﷽
(١) ﴿طه﴾.
﴿طه﴾ رُوي عن مجاهدٍ والحسنِ والضَّحاكِ وعطاءٍ وغيرهم أنَّ معناه: يا رجلُ (^١)؟ فإنْ صحَّ فظاهرٌ، وإلَّا فالحقُّ ما هو المذكور في سورة البقرة (^٢).
وقرئ: (طَهْ) (^٣)، على أنَّه أمرٌ للرَّسول بأنْ يطأ الأرضَ بقدميه، فإنه كان يقوم في تهجُّده على إحدى رجليه (^٤)، وأنَّ أصله: (طَأْ) فقلبت همزته هاء.
وعلى هذا يحتمل أن يكون أصل ﴿طه﴾: طاها، والألف مبدلة عن
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ١٦ - ٧) عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والحسن. ورجحه.
(٢) انظر ما تقدم في تفسير ﴿الم﴾ في مطلع سورة البقرة.
(٣) رويت عن نافع في غير المشهور عنه، ونسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٧)، و"معاني القراءات" للأزهري (٢/ ١٤١)، و"الكشاف" (٣/ ٤٩).
(٤) رواه عبد بن حميد كما في "الكاف الشاف" (ص: ١٠٨) عن الربيع بن أنس مرسلًا، ورواه البزار في "مسنده" (٩٢٦) من حديث على ﵁، وفي إسناده ضعف. انظر: "مجمع الزوائد" (٧/ ٥٦)، وفيه: رواه البزار وفيه يزيد بن بلال، قال البخاري: فيه نظر. وكيسان أبو عمر، وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين، وبقية رجاله رجال الصحيح.
[ ٦ / ٤٠٧ ]
الهمزة، والهاء كنايةُ عن الأرض، ويَمنع هذا الوجهُ والتَّفسير بيا هذا (^١) كتبتَهما (^٢) على صورة الحروف، إلَّا أن يقال: إنه اكتُفي بشطرَي الكلمتين، وعبِّرَ عنهما بالاسمين.
* * *
(٢) - ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾.
﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ إن جعلْتَ ﴿طه﴾ تعديدًا لأسماء الحروف (^٣)، فهو ابتداءُ كلام (^٤).
وإن جعلتها اسمًا للسُّورة أو القرآن احتمل أن يكون خبرًا عنها وهي في موضع المبتدأ، ﴿الْقُرْآنَ﴾ ظاهرٌ أُوقع (^٥) موقع المضمَر تفخيمًا (^٦)، وأن يكون جوابًا لها وهي قسم، وإنْ جعلتَها نداءً، فهو منادى، وإن جعلتها جملةً فعليَّة أو اسميَّة بإضمار مبتدأ، أو طائفةً من الحروف محكيَّةً، فهو استئنافٌ.
﴿لِتَشْقَى﴾: لتَتعب بفرط تأسُّفك على كُفْرِ قومِكَ وتحسُّرك على أن يؤمنوا، وما عليك أنْ لا يؤمنوا إذا لم تفرِّط في أداء الرِّسالة. أو: بكثرة تهجُّدك وطول قيامك،
_________________
(١) في (ف) و(ك): "بيان هذا"، وسقطت من (م)، والمثبت من (س) وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (٣/ ٤٩)، وفيه: إن (طاها) في لغة عكٍّ في معنى: يا رجل، ولعل عكًّا تصرفوا في (يا هذا) كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء، فقالوا في (يا): (طا)، واختصروا (هذا) فاقتصروا على (ها).
(٢) في (م): "كتبهما".
(٣) في (م): "تعديد الأسماء بالحروف".
(٤) في (ف): "لكلام".
(٥) في (س): "ظاهرًا وقع". وفي باقي النسخ محتملة.
(٦) "تفخيمًا" زيادة من (م).
[ ٦ / ٤٠٨ ]
أي: ما بُعِثْتَ لِتُنْهِكَ نفسَكَ وتذيقها المشقَّةَ الفادحة (^١)، فإنَّ لها حقًّا عليك، وإنَّما بُعِثْتَ بالحنيفيَّة السَّمحة السَّهلة.
والشَّقاءُ شائع في معنى التَّعب، ومنه أشقى من رائض المُهر (^٢)، وسيِّد القوم أشقاهم (^٣).
وفيه إشعارٌ بأنَّ القرآن إنَّما أنزل إليك لتسعدَ (^٤)، وهو الوسيلة إلى نيل كلِّ فوزٍ وسعادةٍ، فلا تجعلها مُوجِبَ الشَّقاوة.
وقيل: ردٌّ وتكذيب للكفرة؛ فإنَّهم لَمَّا رأوا كثرة عبادته قالوا: إنَّك لَتَشْقَى لترك ديننا، وإن القرآن أُنْزِلَ عليك لتشقى به.
* * *
(٣) - ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.
﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾ نصب على الاستثناء المنقطع؛ أي: لكن ليكون تذكرةً، أو على الحال؛ أي: إلَّا مذكِّرين، أو على المفعول له؛ أي: إلَّا لتَذكر. وإنما جيء باللَّام في ﴿لِتَشْقَى﴾ لأنَّه ليس لفاعل الفعل المعلَّل، فانتفى شرط انتصابه، وانتصب هذه لوجود الشَّرط، لا على البدل من محلِّ ﴿لِتَشْقَى﴾؛ لاختلاف الجنسين؛ إلَّا أن يُجعل التَّذكير نوعًا من الشَّقاء؛ أي: ما أنزلناه لتُفْرِط في
_________________
(١) في (م) و(ف): "القادحة".
(٢) انظر: "جمهرة الأمثال" (١/ ٢٨١)، و"مجمع الأمثال" (١/ ١٤٨)، و"المستقصى" (١/ ٣٥)، وفيها: "أتعب" بدل "أشقى".
(٣) انظر: "جمهرة الأمثال" (١/ ٥٢١)، و"مجمع الأمثال" (١/ ٣٥٦).
(٤) في (ك): "أنزل إليك كسور"، وفي (م): "أنزل عليك لتسعد".
[ ٦ / ٤٠٩ ]
الرِّياضة والتَّهجد، أو تتعب بالتَّأسُّف والتَّحسُّر على إيمانهم، إنَّما أنزلناه لتحتمِلَ (^١) مشاقَّ التَّبليغ، ومتاعبَ التَّذكير، ومقاولةَ العُتاة الجاحدين، ومقاتلةَ أعداء الدِّين، وسائرَ تكاليف النُّبوَّة.
﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾: لمن يصير إلى الخشية، ويلينُ قلبُه ويرقُّ، ويعلمُ اللهُ أنَّه ينتفع به (^٢).
(٤) - ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾.
﴿تَنْزِيلًا﴾ بدلٌ من ﴿تَذْكِرَةً﴾ إذا جُعِلَتْ حالًا، لا مفعولًا له لفظًا أو معنًى؛ إذ الشَّيء لا يُعلَّل بنفسه ولا بنوعه، أو نصبٌ (^٣) على المصدر بإضمار (نُزِّل)، أو بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾ (^٤)؛ لأنَّ معنى: ما أنزلناه إلَّا تذكرة: أنزلناه تذكرةً، أو على المدح والاختصاص، أو على أنَّه مفعول به لـ ﴿يَخْشَى﴾؛ أي: تذكرةً لمن يخشى تنزيلًا من الله.
وقرئ بالرَّفع؛ أي: هو تنزيلٌ (^٥).
﴿مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ صلة لـ ﴿تَنْزِيلًا﴾، أو صفة له، أي: تنزيلًا كائنًا من الله.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "لتحمل".
(٢) "به": ليست في (م).
(٣) في (م): "بنوعه ونصب"، وفي (ف): "أنه نصب"، والمثبت من (ك) و(س).
(٤) في (ف) و(ك) و(س): "بأنزلناه"، والمثبت من (م).
(٥) انظر: "الكشاف" (٣/ ٥١)، و"تفسير القرطبي" (١٤/ ١٤)، وعزاها القرطبي لأبي حيوة الشامي.
[ ٦ / ٤١٠ ]
﴿الْعُلَى﴾: جمع العُلْيا، تأنيث الأعلى.
فخَّم شأنَ المُنْزَل: أوَّلًا بإسناد الإنزال إلى الواحد المتعالي، ثمَّ بتنكير ﴿تَنْزِيلًا﴾ للتَّعظيم والإبهام والتَّوضيح، حيث لم يوصَفْ (^١)، ثمَّ بالالتفات من التكَلُّم إلى الغيبة لاتِّعاظ السَّامع والتَّنبيهِ على عظم شأنه بتفنُّن الكلام، ثمَّ بإجراء الصِّفات العظام العجيبة على منزِّله، وإيراد الموصول ذريعة إلى ذلك، ثم بوصف السَّماوات بالعُلَى للدِّلالة على علوِّ قَدْر خالقها، ثمَّ بإجراء صفات العَظَمة والتَّمجيد، فأكَّد الفخامة بوجوهٍ كثيرةٍ وطرقٍ مختلفةٍ، ورتَّب صفاته ترتيبًا أنيقًا، فبدأ أوَّلًا بإيجاده لأصول العالم، وقَدَّم الأرض لأنها أقربُ إلى الحسِّ، وأظهرُ نفعًا واحتياجًا إليها.
ثمَّ أشار إلى وجهِ إحداث الكائنات وتدبير أمرها، بذكر استوائه على العرش، وإجراء الأحكام وإنزال الأسباب منه، على التَّرتيب الذي اقتضتْهُ حكمتُه، وتعلَّقَتْ به مشيئتُه، فقال:
(٥) - ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.
﴿الرَّحْمَنُ﴾ رفع على المدح؛ أي: هو الرَّحمن، أو بدل من فاعل ﴿خَلَقَ﴾.
﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ خبر مبتدأ محذوف، وعلى الأوَّل يجوز أن يكون خبرًا بعدَ خبر.
﴿اسْتَوَى﴾ كنايةٌ عن الملك؛ لأنَّ العرشَ سريرُ الملِك، ومكانُ التَّمكُّن من ملكه، فأجريَتْ هذه العبارة مُجرى مَلَك، واستعمل (^٢) في موضعه، واشتَهَر
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(س): "يصف".
(٢) في (م): "واستعملته".
[ ٦ / ٤١١ ]
كالمترادفَيْن المتساوَييْن في إفادة المعنى المراد، مع تصوير العَظَمِة (^١) الأبَّهة والسَّلطنة والتَّمكُّن في ملكه، وإنْ لم يقعدْ قطُّ على السَّرير.
* * *
(٦) - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾: ما تحتَ السَّبع الأرضين (^٢)، فإنَّ الثَّرى: الطَّبقةُ التُّرابيَّةُ من الأرض، وهي (^٣) آخر طبقاتها.
وهذه الجملة تجري مَجرى البيان من الأولى؛ لأنَّ مؤدَّى الأولى كونُه ملكًا مُطاعًا قادرًا، وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إلخ تفصيلٌ لذلك وتقريرٌ له.
ولَمَّا (^٤) ذَكَر ما دلَّ على ملكه وكمال قدرته وإرادته عقَّبه بما دل على كمال علمه وإحاطته بخفايا الأمور وجلاياها على السَّواء؛ لتلازم تلك الصِّفات فيه، وابتناء الجميع على العلم، فقال:
* * *
(٧) - ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾: ترفعْ صوتك به سواءٌ كان ذِكرًا أو دعاءً أو غيرهما، وحُذف جواب الشَّرط؛ أي: فاعلم أنَّه تعالى غنيٌّ عن جهرك، وأقيمَ تعليله مقامه وهو:
_________________
(١) في (م): "إفادة المعنى مع تصور العظمة".
(٢) في (ك): "أرضين".
(٣) "هي" سقط من (م).
(٤) في (م) زيادة: "كان".
[ ٦ / ٤١٢ ]
﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾؛ أي: ما أسرَرْتَه إلى غيرك، وما هو أخفى منه؛ أي: ما أَخْطَرْتَه ببالك وأضمرتَه في نفسك.
أو السِّر: ما أضمرته في نفسك، وما هو أخفى منه: ما لم يخطر ببالك من الغيب المستأثَر.
هذا ما قالوا، والذي (^١) عندي: أنَّ علمَه (^٢) السَرَّ وأخفى كناية عن استغنائه عن الجهر بالقول، فلا (^٣) حذف ولا إقامة، فهو تعليمٌ للعباد أنَّ الجهر لهضم النَّفس بالتَّضرُّع والجؤار، واستبعادِها عن مظانِّ القُرْبِ باستحقارها، لا لإعلام الله بذلك وإسماعه؛ أو نهيُ (^٤) تنزيهٍ عمَّا يُؤذِنُ بالرِّياء.
ثمَّ لَمَّا عدَّد الصِّفات الكمالية، ووصفَه بما لا يمكن أنْ يُوصَفَ به غيره من صفات الألوهيَّة والرُّبوبيَّة، أفصحَ عن التَّوحيد، وصرَّح بأنَّه المنفرد بها المتوحِّد بمقتضياتها فقال:
(٨) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾؛ أي: هو واحد بذاته وإنْ افترقَتْ عبارات صفاته، ردًّا لقولهم: إنك تدعو آلهة، حين سمعوا أسماءه تعالى.
و﴿الْحُسْنَى﴾: تأنيث الأحسن، وفضلها على سائر الأسماء في الحُسن لدلالتها على معانٍ هي أشرف المعاني وأفضلها.
* * *
_________________
(١) "الذي" زيادة من (ك).
(٢) في (م): "علم".
(٣) في (م): "ولا".
(٤) في (ف): "أي نهي"، وفي (م): "ونهي".
[ ٦ / ٤١٣ ]
(٩) - ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾.
﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ استفهامُ تقرير يحثُّ على الإصغاء لِمَا يُلْقَى إليه.
﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ قفَّى خطابه بقصَّة موسى ﵇؛ ليقتديَ به في تحمُّل أعباء النُّبوَّة، والصَّبرِ على مقاساة الشَّدائد في تبليغ الرِّسالة؛ فإنَّ هذه السُّورة من أوائل (^١) ما نزل، وهذه التَّقفية مرجِّحة لكون التَّذكرة نصبًا على الاستثناء المتَّصل.
* * *
(١٠) - ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾.
﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ ﴿إِذْ﴾ ظرفٌ للحديث أو لـ: اذكر، أو لمضمرٍ دلَّ عليه ﴿فَقَالَ﴾؛ أي (^٢): حين رأى نارًا كان كيْتَ وكيْتَ.
﴿لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ (^٣): الْبَثوا مكانكم.
﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾: أبصرْتُ إبصارًا بيِّنًا لا شبهة فيه، ومنه الأُنْس لظهوره، وقيل: هو وجدان ما يؤنَسُ (^٤).
_________________
(١) في (م): "أول".
(٢) "فقال أي" سقطت من (ف)، و"فقال" سقطت من (ك). وعبارة "الكشاف" (٣/ ٥٣): (أو لمضمر؛ أي: حين رَأى نارًا كان كيت وكيت).
(٣) في (ف) و(ك): "فقال لأهله امكثوا".
(٤) في هامش (س) و(ف) و(م): "فإذا تعلَّق بالمبصر يفيد معنى الإبصار، وإذا تعلق بالمسموع يفيد معنى السمع، وعلى هذا يدور كلام الجوهري: آنسته: أبصرته، وآنست الصَّوت: سمعته. منه".
[ ٦ / ٤١٤ ]
ولَمَّا كانَ الإيناسُ محقَّقًا أتى بكلمة ﴿إِنِّي﴾ (^١)، وحقَّقه لهم ليوطِّنوا أنفسهم عليه، بخلاف الإتيان بقبس ووجدانِ الهدى على النَّار؛ فإنَّ كلًّا منهما مترقَّب متوقَّع، فمَبْنَى الأمر فيهما على الرَّجاء والطَّمع، وجاء بـ (لعل) ولم يقطع لئلَّا يَعِدَ ما لا يَستيقِنُ الوفاءَ به.
﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ القَبَسُ: النَّارُ المقتبَسَةُ في رأس عودٍ أو فتيلة أو نحوهما (^٢).
وقيل: جمرة. ويردُّه قوله تعالى في موضع آخر: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧].
﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّار﴾ معنى الاستعلاء على النَّار: أنَّ أهلها مشرفون عليها عند الاصطلاء بها قيامًا وقعودًا، أو مستَعْلون (^٣) المكان القريب منها.
﴿هُدًى﴾، أي: هدًى مّا؛ لأنَّه إذا وجد الهاديَ فقد وجد هدًى مّا إلى الطَّريق (^٤)، وإنما جاء بـ ﴿أَوْ﴾ لأنَّه بنَى الرَّجاء على أنَّه إن لم يظفر بحاجتيه جميعًا لم يَعدم واحدة منهما (^٥).
* * *
(١١) - ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى﴾.
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾: أتى النَّار، وجد نارًا بيضاء تتَّقد في شجرة خضراء.
_________________
(١) في (م): "أن".
(٢) في (م) و(س): "ونحوهما".
(٣) في (ف) و(س) و(ك): "مستعملون"، والمثبت من (م).
(٤) في (م): "الهدى أي الطريق" بدل "هدًى ما إلى الطَّريق".
(٥) في (ك): "يظفر بحاجته … منها".
[ ٦ / ٤١٥ ]
﴿نُودِيَ يَامُوسَى﴾: هو تكليم الله تعالى إيَّاه، و﴿نُودِيَ﴾ بني للمحذوف، وحذف الفاعل للتَّعظيم.
* * *
(١٢) - ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ قرئ باْلفتح (^١)؛ أي: نودي بأنِّي، ومَن كسر (^٢) أجرى النِّداء مجرى القول؛ لأنَّه ضَرْبٌ منه.
وتكرير الضَّمير لتوكيدِ الدِّلالة، وتحقيقِ المعرفة، وإماطةِ الشبُّهة.
قيل: لَمَّا نُودِيَ: ﴿يَامُوسَى﴾، قال: مَن المتكلِّم؟ فقال اللهُ تعالى جلَّتْ عظمتُه: ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾، فوسوس إليه الشَّيطان: لعلَّك تسمع كلام الشَّيطان، فقال: أنا عرفْتُ أنَّه كلام الله تعالى بأني (^٣) أسمعه من جميع الجهات، وأسمعه بجميع أعضائي (^٤).
قوله: (أسمعه من جميع الجهات) يردُّه قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾؛ فإنَّه صريح في سماعه النِّداء من جهةٍ وحدةٍ، لا مِن جميع الجهات.
_________________
(١) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٠).
(٢) في (م): "كسره".
(٣) في (ك): "بأن".
(٤) انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ٢٤)، وقال الآلوسي في "روح المعاني" (١٦/ ٢٥٤): (في صحة الخبر خفاء، ولم أر له سندا يعول عليه).
[ ٦ / ٤١٦ ]
﴿فَاخْلَعْ﴾ الخَلْعُ: نزعُ الملبوس، يُقالُ: خلعَ ثوبَه عن بدنه، ونعلَه عن رجله، وقد يُنزع المسمار عن (^١) موضعه ولا يكون خلعًا؛ لأنَّه غيرُ ملبوسٍ.
﴿نَعْلَيْكَ﴾ أُمر بخلعهما تعظيمًا لحضرة القُدْسِ؛ فإنَّ في (^٢) الحفوة تواضعًا لله تعالى وتأدُّبًا، ولهذا كان السَّلف يطوفون بالبيت حافين.
والتَّعليل بقوله: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ دالّ على أنَّ ذلك احترام للبقعة، وتعظيم لقدسها.
وتفريع الأمر بخلع النَّعلين على النداء المذكور وإن كان باعتبار أنَّ ما في الخلع من التَّواضع لله تعالى والتَّأدُّب مقتضى النِّداء؛ لكنَّه (^٣) لا يخلو عن الإشعار بأنَّ في بركة تلك البقعة مدخلًا لورود ذلك النِّداء العظيم الشَّأن فيها.
وقيل: لنجاستهما؛ فإنهما كانا من جلد حمارٍ ميِّت غير مدبوغ.
وقيل: لينال بركة الوادي المقدَّس وتمسَّ قدماه تربته (^٤).
والوادي: سَفحُ الجبل، ويقال للمَجرى العظيم من مجاري الماء: وادٍ.
﴿الْمُقَدَّسِ﴾: المطهَّر.
﴿طُوًى﴾: علَم للوادي، فيكون بدلًا أو عطفَ بيان.
وقرئ منوَّنًا لوحظ فيه معنى المكان، وغيرَ منوَّنٍ لوحظ فيه معنى البقعة (^٥).
_________________
(١) في (ف): "من".
(٢) في (م): "من".
(٣) في (م): "لكونه".
(٤) في (ف): "تربه".
(٥) قرأ الكوفيون وابن عامر بالتَّنوين، وباقي السبعة بغير تنوين. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٠).
[ ٦ / ٤١٧ ]
وقيل: هو من الطَّي، نحو: ثِنًى (^١)، وهو بمعنى مرَّتين؛ أي: قُدِّسَ مرَّتين (^٢) مرَّة بعد مرَّة، أو نودي ندائَيْن.
* * *
(١٣) - ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾.
﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيْتُكَ للنُّبوَّة.
وقرئ: ﴿إنَّا اخترناك﴾ (^٣): (إنَّا): إنَّ واسمها، و(اخترناك): جملة في موضع الخبر.
﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ اللَّام متعلِّقة بـ ﴿فَاسْتَمِعْ﴾، أو بـ ﴿اخْتَرْتُكَ﴾، و(ما) موصولة؛ أي: للذي يُوحَى إليك، أو مصدريَّة؛ أي: للوحي.
(١٤) - ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ بدل من (مَّا يُوحَى).
عظَّم أمرَ التوحيد (^٤) وفخَّم شأنه، بالإبهام في قوله: ﴿لِمَا يُوحَى﴾، والتَّوضيح بقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾، وبالإبدال الدَّالِّ على أنَّ الوحيَ مقصورٌ على تقرير التَّوحيد، الذي هو نهاية العلم المستلزمِ لتخصيص العبادة بالله، الذي هو
_________________
(١) قوله: "نحو ثنى"؛ أي: لفظًا ومعنى، فهو بكسر الطاء والتنوين مصدر كثِنًى. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ١٩٤)، و"روح المعاني" (١٦/ ٢٥٨).
(٢) "مرتين": ليست في (م).
(٣) قرأ بها حمزة من السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ١٥١).
(٤) في (ف) و(ك): "الوحي".
[ ٦ / ٤١٨ ]
كمال العمل (^١). وبالتَّأكيد (^٢) بـ (إنَّ)، وتوسيطِ الضَّمير، وتكرير معناه بالتَّهليل، والإتيان بفاء السَّببية.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ عَطْفُ الأمر بإقامة الصلاة على الأمر بالعبادة، وتخصيصُها بالذِّكْرِ مِن بينِ سائر العبادات، تنبيهٌ على فضلِها وشرفها وإنافتها على الجميع، كعطف جبريل وميكال (^٣) على الملائكة، ولذلك علَّل إفرادها بالذِّكر بقوله:
﴿لِذِكْرِي﴾ فإنَّها توجب شغل القلب واللِّسان بذكر الله تعالى، فمعنى ﴿لِذِكْرِي﴾: لتذكرني (^٤).
وقيل: لأني ذكرْتُها في الكتب، وأمرْتُ بها.
أو: لأذكرك بالمدح والثَّناء، وأجعلَ لك لسانَ صدقٍ.
أو: لذكري خاصَّة، غير مَشُوبٍ بذكرِ غيري، أو رياءٍ، أو عِوَضٍ (^٥)، أو غَرَضٍ آخر. وهو الإخلاص.
أو: لتكون لي ذاكرًا غيرَ ناسٍ.
أو: لأوقات ذكري، وهو مواقيت الصَّلاة.
أو: لذكر صلاتي؛ لِمَا روي أنه ﵇ قال: "مَن نام عن صلاةٍ أو نسيها
_________________
(١) في (ف): "العلم".
