "الإسلام".
(٥) هي قراءة حمزة ونافع وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ٩٧).
(٦) هي رواية ابن جماز عن أبي جعفر كما في "النشر" (٢/ ٢٥١)، ورواية ابن وردان عن أبي جعفر كما في "تحبير التيسير" (ص: ١٠٥).
(٧) في (ح) و(ف) و(م): "التي من". والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٥٥٣).
[ ٣ / ١٤٩ ]
﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ يُغْنِمُكموها فتُغنيكم عن مِثْل هذه الفعلة الشنيعة، والفاءُ لتعليل النهي.
﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أوَّلَ ما دخلتُم في الإسلام سُمعت منكم كلمة الشهادة فحُصِّنت بها دماؤكم وأموالكم من غير اطِّلاع على قلوبكم ومواطأتِها لألسنتكم.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالاستقامة والتصلُّبِ في الدِّين والاشتهارِ بالإيمان والتقدُّم فيه، والفاء للعطف على ﴿كُنْتُمْ﴾.
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾: فافعلوا بالداخلينَ في الإسلام كما فُعل بكم، ولا تُبادِروا إلى قتلهم ظنًّا بأنهم دخلوا فيه اتِّقاءً وخوفًا، فإن إبقاءَ أَلْفِ كافرٍ أهونُ عند الله تعالى من قتلِ امرئٍ مسلمٍ.
وتكريرُ الأمر بالتبيين، والإيعادُ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، للتأكيد؛ لتعظيم الأمر، وترتيبِ الحكم على ما ذكر، والمبالغةِ في التحذير عن مثل ما فَعلوا؛ أي: كونوا محترِزين محتاطِين مجتهدِين لإعلاء كلمة الإسلام وإعزازِ الدِّين، لا لطلبِ الغنيمة والمال، فإن الله مطَّلعٌ على ما في ضمائركم، خبيرٌ بأعمالكم وما يبتني عليها من نيَّاتكم فيؤاخذُكم بها، فلا تتهافَتوا في القتل.
رُوي أنَّ سريَّةً لرسول الله ﷺ غزت أهل فَدَكٍ، فهربوا وبقي مرداسٌ ثقةً بإسلامه، فلما رأى الخيلَ أَلجأ غنمه إلى عاقولٍ من الجبل وصعد، فلمَّا تلاحَقوا وكبَّروا كبَّر ونزل وقال: لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسول الله، السلامُ عليكم. فقتله أسامةُ ﵁ واستاق غنمه، فنزلت (^١).
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٥٣)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٦٧) من طريق الكلبي عن أبي =
[ ٣ / ١٥٠ ]
ولا دلالةَ فيه على صحة إيمان المكرَه، وإن ما رُوي ليس من الاجتهاد المعهودِ في شيء (^١).
* * *
(٩٥) - ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ عن الحرب.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في موضع الحال من القاعدين، أو من الضمير فيه.
﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ بالرفع بدلٌ من القاعدين، أو صفةٌ لهم؛ لأنَّه لم يُقصد بهم قومٌ بأعيانهم، ولأن (غير) قد تتعرَّف إذا وقعت بين ضدَّين.
وقرئ بالنصب (^٢) على الحال أو الاستثناء (^٣)، وقُرئ بالجر على أنه صفة لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، أو بدلٌ منه (^٤).
رُوي: أنها نزلت ولم يكن فيها ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، فقال ابنُ أمِّ مكتوم: وكيف وأنا أعمى؟ فنزل القيدُ المذكور (^٥).
_________________
(١) = صالح عن ابن عباس ﵄، ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٣٥٧) عن السدي. وأصل الخبر عند مسلم (٩٦).
(٢) رد على البيضاوي في قوله: وفيه دليل على صحة إيمان المكره، وأن المجتهد قد يخطئ، وأن خطأه مغتفر. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٩١).
(٣) هي قراءة نافع وابن عامر والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ٩٧).
(٤) في هامش (ف): "وقيل: نصب بنزع الخافض، وفيه أنه سماعي لا قياسي. منه".
(٥) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٥٣)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٩١)، والكلام منه.
(٦) رواه البخاري (٢٨٣٢)، ومسلم (١٨٩٨)، من حديث زيد بن ثابت ﵁.
[ ٣ / ١٥١ ]
والضَّرر: النُّقصان، بدنيًّا كان كالعمى والعَرَج، أو ماليًّا كعدم الأُهْبة، ولمَّا كان مساقُ الكلام للتحريض على الجهاد كان الاستثناءُ المذكور لبيان أنهم غيرُ مُرادِين بالتحريض، وغيرُ المكلَّفين بالخروج إليه، لا أنهم كالمجاهدين في الإثابة والتفضيل.
﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لا مساواةَ بينهم وبينَ القاعدين عن الجهاد بلا عذرٍ، وفيه تذكيرُ ما بينهما من التفاوت؛ ليرغب القاعد في الجهاد رفعًا لرتبته، وأنفةً (^١) عن انحطاط منزلته.
﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ نصبٌ على المصدر، وتنكيرُها للتعظيم، والمعنى: على القاعدين أُولي الضرر، نصَّ على ذلك الإمامُ الواحدي في "الوسيط" ثم قال: وذلك أن المجاهدين مباشرون للطاعة فلهم فضيلةٌ على القاعدين من أهل العذر وإن كانوا على نية الجهاد وقَصْدِه (^٢).
وتفصيله: أن المراد بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾: أنَّ بين المجاهدين والقاعدين غير الأضرَّاء بونًا بعيدًا، وأنْ ليس بين المجاهدين والقاعدين الأضرَّاء هذا البونُ البعيد، ولكن بينهم تفاوتٌ أيضًا (^٣)، وكان هذا المعنى محتاجًا إلى البيان فبيَّنه بقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ وبما عُطف عليه من قوله: ﴿وَفَضَّلَ﴾، فكلتا الجملتين
_________________
(١) في (م): "واتقاء"، والمثبت موافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٩١)، وقريب منه عبارة "الكشاف" (١/ ٥٥٣): (ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته).
(٢) انظر: "الوسيط" للواحدي (٢/ ١٠٤).
(٣) "وكذا قول صاحب "الكشاف": وأما المفضلون درجة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء، يدل على هذا. منه".
[ ٣ / ١٥٢ ]
بيانٌ له لا الجملةُ الأولى فقط، فبيَّن بالكلام الأول أنهم مفضَّلون على أهل العذر درجة، ثم قال:
﴿وَكُلًّا﴾ يعني: المجاهدَ والقاعدَ المعذور، كذا (^١) نقل في "الوسيط" عن مقاتل (^٢).
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: المثوبة الحسنى وهي الجنةُ؛ لحُسْن عقيدتهم وخلوصِ نيَّتهم، وإنما التفاوُتُ في زيادة العمل المقتضي لمزيد الثواب. ثم بيَّن بقوله:
﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ أن المجاهدين مفضَّلون على القاعدين من غير عذرٍ بدرجات.
وقوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ نصبٌ على المصدر؛ لأن (فضَّل) بمعنى: أَجَر، أو المفعولِ الثاني له لتضمُّنه معنى الإعطاء، كأنه قيل: وأعطاهم زيادةً على القاعدين أجرًا عظيمًا.
* * *
(٩٦) - ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ كلُّ واحدة منها بدلٌ من ﴿أَجْرًا﴾.
أو ينتصبُ ﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصبَ ﴿دَرَجَةً﴾، كما تقول: ضربتُ سوطًا أو سوطاتٍ، أي: ضرباتٍ؛ كأنه قيل: فضَّلهم تفضيلات، و﴿أَجْرًا﴾ حالٌ عن ﴿دَرَجَاتٍ﴾ مقدَّمةٌ عليها لكونها نكرةً، وينتصب ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ بإضمار فعلهما؛ أي: وغفَر لهم مغفرةً ورحمهم رحمةً.
_________________
(١) في (م) و(ك): "كما".
(٢) انظر: "الوسيط" للواحدي (٢/ ١٠٤).
[ ٣ / ١٥٣ ]
وقيل: الدرجة: ارتفاعُ منزلتهم عند الله، والدرجات: منازلُهم في الجنة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما عسى يَفرط منهم ﴿رَحِيمًا﴾ بما وعد لهم.
* * *
(٩٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يجوز أن يكون ماضيًا، وأن يكون مضارعًا بحذف التاء؛ أي: تتوفاهم الملائكة، وقرئ: (تَوفَّتْهم) بتاء التأنيث على الماضي، و: (تُوفَّاهم) (^١) على المضارع المبني للمفعول من (وُفِّيتْ) بمعنى: أن الله تعالى يوفِّي الملائكة أنفسَهم فيتوفونها؛ أي: يمكِّنُهم من استيفائها فيَتوفَّونها (^٢).
﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾: في حال ظلمِهم أنفسَهم بترك الهجرة وموافقةِ الكفرة، فإنها نزلت في ناسٍ من مكةً أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرةُ واجبةً (^٣).
﴿قَالُوا﴾؛ أي: الملائكة للمتوفَّين، وهو خبر ﴿إِنَّ﴾؛ أي: قالوا لهم، حُذف الراجع.
﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾: بأيِّ سببٍ كنتُم على ما كنتُم عليه من مخالطة المشركين وموافقتِهم، ولفظةُ (في) هاهنا كالتي في قوله: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].
_________________
(١) في (م): "وتوفيهم".
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٥٣)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٩٢).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٥٣)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٩٢). ورواه الطبراني في "الكبير" (١٢٢٦٠) عن ابن عباس ﵄، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٩): فيه قيس بن الربيع وثقه شعبة وغيره وضعفه جماعة.
[ ٣ / ١٥٤ ]
قيل: أي: في أيٍّ شيء كنتُم من أمرِ دينكم، ولا يَنتظِم الجوابَ (^١).
﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض مكة، أجابوا اعتذارًا مما وُبِّخوا به بضعفهم عن مقاومة المشركين، وعدمِ قدرتهم للمخالفة.
قيل: وعجزهم عن الهجرة. ولا ينتظمُه الردُّ (^٢).
﴿قَالُوا﴾؛ أي: الملائكة ردًا لهم:
﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ إلى قطرٍ آخر فتتخلَّصوا عن أيدي المشركين كما فعل المهاجرون إلى المدينة والحبشة.
هذا السؤال والذي سبق يدلَّان على أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرةَ، فإنهم لو ماتوا كافرين لكان التوبيخُ على كفرهم.
﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾؛ لتركهم الواجبَ ومساعدتهم المشركين، وهو جملةٌ معطوفةٌ على جملةٍ قبلها مستنتجةٍ منها.
﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ مصيرُهم، أو جهنمُ. كان الهجرةُ من فرائض الإسلام بعد هجرة النبي ﷺ، ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة بقوله ﵇: "لا هجرةَ بعد الفتح" (^٣).
وكأنه غافلٌ عن هذا مَن قال: وفي الآية دليل على وجوب الهجرة من موضعٍ لا يتمكَّن فيه الرجل (^٤) من إقامة دينه.
_________________
(١) لعله يشير إلى ما قاله الزمخشري "الكشاف" (١/ ٥٥٥) بناء على القيل المذكور: (فإن قلت: كيف صح وقوع قوله: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ جوابًا عن قولهم: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾؟ وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا، أو: لم نكن في شيء؟ …)، وانظر تتمة كلامه ثمة.
(٢) في (م) و(ك): "المراد".
(٣) رواه البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) في (م) و(ك): "الرجل فيه".
[ ٣ / ١٥٥ ]
والإشارةُ إلى القوم المذكورين على العموم، ولهذا استثنَى منهم المستضعَفين العاجزين حقيقةً بقوله:
* * *
(٩٨) - ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾.
﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ قيل: لمَّا نزل الوعيدُ المذكور قال المسلمون: هلك إخواننا الذين بمكة، فنزل: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ الآيةَ (^١).
وذكرُ الولدان إنْ أريدَ به المماليك فظاهر، وإنْ أريد به الصبيان فللمبالغةِ في أمر الهجرة (^٢)، وإيهامِ أنها بحيث لو استطاعها غيرُ المكلَّفين لوجب عليهم، والإشعارِ بأنه لا محيصَ لهم عنها البتةَ إذا بلغوا حتى كأنها واجبةٌ عليهم قبل البلوغ لو استطاعوا، وبأنَّ العجز ينبغي أن يكون كعجز الولدان.
وقيل: لتحقيق خروج الرجال والنساء عن الوعيد عند عدم الاستطاعة، فإنهم حينئذ كالولدان في عدم الإثم.
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ صفة لـ ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ كقوله:
ولقد أَمرُّ على اللَّئيم يَسبُّني (^٣)
_________________
(١) في هامش (ح) و(ف): "رد لمن قال: استثناء منقطع لعدم دخولهم في الموصول وضميره والإشارة إليه؛ لأن مبناه أن يكون المراد من المتوفين الكفار أو القادرون على الهجرة من العصاة، ولا دليل على كل منهما. منه".
(٢) في (م): "المهاجرة".
(٣) صدر بيت لشمر بن عمر الحنفي، تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ وعجزه: فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يعنيني
[ ٣ / ١٥٦ ]
أو حالٌ عنه، أو عن المستكنِّ فيه.
واستطاعة الحيلة: وجدانُ أصحاب الهجرة وما تتوقَّف عليه.
واهتداء السبيل: معرفةُ الطريق بنفسه أو بدليل.
* * *
(٩٩) - ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (عسى) من الله تعالى دليلُ الوقوع؛ لأنَّه إطماعٌ، والكريم إذا أطمع أَنجز، وفي لفظ العفو إيذانٌ بأن ترك الهجرة أمر خطير، حتى إن المضطر من حقِّه أن لا يأمن (^١)، ويترصَّدَ الفرصة ويعلِّقَ بها قلبه.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا﴾ بالتخفيف عن العاجزين ﴿غَفُورًا﴾ للقادرين الذين أخَّروا الهجرة بعد وجوبها إلى نزول الوعيد، فبقي الفرقةُ الثالثة - وهم القادرون الذين تركوا الهجرة - تحت الوعيد.
* * *
(١٠٠) - ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾: مهاجَرًا يهاجرُ إليه على رغمِ مَن يفارقه، أو طريقًا (^٢) يُراغِمُ بسلوكه أنوفَ قومه المفارِق هو (^٣) منهم.
_________________
(١) يعني: أن المضطر الذي تحقَّق عدمُ وجوبها عليه ينبغي أن يَعُدَّ تركها ذنبًا، ولا يأمن. انظر: "روح المعاني" (٦/ ٢٤٣).
(٢) في (م) و(ك): "أو طريقًا".
(٣) في (م) و(ك): "هو".
[ ٣ / ١٥٧ ]
والرَّغْم: الذلُّ والهو أن، وأصله: لصوقُ الأنف إلى الرَّغام وهو التراب.
﴿وَسَعَةً﴾ في الرزق وإظهارِ الدين.
﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ ذُكر تمهيدًا لذكر الهجرة إلى رسول الله ﷺ؛ تعظيمًا له، وتنبيهًا على قَصْد اختصاصه بالله تعالى.
﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ وقرئ: (يدركُه) بالرفع على أنه خبرُ محذوفٍ؛ أي: ثم هو يدركُه، وبالنصب على إضمار (أنْ) (^١)، والجمهورُ على أن هذا في الواو والفاء في غير جوابِ (^٢) الأشياء الثمانية ضرورةً فكيف في (ثم)؟.
﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فقد ثبت وتحقَّق بموجب وعدِه، قال ابن عباس ﵄: لمَّا نزل آية الوعيد بعث رسول الله ﷺ بها إلى مسلِمي مكة، فقال جندب بن ضمرة لبنيه: احملوني احملوني (^٣) فإني لستُ من المستضعفين، وإني لأهتدي (^٤) الطريق، وكان شيخًا كبيرًا، فحمله بنوه على سرير متوجِّهًا إلى المدينة، فمات بالتنعيم، فبلغ الأصحاب ﵃ موته فقالوا: لو لحق بنا لأتمَّ الله أجره، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا﴾ وأَعلم أنه لا يخيب مَن الْتَمَس رضاه (^٥).
_________________
(١) انظر القراءتين في "المحتسب" (١/ ١٩٥)، و"الكشاف" (١/ ٥٥٧).
(٢) "جواب" من (م).
(٣) "احملوني" الثانية ليست في "ك"، ولم ترد في "الكشاف" (١/ ٥٥٧)، وعنه نقل المؤلف.
(٤) في النسخ: "لا أهتدي"، والمثبت من "الكشاف" (١/ ٥٥٧) وغيره.
