﷽
(١) - ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
﴿طس تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى السُّورة.
﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ عطفَه على ﴿الْقُرْآنِ﴾ كعطفِ إحدى الصِّفتَيْن على الأخرى، وتنكيرُه للتَّعظيم.
وإبانته: أنَّه يبيِّنُ (^١) ما أُوْدِعَ فيه مِن الحِكَمِ والأحكام، أو الصحَّة (^٢) بإعجازِه.
وإنَّما عرَّف القرآن ونكَّر الكتاب على عكس ما في (سورة الحجر) لأنَّهما اسمان علَمان للمنزَّلِ على نبيِّنا ﵊، ووصفان له باعتبار معناهما الأصليَّين، فأيُّهما جُعِلَ أصلًا والآخر صفةً صحَّ.
و﴿وَكِتَابٍ﴾ قرئ بالرَّفع (^٣) على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مقامَه، على معنى: وآياتُ كتابٍ مبين.
* * *
_________________
(١) في (ك): "تبيين" بدل "أنه يبين ".
(٢) في (ع): "لصحة"، وفي (ي): "لصحته ".
(٣) نسبت لابن أبي عبلة. انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ٢٤٨).
[ ٧ / ٤٤١ ]
(٢) - ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿هُدًى﴾ للبشر ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ حالان من الآيات، والعامل فيها معنى الإشارة، أو بدَلان منها، أو من ﴿وَكِتَابٍ﴾، أو صفةٌ له، أو خبران آخران، أو خبران (^١) لمحذوف؛ أي: هي هدى.
* * *
(٣) - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ تقدَّم تفسيره في سورة البقرة.
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ مِن تتمَّة الصِّلة، والواو للحال أو للعطف.
وتغيير النَّظم للدِّلالة على قوَّة يقينهم وثباتهم، وأنَّهم الأوحديُّون فيه، أو استئناف كأنَّه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون (^٢) بالآخرة، ويدلُّ عليه أنَّه عقد جملة اسمية وكرَّر فيها المبتدأ حتى صارَ معناها: وما يوقن بالآخرة حقَّ الإيقان إلَّا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح (^٣)؛ لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمُّل المشاقِّ.
* * *
(٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ القبيحةَ بخلق الشَّهوة فيهم، حتى رأوا ذلك حسنًا كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقد
_________________
(١) "آخران أو خبران" سقطت من (ف) و(ك)، وسقطت "آخران" من (ع).
(٢) في (ف): " المؤمنون ".
(٣) في (م): " الصالحات ".
[ ٧ / ٤٤٢ ]
مرَّ البحث مستوفًى في إسناد التَّزيين إليه تعالى في تفسير سورة البقرة (^١).
﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يتحيَّرون ويتردَّدون في ضلالتهم، كما يكون حال الضَّالِّ عن ا لطَّريقِ.
* * *
(٥) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ لم يؤمنوا ﴿لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ بما كان منهم (^٢) مِن سُوءِ الأعمال.
﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾: أشدُّ النَّاس خسرانًا لفواتِ التَّوبةِ واستحقاقِ العقوبةِ.
* * *
(٦) - ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾.
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ أي: يُلقَى عليك بشدَّةٍ.
﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾: مصيبٍ في أقوالِه وأفعالِه ﴿عَلِيمٍ﴾ بكلِّ شيءٍ وأحوالِه، فليس الأوَّل منهما مشتملًا على الآخر حتى يكون حقُّه التَّأخير، والتَّنكيرُ فيهما للتَّعظيم.
وهذه (^٣) الآيةٌ تمهيدٌ لِمَا يريدُ أنْ بعدها مِن القَصص، وما ذلك مِن لطائفِ حكمتِه ودقائقِ علمِه.
* * *
_________________
(١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢].
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "لهم ".
(٣) في (ك) و(م): "وفي هذه "، وفي (ف): "ومن هذه ".
[ ٧ / ٤٤٣ ]
(٧) - ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.
﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾ أي: اذكر قصَّة إذ قال موسى، وقيل: متعلِّق بـ ﴿عَلِيمٍ﴾.
﴿لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ الإيناسُ: الإحساسُ بالشَّيءِ مع سُكونِ النَّفسِ إليه.
﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾؛ أي: عن حال الطَّريق؛ لأَنَّه قد ضلَّها.
روي أنَّه لم يكن معه غير امرأته، وإنَّما وَرَدَ (^١) الخطاب بلفظ الجمع لكنايته عنها بالأهل؛ إقامةً لها مقامَ الجماعة في الأُنْسِ بها والسُّكون إليها في الأمكنةِ الموحشةِ.
والسِّين للتَّقريبِ، وتقليلِ مدَّة الوعد؛ كيلا تَستَوحِشَ (^٢)، وفي التَّعبير بالإيناس دون الإبصار نوعُ تمهيدٍ لهذا.
﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾: القطعة من النَّار، والشِّهابُ: ما يمتدُّ منها، وإضافته إليه لأنَّه يكون قبسًا وغير قبسٍ.
وقرئ منونًا (^٣) على أنَّ القَبَسَ بدلٌ منه، أو وصفٌ له؛ لأنَّه بمعنى المقبوس.
والعِدَتان على سبيل الظَّنِّ، ولذلك عبَّرَ بصيغة التَّرجِّي في موضع آخر، والتَّرديدُ لبيانِ عدم الخلوِّ بناءً على العادة، فلا ينافي الجمع (^٤)، وبيانِ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما أمرٌ مهمٌّ باعثٌ للسَّعي في تحصيله.
_________________
(١) في (ف): " أورد".
(٢) في (ي) و(ع) و(م) زيادة: "أهلها ".
(٣) قرأ الكوفيون: ﴿بِشِهَابٍ﴾ بالتنوين، وباقي السبعة بغير تنوين. انظر: " التيسير" (ص: ١٦٧).
(٤) في (ف): "الجميع ".
[ ٧ / ٤٤٤ ]
﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ رجاءَ أن تستغيثوا بها مِن البرد، والطَّاء بدل من (^١) التَّاء الافتعاليَّة لأجل الصَّاد.
* * *
(٨) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ﴾؛ أي: النَّار التي أبصرَها.
﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مخفَّفةٌ مِن الثَّقيلةِ، تقديرُه (^٢): بأنَّه بُورِكَ، والضَّميرُ ضميرُ الشَّأنِ، وجاز ذلك مِن غير عوضٍ لأنَّ قولَه: ﴿بُورِكَ﴾ دعاءٌ، والدُّعاء (^٣) يخالف غيره في أحكامٍ كثيرةٍ.
أو مفسِّرةٌ؛ لأنَّ في النِّداء معنى القول.
﴿مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: جعل البركة والخير قسمَيْن (^٤): في مكان النَّار وهم الملائكة، ومَن حولَ مكانِها؛ أي: موسى ﵇ بحدوثِ أمرٍ دينيٍّ.
وفي تصدير الخطاب بذلك بشارةٌ بأنَّه قد قُضِيَ له أمرٌ عظيمٌ تنتشرُ (^٥) بركته في أقطار الشَّام.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ومِن تمامِ ما نُوديَ به؛ لئلَّا يتوهَّم مِن سماع كلامه
_________________
(١) في (م): "عن ".
(٢) في (ف): "وتقديره".
(٣) "والدعاء" سقط من (ف).
(٤) في (ي) و(ع): "فيمن ".
(٥) في (ك): "تنشر".
[ ٧ / ٤٤٥ ]
تشبيهًا، أو للتَّعجيب (^١) مِن ذلك الأمرِ، أو تعجُّبٌ مِن موسى ﵇ لِمَا دهاه (^٢) مِن عظمتِه.
* * *
(٩) - ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ﴾ الهاء للشَّأن، و﴿أَنَا اللَّهُ﴾ جملةٌ مفسِّرة له، أو للمتكلِّم (^٣) و﴿أَنَا﴾ خبره، و﴿اللَّهُ﴾ بيانٌ له.
﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ صفتان للهِ ممهِّدتان لِمَا أراد أنْ يُظهِرَ على يده من المعجزة لمصلحةِ إثباتِ النُّبوَّةِ.
* * *
(١٠) - ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾.
﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ عطفٌ على محذوفٍ، تقديرُه يُفهَم مِن التَّفصيل المذكور في سورة طه، لا على ﴿بُورِكَ﴾؛ لأنَّ الفصل بينهما بتجديد النِّداء في قوله: ﴿يَامُوسَى﴾ يأباه.
﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ حالٌ من المفعول، والاهتزازُ: تحرُّكٌ بحركتَيْنِ متدافِعَتَيْنِ.
﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ أي: حيَّةٌ سريعةُ الحركةِ.
﴿وَلَّى﴾ وموسى ﵇ ﴿مُدْبِرًا﴾: أعرضَ عنها، وجعلها تلي ظهرَه خوفًا منها بمقتضى البشريَّة.
_________________
(١) في (ف) و(ع): "للتعجب ".
(٢) في (م): "رآه ".
(٣) أي: للمتكلم المنادي له، فالتقدير: إنّ المنادي المتكلم أنا. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٣٥).
[ ٧ / ٤٤٦ ]
﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾: لم يرجع، يقال: قد عقَّبَ فلانٌ: إذا رجعَ، يقاتل بعدَ أن ولَّى.
فنُودِيَ: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾؛ أي: مِن غيري (^١) ثقةً بي (^٢)، وحُذف المفعول لظهوره، أو مطلقًا على تنزيل المتعدِّي منزلةَ اللَّازم.
﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾؛ أي: لا ينبغي لهم أن يخافوا حالَ تقريبي إيَّاهم بالخطاب، وفيه إشارة إلى أنَّ تلك الحالة كانت مقدِّمة للرَّسالة (^٣).
* * *
(١١) - ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ استثناءٌ منقطعٌ، استدرك به ما يختلج في الصَّدر (^٤) مِن نفي الخوف عن كلِّهم، ومنهم مَن فَرَطتْ منه صغيرة، فإنَّهم وإنْ فعلوها أَتبعوا فعلها ما يُبطلها (^٥)، ويستحقُّون مِن اللهِ مغفرةً ورحمةً.
ولم يقصدْ به تعريضَ موسى ﵇ بوكزِه القِبطيَّ؛ لأنَّه ﵇ لم يكن وقتئِذٍ (^٦) مرسلًا.
وقيل: متَّصل، و﴿ثُمَّ بَدَّلَ﴾ مستأنَفٌ معطوفٌ على محذوفٍ؛ أي: ومَن ظلم ثمَّ
_________________
(١) في (ك): "أي: غيري "، وفي (ف): "أي غير".
(٢) في (ف) و(ك) و(ع): "لي ".
(٣) في (م): "متقدمة للرسالة"، وفي (ك): "متقدمة الرسالة".
(٤) في (ك) و(م): "الصدور".
(٥) في (ك): "فعلهم ما يبطلها"، وفي (ف) و(م): "فعلهم ما يبطلون".
(٦) في (ع): "وحينئذ".
[ ٧ / ٤٤٧ ]
بدَّل حُسنًا؛ أي: أتى بالتَّوبة بعد سُوءٍ متبدِّلًا (^١) له بالحسن؛ أي: كان ذلك منه سببًا بتبديل السَّيئة بالحسنة.
وفي التَّعبيرِ عنها (^٢) بالحُسْنِ مبالغةٌ في حسنها؛ لبعدِها مِن مَظنَّة شَوبِ الرِّياء والشَرك، فإنَّ العَمَلَ قلَّما يخلو عنه (^٣)، وهذا البَدَلُ لَمَّا لم يحصلْ بالعمَلِ خلَصَ عنه.
* * *
(١٢) - ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ إنَّما قالَ: ﴿فِي جَيْبِكَ﴾ لأنَّه كان عليه مَدْرَعَةُ صوفٍ لا كُمَّ له.
﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ فيه جمعٌ (^٤) بينَ أمرَي التَّكليفِ والتَّكوينِ.
﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: قبحٍ، لَمَّا كانَ خروج الشَّيء مِن خِلقتِهِ وجوهرِهِ ممَّا (^٥) يُستقبَحُ ويُستقذَرُ أخبرَ أنَّه لم يكنْ كذلكَ.
وأمَّا احتمالُ البَرَصِ فبِمَعزلٍ عن هذا المقامِ، مثلُ ذلك لا يخطرُ بالبالِ في أمثال (^٦) هذه الآيات العِظام حتى يُحتاجَ إلى دَفعِهِ (^٧).
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "مبدلًا".
(٢) في (ع): "عنه "، وفي (ف) و(ك): "هنا".
(٣) في (ف) و(ك) و(م): "العمل لا يخلو منه ".
(٤) في (م) زيادة: " قلما".
(٥) في (ف) و(م): "بما".
(٦) في (ك): "مثل ".
(٧) في (ع): "رفعه ".
[ ٧ / ٤٤٨ ]
﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾؛ أي: آيةً في تسعِ آياتٍ، وهي: العصا واليد والطُّوفان والجراد والقُمَّلَ والضَّفادع والدَّم والطَّمسة والجدب ونقصان الزَّرع (^١).
وأمَّا الفَلْقَ فليس منها؛ لأنَّه ﵇ لم يُبعَثْ به.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ أي: مرسلًا.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ تعليلٌ للإرسالِ.
* * *
(١٣) - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا﴾ لم يقل: جاءَهم موسى ﵇ بها؛ لأَنَّها كانت خارجةً عن حيِّزِ طاقته، وفي بعضها لم يكن منه ﵇ تصرُّفٌ عاديٌّ.