(٢) في (ف): "وبالتوكيد".
(٣) وفي (ك) و(س): "وميكائيل" وسقطت من (م).
(٤) في (ك): "كي تذكرني"، وفي (س): "لتذكري"، وفي (ف): "كتذكرني".
(٥) "أو عوض" سقط من (ف).
[ ٦ / ٤١٩ ]
فليقضِها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " (^١)، على حذف المضاف (^٢)، أو على أنَّ ذكرَ الصَّلاة ذكرُ الله تعالى (^٣)، أو لأنَّ الذِّكْرَ والنِّسيانَ مِنَ الله تعالى في الحقيقة.
* * *
(١٥) - ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾.
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ يعني: إنَّ القيامة كائنة (^٤) لا محالة.
﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قُرْبُه تعالى من إخفائها مجازٌ عمَّا اقتضته الحكمة من الإخبار بوقوعها للإنذار وقطعِ الأعذار، مع كتمان وقتها ليكونوا على وَجَلٍ في (^٥) كلِّ وقتٍ، فإنَّه إظهار فيه نوع من الإخفاء.
ويجوز أن يكون من أخفاه: إذا أزال خَفَاه؛ أي: أكاد أُظهرها، وقُرْبُه تعالى من إظهارها مجاز عن إظهار بعض أشراطها، كبعثة خاتم الأنبياء ﵈، وانشقاقِ القمر، ويؤيده قراءة أبي الدَّرداء ﵁: (أَخفيها) بالفتح (^٦)، مِن خفاه: إذا أظهره.
_________________
(١) روى نحوه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤)، من حديث أنس ﵁.
(٢) في (م): "مضاف".
(٣) في هامش (ف): "فيه رد لصاحب الكشاف حيث غفل عن تمام الحديث فلم يدر ما وجه أخذ التفسير المذكور فتمحل فيه. منه".
(٤) في (ف) و(ك): "آتية".
(٥) في (ف): "من".
(٦) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٧)، و"الكشاف" (٣/ ٥٦).
[ ٦ / ٤٢٠ ]
قيل: إنَّه من الأضداد، والحقُّ ما روي عن أبي عليٍّ: أنَّه من باب السَّلب (^١).
﴿لِتُجْزَى﴾ متعلقة بـ ﴿آتِيَةٌ﴾، وما بينهما اعتراض، أو بـ ﴿أُخْفِيهَا﴾ على المعنى الأخير.
﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ يعني: من النُّفوس السَّاعية، بقرينةِ قوله:
﴿بِمَا تَسْعَى﴾ السَّعيُ كنايةٌ عن الكسب.
* * *
(١٦) - ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾.
﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ﴾ الصَّدُّ: الصَّرفُ عن الخير خاصَّة.
﴿عَنْهَا﴾ عن التَّصديق بالسَّاعةِ، أو عن الصَّلاةِ.
﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ والمرادُ من نهي الكافر عن صدِّ موسى ﵇: نهيُه عن الانصداد عنها بصدِّه، وهذا كقولك: لا أَرَينَّك هنا، في النَّهي عن السَّبب للنَّهي عن المسبَّب مبالغةً (^٢).
وفيه تنبيهٌ على أنَّه ﵇ لو خُلِّيَ وفطرتَه السَّليمةَ لكان مصدِّقًا بها غيرَ مُعرضٍ عنها.
_________________
(١) انظر: "المحتسب" (٢/ ٤٧)، و"تفسير القرطبي" (١٤/ ٣٧)، وفيه عن أبي علي: (هذا مِن بابِ السَّلْب وليس مِن باب الأضدادِ، ومعنى أخفيها: أُزيل عنها خَفاءَها، وهو سترها كخِفاء الأخفية - وهي الأكسية - والواحد: خِفاء - بكسر الخاء -: ما تلف به القِربةُ، وإذا زال عنها سترُها ظَهرَتْ). وجاء هنا في هامش (س): "رد للكواشي".
(٢) في هامش (ف) و(س): "خلط القاضي بين الوجهين. منه".
[ ٦ / ٤٢١ ]
وبعثُه (^١) ﵇ على الصَّلابة في الدِّين وشدَّة الشَّكيمة فيه، وتهييجُه عليها، فإنَّ صدَّ الكافر إيَّاه مسبَّب عن ضعف عقيدته ولين شكيمته، فنَهى عن المسبَّب للنَّهي عن السَّبب؛ أي: ينبغي لك أن تكون صلبًا في الدِّين، راسخًا في الاعتقاد.
ونبَّه بقوله: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ على أنَّ سلوكَ طريق العقل واتِّباع الحجَّة يوجب التَّصديق بالبعث والساعة، فإنكارها والتكذيبُ بها إنَّما يكون لغلبة الهوى واتِّباعه.
والهوى: ميلُ النَّفس إلى الشَّيء بأريحيَّة (^٢) تلحق فيه، وهواءُ الجوِّ ممدود، وهوى النَّفس مقصور.
﴿فَتَرْدَى﴾: جواب النَّهي، و(أنْ) مقدَّرةٌ بعد فاء الجواب، و(تَرْدى) علامةُ النَصب فيه فتحة مقدَّرة في الألف، معناه: فتهلك.
* * *
(١٧) - ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾.
﴿وَمَا تِلْكَ﴾ استفهامٌ ضُمِّنَ معنى الاستيقاظ لِمَا يُريهِ فيها من الآيات العجيبة الدَّالة على القدرة الباهرة.
قيل: الحكمة في هذا السُّؤال بسطُه، فقد كانت الهيبة قبضتْهُ، ولو تُرِكَ على ما كان عليه لعله كان لا يبقى بل يتلاشى.
_________________
(١) في (س) (ك) و(م): "أو بعثه".
(٢) بياض في (ف)، وسقط من (ك)، وفي (م): "بأن يحية"، والمثبت من (س).
[ ٦ / ٤٢٢ ]
ولَمَّا باسط الحقَّ بسماع (^١) كلامه، أخذته أريحيَّة سماع الخطاب، فأجاب عمَّا سُئِلَ، وسلك مسلكَ الإطناب.
﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من ﴿تِلْكَ﴾، والعامل فيها معنى الإشارة، كما في قوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، وجاز أن يكون ﴿تِلْكَ﴾ اسمًا موصولًا صلتُه ﴿بِيَمِينِكَ﴾.
قيل: إنما لم يقل: (بيدك) لأنَّه كان في يساره خاتم، فلو أجمل بقي في الجواب الاشتباه (^٢).
﴿يَامُوسَى﴾ تكرير لزيادة التَّنبيه والاستئناس.
* * *
(١٨) - ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ قرئ: (عَصَيَّ) (^٣)، على لغة هذيل.
﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾: أعتمد عليها إذا أَعييتُ (^٤) أو وقفت على رأس القطيع.
والتَّوكُّؤ على الشَّيء: التَّحامل عليه في المشي والعكوف، ومنه: الاتِّكاء، توكَّأت واتَّكأت بمعنًى واحد.
_________________
(١) في (س): "سماع".
(٢) في (س): "بيمين في الجواب للاشتباه"، وفي (م): "تعنَّى في الجواب للاشتباه". وانظر: "غرائب التفسير" للكرماني (٢/ ٧١٤)، وفيه: (لم يقل: بيدك، لاحتمال أن يكون في يساره خاتم أو شيء آخر، فكان يلتبس عليه الجواب). فقول المؤلف: "لأنَّه كان في يمينه خاتم" على الجزم بلا دليل من نقل، فيه نظر، فإن الاحتمال - كما في كلام الكرماني - هو الأنسب هنا.
(٣) نسبت لابن أبي إسحاق. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٧).
(٤) في (ف) و(ك): "إذا عييت".
[ ٦ / ٤٢٣ ]
﴿وَأَهُشُّ بِهَا﴾: أَخبط الورق، وقرئ: (أُهِشُّ) (^١)، وكلاهما مِن هشَّ الخبزُ يَهِشُّ: إذا كان ينكسر لهشاشته.
﴿عَلَى غَنَمِي﴾ ليأكلَه.
وعن عكرمة: (أَهُسُّ) بالسِّين (^٢) من الهسِّ، وهو زجر الغنم؛ أي: أنحي عليها زاجرًا لها.
قدَّم في الجواب مصلحة نفسه، ثمَّ ثنَّى بمصلحة ماشيته.
﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ المآربُ: الحاجاتُ، عاملَها وإنْ كانت جمعًا معاملةَ الواحدة المؤنَّثة، فأتبعها صفتها في قوله:
﴿أُخْرَى﴾ ولم يقل: (أُخَرُ)؛ رعيًا للفواصل، وهو جائز في غيرها، فكان فيها أجوزَ (^٣) وأحسنَ.
قيل: فَهِم موسى ﵇ مِن سؤالِ ربِّ العزَّة أنَّه سيُحْدِثُ في العصا أمرًا عظيمًا، فذكرَ ماهيتها، وفصَّلَ بعضَ منافعها وخواصِّها، فلمَّا استطال الكلام استشعر سوء (^٤) الأدب فأَجْمَلَ.
وقيل: إنَّما أجمل ليسأله عن تلك المآرب، فيكونَ زيادةً في إكرامه.
_________________
(١) أي: بضم الهمزة وكسر الهاء. نسبت للنخعي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٧)، و"الكشاف" (٣/ ٥٧)، و"البحر المحيط" (١٥/ ٣٥).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٧)، و"الكشاف" (٣/ ٥٧).
(٣) في (م): "أوجز".
(٤) في (ك) و(ف): "لسوء".
[ ٦ / ٤٢٤ ]
والغرضُ مِنْ ذِكْرِ ماهيتها ومنافعها: أنَّها ليسَتْ إلَّا عصًى تنفع (^١)، منافعها كسائر العيدان؛ ليكون جوابه مطابقًا لِمَا فهمه من فحوى كلام ربِّه، حتى إذا وجدها على خلاف حقيقتها وخواصِّها ممَّا ذُكِرَ من الأمور الخارقة للعادة، ظهرَ أنَّها معجزات باهرة، وآيات ظاهرة، خصَّه الله تعالى بها وأكرمه.
* * *
(١٩) - ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾.
﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾ إنَّما أمره بإلقائها لأنَّه أضافها إلى نفسه بقوله: ﴿عَصَايَ﴾، فأراد أن يقطعها عنه، ويريَه الخارق بعد إخراجه من سلطانه وتدبيره؛ ليعلم أنَّه بمَحْضِ صنعِ اللهِ، لا دَخْلَ فيه لفعلِ العبدِ.
* * *
(٢٠) - ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾.
﴿فَأَلْقَاهَا﴾ أي: طرحها (^٢) على الأرض، وقد مَرَّ في سورة الأعراف بيان أصل الإلقاء.
﴿فَإِذَا هِيَ﴾؛ أي: صارت في الحال.
﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ الحيَّةُ: اسم جنس (^٣) يقع على الصَّغير والكبير والذَّكر والأنثى.
والسَّعيُ: المشيُ بسرعةٍ وخفَّةِ حركةٍ.
_________________
(١) في (ك): "منتفع"، وفي (ف): "ينتفع". وفي "الكشاف" (٣/ ٥٧): لا تنفع إلا منافع بنات جنسها وكما تنفع العيدان.
(٢) في (س): "اطرحها".
(٣) في (ك) و(م) و(س): "الجنس".
[ ٦ / ٤٢٥ ]
قيل: لَمَّا ألقاها انقلبَتْ حيَّة صفراء بغلظ العصا، ثمَّ تورَّمت وعظمَتْ، فلذلك سمَّاها جانًّا تارةً نظرًا (^١) إلى المبدأ، وثعبانًا مرَّة باعتبار المنتهى، وحيَّة أخرى بالاسم الذي يعمُّ الحالَيْن.
وكأنَّ هذا القائل غافل عن عبارة ﴿كَأَنَّهَا﴾ في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ لأنها صريحة في التَّشبيه وعدم كونها جانًّا حقيقة.
* * *
(٢١) - ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾.
﴿قَالَ خُذْهَا﴾: تناوَلْها بيدك ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ الخوفُ: انزعاج النَّفس بتوقُّع الضَّرر.
لَمَّا رأى موسى ﵇ ذلك الأمرَ العجيب (^٢) الهائل مَلَكه من الفزع والنّفار ما يملك البشر عند الأهوال والمخاوف، فهرب منها كما أخبر عنه تعالى بقوله: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠]، فأمره الله تعالى بالإقدام على أخذها، ونهاه عن أن يخاف منها.
وقيل (^٣): لَمَّا قال له ربُّه: ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ بلغ من الأمن وطمأنينة النَّفس إلى (^٤) أن أدخل يده في فمها وأخذ بلَحْيها (^٥)، كأنَّه ضمَّن صيغةَ التَكليف صيغةَ (^٦) التَّكوين،
_________________
(١) في (ف): "نظر".
(٢) في (ف): "العجب".
(٣) "قيل": ليست في (م).
(٤) "إلى" سقطت من (ك) و(م) و(س).
(٥) في (ك): "بلحييها".
(٦) في (س): "صنع".
[ ٦ / ٤٢٦ ]
وقد حقَّقناه في تفسير (^١) سورة البقرة أنَّ النَّهي كالأمر يتنوَّع إلى التَكليفي والتَّكويني.
وحكمة انقلابها وقتَ مناجاته تأنيسه بهذا المعجز الهائل حتى يلقيها لفرعون فلا يلحقَه ذعر منها في ذلك الوقت.
﴿سَنُعِيدُهَا﴾ الإعادة: ردُّ الشَّيء ثانيًا إلى ما كان (^٢) أوَّل مرَّة.
﴿سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾: هَيْأتها وحالَتها المتقدِّمة.
والسِّيرة: فِعْلَةٌ من السَّيْرِ، كالرِّكْبَةِ من الرُّكوب، يقال: سارَ فلانٌ سِيرةً حسنةً، ثمَّ اتُّسِعَ فيها، فنقلَتْ إلى معنى المذهب والطَّريقة، وقيل: سِيَرُ الأوَّلين.
فيجوزُ أنْ ينتصبَ على الظَّرف؛ أي: في طريقتها الأولى حال ما كانت عصا، أو على نزع الخافض، أو على المفعول به إن جعل أعاد منقولًا (^٣) من عاده بمعنى: عاد إليه، فيتعدَّى إلى مفعولَيْن، أو بتضمين فعلها، أي: سنعيدها سائرةً سيرتَها الأولى (^٤) عصًا يُنتفع بها كما كانت أوَّلًا، أو على أنَّه بدل اشتمال من الضَّمير المنصوب في ﴿سَنُعِيدُهَا﴾، أي: سنعيد سيرتها الأولى.
* * *
(٢٢) - ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾.
_________________
(١) "تفسير": ليست في (م).
(٢) في (م): "ثانيا إلى مكانه".
(٣) في هامش (ف) و(س): "فيه رد لمن توهم أن هاهنا تقديرًا. منه". في (م): "مشغولا".
(٤) أي: تسير سيرتها الأولى، فالنصب على أنها مفعول مطلق. انظر: "روح المعاني" (١٦/ ٢٧٨).
[ ٦ / ٤٢٧ ]
﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ يعني: بعد إدخالها في الجيب، على ما أفصح عنه في موضعٍ آخر (^١).
يُقال لكلِّ ناحيتين: جناحان، كجناحَي العسكر لمُجَنِّبتَيه (^٢)، وجناحا الإنسان: جنباه (^٣)، استعيرا (^٤) من جناحَي الطَّائر.
وسُمِّيا جناحَيْن لأنَّه يُجنحهما عند الطَّيران؛ أي: يُميلهما. والجَنْبُ فيه جنوحُ الأضلاع.
قيل: والمراد: إلى (^٥) جنبك تحت العَضُد، دل على ذلك قوله: ﴿تَخْرُجْ﴾.
ويردُّه قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ﴾ [النمل: ١٢] لأنَّه صريح في أنَّ المراد الدُّخول في الجيب والخروج منه.
﴿بَيْضَاءَ﴾: مشرقةً مشعَّةً.
قيل: كان موسى آدَمَ، فأخرجَ يده بيضاء لها شعاعٌ كشعاع الشَّمس يُغْشِي (^٦) البصر.
﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: متعلِّق بـ ﴿بَيْضَاءَ﴾، كأنَّه قال: ابيضَّتْ مِن غيرِ سوء، والسُّوءُ: الرِّداءةُ والقُبح في كلِّ شيءٍ؛ أيْ من غير أن يُستَقبح.
_________________
(١) في هامش (ف) و(س): "حيث قال: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾. منه".
(٢) في (م): "لجنبتيه"، وفي (ف) و(ك) و(س): "لجنبيه"، والمثبت من "الكشاف" (٣/ ٥٩).
(٣) في (ف) و(ك): "جانباه".
(٤) في (م) و(ك): "استعير".
(٥) في (م): "أي".
(٦) في (ك) و(س): "يعشي"، وفي (م): "تغشي".
[ ٦ / ٤٢٨ ]
لَمَّا كان خروج الشَّيء عن خِلْقَته وشأن جوهره ممَّا يستقبح ويُستقذر أَخبرَ أنَّه لم يكن كذلك، وأمَّا الكناية به عن البرص فيأباها المقام؛ لأنَّه غير محتمَلٍ في مقام الإعجاز والكرامة، فلا وجهَ للاحتراز عنه.
﴿آيَةً أُخْرَى﴾: معجزةً ثانيةً.
وقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ و﴿آيَةً﴾ حالان معًا من ضمير ﴿تَخْرُجْ﴾، ويجوز أن يكون الثَّاني حالًا من ضمير الأوَّل، فيكونان من الأحوال المتداخلة، أو مفعولًا نصب بمضمَرٍ نحو: (خُذْ) حُذِفَ لِدَلالةِ الكلام عليه (^١).
* * *
(٢٣) - ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾.
﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾. متعلِّق بالمحذوف المذكور، أو بما دلَّ عليه الآية أو القصَّة؟ أي: دلَلْنا بها - أو: فعلنا ذلك - لنريك.
و﴿الْكُبْرَى﴾: صفة لـ ﴿آيَاتِنَا﴾، أو مفعول ثانٍ لـ (نريك)، و﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ حال؛ أي: لنريك الكبرى من آياتنا.
* * *
(٢٤) - ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾.
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: أمرٌ بالذَّهاب بهاتَيْن الآيتَيْن إلى فرعون ودعوته.
_________________
(١) في هامش (ف) و(س): "وأما دون فلا يسوغ لأنَّه اسم فعل من باب الإغراء، ولا يجوز حذفه؛ لأنَّه حذف منه في الأصل العامل فيه، وناب منابه، فلا يجوز أن يحذف النائب والمنوب عنه. منه". قلت: وفيه رد على الزمخشري القائل: (بإضمار نحو: خذ، ودونك، وما أشبه ذلك، حذف لدلالة الكلام). انظر: "الكشاف" (٣/ ٥٩).
[ ٦ / ٤٢٩ ]
﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ جاوزَ حَدَّ العبودية إلى دعوة الربوبيَّة، تعليلٌ لوجوب الذَّهاب إليه، وتحذيرٌ له من بطشه، وتنبيهٌ على صعوبة ما ابتُلِيَ به، ليتلقاه بجميل الصَّبر وحسن الثَّبات، ولهذا التجأ إليه في طلب التَّيسير والتَّأييد وتفسيح الصَّدر والتَّشجيع:
(٢٥ - ٢٦) - ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾.
﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ على الإبهام بإيراد ﴿لِي﴾ بعد الفعْلَيْنِ، والتَّوضيح بذكر الصَّدر والأمر، للتَّأكيد والمبالغة في طلب الشَّرح والتَّيسير.
* * *
(٢٧) - ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾.
﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ كان في لسانه رُتَّةٌ (^١)؛ لِمَا رويَ: أنَّ فرعونَ حمله يومًا، فأخذ بلحيته - وكانت مرصَّعة بالجواهر - ونتفها جاذبًا ببعض (^٢) ما فيها من اليواقيت، فغضبَ وأمر بقتله، فقالت آسية ﵂: إنَّه صبي لا يفرِّق بين الجمر والياقوت، فأُحْضِرا بين يديه، فأخذ الجمرة ووضعها في فيه، فاحترق لسانه، فصار لكنته منها (^٣) (^٤).
_________________
(١) رجل أرَتُ: في لسانه رُتَةٌ، وهي عجلة في الكلام، وعن المبرِّد: هي كالرَّتْجِ تمنع الكلام، فإذا جاء منه شيء اتصل، وهي غريزة تكثر في الأشراف. انظر: "المغرب في ترتيب المعرب" (باب الراء مع التاء الفوقانية) (ص: ١٨٢).
(٢) في (ف): "لبعض".
(٣) بنحوه رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٤) عن السدي. ورواه بمعناه النَّسَائِيّ في "السنن الكبرى" (١١٢٦٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٦١٨) عن ابن عباس ﵄.
(٤) في هامش (ف): "وهذا أولى مما ذكره القاضي من كون تبييض يده لذلك. منه".
[ ٦ / ٤٣٠ ]
ولعلَّ لذلك امتاز موسى ﵇ باللِّحية من بين أهل الجنَّة، على ما ورد في حديث جابر ﵁، وهو أنَّه ﵇ قال: "أهل الجنة مُرْدٌ إلَّا موسى بن عمران، فإنَّ له لحيةً إلى سرَّته" (^١).
ولَمَّا كانت تلك العقدة عارضةً لآفَة حادثةٍ كان المناسب لحالها التَّنكيرَ حيث لم تكن من جنس ما هو المعهود، وكأن قطع إضافتها عن (اللِّسان) المنبئةِ عن الاتِّصال الخَلْقي أيضًا كان لذلك.
وقيل: إنَّما نُكِّرَتْ لأنَّه لم يطلب الفصاحة الكاملة، وإنَّما طلب حلَّ بعضها إرادةَ أنْ يُفهَمَ عنه فهمًا جيِّدًا؛ لأنَّ أمرَ التَّبليغ لا يتيَّسر إلَّا بذلك، ولهذا علَّل بقوله:
(٢٨) - ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾.
﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ فإنَّ (^٢) التَّبليغ إنَّما يَحسن من البليغ (^٣).
و﴿مِنْ لِسَانِي﴾ صفة للعقدة، كأنَّه قيل: عقدةً من عُقد لساني، أو صلةٌ لـ (احلل).
واختلف في زوال العقدة بكمالها؛ فقيل: بقي بعضها؛ لقوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقيل: زالت؛ لقوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ [طه: ٣٦].
وفي كلٍّ من الاحتجاجَيْنِ نظر:
أمَّا في الأوَّل: فلأنَّ شهادة قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ عليه لا له؛ لأنَّ فيه دلالة على أن موسى ﵇ كان فصيحًا، غايته أن فصاحة أخيه كانت (^٤) أكثر،
_________________
(١) رواه العقيلي في "الضعفاء" (٧٢١)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ٤٨)، وضعفاه.
(٢) في (ف) و(ك): "فإن أمر".
(٣) في (م): "التبليغ".
(٤) "كانت" من (م) و(س).
[ ٦ / ٤٣١ ]
وبقيَّة اللُّكنة تنافي الفصاحة اللُّغويَّة المرادة هاهنا، بدلالة قوله: ﴿لِسَانًا﴾.
وأمَّا في الثَّاني: فلِمَا مَرَّ أنَّه لم يطلب حلَّ عقدة لسانه مطلقًا، بل طلب حلَّ عقدةٍ تمنع الإفهام، فلا دلالة فيه (^١) في حصول مَسْؤولِه على زوال العقدة بكمالها، نعم قوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] يدلُّ على الأوَّل، فتأمَّل (^٢).
* * *
(٢٩ - ٣٠) - ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾.
﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا﴾: ظهيرًا أعتمد عليه، مِن الوِزْرِ وهو (^٣): الثِّقل؛ لأنَّه يتحمَّل عن الملِك أوزاره ومؤنه، أو من الوَزَرِ: الملجأ؛ لأنَّ الملك يعتصِم برأيه ويلجأ إليه أموره.
أو: مُعينًا، من المؤازرة وهي المعاونة.
فـ ﴿وَزِيرًا﴾ مفعولٌ أوَّل لـ (اجعل)، والثَّاني: ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ (^٤)، أو ﴿لِي وَزِيرًا﴾ مفعولاه، وقوله: ﴿هَارُونَ﴾ بدل من ﴿وَزِيرًا﴾، لا عطفُ بيان؛ لأنَّه لا يخالف متبوعه في التَّعريف والتَّنكير (^٥).
_________________
(١) "فيه" من (م).
(٢) "فتأمل" من (م) و(س).
(٣) "وهو" من (م).
(٤) واعترض بأن شرط المفعولين في باب النواسخ صحة انعقاد الجملة الاسمية منهما، ولو ابتدأت بـ ﴿وَزِيرًا﴾ وأخبرت عنه بـ ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ لم يصح؛ إذ لا مسوغ للابتداء به. وأجيب عن هذا الاعتراض بما استبعده الآلوسي، فانظره في "روح المعاني" (١٦/ ٢٩٠).
(٥) في هامش (س) و(ف) و(م): "نصَّ عليه في مغني اللبيب، وقال: وأما قول الزمخشري: إن ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ عطف على ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فسهو. منه".
[ ٦ / ٤٣٢ ]
وقوله: ﴿أَخِي﴾ عطف بيان، لا بدل (^١)؛ لأنَّ إبدال الشَّيء من (^٢) أقلَّ منه فاسد لا يُتصوَّر، نصَّ عليه الشَّيخ في "دلائل الإعجاز" (^٣).
أو ﴿وَزِيرًا﴾ و﴿هَارُونَ﴾ مفعولاه، وقدِّم ثانيهما على أولهما عنايةً بأمر الوزارة.
* * *
(٣١) - ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾: قوِّ به ظهري.
والشَّدُّ: جمع يَستَمْسِك (^٤) به المجموع، ومثله: الرَّبط والعَقْد.
والأَزْرُ: الظَّهر، يُقال: آزرني فلان على أمري؛ أي: كان لي ظهرًا، ومنه: المِئْزَرُ؛ لأنَّه يُشَدُّ على الظَّهر، وكذا الإزارُ.
* * *
(٣٢) - ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾.
﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ الإشراك: الجمع بين الشَّيئين أو أكثر في معنًى على أنَّه لهم بجَعْلِ جاعلٍ. وقد أشرك الله تعالى بين موسى وهارون ﵉ في النُّبوَّة، وقوَّى به أزره كما دعا.
_________________
(١) في (م) زيادة: "كما ذكره". والذي ذكره هو الزمخشري والبيضاوي، لكن الزمخشري أتبعه بقوله: وإن جعل عطف بيان آخر جاز وحسن.
(٢) في (م): "في".
(٣) انظر: "دلائل الإعجاز" للجرجاني (ص: ١٤٧).
(٤) في (م): "يتمسك".
[ ٦ / ٤٣٣ ]
وقُرِئا على لفظ الخبر جوابًا للأمر (^١)، ولمن قرأ بهما على لفظ الأمر للدعاء أن يقف على ﴿هَارُونَ﴾، ويجعل ﴿أَخِي﴾ مرفوعًا على الابتداء والجملة خبر.
* * *
(٣٣ - ٣٤) - ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾.
﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ فإنَّ التَّعاون يهيِّج الرَّغبات، ويؤدِّي إلى تكاثر الخير وتزايده، قدَّم التَّسبيح وهو تنزيه الله تعالى عمَّا لا يجوز وصفه به، على الذِّكْرِ وهو ثناؤه تعالى بما يليق به؛ لأنَّ التَّخلية قبل التَّحلية.
* * *
(٣٥) - ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾.
﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾: عالمًا بأحوالنا؛ وأنَّ (^٢) التَّعاون ممَّا يصلحنا، وأنَّ هارون نِعْمَ العونُ لي فيما أمرتني به، والشَّادُّ لعضدي بأنَّه أكبر منِّي سنًّا وأفصح لسانًا.
* * *
(٣٦) - ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾.
﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ السُّؤلُ: المطلوبُ، فُعْلٌ بمعنى المفعول، كالخُبْزِ والأكْلِ؛ أي: أُعْطِيْتَ ما سألتَه، وذلك من المِنَّةِ عليه.
ثمَّ ذكَّرَهَ بتقديم مِنَنِهِ (^٣) عليه؛ ليعظُم اجتهاده وتَقْوَى بصيرته، بقوله:
_________________
(١) وهي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٥١).
(٢) في (ف): "بأحوالنا لأنَّ".
(٣) في (ف) و(ك): "ثمَّ ذكر تقديم منِّه"، وفي (س): "ثم ذكره تقديم منِّه".
[ ٦ / ٤٣٤ ]
(٣٧) - ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾.
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ المِنَّة: نعمة تُقْطَعُ لصاحبها عن غيره باختصاصها به، يقال: منَّ عليه: إذا أنعم عليه (^١) نعمةً يُقْطعه إيَّاها، وأصله: القطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨].
والمرَّةُ: الكَرَّة الواحدة، من المَرِّ.
و﴿أُخْرَى﴾: تأنيثُ آخر، بمعنى غير؛ أي: مِنَّةً غيرَ هذه المِنَّة.
* * *
(٣٨) - ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾.
﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾ قال الجمهور: هو وحيُ إلهامٍ، وقيل: وحي إعلامٍ؛ إمَّا ببعثِ مَلَكٍ إليها لا على وجه النُّبوَّة، كما بحث إلى مريم، أو بإراءة ذلك في المنام، أو على لسان نبيٍّ في وقتها، كقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١].
﴿مَا يُوحَى﴾: ما لا سبيل إلى العلم به إلَّا بالوحي، أو: ما ينبغي أن يُوْحَى لا محالة ولا يُخَلَّ به؛ لعظم شأنه وفرط الاعتناء به.
* * *
(٣٩) - ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.
﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾: بأنِ اقذفيه، أو: أيِ اقذفيه؛ لأنَّ الوحي بمعنى القول.
_________________
(١) "عليه" زيادة من (م).
[ ٦ / ٤٣٥ ]
والقَذْفُ: هو الرمي البعيد المستلزِم لصلابة المَرْميِّ، واستُعير هنا لمعنى الإلقاء.
﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ اليمُّ: اسمٌ للبحر العَذْب، والمرادُ منه هاهنا (^١): النِّيلُ.
﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ ساحلُ البحرِ: شاطئه، سُمِّيَ بذلك لأنَّ الماءَ يَسْحَلُهُ؛ أي: يَقشره، فهو فاعل بمعنى: ذو كذا، ولَمَّا وجب وقوع ما تعلَّقَتْ به إرادته تعالى، وهو إلقاء البحر إيَّاه بالسَّاحل، ذكر بلفظ الأمر تشبيهًا للبحر بالمأمور المميِّز المطيع الممتثِل لِمَا وردَ عليه من أمرِ (^٢) آمرٍ مُطاعٍ، على طريق (^٣) الاستعارة بالكناية.
وأخرج (^٤) الجواب بقوله: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ مخرجَ جوابُ الأمر مجزومًا.
وكرّر ﴿وَعَدُوٌّ﴾ للمبالغة، أو لأنَّ الأوَّل باعتبار الواقع، والثَّاني باعتبار المتوقَّع، والأحسن نظمًا أن ترجع الضمائر كلُّها إلى موسى ﵇ (^٥)، لا لِمَا قيل: إنَّ في رجوع البعض إلى التَّابوت تنافرُ النَّظم الذي ينافي الإعجاز؛ لأنَّه ممنوع، كيف ولو كان فيه ما يخلُّ بحسن النَّظم لَمَا وقع في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]؟! ثمَّ إنَّ موجَبَ ذلك عدمُ الحُسْنِ - بل عدمُ الصِّحةِ -
_________________
(١) في (م) و(س): "هنا".
(٢) "أمر" سقط من (ف) و(ك).
(٣) في (م): "طريقة".
(٤) في (ف): "وإخراج".
(٥) في هامش (ف) و(س): "فإن الأول والثاني والرابع من الضمائر المذكورة راجع إلى الإيصاء الواقع، والثالث منهما راجع إلى التبديل أو إلى الإيصاء المبدل باعتبار وضعه. منه".
[ ٦ / ٤٣٦ ]
لا عدمُ الأحسنيَّة (^١) = بل لأنَّ المُحَدَّث عنه موسى ﵇، لا التَّابوت، وإنَّما ذُكِرَ التَّابوتُ على سبيل الوعاء (^٢) والفضلة، فالمُلْقَى والمَأْخُوذ هو موسى ﵇ في التَّابوت، فلا حاجة إلى نشر الضَّمائر.
والظَّاهر: أنَّ البحر ألقاه بالسَّاحل فالتقطه منه آل فرعون، روي أنَّه فُتِحَ التَّابوت فإذا صبيٌّ أصبحُ النَّاس وجهًا، فأحبَّه عدوُّ الله حبًّا شديدًا، كما قال:
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ ﴿مِنِّي﴾ صفة لـ ﴿مَحَبَّةً﴾؛ أي: محبَّةً كائنةً منِّي قد زرعتُها في القلوب، فلذلك (^٣) أحبَّك فرعون. أو متعلق بـ ﴿وَأَلْقَيْتُ﴾ أي: أحببتُكَ ومَن أحبَّه اللّهُ أحبَّته القلوب، وعلى هذا يراد المعنى المذكور أوَّلًا بطريق الكناية، أو بطريق الإشارة.
وتنكير ﴿مَحَبَّةً﴾ للتَّعظيم أو الإبهام والتعيين.
﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ عطف على علَّةٍ مقدَّرة، مثل: ليُتعطَّفَ عليك، ونحوِه، أو علَّةٌ لمحذوف معطوفٍ على الجملة السابقة، أي: ولتُصنع فعلْتُ ذلك.
قال الخليل: يُقال: صنعْتُ الفرسَ، وهو فرسٌ صَنِيْعٌ، وهو الذي أَحسن أهلُه القيام عليه (^٤)، وسيفٌ صَنِيْعٌ: الذي قد أُحْسِنَ صَقْلُهُ.
﴿عَلَى عَيْنِي﴾: بمرأًى منِّي؛ أي: لِتُرَبَّى كما أريد، ومجازُه: أنَّ مَن صنعَ للإنسان شيئًا وهو ينظر إليه (^٥) صَنَعَهُ له كما يحبُّه، ولا يتهيَّأ له خلافه.
_________________
(١) في هامش (س) و(ف): "كما توهمه القاضي ﵀. منه".
(٢) في (ف) و(ك): "الدعاء".
(٣) في (ف): "فذلك"، وفي (م): "ولذلك".
(٤) انظر: "العين" (باب العين والصاد والنون) (١/ ٣٠٥).
(٥) "إليه" سقط من (ك)، وفي (ف): "إلى".
[ ٦ / ٤٣٧ ]
وقيل: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾؛ أي: على حفظي.
* * *
(٤٠) - ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾.
﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ ظرفٌ لـ (أَلقيتُ)، أو (تُصنع)، أو بدل من ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا﴾ على أنَّ ﴿إِذْ﴾ عبارةٌ عن الوقت المتَّسع.
﴿فَتَقُولُ﴾ للَّذين يطلبون مرضعةً يَقبلُ ثديها، وكان لا يَقبل ثديَ امرأة على ما ذُكِرَ في سورة القصص، فالفاء فصيحة؛ لترتيب المذكور على المقدَّر.
﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾: على مَن يضمُّه إلى نفسه فيربِّيه، وأرادت بذلك: المرضعةَ، وإنَّما ذُكِّرَ للَفظ ﴿مَنْ﴾.
﴿فَرَجَعْنَاكَ﴾: فرددناك ﴿إِلَى أُمِّكَ﴾ وفاءً بقولنا: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: ٧]، ويأتي التفصيل في سورة القصص، وهذه الفاء أيضًا فصيحة.
﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ برؤيتك، وقد مرَّ تفسير (تقر) في سورة مريم.
﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ على فراقك (^١).
قيل: أو أنت على فراقها. ولا يتحمَّله مساق الكلام في سورة القصص (^٢)، ويأباه قوله: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [القصص: ١٣].
_________________
(١) في (م): "فرقتك".
(٢) في هامش (ف) و(س): "لأن الخطاب ثمة معها لا معه. منه".
[ ٦ / ٤٣٨ ]
﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾: هي نفس القِبْطيِّ الذي استغاثه عليه السِّبْطيُّ.
﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ الذي نالَكَ بسبب قتْلِه خوفًا من عقاب الله تعالى واقتصاصِ فرعون، بالمغفرة والأمن منه بالهجرة إلى مَدْيَن.
﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ مصدر على فُعول في المتعدِّي، كالثُّبور والشُّكور والكُفور، أو جمع فَتْنٍ أو فِتْنَةٍ على ترك الاعتداد بتاء التَّأنيث، كحُجُوز (^١) وبُدُور في جمع حُجْزَة وبَدْرَة (^٢).
والفتنةُ: المحنةُ، وكلُّ ما يَبتلي اللهُ به عباده من نعمة أو من (^٣) نقمة فهو فتنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وأكثر استعمالها في العُرف فيما يَشُقُّ على الإنسان؛ أي: اختبرناك بضروب من الاختبار.
سأل سعيدُ بن جبيرٍ ابنَ عبَّاس ﵄، فقال: خلَّصناكَ مِن محنةٍ بعدَ محنةٍ، وُلدَ في عامٍ كان يُقتَلُ فيه الولدان، فهذه فتنةٌ يا ابن جبير، وألقته أمُّه في البحر، وهمَّ فرعون بقتله، وقتل قِبطيًّا، وأجَّر نفسَه عشرَ سنين، وضلَّ الطَّريق، وتفرَّقَتْ غنمُه في ليلةٍ مظلمة، وكان يقول عند كلِّ واحدة: فهذه فتنة يا ابن جبير (^٤).
_________________
(١) في (ك) و(ف): "حجور".
(٢) حجزة الإزار: مَعْقِدُه. والبَدْرَة: كيسٌ فيه ألفٌ أو عشرة آلاف درهم. انظر: "تاج العروس" (مادة: حجز)، و(مادة: بدر).
(٣) "من": ليست في (م).
(٤) انظر: "الكشاف" (٣/ ٦٤)، ورواه بمعناه مطوَّلًا النَّسَائِيّ في "السنن الكبرى" (١١٢٦٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٦١٨) عن ابن عباس ﵄.
[ ٦ / ٤٣٩ ]
والمعنى: إنَّا عاملناك معاملة المختبِر حتى خلصت للاصطفاء (^١) بالرِّسالة، فكلُّ هذا من أكبر نعمه.
﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ وهي مدينة شعيب ﵇.
وعن وهب: أنَّه لبثَ عندَه ثمانيًا وعشرين سنة، عشرٌ منها مهرُ ابنته، وأقام عنده ثماني عشرة سنةً بعدها حتى ولد له أولاد (^٢).
والفاء لتفصيل بعض (^٣) ما أُجمل من أنواع الفتنة.
﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ﴾ قدَّرتُه وعيَّنته (^٤)، وهو ما سبق في قضائي أن أكلِّمَكَ وأستنبئك في وقتٍ قد وقَّتُّه لذلك، فما جئْتَ إلَّا على ذلك القَدَر، غيرَ متقدِّم ولا متأخِّر (^٥).
وقيل: هو الوقت الذي يوحَى فيه إلى الأنبياء ﵈، وهو رأس أربعين سنة، قال الشَّاعر:
نالَ الخلافةَ إذْ كانَتْ لَهُ قَدَرا … كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ (^٦)
﴿يَامُوسَى﴾ (^٧) عقيب ما هو غاية الحكاية؛ للتَّنبيه على أنه المقصود.
* * *
_________________
(١) في (ف): "خلصته لاصطفاء".
(٢) انظر: "تفسير القرطبي" (١٤/ ٦١).
(٣) "بعض" من (م) و(س).
(٤) في (ف): "قدره وعينه".
(٥) في (م) و(س): "مستقدم ولا مستأخر"، وفي (ف): "مقدم ولا متأخر".
(٦) البيت لجرير. انظر: "ديوانه" (١/ ٤١٦).
(٧) في (ف) و(ك): "تقرير".
[ ٦ / ٤٤٠ ]
(٤١) - ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾: اصطفيتك لمحبَّتي وخَصَصْتُكَ بي، مثَّل حاله فيما خوَّله من الكرامة بمَن قرَّبه الملك واستخلَصه لنفسه لمحاسنَ فيه.
* * *
(٤٢) - ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ أمرَ أوَّلًا موسى ﵇ وحده بالذَّهاب، فلمَّا (^١) سأل أن يُشرك هارونُ ﵇ في أمره أمَرهما معًا، إجابةً لدعوته على حسَب وَعْده.
وضمَّن كلامه التَّنبيه على أصالته حيث غلَّبه (^٢) على هارون في الخطاب، ولم يقل: (اذهبا).
و(أخوك) معطوف (^٣) على الضَّمير المستكنِّ (^٤) في ﴿اذْهَبْ﴾، المؤكَّد بـ ﴿أَنْتَ﴾.
قيل: أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقاه، وقيل: سمع بمُقْبَله (^٥) فاستقبله.
﴿بِآيَاتِي﴾: بمعجزاتي.
﴿وَلَا تَنِيَا﴾ أي: ولا تفتُرا، ولا (^٦) تقصِّرا. والوَنْيُ: الفتور.
_________________
(١) في (م) زيادة: "ذهب" ولا يحتملها السياق.
(٢) في (ك) و(م): "غلب".
(٣) في (ف): "معطوفًا".
(٤) في (م): "ضمير مستكن".
(٥) بضم الميم وفتح الباء مصدر ميمي بمعنى الإقبال، أو اسم مكان.
(٦) "لا": ليست في (م).
[ ٦ / ٤٤١ ]
﴿فِي ذِكْرِي﴾ أي: لا تنسياني حيث ما تقلَّبْتُما (^١)، أو في تبليغ الرِّسالة؛ فإنَّ الذِّكْرَ يطلق على كلِّ عبادة، والتَّبليغُ من أجَل العبادات، أو: في تبليغ ذِكْري والدَّعوة إليَّ.
* * *
(٤٣) - ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾.
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ تأكيد لقوله: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ بالتكرير (^٢)؛ إظهارًا للاعتناء بدعوة اللَّعين إليه، وفيه إبهام وتوضيح، ونبَّه على سبب الذَّهاب إليه بالرِّسالة من عنده بقوله:
﴿إِنَّهُ طَغَى﴾، أي: تجاوز الحدَّ في الفساد، ودعواه الرُّبوبيَّة.
* * *
(٤٤) - ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ نحو قوله: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨ - ١٩]؛ لأنَّه دعوةٌ في صورة العَرْض والمشورة والاستفهام، حذَرًا أن يحمله التَّجبُّر على أن يسطوَ عليكما، أو احترامًا له لحقِّ التَّربية.
وقيل: ﴿لَيِّنًا﴾ (^٣) كنِّياه، أو لقِّباه، لا بدَّ من هذه الزِّيادة كيلا يردَّه قوله: ﴿وَقَالَ
_________________
(١) في (ف) و(ك): "انقلبتما".
(٢) في هامش (س) و(ف) و(م): "من قال: أمر به أوَّلًا موسى ﵇ وحده، وهنا إياه وأخاه، فلا تكرير، فكأنه غفل عن قوله: ﴿وَلَا تَنِيَا﴾، أو أخطأ موضع قوله هذا، فإنَّ حقَّه أن يذكر عند قوله: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾. منه".
(٣) في (م) زيادة: "لينا".
[ ٦ / ٤٤٢ ]
مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٤]، فإنَّه لو كان مأمورًا بالتَكنية خاصَّةً لَمَا خالفه (^١) بالتَّلقيب.
﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ متعلِّق بـ ﴿اذْهَبَا﴾، أو ﴿قَوْلًا﴾؛ أي: على أرجى (^٢) الوجوه للاتِّعاظ والخشية.
وقوله: (لعل) ليس لخفاء حاله عليه تعالى، لكن أمر لهما بالدُّعاءِ على الرَّجاء، فإنَّه إذا كان الدَّاعي راجيًا فهو أحرص على الدُّعاء، وذلك أبلغ في إلزام الحجَّة.
وقيل (^٣): يتذكر المتحقِّق (^٤) ويخشى المتوهِّم؛ أي: يتذكَّر إن تحقَّق صدقَكما فيذعن للحقَّ، وإنْ لم يتحقَّق توهَّم أنْ يكون الأمر كما تصفانه.
والأحسنُ أنْ يُقال: يتذكَّر المبدأ أو يخشى المعاد؛ أي: يتذكر حالة نشأته صغيرًا عاجزًا عن تدبير نفسه، وأنَّه حدث بعد أن لم يكن موجودًا، فيرجع عن دعوى القدرة والرُّبوبيَّة، أو يخشى عقابَ اللهِ تعالى في دعواه ذلك.
* * *
(٤٥) - ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾.
﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ فرط: سبق وتقدَّم، ومنه الفارِطُ الذي يتقدَّم الوارِدَ، وفرسٌ فُرُطٌ: تسبقُ الخيل.
_________________
(١) في (م): "خالف".
(٢) في (ف) و(ك): "أوجه".
(٣) في (م): "قيل".
(٤) في (ك): "المحقق".
[ ٦ / ٤٤٣ ]
وقرئ: (يُفْرَطَ)، من أفْرَطه: إذا حمله على العَجَلَةِ، و(يُفْرِطَ) من الإفراط (^١)؛ أي: نخاف أن يعجل علينا بما يحول بيننا وبين إتمام الدَّعوة وإظهار المعجزة، أو أن يحمله حامل من استكباره وجبروته أو خوفه على الملك، أو شيطان جنَي أو إنسيٌّ من قومه القِبط المتمرِّدين، على المعاجلة بما ذكر، أو أن يفرط فيه.
وإنَّما قلنا: (بما يحول)، ولم نقل: (بالعقوبة) كما قيل؛ لأنَّه مردود بقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: ٣٥]، فإنَّه مذكور قبل قولهما (^٢) هذا، بدلالة قوله: ﴿سَنَشُدُّ﴾، وقد دلَّ على أنهما محفوظان من عقوبته.
﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ أي: يتجاوزَ الحدَّ بالتَّخطِّي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي؛ لعتوِّه وجراءته عليك وقساوة قلبه، وفي إطلاق الطُّغيان مع تقييد قسيمه بقوله: ﴿عَلَيْنَا﴾ بطريق الرَّمز من حُسن الأدب والتَّحاشي عن التَّفوُّه بالعظيمة ما لا يخفى، وإنَّما أخَّره لأنَّ مَن أُمرَ بشيء فحاول دفعَه لأعذار فلا بُدَّ وأن يختم كلامه بما هو الأقوى.
* * *
(٤٦) - ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾.
﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ المعيَّة هنا (^٣) بالنُّصرة والمعونة.
_________________
(١) انظر القراءتين في: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٧)، ونسب الأولى ليحيى وأبو نوفل وابن مسعود، والثانية لابن محيصن.
(٢) في (م): "قوله".
(٣) في (ك) و(م): "هاهنا".
[ ٦ / ٤٤٤ ]
﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ما يجري بينكما وبينه من قولٍ أو فعلٍ، فأجازيه وأكفيكما شرَّه.
والأفصح أنْ لا يُقدَّر مفعولا قوله: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فيكون مبالغةً في الحفظ (^١)، أي: إنَّني حافظٌ ناصرٌ سميعٌ بصيرٌ، وإذا كان الحافظ قادرًا سميعًا بصيرًا تمَّ الحفظ، وحقَّتِ النُّصرة، وثبَتَ الدَّفْعُ عن المحفوظ.