(٥) رواه أبو يعلى في "مسنده" (٢٦٧٩)، والطبري في "تفسيره" (٧/ ٣٩٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ١٠٥٠ و١٠٥١)، والطبراني في "الكبير" (١١٧٠٩). وعندهم: (ضمرة بن جندب). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٠): رجاله ثقات.
[ ٣ / ١٥٨ ]
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ يغفر له ما كان من القعود إلى أن خرج.
﴿رَحِيمًا﴾ يرحمه بإكمال أجرِ المهاجرين له.
* * *
(١٠١) - ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: سافرتُم.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ بتنصيفِ ركعاتها (^١).
والقصرُ رخصةٌ عند الشافعي ﵀؛ لأن نفي الحرج في الرخصة لا في العزيمة.
قلنا: في الآية بيانُ حكم الخوف، فتوقَّف حكمُ حالة الأمن على قيام الدليل، وقد ورد ذلك في الحديث بلفظِ الصدقة (^٢)، ولو بقي فرضُ الأربعة فأين الصدقة؟
فمَن وَهَم (^٣) أنَّ الآية تخالِفُ قولَ عمر ﵁: صلاة السفر ركعتان تمامٌ غيرُ قصرٍ على لسان نبيِّكم (^٤)، وقولَ عائشة ﵂: أوَّلُ ما فُرضت الصلاة ركعتين، فأُقرَّت في السفر وزِيدت في الحضر (^٥) = فقد وَهِمَ.
_________________
(١) في هامش (ح) و(ف): "ولا عبرة فيه بمدة السفر فتدبر. منه".
(٢) رواه مسلم (٦٨٦) عن يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ، قال: قلتُ لعمرَ بنِ الخطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أَمِنَ النَّاسُ، فقال: عَجِبْتُ ممَّا عَجِبْتَ منه، فسَأَلْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فقال "صدقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبَلُوا صدقتَه".
(٣) في هامش (م): "القاضي البيضاوي".
(٤) رواه النَّسَائِيّ (١٤٢٠)، وابن ماجه (١٠٦٤).
(٥) رواه البخاري (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥).
[ ٣ / ١٥٩ ]
وقُرئ: (تُقْصِروا) من أَقْصَرَ بمعنى قَصَر (^١).
و﴿مِنَ الصَّلَاةِ﴾ صفةُ محذوفٍ - أي: شيئًا من الصلاة - عند سيبويه، ومفعولُ ﴿تَقْصُرُوا﴾ بزيادة ﴿مِنَ﴾ عند الأخفش.
﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: إنْ خفتُم أنْ يقصدكم الكفار بما يُكره من قتلٍ أو جَرحٍ أو أخذٍ، والخوفُ شرطٌ لجواز القصر عند الخوارج أخذًا بمفهوم هذه الآية، وعند الجمهور ليس بشرطٍ: أمَّا عند مَن لم يقل بحجِّية المفهوم فظاهر، وأمَّا عند مَن قال بها فلأنها مشروطةٌ بعدم معارضته (^٢) منطوقِ نصٍّ.
وقرئ: (من الصلاة أنْ يَفتِنكم) (^٣) بغير ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ بمعنى: كراهةَ أنْ يفتنكم.
﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾؛ أي: أعداءً، والعدوُّ يستوي فيه المفردُ والجمع، وإنما قال:
(﴿مُبِينًا﴾) على اللفظ فإنه للمفرد (^٤) في الوضع وفيه إشعار بأن وصف الكفر الجامع لهم الباعث للعداوة جهة وحدتهم.
* * *
(١٠٢) - ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ
_________________
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ١٠٤)، و"الكشاف" (١/ ٥٥٨).
(٢) في (م): "معارضة منطوق".
(٣) انظر: "تفسير الطبري" (٧/ ٤٠٨)، و"الكشاف" (١/ ٥٥٩).
(٤) في (م): "للفرد".
[ ٣ / ١٦٠ ]
فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ وهي صلاة الخوف، وتعلَّق بالشرط المذكور (^١) مَن خصَّها بحضرة الرسول قائلًا: إنها على خلافِ القياس، فلا يتعدى مورد النص، والجمهور على أنها غير مختصَّةٍ به ﵇، فإن الأئمة بعده نوَّابُه، فحضورُهم حضورُه، فينتظِمُهم النصُّ بطريقِ الدلالة لا بطريقِ القياس.
﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ يصلُّون، وتقوم الطائفةُ الأخرى تُجاه العدوِّ، وأمَّا جَعْلُهم طائفتين فمفهوم اقتضاء (^٢).
﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾؛ أي: المصلُّون ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾، ولا يجوز أن يكون الضمير للطائفة الأخرى؛ لأنَّه حينئذ يتفرَّق الضمائر فيتنافر عليك النَّظم الذي هو أمُّ (^٣) إعجاز القرآن، والقانونُ الذي وقع عليه التحدِّي على طريقة التقدير دون التصوير، ومراعاتُه (^٤) أهمُّ ما يجب على المفسِّر (^٥).
_________________
(١) في هامش (ح) و(ف): "من قال: تعلق بمفهومه، لم يصب؛ لأن المعلق أبو يوسف والحسن ابن زياد، وهما لا يقولان بحجية المفهوم. منه". والقائل المذكور هو البيضاوي. انظر: "تفسيره" (٢/ ٩٤).
(٢) في هامش (ح) و(ف): "من قال: فاجعلهم طائفتين فلتقم .. إلخ أنه يلزمه حينئذ أن لا تكون الفاء في ﴿فَلْتَقُمْ﴾ جزائية. منه".
(٣) "أم" من (م).
(٤) "ومراعاته": وقعت في (م) و(ك) قبل قوله: "والقانون"، ولعله سبق نظر من الناسخ.
(٥) في هامش (ح) و(ف): "وصاحب الكشاف مع تصريحه في تفسير سورة طه جوز هاهنا تفريق الضمائر. منه".
[ ٣ / ١٦١ ]
﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ عبَّر بالسجود عن الركعة.
﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾؛ أي: إذا صلَّت هذه الطائفة التي معك ركعةً تامةً فليَرْجعوا ليقفوا بإزاء العدو، وفي ﴿وَرَائِكُمْ﴾ تغليبُ المخاطَب على الغائب.
﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ هذا الإظهار دليل ظاهر على أن الضمائر فيما سبق للطائفة الأولى.
﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾؛ لانشغالهم بالحراسة.
﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ الركعةَ الثانية.
﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾: ما يتحذَّرون من العدو؛ من التُّرس والدِّرع والمِغْفر.
﴿وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾: ما يقاتلون به من السيف والرمح والقوس، كذا فسَّر الإمام أبو منصور (^١)، والذي يناسب بلاغة القرآن هو أنه جمع بين الحذر والأسلحة في وجوب الأخذ إيذانًا للغازي بأنه يجب عليه (^٢) أن يجعل التحرُّز آلةً للحرب كالأسلحة، فجُعلا مأخوذَين (^٣)، جُمع بينهما في الأمر هاهنا مبالغةً في الاحتياط؛ لأنَّه مَظِنَّة هجوم العدو، فإن تنبُّهه بكونهم في الصلاة يكون بعد سجودهم.
ذكر صلاةَ طائفة ركعةً مع النبيِّ ﷺ وصلاةَ طائفةٍ أخرى ركعةً معه ﷺ، ولم يبيِّن كيفيَّة إتمام الطائفتين، واختَلفت الأخبار في ذلك، واختَلف باختلافها العلماء؛
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٣/ ٣٤٥).
(٢) وقع هنا هامش (ح): "لم يفسر ابن كمال هذا أواخر سورة النساء ولا جميع سورة المائدة، بل هذا القدر هو الذي وجد في نسخ المصنف ﵀".
(٣) في هامش (ق): "ويلائمه قوله فيما سيأتي وخذوا حذركم. منه".
[ ٣ / ١٦٢ ]
فعند أبي حنيفة ﵁ (^١): يُتمُّ صلاتَه إن كانت ركعتين، ثم تقف هذه بإزاء العدوِّ وتأتي الأخرى فتؤدي الركعةَ بغير قراءةٍ لأنهم لاحقون، ويُتمُّون الصلاة ثم يَحرسون، وتأتي الأخرى فتؤدي الركعة بقراءةٍ لأنهم مسبوقون ويُتمون الصلاة. كذلك رواه ابن مسعود وابن عمر ﵃ (^٢).
والسجودُ مجازٌ عن الركعة على ما نبَّهْتُ عليه فيما سبق، لا على ظاهره (^٣).
﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ﴾؛ أي: أحبَّ الكفَّار غفلتكم ﴿عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ متمنِّيًا ذلك.
﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ فيشدُّون عليكم شدَّةً واحدةً، وهو بيانُ ما لأَجْله أُمروا بأخذ الحذر والسلاح.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى﴾: تعبٌ.
_________________
(١) في (ح) و(ف): "﵀"، وليست في (ك).
(٢) كذا قال، وفيه نظر، فليس في حديث ابن عمر وابن مسعود هذه الهيئة من التنصيص على أن الاْولى قضت بلا قراءة والأخرى بقراءة، وإنما هو شيء عزاه الميرغيناني لخبر ابن مسعود، والصواب أنه من كلام أبي حنيفة كما في "أحكام القرآن" للجصاص (٢/ ٢٥٧)، و"المحلى" لابن حزم (٥/ ٣٩)، وقال ابن حزم: وهي زيادة لم تعرف عن أحد من الأمة قبله. وانظر: "الهداية" مع "فتح القدير" (٢/ ٩٧)، و"نصب الراية" (٢/ ٢٤٣). وحديث ابن عمر رواه البخاري (٩٤٢)، ومسلم (٨٣٩). وأبو داود (١٢٤٣). وحديث ابن مسعود رواه أبو داود (١٢٤٤) من طريق خصيف عن أبي عبيدة عنه، وقال ابن الهمام: (وأُعِلَّ بأبي عبيدةَ لم يَسْمعْ من أبيه، وخصيفٌ ليس بالقويِّ). وقال ابن رجب في "فتح الباري" (٨/ ٣٥٠): (وخصيف مختلف في أمره، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن رواياته عنه أخذها عن أهل بيته، فهي صحيحة عندهم).
(٣) في هامش (ف): "وذلك ظاهر وإن خفي على صاحب الكشاف. منه".
[ ٣ / ١٦٣ ]
﴿مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ لم يقل: أو مرضٍ، لعدم دلالته على العموم وهو المراد.
﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ لمَّا كانت حالةُ المرضِ مما يَشُقُّ حمل السلاح فيها، وحالةُ المطر مما يثقِلُ العدوَّ ويمنعُه من خفَّة الحركة للقتال، رخَّص لهم فيهما وضعَ السلاح.
وفي قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ﴾ دلالة على أن الأمر بالأخذ للإيجاب دون الاستحباب.
﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أمرَهم مع ذلك بأخذ الحذر كيلا يهجم عليهم العدوُّ.
ولمَّا كان الأمر بالحذر موهِمًا لتوقُّع غلبةِ العدوِّ وقوَّتِه، وأنَّ الله وكَلَهم إلى أنفُسهم ولم يكلَأْهم، أزال ذلك الوهمَ بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ تقويةً لقلوبهم، وتشجيعًا وتبشيرًا بأنَّ الله تعالى مُهينٌ عدوَّهم ويخذلُه وينصرهم عليه، وإعلامًا بأن الأمر بالحذر إنما هو تعبُّدٌ لا تخليةٌ بينهم وبين عدوهم مراعاةً لحكمة الله وسنَّته.
* * *
(١٠٣) - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾: أدَّيتُم وفرغتُم منها.
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ فدُوموا على الذكر في جميع الأحوال، وهو الذكر باللسان والدعاءُ بالنصر، فإنه حال ملاقاة العدوِّ، وهو كما قال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
[ ٣ / ١٦٤ ]
وقيل: وإذا أردتُم أداء الصلاة فصلُّوا قيامًا إن قدرتُم عليه، وقعودًا إن عجزتُم عن القيام، ومضطجِعينَ إن عجزتُم عن القعود بسبب الجرح؛ أي: أدُّوها على حسب الوسع، وهذا عند اشتداد الحرب بقرينة قوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾؛ أي: سكنتْ قلوبكم من الخوف.
وعلى كلَا التفسيرين لا دلالةَ فيه على صحة الصلاة في حال المسايَفة.
﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فعدِّلوا وأدُّوها تامةً بطائفةٍ واحدة.
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ مفروضًا محدودًا بأوقاتٍ معيَّنةٍ (^١)، فلا يؤخَّر عنها بسبب الخوف، فهو كالتعليل لِمَا سبق، وأمَّا أنه لا يؤخَّر عنها بسببٍ من الأسباب فلا دلالةَ عليه في الكلام، فلا يكون دليلًا على وجوب أدائها في حال المسايفة والاضطراب في المعركة، وأما عدمُ دلالته على أن المراد بالذكر الصلاةُ فظاهرٌ.
وإنما قال: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأن الكلام في أدائها، والإيمانُ شرط صحته وإنْ لم يكن شرطَ وجوبها عند القائلين بأنَّ الكفار مخاطبون بالعبادات المفروضة.
* * *
(١٠٤) - ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿وَلَا تَهِنُوا﴾: ولا تَضعفوا.
﴿فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾: في طلب الكفار بالقتال.
﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ به؛ أي: لا تتوانَوا بسبب الألم والجراح، ثم علَّل النهي:
_________________
(١) "معينة": ليست في (م).
[ ٣ / ١٦٥ ]
﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ﴾ به ﴿كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ فإن الألم ليس مختصًّا بكم، بل هو مشترك بينهم وبينكم، ثم إنهم يصبرون مع ذلك، وأنتم أولى بالصبر منهم لأنكم ترجون من الله الثوابَ العظيم في الآخرة بإظهار دين الله وإعزازه وهم لا يرجون، فما لكم (^١) لا تصبرون؟! وفيه طرف من التوبيخ والتقريع على التَّواني فيه.
وقرئ: ﴿أَنْ تَكُونُوا﴾ بالفتح (^٢)، بمعنى: لِأَنْ تكونوا.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بمصالح العباد حين دعاهم إلى الجهاد.
﴿حَكِيمًا﴾ في تدبير أمورهم في المبدأ والمعاد.
* * *
(١٠٥) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾: ملْتبِسًا به.
﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ رُوي: أنَّ طُعمة بن أُبَيرِقٍ سرق درعًا في جِرابٍ فيه دقيقٌ لقتادةَ بن النعمان وخبَّأها عند يهوديٍّ، فحلف طعمةُ ما لي بها علم، فاتبعوا أثر الدقيق إلى دار اليهوديِّ فقال اليهودي: دفعها إليَّ طعمةُ، واختصموا إلى رسول الله ﷺ، فجاء اليهود وشهدوا على براءة اليهودي، وجاء بنو ظفر - وهم قوم طعمةَ - وشهدوا بالسرقة على اليهودي، فهمَّ النبيُّ ﷺ أن يعاقب اليهودي فنزلت (^٣).
_________________
(١) في (ح) و(م): "وهم لا يرجونه فما بالكم".
(٢) انظر: "المحتسب" (١/ ١٩٧)، و"الكشاف" (١/ ٥٦١).
(٣) أورده أبو الليث في "تفسيره" (١/ ٣٣٦) عن الكلبي. وروى هذه الخبر بنحوه مطولًا الترمذي =
[ ٣ / ١٦٦ ]
﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾: بما عرَّفك الله وأَوْحَى به إليك، وليس من الرؤية بمعنى العلم، وإلا استَدْعَى ثلاثةَ مفاعيل.
﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ﴾: لأجْلهم والذَّبِّ عنهم، وهم طعمةُ وقومه الذين شهدوا زورًا على اليهودي.
﴿خَصِيمًا﴾ للبُرآء، وهو اليهوديُّ.
* * *
(١٠٦) - ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مما همَمْتَ به.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لمن يستغفرُه.
* * *
(١٠٧) - ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾.
﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يخونونها؛ فإنَّ وبال خيانتِها يعودُ عليها، أو جَعل معصية العاصِين خيانةً منهم لأنفسهم كما جُعلت ظلمًا عليها.
_________________
(١) = (٣٠٣٦) من رواية محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان. وقال الترمذي: غريب، ولا نعلم أسنده عن ابن إسحاق إلا محمد بن سلمة. ورواه يونس وغير واحد عن ابن إسحاق عن عاصم مرسلًا. وانظر: "الكاف الشاف" (ص: ٤٩). وجاء في هامش (ف): "وأما ما قيل: إن بني ظفر سألوه ﵇ أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك وافتضح وبرئ اليهودي، فهم رسول الله ﷺ أن يفعل، فمما يجب تنزيه شأنه عن أمثاله. منه". قلت: وهذا اللفظ المستنكر أورده الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٨١) عن جماعة من المفسرين، والزمخشري في "الكشاف" (١/ ٥٦١) دون عزو.