﴿مُبْصِرَةً﴾؛ أي: ظاهرةً بيِّنةً، جُعِلَتْ كأنَّها تُبْصِرُ فتَهدي؛ لأنَّ العُمْيَ لا تقدرُ على الاهتداء، فضلًا عن أن تَهديَ غيرها (^٢)، ومنه قولهم: كلمةٌ عَيناءُ، وكلمة عوراءُ؛ لأنَّ الكلمةَ الحسنةَ تُرشِدُ، والكلمةَ العوراءَ تُغوي، فهو مِن قَبيلِ الاستعارة المَكْنيَّة، وهي أبلغُ مِن المجازِ.
﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: واضح سحريَّته، قُوبل بين المبصرة والمبين.
* * *
(١٤) - ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ يُقالُ: جَحَدَ حقَّه وبحقِّه بمعنًى، ذكره في "الدِّيوان" (^٣).
_________________
(١) في (م): "المزراع"، وفي (ي): "المزارع منه".
(٢) في (ك) و(م): "غيره".
(٣) انظر: "تفسير النسفي " (٢/ ٥٩٤)، ويظهر من كلام النسفي أن "الديوان" اسم كتاب، ولم أعرفه.
[ ٧ / ٤٤٩ ]
والجحودُ: هو الإنكارُ للشَّيءِ للجهلِ به، وقد يكونُ بعدَ المعرفة تعنُّتًا.
والو أو في: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ للحال، و(قد) بعدها مضمَرةٌ، والاستيقانُ أبلغُ مِن ا لإيقانِ.
﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: جَحدوها بألسنتهم، وقد استيقنوها بقلوبهم. وفي التَّعبير بـ ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ عن قلوبهم تنزيلٌ (^١) لآلةِ الإقرار منزلةَ الترجمان.
﴿ظُلْمًا﴾ لأنفسهم ﴿وَعُلُوًّا﴾: ترفُّعًا عن الإيمان، وانتصابهما على العلِّيَّة من (جحدوا).
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ وهو الإغراق والإحراق في الدَّارَيْنِ.
* * *
(١٥) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ طائفةً مِن العلمِ، وهو علمُ الحُكْمِ والشَّرائع، أو: علمًا أيَّ علمٍ.
﴿وَقَالَا﴾ الواو فصيحةٌ، تُفصح عن محذوفٍ تقديرُه: ففعَلا (^٢) شكرًا لله تعالى ما فَعلا ممَّا لا يفي ببيانه (^٣) العبارة، وقالا:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أرادَ بالكثيرِ (^٤) المفضلِ عليه مَن لم
_________________
(١) في (ف) و(ك): "تنزيلًا".
(٢) في (م): "فعلا".
(٣) في (ف): "بيانه ".
(٤) في (ي) و(ع): "بالتكثير".
[ ٧ / ٤٥٠ ]
يؤْتَ مثلَ علمها، دلَّ على ذلك تقييدُهم بالإيمان، فإنَّ المؤمن لا يخلو عن علمٍ، وفيه إخراجٌ للكفَّار عن حيِّزِ الاعتبار، وتعظيمٌ لنعمة التَّفضيل بتوصيف المفضَّل عليه بوصفٍ جليل، ودليل على فضلِ العلمِ وشرفِ أهلِه، حيثُ شَكرَا على العلمِ وجعلاه أساسَ الفضلِ، ولم يعتبرا دونه ممَّا (^١) أُوتِيا مِن الملك الذي لم يؤتَ غيرَهما، وتحريضٌ للعالِمِ على أنْ يحمدَ اللهَ تعالى على ما أتاه مِن فضلِهِ، وأنْ يتواضَعَ ويعتقدَ أنَّه وإنْ فُضِّلَ على كثيرٍ فقد فُضِّلَ عليه كثيرٌ، أو تساويا.
* * *
(١٦) - ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾.
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ النُّبوَّةَ والملكَ، بأنْ قامَ مقامَه في ذلك بعدَ موتِه (^٢)، ولهذا قال: ﴿وَوَرِثَ﴾ فإنَّ حقيقةَ الميراثِ: انتقالُ التَّركةِ مِن مِلْكٍ إلى مِلْكٍ.
والتركةُ: ما بقيَ بعدَ الموتِ، واستُعير هاهنا لِما ذكر.
وأمَّا العلم (^٣) فقد شاركَ أباه فيه، بل ترجَّح (^٤) عليه حالَ حياته على ما أفصحَ عنه قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (^٥) [الأنبياء: ٧٩].
﴿وَقَالَ﴾ تشهيرًا لنعمة الله تعالى، واعترافًا بمكانها، ودعاة للنَّاس بذكرِ المعجزةِ التي هي عِلْمُ منطقِ الطَّير وغير ذلك مِن عظائمِ ما أوتيه.
_________________
(١) في (ك): "ما".
(٢) "بعد موته" سقط من (ك).
(٣) في (م): "ذكروا من العلم" بدل "ذكر. وأما العلم ".
(٤) في (ف): "يترجح".
(٥) "سليمان": ليست في (ك) و(م) و(ي) و(ع).
[ ٧ / ٤٥١ ]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ النُّطقُ والمَنْطِقُ في المتعارَف: الأصواتُ المقطعة التي يُظْهِرُها اللِّسانُ وتَعيها الآذانُ، ولا يُقالُ لغير الإنسان إلَّا على سبيلِ التَّبعِ؛ نحو: النَّاطق والصَّامت، لِمَا له صوتٌ ولما لا صوتَ له.
﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ المرادُ به: كثرةُ ما أوتي، كما يُقال: فلانٌ يعلمُ كلَّ شيءٍ، ويعضدُه كلُّ أحدٍ.
والضَّمير في ﴿عُلِّمْنَا﴾ و﴿وَأُوتِينَا﴾ له ولأبيه، أو له وحدَه، وهذه النُّونُ نونُ الواحدِ المُطاعِ، فكانَ مَلِكًا مُطاعًا يكلِّم (^١) أهلَ طاعته (^٢) على صفته وحاله التي كان عليها.
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ قولٌ واردٌ على سبيلِ الشُّكرِ، كقوله ﵇: "أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ ولا فخرَ" (^٣)؛ أي: أقولُ هذا القولَ شكرًا ولا أقولُه (^٤) فخرًا.
* * *
(١٧) - ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ﴾؛ أي: جُمِعَ مِن جهاتٍ مختلفةٍ.
﴿جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قدَّم الجنَّ على الإنس لأنَّ مقامَ التَّسخيرِ لا يخلو مِن نوعِ تحقيرٍ (^٥).
_________________
(١) في (ع) و(ك) و(م): "فكلم "، وفي (ي): "فكلمه "، والمثبت من (ف).
(٢) في (ف) و(ك) زيادة: "على إطاعته ".
(٣) رواه الترمذي (٣٦١٥) وصححه من حديث أبي سعيد ﵁، وهو في "صحيح البخاري" (٤٧١٢)، و"صحيح مسلم" (٢٢٧٨)، من حديث أبي هريرة ﵁ دون قوله: "ولا فخر".
(٤) في (ك): " أقول ".
(٥) كذا قال، وقد تعقبه الشهاب الخفاجي والآلوسي بالقول: (ليس بشيء؛ لأنّ التسخير للأنبياء =
[ ٧ / ٤٥٢ ]
﴿وَالطَّيْرِ﴾ لو كان فيها جنسٌ آخر لذكره هنا.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: يُمْنَعون عن التَّفرُّقِ والانتشار حتى يجتمعوا في مسيرهم، وذلك أحسنُ في الهيئةِ وأهيبُ في الرُّؤيةِ.
* * *
(١٨) - ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ ضمَّنَ ﴿يُوزَعُونَ﴾ معنى فعلٍ يصلحُ أن تكون (حتى) غايةً له؛ أي: فهُم يسيرون لُفُوفًا (^١)، لا يفارق بعضهم بعضًا.
﴿عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ هو وادٍ بالشَّام كثيرُ النَّمل، وعُدِّي ﴿أَتَوْا﴾ بـ ﴿عَلَى﴾ إمَّا لأنَّ إتيانهم كان مِن فوق، أو لأنَّه أريد معنى قطع الوادي وبلوغِ آخره.
_________________
(١) = عليهم الصلاة والسلام شرف؛ لأنَّه في الحقيقة لله الذي سخر كل شيء). قلت: وقد ذكر الآلوسي ﵀ من الحكمة في ذلك ما هو أنسب بالمقام وأقرب إلى الأفهام فقال: (وتقديم الجن للمسارعة إلى الإيذان بكمال قوة ملكه ﵇ وعزة سلطانه من أول الأمر؛ لِمَا أن الجن طائفة عاتية وقبيلة طاغية ماردة بعيدة من الحشر والتسخير. ولم يقدم الطير على الإنس مع أن تسخيرها أشق أيضًا وأدلُّ على قوة الملك وعزة السلطان لئلا يُفصل بين الجن والإنس المتقابلين والمشتركين في كثير من الأحكام). وما أحسن هذا الكلام، وقد دار بخلدي قبل أن أراه عند الآلوسي، فكفاني اللّه به مؤونة التعبير عنه.
(٢) في النسخ: "ملفوفًا"، وفي هامش (م): "لعلها لفوفًا". قلت: وهي الصواب، واللُّفوف: جمع لِفٍّ بكسر اللام، وهو القوم المجتمعون، والصنف من الناس، والحزب. انظر: "القاموس" (مادة: لفف).
[ ٧ / ٤٥٣ ]
﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ تاؤها للوحدة، وهي في حكم المؤنَّث اللَّفظي، جاز أن يعامل معاملته، كتمرٍ وتمرة، فلا دلالة فيه على كونه أنثى.
﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ لم يقلْ: (ادخلْنَ) لأنَّه جعلها قائلة والنَّمل مَقولًا لهم، كما يكون في أولي العقل، فأجرى خطابَهم مجرى خطابِهم.
﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ هو الحَطْمُ: الكَسْرُ.
﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ نهى سليمانَ ﵇ عن الحَطْمِ، والمرادُ نهيُها عن التَّوقُّف بحيث يحطمونها، كقولهم: لا أرينَّك هاهنا، فهذا استئنافٌ، أو بدلٌ مِن الأمرِ، لا جوابٌ له فإنَّ النُّونَ لا تدخله في السَّعة.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم يحطمونكم، إذْ لو شعروا لم يفعلوا.
قالَتِ النَّملةُ ذلك على وجهِ العُذْرِ ووَصْفِ سليمانَ وجنودِه بالعدلِ.
* * *
(١٩) - ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿فَتَبَسَّمَ﴾ والفاء فصيحة، تُفْصِحُ عن محذوفٍ، تقديرُه: سمِعَ سليمانُ كلامَها فتبسَّمَ.
﴿ضَاحِكًا﴾ شارعًا في الضَّحكِ، آخذًا فيه.
﴿مِنْ قَوْلِهَا﴾ متعجِّبًا مِن حذرِها وتحذيرِها واهتدائِها لمصالحها ونصيحتها للنَّمل، أو فرحًا لظهور عدله.
وإنَّما قال: ﴿ضَاحِكًا﴾ لأنَّ التَّبسُّم قد يكون مِن غضبٍ، وقد يكون مِن استهزاءٍ، وتبسُّمُ الضَّحكِ لا يكونَ إلَّا عن سرورٍ.
[ ٧ / ٤٥٤ ]
فإنْ قلْتَ: الظَّاهر مِن هنا أنَّ سليمان ﵇ كان عالمًا بلسان غير الطَّيرِ مِن الحيوانات، فما وجهُ تخصيصه بالذِّكر في مَقامِ إظهارِ الشُّكرِ على ما آتاه الله تعالى مِن جلائل النِّعم؟
قلْتُ: قد أجابَ الشَّعبيُّ عن هذا حيث قال: كانَ للنَّملةِ جناحان، فصارَتْ مِن الطَّيرِ، فلذلك علمَ سليمانُ مَنطقَها، ولولا ذلك لَمَا علمَه (^١).
﴿وَقَالَ﴾ سائلًا توفيقَ شكر تلك النِّعم الجليلة:
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ﴾؛ أي: يسِّرْ لي الشُّكرَ وازِعًا إيَّاه، ووزعُ الشُكر كنايةٌ عن وزعِ مُوجبِه وهو النِّعمة، فهو كلام في غاية الفصاحةِ.
﴿نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ وأدرجَ فيه ذكر والديه تكثيرًا للنِّعمةِ.
﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ تمامًا للشُّكرِ واستدامةً للنِّعمةِ.
﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾: في عدادهم الجنَّة.
* * *
(٢٠) - ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾.
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ حقيقةُ التَّفقُّد: تعرُّفُ فُقدانِ الشَّيء.
﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ بدأَ أوَّلًا بنفسه، ثمَّ قال: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ قرينُه: أحادَ بصري عنه بسببٍ؟ ولَمَّا كانَ المذكور في قوَّته نُزِّلَ منزلَتَهُ، وعُطف عليه على سبيل العطف من جهة المعنى، وكأنَّ الغالب على ظنِّه هذا الاحتمال، على ما دلَّ عليه عبارة ﴿كَانَ﴾، فلذلك قال:
_________________
(١) روى نحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨٥٧).
[ ٧ / ٤٥٥ ]
(٢١) - ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ كَنَتْفِ ريشِه وإلقائِه في الشَّمس أو حيث النَّملُ يأكلُه، أو جعلِه مع ضِدِّه في قفصٍ.
﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ ليَعتبرَ به أبناءُ جنسِه.
﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بحجَّةٍ تبيِّنُ عذرَهُ. والسُّلطانُ في الأصل: إظهارُ ما يتسلَّطُ به.
والحلفُ في الحقيقةِ على أحدِ الأمرَيْنِ بتقديرِ عدم الثَّالث، لكنْ لَمَّا اقتضى ذلك وقوعَ أحدِ الأمور الثَّلاثةِ ثلَّثَ المحلوف عليه بعطفه عليهما.
* * *
(٢٢) - ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.
﴿فَمَكَثَ﴾؛ أي: كان غائبًا فمكَثَ، فالفاء فصيحة.
﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾؛ أي: لبثَ زمانًا غيرَ بعيدٍ عن وقتِ تفقُّدِه، يريد به الدِّلالة على سرعة رجوعه خوفًا منه ﵇.
ولَمَّا كان المذكور في وقت (^١) الإخبار عن مجيئِه عن قريبٍ رتَّب عليه قوله:
﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا﴾ علمْتُ مِن جميع جهاتِه شيئًا ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يعني: حال سبأ (^٢).
وفي مخاطبته إيَّاه بذلك تنبيهٌ له على أنَّه في أدنى خلق الله تعالى مَن أحاطَ
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "حكم ".
(٢) في (ك): "من أحواله" بدل "سبأ".
[ ٧ / ٤٥٦ ]
علمًا بما لم يحطْ به؛ لتتحاقرَ إليه نفسُه، ويتصاغرَ لديه علمُه، ويكونَ لطفًا في ترك الإعجابِ الذي هو فتنةُ العلماءِ.
﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ قرئ مصروفًا على آَنه اسم للحيِّ أو للأب الأكبر، وغيرَ مصروفٍ على تأويل القبيلة أو البلدة (^١).
﴿بِنَبَإٍ﴾: بخبرٍ له شأنٌ.
أتى بهذا النَّوعِ مِن الإطناب مِن جهة المعنى تشويقًا له حتى تنكسرَ سَورَةُ غضبِه (^٢).
﴿يَقِينٍ﴾: مُحقَّق.
* * *
(٢٣) - ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً﴾ يعني: بلقيس بنتَ شراحيل (^٣)، وإنَّما قال: ﴿وَجَدْتُ﴾ دون: رأيت، إشعارًا بغرابةِ الحالِ، حيث كانَتْ بتلكَ العظمةِ والشَّوكةِ وقربِ المكان مجهولةً لسليمان ﵇ وأصحابِه (^٤).
_________________
(١) قرأ البزي وأبو عمرو بفتح الهمزة من غير تنوين، وقنبل بإسكان الهمزة على نية الوقف، والباقون بخفضها مع التنوين. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٧).
(٢) في (ف) و(ك) و(م): "تشريفًا له حيث يتشوق ليكسر سورة غيظه".
(٣) في (ف) و(ك): "بنت أصل ".
(٤) في هامش (م): "قال القرطبي: كيف خفي على سليمان ﵇ مكانها وكانت المسافة بين محطه وبين بلدها قريبة؟ فالجواب: أن الله تعالى أخفى ذلك عنه لمصلحة، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب ﵉. منه ".
[ ٧ / ٤٥٧ ]
﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ الضَّمير لسبأ أو لأهلها، وإنَّما لم يقلْ: تملكها؛ لأنَّه أرادَ بيان ملكها وسلطنتها، وتعيينُ ذلك بالإضافة إلى أهل الدِّيار، لا بالإضافة إليها، ففيه أيضًا تقويةٌ لمعنى الغرابة المقصودة بعبارة النَّبأ، حيث كانت امرأةً ملكةَ قبيلةٍ عظيمةٍ.
﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قد نبَّهْتُ فيما تقدَّمَ أنَّ المرادَ مِن (كلّ شيء) في مثل هذا: المبالغةُ في الكثرة، فمَن قيَّده بقوله: يحتاج إليه الملوك، فقد فوَّتَ تلكَ المبالغةَ.
﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾: سريرٌ كبيرٌ قَدْرًا أو قِيمةً.
* * *
(٢٤) - ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾.
﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ﴾: يعبدونَ.
﴿لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أضلَّهم اللّه تعالى ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ فالواو فصيحةٌ، والجملةُ معطوفةٌ على مقدَّرٍ.
﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ مِن عبادةِ الشَّمس وغيرِها مِن قبائحِ الأفعالِ.
﴿فَصَدَّهُمْ﴾ مِن صدَّ السَّبيلُ (^١): إذا اعترضَ دونَه مانعٌ من عقبةٍ أو غيرها فأخذتَ في غيره (^٢)؛ ففيه ثلاثُ معانٍ: المنعُ والدَّفع والصَّرف.
_________________
(١) في (ك) و(م): "صد عن السبيل"، وفي (ف): "صدر السبيل". والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الموافق لما في "الأساس" و"اللسان" و"التاج" (مادة: صدد).
(٢) في (ع) و(ف): "فأخذ في غيره"، وفي (م): "فانتذب غيره "، وسقطت من (ك).
[ ٧ / ٤٥٨ ]
﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: طريقِ الحقِّ والصَّوابِ، وإنَّما أطلقَ السَّبيلَ لأنَّ السبَّيلَ الذي لا يجوز سُلوكُه ممنوعٌ، فكأنَّه ليس بسبيلٍ.
﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ ليه.
* * *
(٢٥) - ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.
﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ أي: فصدَّهم لِأَنْ لا يسجدوا، أو: زَّين لهم الشَّيطان أعمالهم لِأَنْ لا يسجدوا (^١)، فحذف الجار مع (أن)، فأدغمت النُّون في اللَّام، أو: زَّين لهم الشَّيطان أعمالهم أنْ لا يسجدوا، على أنَّه بدل من ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾، أو: لا يهتدون إلى أنْ لا يسجدوا، بزيادة (لا).
وقرئ ﴿أَلَّا﴾ بالتَّخفيف على أنها للتنبيه و﴿يَسْجُدُوا﴾ بمعنى: يا اسجدوا (^٢)؛ نداءٌ، والمنادى مضمَر؛ أي: يا هؤلاء اسجدوا لله.
وعلى هذا صحَّ أنْ يكون استئنافًا من سليمان ﵇ أو من الله، والوقفُ على ﴿يَهْتَدُونَ﴾، وكان أمرًا بالسُّجودِ، وعلى الأوَّل ذمًّا على تركه، وعلى الوجهَيْن يقتضي وجوبَ السُّجودِ في الجملةِ، لا عندَ قراءتها.
﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الخبء: ما يخفَى في غيره، وإخراجُه:
_________________
(١) "أو زين له الشيطان أعمالهم لأن لا يسجدوا" ليست في (م)، وكلمة: "الشيطان" ليست في (ي) و(ع).
(٢) قراءة الكسائي، ويقف على (يا)، ويبتدئ: (اسجدوا) على الأمر. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٧).
[ ٧ / ٤٥٩ ]
إظهارُه، وهو يعمُّ إشراقَ الكواكبِ، وإنزالَ الأمطارِ، وإنباتَ النَّباتِ، بل الإنشاء، فإنَّه إخراجُ ما في الشَّيءِ بالقوَّة إلى الفعل، والإبداع فإنَّه إخراجُ ما في الإمكان والعَدم إلى الوجوب والوجود، ومعلومٌ أنَّه يختصُّ بذاته.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (^١) وصفٌ له تعالى بما يوجبُ اختصاصَه باستحقاقِ السُّجود مِن التَّفرُّد بكمالِ القُدرةْ والعِلمِ، حثًّا (^٢) على السُّجود، وردًا (^٣) على مَن يسجدُ لغيره.
وتقديم ﴿مَا تُخْفُونَ﴾ على ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ مع أنَّ مقتضى أسلوب التَّرقي تأخيرُه عنه؛ للتَّسوية بين جُزْئَي الكلامِ في الاهتمام.
* * *
(٢٦) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ الذي هو أوَّلُ الأجرام وأعظمها والمحيط بجملتِها، فبينَ عظمِه وعظمِ عرشِها (^٤) بونٌ بعيدٌ.
وقرئ: ﴿الْعَظِيمِ﴾ بالرَّفع نعتًا لله تعالى (^٥».
* * *
_________________
(١) كذا في النسخ بالياء في الفعلين، وهي قراءة أكثر السبعة إلا حفصًا والكسائي فقرأا بالتاء فيهما. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٨).
(٢) في (ف): "حث ".
(٣) في (ك): "وردٌ".
(٤) أي: عرش بلقيس.
(٥) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٩).
[ ٧ / ٤٦٠ ]
(٢٧) ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
﴿قَالَ﴾ ﵇ للهدهد: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ مِن النَّظرِ بمعنى التَّأمُّل ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فيما أخبرْتَ.
﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هذا أبلغ مِن: أكذبْتَ؛ لأنَّه إذا كان معروفًا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبًا لا محالة، وإنَّما استحقَّ هذه المبالغة على تقدير الكذب لأنَّه أخبر بأمرٍ عظيمٍ، وبالغَ فيه.
* * *
(٢٨) - ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾.
﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ﴾ إنَّما أمرَه بالإلقاء لأنَّ الطَّائر لا يمكنُه تبليغُ الكتاب مقاولةً، إلَّا أنَّه ضمَّنه معنى الإيصال، ولذلك قال:
﴿إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: اطْرَحه على وجهٍ يصلُ إليهم.
ولَمَّا كانَ المقامُ مقامَ التَّأنِّي الذي يقتضي قَدْرًا مِن الزَّمان نبَّهَ عليه بقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: تنحَّ عنهم إلى مكانٍ قريبٍ، بحيث تراهم ولا يروْنَك؛ ليكون ما يفعلونه بمنظرٍ منك، على ما دلَّ عليه قولُه:
﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ مِن الرَّجْعِ لا مِن الرُّجوعِ؛ أي: ماذا يردُّون في مقابلةِ كتابنا.
* * *
(٢٩) - ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾.
﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾؛ أي: قالَتْ ملكةُ سبأ لأشرافِ قومِها بعدما فعل الهدهدُ ما أُمِرَ به.
[ ٧ / ٤٦١ ]
﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾: حَسَنٌ مضمونُه، أو: مختوم، قال ﵇: "كرمُ الكتاب ختمُه" (^١).
* * *
(٣٠ - ٣١) - ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ استئنافٌ، كأنَّه قيل لها: ممَّنْ هو؟ فقالت: إنَّه؛ أي: إنَّ الكتابَ.
﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: وإنَّ المكتوبَ أو المضمونَ (^٢).
وقرئ بالفتح (^٣) على الإبدال من ﴿كِتَابٌ﴾، أو التَّعليلِ لكرمه.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا﴾: لا (^٤) تترفَّعوا ﴿عَلَيَّ﴾ و(أنْ) مفسِّرة أو مصدريَّة، فيكون بصِلَته خبرَ محذوفٍ؛ أي: هو أو المقصودُ أنْ لا تعلوا، أو بدلٌ من ﴿كِتَابٌ﴾.
﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾: منقادين.
قولها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ صريحٌ في أنَّ الدَّعوة كانت دعوة السَّلطنة لا دعوةَ النُّبوَّة.
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٣٨٧٢) من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: "كرامة الكتاب .. ". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٩٩): فيه محمد بن مروان السدي الصغير وهو متروك.
(٢) في هامش (ي): "صورة مكتوب سليمان ﵇: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ؛ بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على مَن اتغ الهدى، أما بعد، فلا تعلو عليَّ وأتوني مسلمين. الكواشي".
(٣) نسبت لعكرمة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٩).
(٤) في (ف): "ألا".
[ ٧ / ٤٦٢ ]
(٣٢) - ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾.
﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾: أشيروا عليَّ ﴿فِي أَمْرِي﴾: في الأمر الذي نزل بي.
والفتوى: الجوابُ في الحادثة، اشتُقَّتْ (^١) على طريق الاستعارة من الفتيِّ في السّنِّ، والمرادُ هاهنا: الإشارةُ عليها بما عندهم مِن الرَّأي.
وقصدُها بالرُّجوع إلى استشارتهم: تطييبُ نفوسِهم ليمالئوها ويقوموا معها (^٢)، ولذلك قالت:
﴿مَا كُنْتُ﴾ في الزَّمان الماضي ﴿قَاطِعَةً﴾: قاضية ﴿أَمْرًا﴾؛ أي: ممضيةً حكمًا.
﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ بكسر النون، والفتح لحنٌ؛ لأنَّ النُّون إنَّما تُفتَح في موضع الرَّفع، وهذا موضعُ النَّصب، وأصله: تَشهدونني، فحذفت النُّون الأولى للنَّصب، والياءُ لدلالة الكسرة عليها، وبالياء في الوصل والوقف (^٣)؛ أي: تَحضروني؛ أي: كانت عادتي أنْ لا أبتَّ أمرًا إلَّا بحضرتكم، فكيف في هذه النَّازلة الكبرى؟!
فراجعَها الملأُ بما يُقِرُّ عينَها مِن إعلامِهم إيَّاها بأنهم أولو (^٤) القوة والبأس، ثمَّ سلَّموا الأمرَ إلى نظرها، وهذه محاورةٌ حسنةٌ مِن الجميعِ.
* * *
(٣٣) - ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾.
﴿قَالُوا﴾ مجيبينَ لها: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أرادوا بالقوَّةِ قوَّةَ الأجساد
_________________
(١) في (ف): "استفتت ".
(٢) في (ك): "ويوافقوها".
(٣) وهي قراءة يعقوب. انظر: "النشر" (٢/ ٣٤٠)، و"تفسير النسفي "، وعنه نقل المؤلف.
(٤) في (ك): "بأنهم في غاية"، وفي (م): "بأنهم هي "، وفي (ي) و(ع): "ما بهم من".
[ ٧ / ٤٦٣ ]
والآلات، وبالبأس: النَّجدة والبلاء في الحرب؛ أي: قادرون على القتال لا فتورَ فينا ولا قصورَ لوُفور عَددنا وعُددنا، وإنَّما قدَّموا هذا الكلام لكيلا تتوهَّم العجزَ مِن تفويض الأمر إليها بقولهم:
﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ موكول ﴿انْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ من الحرب والصُّلح، نطيعك ونمتثِل أمرَكِ.
* * *
(٣٤) - ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.
﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ﴾ أتى بصيغة الجمع تنصيصًا على تعميم الحكم للأفراد؛ فإنَّ في الجنس احتمالَ الخصوص.
﴿إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ يعني: عنوةً، بقرينة قوله: ﴿أَفْسَدُوهَا﴾ بالتَّخريبِ ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾: أهانوا أشرافَها لتستقيمَ لهمُ الأمور.
زَّيفَتْ ما أحسَّتْ منهم مِن الميل إلى المحاربة بادِّعائهم أسبابَ الغلبة، وذكرَتْ لهم سوءَ عاقبة الحرب، وأشعرَتْ بأنَّها ترى الصُّلحَ مخافةَ أنْ يتخطَّى سليمان ﵇ خططَهم فيسرع إلى إفساد ما يصادفه من أموالهم وعماراتهم (^١).
﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تأكيدٌ لِمَا وصفَتْ مِن حالِهم، وتقريرٌ بأنَّ ذلك عادتُهم الثَّابتةُ المستمرَّة، أو تصديقٌ لها من الله تعالى.
* * *
_________________
(١) في هامش (ف) و(م): "وأما ما قيل: الحرب سجال، فلا يناسب المقام، إنما يقال ذلك لمن غلب مرة. منه".
[ ٧ / ٤٦٤ ]
(٣٥) - ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.
﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ﴾ ورسولًا ﴿بِهَدِيَّةٍ﴾ بيان لِمَا ترى تقديمه في المصالحة.
﴿فَنَاظِرَةٌ﴾: منتظر ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ بالرِّعاية أو بالإهانة، حتى أعملَ بحسب ذلك.
﴿الْمُرْسَلُونَ﴾: الرَّسولُ ومَن أُرْسِلَ معَه.
* * *
(٣٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾؛ أي: الرَّسولُ، وقرئ: (فلمَّا جاؤوا) (^١)؛ أي: المرسلون سليمان (^٢).
﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ خطاب للرَّسولِ ومَن معَه، أو الرَّسولِ والمرسِل على تغليب المخاطَب، استفهامٌ إنكاريٌّ، فالفاء في قوله:
﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ تعليليَّة؛ أي: فالذي أعطاني الله تعالى مِن النُبوَّة والملك وسخَّر لي الجنَّ والإنس والرِّيح والطَّير والوحش ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ فلا حاجةَ لي بهديَّتكم، ولا وَقْعَ لها عندي.
﴿بَلْ﴾ إضراب عن إنكارِ الإمداد بالمال عليه وتعليلِه (^٣) إلى بيان السبب
_________________
(١) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ٢٥٩)، و"البحر المحيط " (١٦/ ٤٣١).
(٢) "سليمان "من (ك) و(م).
(٣) في (ف) و(ك) و(م): "وتقليله "، والمثبت من (ع) و(ي)، والبيضاوي، وقال الشهاب: قوله: (وتعليله) بالجر معطوف على (إنكار)، وهو المستفاد من قوله: ﴿فَمَا آتَانِيَ﴾ إلخ.
[ ٧ / ٤٦٥ ]
الذي حملهم عليه، وهو قياسُ حاله على حالهم في قصور الهمَّة بالدُّنيا والزِّيادة فيها.
﴿أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ﴾ والهديةُ: اسمٌ لِمَا يُهدَى، كما أنَّ العطيَّةَ اسمٌ لِمَا يُعطَى، فتضاف إلى المهدِي والمهدَى له، تقول: هذه هديةُ فلانٍ؛ تريد: الذي أهداها، أو أهدِيَتْ له.
﴿تَفْرَحُونَ﴾ لأنَّكم لا تعلمون إلَّا ظاهرَ الحياة الدُّنيا، فتفرحونَ بما يُهدَى إليكم لزيادةِ أموالِكم، أو بما تهدونه افتخارًا على أمثالِكم.
* * *
(٣٧) - ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
﴿ارْجِعْ﴾ خطابٌ للرَّسولِ ﴿إِلَيْهِمْ﴾ إلى بلقيسَ وقومِها.
﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾؛ أي: إنْ لم يأتوني مسلمين فلنأتينَّهم ﴿بِجُنُودٍ﴾ بأنواع من الجند (^١) ﴿لَا قِبَلَ﴾: لا طاقةَ ﴿لَهُمْ بِهَا﴾ وحقيقةُ القِبَلِ: المقابلةُ والمقاومةُ؛ أي: لا يقدرون أن يقابلوهم (^٢).
﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾: مِن ديارهم ﴿أَذِلَّةً﴾ الذُّلُّ: أنْ يذهبَ عنهم ما كانوا فيه مِن العزِّ والملكِ.
﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الصَّغارُ: أنْ يقَعوا في أسرٍ واستعبادٍ.
فلمَّا رجع إليها رسولُها بالهدايا، وقصَّ عليها القصَّة، قالَتْ: هو مؤَّيدٌ مِن عندِ اللهِ تعالى، وما لنا به طاقةٌ، ثم جعلَتْ عرشَها في آخر سبعةِ أبيات، وغلَّقَتِ الأبوابَ، ووكَّلت حرسًا يحفظونه، وبعثت إلى سليمان ﵇: إنِّي قادمةٌ
_________________
(١) في (م): "الجنود".
(٢) في (ك): "يقابلونا"، وفي (ف): "يقابلوا".
[ ٧ / ٤٦٦ ]
إليك لأنظرَ ما الذي تدعو إليه، وشَخَصَتْ إليه في اثني عشرَ ألف قَيلٍ (^١)، تحت كلِّ قَيلٍ ألوفٌ، فلمَّا بلغَتْ على رأس فرسخٍ مِن سليمان ﵇.
* * *
(٣٨) - ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
﴿قَالَ﴾ سليمانُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ أراد أن يُريَها بذلك بعضَ ما خصَّه اللهُ تعالى به مِن إجراء العجائب على يده لتطَّلع على عظيم قدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوَّة سليمان ﵇ حتى تصدِّقَه (^٢) وتؤمنَ به، ثمَّ إنَّه قصد في ضمن هذا فائدةً أخرى على ما تقف عليها.
﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وإنَّما تعرَّض بوصف الإسلام إعلامًا بأن طلبه عرشها ليس طمعًا فيه؛ فإنَّ النَّبيَّ بمعزَلٍ عن مظنَّةِ الطَّمع في مالِ مَن علِمَ أنَّه يأتيه مسلِمًا، وأمَّا ما قيل: إنَّها لو أسلمَتْ لحظرَ عليه مالُها فلا يؤتى به؛ فإنَّما يصحُّ وجهًا لطلبه عرشها قبل إتيانها مسلِمةً، لا لتقييد (^٣) أمرِه بذلك القيد (^٤)؟
* * *
(٣٩) - ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾.
﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ العِفْرِيْتُ: الخبيثُ المنكَرُ المعَفِّرُ (^٥) أقرانَه، ولا اختصاصَ
_________________
(١) في (ف) و(م): "فيل " في الموضعين. والقَيل: أحد ملوك حمير دون الملك الأعظم. كما في "النهاية".
(٢) في (ك): "تصدقها".
(٣) في (ك): "لتعيد". وفي (م): "لتفيد".
(٤) في هامش (ف) و(ي): "يعني قيد الإسلام وأما قيد الإتيان فلا بد منه. منه ".
(٥) في (ك): "المعفر".
[ ٧ / ٤٦٧ ]
له بالجنِّ، ولذلك احتيج (^١) إلى البيان بقوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾.
روي عن ابن عباس ﵄: أنَّه صخرٌ الجنِّيُّ (^٢).
﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ صالح للفعليَّة والاسميَّة ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ يعني: مجلسَه للقضاء، وهو مِن الغداة إلى نصف النَّهار.
﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ﴾ أي: على الإتيان به ﴿لَقَوِيٌّ﴾: لقادرٌ، وإنَّما عبَّرَ عن القدرة بالقوَّة للحاجة في تحصيل ما ذكر إلى القدرة بالقوَّة.
﴿أَمِينٌ﴾ آتي به كما هو لا أختزلُ (^٣) منه شيئًا، ولا أبدِّلُه.
* * *
(٤٠) - ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾.
﴿قَالَ﴾ الفصلُ بينَ القولَيْنِ لأنَّ أحدَ القائلَيْنِ لم يكن مِن جملة المخاطَبِين، والظَّاهرُ أنَّه هو الثَّاني منهما، واحتمال أن يكون المراد مِن القائل الثَّاني سليمان ﵇ يردُّه كافُ الخطابِ في ﴿آتِيكَ﴾؛ فإنَّ حقَّه حينئذٍ أنْ يقولَ (^٤): (أنا آتي به)، وأيضًا لا يناسبه قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾، إنَّما المناسب حينئذٍ أن يقول: فلمَّا أتى به.
_________________
(١) في (م): "احتاج".
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨٨٤).
(٣) في (ف): "لا أترك".
(٤) "أن يقول": ليست في (م).
[ ٧ / ٤٦٨ ]
والمشهور أنَّه آصفُ بن بَرخيا كاتبُ سليمان ﵇، ويناسبه التَّعبير عنه بقوله:
﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وفي التَّوصيف به إشارة إلى أنَّه ما قدرَ على ما قدرَ (^١) عليه بقوَّةٍ حيوانيَّةٍ (^٢)، بل بقوَّةٍ صمدانيَّة.
﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ الطَّرْفُ: تحريكُ الأجفانِ؛ أي: ما بينَ امتدادِ الطَّرْفِ بفتحها وارتداده بطبقها، وليس فيه وضع الطَّرْفِ موضعَ النَّظرِ (^٣).
﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾؛ أي: العرشَ، والفاء فصيحة؛ أي: أَذن له سليمانُ ﵇ فأتى به فلمَّا رآه.
﴿مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾: ثابتًا غيرَ مضطربٍ لديه، وقرارُه في موضعه أمرٌ آخر وراءَ حضورِه يحتاج إلى فضلِ زمانٍ بحسَب العادة، وبهذا الاعتبار كان لعبارة ﴿مُسْتَقِرًّا﴾ فضيلةٌ على عبارة (حاضرًا).
﴿قَالَ﴾ تلقِّيًا للنّعمةِ بالشُكرِ: ﴿هَذَا﴾؛ أي: حصولُ مرادي، وهو حضورُ العرشِ في طرفةِ العينِ ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ عليَّ وإحسانِه إليَّ مِن غير استحقاقٍ منِّي.
﴿لِيَبْلُوَنِي﴾: ليتعبَّدني في صورة الاختبار: ﴿أَأَشْكُرُ﴾ إنعامه ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾: أَجحد.
﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأنَّه يَحطُّ به عنها عبءَ الواجب، وَيصونها عن وَصْمةِ الكفران، ويستجلب به المزيد، ويُرتبَط به العتيد (^٤).
_________________
(١) "على ما قدر" ليست في (ف) و(ك).
(٢) في (ع) و(ي): "ليس بقوة جسدانية" بدل: "بقوة حيوانية".
(٣) في هامش (ف) و(م): "هو مقدمة النظر كما أن النظر مقدمة الرؤية. منه ".
(٤) العتيد: الحاضر المهيأ، وجاء في "تفسير النسفي" (٢/ ٦٠٧): (وترتبط به النعمة)، والمثبت موافق لما في "تفسير أبي السعود" (٧/ ٧١)، و"روح المعاني" (١٩/ ٤٥٤).
[ ٧ / ٤٦٩ ]
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ حذف جزاءَه، وهو: فإنَّما يكفر على نفسه؛ أي: ضررُ كفرِه عليه لا يتعدَّاه؛ لظهوره بقرينة ما ذكر في قرينه، وأقيم تعليله مقامَه.
﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن الشُّكرِ، لا (^١) يتضرَّر إنْ لم يُشكَرْ.
﴿كَرِيمٌ﴾ بالإنعامِ، لا يتوقَّع عوضًا ولا يفعل لغرضٍ حتى ينفعل عند عدم حصولِه، فالوصفُ المذكور مِن تمامِ التَّعليلِ.
* * *
(٤١) - ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾.
﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا﴾ أرادَ بتنكيرِ ﴿عَرْشَهَا﴾ تغيير معاهده (^٢) عندها، ولذلك قال: ﴿لَهَا﴾، لا تبديل شكلها وتغيير هيئتها؛ إذ حينئذ يكون منكرًا مطلقًا، لا منكرًا عندها فقط، وأيضًا مدارُ الاختبار على التَّغيير في الجملة، وأمَّا وجه الاختبار فسيأتي تفصيلُه.
﴿نَنْظُرْ﴾ بالجزم على الجواب، وقرئ بالرَّفع على الاستئناف (^٣).
﴿أَتَهْتَدِي﴾ إلى الجوابِ الصَّواب، وقيل: إلى الإيمان بالله ورسوله، وَيرِدُ عليه: أنَّه حينئذ لا حاجة إلى التَّنكير، بل لا وجهَ له؛ لأنَّ بقاءَه على حاله أعونُ على تحصيل هذا المراد، والله الهادي إلى سبيل الرَّشاد.
﴿أَمْ تَكُونُ﴾: أم يظهرُ كونُها ﴿مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لا يقدرون على الاهتداء.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "بأن" بدل "لا".
(٢) في (ك): " معاهدته ".
(٣) نسبت لأبي حيوة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٩).
[ ٧ / ٤٧٠ ]
قالوا: إنَّ الشَّياطين خافوا أنْ يتزوَّجَها سليمان ﵇، فيولَدَ له منها ولدٌ يجتمع له فِطنةُ الإنسِ والجنِّ؛ لأنها كانت بنتَ جنِّيَّة، فيخرجون مِن ملْكِ سليمان إلى ملْكٍ هو أشدُّ وأفظع، فقالوا: إنَّ في عقلِها شيئًا، وهي شَعْراءُ السَّاقين، ورجلُها كحافر الحمار، فاختَبَر عقلَها بتنكيرِ العرشِ، وتعرَّف ساقيها ورجليها باتِّخاذ الصَّرْح على ما يأتي بيانُه، فالمرادُ مِن كونِها مِن الذين لا يهتدون: كونُها مِن الطَّائفةِ الحمقى، ومن هاهنا تبيَّن وجهُ الإطنابِ، واللّه أعلم بالصَّواب.