* * *
(٤٧) - ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾.
﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ خاطَبا (^٢) بقولهما: ﴿رَبِّكَ﴾؛ إعلامًا له أنَّه مربوبٌ مملوكٌ إذ كان (^٣) يدَّعي الرُّبوبية والمالكية.
﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أطلقهم عن الاستعباد، كما يقال: أرسلْتُ (^٤) الصَّيد، ولا تمنعهم عن اتِّباعنا.
﴿وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ بتكليف المشاقِّ.
كانت بنو إسرائيل تحت مِلْكة (^٥) فرعون، والقِبْطُ يعذِّبونهم بتكليف الأعمال الصَّعبة، وتعقيبُ دعوى الرِّسالة بإطلاق بني إسرائيل لِمَا فيه من إزالة المانع عن
_________________
(١) "مفعولا قوله: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فيكون مبالغة في الحفظ" سقط من (س).
(٢) في (ف) و(ك) و(س): "خاطبا".
(٣) في (ك) و(م) زيادة: "هو".
(٤) في (ف): "أرسل".
(٥) في (ك): "ملك".
[ ٦ / ٤٤٥ ]
دعوتهم واتِّباعهم، وهي أعمُّ (^١) من دعوة القبط، فلا دلالة فيه على أن تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإيمان، على أنَّ الظَّاهر ممَّا تقدَّم في سورة يونس ﵇ أنَّه ما آمن بموسى (^٢) ﵇ في مبدأ أمره إلَّا أولادٌ من قومه.
﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ جملة مبيِّنة (^٣) لقوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾؛ لأنَّ الرِّسالة لا تثبت إلَّا بالمجيء بالمعجزة.
وإنَّما وحَّد الآية ومعه آيتان لأنَّ المراد إثبات الدَّعوى بالبيِّنة، لا بيان تعدُّد الحجَّة ووحدتها، فكأنَّه قال: قد جئناك بحجَّة وبرهان على ما ادَّعينا من الرِّسالة، كقوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٥].
﴿وَالسَّلَامُ﴾ أي: سلامُ الملائكة الذين هم خزنة الجنَّة، والأفصح أن يكون السلام بمعنى الجنس؛ أي: جنس السَّلام وما يَستأهل أنْ يُسمَّى سلامًا، أو: السَّلامة من العذاب (^٤).
﴿عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾: على المهتدين، والذي يقابله هو (^٥) توبيخ خزنة النَّار، أو: والخزي (^٦) والعذاب على الضَّالين المكذِّبين.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "أهم".
(٢) في (م): "لموسى".
(٣) في (ك): "مبنية".
(٤) في (م): "والسلامة من العذاب"، وفي (ك): "أو السلامة"، وفي (ف): "والسلامة"، والمثبت من (س).
(٥) في (س) و(ك) و(م): "وهو".
(٦) في (س) و(ك) و(م): "الخزي".
[ ٦ / ٤٤٦ ]
(٤٨) - ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾.
﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ و﴿أُوحِيَ﴾ مبنيٌّ للمفعول، والمفعول الذي لم يُسَمَّ فاعله مصدرٌ ينسبك من (أنَّ) وما بعدها، تقديره: أوحي إلينا كينونةُ العذاب على مَن كذَّب وتولَّى.
وتغيير النَّظم باستئناف الكلام، والتَّوكيدِ، والتَّصريحِ بالوعيد؛ لأنَّ التَّهديد في مبدأ الدَّعوة أهمُّ وأنجع.
* * *
(٤٩) - ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾.
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾ في الكلام حذفٌ وإيجازٌ يُشْعِر بأنَّهما من فَرْط طاعتهما ومُسارَعتِهما إلى الامتثال لا ينفكُّ فعلهما عن الأمر، كاللَّازم البيِّن، فلا حاجة إلى ذكره، وهو: فأتَياه وقالا ما أُمِرا به.
ثمَّ إنَّ الفاء فصيحةٌ تفصِح عن محذوفٍ بعد ﴿قَالَ﴾، تقديره: سمعْتُ قولَكما فمَن ربُّكما؟
﴿يَامُوسَى﴾ إنَّما خاطب الاثنين وخصَّ موسى ﵇ بالنِّداء لأنَّه الأصل في الرِّسالة والدَّعوة، وهارونُ وزيرُه وتابعُه، أو لِمَا عُرِفَ مِنْ رُتَّةِ موسى ﵇ وفصاحة هارون ﵇، فأرادَ أنْ يفحِمَه، فاستدعى كلامَه دونَ كلامِ هارون لمكرِه ودهائِه، ويُشعر بذلك قوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، فأجابَ بأشفى جوابٍ وأبلغِه، وأَخْصَرِه (^١) لفظًا، وأَجْمَعِه معنًى، حيث (^٢):
_________________
(١) في (س): "أحصره"، وفي (ف) و(م): "أحضره".
(٢) في (م) زيادة: "قال".
[ ٦ / ٤٤٧ ]
(٥٠) - ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.
﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: أعطى كلَّ شيءٍ من الأنواع والأعضاء صورتَه وشكله الذي يوافق ما وُجِّهَ إليه من المنفعة، كشكل الإنسان والفرَس والعين والأُذن، أو: أعطى خلقه (^١) كلَّ شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، فقدَّم ثاني المفعولَيْن لأنَّه (^٢) المقصودُ بيانُه.
وقيل: أعطى كلَّ حيوان (^٣) نظيرَه في الخَلْق والصُّورة زوجًا.
وفيه نظر؛ لأن من الحيوان ما يكون بالتولُّد، فلا يكون له زوج نظيره في الخلق والصُّورة (^٤).
وقرئ: (خَلَقَهُ) على الفعل الماضي (^٥)، صفة للمضاف إليه، أو المضافِ على شذوذٍ، والمفعول الثَّاني محذوف؛ أي: أعطى كلَّ شيء ما يصلحه، لم يُخْلِه من عطائه ممَّا يليق به.
﴿ثُمَّ هَدَى﴾: ثم عرَّفه كيف يرتفق بما أُعطيَ، وكيف يتوصَّل به إلى كماله الصُّوري والمعنوي طبعًا واختيارًا.
نعتَه بما معناه (^٦): الموجِدُ لكلِّ شيءٍ على وفق حكمته (^٧)، المفيضُ على الكلِّ
_________________
(١) في (م) و(س): "خليقته".
(٢) في (ف) و(م): "لأن".
(٣) في (ف) و(ك): "كل شيء"، والمثبت من (س) و(م)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٣/ ٦٧).
(٤) من قوله: "زوج نظيرُه في الخلق والصُّورة" سقط من (م).
(٥) نسبت لأبي نهيك ونصير عن الكسائي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٧).
(٦) في (م) زيادة: "أنه".
(٧) في (م): "الحكمة".
[ ٦ / ٤٤٨ ]
كلَّ ما ينبغي له ويليق به من الأسباب والآلات، الهادي له إلى مصالحه واستعمالِ آلاته في تحصيل كمالاته، فهو الخالق القادر الحكيم المنعِم على الإطلاق، الغنيُّ بالذَّات، وجميع ما عداه مخلوق مربوب منعَمٌ عليه مفتقرٌ، فلذلك بُهِتَ الذي كفر وأُفْحِمَ عن (^١) الاعتراض عليه، فصرف الكلام عنه وشرَع في سؤال آخر على سبيل الرَّوَغانِ عن الاعتراف بما قاله (^٢) موسى ﵇ وما أجابه به والحيرةِ والمغالطة.
* * *
(٥١) - ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾.
﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾: ما تقدَّم وخلا.
والفاء تدلُّ على أنَّ السُّؤالَ مبنيٌّ على قول موسى ﵇: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]، و﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ﴾ [طه: ٤٧].
* * *
(٥٢) - ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾.
﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ لَمَّا (^٣) سأله عن حال (^٤) الأمم الخالية والرِّمم البالية من الفريقَيْن بعد الموت أجابَ موسى ﵇ بأنَّه غيبٌ لا يعلمه إلَّا اللهُ، دلَّ على الحصر معنى الحفظ المستفاد من عبارة ﴿عِنْدَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "من".
(٢) في (ك): "قال".
(٣) "لما": ليست في (م).
(٤) "حال" سقط من (ف).
[ ٦ / ٤٤٩ ]
﴿فِي كِتَابٍ﴾ مثبَتٌ في اللَّوح المحفوظ، ولَمَّا كان الإثبات في اللَّوح مظنّةَ الحاجة إلى الحفظ في الكِتْبةِ دفَعه بقوله:
﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ ولقد نبَّه على هذا مَن قال: لا ينسى ما عَلِمَ فيذكِّرَه الكتَابُ، ولكن ليعْلَمَ الملائكةُ أنَّ معمولَ (^١) الخلْقِ موافق (^٢) معلومه.
ومَنْ لم يتنبَّه لهذا قال: ويجوز أن يكون تمثيلًا لاستحكام علمه وتمكُّنِه بما استحفظه العالم وقيَّده بالكتابة، ويؤيِّده: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾.
﴿لَا يَضِلُّ﴾ مِنْ ضَلِلْتَ الشَّيءَ: إذا أخطأتَه في مكانه فلم تهتدِ له.
وقرئ: (يُضِلُّ) (^٣) من أضلَّه: إذا ضيَّعه، والعرب تقول لكلِّ ما ذهب على الإنسان ممَّا (^٤) ليس بحيوان: ضلَّه، بغير ألف، فأمَّا إذا كان منه فتقول: أضلَّه بالألف، والأصل في الأوَّل: ضَلَّ عنه.
﴿وَلَا يَنْسَى﴾ مِنْ نسيتَه: إذا ذهبتَ عنه بحيث لا يخطرُ ببالك، وهمَّا مُحالان على العالم بالذَّات.
قيل: ويجوز أن يكونَ سؤالُه دخلًا على إحاطة قدرة الله تعالى بالأشياء كلِّها، وتخصيصِه أبعاضها (^٥)
_________________
(١) في (ك): "معلوم".
(٢) في (م): "يوافق".
(٣) نسبت للحسن وجمع. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٣/ ٤١)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٧)، و"زاد المسير" (٥/ ٢٩٢).
(٤) في (ف) و(ك): "ما".
(٥) في النسخ: "وتخصيصه كلها"، والمثبت من "تفسير البيضاوي"، والكلام منه، وقوله: "وتخصيصه" معطوف على: "الأشياء". انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٠٧).
[ ٦ / ٤٥٠ ]
بالصُّور والخواصِّ المختلفة، بأنَّ (^١) ذلك يستدعي علمه بتفاصيلها وجزئياتها، والقرون الخالية مع كثرة عددِهم وتمادي مددِهم وتباعُد أطرافِهم، كيف أحاط علمُه بهم وبأجزائهم وأحوالهم؟! فيكون معنى (^٢) الجواب: أنَّ علمَه تعالى محيطٌ بذلك كلِّه، وأنَّه مثبَتٌ عندَه لا يضلُّ ولا ينسى.
وَيرِدُ عليه: أنَّه يأباه تخصيصُ القرون الأولى مِن بينِ الكائنات، فإنَّه لو أخذها بجملتها لكان أظهرَ وأقوى في تمشية (^٣) ما أراده.
* * *
(٥٣) - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ مرفوعٌ صفةٌ لـ ﴿رَبِّي﴾، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو منصوبٌ على المدح، وهو أفصح.
﴿مَهْدًا﴾؛ أي: كالمهد، وهو ما يُمهَد للصَّبي، مصدر سُمِّيَ به؛ أي: مَهَدها لكم، أو: مهدًا تتمهدونها.
وقرئ: ﴿مِهَادًا﴾ (^٤)، وهو اسم ما يُمْهَد، كالفراش لِمَا يُفْرَش، أو جمع مَهْدٍ.
﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ (سلكَ): من السَّلكِ بمعنى الإدخال؛ أي: جعل (^٥) لكم
_________________
(١) متعلق ب "دخلًا". انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٠٧).
(٢) في (م) ت "مع".
(٣) في (م): "مشيئة".
(٤) قرأ الكوفيون: ﴿مَهْدًا﴾، وباقي السبعة: ﴿مِهَادًا﴾. انظر: "التيسير" (ص: ١٥١).
(٥) في (ك) و(س): "حصل".
[ ٦ / ٤٥١ ]
سُبُلًا بينَ الجبال والأودية والبراري تسلكونها لحوائجكم وتقلُّبكم في البلاد لتبلغوا منافعها.
وإنَّما أعيد ﴿لَكُمْ﴾ لأنَّ معناه فيما تقدَّم: لانتفاعكم، وهنا: لأَجْلكم؛ فإن غير الإنسان لا يشاركه في الانتفاع بالطُّرق بخلاف الانتفاع بتمهيد (^١) الأرض، إلَّا أنَّ المقصود الأصلي (^٢) انتفاع الإنسان، فلذلك خُصَّ بالذِّكر.
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: مطرًا ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ إنزاله تعالى وإخراجه عبارتان (^٣) عن إرادته (^٤) النُّزول والخروج؛ لاستحالة مزاولة العمل في شأنه، فالفاء للتَّعقيب (^٥)؛ فإنَّ ثانية الإرادتين لا تتراخى عن الأولى، وإنْ تراخى ثاني المرادَيْن عن الأوَّل (^٦)، فتأمَّل.
والعدول عن لفظ الغيبة إلى صيغة التَكلُّم على الحكاية لكلام الله تعالى؛ للتَّنبيه على أنَّه مُطَاعٌ تنقادُ الأشياءُ لأمره وتذعِنُ لمشيئته وحُكْمِه، لا يمتنع عليه شيء، ومبنى التَكلُّم على الحكاية على ظهور اختصاص القدرة على ذلك بالله تعالى.
_________________
(١) في (س) و(ف) و(ك): "بتمهد".
(٢) في (م): "الأصل".
(٣) في (م): "عبارة".
(٤) في (م): "إرادة".
(٥) في هامش (س) و(م): "إنما قلنا: إنها للتعقيب؛ لأن معنى سببية الإنزال للإخراج قد علم من الباء في قوله: ﴿بِهِ﴾، وقد سبق وجه آخر لهذا التعقيب في سورة النحل. منه".
(٦) في هامش (ف): "أمر بالتأمل في وجه صحة تخلف المراد عن الإرادة مع عدم لزوم العجز، فإنَّه لا يخلو عن نوع خفاء. منه".
[ ٦ / ٤٥٢ ]
﴿أَزْوَاجًا﴾: أصنافًا، سُمِّيَتْ بذلك لازدواجها واقتران بعضِها ببعضٍ.
﴿مِنْ نَبَاتٍ﴾ بيانٌ وصفةٌ لـ ﴿أَزْوَاجًا﴾، وكذلك:
﴿شَتَّى﴾ صفةٌ للأزواج (^١)، ويجوز أن يكون صفةً للنَّبات؛ لأنَّه في الأصل مصدر، فاستوى فيه الواحد والجمع، يقال: شَتَّ الأمر شتًّا وشَتاتًا، وهو شَتِيْتٌ وشَتٌّ، وهم أشتاتٌ وشَتَّى، فأشتاتٌ جمع شَتٍّ، وشَتَّى جمع شَتِيْتٍ، ذكره المرزوقي (^٢)؛ أي: متفرِّقات في الصُّوَرِ والأعراض بالاختلاف في الطَّعم والشَّكل واللَّون والنَّفع، يصلح بعضها للنَّاس، وبعضها للبهائم، ولذلك قال:
(٥٤) - ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾.
﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ ومن حكمته ونعمته على العباد أنَّ ما يَفضُل عن (^٣) أرزاقهم ولا يصلح لهم يكون علفًا لأنعامهم.
وصيغة الأمر للإباحة، وهو حال من ضمير ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ على إرادة القول؛ أي: أخرجنا أصناف النَّبات قائلين: كلوا وارعوا، والمعنى: آذِنِين (^٤) في الانتفاع بها، بأنْ (^٥) يأكلوا بعضها ويعلفوا أنعامهم بعضها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: في الذي (^٦) ذُكِرَ.
_________________
(١) في (م): "لأزواج".
(٢) انظر: "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي (٣/ ١١١٦).
(٣) في (ك) و(م): "من".
(٤) في هامش (ف) و(س): "عبارة القاضي: معديها … إلخ، ولا يخفى ما فيها من الركاكة. منه".
(٥) في (ف) و(ك) زيادة: "يكون".
(٦) في (م): "في الذكرى".
[ ٦ / ٤٥٣ ]
﴿لَآيَاتٍ﴾: لَدَلالاتٍ (^١) ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾: لذوي العقول، واحدها: نُهْيَةٌ، وهو العقل؛ لأنَّه ينهى عن المحظور، أو يُنتهى إليه في الأمور.
* * *
(٥٥) - ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾.
﴿مِنْهَا﴾: من الأرض ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ فإنَّها أصل خلقة أوَّل آبائكم، أو: من الأغذية المتولِّدة من الأرض خلقناكم.
﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ بالموت وتفتيت الأجزاء.
﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾ بالبعث وجمع الأجزاء على الصُّورة السَّابقة ﴿تَارَةً﴾: مرَّة ﴿أُخْرَى﴾.
* * *
(٥٦) - ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾: بصَّرناه ﴿آيَاتِنَا﴾، أو: عرفناه صحتها ﴿كُلَّهَا﴾ تأكيد لشمول الأفراد المعهودة المعلومة (^٢) من بعض الآيات النَّازلة سابقًا، والتَّعريف بالإضافة يجري مجرى التَّعريف بلام العهد.
قيل: هي تسعُ الآيات (^٣) المختصَّةُ بموسى ﵇: العصا، واليد،
_________________
(١) في (م) و(س): "دلالات".
(٢) في (م): "والمعلومة".
(٣) في (م): "تسع آيات"، وفي (ف) و(ك): "التسع الآيات"، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٣/ ٦٩).
[ ٦ / ٤٥٤ ]
وفلق البحر، والحجر، والجراد، والقمَّل، والضفادع، والدم، ونتق الجبل (^١).
وَيرِدُ عليه: أن الحجر ونتق الجبل من الآيات التي جاء بها موسى ﵇ لبني إسرائيل بعد هلاك فرعون، ثم إنَّ فَلْقَ البحر ليس ممَّا كذَّبَ فرعونُ بعدَه.
﴿فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾: كذَّبها جميعها (^٢) لفَرْط عناده، وأبى الإيمان والطَّاعة لعتوّه، أو: أبى أن يقبل شيئًا منها.
* * *
(٥٧) - ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾.
﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾: مصر ﴿بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾ تعلَّل من فَرْطِ الدَّهَشِ والحيرة بالسِّحر، وإلَّا فكيفَ يخفى عليه أنَّ ساحرًا لا يقدر على إخراج ذي سلطان مثلِه من أرضه؟
وذَكر علَّة المجيء وهي إخراجهم، وألقاها في مسامع قومه؛ ليصيروا متعصِّبين له إذ الإخراج من الوطن مما يَشُقّ.
* * *
(٥٨) - ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾.
﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ﴾ جوابٌ لقسمٍ محذوف.
﴿بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾: مثلِ سحرِكَ، أورد ذلك على سبيل الشُّبهة الطَّاعنة في النُبوة؛
_________________
(١) في هامش (ف) و(س): "لم يقل: ورد الأرواح؛ لأنها ليست مما يخرج من الأرض. منه".
(٢) في (ف) و(م): "جميعا".
[ ٦ / ٤٥٥ ]
فإنَّ المعجِزَ إنَّما يتميَّز عن السِّحر بكونه ممَّا تتعذَّر معارضته دون السِّحر، فادَّعى القدرة على إتيان مثله ووعد به.
﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ هو مصدرٌ بمعنى الوعد؛ لأنَّ الإخلاف لا يلائم الزَّمان ولا (^١) المكان، ويؤيِّده قراءة الحسن بنصب (يومَ الزِّينة) (^٢)؛ أي: إنجازُ وعدكم يومَ الزِّينة.
﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ بالرَّفع على الوصف للموعد، وبالجزم على جواب الأمر (^٣).
﴿نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ معطوف على الضَّمير المستكنِّ في ﴿نُخْلِفُهُ﴾ المؤكَّد بـ ﴿نَحْنُ﴾.
ويجوز أن يكون الموعد اسمَ مكان، ويرجع الضَّمير في ﴿نُخْلِفُهُ﴾ إلى ما تضمَّنه من معنى الوعد، وعلى التَّقديرَين إنَّما يطابق الجوابُ السَّؤالَ معنًى لا لفظًا؛ لأنَّه أخبر عن الموعد بيوم الزِّينة، فلا يطابق المكان والمصدر، لكن يوم الزِّينة لا بُدَّ فيه من مكان معيَّن مشهور بين النَّاس، يجتمعون فيه للتَّعييد (^٤)، وهو زمان مستلزمٌ للمكان المعلوم بذِكْرِه، والمعنى: وعدُكم وعدُ يوم الزِّينة.
﴿مَكَانًا﴾ منصوبٌ بفعلٍ دلَّ عليه ﴿مَوْعِدًا﴾ لا به، لا لأنَّه مصدرٌ موصوفٌ؛ لأنَّ في الظَّرف الاتِّساع، فيكفي في العمل فيه رائحة الفعل وإن كانت ضعيفةً (^٥)، بل
_________________
(١) "لا": ليست في (م).
(٢) انظر: "المحتسب" (٢/ ٥٣).
(٣) قرأ بالجزم أبو جعفر، وباقي السبعة بالرفع. انظر: "النشر" (٢/ ٣٢٠).
(٤) في (ك) و(س): "للتعيد"، وفي (ت): "للتعبد".
(٥) في هامش (ف) و(س): "فكان كوصف الموصول قبل تمام صلته ذكره ابن جني في الأمالي. منه ".
[ ٦ / ٤٥٦ ]
لأنَّه يلزم حينئذ الفصل بينه وبين معموله بالوصف، وهو غير سائغٍ؛ لأنَّ المنصوب بالمصدر مِنْ تتمَّته، ولا يوصَفُ الشَّيءُ إلَّا بعدَ تمامه، هذا على قراءة الرَّفع، وأمَّا على قراءة الجزم فلا مانع عن النَّصب بـ (موعد).
أو يجوز أن يكون بدلًا من ﴿مَوْعِدًا﴾ على تقدير مضاف إليه؛ أي: مكانَ موعدٍ مكانًا، وعلى هذا التقدير أيضًا تكون المطابقة معنًى.
﴿سُوًى﴾: مَنْصفًا يستوي فيه المسافةُ إلينا وإليك، وهو في النَّعت كقولهم: قومٌ عِدًى، في الشُّذوذ، وقرئ بالضَّم (^١).
(٥٩) - ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾.
﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ كان لهم في كلِّ عامٍ يومٌ كانوا يتزيَّنون فيه ويتَّخذون فيه سوقًا، وإنَّما وعدهم ذلك اليومَ ليكونَ ظهور الحقِّ وزهوقُ الباطل على رؤوس الأشهاد، ويشيعَ ذلك في الأقطار، فتتوفَّرَ الرَّغبات في دين الحقِّ، ويَكلَّ حدُّ الباطل.
﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾؛ أي: يُجْمَع، قرئ على بناء الفاعل بالتَّاء على خطاب فرعون، والياء والضَّمير لليوم أو لفرعون (^٢)، والغيبة للعادة التي يخاطب بها الملوك، أو خاطب القومَ في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾، وجعل ﴿يُحْشَرَ﴾ لفرعون، ومحلُّه الرَّفعُ عطفًا على ﴿يَوْمُ﴾، أو الجرُّ عطفًا على ﴿الزِّينَةِ﴾.
_________________
(١) قرأ عاصم وابن عامر وحمزة: ﴿سُوًى﴾ بضم السين، وباقي السبعة بكسرها. انظر: "التيسير" (ص:١٥١).