[ ٣ / ١٦٧ ]
وضمير الجمع - وإن كان الخائنُ طعمةَ وحده - يشملُ كلَّ خائن؛ لعمومِ الحكم، ولأن (^١) قومه شهدوا له بالبراءة ونصروه، فكانوا شركاء في الإثم.
﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يُكنى بعدم المحبة عن البغض في جميع الألسنة.
﴿مَنْ كَانَ خَوَّانًا﴾: مُبالِغًا في الخيانة بالإصرار عليها.
﴿أَثِيمًا﴾: منهمِكًا فيه (^٢).
وإنما أورد صيغةَ المبالغة فيهما تعريضًا بحالِ طعمة وإفراطهِ في الخيانة، حيث سرق ورمى بالسرقة يهوديًّا وحلف كاذبًا، وقد كان سارقًا في الجاهلية.
* * *
(١٠٨) - ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾: يستترون منهم خوفًا وحياء.
﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: لا يقدرون على الاستخفاء منه تعالى؛ إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
ويجوز أن يكون الاستخفاء كنايةً عن الاستحياء لأنَّه من أسبابه؛ أي: لا يستحْيون منه تعالى وهو أحقُّ بأن يُستحْيَى منه.
﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ لا يخفى عليه سرُّهم، فلا طريق معه إلا تركُ ما يستقبحُه ويؤاخِذ عليه.
_________________
(١) في (م): "أو لأن".
(٢) أي: في الإثم. انظر: "روح المعاني" (٦/ ٢٧٣).
[ ٣ / ١٦٨ ]
﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾: يدبِّرون ويزوِّرون سرًّا، وأصله أن يكون بالليل.
﴿مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾: مِن رَمْي البريء، والحَلِفِ الكاذب، وشهادةِ الزور.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾؛ أي: عالمًا بكلِّ وجوهه.
* * *
(١٠٩) - ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.
﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ وخبرٌ، وفيه مبالغةٌ عظيمة في التوبيخ؛ أي: مُشارٌ إليكم في الجدال بالباطل، لا يمكن ذمُّكم بأَزيدَ مما أنتم عليه، فأنتم أنتم لا تشهيرَ لكم بوصفٍ أظهرَ في القبح مما انفردْتُم به وتعيَّنْتُم من بين سائر الناس.
ثم أكَّده بالتنبيهين، والإجمالِ في اسم الإشارة والتفصيلِ في بيانه، والإيذانِ بأنَّ الجدال بالباطل لا يجدي في الآخرة، إنما هو في الدنيا لكونها موضعَ التلبيس والاشتِباه، ولا يغني عنهم شيئًا عند الافتضاح على رؤوس الأشهاد وانتقامِ العزيز القهَّار، وإنْ دَفَع الفضيحةَ في الدنيا والعقوبةَ فيها، فقوله:
﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ جملةٌ مبيِّنةٌ (^١) لوقوع (أولاء) خبرًا، أو صلةً عند من يجعله موصولًا.
﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾: محاميًا يحميهم من عذاب الله.
_________________
(١) في (م) و(ك): "مبنية"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (١/ ٥٦٣)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٩٥).
[ ٣ / ١٦٩ ]
(١١٠) - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ قبيحًا يَسوءُ به غيره.
﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بما يَختصُّ به ولا يتعدَّاه [إلى] (^١) غيره.
﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ بالتوبة، وفي كلمة ﴿ثُمَّ﴾ إشارةٌ إلى أن الاستمرار لا يكون مانعًا إذا لم يؤدِّ إلى الإصرار.
﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ لذنوبه ﴿رَحِيمًا﴾ بقبول توبته، وإمهالهِ إلى أن يتوب، وفيه حثٌّ للمذنبين على الاستغفار، ويدخل فيه طعمةُ وقومُه دخولًا أوليًا.
* * *
(١١١) - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ فلا يتعدَّاه وبالُه؛ كقوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ به ﴿حَكِيمًا﴾ في مُجازاته.
* * *
(١١٢) - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾: صغيرةً، أو ما لا عَمْدَ فيه.
﴿أَوْ إِثْمًا﴾: كبيرةً، أو ما كان عن عمدٍ.
﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ كما فعل طُعمة، ووخَد الضمير لمكانِ ﴿أَوْ﴾.
﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾؛ أي: بسبب إنكاره ورميهِ به بريئًا.
_________________
(١) من "الكشاف" (١/ ٥٦٣).
[ ٣ / ١٧٠ ]
﴿بُهْتَانًا﴾ برميه البريءَ، قدَّمه لأنَّه أفظعُ (^١)، و﴿احْتَمَلَ﴾ أبلغُ من (حَمَلَ) لأن افْتَعَلَ فيه التَّسبُّبُ.
﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ بتبرئةِ النفس الخاطئة، وليس فيه التسويةُ بين الكاسِبَينِ، بل تشريكُهما فيما تحمَّلا بسبب ما فعلاه بعد الكسب.
* * *
(١١٣) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ﴾؛ أي: عصمتُه عن الخطأ.
﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بما أوحَى إليك من الإطْلاع على سرِّهم.
﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾: من بني ظفرٍ، أو: من الناس والطائفةُ بنو ظفر.
﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ عن القضاء بالحق مع علمهم بأنَّ الجانيَ صاحبُهم، والجملة جوابُ (لولا)، وليس القصد فيه إلى نفي همِّهم، بل إلى المبالغة في نفي تأثيره بتنزيله منزلةَ العدم.
﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ لأنهم ما أزالوك عن الحق، وعاد وبالُ عملهم عليهم.
﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأن الله تعالى عاصمُك يَحول بينك وبين الخطأ في الحكم، وما خطر ببالك كان اعتمادًا منك على ظاهر الأمر لا ميلًا في الحكم.
و﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ في موضعِ النصب على المصدر؛ أي: شيئًا من الضَّرر.
_________________
(١) في (ك): "أفضح".
[ ٣ / ١٧١ ]
﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: القرآن.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: السُّنّةَ المنقسمةَ إلى (^١) القولية والفعلية كالحكمة، وفيه تنبيهٌ على أن السنَّة التي هي إحدى أركان الشريعة من قَبيل الوحي الغيرِ المتلوِّ (^٢).
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ من خفيَّاتِ الأمور، أو من أمور الدِّين والأحكام.
﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ إذ لا فضل أعظمُ من الرسالة العامة.
* * *
(١١٤) - ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾: من تَناجيهم.
﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾: إلا نجوَى مَن أَمر، على حذف المضاف، وهو في محلِّ الجرِّ على البدل من ﴿كَثِيرٍ﴾ (^٣)، أو في محلِّ النصب على الاستثناء المنقطِع؛ أي: لكنْ مَن أمر بصدقةٍ ففي نجواهُ الخير.
﴿بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ وهو عامّ في كلِّ جميلٍ شرعًا وعقلًا وعُرفًا.
﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾: أو إصلاحِ ذاتِ البَين.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: أي: يأمر بالخير لأنَّ الفعل كثيرًا ما يُطلق على القول والأمر.
﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ويجوز أن يُرتَّب الوعد على الفعل
_________________
(١) في (ف) و(ك): "السنة المستقيمة أي".
(٢) في (م) زيادة: " ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ ن خفيات الأمور أو من أمور الدين والأحكام ".
(٣) "من كثير" ليست في (ف) و(ك).
[ ٣ / ١٧٢ ]
تحريضًا للأمر بالخير على فعله، وتنبيهًا على أنَّ الأمر بفعله دون فعله لا يُستحسَنُ، بل الأمرُ به دليل على أن فعله أهمُّ، وإنما يوجِب الثوابَ لإفضائه إليه، فثوابُه تَبعٌ لثواب فعله، وإنما شرط أن يكون لطلب مرضاة (^١) الله تعالى لأن الأعمال بالنيات، فإذا لم يقارنه النيةُ أو عَرَض لصاحبه الرِّياء والسُّمعة فليس بخيرٍ، بل هو إلى الشرِّ واستيجابِ العقاب أقربُ.
ووُصِف الأجرُ بالعظم تنبيهًا على حقارةِ ما فات من أعراض الدنيا في جَنْبه.
* * *
(١١٥) - ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾: يخالفْه، من الشَّقِّ فإن كلًّا من المخالِفَين يكونُ في شِقّ غيرِ شقِّ الآخر.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾: ظهر له الحقُّ بالوقوف على المعجزات.
﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وذلك هو السبيلُ الذي اتَّفقوا على صحَّته من الدِّين الحنيفي القيِّم، فيندرِج فيه الإجماعُ والاجتهاد، فإنه أيضًا مما اتَّفقوا على صحَّته، وعلى كون الثابتِ به من الدِّين، وهذا كالبيان لمخالفةِ الرسول ﷺ، فإنَّ مَن اتَّبع الإجماعَ أو اجتهادَ مجتهدٍ فهو موافقٌ له ﵇ في الحقيقة وإن كان مخالفًا لظاهر الكتاب والسنَّة.
﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾: نجعلْه واليًا لِمَا تولَّاه من الضَّلال بأنْ نُخلِّيَ بينه وبين ما اختاره.
_________________
(١) في (م): "مراضاة".
[ ٣ / ١٧٣ ]
﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾: وندخِلْه فيها؛ أي: نَخذلْه في الدنيا ونعذّبْه بالنار في الآخرة، وقرئ: (نَصْلِه) بفتح النون مِن صَلَاه (^١).
﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ جهنمُ.
قيل: تدلُّ الآيةُ على حُرمةِ مخالفةِ الإجماع؛ لأنَّه تعالى رتَّب الوعيد الشديدَ على المشاقَّة واتِّباعِ غيرِ سبيل المؤمنين، وذلك إمَّا لحرمةِ كلٍّ منهما، أو أحدِهما، أو الجمعِ بينهما، والثاني باطل إذ يَقبُحُ أن يقال: مَن شرب الخمر وأكل الخبز (^٢) استوجَب الحدَّ، وكذا الثالث لأن المشاقَّة محرمة ضُمَّ إليها غيرُها أو لم يُضَمَّ، وإذا كان اتِّباع غيرِ سبيلهم محرَّمًا كان اتِّباع سبيلهم واجبًا (^٣).
ومبناه على أن لا يكون قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لتقرير المخالفة المذكورة وبيانِها، وذلك غير مسلَّم.
* * *
(١١٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ كرَّره (^٤) لقصة طُعمةَ، واتصالُه بها أنه (^٥) أشرك بعد الإيمان وليس للمشرك غفرانٌ.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٦٥).
(٢) في (ف) و(ك): "وأكل الخنزير"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٩٧).
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٩٧).
(٤) في (ف) و(ك): "كرر". وفي المصدر السابق: (كرره للتأكيد أو لقصة طعمة …).
(٥) في (م): "إذ". وفي (ف): "إذا".
[ ٣ / ١٧٤ ]
قال مقاتل: فخرج طعمةُ من مكة ولحق بحَرَّةِ بني سُلَيمٍ، فعَبد صنمهم حتى مات على الشِّرك، فنزل فيه الآيةُ، فبَيَّن أن طعمة لو لم يشرك لكان في سَعة رحمة الله تعالى أن (^١) يغفر له.
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، أي: لا يتناهَى تَماديهِ في الضلال؛ إذ لا جهل أفحشُ من الجهل بالله، وإنما ذكر في الآية الأولى ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا﴾ (^٢) [النساء: ٤٨] لأنها متصلةٌ بقصة أهل الكتاب، ومنشأُ شركهم كان افتراءَهم، وهو دعوى النبيِّ ﷺ على الله، وهذه في شأن مَن ليس من أهل الكتاب ولا علمَ عنده، فناسَبَ وصفه بالضلال، وأيضًا فقد تقدَّم ذكرُ الهدى (^٣) وهو ضدُّ الضلال.
* * *
(١١٧) - ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ يعني: اللات والعزَّى ومناةَ ونحوَها، كان لكلِّ حيٍّ صنم يعبدونه ويُلبسونه أنواع الحليِّ، ويسمُّونه أنثى بني فلان.
وقيل: كانو ا يقولون في أصنامهم: هنَّ بنات الله، وقيل: المراد الملائكةُ؛ لقولهم: الملائكة بنات الله تعالى.
وهو جمع أُنثى كرِبَابٍ ورُبَّى (^٤)، وقُرئ: (أنثى) على التوحيد، و: (أُنُثًا) على أنه جمع أنيث كخُبُثٍ وخبيثٍ، و: (وُثنًا) بالتخفيف والتثقيل، وهو جمع
_________________
(١) في (ك): "وأن".
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "ومن افترى على الله "، والمثبت من (ح).
(٣) قوله: "وهذه في شأن من ليس من أهل الكتاب … " إلى هنا ساقط من (ف) و(ك).
(٤) الربى: الشاة التي وضعت حديثًا. انظر: "اللسان" (مادة: ربب).
[ ٣ / ١٧٥ ]
وثن كأَسَدٍ وأُسْدٍ وأُسُدٍ، و: (أُثنًا) بهما على قلبِ الواو لضمَّتها همزةً (^١).
﴿وَإِنْ يَدْعُونَ﴾: وإن يعبدون بعبادتها.
﴿إِلَّا شَيْطَانًا﴾؛ لأنَّه هو الذي بعثهم على ذلك ودعاهم إليه فأطاعوه، فجُعلت طاعتُهم له عبادةً (^٢).
﴿مَرِيدًا﴾؛ عاتيًا خارجًا عن طاعة الله تعالى، ظاهرًا شرُّه كالغلامِ الأمردِ والشجرة المرداء التي سقطت أوراقها وظهرت عيدانُها.
* * *
(١١٨) - ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ صفةٌ ثانية للشيطان.
﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ صفةٌ أخرى له، الواو للجمع؛ أي: جامعًا بين لعنةِ الله وهذا القولِ الشنيع في ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾ وما بعده من الأفعال الدالَّة على فَرْط عداوته للناس.
والمفروض: المقدَّر؛ أي: نصيبًا فُرض لي وقدِّر، من قولهم: فرض لي في العطاء.
* * *
(١١٩) - ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾.
_________________
(١) انظر هذه القراءات في "المحرر الوجيز" (٢/ ١١٣)، و"الكشاف" (١/ ٥٦٦)، و"البحر" (٧/ ٣٦٠ - ٣٦٢).
(٢) وهي على ظاهرها في هذا الزمن بعد أن ظهر من يجاهر بعبادة الشيطان والعياذ بالله تعالى.
[ ٣ / ١٧٦ ]
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عن الحق.
﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ الأمانيَّ الباطلة من طول الأعمار (^١) وبلوغِ الآمال (^٢).
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ البَتْك: القطع، والتفعيلُ للتكثير والتكرير؛ أي: يقطِّعونها لتحريم ما أحلَّه، وهي عبارةٌ عما كانت العرب تعمل بالبحائر والسوائب، وإشارةٌ إلى تحريم كلِّ ما أحلَّ ونقصِ كلِّ ما خلق كاملًا بالفعل أو بالقوة.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ عن وجهه صورةً أو صفةً، ويندرج فيه ما قيل من فقءِ عين الحامي، وخِصاء العبيد، والوشم والوشر (^٣).
وعمومُ اللفظ يمنعُ التغيير مطلقًا، لكن خُصَّ منه البعض كالختان (^٤) بالنصِّ، ثم الفقهاءُ خَصُّوا منه خِصاءَ البهائم للحاجة بالقياس.
وأمَّا ما هو من أنواع الكفر كعبادة الشمس والقمر، وكبائرِ المعاصي كاللواطة، فقد اندرجت تحت قوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾.
والجمل الأربع حكايةٌ عما ذكره الشيطان نطقًا أو أتاه (^٥) فعلًا.
﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بمجاوَزته عن طاعة الله تعالى إلى طاعته، وإيثاره ما يدعوه إليه على ما أمره تعالى به.
_________________
(١) في (ف): "الأعمال".
(٢) في هامش (ف): "وأما إنكار البعث والعقاب فليس من قبيل الأماني. منه".
(٣) الوشر: أن تحد المرأة أسنانها وترققهًا تشبها بالشواب. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٣/ ١٧٩).
(٤) في (ف): "كالخنثى"، وهو تحريف.
(٥) في (م): "وأتاه "، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٩٨).