* * *
(٤٢) - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ الفاء فصيحةٌ، والمقدَّرُ يظهرُ بأدنى تأمُّلٍ.
﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ (ها) للتَّنبيه، والكاف للتَّشبيه، و(ذا) اسم الإشارة (^١)، ولم يقل: أهذا عرشك؟ ولكنْ: أمثلُ هذا عرشُكِ؟ لئلا يكون تلقينًا (^٢).
﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فأجابَتْ (^٣) أحسنَ جوابٍ؛ فلم (^٤) تقل: (هو، هو)، ولا: (ليس هو)، وذلك مِن رَجاحة عقلِها، حيث لم تقطَع في المحتمِلِ للأمرَيْنِ، أو لَمَّا شبَّهوا عليها بقولهم: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ شبَّهَتْ عليهم بقولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، مع أنَّها علمَتْ عرشها.
﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ مِن تمامِ كلامِها؛ أي: وأوتينا العلم بقدرة الله وبصحَّة
_________________
(١) في (ك): "إشارة".
(٢) في (ف): "ليكون تلقيا". وفي (م): "لئلا يكون تلقيا".
(٣) في (م): "فأجابته ".
(٤) في (ك) و(م): "ولم ".
[ ٧ / ٤٧١ ]
نبوَّتِك بالآيات المتقدِّمة مِن أمرِ الهدهد والرُّسل مِن قبل هذه الحالة الخارقة للعادة.
﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ منقادِينَ لكَ مطيعينَ لأمرِكَ، وكأنَّها وقفَتْ على ما قصدَه سليمانُ ﵇ بذلك أوَّلًا وآخِرًا.
* * *
(٤٣) - ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.
﴿وَصَدَّهَا﴾ كلامٌ مبتدأٌ مِن اللّهِ تعالى.
﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: منعَها عن التَّقدُّم إلى الإسلام عبادةُ الشَّمسِ ونشوؤها بين ظهرانَي الكفرَة، ثمَّ بيَّنَ نشأتها بينهم بقوله:
﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ وقرئ بالفتح (^١) على الإبدال من فاعل (صدَّ)؛ أي: صدَّها نشوؤها بينَ أظهر الكفَّار، أو على التَّعليل فتكون لامُ التعليل محذوفًا من (أنَّ).
* * *
(٤٤) - ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ الصَّرح (^٢): هو الموضعُ البسيطُ المنكشِفُ مِن غيرِ سقفٍ، ومنه قولهم: صرَّحَ بالأمر: إذ أفصحَ (^٣) به ولم يَكْنِ عنه، وكانَ ذلك الصَّرحُ مِن زجاجٍ أبيضَ شفَّافٍ، تحتَه ماءٌ جارٍ، فيه سمكٌ.
_________________
(١) نسبت لسعيد بن جبير. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٩).
(٢) "الصرح" من (م) و(ي).
(٣) في (م): "إذا أفضح ".
[ ٧ / ٤٧٢ ]
﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ اللُّجَّةُ: معظمُ الماءِ.
﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لتخوضَه، والواو فصيحة عاطفة على مُقدَّو، تقديره: فشمَّرَتْ ذيلها (^١)، فالمرتَّبُ على الحسبان المذكور مجموعُ المعطوفَيْن، والواو المذكورة كاشفةٌ عن هذا.
وكان سليمان ﵇ على سريرِه في صدْرِ الصَّرْحِ، فرأى ساقيها وقدميها حِسانًا، فصرَفَ بصرَه ثمَّ ﴿قَالَ﴾ لها: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ مملَّسٌ مستوٍ، ومنه: الأمرد.
﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾: من الزُّجاج.
وأراد سليمان ﵇ تزوُّجَها، فكرِهَ شعرَها، فعملَ له الشَّياطين النُّوْرَةَ، فأزالته، فنكحها (^٢).
﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بعبادةِ غيرِكَ ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: تابعةً إيَّاه ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيه التفاتٌ مِن الخطاب إلى الغيبة، إظهارًا لباعث إسلامه له تعالى، وهو ألوهيّته المستتبِعةُ لربوبيَّة العالمين (^٣).
* * *
_________________
(١) في (ف): "عن ذيلها".
(٢) كذا قيل، وفي بعض الأخبار: أنه لم يتزوجها بل زوجها من ذي تبَّعٍ ملك همدان، وليس في كليهما شيء يثبت، وأحسن ما جاء فيه قول عبد الله بن عتبة، وسئل: هل تزوج سليمان بلقيس؟ فقال: انتهى أمرها إلى قولها: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾. قيل: يعني لا علم لنا وراء ذلك. وانظر تفصيل ذلك في "روح المعاني" (١٩/ ٤٦٢).
(٣) "العالمين" سقط من (ك). وفي (م): "لربوبيته للعالمين ".
[ ٧ / ٤٧٣ ]
(٤٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ﴾ في النَّسبِ ﴿صَالِحًا﴾ بدل (^١).
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي (^٢): بأن اعبدوا الله؛ أي: وحِّدوه (^٣).
﴿فَإِذَا﴾ للمفاجأة ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ﴿فَرِيقَانِ﴾ خبره ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ صفة، وهي العامل في (إذا)، والمعنى: فإذا قومُ صالحٍ فريقان؛ مؤمنٌ به وكافرٌ به يختصمون، فيقول كلُّ فريقٍ: الحقُّ معي، وقد مرَّ تفصيلُه في سورة الأعراف.
* * *
(٤٦) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿قَالَ﴾ حين قال الفريق الكافر: ﴿يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧] (^٤):
﴿يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾: بالعذاب الذي توعَدون به ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ قبلَ التَّوبةِ.
﴿لَوْلَا﴾: ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾: تطلبون المغفرة مِن كفركم بالتَّوبة والإيمان قبلَ نزولِ العذابِ ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بالإجابة.
* * *
_________________
(١) في (م): "بدله".
(٢) "أي": ليست في (م) و(ي) و(ع).
(٣) في (ف): "وحده".
(٤) في (ف) زيادة: "قال".
[ ٧ / ٤٧٤ ]
(٤٧) - ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾.
﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾: تشاءمنا بك؛ لأنهم قُحِطوا عند مبعثِه لتكذيبِهم، فنسبوه إلى مجيئه، والأصل: (تطيَّرنا) وقرئ به (^١)، فأُدغِمَتِ التَّاء في الطَّاء وزيدَتِ الألف لسكون الطَّاء.
﴿وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ مِن المؤمنين.
﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: سببُكم الذي يجيء منه (^٢) خيرُكم وشرُّكم عندَ اللهِ، وهو قدَره (^٣) وقِسمته، أو: عملُكم مكتوبٌ (^٤) عندَ الله تعالى، فمنه نزل بكم ما نزلَ؛ عقوبةً لكم وفتنةً، وقد مرَّ أصلُ ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣].
﴿بَلْ﴾ إضرابٌ مِن بيان السَّببِ إلى بيانِ سببِ السَّببِ.
﴿أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾: تُخْتبَرونَ (^٥) بتعاقُب السَّراءِ والضَّراءِ.
* * *
(٤٨) - ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: مدينةِ ثمود، وهي الحِجْرُ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ الرَّهْطُ اسمُ الجماعةِ، فكأنَّهم كانوا رؤساء يَتبعُ كلَّ واحدٍ منهم رهطٌ، كذا قال القرطبي (^٦).
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ٣٧١).
(٢) في (ف): "فيه".
(٣) في (ف): "قدرته".
(٤) "مكتوب" سقط من (ك).
(٥) في (ك): "مختبرون".
(٦) انظر: "تفسير القرطبي" (١٦/ ١٨٢).
[ ٧ / ٤٧٥ ]
﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾؛ أي: شأنُهم الإفسادُ الخالصُ مِن شَوبِ الصَّلاح.
* * *
(٤٩) - ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالَ بعضُهم لبعضٍ ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ خبرٌ في محلِّ الحال بإضمار (قد) لأنَّه ماضٍ؛ أي: قالوا متقاسمين، أو أمرَ بعضُهم بعضًا بالقسمة.
﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾؛ أي: لنقتلنَّه مباغتةً ليلًا ﴿وَأَهْلَهُ﴾: ولدَه وتبعَه.
﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾: لرَهْطه الذي له ولاية الدَّم: ﴿مَا شَهِدْنَا﴾: ما حضرنا ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ المُهْلَكُ مِن أهلَكَ يحتمِل المصدرَ والزَّمان والمكان، وكذا المَهلِكُ بكسر اللَّام (^١)، وقرئ بالفتح أيضًا (^٢) فيكون مصدرًا؛ أي: لم نتعرض لأهله فكيف تعرَّضنا له؟! أو: ما حضرنا موضع هلاكه فكيف تولَّيناه؟!
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما ذكرنا.
* * *
(٥٠) - ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ في ذلك ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾؛ أي: جزيناهم على مكرهم بتعجيل العقوبة.
_________________
(١) فعلى الأول يكون المعنى: ما حضرنا إهلاكهم، أو: مكان إهلاكهم، أو: زمان إهلاكهم، وعلى الثاني: ما حضرنا هلاكهم، أو: مكان هلاكهم، أو: زمان هلاكهم.
(٢) قرأ جمهور السبعة بضم الميم وفتح اللام، وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام، وأبو بكر بفتحهما. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٤).
[ ٧ / ٤٧٦ ]
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك.
* * *
(٥١) - ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ ﴿كَانَ﴾ إن كانت ناقصة فخبرُها ﴿كَيْفَ﴾، وإن كانَتْ تامَّة فـ ﴿كَيْفَ﴾ حال.
﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ قرئ بكسر الهمزة على الاستئناف أو خبر محذوف، وقرئ بفتحها (^١) على أنَّه خبر أو بدل من اسم ﴿كَانَ﴾، أو خبر له و﴿كَيْفَ﴾ حال، أو يكون التَّقدير: لأَنَّا، وحُذِفَ حرف الجرِّ.
﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ بالصَّيحةِ.
* * *
(٥٢) - ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾: ساقطةً منهدمةً، مِن خَوَى النَّجمُ: إذا سقطَ، أو: خاليةً، مِن الخُوِيِّ، وهي حالٌ عَمِلَ فيها ما دلَّ عليه (تلك).
﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾: بظلمهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: فيما فُعِلَ بثمودَ ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فيتَّعظون.
* * *
(٥٣) - ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بصالح ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ عصيانَه.
_________________
(١) قرأ الكوفيون بفتح الهمزة، والباقون بكسرها. انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٨).
[ ٧ / ٤٧٧ ]
(٥٤) - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.
﴿وَلُوطًا﴾: واذكر لوطًا، أو: وأرسلنا لوطًا، لدلالة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ عليه، والأوَّل أنسبُ لِمَا نزلَ أوَّلًا، والثَّاني لِمَا نزلَ مكرَّرًا (^١).
﴿إِذْ قَالَ﴾ بدلٌ من ﴿وَلُوطًا﴾ على الأوَّل؛ أي: واذكرْ وقتَ قولِ لوطٍ، وظرفٌ على الثَّاني.
﴿لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ الاستفهام للإنكار والتَّوبيخ.
و﴿الْفَاحِشَةَ﴾: الفِعلة القبيحة، والمرادُ: اللِّواطةُ، أبهم هنا ثمَّ بيَّنها بقوله: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ تقريرًا وتنبيهًا على أنَّ معنى الفاحشة بلغَ الغاية فيها حتى صارَ علَمًا لها، ثمَّ إنَّ في البيان المذكور تنبيهًا على أنَّ المرادَ مِن الفاحشةِ محلُّها بطريق المجاز، وإتيانُه كنايةٌ عن فِعل اللِّواطةِ.
﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾: والحالُ أنَّ لكم الأبصار، يعني أنَّ قباحة ذلك المحلِّ مِن المحسوساتِ، فوجودُ البصر كافٍ في إدراكها (^٢).
* * *
(٥٥) - ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ آثرَ الرِّجالَ على الذُّكور ليزدادَ قُبْحُ الإتيان المذكور.
﴿شَهْوَةً﴾: للشَّهوة، ناظرٌ (^٣) إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، كأنَّه قيل: القَباحة
_________________
(١) في (ف) و(ك): "والأول أنسب لما ذكر مكررًّا".
(٢) في هامش (ف) و(م): "ويجوز أن يكون المراد: أتأتون وأنتم تبصرون ما في ذلك المحل من القذر، فتدبره. منه ".
(٣) في (ف): "ناظرًا".
[ ٧ / ٤٧٨ ]
هنا في درجةٍ حَقُّ مَن له البصر أن يرغبَ عنه نفرةً، وأنتم ترغبونَ فيه شهوةً (^١).
﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ يعني: أنَّ اللهَ تعالى إنَّما خلقَ الأنثى للذَّكر، ولم يخلق الذَّكرَ للذَّكرِ، ولا الأنثى للأنثى، فهو مضادَّةٌ (^٢) لله تعالى في حكمتِه.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تفعلون فعلَ الجاهلين بأنَّها فاحشةٌ، مع علمِكُم بذلك، أو أريد بالجهلِ: السَّفاهة والمَجَانةُ التي كانوا عليها.
وقد اجتمعَ الخطاب والغيبة هنا وفي قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾، فغلِّب المخاطَبَ على الغائب لأنَّه أقوى؛ إذ الأصل أن يكون الكلامُ بينَ الحاضرين.
