﷽
(١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبدعِهما، مِن الفَطْرِ (^٢)، وهو الشَّقُّ، فاستُعْمِلَ في الخلق ابتداءً على طريقِ (^٣) المجاز المرتَّب على الكنايةِ، والإضافةُ حقيقيَّةٌ لأنَّه بمعنى الماضي، على ما قرئ بلفظه (^٤)، ولذلك وُصِفَ به المعرَّفُ.
﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ﴾ وقرئ بالرَّفعِ على المدح (^٥).
﴿رُسُلًا﴾: وسائطَ بينَه وبينَ عبادِه، يبلِّغون إليهم رسالاته بالوحي والإلهام والرُّؤيا الصَّالحة.
_________________
(١) في (م): "سورة الملائكة أربعون وخمس آيات وسبع مئة وسبعون كلمة".
(٢) في (ع): "الفطرة".
(٣) في (ك) و(م): "طريقة"، وفي (ف): "طريقته".
(٤) قرأ الضحاك: (فطر) بصيغة الماضي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٣).
(٥) بالرفع والتنوين مع نصب (الملائكة) نسبت للحلبي، وبالرفع بلا تنوين مع جر (الملائكة) نسبت للحسن، وبالرفع بلا تنوين مع نصب (الملائكة) نسبت لعبد الوارث عن أبي عمرو. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٣)، و"المحتسب" (٢/ ١٩٨)، و"البحر" (١٨/ ٧).
[ ٨ / ٣٥١ ]
﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ و﴿أُولِي﴾ اسمُ جمعٍ لـ ﴿ذُو﴾، وهو بدلٌ من ﴿رُسُلًا﴾، أو نعتٌ له.
﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ صفاتٌ لـ ﴿أَجْنِحَةٍ﴾ وغيرُ منصرفة؛ أيْ صنفٌ منهم أجنحتُهم اثنان اثنان، وصنفٌ أجنحتُهم ثلاثة ثلاثة، وصنفٌ (^١) أربعة أربعة، وتفاوتها بحسبِ تفاوتِ مراتبِهم وأمورِهم التي سُخِّرَتْ لها.
وما رُوِيَ أنَّه ﵇ رأى جبريل ﵇ ليلةَ المعراج وله (^٢) ستُّ مئةِ جناحٍ (^٣)، فلعلَّه مخصوصٌ به، فلم (^٤) يذكَر لأنَّه ليس من جنس المكرَّر.
﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ استئنافٌ للدِّلالة على أن الاختلاف المذكور أمر تقتضيه مشيئتُه وحكمتُه.
وإنَّما عمَّ الخنق ليتناولَ كلَّ زيادة في جميع الخلائق؛ كحُسن الصُّورة (^٥)، وحصافة العقل، وذكاء القلبِ وشهامته، وشجاعة النَّفس وسماحتها (^٦)، إلى ما لا يتناهى.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ استئنافٌ للتَّعليل؛ فإنَّ القدرة الكاملة الشَّاملةَ لا بدَّ لها (^٧) مِن مرجِّح لا مِن خارجٍ؛ لأنَّه ينافي كمالَ القدرةِ، فهو المشيئةُ.
* * *
_________________
(١) في (ف): "أو".
(٢) في (ك): "له".
(٣) روى نحوه البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤)، من حديث ابن مسعود ﵁.
(٤) في (ف): "ولم".
(٥) في (م): "الصوت".
(٦) في (ف) و(ك): "وشهامتها".
(٧) في النسخ: "له".
[ ٨ / ٣٥٢ ]
(٢) - ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ﴾ استعيرَ الفَتْحُ للإطلاق والإرسال، وأومأَ إلى استعارته له بقوله: ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ مكانَ: لا فاتح له.
﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ تنكيرُها للإشاعة والتَّعميم؛ أي: مِن أيَّةِ رحمةٍ كانت معنويَّةً أو صوريَّةً، سماوَّيةً أو أرضيَّةً.
﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾: فلا أحدَ يقدرُ على إمساكِها (^١).
﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ قيِّد المرسَل بالرَّحمة وقُدِّمَ لأنَّها الأصل، وأُطلق الممسَك ليتناولها وغيرَها من النِّعمة والغضب؛ إشعارًا بقوله: "سبقت رحمتي على غضبي" (^٢).
﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ فلا أحدَ يقدرُ على إرساله.
أنَّتَ ضميرَ الاسم الأوَّل (^٣) المتضمِّن للشَّرط على المعنى لتفسيره بالرَّحمة، وذكَّرَ الثَّاني على اللَّفظ لإطلاِقه.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعدِ إمساكِه.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الغالبُ القادرُ على ما يشاءُ، ليس لأحدٍ أنْ ينازِعَه في الإرسال والإمساك.
_________________
(١) في النسخ: "إمساكه".
(٢) رواه البخاري (٧٥٥٣)، ومسلم (٢٧٥١)، من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "سبقت رحمتي غضبي".
(٣) في (م): "أولًا".
[ ٨ / ٣٥٣ ]
﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يفعلُ ما يفعلُ إلَّا بحكمةٍ وإتقان علم (^١).
ثمَّ لَمَّا بيَّنَ أنَّه الموجِدُ للملكِ والملكوتِ، المتصرِّفُ في الكلِّ على الإطلاق، أمرَ النَّاس بشكرِ نعمتِه وتخصيصِه به تعالى، فقال:
(٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الخطابُ عامٌّ، وكذا النِّعمةُ، ولا عبرةَ في الخصوصِ في سببِ النُّزولِ، والمرادُ بذكرِ النِّعمةِ: شكرُها بالقلبِ واللِّسان والجوارح، برؤيتها منه لا مِن غيرِه، وأداءِ حقوقِها بالثَّناءِ على المنعِم، والطَّاعةِ له، واستعمالِها في مراضيه (^٢).
ثمَّ أنكرَ أن يكونَ لغيره في ذلك مَدخلٌ فيستحِقَّ أنْ يُشرَكَ به بقولِه:
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ قرئ بالحركات الثَّلاث (^٣)؛ أمَّا الرَّفع فللحمل على محلِّ ﴿مِن خَلِقٍ﴾ بأَنَّهُ وصفٌ أو بدلٌ (^٤)، فإنَّ الاستفهام بمعنى النَّفي، أو لأنَّه فاعل ﴿خَالِقٍ﴾، وأمَّا الجرُّ فللحمل على لفظِه، وأمَّا النَّصبُ فعلى الاستثناء.
﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ صفة لـ ﴿خَالِقٍ﴾، أو تفسير لعامله إنْ جعلتَه
_________________
(١) في (ف) و(ك): "علمه".
(٢) في (م): "مرضيه".
(٣) قرأ حمزة والكسائي بخفض الراء، وباقي السبعة برفعها. انظر: "التيسير" (ص: ١٨٢). ونسبت القراءة بنصب الراء للفضل بن إبراهيم النحوي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٣).
(٤) بعدها في (ف) و(ك): "أو تفسيرٌ لعامله إنْ جعلتَهُ مرفوعَ المحلِّ"، وهو ناشئ عن سبق نظر عند الناسخ، وسيأتي في مكانه الصحيح.
[ ٨ / ٣٥٤ ]
مرفوع المحلِّ بإضمار فعلٍ لا بالابتداءِ؛ أي: هل يرزقُكُم مِن خالقٍ، أو استئنافٌ دلَّ على أنْ لا خالقَ غير اللَّه، وعلى وجوب شكر نعمتِه، فهو أحسنُ الوجوه، وعلى الوجهَيْن الأخيرَيْن لا محلَّ له من الإعراب.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ جملة مفصولة [لا محل لها] (^١) مثل ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ في الوجه الثَّالثِ؛ إذ لو وصلْتَه مثل ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ في الوجهَيْن الأوَّلَيْن لفسد (^٢) المعنى؛ لأنَّ قولَك: هل من خالق آخر سوى اللَّه لا إله إلَّا ذلك الخالق (^٣)؛ متناقضٌ.
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: فمِنْ أيِّ وجهٍ تُصرَفون عنِ التَّوحيدِ إلى إشراكِ غيرِه.
* * *
(٤) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾: تسليةٌ لرسول اللَّه ﷺ، وبعثٌ له على التَّأسِّي بالرُّسل السَّابقين في الصَّبر على تكذيبهم؛ أي: وإن يكذِّبوك فتأسَّ بالرُّسلِ العظامِ، واصبرْ (^٤) على تكذيبهم، فوضع ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ موضعه لبيان السَّبب، واستغنى بذكر السَّبب عن المسبَّب إيجازًا.
وتنكير ﴿رُسُلٌ﴾ للتَّعظيم المقتضي لزيادةِ التَّسليةِ، والحثِّ على الصَّبرِ؛ أي: رسلٌ عظامٌ ذوو (^٥) عددٍ كثيرٍ، وأولو آياتٍ بيِّناتٍ.
_________________
(١) في (ع) و(ف) و(ك) و(ي): "منصوبة"، وفي (م): "منصوب"، وكلاهما تحريف، والمثبت من "الكشاف" (٣/ ٥٩٨)، والكلام وما بين معكوفتين منه.
(٢) في (ف): "يفسد".
(٣) في (ف): "إلا هو".
(٤) في (ف) و(ك): "فاصبر".
(٥) في النسخ عدا (ك): "ذو"، والمثبت من (ك) و"الكشاف" (٣/ ٥٩٩).
[ ٨ / ٣٥٥ ]
وقد نعى بها على قريش حينئذٍ سوءَ تلقِّيهم لآياتِ اللّهِ وتكذيبَهم بها بعد التَّقريع البالغ في قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ وعدٌ ووعيدٌ؛ أي: فيجازيك (^١) وإيَّاهم على الصَّبر والتَّكذيب.
