﷽
(١) - ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿سُورَةٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو مبتدأٌ لأنها مخصَّصةٌ بالتنكير الدالِّ على التعظيم كقولهم: شرٌّ أهرَّ ذا نابٍ (^١).
﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ صفةٌ أو خبرٌ، ومَن نصبَها (^٢) جعلها مفسِّرة لناصبها، فلا يكون لها محلٌّ إلَّا إذا قدِّر: اتلُ، ونحوُه، ولا يجوز تقدير ذلك؛ لأن أداة الإغراء لا تُحذَف.
﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾؛ أي: فرضنا ما فيها من الأحكام. وقرئ بالتشديد (^٣) للتكثير أو للمبالغة.
﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: دلائلَ واضحاتٍ ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ لكي تتَّعظوا.
* * *
_________________
(١) انظر: "المستقصى" للزمخشري (٢/ ١٣٠)، و"مجمع الأمثال" للميداني (١/ ٣٧٠). وتقدم مع شرحه عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥].
(٢) أي: قرأ: (سورةً) بالنصب، نسبت لعمر بن عبد العزيز ومجاهد وجمع. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٠)، و"المحتسب" (٢/ ٩٩).
(٣) أي: ﴿وَفَرَّضْنَاهَا﴾، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٦١).
[ ٧ / ٢٣٧ ]
(٢) - ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿الزَّانِيَةُ﴾؛ أي: المرأةُ التي مَكَّنت في الزنى - فالمُكرَهة خارجةٌ عن حدِّها - قدِّمت هنا لأصالتها في الزنى، أي: حرمة الوطء التي بها يتحقَّق الزنى منشؤها خلوُّ المحلِّ عن الملكية وشبهتها (^١)، كما قدِّم الزاني في الحكم الآتي ذكرُه لأصالته فيه.
﴿وَالزَّانِي﴾ رُفعا بالابتداء، والخبر: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ والفاء لتضمُّنها معنى الشرط؛ لأن اللام بمعنى (الذي).
وقرئ بالنصب (^٢) على إضمار فعلٍ يفسِّره الظاهر.
والجَلْد: ضَرْب الجِلْد، وفيه إشارة إلى أنه لا يبالغ ليصل الأثر (^٣) إلى اللَّحم.
والخطابُ لجماعة المسلمين، إلَّا أنه لمَّا لم يُمْكِنهم الاجتماع، فينوب الإمامُ منابهم، وعموم الآية يتناول المُحصَن وغيرَ المُحصَن، ثم خُصَّ منه المُحصَن بحديث الرَّجْم.
وشرائطُ إحصانِ الرجم: العقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية، والدخول بنكاحٍ صحيحٍ وهما على صفة الإحصان.
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "الملكين وشبهتهما"، وفي (ي): "الملكين وشبههما"، والمثبت من (ع).
(٢) أي: (الزانيةَ والزانيَ) بالنصب، نسبت لعمرو بن فائد وعيسى الثقفي ويحيى بن يعمر وجمع. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٠)، و"المحتسب" (٢/ ١٠٠).
(٣) في (ك): "الألم".
[ ٧ / ٢٣٨ ]
ورَجْمه ﵊ يهوديَّين قد زَنَيا (^١)، كان بحكم التوراة ثم نُسخَ، يؤيِّده قوله ﵊: "مَن أشرك باللّه فليس بمُحصَن" (^٢).
والتغريبُ المرويُّ منسوخٌ بهذه الآية كالحبس والأذى في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] وقوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] لأن الفاء إنما تَدخل على الجزاء وهو اسمٌ للمكافئ (^٣).
﴿تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ الرأفة: رقَّة الرحمة، وأخذُها كناية عن تأثيرها في النفس بحيث يظهر أَثَرُها في العمل، فمرجع النهي إلى المسامحة في إقامة الحدِّ كما ينبغي.
﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾: في طاعته، أو: في حكمه، وإنما قال: ﴿بِهِمَا﴾ ليُعلم حُكم الرأفة بأحدهما بطريق الدلالة.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإن الإيمان يوجب الائتمارَ بأمر اللّه تعالى، وهذا من باب التهييج وإلهابِ الغضب لله ولدينه، وجواب الشرط مُضمَر؛ أي: فأقيموا الحدَّ ولا تساهلوا (^٤) فيه.
﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾: ولْيَحضُر موضعَ حدِّهما، وتسميتُه عذابًا دليل على أنه عقوبةٌ.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٦٣٥)، ومسلم (١٦٩٩)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) رواه ابن راهويه كما في "نصب الراية" للزيلعي (٣/ ٣٢٧)، والدارقطني في "السنن" (٣٢٩٥)، من حديث ابن عمر ﵄، قال الدارقطني: لم يرفعه غيرُ ابن راهويه، ويقال: إنه رجع عن ذلك، والصواب أنه موقوف.
(٣) في (ف) و(ك) و(م) و(ي): "للكافي"، والمثبت من (ع).
(٤) في (ف): "تتساهلوا".
[ ٧ / ٢٣٩ ]
﴿طَائِفَةٌ﴾: فِرقة يمكن أن تكون حلقة (^١)، وهي صفةٌ غالبة، كأنها الجماعة الحافَّة (^٢) حول الشيء.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليعتبروا وينزجروا فإن التفضيح قد يُنكِّل أكثر ممَّا يُنكِّل التعذيب.
* * *
(٣) - ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾؛ أي: لا يَميل إلَّا إلى نكاحِ واحدةٍ منهما.
﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾؛ أي: لا تُمكَّن إلَّا إلى نكاح واحدٍ منهما، ومرجعُه إلى نفي ميلها عن نكاحِ غيرهما، فالقرينتان على سَنَن واحد، وإنَّما عدل في الثانية عن الصريح إلى الكناية؛ كراهةَ إسنادِ النكاح إليها.
ووجهُ ما ذكر: أن المشاكَلة (^٣) علَّةُ الأُلفة والتضامِّ، والمخالفةَ سببٌ للنُّفرة والافتراق، وهو نظيرُ قوله: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية [النور: ٢٦]، فالآية تزهيدٌ في نكاح البغايا، إذ جعل الزنى فيها عديلَ الشرك في القُبْح.
_________________
(١) في (ك): "صفة"، وفي (ف) و(م): "خلفه"، وفي (ع): "حلفه"، والمثبت من (ي)، وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (٣/ ٢١٠)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٤٨٧).
(٢) في (ك): "الحالقة"، وفي (ف): "المخالفة"، وفي (ع): "الحاقة"، والمثبت من باقي النسخ والمصدرين السابقين.
(٣) في (ف) و(م): "المشاكل".
[ ٧ / ٢٤٠ ]
﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ لِمَا فيه من التشبُّه (^١) بالفُسَّاق، وحضورِ مواضع التُّهَمة، والتسبُّبِ بسوءِ (^٢) المقالة، والغِيبة، والطعن في النَّسَب، ومجالسةُ الزواني كم فيها من التعرُّض لاقتراف المفاسد والآثام، فكيف بمزاوجتهنَّ، ولذلك عبّر عن التنزيه بالتحريم مبالغة.
وقيل: النفي بمعنى النهي، وقد قُرئ به (^٣)، والحرمة على ظاهرها، والحكم مخصوص بالسبب الذي ورد فيه، أو منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فإنه يتناول المسافِحاتِ، ويؤيِّده أنه ﵊ سُئلَ عن ذلك فقال: "أوَّله سفاحٌ، وآخره نكاحٌ، والحرامُ لا يُحرِّم الحلالَ" (^٤).
* * *
(٤) - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾؛ أي: يقذفون الحرائرَ العفائفَ المسلماتِ المكلَّفاتِ بالزنى؛ لوصف المقذوفات بالإحصان، وإنَّما عدل عن القذف إلى الرمي؛ لأنَّ القذفَ: الرميُ البعيد المستلزِمُ لصلابة المَرْميِّ، والقيدان المذكوران اعتبارُهما لا يناسب المقام.
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "بسوء".
(٢) في (ع) و(ف) و(ك) و(م): "التشبيه".
(٣) أي: (لا يَنكحْ) بجزم الحاء، نسبت لعمرو بن عبيد. انظر: "مختصر في شواذ القراءات" (ص:١٠٠).
(٤) انظر: "الكشاف" (٣/ ٢١٢). ورواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٢٧٨٧)، وسعيد بن منصور في "السنن" (٨٨٨) و(٨٨٩) و(٨٩٠)، والدارقطني في "السنن" (٣٦٨١) عن ابن عباس موقوفًا.
[ ٧ / ٢٤١ ]
وذكرُهنَّ عقيب الزواني، واشتراطُ أربعة شهداء بقوله: ﴿ثُمَّ﴾ كلمةِ التراخي، دلَّ على أنه لا يجب عليه الإتيانُ بالشهود على الفور.
﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ يشهدون على زنى المقذوفة؛ لأن القذفَ بغير الزنى يكفي فيه الشاهدان، ولإيجاب الحدِّ بقوله:
﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ لأن القذف بغير الزنى لا يوجب الحدَّ، بل يوجب التعزيرَ كقذف غير المحصن بالزنى.
ونُصب ﴿ثَمَانِينَ﴾ نَصْبَ المصادر، كنَصْبِ ﴿مِائَةَ﴾، ونصب ﴿جَلْدَةٍ﴾ على التمييز.
ولا فرقَ فيه بين المذكَّر والمؤنَّث، وتخصيصُ المحصنات لخصوص الواقعة، أو لأن قذفهنَّ كان أغلبَ (^١)، هذا ما قالوا.
وأنا أقول: أُريدَ الأنفسُ المحصنات، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فلا تخصيص.
ولا يشترط اجتماعُ الشهود عند الأداء، ولا شهادةُ زوج المقذوفة، ولكن يُشترط طلب المقذوف؛ لأن فيه حقَّه من حيث دفعُ العارِ، ولا خلاف فيه لأبي حنيفة.
وضربُه أخفُّ من ضرب الزنى، قيل: لضعف سببه واحتماله الصدقَ، ولذلك نقص عددُه، وَيرِدُ عليه النقض بضَرْب التعزير، كما إذا كان المقذوف غيرَ محصَن، فإنه أشدُّ من ضرب الزنى مع قيام العلَّة المذكورة فيه.
_________________
(١) في هامش (ف) و(م): "لم يقل: وأشنع؛ لأن فيه إخلالًا لثبوت الحكم في المحصن بدلالة النص". وفيه إشارة لقول البيضاوي: (كان أغلب وأشنع).
[ ٧ / ٢٤٢ ]
﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾ نكَّر ﴿شَهَادَةً﴾ في موضع النفي فتعمُّ كلَّ شهادةٍ، وردُّ شهادته ليس لأنَّه مفترٍ (^١)، وإلَّا لَمَا تخلَّف عنه في قذف غيرِ المحصَن، بل لأنَّه من تمام الحدِّ فيتعلَّق باستيفاء الحدِّ أو بعضه، خلافًا للشافعي فيهما (^٢).
لا يقال: حاله قبل الحدِّ أسوءُ ممَّا بعده؛ لأنَّه إن أريد أنه كذلك عند الناس فممنوع، وإن أريد أنه كذلك عند الله تعالى فلا يُجدي؛ لأن المعتبرَ في هذا الباب ما عند الناس، حتى قيل: تعتبر شهادة الفاسق الوجيه.
وأصل الكلام: ولا تَقبلوا شهادتهم، وإنَّما غيِّر النظم بزيادة اللام لا لفائدة التنكير؛ لأنَّها تحصل بالتعريف الاستغراقي على وجهٍ أقوى، بل لإظهارِ وجه كون الرَّدّ المذكور من الحدِّ بإشعار أن في قبول الشهادة نفعًا للشاهد؛ لأنَّه يتضمَّن الإكرام، وضدُّه ويتضمَّن الإهانة.
﴿أَبَدًا﴾؛ أي: إلى آخرِ أوقاتِ أهليَّتهم للشهادة لا إلى آخرِ عمره، ولذلك تُقبَل شهادة الكافر المحدود في قذفٍ بعد إسلامه؛ لحدوث أهليةٍ أخرى للشهادة بالإسلام، ولا خلاف للشافعي هنا، وإنَّما خلافه في انصراف الاستثناء الآتي ذكرُه.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ كلامٌ مستأنَف غيرُ داخلٍ في حيِّز جزاء الشرط؛ لأنَّه حكاية حالِ الرامين عند الشرع الحاكم بالظاهر، لا عند اللّهِ العالِم بالسرائر بعد انقضاء الجملة الشرطية (^٣)، وقولُه:
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "لأنَّه ليس مفتر".
(٢) قوله: "فيتعلَّق باستيفاء الحدِّ أو بعضه، خلافًا للشافعي فيهما". وقع في (ع) بعد قوله: "فتعم كل شهادة". وانظر: "تفسير النسفي" (٢/ ٤٨٩).
(٣) في هامش (ع) و(ف) و(م) و(ي): "ردّ لصاحب الكشاف، والعجب أنه بعد ما قال: سبب عقوبته محتمل للصدق إلا أنه عوقب صيانة للأعراض، كيف قال: إن حكاية حال الرامين عند الله. منه".
[ ٧ / ٢٤٣ ]
(٥) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: القذفِ ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أحوالهم بالاستسلام للحدِّ أو الاستحلال عند (^١) المقذوف، استثناءٌ من الفاسقين، ويدلُّ عليه تعليل الاستثناء بقوله:
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: يغفر ذنوبهم ويرحمهم، والشافعيُّ جعل جزاء الشرط الجملتين أيضًا، وجعل الاستثناء متعلِّقًا بالجملة الثانية، وحقُّ المستثنى عنده أن يكون مجرورًا بدلًا من (هم) في (لهم)، وحقُّه عندنا أن يكون منصوبًا لأنَّه عن مُوجَبٍ تامٍّ.
* * *
(٦) - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ هذا بيان حكمِ قذف الزوجات بالزنى ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ يَشهدون لهم به ﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ بدلٌ من ﴿شُهَدَاءُ﴾ أو صفةٌ لهم على أن (إلَّا) بمعنى (غير).
﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ﴾ قرئ بالرفع على أنه خبر، والمبتدأ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ وبالنصب (^٢)؛ لأنَّه في حكم المصدر بالإضافة إلى المصدر، وهو: ﴿شَهَادَاتٍ﴾ والعامل فيه المصدر الذي هو ﴿فَشَهَادَةُ﴾، وعلى هذا خبرُه محذوفٌ تقديره: فواجبٌ شهادةُ أحدِهم أربعُ شهادات.
_________________
(١) في (ع) و(ف) و(ك) و(م): "عن"، والمثبت من (ي).
(٢) قرأ بالرفع حفص وحمزة والكسائي، وقرأ الباقون بالفتح. انظر: "التيسير" (ص: ١٦١).
[ ٧ / ٢٤٤ ]
﴿بِاللَّهِ﴾ متعلِّق بـ ﴿شَهَادَاتٍ﴾ لقُربها، وقيل: بـ (شهادةُ) لتقدُّمها.
﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾؛ أي: فيما رماها به من الزنى، وأصله: على أنه، فحذف الجارُّ وكُسرت (إنَّ)، وعلِّق العامل عنه باللام تأكيدًا.
* * *
(٧) - ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
﴿وَالْخَامِسَةُ﴾: والشهادة الخامسة ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في الرمي.
* * *
(٨) - ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾: ويدفع عنها الحبسَ والحد (^١) ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ﴾؛ أي: الرامي ﴿لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في الرمي.
* * *
(٩) - ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيه، قرئ: ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ بالنصب عطفًا على أربع، وبالرفع على الابتداء، وما بعدها الخبر (^٢).
وخصَّ الغضبُ في جانبها لأن النساء يَستعملنَ اللعنَ كثيرًا، كما ورد به الحديث (^٣)، فربَّما يجترئن على الإقدام لكثرة جري اللعنِ على ألسنتهنَّ
_________________
(١) في (ك): "والحبر"، وفي (ي): "والجر"، وفي باقي النسخ: "والجبر"، والمثبت من هامش (ي)، وعليه علامة التصحيح.
(٢) قرأ حفص بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع. انظر: "التيسير" (ص: ١٦١).
(٣) رواه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد ﵁، ومسلم (٧٩) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٧ / ٢٤٥ ]
وسقوطِ دفعه عن قلوبهنَّ، فذُكر الغضب في جانبهنَّ ليكون رادعًا لهنَّ.
وإذا الْتَعَنَا كما بُيِّن في النصوص لا تقع الفُرقة حتى يفرَّق بينهما.
وعند زُفَرَ والشافعيِّ يقع بتلاعنهما الفُرقة، وتكون الفُرقة تطليقة بائنة عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف وزُفر والشافعي تحريم مؤبَّد.
وأمَّا أنَّ حُكمَ لعانِ الزوج سقوطُ (^١) حدِّ القذف عنه وثبوتُ حدِّ الزنى عليها، فالنَّصُّ ساكتٌ عنه.
* * *
(١٠) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ تُرك جواب (لولا)، وهو أبلغ لأن النفس تَذهَب في تقدير جوابِه كلَّ مذهب (^٢)، ولقد أحسن مَن قال: رُبَّ سكوتٍ أبلغُ من النُّطق.
* * *
(١١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ هو أبلغُ ما يكون من الكذب والافتراء، وأصله من الأفك وهو الصَّرْف؛ لأنَّه قولٌ منصرِفٌ (^٣)
_________________
(١) في (م): "وأما حكم لعان الزوج وسقوط"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب. انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ١٠٠).
(٢) في هامش (ع): "ومن قدر الجواب فقد أخل بنكتة الترك. منه".
(٣) في (ي): "وهو القلب لأنَّه قول منقلب". والمثبت من باقي النسخ، وكلاهما صواب، فمعنى الإفك=
[ ٧ / ٢٤٦ ]
عن وجهه، والمراد: ما أُفكَ به على أمِّ المؤمنين عائشة ﵂، وقصَّتُه معروفة (^١).
﴿عُصْبَةٌ﴾: جماعةٌ، قيل: من العشَرة إلى الأربعين، ويردُّه ما في مصحف حفصة ﵂: (عُصْبةٌ أربعةٌ) (^٢).
يقال: تعصَّب القومُ، إذا اجتمعوا على هيئةٍ فشدَّ بعضهم بعضًا، ومنه: العُصْبة؛ لأنَّه يَجمعهم التعصُّب، ففي عبارة العُصْبة هنا حُسْنُ موقعٍ، ورجحانُها على عبارة الجماعة من جهة الدلالة على الكَمِّ والكيف، فهم: عبد اللّه بن أُبيٍّ رَأسُ المنافقين ورأس المتعصِّبين، وحسان بنُ ثابت، ومِسْطَح بن أثاثة، وحَمْنَة بنت جَحْش، ومَن ساعدهم (^٣).
﴿مِنْكُمْ﴾: من المعدودين من أهل ملَّتكم، وهم ظنُّوا أنَّ الإفك وقع من الكفار، وفيه إظهارٌ لوجهِ غرابة ذلك الإفك، وخبر ﴿إِنَّ﴾: ﴿عُصْبَةٌ﴾، وقوله:
﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ مستأنَف، والخطاب للرسول ﵊ وأبي بكر وعائشة وصفوان ومَن ساءه ذلك (^٤)
_________________
(١) = كما قال الآلوسي: القلب والصرف. انظر: "روح المعاني" (١٨/ ٢٤٨).
(٢) انظر تفصيل القصَّة عند البخاري (٤٧٥٠)، ومسلم (٢٧٧٠).
(٣) انظر: "تفسير القرطبي" (١٥/ ١٦٦)، و"روح المعاني" (١٨/ ٢٥٢).
(٤) في هامش (ف) و(م): "قال القرطبي: لم يسمَّ من أهل الإفك إلَّا حسان ومسطح وحمنة وعبد الله، وجُهل الغير، قاله عروة بن الزبير وقد سأله عن ذلك عبد الملك بن مروان، وقال: إلا أنهم كانوا عصبة، كما قال الله تعالى. انتهى، ولا وجه لذكر زيد بن رفاعة هنا. منه".
(٥) في (م) و(ي): "ومن أساءه ذلك"، وفي (ع): "ومن ساء ذلك"، وسقطت من (ت) و(ك)، والصواب المثبت.
[ ٧ / ٢٤٧ ]
﵃ من المؤمنين والمؤمنات، والهاءُ لـ (الإفك).
﴿شَرًّا لَكُمْ﴾ الشَّرُّ: ما زاد ضرُّه على نفعه، والخير ضدُّه.
﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لاكتسابكم به الثوابَ العظيم، وظهورِ كرامتكم على اللّه تعالى بإنزال ثماني عشرةَ آيةً في براءتكم، وتعظيمِ شأنكم، وتهويلِ الوعيد لمن تكلَّم فيكم، والثناءِ على مَن ظنَّ بكم خيرًا.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾؛ أي: لكلِّ امرئٍ من العُصْبة جزاءُ إثمه على مقدار خوضه فيه مختصًّا به، وكان بعضهم ضَحِكَ، وبعضهم تكلَّم فيه، وبعضهم سَكَتَ، وليس في عبارة ﴿امْرِئٍ﴾ إخراج حَمنَةَ بنتِ جَحْش عن هذا الحكم، بل ترك ذكرها إحالةً بمعرفة حالها على الدلالة؛ تنزيلًا لشأنها وتحقيرًا لها.
﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾: مُعظَمَه (^١)، وقرئ بالضَّمِّ (^٢)، وهو لغةٌ فيه، أي: قَرُبَ من آخرِ عمره ولم يَبعد عن المعاصي خصوصًا عن مثل هذه المعصية.
﴿مِنْهُمْ﴾: من الخائضين في الإفك، وهو (^٣) ابنُ أُبَيٍّ فإنه بَدَأ به وأذاعه؛ عداوةً لرسول الله ﷺ.
﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرة.
روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: لمَّا نزل عُذري قام النبيُّ ﵊ فذكر ذلك وتلا القرآن، فلمَّا نزل من المنبر أَمَر بالرجلين والمرأة فضُربوا حدَّهم (^٤).
_________________
(١) في (ع): "تعظمه".
(٢) أي: ﴿كِبْرَهُ﴾، وقرأ بها من العشرة يعقوب. انظر: "العشرة" (٢/ ٣٣١).
(٣) في (ك): (فإنه).
(٤) رواه أبو داود (٤٤٧٤)، ورواه أيضًا الترمذي (٣١٨١) وحسنه، وابن ماجه (٢٥٦٧).
[ ٧ / ٢٤٨ ]
وهم: حسان بن ثابت ومِسْطَح بن أثاثة وحَمْنَة بنت جَحْش.
قال علماؤنا: وإنَّما لم يُحدَّ عبدُ اللّه بنُ أُبيٍّ لأن اللّه تعالى قد أعدَّ له في الآخرة عذابًا عظيمًا، فلو حُدَّ في الدنيا لكان ذلك كفارةً له فيتخلَّص من عذابه الأخروي، وإنما حُدَّ هؤلاء المسلمون ليكفَّر عنهم إثمُ ما صدر عنهم من القذف، حتى لا يبقى عليهم تَبِعةٌ ذلك في الآخرة، وقد قال ﵊ في الحدود: "إنَّها كفَّارة لمن أُقيمت عليه" (^١).
ففي قوله تعالى: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إشارة إلى عدم وجوب الحدِّ على ابن أُبَيٍّ، ولذلك لم يحدَّه النبيُّ ﵊ (^٢).
* * *
(١٢) - ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾.
ثم وبَّخ الخائضين فيه فقال: ﴿لَوْلَا﴾: هلَّا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾؛ أي: الإفكَ ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾: بالذين منهم، فالمؤمنون كنفسٍ واحدةٍ، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١].
﴿خَيْرًا﴾: عفافًا وصلاحًا، وإنَّما عدل عن الخطاب إلى الغَيبة وعن الضمير إلى الظاهر، ولم يقل: ظننتم بأنفسِكم؛ ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليدلَّ التصريحُ بلفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يُصدِّق مؤمنٌ
_________________
(١) انظر: "طرح التثريب" للعراقي (٨/ ٧٢ - ٧٣). وحديث أن الحدود كفارة رواه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩)، عن عبادة بن الصامت ﵁.
(٢) في هامش (ع) و(ف) و(ي): "هذا من دقائق الإشارات التي لم يتنبّه لها الناظرون في هذا المقام فقالوا ما قالوا. منه".
[ ٧ / ٢٤٩ ]
على أخيه، ولا مؤمنةٌ على أختها، قولَ عائبٍ (^١) ولا طاعنٍ، و[هذا] (^٢) من الأدب الحَسَن قَلَّ القائمُ به.
وإنما جاز الفَضل بين (لولا) وفعلِه بالظرف؛ لأنَّه منزَّل منزلته من حيث إنَّه لا ينفكُّ عنه، ولذلك يُتَّسع فيه ما لا يُتَّسع في غيره، وذلك للاهتمام بالظرف والإيذانِ بأن لا يخلو في أوَّل وقتِ السماع بالإتيانِ بالمحضَّض (^٣) عليه.
﴿وَقَالُوا﴾ كما يقول المستيقنُ المُطَّلع على حقيقة الحال، قُرن بالظنِّ التصريحُ بالقول؛ ليفيد أنَّ اللائقَ بالمؤمن أن يَبنيَ قولَه على ظنِّ الخيرِ في أوَّل وقت السماع.
﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾: كذبٌ ظاهرٌ.
* * *
(١٣) - ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ هلَّا جاؤوا على القذف لو كانوا صادقين بأربعة شهداء.
﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ الأربعة ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في حكمه وشريعته، وفي عبارة ﴿عِنْدَ﴾ تعظيمٌ لِمَا في أحكام الشرع من العمل بالظاهر.
_________________
(١) في (ف): "فعل غائبة"، وفي (ك): "فعل عائبة".
(٢) ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق. انظر: "الكشاف" (٣/ ٥٣)، و"البحر المحيط" (١٦/ ٣٩ - ٤٠).
(٣) في (ع): "بالمخصص"، وفي (ك): "بالمحضوض".
[ ٧ / ٢٥٠ ]
﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ من جملة المقول، تقريرٌ لكونه كذبًا، فإنَّ ما لا حجَّة عليه مكذَّب (^١) في حُكم الشرع، ولذلك رتّب الحدّ عليه.
* * *
(١٤) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (لولا) هذه لامتناع وجود الشيء لوجود غيره؛ أي: ولولا أنِّي قضيتُ أن أتفضَّل عليكم في الدنيا بضروب النِّعَم التي من جملتها الإمهال للعقوبة، وأن أترحَّم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة بسبب توبتكم واستسلامكم للحدَّ ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ عاجلًا ﴿فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾: بسبب ما خضتم فيه، يقال: أفاضَ في الحديثِ وخاضَ واندَفَعَ.
﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يُستَحْقَر دونه اللومُ والحدُّ.
* * *
(١٥) - ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.
﴿إِذْ﴾ ظرف لـ (مسكم) أو لـ ﴿أَفَضْتُمْ﴾.
﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ التَّلقِّي كالتلقُّن والتلقُّفِ، إلَّا أن في التلقِّي معنى الاستقبال، وفي التلقُّن الحَذْق في التناول، وفي التلقُّف الاحتيال في التناول، ذكره الراغب (^٢)، ولا اختصاص له بالكلام فلذلك قال:
_________________
(١) في (ك): "كذب".
(٢) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ١٦٠). وجاء في هامش (ف) و(ي): "التلقي يبش الشن وجزي را ازكسي فراء كرفن تاج المصادر، فمن فسَّر التلقِّي بمطلق الأخذ، فقد أضرَّ بحسن موقع الكلمة في هذا المقام. منه". وهو في هامش (م) دون الألفاظ غير العربية.
[ ٧ / ٢٥١ ]
﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾؛ أي: أنَّ بعضَكم كان يقول لبعض: هل بَلَغك حديثُ عائشة! حتى شاعَ فيما بينهم وانتشر، فلم يبقَ بيتٌ ولا نادٍ إلا طاَرَ فيه.
﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ إنَّما قيَّد بالأفواه مع أنَّ القولَ لا يكون إلا بالفم؛ لأن المراد بيان أَنَّهم يقولون كلامًا لا يساعده القلبُ بأدنى درجات العلم، فالتنكير في قوله: ﴿مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ للتقليل.
﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ سهلًا لا تَبعةَ له، فهذه ثلاثةُ آثام مترتِّبة علِّق بها مسُّ العذاب العظيم: تلقِّي الإفك بألسنتهم، والتحدُّثُ به من غير علمٍ، واستصغارهم بذلك.
﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في الوِزْر.
ثم أخذ في توبيخهم على التكلُّم به، وكان الواجب عليهم إذ سمعوه أن لا يتفوَّهوا به فقال:
(١٦) - ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَلَوْلَا﴾: وهلَّا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا﴾ ما ينبغي وما يصحُّ لنا ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ قد تقدَّم فائدةُ تقديم الظرف، ووجه الفَصْل به بين (لولا) و﴿قُلْتُمْ﴾.
﴿سُبْحَانَكَ﴾ للتعجُّب من عِظَم الأمر، ومعنى التعجُّب في كلمة التسبيح: أنَّ الأصل أنَّ يُسبَّح اللّهُ عند رؤية العَجَب من صنائعه (^١)، ثم كثُر حتى استُعمل في كلِّ مُتعجَّب منه، أو لتنزيه اللّه تعالى من أن تكون حرمةُ نبيِّه ﵇ فاجرةً، فإن فجورها ينفِّر عنه ويخلُّ بمقصود الزواج، بخلاف كفرها، فيكون تقريرًا لِمَا تقدَّم وتمهيدًا لِمَا تأخَّر.
_________________
(١) في (ك): "صانعه".