* * *
(٥٦) - ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ خبرُ ﴿كَانَ﴾: ﴿جَوَابَ﴾، واسمُه ﴿أَنْ قَالُوا﴾.
﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾؛ أي: لوطًا ومتَّبعيه، تناولَ الأمرُ له ﵇ دلالةً (^٣).
﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: يتنزَّهون عن القاذورات، فينكرون هذا العمل القذر، وَيغيظُنا إنكارُهم، تعليلٌ للأمر المذكور على وجهٍ يتضمَّن الاستهزاء؛ لأَنَّه على طريقةِ ﴿لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧].
_________________
(١) في (ك): "في حق من له البصر عنه نفرة وأنتم ترغبون شهوة"، وفي (ف): "في حق من للبصر عنه نفرة وأنتم ترغبون شهوة".
(٢) في (ف): "فهو مضاد".
(٣) في هامش (ف) و(م): "كتناول الأمر في ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ لفرعون. منه ".
[ ٧ / ٤٧٩ ]
(٥٧) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ الفاء فصيحة ﴿وَأَهْلَهُ﴾ يعني: مِن العذابِ الواقعِ بقومِه.
﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا﴾، أي: قدرنا كونها استئناف للتعليل.
﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: مِن الباقينَ في العذابِ.
* * *
(٥٨) - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ قد مرَّ تفسيرُه في سورة الأعراف.
* * *
(٥٩) - ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أمرَ رسولَه ﵇ بتحميده، ثمَّ بالسَّلام على المصطفَين مِن عبادِه، توطئةً لِمَا يتلوه مِن الدِّلالة على وحدانيته وقدرته على كلِّ شيءٍ.
وهو تعليمٌ لكلِّ متكلِّمٍ (^١) في أمرٍ ذي بالٍ بأنْ يتبرَّكَ بهما، ويستظهرَ مكانهما (^٢).
أو هو خطاب للوطٍ ﵇ أنْ يحمدَ الله على هلاكِ كفَّارِ قومِه، ويُسلّمَ على مَن اصطفاهُ اللهُ تعالى ونجَّاه مِن هلكتهم (^٣)، وعصمه من ذنوبهم.
﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ لا خيرَ فيما أشركوه أصلًا حتَّى يُوازنَ بينَه وبينَ مَن
_________________
(١) في (م): "متعلم".
(٢) في (ك) و(م): "ويستظهر بمكانهما"، وفي (ف): "ويستظهر بمكانه".
(٣) في (ف) و(ك) و(م): "هلكهم ".
[ ٧ / ٤٨٠ ]
هو خالقُ كلِّ شيءٍ، وإنَّما هو إلزامٌ لهم وتهكُّم بحالهم؛ ليتنبَّهوا على الخطأ المُفرِط والجهل المورِّط، وليعلموا أنَّ الإيثار يجب أن يكون للخير الزَّائد.
ثمَّ عدَّدَ ﷾ الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله، فقال:
(٦٠) - ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾.
﴿أَمَّنْ﴾: بل أمْ مَن (^١) ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تقريرٌ لهم بأنَّ مَن قدرَ على خلقِ العالم خيرٌ مِن جمادٍ لا يقدرُ على شيءٍ.
﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: مطرًا، وفي قوله: ﴿لَكُمْ﴾ تنبيهٌ على أنَّ الغيْثَ وإنْ لم يخلُ مِن الضَّرر (^٢) إلَّا أنَّ المقصودَ مِن إنزالِه النَّفعُ.
﴿فَأَنْبَتْنَا﴾ صرفَ الكلام عن الغيبة إلى التَّكلُّم تأكيدًا لمعنى اختصاص الفعل بذاته، وإيذانًا (^٣) بأنَّ إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطُّعوم والأشكال - مع حسنِها - بماءٍ واحدٍ لا يقدرُ عليه إلَّا هو وحدَه.
﴿بِهِ﴾؛ أي: بالماء.
﴿حَدَائِقَ﴾ الحديقةُ: البستانُ عليه حائطٌ، مِن الإحداق، وهو الإحاطة.
﴿ذَاتَ﴾ لم يقلْ: ذواتِ؛ لأنَّ المعنى: جماعةَ حدائقَ، كما تقول: النِّساء ذهبَتْ.
﴿بَهْجَةٍ﴾: حُسْنٍ؛ لأنَّ النَّاظرَ يبتهِجُ به، ثمَّ رشحَ معنى الاختصاص بقوله:
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(ع): "بل أمن"، وفي (م): "بل من".
(٢) في (ك) و(م): "الضر" وفي (ي) و(ع): "الغيث".
(٣) في (ف) و(ك): "إيذانا"، والمثبت من باقي النسخ و"تفسير النسفي " (٢/ ٦١٥).
[ ٧ / ٤٨١ ]
﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾: شجرَ الحدائق، ومعنى الكينونةِ الانتفاءُ، أرادَ أنَّ تأتِّيَ ذلك محالٌ مِن غيرِه.
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: أغيرُه يُقرَنُ ويُجعَلُ شريكًا له.
﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾: غيرَه، أو: يعدلون عن الحقِّ الذي هو التَّوحيد. و﴿بَلْ هُمْ﴾ بعد الخطاب أبلغُ في تخطئةِ رأيهِم.
* * *
(٦١) - ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ﴾ وما بعده بدل من ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ فكانَ حكمُها حكمَه.
﴿قَرَارًا﴾: دحاها وسوَّاها للاستقرار عليها.
﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا﴾ ظرفٌ؛ أي: وسطَها، وهو المفعول الثَّاني (^١)، والأول ﴿أَنْهَارًا﴾، و﴿بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾ مثلُه.
﴿وَجَعَلَ لَهَا﴾ للأرضِ ﴿رَوَاسِيَ﴾: جبالًا تمنعُها عن الحركةِ.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾ العذبِ والمالحِ ﴿حَاجِزًا﴾: مانعًا أنْ يختلِطا.
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ التَّوحيدَ فلا يؤمنون.
* * *
(٦٢) - ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
_________________
(١) قوله: (وهو المفعول الثاني): لأنَّ الظرف لا يقع مسندًا إليه، والمفعول الأول لجعل يكون مسندًا إليه.
[ ٧ / ٤٨٢ ]
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الاضْطرارُ: افتعالٌ مِن الضَّرورة، وهي الحاجة المحوِجةُ (^١) إلى اللَّجَأ (^٢)، يقال: اضْطرّه إلى كذا، والفاعل والمفعول مُضْطرٌّ (^٣)، والمُضْطَرُّ: الذي أحوجَه مرض أو فقر أو نازلة مِن نوازل الدَّهر إلى اللَّجأ (^٤) إلى الله تعالى، أو المُذنِبُ إذا استغفرَ، أو المظلومُ إذا دعا.
واللَّامُ للجنسِ لا (^٥) للاستغراقِ، فلا يلزم منه إجابةُ كلِّ مُضْطَّرٍ.
﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾؛ أي: الضُّرَّ أو الجَوْرَ (^٦).
﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: فيها، وذلك توارُثُهم سُكْناها، والتَّصرُّف فيها قرنًا بعدَ قرنٍ، أو أرادَ بالخلافةِ المُلك والتَّسلُّط، وهذا أتمُّ مِن الأوَّلَين وأعمُّ وأجلُّ وقعًا وأهمُّ، ولهذا فُصِل بعدَم التَّذكُّر (^٧) وبُوْلِغَ فيه.
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿مَا﴾ مزيدةٌ؛ أي: تذكَّرونَ تذكُّرًا قليلًا، ويجوز أنْ يُرادَ بالقلَّةِ العدمُ.
* * *
_________________
(١) في (ف): "الملجئة".
(٢) اللَّجَأ - بفتحتين - مصدر لجأ بمعنى: لاذ، وألجأه إلى كذا: اضطره إليه. وجاء في (ك): "اللجاء"، والمثبت من باقي النسخ و"تفسير النسفي " (٢/ ٦١٥).
(٣) في (م): "مضطرر".
(٤) في (ك): "اللجاء"، والمثبت من باقي النسخ والمصدر السابق.
(٥) "للجنس لا" سقط من (م)، و"للجنس" سقط من (ف) و(ك).
(٦) في (ف): "الضراء والجور".
(٧) في النسخ: "التذكير"، والصواب المثبت لأنَّه هو مصدر الفعل الآتي فاصلة، أما التذكير فمصدر: ذكر.
[ ٧ / ٤٨٣ ]
(٦٣) - ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾: يرشِدُكم بالنُّجومِ ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ليلًا، وبعلاماتٍ في الأرض نهارًا.
والظُّلماتُ: ظلماتُ اللَّيالي، وإضافَتُها للبرِّ والبحر للملابَسةِ، أو مشتبِهاتُ الطُّرُقِ على الاستعارة.
﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ مِن البِشارةِ، وقد مَرَّ في سورة الفرقان.
﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: قدَّامَ المطرِ.
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: تعالى القادرُ الخالقُ عَن مشاركةِ العاجزِ المخلوقِ، تذييلٌ كالنَّتيجة للآياتِ السَّابقةِ.
* * *
(٦٤) - ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إنَّما قيل لهم: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وهم ينكرون الإعادة؛ لأنَّه أُزيحت عليهم بالتَّمكُّن (^١) من المعرفة والإقرار، ولم يبقَ لهم عذرٌ مِن الإنكار.
﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: بأسبابٍ سماوَّيةٍ وأرضيَّةٍ.
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يفعلُ ذلك.
_________________
(١) في "تفسير النسفي" (٢/ ٦١٦): (بالتمكين).
[ ٧ / ٤٨٤ ]
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: حجَّتكم على إشراكِكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم أنَّ معَ الله إلهًا آخر.
* * *
(٦٥ - ٦٦) - ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾.
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ استثناءٌ من فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾، و﴿الْغَيْبَ﴾ وهو ما لم يقمْ عليه دليل ولا اطَّلعَ عليه مخلوقٌ - مفعولُه و﴿اللَّهُ﴾ بدلُ مِن ﴿مَنْ﴾.
والمعنى: لا يعلمُ أحدٌ الغيبَ إلَّا الله.
ثمَّ إنَّ اللهَ يتعالى عن أن يكونَ ممَّن في السماوات والأرض، ولكنه جاء (^١) على لغة بني تميم حيث يُجْرُون الاستثناءَ المنقطِع مُجرى المُتَّصل، ويجيزون النَّصبَ والبدلَ في المنقطِع كما في المتَّصل، يقولون: ما في الدَّار أحدٌ إلا حمارٌ (^٢).
نزلت الآية في المشركين حين سألوا رسول الله ﵇ عن وقتِ السَّاعةِ (^٣).
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ﴾: تقدَّمَ في الأعراف.
﴿يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ﴾ أي: انتهى وتكاملَ، مِن أدركَتِ الفاكهةُ: تكاملت نضجًا.
_________________
(١) يعني: أن الاستثناء منقطع فيجب نصبه، لكن جاء رفعه على لغة بني تميم …
(٢) وضح ذلك الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٣٧٨) فقال: (يريدون: ما فيها إلَّا حمارٌ، كأنّ أحدًا لم يذكر).
(٣) انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ٢٦٧).
[ ٧ / ٤٨٥ ]
وقرئ: ﴿ادَّارَكَ﴾ (^١)، أي: استَحْكَمَ، وأصله: تَدَارَك، فأُدْغِمَتِ التَّاء في الدَّال، وزيدَ ألفُ الوصل لِيَمْكُنَ التَّكلُّمُ بها.
﴿عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾، أي: في شأنِ الآخرة، والمعنى: أنَّ أسبابَ استحكام العلم وتكامله بأنَّ القيامةَ كائنةٌ لا رْيبَ فيه قد حصلَتْ لهم، ومُكِّنوا مِن معرفته، وهم شاكُّون جاهلون.
وذلك قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ والإضرابات الثَّلاث (^٢) تنزيل لأحوالِهم، وتكريرٌ لجهلِهم؛ وصَفَهم أوَّلًا بأنهم لا يشعرون وقتَ البعثِ، ثمَّ بانَهم لا يعلمون أنَّ القيامةَ كائنةٌ، ثمَّ بانَهم يخبطون في شكٍّ ومرْيةٍ فلا يزيلونه، والإزالةُ مستطاعةٌ، ثمَّ بما هو أسوءُ حالًا وهو العمى، وقد جعل الآخرةَ مبدأَ عماهم ومنشأَه، فلذا عدَّاه بـ (من) دون (عن)؛ لأنَّ الكفرَ بالعاقبة والجزاء هو الذي منعهم عن التَّدبُّر والتَّفكُّر.
وجازَ أنْ يكونَ وصَفَهم باستحكام العلم وتكامله تهكُّمًا بهم، وذلك حيث شكُّوا وعَمُوا عن إثباته الذي الطَّريقُ إلى علمِه مسلوكٌ، فضلًا أن يعرفوا وقتَ كونِه الذي لا طريقَ إلى معرفَتِه.
ويجوز أن يكون ﴿ادَّارَكَ﴾ بمعنى: انتهى وفنيَ، مِن (^٣) قولِكَ: أدركَتِ الثَّمرةَ؛ لأنَّ تلكَ (^٤) غايتُها التي عندها تُعدم.
_________________
(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بقطع الهمزة وإسكان الدَّال من غير ألف، والباقون بوصل الألف وتشديد الدَّال وألف بعدها. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٨).
(٢) في (ف): "الثلاثة".
(٣) في (ك) و(م): "وهو من ".
(٤) في (ك) و(م): "ذلك".
[ ٧ / ٤٨٦ ]
وقد فسَّرها الحسنُ بـ: اضمَحَلَّ علمُهم وتداركَ، مِن تداركَ بنو فلان: إذا تتابَعوا في الهلاكِ (^١).
* * *
(٦٧) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾؛ أي: مِن القبور أحياءً؟!
