﷽
(١) - ﴿كهيعص﴾.
﴿كهيعص﴾ قد سبق القول فيه (^١).
* * *
(٢) - ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾.
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ خبرُ محذوفٍ؛ أي (^٢): هذا ذِكْر، أو خبرُه محذوفٌ؛ أي: فيما يُتْلَى عليك ذكرُ.
وقرئ: (ذَكَّرَ) مشدَّدًا على الماضي من التذكير، ونصبِ (رحمةَ) (^٣)؛ أي: هذا المتلوُّ ذكَّرَ رحمةَ ربِّك.
_________________
(١) في هامش (س): "تقدم الكلام في أول البقرة على الحروف المنقطعة التي في فواتح السور بما يتوقف عليه هناك، كذا في تفسير الشيخ الإمام أثير الدين أبو [كذا] حيان ﵀".
(٢) في (م): "تقديره".
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٦) ونسبها ليحيى بن يعمر، و"المحتسب" (٢/ ٣٧) ونسبها للحسن.
[ ٦ / ٣٣٩ ]
و: (ذَكِّر) على الأمر (^١)، وهذا صريحٌ في عدم اتصاله بما قبله، فالوجه أن يُعرب الباقون موافقًا لهذا؛ لأن الأصل في القراءات التوافق.
﴿عَبْدَهُ﴾ مفعول الرحمة، أو الذكر، على أن الرحمة فاعلُه على الاتِّساع، كقولك: ذَكَرني جودُ زيد.
﴿زَكَرِيَّا﴾ بدل منه، أو عطف بيان له.
* * *
(٣) - ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾.
﴿إِذْ﴾ ظرف للرحمة، دلالةً على أن وقت ندائه هو وقت رحمة ربِّه لم يتخلَّف عنه.
﴿نَادَى رَبَّهُ﴾ النداء قد يُستعمل في مطلَق الخطاب، كما في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم: ٢٤] فلا تَنافيَ في قوله: ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ بين الصفة والموصوف.
أي: دعا دعاءً سرًّا (^٢)؛ لأن (^٣) الإسرار والجهر (^٤) عند الله سِيَّان، وعندنا الإسرارُ أبعدُ من الرياء وأقرب إلى الصفاء، وأخفاهُ لئلا يُلام على طلب الولد في أوانِ الكِبَر، فإنه كان حينئذٍ متجاوزًا إلى الهَرَم، على ما دلَّ عليه قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٦) ونسبها ليحيى بن يعمر.
(٢) في (م): "مسرًّا".
(٣) في (ف) و(ك): "لا أن ".
(٤) في هامش (س) و(ف): "من قال: لأن الإخفاء والجهر، كأنه غافل من أن مقابل الإخفاء الإعلان دون الجهر فإنه مقابل الإسرار. منه". وفيه رد على البيضاوي في قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ لأن الإِخفاء والجهر عند الله سيان).
[ ٦ / ٣٤٠ ]
(٤) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي﴾ استئناف لتفسير النداء ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ﴾ الوَهن: الضعْف، وقُرئ بالحركات الثلاث (^١)، وتخصيص العَظْم؛ لأنَّه دعامة البَدَن وأصلُ بنائه؛ فتطرُّق الضعف إليه موجبٌ لتطرُّقه إلى كل البدن، ولأنه أصلبُ ما فيه، فإذا وهنَ كان ما وراءَه أوهنَ، وتوحيدُه لأن المراد الجنس، ولو جمع لكان قصدًا إلى معنًى آخر، وهو أنه لم يَهِن منه (^٢) بعضُ عظامه ولكن كلُّها، وذلك ليس مقصودًا بحسب المساق، وما زاد على المقصود يُعدُّ لُكْنةً (^٣) وفضولًا.
ولما اقتضى المقامُ تعريف الحقيقة في العَظْم دون الرأس احتيج إلى زيادة قوله: ﴿مِنِّي﴾ هنا دون قوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾؛ أي: استولى الضعفُ على الظاهر والباطن، وذكر هذا يزيد الدعاء توكيدًا؛ لِمَا فيه من الاتِّكال على حول الله تعالى (^٤) وقوَّته، والتبرِّي عن الأسباب الظاهرة، شَبَّه الشيبَ بشُواظ النار، لا في بياضه وإنارته فقط، بل فيهما وفي أن النار كما تشتعل في الجسم وتسري فيه حتى تُحيله إلى غير حاله المقدَّم، كذلك الشيب يأخذ في الرأس ويسري شيئًا فشيئًا حتى يُحيله إلى غيرِ لونِه الأول، وشبَّه انتشاره في الشعر وفشوَّه فيه وأَخْذَه منه كلَّ مأخذٍ باشتعال النار في سرعة التهابه وتعذُّر تلافيه.
_________________
(١) قرأ الجمهور بفتح الهاء، والأعمش بكسرها، وفرئ بالضم، انظر: " البحر المحيط" (١٤/ ٣٩١).
(٢) في (ك): "فيه ".
(٣) في (ك) و(ف): "نكتة"، بدل قوله: "يعدّ لكنة".
(٤) في (ف) و(م): "حوله تعالى".
[ ٦ / ٣٤١ ]
ولا بدَّ في التشبيه الثاني من اعتبار معنى السرعة في وجه الشَّبَه، إذ به يُعلم كون الشيب في وقته، فتتمُّ الكناية عن المعنى المراد وهو الدخول (^١) في سنِّ الشيخوخة، فإن الشيب قد يأخذ من الرأس كلَّ مأخذٍ قبل ذلك إلا أنه يكون على تدريجٍ ومهلٍ.
ثم أخرج الأول مخرج الاستعارة المَكْنيَّة، والثاني مخرج الاستعارة التصريحيَّة، وأصل الكلام: اشتعل الشيبُ في الرأس، لا: اشتعل مشيبُ الشعر في الرأس؛ لأن الشيب: مخالطة الشعر الأبيض بالأسود، فترك تلك المرتبة إلى ما هو أبلغ منها من جهات:
أولها: إسناد الاشتعال إلى الرأس؛ لإفادة شمول الاشتعال.
وثانيها: الإجمال والتفصيل في طريق التمييز.
وثالثها: تنكير ﴿شَيْبًا﴾ لإفادة التعظيم.