* * *
(٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾: الجزاءَ بالثَّواب والعقاب ﴿حَقٌّ﴾: لا خُلْفَ فيه.
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: فلا تخدعنَّكم الدُّنيا ولذَّاتُها وشهواتها، فيذهلَكم التَّمتُّع بها عن السَّعي للآخرة، وطلبِ ما عندَ اللّهِ.
﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: الشَّيطانُ، فإنَّه هو البالغ في التَّغرير بأنْ يمنِّيَكم المغفرةَ مع الإصرار على المعصية، فإنَّها وإنْ أمكنَتْ لكنَّ الذَّنْبَ بهذا التَّوقُّع كتَناولِ السُّمِّ اعتمادًا على الدَّفع بقوَّة الطَّبيعة (^٢).
وقرئ بالضَّم (^٣)، وهو مصدرُ غرَّه كاللُّزومِ والنُّهوك (^٤)، أو جمع غَارٍّ، كقَاعِدٍ وقُعودٍ.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(م): "فيجازيكم".
(٢) "بقوة الطبيعة" زيادة من (ي) و(ع)، وفي (م): "بقوى الطليعة".
(٣) أي: (الغُرور) بضم الغين. انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ١٦٨)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٤٢٩).
(٤) في (ك): "كالهتوك"، وفي (ي): "والشهواك"، وفي (ع): "والشهوك". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٣/ ٥٩٩).
[ ٨ / ٣٥٦ ]
(٦) - ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ تذكيرٌ لبني آدمَ ما فَعَلَ بأبيهِم آدم ﵇ بالإغواءِ والتَّغرير، وتحذيرٌ عن موالاتِه.
﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ بالغَ العداوة في عقائدِكم وأفعالِكم، وكونوا على حذرٍ منه في مجامعِ أحوالكم.
﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ مبالغة في التَّحذير عن عداوته بتقريرها، وبيانِ غرضِه في دعوة شيعته إلى اتِّباع الهوى والرُّكونِ إلى الدُّنيا.
* * *
(٧) - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وعدٌ لمَن أجابَه، ووعيدٌ لمن خالفه، وبنى الأمر على الإيمان والعمل الصَّالح وتركهما؛ ليقطعَ الأطماع الفارغة، ويهيِّجَ الهِمَمَ العاليةَ.
ولَمَّا ذَكَرَ الفريقيْن قرَّرَ (^١) الوعد والوعيد بقوله:
* * *
(٨) - ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾؛ أي: أفمن زين له سوءُ عمله لغلبة وهمه
_________________
(١) في (ف) و(م) و(ي) و(ع): "قدَّر".
[ ٨ / ٣٥٧ ]
وهواه على عقله، فانتكس رأيُه فرأى الباطلَ حقًّا والقُبْحَ حَسَنًا، كمَن لم يُزيَّن له، بل وُفِّقَ للنَّظر الصَّحيح فعرفهما، ورأى (^١) الحقَّ حقًّا فاستحسنه (^٢) واختاره، ورأى الباطلَ باطلًا فاستقبحه وتركه.
والهمزة للإنكار دخلَتْ على الفاء العاطفة لإنكار الجهلِ وفقدِ النَّظرِ والتَّمييزِ، أي: أبعدَ ما تبيَّنَ (^٣) عاقبةُ الفريقَيْن مَن فقَدَ التَّمييز واتَّبعَ الشَّيطان، فرأى القبيحَ الذي زُيِّنَ له حَسنًا كَمَنْ ليسَ كذلك.
وإنَّما حذفَ الجوابَ لدلالة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ عليه.
وقالَ الزَّجَّاج: الجواب: ذهبَتْ نفسُكَ (^٤) عليهم حسرةً، فحذفَ لدلالة: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ عليه (^٥)؛ أي: فلا تُهلك نفسَك للحسرات.
و﴿عَلَيْهِمْ﴾ صلةُ ﴿تَذْهَبْ﴾، كقولِكَ: هلكَ عليه حبًّا، أو بيانٌ للمتحسَّرِ عليه، ولا يجوز أنْ يتعلَّق بـ ﴿حَسَرَاتٍ﴾؛ لأنَّ صلة المصدر لا تتقدَّم عليه، ويجوز أن يكون حالًا (^٦) على أنَّها كلَّها صارَتْ حسراتٍ لفرط التَّحسُّرِ.
_________________
(١) في (م): "فرأى".
(٢) في (م) و(ي): "فأحسنه".
(٣) في (ف): "بين".
(٤) في (ف) و(ك): "الجواب فلا تذهب نفسك"، والمثبت من باقي النسخ والمصدر.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٢٦٤).
(٦) أي: (أن يكون ﴿حَسَرَاتٍ﴾ حالا من ﴿نَفْسُكَ﴾)، وهذه عبارة الآلوسي في "روح المعاني" (٢٢/ ١٧٠)، وعبارة المؤلف منقولة بالحرف من "الكشاف" (٣/ ٦٠٠). ووقع في (ك): "ولا يجوز"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصدرين المذكورين وغيرهما.
[ ٨ / ٣٥٨ ]
وجمعُ الحسرات للدِّلالة على تضاعف اغتمامه (^١) على أحوالهم، أو كثرةِ مساوئ أفعالهم المقتضيةِ للتَّأسُّف عليهم.
وقرئ: ﴿فلا تُذْهِبُ نفسَكَ﴾ (^٢)؛ أي: فلا تُهلكها.
والفاءات الثَّلاث للسَّببيَّة، غير أنَّ الأُولَيين دخلتا على السَّبب، والثالثة على المسبَّب.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ وعيدٌ لهم بالعقابِ على سوءِ صنيعِهم.
* * *
(٩) - ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾.
﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ على حكايةِ الحالِ الماضيةِ، وقد خُولِفَ به عمَّا قبلَه وما بعدَه إلى المضارع؛ استحضارًا لتلك الصُّورة البديعة الدَّالة على القدرة الباهرة من إثارة الرِّيح السَّحابَ، وما يقارنُه من إنزال المطر وغيره.
وهكذا يُغيَّر النَّظم في كلِّ أمرٍ عجيبٍ وفعلٍ يختصُّ بحالٍ يُستَغرَبُ، أو يهمُّ المخاطِبَ أو المخاطَبَ (^٣)، أو يتميَّز (^٤) بنوعِ شرفٍ، وغير ذلك.
_________________
(١) في (ف) و(ي): "إغمامه".
(٢) قرأ بها أبو جعفر. انظر: "النشر" (٢/ ٣٥١).
(٣) "أو المخاطب" من (ي) و(ع)، وفي (ع) كررها مرتين.
(٤) وقعت العبارة في (ك) هكذا: "في كلِّ أمرٍ عجيب وفعلٍ يختصُّ بحاله تقريبًا لفهم المخاطب بتمييز".
[ ٨ / ٣٥٩ ]
والتفَتَ في (^١): ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ مِن الغيبة إلى التَّكلُّم الذي هو أدلُّ (^٢) على الاختصاص بالقدرة الباهرة، والضَّمير في:
﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ للمطرِ الدَّالِّ عليه السَّحابُ، أو للسَّحاب لأنَّهُ سبب السَّبب فهو سبب (^٣).
﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بعد يبسها.
﴿كَذَلِكَ النُّشُور﴾؛ أي: مثلَ إحياءِ المواتِ نشورُ الأموات في صحَّة المقدوريَّة؛ إذ لا فرق بينهما إلَّا احتمالُ اختلاف (^٤) المادَّة في المقيس عليه، ولا مدخل له فيها.
وقيل في كيفيَّة الإحياء: إن اللَّه تعالى يرسل ماءً (^٥) مِن تحتِ العرشِ تَنبتُ به أجسادُ الخلقِ.
* * *
(١٠) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾؛ أي: القوَّة والقدرة والمَنَعة فليطلبها مِن عند اللَّه تعالى، فحذف الجزاء استغناءً عن المدلول بالدَّليل، وهو قوله:
_________________
(١) "في" سقط من (ك) و(ي).
(٢) في (م): "الأدل".
(٣) بعدها في (ع): "أو لا سيول له"، وفي (ف): "أو لا سوء له"، وفي (ك): "أو لإرسال دل له"، وفي (م): "أو لا سؤل إليه"، وفي (ي): "أو لا مسؤولًا له".
(٤) في (ي): "الاحتمال اختلاف"، وسقطت "اختلاف" من (ف).
(٥) في (ك): "يرسلها".
[ ٨ / ٣٦٠ ]
﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾؛ أي: عِزَّةُ الدُّنيا والآخرة، ثمَّ بيَّنَ أنَّ الذي يُطلَبُ به العزَّةُ هو التَّوحيد والعمل الصالح فقال:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ هو قولُ لا إله إلا اللَّه، وصعودُه إليه مجازٌ عن قَبولِه إيَّاه، والمستكنُّ في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ للكَلِم؛ لأنَّ الصَّاعد بنفسِه هو، ولا خلافَ في أنَّ العملَ لا يُقبَلُ إلَّا بالتَّوحيد والإيمان. ويؤيده القراءة بنصب (العملَ) (^١).
وقيل: للّه تعالى، والمرفوع العملُ، وتخصيصه بهذا الشَّرف لِمَا فيه مِن الكلفة.
وقيل: للعمل فإنه يحقِّق الإيمان ويقوِّيه.
والكَلِمُ: اسمُ جنسٍ مِن الأجناسِ التي يُفرق بين واحدها والجنس بالتَّاء، كتمرٍ وتمرة (^٢).