[ ٣ / ١٧٧ ]
﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ إذ ضيَّع رأس ماله، وبدَّل مكانه من الجنة بمكانٍ من النار.
* * *
(١٢٠) - ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
﴿يَعِدُهُمْ﴾ ما لا يُنجزه.
﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ما لا ينالون.
﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ بإظهارِ النفع فيما فيه الضررُ، وهذا الوعد إما بالخواطر الفاسدة أو بلسان أوليائه.
* * *
(١٢١) - ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾.
﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ اسم مصدر مِن حاص يَحيص (^١): إذا خلص ونجا، و﴿عَنْهَا﴾ حال منه وليس صلةً له؛ لأن المصدر لا يعمل فيما قبله، ويجوز أن يكون اسمَ مكان؛ أي: مَعْدلًا ومهربًا، بالغَ في التنفير عن الشرك بوجوه: أولها: تحقير معبوداتهم ونقصُها بالأنوثة.
_________________
(١) قوله: "اسم مصدر .. " كذا قال، ومثله في "الدر المصون" (٤/ ٩٤)، و"اللباب" لابن عادل (٧/ ٢٨)، ولعل الصواب: (اسم مكان أو مصدر ..)، والمراد بالمصدر المصدر الميمي، فإن (محيص) على وزن مَفْعِل، وهذا الوزن يكون من الفعل اسم زمان أو مكان أو مصدرًا ميميًا، وهنا لا يحتمل الزمان، وإنما ذكروا فيه احتمال المكانية والمصدرية. انظر: "الإملاء" للعكبري (ص: ٣٩١)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٩٨)، و"البحر" (٧/ ٣٥١)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي" (٣/ ١٨٠)، و"روح المعاني" (٦/ ٢٩٥).
[ ٣ / ١٧٨ ]
وثانيها: أن دعاءهم وعبادتهم إياها إنما هو دعوةُ الشيطان وعبادتُه.
وثالثها: وصفُ الشيطان بالمَرادة واللعنِ والتَّمْنيةِ، والدَّعوة إلى القبائح وفنونِ الإغواء، والإخبارِ عن نفسه بذلك على التأكيد القسمي.
ورابعها: الإخبار بأن ولايته تُوجب الخسران الظاهر.
وخامسها: تكرار اسم الشيطان في ثلاث مواضع، وتركُ إضماره إلى إظهار اسمه الدالِّ على البعد والطرد.
وسادسها: تكرار تمنيته الكاذبة، والإخبارُ بأن وعده ليس إلا تغريرًا محضًا، وقبولَهم إياه غرورًا باطلًا.
وسابعها: أن المشركين المطيعين له في الشرك وارتكاب تلك المعاصي مأواهم جهنم ولا يجدون عنها مخلصًا.
* * *
(١٢٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾.
ثم قابل ذلك التنفير بالترغيب في الإيمان والتوحيد بقوله:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ قد تقدم تفسيره.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران مؤكِّدان: الأول لنفسه؛ أي وَعَده وَعْدًا؛ لأن مضمون الجملة الاسمية التي قبله وعدٌ، والثاني لغيره؛ أي: وحَقَّ ذلك حقًّا. ويجوز أن ينتصب الموصولُ بفعلٍ يفسِّره ما بعده، و﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ بقوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾
[ ٣ / ١٧٩ ]
لأنَّه بمعنى: نَعِدُهم إدخالهم، و﴿حَقًّا﴾ على أنه حالٌ (^١) من المصدر.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ توكيدٌ ثالث على سبيل الاعتراض.
والمقصود من الآية: معارضةُ المواعيد الشيطانية الكاذبة لقُرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه، والمبالغةُ في توكيده ترغيبًا للعباد في تحصيله.
* * *
(١٢٣) - ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾: وعدُ الله، أي: ليس ما وَعَد الله من الثواب يُنال بأمانيَكم أيها المسلمون ولا بأمانيِّ أهل الكتاب، وإنما يُنال بالإيمان والعمل الصالح.
وقيل: الخطاب مع المشركين، ويعضده تقدُّمُ ذكرهم.
ثم قرر ذلك فقال: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ عاجلًا أو آجلًا، ويدلُّ على التعميم للعاجل قولُه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] سَمى القطعَ جزاء، وقولُه ﵇ في جواب أبي بكر ﵁ إذ (^٢) قال: كيف الصلاحُ بعد هذه الآية؛ -: "غفر الله لك يا أبا بكر، ألستَ تمرضُ تصيبك الآلامُ، فهو ما تُجزون [به] " (^٣).
_________________
(١) بعدها في (ح) زيادة كلمة: "حق "، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٩٩).
(٢) في (ت): "أنه"، وسقطت الجملة من (ح).
(٣) رواه الإمام أحمد في " المسند" (٦٨)، وابن حبان في "صحيحه" (٢٩١٠) و(٢٩٢٦)، والحاكم في=
[ ٣ / ١٨٠ ]
﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: ولا يجد لنفسه إذا جاوَزَ موالاة الله ونصرته مَن يُواليه وينصره في دفع العذاب عنه.
* * *
(١٢٤) - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ للتبعيض؛ لأنَّ المكلَّف لا يُطيق عملَ كلِّ الصالحات، والطاعةُ بحسَب الطاقة.
﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ في موضع الحال من المستكنِّ في ﴿يَعْمَلْ﴾، و﴿مِنَ﴾ للبيان.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ حالٌ قيِّد به؛ إذ لا اعتدادَ بأعمال الكفرة لا نفعًا ولا دفعًا، والعملُ الصالحُ لا يكون إلا للمؤمن، فزيادتُه لبيانِ أن المراد: مَن عَمِلَ صالحًا وهو ثابتٌ على الإيمان، ولا بد من هذا القيد في تحقيق ما أخبر به بقوله:
﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ ولا عبرةَ لإيمانٍ اقترَن بالعمل الصالح ثم زال.
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ لا بالنقص عن الثواب الموعود، ولا بالزيادة على العقاب المعهود، فهو متعلِّق بالوعيد أيضًا المذكورِ بقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.
* * *
(١٢٥) - ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.
_________________
(١) = "المستدرك" (٤٤٥٠) وصححه. وما بين معكوفتين من المصادر، وزاد الحاكم بعده: "في الدنيا".
[ ٣ / ١٨١ ]
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ استفهامٌ معناه النفيُ؛ أي: لا أحد أحسنُ دينًا، منصوبٌ على التمييز، وكُني بالوجه عن الإنسان إذ كان أشرفَ الأعضاء، ومعنى أَسلم لله: انقاد لأمره وشرعه.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ جملة حاليةٌ مؤكِّدة، وكون الغير أحسنَ دينًا منه لا يَستلزم بلوغَه منتهى المراتب البشرية.
﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الموافقةَ لدين الإسلام، المتَّفَقَ على صحتها، فإنه ﵇ بعث على ملة إبراهيم ﵇ وزِيد له أشياءُ.
﴿حَنِيفًا﴾: مائلًا عن سائر الأديان، حالٌ من المستكنِّ في (اتَّبع).
﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ مجاز عن اصطفائه واختصاصه بكرامةٍ تشبه كرامة الخليل عند خليله، وهي جملةٌ اعتراضية فائدتُها تأكيدُ وجوب اتِّباع ملَّته؛ لأن (^١) مَن بلغ من الزُّلفى والكرامة عند الله إلى أن اتَّخذه خليلًا كان جديرًا بأن تُتَّبع ملَّتُه، وبان مَن اتَّبعه كان مِن أحسن الناس دينًا، وإنما أعاد ذكره ولم يضمر تفخيمًا له، وتنصيصًا على أنه الممدوح.
والخُلَّةُ من الخِلَال، فإنه ودٌّ تخلَّلَ النفس وخالطَها، أو من الخَلَّة بمعنى الخَصلة فإنهما يتوافقان في الخصال.
* * *
(١٢٦) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خَلْقًا وملكًا يختار منهما مَن يشاء.
وقيل: من تتمة ذكر العمال الصالحين والطالحين، مقرِّر لوجوب طاعته عليهم، وكمالِ قدرته على مُجازاتهم على الأعمال.
_________________
(١) في (م): "لأنَّه".
[ ٣ / ١٨٢ ]
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ إحاطةَ علمٍ وقدرةٍ ووعدٍ ووعيدٍ.
* * *
(١٢٧) - ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾.
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ في ميراثهنَّ إذ فيه نزلت.
﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾: يبيِّنُ لكم حُكمَه ﴿فِيهِنَّ﴾ والإفتاء: تبيينُ المبهَم.
﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ في محلِّ الرفع بالعطف؛ أي (^١): اللهُ يفتيكم والمتلوُّ في الكتاب في معنى اليتامى، على أن ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ صلةُ ﴿يُتْلَى﴾، وجاز أن يكون بدلًا من ﴿فِيهِنَّ﴾.
أو ﴿وَمَا يُتْلَى﴾ مبتدأ ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ خبرُه، والجملة اعتراضيةٌ.
أوفي محلِّ الجرِّ على القسم (^٢).
و﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ على الوجهين بدلٌ من ﴿فِيهِنَّ﴾، وإضافة ﴿يَتَامَى﴾ إلى ﴿النِّسَاءِ﴾ بمعنى (مِن).
_________________
(١) في (ف): "على"، وفي (م): "إلى".
(٢) والتقدير: قل الله يفتيكم فيهن وأقسم بما يتلى عليكم. انظر: "الكشاف" (١/ ٥٧٠)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١٠٠)، و"البحر" (٧/ ٣٨٣)، و"الدر المصون" (٤/ ١٠١)، و"روح المعاني" (٦/ ٣١٥). وأجاز أكثر هؤلاء أيضًا النصب على المفعولية لفعل محذوف، تقديره: ويبين لكم ما يتلى عليكم.
[ ٣ / ١٨٣ ]
و﴿الْكِتَابِ﴾ على الوجه الثاني (^١) هو اللوح المحفوظ، وفائدةُ الاعتراض: تعظيم المتلوِّ وخاصةً حكمُ اليتامى؛ أي المتلوُّ عليكم في باب يتامى النساء حكم مُثبَت عند الله في اللوح حقُّه أن يُراعَى ويُحافَظَ عليه فإنه من عظائم الأمور عنده، كما أن فائدة العطف في الوجه الأول تعظيمُه بالاختصاص بالله، وأن حكمه حكمُ الله، فإن هذه التوطئة تفخيمُ شأن الموطَّأ له، وكذلك فائدة القَسَم في الوجه الثالث، فإن الإقسام بالشيء تنويهٌ باسمه وتعظيم لشأنه.
﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾؛ أي: فُرض لهن من الميراث.
﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ كان الرجل منهم يضمُّ اليتيمة ومالَها إلى نفسه، فإن كانت جميلةً تزوَّجها وأكل مالَها، وإن كانت دميمةً عضَلها عن التزوُّج (^٢) حتى تموتَ فيرثَها، فيجوز أن يكون المعنى: في أن تنكحوهن لجمالهن، أو (^٣): عن أن تنكحوهن لدمامتهن، والظاهر الثاني لقوله: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ أي: لا تؤتونهن مالَهن ولا تنكحوهن (^٤)، والواو للعطف دون الحال؛ لأنَّه مضارع مثبَت فلا يدخل فيه الواو إلا بتأويلٍ لا حاجة لنا به هاهنا.
وظاهر النص يدلُّ على صحة تزويج الصغيرة لغير الأب والجد، ولا يعارضه احتمال أن يكون المعنى: أن تنكحوهن إذا بلغن؛ لأن الأصل في المطلَق أن يجري على إطلاقه.
_________________
(١) يعني على كون (ما يتلى) مبتدأ و(في الكتاب) خبره. كما ذكر البيضاوي والآلوسي.
(٢) في (م): "التزويج ".
(٣) في النسخ: "و"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٠٠)، و"روح المعاني" (٦/ ٣١٧).
(٤) في "ك ": "لقوله لا تؤتونهن ما كتب لهن ولا تنكحوهن ".
[ ٣ / ١٨٤ ]
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ عطفٌ على ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾، والعرب كانوا لا يورِّثو نهم كما لا يورِّثون النساء، وكذا قوله:
﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ عطفٌ عليه؛ أي: وفي أن تقوموا، هذا إذا جعلت ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ صلةً، فإنْ جعلتَه بدلًا فالوجه نصبُها عطفًا (^١) على موضع ﴿فِيهِنَّ﴾، ويجوز أن يكون منصوبًا؛ أي: ويأمركم أن تقوموا.
وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم وَيستَوفوا حقوقهم، أو للقوَّام بالنَّصَفةِ في شأنهم.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ ذِكرُ العلم بعد العمل أبلغُ وعدٍ ووعيد، وأعلى إشارةٍ وتهديد (^٢).
* * *
(١٢٨) - ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ﴾ فاعلُ فعلٍ يفسِّره الظاهر ﴿خَافَتْ﴾: توقَّعَتْ ﴿مِنْ بَعْلِهَا﴾؛ لمَا ظهر لها من المخائل.
﴿نُشُوزًا أ﴾: تَجافيًا عنها، وترفُّعًا عن صحبتها، ومنعًا لحقوقها.
﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ بأنْ يُقلَّ مجالستها ومحادثتَها.
_________________
(١) في النسخ: "عطف "، والصواب المثبت.
(٢) في هامش (ف): "فإن كان العمل المذكور خيرًا يكون وعدًا وإن كان شرًا يكون وعيدًا. منه ".
[ ٣ / ١٨٥ ]
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا (^١) بَيْنَهُمَا﴾: أن يتصالَحا بأنْ تحطَّ له بعضَ المهر أو القَسْم، أو تَهبَ له شيئًا تستميلُه.
وقرئ: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ (^٢) مِن أَصلَحَ بين المتنازعَين، وحينئذ جاز أن ينتصب ﴿صُلْحًا﴾ على المفعول به و﴿بَيْنَهُمَا﴾ ظرفٌ أو حالٌ منه، أو على المصدر كما في القراءة الأولى والمفعول ﴿بَيْنَهُمَا﴾ أو محذوف.
وقرئ: (يَصَّلحا) (^٣) مِن اصَّلح بمعنى اصطَلَحَ.
﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ من الفُرقة، أو من النشوز والإعراض وسوءِ العشرة، أو من الخصومة في كلِّ شيء، فإنه أبعثُ على التوافُق والتسالُم مما إذا قيِّد بحالهما، أو: خيرٌ من الخيرات كما أن الخصومة شرٌّ من الشرور، جملةٌ اعتراضيةٌ أكِّدت باعتراضيَّةٍ أخرى (^٤)، وهي قوله:
﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾؛ أي: لا تتخاصما مراءً وعنادًا فإنَّ النفوس مجبولةٌ على الشُّحِّ كأنها ألزِمَتْه وجَعلت حاضرةً له لا تنفكُّ عنه، فإنْ هي لا تسمحُ بقسمتها أو بسائر حقوقها أو ببعضها فلا يغضبِ الزوج عليها ولْيسامِحْها، فإن الشحَّ كالأمر الطبيعي للنفوس كما (^٥) ذكر، ولْتسامِحْه ولا يتباغَضَا ويتشاقَّا.
_________________
(١) في (ح) و(ف) و(ك): "يصلحا"، والمثبت من (م)، وهو الصواب. وهذه قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو، وقرأ باقي السبعة: ﴿يُصْلِحَا﴾ وستأتي. انظر: "التيسير" (ص: ٩٧)، و"تفسير البيضاوي" (على هامش حاشية الشهاب) (٣/ ١٨٥)، والكلام منه.
(٢) انظر التعليق السابق.
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٩).
(٤) في هامش (ف): "رد لمن قال: اغتفر عدم تجانسهما. منه ". والقائل المذكور هو البيضاوي.
(٥) في (ف) و(ك) و(م): "لما"، والمثبت من (ح).
[ ٣ / ١٨٦ ]
﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهنَّ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النشوز والإعراض مراعاةً لحقوق الصحبة. خَصَّ الخطاب بالأزواج إشارةً إلى أنهم أولى بإقامة حقوقهنَّ والإحسانِ والتقوى، فإنهن نواقصُ العقول.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الإحسان والتقوى.
﴿خَبِيرًا﴾ يجازيكم عليه ويُثيبكم به (^١).
* * *
(١٢٩) - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ حتى لا يقع بينكم زيادةٌ ونقصان فيما يجب لهن البتة.
﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ من جهة التكلف ومراعاة العدالة في الحقوق، فإن ذلك أمرٌ طبيعي غير اختياريٍّ، فرَفع ذلك عنكم تمامَ العدل والتسوية في الشيء، وما كلِّفتم إلا ما تستطيعون بشرطِ أن تبذلوا فيه وسعَكم.
﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ إلى المحبوبة المرغوبِ فيها عن المرغوب عنها فتمنعوا لها قِسمتَها من غير رضًى منها، فإنه في وسعكم (^٢).
_________________
(١) في هامش (ف): "قد تقدم أن ذكر العلم بعد عمل الخير وعد وبشارة ومن لم يتنبه له زعم أن الجواب محذوف والمذكور سببه. منه ". والزاعم المذكور هو البيضاوي.
(٢) في هامش (ف): "وأما قيل: فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله، لا يناسب المقام كما لا يخفى. منه ". وصاحب القيل المذكور هو البيضاوي.
[ ٣ / ١٨٧ ]
﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ وهي التي ليست بذات بعلٍ ولا مطلَّقةً، فيه ضربٌ من التوبيخ.
﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ ما كنتم تفسدون من أمورهن.
﴿وَتَتَّقُوا﴾ فيما يُستقبَل من مِثْل ذلك.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ غَفَر الله لكم الماضيَ ورحمكم بالتوفيق للعدل في المستقبل.
* * *
(١٣٠) - ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾.
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾؛ أي: يفارِقْ كلّ منهما صاحبَه.
﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا﴾ منهما عن صاحبه، وكفاه أمرَه بدونه.
﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾: من سعة رحمته.
﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ من جهة الإفضال، بل من جميع جهات الفضل والكمال.
﴿حَكِيمًا﴾ لا يأمر عباده إلا بما هو مصلحةٌ وحكمة.
* * *
(١٣١) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تنبيه على كمال سعته وقدرته.
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ متعلقٌ بـ ﴿وَصَّيْنَا﴾ أو بـ ﴿أُوتُوا﴾.
[ ٣ / ١٨٨ ]
﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ عطف على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا﴾.
﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، أي: بأنِ اتقوا الله، أو تكون (أنْ) المفسِّرةَ؛ لأن التوصية في معنى القول.
واللام في ﴿الْكِتَابَ﴾ للجنس يتناول الكتبَ السماوية؛ لأن المراد: ولقد وصينا الأمم السالفة كلَّها ووصيناكم؛ أي: هذه التوصيةُ قديمةٌ ما زال يوصي الله تعالى به عبادَه لستُم مخصوصين به، فإن السعادة في التقوى، وفيه تفخيمٌ لأهل التقوى.
﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ جملة معطوفة على ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ لأن المعنى: أمرناهم وإياكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إنْ تكفروا فإنَّ للّهِ الخلقَ كلَّه، لا يتضرَّر بكفركم ومعاصيكم كما لا ينتفِع بشكركم وتقواكم، وإنما وصَّاكم لرحمته لا لحاجته.
ثم بيَّن بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ عن الخلق وعبادته ﴿حَمِيدًا﴾ في حدِّ ذاته حُمد أو لم يُحمد، أنَّ (^١) خلقه العالَمَ ليس لحاجته ومصلحته، فإنه كان غنيًّا قبل خلقه حميدًا قبل حمدِ الحامدين (^٢).
* * *
(١٣٢) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تكريرٌ لبيان عظمته وغناهُ، وتقريرٌ لوجوب
_________________
(١) في (ح): "بين أن "، وفي (م): "وأن "، والمثبت من (ف) و(ك)، وهذا المصدر المؤول من (أنَّ) وما بعدها في محل نصب مفعول به لي (بيَّن) في قوله: (ثم بيَّن بقوله ..).
(٢) في هامش (ف): "يرشدك إلى هذا المعنى عبارة (كان)، ولو كان المراد تقريرَ ما سبق لكفى أن يقول: هو حميد. منه ".
[ ٣ / ١٨٩ ]
تقواه، فتقديمه على التوصية (^١) تمهيدٌ لعظمته ومالكيَّته، وكونهِ أهلًا لأنْ يُتّقى ويطاع، والثاني لبيان غناه، وتأكيدٌ للأول في تقرير معناه، والثالثُ تقويةٌ لما ذكر من كونه حميدًا بلسان الكلِّ، وكونِ الأشياء كلِّها في طاعته وحمده وعبادته فلا يضرُّه كفركم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ اعتراضٌ مؤكِّدٌ لمالكيَّته ومدبِّريَّته للكلِّ ببيانِ أنه لم يَكِلْ أمورهم إلى غيره (^٢)، فعليهم أن يطيعوه ويتوكَّلوا عليه، وفيه تسليةٌ للرسول ﷺ والمؤمنين، وفيما بعده تخويف وتهويل شديدٌ، وإيعادٌ وتهديدٌ بليغٌ لأعدائهم.
* * *
(١٣٣) - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: يميتكم ويُفنيكم كما أوجدكم وأنشأكم، ومفعول ﴿يَشَأْ﴾ محذوفٌ دلَّ عليه الجواب.
﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾: وُيوجِدْ قومًا آخَرين مكانَكم يوالونه ﵇ ويؤمنون به، والخطاب لمَن يعاديهِ من كفار العرب.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ﴾ من الإعدام والإيجاد.
﴿قَدِيرًا﴾ هو إذ لا يَمتنعُ شيء على قدرته وإرادته.
ويُروَى: أنها لمَّا نزلت ضرب رسول الله ﷺ ظهر سلمان وقال: "إنهم قومُ هذا" [يريد] أبناءَ فارسَ (^٣).
_________________
(١) في (ح): "التوحيد"، وهو تحريف، والمراد بتقديمه على التوصية ما جاء في الموضع الأول من قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وانظر باقي كلامه يظهر لك مراده.
(٢) في (ح) و(م) و(ك): "غيرهم "، والمثبت من (ت).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٧٤)، وما بين معكوفتين منه. ورواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٥٨٢) من=
[ ٣ / ١٩٠ ]
(١٣٤) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ كالمجاهد يطلب الغنيمة بجهاده.
﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فلا وجه لإرادته فعند الله ثوابُ الدارين، فما له يطلبُ الأخسَّ ويترك الأشرفَ، وفي الحديث: "إنَّ الله يعطي الدنيا على نية الآخرة، ولا يعطىِ الآخرة على نية الدنيا" (^١)، فإن الأشرف يستتبَعُ الأخسَّ دون العكس، فمَن جاهد لوجه الله لم تَفُتْهُ الغنيمة، وله من ثواب الآخرة ما الغنيمةُ بجنبه كَلَا شيءٍ، فلْيُرِدْ خيرَهما.
﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ بأحاديث نفوسكم.
﴿بَصِيرًا﴾ بنيَّاتكم وإرادتِكم في أعمالكم، وفيه وعيدٌ لمن وقف مع هوَى نفسه واختار الأخسَّ الفانيَ، ووعدٌ لمن أَخلص وجهه لله تعالى وطلب الأشرفَ الباقي.
* * *
(١٣٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ ملازِمينَ للعدالة دائِمِي القيامِ بها.
_________________
(١) = حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: (يعني عجم الفرس) بذلك (يريد أبناء فارس). وفيه انقطاع بين الطبري وشيخه كما نبه عليه الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف " (١/ ٣٦٤).
(٢) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٥٤٩)، ومن طريقه أبو يعلى في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (٣١٣٨)، من حديث أنس ﵁ مرفوعًا، وإسناده ضعيف لإبهام الراوي فيه عن أنس.
[ ٣ / ١٩١ ]
﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾: لوجه الله، وهو خبرٌ ثانٍ لا حالٌ؛ لأنهم مأمورون بكونهم قوَّامين بالقسط مطلَقًا، فلا وجه لتقييده بحال الشهادة.
﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: ولو كانت الشهادة على أنفسكم بأن تُقِرُّوا عليها، فإن الشهادة بيان الحق سواءٌ كان على نفسه أو على غيره.
﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ أخَّره ولم يسلك طريق (^١) الترقِّي لمكانِ قوله:
﴿إِنْ يَكُنْ﴾؛ أي: المشهود عليه.
﴿غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ فلا تمتنعوا عن إقامة الشهادة ولا تَجُوروا فيها ميلًا لغناه أو ترحُّمًا لفقره.
﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾؛ أي: بالغنيِّ والفقير، وبالنظر لهما، فلو لم تكن الشهادة عليهما (^٢) صلاحًا لَمَا شَرَعها، وهو علة الجواب أُقيمت مقامه.
والضمير في ﴿بِهِمَا﴾ ليس للمذكور - أعني: أحدَ الجنسين - حتى يلزمَ إفرادُه، بل لِمَا دل عليه المذكور، أعني: مجموعَ الجنسين، فإن في اشتراط أحد الأمرين دلالةً على وجودهما في الجملة، وبهذا القَدْر من البيان لا يتم الكلام في هذا المقام، بل لا بد من بيان وجه العدول عن الظاهر، وجعل الضمير للمدلول دون المذكور، وهو أنه للقصد إلى تعميم أولويته، وأنْ لا يُتوهَّمَ أنها بالنسبة إلى الواحد فقط، وقراءة: (أولى بهم) شاهدة على إرادة الجنس (^٣).
﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾: كراهةَ أن تعدلوا بين الناس، أو: إرادة أن تعدلوا
_________________
(١) في (ح) و(م): "طريقة".
(٢) في هامش (ف): "ولم يقل: أو لهما، كما قال القاضي لما فيه ما فيه. منه ".
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٧٥).
[ ٣ / ١٩٢ ]
عن الحق، على أن يكون علةً للنهي وطلبِ الترك، أي: أنهاكم عن اتِّباع الهوى إرادةً لعدلكم، أو كراهةً لعُدولكم.
﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومةِ العدل.
وقرئ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ (^١)، أي: وإنْ وَليْتُم إحداهما من إقامة الشهادة والحكومة.
﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ عن الشهادة بما عندكم، أو عن الحكومة بالعدل.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ يجازيكم عليه.
* * *
(١٣٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: دُوموا على الإيمان ﴿بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والخطاب للمسلمين.
أو: آمنوا بقلوبكم كما آمنتم بلسانكم، والخطاب للمنافقين.
أو: آمنوا إيمانًا عامًا يعمُّ الكتب والرسل، فإنَّ الإيمان بالبعض مع إنكار الباقي كلَا إيمانٍ، والخطاب لمؤمني أهل الكتاب، ويشهد له أنه رُوي أنَّ ابن سلَام وأصحابه قالوا: يا رسول الله! إنَّا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفُر بما سواه، فنزلت (^٢). ويساعده التفصيل في قوله:
_________________
(١) هي قراءة حمزة وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ٩٧).
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٤٠١) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. وذكره تلميذه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٨٦) عن الكلبي.
[ ٣ / ١٩٣ ]
﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يعني: القرآن، فإنه أُنزل منجَّمًا، ولهذا قال: ﴿نَزَّلَ﴾ بخلاف سائر الكتب.
﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أُريد به الجنس، وفي ذكر (^١) المنزل عليه في الأول بوصف الرسالة والإضافةِ إلى نفسه تعالى ما لا يخفى من التشريف والتعظيم له ﵇.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾؛ أي: ومَن يكفر بشيء من ذلك، وفي التعبير عنه بالوجه المنزل تنبيهٌ على أن الإيمان بتلك الجملة في حكم الإيمان بشيء واحد، فالكفر ببعضه في حكم الكفر بكله
﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ عن المقصد بحيث لا يكاد يعود إلى طريقه.
* * *
(١٣٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ يعني: المنافقين؛ إذ هم المتلاعبون بالدِّين بالكفر مرة بعد أخرى، والإصرارِ على النفاق، وإفسادِ الأمر على المؤمنين، ولذلك جاء بعده: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ إظهارًا لحالهم، وإخبارًا عن مآلهم.
﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أي: ليس في عادته تعالى إرادةَ المغفرة لهم.
﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾؛ لأن قلوبهم ضَرِيَت بالكفر، وبصائرَهم عَمِيت عن الحق، وخبر (كان) في أمثال هذا محذوفٌ تُعلَّق به اللام؛ أي: لم يكن الله مريدًا ليغفر لهم.
_________________
(١) في النسخ عدا (م): "وذكر"، والمثبت من (م)، وهو الأنسب بالسياق.
[ ٣ / ١٩٤ ]
(١٣٨) - ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وضعُ ﴿بَشِّرِ﴾ مكان: أَنْذِر، تهكُّم بهم.
* * *
(١٣٩) - ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في محل النصب على الذم لا نعتٌ؛ لوجود الفاصل، فلا يُرتكب حيث لا ضرورةَ، أو في محل الرفع على الذم.
﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ الهمزة للإنكار؛ أي: كيف يطلبون العزة عند مَن ضُربت عليهم الذلة؟ ثم بيَّن امتناع حصول مطلبهم بحصر العزة في أولياء الله تعالى مع التأكيد بـ ﴿فَإِنَّ﴾ و﴿جَمِيعًا﴾ بقوله:
﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾؛ أي: ما العزةُ إلا لأولياء الله تعالى، الذين أعزَّهم بنصره، وكتب لهم العزة؛ كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] لا يؤبَهُ بعزة غيرهم بالإضافة إلى عزتهم.
* * *
(١٤٠) - ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾.
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآنَ، والخطاب للمؤمنين، والمنزَّل عليهم ما أنزل بمكة من قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨].
[ ٣ / ١٩٥ ]
وقرئ: ﴿نَزَّلَ﴾ على البناء للمفعول (^١)، والقائمُ مقام فاعله:
﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ وهي المخفَّفة من الثقيلة، والمعنى: أنه إذا سمعتُم آيات الله، وهذا على طريقة قولهم: سمعتُ فلانًا يقول، فالمسموع هاهنا استهزاؤهم بآيات الله تعالى لا الآيات.
﴿يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ حالان من الآيات، والأولى تمهيدٌ للثانية تعظيمًا لأمر الاستهزاء بالقرآن، وإنما جيء به لتقييد النهي عن المجالسة في قوله:
﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ الضميرُ لِمَا دل عليه قوله: ﴿يُكْفَرُ بِهَا﴾ من الكفرة.
﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، أي: غيرِ ما خاضوا فيه، والخوض: الشروع، و﴿حَتَّى﴾ غايةٌ للنهي، وإنما جَعَل غايته الخوضَ في حديثِ غيره دون السكوت عنه؛ لأنَّه لا يدل على الفراغة عنه بخلاف الخوض بحديث آخر.
﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾؛ أي: إذا مكَثْتم معهم فأنتم مثلُهم في الوِزر؛ لأنكم قادرون على الإعراض عنهم، والإنكارِ عليهم، ولم يُرَدْ به التمثيلُ من كلِّ وجه؛ لأن خوض المنافقين فيه كفرٌ، ومكثَ هؤلاء معهم معصيةٌ، إذ (^٢) عدم إنكارهم عليهم لا يدل على الرضا، وعلى تقدير تسليم الدلالةِ عليه فالرضا بكفر الغير ليس بكفرٍ إذا لم يكن مع استحسانٍ له، وتخصيصُ الخطاب بالمنافقين لا يساعدُه السباق (^٣)، ولا يقتضيه اللحاق، على ما ستقف عليه بإذن الله تعالى.
_________________
(١) هي قراءة السبعة عدا عاصمًا فإنه قرأ بالمبني للمعلوم. انظر: "التيسير" (ص: ٩٨). وقوله: "على البناء للمفعول": من (ف)، وليس في باقي النسخ.
(٢) في (ح) و(ف): "أو".
(٣) في (ح): "السياق"، وفي (ك): "السابق".
[ ٣ / ١٩٦ ]
و﴿إِذًا﴾ ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر، ولذلك لم يُذكر بعدها الفعل، وأُفرد ﴿مِثْلُهُمْ﴾ لأنَّه كالمصدر، أو للاستغناء بالإضافة إلى الجمع، وقرئ بالفتح على البناء لإضافته إلى مبنيٍّ (^١).
قيل: لمَّا نزلت هذه الآية وكانوا إذا خاضوا في ذلك قام المخلصون فعلم المنافقون بذلك، فكانوا يكثرون الخوض فيه قصدًا إلى تفريقهم، ومن هنا ظهر وجه انتظام قوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ﴾؛ أي: جامع لذينك الفريقين ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾ وقوله:
﴿جَمِيعًا﴾ لإحاطة إفرادهما، وسياق الكلام لذم المنافقين، وموجب ذلك أن لا يجتمع المذنبون من مخلي المؤمنين مع الكفار فيها، وذلك بخروجهم قبل أن يدخلوا.
* * *
(١٤١) - ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ ينتظرون تجدد حال بكم (^٢)، وهذا بدلٌ من ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ خاصةً، أو ذمٌّ مرفوع أو منصوب.