واكتفى باللام عن الإضافة لا اعتمادًا على علم المخاطب، وإلَّا لما ذكر ﴿مِنِّي﴾ فيما سبق، بل اعتمادًا على أن المتبادِر من العطف على المقيَّد اعتبارُ القيد فيه.
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: كنتُ مستجابَ الدعوة قبل اليوم سعيدًا غيرَ شقيٍّ فيه، يقال: سَعِدَ فلانٌ لحاجته، إذا ظفر بها، و: شَقِيَ، إذا خاب ولم ينلها، يعني: أنه تعالى عوَّده بالإجابة وأطمعه فيها، ومن حقِّ الكريم أن لا يخيب مَن أَطْمَعه (^٢).
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): " الوصول"، والمثبت من (س).
(٢) في هامش (س) و(ف) و(م): "عبارة التنبيه الواقع في كلام القاضي لم تصب محزها. منه ". وعبارة=
[ ٦ / ٣٤٢ ]
وفيما ذكر تذكُّر لعادات تفضُّله تعالى في إجابة أدعيته، وتوسُّلٌ به، وذلك نِعْمَ الوسيلة، وتحسينُ الظَّنِّ بالإجابة، فإن له تأثيرًا فيها: "قال الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي" (^١).
* * *
(٥) - ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾.
﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾: ابنُ العمِّ والعَصَبةُ، وجمعه: الموالي.
﴿مِنْ وَرَائِي﴾ قال أبو عبيدة: أي: من جهة الموت الذي هو قدَّامي، قال الشاعر:
أيرجو بنو مروانَ سمعي وطاعتي … وقومي تميمٌ والفلاةُ ورائيا (^٢)
كأنه لم يَرَ فيهم من الخِلال ما يَصلحون به للقيام مقامه في الدِّين.
وقرئ: (خَفَّت) (^٣)، وتعلُّقُ الظرف به ظاهرٌ، يعني: أنهم خَفُّوا قُدَّامه ودرَجوا ولم يبقَ منهم مَن به تقوٍّ واعتِضادٌ.
_________________
(١) = البيضاوي: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ بل كلما دعوتك استجبت لي، وهو توسل بما سلف معه من الاستجابة، وتنبيه على أن المدعو له وإن لم يكن معتادًا فإجابته معتادة، وأنَّه تعالى عوده بالإِجابة وأطمعه فيها، ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطمعه).
(٢) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥)، من حديث أبي هريرة ضي الله عنه.
(٣) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢)، ونسب البيت فيه لمساور بن حمئان من بني ربيعة، ونسب لسوار بن المضرَّب في "الكامل" للمبرد (٢/ ٢٦٨)، و" الأضداد" للأصمعي (ص: ٢٠).
(٤) نسبت لعثمان بن عفان ومحمد بن علي وعلي بن الحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٦).
[ ٦ / ٣٤٣ ]
﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ العاقر: التي لا تلد لكِبَر سِنِّها، وفي عبارة (كانت) دلالةٌ على أنها استمرَّت مدَّة على تلك الحالة.
والظاهرُ من تقديم هذا القول أنه أراد الولد منها، وقد مَرَّ وجهه في سورة آل عمران، ويناسب هذا أن يكون المراد من ﴿يَعْقُوبَ﴾ أبا امرأته.
﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ اختراعًا منك بلا سبب؛ لأني وامرأتي لا نَصلح للولادة ﴿وَلِيًّا﴾ ابنًا يلي أمرك بعدي.
* * *
(٦) - ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾.
﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ قرئ: برفعهما، صفة لـ (ولي)، أي: هب لي ولدًا وارثًا منِّي العلمَ ومن آلِ يعقوب النبوَّةَ، ومعنى وراثةِ (^١) النبوَّة: أنه يصلح لأَن يُوحى إليه، ولم يُرد أنَّ نفس النبوَّة تُورَث.
وبجزمها (^٢) على أنه جوابٌ للدُّعاء.
ورَدَّ أبو عبيدة قراءةَ الجزم، وقال: لأن معناه: إن وهبتَ وَرث، وكيف يُخبر الله تعالى بهذا وهو أعلم به [منه] (^٣)؟!.
﴿مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يعقوبُ (^٤) بن ماثانَ أخو عمرانَ أبو مريمَ.
_________________
(١) في (ف): "وراثته".
(٢) هي قراءة أبي عمرو والكسائي، وقرأ باقي السبعة بالرفع، انظر: "التيسير" (ص ١٤٨).
(٣) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢)، و"تفسير القرطبي" (١٣/ ٤١٥)، والكلام وما بين معكوفتين منه.
(٤) "يعقوب": ليست في (ك) و(م).
[ ٦ / ٣٤٤ ]
وقرئ: (يرثُني وارثَ آل يعقوب)، على الحال من أحد الضميرين (^١).
و: (أُويرِثٌ) بالتصغير (^٢)، لا لصغره؛ لأنَّه (^٣) لا يناسب المقام، بل للمدح، كقول حباب (^٤) بن المنذر: أنا جُذَيْلُها المُحكَّك وعُذَيقُها المرجَّب (^٥).
_________________
(١) نسبها الزمخشري لابن عباس والجحدري. انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٠٣)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ٦)، وعنه نقل المؤلف. وكونه على الحال قاله الزمخشري، وكونه من أحد الضميرين زاده البيضاوي، وكونه على زنة اسم الفاعل قاله الشهاب. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ١٤٥)، وقال الطيبي في "فتوح الغيب" (٩/ ٥٧١): بنصب (وارث)، ثم قال: (قيل: هو: حالٌ؛ أي: يرث علمي ويرث علم آل يعقوب). ولا أرى هذا التقدير موافقًا لما أراده البيضاوي، كما لم أجد مَن قدره من شراح البيضاوي، والمراد - والله أعلم - على تقدير كونه حالًا من فاعل ﴿يَرِثُنِي﴾: يرثني حالة كوني وارثَ آلِ يعقوب؛ أي: وقد كنت وارثًا لهم، وعلى تقدير كونه حالًا من مفعوله: يرثني حالة كونه وارث آل يعقوب، أي: فيكون بوراثتي وارثًا لآل يعقوب. وجاء في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٣) عن ابن عباس والجحدري: (يرثني وارثًا) بالفتح والتنوين. كذا قال ابن خالويه، وهو يؤيد ما ذكرناه من التقدير، ولم يذكر الزمخشري التنوين.