وقرئ: (يُصْعَد) على البناء للمفعول (^٣).
و: (يُصْعِد) على البناء للفاعل مِن أصعَدَ، ونصبِ (الكلِمَ)، والفاعل هو المتكلِّم به لأنَّه يُصْعِده إلى الله تعالى (^٤).
﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ؛ أي: المكراتِ السَّيئات، أو لمضافٍ (^٥) إلى المصدر؛ أي: أصنافَ المكرِ السَّيئات، أو ضُمِّن ﴿يَمْكُرُونَ﴾ معنى:
_________________
(١) نسبت لعيسى وابن أبي عبلة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٣).
(٢) في (ف) و(ك): "كتمرة".
(٣) انظر: "الكشاف" (٣/ ٦٠٣).
(٤) نسبت لعلي بن أبي طالب وابن مسعود ﵄. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٣)، و"الكشاف" (٣/ ٦٠٣).
(٥) في النسخ عدا (ك): "المضاف"، والمثبت من (ك).
[ ٨ / ٣٦١ ]
يكسبون، فنُصب ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ مفعولًا به، والمراد: مكرات قريشٍ في دار النَّدوة، وقد مرَّ تفصيلُها في (الأنفال).
﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ لا يؤبَهُ دونَه بما يمكرون به.
﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ جِيءَ به للدِّلالةِ على عِظمِ مكرهِم، وأنَّه لخبثه أوجب فساده وعدم نفاذه.
وتوسيط ﴿هُوَ﴾ للحصر؛ أي: هو خاصَّةً يبور (^١) ويفسد دون مكرِ اللّهُ تعالى بهم.
وكون الأمور مقدَّرةً لا تتغير (^٢)، لا يصلحُ علَّةً لفساد مكرهم؛ لِمَا قرَّرناه في مواضعَ مِن أَنَّه لا تأثيرَ في التَّقدير كما زعمتْه الجبريَّة، ولا دلالةَ على ذلك في قوله:
(١١) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ بخلقِ آدم ﵇ من ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ بخلقِ ذرِّيَّته منها ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أصنافًا ذكورًا (^٣) وإناثًا.
﴿تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ في موضعِ الحال؛ أي: إلا معلومةً له.
لَمَّا أثبَتَ القدرةَ الكاملةَ والعِلمَ الشَّامل أرادَ إثباتَ القضاءِ والقدَرِ فقال:
_________________
(١) في (ف) و(م): "يبعد".
(٢) رد للبيضاوي. انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ٢٥٥).
(٣) في (م): "وذكرانا".
[ ٨ / ٣٦٢ ]
﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ مِن بابِ تسميةِ الشَّيءِ بما يَؤولُ إليه (^١)؛ أي: وما يعمَّرُ مِن أحدٍ، ألا ترُى أنَّه يرجع الضَّمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ إليه؟ والنُّقصانُ مِن عُمرِ المعمَّرِ مُحالٌ، وهو مِن التَّسامحِ في العبارة ثقةً بفهم السَّامع.
هذا بحسب الجليل (^٢) مِن النَّظر، وأمَّا النَّظرُ الدَّقيقُ فيَحكم بصحَّة أنَّ المعمَّر - أي: الذي قُدِّرَ له عمرٌ طويلٌ - يجوز أنْ يبلغَ حَدَّ ذلك العمرِ وأنْ لا يبلغَ عمرَه، فيزيدُ عمرُه على الأوَّل وينقص على الثَّاني، ومع ذلك لا يلزمُ التَّغييرُ في التَّقدير، وذلك لأنَّ (^٣) المقدَّرَ لكلِّ شخصٍ إنَّما هو الأنفاس المعدودة، لا الأيَّام المحدودة والأعوام الممدودة، ولا خفاء في أنَّ الأيَّام قَدْرٌ مِن الأنفاسِ يزيدُ وينقصُ بالصِّحة والحضور والمرض والتَّعب، فافهم هذا السِّرَّ العجيبَّ (^٤).
_________________
(١) في (م): "بما يؤول به".
(٢) في (م): "الجلي".
(٣) في (ف) و(م): "أن".
(٤) في هامش (ف) و(م) و(ي) و(ع): "حتَّى ينكشف لكَ سِرُّ اختيار حبس النفس، ويتضح وجه صحة قوله ﵇: الصَّدقة والصِّلة تعمران الدِّيار وتزيدان في الأعمار. منه". وهذا القول للمؤلف مع العبارة الواردة في حواشي النسخ المذكورة قد نقله الآلوسي في "روح المعاني" (٢٢/ ١٨٧ - ١٨٨) مصدرا ذلك بالتعجب منه، ومتعقبا إياه برد الشهاب، الذي قال: (وهو مما لا يعوِّل عليه عاقل، ولم يقل به أحد غير بعض جهلة الهنود، مع أنه مخالف لما ورد في الحديث الصحيح من قول النَّبِيّ ﷺ لأم حبيبة ﵂ وقد دعت بطول عمر: "سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة". وقد أطال المحشي فيه وفي رده وهو غنيٌّ عنه). قلت: وأراد بالمحشي الجلبي كما صرّح الآلوسي.
[ ٨ / ٣٦٣ ]
﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ وهو (^١) اللَّوح أو الصَّحيفة (^٢).
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ إشارةٌ إلى الزِّيادة والنّقصان (^٣)
* * *
(١٢) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ضَرَب البحرَيْن - العذبِ والملحِ (^٤) - مثلَيْن للمؤمنِ والكافرِ.
والعَذْبُ: ما يقمع العطش ويردعُه، مِن أعذبَ عن الشَّيء: إذا أمسَكَ عنه.
والفُراتُ: الذي يكسِرُ العطشَ.
والسَّائِغُ: الذي يسهل انحدارُه.
والمِلحُ: الماءُ الذي فيه ملوحةٌ، ولا يقال: مالح.
والأُجاجُ: أشدُّ المياه ملوحةً، وهو الذي لشدَّة ملوحتِه يلتهب، ويُقال: أجَّجْتُ النَّارَ؛ أي: ألهبتُها، والأَجَّةُ: شِدَّةُ الحرِّ.
ثمَّ وصفَ البحرَيْنِ بما فيهما مِن النِّعمِ والفوائد على سبيل الاستطراد امتنانًا وتفضُّلًا، فقال:
_________________
(١) في (م): "هو".
(٢) في (ف): "والصحيفة".
(٣) في (ف) و(ك): "والنقص".
(٤) في (ف): "والمالح".
[ ٨ / ٣٦٤ ]
﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ إنَّما غيَّرَ النَّظمَ - حيث لم يقل: وتلبسون حليةً - لتفاوت الحال؛ حيث كان الأوَّلُ سهلَ المأخذ دون الثَّاني، وفي زيادة السِّينِ نوعُ دلالةٍ إلى مزيد كلفةٍ في إخراجها.
وفي عبارةِ ﴿كُلٍّ﴾ (^١) دلالة على أنَّ قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] على ظاهره.
ويجوز أن يكون وصفهما مِن تمامِ المثَلِ، وهو أنَّهما مشتركان في فوائدَ كثيرةٍ، كما أنَّ الكافرَ وإنْ كانَ المقصودُ من الإنسان فيه مفقودًا كالمقصود الأعظم من الماء في البحر الملح، ولكنْ قد يُشارِكُ المؤمنَ في فوائد دنيويَّة كالشَّجاعة والسَّخاوة وأمثالها (^٢).
أو أنَّ (^٣) الملحَ وإنْ لم يبقَ فيه خاصيَّةُ (^٤) الماء، وفسدَ جوهرُه بما اختلطَ به وأبطلَ فطرتَه كالكافر، لكنَّه مُفضَّلٌ عليه بأنَّ فيه فوائدَ كثيرةً ومنافعَ جمَّةً، بخلاف الكافر فإنَّه لا خيرَ فيه ولا نفعَ، فيكون على طريقة قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: ٧٤] الآية.
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ﴾: في كلٍّ ﴿مَوَاخِرَ﴾: شواقَّ الماء بجريها.
﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: مِن فضلِ اللّهِ بالنُّقلة فيها، وأُضْمِرَ للعلم به تعالى وتعيُّنِه، واللَّام متعلِّقةٌ بـ ﴿مَوَاخِرَ﴾، ويجوز أن تُعلَّق بما دلَّ عليه الأفعال المذكورة.
_________________
(١) في (ف): "عبارة النظم"، وفي (ك): "عبارته".
(٢) في (ك): "وأمثالهما".
(٣) في (ع) و(ف) و(ك): "وأن".
(٤) في (ف) و(م): "خاصة".
[ ٨ / ٣٦٥ ]
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (لعلَّ) مستعارٌ مِن معنى التَّرجِّي للإرادة، ولذلك سلكَ به مَسلَكَ التَّعليلِ، وعطفَ على قولِه: ﴿لِتَبْتَغُوا﴾، كأنَّه قالَ: لتبتغوا من فضله ولتشكروا (^١) على ذلك.
* * *
(١٣) - ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قد سبقَ تفسيرُه في سورة لقمان.
﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارةٌ إلى الموصوف بالصِّفات المذكورة، وفيه إشعار بأنَّ فاعليَّته لها موجبةٌ لثبوتِ الأخبار المترادفة.
﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ ﴿ذَلِكُمُ﴾ مبتدأ، ﴿اللَّهُ﴾ عطفُ بيان (^٢)، ولا يجوز أن يكونَ صفةً؛ لأنَّه عَلَمٌ، والعَلَم (^٣) لا يوصف به.
و﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ جملةٌ استئنافيَّة مقرِّرة لمعنى التَّعظيم الذي في ﴿ذَلِكُمُ﴾، أو لمعاني الصِّفات المذكورة، أو ثلاثتُها أخبار مترادفة، ولا يأبى المعنى عن خبريَّة ﴿رَبُّكُمْ﴾ لأَنَّه يكون قد أخبر بأنَّه المشار إليه بتلك الصِّفات والأفعال.
_________________
(١) في (م) و(ي) و(ع): "وتشكرون".
(٢) "بيان" زيادة من (م) و(ي) و(ع). وكلمة: "عطفٌ" سقطت من (م).
(٣) "والعلم" سقط من (م).
[ ٨ / ٣٦٦ ]
أو ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ خبران، و﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ جملة مبتدأة (^١) لا محلَّ لها من الإعراب، واقعةٌ في قِرَان قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ مقدّمة منضمَّة (^٢) إلى الأولى، لينعقد القياس منهما برهانًا دالًّا على أنَّها لم تَصلح للإلهيَّة، ولم تَستحقَّ العبادةَ.
والقطميرُ: القُمعُ الذي في رأس التَّمرة، وقيل: لفافة النَّواة.
* * *
(١٤) - ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾.
ثمَّ قررَ نفيَ الألوهيَّة عنها بقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ لأنَّهم (^٣) جمادٌ.
﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ على سبيلِ الفَرْضِ والتَّقديرِ.
﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ بتحصيل سؤلِكم؛ لعدمِ قدرتهم على شيءٍ.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾؛ أي: ينكرونه، هذا على أن يكون الكلامُ في الأصنام، فجحدُهم بأنْ ينطقهم اللّهُ تعالى يوم القيامةِ فينكرون أن يكونوا (^٤) أهلًا للعبادة، أو ينكرون أن تكون تلك العبادة حقًّا، وإنَّما ذكر أفعالهم بالواو والنُّون لأنَّه وصفهم بصفات العقلاء.
_________________
(١) في (ف) و(م) و(ي) و(ع): "مبتدأ".
(٢) في (ف): "متقدمة متضمنة"، وفي (م): "متقدمة منضمة".
(٣) في (م): "لأنها".
(٤) في (ف) و(م) و(ي) و(ع): "يكون".
[ ٨ / ٣٦٧ ]
وإنْ كان في الملائكة والأنبياء ﵈ فمعنى قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾: لغيبتهم عنكم (^١)، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ لأنَّهم لا يملكون ذلك.
ومعنى إنكارهم شركَهم: أنَّهم يومَ القيامةِ يقولون: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤١] أو ينكرون أن يكون ذلك حقًّا.
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ التَّنكيرُ للتَّعظيم؛ أي: ولا يخبرُكَ بحقيقةِ الأمر على ما هو عليه خبرُه (^٢) مثلُ خبيرٍ أيِّ خبير، عليمٍ (^٣) بكلِّ خفيَّةٍ وجليَّةٍ؛ يعني: ما أخبرتكم به مِن حالِ الأوثان هو الحقُّ؛ لأنَّي خبير بكلِّ شيءٍ.
* * *
(١٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ في أنفسكم، وما يَعِنُّ لكم (^٤).
وتعريف ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ للماهيَّة؛ بناءً على المبالغة.
وتوسيط ﴿أَنْتُمُ﴾ للحصر؛ أي: أنتم جنس الفقراء مطلقًا، دون سائر الخلائق، يعني أنَّكم لكثرة حوائجكم وشدَّة افتقاركم وغاية ضعفكم بالنِّسبة إلى سائر الخلائق كأنَّكم جنس الفقراء، ليس غيركم فقراء، ولذلك قابله بقوله:
_________________
(١) في (م) و(ع): "عنهم"، وقوله: "لغيبتهم" سقط من (ف) و(ك).
(٢) في (ك) و(م): "خبير"، وفي (ف) و(ي): "خبر".
(٣) "عليم" سقط من (م).
(٤) في (ك): "يعني لكم"، وفي (ف): "يعز لكم". والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب، ويعن: بكسر العين وتشديد النون؛ أي: ما يعرض لكم ويطرأ من الأحوال. انظر: "حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي" (٧/ ٢٢٠).
[ ٨ / ٣٦٨ ]
﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ مطلقًا وبالذَّات؛ لوجوب وجوده، لا غنيَّ سواه؛ لاحتياجِ الكلِّ إليه.
وزاد عليه:
﴿الْحَمِيدُ﴾ لأنَّ الغنيَّ قد لا يَجود فلا يُحمَدَ، وهو الجوادُ المنعِمُ بجميع النِّعمِ، وقد أنعمَ عليهم بالوجودِ وكلِّ ما يحتاجون إليه، فكان حميدًا مطلقًا.
* * *
(١٦) - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: بقوم أَطْوعَ (^١) منكم.
* * *
(١٧) - ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.
﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾: بعسيرٍ.
* * *
(١٨) - ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: ولا تحملُ نفسٌ آثمةٌ إثمَ نفسٍ أخرى، فلا تغترُّوا بقولِ كبرائكم القائلين: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] ولا يخالفُ (^٢)
_________________
(١) في (ك): "أنجع".
(٢) في (ف) زيادة: "وزر".
[ ٨ / ٣٦٩ ]
هذا قولَه في حقِّ الضَّالين المضلِّين: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]؛ لأنَّ الحملَيْنِ كلاهما مِن أوزارِه.
﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾: نفسٌ أثقلها (^١) الأوزارُ ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾: لحملِ بعضِ (^٢) أوزارِها.
﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ (^٣): لا يحملُ شيئًا مِن وزرها؛ أي: لا غِياثَ لِمَنِ استغاثَ منهم.
حذفَ مفعول (إن تدع) للتَّعميم؛ أي: وإن تدعُ كلَّ مَن في العالم واحدًا واحدًا لم يُجبْ، ولهذا أضمر المدعوَّ في: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.
قرئ: (ذو قربى) (^٤) على حذف الخبر، ويجوز أن تكون ﴿كَانَ﴾ تامَّةً، إلَّا أنَّ النَّاقصة أوقعُ وأفصح.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ حال من الفاعل؛ أي: يخشونه غائبين عن عذابه، أو من المفعول؛ أي: يخشون عذابَه غائبًا عنهم، أو نصب على الظَّرف؛ أي: في السِّرِّ والغيبة مِن النَّاس.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ فإنَّهم المنتفِعون بالإنذار، واختلاف الفعلَيْن (^٥) للدِّلالة على استمرارِ خشيتِهم.
_________________
(١) في (ك): "أثقلتها".
(٢) في (ف): "ما يحمل"، وفي (م): "بحمل بعض".
(٣) بعدها في (ف): "أي".
(٤) انظر: "الكشاف" (٣/ ٦٠٧).
(٥) في (م): "الفعل".
[ ٨ / ٣٧٠ ]
﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾: ومَن تطهَّر عن دنسِ المعاصي ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ إذ نفعُه لها، وهو اعتراضٌ مؤكِّدٌ لخشيتِهم وإقامتِهم الصلاة؛ لأنَّهما من جملة التَّزكِّي.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ترغيبٌ وترهيبٌ.
* * *
(١٩) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ مثَلٌ آخرُ للكافر والمؤمن، أو للصَّنم والله تعالى، وتأخير ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ لمحافظةِ الفاصلة.
* * *
(٢٠) - ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾.
﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ مثلٌ للباطل والحقِّ. وإنَّما جمع ﴿الظُّلُمَاتُ﴾ دون ﴿النُّورُ﴾ لأنَّ الحقَّ واحدٌ بخلافِ الباطل فإنَّه على أنواع متعدِّدة.
* * *
(٢١) - ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾.
﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ مثلٌ للثَّواب والعِقاب. و﴿الْحَرُورُ﴾: فَعولٌ مِن الحرِّ، غلبَ على السَّموم، وقيل: غلب على ما يكون باللَّيل، والسَّموم ما يكون بالنَّهار، والواوات بعضُها عاطفة الوتر على الوترِ كالَّتي بين ﴿الْأَعْمَى﴾ و﴿الْبَصِيرُ﴾، وبعضُها عاطفة الشَّفع على الشَّفعِ كالَّتي بينهما وبين (^١) ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾.
_________________
(١) في (م): "كالتي بين"، وفي (ي) و(ع): "كالتي بينها".
[ ٨ / ٣٧١ ]
وكرَّر ﴿وَلَا﴾ فيما كرَّر لتأكيد المنافاة، فـ ﴿الظُّلُمَاتُ﴾ تنافي ﴿النُّورُ﴾، و﴿الظِّلُّ﴾ ينافي ﴿الْحَرُورُ﴾، و﴿الْأَعْمَى﴾ لا ينافي ﴿وَالْبَصِيرُ﴾، إنَّما المنافاة بين الوصفَيْنِ، ولذلك يكون الشَّخصُ الواحد بصيرًا في وقتٍ وأعمًى (^١) في وقتٍ آخرَ، ولهذا (^٢) لم يذكر (لا) بينهما.
* * *
(٢٢) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ مثلٌ للعقلاءِ الذين دخلوا في الإسلامِ، والجهَّال الذين لم يدخلوا فيه وأصرُّوا على الكفر.
آثر صيغةَ الجمع هنا لأنَّه أرادَ نفيَ المساواة بين الأفراد؛ أي: ليس في جنس الأموات فردٌ يساوي فردًا من جنس الأحياء، ولا صحَّة لهذا المعنى في الأعمى والبصير؛ فإنَّه قد يوجد في جنس الأعمى ما يساوي بعضَ أفراد البصير، بل يَفضُلُ عليه، فلذلك آثر فيه (^٣) صيغة الإفراد تفضيلًا للجنسِ على الجنسِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايتَه، فيوفِّقه لفهم آياته والاتِّعاظِ بعظاتِه. وبناء الفعل على الاسم يفيد أنَّك لا تُسمِعُ مَن تشاءُ.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ وما مَثلُكَ في إرادة إسلام مَن تشاءُ مِن قومٍ مخذولين إلَّا مَثلُ مَن يريد أن يُسمِعَ مَن في القبور، وهو ترشيحٌ لتمثيلِ
_________________
(١) في (ك): "أعمى".