[ ٧ / ٢٥٢ ]
﴿هَذَا﴾ الإشارة إلى القول المخصوص، ويجوز أن يكون إلى نوعِه؛ فإن قذفَ آحادْ الناس مُحرَّم شرعًا، فضلًا عن تعرُّض الصِّدِّيقة بنتِ الصِّدِّيق حرمةِ رسول الله ﷺ.
﴿بُهْتَانٌ﴾ زُورٌ يَبهتُ (^١) مَن يَسمع ﴿عَظِيمٌ﴾.
وفي بعض الأخبار: أنَّ أمَّ أبي أيوبَ قالت لأبي أيوبَ الأنصاريِّ ﵁: أمَا بَلَغك ما تقول الناسُ في عائشة ﵂؟! فقال أبو أيوبَ: سبحانك، هذا بهتان عظيم (^٢). فنزلت الآية على وفق قوله.
* * *
(١٧) - ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: يُحذِّركم اللّهُ ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾: في أن تعودوا إلى مِثْلِ ما فعلتُم من القولِ به وسماعِه وتلقِّيهِ (^٣).
﴿أَبَدًا﴾ ما دمتم أحياءً مكلَّفين.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فيه تهييجٌ لهم ليتَّعظوا، وتذكيرٌ بما يوجب تركَ العَود، وهو الإيمانُ الصادُّ عن كلِّ قبيح.
* * *
(١٨) - ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ الدالَّةَ على الشرائع ومحاسن الآداب كي تتَّعظوا وتتأدَّبوا.
_________________
(١) في (ك) و(م): "بهت".
(٢) رواه الطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٧٦) من حديث عائشة ﵂.
(٣) في (م): "وتلقنه".
[ ٧ / ٢٥٣ ]
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يَأمر وَينهى ﴿حَكِيمٌ﴾ فيه.
* * *
(١٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾: يُؤثِرون ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾: أن تنتشرَ الفاحشة؛ أي: ما قَبُحَ جدًّا، والمعنى: يحبُّون شيوعها ويُشيعونها؛ لأنَّ عذاب الدنيا لا يكون إلَّا بعد إشاعتها، وليس هذا من قَبيل الكناية ولا من قبيل المجاز المرسل؛ لأن كلًّا من معنى المحبَّة والإشاعةِ مقصودٌ، بل من قَبيل الاكتفاء عن ذِكْر الشيء بذكر ما يقتضيه (^١)؛ تنبيهًا على القوَّة في المقتضي.
ويجوز أن يكون المعنى: أتُشيعون الفاحشةَ محبِّين شيوعها، على التضمين.
﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾: في حقِّ المؤمنين (^٢)، وهم المقذوفون منهم، أو فيما بين المؤمنين.
﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ بالحدِّ ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنار.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ بواطنَ الأمور وسرائرَ الصدور ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فعاقِبوا في الدنيا على ما دلَّ عليه الظاهر، واللّهُ يعاقِبُ على السرائر من حبِّ الإشاعةُ وغيرِه إن لم يتوبوا عنها.
* * *
(٢٠) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "بذكر نقيضه".
(٢) في (ف): "المبين".
[ ٧ / ٢٥٤ ]
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لعجَّل لكم بالعذاب (^١)، كرَّر المنَّة بترك المعاجلة بالعقاب مع حذف الجواب مبالغةً في تعظيم الجريمة والتوبيخ لهم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حيث أظهر براءةَ المقذوف وأثابَ ﴿رَحِيمٌ﴾ بغفرانه جنايةَ القاذف إذا تاب، وهذا لأن الرأفةَ رقَّةُ الرحمة، وهي تناسب حالَ المقذوف.
* * *
(٢١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا﴾ الاتِّباعُ: الاقتداءُ بالدَّاعي الذاهبِ في جهةٍ باقتفاء أَثَره في الذهاب في تلك الجهة، فالمتَّبَع في الحقيقة نفسُ الداعي لا أَثَرُه، وإنَّما أُضيف الاتِّباع هنا إلى الأثَر تنزيلًا له منزلةَ الداعي مبالغةً.
﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أريد بخُطُوات الشيطان تعدِّيه حدودَ اللّه تعالى بالوسوسة وتجاوزُه عنها.
﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ حذف جزاؤه لظهوره، وأُقيم علَّته مقامَه.
﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ﴾ تعليل للجزاء المحذوف، والجملة الشرطية قائمةٌ مقام تعليل النهي.
﴿بِالْفَحْشَاءِ﴾: ما أفرط قُبْحُه ﴿وَالْمُنْكَر﴾: ما أنكره الشرعُ في الجملة، فهو تعميمٌ بعد التخصيص، وفائدته التنبيه بتقديم الخاصِّ على اختصاصه بزيادة الاعتناء في شأنه من جهة الأمر.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "لعجل العذاب".
[ ٧ / ٢٥٥ ]
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بتوفيقِ التوبة الماحية للذنوب، وشَرْعِ الحدود المكفِّرة لها ﴿مَا زَكَى﴾ ما طهر من دَنَسها ﴿مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ ما دام حيًّا مكلفًا.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ بحمله (^١) على التوبة وقَبولها ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ بمقالاتهم ﴿عَلِيمٌ﴾ وبِنيَّاتهم.
* * *
(٢٢) - ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾: ولا يَحلِفْ، افتعالٌ من الأَليَّة، يُرشد إليه أنه قرئ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ (^٢)، وأنَّه نزل في أبي بكرٍ ﵁ وقد حَلَف أن لا يُنفِق على مِسْطَح بَعْدُ، وكان ابنَ خالته وكان من فقراء المهاجرين (^٣).
﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ في الدِّين، وفيه دليل على فَضْل أبي بكر ﵁.
﴿وَالسَّعَةِ﴾ في المالِ.
﴿أَنْ يُؤْتُوا﴾ كراهة أن يؤتوا، وقرئ بالتاء على الالتفات (^٤).
﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صفاتٌ لموصوفٍ واحد؛ أي: ناسًا جامعين لها؛ لأن الكلام فيمَن كان كذلك، أو لموصوفاتٍ أُقيمت مقامها، فيكون أبلغَ في تعليل المقصود.
_________________
(١) في (ك): "يحمله".
(٢) قرأ بها أبو جعفر من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٣٣١). وهذا مضارع تألَّى بمعنى: حَلَف.
(٣) قطعة من حديث الإفك الطويل رواه البخاري (٤٦٥٠)، ومسلم (٢٧٧٠)، عن عائشة ﵂.
(٤) قرأ بها أبو حيوة وابن قطب وأبو البرهسم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠١).
[ ٧ / ٢٥٦ ]
﴿وَلْيَعْفُوا﴾ ما فرَط منهم ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾ الصَّفْح: الإعراض، ولْيتجاوزوا عن الجفاء، ولْيُعرِضوا عن العقوبة.
﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ هذا غايةُ تلطُّفٍ في الخطاب؛ أي: فإذا أحببتم مغفرة اللّه لكم فاغفروا لغيركم.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: فتأدَّبوا بأدب اللّه واعفوا وارحموا.
ولمَّا نزل ﴿أَلَا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو بكر ﵁: بلى يا ربِّ، ثم عاد بمِسْطَح (^١) إلى ما كان وكفَّر يمينه (^٢).
* * *
(٢٣) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾: العفائفَ ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ ممَّا قُذفنَ به، كناية عن براءتهنَّ منه ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بما يجب الإيمان به، استباحةً لعرضهنَّ وطعنًا في الرسول والمؤمنين كابنِ أُبَيٍّ.
أُريدت عائشةُ ﵂ وحدها، وإنَّما جمع لأن مَن قَذَفَ واحدةً من نساء النبيِّ ﵊، فكأنَّه قد قذفهنَّ.
وأعاد الكلام دفعًا لِمَا عسى أن يَسبق إلى الأوهام من قضية مِسْطَحٍ أنَّ سائر (^٣) قذفَةِ عائشة مغفورون بالجَلْد والتوبة.
_________________
(١) في (ع) و(ف) و(ك) و(م): "لمسطح"، والمثبت من (ي).
(٢) قطعة من حديث الإفك الطويل عن عائشة ﵂، وقد تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) "سائر" من (م).
[ ٧ / ٢٥٧ ]
﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ يتكلَّم المؤمنون في الدنيا بلعنهم والملائكةُ في الآخرة.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لعِظَم ذنوبهم، ودلَّ ذلك على معنى: يعذَّبون، وهو العامل في: ﴿يَوْمَ﴾ لا العذاب؛ لأنَّه موصوفٌ.
* * *
(٢٤) - ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ وقرئ بالياء (^١)، للتقدُّم والفَصْل.
﴿أَلْسِنَتُهُمْ﴾ هذا في حقِّ القَذَفة، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية [يس: ٦٥] في حقِّ المشركين، فلا منافاة.
﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعترفونَ بها بإنطاق اللّه تعالى، على ما نطَق به قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] بغير اختيارهم على ما دلَّ عليه قولهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١] وفي ذلك مزيد تهويلِ العذاب.
* * *
(٢٥) - ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾.
﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ﴾: جزاءَهم ﴿الْحَقَّ﴾ بالنصب، وصفًا لـ ﴿اللَّهَ﴾ على المدح، لقراءة مجاهد بالرفع (^٢) وقراءةِ أَبَيٍّ: (يوفِّيهم اللّهُ الحقُّ دينَهُم) (^٣)، والأصل في القراءات التوافق.
_________________
(١) قرأ بها حمزةُ والكسائيُّ. انظر: "التيسير" (ص: ١٦١).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠١)، و"المحتسب" (٢/ ١٠٧).
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠١)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ١٧٤)، و"تفسير القرطبي" (١٥/ ١٨٤).
[ ٧ / ٢٥٨ ]
﴿يَعْمَلُونَ﴾ عند ذلك ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ الثابتُ بذاته، الظاهرُ ألوهيتُه، لا يُشاركه في ذلك غيُره، لارتفاع الشكوك وحصولِ العلم الضروريِّ.
ولم يغلِّظ اللّهُ تعالى في القرآن في شيءٍ من المعاصي تغليظَه في إفكِ عائشةَ ﵂، فأَوجز في ذلك وأَشبع، وفصَّل وأَجمل، وأكَّد وكرَّر، وما ذلك إلَّا الإِصْر (^١).
* * *
(٢٦) - ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من القول والعمل ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال، وعلى هذا بقيَّته.
وقيل: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا بقيَّته.
﴿وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ وفيه تنزيهُ عائشة ﵂ لِمَا أنها زوجةُ الرسول ﷺ، فهي طيِّبةٌ لزوجٍ طيِّبٍ، وامرأةُ المنافق القاذفِ خبيثة لزوجٍ خبيثٍ.
﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾، أي: فيهم، و﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الطيبين وأَنَّهم مبرَّؤون ممَّا يقول الخبيثون مِن خبيثات الكَلِم، وهو كلامٌ جارٍ مجرى المَثَل لعائشةَ ﵂ وما رُميَت من قولٍ لا يُطابِق حالها في النزاهة والطِّيب.
ويجوز أن يكون ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةً إلى أهل البيت، وأنَّهم مبرَّؤون ممَّا يقول أهلُ الإفك.
_________________
(١) في (ع): "إلا الأمر"، وفي (ي): "إلا لأمر"
[ ٧ / ٢٥٩ ]
﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ في المحشر، مستأنفٌ، أو خبرٌ بعد خبرٍ ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الجنة.
* * *
(٢٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ التي اختصَّ بكم سُكناها، سواءٌ سكنتُم فيها أو لم تسكنوا؛ أي: لا تدخلوا بيوتًا يَسكنها غيرُكم.
وهذا يعمُّ مسكنَ الأمِّ فإنه لا يجوز أن يدخل عليها مغافصة (^١)، روي أنَّ رجلًا قال للنبيِّ ﷺ: أَستأْذِنُ على أمِّي؟ قال: "نعم"، قال: لا خادمَ لها غيري، أستأذِنُ عليها كلَّما دخلت؟ قال: "أتحبُّ أن تراها عريانةً"؟ قال: لا، قال: "فاستَأذِن" (^٢)، وهو تأديبٌ بما يرجع إلى التحرُّز عن الاطِّلاع على عورةِ الغير.
﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ (^٣)؛ أي: تَستَعْلِموا مَن في البيت بأيِّ وجهٍ أَمْكن (^٤)، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]؛ أي: عَلِمتم، وفي "سنن ابن ماجه" عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ قال: قلنا: يا رسول الله، هذا السلام فما الاستئناس؟ قال:
_________________
(١) أي: على حين غرة. ووقع في (م): "مناقصة"، وفي (ع): "منافضة"، وفي (ي): "مفاضة".
(٢) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٦٣)، وأبو داود في "المراسيل" (٤٨٨)، عن عطاء بن يسار مرسلًا، قال ابن عبد البرّ في "التمهيد" (١٦/ ٢٢٩): هذا الحديث لا أعلم يستند من وجه صحيح بهذا اللفظ، وهو مرسل صحيح مجتمع على صحة معناه.
(٣) في (ف): "تستأذنوا".
(٤) في هامش (ف) و(م): "فإن المانع عن الدخول قبل الاستئناس سكون الغير، وانتفاؤه لا يَستلزم ثبوت سكونهم. منه".
[ ٧ / ٢٦٠ ]
"يتكلَّم الرجلُ بتسبيحةٍ وتكبيرةٍ وتحميدةٍ، وتَنحْنُحٍ، ويُؤذِن أهلَ البيتِ" (^١).
﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ بأن تقولوا: السلامُ عليكم، أَأَدخُل، وعنه ﵊: "التسليم أن يقول: السلامُ عليكم، أَأَدخُل"، ثلاث مرات، فإن أُذنَ له دَخَلَ، وإلَّا رجع (^٢).
وقيل: إنْ تلاقَيَا يُقدِّم التسليم، وإلَّا فالاستئذان.
﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: الاستعلامُ والتسليم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من تحيَّة الجاهليةِ والدُّمُور - وهو الدخول بغير إذنٍ - وكان الرجل من أهل الجاهلية إذا دخل بيتَ غيرِه يقول: حُيِّيتُم صباحًا، و: حُيِّيتُم مساءً، ثم يدخل، فربَّما أصاب الرجلَ مع امرأته في لحافٍ واحد.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ متعلِّق بمحذوف؛ أي: أُنزل إليكم - أو: قيل لكم هذا - إرادةَ أن تَذكروا وتَعملوا بما هو أصلحُ لكم.
* * *
(٢٨) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٣٧٠٧)، وفي إسناده: أبو سَوْرة - وهو ابن أخي أبي أيوب - وهو ضعيف.