(٢) أي قرئ: (تَحْشُرَ)، و(يَحْشُرَ)، نسبت القراءتان لأبي عمران النحوي وأبي نهيك والجحدري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٨)، و"الكشاف" (٣/ ٧١).
[ ٦ / ٤٥٧ ]
﴿ضُحًى﴾ أخَّر إلى ذلك الوقت ليكون أبعدَ عن الرِّيبة وأبينَ لكشف الحقِّ.
* * *
(٦٠) - ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾.
﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾: فأعرضَ عن موسى ﵇ على هذا الوعد.
﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: ما يُكاد به؛ يعني: السَّحرة وآلاتهم.
﴿ثُمَّ أَتَى﴾ الموعدَ، أخبر عن إتيانه مصدَّرًا بأداة التَّراخي، وتركَ الإخبار عن إتيان موسى ﵇ إشعارًا بأنَّه لا حاجة في إتيانه ﵇ إلى الإخبار؛ لأَنَّه على قوَّةٍ وغَلَبة، إنَّما مظنَّة المساهلة والتَّراخي في جانب فرعون؛ لأنَّه على ضعفِ قلبٍ وفتورِ عزمٍ.
* * *
(٦١) - ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾.
﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ﴾: كلمةٌ تُقال لِمَنْ يستحقُّ الهَلَكَة.
﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأن تدَّعوا آياته سحرًا.
﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ منصوب بإضمار (أنْ)، وهو جواب للنَّهي، قرئ بكسر الحاء وضمِّ الياء، وبفتحهما (^١).
_________________
(١) قرأ حفص وحمزة والكسائي بضم الياء وكسر الحاء، والباقون بفتحهما. انظر: "التيسير" (ص: ١٥١).
[ ٦ / ٤٥٨ ]
والسَّحتُ لغة أهل الحجاز، والإسحاتُ لغة أهل نجد وبني تميم، يقال (^١): سَحَتهُ اللهُ وأسحته: إذا استأصله وأهلكه.
وفيه دلالة على عظم الافتراء، وأنَّه يترتَّب عليه عذاب الاستئصال.
﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ الخيبةُ: انقطاعُ الرَّجاءِ بالامتناع على الطَّالب ممَّا أمَّل، والافتراءُ اقتطاعُ الخبر الباطل بإدخاله في جملة الحقِّ، وأصله القَطْع، مِن فَرَاه يَفريه فَرْيًا.
* * *
(٦٢) - ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾.
﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ التَّنازعُ: محاولةُ كلِّ واحدٍ مِنَ المختلفَيْن نزعَ المعنى عن صاحبه (^٢).
﴿أَمْرَهُمْ﴾ مفعول (تنازعوا) فتَعدَّى بمفعول واحد، ولو حُذفت التَّاء لتَعَدَّى إلى اثنين، تقولُ: نازعْتُ زيدًا الحديث؛ أي: اختلفوا فيما بينهم؛ أي: السَّحرة.
وقيل: فرعون وقومه في أمر موسى ﵇ حين سمعوا كلامَه، فقال بعضُهم: ليس هذا من كلام السَّحرة.
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ أي: تشاوروا في السِّرِّ خُفْيَةً من فرعون أن يتبيَّن فيهم ضعفًا، وقالوا: إنْ كان ساحرًا فسنغلبه، وإن كان من السَّماء فله أمرٌ.
_________________
(١) في (م): "ويقال".
(٢) في (م): "نزع الشيء عن صاحبه". ولعل الأحسن أن يقال: (نزع صاحبه عما هو عليه)، كما هي عبارة الواحدي والرازي. انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (١٠/ ١٧٦)، و"تفسير الرازي" (١٥/ ٤٨٨).
[ ٦ / ٤٥٩ ]
و﴿النَّجْوَى﴾ يكون مصدرً واسمًا.
* * *
(٦٣) - ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾.
ثمَّ لفَّقوا هذا القول؛ أعني: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ يعني: موسى وهارون ﵉، كأنَّهم تشاوروا في تلفيقه حذرًا من أن يَغْلِبا فيتَّبِعَهما النَّاسُ.
و﴿هَذَانِ﴾ اسم ﴿إنَّ﴾، هذا (^١) لغة بلحارث بن كعب، فإنَّهم جعلوا الألف للتَّثنية، وأعربوا المثنَّى تقديرًا.
وقيل: اسمها ضمير الشَّأن المحذوف، و﴿هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ خبرها.
وقيل (^٢): ﴿إنَّ﴾ بمعنى: نعم، وما بعدها مبتدأ وخبر.
ويردُّهما أنَّ اللَّام لا تدخل خبر المبتدأ.
وقيل: أصله: إنَّه (^٣) هذان لهما ساحران، فحذف الضَّمير. ويَرِدُ عليه أنَّ المؤكَّد باللَّام لا يليق به الحذف.
وقرئ: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ (^٤) وهو ظاهر، ولكنَّه مخالف للإمام (^٥).
_________________
(١) في "تفسير البيضاوي" (٤/ ٣١): "على" بدل "هذا".
(٢) في (ف): "وقيل إن".
(٣) في (م): "إن"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير القرطبي" (١٤/ ٩٥)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٣١)، و"تفسير أبي السعود" (٦/ ٢٥).
(٤) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٥١).
(٥) وفي هذه المخالفة نظر وبحث فهي قراءة متواترة، انظر بيان ذلك في "البحر" (١٥/ ٨٥)، و"روح المعاني" (١٦/ ٣٧٤).
[ ٦ / ٤٦٠ ]
وقرئ: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ (^١) على أنَّها هي المخفَّفة واللَّام هي الفارقة، أو النَّافية واللَّام بمعنى إلَّا.
﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ بالاستيلاء عليها.
﴿بِسِحْرِهِمَا﴾ نسبوه إلى هارون أيضًا؛ لشركته في أمر الدَّعوة.
﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب، بإظهار مذهبه، وإعلاء دينه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: ٢٦].
وقيل: أرادوا: أهل طريقتكم المثلى، وهم بنو إسرائيل؛ فإنهم كانوا أرباب علم فيما بينهم، فهو إشارة إلى ما قال موسى ﵇: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧].
وقيل: الطَّريقةُ: اسمٌ لوجوه القوم الذين هم قدوة لغيرهم.
* * *
(٦٤) - ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾.
﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بقطع الهمزة، من أَجْمَعَ.
﴿كَيْدَكُمْ﴾ (^٢) فأَزْمِعوه (^٣) واجعلوه مُجْمَعًا عليه، لا يتخلَّف (^٤) عنه واحدٌ منكم، كالمسألة المجمَع عليها.
_________________
(١) وهي قراءة ابن كثير وحفص. انظر: "التيسير" (ص: ١٥١).
(٢) في (م): "فأجمعوا كيدكم بقطع الهمزة من أجمع".
(٣) في (م): "فاعزموه". والمعنى واحد، أزْمَعَ المسير: عزم عليه، ورجل زَميع: ماضي العزيمة. انظر: "المغرب في ترتيب المعرب" (مادة: زمع) (ص: ٢٠٩).
(٤) في (م): "يختلف".
[ ٦ / ٤٦١ ]
وقرئ: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بهمزة الوصل (^١)، من جمع، ويعضده قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾.
﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: مصطفِّين؛ لأنَّه أَهْيَبُ في صدور الرَّائين، قيل: كانوا سبعين ألفًا مع كلٍّ (^٢) منهم حبلٌ وعصًا، وأقبلوا عليه إقبالةً واحدةً.
﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ أي: ظفرَ وفازَ ببُغيته مَن طلَبَ العُلوَّ في أمره، وسعى سعيَه (^٣)، اعتراض للتَّحريض والتَّرغيب.
* * *
(٦٥) - ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾.
﴿قَالُوا﴾ بعدما أتوا: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ قد سبق في سورة الأعراف تفسيره.
* * *
(٦٦) - ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾.
﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ مقابلةُ أدبٍ بأدبٍ مع زيادةٍ، وهي الإسعافُ إلى ما مالوا إليه بالتَّعريض، وتغييرُ النَّظم إلى صيغة الأمر الموجِب غالبًا مع كلمة الإضراب ليستنفِدوا (^٤) وسعهم وطوقهم (^٥)
_________________
(١) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٢).
(٢) في (م) زيادة: "واحد".
(٣) في هامش (ف) و(س): "من قال: نال المطلوب من غلب، أخل بمعنى السين وقصر في حق التحريض. منه".
(٤) في (ف) و(ك): "ليستعدوا".
(٥) "وطوقهم" سقط من (س).
[ ٦ / ٤٦٢ ]
في إبراز مكائد السِّحر ووقائعه (^١)، فيُظهر الله تعالى قدرته وسلطانه، ويقذف بالحقِّ على الباطل فيدمغه، ويسلِّط المعجزة على السِّحر فيمحقه، فكانت آيةً بيِّنة للنَّاظرين، وعبرة مقنِعة للمعتبِرين.
﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ (إذا) للمفاجأة، وهي لمجرَّد الظَّرفيَّة، ناصبُها فعل المفاجأة، ولا يقع بعدها إلَّا الجملة الاسميَّة، والمفاجأة تمثيل لسرعة التَّخييل، أي: ففاجأ موسى ﵇ وقتُ تخييل حبالهم وعصيهم السَّعيَ، أو تخييلُهم سعيَ حبالهم وعصيِّهم (^٢)، أو تخييلُ الله تعالى إيَّاه، أو تخييلُ السَّعي إليه، على اختلاف القراءات.
﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ وقرئ: ﴿تُخَيَّلُ﴾ بالتَّاء (^٣)، على إسناده إلى ضمير الحبال والعصيِّ، وإبدال ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ منه بدل الاشتمال.
وقرئ بها والبناء للفاعل (^٤)، وإيقاعه على ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ بمعنى: أنها مخيِّلة سعيَها.
وبالياء على أن الفاعل هو الله تعالى للابتلاء والمحنة (^٥).
و: (تَخيَّلُ) بفتح التَّاء (^٦)، بمعنى: تتخيل، وطريقُه طريقُ (تُخيَّلُ) (^٧).
_________________
(١) في (ف): "ودقائقه".
(٢) "السَّعي أو تخييلهم سعي حبالهم وعصيهم": ليست في (م).
(٣) وهي قراءة ابن ذكوان. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٢).
(٤) نسبت للحسن وعيسى الثقفي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٨)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٥١)، و"البحر المحيط" (١٥/ ٩١).
(٥) انظر: "تفسير البيضاوى" (٤/ ٣٢).
(٦) نسبت لأبي السمال. انظر: "البحر المحيط" (ص: ٩١)، و"الكشاف" (٣/ ٧٣).
(٧) انظر: "الكشاف" (٣/ ٧٣).
[ ٦ / ٤٦٣ ]
﴿مِنْ سِحْرِهِمْ﴾: مِن أجلِ سحرِهم.
﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ إنَّما قال: ﴿تَخَيَّلُ﴾ لأنَّها لم تكن تسعى حقيقة، وإنَّما تحركت (^١) لِمَا قيل: إنَّهم لطَّخوا الحبال بالزَّيبق وجعلوه في داخل العصيِّ، فلمَّا حميَتِ بالشَّمس طلب الزَّيبق الصُّعود فتحرَّكَتِ العصيُّ والحبال، فظنَّ أنَّها تسعى (^٢).
* * *
(٦٧) - ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾.
﴿فَأَوْجَسَ﴾ الإيجاسُ: من الهاجس الذي يخطرُ بالبال.
﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ فعرَض له خوفٌ عظيمٌ من مفاجأة ما فاجأ (^٣) على مقتضى الجِبِلَّة البشريَّة، إلَّا أنَّه أضمره، أي: لم يُظْهِرْ أثره (^٤)، لا من أن يخالج النَّاس شكٌّ فلا يتَّبعوه؛ لأن الخوف منه ليس ممَّا يحتاط في كتمانه، فلا يظهر وجه الإطناب بزيادة الإضمار.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "تحرك".
(٢) كذا ذكر الزمخشري والبيضاوي وغيرهما هذا التأويل، ولعل الصواب أنه كان سحرًا حقيقة لا خداعًا بالزئبق؛ لقوله تعالى في موضع آخر: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، كما أن موسى ﵇ وهو النبي الفطن لا يتصور خداعه بالزئبق وأمثاله، وقد ذكر لي أحدهم أنه حضر مجلسًا فيه ساحر طلب إليه الحاضرون أن يطعمهم بطيخا، وكان ذلك في الشام في أيام الشتاء وليس في تلك الأيام بطيخة واحدة في البلد كله، فبدأ يتمتم ثم ناول كل واحد منهم قطعة من أجود أنواع البطيخ، أو هكذا خيِّل لهم، ثم أمرهم بأن يبدؤوا بالأكل، فإذا كل واحد منهم ممسك بحذائه وهو يحاول قضمه ظنا منه أنه بطيخ، فلا يستبعد أن يكون ما وقع من السحرة من هذا الباب، والله أعلم بالصواب.
(٣) "ما فاجأ" ليست في (ف) و(ك)، ولم ترد عند البيضاوي أيضًا، ولفظه: (من مفاجأته).
(٤) في (ف): "يظهره".
[ ٦ / ٤٦٤ ]
(٦٨) - ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾.
﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾ ممَّا توهَّمْتَ، صيغة النَّهي للتَّشجيع وتقوية القلب، لا للنَّهي عن الخوف المذكور؛ لأنَّه ليس أمرًا اختياريًّا.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ تعليلٌ لِمَا قُصِدَ بصيغة النَّهي، وتقريرٌ لغلبته، مؤكَّدًا بالاستئناف، وحرفِ التَّحقيق، وتكريرِ الضَّمير، ولفظِ العلوِّ الدَّال على الغلبة الظَّاهرة، وصيغةِ التَّفضيل، ولامِ التَّعريف.
و﴿الْأَعْلَى﴾ لمجرَّد الزِّيادة؛ لأنَّه لم يكن للسَّحرة علوٌّ حتى يكون هو أعلى منهم (^١)، لا بمعنى العالي، كقول الشاعر:
تمنَّى أناسٌ أنْ أموتَ وإنْ (^٢) أَمُتْ … فتلكَ طريقٌ لسْتُ فيها بأوحد (^٣)
أي: بوحيد.
* * *
(٦٩) - ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾.
﴿وَأَلْقِ﴾ عطف على محذوفٍ دلَّ عليه سياقُ الكلام، تقريره: أثبت (^٤) في مقام الإقدام وألقِ، فالواو فصيحةٌ.
﴿مَا﴾ أبهم هنا، وعيَّن في سورة الأعراف حيث قال: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾، ومَن
_________________
(١) من قوله: "لأنَّه لم يكن .. " إلى هنا وقع في (م) بعد قوله: "أي بوحيد".
(٢) من قوله: "هو أعلى منهم، … " إلى هنا سقط من (س).
(٣) نسب لطرفة في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٣٠١)، و"تفسير الطبري" (٢٤/ ٤٧٨)، ونسبه ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٤/ ٣٣٥) للشافعي، و(٥/ ٤٩٢) لطرفة.
(٤) في (س) و(ك) و(م): "ثبت".
[ ٦ / ٤٦٥ ]
غفل عنه زعم (^١) أن الإبهام للتَّحقير أو للتَّعظيم، وإنما قال:
﴿فِي يَمِينِكَ﴾ ولم يقل: في يدك؛ لما في لفظ اليمين من معنى اليُمن والبركة.
﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾؛ أي: تأخذْ ما زوَّروه بفيها ابتلاعًا، وأصله: تتلقَّف، فحذفت إحدى التَّاءين، وتاء المضارعة تحتمل التَّأنيث والخطاب على إسناد الفعل إلى المسبِّب.
وقرئ بالرَّفع (^٢) على الحال أو الاستئناف، وبالجزم والتَّخفيف (^٣) على أنَّه مِن لقفتُه بمعنى تلقَّفته، وبتشديد التاء (^٤).
﴿إِنَّمَا صَنَعُوا﴾؛ أي: الذي زوَّروا وافتعلوا.
﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ بالرَّفع على أنَّ (ما) موصولة، والنَّصب على أنَّها كافَّة، وهو مفعول ﴿صَنَعُوا﴾.
وقرئ: ﴿سَاحِرٍ﴾ (^٥) بمعنى: ذي سحر (^٦)، أو بإطلاق السِّحر على السَّاحر مبالغةً، أو بإضافة الكيد إلى السِّحر للبيان، كقولهم: علم (^٧) فقه.
_________________
(١) في (م): "ظن".
(٢) وهي قراءة ابن ذكوان. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٢).
(٣) أي: ﴿تَلْقَفْ﴾ بإسكان اللام مخففًا، وهي قراءة حفص، وباقي السبعة - عدا ابن عامر في رواية ابن ذكوان السابقة، - بفتح اللام وتشديد القاف والجزم. انظر: "التيسير" (ص: ١١٢).
(٤) وهي رواية البزي عن ابن كثير. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٢)، و"تفسير البيضاوي" مع حاشية الشهاب (٦/ ٢١٦). وقوله: "التاء" تحرف في النسخ إلى: "القاف".
(٥) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٢).
(٦) في هامش (ف) و(م) و(س): "لم يقل: ذوي سحر؛ لأن بيان التَعدد في السَّاحر لغوٌ في المقام، فلا حاجة لاعتباره في تصحيح الكلام. منه".
(٧) في (ف) و(م): "على".
[ ٦ / ٤٦٦ ]
وإنَّما (^١) وحَّد السَّاحر لأنَّ المراد به الجنس، والتَّنكيرُ للتَّحقير، لا لتنكير المضاف؛ لأنَّ المقصود من تنكيره حاصل بالإضافة.
﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ أي: لا فلاح لهذا الجنس، وقال في موضع آخر: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ [يونس: ٧٧]؛ أي: لا يغني جمعُهم، ولا تجدي كثرتهم، وله أيضًا وجه.
﴿حَيْثُ أَتَى﴾ بسحره (^٢).
* * *
(٧٠) - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾.
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ اقتَصر هنا (^٣) على حاشيتي القصَّة؛ اكتفاءً بما هو المقصود، وقد أتى بنوع تفصيل في (سورة الأعراف)، فالفاء فصيحة.
﴿سُجَّدًا﴾ للهِ توبةً عمَّا صنعوا وتعظيمًا لِمَا رأوا.
قال الأخفش: مِن سرعة ما سجدوا كأنَّهم أُلقوا (^٤).
فما أعجبَ أمرُهم، قد ألقوا حبالهم وعصيَّهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشُّكر والسُّجود، فما أعظم الفرقَ بينَ الإلقائَيْن!
روي أنَّهم رأوا الجنَّة ومنازلهم فيها في السُّجود فرفعوا رؤوسهم ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قدِّم موسى ﵇ في الأعراف لأصالته في الرِّسالة والدَّعوة، وأخِّر هاهنا لا لكبر سنِّ هارون ﵇؛ لأنَّه لا (^٥) يعارض وجهَ تقديم موسى
_________________
(١) في (م): "وإنما".
(٢) في (م): "بسحر".
(٣) في (م): "هاهنا".
(٤) انظر: "تفسير السمرقندي" (٢/ ٤٠٥)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٧٠).
(٥) "لا" سقط من (ف) و(ك).
[ ٦ / ٤٦٧ ]
﵇ المناسبِ للمقام رعايتُه (^١)، ولا لأنَّ فرعون ربَّى موسى ﵇ في صغره، فلو قُدّمَ لتُوُهِّم أنَّ المراد فرعون، وذكر هارون على سبيل (^٢) الاستتباع لأنَّ المقام لا يتحمَّله، كيف وقد سجدوا تعظيمًا لِمَا رأوا من موسى؟ وأيضًا تقديمه في موضع آخر صريح في أنَّه ليس في التَّرتيب نكتة معنويَّة = بل لمحافظة الفاصلة، والواو لا توجب التَّرتيب.
* * *
(٧١) - ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾.
﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾ أي: بالله لأجله ودعوته، وقرئ على الاستفهام للإنكار (^٣).
﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ في الإيمان له.
﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ لعظيمكم في فنِّكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وأنتم تواطأتم على ما فعلْتُم.
﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ قد سبق تفسيره في سورة الأعراف.
﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ شبِّه تمكُّن المصلوب في الجذع بتمكُّن المظروف في الظَّرف، فاستعير ﴿فِي﴾ لتصوير (^٤) الاستقرار، وخصَّ النَّخل لطول جذوعها، والمراد تشهيرُ العقوبةِ.
_________________
(١) في هامش (ف) و(س): "من قال: ولأن الواو لا توجب الترتيب، لم يصب في تصديره بأداة التعليل كما لا يخفى، فإن تقديم ما حقه التأخير لا يكون لسلامة الأمر. منه".
(٢) "سبيل" ليست في (م) و(س).
(٣) قرأ حفص وقنبل على الخبر، وباقي السبعة على الاستفهام. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٢).
(٤) في (ف): "في لتقرير"، وفي (م): "في تصوير".
[ ٦ / ٤٦٨ ]
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ أنا على إيمانكم بربِّ موسى، أو هو (^١) على ترك الإيمان به؟
وقيل: يريد نفسه وموسى ﵇، لقوله: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾، نفاجة منه (^٢) وفخر باقتداره وقهره، وتوضيع واستضعاف لموسى ﵇ واستهزاء به؛ لأنَّه لم يكن من التَّعذيب في شيءٍ قطُّ.
قيل: اللَّام مع الإيمان في كتاب الله تعالى لغير الله (^٣)، والحقُّ أنَّها للتَّعليل ليس بصلة للإيمان، ولا دلالة في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ على ذلك؛ إذ معناه: ويصدر عنه الإيمان لأجل المؤمنين وموافقتهم ودعوتهم، وإلَّا لقيل: يؤمن بالله وللمؤمنين.
﴿وَأَبْقَى﴾: أدومُ عذابًا وعقابًا.
* * *
(٧٢) - ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾.
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾: لن نختارك ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا﴾ موسى ﵇ به ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾: المعجزات الواضحات.
﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ عطف على ﴿مَا جَاءَنَا﴾، أو قسم.
_________________
(١) "هو": ليست في (م).
(٢) في (ف) و(ك): "تفاخر منه"، وفي (م): "تعاجيز - أو: نفاجيز - لمنه". والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٣/ ٧٦)، ولفظه: (.. وفيه نفاجة باقتداره وقهره، وما ألفه وضَرِي به من تعذيب الناس بأنواع العذاب، وتوضيع لموسى ..). والنفاجة: الفخر والتكبر.
(٣) في (ف): "الحق".
[ ٦ / ٤٦٩ ]
﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾: ما أنت قاضيهِ؛ أي: صانعُه أو حاكمه.
﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ نصب على الظَّرف، وقرئ: (تُقْضَى) على البناء للمفعول ورفع (الحياةُ) (^١)، كقولهم: صِيْمَ يومُ الجمعة، بالإسناد إلى الظَّرف، كالتَّعليل لِمَا قبلَه، والتَّمهيد لِمَا بعدَه من الاستئناف، أي: تصنع ما تهواه، أو تحكم ما تراه في هذه الحياة الدُّنيا السَّريعة الزَّوال، ونحن نطلب بالإيمان الغفرانَ والثَّواب السَّرمديَّ، فهو علينا هين.
* * *
(٧٣) - ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ من الكفر والمعاصي.
﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾: مِن تعلُّمه، روي أن رؤوس السَّحرة كانوا اثنين وسبعين، اثنان من القبط، والباقون من السِّبط، وكان فرعون أكرههم على تعلُّم السِّحر.
وقيل: من العمل به في معارضة المعجزة، لِمَا روي أنَّهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائمًا، ففعلَ، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر؛ لأنَّ السَّاحر إذا نام بطل سحرُه، فأبى إلَّا (^٢) أن يعارضوه (^٣).
ويردُّه قوله تعالى: ﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١]، فإنَّه ظاهر في
_________________
(١) نسبت لأبي حيوة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٨).