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٣)، و"الكشاف" (٢/ ٥٠٣)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٣٩٥).
(٣) في هامش (ف): "رد لمن قال وعد بإجابة دعائه. منه ".
(٤) في (م): "حيان".
(٥) قاله الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري يوم السقيفة عند بيعة أبي بكر ﵁، يريد أنه قد جربته الأمور وله رأي وعلم يُشتفى بهما كما تشفى الإبل الجربى باحتكاكها بالجذل. والخبر رواه البخاري (٦٨٣٠) مطولًا من حديث ابن عباس ﵄. الجذيل: تصغير الجذل وهو أصل الشجرة. والمحكك: الذي تتحكك به الإبل الجربى، وهو عود ينصب في مبارك الإبل لذلك. والعذيق: تصغير العذق وهو النخلة. والمرجب: الذي جعل له رجبة وهي دعامة تبنى حولها من الحجارة.
[ ٦ / ٣٤٥ ]
و: (وارثٌ من آلِ يعقوب) (^١) على أنه فاعل (يرثني)، وهذا يسمَّى التجريد؛ لأنَّه جرِّد عن المذكور أولًا مع أنه المراد.
﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ومرضيًّا في أخلاقه وأفعاله، أو: راضيًا عنك (^٢) وبحكمك.
* * *
(٧) - ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾.
﴿يَازَكَرِيَّا﴾، أي: فاستجبنا دعاءه وقلنا: يا زكريا، دلَّ على ذلك قوله في سورة الأنبياء: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠].
﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ كانت البشارة بواسطة المَلَك على ما نصَّ عليه في سورة آل عمران.
﴿بِغُلَامٍ﴾ وفيه بشارةٌ بثلاثة أمور: الولدِ، وكونهِ ذكرًا، وبلوغهِ الحُلُم، واختلفوا في بقائه بعد أبيه، والظاهر من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أنه بقي بعده.
﴿اسْمُهُ يَحْيَى﴾ تولَّى اللهُ تعالى تسميته؛ تشريفًا له.
﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ لم يُسمَّ أحدٌ بيحيى قبله، وفيه دلالة على أن في التخصيص باسمٍ مستحسنٍ نوعَ تشريفٍ للمسمَّى، وقد سبق معنى ﴿يَحْيَى﴾ وبيان اشتقاقه (^٣).
* * *
_________________
(١) انظر: "المحتسب" (٢/ ٣٨)، ونسبها لعلي بن أبي طالب وابن يعمر وجماعة.
(٢) في (ف) و(ك): "منك".
(٣) في هامش (ف): "لا بالأسامي العربية مطلقًا كما توهم".
[ ٦ / ٣٤٦ ]
(٨) - ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.
﴿قَالَ﴾ زكريا: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ استفهامٌ تعجُّبي يدلُّ على التصديق بوقوع المخبَر به والاعترافِ بكمال قدرته عليه؛ لأن التعجُّب إنما ينشأ من استغرابٍ مقارنٍ للتصديق به؛ لتضمُّن الاستخبار أنه يُولَد له على هذه الحالة أو بعد الإحالة.
فاندفع ما قيل: لِمَ استَبعد واستَعجب؟ وأجيب: بأنه ليجاب (^١) بما أجيبَ به، فيزدادَ المؤمنون إيقانًا ويرتدع المبطلون.
وليتَ شِعري مَن المراد من الموقنين والمبطلين وقد كان دعاؤه مخفيًّا عن الغير؟!
ثم إنه ﵇ فَهِمَ من البشارة المذكورة أنَّه يرى بلوغ يحيى ﵇ أوانَ الحلم، فازداد به التعجُّب، ولهذا قال: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ دون: أنى يكون لي ولد، وأنَّه يُولد من امرأته التي طلب الولد منها، ولهذا قال:
﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (^٢) هو اليُبسُ والجَساوةُ في المفاصل والعظام - كالعود اليابس - من أجل الكِبَر والطَّعْن في السِّنِّ العالية.
* * *
_________________
(١) "ليجاب" من (س) وحدها، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٢/ ٦)، وهو السائل والمجيب.
(٢) في (م): "أنى يكون لي غلام وقد بلغت من الكبر عتيًا".
[ ٦ / ٣٤٧ ]
(٩) - ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾.
﴿قَالَ﴾ المَلَك المبلِّغ للبشارة تصديقًا له: ﴿كَذَلِكَ﴾: الأمر كذلك ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾؛ أي: بأن أردَّ عليك قوَّة الجِماع وأفتقَ رَحِمَ امرأتك للعُلوق (^١).
وقرئ: (وهو عليَّ هَيِّنٌ) (^٢) على العطف على محذوف، أي: أجعله (^٣) وهو عليَّ هيِّن.
﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ أراد خَلْق مادَّته لا خلق صورته؛ لأنَّه عن شيء، فلا يناسب السباق واللحاق (^٤)، ولهذا قال:
﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: مِن قبل خَلْقك بشرًا ﴿وَلَمْ تَكُ﴾ حينئذٍ ﴿شَيْئًا﴾ بل كنتَ لا شيئًا محضًا، وليس فيه تعرُّضٌ للخلافية المشهورة.
* * *
(١٠) - ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾.
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾: عَلَامةً أعلم بها أنه علقَ؛ لأزيد في الشكر وفي دعاء (^٥) السلامة.
_________________
(١) في هامش (س) و(ف) و(م): "وما قيل: لا احتاج فيما أريد أن أفعله إلى الأسباب، لا يناسب المقام؛ لأن الأسباب العادية غير مرفوضة في خلق يحيى ﵇. منه ".
(٢) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٣).
(٣) في (ك): "أفعله".
(٤) في (س): "السياق واللحاق "، وفي (م): "السابق واللاحق".
(٥) في (ف) و(ك): "وفي علة"، وفي (س): "ودعاء" وسقطت منها (في).
[ ٦ / ٣٤٨ ]
﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾: علامتُك أن تمتنِعَ من كلام الناس دونَ ذكرِ اللهِ تعالى.
﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾ دلَّ ذكر الليالي هنا والأيامِ في سورة آل عمران على أنَّ المنع من كلام الناس استمرَّ ثلاثة أيام ولياليهنَّ؛ للتجرُّد للذِّكر والشكر.
﴿سَوِيًّا﴾ حالَ كونك سويَّ الخلق، سليم الجوارح، ما بِكَ خرسٌ ولا بَكَمٌ.