(٢) انظر في الأمر بالرجوع بعد الاستئذان ثلاثًا حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري (٦٢٤٥) ومسلم (٢١٥٣). وروى أبو داود في "سننه" (٥١٧٧)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٠٧٥)، من طريق رِبْعِيِّ بنِ حِراش أنه قال: حدَّثنا رجلٌ مِن بني عامر استأذَن على النبيِّ ﷺ وهو في بيتٍ، فقال: آلِجُ؟ فقال النبيُّ ﷺ لخادِمه: "اخرُجِ إلى هذا، فَعَلِّمْهُ الاستئذانَ، فقل له: قُل السَّلامُ عليكم، آدْخُلُ؟ "، فَسَمِعُه الرجلُ، فقال: السلامُ عليكم، آدخُلُ؟ فأذِنَ النبيُّ ﷺ، فدخَلَ. ورجال إسناده ثقات إلا أنَّ فيه انقطاعا. انظر حديث أبي سعيد عند البخاري (٦٢٤٥) ومسلم (٢١٥٣).
[ ٧ / ٢٦١ ]
﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ يَأذنُ لكم، وإنما قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ دون: لم يكن؛ لمكان التفقُّد المأمور به في ضمن الأمر بالاستئناس.
﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا﴾ يعني: إن كان لكم فيها حاجة.
﴿حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ لا لأن التصرُّف في ملك الغير بغير إذنه محظور؛ لأنَّه لا ينتظِم ما إذا كان الداخل مُعِيرًا (^١)، بل لأن المانع عن الدُّمور ليس الاطِّلاعَ على العورات فقط، بل وعلى ما تُخفيه الناس عادةً.
والمراد من الإذن: ما يعمُّ الإذن دلالةً كما إذا عَرَض حرقٌ أو غرقٌ أو نحوُ ذلك، وأمَّا الذي فيه مُنكَرٌ فلا يكون خاليًا، فلا يكون في معرض الاستثناء.
﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ ولا تُلحُّوا ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾: الرجوع أطهرُ لكم عمَّا لا يخلو عنه الإلحاح من الكراهة.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ يَعلم ما تَأتون وما تَذرون ممَّا خوطبتم به، فيجازيكم عليه.
* * *
(٢٩) - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: في أن تدخلوا ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ كالخانات والرِّباطات والحوانيت ﴿فِيهَا مَتَاعٌ﴾: استمتاع ﴿لَكُمْ﴾ كالاستِكْنان من الحَرِّ والبرد، وإيواءِ الرحال والسِّلع، والجلوسِ للشِّرى والبيع، وذلك استثناء (^٢) من الحكم السابق؛ لشموله البيوتَ المسكونة وغيرَها.
_________________
(١) في (ي) لعلها: "فقيرا".
(٢) في (م): "الاستثناء".
[ ٧ / ٢٦٢ ]
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ وعيدٌ لمن دخل مَدخلًا لفسادٍ، أو يطَّلعَ على عورات.
* * *
(٣٠) - ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ لم يذكر ما يُغَضُّ البصرُ عنه ويُحفظ الفرج؛ لأن ذلك معلوم بالعادة، فإن مَن سمعه يَعلم أن المراد منه المحرَّمُ دون المحلَّلِ، فلا حاجة إلى الاستثناء، وليس كلُّ المحرَّم ممَّا يَجب غضُّ البصر عنه، بخلاف حفظ الفرج، فإن كلَّ ما يَحرُم يجب حفظه عنه، فلذلك أدخل (^١) حرفُ التبعيض في الأول، وأطلق الثاني.
﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ لما فيه من البُعد عن دَنَس الإثم.
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ من إجالة النظر واستعمالِ سائر الآلات وما يقصدون بها، فليكونوا على حَذَرٍ منه في كلِّ حركة وسكون.
* * *
(٣١) - ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "دخل".
[ ٧ / ٢٦٣ ]
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ إنَّما قدّم غضّ الأبصار على حفظ الفروج؛ لأن النظرَ بريدُ الزنى ورائدُ الفجور، وبذرُ الهوى طموحُ العين.
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزِّيْنة: ما تزيَّنت به المرأةُ من حُلِيٍّ أو كُحْلٍ أو خضابٍ، والمنهيُّ (^١) إظهارُ مواضعِ الزينة، إذ إظهارُ عينِها (^٢) مباحٌ، فالمراد بها مواضعها مجازًا، أو إظهارها وهي في مواضعها لا إظهار أعيانها.
﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي: بلا إظهار منهنَّ، كما إذا هبَّت الريحُ وكشفت عنها الستر، والاستثناء عن الحكم الثابت بطريق الإشارة، وهو الاستحقاق بالمؤاخَذة في دار الجزاء بسبب ظهورها، وقد مرَّ وجه هذا النوع من الاستثناء في تفسير قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣].
وما ظهر بإظهارٍ منهنَّ ضرورةً - كالمعالجة وتحمُّل الشهادة ونحوِ ذلك - في حُكم ما ظهر بلا إظهارٍ منهنَّ، وأمَّا جريان المعادة والجِبِلَّةِ على ظهوره، فلا يَصلح وجهًا للاستثناء المذكور.
﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾: ولْيَضعنَ، من قولك: ضَربتُ بيدي على الحائط، إذا وضعتَها عليه.
﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾: جمع خِمارٍ ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ كانت جيوبهنَّ واسعةً تَبدو منها صدورهنَّ وما حواليها، وكنَّ يَسدُلنَ الخُمُرَ من ورائهنَّ فتبنى مكشوفة، فأُمِرن أن يَسدُلْنها من قُدَّامهنَّ حتى يغطينها.
_________________
(١) في (م): "والنهي عن".
(٢) في (ك): "غيرها". والمراد بـ "عينها": عين الزينة، يعني: حين لا تكون على المرأة.
[ ٧ / ٢٦٤ ]
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ كرَّره لبيان مَن يحلُّ له الإبداء ومَن لا يحل له:
﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾: لأزواجهنَّ.
﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ ويدخل فيه الأجدادُ.
﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ فقد صاروا محارمَ أيضًا.
﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ ويدخل فيه النوافل.
﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ فقد صاروا محارمَ أيضًا.
﴿أَو إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ ويدخل فيهم النوافل وسائر المحارم كالأعمام والأخوال وغيرهم دلالةً.
﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ أي: الحرائر المؤمنات، فإن مُطلَق هذا اللفظ للحرائر، والإضافة لإخراج الكافرات فإنهنَّ لا يتحرَّجن عن وصفهنَّ للرجال.
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعمُّ الإماء والعبيد؛ لما روي عن النبيِّ ﷺ أنه (^١) أتى فاطمةَ ﵂ بعبدٍ وَهَبهُ لها وعليها ثوبٌ إذا قنَّعت به رأسَها لم يَبلغ رجليها، وإذا غطَّت رجليها لم يَبلغ رأسَها، فقال ﵊: "إنه ليس عليك بأسٌ، إنما هو أبوك وغلامك" (^٢).
وقال سعيد بن المسيب: لا تغرنَّكم سورةُ النور، فإنَّها في الإماء دون الذكور (^٣).
_________________
(١) "أنه" من (ف) و(ك).
(٢) رواه أبو داود (٤١٠٦).
(٣) انظر: "الكشاف" (٣/ ٢٣٢)، ورواه بنحوه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٦٩١٠). قال الزمخشري: وهذا هو الصحيح؛ لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها، خصيًّا كان أو فحلًا.
[ ٧ / ٢٦٥ ]
وَيرِدُ عليه أنه حينئذٍ يَلزم أن يكون في المذكور إطنابٌ مخلٌّ، واللازم مُنتفٍ بلا شبهة.
﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾: الذين يَتْبَعون القومَ فيأكلون معهم ويرتفقون بهم.
﴿غَيْرِ﴾ بالنصب على الاستثناء أو الحال، وبالجرِّ على البدل أو على الوصفية (^١).
﴿أُولِي الْإِرْبَةِ﴾: الحاجةِ إلى النساء، وهم الذين لا يَشتهون النساء، فلا يحتاجون إليهنَّ من هذه الجهة، وهذا ليس بواقعٍ على الخصيِّ والمجبوب والمخنَّث؛ لأنهم يُشتهَون وَيشتهُون النساء.
﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ﴾ هو جنسٌ، فصلح أن يُراد به الجمع بدلالة الوصف.
﴿لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ لعدم تمييزهم؛ من الظهور بمعنى الاطِّلاع، أو: لعدم بلوغهم إلى حدِّ الشهوة؛ من الظهور بمعنى الغلبة.
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾؛ أي: الأرضَ عند المشي ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ليَتَقعقَع خَلْخالها فيُعلم أنها ذاتُ خَلْخال، وإنما نهى عنه لأن سماع هذه الزينة أشدُّ تحريكًا للشهوة من إبدائها، فلا دلالة فيه على أن إبداءَ الزينة نفسه مقصودٌ بالنهي فيما تقدَّم.
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إذ لا يكاد يخلو أحدٌ منكم من تفريط سيَّما في الكَفِّ عن الشهوات، وقوله:
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ بيانُ أنه أَمَرهم بالتوبة لينتفعوا بذلك، لا أن يكون للحقِّ سبحانه بها تجمُّل.
_________________
(١) قرأ بالنصب ابن عامر وشعبة، وباقي السبعة بالجر. انظر: "التيسير" (ص: ١٦١).
[ ٧ / ٢٦٦ ]
(٣٢) - ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الأَيامى: جمع أَيِّم، وهو مَن لا زوجَ له، رجلًا كان أو امرأةً، بكرًا كان أو ثيِّبًا، وأصله: أيايم فقُلب.
والخطاب للأولياء والسادة، والأمرُ للندب، لا يقال: في الآية دليل على أن تزويج النساء الأيامى إلى الأولياء، كما أن تزويج العبيد والإماء إلى الموالي؛ لأنَّا نقول: الرجلُ لا يَلي الرجلَ الأيِّمَ إلَّا بإذنه، فكذا لا يلي على المرأة إلَّا بإذنها؛ لأن الأيِّم ينتظِمُهما، ولا فارق من جهة النظم.
﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ تخصيصُهم لأنَّ إحصانَ دينِهم والاهتمامَ بشأنهم أهمُّ.
﴿مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾؛ أي: من غلمانِكم وجواريكم.
﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وعدٌ من اللّه تعالى بالإغناء؛ لقوله ﵇: "اطلبوا الغنى في هذه الآية" (^١)، ولقوله ﵇: "التمِسوا الرزق بالنكاح" (^٢).
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾: ذو سعة لا يرزؤه إغناءُ الخَلْق ﴿عَلِيمٌ﴾ يبسط الرزق ويقدره على ما تقتضيه حكمته.
_________________
(١) انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ١٠٥)، وقال المناوي في "الفتح السماوي" (٢/ ٨٧١): لم أجده. قلت: رواه عبد العزيز بن أبي رواد عن النبي ﷺ مرسلًا، كما في "تفسير ابن أبي زمنين" (٣/ ٢٣٣)، و"النكت والعيون" (٤/ ٩٨).
(٢) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" (٢٨٢)، وعزاه العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٢٠٢) للثعلبي في "تفسيره" وضعفه.
[ ٧ / ٢٦٧ ]
(٣٣) - ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ ولْيَجتهدْ في العفَّة وقَمْع الشهوة، كأنَّ المستعفِف طالبٌ من نفسه العَفَاف.
﴿الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ استطاعةَ تزوُّجٍ من المهر والنفقة ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
انظر كيف رتَّب هذه الأوامر؛ فأَمر أولًا بما يعصم من الفتنة ويُبعد من موافقة (^١) المعصية وهو غضُّ البصر، ثم بالنكاح الذي يُحصَّن به الدِّين، المغني عن الحرام، ثم بعزف (^٢) النفس الأمَّارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يقدر عليه.
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: والمماليك الذين يطلبون الكتابةَ فـ (الذين) مرفوع بالابتداء، أو منصوبٌ بفعل يفسِّره:
﴿فَكَاتِبُوهُم﴾ وهو للندب، ودخلت الفاء لتضمُّن معنى الشرط، والكِتاب والمكاتبة كالعِتاب والمعاتبة، وإنَّما سمِّي ذلك العقدُ به؛ لأن السَّيِّد كَتبَ على نفسه عتقه إذا أدَّى المال، ويجوز حالًّا ومؤجَّلًا، منجَّمًا وغيرَ منجَّم؛ لإطلاق الأمر،
_________________
(١) كذا في النسخ، والذي في "الكشاف" (٣/ ٢٣٨): (مواقعة)، وهو الأنسب بالسياق.
(٢) في (ف) و(ك): "بعرف"، وفي (ع): "بصرف"، والمثبت من (م) و(ي). وهو الأقرب إلى ما في المصدر السابق، ولفظه: (ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها عن الطموح …).
[ ٧ / ٢٦٨ ]
وعدمُ المال لا يَستلزم العجز عن الأداء في الحال؛ لأنَّه قادرٌ على الاستقراض.
﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: قدرةً على الكسب، أو أمانةً، أو ديانةً، والنَّدْبيَّة متعلِّقة بهذا الشرط كما أن النَّدْبية في إنكاح الأيامى متعلِّقة بشرط الصلاح.
﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتَبين وإعطائهم سهمهم من الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وعند الشافعيِّ معناه: حُطُّوا من بدل الكتابة شيئًا قلَّ أو كثر، ويأباه عبارة الإيتاء؛ لأنها تقع على التمليك لا على الحطِّ.
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ كنَّى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة، والبِغاء: الزنى للنساء خاصَّة، وهو مصدر البغي.
﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ تعفُّفًا عن الزنى، وإنما قيَّد بهذا الشرط لا لأنَّ الإكراه لا يتحقَّق بدونه؛ لأنَّه على تقدير التسليم يكون سببًا للترك لا للذكر، بل لأنها نزلت في ابن أُبَيٍّ وكانت له جَوارٍ يُكرههنَّ على البغاء، وفيه توبيخٌ بالموالي؛ أي: إذا رغبنَ في التحصُّن، فأنتم أحقُّ بذلك، وإيثار (إن) على (إذا)؛ لأن إرادة التحصُّن من الإماء كالشاذِّ النادر.
﴿لِتَبْتَغُوا﴾: لابتغائكم، فإن الفعل هنا منزَّل منزلةَ المصدر، كما في قوله: تَسمعُ بالمُعيدِيِّ خيرٌ من أن تراه، وذلك لأنَّ الابتغاء المذكور يكون سببًا مقدَّمًا، ولا يكون غاية متأخِّرة.
﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من أجورهنَّ وأولادهنَّ.
﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾ حذف جوابه؛ أي: فعليه وبالُ إكراهه لا يتعدَّى إليهنَّ، وأُقيم تعليل هذا مقامه وهو قوله:
[ ٧ / ٢٦٩ ]
﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: لهنَّ، وفي مصحف ابنِ مسعود ﵁ كذلك (^١).
وإنما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ لشدَّة المعاتبة على المُكرِه؛ فإن المُكرَهة مع قيام العذر إذا كانت بصدد المعاتبة حتى احتاجت إلى المغفرة، فما حال المُكرِه؟! وللدلالة على أنَّ حدَّ الإكراه الشرعيِّ والمصابرةِ إلى أن يُنتَهى إليه فيرتكبَ ضَيِّقٌ (^٢)، واللّه يغفرُ ذلك بلطفه.