(٢) "إلا" سقط من (ف) و(م)، وفي (ك): "فأبوا أن".
(٣) في هامش (س) و(ف): "كأن هذا القائل غافل عما قدمه من بيان كيفية سحرهم فإنه قد ظهر منه أنه لا يبطل بنوم الساحر. منه".
[ ٦ / ٤٧٠ ]
الرِّضا، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤]، فإنَّ الظَّاهر منه (^١) عدمُ علمهم بشأن موسى ﵇.
﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ جزاءً، أو ﴿خَيْرٌ﴾ ثوابًا ﴿وَأَبْقَى﴾ عذابًا.
* * *
(٧٤) - ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾.
﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ (^٢) الأمر ﴿مُجْرِمًا﴾ بالموت على الكفر والعصيان.
﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فيستريحَ بالموت ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ حياةً ينتفع بها، وهو كالمثل فيما هو من شدَّة الحال التي يتمنَّى فيها الموت.
* * *
(٧٥) - ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾.
﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ بأن مات على إيمانه ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ في الدُّنيا بعد الإيمان.
﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾: جمع العُلْيا؛ أي: المنازلُ الرَّفيعة.
وأمَّا إيثار الجمع هنا والإفراد في مقابِله فللإشارة إلى ما ذُكِرَ في موضعه مِن أنَّ كلًّا من الكفرة يُعذَّبُ منفردًا عن الآخر زيادةَ في عذابهم بألم الوحشة، وأنَّ المؤمنين يتنعَّمون على سررٍ متقابلين، زيادةً في لذَّاتهم بسرورِ (^٣) الأُنْسِ.
* * *
_________________
(١) في (ف): "منهم".
(٢) في (ف): "أي".
(٣) في (م): "بسرر".
[ ٦ / ٤٧١ ]
(٧٦) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من ﴿الدَّرَجَاتُ﴾.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال، والعامل فيها معنى الإشارة أو الاستقرار.
﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ تطهَّر من الكفر وأدناس الذُّنوب.
والآياتُ الثلاث الأخيرة تحتمِل أن تكون من كلام السَّحرة، وأن تكون ابتداءَ كلامٍ من الله تعالى.
* * *
(٧٧) - ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾.
﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ لَمَّا أرادَ الله تعالى إهلاك فرعون وقومه أمرَ موسى ﵇ أن يخرج بهم من مصر ليلًا ويأخذَ (^١) بهم طريق البحر، فمعنى:
﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ﴾: فاجعل لهم، من قولهم: ضرب له سهمًا في ماله (^٢)، أو: فاتَّخِذ، مِن ضَرَبَ اللَّبِنَ: إذا عمله.
والإضافة في ﴿بِعِبَادِي﴾ للتَّشريف.
﴿طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾: يابسًا، مصدر وصف به، يُقال: يبس يَبَسًا ويُبْسًا، كالعَدَم والعُدْم، ولذلك وُصِفَ به المؤنَّث، فقيل: شاةٌ يَبَسٌ وناقةٌ يَبَسٌ: إذا جفَّ لبنُها.
_________________
(١) في (ك): "لبلاد يخرج"، وفي (س): "ليلًا يأخذ".
(٢) في (م): "ضرب له في ماله سهما".
[ ٦ / ٤٧٢ ]
وقرئ: (يابسًا) (^١). و: (يَبْسًا) بالسكون (^٢)، وهو إمَّا تخفيفُ يَبَسٍ، أو وصفٌ على فَعْلٍ، كصَعْب وجَلْد، أو جمع يابس - كصاحب وصَحْب - وصف به الواحد مبالغةً، أو لتعدُّده معنًى، فإنَّه جَعَلَ لكلِّ سِبْطٍ منهم طريقًا.
﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ حال من الضَّمير في ﴿فَاضْرِبْ﴾ أي: آمنًا مِن أنْ يدرككم العدو، أو صفة ثانية للطَّريق، والعائد محذوف؛ أي: لا تخاف فيه. والدَّرَكُ والدَّرْكُ اسمان من الإدراك.
وقرئ: ﴿لَا تَخَفْ﴾ (^٣) على جواب الأمر.
﴿وَلَا تَخْشَى﴾ استئناف؛ أي: فأنت لا تخشى، بمعنى: ومن شأنك أنَّك لا تخشى، أو عطف عليه والألف فيه للإطلاق (^٤)، كقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠]، أو حال بالواو، والمعنى: لا تخشى الغرق.
* * *
(٧٨) - ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾.
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ بمعنى: فاتَّبعهم، يرشدك إليه القراءةُ به (^٥)؛ أي: فأدركهم مع جنوده؛ أي: كاد أن يلحقهم (^٦).
_________________
(١) نسبت لأبي حيوة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٨).
(٢) نسبت لأبي حيوة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٨).
(٣) قرأ بها حمزة. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٣).
(٤) قوله: "استئناف"؛ أي: على قراءة حمزة، وأما على قراءة غيره فهو معطوف، وقوله: "أو عطف عليه"؛ أي: على ﴿لَا تَخَفْ﴾ بقراءة حمزة أيضا، وقوله: "والألف فيه للإطلاق" يعني: أنه مجزوم بحذف آخره، وهذه ألف زائدة لوقوعه فاصلة. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢١٨).
(٥) هي رواية عن أبي عمرو، والرواية المشهورة عنه مثل رواية الجماعة. انظر: "السبعة" (ص: ٤٢٢).
(٦) في هامش (س) و(ف): "قد مر التفصيل في تفسير سورة يونس. منه".
[ ٦ / ٤٧٣ ]
قال ابن السِّكِّيت: يقال: أتبعْتُ القوم: إذا كانوا قد سبقوك فلحقتَهم (^١)، فهو من المتعدِّي إلى مفعولٍ واحدٍ، لا إلى مفعولَيْن كما توهَّم مَن قال: فأتبعهم فرعونُ نفسَه ومعه جنوده (^٢).
وأمَّا ما قيل: الباء مزيدة، والمعنى: فأتبعهم فرعون جنودَه. فمبناه الغفول عن قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾، ثمَّ إنَّ فيه إيهام عدم اتِّباع فرعون بنفسه.
﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ الضَّمير له ولجنوده معًا.
﴿مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ الإبهام للتَّعظيم والمبالغةِ في التَّهويل مع الإيجاز؛ أي: ما (^٣) لا يمكن وصفه ولا يَعلم كُنْهَهُ إلَّا الله تعالى.
وقرئ: (فَغَشَّاهم) من التَّغشية، وهي التَّغطية، والفاعل: (ما غَشَّاهم) (^٤) (^٥).
* * *
(٧٩) - ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾.
﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾: عدلَ بهم عن سبيل الرَّشاد.
_________________
(١) انظر: "إصلاح المنطق" (ص: ١٨٥).
(٢) في هامش (س) و(ف) و(م): "وقد اعترف هذا القائل في سورة يونس ﵇ أن معنى أتبعهم: أدركهم. منه". وفيه أيضا: "وأيضًا معنى الأصل لاتَّبع لا يناسب المقام، قال ابن السكيت: واتَّبعتهم إذا مروا بك فمضيت معهم، وتبعتهم تبعا. منه".
(٣) "ما": ليست في (م).
(٤) في هامش (س) و(ف) و(م): "وقد اعترف هذا القائل في سورة يونس ﵇ أن معنى أتبعهم: أدركهم. منه". وفيه أيضا: "وأيضًا معنى الأصل لاتَّبع لا يناسب المقام، قال ابن السكيت: واتَّبعتهم إذا مروا بك فمضيت معهم، وتبعتهم تبعا. منه".
(٥) في (ف) و(م) و(س): "غشيهم".
[ ٦ / ٤٧٤ ]
﴿وَمَا هَدَى﴾؛ أي: ما هداهم إلى الحقِّ، وكان ردًّا لقوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]، وليس هذا من باب التَّهكم.
* * *
(٨٠) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾.
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ خطابٌ لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك فرعون وقومه، على إضمار: (قلنا)، أو للذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ امتنانًا عليهم بما فُعِلَ بآبائهم.
﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ فرعون ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ﴾ بإيتاء الكتاب ﴿جَانِبَ الطُّورِ﴾ وذلك أنَّه تعالى وعد موسى ﵇ أن يأتي هذا المكان ويختار سبعينَ رجلًا يحضرون معه لنزول التَّوراة، وإنما نَسب إليهم المواعدة لأنها كانت لنبيِّهم ونقبائهم، وإليهم رجعَتْ منافعُها التي قام بها شرعُهم ودينُهم.
﴿الْأَيْمَنَ﴾ نصب لأنَّه صفة ﴿جَانِبَ﴾، وقرئ بالجرِّ (^١)، لا على الجوار؛ لأنَّه شاذٌّ، بل على أنَّه نعت للطُّور؛ لِمَا فيه من اليُمن.
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ فيه، وقلنا لكم:
(٨١) - ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾.
﴿كُلُوا﴾ إذن لمطلَقِ التَّصرُّف، وتخصيص الأكل بالذِّكْرِ لشدَّة الحاجة إليه.
﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ حلالات أو لذائذ.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ٧٩)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٥٦).
[ ٦ / ٤٧٥ ]
﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾؛ أي: في أكله بالتَّعدي إلى ما لا يحلُّ أكلُه، والإخلالِ بشكره، أو بالتَّلهي والإسراف والبَطَر والمنع عن (^١) المستحِقِّ.
﴿فَيَحِلَّ﴾ بالكسر بمعنى الوجوب، مِنْ حَلَّ الدَّين: إذا وجب أداؤه، وبالضَّم (^٢) بمعنى النُّزول.
﴿عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾: عذابي وعقوبتي ولذلك وصف بالنزول صريحًا أو كناية.
﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾: سقطَ سقوطًا لا نهوضَ بعدَه؛ أي: هلك، وأصله: أن يسقط من جبل أو نحوه فيَهْلِكَ (^٣).
وقيل: وقع في الهاوية.
* * *
(٨٢) - ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ عن الكفر ﴿وَآمَنَ﴾ بما يجب التَّصديق به.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ﴿ثُمَّ﴾ مستعار للتَّراخي الرُّتْبي؛ لأنَّ المراد بالاهتداء: الاستقامة والثَّبات على الهدى المذكور من التَّوبة والإيمان والعمل الصالح.
* * *
(٨٣) - ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾.
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ العَجَلةُ: طلبُ الشَّيء وتحرِّيه قبلَ أوانه، وهي من مقتضى
_________________
(١) في (م): "من".
(٢) أي: (فيَحُلَّ) بضم الحاء، قرأ بها الكسائي، وباقي السبعة بالكسر. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٢).
(٣) في هامش (س) و(ف) و(م): "فيه إشارة إلى أن وجوب الغضب كناية عن نزول أثره. منه".
[ ٦ / ٤٧٦ ]
الشَّهوات، فلذلكَ صارَتْ مذمومةُ في عامَّة القرآن، حتى قيل: إنَّ (^١) العجلة من الشيطان (^٢).
﴿عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ عجَّلك (^٣) عنهم.
وذلك أنَّ موسى ﵇ قد مضى مع النُّقباء إلى الطُّور على الموعد المضروب، فلمَّا دنا منه تقدَّمهم شوقًا إلى مكالمة ربِّه وتنجيز موعده، بناءً على اجتهاده، وظنِّه أنَّه أقرب إلى رضاء الله تعالى، فالقوم الذين (^٤) عجَّل عنهم هم النُّقباء، والمفتونون هم الذين خلَّفهم مع هارون ﵇.
وهو سؤالٌ عن سبب العَجَلة عن قومه على سبيل الإنكار؛ لأنها رذيلة في نفسها مقتضيةٌ لإهمال القوم، وإيهامِ التَّعظُّم عليهم، فلذلك أجاب عن الأمرَيْن، وقدَّم جواب الأمر الثَّاني الذي هو إغفال القوم بما فيه بسطُ العذر وتمهيدُ العلَّة؛ لأنَّه أهمُّ.
هذا ما قالوا، وعندي: أن تعدية (أعجل) بـ (عن) لتضمين معنى الانقطاع والانفصال، كأنَّه قيل: ما الحامل على انفصالك عن (^٥) قومك مستعجلًا؟
فكان أصل السُّؤال في المعنى عن الانفصال عن قومه، وإن كان في اللَّفظ عن العجلة، فقدَّم جوابه اعتبارًا للمعنى، كما هو الأصل.
* * *
(٨٤) - ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.
_________________
(١) "إن" سقط من (س).
(٢) في (م): "حتى قيل العجلة من عمل الشيطان".
(٣) في (ف): "أعجلك".
(٤) في (ف) و(ك): "الذي".
(٥) في (م): "من".
[ ٦ / ٤٧٧ ]
﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾، أي: على خلفي، ما تقدَّمتُهم إلَّا بخطًى يسيرة لا يُعتدُّ بها عادةً. وقرئ بالكسر وبالضَّم (^١)، والأُثْر بالضَّم بمعنى الأثر غريب، وبمعنى فِرِند السيف مرويٌّ، وجاز أن يكون مجازًا عنه (^٢).
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ فإنَّ المسارعة إلى امتثال الأمر تستوجب الرِّضا، يعني: إنَّ العجلة وإن كانت مذمومةً، فالذي دعاني إليها - وهو طلب الرِّضا منك - محمودٌ.
* * *
(٨٥) - ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾.
﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا﴾: ابتلينا ﴿قَوْمَكَ﴾؛ يعني: بعبادة العجل.
﴿مِنْ بَعْدِكَ﴾: من بعد خروجك من بينهم، ففي زيادته (^٣) تعيينُ أنَّ المراد من هذا القومِ غيرُ المراد مِنَ الأوَّل، فالفاء (^٤) لترتيب مدخوله على مدلول ما تقدَّم من بيان زيادة حرصه ﵇ على المناجاة، وكمالِ شوقه للمكالمة مع ربِّه، وما يلزمها من الغفلة عن حال قومه، فكأنَّه قال: لا تتوغَّل فيما كنْتَ فيه، ولا تغفل عمَّا وراءك، فإنَّا قد فتنَّاهم.
﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ بدعائه إيَّاهم (^٥) إلى عبادة العجل بعد ذهاب موسى ﵇ إلى الميقات، وقد مرَّ التَّفصيل في سورة الأعراف.
وهو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لهم: السَّامرة، وقيل غيرُ ذلك.
_________________
(١) انظر القراءتين في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٨).
(٢) في (م): "منه".
(٣) في (ف) و(م): "زيادة".
(٤) في (ف): "والفاء".
(٥) في (ف) و(ك): "بدعائهم".
[ ٦ / ٤٧٨ ]
وقرئ: (أضلُّهم) (^١)؛ أي: أشدُّهم ضلالًا؛ لأنَّه كان ضالًّا مضلًّا.
(٨٦) - ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾.
﴿فَرَجَعَ مُوسَى﴾ بعدما استوفى الأربعين، وأخذ التَّوراة ﴿إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ﴾ عليهم ﴿أَسِفًا﴾: حزينًا بما فعلوا.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾: وعدهم الله تعالى أن يعطيَهم التَّوراة التي فيها هدًى ونور، ولا وعدَ أحسنُ من ذلك.
﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾؛ أي: تأخَّر الموعود فطال عليكم الزَّمان؛ يعني: زمانَ مفارقته لهم.
﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ﴾: يجبَ عليكم ﴿غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: أردتُم أن تفعلوا فعلًا يستوجب الغضب.
﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ وَعَدوه أن يقيموا على أمرِه وما تركهم عليه من الثَّبات على الإيمان، فأخلفوا موعدَه باتِّخاذ العجل.
* * *
(٨٧) - ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾.
﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾: بأنْ مَلَكْنا أمرَنا؛ أي: لو مَلَكْنا (^٢) أمرنا وخُلِّينا وراءنا لَمَا أَخْلَفناه، ولكن غُلِبنا من جهة السَّامري وكيده.
وقرئ: ﴿مَلكنا﴾ بالفتح وبالضَّم (^٣)، والكلُّ في الأصل لغاتٌ مِنْ مَلَكْت الشَّيء.
_________________
(١) حكاه أبو معاذ. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٩).
(٢) زاد في (ف) و(ك): "على". والمثبت من (س) و(م)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٣/ ٨٢).
(٣) قرأ نافع وعاصم بفتح الميم، وحمزة والكسائي بضمِّها، والباقون بكسرها. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٣).
[ ٦ / ٤٧٩ ]
﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ أثقالًا من حُليِّ القبط، أو (^١) أراد بالأوزار أنَّها آثام وتَبِعات؛ لأنَّهم قد استعاروها ليلةَ الخروج من مصر لعلَّة (^٢) أنَّ لنا عيدًا غدًا، فقال السَّامريُّ: إنَّما حُبِسَ ﵇ لشؤم حرمتها؛ لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب، على أنَّ الغنائم لم تكن تحلُّ حينئذ، فأحرقوها، فخبَّأ السَّامريُّ في صفرة النَّار قالَبَ عجلٍ، فانصاغت عجلًا.
﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ في نار السَّامريِّ الذي أوقدها في الحفرة وأمرهم أن يطرحوا فيها الحليَّ.
﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾؛ أي: ما معه من الحليِّ في النَّار، أو ما معه من التُّراب الذي أخذه من أثر حافر فرس جبريل ﵇، ويعضد هذا العدول عن القذف المعتَبرِ في مفهومه (^٣) صلابةُ المرميِّ والبعدُ، والكاف تتعلَّق بـ ﴿أَلْقَى﴾؛ أي: مثلَ ما قذفناها ألقى السَّامريُّ، فهو صفة مصدرٍ محذوفٍ، تقديره: ألقى إلقاءً مثلَ إلقائنا.
* * *
(٨٨) - ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾.
﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ﴾ السَّامريُّ من الحفرة ﴿عِجْلًا﴾ خلقَه اللهُ تعالى من الحليِّ التي سَبكَتْها النَّار ابتلاءً.
لا يُقال: لِمَ خلقَ اللهُ تعالى العجلَ من الحليِّ حتَّى صارَ فتنةً لبني إسرائيل
_________________
(١) في (ك): "و".
(٢) في (ف): "بعلة".
(٣) في (ف): "مفهوم".
[ ٦ / ٤٨٠ ]
وضلالًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى تعبَّدنا بالبحث عن علل أحكامه، لا عن علل أفعاله، وحتَّمَ (^١) ذلك بقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
﴿جَسَدًا﴾ بدل من ﴿عِجْلًا﴾ للتَّنبيه (^٢) على أنَّه لم يكن ذا روح، ولذلك وصفه بقوله:
﴿لَهُ خُوَارٌ﴾: صوت العجل، فإنَّه لو كان ذا روح لكان الخوار من شأنه، فلا يُجدي توصيفه به، كما لا يجدي توصيفُ الإنسان بالضَّاحك.
﴿فَقَالُوا﴾؛ أي: السَّامريُّ ومَن تابعه وافتُتن به أوَّلَ مرَّة.
﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾، أي: فنسيَه موسى هنا، وذهب يطلبه عند الطُّور، أو فنسي السَّامريُّ، أي: ترك ما كان عليه من الإيمان الظَّاهر.
* * *
(٨٩) - ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾.
﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾: أفلا يعلمون ﴿أَلَّا يَرْجِعُ﴾، أي: أنه لا يرجع ﴿إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ فـ ﴿أَن﴾ مخفَّفة من الثَّقيلة، وقرئ بالنَّصب (^٣) على أنَّها النَّاصبة للفعل، وفعل الرُّؤية حينئذ من رؤية البصر على المبالغة في ظهور ما ذكر بتنزيله منزلةَ البصر.
﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾؛ أي: لا يقدر على إضرارهم ولا على إنفاعهم.
* * *
_________________
(١) في (ك) و(م) و(ف): "وضم"، والمثبت من (س)، وانظر: "حاشية الطيبي على الكشاف" (١٠/ ٢٢٧).
(٢) "للتنبيه" من (م) و(س).
(٣) نسبت لأبي حيوة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٩).
[ ٦ / ٤٨١ ]
(٩٠) - ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾.
﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾: مِن قبلِ رجوعِ موسى ﵇. وقيل: مِن قبلِ قولِ السَّامريِّ؛ كأنَّهم أوَّلَ ما وقعَتْ عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة افتُتنوا به، فبادرهم هارون بالتَّحذير قبلَ أنْ ينطقَ السَّامريُّ، فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ بالعجل ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا غير ﴿فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ في الثَّبات على الدِّين الحقَ.
* * *
(٩١) - ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾.
ويأباه: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ﴾: على العجل وعبادته ﴿عَاكِفِينَ﴾: مقيمين ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾، فإنَّ الظَّاهر من هذا الجواب أن يكون المراد: من قبل رجوعه ﵇.
* * *
(٩٢) - ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾.
﴿قَالَ يَاهَارُونُ﴾؛ أي: قال له موسى ﵇ لَمَّا رجَعَ.
﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ بعبادة العجل.
* * *
(٩٣) - ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾.
﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾: أن تتبعني (^١) في الغضب لله، وشدَّة الزَّجر عن الكفر والمعاصي،
_________________
(١) في (م): "أي: تتبعن"، وفي (ك): "أي: تتبعني". والمثبت موافق لما في "الكشاف" (٣/ ٨٣)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٣٧)، والمراد أن (لا) مزيدة كما صرح الزمخشري، وسيأتي.
[ ٦ / ٤٨٢ ]
والمقاتلة (^١) مع مَن كفرَ بمَن آمنَ، أو أن (^٢) تلحقَ بي مع مَن أطاعَك.
و(لا) مزيدة، كما في قوله: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢].
ويجوز أن يكون المعنى (^٣): ما صرفك إلى أن لا تتبعن؟ أي: دعاك إليه.
﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ بالصَّلابة في الدِّين والمحاماة عليه (^٤).
ثم أخذ بشعر (^٥) رأسه بيمينه ولحيته بشماله؛ غضبًا وإنكارًا عليه؛ لأنَّ الغَيرة في الله تعالى ملكَتْه.
* * *
(٩٤) - ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.
﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ كان أخاه لأبيه وأمِّه عند الجمهور، ولكنه ذكرَ الأمَّ استعظامًا وترقيقًا.
﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾؛ أي: بشَعرهما.
ثمَّ ذَكَرَ عُذْرَه، ولَمَّا كان النَّهي المذكور متضمِّنًا لدعوى عدم العصيان والاستحقاق بموجبه، أوردَ العذر في صورة التَّعليل فقال:
_________________
(١) في (فس) و(ف) و(م): "والمقابلة". والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في المصدرين السابقين.
(٢) في (ك) و(م): "وأن". وفي "الكشاف": (وما لك لم تلحقني؟).
(٣) "المعنى" زيادة من (س).
(٤) في (م) زيادة: "عامة".
(٥) في (م): "شعر".
[ ٦ / ٤٨٣ ]
﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لو قاتلْتُ أو فارقْتُ (^١) بعضَهم ببعض.
﴿وَلَمْ تَرْقُبْ﴾: ولم تحفظ ﴿قَوْلِي﴾: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢]؛ لأنَّ الإصلاح كان في حفظ الدَّهماء والمداراة بهم إلى أن ترجع إليهم فتَدارَكَ (^٢) الأمرَ برأيك.
* * *
(٩٥) - ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾.
ثم أقبل على السَّامريِّ و﴿قَالَ﴾ له منكرًا عليه: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾ (^٣): سؤالَ القصَّة، فلذلك أجابَ ببيانها، ولو كان السُّؤال عن مطلوبه (^٤) لَمَا انتظم الجواب.
والفاء لترتيب مدخوله على مدلول ما تقدَّم من ظهور أنَّ غرض هارون ﵇ ممَّا فعله كان إصلاحًا، فكأنَّه قال: عُلِمَ خَطْبُ هذا، فمَا خَطْبُكَ؟
* * *
(٩٦) - ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾.