* * *
(١١) - ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
﴿فَخَرَجَ﴾ مُشرِفًا ﴿عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾؛ أي: المسجد، وكانوا ينتظرون فتحه ليصلُّوا فيه بأمره على العادة.
﴿فَأَوْحَى﴾: أشار ﴿إِلَيْهِمْ﴾ لقوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿أَنْ سَبِّحُوا﴾: صلُّوا، و﴿أَنْ﴾ هي المفسِّرة ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ طَرَفَي النهار.
* * *
(١٢) - ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.
﴿يَايَحْيَى﴾ على تقدير القول ﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾: التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجدٍّ، أَخذُه: قَبولُه، وكون أخذِه بقوَّةٍ العملُ به كما هو حقُّه.
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾ يعني: الحكمةَ وفَهْم التوراة ﴿صَبِيًّا﴾ قيل: دعاهُ الصبيانُ إلى اللعب، فقال: ما للَّعب خُلِقنا.
* * *
(١٣) - ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾.
[ ٦ / ٣٤٩ ]
﴿وَحَنَانًا﴾ شفقةً ورحمةً للناس، وإنما قال (^١): ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ مع أنَّ الكُلَّ من عند الله تعالى، للدلالة على أنَّ شفقته ﵇ كانت زائدة على ما في جِبِلَّة (^٢) الناس، خارجةً عن المعتاد.
﴿وَزَكَاةً﴾ وطهارةً من الذنوب، فلم يُعْهَد بذنب.
﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ مستمرًّا على الإطاعة والتجنُّب عن المعاصي.
* * *
(١٤) - ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾.
﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾، أي: محسِنًا إليهما في الغاية.
﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ الجبَّار: الذي يُعاقِب على غضب نفسِه لا على استحقاقِ الجاني، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠].
والعَصِيُّ: المبالِغ في العصيان، وهو مخالفةُ الأمر، فإن الظاهرَ المبالغةُ في النفي دون المنفي، والعدول عنه للإشعار بأن شأن النفوس القويَّة البلوغُ إلى الغاية في كلِّ صفة بها، ممدوحةً كانت أو مذمومةً.
* * *
(١٥) - ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.
﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ تحيَّةٌ من الله تعالى ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ أتى هنا بصيغة الماضي، وفي قوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ بصيغة المضارع؛ لأن مساق الكلام بعد ولادته وقبل موته.
_________________
(١) في (ف): "قلنا"، وفي (ك): "قيل".
(٢) في (ف): "حيلة".
[ ٦ / ٣٥٠ ]
﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾ مطلق البعث يعمُّ ما في القبر، إلا أنه حينئذٍ لا يُطلَق عليه الحيّ، فقوله: ﴿حَيًّا﴾ لتعيين بعث الآخرة (^١).
قال ابن عيينة (^٢): أوحشُ ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يُبعث (^٣). فهذه فجاءات ثلاث، لا فجاءةَ أعظمُ منها، ويحيى ﵇ يُحيَّى بالسلام (^٤) في هذه المواطن العظام.
* * *
(١٦) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾؛ أي: القرآن ﴿مَرْيَمَ﴾ يعني: قصَّتها.
﴿إِذِ﴾ ظرف لمضاف مقدَّر، وقيل: (إذ) بمعنى (أَنْ) المصدرية، وتقديره: واذكر مريم انتباذَها، على أن (انتباذَها) بدلٌ من ﴿مَرْيَمَ﴾.
وأما ما قيل: إنه بدل من قصَّةِ مريم بدلَ الاشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها، أو بدلَ الكُلِّ لأن المراد من الظرف الأمر الواقع فيه= فلا يَرِدُ عليه أنَّ الزمان إذا لم يكن خبرًا عن الجثَّة ولا حالًا منها ولا وصفًا لها لا يكون بدلًا منها.
﴿انْتَبَذَتْ﴾؛ أي: انفردت وقعدت نبذةً، أي: ناحيةً؛ وهذا إذا جلس قريبًا منك حتى لو نبذتَ إليه شيئًا وصل إليه، ولذلك احتاجت إلى ضرب الستر بينها وبينهم (^٥)، ويُرشِد إلى هذا قولُ: ﴿مِنْ دُونِهِم﴾.
_________________
(١) في (م): "لتعيين البعث ".
(٢) قوله: "قال ابن عيينة" من (م)، وهو الموافق لما في "تفسير القرطبي".
(٣) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٧ و٤٢٧)، والخبر رواه البيهقي في "الزهد الكبير" (٥٩٨).
(٤) في (ف): "ويحيى عليه بالسلام ".
(٥) في هامش (ف) و(م): "فيه ردٌّ لما في التيسير من أنه للاستتار من الشمس. منه ".
[ ٦ / ٣٥١ ]
﴿مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا﴾ انتصابه على تضمين الانتباذ معنى الإتيان، أو على الاتِّساع.
﴿شَرْقِيًّا﴾ شرقيَّ بيت المقدس، أو شرقيَّ دارها، ولذلك اتخذ النصارى المشرقَ قبلةً.
* * *
(١٧) - ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾.
﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾: سترًا تستَّرت به عن أهلها؛ بدلالة قوله: ﴿مِنْ دُونِهِمْ﴾.
قيل: قعدت في مَشْرقة (^١) للاغتسال من الحيض، فاحتجبت بشيء يسترها.
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾؛ أي: جبرائيل ﵇، والإضافة للتشريف.
﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾؛ أي: تصوَّر لمريم ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ معتدل الخَلْق، حَسَن الصورة (^٢)، وإنما مثّل كذلك لا للاستئناس بكلامه وتهييج شهوتها فتنحدرَ نطفتها إلى رَحِمها، إذ حينئذٍ لا يكون مَثَلُه كمَثَل آدم ﵇ في الخَلْق بلا واسطةِ نطفة، بل لئلَّا تنفرَ عنه، فتسمع كلامه وتُبتلى به فتظهر عفَّتها.
ولمَّا رأت رجلًا قد دخل عليها فجأةً في الخلوة، ظنَّت أنه يريدها بسوء، وعلمت أنها لا تقدر على دفع ذلك، فاستعاذت بالله:
(١٨) - ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾.
_________________
(١) مثلثة الراء: محل شروق الشمس والقعود فيه شتاء. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ١٤٩).