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ المراد: الآياتُ التي بُنيِّت في هذه السورة وأُوضحت في معاني الأحكام والحدود، وجاز أن يكون الأصل: مبيَّنًا فيها، فاتُّسع في الظرف، وقرئ بالكسر (^٣)؛ أي: بيَّنت من الأحكام والحدود، وجُعل الفعل لها مَجازًا، أو من بَيَّن بمعنى: تبيَّن، ومنه المَثَل: قد بَيَّن الصُّبحُ لذي عينين (^٤).
﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: ومَثَلًا من أمثالِ مَن قبلكم؛ أي: وقصَّةً عجيبةً مثلَ قصصهم، وهي قصَّة عائشة فإنَّها كقصَّة (^٥) يوسفَ ومريمَ ﵉.
﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: هم المنتفعون بها وإن كانت الموعظة للكلِّ.
_________________
(١) أي: (من بعد إكراههنَّ لهنَّ غفور رحيم)، والقراءة رواها عبد بن حميد في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٧).
(٢) في (م): "فسق".
(٣) قرأ بالكسر ابن كثير ونافع وأبو عمرو وشعبة. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٢).
(٤) انظر: "جمهرة الأمثال" (٢/ ١٢٦)، و"المستقصى في الأمثال" (٢/ ١٩٠).
(٥) في (م): "قصة".
[ ٧ / ٢٧٠ ]
(٣٥) - ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: بيَّن وضوح الدلالات وجلاء البينات، وأنَّ مَن ضلَّ عن الحقِّ فليس لخفاءِ الدليل واشتباهِ السبيل، فقال: اللهُ هادي أهل السماوات والأرض؛ أي: إلى ما بهم الحاجةُ إليه في مصالحِ دينهم ودنياهم، وهي كلمة مُطلَقة في هذا المعنى، يقال: فلانٌ نورُ بلدِه، أي: به يَهتدون إلى أمورهم، وعن رأيه يَصدرون إلى مصالحهم.
﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، أي: صفةُ نورِه العجيبة الشأن في الإضاءة، والمراد به: دلائلُه التي يَهتدي بها عباده.
﴿كَمِشْكَاةٍ﴾: كصفةِ مشكاة، وهي الكُوَّة في الجدار غيرِ النافذة.
﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: سراجٌ ضخمٌ ثاقبٌ.
﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ في قنديلٍ من زجاجٍ شاميٍّ أَزْهَرَ.
﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾: مُضِيء، بضمِّ الدال وتشديد الياء، منسوبٌ إلى الدُّرّ لفَرْط ضيائه وصفائه.
وقرئ بالكسر والهمز (^١)، كأنَّه يَدْرأ (^٢) الظلامَ بضوئه.
_________________
(١) أي: ﴿دُرِّيٌّ﴾، وقرأ بها أبو عمرو والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٢).
(٢) كتب تحتها في (ي): "يدفع".
[ ٧ / ٢٧١ ]
وقرئ بالضَّمِّ والهمز (^١)؛ شبَّهه في زهرتِه بأحدِ (^٢) الكوكبِ الدراري، كالمشتري والزُّهَرة ونحوهما.
﴿يُوقَدُ﴾ بالياء والبناء للمفعول من أَوْقَد، وقرئ بالفوقانية كذلك (^٣) على إسناده إلى ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ بحذف المضاف.
وقرئ: ﴿يُوقَدُ﴾ (^٤) بمعنى: تتوقَّد؛ بحذف التاء لاجتماع الزيادتين.
﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾؛ أي: ابتداءُ ثُقوبه (^٥) من شجرة الزيتون، يعني: رَوَيت ذُبالتُه بزيتها (^٦).
﴿مُبَارَكَةٍ﴾: كثيرة المنافع، أو لأنَّها تنبت في الأرض التي بارك فيها للعالمين.
﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدل من ﴿شَجَرَةٍ﴾، نعتُها: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾؛ أي: لا نابتةٍ في شَرق المعمورة ولا في غربها، بل في وسطها وهو الشام، فإنَّ زيتونَها أجودُ.
أو: لا في مضحًى تُشرق الشمس عليها دائمًا فتحرِقُها، أو في مقنأة تغيبُ عنها دائمًا فتتركها نيئًا، وفي الحديث: "لا خيرَ في شجرةٍ ولا في نباتٍ في مقنأةٍ، ولا خير فيهما في مضحى" (^٧).
_________________
(١) أي: ﴿دُرِّيٌّ﴾، وقرأ بها حمزة وشعبة. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٢).
(٢) في (ف): (أحد). وفي (م): "كأحد".
(٣) قرأ بها حمزة والكسائي وشعبة. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٢).
(٤) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٢).
(٥) في (ف): "توقده".
(٦) في (ف): "بدهنها"، وفي (م): "بزهرها".
(٧) انظر: "الكشاف" (٣/ ٢٤١). قال الحافظ في "الكافي الشاف" (ص: ١١٩): لم أجده.
[ ٧ / ٢٧٢ ]
وقيل: أي: ليس بحيث تقع الشمسُ عليها حينًا دون حينٍ، بل بحيث تقع عليها طول النهار، كالتي تكون على قُلَّة أو صحراءَ واضحة، فإن ثمرتها تكون أنضجَ وزيتها أصفى، ويردُّه ما دلَّ عليه الحديث المذكور (^١) من أنه لا خيرَ فيها؛ لأن إشراق الشمس عليها دائمًا يحرقها.
﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ وصف الزيت بالصفاء (^٢) والوميض، وأنَّه لتلألؤه يكاد يُضيء من غير نارٍ.
﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ أي: هذا النور الذي شبِّه به الحقّ نورٌ مُتضاعف قد تناصَر فيه المشكاةُ والزجاجةُ والمصباحُ والزيتُ حتى لم يبق بقيَّةٌ ممَّا يقوِّي النور، وهذا لأنَّ المصباح إذا (^٣) كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أجمعَ لنوره، بخلاف المكان الواسعِ فإنَّ الضوء ينتشر فيه، والقنديل أعونُ شيءٍ على زيادة الإنارة، وكذلك الزيتُ وصفاؤه، وضَرْبُ المَثَل يكون بدنيٍّ (^٤) محسوسٍ معهودٍ لعليٍّ غيرِ معايَنٍ ولا مشهودٍ (^٥).
﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ أي: لهذا النور الثاقب ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فإن الأسباب إنَّما تتمَّشى بمشيئته.
_________________
(١) لو صح، لكنه لا يعرف، ولم نجد له غير "الكشاف" مصدرًا.
(٢) في (م): "بالضياء" وكلمة: "والوميض" بعدها من (ع) و(ي).
(٣) في (م): "إن".
(٤) في (ف) و(ك) و(م): "بدل"، ولم تجود في (ع) و(ي). وقوله: (بدني) كأنه مِن الدنوِّ بمعنى القُرب، أي: قريب التناول للأذهان لكونه محسوسًا معهودًا؛ لأنَّ المقصود مِن التمثيل تقريب المعاني البعيدة مِن الأذهان بتشبيهها بالمعاني القريبة منها.
(٥) انظر: "تفسير النسفي" (٢/ ٥٠٧)، وفيه: (لا بعلي) بدل: (لعلي).
[ ٧ / ٢٧٣ ]
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ تقريبًا إلى أفهامهم وتسهيلًا لسبيل الإدراك.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيبيِّن كلَّ شيء بما حقُّه أن يُبيَّن به.
* * *
(٣٦) - ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
﴿فِي بُيُوتٍ﴾ متعلِّق بـ (مشكاة)؛ أي: كمشكاةٍ في بعضِ بيوتِ الله تعالى وهي المساجد.
أو: بـ ﴿توقد﴾ أي: توقد في بُيوتٍ، فيكون تقييدًا للمُمَثَّل (^١) به بما يكون تحبيرًا (^٢) ومبالغةً، فإن قناديل المساجد تكون أعظمَ، ولا ينافي جمعُ البيوت وحدةَ المشكاة؛ إذ المراد بها ما له هذا الوصف بلا اعتبارِ وحدةٍ ولا كثرةٍ.
أو: بـ ﴿يُسَبِّحُ﴾؛ أي: يُسبِّح له رجالٌ في بيوت، وفيها تكرير فيه توكيد، نحو: زيدٌ في الدار جالسٌ فيها.
_________________
(١) في (ك): "للمثل للممثل". وفي (م): "للمثل للمثل"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب والموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٤/ ١٠٨) والكلام منه.
(٢) كلمة "تحبيرا" من (ي)، وتحرفت في باقي النسخ إلى ألفاظ غير واضحة، وفي هامش (ك): "التحبير التزيين". وقد جاءت مع الكلمة اللاحقة في نسخ البيضاوي على وجوه، أحدها المثبت، والثاني: (لخير أو مبالغة). قال الشهاب: قوله: (بما يكون لخير) باللام والخاء المعجمة والراء المهملة في نسخة صحيحة؛ أي: قيده بما يكون معدًّا للخير وهو الطاعة والعبادة؛ لمناسبته للممثل له وهو الهداية ونحوها، وضبطه بعضهم كما في بعض النسخ: (تحبيرًا) بالحاء والراء المهملتين والباء الموحدة، يعني: تزيينًا وتحسينًا، ولا مدخل له في التمثيل، وفي أخرى: (تحيرا) و(كحيز) بمعنى محل ومقر بالمعجمة، وزاد الكاف لأنها معلقة فيه فليس حيزًا حقيقيًا لها كما قيل، وهو تكلف، قوله: (أو مبالغة فيه) وفي نسخة: (ومبالغة) بالواو، ووجه المبالغة كونها أضوءَ وأكبر، وعلى هذه النسخة يكون عطفه على ما قبله كالتفسير له ليكون له مدخل في التمثيل.
[ ٧ / ٢٧٤ ]
أو: بمحذوف؛ أي: سبّحوا في بيوت، والمراد بها المساجد؛ لأن الصفة تلائمها.
﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ أي: أَمَرَ ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ بالبناء أو التعظيم ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ عامٌّ لِمَا يتضمَّن ذِكْرَه، حتى المذاكرة في أفعاله والمباحثة في أحكامه.
﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ قال ابنُ عباس: كلُّ تسبيحٍ في القرآن صلاةٌ (^١). أي: يُصلِّي له فيها بالغداة صلاةَ الفجر، وبالآصال سائرَ الصلوات، ولهذا وحّد الغدوّ، وجمع قرينه.
والأصيلُ في الأصل: الوقتُ الذي بعد العصر إلى المغرب، صرَّح به الجوهريُّ (^٢) وصدر الأفاضل، وجمعه: أُصُل وآصَال؛ فمَن قال: والآصال جمع أصيل، وهو العشيُّ، فقد أخطأ مرَّتين.
وقرئ: (والإيصال) (^٣)، وهو الدخول في الأصيل.
* * *
(٣٧) - ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾.
وقرئ: ﴿يُسبَّح﴾ بالفتح (^٤)، على إسناده إلى أحد الظروف الثلاثة، ورفع ﴿رِجَالٌ﴾ بما يدلُّ عليه ﴿يسبَّح﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "التفسير" (١٧/ ٣٢٠)، والضياء المقدسي في "المختارة" (٣٣٥).
(٢) انظر: "الصحاح" (مادة: أصل).
(٣) قرأ بها أبو مجلز. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٢)، و"المحتسب" (٢/ ١١٣).
(٤) قرأ بها ابن عامر وشعبة. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٢).
[ ٧ / ٢٧٥ ]
وقرئ بالتاء مكسورًا (^١)؛ لتأنيث الجمع، ومفتوحًا (^٢)؛ على إسناده إلى أوقات الغدوِّ.
وإنَّما خصَّ الرجالُ بالذِّكر؛ إذ ليس على النساء والصبيان الحضورُ في المساجد.
﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾ لا تشغلهم ﴿تِجَارَةٌ﴾؛ أي: بالسفر ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾؛ أي: في الحَضَر، وحملناهما على هذين ليكون لزيادةِ إفادةٍ لا لمجرَّد إعادةٍ.
﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: خارجَ الصلاة ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾؛ أي: وعن إقامة الصلاة، التاء في (إقامة) عوضٌ من العين الساقط للإعلال، إذ الأصل: إقوام، فلمَّا قُلبت الواوُ ألفًا اجتمع ألفان، فحُذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي (^٣): إقامًا، فأدخلت التاء عوضًا عن المحذوف، فلمَّا أضيفت أُقيمت الإضافةُ مقام التاءِ فأُسقطت.
﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ يعني: أنَّهم يَسلكون سبلَ الكسبِ ولكن (^٤) إذا حضر حقُّ اللهِ تعالى أو حقُّ عبادِه بدؤوا به.
﴿يَخَافُونَ﴾ حال من الضمير في ﴿تُلْهِيهِمْ﴾، أو صفة أخرى لـ ﴿رِجَالٌ﴾.
﴿يَوْمًا﴾: يوم القيامة؛ أي: الحاملُ لهم على إقامة هذه الأشياء خوفُ القيامة.
﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ لبلوغها إلى الحناجر ﴿وَالْأَبْصَارُ﴾ بالشُّخوص والزُّرْقة (^٥).
_________________
(١) أي: (تُسبِّح)، نسبت لأبي حيوة وابن وثاب. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٢).
(٢) نسبت لأبي جعفر في غير المشهور عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٢).
(٣) في (م): "فيبقى".
(٤) في (م): "لكن".
(٥) في (ك) لعلها: (والدرمة)، وفي (ع): "للذرفة".
[ ٧ / ٢٧٦ ]
أو: تتقلَّب القلوبُ إلى الإيمان بعد الكفران، والأبصارُ إلى العيان بعد إنكاره للطغيان، كقوله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].
* * *
(٣٨) - ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ متعلِّق بـ ﴿يُسَبِّحُ﴾ أو: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾ أو: بـ ﴿يَخَافُونَ﴾.
﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ وأدناه المندوبُ، واحترز بالأحسن عن الحسن وهو المباح؛ إذ لا جزاء له.
﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: يزيدهم على الثواب الموعود على العمل تفضُّلًا.
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ﴾: يُثيب ﴿مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ثوابًا لا يَدخل في حسابِ الخلق، تقريرٌ للزيادة، وتنبيهٌ على كمال القدرة، ونفاذِ المشيئة، وَسَعة الإحسان.
* * *
(٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾؛ أي: الذين كفروا حالهم على ضدِّ ذلك، فإن أعمالهم التي يظنُّونها صالحةً نافعة عند الله، يَجدونها لاغيةً مخيِّبةً في العاقبة كالسراب، وهو ما (^١) يُرى في الفَلَاة من لمعانِ الشمس عليها وقت الظهيرة يَسرب على وجه الأرض كأنَّه ماءٌ يجري.
_________________
(١) في (ك): "ماء".
[ ٧ / ٢٧٧ ]
﴿بِقِيعَةٍ﴾ بمعنى القاع، أو جمعُ قاعٍ، وهو المنبسِطُ المستوي من الأرضِ كجيرةٍ في جارٍ.
﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ الظمأ: شدَّة العطش ﴿مَاءً﴾ التشبيهُ في شدَّة الخيبة عند مسيسِ الحاجة.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾: إذا جاء إلى ما توهَّم أنه ماء ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ نافعًا، يقال: هذا ليس بشيءٍ، يُراد به نفيُ نفعِه، هذا إذا كان المعنى: إذا جاء السرابَ.
وأمَّا إذا كان المعنى: إذا جاء موضعَه، فمعنى ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾: لم يجد في ذلك الموضع شيئًا كان يَتراءى له؛ لأنَّه لا يرى ذلك إذا حضر (^١)، وكذلك الكافر إذا قدِم يوم القيامة على أعماله التي هي خيراتٌ عنده، لم يجدها نافعةً، أو لا يراها؛ لأنها صارت هباءً منبثًّا.
﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ أي: وجد عقابَ الله ﴿عِنْدَهُ﴾؛ أي: تبطُل حسناته ويبقَى عقابُ سيئاته معدًّا له عند قدومه.
﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾؛ أي: أعطاه جزاءَ عمله وافيًا كاملًا.
وحَّد بعد تقدم [الجمع] حملًا على كلِّ واحد من الكفار (^٢).
﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لأنَّه لا يحتاج إلى عدٍّ (^٣) وعقد، ولا يشغله حسابٌ عن حسابٍ.
_________________
(١) في (ك) و(م): "حضروا".
(٢) انظر: "تفسير النسفي" (٢/ ٥٠٩)، و"البحر" (١٦/ ١٠٠)، وما بين معكوفتين منهما. وعبارة "البحر": (وأَفرَد الضَّميرَ في ﴿وَوَجَدَ﴾ بعد تقدُّم الجمع حملًا ..)، وعبارة النسفى: (وحد بعد الجمع حملًا ..).
(٣) في (ف) و(ك): "عدد".
[ ٧ / ٢٧٨ ]
قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ عطف على ما تقدَّم من التمثيل على سبيل العطف على المعنى، ومَن غفل عن هذا زعم أنه من تتمَّة التمثيل، فتعسَّف في توجيهه.
* * *
(٤٠) - ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ﴾ ﴿أَوْ﴾ هنا كـ (أو) في ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩].
وما قيل: ﴿أَوْ﴾ للتنويع؛ فإنَّ أعمالهم إن كانت صالحةً فكالسراب، وإن كانت قبيحةً فكالظلمات = يردُّه قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ لأن الأعمال الصالحة وإن لم تكن نافعة مع الكفر، لا يكون في عاقبتها وخامةٌ.
﴿لُجِّيٍّ﴾: عميقٍ كثيرِ الماء، منسوبٌ إلى اللُّجِّ وهو معظم الماء.
﴿يَغْشَاهُ﴾: يغشى البحرَ، أو من فيه؛ أي: يعلوه ويغطِّيه.
﴿مَوْجٌ﴾ هو ما ارتفع من الماء.
﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾؛ أي: من فوق الموجِ موجٌ آخرُ.
﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾؛ أي: من فوق الموجِ الأعلى ﴿سَحَابٌ﴾ غطَّى النجوم وحَجَب أنوارها. والجملة صفة أخرى لـ ﴿بَحْرٍ﴾ (^١).
﴿ظُلُمَاتٌ﴾؛ أي: هذه ظلماتٌ (^٢) ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾: ظلمةُ الموج على ظلمةِ البحر، وظلمةُ الموج على الموج، وظلمةُ السحاب على الموج.
_________________
(١) في (م): "صفة آخر للبحر".
(٢) في (م): "الظلمات".
[ ٧ / ٢٧٩ ]
﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ أقربَ ما تُرى إليه ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لم يقرُب أن يراها، فضلًا عن أن يراها، والضمائر للواقع في البحر وإن لم يَجْرِ ذِكْره (^١)؛ لدلالة المعنى عليه.
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ أي: مَن لم يَهدهِ اللهُ لم يَهتدِ، عن الزجَّاج (^٢)، في الحديث: "خَلقَ اللهُ الخلقَ في ظلمةٍ، ثم رَشَّ عليه من نورِه؛ فمَن أصابه من ذلك النورِ اهتدى، ومن أَخطأه ضَلَّ" (^٣).
* * *
(٤١) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أَلم تَعلم علمًا يقوم مقام العيَان في الإيقان (^٤) ﴿أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ ينزِّه ذاتَه عن كلِّ نقص وآفَةٍ ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ و﴿مَنْ﴾ لإسناد التسبيح، فلا حاجة إلى التغليب هنا وفي ﴿يَفْعَلُونَ﴾، أو أُريد به الملائكة والثقلان.
﴿وَالطَّيْرُ﴾ على الأول تخصيصٌ؛ لِمَا فيها من الصنع الظاهر والدليل الباهر، ولذلك قيَّدها بقوله:
﴿صَافَّاتٍ﴾ فإنَّ إعطاءَ الأجرام الثقيلة ما به تَقْوَى على الوقوف في الجوِّ صافَّةً
_________________
(١) في (ك): "يجر له ذكر".
(٢) في "معاني القرآن" له (٤/ ٤٨).
(٣) رواه الترمذي (٢٦٤٢)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وحسَّنه.
(٤) في (ك): "الإتقان".
[ ٧ / ٢٨٠ ]
باسطةً أجنحتها لِمَا فيها من القبض والبسط حجَّة قاطعة (^١) على كمال قدرة الصانع ولُطفِ تدبيره (^٢).
﴿كُلٌّ﴾: كلُّ واحد ممَّا ذكر أو من الطير ﴿قَدْ عَلِمَ﴾ الضميرُ لـ ﴿كُلٌّ﴾، وكذا في: ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾.
ولا يَبعد أن يُلهم اللهُ الطيرَ دعاءَه وتسبيحه كما أَلهمه سائر (^٣) العلوم الدقيقة التي لا يَكاد العقلاءُ يهتدون إليه.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ من الصلاة والتسبيح وغيرِهما.
* * *
(٤٢) - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا شريكَ له فيه ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ مرجِعُ الكلِّ، وإنَّما عدل عن الضمير تفخيمًا.
* * *
(٤٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ معنى ﴿يُزْجِي﴾: يَسوق (^٤) قليلًا قليلًا، ويُستعمل في
_________________
(١) في (ك): "ناطقة".
(٢) في (م): "تدابيره".
(٣) في (ف) و(ك): "أنهم سائر"، وفي (م): "ألهمها بسائر".
(٤) في (ف): "ينشئ"، ولم ترد الكلمة في (ك).
[ ٧ / ٢٨١ ]
سوق الثقيل برفقٍ، كالسحاب والإبل، والسحاب: اسمُ جنسٍ، واحده: سحابة، والمعنى: يَسوق سحابةً إلى سحابةٍ.
﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ تذكيره للَّفظ؛ أي: يضمُّ بعضه إلى بعض.
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾: متراكِمًا بعضُه فوقَ بعض.
﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾: من فُتُوحه، جمع خَلَلٍ، كجبال في جبل.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ماءً من الغمام، وكلُّ ما علاكَ فهو سماء.
﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾: من قِطَعٍ عظامٍ تشبه الجبال مِن عِظَمها.
﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ بيانٌ للجبال، والمفعول محذوف؛ أي: يُنزِّل مبتدئًا من السماء من الجبال فيها من بَرَدٍ بَرَدًا.
ويجوز أن تكون (مِن) الثانيةُ أو الثالثةُ للتبعيض واقعةً موقعَ المفعول.
﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ بالبَرَد ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فيضرُّه في نفسه أو في زرعه، ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ فلا يُصيبه.
﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾: ضوؤُه (^١) ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ بأبصار الناظرينَ إليه من فَرْطِ الإضاءة، وذلك أقوى دليلٍ على كمال القدرة من حيث إنه توليد الضِّدِّ من الضِّدَّ.
وقرئ: ﴿يَذْهَبُ﴾ على زيادة الباء (^٢).
* * *
_________________
(١) أي: ضوء برقه.
(٢) قرأ أبو جعفر. انظر: "النشر" (٢/ ٣٣٢).
[ ٧ / ٢٨٢ ]
(٤٤) - ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ بالمعاقبة بينهما، أو بنقصِ أحدهما وزيادة الآخر.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: فيما تقدَّم ذكره ﴿لَعِبْرَةً﴾: لدلالةً على جود الصانع القادر العليم.
وللتنبيه على وضوح الدلالة قال: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ دون: لأولي البصائر. ثم بيَّن دليلًا آخر فقال:
* * *
(٤٥) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾: حيوانٍ يدبُّ على وجه الأرض، وقرئ: ﴿خالقُ كلِّ دابَّةٍ﴾ بالإضافة (^١).
قال الراغب: والدبيبُ (^٢) أصلُه: حكايةُ صوتِ حركة المشي، ثم قيل: دبَّ، إذا مشى، ويقال لكل ما يمشي: دابَّة، ثم خُصَّ الفرس (^٣).
﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هو جزءُ مادَّته وسببُ حياته، على ما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وقيل: من ماء مخصوصٍ وهو النطفة، ولا يلزم حينئذٍ أن يُرتكب إلى ادِّعاء الغَلَبة في المخلوق من النطفة، وتنزيلِ الغالبِ منزلةَ الكُلِّ؛ لجواز أن يُراد بالدابَّة ما
_________________
(١) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٤).
(٢) في (ف) و(ك): "في الدبيب"، وسقطت من (ي). والمثبت موافق للمصدر.
(٣) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ٣٦٠).
[ ٧ / ٢٨٣ ]
يُخلَق بالتوالُد بقرينة ﴿مِنْ مَاءٍ﴾؛ أي: من نطفة، كما أريد من الشيء في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] ما به الحياةُ بقرينة ﴿حَيٍّ﴾ (^١).
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحيَّة والحوت، يُسمَّى الزحفُ مشيًا؛ استعارة، لقيامه مقام الشيء، وليس هذا من قَبيل ذكر المقيَّد وإرادة المطلق، كما إذا ذكر المِشْفَر وأُريد به الشَّفَة مطلقًا؛ لأن خصوصية الزحف مقصودة (^٢)، والمشاكلة البديعية طريقةٌ أخرى لا يُصار إليها عند صحَّة الاستعارة البيانيَّة (^٣).
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنس والطير.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالنَّعم والوَحْش. قيل: ويندرج فيه ما له أكثرُ من أربعٍ كالعناكب؛ فإن اعتمادها إذا مشت على أربعٍ. ولا يخفى ما فيه من التعسُّف.
وتذكير الضمير لتغليب العقلاء، والتعبيرُ بـ (مَن) عن الأوصاف ليوافق التفصيلُ الجملةَ.
قيل: قدّم ما هو أعرفُ (^٤)
_________________
(١) في هامش (ف) و(م): "ولا من قبيل قولهم: شقَّ هذا الأمر. منه".
(٢) في (م): "مقصور".
(٣) في هامش (ع) و(ف) و(م): "المشي هو النقلة بالخطوة لا مطلق النقلة كما هو الظاهر من قول الجوهري: زحف إليه زحفًا مشى، وقد يستعار الزحف للمشي على عكس ما ذكر، وعليه نبَّه الزمخشريُ، قال في "الأساس": زحف العسكر إلى القوم، إذا مشوا إليهم للنقل في شركتهم.
(٤) في (ع) و(ك): "أعرق"، والمثبت من باقي النسخ، وكلاهما في نسخ "البيضاوي" و"الكشاف"، وزيد في "البيضاوي" ثالث وهو: (أغرب). قال الشهاب: (أعرف في القدرة)؛ أي: أعظم ما تعرف به القدرة الإلهية، وفي نسخة: (أغرب) من الغرابة، وفي أخرى: (أعرق) من العراقة، وهي الأصالة =
[ ٧ / ٢٨٤ ]
بالقدرة، وهو الماشي بغير آلةِ مشي، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربعٍ.
وفيه نظرٌ؛ لأن مبناهُ الغفولُ عن أنَّ المشي في الأول مستعارٌ للزحف.
﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيفعل ما يشاء.
* * *
(٤٦) - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ للحقائق بأنواع الدلائل ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بالتوفيق للنظر فيها والتدبُّر لمعانيها ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو دينُ الإسلام الذي يُوصِل إلى جنته، والآياتُ لإلزام حجته.
لمَّا ذَكر إنزال الآيات ذَكر بعدها افتراقَ الناس إلى ثلاث فرق:
فرقة صدَّقت ظاهرًا وكذَّبت باطنًا وهم المنافقون.
وفرقة صدَّقت ظاهرًا وباطنًا وهم المخلصون.
وفرقة كذَّبت ظاهرًا وباطنًا وهم الكافرون، على هذا الترتيب، فبدأ بالمنافقين فقال:
(٤٧) - ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) = لمشيه بغير آلة. أما "الكشاف" ففي مطبوعه: (أعرق) بالقاف، ومثله عند النسفي، وعند الطيبي: (أعرف) بالفاء. انظر: "الكشاف" (٣/ ٢٤٧)، و"فتوح الغيب" (١١/ ١٢٠)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٥١٢)، و"حاشية الشهاب" (٦/ ٣٩٣).
[ ٧ / ٢٨٥ ]
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ بألسنتهم ﴿وَأَطَعْنَا﴾ الله والرسولَ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾؛ أي: يُعرِض عنهما، فإن الإعراضَ عن الرسول ﵊ بعدم إطاعته في أوامره إعراضٌ عنه تعالى ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: بعد قولهم هذا.
وفائدةُ (ثم) الاستبعاد؛ إظهارًا لقُبح صنيعهم.
﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الإشارة إلى القائلين بأَسرهم، فيكون إعلامًا من الله تعالى بأن جميعهم وإن آمنوا بلسانهم لم يؤمنوا بقلوبهم، لاشتراكهم في فساد الاعتقاد وظهور الإعراض، وإن كان من بعضهم فالرضا به من كلِّهم.
أو إلى الفريق المذكور خاصةً، وإنما أتى بالواو دون الفاء؛ لأن عدم إيمانهم ليس لتولِّيهم، بل الأمر بالعكس، والتعريف للدلالة على أنَّهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرَفْتَهم (^١)، وهم المخلصون في الإيمان أو الثابتون (^٢) عليه.
ومرجعُ العهد إلى وصف الإيمان الخالص، ولِمَا فيه من التنصيص على نفي ذلك الوصفِ عنهم لم يقل: وما أولئك من المؤمنين؛ لِمَا فيه من احتمالِ أن يرجع العهد إلى الموصوفين به، إذ لا يلزم من عدم كونهم من المعروفين بذلك الوصفِ أن لا يكون موصوفًا به أصلًا.
* * *
(٤٨) - ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الدعوة إلى الرسول ﵊، وذِكْرُ الله
_________________
(١) في هامش (ف): "يعني أن التعريف للعهد لا للجنس لأنهم من جنس المؤمنين. منه".