_________________
(١) انظر: "البحر" (٧/ ٤٢٣).
(٢) في هامش (ف): "نافعًا كان أو ضارًا، ومن قال: وقوع أمر بكم، فقد خصه بالثاني لأن الوقوع إذا تعدى بالباء يختص به على ما ذكره الجوهري، ولا وجه لتخصيص المذكور. منه ". والقائل المشار إليه هو البيضاوي.
[ ٣ / ١٩٧ ]
وجوٍّ ز أن يكون مبتدأً والخبر قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وفيه ضعفٌ؛ لنبوِّ المعنى عنه، ولزيادة الفاء في غير محلها؛ لأن هذا الموصول غير ظاهرِ الشَّبه باسم الشرط.
﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ مظاهرين لكم فأسهِموا لنا في الغنيمة.
﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ ومن الحرب فإنها سِجَال، وإنما سمَّى غلبةَ المؤمنين فتحًا، وغلبةَ الكفار (^١) نصيبًا؛ تعظيمًا لشأن المسلمين (^٢)، وتخسيسًا لحظِّ الكافرين؛ لأنَّ ظفَر أهل الإسلام أمر عظيم تُفتح له أبواب السماء، وينزل النصر على أوليائه، وأما غلبةُ الكفار فما هي إلا حظٌّ دنيءٌ كنار الوَقَح (^٣).
﴿قَالُوا﴾ الكفرة: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾: ألم نغلِبكم ونتمكَّنْ من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم، والاستحواذ: الاستيلاء، وهذا (^٤) جاء بالواو على أصله؛ كما جاء استَرْوَح واستَصْوَب (^٥).
﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بأن خذلناهم بتخييل ما ضعفت به قلوبهم، وتوانينا في مظاهرتهم، فأَشرِكونا فيما أَصبتم.
﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: أن ما في حقِّهم من الإمهال في الدنيا
_________________
(١) في (ك): "الكافرين".
(٢) في (م): "المؤمنين".
(٣) لعله يريد التشبيه بما ينقدح من وقع الحافر الصلب، من وَقِحَ الحافر وقَحًا: صلب. انظر: "القاموس" (مادة: وقح).
(٤) في (م): "ولهذا".
(٥) في هامش (ف): "قال أبو زيد: هذا الباب كله يجوز أن يتكلم به على الأصل، وهو قياس مطرد عندهم. من الصحاح. منه".
[ ٣ / ١٩٨ ]
استدراجٌ لهم لا إهمالٌ لأمرهم، والفاءُ السببية للدلالة على أن الحكم الموعودَ عليهم لا لهم.
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ حينئذٍ، أو في الدنيا، والمراد بالسبيل: الحجة، ولا متمسَّك فيه لأصحاب الشافعي على فساد شراء الكافر المسلم، ولا للحنفية على حصول البينونة بنفس الارتداد (^١).
* * *
(١٤٢) - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ سبق الكلام فيه في أوائل سورة البقرة.
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ بضمِّ الكاف وفتحِها (^٢): جمعُ كسلان؛ أي: متثاقِلينَ كالمكرَه على الفعل.
﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ ليَخالوهم مؤمنين، والمراءاةُ مفاعَلةٌ بمعنى التفعيل كنعَّم وناعَمَ، أو للمقابلة، فإن المرائي يُري مَن يرائيه عملَه وهو يَرى استحسانه.
﴿كُسَالَى﴾ و﴿يُرَاءُونَ﴾ منصوبان على الحال من ضمير ﴿قَامُوا﴾.
﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، لاشتغالهم بأمور الدنيا، وتهالُكهم عليها. إمَّا عطفٌ
_________________
(١) في هامش (ف): "والمفهوم من كلام القاضي خلاف ذلك. منه ". فقد قال القاضي في "تفسيره" (٢/ ١٠٤): واحتج به أصحابنا على فساد شراء الكافر المسلم. والحنفية على حصول البينونة بنفس الارتداد وهو ضعيف لأنَّه لا ينفي أن يكون إذا عاد إلى الإِيمان قبل مضي العدة.
(٢) الضم هي قراءة الجمهور، والفتح من الشواذ وتنسب للأعرج. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص:٢٩).
[ ٣ / ١٩٩ ]
على ﴿يُرَاءُونَ﴾، وإما حال من ضميره، قيل: إذ المرائي لا يفعل إلا بحضرةِ مَن يرائيه وهو أقلُّ أحواله، ويأباه العطف بالواو، إذ حينئذٍ حقُّه العطفُ بالفاء (^١).
* * *
(١٤٣) - ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ متردِّدين بين الكفر والإيمان، من الذبذبة، وهو جعل الشيء مضطربًا، وأصله: الذب بمعنى الطرد. حالٌ من ضمير ﴿يَذْكُرُونَ﴾ أو ﴿يُرَاءُونَ﴾، أو منصوب على الذم.
وقرئ بكسر الذال؛ أي: يذبذِبون قلوبَهم أو دينَهم، أو يتذبذبون كقولهم: صَلْصَلَ بمعنى تَصَلْصلَ، وقرئ بالدال غير المعجمة بمعنى: أخذوا تارة في دُبَّةٍ وأخرى في دُبَّةٍ، وهي الطريقة (^٢).
﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾: لا صائرينَ إلى أحد الفريقين بالكلية، وفي ذمِّهم بهذا الوجه دلالةٌ على أن النفاق أخبثُ من الكفر الصرف.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ إلى الحق والصواب، اعتراض لبيان أن تلك الذبذبة من الله تعالى.
* * *
(١٤٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
_________________
(١) رد على البيضاوي. انظر: "تفسيره" (٢/ ١٠٤).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٨٠)، والقراءة الأولى في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٩).
[ ٣ / ٢٠٠ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنه صنيع المنافقين وديدنُهم (^١) فلا تتشبَّهوا بهم.
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: حجةً بيِّنة، فإن موالاتهم دليل ظاهر على النفاق، والهمزة للإنكار والتقرير.
* * *
(١٤٥) - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ وهي الطبقة التي في قعر جهنم، وهي أشد عذابًا، ولذلك يقول الكافرون: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩].
والنارُ سبع دركات، سمِّيت بذلك لأنها متدارِكةٌ متتابِعةٌ بعضُها تحت بعض.
والمنافقون أخبثُ الكفرة حيث ضَمُّوا إلى الكفر استهزاءً بالإسلام وخداعًا للمسلمين، ولذلك استحقُّوا أشدَّ العذاب.
وأمَّا قوله ﵇: "ثلاثٌ مَن كنَّ فيه فهو منافقٌ وإنْ صام وصلَّى وزعَم أنه مسلمٌ: مَن إذا حدَّث كذب، وإذا وعَد أَخلف، وإذا ائْتُمِن خان" (^٢) فمن باب التغليظ (^٣).
وقرئ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بسكون الراء (^٤)، وهو لغة كالسَّطْر والسَّطَر، والتحريكُ أوجَهُ لأنَّه يُجمع على أدراك.
_________________
(١) في (ف): "ودينهم ".
(٢) رواه مسلم (٥٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) في هامش (ف): "لم يقل: من باب التشبيه، كما قال القاضي لأن قوله: وزعم أنه مسلم، يأباه ".
(٤) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي، والباقون بفتح الراء. انظر: "التيسير" (ص: ٩٨).
[ ٣ / ٢٠١ ]
﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ يخرجهم منه.
* * *
(١٤٦) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عن النفاق.
﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما أفسدوا من أحوالهم وأسرارهم في حال النفاق.
﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ تمسَّكوا ووثِقوا به كما يثق المؤمنون الموقنون (^١).
﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ بالبراءة عن الرياء، وتخصيصِ العبادة به تعالى، وابتغاءِ وجهه بالطاعات.
﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي ة أصحابهم ورفقاؤهم في الدارين.
﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فيساهمونهم فيه، ويشاركونهم في الأجر.
* * *
(١٤٧) - ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ انكار لانتفاعه تعالى بعذابهم؛ أي: منزَّهٌ عن الأغراض التي إنما يعذِّب الملوك لأجلها لا يشتفي (^٢) به من غيظ، ولا
_________________
(١) في (ك): "الموفون".
(٢) في (ح): "يشفي"، وفي (ك): "يتشفى".
[ ٣ / ٢٠٢ ]
يدركُ به ثأرًا، ولا يَستجلِب به نفعًا، ولا يستدفِع ضرًّا، كما يفعل الملوك؛ لأنَّه الغنيُّ المطلَق الذي لا يجوزُ عليه شيء من ذلك، وإنما العذاب بمقتضى حكمته، فإن شكرتُم نعمته باستعمالها فيما يجب، وتوسَّلتم بها إلى معرفته، وآمنتُم به، فقد أبعدتُم استعدادكم عن استحقاق العقاب.
﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ يُثيبكم بإيفاء أجوركم.
﴿عَلِيمًا﴾ بحق شكركم، وإنما قدِّم الشكر على الإيمان لأن أعظم الشكر هو الاستدلال بالنعمة على المنعِم الموصلُ إلى معرفته، ثم استعمالُها في طاعته، والاستدلالُ مقدَّم على الإيمان.
* * *
(١٤٨) - ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾.
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ إنما ذكر هذا الوصف - مع أنه تعالى لا يحب السوء مطلقًا - لانطباقه بسبب النزول.
روي: أن رجلًا ضاف قومًا فلم يُطعموه، فأصبح شاكيًا، فعُوتب (^١) على الشكاية، فنزلت.
﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ إلا جهرَ مَن ظُلم بالدعاء على الظالم، وذِكْرَه بما فيه من السوء، فالاستثناء متصل.
وقرئ: (ظَلَم) على البناء للفاعل على أنه منقطِعٌ (^٢)؛ أي: ولكن الظالم يجهر
_________________
(١) في (ح) و(ف): "فعوقب "، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٥٨٢)، وكذا رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٢٩) عن مجاهد.
(٢) تنسب لابن عباس وأبي وسعيد بن جبير وغيرهم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات "=
[ ٣ / ٢٠٣ ]
بالسوء فاعلًا ما لا يحبه الله، أو على البدل من الفاعل؛ أي: لا يحبه إلا الظالمُ، على لغةِ مَن يقول: ما جاءني زيد إلا عمرٌو، بمعنى: ما جاءني إلا عمرٌ و، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ يسمع قول المظلوم ﴿عَلِيمًا﴾ يعلم فعلَ الظالم.
* * *
(١٤٩) - ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾: طاعة وبِرًّا.
﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾: أو تفعلوه سرًّا.
﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ خصَّ العفو بالذكر مع أنه يَلزم القسمين؛ لكونه المقصودَ على أيِّ وجهٍ كان، وذكرُ إبداء الخير وإخفائه تشبيبٌ له (^١)، ولذلك رتَّب عليه قوله:
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ يُكثر العفوَ عن العصاة مع القدرة على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنَّته، وتتخلَّقوا بخلُقه، فختم العفو بجعله صفةً لله تعالى، وبالحثِّ على الاتصاف به، وتعظيمِ صاحبه بأنه سميُّه.
* * *
_________________
(١) = (ص: ٣٠)، و"المحتسب" (١/ ٢٠٣)، و"الكشاف" (١/ ٥٨٢).
(٢) في النسخ عدا (م): "تشبيه "، والمثبت من (م) وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (١/ ٥٨٢)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١٠٦). ومعنى (تشبيب)، أي: توطئة وتمهيد للعفو، من تشبيب القصيدة، وهو تزيينها بما يتقدم على التخلص إلى المدح من التغزل ووصف الحسن والجمال. يريد أن إيقاع قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ توطئة وتمهيدًا لذكر العفو على طريقة قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] بمعنى: رسوله أحق أن يرضوه، وذكر الله للدلالة على مكانة الرسول ﷺ عند الله تعالى، دلالة على أن للعفو مكانًا وسيطًا في معنى العزم على الخير وفعله. انظر: "فتوح الغيب" (٥/ ٢١١)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي" (٣/ ١٩٤).
[ ٣ / ٢٠٤ ]
(١٥٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾) قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ توطئةٌ لـ ﴿وَرُسُلِهِ﴾ بدليل قوله:
﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: بالإيمان والكفر بالرسل.
والمراد بالتوطئة: بيان أن الكفر بالرسل كفر بالله، فالتفريق خطأٌ ظاهر إذ لا واسطة بين الكفر والإيمان.
﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾: نؤمن ببعض الأنبياء، ونكفر ببعضهم.
﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: طريقًا وسطًا بين الإيمان والكفر، أومأ (^١) في أول الآية أن الكفر بالبعض كفر بالكل، وصرَّح به في آخرها بقوله:
* * *
(١٥٠) - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ على سبيل الحصر، بتوسيط الضمير وتعريفِ ما بعده، أي: الكاملون في الكفر، وبالتأكيدِ بالمصدر فإن قوله:
﴿حَقًّا﴾ مصدر مؤكِّدٌ لغيره، أو صفةٌ لمصدر الكافرين بمعنى: هم الذين كفروا كفرًا حقًّا؛ أي: بَيِّنًا محقَّقًا.
_________________
(١) في (ح): "أو"، وفي (ف) و(ك): "أومن"، والمثبت من (م) وهو الصواب.
[ ٣ / ٢٠٥ ]
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أراد: الإهانة في الغاية (^١)، وإلا فمعلومٌ أنَّ العذاب لا يكون إلا مُهينًا.
* * *
(١٥٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿لَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أضدادُهم ومقابلوهم، وقد سبق وجهُ دخول (بيْن) على (أحد) في آخر سورة البقرة.
﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ الموعودةَ لهم، وتصديرُه بـ ﴿سَوْفَ﴾ لتوكيد الوعد، والدلالةِ على أنه كائن لا محالة وإنْ تأخَّر.
وقرئ: ﴿يُؤْتِيهِمْ﴾ بالياء على تلوين الخطاب (^٢).
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِمَا فَرَط منهم.
﴿رَحِيمًا﴾ بتضعيف حسناتهم.
* * *
(١٥٣) - ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
_________________
(١) أي: غاية الإهانة.
(٢) هي قراءة حفص عن عاصم، والباقون بالنون. انظر: "التيسير" (ص: ٩٨).
[ ٣ / ٢٠٦ ]
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ نزلت في أحبارِ اليهود إذ قالوا: إن كنت صادقًا فائتنا بكتاب من السماء جملةً، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢].
وقيل: كتابًا محررًا (^١) بخطٍّ سماويٍّ على اللوح كما كانت التوراة.
أو: كتابًا إلينا بأعياننا" كما قال: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢].
أو: كتابًا نعاينه حين ينزل، كما قالوا: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ (^٢) حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣].
﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ جواب لشرط محذوف دل عليه ﴿يَسْأَلُكَ﴾، أي: إن يسألوك (^٣) ما كبُر عليك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، أي: فلك في الأنبياء أسوةٌ، ولهم في ذلك سابقةٌ.
وإنما قال: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا﴾ والسائلون أسلافهم؛ لأنهم على طريقة واحدة ورثوها كابرًا عن كابرٍ، فهم وأوائلُهم قوم واحدٌ على مذهبٍ واحد في التعنُّت، وعِرْقُهم راسخ في ذلك.
_________________
(١) في "ك ": (مجردًا).
(٢) في النسخ عدا (ف): "لك "، والمثبت من (ف)، وهو الموافق للفظ الآية.
(٣) في (ح): "إن يسألونك"، وفي (ك): "إن يسألك"، وفي (م): "يسألك" بإسقاط "إن"، وسقطت الجملة كلها من (ف). والصواب المثبت.
[ ٣ / ٢٠٧ ]
﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾؛ أي: أَرِناه نرَه (^١) جهرةً عيانًا، أو: مجاهرين معاينين له.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: نار جاءت من السماء فأهلكتهم.
﴿بِظُلْمِهِمْ﴾: بسيب ظلمهم، وهو تعنُّتهم في السؤال، فلا دلالة فيه على استحالة المسؤول (^٢).
﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: المعجزاتُ، ولا يجوز حملها على التوراة؛ لأن إتيانها بعد ذلك.
﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾، أي: تابوا فعفونا، فالفاء فصيحة، يرشدك إليه قوله في سورة البقرة: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢].
﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: سلطانًا ظاهرًا عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم توبةً عن اتخاذهم العجل.
* * *
(١٥٤) - ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾: بسبب ميثاقهم ليَقبلوه.
﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ﴾؛ أي: بابَ إيلياءَ.
﴿سُجَّدًا﴾: مطأطِئين عند الدخول رؤوسَكم.