وتكريرُ حرفِ الاستفهام إنكارٌ بعدَ إنكارٍ، ودليلٌ على كفْرٍ مُؤكَّدٍ مُبالَغٍ فيه، والعامل في (إذا) ما دَلَّ عليه ﴿لَمُخْرَجُونَ﴾، لا نفسُه؛ لأنَّ همزة الاستفهام و(إنَّ) ولامَ الابتداء كلٌّ منها يمنعُه عن العمل فيما قبله.
والضَّمير في (إنَّا) لهم ولآبائهم؛ لأنَّ كونهم ترابًا قد تناولهم وآباءَهم، لكنَّه غلبَتْ الحكاية على الغائب، و﴿وَآبَاؤُنَا﴾ عطف على الضَّمير؛ لأن المفعول ﴿تُرَابًا﴾ جرى مجرى التَّأكيد.
* * *
(٦٨) - ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا﴾؛ أي: البعثَ ﴿نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: مِن قبل محمَّدٍ ﵇.
قدِّم هنا ﴿هَذَا﴾ على ﴿نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾، وفي (المؤمنين) أُخِّرَ عنه؛ ليدلَّ على أنَّ المقصودَ بالذِّكر هنا البعثُ، وثَمَّ المبعوثُ.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ٣٧٩)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٦١١). وخبر الحسن رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩١٤) بلفظ: (اضْمحَلَّ علمُهم في الدُّنيا حين عايَنوا الآخرةَ).
[ ٧ / ٤٨٧ ]
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ما هذا إلَّا أحاديثُهم وأكاذيبُهم.
* * *
(٦٩) - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: آخِرُ أمرِ الكافرين، وفي ذكر الإجرام لطف بالمسلمين في ترك الجرائم، كقوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ [الشمس: ١٤].
* * *
(٧٠) - ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لأجلِ أنَّهم لم يتَّبعوكَ، ولم يُسْلِموا فيَسْلَموا.
﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾: في حَرَجِ صَدْرٍ ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: مِنْ مكرهم وكيدهم لك، فإنَّ اللهَ يعصمُكَ مِن النَّاسِ.
* * *
(٧١) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾؛ أي: وعدُ العذابِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ العذابَ نازلٌ بالمكذِّب (^١)؟.
* * *
(٧٢) - ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
_________________
(١) في (ك) و(م): "ذلك".
[ ٧ / ٤٨٨ ]
﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾: تبعكم، (رَدِفَ) يتعدَّى بنفسه وباللَّام (^١)، ومَن وَهَمَ أنَّ تعديتَه باللَّام بتضمين معنى مثل: دنا (^٢)، فقد وَهِمَ؛ لأنَّ ذلك المعنى حاصل لـ ﴿رَدِفَ﴾، ثمَّ إنَّ تعديةَ دنا وقرب بـ (من) لا باللَّام (^٣).
﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ استعجلوا العذابَ الموعودَ، وهو عذابُ يومِ بدرٍ.
و(عسى) و(لعلَّ) و(سوفَ) في وعد الملوك ووعيدهم يدلُّ على صِدْقِ الأمر وجِدِّهِ، وعلى ذلك جرى وعدُه تعالى ووعيدُه.
* * *
(٧٣) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ﴾؛ أي: إفضالِ ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ بترك المعاجلَة بالعذابِ.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾؛ أي: أكثرهم لا يعرفون حقَّ النِّعمة فيه ولا يشكرونه، بل يستعجلون لجهلهم وقوعَ العذابِ.
* * *
(٧٤) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ﴾: ما تُخفيه ﴿صُدُورُهُمْ﴾ قال الرُّماني: الإكنانُ: جعلُ الشَّيء بحيث لا يلحقُه أذًى لمانعٍ يصدُّه عنه.
_________________
(١) في هامش (ف): "ذكر في الأساس ويوافقه ما في الصحاح. منه ".
(٢) أي: بتضمين معنى فعلٍ يتعدى باللام مثل الفعل المذكور. والمقصود بالتوهيم هو البيضاوي، لكن دافع عنه الشهاب بما سنذكره في التعليق الآتي.
(٣) قال الشهاب متعقبًا: وتضمينه معنى دنا لأنَّه يتعدى بمن وإلى واللام كما في "الأساس" [(مادة: دنو)]، فمن اعترض عليه بأنه يتعدى بمن فقد سها، كسهوه في أنّ ردف بمعنى دنا فلا يصح أن يضمن معناه. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٥٧).
[ ٧ / ٤٨٩ ]
﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: يُظهِرون، فليس تأخيرُ العذابِ لخفاءِ حالِهم، ولكن له وقتٌ مقدَّرٌ (^١)
* * *
(٧٥) - ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ سُمِّيَ الشَّيءُ الذي يغيبُ ويخفى: غائبةً وخافيةً، والتَّاء فيها كالتَّاء في العافية والعاقبة (^٢)، ونظائرهما: الرَّميَّة والذَّبيحة والنَّطيحة في أنَّها (^٣) أسماءٌ غيرُ صفاتٍ، ويجوز أن يكونا صفَتَيْن، وتاؤهما للمبالغة كالرَّاوية (^٤).
﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: بيِّنٍ أو مُبيِّنٍ مَا (^٥) فيه لِمَن يطالِعُه. والمرادُ مِن الكتاب: اللَّوحُ.
* * *
(٧٦) - ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
_________________
(١) في هامش (م) و(ي): "إنما أخر ﴿يُعْلِنُونَ﴾ لنكتة نذكرها في تفسير سورة يس. منه ".
(٢) أي: هي للنقل إلى الاسمية، فتاؤها لا تدلُّ على تأنيث ما تُطلق عليه. وانظر التعليق الآتي.
(٣) في (ي) و(ع): "أنهما".
(٤) وتوضيح الكلام: أن ﴿غَائِبَةٍ﴾ يجوز أن تكون صفة منقولة إلى الاسمية سمي بها ما يغيب ويخفى، والتاء فيها للنقل كما تقدم، ويجوز أن تكون صفة غلبت في هذا المعنى، فكثر عدم إجرائها على الموصوف ودلالتها على الثبوت، وإن لم تنقل إلى الاسمية كمؤمن وكافر، فتاؤها ليست للتأنيث إذ لم يلاحظ لها موصوف تجري عليه كالراوية للرجل الكثير الرواية، فهي تاء مبالغة. والفرق بين المغلب والمنقول على ما قال الخفاجي: أن الأول يجوز إجراؤه على موصوف مذكر بخلاف الثاني. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٥٧)، و"روح المعاني" (٢٠/ ٥١).
(٥) في (ك) و(م): "لما".
[ ٧ / ٤٩٠ ]
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: يبيِّنُ لهم، والقَصصُ: كلامٌ يتلو بعضُه بعضًا فيما ينبئ عن المعنى.
﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ كالتَّشبيه والتَّنزيه، وأحوالِ الجنَّة والنَّار، وعُزَيرٍ والمسيح.
والاختلافُ: ذهابُ كلُّ واحدٍ إلى خِلاف ما ذهبَ إليه صاحبُه.
وهذا تحريكٌ للمشركين على اتِّباع القرآنِ؛ فإنَّه لَمَّا كان فيه بيانٌ لأهل الكتاب، وهم يرجعون إليهم في كثير مِن أمورِهم، فكانَ حقَّهم أن يرجعوا إليه؛ لأنَّه مرجِعُ مرجعِهم، وكان منزَّلًا على مَن (^١) بُعِثَ منهم.
* * *
(٧٧) - ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنَّهم هم المنتفعون به.
* * *
(٧٨) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ بينَ مَن آمنَ بالقرآن وبينَ مَن كفرَ.
﴿بِحُكْمِهِ﴾؛ أي: بعدله؛ لأنَّه لا يقضي إلَّا بالعدل، فسمي المحكوم به حُكمًا.
أو: بحكمته، ويدلُّ عليه قراءة: (بِحِكَمِهِ) (^٢) جمع حِكمةٍ.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يُرَدُّ قضاؤُه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بمَن يُقضى له، وبمَن يُقضَى عليه.
_________________
(١) "من "من (ك).
(٢) نسبت لجناح بن حبيش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١١).
[ ٧ / ٤٩١ ]
(٧٩) - ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: فلا تُبالِ بمعاداتهم ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ علَّلَ (^١) التَّوكُّلَ بأنَّه على الحقِّ الأبلج، وهو الدِّين الواضح، وفيه بيانُ أنَّ صاحب الحقَ حقيقٌ بالوثوق بحفظِه (^٢) على اللهِ ونصرِه.
* * *
(٨٠) - ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ تعليلٌ آخر للأمرِ بالتَّوكُّل من حيثُ إنَّه يقطع طمَعه مِن مشايعتهم ومعاضدتهم رأسًا، وإنَّما شُبِّهوا بالموتى لعدم انتفاعِهم باستماعِ ما يُتلَى عليهم، كما شُبِّهوا بالصّمِّ في قولِه:
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ ثمَّ أكَّد حالَ الأصمِّ بقولِه:
﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ لأنَّه إذا تباعدَ عن الدَّاعي - بأنْ تولَّى عنه مدبرًا - كانَ أبعدَ عن إدراك صوتِه.
* * *
(٨١) - ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ٣٨٤). وقوله: "لا يدركها … " رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٢٤)، ومن طريقه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٢٥) من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ مرفوعًا، قول ابن كثير عند تفسير هذه الآية: إسناده لا يصح.
(٢) جزء من الحديث السابق.
[ ٧ / ٤٩٢ ]
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ الهداية لا يلزمها الاهتداء، دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، فلا جرمَ زيدَ قولُه:
﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ حتى يكون المنفيُّ الهدايةَ المنجيةَ عن الضَّلالة، لا مُطلَقَ الهدايةِ؛ لأنَّها غيرُ ممتنعةٍ في حقِّ العُمي.
﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾: ما يُجدي إسماعُك ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾: إلَّا الذين يصدِّقون أنَّ القرآنَ كلامُ الله تعالى؛ إذ حينئذٍ يُثْبِتُ نبوَّته ﵇ فتقْبَلُ قولَه، فيجدِي إسماعُه نفعًا.
﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾: مخلِصون، من قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]؛ أي: جعله سالمًا لله خالصًا له.
* * *
(٨٢) - ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾.
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ سمى معنى القول ومؤدَّاه - وهو ما وُعدوا مِن قِيامِ السَّاعة وعذابه - بالقول. ووقوعُه: حصولُه، والمراد: مشارفةُ السَّاعةِ وظهورُ أشراطِها.
﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ هي الجسَّاسة، في الحديث: "طولُها ستُّون ذراعًا، ولها أربعُ قوائم وزغبٌ وريشٌ وجناحان، لا يدركها طالبٌ، ولا يفوتها هاربٌ" (^١).
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ٢٢٢). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٢٦)، لكن السائل والراوي عنده هو أبو داود نفيع الأعمى، وهو متروك. كما في "التقريب".
[ ٧ / ٤٩٣ ]
﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: مِن أرض مكَّة؛ رُوي أنه ﵊ سُئِلَ عن مخرجها، فقال: "من أعظم المساجد حرمةً على الله" (^١) يعني: المسجدَ الحرامَ.
﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ وقرئ: (تَكْلِمُهم) (^٢)، وقال أبو الجوزاء: سألْتُ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ ﵁: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ أو (تَكْلِمُهم)؟ فقال: كلُّ ذلك تفعلُ؛ تكلِّمُ المؤمنَ ويمْلِمُ الكافرَ (^٣).
وقيل: تكلِّم بالعربيَّة وتقول: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾: خروجِها وسائر أحوالِها فإنَّها مِن آياتِ اللهِ تعالى ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾: لا يتيقَّنون، وهو حكايةُ معنى قولها، أو حكايتُها لقول الله تعالى، أو علَّةُ خروجها (^٤).
وقرئ: ﴿إِنَّ﴾ بالكسر (^٥).
* * *
(٨٣) - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
ثمَّ ذكرَ قيامَ السَّاعةِ فقالَ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾؛ أي: واذكر يومَ نجمعُ مِن كلِّ أمَّه مِن الأمم زمرةً. و﴿مِنْ﴾ للتَّبعيضِ؛ لأنَّ أمَّةَ كلِّ نبيٍّ وأهلَ كلِّ قرنٍ شامل للمصدِّقين والمكذِّبين.
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ٢٢٢). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٢٦)، لكن السائل والراوي عنده هو أبو داود نفيع الأعمى، وهو متروك. كما في "التقريب".
(٢) أي: أو هذا القول هو علة لخروجها على حذف الجار؛ أي: لأن الناس.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ٢٢٢). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٢٦)، لكن السائل والراوي عنده هو أبو داود نفيع الأعمى، وهو متروك. كما في "التقريب".
(٤) أي: أو هذا القول هو علة لخروجها على حذف الجار؛ أي: لأن الناس.
(٥) قرأ الكوفيون بفتح الهمزة، وباقي السبعة بكسرها. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٩).
[ ٧ / ٤٩٤ ]
و(من) في قوله: ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ﴾ للتَّبيين.
﴿بِآيَاتِنَا﴾ المُنزَّلة على أنبيائِنا.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: يُحبَس أوَّلُهم على آخرِهم حتى يجتمعوا، ثمَّ يساقونَ (^١) إلى موضع الحسابِ، وهذه عبارةٌ عَن كثرة العَدَدِ، وكذا الفوجُ عبارة عن الجماعة الكثيرة.
* * *
(٨٤) - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾: حضروا موقفَ الحسابِ والسُّؤالِ ﴿قَالَ﴾ لهم تعالى تهديدًا: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ المنزَلةِ على رُسُلي (^٢).
﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ الواو للحال، كأنَّه قال: أكذَّبتم بآياتي بادئ الرَّأي مِن غيرِ فكرٍ ولا نظرٍ يؤدِّي إلى إحاطة العلم بكُنْهِها، وأنَّها حقيقةٌ (^٣) بالتَّصديق أو بالتَّكذيب.