(٢) في (ك) و(ي) و(ع): "فلهذا".
(٣) في (م): "عليه".
[ ٨ / ٣٧٢ ]
المصرِّيْنَ على الكفر بالأموات، ومبالغة في إقناطه عنهم (^١).
* * *
(٢٣) - ﴿أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾.
ثمَّ قالَ: ﴿أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾؛ أي: لسْتَ بمسمعٍ؛ فإنَّ الإسماعَ ليسَ إليك، ولا حيلةَ لك في إسماع المطبوع على قلوبهم، ما عليك إلا الإنذار.
* * *
(٢٤) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ حالٌ مِن أحد الضَّميرَيْنِ؛ أي: محقِّين، أو محقًّا، أو صفةُ مصدر محذوف؛ أي: إرسالًا مصحوبًا بالحقِّ، أو صلةٌ لقوله:
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾؛ أي: بشيرًا بالوعد الحقِّ، ونذيرًا بالوعيد الحقِّ.
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ﴾ الأمَّةُ: الجماعةُ الكثيرةُ، والمراد هنا: أهل عصرٍ.
﴿إِلَّا خَلَا﴾ (^٢): مَضى ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ مِن نبيٍّ، أو عالمٍ قائمٍ مقامَه في الإنذارِ.
وإنَّما خصَّه بالذِّكر لأنَّ البشارة إنَّما تكون بالسَّمع، فهي مِن خصائص الأنبياء، فالبشير لا يكون إلَّا نبيًّا، أو ناقلًا عنه، بخلاف الإنذار فإنَّه كما يكون بالسَّمع يكون بالعقل، فلذلك وُجِدَ الثَّاني في كلِّ أمَّةٍ دون الأوَّل، ولا يُشكل هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤]؛ لأنَّ المراد مِن النَّذير فيه: النذَّيرُ بالسَّمع.
_________________
(١) في (ف): "إقناعهم". وعند البيضاوي: (إقناطه منهم).
(٢) من قوله: "أي: بشيرًا بالوعد الحقِّ .. " إلى هنا سقط من (م) و(ي) و(ع).
[ ٨ / ٣٧٣ ]
(٢٥) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥)﴾.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مَسْلاةٌ للرَّسول ﵊.
﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزات الشَّاهدة على نبوَّتهم.
﴿وَبِالزُّبُرِ﴾: وبالصُّحف ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾: وبجنس الكتاب كالتَّوراة والزَّبور والإنجيل (^١).
ولَمَّا كانتِ الأشياء المذكورةُ في جنس الأنبياء ﵈، بعضُها في جميعهم وهي البيِّنات، وبعضُها في بعضهم وهي الزُّبر (^٢) والكتب؛ أسندَ المجيء بها إليهم مطلقًا على أنَّ الكلَّ منهم جاؤوا بالكلِّ، لا أنَّ كلَّ واحدٍ جاء (^٣) بكلِّ واحدٍ.
* * *
(٢٦) - ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ قد سبق تفسيره في سورة سبأ.
* * *
(٢٧) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾.
_________________
(١) في هامش (ف) و(م) و(ي) و(ع): "أي أعم من التفصيل والجمع، لا على الثاني كما توهمه القاضي".
(٢) في (م): "الزبور".
(٣) في (م) و(ي) و(ع): "جاؤوا".
[ ٨ / ٣٧٤ ]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾؛ أي: أجناسُها كالرُّمَّان والتُّفاح والتِّين والعنب وغيرها ممَّا لا يُحصى، أو أصنافها على أنَّ كلًّا منها أصنافٌ مختلفةٌ، أو هيئاتها مِن الحمرة والصُّفرة والخضرة ونحوها.
﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾: طرائقُ مختلفٌ ألوانُها؛ أي: جبالٌ كلُّ بعضٍ منها على لونٍ وطريقٍ مخالفٍ لآخر، كما في الثَّمرات، أو: مِن الجبالِ ذو جُدَد؛ أي: جنس ذو خطط.
﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾؛ أي: بعضٌ مختلفُ الألوانِ، وبعضٌ على لونٍ واحدٍ.
وقرئ: (جُدُدٌ) بضمِّ الدَّال (^١)، جمع جَديدةٍ، وهي الجُدَّة، و: (جَدَد) بفتحتَيْنِ (^٢)، وهو الطَّريق الواضح.
﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ عطفٌ على ﴿بِيضٌ﴾ (^٣)، أو على ﴿جُدَدٌ﴾؛ أي: ومن الجبال (^٤) مخطط (^٥) ذو طرائق مختلفة، ومنها ما هو على لونٍ واحدٍ غرابيبُ.
والغرابيبُ: البالغُ في السَّواد، وهو مِن التَّوابع المؤكِّدة، ومنه الغراب، وعليه تفسير عكرمة (^٦).
_________________
(١) نسبت للزهري. انظر: "المحتسب" (٢/ ١٩٩).
(٢) نسبت للزهري أيضًا. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٤)، و"المحتسب" (٢/ ١٩٩).
(٣) في (م) و(ي) و(ع): "بعض".
(٤) "أي ومن الجبال" سقط من (م) و(ي) و(ع).
(٥) في (ك): "خطط"، وفي (م): "مختطة".
(٦) انظر: "الكشاف" (٣/ ٦٠٩)، وفيه: وعن عكرمة ﵁: هي الجبال الطوال السود.
[ ٨ / ٣٧٥ ]
ووجهُه: أنْ يُضمَر المؤكَّد قبلَه لأنَّه تابعٌ، ثمَّ أوقع بيانًا له خيفةَ اللَّبس، كقول النَّابغة:
والمؤمنُ العائذاتِ الطَّيرَ (^١)
وتغيير الأصل فيه لزيادة التَّأكيد، كأنَّه دلَّ على المعنى الواحد بطريق الإضمار والإظهار، فيكون كتكرير (^٢) التَّأكيد بوجهٍ أبلغَ.
* * *
(٢٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾: كاختلاف الثِّمار والجبال.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾: ما يخشى اللهَ تعالى مِن بين (^٣) عبادِه إلَّا العلماءُ باللهِ وبصفاتِه وأفعالِه؛ فإنَّ الخشيةَ على قَدْرِ العلمِ، فمَنْ كانَ أعلمَ باللهِ كانَ أخشى منه.
وفي الحديث: "أعلمُكُم باللهِ أشدُّكُم خشيةً" (^٤).
_________________
(١) هو في "ديوانه - بشرح ابن السكيت" (ص: ٢٠)، وتمامه: يمسَحها … ركبانُ مكَّة بين الغَيْلِ والسَّندِ و(المؤمن): بالرفع عطف على مبتدأ تقدم، و(العائذات) منصوب بالمؤمن، و(الطير): عطف بيان للعائذات، ويجوز جعله بدلا منه، وكذا كل موصوف تبع صفته.
(٢) في (ف) و(م): "فيكون لتكرير"، وسقطت "فيكون" من (ع) و(ي).
(٣) "بين" سقط من (م).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٠٦)، و"الكشاف" (٣/ ٦١١). وقال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٣/ ١٥٢): غريب. وروى الدارمي في "سننه" (٣٧٤) عن عطاء قال: قال موسى عليه =
[ ٨ / ٣٧٦ ]
ولهذا لَمَّا ذكر أفعالَه الدَّالة على كمال قدرته وعظمته وحكمته أتبعه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾، أي: إنَّما يخشاه مثلُك ومَن على صفتك ممَّن يعرفه حقَّ معرفته.
وتأخيرُ الفاعلِ للحصر فيه، ولو قُدِّم لانعكس الحصر، فكان في المفعول.
ومَن قرأ برفع (اللهُ) (^١) ونصب (العلماءَ) (^٢) استعارَ الخشيةَ للإجلال والتَّعظيم؛ أي: ما يجلُّ اللهُ مِن بين النَّاس كما يُجَلُّ المَهيبُ المَخْشِيُّ إلَّا العلماءَ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ تعليلٌ لوجوب الخشيةِ؛ لأنَّ مَن قدرَ على العقوبة والانتقام والعفو والغفران حقُّه أنْ يُخْشَى.
* * *
(٢٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾: يداوِمون على قراءة (^٣) القرآن.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ يعني: لا يقنعون (^٤) بتلاوته عن حلاوة العمل به.
_________________
(١) = السّلام: يا رب، أيُّ عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكم للناس كما يحكم لنفسه، قال: يا رب، أيُّ عبادك أغنى؟ قال: أرضاهم بما قسمت له، قال: يا رب، أيُّ عبادك أخشى؟ قال: أعلمهم بي.
(٢) في (م) و(ي) و(ع): "برفع الأول".
(٣) نسبت لعمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة. انظر: "تفسير الثعلبي" (٨/ ١٠٥)، و"الكشاف" (٣/ ٦١١). وقد طعن ابن الجزري في هذه القراءة. انظر: "النشر" (١/ ١٦).
(٤) "قراءة" سقط من (ف).
(٥) في (ف): "ينفقون"، وفي (ي) و(ع): "يعنون". والمثبت من (ك) و(م)، وهو موافق لما في "تفسير النسفي" (٣/ ٨٧)، وفيه: (لا يقتنعون).