(٢) في (ف) و(ك): "والثابتون".
[ ٧ / ٢٨٦ ]
تمهيدٌ لتعظيم دعوته وإظهارِ مكانته، وليس هذا طريقةَ الإبدال (^١).
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: ليَحكم الرسولُ ﵊؛ لأنَّه الحاكم ظاهرًا، وإنما لم يقل: ليَحكم عليهم، إشعارًا بأن إعراضَهم غيرُ مخصوصٍ بصورة الظَّنِّ بالحكم عليهم، بل شاملٌ لصورة الشَّكِّ، فشأنهم الإعراضُ فيما إذا اشتَبه الأمر حالًا وإن كان الحكم لهم مآلًا.
ومَن غَفَلَ عن هذا الاعتبار اللطيفِ قال في تفسير (^٢) قوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: فأجأ فريقٌ منهم الإعراضَ إذا كان الحقُّ عليهم؛ لعلمهم بأنك لا تَحكُم لهم، وهو شرح للتولِّي ومبالغةٌ فيه.
ولم يَدْرِ أن شرحَه على وجه أبلغَ فيما ذكرناه لا فيما ذكره.
* * *
(٤٩) - ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾.
﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾؛ أي: الحكم في اعتقادهم ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ طلبًا لحقِّهم لا رضًى بحُكم رسولهم، قال الزجَّاج: الإذعانُ: الإسراعُ مع الطاعة، فباعتبار ما في الإسراع من معنى الإتيان يجوز أن يكون (إلى) صلةً لـ ﴿مُذْعِنِينَ﴾، ويكون تقديمه للاختصاص ومحافظةِ الفواصل.
* * *
_________________
(١) نُسب الإبدال للزمخشري لقوله: (معنى ﴿إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: إلى رسول الله، كقولك: أعجبني زيد وكرمه، تريد: كرم زيد). فتوهموا من إسقاط المعطوف عليه في التفسير أنّ المعطوف هو المقصود بالنسبة، وهذا شأن البدل، وما نحن فيه طريقة أخرى، فاعترض عليه … انظر بحث المسألة في "حاشية الشهاب" (٦/ ٣٩٤).
(٢) في (م): "تفسيره". والمراد من الكلام البيضاوي.
[ ٧ / ٢٨٧ ]
(٥٠) - ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ﴾ الحَيْفُ: الجَور بنَقْصِ الحقِّ ﴿عَلَيْهِمْ﴾.
إنما قدَّم صلةَ الحيف على قوله: ﴿وَرَسُولُهُ﴾؛ إظهارًا بأنه على تقدير وقوعِه يكون من الله - تعالى شأنه عمَّا يقولُ الظالمون - ولا يكون فيه دَخْل للرسول؛ لأنَّه مُظهِر لا مُثبِت.
قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا (^١) لم يعتقدوا أن الحُكم لهم بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين، أو مرتابين بأن رأوا منك تُهَمةً فزالت ثقتُهم ويقينُهم بك، أو خائفينَ الحيفَ في قضائه.
ووجهُ التقسيم: أن امتناعهم إمَّا لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون محقَّقًا عندهم أو متوقَّعًا، وكلاهما باطل؛ لأن منصب نبوَّته وفَرْطَ أمانته يَمنعه، فتعيَّن الأول، فلذلك أضرب بقوله:
﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ عن القسمين الآخرين لتحقيق (^٢) القسم الأول.
وظلمُهم يعمُّ خَلَلَ عقيدتهم، وميلَ نفوسهم إلى الحيف، يريدون أن يَظلموا مَن له الحقُّ عليهم، وذلك شيءٌ لا يستطيعونه في مجلس رسولِ الله ﷺ، فمِن ثَمَّ يَأبَون المحاكمة إليه، هذا ما أدَّى إليه النظرُ الجليل.
_________________
(١) في (ف): "إن".
(٢) في (ع) و(م): "لتحقق".
[ ٧ / ٢٨٨ ]
والذي أدَّى إليه النظرُ الدقيقُ: هو أنه إضراب عن نفس التقسيم، يعني: دَعِ التقسيمَ فإنَّهم هم الكاملون في الظُّلم الجامعون لتلك الأوصاف (^١) على الكمال، فلذلك صدُّوا عن حكومتك، يدلُّ على ذلك اسمُ الإشارة، والتعريفُ بلام الجنس، وتوسيطُ ضميرِ الفصل، والفصلُ لنفي ذلك عن غيرهم، سيَّما المدعوُّ إلى حكمه.
نزلت في بشرٍ المنافقِ وخصمِه اليهوديِّ حين اختصما في الأرض، فجعل اليهوديُّ يجرُّه إلى رسولِ الله ﷺ والمنافقُ إلى كعبِ بنِ الأَشرف، ويقول: إنَّ محمدًا يَحيفُ علينا (^٢).
* * *
(٥١) -) ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على عادته تعالى في اتِّباع ذكر المحقِّ المُبطِل والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكارِه لِما لا ينبغي.
قرئ ﴿قول﴾ بالرفع والنصب (^٣)، والنصب أقوى؛ لأنَّ أَولى الاسمين بكونه اسمًا لـ ﴿كَانَ﴾ أَو غلُهما في التعريف.
_________________
(١) في (ف): "الصفات".
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٢٧)، و"الكشاف" (٣/ ٢٤٨). ورواه الطبري في "التفسير" (٧/ ١٩٣ - ١٩٤) عن مجاهد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ٦٠]، وكذا رواه الواحديُ في أسباب النزول (ص: ١٦١)، عن قتادة والشعبي، وعن ابن عباس من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه.
(٣) قرأ الجمهور بالنصب، ونسب الرفع لعلي بن أبي طالب ﵁ والحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٣)، و"المحتسب" (٢/ ١١٥).
[ ٧ / ٢٨٩ ]
﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الرسولُ، وقرئ على البناء للمفعول (^١)، وإسناده إلى ضمير مصدرِه على معنى: ليُفعَل الحكمُ.
﴿بَيْنَهُمْ﴾ بحُكم الله الذي أُنزل عليه.
﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ قولَه ﴿وَأَطَعْنَا﴾ أمرَه ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزون.
* * *
(٥٢) - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأوامر والنواهي ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ على ما مضى من ذنوبِه ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما يستقبل ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بالنعيم المقيم.
* * *
(٥٣) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: حَلَفَ المنافقون بالله، وهو جهدُ اليمين لأنهم بذلوا فيها مجهودَهم، وجَهَدَ يمينَه مستعار من: جَهَدَ نفسَه، إذا بلغ أقصى وُسْعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غايةَ شدَّتها ووكادتها، وأصل: أَقْسَم جهدَ اليمين، أَقسم يَجْهدُ (^٢) اليمينَ جَهْدًا، فحذف الفعل، وقدَّم المصدر فوضع موضعَه مضافًا إلى المفعول، كقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، وحُكم هذا المنصوب حُكم الحالِ، كأنَّه قال: جاهدين أيمانَهم.
_________________
(١) أي: ﴿لِيَحْكُمَ﴾، وقرأ بها أبو جعفر من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٢٧).
(٢) في (م): "جهد"، وفي (ع) و(ك) و(ي): "بجهد"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٣/ ٢٥٠).
[ ٧ / ٢٩٠ ]
﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾ بالخروج عن ديارِهم وأموالهم ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ جوابُ لـ ﴿وَأَقْسَمُوا﴾ على الحكاية.
﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ على الكذب.
﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ للنبيِّ ﵊ خيرٌ مِن قَسَمِكم الذي لا تَصدُقون فيه ولا تُصدَّقون، أو: الذي يُطلَب منكم طاعةٌ معروفة لا اليمينُ للطاعة النفاقيَّة المُنكَرة، أو: ليكن طاعةٌ، وقرئت بالنصب (^١)، على أطيعوا طاعةً.
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: يَعلم ما في ضمائرِكم، ولا يخفى عليه شيءٌ من سرائركم.
* * *
(٥٤) - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أمرٌ بتبليغ ما خاطبَهم اللهُ تعالى به على الحكاية مبالغةً في تبكيتهم.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ﴾: على الرسول ﴿مَا حُمِّلَ﴾ من التبليغ ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ من الامتثال.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ﴾ في أمره ونهيه ﴿تَهْتَدُوا﴾ إلى الحقِّ.
﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وقد أدَّى، وإنما بقي ما حُمّلتُم، فإن أدَّيتم فلكم، وإلَّا فعليكم.
_________________
(١) نسبت لليزيدي. انظر: "مختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٣).
[ ٧ / ٢٩١ ]
البلاغ بمعنى التبليغ، كالأداء بمعنى التأدية، و﴿الْمُبِينُ﴾: الظاهر؛ لكونه مقرونًا بالآيات والمعجزات، ثم ذكر المُخلصين، فقال:
(٥٥) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الخطاب للنبيِّ ﵊ والأمَّة، أو له ولمن معه، و(مِن) للبيان.
﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: ليجعلنَّهم خَلَفًا متصرِّفين في الأرض تصرُّف الملوك في ممالكهم، وهو جواب قَسَمٍ مُضمَر، تقديره: وَعَدهم اللهُ وأقسم ليستخلفنهم (^١)، أو الوعدُ في تحقُّقه منزَّلٌ منزلةَ القَسَم.
﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: بني إسرائيل في مصر والشام بعد الجبابرة.
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ وهو الإسلام بالتقوية والتثبيت.
﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ من الأعداء ﴿أَمْنًا﴾ منهم، لغَلَبتهم عليهم، كان رسولُ الله ﵇ وأصحابُه ﵃ مَكَثوا بمكَّة عَشْرَ سنينَ خائفينَ، ثم هاجروا إلى المدينة، فكانوا يُصبحون في السلاح ويُمسون فيه، حتى أنجز اللهُ تعالى وعدَه، فأَظهرهم اللهُ على العرب كلِّهم وفتح عليهم بلادَ الشرق والغرب (^٢).
_________________
(١) في (ف) و(ك): "وعدهم وأقسم".
(٢) رواه الطبري في "التفسير" (١٧/ ٣٤٨) عن أبي العالية، وانظر: "تفسير القرطبي" (١٥/ ٣٢١).
[ ٧ / ٢٩٢ ]
﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ من ﴿الَّذِينَ﴾ لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد، أو استئنافٌ ببيان المقتضي للاستخلاف والأمن.
﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ حالٌ من (الواو)؛ أي: يعبدونني غيرَ مشركين، ويجوز أن يكون حالًا بدلًا من الحالِ الأولى.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: ومَن ارتدَّ أو كفر هذه النعمةَ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: بعد الوعد، أو بعد حصول الخلافة.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: الكاملون في فسقهم، حيث كفروا بعد وضوح مثل هذه الآيات، أو كفروا بتلك النعمةِ العظيمة.
* * *
(٥٦) -) ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ في سائر التكاليف الشرعيَّة بالأوامر والنواهي.
ولا يَبعد عطف ذلك على ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ فإنَّ الفاصلَ وعدٌ على المأمورِ به، فيكون تكريرُ الأمر بطاعة الرسول للتأكيد وتعليق الرحمة به أو بالمندرجة هي فيه بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ كما علِّق به الهدى.
* * *
(٥٧) - ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: فائتينَ اللهَ تعالى، بأنْ لا يَقدر عليهم فيها، فالتاء خطابٌ للنبيّ ﵊ وهو الفاعل، والمفعولان ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾.
[ ٧ / ٢٩٣ ]
وقرئ بالياء (^١)، والفاعل النبيُّ ﵊؛ لتقدُّم ذِكْره، والمفعولان ما ذكر آنفًا.
﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ عطف عليه من حيث المعنى، كأنه قيل: الذين كفروا ليسوا بمعجزينَ ومأواهم النارُ؛ لأن المقصودَ من النهي عن الحُسْبان تحقيقُ نفي الإعجاز.
﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: المأوى الذي تصيرون إليه.
* * *
(٥٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ رجوعٌ إلى تتمَّة الأحكام السالفة بعد الفراغِ عن الآيات الدالَّة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيره، والوعدِ عليها، والوعيدِ على الإعراض عنها، والمراد به خطابُ الرجال والنساء، غلِّب فيه الرجالُ؛ لما روي: أنَّ غلامَ أسماء بنتِ أبي مَرْثَد دخل عليها في وقت كَرِهَتْهُ، فنزلت (^٢).
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾: والصبيانُ الذين لم يَبلغوا، فكنَّى عن البلوغ إلى حدِّ الرجوليَّة ببلوغ الحُلُم؛ أي: الاحتلام؛ لأنَّه أقوى دلائله.
﴿مِنْكُمْ﴾: من الأحرار ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ في اليوم والليلة:
_________________
(١) قرأ بها ابن عامر وحمزة. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٣).
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٢٩) عن مقاتل.
[ ٧ / ٢٩٤ ]
﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ لأنَّه وقتُ القيام من المضاجع وطَرْحِ ما يُنام فيه من الثياب ولُبْسِ ثياب اليقظة، ومحلُّه النصبُ بدلًا من ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾، أو الرفعُ خبرًا لمحذوف؛ أي: هي من قبلِ صلاة الفجر.
﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ بيانٌ للحينِ، وهي نصفُ النهار في القَيْظ؛ فإنها وضعُ الثياب للقيلولة.
﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ لأنَّه وقت التجرُّد من ثياب اليقظة، والالتحافِ بثياب النوم.
﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ أي: هذه الثلاثُ أوقاتٌ يختلُّ فيها تستُّركم (^١)، ويجوز أن يكون مبتدأً وما بعده خبره، وقرئ بالنصب (^٢) بدلًا عن ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾.
وأصلُ العورةِ: الخللُ، ومنها الأعور: المختلُّ العين، دخل غلامٌ من الأنصار على عمرَ ﵁ وقتَ الظهيرة وهو نائم وقد انكشفَ عنه ثوبُه، فقال عمرُ ﵁: وَدِدتُ أنَّ اللهَ تعالى نَهَى عن الدُّخول في هذه الساعات إلَّا بإذنٍ، فانطلق إلى النبيِّ ﵊ وقد نزلت عليه الآية (^٣).
ثم عَذَرهم في ترك الاستئذان وراءَ هذه المرَّات بقوله:
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ﴾ وإنما نفى الحرجَ عن الطرفين؛ لأنَّ الحرمةَ في
_________________
(١) في (م): "ستركم".
(٢) قرأ بها حمزة والكسائي وشعبة. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٣).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١١٦) عن ابن عباس ﵄، ورواه ابن منده كما في "الإصابة" لابن حجر (٦/ ٥٠)، من طريق السديّ الصغير، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
[ ٧ / ٢٩٥ ]
وقت الحرمة مِن الطرفين، ومن هنا تبيَّن أنَّ الأمر (^١) بالاستئذان في حقِّ المماليك والصبيان تضمَّن الأمرَ بالاحتياط في حقِّ المخاطَبِين.