(٢) في هوامش (س) و(ف) و(م): "السوي يقال فيما يصان عن الإفراط والتفريط من حيث القدر والكيفية، ذكره الراغب. منه".
[ ٦ / ٣٥٢ ]
﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ استئناف على تقدير سؤال، وفي ذكر الرحمن تذكيرٌ ليوم الجزاء، فإنه تعالى رحيم الدنيا ورحمن الآخرة.
﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ تتَّقي الله وتخشاهُ فلا تَقْرَبني، فحذف الجزاء لدلالة الحال عليه، وهذا كقول القائل: إن كنت مؤمنًا فلا تَظلمني، أي: ينبغي أن يكون إيمانُك مانعًا لك من الظلم (^١).
* * *
(١٩) - ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾.
﴿قَالَ﴾ جبريل: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ في عبارة الرسول إشارة إلى أن توسُّطه في الخبر دون الأَثَر، وأتى بالرَّبِّ مضافًا إليها؛ لنوعٍ من الدلالة في أول الكلام على أن الرسالة لإيصالِ النعمة والإحسان الخاصِّ بها من بين العباد، ولما كان في مفهوم الخبر باعتبار هذا المعنى مظنَّةُ الاستبعاد أكَّده بـ: ﴿إِنَّمَا﴾.
﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ حكاية لقول الله تعالى، دلَّ على ذلك قراءة: ﴿ليهب﴾ بالياء (^٢)، ويناسبه وصف الرسالة، وفي عبارة الهبة إشارة إلى أن ما أعطيَ لها يصل إليها بسهولة.
﴿غُلَامًا﴾ قد مرَّ ما فيه من وجوه البشارة.
_________________
(١) في هامش (س) و(ف) و(م): "المقام مقام الحثِّ على الانزجار، فالوجه ما ذكرنا، لا ما قيل: إن كنت تقيًا فإني أعوذ منك، فكيف إذا لم تكن كذلك. منه ".
(٢) قراءة أبي عمرو، وورش عن نافع، والحلواني عن قالون عن نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٨)، و"النشر" (٢/ ٣١٧).
[ ٦ / ٣٥٣ ]
﴿زَكِيًّا﴾: طاهرًا من الأدناس، أو ناميًا على الخير والبركة.
* * *
(٢٠) - ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾.
﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾: ولدٌ (^١).
﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ جعل المسَّ هاهنا بقرينة المقابَلة عبارةً عن النكاح الحلال.
﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ فاجرة (^٢) تبغي الرجال؛ أي: تطلب الشهوة من أيِّ رجلٍ كان.
ولا يكون الولد عادةً إلا من أحد هذين (^٣).
و(البغي) فعول، فقلبت الواو ياء وأدغمت، وكسرت الغين إتباعًا، ولذا لم يُلحق تاءَ التأنيث.
أو: فعيل، ولم يلحقها التاء لأنها بمعنى مفعولة وإن كانت بمعنى فاعلة، فإنه قد يشبَّه به، نحو: مِلحفةٌ جديدٌ.
* * *
(٢١) - ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾.
_________________
(١) في هامش (س) و(ف) و(م): "فيه إشارة إلى أن حقها أن يكون ولد إلا أنها روت كلامه بعبارته. منه".
(٢) ليست في (ك)، ويوجد بياض مكانها في (ف).
(٣) في هامش (س) و(ف): "إنما قال هاهنا لأنَّه جعل في آل عمران كناية عن مطلق النكاح حلالًا كان أو حرامًا. منه ".
[ ٦ / ٣٥٤ ]
﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾: الأمرُ كذلك من خلق غلامٍ منكِ بغير أبٍ ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾؛ أي: إعطاء الولد بلا أبٍ عليَّ سهلٌ.
﴿وَلِنَجْعَلَهُ﴾ تعليلٌ معلَّلُه محذوف، أي: وفعلنا ذلك لنجعله ﴿آيَةً لِلنَّاسِ﴾: علامةً لهم وبرهانًا على كمال قدرتنا ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ على العباد يهتدون بإرشاده.
﴿وَكَانَ﴾ خلقه ﴿أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ تَعلَّق به قضاءُ الله تعالى في الأزل.
فلما اطمأنَّت إلى قوله، دنا منها فنفخ في جَيْبِ درعها، فوصلت النفخة إلى بطنها.
* * *
(٢٢) - ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾.
﴿فَحَمَلَتْهُ﴾؛ أي: الموهوبَ (^١) ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾؛ أي: فاعتزلت وهو في بطنها، والجارُّ والمجرور في موضع الحال ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ بعيدًا من أهلها.
* * *
(٢٣) - ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾.
﴿فَأَجَاءَهَا﴾ جاء بها، ذكره الجوهريُّ (^٢).
وقيل: ألجأها، وهو منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تغيَّر بعد النقل إلى معنى الإلجاء، ونظيره: آتى، حيث لم يستعمل إلا في معنى الإعطاء.
_________________
(١) في (م): "فحملته كالموهوب".
(٢) انظر: "الصحاح" (مادة: جيأ)، وفيه: وأجأته؛ أي: جئت به.
[ ٦ / ٣٥٥ ]
وفيه نظرٌ، قال الجوهريُّ: وآتاه، أي: أتى به، ومنه قوله تعالى: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] أي: ائتنا به (^١).
﴿الْمَخَاضُ﴾ وقُرئ بالكسر (^٢)، وكلاهما مصدرُ مَخَضَت المرأةُ: إذا تحرَّك الولد في بطنها للخروج.
﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ كأنها طلبت شيئًا تستند إليه وتتعلق به كما تتعلَّق الحامل لشدَّة وجع الطَّلْق. والجِذْع: ساقُ النخلة اليابسة الذي لا سَعَفَ عليه ولا غصن (^٣).
ولعلَّه تعالى ألهمها ذلك ليريَها من آياته ما يسكِّن روعها، ويُطعمَها الرُّطَب الذي هو طعام النُّفساء، والتعريف للجنس، ولا مساغ للعهد؛ لأن شرطه أن يكون معروفًا عند المخاطب، وهو مفقود هاهنا.
﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ ليس تمنِّي الموت لِمَا عَرَضتْها من شدَّة وَجَع الطَّلْق (^٤)، إذ لا حاجة حينئذٍ إلى قوله: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ بل لأنها خافت أن يقع بسببها قومُها في البهتان والنسبة إلى الزنى، وتمنِّي الموت من جهة الدِّين جائز.