_________________
(١) في (ك): "فرقت"، والمثبت من باقي النسخ و"البيضاوي".
(٢) في (م): "فتدرك"، وفي (س) و(ف): "فتدورك"، والمثبت من (ك) والبيضاوي، وهو مضارع منصوب حذفت إحدى تاءيه، وأصله: (فتتدارك). انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٢٢).
(٣) "يا سامري": في (م) جاءت قبل قوله: "قال بصرت بما لم".
(٤) أي: مطلوب السامري، أي: ما طلبُك له؟ كما قدره الزمخشري، وكذا البيضاوي وزاد: وما الذي حَمَلك عليه؟ وكلام المؤلف رد عليهما. انظر: "الكشاف" (٣/ ٨٤)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٣٧)، والمراد أن (لا) مزيدة كما صرح الزمخشري، وسيأتي.
[ ٦ / ٤٨٤ ]
﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ قرئ بالتَّاء على الخطاب (^١)؛ أي: علمتُ ما لم يعلموه، وهو أنَّ الرَّسول الذي جاءك روحاني محضٌ، لا يَمَسُّ أثرُه شيئًا إلَّا أحياه.
أو: رأيْتُ ما لم يروه، وهو أنَّ جبريل ﵇ جاءَكَ على فرسِ الحياة.
قيل: إنَّما عرفَه لأنَّ أمَّه ألقته حين ولدته خوفًا من فرعون، وكان جبريل ﵇ يَغْذوه حتى يستقلَّ، وكان يرى منه ذلك.
﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾: من تربة موطئه، وقرأ ابن مسعود ﵁: (من أثرِ فرسِ الرَّسولِ) (^٢)، ولعله سمَّاه الرَّسولَ (^٣) لأنَّه لم يعرف أنَّه جبريل، أو أرادَ أنْ ينبِّه على الوقت، وهو حين أرسل إليه ليذهب به إلى الطُّور.
والقَبضةُ: المرَّة من القبض، وأُطْلِقَ على المقبوض، وقرئ: (قُبضةً) بالضَّم (^٤)، وهي اسم المقبوض. وقرئ: (قبصة) بالصاد المهملة (^٥).
والأول: الأخذ بجميع الكف، والثاني: الأخذ بأطراف الأصابع.
﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ في الحليِّ المذابة، أو في جوف العجل، فظهر فيه أثر الحياة.
والنَّبْذُ: طرحُ الشَّيء عن اليد خاصَّة.
_________________
(١) أي: ﴿تَبْصُروا﴾. قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٣).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٩).
(٣) "ولعله سماه الرسول" زيادة من (م) و(س).
(٤) نسبت للحسن. انظر: "الكشاف" (٣/ ٨٤).
(٥) (قُبصة) بالضم، نسبت للحسن وقتادة ونصر بن عاصم، و(قَبصة) نسبت للحسن أيضًا وجماعة. ومن قرأها بالصاد قرأ ما قبلها كذلك؛ أي: (فقبصت). انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٩)، و"الكشاف" (٣/ ٨٤).
[ ٦ / ٤٨٥ ]
﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ﴾: زيَّنَتْ ﴿لِي نَفْسِي﴾ أن أفعله ففعلتُه اتِّباعًا لهوايَ، وهو اعتراف منه بالخطأ.
* * *
(٩٧) - ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾.
﴿قَالَ﴾ له موسى: ﴿فَاذْهَبْ﴾ من بيننا طريدًا ﴿فَإِنَّ لَكَ﴾ عقوبةً على فعلك ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ ما عشت ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ لمن أراد مخالطتك جاهلًا بحالك: ﴿لَا مِسَاسَ﴾؛ أي: لا يمسُّني أحدٌ ولا أمسُّه.
وذلك أنَّه مُنِعَ من مخالطة النَّاس منعًا كليًّا، وحُرِّمَ عليهم ملاقاته ومكالمته وكلُّ ما يعاوِن به النَّاسُ بعضَهم بعضًا، وإذا ماسَّ أحدًا حُمَّ الماسُّ والممسوسُ، فتحامَى النَّاسَ وتحامَوه، وكان يصيح: لا مِساس، وعاد في النَّاس أوحشَ من الوحش النَّافر.
وقرئ: (لا مَسَاسِ) كفَجار (^١)، وهو علمٌ للْمَسَّةِ.
﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ في الآخرة ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾: لن يخلِف الله موعده، ينجزه لك في الآخرة بعدَما عاقبك بذلك في الدُّنيا.
وقرئ: ﴿ولن تُخْلِفَه﴾ بكسر اللَّام (^٢)، من أخلفْتُ الموعدَ: إذا وجدْتَه خُلْفًا.
وقرئ بالنُّون (^٣) على حكاية قول الله تعالى.
﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ﴾ أصله: ظَلِلْتَ، فحذفت اللَّام الأولى تخفيفًا.
_________________
(١) انظر: "المحتسب" (٢/ ٥٦)، و"الكشاف" (٣/ ٨٤)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٦١).
(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ بكسر اللام، والباقون بفتحها. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٣).
(٣) نسبت للحسن. انظر: "المحتسب" (٢/ ٥٧)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٦٢).
[ ٦ / ٤٨٦ ]
﴿عَلَيْهِ﴾، أي: على عبادته ﴿عَاكِفًا﴾: مقيمًا.
﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بالنَّار، دل عليه قراءة: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ من الإحراق (^١)، وقرئ بالتَّخفيف (^٢)؛ أي: لنَبْرُدنَّه بالمِبرد، وهو طريق حريقه بالنَّار، فإنَّها لا تعمل في الذَّهب بالتَّفريق إلَّا بهذا الطَّريق.
﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾: لنُذرِّيَنَّه رمادًا، من نسفَ الطَّعام: إذا ذرَّاه (^٣) لتطير منه قشوره.
﴿فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ فلا يُصادَفُ منه شيءٌ. والمقصودُ: إظهار غباوة (^٤) المفتونين به.
* * *
(٩٨) - ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.
﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ﴾ المستحِقُّ لعبادتكم.
﴿اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إذ لا أحدَ يماثله أو يدانيه في خواصِّ الألوهيِّة.
﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وسعَ علمُه كلَّ ما من شأنه أن يُعلَم.
وقرئ بالتَّشديد (^٥)، فصار ﴿عِلْمًا﴾ أحدَ مفعوليه، وذلك أن ﴿وَسِعَ﴾ يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، وهو ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾، و﴿عِلْمًا﴾ نصب على التَّمييز، فهو في المعنى فاعل، فلمَّا ثُقِّلَ نقل إلى التَّعدية إليه، فصار ما كان فاعلًا مفعولًا.
_________________
(١) وهي قراءة أبي جعفر. انظر: "النشر" (٢/ ٣٢٢).
(٢) أي: (لنَحْرُقَنَّه) بفتح النون وضم الراء. وهي رواية عن أبي جعفر. انظر: "تفسير الطبري" (١٦/ ١٥٥)، و"النشر" (٢/ ٣٢٢).
(٣) في (م): "أذراه".
(٤) في (م): "عبادة".
(٥) أي: (وسَّع) بفتح السين مشددة، نسبت لمجاهد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٩).
[ ٦ / ٤٨٧ ]
(٩٩) - ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الاقتصاصِ العجيب؛ أي: اقتصاصِ قصَّة موسى وفرعونَ والسَّامريِّ، والكافُ في محل النَّصب على المصدر.
﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾: من الأمم السَّالفة وأحوالهم.
والنَّبأُ: الخبر العجيب الشَّأن، تكثيرًا للمعجزات، وتذكيرًا للمستبصِرين.
﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾: كتابًا مشتملًا على هذه القصص والأخبار، حقيقًا بالتَّفكُّر والاعتبار، والتَّنكير فيه للتَّعظيم، وتقديم ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ للتَّخصيص؛ أي: ذكرًا لا يمكن أنْ يُؤتَى إلَّا من عندنا، وهو مقوٍّ (^١) للتَّعظيم.
وقيل: ذكرًا جميلًا وصِيتًا جليلًا من بين النَّاس، ولا يساعدُه قولُه:
* * *
(١٠٠) - ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾.
﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ عن هذا الذِّكْرِ، الذي هو القرآن الجامع لوجوه السَّعادة.
﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾: عقوبة ثقيلة، شبَّه العقوبة الثَّقيلة على المعاقَب بالحمل الفادح (^٢) للحامل؛ لصعوبة احتمالها، وكونها تَنقُض ظهره، أو سمِّيَ جزاءُ الوزر - وهو الإثم - وزرًا.
* * *
(١٠١) - ﴿خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾.
_________________
(١) في (س): "معد".
(٢) في (ف) و(م) و(س): "القادح".
[ ٦ / ٤٨٨ ]
﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الضَّمير في ﴿يَحْمِلُ﴾، وإنَّما جُمِعَ حَملًا على المعنى، ووُحِّد في ﴿فَإِنَّهُ﴾ حَملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾.
﴿فِيهِ﴾ في الوزر، أو في حمله.
﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿سَاءَ﴾ في حكم (بئس)، وفيه ضمير مُبْهَم يفسِّره ﴿حِمْلًا﴾، وهو تمييز، واللَّام في ﴿لَهُمْ﴾ للبيان، كما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، والمخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ لدلالة الوزر السَّابق عليه، تقديره: وساء حملًا وزرُهم.
* * *
(١٠٢) - ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ قرئ بالنُّون (^١) على إسناد النفخ إلى الآمر تعظيمًا له، أو للنَّافخ، وقرئ بالياء المفتوحة (^٢) على أنَّ فيه ضميرَ الله تعالى، أو ضميرَ إسرافيل ﵇ وإنْ لم يجرِ ذكرُه؛ لأنَّه المشهور بذلك.
﴿فِي الصُّورِ﴾ وقرئ: (في الصُّوَر) (^٣)، وقد سبقَ بيانُ ذلك (^٤).
﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾؛ أي: عُميًا، كما قال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وهذا لأن حدقة مَن يذهب نورُ بصره تزرَقُّ.
وقيل: ازرقَّتْ عيونهم من شدَّة العطش.
_________________
(١) أي: ﴿نَنْفخ﴾ وهي قراءة أبي عمرو، وباقي السبعة بالياء المضمومة. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٣).
(٢) انظر: "الكشاف" (٣/ ٨٧)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٦٣)، و"البحر المحيط" (١٥/ ١٣٧).
(٣) نسبت للحسن. انظر: "المحتسب" (٢/ ٥٩)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٦٣)، و"البحر المحيط" (١٥/ ١٣٧).
(٤) لم أجده فيما تقدم.
[ ٦ / ٤٨٩ ]
وقيل: أي: تُشوَّه خلقتهم (^١) فتسودُّ وجوهُهم وتزرقُّ عيونُهم.
* * *
(١٠٣) - ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾.
﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾: يخفضون أصواتهم لِمَا يملأ صدورهم من الرُّعب والهول، والخفْتُ: خفضُ الصَّوت وإخفاؤه.
﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾؛ أي: في الدُّنيا ﴿إِلَّا عَشْرًا﴾ لا حاجةَ إلى التَّأويل في ﴿عَشْرًا﴾؛ لما نُقِلَ عن أئمَّة النَّحو أنَّه إذا كان المعدود مذكَّرًا وحذفْتَه فلك فيه وجهان.
يستقصرون مدَّة لبثهم فيها: إمَّا لتقضِّيها؛ لأنَّ المتقضِّيَ (^٢) وإنْ طالَ قَصُرَ بالانتهاء، وإمَّا لاستطالتهم مدَّة الآخرة، فإنَّ الأبد السَّرمد تُستقصَر مدَّة الدُّنيا ويُستحقر لبث أهلها فيها بالنسبة إليه، ولهذا استَرجَحَ [الله] قول مَن هو أشدُّ تقالًّا (^٣) واستحقارًا منهم (^٤).
وقيل: في القبر؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ٥٥].
* * *
(١٠٤) - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ وهو مُدَّة لبثهم.
﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ﴾: أفضلهم ﴿طَرِيقَةً﴾: سيرة، أو: أسدهم رأيًا.
﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ وجهُ رجحانه: أنَّه أبلغ في الطَّريقة المذكورة آنفًا.
_________________
(١) في (ف): "خلقهم".
(٢) في (ف) و(م): "المقتضى"، وفي (س): "المنقضي".
(٣) في (م): "تقاولًا"، وكذا تصحفت في مطبوع "الكشاف" (٣/ ٨٧).
(٤) في (س): "منهم".
[ ٦ / ٤٩٠ ]
(١٠٥) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾؛ أي: عن مآل أمرِها، وقد سأل عنه رجلٌ من ثقيف بعد النُّزول (^١).
﴿فَقُلْ﴾ ذكر هنا الفاء في الجواب، ولم يذكر في سائر السُّؤالات: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، و﴿عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، و﴿عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]، و﴿عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ [الإسراء: ٨٥]، و﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو﴾ [الكهف: ٨٣]؛ لأنَّ الجواب فيها عن السُّؤالات الواقعة قبل النُّزول، وهنا عن سؤالٍ علمَ اللهُ تعالى وقوعَه وأخبر عنه ولم يقع بعدُ، ولذلك أجاب بالفاء الفصيحة، فكان المعنى: إذا سألوك فقل.
﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ قال الخليل: يقلعها (^٢).
* * *
(١٠٦) - ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾.
﴿فَيَذَرُهَا﴾: فيتركها، والضَّمير للأرض للعِلْم بها، كقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ [فاطر: ٤٥]، ولو كان المعنى كما قالوا: يجعلها كالرَّمل ثم يرسل الرِّياح عليها فتفرِّقها وتذريها كما تذري الحبَّ؛ لكانَ حقُّ ﴿فَيَذَرُهَا﴾ أن يصدَّر بالواو الفصيحة.
_________________
(١) كذا ذكر، والمروي في هذا أن السؤال مان سببا للنزول لا بعد النزول. انظر: "التفسير الوسيط" للواحدي (٣٤/ ٢٢١)، و"تفسير البغوي" (٥/ ٢٩٤).
(٢) انظر: "تفسير النسفي" (٢/ ٣٨٣)، وكذا فسرها الفراء في "معاني القرآن" (٢/ ١٩١)، وغلام ثعلب في "ياقوتة الصراط" (ص: ٣٥٠) وغيرهم.
[ ٦ / ٤٩١ ]
﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ القَاعُ: الأرضُ المستوية (^١)، والصَّفصفُ: الأرضُ الملساء.
* * *
(١٠٧) - ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾.
فقوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ مؤكِّد للأوَّل، وقوله: ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ مؤكِّد للثَّاني؛ فإنَّ الأَمْتَ: النُّتوءُ اليسير.
ولا اختصاص للعِوج - بالكَسْر - بالمعاني؛ قال ابن السِّكِّيت (^٢): وكل ما ينتصب كالحائط والعود قيل: عَوَج بالفتح، والعِوَج بالكسر: ما كان في أرضٍ أو دِيْنٍ أو مَعاش (^٣).
* * *
(١٠٨) - ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف لـ ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ مضاف إلى وقت النَّسْفِ؛ أي: يوم إذ نُسِفَتْ، أو بدل ثانٍ من يوم القيامة.
﴿يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾: داعي الله تعالى إلى المحشر.
وقيل: هو إسرافيل ﵇ يدعو النَّاس قائمًا على صخرةِ بيت المقدس، فيُقْبِلُون مِن كُلِّ أَوْبٍ إلى صوته.
﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ في مَدعوِّه؛ أي: لا يَعوجُّ له مدعوٌّ ولا يَعدل عنه، بل يستوون إليه من غير انحرافٍ عن سَمْتِ صوته.
_________________
(١) في النسخ: "المستوي" والصواب المثبت. وجاء في هامش (س): "من زعم أن القاع هنا بمعنى الخالي لم يصب، منه".
(٢) في هامش (ف): "في اصطلاح المنطق وبه أخذ الجوهري. منه".
(٣) انظر: "إصلاح المنطق" لابن السكيت (ص: ١٢٥).
[ ٦ / ٤٩٢ ]
﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ هيبةً وإجلالًا، والخشوع كالخضوع من صفات النَّفس، إلَّا أنَّ مُظْهِرَ الأوَّل منهما الصَّوت، ومُظْهِرَ الثَّاني العُنُق، فيُسنَد كلٌّ منهما إلى مُظْهِره (^١).
﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾: صوتا خفيًّا، وقيل: هو مِن هَمْسِ الإبل، وهو صوت أخفافها إذا مشت؛ أي: لا تسمع إلَّا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر.
* * *
(١٠٩) - ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾.
﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ ﴿مَنْ﴾ مرفوع المحلِّ بدل من ﴿الشَّفَاعَةُ﴾، على تقدير حذف المضاف؛ أي: لا تنفع الشَّفاعة إلَّا شفاعةُ مَن أذِنَ له الرَّحمن. و﴿تَنْفَعُ﴾ على هذا من جملة الأفعال التي جُعِلَ مفاعيلها نسيًا منسيًّا، وأجريت مجرى الفعل اللَّازم للمبالغة في التَّعميم، كقولهم: فلان يعطي ويمنع.
أو منصوب المحلِّ على المفعوليَّة، والاستثناء مفرَّغ ومعنى ﴿أَذِنَ لَهُ﴾ على هذا: أذِنَ لأجله؛ أي: أذن للشَّافع (^٢)، و﴿أَذِنَ﴾ يحتمل أن يكون من الإِذْنِ، ومن الأَذَنِ بفتح الهمزة (^٣).
﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾؛ أي: ورضي لمكانه عند الله في الشَّفاعة، أو رضي لأجله قولَ الشَّافع في شأنه، أو قوله لأجله وفي شأنه (^٤).
_________________
(١) في هامش (س): "يأتي وجه ذلك الإسناد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] ".
(٢) في (ك): "للشافعين".
(٣) وفتح الدال بمعنى الاستماع، والمراد به القبول كما في: سمع الله لمن حمده، واللام تعليلية؛ أي: إلا من استمع الرحمن لأجله كلام الشافعين. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٢٧).
(٤) انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ٣٩). وجاء في هامش (ف) و(س): "هذا ما ذكره الكواشي بقوله: =
[ ٦ / ٤٩٣ ]
(١١٠) - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما تقدَّمهم من الأحوال ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: وما يستقبلونه، أو على العكس.
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ الضَّمير لأَحَدِ الموصولَيْن، أو لمجموعهما.
* * *
(١١١) - ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾.
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾: ذلَّتْ وخضعَتْ. وخصَّ الوجوه لأنَّ آثار الذُّلِّ إنَّما تظهر أوَّلًا فيها.
وظاهرها يقتضي العموم، ويجوز أن يكون التَّعريف باللَّام بدلًا عن التَّعريف بالإضافة، على أنَّ المُرَادَ: وجوه المجرمين، ويؤيِّدُه: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ يحتمل الحال، والاستئناف لبيان ما لأجله عَنَتْ وجوهُهم، والاعتراضَ ولا يأباه كونه في مقابَلة قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ لأنَّ التَّقابل المعنوي كافٍ، فإن الاعتراضَ كالاستئناف لا يتقاعد عن الحال.
* * *
(١١٢) - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾: بعضَ الطَّاعات ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إذِ الإيمانُ شرطُ قَبولها.
﴿فَلَا يَخَافُ﴾، وقرئ: ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ على النَّهي (^١).
_________________
(١) = ﴿وَرَضِيَ لَهُ﴾؛ أي: للمشفوع فيه ﴿قَوْلًا﴾ بأن قال: لا إله إلا الله. منه".
(٢) قرأ به ابن كثير. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٣).
[ ٦ / ٤٩٤ ]
﴿ظُلْمًا﴾: مَنع ثوابٍ يُستَحَقُّ بالوعد، والظلم أن يؤخَذ من صاحبه فوقَ حدِّه.
﴿وَلَا هَضْمًا﴾: ولا كسرًا منه بنقصانٍ.
أو: جزاءَ ظلم. وهَضْمٍ؛ لأنَّه لم يظلم غيرَه ولم يَهضم حقَّه.
* * *
(١١٣) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا﴾ عطف على ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الإنزال من أنباء الأوَّلين، أو مثل إنزال هذه الآيات المتضمِّنة للوعيد إنزالًا عظيمًا أنزلنا القرآن كلَّه.
﴿عَرَبِيًّا﴾: بلسان العرب.
﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾: كرَّرنا القولَ فيه من أنواع الوعيد صارفينَ له من نوعٍ إلى آخر.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ لكي يتَّقوا المعاصي، فتصيرَ التَّقوى لهم مَلَكَةً.
﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ عِظَةً واعتبارًا، أسندَ التَّقوى إليهم، وإحداثَ التَّذكُّر والاتِّعاظ إلى القرآن مع كلمة التَّرجي بعد ذكر تصريف الوعيد في القرآن؛ لأنَّ التِّكرار يفيد مَلَكة التَّقوى لهم غالبًا، فيكونون في صورة المرجوِّ المترجِّح فيه عادة التَّقوى، وإلَّا فلا أقلَّ من إحداث العِظة فيهم حينَ سماعه فيتثبَّطون عنها (^١).
* * *
_________________
(١) أي: عن المعاصي. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٢٩).
[ ٦ / ٤٩٥ ]
(١١٤) - ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾: ارتفعَ عن فنون الظُّنون وأوهام الأفهام، وتنزَّه عن مضاهاة الأنام ومشابهة الأجسام، فلا يُماثلُ كلامُه كلامَهم، كما لا تماثلُ ذاتُه ذواتِهم؛ استعظامٌ له تعالى ولمَا نزَّل وصرَّف على عباده من الوعيد (^١).
﴿الْمَلِكُ﴾: النَّافذ أمرُه ونهيُه، الحقيقُ بأن يُترجَّى وعدُه ويُخشى وعيدُه.
﴿الْحَقُّ﴾: العدلُ في حكمِه وملكوته، أو المستحِقُّ للملك بذاته، أو الثَّابت (^٢) في ذاته وصفاته.
ولَمَّا ذَكَرَ القرآنَ وإنزالَه قال استطرادًا:
﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ نهيٌ عن الاستعجال في تلقِّي الوحي؛ أي: تأنَّ فيه ريثما يُسمعُكَ جبريلُ ﵇ ويُفْهِمُكَ، ثم ابدأ بالتَّحفُّظ؛ لقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦].
وقيل: لا تبلِّغ ما كان مجمَلًا حتى يأتيك بيانُه.
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾: واسأل الله تعالى زيادةَ العلم بدلَ الاستعجال، فإنَّ ما أُوْحِيَ إليك تنالُه لا محالةَ.
* * *
(١١٥) - ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ يقال: عزمَ عليه وعهدَ إليه: إذا أمرَه وأوحى إليه، عطفَ
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ٩٠).
(٢) في (ف) و(ك): "والمستحق … والثابت".
[ ٦ / ٤٩٦ ]
قصَّة آدم ﵇ على قوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾؛ للدِّلالة على أنَّ أساس أمر بني آدم على العصيان، وعِرْقُهم راسخٌ في (^١) النِّسيانِ، فلهم مزيدُ حاجة إلى تكرار الوعيد وصرفه، واللَّام جوابُ قسمٍ محذوفٍ.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبلِ هذا الزَّمان.
﴿فَنَسِيَ﴾ العهدَ، ولم يفِ به، حتى غفل عنه واغترَّ بقول الشَّيطان، أو: تركَ ما وصَّى به إليه من الاحتراز عن الشَّجرة.
وقرئ: (فَنُسِّيَ) مشددًا مبنيًا للمفعول (^٢)؛ أي: نسَّاه الشَّيطان.
﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾: تصميمَ (^٣) رأيٍ وثباتًا على ما عُهِدَ إليه؛ إذ لو كان ذا عزيمةٍ وجِدٍّ لم يقبل وسوسةَ الشَّيطان ولم يغترَّ بقوله، والوجود إن كان بمعنى العلم فمفعولاه ﴿لَهُ عَزْمًا﴾، وإن كان بمعنى المصادفة (فعزمًا) مفعوله، و﴿لَهُ﴾ متعلِّق به، أو حال.