﴿بَعْدَهُنَّ﴾ بعدَ هذه الأوقاتِ في تَرْكِ الاستئذان، وليس فيه ما ينافي آيةَ الاستئذان فيَنسَخَها؛ لأنَّه في الصبيان والمماليك المدخول عليه، وتلك في الأحرار البالغين ومماليك الغير.
وأمَّا ما قيل: هذا ممَّا الناسُ منه في غفلةٍ، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة، فمنشؤه الغفلةُ عمَّا حكاه المهدويُّ عن ابنِ عباس ﵄ من أنَّ ذلك كان واجبًا، إذ كانوا لا غَلَقَ لهم ولا أبواب (^٢)، ولو عاد الحال لعاد الوجوب (^٣).
﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾: هم طوَّافون، استئنافٌ ببيان العذر المرخِّص في ترك الاستئذان، وهو شدَّة المخالطة وكثرةُ المداخلة، وفيه وفي الفرق بين الأوقاتِ الثلاثة وغيرِها بأنها عوراتٌ دليل على تعليل الأحكام.
﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بعضكم طائفٌ على بعضٍ، أو: يطوف بعضُكم على بعض، والجملة مؤكِّدة لِمَا قبلها، ويجوز أن يكون بدلًا منه، يعني: لا بدَّ لهم من ذلك للخدمة، فلو جزم بالاستئذان في كلِّ وقت لأفضى إلى الحرج.
﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك التبيين ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أراد بالآياتِ عللَ الأحكام،
_________________
(١) في (ف) و(ك): "المراد".
(٢) رواه أبو داود (٥١٩٢).
(٣) في هامش (ف) و(م): "قال القرطبي: بل حكمها اليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحارى. منه". وانظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ١٩٤)، و"تفسير القرطبي" (١٥/ ٣٢٩).
[ ٧ / ٢٩٦ ]
يعني (^١): كما يبيِّنُ لكم علَّة الاستئذان يبيِّنُ العللَ في غيره من الأحكام التعليلية عند الحاجة إليه.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ بمصالح عبادِه ﴿حَكِيمٌ﴾ في بيان مرادِه.
* * *
(٥٩) - ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ من الأحرار دون المماليك ﴿الْحُلُمَ﴾: الاحتلامَ، كناية عن بلوغهم حدَّ الرجوليَّة؛ أي: إذا بلغوا وأرادوا الدخولَ عليكم.
﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في جميع الأوقات ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: الذين بلغوا الحُلُم مِن قبلهم، وهم الكبار من الأحرار، والذين ذُكروا مِن قبلهم في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية، والمعنى: أن الأطفال مأذونٌ لهم في الدخول بغير إذنٍ إلَّا في العورات الثلاث، فإذا اعتاد الأطفالُ ذلك ثم بلغوا بالاحتلام أو بالسِّنِّ، وجب أن يُفطَموا عن تلك العادة، ويُحمَلوا على أن يَستأذنوا في جميع الأوقات كالكبار من الأحرار الذين لم يَعتادوا الدخولَ عليكم إلا بالإذن.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كرَّره تأكيدًا ومبالغةً في الأمر بالاستئذان.
* * *
_________________
(١) "يعني" سقط من (م).
[ ٧ / ٢٩٧ ]
(٦٠) - ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: العجائزُ اللاتي قعدنَ عن الحيض والحمل لكِبَرهنَّ؛ فقعودُهنَّ (^١) كناية عن اليَأْس عن التماسِ الناس (^٢)، فالتوصيف بقوله: ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾: لا يَطمعن فيه، لتقرير هذا المعنى وتأكيده.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾: إِثْمٌ، ودخلت الفاء لما في المبتدأ مِن معنى الشرط بسبب اللام (^٣).
﴿أَنْ يَضَعْنَ﴾: في أن يضعن ﴿ثِيَابَهُنَّ﴾ أي: الظاهرةَ كالمِلْحَفة والجلباب الذي فوق الخمار.
﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي: غيرَ مُظهِراتٍ زينةً، يريد الزينة التي أَمَر بإخفائها في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية، أي: لا يَقصدن بوضعها التبرُّجَ ولكن التخفُّف، وحقيقة التبرُّج: التكلُّف في إظهار ما يَخفَى، من قولهم: سفينة (^٤) بارِجَة: لا غطاءَ عليها، إلَّا أنَّ الذي خُصَّ بتكشيف المرأة زينتُها ومحاسنُها للرجال.
﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾؛ أي: يَطلبنَ العفَّة عن وضع الثياب فيسترن ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ من وضعها؛ لأنَّه أبعدُ من التُّهَمة.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لمقالتهنَّ للرجال ﴿عَلِيمٌ﴾ بمقاصدهنَّ.
_________________
(١) في (ف) و(ي): "قعودهن".
(٢) في (ف) و(ك): "عن اليأس عن الناس"، وفي (ي): "عن التماس الناس"، والمثبت من (م) و(ع).
(٣) يعني: "ال" التي في "القواعد"، أي: الفاء إما لأن (ال) موصولة بمعنى اللاتي، وإما لأنها موصوفة بالموصول. انظر: "روح المعاني" (١٨/ ٤٧٤).
(٤) في (ف): "سقيفة".
[ ٧ / ٢٩٨ ]
(٦١) - ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ قال سعيد بنُ المسيِّب: كان المسلمون إذا خرجوا إلى الغزو مع النبيِّ ﷺ وَضَعوا مفاتيحَ بيوتِهم عند الأعمى والأعرج والمريض، وعند أقارِبهم، ويأذنونهم أن يأكلوا من بيوتهم، وكانوا يتحرَّجون عن ذلك، ويقولون: نخشى أن لا تكون أنفسُهم بذلك طيِّبَةً، فنزلت الآيةُ رخصةً له (^١).
﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ هذا على ظاهره، ولم يُرَدْ به بيانُ الحكم فيه، بل إظهارُ التسويةِ بينه وبين قرنائه، كقوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦].
﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ لم يذكر بيوتَ الأولاد؛ إحالةً لحالها على الدلالة.
﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ
_________________
(١) رواه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٣٠)، وروى نحوه البزار (٢٢٤١ - كشف) من حديث عائشة ﵂، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٨٤).
[ ٧ / ٢٩٩ ]
أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾ لأنَّ الإذنَ مِن هؤلاء ثابتٌ دلالةً.
﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ جمع: مِفْتَحٍ، وهو ما يُفتَح به الغلق، وأُريد بملكه: كونه في يده وحفظِه، قال ابنُ عباس ﵄: هو وكيلُ الرجل وقيِّمه في ضيعته وماشيته (^١)، له أن يَأكل من ثمر ضيعته، ويشرب من لبنِ ماشيته (^٢).
﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾: أو بيوتِ صديقكم، وهو يقع على الواحد والجمع كالخليط، وكان الرجل من السَّلَف يَدخل دارَ صديقه وهو غائب، ويسأل جاريته كيسَهُ، فيأخذ ما شاء، فإذا حَضَرَ مولاها أَعتقها سرورًا بذلك، فأمَّا الآن فقد غَلب الشُّحُّ على الناس فلا يوجد صديق حكمُه هذا، لا أنه يوجد ويتخلَّف عنه الحُكم بغَلَبة الشُحِّ (^٣)، وكأنْ لنُّدرة وجودِه عَدَل فيه عن صيغة الجمع.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾: مجتمعينَ، وَرَدَ فيمن تحرَّجوا من الاجتماعِ على الطعام؛ لاختلافِ الناس في الأكل، وزيادةِ بعضهم على بعض.
﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾: متفرِّقين، جمع: شَتٍّ، ورد فيمَن تحرَّجوا عن الأكل وحده.
﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ من هذه البيوت ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ على أهلِها الذين هم منكم دينًا وقرابةً، وهذا كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ أي: مَن هو مِن جنسكم.
_________________
(١) في (م): "ومشيئته".
(٢) انظر: "النكت والعيون" للماوردي (٤/ ١٢٤). ورواه بنحوه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٤٨).
(٣) في هامش (ف) و(ك): "ردٌّ لصاحب المدارك في قوله: فأما الآن فقد غلب الشُّحُّ على الناس، فلا يؤكل إلا بإذن".
[ ٧ / ٣٠٠ ]
﴿تَحِيَّةً﴾ نصبٌ بـ (سلِّموا)؛ لأنَّه في معنى: تسليمًا، نحو: قعدتُ جلوسًا.
﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: ثابتةً بأمره، مشروعةً من لدنه، ويجوز أن يكون صلةً للتحية، فإنَّها طلبُ الحياة وهي مِن عنده.
﴿مُبَارَكَةً﴾ لأنها دعوةُ مؤمنٍ لمؤمنٍ بأمر الله تعالى يُرجى بها زيادة الخير والثواب.
﴿طَيِّبَةً﴾ تَطيبُ بها نفسُ المستمِعِ، وفي حديث أنس ﵁: قال ﵊: "مَتى (^١) لقيتَ مِن أمَّتي أحدًا فسلَّم عليه يَطُلْ عمرُك، وإذا دخلتَ بيتَك فسلِّم عليهم يَكثرْ خيرُ بيتك، وصَلِّ صلاةَ الضحى فإنها صلاةُ الأبرارِ الأوَّابينَ" (^٢).
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ كرَّره ثالثًا لمزيد التأكيد، وتتميمِ الأحكام المختتَمة به، وفصلَ الأولَينِ بما هو المقتضي لذلك وهذا بما هو المقصود منه فقال:
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: الحقَّ والخيرَ في الأمور.
* * *
(٦٢) - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
_________________
(١) في (ف) و(م): "من".
(٢) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٨٣٨٣)، وإسناده ضعيف، وأصل الحديث في الصحيح كما ذكر ابن حجر في "الكافي الشاف" (ص: ١٢٠).
[ ٧ / ٣٠١ ]
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: الكاملون في الإيمان ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ مِن صميم قلوبهم.
﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورةِ في الأمور، ووُصِف الأمرُ بالجمع على سبيل المجاز للمبالغة.
﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ أي: وَيأذنَ لهم، ولمَّا أراد أن يُريَهم عِظَم الجناية في الذهاب عن مجلسه ﵊ إذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ، جعل تركَ الذهابِ بلا إذنٍ ثالثَ الإيمان (^١) بالله تعالى، والإيمانِ برسوله ﵊، وجعلهما كالتمهيد لذكره، ثم عقَّبه بما يزيده توكيدًا وتشديدًا حيث أعاده على أسلوبٍ آخر أبلغ فقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وضمَّنه شيئًا آخر، وهو أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحَّة الإيمانين، وعرَّض بحال المنافقين وتسلُّلهم لواذًا.
﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ﴾ في الانصراف ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ ما يَعرِض لهم من الهامِّ (^٢)، وفيه أيضًا مبالغة وتضييق للأمر.
﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فيه رفعُ شأنه ﵊ بتفويض الأمر إلى رأيه، ففيه دلالةٌ على أن بعض الأحكام مفوَّض إلى رأيه.
وتقييدُ المشيئة بأن تكون تابعةً لعلمهِ بصدقهِ حتى يكون المعنى: فَأْذَن لمن عَلمت أن له عذرًا = تعسُّف ظاهر.
_________________
(١) "الإيمان": مكررة في (ف).
(٢) في (ف): "من الإلهام"، وفي (م): "من المهام".
[ ٧ / ٣٠٢ ]
﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ بعد الإذن، فإن الاستئذان ولو لعذرٍ قصورٌ؛ لأنَّه تقديمٌ لأمرِ الدنيا على أمرِ الدين.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لفَرَطات العباد ﴿رَحِيمٌ﴾ بالتيسير عليهم.
* * *
(٦٣) - ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ نهيٌ عن التسوية بين الدعاءين، والمقصود النهيُ عن لوازمها كجواز (^١) الإعراض، والمساهلةِ في الإجابة، والرجوع بغير إذن، وذلك لأنَّ المبادرة إلى إجابته واجبةٌ، والمراجعةَ بغير إذنه محرَّمة.
وحملُ الدعاء على النداء والتسمية، أو على الدعاء عليه (^٢)، لا يناسب السباق واللحاق، والفصل بين أجزاء الكلام بالأجنبيِّ من المساق يُخِلُّ بمقتضى البلاغة وحُسْن الاتِّساق.
﴿يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ﴾: يخرجون قليلًا قليلًا من الجماعة، ونظير تسلَّل: تدرَّج وتَدخَّل.
_________________
(١) في (ع): "بجواز".
(٢) أي: لا تجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضًا باسمه، ورفعِ الصوت به، والنداء من وراء الحجرات، ولكن بلقبه المعظم مثل: يا نبي الله، و: يا رسول الله، مع التوقير والتواضع وخفض الصوت، أو: لا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض فلا تبالوا بسخطه، فإن دعاءه مستجاب. انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ١١٦).
[ ٧ / ٣٠٣ ]
﴿لِوَاذًا﴾: ملاوذةً، بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج، أو يلوذ بمَن يُؤذَن له فينطلق معه كأنه تابِعُه، وانتصابه على الحال؛ أي: ملاوِذِين.
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ يخالفون أمرَه بترك مقتضاه، و(عن) لتضمُّنه معنى الإعراض، أو: يصدُّون عن أمره دون المؤمنين، والضميرُ لله؛ لأن الأمرَ في الحقيقة له، أو للرسول ﵊؛ لأنَّه المقصود بالذِّكر.
ومفعول (يحذر): ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾: محنةٌ في الدنيا.
﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة، و(أو) لمنع الخلوِّ، فلا ينافي الجمع، والآية تدلُّ على أن الأمر للإيجاب.
* * *
(٦٤) -) ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أدخل ﴿قَدْ﴾ عليه؛ ليؤكِّد علمَه بما هو عليه من المخالفة عن الدِّين والنِّفاق، ومرجع توكيد العِلم إلى توكيد الوعيد، والمعنى: إن جميع ما في السماوات والأرض مختصَّةٌ به خَلْقًا ومُلْكًا وعِلْمًا، فكيف يخفى عليه أحوالُ المنافقين وإن كانوا يجتهدون في سَترها؟!
﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾: يوم يرجع المنافقون إليه للجزاء؛ أي: وَيعلم يوم يُرَدُّون إلى جزائه، وهو يوم القيامة.
والخطاب في الكلامين المذكورين يجوز أن يكون جميعًا للمنافقين على
[ ٧ / ٣٠٤ ]
طريقة الالتفات (^١)، ويجوز أن يكون الأوَّل عامًا، والثاني خاصًا بهم.
﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ يوم القيامة ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾: بما أَبطنوا من سُوء أعمالهم، ويجازيهم حقَّ جزائهم.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فلا تَخفى عليه خافيةٌ.
* * *
_________________
(١) في (م): "الاكتفاء". والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب، قال الألوسي: فيتحقق التفاتان: التفات من الغيبة إلى الخطاب في ﴿أَنْتُمْ﴾، والتفات من الخطاب إلى الغيبة في ﴿يُرْجَعُونَ﴾. انظر: "روح المعاني" (١٨/ ٥٠٠).
[ ٧ / ٣٠٥ ]