وقرئ: ﴿نَسْيًا﴾ بالفتح (^٥)، وهما لغتان كالوِتْر والوَتْر، وهو الشيء المتروك لا يُذكر كأنه منسيٌّ، وقيل: ما شأنه أن يُنسى ولا يُطلب، كالذِّبح لِمَا يُذبح.
_________________
(١) انظر: "الصحاح" (مادة: أتي).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٧)، ونسبها لابن كثير في رواية.
(٣) في هامش (س) و(ف) و(م): "قال القاضي: لا رأس لها ولا خضرة، صوابه: ولا غصن، لا احتمال للخضرة في النخلة اليابسة. منه ".
(٤) في هامش (س): "رد للكواشي".
(٥) قرأ الجمهور بالكسر، وقرأ حمزة وحفص بالفتح، انظر: "التيسير" (ص: ١٤٨)، و"النشر" (٢/ ٣١٨).
[ ٦ / ٣٥٦ ]
وقيل: هو بالفتح مصدر، وبالكسر اسمٌ للمنسيِّ المتروك، كالقَشر والقِشر.
* * *
(٢٤) - ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
﴿فَنَادَاهَا﴾ كانت المناداة مخاطبةً لها، يعضده قراءةُ: (فخاطبها) (^١).
﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ وهو جبريلُ ﵇؛ لأنَّه كان في مكان أخفضَ عنها، أو كان هاهنا بمنزلة القابلة، أو: عيسى ﵇؛ لأنَّه خاطبها مِن تحت ذيلها.
وقُرئ: ﴿مِنْ﴾ بالكسر (^٢)، والفاعل مضمَر وهو عيسى أو جبريل ﵉، على أن الهاء في ﴿تَحْتِهَا﴾ للنخلة.
﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾: أي لا تحزني، أو: بأن لا تحزني ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ جَدولًا، هكذا روي مرفوعًا (^٣).
قال ابن عباس ﵄: كان ذلك نهرًا قد انقطع ماؤه، فأجراه الله تعالى لمريم (^٤).
والنهر يُسمَّى سريًّا؛ لأن الماء يَسري فيه.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٧)، ونسبها لزرٍّ وعلقمة.
(٢) قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص بكسر الميم وخفض التاء، وباقي السبعة بفتح الميم ونصب التاء. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٨).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٦ - ٧)، والحاكم في "المستدرك" (٣٤١٣) وصححه، من قول البراء، وذكره البخاري في "الصحيح" قبل الحديث (٣٤٣٦) من قول البراء أيضًا، ورواه الطبراني في "الصغير" (٦٨٥) من حديث البراء مرفوعًا، وإسناده ضعيف.
(٤) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٤٣٤)، ورواه الطبري في "التفسير" (١٥/ ٥٠٦ - ٥٠٧) بنحوه.
[ ٦ / ٣٥٧ ]
فإن قلتَ: ما تقول في قول الحسن: ﴿سَرِيًّا﴾: سيدًا (^١)، من السَّرو، يعني عيسى ﵇؟
قلتُ: ليس بقولٍ حسنٍ؛ لأنَّه مخالفٌ للتفسير المرفوع.
وفي المثل: إذا جاء نهرُ اللهِ بَطَلَ نهرُ مَعْقِل.
* * *
(٢٥) - ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾.
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ الهَزُّ: تحريكٌ مخصوصٌ تتبعه الحركتان المتدافعتان إلى الجانبَين المتقابلَين، وتعديته بـ (إلى) لتضمُّنه معنى الجذب، وفائدته: التوطئة لما قصد بقوله: ﴿عَلَيْكِ﴾، فإن الهَزَّ إذا لم يكن بالمدِّ لا يكون سقوط الثمر على الهازِّ (^٢).
والباء في قوله: ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ متعلِّق بالبطش الثابت اقتضاء.
﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ﴾ في ﴿تُسَاقِطْ﴾ تسع قراءات (^٣): ﴿تُسَاقِطْ﴾ بإدغام التاء، و: (تَتَساقَط) بالفكِّ، و: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بطرح الثانية، و: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بالياء وإدغام التاء، و:
_________________
(١) سقطت: "سيدا" من (م)، وسقطت "سريا" من النسخ عدا (م)، وسقط ما بعدها من (ف) و(ك).
(٢) في هامش (س) و(ف) و(م): "ولا يلزم أن تكون إحداهما إلى قدّام الهازّ والأخرى إلى مقابله، بل قد تكون إحداهما إلى يمينه والأخرى إلى شماله، فلا تلزم أن يكون بالجذب والدفع، كما توهَّمه القاضي. منه".
(٣) قرأ الجمهور بالقراءة الأولى، وحمزة بالثالثة، ويعقوب وشعبة - بخلف عنه - بالرابعة، وحفص بالخامسة. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٨)، و"النشر" (٢/ ٣١٨)، وتنظر باقي القراءات في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٤)، و"الكشاف" (٣/ ١٣)، وعنه نقل المؤلف كل ما ذكر من القراءات.
[ ٦ / ٣٥٨ ]
﴿تُسَاقِطْ﴾، و: (تُسْقِط) و: (يُسْقِط) بالتاء والياء من أسقط، و: (تَسْقُط) و: (يَسْقُط) بالتاء والياء من سقط؛ بالتاء للنخلة، والياء للجِذع أو للرُّطَب (^١).
﴿رُطَبًا﴾ تمييز أو مفعول ﴿جَنِيًّا﴾؛ أي: مجنيًّا، وهو الطريُّ بغباره، البالغُ نهايةَ النُّضج.
* * *
(٢٦) - ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.
﴿فَكُلِي﴾ من المجنيِّ ﴿وَاشْرَبِي﴾ من السَّريِّ ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ بالولد الرضيِّ، و﴿عَيْنًا﴾ تمييز؛ أي: طِيبي نفسًا بعيسى ﵇، وارفضي عنكِ ما أحزنك.
وقرئ: (وقِرِّي) بالكسر (^٢)، وهو لغة نجدٍ، واشتقاقُه من القَرِّ، فإنَّ دمعة السرور باردةٌ، ودمعة الحزن حارَّة، ولذلك يقال: قرَّة العين وسُخْنتُها للمحبوب والمكروه.