_________________
(١) في النسخ: "نراه"، والصواب المثبت. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٠٦).
(٢) رد للبيضاوي في قوله: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾: بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم ما يستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها، وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقًا. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٠٦).
[ ٣ / ٢٠٨ ]
﴿وَقُلْنَا لَهُمُ﴾ على لسان داود ﵇، ويجوز أن يكون موسى ﵇ فإنه شَرَع السبت، ولكن كان الاعتداء (^١) فيه، والمسخ في زمن داود ﵇.
﴿تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾: ﴿لَا تَعْدُوا﴾ (^٢) على أن أصله: لا تعتدُوا، فأدغمت التاء في الدال.
﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ على قولهم: سمعنا وأطعنا.
* * *
(١٥٥) - ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ متعلقٌ بمحذوف، أي: بسبب نقضهم ميثاقهم وكفرهم وكذا وكذا فعلنا بهم؛ من تحريم الطيبات عليهم، واعتدادِ العذاب الأليم لهم، وحُذف لدلالة ما بعده عليه.
وإما بقوله: ﴿حَرَّمْنَا … وَأَعْتَدْنَا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١] على أن قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] بدلٌ من قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ وما عُطف عليه.
و(ما) مزيدةٌ للتأكيد، وتحقيقِ أن تحريم الطيبات عليهم واعتدادَ العذاب الأليم لهم لم يكن إلا بنقض العهد وما يتبعُه من الكفر بالآيات، وقتلِ الأنبياء ﵈،
_________________
(١) في (ف) و(ك): "الإغراق "، والصواب المثبت. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٠٧)، و"روح المعاني" (٦/ ٣٧٧).
(٢) هي قراءة ورش عن نافع. انظر: "التيسير" (ص: ٩٨).
[ ٣ / ٢٠٩ ]
وغيرِ ذلك، والفاء فصيحةٌ عاطفة على محذوف تقديره: ثم نقضوا الميثاق، فبسبب نقضهم الميثاق فعلنا بهم ما فعلنا (^١).
﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: بما في كتابهم.
وقيل: بالقرآن، وفيه أنه حينئذ حقُّه أن يؤخَّر عن قوله:
﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ قد سبق تفسيرُه في سورة البقرة.
﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: مغشاةٌ بأغطيةٍ خَلْقيَّةٍ لا يصل إليها شيءٌ من الذكر والموعظة.
﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ردٌّ لِمَا قالوا؛ أي: لم تُخلق قلوبُهم غلفًا، بل طَبع الله عليهم وخذلهم بكفرهم فأبطل استعدادهم.
﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: إيمانًا قليلًا لا عبرةَ به لنقصانه، ويجوز أن تكون القلةُ كنايةً عن العدم، وقد سبق وجهُها في سورة آل عمران.
وأمَّا ما قيل: المعنى: إلا قليلًا منهم كعبد الله بن سلام، فيأباه التفريعُ على ما تقدم.
* * *
(١٥٦) - ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾.
﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ يعني: بعيسى ﵇، وهو معطوفٌ على ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾؛ لأنَّه من أسباب الطبع، أو على قوله (^٢): ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾، ويجوز أن يُعطف مجموع هذا
_________________
(١) في هامش (ف): "عبارة القاضي: ففعلنا بهم ما فعلنا بسبب نقضهم، وفيه تغيير النظر بلا ضرورة. منه".
(٢) "قوله": ليست في (م).
[ ٣ / ٢١٠ ]
وما عُطف عليه على مجموع ما قبله، ويكونَ تكرير ذكر الكفر (^١) إيذانًا بتكرير كفرهم، فإنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ﵉، ثم بمحمد ﷺ.
﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ﴾ يعني: نسبتَها (^٢) إلى الزنا، والقولُ إذا تعدَّى بـ (على) يكون بمعنى الافتراء.
ونصب: ﴿بُهْتَانًا﴾ على تضمين معنى: باهتين.
وقوله: ﴿عَظِيمًا﴾ تأكيدٌ لِمَا في تنكير ﴿بُهْتَانًا﴾ من التفخيم.
* * *
(١٥٧) - ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾.
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ قالوه استهزاء (^٣)؛ كما قال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، ويجوز أن يكون استئنافًا بأنْ يضعَ الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيحِ في الحكاية عنهم رفعًا لعيسى ﵇ عما يَذكرونه به.
و﴿عِيسَى﴾ بدل من ﴿الْمَسِيحُ﴾ أو عطفُ بيان، وكذلك ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾، ويجوز أن يكون صفةً أيضًا.
_________________
(١) في (ف): "تكرير ذلك الكفر"، وفي (ك): "تكرير ذلك ". والصواب المثبت. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٠٧).
(٢) في (ف): "بنسبتها".
(٣) في هامش (ف): "عبارة القاضي: أي بزعمهم، ولا وجه له إلا بتكلف بارد. منه ".
[ ٣ / ٢١١ ]
وأجاز أبو البقاء في ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذه الأوجُهَ الثلاثة (^١)، إلا أن البدل في المشتقات قليل، وقد يقال: إن ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ جرى مجرى الجوامد.
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ تخصيصٌ بعد التعميم لكونه محلَّ الاهتمام، أو نفيٌ لما ظنهم (^٢) من أنهم قتلوه ثم صلبوه.
﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ مسنَدٌ إلى الجار والمجرور، كأنه قيل: وقَع لهم التشبيهُ (^٣)، أو إلى ضمير المقتول المدلول عليه بقوله: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا﴾ كأنه قيل: شُبِّه لهم مَن قتَلوه.
رُوي أنه دخل رجل من اليهود بيتًا كان هو فيه فلم يجده، وألقى الله عليه شبَهه، فلمَّا خرج ظُنَّ أنه عيسى ﵇ فأُخذ وصُلب، وأمثالُ ذلك من الخوارق لا يُستبعد في زمان النبوة.
وقيل: إن رهطًا من اليهود سبُّوه وأمه فدعا عليهم فمسخهم الله تعالى قردةً وخنازيرَ، فاجتمعت اليهود على قتله، فأَخبر الله تعالى بأنه يرفعه إلى السماء، فقال لأصحابه: أيُكم يرضى أن يُلقى عليه شبهي فيقتلَ ويصلبَ ويدخل الجنة؟ فقام رجل منهم فألقى الله عليه شبهه فقُتل وصُلب.
وإنما ذمَّهم الله بما دل عليه الكلام من جرأتهم على الله، وقصدِهم قتلَ نبيِّه المؤيَّد بالمعجزات الباهرة، وتبجُّحهم به، لا بقولهم هذا على حسبانهم.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ في شأن عيسى ﵇، وذلك أنه لمَّا وقعت تلك
_________________
(١) انظر: "الإملاء" (ص: ٤٠٥).
(٢) قوله: "لما ظنهم" كذا في النسخ، ولعله يريد: (لما ظنوا)، أو: (لظنهم).
(٣) أي: (ولكن وقع لهم التشبيه بين عيسى والمقتول). انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٠٨).
[ ٣ / ٢١٢ ]
الواقعة اختلف الناس، فقال بعض اليهود: إنه كان كاذبًا فقتلناه حقًّا، وتردَّد آخرون فقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا! وقال مَن سمع منه أن الله تعالى يرفعني إلى السماء: إنه رفع إليها، وقال قوم: صُلب الناسُوتُ وصعد اللاهوت.
﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من أمره، والمراد من الشك: التردُّد، ولمَّا احتَمَل أن يكون الوقوع في الشك لأكثرهم (^١) دفعه بقوله:
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾: شيءٍ من جنس العلم.
﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ استثناء منقطع، والمعنى: أنهم مستمرُّون على الشك، لكنْ قد يَلوح لهم أمارةٌ فيحصل ظنٌّ، ثم يزول ويعود الشك، وهذا أدلُّ على شدة الحيرة من استمرار الشك بلا انقطاعٍ.
هذا ما بحسب جليل النظر، والذي هو بحسَب دقيقه: أن المراد من الشك ما يلزمه من الحيرة التي لا محيص لهم عنها، وعبارةُ (في) الدالةُ (^٢) على الثبوت والتقريرِ (^٣) إنما تساعد هذا.
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: وما قتلوه قتلًا يقينًا، أو حالٌ؛ أي: وما قتلوه متيقِّنين فيما ادَّعوا من قولهم: إنا قتلنا المسيح، أو تأكيدٌ لـ (ما قتلوه) كأنه قيل: وما قتلوه حقًا؛ أي: حقَّ انتفاءُ قتله حقًّا، وهو تأكيد لغيره.
* * *
_________________
(١) في (ف): "لأكثر"، وفي " ك ": (الأكثر).
(٢) في (ف): "الدلالة "، وهو تحريف.
(٣) في (ح): "والتقرر".
[ ٣ / ٢١٣ ]
(١٥٨) - ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ردٌّ وإنكار لقتله، وإثباتٌ لرفعه إلى منزلةٍ عاليةٍ مما كان فيه.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يُغلب على ما يريده.
﴿حَكِيمًا﴾ في تدابيره، ويدخل فيه دخولًا أوليًّا ما دبَّره في أمر عيسى ﵇.
* * *
(١٥٩) - ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾.
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أحدٌ ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ جملةٌ قَسَميةٌ وقعت صفةً لـ (أحد)، ويعود إليه الضمير الثاني، والأولُ لعيسى ﵇؛ أي: ما من يهوديٍّ ولا نصرانيِّ إلا ليؤمننَّ قبل أن يموت، ولو حين تزهقُ روحه، ولا ينفعه إيمانه بأنَّ عيسى ﵇ عبد الله ورسوله.
ويؤيد ذلك أنه قرئ: (إلا ليؤمِنُنَّ به قبل موتهم) بضم النون؛ لأن أحدًا في معنى الجمع (^١)، وهذا كالوعيد لهم والتحريضِ على معاجلة (^٢) الإيمانِ به قبل أن يُضطروا إليه ولا ينفعهم إيمانهم.
وقيل: الضميران لعيسى ﵇، والمعنى: أنه إذا نزل من السماء آمَن به أهل الملل (^٣) جميعًا، فتكون الملة واحدةً وهي ملة الإسلام، وهذا يقتضي تخصيصَ ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ بالذين هم يوجدون عند نزوله ﵇، وتعميمَ الحكم لغير
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٨٨).
(٢) في (م): "معاجلتهم".
(٣) في (م): "أهل الكتاب والملل".
[ ٣ / ٢١٤ ]
الكتابي أيضًا، فعلى ما ذكر يكون في المنزَل تخصيصٌ في موضع التعميم، وتعميمٌ في موضع التخصيص.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ تقديمُه للتخصيص.
﴿يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ فيشهد على اليهود بالتفريط في حقِّه، وعلى النصارى بالإفراط فيه.
* * *
(١٦٠) - ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ يعني: ما ذكر في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦]، والتنكير في (بظلمٍ) للتعظيم، وتقديمُه على ما تعلَّق به يفيد التخصيص.
﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾: أناسًا كثيرًا، أو: صدًّا كثيرًا، وإنما أُعيدت الباء هنا دون في (^١) ﴿وَأَخْذِهِمُ﴾ وما بعده؛ للفصل بين المعطوفين بما ليس معمولًا للمعطوف عليه، بخلافِ الفصل فيما بعده، فإن الفاصل ثمةَ بالمعمول (^٢) للمعطوف عليه.
* * *
(١٦١) - ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
_________________
(١) "في" ليست في (ك).
(٢) في (م): "بالعموم".
[ ٣ / ٢١٥ ]
﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾؛ أي: نهيَ تحريمٍ، بدلالة السياق، فلا دليل فيه على أن النهي المطلَق يدل على التحريم.
﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ بالرشوة وسائر الوجوه المحرَّمة.
﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ دون مَن تاب وآمَنَ.
﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الغاية (^١).
* * *
(١٦٢) - ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ كعبد الله بن سلَام وأصحابه.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: منهم، أو من المهاجرين (^٢) والأنصار.
﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ خبر المبتدأ.
﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ نصبٌ على المدح لبيان فضيلة الصلاة، أو عطفٌ على (ما أنزل إليك)، والمراد بهم ا لأنبياء ﵈؛ أي: يؤمنون بالكتب والأنبياء.
وقرئ بالرفع عطفًا على ﴿الرَّاسِخُونَ﴾، أو الضميرِ في ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، أو على أنه مبتدأ والخبر: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾.
_________________
(١) في هامش (ف): "لا بد من الحمل على هذا حتى يكون للتوصيف فائدة زائدة. منه".
(٢) في (ف) و(ك): "أو المهاجرين"، وفي (م): "والمهاجرين".
[ ٣ / ٢١٦ ]
﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ورفعُه لأحد الوجوه (^١) المذكورة.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قدِّم عليه الإيمان بالأنبياء والكتب، وما يصدِّقه من اتِّباع الشرائع؛ لأنَّه المقصود من الآية.
﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ على جمعهم بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح.
* * *
(١٦٣) - ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ بدأ به ﵇ لأنَّه أول مَن شُرِعت له الشرائع، وسنَّت له السنن.
﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ جوابٌ لأهل الكتاب [عن اقتراحهم] (^٢) أن ينزِّل عليهم كتابًا من السماء، واحتجاجٌ عليهم بأن أمره في الوحي كسائر الأنبياء.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ خصهم بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم؛ لأن إبراهيم ﵇ أولُ أُولي العزم، وعيسى ﵇ آخرُهم، والباقون أشراف الأنبياء ومشاهيرُهم، وإنما لم يُذكر موسى ﵇ هاهنا لأن له طريقةً مخصوصة على
_________________
(١) في (م) و(ك): "الأوجه".
(٢) من "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٠٩). ونحوها عبارة "الكشاف" (١/ ٥٩٠): (جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابا …).
[ ٣ / ٢١٧ ]
ما سيأتي التصريح بها، وأيضًا قد أُنزل عليه كتاب من السماء دفعةً واحدة فلا يناسب ذكرَه في الردِّ على ما طلب من مِثل (^١) ذلك.
﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ وقرئ: ﴿زَبُورًا﴾ بالضم (^٢)، وهو جمع زِبْرٍ بمعنى مَزبورٍ.
* * *
(١٦٤) - ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.
﴿وَرُسُلًا﴾ منصوبٌ بمضمَرٍ دلَّ عليه ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ (^٣)، أو بما فسَّره: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ [أي: من قبلِ] هذه السور أو اليومِ.
﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وهو منتهَى مراتب الوحي، خُصَّ به موسى ﵇ من بينهم.
قوله: ﴿تَكْلِيمًا﴾ لدفع المجاز، قال الفرَّاء: العرب تسمِّي ما وصل إلى الإنسان كلامًا بأي طريق وصل، ولكنْ لا تحقِّقه بالمصدر، فإذا حُقَق به لم يكن إلا حقيقةَ الكلام.
* * *
(١٦٥) - ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
_________________
(١) "مثل" سقطت من (ف) و(ك)، و"من" سقطت من (ح)، والمثبت من (م).
(٢) هي قراءة حمزة، وقرأ باقي السبعة بفتح الزاي. انظر: "التيسير" (ص: ٩٨).
(٣) والتقدير: وأرسلنا رسلًا. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٠٩)، و"روح المعاني" (٦/ ٣٩٧)، وما سيأتي بين معكوفتين منهما.
[ ٣ / ٢١٨ ]
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ منصوبٌ على المدح، أو على التكرير للتأكيد، أو على الحال الموطِّئة كقولك: مررت بزيد رجلًا صالحًا.
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ لئلا يقولوا: لو لا أَرسلت إلينا رسولًا فيوقظَنا من سِنَة الغفلة، وينبِّهَنا لِمَا يجب الانتباه له.
ومَن قال (^١): وفيه تنبيه على أن بعثة الأنبياء ﵈ إلى الناس ضرورةٌ؛ لقصور الكل عن إدراك جزئيات المصالح، واكثرِ عن إدراك كلياتها= فلم يتنبَّه لعدم مساعدة الاقتصار على التبشير والإنذار لذلك، فإن الأهم حينئذ ذكرُ بيان الأحكام كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
واللام متعلقة بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ أو بقوله: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، و﴿حُجَّةٌ﴾ اسمُ كان، وخبرُه ﴿لِلنَّاسِ﴾، أو ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ والآخَرُ حال، ولا يجوز تعلُّقه بـ ﴿حُجَّةٌ﴾؛ لأنَّه مصدر، و﴿بَعْدَ﴾ ظرف لها أو صفةٌ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يغلب (^٢) فيما يريد.
﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبَّره، ويدخل فيه تدبيرُه في النبوَّة وتخصيصُ كل نبيٍّ من الأنبياء المذكورين بما خُص به دخولًا أوليًا.
* * *
(١٦٦) - ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
_________________
(١) هو البيضاوي. انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١٠٩).
(٢) في (م): "لا يغالب ".
[ ٣ / ٢١٩ ]
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ استدراكٌ عما دلَّ عليه سؤالُهم، فإنه لمَّا أجاب عن اقتراحهم إنزالَ كتاب من السماء تعنُّتًا، وأحتج عليهم بأن طريق الوحي المنزل على جميع الأنبياء ﵈ على هذا الأسلوب، دل على أنهم لا يشهدون به، وإلا لم يسألوا لوضوحه ولم يتعنَّتوا، فقال: [إنهم لا يشهدون] (^١) لكن الله يشهد، وإنهم أنكروه ولكن الله يثبته ويقرِّره.
﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن المعجز الدالِّ على نبوتك، رُوي أنه لمَّا نزل ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية [النساء: ١٦٣] قالوا: ما نشهد لك، فنزلت (^٢).
﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ حال؛ أي: ملْتبِسًا بعلمه، جملة مفسِّرة أُوردت بيانًا للشهادة؛ أي: بعلمه الخاص وهو العلم بتأليفه على وجه يَعجز عنه كل بليغ، أو بحالِ مَن يستعد للنبوة ويستأهل نزول الكتاب عليه، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم، وعلى هذا يكون الحال عن المفعول، وعلى الأولَينِ عن الفاعل.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أيضًا بنبوَّتك.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾؛ أي: وكفى بما أقام به من الحجج على صحة نبوتك عن الاستشهاد بغيره.
* * *
(١٦٧) - ﴿نَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
_________________
(١) من "الكشاف" (١/ ٥٩٢)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١١٠).
(٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٩٢)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١١٠). ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٩٤)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٥٣٤)، من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ لجمعهم بين الضلال والإضلال، ولأن المضلَّ يكون أعرق في الضلال، وأبعدَ عن الانقلاع عنه.
* * *
(١٦٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بإنكار نبوة محمد ﷺ.
﴿وَظَلَمُوا﴾ أنفسَهم بالضلال وغيرَهم بالصد والإضلال.
﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؛ أي: ليس في عادته تعالى المغفرة لهم ما داموا على ذلك.
﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾؛ لامتناعهم عن قبول ذلك.
* * *
(١٦٩) - ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾؛ لانجذابهم إليها بهواهم، ولا يهديهم يوم القيامة إلا طريقَها.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ لجري حكمه السابق ووعده المحتوم على أن مَن مات على الكفر فهو لا يخرج من النار، و﴿خَالِدِينَ﴾ حال مقدَّرة.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يصعب عليه ولا يستعظمه.
* * *
[ ٣ / ٢٢١ ]
(١٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ الباء إما للتعدية؛ أي: بالكتاب أو الدِّين الذي هو الحق، أو للمصاحبة؛ أي: ملْتبسًا بالحق.
﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لمَّا قرَّر أمر النبوة، وبيَّن الطريق إلى العلم بها، ووعيدَ مَن أنكرها، خاطب الناس عامة بالدعوة وإلزام الحجة، والوعد بالإجابة، والوعيد على عدمها.
﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾؛ أي: إيمانًا (^١) خيرًا لكم، أو: ائتوا خيرًا لكم مما أنتم عليه (^٢).
﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: فإن الله تعالى غنيٌّ عنكم لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع بإيمانكم؛ لأن له ما في العالَم كله، فحُذف الجزاء وأقيم تعليله مقامه، وعبِّر عن العالم بقطريه.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بأحوال العالَم.
_________________
(١) في (م): "إيمانكم"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصادر. انظر: "تفسير القرطبي" (٧/ ٢٢٨)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١١٠)، و"البحر" (٧/ ٤٨٩)، و"روح المعاني" (٦/ ٤١١). وقوله: ﴿خَيْرًا﴾ على هذا القول نعت لمصدر محذوف دل عليه الفعل الذي قبله، وهو: (آمِنوا). وإلى هذا ذهب الفراء. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٩٥).
(٢) وهذا مذهب سيبويه: أنه منصوب بفعل مضمر وجوبًا. انظر: "الكتاب" (١/ ٢٨٢)، و"البحر" (٧/ ٤٨٩).
[ ٣ / ٢٢٢ ]
﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبَّر له (^١).
* * *
(١٧١) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾؛ أي: لا تُجاوزوا حدَّ الحق، وهو خطاب لليهود في وضع شأن عيسى ﵊ حتى سمَّوه ولد الزنا، وغلوِّ النصارى برفعه حتى قال بعضهم: هو الله، وقال بعضهم: هو ابنه وقال بعضهم: هو ثالث ثلاثة.
﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ وهو اصطفاؤه لأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وتنزُّهه عن الشريك والصاحب والولد.
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ وقد سبق تفسيرُه.
﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾: أوصَلَها (^٢).
_________________
(١) في هامش (م): "انتهى ما وجد من سورة النساء كما هو في أصله المنقول منه، ويتلوه سورة الأنعام كما هو في أصله أيضًا". وفي هامش (ك): "آخر النساء وسورة المائدة ساقط من الأصل". وهنا أيضًا انتهى تفسير سورة النساء في (ف). والباقي من (ح) وحدها.
(٢) تحرفت في (ح) إلى: "وأصلها"، والمثبت من "الكشاف" (١/ ٥٩٣)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١١١)، وفيهما: أوصلها إليها وحصلها فيها.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾؛ أي: صدر منه بلا توسُّط ما يجري مجرى الأصل والمادة، وسُمي روحًا لأنَّه كان يُحيي الأموات أو القلوب.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، أي آمِنوا باللّه بأنه إلهٌ واحد لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد، وبعيسى ﵊ بأنه عبده ورسوله، ولمَّا كان تكذيبه تكذيبًا للرسل كلهم قال: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ ولم يقل: ورسوله؛ تعظيمًا لشأنه، وبهذا البيان اتَّضح وجه التفريع على ما تقدم.
﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: اللهُ ثلاثةٌ، على ما استفاض من قولهم بثلاثة أقانيم: الآب أرادوا به الذات، والابن وأرادوا به العلم، وروح القدس وأرادوا به الحياة، والإلهية ثلاثة: الله والمسيح ومريم على ما ذكر في قوله تعالى ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦].
﴿انْتَهُوا﴾ عن التثليث ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ نصبُه كما سبق.
﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: واحد بالذات لا تعدُّد فيه بوجهٍ من الوجوه.
﴿سُبْحَانَهُ﴾ أُسبِّحه تسبيحًا من أن يكون له ولد، فإنه يكون لمن يعادله (^١) أحد.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ملكًا وحقَّا لا يعادله بشيء من ذلك فهو كالدليل لمَا تقدم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، أي: لأنَّه تعالى كافٍ في تأثير العالم وتدبيره، وعلى تقدير وجود الشريك يلزم أحد المحذورين: عدمُ كفايته تعالى في التأثير والحفظ، وعدمُ كون الشريك شريكًا.
* * *
_________________
(١) في (ح): "يعادل"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٢/ ١١١).
[ ٣ / ٢٢٤ ]
(١٧٢) - ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾.
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾: لن يأنف، من نَكَفْتُ الدَّمع (^١): إذا نحَّيتَه بأصبعك لئلا يرى أثره عليك.
﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾: من أن يكون عبدًا له تعالى، فإن عبوديته شرفٌ يباهي به، وإنما المذلة (^٢) والاستنكاف في عبودية غيره.
رُوي: أن وفد نجران قالوا لرسول اللّه ﷺ: لمَ تعيبُ صاحبنا؟ قال: "ومن صاحبكم؟ " قالوا: عيسى، قال: "وأيُّ شيء أقول؟ "، قالوا: تقول: إنه عبد الله، قال: "إنه ليس بعارٍ أن يكون عبدًا لله" قالوا: بلى، فنزلت (^٣).
﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ عطف على ﴿الْمَسِيحُ﴾؛ أي: ولا يستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدًا لله.
لمَّا كان عيسى ﵊ ممتازًا عن بني نوعه بأمرين صالحين لأن يعظَّم بهما ويُظنَّ أنه يستحق بذلك أن يُرفع عن منزلة العبودية:
أحدهما: كونه ﵊ مخلوقًا من غير أب.
والثاني: كونه مرفوعًا إلى السماء.
_________________
(١) في (ح): "الدفع"، والمثبت من "الكشاف" (١/ ٥٩٤)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١١١).
(٢) في (ح): "المذلقة"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٢/ ١١١).
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٩٦ - ٥٩٧)، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٨٧) عن الكلبي.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
وكلٌّ من هذين الأمرين حاصل للملائكة المقرَّبين على وجه أقوى وأكمل - أما الأول: فلأنهم فخلوقون من غير أب وأم، وأما الثاني: فلأنهم ساكنون فوق العرش - كان المناسبُ أن يذكروا بعد عيسى ﵊ على وجه الترقِّي.
وبما قرَّرناه ظهر وجه تقييدهم بالمقرَّبين، واتَّضح أنه لا متمسَّك في الآية لمن ذهب إلى تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ في عطف ﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾ على ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾ نوعُ مبالغة؛ لأن الاستكبار دون الاستنكاف في الترفُّع، إن في الاستنكاف توهُّمَ لحوق العار والنقص، وفي الاستكبار طلبَ العلوِّ والكبرَ بغير الاستحقاق فحسب.
﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾؛ أي: إلى الموضع الذي لا يملك الحكم فيه سواه؛ كما يقال: صار أمر فلان إلى القاضي؛ أي: لا يملكه غيري، ولا يراد بذلك المكان الذي فيه القاضي.
* * *
(١٧٣) - ﴿(١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾:
[ ٣ / ٢٢٦ ]
لا خفاء في أن الآية مشتملة على ذكر الفريقين، فالتفصيل مطابق للمفصَّل، وضمير المفعول في ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ عائد إلى الجمع، أي: يجمع الكل من المستنكفين ومقابِليهم إليه للمجازاة، فقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلخ تفصيلٌ لِمَا ذكر وبيانٌ لمآل أحد الفريقين، وقولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾ إلخ بيانٌ لحال الفريق الآخر.
والتعبير عن الأول بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لتعميم الحكم المذكور بما عدا عيسى والملائكةَ المقربين من المؤمنين الذين عملوا الصالحات، والتنبيهِ على أن ترك الاستنكاف والاستكبار أثرُ الاعتقاد الصحيح والاعتبارِ بالعمل الصالح.
وأما ما قيل: الضمير المذكور للفريق الثاني، والمعنى: فسيحشرهم لمجازاتهم فإن إثابة مقابِليهم والإحسان إليهم تعذيبٌ لهم بالغم والحسرة = فلا يساعده دخول كلمة (أمَّا) على الفريقين.
* * *
(١٧٤) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ البرهان هو دينُ الحقِّ، أو رسولُ الله ﵊، والنورُ المبين هو القرآن المعجِز البيِّن بنفسه المُبيِّنُ للدِّين والمصدِّقُ للرسول ﵊، والمراد بهما القرآن باعتبار كونه حجةً على الناس مبيِّنًا للأحكام.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
أو البرهانُ: المعجزات (^١)، والنورُ: القرآن، يعني: تعاضَد دليلا العقل والنقل فلم يبقَ لكم عذر.
* * *
(١٧٥) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ الفاءُ فصيحةٌ للعطف على قرينه المحذوف، وإنما حذف للدلالة على فظاعة شأن مَن يكفرُ بالله ولم يعتصِم به واعتصم بالطاغوت.
﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾: ثوابٍ عظيمٍ موعودٍ على الإيمان والعمل الصالح رحمةً منه، لا قضاءً لحقٍّ وجَب عليه.
﴿وَفَضْلٍ﴾: إحسانٍ زائدٍ على الموعود.
﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ﴾: إلى الله، وقيل: إلى الموعود.
﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾: هو الإسلام والطاعة في الدنيا، وطريقُ الجنة في الآخرة.
* * *
(١٧٦) - ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
_________________
(١) في (ح): "المعجز"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٢/ ١١٢).
[ ٣ / ٢٢٨ ]
﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾؛ أي: في الكلالة، حُذف لدلالة الجواب عليه.
رُوي: أن جابر بن عبد اللّه ﵁ مرض فعاده رسول الله ﷺ، فقال: إني كلالةٌ فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت (^١)، وهي آخِرُ ما نزل في الأحكام.
﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ سبق تفسيرها في أوائل السورة.
﴿امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ارتفع ﴿امْرُؤٌ﴾ بمضمَر يفسِّره الظاهر، و﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ صفةٌ له، ولا يجوز أن يكون حالًا عن المستكنِّ في ﴿هَلَكَ﴾ لأنَّه تفسير غيرُ مقصود (^٢).
وربما يُدَّعَى أنه لا ضمير فيه؛ لأنَّه تفسير للفعل فقط.
والواو في ﴿وَلَهُ﴾ تحتمِل الحالَ والعطف.
والمراد من الأخت من الأب أعمُّ من أن تكون من الأم أيضًا أو لا؛ لأنَّه جُعل أخوها عصبةً، وابنُ الأم لا يكون عصبة، والولد على ظاهره فإنَّ الأخت وإنْ ورثت مع البنت عند عامة العلماء لكنها لا ترث بالفرض.
﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾؛ أي: والمرءُ يرث أخته إن كان الأمر بالعكس.
﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ ذكرًا كان أو أنثى؛ لأن الابن يُسقطه، والبنتُ وإن لم تسقطه
_________________
(١) رواه البخاري (١٩٤)، ومسلم (١٦١٦)، من حديث جابر ﵁.
(٢) رد على البيضاوي في قوله: (ليس له ولد صفة له [يعني: لـ ﴿امْرُؤٌ﴾] أو حال من المستكن في ﴿هَلَكَ﴾). انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ١١٢). ومعنى كون ﴿هَلَكَ﴾ تفسيرًا غير مقصود: أنه مفسر للرافع لـ ﴿امْرُؤٌ﴾ فهو غير مقصود لذلك. ولأبي حيان رحمه كلام طويل في بيان ذلك انظره في "البحر" (٧/ ٥٠٥).
[ ٣ / ٢٢٩ ]
لكنها مَنعت حيازته المال، وهي الظاهر المتبادِر من إطلاق ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾، كما أن الظاهر من إطلاق الولد ما يتناول البنت.
والآيةُ كما لم تدلَّ على سقوط الإخوة بغير الولد لم تدلَّ على عدم سقوطهم به، وقد دلَّت السنَّة على سقوطهم بالأب.
ومن بِدَعِ الكلام (^١): ما خطر ببعض الأوهام، في هذا المقام؛ من أنه يجوز أن يُدلَّ بحكم انتفاء الولد على حكم انتفاء الوالد؛ لأن الولد أقربُ إلى الميت من الوالد، فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب فأَولى أن يرث عند انتفاء الأبعد، ولا يخفى على ذوي الأفهام، أنه لا انتظام له مع ما سيق له الكلام؛ لأن الحكم المطلوب ليس هو إرثَ الأخ عند انتفاء الوالد (^٢)، بل عدمُ إرثه عند وجوده، ثم إن ما ذكره في معرض التعليل غيرُ مسلَّم.
﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ الضمير لمن يرث بالأخوة، لكنْ طُوبق بالضمير الخبرُ في التثنية كما طوبق به في قولهم: مَن كانت أمك؟ في التأنيث، وكذا في قوله:
﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً﴾ طوبق به في الجمع وغلِّب التذكير، وفائدة الإخبار عنه باثنتين: التنبيهُ على أن الحكم باعتبار العدد دون الصغر والكبر وغيرهما.
﴿رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ قد سبق ما يتعلق به في أوائل السورة.
_________________
(١) رد على الزمخشري. انظر: "الكشاف" (١/ ٥٩٩).
(٢) كذا في (ح)، ولعل الصواب: "الولد".
[ ٣ / ٢٣٠ ]
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: بيَّن الأحكام كلها في الحياة والممات، ولمَّا كان المفعول عامًّا معلومًا حذف وجعل الفعل كاللازم.
﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي: كراهةَ أن تضلوا.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهو عالِمٌ بمصالح حياتكم ومماتكم في الدنيا والآخرة (^١).
* * *
_________________
(١) من أول تفسير الآية (١٧١) إلى هنا موجود فقط في نسخة الحرم المكي المرموز لها بـ (ح)، وليس في باقي النسخ كلما أشرنا إليه في أوله.
[ ٣ / ٢٣١ ]