أو للعطفِ؛ أي: أجمعتُم (^٤) بينَ التَّكذيب وعدم إلقاءِ الأذهان لتحقيقها.
﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أم أيَّ شيءٍ كنتم تعملونه بعد ذلك؟ وهو للتَّبكيت إذْ لم يفعلوا غير التَّكذيب من الجهل، فلا يقدرون أنْ يقولوا: فعلنا غير ذلك.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "يساقوا".
(٢) في (ف): "رسولي".
(٣) في (ت) و(ك) و(م): "حقيق".
(٤) في (ك): "جمعتم".
[ ٧ / ٤٩٥ ]
وإنَّما جازَ دخول ﴿أَمْ﴾ على (ما) الاستفهاميَّة لهذه النكتة؛ فإنَّها خرجَتْ عن حقيقة الاستفهام إلى البَتِّ بالحكم، لا بالمعادِل بل بالأوَّل.
* * *
(٨٥) - ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾.
﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾: أُحِلَّ بهم العذابُ الموعودُ بسبب ظلمِهم، وهو التَّكذيب.
﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ فيشغلُهم عن النُّطق والاعتذار، قال الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥].
* * *
(٨٦) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ ليتحقَّقَ لهم التَّوحيدُ، ويرشدَهم إلى تجويزِ الحشر وبعثةِ الرُّسل.
﴿أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ بالنَّومِ والقَرارِ.
﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ جعلَ الإبصار للنَّهار - وهو لأهله - للمبالغة فيه بجعلِ الإبصار حالًا مِن أحوال المجعول، بحيث لا ينفكُّ عنها، وهذا من باب ما حُذِفَ مِن أحد المتقابلَيْن ما أثبِتَ في الآخر، فالتَّقدير: جعلنا اللَّيل مظلمًا لتسكنوا فيه والنَّهار مبصرًا لتتصرَّفوا فيه.
ومَن غفل عن هذا قال: والتقابل مراعًى مِن حيث المعنى؛ لأنَّ ﴿مُبْصِرًا﴾ بمعنى (^١): ليُبصروا فيه طُرُقَ التَّقلُّب في المكاسب.
_________________
(١) في (ي) و(ع): "لأن معنى مبصرًا".
[ ٧ / ٤٩٦ ]
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ ولدلالتها على الأمور الثَّلاثة؛ لأنَّ المعنى: ألم يعلموا أنَّا جعلنا اللَّيل والنَّهار قِوامًا لمعاشهم في الدُّنيا؛ ليعلموا (^١) أنَّ ذلك لم يُجعَلْ عبثًا، بل محنة وابتلاءً، ولا بدَّ عندَ ذلك من ثوابٍ وعقابٍ، فإذا لم يكونا في هذه الدَّار فلا بُدَّ مِن دارٍ أخرى للثَّواب والعِقابِ.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خُصُّوا بتلك الآيات لاختصاصِ الانتفاعِ بها بهم.
* * *
(٨٧) - ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾: واذكر يومَ ﴿يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾: هو قرنٌ، والنَّافخُ إسرافيل ﵇، روى أبو هريرة أنَّه يَنفخُ ثلاثَ نفخاتٍ: الأولى نفخة الفزع، ثم بعده بأربعين يومًا نفخة الصَّعق (^٢).
_________________
(١) في (ك): "لعلموا".
(٢) رواه إسحاق بن راهويه (١٠)، والطبري في "تفسيره" (٨/ ١٣٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٢٨) وهو جزء من حديث طويل. قال ابن كثير في "تفسيره" عند تفسير هذه الآية: (هذا حديث مشهور وهو غريب جدًّا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة وفي بعض ألفاظه نكارة. تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة … وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة، قد أفردتها في جزء على حدة. وأما سياقه، فغريب جدا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعله سياقا واحدا، فأنكر عليه بسبب ذلك). قلت: والذي في الصحيحين عن أبي هريرة أنهما نفختان بينهما أربعون، دون تعيين التمييز، رواه البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥). ولم يرد في التعيين خبر يحتج به.
[ ٧ / ٤٩٧ ]
فما قِيلَ: إنَّه تمثيل لانبعاث الموتى بانبعاث الجيش إذا نُفِخَ في البوق؛ ليس بذاكَ.
﴿فَفَزِعَ﴾ الفَزَعُ والجَزَعُ أخوان، لكنَّ الفَزَع ما يعتري من الشَّيء المخيف، والجَزَعَ ما يعتري من الشَّيء المؤلم.
﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ مِن الهول، وعبَّرَ عنه بالماضي للإشعارِ بصحَّة وقوعِه وأنَّه كائنٌ لا محالة، ولا حاجة إلى هذا الإشعار في الأوَّل لأنَّه منشأ الفَزَعِ، فالقَطْعُ بوقوعِ هذا يقتضي القَطْعَ بوقوعِ ذلك.
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أنَّه (^١) لا يفزَع (^٢)، بأنْ ثبَّتَ اللهُ قلبَه، قالوا: هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ﵈، وقيل وقيل (^٣).
﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾: حاضرون الموقف بعد النَّفخة الثَّانية، أو راجعون إلى أمرِه.
﴿دَاخِرِينَ﴾: صاغِريْنَ.
* * *
(٨٨) - ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾.
﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا﴾ حالٌ مِن المخاطَب.
﴿جَامِدَةً﴾: واقفةً ممسكةً (^٤) عن الحركةِ، مِن جمدَ في مكانِه: إذا لم يبرحْ.
_________________
(١) في (ف) و(ي) و(ع) و(م): "لأنَّه".
(٢) في (م): "يقرع".
(٣) " وقيل" زيادة من (ك) و(ي) و(م).
(٤) في (ف) و(ك) و(م) زيادة: "في مكانِه". والمثبت من (ع) و(ي)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٦٢٣)،=
[ ٧ / ٤٩٨ ]
﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ أي: مرًّا مثلَ مرِّ السَّحاب، والمعنى: أنَّكَ إذا رأيْتَ الجبالَ وقتَ النَّفخةِ ظنَنْتَها ثابتةً في مكانٍ واحدٍ [لعظمها] (^١)، وهي تسيرُ سيرًا سريعًا كالسَّحاب إذا ضربَتْه الرِّيح، وهكذا الأجرامُ المتلاصقةُ المتكاثرةُ العددِ إذا تحرَّكَتْ لا تكاد تبينُ حركتها.
﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدر عملَ فيه ما دلَّ عليه: ﴿تَمُرُّ﴾؛ لأنَّ مرورَها كمرِّ السَّحاب مِن صنعِ اللهِ، فكأنه قيل: صَنَعَ اللهِ ذلك، وذُكرَ اسمُ اللهِ لأنَّه لم يُذْكَر قبلُ.
﴿الَّذِي أَتْقَنَ﴾، أي: أحكمَ صُنْعَهُ، ولقد أصابَ عبارةُ (^٢) الصُّنع والإتقان محزَّهما (^٣)، وذلك أنَّ لقاءَ صورةِ الجبالِ بعدَما تخلخَلَتْ وصارَتْ كالعهن المنفوشِ دلَّ على كمالِ الإتقانِ مِن جهةِ الصُّنعِ، وهو تركيبُ الصُّور فيَ المادَّةِ.
وهذا الإتقان ينتظِمُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ قويًّا كان تركيبُه أو ضعيفًا.
﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (^٤) عالمٌ بظواهرِ الأفعالِ وبواطنها، فيكافئهم على حسب ذلك.
* * *
_________________
(١) = ولفظ البيضاوي (٤/ ١٦٩): ثابتة في مكانها.
(٢) من "تفسير النسفي" (٢/ ٦٢٣).
(٣) في (م) و(ي): "عبارتنا ".
(٤) في (ع) و(ي): "محزها".
(٥) هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر من رواية هشام، وقرأ باقي السبعة: ﴿تَفْعَلُونَ﴾ بالتاء. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٩).
[ ٧ / ٤٩٩ ]
(٨٩) - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾.
ثمَّ لخَّصَ ذلك بقولِه: ﴿مَنْ جَاءَ﴾ يومَ القيامة ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ قالَ أكثرُ المفسِّرين: الحسنةُ هاهنا كلمةُ الإخلاص، والسَّيئةُ ضدُّها وهو الشِّركُ؛ لأنَّه قالَ في حقِّها: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾.
﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾؛ أي: خيرٌ حاصلٌ مِن جهتِها.
﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ﴾: شديدٍ؛ أي: مِن فزعٍ شديدٍ مفرِطِ الشِّدَّةِ، وهو خوفُ النَّارِ، أو: مِن فزعٍ مّا وإنْ قَلَّ.
وقرئ بالإضافة إلى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ (^١) لأَنَّه جعل (يوم) مع (إذ) كالاسم الواحد، والمرادُ: يومُ القيامةِ.
﴿آمِنُونَ﴾ أمِنَ تعدَّى بالجارِّ وبنفسِه، كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩].
* * *
(٩٠) - ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ﴾ يُقالُ: كبَّه وأكبَّه: إذا نكسَه.
﴿وُجُوهُهُمْ﴾ أنفسهم، يُعبَّر عن الجملةِ بالوجه كما يُعبَّر بالرَّأس والرَّقبة عنها (^٢)
_________________
(١) بالإضافة وفتح الميم، وهي قراءة نافع في المشهور عنه، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتنوين وفتح الميم، وباقي السبعة بالإضافة وكسر الميم. قال ابن مجاهد: (ولا يجوز مع التنوين إلَّا فتح الميم، فإذا لم تنون جاء الفتح والكسر). انظر: "السبعة"، و"التيسير" (ص: ١٧٠).
(٢) قوله: "يعبر عن الجملة بالوجه كما يعبر بالرأس والرقبة عنها" في (ف) جاءت بعد قوله: "في النار".
[ ٧ / ٥٠٠ ]
﴿فِي النَّارِ﴾؛ أي: ألقوا على رؤوسهم فيها (^١)، ويقال لهم تبكيتًا عندَ الكبِّ:
﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنيا مِن الشِّركِ والمعاصي.
* * *
(٩١) - ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ مكَّة خصَّها مِن بينِ البلادِ بإضافة اسمه إليها؛ لأنَّها أحبُّ بلادِه إليه وأعظمُها عندَه، وأشار إليه بقوله: ﴿هَذِهِ﴾ إشارةَ تعظيم لها وتقريبٍ دالًّا على أنَّها موطنُ (^٢) نبيِّه ﵇ ومَهبِطُ وحيِهِ.
﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾: جعلها حَرَمًا آمنًا ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ خَلقًّا وَملكًا. وصفَ ذاته بالتَّحريم الذي هو خاصُّ وصفِها، وجعلَ دخولَ كلِّ شيءٍ تحتَ ربوبيَّتِه وملكوتِه كالتَّابعِ لِدُخولِها تحتَها، ولا خفاءَ في أنَّ إجراءَ الوصفِ على الله تعالى تعظيمٌ لشأنِ الوصف ولشأنِ ما يتعلَّق به الوصفُ، وزيادةُ اختصاصٍ له بمَن أُجْرِي عليه الوصف، وجعل ذلك كالمسلَّم المفروغ عنه، ولا كذلك لو قيل: (التي حرَّمها) ووُصِفت البلدة تخصيصًا أو مدحًا.
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: المنقادِينَ له.
* * *
_________________
(١) "أي: ألقيَ على روْوسهم فيها" سقطت من (ك) و(ف)، ووقع في (ع) و(م) و(ي): "ألقي"، والمثبت من هامش (م)، وفيه: "لعله: ألقوا"، وهو الموافق لما في "تفسير النسفي" (٢/ ٦٢٤).
(٢) في (ك) زيادة: "بيت ".
[ ٧ / ٥٠١ ]
﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.
﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ مِن التِّلاوة أو مِن التُّلوِّ؛ لقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [يونس: ١٠٩].
أمرَ الرَّسول بأنْ يقولَ: أُمرْتُ (^١) أنْ أخصَّ اللهَ تعالى وحدَه بالعبادةِ، ولا أتَّخذَ له شريكًا كما فعلَتْ قريشٌ، وأنْ أكونَ مِن الحنفاءِ الثَّابتين على مِلَّةِ الإسلام، وأنْ أتلوَ القرآن لأعرِفَ الحلالَ والحرامَ وسائرَ الأحكام، وما يقتضيه الإسلام.
﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ باتِّباعِه إيَّايَ في ذلك.
﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ فمنفعةُ اهتدائِه راجعةٌ إليه لا إليَّ.
﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ بمخالفتي. وحذفَ جواب هذا لدلالة مقابِلِه عليه؛ أي: فمضرَّة ضلاله راجعةٌ إليه لا إليَّ.
ولَمَّا حذفَ ذلك أُقِيمَ تعليلُه مقامَه، وهو قوله: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: وما أنا إلَّا رسولٌ منذرٌ، وما على الرَّسولِ إلَّا البلاغ.
* * *
(٩٢) - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثمَّ أُمِرَ أنْ يحمدَ اللهَ تعالى على نعمة النُّبوَّةِ، أو على التَّوفيقِ للعلمِ والعملِ به (^٢).
_________________
(١) في (ف): "وأمرت".
(٢) "به" زيادة من (م) و(ي) و(ع).
[ ٧ / ٥٠٢ ]
﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ القاهرةَ في الدُّنيا، أو في الآخرة.
﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾: فتعرفونَ أنَّها آياتُ اللهِ تعالى، ولكنْ حينَ لا تنفعُكُم المعرفَةُ.
﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فلا يغرَّنَّكُم تأخيرُ العقوبةِ؛ فإنَّه إمهالٌ لا إهمالٌ.
* * *
[ ٧ / ٥٠٣ ]