أو: من القرار، فإن العين إذا رأت ما يَسُرّ النفس، سَكَنَت إليه من النظر إلى غيره.
﴿فَإِمَّا﴾ أصله: إنْ ما، ضمَّت (إنْ) الشرطيَّة إلى (ما) وأدغمت فيها ﴿تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾؛ أي: فإنْ رأيتِ آدميًّا يسألك عن حالك.
﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: إمساكًا عن الكلام؛ أي: صمتًا، وقد قرئ به (^٣)، وكانوا يصومون عن الكلام كما يصومون عن الطعام.
_________________
(١) في (س): "أو للهز".
(٢) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٤)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٤٢٣).
(٣) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٤)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٤٢٤).
[ ٦ / ٣٥٩ ]
وقيل: صيامًا حقيقة، وكان صومهم فيهْ الصمت، وإنما أُمرت به لأن عيسى ﵇ يكفيها الكلام بما يُبرئ به ساحتها، ولئلَّا تجادل السفهاء، وإنما أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة، وقد تُسمّى الإشارة كلامًا وقولًا، ويجوز أن يكون إخبارها به وقولها:
﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ قبيل دخول (^١) اليوم؛ أي (^٢): لا أكلِّم آدميًّا وإنما أُكلِّم الملائكة، وذلك أن العدول من (أحدًا) إلى ﴿إِنْسِيًّا﴾ يفيد بدلالة المفهوم هذه الدقيقة، ويدمج فيه معنى (^٣) كرامة أخرى وهي رفعة منزلتها.
* * *
(٢٧) - ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾.
﴿فَأَتَتْ بِهِ﴾ بعيسى ﵇، الباء للتعدية كما في: ذهب به، لا بمعنى (مع).
﴿قَوْمَهَا﴾ بعد ما طهرت من نفاسها ﴿تَحْمِلُهُ﴾ حالٌ منها، فلمَّا رأوه معها ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ بديعًا منكرًا، والفَرْي: القَطْع، كأنه يقطع العادة.
* * *
(٢٨) - ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.
﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ كان أخاها من أبيها ومن أفضل بني إسرائيل مي مَا كاَنَ ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ﴾ عمران ﴿امْرَأَ سَوْءٍ﴾ زانيًا.
_________________
(١) في النسخ عدا (س): "وصول"، والمثبت من (س).
(٢) في (م): "لأني"، وسقطت من (ف) و(ك).
(٣) "معنى" ليست في (ف) و(ك).
[ ٦ / ٣٦٠ ]
﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ﴾ حنَّةُ ﴿بَغِيًّا﴾ زانيةً؛ تقريرٌ لأن ما جاءت به (^١) فريٌّ، وتنبيه على أن الفواحش من أولاد الصالحين أفحشُ.
* * *
(٢٩) - ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ إلى عيسى ﵇؛ أي: كلِّموه ليجيبكم.
﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ﴾ المعهود ﴿صَبِيًّا﴾ حال، معناه: أنه كان من أهل المهد وإن لم يكن في تلك الحالة في المهد، كما يقال: صبيّ يرتضع، وإن كان لا يرتضع حالةَ الإخبار عنه، ولهذا زيدت لفظة ﴿كَانَ﴾ للتأكيد.
* * *
(٣٠) - ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.
﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ لما أُسكِت بأمر الله لسانُها الناطق، أَنطقَ الله لها اللسانَ الساكتَ.
﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ الإنجيل ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ عن الحسن: أنه كان في المهد نبيًّا، وكلا مه معجزته (^٢).
وقيل: معناه: أن ذلك سَبَق في قضائه، أو جعل الآتي لا محالة كأنه وُجد.
* * *
(٣١) - ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾.
_________________
(١) "به" من (ف) وليست في باقي النسخ.
(٢) انظر: "النكت والعيون" (٣/ ٣٧٠)، و"تفسير النسفي" (٣/ ٣٦).
[ ٦ / ٣٦١ ]
﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾: نفَّاعًا حيث كنت، أو: معلِّمًا للخير.
﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ لمَّا كان الأمر بهما مؤجَّلًا عبَّر عنه بالتوصية (^١)، فإن الوصية التقدُّم في الأمر الذي يكون بعدما وقِّت له ﴿مَا دُمْتُ﴾ أي: مدَّةَ حياتي.
* * *
(٣٢) - ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾.
﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي: بارًّا بوالدتي، وقرئ بالكسر (^٢) على أنه مصدر وصف به، منصوب بفعلٍ دلَّ عليه (أوصاني)؛ أي: وكلَّفني بِرًّا، ويؤيِّده القراءة بالكسر والجرّ (^٣) عطفًا على (الصلاة).
﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا﴾ وقد سبق تفسيره ﴿شَقِيًّا﴾: عاصيًا.
* * *
(٣٣) - ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾.
﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾ التعريف للجنس، وفيه تعريض بضدِّه على أعدائه، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] فإنه تعريض بأن العذاب على مَن كذَّب وتولَّى.
﴿وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قد سبق بيانه.
_________________
(١) في هامش (س) و(ف): "من فرق بينهما لم يصب. منه ".
(٢) نسبت لأبي نهيك وأبي مجلز. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٤)، و"المحتسب" لابن جني (٢/ ٤٢).
(٣) أي: بكسر الباء وجر الراء. انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ١٠) والكلام منه، و"البحر المحيط" (١٤/ ٤٢٩).
[ ٦ / ٣٦٢ ]
(٣٤) - ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.
﴿ذَلِكَ عِيسَى﴾: الذي تقدَّم نعتُه هو عيسى، لا ما يصفه النصارى أو اليهود، وهو تكذيب للفريقين فيما يصفانه على الوجه الأبلغ والطريق البرهاني، حيث جعله موصوفًا بأضداد ما يصفانه به، ثم عكَس الحكم.
﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ نعت أو خبر ثانٍ، أي: لا (^١) نسبةَ فيه من جهة الأب، ففيه ردّ لليهود في زعمهم (^٢) أنه ابنُ يوسفَ النجَّارِ.
﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ صفةُ ﴿عِيسَى﴾ أو بدلُه، أو خبرٌ آخر، ومعناه: كلمةُ (^٣) الله، لا نفسُه ولا ابنُه ولا ثالثُه، ففيه ردٌّ لفِرَق النصارى، وقد سبق وجه كونه كلمة الله في سورة آل عمران.