* * *
(١١٦) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾.
﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾؛ أي: اذكر وقتَ قولنا ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ وإباءَ إبليس، وتحذيرَنا إيَّاه من كيده، حتى يتبيَّنَ لك أنَّه نسيَ ولم يكن ذا عزيمةٍ وثباتٍ، ومن هنا تبيَّنَ أنَّ ما قيل: إنَّ المعنى: ولم نجد له عزمًا على الذَّنب لأنَّه أخطأ ولم يتعمَّد؛ لا يناسب مساقَ الكلام.
_________________
(١) "في" سقط من (ف).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٩).
(٣) في (ف) و(م): "تعميم".
[ ٦ / ٤٩٧ ]
﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ قد سبقَ القولُ فيه.
﴿أَبَى﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤالِ سائلٍ، كأنَّه قيل: لِمَ لَمْ يسجدْ؟ فقيل: أبى؛ أي: أظهر الإباءَ وتثبَّط، ويرشدك إلى هذا ما في سورة (ص) من قوله: ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾ [ص: ٧٤] بدل ﴿أَبَى﴾.
* * *
(١١٧) - ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾.
﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ أعادَ الجارَّ للدِّلالة على أنَّ عداوته لها أيضًا أصالةً، لا تبعًا لزوجها.
﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ﴾ نهيٌ عن كونهما بحيث يؤثِّر فيهما وسوسة الشَّيطان ويتسبَّب لإخراجهما، فهو مبالغة في النَّهي عن قَبولها، مع الإشعار بعلَّة النَّهي.
﴿فَتَشْقَى﴾ أفرده بإسناد الشَّقاء إليه بعد إشراكهما (^١) في الخروج اكتفاءً لاستلزام شقائه شقاءَها؛ لأنَّه القيِّم عليها، والمحافظ لها، مع الإيجاز والمراعاة مع الفاصلة.
ويجوز أن يكون المراد بالشَّقاء: التَّعبُ في طلب المعاش، وذلك وظيفةُ الرَّجل وحدَه، ويعضده قوله:
(١١٨ - ١١٩) - ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾.
﴿إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وَإنَّكَ لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ فإنَّه بيانٌ وتذكيرٌ لِمَا له في الجنَّة من أسباب الكفاية وأقطاب الكَفَاف التي هي الشِّبَع والرَّي والكِسْوة والكِنُّ، مستغنيًا عن اكتسابها والسَّعي في تحصيل
_________________
(١) في (س) و(ف) و(ك): "اشتراكهما".
[ ٦ / ٤٩٨ ]
أعواضِ ما عسى ينقطع ويزول بِذِكْرِ (^١) نقائِضِها، ليطرُقَ سمعَه بأصناف الشِّقوَة المحذَّرِ منها (^٢).
وإنَّما عدلَ عن الأصل المألوف في الذِّكرِ - أي: المنزَّل - تنبيهًا على أنَّ الأوَّلَيْن أصلان، وأنَّ الأخيرَيْن متمِّمان على التَّرتيب (^٣)، فالامتنان على هذا الوجه أظهر، ولهذا فرَّقَ بين القرينَيْن (^٤)، فقيل أوَّلًا: ﴿إِنَّ لَكَ﴾، وثانيًا: ﴿إِنَّكَ﴾.
وقرئ ﴿وَأَنَّكَ﴾ بالفتح (^٥)، عطفًا على ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ وإنْ لم يجز دخول (إنَّ) على (أنَّ)؛ لأنَّ الواو ليس حكمها حكم (إنَّ)؛ لأنها نائبة عن كلِّ عامل، لا عن (^٦) خصوص (إنَّ) لتعلَّل بامتناع توارد حرفين يعملان عملًا واحدًا، وكذلك لم توضع للتَّحقيق خاصَّة لتعلَّل بامتناع اجتماع حرفَيْن لمعنًى (^٧) واحدٍ، على أنَّها وإنْ كانت نائبة إلَّا أنَّها ليست في قوَّة المنوب عنه، فلذلك عُومِل معها ما لا يعامَل معه، كقولك: ليس زيدٌ قائمًا ولا قاعدًا، ولا يجوز أن تقول: ليس لا قاعدًا.
* * *
(١٢٠) - ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾.
_________________
(١) "بذكر" متعلق بـ "بيان وتذكير" على التنازع. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٣١).
(٢) في (ف) و(م): "المحذر عنها"، وفي (ك): "المحذور عنها"، والمثبت من (س).
(٣) في هامش (س): "يعني: أن الريَّ متمم للشبع، والكنّ متمم للكسوة".
(٤) في (ف): "القرينتين".
(٥) قرأ نافع وأبو بكر بكسر الهمزة والباقون بفتحها. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٣).
(٦) في (م): "لأن".
(٧) في (ف): "لمعين".
[ ٦ / ٤٩٩ ]
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: فوسوسَ مُنْهيًا إليه وسوسته (^١).
﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أضافها إلى ﴿الْخُلْدِ﴾ وهو الخلود، موهمًا أنَّ كلَّ مَن أكلَ منها خُلِّدَ، فهو سببُ الخلود بزعمه.
﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾: لا يَخلَقُ ولا يضعفُ.
* * *
(١٢١) - ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾.
﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قد سبقَ القولُ فيه.
﴿وَعَصَى﴾ العصيانُ: وقوعُ الفعل أو التَّركِ على خلاف الأمر أو النَّهي، وقد يكون عمدًا فيكون ذنبًا، وقد يكون خطأً فيكون زلَّةً.
﴿آدَمُ رَبَّهُ﴾ بعدم الانتهاء بالنَّهي.
﴿فَغَوَى﴾ عن الرُّشْد، حيث اغترَّ بقولِ العدوِّ، أو عن المطلوب وهو الخلد والملكُ الباقي، وفي النَّعي عليه بالغيِّ مع صِغَرِ زلَّته تعظيمٌ لها، وتشديدٌ عليه في العِتاب وتغليظٌ؛ لعلوِّ مرتبته وعدم مناسبة الزَّلَّة لمقامه، وزجرٌ بليغٌ، وموعظةٌ كافَّة لأولاده.
* * *
(١٢٢) - ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾.
﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾: اصطفاه بالتَّوفيق للتَّوبة والقَبولِ بعدَها والتَّقريب، من جُبِيَ
_________________
(١) في (ف) و(م): "وسوسة".
[ ٦ / ٥٠٠ ]
إليَّ كذا فاجتبيْتُه، ونحوه: جُلِيَتْ عليَّ العروسُ فاجتليتُها (^١)، فأصلُ الكلمةِ الجمعُ.
﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾: فقبِلَ توبتَه لَمَّا تابَ ﴿وَهَدَى﴾ إلى الثَّباتِ على التَّوبةِ.
* * *
(١٢٣) - ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾.
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ الخطاب لآدم وحوَّاء، لا له ولإبليس لأنَّه قد خرج منها قبلَ هذا؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤].
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قد سبقَ القولُ فيه.
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾: من الكتاب والرَّسول.
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ في الآخرة.
* * *
(١٢٤) - ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ >
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ عن الهدى الذَّاكر لي.
﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: ضيقًا، مصدر وُصِفَ به، ولذلك يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث.
وقرئ: (ضَنْكَى) كسَكْرَى (^٢).
_________________
(١) في (ف) و(ك): "جبيت عليَّ العروس فاجتبيتها". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٣/ ٩٤)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٤١)، و"تفسير أبي السعود" (٦/ ٤٧).
(٢) بألف التأنيث وبلا تنوين وبالإمالة. نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٠)، و"البحر المحيط" (١٥/ ١٥٩).
[ ٦ / ٥٠١ ]
وذلك أنَّ المُعْرِضَ عن ذِكْرِهِ حريصٌ على الدُّنيا متهالكٌ عليها، لا يزال همُّه مصروفًا إلى الازدياد منها يجمع ويمنع، وعلى (^١) ما في أيدي النَّاس فيطمع، ويغلب عليه الشُّحُّ فيضيق عيشه، بخلاف الذَّاكر المتوجِّه إليه، التَّابع للهدى، المتوكِّل عليه في أمره، فإنَّه يعلم أنَّ رزقَه على الله، فيسمح بما في يده وينفق، فيعيش عيشًا رافعًا (^٢)، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، على أنه تعالى قد يضيِّق بشؤم الكفر ويوسِّع ببركة الإيمان، كما قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].
﴿وَنَحْشُرُهُ﴾ وقرئ بالجزم (^٣) عطفًا على محلِّ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً﴾؛ فإنَّه جوابٌ للشَّرط.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ عن ابن عباس ﵄: أعمى البصر (^٤)، وهو كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وهو الوجه المناسب للسُّؤال.
* * *
(١٢٥) - ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾.
﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ في الدُّنيا.
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "ويطمع على" والمثبت من (س).
(٢) في (ك): "رافغًا".
(٣) نسبت لأبان بن تغلب. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٩٠).
(٤) انظر: "زاد المسير" (٢٢/ ٣٣٢)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٣٨٨). والطبري روى تفسير العمى بعمى البصر عن مجاهد في "تفسيره" (١٦/ ٢٠١).
[ ٦ / ٥٠٢ ]
(١٢٦) - ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾.
﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾؛ أي: ذلك فعلْتَ أنت، والكاف مقحم إقحامًا كاللَّازم لا يكادون يتركونه في لغة العرب وغيرهم (^١)، ثمَّ فسَّره فقال:
﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾ واضحةً نيِّرةً ﴿فَنَسِيتَهَا﴾: فعميْتَ عنها وتركتَها غيرَ منظورة.
﴿وَكَذَلِكَ﴾: مثلَ تركِكَ إيَّاها ﴿الْيَوْمَ تُنْسَى﴾: تُتْرَك في العمى والعذاب.
* * *
(١٢٧) - ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ بالانهماك في الشَّهوات والإعراض عن الآيات.
﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ بل كذَّبها وخالفها.
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾؛ أي: وللحَشر على العمى الذي لا يزول أبدًا أشدُّ من ضيق العيش المنقضي، أو: ولَتَرْكنا إيَّاه في العمى أبدًا أشدُّ وأبقى من تركه لآياتنا.
* * *
(١٢٨) - ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾.
﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ﴾ مسنَدٌ إلى اللهِ، أو الرَّسول، أو ما دلَّ عليه: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾؛ أي: إهلاكُنا إيَّاهم، أو الجملةِ بمضمونها (^٢).
_________________
(١) في هامش (ف) و(س): "مر تحقيقه في سورة البقرة وتفصيله في شرح سعد الدين للكشاف. منه". قلت: لم يتقدم في البقرة سوى إشارة لإقحام الكاف دون توسع في التحقيق، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
(٢) قوله: "أو الجملة بمضمونها" بالجرّ معطوف على "اللهِ"؛ أي: الفاعلُ هو هذا اللفظ باعتبار دلالته =
[ ٦ / ٥٠٣ ]
والفعلُ على الأوَّلينِ معلَّق يجري مجرى (أعلم)، ويدلُّ عليه القراءة بالنُّون (^١).
﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ كنايةٌ عن مشاهدتهم آثارَ هلاكهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾: لذوي العُقول النَّاهية عن التَّغافل والتَّعامي.
* * *
(١٢٩) - ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ الكلمة السَّابقة بتأخير عذاب (^٢) هذه الأمَّة إلى الآخرة.
﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾: لكان مثلُ ما نزل بعاد وثمود من عذابنا (^٣) لازمًا لهؤلاء الكفرة.
واللِّزامُ إمَّا مصدر وُصِفَ به، وإمَّا فِعال بمعنى مِفْعَل اسم آلة اللَّازم (^٤)، سمِّي به اللَّازم لفرطِ لزومه.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ عطف على ﴿كَلِمَةٌ﴾، أو على المستكِنِّ في (كان)، وهو ضمير ذلك المُشَار به إلى الإهلاك؛ أي: ولولا قضاءٌ سابقٌ ووعدٌ بتأخير عذاب هذه الأمَّة إلى يوم القيامة، أو يوم بدر، وأجلٌ مسمىًّ لأعمارهم لكان … إلخ، والفصل للدِّلالة على استقلال كلٍّ منهما بنفي لزوم العذاب.
_________________
(١) = على معناه لا بقطع النظر عنه. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٣٣). وجاء في هامش (ف) و(م) و(س): "أي: أفلم يهد لهم هذا القول، والمراد هدايتهم بمضمونها. منه".
(٢) أي: (نهدِ). انظر: "زاد المسير" (٥/ ٣٣٣)، و"البحر المحيط" (١٥/ ١٦٣).
(٣) "عذاب" من (م) و(س).
(٤) في (م): "عذاب الدنيا".
(٥) في (ك) و(م): "اللزوم"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٤/ ٤٢).
[ ٦ / ٥٠٤ ]
أو: ولولا هذه العِدَةُ لكان الأخذ العاجل وأجلٌ مسمًّى لازمَيْن لهم، كما كانا لازِمَيْن لعادٍ وثمودَ، ولم ينفرد الأجل المسمَّى عن الأخذ العاجل.
* * *
(١٣٠) - ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ الفاء للسَّببية، جزاءٌ لشرط مقدَّر؛ أي: إذا لم تعذِّبهم ولم تهلكهم لِمَا ذُكِرَ فاصبر.
﴿وَسَبِّحْ﴾ تقييد التَّسبيح بالأوقات المخصوصة قرينةٌ لكونه مجازًا بمعنى الصَّلاة، وإلَّا فلا وجهَ للتَّخصيص بها، وقوله:
﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ حالٌ؛ أي: وصلِّ وأنتَ حامدٌ (^١) لربِّك على هدايتِه وتوفيقِه.
﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾؛ أي: الفجر.
﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾؛ أي: الظُّهر والعصر؛ لأنَّهما في النِّصف الأخير من النَّهار.
﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾: ومن ساعاته، جمع إِنِّى بالكسر والقصر، وأناءٍ بالفتح والمد.
﴿فَسَبِّحْ﴾؛ أي: المغربَ والعشاءَ وصلاةَ التَّهجد، وإنَّما قدَّمَ الزَّمان فيه لاختصاصه بمزيد الفضل (^٢)؛ لأنَّ الميل فيه إلى الاستراحة أقوى، فكانت العبادة فيه على النَّفسِ أشدُّ وأشقُّ، فكانَ الثَّواب أكثر، ولأنَّ القلب فيه أجمع، والفراغَ إلى الله
_________________
(١) في (م) و(س): "وصل أنت حامدًا"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق للمصدر السابق.
(٢) قوله: "وإنما قدّم الزمان فيه .. " يعني تقديمَ قوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ على قوله: ﴿فَسَبِّحْ﴾ الذي تعلق به. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٣٤).
[ ٦ / ٥٠٥ ]
تعالى والخلوة (^١) به أيسر وأكثر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦].
﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: تكريرٌ لصلاتَي الصُّبح والمغرب لمزيَّتهما؛ لكونهما مختلف الملائكة ومجتمعهم.
معناه: تعمَّد آناءَ اللَّيل وأطراف النَّهار مختصًّا لها بصلاتك، وفي جمع الأطراف مجاوبة الآناء مع الأمن من الإلباس.
﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾؛ أي: سبِّح في هذه الأوقات طمعًا ورجاءً أن تنالَ عندَ اللهِ ما تَرْضَى به نفسُك. وقرئ بالبناء للمفعول (^٢)؛ أي: يُرْضِيْكَ ربُّك.
* * *
(١٣١) - ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾؛ أي: نظرَ عينَيْكَ ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ مدُّ النَّظر: تطويلُه مستمرًّا بحيث لا يكاد يُرَدُّ؛ استحسانًا للمنظور وتمنِّيًا أنْ يكونَ للنَّاظر.
﴿أَزْوَاجًا﴾: أصنافًا ﴿مِنْهُمْ﴾ مِنَ الكَفَرَةِ، ويجوز أن يكون حالًا من الضَّمير في ﴿بِهِ﴾، والمفعول ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: إلى الذي متَّعنا به - وهو أصنافٌ - بعضَهم وناسًا منهم (^٣).
_________________
(١) في (م): "والخلو".
(٢) وهي قراءة الكسائي وشعبة. انظر: "التيسير" (١٥٣).
(٣) أي: أنّ (من) تبعيضية وهي مفعول ﴿مَتَّعْنَا﴾، فقوله: "وهو أصناف" تفسير للحال، و"بعضَهم" بالنصب هو المفعول، و"ناسًا منهم" تفسير له. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٢٣٥).
[ ٦ / ٥٠٦ ]
﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الزَّهرةُ: الزِّينةُ والبهجة.
وقرئ بفتح الهاء (^١)، وهي لغة فيها، كالجَهَرة في الجَهْرة، أو جمع زاهر، كالجَهَرَة في جمع جاهر.
نصبٌ على الذَّمِّ، أو على الاختصاص؛ أي: أعني أو أخصُّ، أو على المفعول الثَّاني لِمَا دلَّ عليه ﴿مَتَّعْنَا﴾، أو على تضمينه معنى أعطينا.
وأمَّا نصبه على البدل من محلِّ الجار والمجرور؛ أي: ﴿بِهِ﴾، أو من ﴿أَزْوَاجًا﴾، على تقدير مضاف؛ أي: ذوي زهرة، فضعيفٌ؛ لأنَّه لا يُقال: مررت بزيد أخاك؛ ولأنَّ الإبدال من الضَّمير العائد إلى الموصول ونحوه ممَّا اختُلِفَ في جوازه.
وعلى قراءة الفتح نعتٌ على أنه جمع زاهر، وجاز أن يكون حالًا، والإضافة لفظيَّة؛ لأنَّ الأصل: زاهرين الحياة الدُّنيا، وصفٌ لهم بأنهم زاهروا الدُّنيا لتنعُّمهم وبَهاءِ زِيِّهم، بخلاف ما عليه المؤمنون الزُّهَّاد.
﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾: لنبلوَهم ونختبرَهم ﴿فِيهِ﴾ أو: لنعذِّبهم في الآخرة بسببه.
﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾: ما ادَّخر لك في الآخرة، أو ما (^٢) رزقَكَ من الهدى.
﴿خَيْرٌ﴾ ممَّا متَّعناهم به في الدُّنيا ﴿وَأَبْقَى﴾ لأنَّه لا ينقطع أبدًا.
* * *
(١٣٢) - ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ أمرَه بأن يأمر أهلَ بيته أو التابعين له من أمَّته بالصَّلاة بعدَما أمره بها وبالصَّبر؛ ليتوافقوا في الاستعانة على خصاصتهم بها، لقوله تعالى:
_________________
(١) قرأ بها يعقوب من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٣٢٢).
(٢) "ما" سقط من (ف).
[ ٦ / ٥٠٧ ]
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، ولا تهتمُّوا بأمر الرِّزق والمعاش، ولا تلتفتوا لفتَ أربابِ الثَّروة والرِّياش.
﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾: وداوم عليها.
﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾؛ أي: لا نكلِّفكَ أنْ ترزقَ نفسَكَ.
﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ ففرِّغ بالَك لأمرِ الآخرة؛ لأنَّ مَن كان في عمل الله كان الله في عمله.
والحكم في الموضعَيْن عامٌّ في صورة الخطاب الخاصِّ (^١).
﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودة ﴿لِلتَّقْوَى﴾ مخصوصةٌ لها، ويلزم هذا أن تكونَ حُسْنُ العاقبة لأهلها خاصَّة، فلا حاجة إلى التَّقدير (^٢).
* * *
(١٣٣) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: هلَّا يأتينا محمَّد بآيةٍ دالَّةٍ على صحَّة نبوَّته بناءً على عادتهم في اقتراح الآيات وإنكار ما جاء به منها، وعدم الاعتداد بها تعنُّتًا وعنادًا.
وتنكير (آيةٍ) يأبى عن حملها على آيةٍ معهودةٍ اقترحوها، فألزمهم بالقرآن الذي هو آخر المعجزات وأعظمها، حيث قال:
_________________
(١) في هامش (ف) و(س): "فلا حاجة في الأول إلى أن يقال: ولا أهلك، وفي الثاني: وإياهم، بل لا وجه له كما لا يخفى. منه".
(٢) في هامش (ف) و(س): "فيه ردٌّ لمن قال في تفسيره: التقوى لذوي التقوى، ولمن زعم أنَّ المعنى: إنَّ أحسن العاقبة لأهل التَّقوى، بحذف المضاف. صاحب المدارك".
[ ٦ / ٥٠٨ ]
﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ وذلك أنَّه برهانُ ما في جميع الكتب المنزَلة من حيث إنَّه مُعْجِزٌ بلفظه دونها، فهو بالنِّسبة إليها حجَّةٌ على صحَّتها؛ لاشتماله على ما فيها، وتصديقه إيَّاها مع إعجازه.
ولَمَّا كان برهانًا على ما فيها كان برهانًا على صحَّة نبوَّته؛ للدِّلالة على أنَّها مختصة بنوعٍ من العلم أعلى قدرًا وأشرف من جميع العلوم، وهو خلاصة ما في الكتب الإلهيَّة من العقائد والأحكام، مع كونه أميًّا لم يتعلَّم شيئًا، وبنوع من تركيب الكلام لم يكن أحدٌ يعارضه في الفصاحة والبلاغة عندَ التَّحدي به.
* * *
(١٣٤) - ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾: من قبلِ محمَّدٍ ﵇، أو: من قبلِ (^١) البيِّنة، وتذكير الضَّمير لأنَّها في معنى البرهان والدَّليل، أو: مِن قَبل إتيانها، أو إتيانه بها.
﴿لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا﴾: هلَّا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ﴾ بالقتل والسَّبي والجزية في الدُّنيا ﴿وَنَخْزَى﴾: بالعذاب ودخول النَّار في الآخرة.
* * *
(١٣٥) - ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾.
﴿قُلْ كُلٌّ﴾: كلُّ (^٢) واحدٍ منَّا ومنكم.
_________________
(١) في (ف): "أو قبل".
(٢) "كل": ليست في (م).
[ ٦ / ٥٠٩ ]
﴿مُتَرَبِّصٌ﴾: منتظِرٌ لِمَا يَؤول إليه أمرُنا وأمرُكم في العاقبة.
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: فانتظروا، وقرئ: (فتمتَّعوا) (^١).
﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾: المستقيم، وقرئ: (السَّواء) (^٢)؛ أي الوسط، و(السُّوَّى) (^٣)، و(السَّوْءِ) (^٤)؛ أي: الشَّر، و(السُّوَيِّ) (^٥)، وهو تصغيره.
﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ إلى النَّعيم المقيم.
و﴿مَنِ﴾ في الموضِعَيْن للاستفهام، ومحلُّ الأولى الرَّفعُ بالابتداء، والثَّانية عطفٌ عليها عطفَ الجملة على الجملة، ويجوزُ أن تكون الثَّانية موصولة بخلاف الأولى - لعدم العائد - فتكون معطوفةً على محلِّ الجملة الاستفهاميَّة المعلَّق عنها الفعل، على أنَّ العلم بمعنى المعرفة، أو على ﴿أَصْحَابُ﴾، أو على ﴿الصِّرَاطِ﴾، على أنَّ المرادَ به النَّبيُّ ﵊.
* * *
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٠٠)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٤٤).
(٢) بفتح السين والمد. انظر: "الكشاف" (٨/ ٥٩٤)، و"الدر المصون" (٨/ ١٢٦).
(٣) بالضم والقصر وتشديد الواو. انظر: "الكشاف" (٨/ ٥٩٤)، و"روح المعاني" (١٦/ ٥١٣).
(٤) بفتح وسكون وهمز آخره. انظر المصدرين السابقين.
(٥) بضم السين وفتح الواو وتشديد الياء. انظر المصدرين السابقين.
[ ٦ / ٥١٠ ]