[ ٨ / ٣٧٧ ]
﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ كيف اتَّفَق (^١) من غيرِ قصدٍ إليها، أو سرًّا في المسنونة وعلانيةً (^٢) في المفروضة.
﴿يَرْجُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، أو حالٌ من ضمير ﴿أَنْفَقُوا﴾، والخبر ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾.
﴿تِجَارَةً﴾: تحصيلَ ثوابٍ بالطَّاعة، لا طلبَه؛ لأنَّه لا يصلح متعلَّقًا للرَّجاء.
﴿لَنْ تَبُورَ﴾: لن تكسد ولن تهلك (^٣) بالخسران، صفةٌ للتِّجارة.
* * *
(٣٠) - ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾.
﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ متعلِّق بـ ﴿لَنْ تَبُورَ﴾، أو بـ ﴿يَرْجُونَ﴾، أو علَّة للأفعال المذكورة من التِّلاوة وإقامة الصَّلاة والإنفاق؛ أي: فعلوا مِن الطَّاعات راجين تجارةً لن تبور ليوفِّيهم ويزيدهم (^٤).
﴿أُجُورَهُمْ﴾ ما وعدَ مِن ثوابِ أعمالهم، وإنَّما عبَّرَ عنه بالأجر لكونِه في مقابَلة العمل.
﴿وَيَزِيدَهُمْ﴾ على الموعود.
﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ متعلِّق بجميع ما ذُكِرَ مِن التَّوفية والزِّيادة، لا الزِّيادة (^٥) خاصَّة؛
_________________
(١) في (ف): "أنفق".
(٢) في (ف): "وعلانيته".
(٣) في (م) و(ي) و(ع) زيادة: "يعني".
(٤) "ويزيدهم" سقط من (ك).
(٥) في (ك) و(ي) و(ع): "للزيادة".
[ ٨ / ٣٧٨ ]
إذ حينئذٍ يلزم أن لا يكون تعالى (^١) في التَّوفية متفضِّلًا، بل مؤدِّيًا ما وجب عليه، كما زعمته المعتزلة (^٢).
﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ لفرطاتهم ﴿شَكُورٌ﴾ لطاعاتهم. مجازٌ (^٣) عن إعطاءِ الجزيل على العمل القليلِ.
* * *
(٣١) - ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: القرآن و﴿مِنَ﴾ للتَّبيين، أو الجنس و﴿مِنَ﴾ للتَّبعيض.
﴿هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الكاملُ في كونه حقًّا.
﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ مؤكِّدة (^٤)؛ لأنَّ الحقَّ لا ينفكُّ عن هذا التَّصديقِ.
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِن الكتبِ المتقدِّمة.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ﴾ بالبواطنِ ﴿بَصِيرٌ﴾ بالظَّواهر، فلو لم يرَ فيك أهليَّةً واستحقاقًا لهذه الكرامة لم يوحِ إليك مثلَ هذا الكتاب المعجز، الذي هو عيارٌ على سائر الكتب (^٥).
_________________
(١) بعدها في (ف) زيادة: "من".
(٢) في هامش (ف): "لا يلائم المذهب الحق بل يناسب مذهب الفيلسوف. منه".
(٣) في (م): "مجازا".
(٤) في (م): "مؤكد".
(٥) في النسخ: "الذي هو كسائر الكاتب"، وجاء في هامش (ي): "كذا في نسخة المؤلف، ولا يخفى أنه سقط شيء وعبارة القاضي: عيار على سائر الكتب". قلت: ليست هي عبارة القاضي فقط، بل =
[ ٨ / ٣٧٩ ]
وتقديم الخبير لأنَّ الاعتناء (^١) بالأمور (^٢) الرُّوحانيَّة أكثر، وهي العمدة.
* * *
(٣٢) - ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾؛ أي: أعطيناه بلا كلفةِ كسبٍ، كمالِ الميراثِ.
﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ يعني: أمَّة محمَّد ﷺ، فإنَّهم مختارون مِن بين سائر الأمم.
وفي عبارة ﴿أَوْرَثْنَا﴾ إشارة إلى أنَّ الكتاب المذكور يكون باقيًا في هذه الأمَّة يرثُه بعضُهم عن (^٣) بعضٍ إلى قيام السَّاعة، ولا يضيع كما ضاع سائر الكتب، فالمعنى: نورِثه، على عادة (^٤) الله تعالى في إخباره عما يتحقق وقوعه.
وكما أنَّ ورثةَ الدُّنيا ثلاثةُ أصنافٍ: صاحب فرضٍ، وعصبة، وذوي الأرحام، كذلك ورثةُ الدِّين ثلاثةُ أصناف:
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو مَن عاشَ عاصيًا ومات عاصيًا من أهل الإيمان الذين قال النبي ﵇ فيهم: "شفاعتي لأهل الكبائر مِن أمَّتي" (^٥).
_________________
(١) = الزمخشري والقاضي وأبي السعود والآلوسي.
(٢) في (ف) و(ك): "الاعتقاد"، ووقع في النسخ عدا (ي): "الخبر" بدل: "الخبير".
(٣) في (ف): "بالأنوار".
(٤) في (ف) و(ك): "من".
(٥) في (ي) و(ع): "عبادة"، ولعلها محرفة عن: (عبارة).
(٦) رواه أبو داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٤٣٥)، وابن ماجه (٤٣١٠)، من حديث أنس ﵁. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
[ ٨ / ٣٨٠ ]
قدَّمه اهتمامًا لأنَّه أبعدُ الأصناف عن كرامة الاصطفاء، واللَّام للاختصاص لأنَّ فعل الظُّلم يتعدَّى بنفسه، وفائدته الاحترازُ عن الظُّلم لغيره؛ لأنَّ التَّجاوز عنه (^١) في عهدة ذلك الغير.
﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ وهو مَن عاش عاصيًا ومات مطيعًا.
﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ وهو من عاش مطيعًا ومات مطيعًا.
نُقِلَ عن عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ أنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سابقُنا سابق، ومقتصدُنا ناجٍ، وظالمنا مغفورٌ له" (^٢).
فالأصناف المذكورة على مراتبَ في الوصول إلى المقصد: متأخِّر، ومتوسِّط، وسابق حاز قَصَب السَّبق، لكن لا بفضيلةٍ ذاتيَّةٍ كما في سباق الدُّنيا، بل بفضلٍ مِن الله تعالى، وإلى هذا أشير بقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بتيسيره، وقد سبقَ وجهُ هذا المجاز.
والباء الأولى للتَّعدية، مِن قولِكَ: سبقتُه بالكرة: إذا ضربتَها قبله، ومنه قوله ﵇: "سَبَقكَ بها عُكاشةُ" (^٣).
_________________
(١) "عنه" سقط من (م).
(٢) رواه العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٤٤٣)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٨٠)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٠٥)، من طريق الفضل بن عميرة، عن ميمون بن سياه، عن أبي عثمان النهدي عن عمر ﵁. والفضل بن عميرة ضعيف، قال العقيلي: لا يتابع عليه. ورواه البيهقي في "البعث والنشور" (٦٥) من طريق ميمون بن سياه عن عمر ﵁. وهذا منقطع كما ذكر البيهقي. ورواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٣٠٨) عن عمر موقوفًا. وانظر: "الكافي الشاف" (ص: ١٣٩).
(٣) رواه البخاري (٦٥٤٢)، ومسلم (٢١٦)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٨ / ٣٨١ ]
﴿ذَلِكَ﴾ الاصطفاء ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ لَمَّا ذكر الأصنافَ المذكورة بحسب أحوالهم في دار العمل فرَّق بينهم، ولَمَّا ذكرهم باعتبار مآلهم إلى دار الجزاء جمعَهم فقال:
* * *
(٣٣) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدلٌ؛ لأنَّ الفضل هو السَّبب في الوصول إليها، فكأنَّه مِن شدَّة اقتضائه للمسبَّب عينُه (^١)، وتنزيل السَّبب منزلةَ المسبَّب غيرُ عزيز.
﴿يَدْخُلُونَهَا﴾؛ أي: الفِرق الثَّلاث يدخلونها، ويجوز أن تكون الإشارة إلى السَّبق، واختصاصُ السَّابقين بعد التَّعميم (^٢) بذكر ثوابهم، والسُّكوتُ عن القسمَيْنِ الأخيرَيْنِ؛ للإنذارِ والحثِّ على التَّوبة والتَّشويق إلى (^٣) السَّابقين.
وقرئ: (جنَّاتِ) (^٤) منصوبةً بفعلٍ يفسِّره الظَّاهر.
وقرئ: ﴿يُدْخَلونها﴾ على بناءِ المفعول (^٥).
﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ حالٌ مقدَّرة، أو خبرٌ ثانٍ، وقرئ: (يَحْلَون) مِن حَلِيَتِ المرأةُ فهي حَالِيَةٌ (^٦).
_________________
(١) في (ف): "عنه".
(٢) في (ف) و(ك): "التَّقسيم".
(٣) في (ف): "أي"، وبعدها في (م) و(ي) "سلو"، وفي (ع): "شلو"، وفي (ف) بياض بمقدار كلمة.
(٤) نسبت للجحدري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٤).
(٥) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٨٢).
(٦) انظر: "الكشاف" (٣/ ٦١٤).
[ ٨ / ٣٨٢ ]
﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ ﴿مِنْ﴾ للبيان أو للتَّبعيض؛ أي: يحلَّون بعضَ أساور، كأنَّه بعضٌ سبقَ (^١) سائر الأبعاض، كما سبق المسوَّرون به (^٢) غيرهم، وهذا على تقدير أن تكون الإشارة إلى السَّبق.
﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ للبيان، لا للتَّبعيض؛ إذ حينئذٍ يكون الخبر خلوًا عن الفائدة.
﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ عطف على ﴿ذَهَبٍ﴾؛ أي: مِن (^٣) ذهبٍ مرصَّع باللُّؤلؤ (^٤)، أو ذهبٍ في صفاءِ اللُّؤلؤِ، وقِرئ: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ (^٥) عطفًا على محلِّ ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ (^٦).
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ التَّنكير للدِّلالة على أنَّه نوعٌ غيرُ معهودٍ مِن جنسِ الحريرِ.
* * *
(٣٤) - ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾: همّهم مِن خوف العاقبة، أو مِن أجل المعاش وآفاته، أو مِن وسوسةِ إبليس وغيرها.
﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ للمُذنبين ﴿شَكُورٌ﴾ للمطيعين.
* * *
_________________
(١) في (ك): "فارق"، وفي (ف) و(م) و(ع) و(ي): "فلق"، والمثبت "الكشاف" (٣/ ٦١٤).
(٢) في (ك): "به المتسورون به".
(٣) "من" سقط من (م).
(٤) في (م): "من لؤلؤ".
(٥) في (ك) "لؤلؤًا بالواو"، وفي (ف): "بالواو".
(٦) قرأ نافع وعاصم بالنصب، وباقي السبعة بالخفض. انظر: "التيسير" (ص: ١٥٦).
[ ٨ / ٣٨٣ ]
(٣٥) - ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾.
﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾: دارَ الإقامة ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: مِن إنعامه وتفضُّله، إذ (^١) لا واجبَ عليه.
﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ النَّصبُ: التَّعبُ والمشقَّةُ التي تصيب المنتصِبَ للأمرِ.
﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ اللُّغوبُ: الفُتور والكَلال دونَ التَّعبِ، فهو مِن بابِ التَّرقِّي لا مِن باب (^٢) التَّتميم، ولذلك أعادَ قولَه: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا﴾، ولم يقل: ولا لغوب.
* * *
(٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ جواب النَّفي، ونصبُه بإضمار (أنْ)؛ أي: لا يموتون بموتٍ ثانٍ فيستريحوا (^٣)، يُقال: قضى عليه: إذا أماته، قال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥].
فلا بُدَّ مِن صرف قوله: ﴿فَيَمُوتُوا﴾ عن الحقيقة إلى المجاز؛ صونًا له (^٤) عن وَصمةِ اللَّاغية (^٥).
_________________
(١) "إذ" سقط من (م) و(ي) و(ع).
(٢) "باب" من (ك) و(م).
(٣) في (ي) و(ع): "فيسترحوا"، وفي (ف): "فيسرحوا".
(٤) "له" زيادة من (ك).
(٥) أي: لئلا يلغو ﴿فَيَمُوتُوا﴾. وتحرفت "اللاغية" في (ف) و(ك) و(ي) إلى: "اللاعنة".
[ ٨ / ٣٨٤ ]
وقرئ: (فيموتون) (^١) عطفًا على ﴿يُقْضَى﴾، وإدخالًا له في حكم النَّفي؛ أي: لا يقضي عليهم الموت فلا يموتون، كقوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات: ٣٦].
﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾: مِن عذاب جهنَّم، كقوله (^٢) تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، فإنَّ فيه دلالةً على أنَّ مظنَّة الخفَّة في غيرهم مئنَّةُ (^٣) الشِّدة في حقِّهم.
﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الجزاء ﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾: مبالغٍ في الكفر أو الكفران (^٤).
قرئ بالنُّون والياء، والفاعل هو الله تعالى، وقرئ: ﴿يُجْزَى﴾ على بناء المفعول، وإسنادِه إلى ﴿كُلَّ﴾ (^٥).
* * *
(٣٧) - ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.
_________________
(١) نسبت للحسن وعيسى. انظر: "المحتسب" (٢/ ٢٠١)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ١٨٣).
(٢) في (م): "لقوله".
(٣) أي: مخلقة ومجدرة، مأخوذة من إنَّ التحقيقية. وتحرفت في (ك) إلى: "مشيئة"، وفي (م) إلى: "متنة"، وفي (ف) إلى: "شد".
(٤) في (ك): "الكفر أي الكفران"، وفي (ف): "الكفر والكفران"، في (ي): "الكفور أو الكفران"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لعبارة البيضاوي وأبي السعود والآلوسي. وهو - كما قال الشهاب - إشارة إلى أنه يجوز أن يكون من الكفر أو الكفران. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٢٢٧).
(٥) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٨٢).
[ ٨ / ٣٨٥ ]
﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ﴾ يفتعِلون، مِن الصُّراخ، وهو الصِّياح بجهدٍ وشدَّةٍ، واستُعمِلَ في الاستغاثة؛ لجهدِ المستغيثِ صوتَه (^١).
﴿فِيهَا﴾: في جهنَّم.
﴿رَبَّنَا﴾ بإضمار القول (^٢)؛ أي: يستغيثون ويقولون: ربَّنا.
﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ اعترافٌ منهم بأنَّ ما عملوه كانَ غيرَ صالحٍ حَسِبوه صالحًا، وتحسُّرٌ عليه، والدِّلالة (^٣) على أنَّ طلب الخروج لتلافيه.
﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾؛ أي: مَن أرادَ أنْ يتذكَّرَ، توبيخٌ مِن الله تعالى على طَلِبتهم، وتقريرٌ على تقدير القول؛ أي: نقول لهم: أتتمنونَ الرُّجوع ولم نعمِّركم مدَّة يمكن فيها التَّذكُّر والتَّدبُّر؟
و﴿مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ يتناولُ كلَّ عمرٍ يتمكَّنُ فيه الإنسان مِن العمل الموجب للنَّجاةِ وإنْ قَصُرَ، إلَّا أنَّ التَّوبيخَ في المتطاوِل (^٤) أعظم.
وقيل: ما بين العشرين إلى السِّتين، وعنه ﵇: "العمرُ الذي أَعْذرَ اللهُ فيه إلى ابن آدم ستُّون سنةً" (^٥).
_________________
(١) قوله: "لجهد" بالدال المهملة لا بالراء كما في بعض نسخ البيضاوي؛ أي: يجهد ويبالغ في مد صوته ويبذل جهده فيه. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٢٢٧).
(٢) في (ف) و(ك): "بالإضافة إلى القول".
(٣) في (ف) و(ك): "اعترافًا منهم والدلالة" وسقط باقي العبارة.
(٤) في (ف) و(ي) و(ع): "التطاول".
(٥) روى نحوه البخاري (٦٤١٩) من حديث أبي هريرة ﵁. ولفظه: "أعذر الله إلى امرئ أخر أجله، حتى بلَّغه ستين سنة".
[ ٨ / ٣٨٦ ]
﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ عطفٌ على معنى ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾؛ لأنَّه تقريرٌ لفظُه لفظُ الاستفهام، ومعناه معنى الخبر، كأنَّه قيل: قد عمَّرناكم وجاءكم النَّذير؛ أي: النَّبيُّ (^١) المنذِر أو الكتاب، وهذا إلزام الحجَّة (^٢) عليهم بالعقل والسَّمع؛ فإنَّ التَّذكُّرَ مِن باب العقل، والإنذار مِن باب السَّمع.
والفاء في قوله: ﴿فَذُوقُوا﴾ للسَّببيَّة؛ أي: ما تذكَّرتم فذوقوا بسببِه (^٣)، وكذا الثَّانية إلَّا أنَّ فيها معنى التَّعليل.
﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ يدفعُ العذابَ عنهم.
* * *
(٣٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما غابَ فيها (^٤) عنكم.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تعليلٌ؛ لأنَّ ما في الصُّدور أخفى الغيوب، فإذا علمَه علمَ كلَّ غيبٍ في العالم، فيعلَمُ أنَّه لو ردَّهم إلى الدُّنيا لم يعملوا غير الذي كانوا يعملون؛ كقوله (^٥): ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨].
* * *
_________________
(١) "النبي" من (ف) و(ك).
(٢) في (ف): "ألزم الحجبة".
(٣) في (ف) و(ي): "سببه"، وفي (ع): "سببية".
(٤) في (ك): "فيهما".
(٥) في (ف) و(م): "لقوله".
[ ٨ / ٣٨٧ ]
(٣٩) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يُقال للمستخلَفِ: خليفة وخليف، ويجمع الخليفة على خلائِف، والخليف على خُلفاء.
والخطاب عامّ على أنَّ المعنى: أنَّه جعلكم خلفاء في أرضِه، وألقى إليكم مقاليدَ التَّصرُّف فيها، وأباح لكم منافعها، لتؤمنوا به وتشكروه (^١).
وقيل: لمن بُعِثَ إليه رسول الله ﷺ، فإنَّهم خَلَفوا مَن قبلَهم، وشاهدوا مِن آثارِ (^٢) هلاكهم ما فيه معتَبر، ورأوا ما فيه مزدَجَر.
﴿فَمَنْ كَفَرَ﴾ منكم وغمطَ تلك النِّعمةَ ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾؛ أي: فعليه وَبال كفرِه لا على غيرِه.
﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ بيانٌ له، والمقتُ: أشدُّ البغضِ، والتَّنكيرُ للتَّعظيم؛ لأنَّ مقتَ الله أعظمُ مِن كلِّ مَقْتٍ، وكذا التَّنكير في ﴿خَسَارًا﴾.
﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ وهو خسار الآخرة.
تكرير ﴿الْكَافِرِينَ﴾، والتَّصريح في (^٣) موضع الإضمار ذمٌّ، وبيان لكون الكفر مقتضيًا لكلِّ واحدٍ مِن الأمرَيْنِ القبيحَيْنِ (^٤) المذمومَيْنِ بالأصالةِ.
* * *
_________________
(١) في (م): "وتشكرونه".
(٢) في (ف) و(ك): "آثارهم".
(٣) في (ف): "والصريح من".
(٤) في (ف) زيادة: "القسمين".
[ ٨ / ٣٨٨ ]
(٤٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: آلهتَهم، وإضافة الشُّركاء إليهم للملابسة؛ لأنَّهم جعلوهم شركاء الله.
﴿اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ بدل من ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بدلَ الاشتمال؛ لأنَّه بمعنى: أخبروني عن هؤلاء الشُّركاء وعمَّا (^١) استحقُّوا به العبادة، أيَّ شيءٍ مِن الأرض استبدُّوا بخلقِه؟!
﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾: أم لهم شركةٌ مع الله تعالى في خلق السَّماوات، فاستحقُّوا بذلك الشِّركةَ في الألوهيَّة ذاتيَّة (^٢) ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾ ينطقُ بأنَّهم شركاؤه.
ويجوز أن يكون الضَّمير في ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ للمشركين، كقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ [الروم: ٣٥]، على أنَّ السُّؤال عن دليل آلهتهم: أهو برهانٌ عقليٌّ أم نقليٌّ؟
﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾: على حجَّةٍ مِن ذلك الكتاب، بأنَّ لهم شركة جعليَّة.
وقرئ: ﴿بَيِّناتٍ﴾ (^٣)، فيكون إيماءً إلى (^٤) أنَّ الشِّركَ أمرٌ خطيرٌ، لا بُدَّ فيه (^٥) مِن تعاضد الدَّلائل.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "عما". والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في "الكشاف" (٣/ ٦١٧) و"تفسير النسفي" (٣/ ٩١).
(٢) في (ف): "وأنَّه"، وسقط من (ك).
(٣) وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي بكر والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٨٢).
(٤) في (م) و(ي) و(ع): "على".
(٥) في (م) و(ي) و(ع): "منه".
[ ٨ / ٣٨٩ ]
﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ على معنى الإضراب عن العقليِّ وإنكار النَّقليِّ، ثمَّ أضرب عنها (^١) صريحًا بقوله: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ إذا ثبَتَ أن (^٢) ذلكَ لأتباعهم ما هو إلَّا غرورٌ صِرْفٌ، وهو قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].
قوله: ﴿بَعْضُهُمْ﴾ بدل من ﴿الظَّالِمُونَ﴾ (^٣)، وهم الرُّؤساء، والمرادُ مِن البعض الآخر: الأتباعُ.
ويجوز أن يكون (^٤) وعد الشَّيطان للكافر (^٥) كما قال: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]، منَّاهم أن تشفعَ لهم أصنامهم وتقرِّبهم إلى الله زُلفَى.
* * *
(٤١) ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾: يمنعُهما مِن أن تَزولا؛ لأنَّ الإمساكَ منعٌ، أو: لأنْ لا تَزولا؛ كقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]؛ أي: لأنْ لا تميدَ بكم.
_________________
(١) في (ك): "عنهما".
(٢) في (ع) و(م) و(ي): "وأثبت أي".
(٣) في (م): "الظالمين".
(٤) "أن يكون" سقط من (ي) و(ع).
(٥) في (م): "للكافرين".
[ ٨ / ٣٩٠ ]
﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ على سبيل الفَرْضِ ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾: ما أمسكهما ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعدِ اللهِ، أو: مِن (^١) بعدِ الزَّوال.
واللَّامُ موطِّئةٌ للقسم، و﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ جوابٌ للقسم (^٢) سادٌّ مسدَّ جواب الشَّرط، و﴿مِنْ﴾ الأولى مزيدةٌ لتأكيدِ النَّفي، والثَّانيةُ للابتداء.
﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ لا يعاجِلُ بالعقوبةِ حيث يمسكهما، وكانتا جديرَتَيْنِ أنْ تُهدَّا هدًّا (^٣) لِعظمِ كلمة الشِّرك، كما قال: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾ [مريم: ٩٠].
﴿غَفُورًا﴾ لِمَنْ تابَ عن الشِّركِ ووحَّده مؤمنًا.
* * *
(٤٢) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾؛ أي: واحدةٍ مِن الأمم مِن اليهود والنَّصارى والصَّابئين وغيرهم، أو مِن الأمَّة التي يُقال فيها: هي إحدى الأمم؛ أي: أوحديتُها (^٤)؛ تفضيلًا لها على غيرها في الهدى والاستقامة، كما تقول: فلانٌ أحدُ الرِّجال.
بلغ قريشًا قبلَ مبعث النَّبيِّ ﷺ أنَّ أهل الكتاب كذَّبوا رسلَهم، فقالوا: لعنَ اللهُ
_________________
(١) "من" سقط من (م) و(ع).
(٢) في (ك): "القسم".
(٣) في (ك): "أن تنهدما".
(٤) في (ع): "أو أوحديتها"، وفي: (م): "أو أحديتها"، وفي (ي): "أوحديتها".
[ ٨ / ٣٩١ ]
اليهودَ والنَّصارى أتتهم الرسل فكذَّبوهم، فوالله لئن أتانا رسولٌ لنكوننَّ أهدى من إحدى الأمم، فلمَّا بُعِثَ الرَّسول (^١) ﵇ كذَّبوه (^٢).
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ التَّنكير للتَّعظيم.
﴿مَا زَادَهُمْ﴾ النَّذير أو مجيئُه، والإسناد مجازيٌّ؛ لأنَّه هو السَّبب في أن زادوا نفورًا.
﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ عن الحقِّ وتباعدًا عنه.
* * *
(٤٣) - ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾.
﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ بدل من ﴿نُفُورًا﴾، أو مفعول له، أو حال؛ أي: مستكبرين.
﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ عطف على ﴿نُفُورًا﴾ على أنَّ الأصل: وأنْ مكَروا السَّيِّئ، أي: المكرَ السَّيء، فحذفَ الموصوف استغناءً بوصفه، ثمَّ بدل (أنْ) والفعل بالمصدَر، فصار: ومكر السَّيئ، ثمَّ أضيف.
﴿وَلَا يَحِيقُ﴾: ولا يحيط (^٣) ﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وهو الماكر (^٤). وقرئ: (ولا يُحِيْقُ المكرَ) (^٥)؛ أي: لا يحيقُ اللهُ تعالى.
_________________
(١) في (م): "رسول الله".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ١٨٤)، و"الكشاف" (٣/ ٦١٨). وهذه القصة وقعت في (ي) و(ع) و(م) عقب ما سيأتي من قوله: " ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ أي: النذير أو مجيئه".
(٣) "ولا يحيط" من (ك).
(٤) في (ك): "الماكرون".
(٥) انظر: "الكشاف" (٣/ ٦١٨).
[ ٨ / ٣٩٢ ]
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: ما (^١) ينتظرون ﴿إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ انتظارُ سُنَّتِهم - وهي (^٢) إنزال العذاب على مَن كذَّبَ مِن الأمم قبلَهم - مجازٌ عن استقبالهم (^٣) لذلك ووقوعه في المستقبل لا محالةَ، كالشَّيء المنتَظَرِ المترقَّبِ.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ بأنْ لا يعذبهم.
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ بأنْ ينقله إلى غيرهم، وقوله:
(٤٤) - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ استشهادٌ عليهم (^٤) بما كانوا يشاهدونه في متاجرهم ومسائرهم إلى الشَّام والعراق واليمن مِن آثار الماضين، وعلامات (^٥) هلاكِهم وديارهم.
﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ﴾: ليسبقه ويفوتَه؛ أي: ليس مِن شأنه تعالى ذلك.
﴿مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا﴾ بالأشياء كلِّها.
﴿قَدِيرًا﴾ عليها، ثمَّ بيَّنَ أنَّ تأخيرَ العذاب عنهم ليس للعجزِ بل لحكمةٍ تقتضيه، فقال:
_________________
(١) "أي ما" سقط من (م) و(ي) و(ع).
(٢) في (م): "وهو".
(٣) في (ف): "استثقالهم".
(٤) في (م): "عليه".
(٥) في (ف): "وعلامة"، وسقطت من (ي) و(ع).
[ ٨ / ٣٩٣ ]
(٤٥) - ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾.
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا﴾ مِن المعاصي ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾: على ظهرِ الأرضِ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: مِن نسمةٍ تدبُّ عليها، أي: الإنس وحده.
وقيل: ما تركَ الإنسي (^١) وغيرهم من سائر الدَّواب بشؤم ذنوبهم، على ما ورد في الآثار.
ويرجِّح الأوَّلَ قولُه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾، أي: يؤخِّرُ كلَّ واحدٍ منهم ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: معلوم عندَه، قيل: هو يوم القيامة، وفيه: أنَّ الكلَّ لم يؤخَّرْ إليه.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾: وقتُهم عذَّبهم (^٢)، حُذف الجزاء وأقيم (^٣) ما هو كالدَّليل عليه مقامَه، وهو قوله:
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾، وذلكَ أنَّ العمل بموجب العلِمِ كاللَّازم لشأن الحكيم (^٤).
* * *
_________________
(١) "الإنسي" من (م) و(ي)، وفي (ع): "إلا شيء".
(٢) في (ف) و(ك): "وقتُ عذابهم".
(٣) في (ك) و(ي) و(ع): "وأقام".
(٤) في (ف): "بشأن الحليم"، وفي (ك): "بشأن الحكيم".
[ ٨ / ٣٩٤ ]