وقيل: خبرٌ محذوف المبتدأ، أي: هو قولُ الحقِّ الذي لا ريبَ فيه، والإضافة للبيان، والضمير للكلام السابق.
وقرئ بالنصب على المدح (^٤)، أو على المصدر، أي: أقولُ قولَ الحقِّ.
وقرئ: (قالُ الحقّ) (^٥)، وهو بمعنى القول.
﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: في أمره يختلفون، من المراء، فقالت اليهود: ساحر كذَّاب، وقالت النصارى ما سيأتي تفصيله. وقرئ بالتاء على الخطاب (^٦).
_________________
(١) "لا" من (س)، وسقطت من باقي النسخ.
(٢) "زعمهم" ليست في (ف).
(٣) في (ف): "حكمة".
(٤) قراءة عاصم وابن عامر، والرفع قراءة باقي السبعة. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٩).
(٥) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٤)، ونسبها لابن مسعود.
(٦) انظر: "البحر المحيط" (١٤/ ٤٢٩)، ونسبها لعلي والسلمي.
[ ٦ / ٣٦٣ ]
(٣٥) - ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿مَا كَانَ لِلَّهِ﴾؛ أي: ليس من شأنه ﴿أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ جيء بـ (من) لتأكيد النفي ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزَّه ذاته عن اتخاذ الولد.
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تبكيت للنصارى بعد تكذيبهم، بأنَّ مَن إذا أراد شيئًا أوجده بـ ﴿كُنْ﴾ كان منزَهًا عن شَبَهِ الخَلْق والحاجة في اتخاذ الولد بإحبال الإناث.
وقرئ: ﴿فَيَكُونُ﴾ بالنصب على الجواب (^١).
* * *
(٣٦) - ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ سبق تفسيره في سورة آل عمران.
وقرئ بالفتح (^٢) على: ولأَنَّ، أو على العطف على الصلاة.
* * *
(٣٧) - ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ الحزب: الفرقة المنفردة برأيها، وهم أربع فرق: نسطوريَّة، ويعقوبيَّة، وإسرائيليَّة، وملكائيَّة (^٣).
_________________
(١) هي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ٧٦).
(٢) أي: بفتح همزة (أنَّ)، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٩).
(٣) في (ك): "وملكانية". والمثبت من باقي النسخ، وهو القياس، قال الشهاب: وملكاء - بالمد - علم غير عربي، والنسبة إليه: ملكائية، بهمزة بعد الألف الممدودة، والجاري على الألسنة وفي نسخ القاضي: ملكانية، نسبة إلى ملكاء على غير القياس، كصنعاني نسبة إلى صنعاء، وكل هذا محتاج=
[ ٦ / ٣٦٤ ]
﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: من بين أصحاب عيسى ﵇، أو: من بين قومه، أو: من بين الناس، وذلك أن النصارى اختلفوا في عيسى ﵇ حين رُفعَ، ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى قول أربعة كانوا عندهم أعلمَ أهل زمانهم، وهم: يعقوب، ونسطور، وإسرائيل، وملكاء (^١):
فقال يعقوب: هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء.
وقال نسطور: كان ابنَ الله، أظهره ما شاء ثم رفعه إليه.
وقال إسرائيل: الله إله، وهو إله، وأمُّه إله، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى.
وقال الرابع: كذبوا، كان عبدًا مخلوقًا نبيًّا.
فتبع كلَّ واحد منهم قومٌ.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من الأحزاب، إذ الواحد منهم على الحقِّ.
﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، أي: في شهودهم هول القيامة، على أن المراد من اليوم الواقعة.
* * *
(٣٨) - ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ الجمهور على أن لفظَه أمرٌ، ومعناه التعجُّب، والله تعالى لا يوصَف به، ولكن المراد أن أسماعهم وأبصارهم جدير بأن يُتعجَّب منها بعدما كانوا صُمًّا عميًا في الدنيا، و﴿بِهِمْ﴾ مرفوع المحلِّ على الفاعلية، كـ: أكرم بزيد، معناه: كَرُم زيد جِدًّا.
_________________
(١) = إلى تصحيح النقل فيه فانظره. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ١٥٧).
(٢) في (م): "وملكان".
[ ٦ / ٣٦٥ ]
﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾؛ أي: يوم القيامة.
﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ﴾ أُقيم الظاهر مقام الضمير؛ إشعارًا بأنهم ظلموا أنفسهم حيث تركوا الاستماع والبصر حين يجدي عليهم.
﴿الْيَوْمَ﴾ في الدنيا ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ تسجيلٌ على تركهم ذلك بأنه ضلالٌ بيِّن.
* * *
(٣٩) - ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ يوم القيامة؛ لأنَّه يَتحسَّر فيه الناس، المسيء على إساءته، والمحسن على قلَّة إحسانه.
﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ أو ظرف للحسرة وهو مصدر.
﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾: فُرغ من الحساب، وتصادَرَ (^١) الفريقان إلى الجنة والنار.
﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ هنا عن الاهتمام لذلك المقام.
﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: لا يصدِّقون به، متعلِّق بقوله: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وما بينهما اعتراض، أو بـ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾؛ أي: أنذرهم غافلين غيرَ مؤمنين، فيكون حالًا متضمِّنة للتعليل.
* * *
(٤٠) - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ أي: نتفرَّد بالملك والبقاء عند تعميم الهُلك
_________________
(١) أي: صدر كلٌّ من موقف الحساب إلى مقرِّه، فإما إلى الجنة وإما إلى النار. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ١٥٩).
[ ٦ / ٣٦٦ ]
والفناء، وذكرُ (مَن) لتغليب العقلاء، وهذا يدلُّ على فناء الأرض أيضًا (^١).
قوله: ﴿نَحْنُ نَرِثُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محلِّ الرفع خبرُ (إنَّ)، ولا يجوز أن يكون (نحن) فَصْلًا؛ لأنَّ (نرث) نكرةٌ، والفَصْل لا يقع إلا بين معرفتين، أو قريبين من المعرفة.
﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾؛ أي: يردُّون فيجازَون جزاءً وفاقًا، في محلِّ الرفع بالعطف على (نرث) أو على الجملة الاسميَّة.
* * *
(٤١) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ ملازمًا للصدق كثيرَ التصديق؛ لكثرة ما صدَّق به من غيوب الله تعالى وآياته، ويجوز أن تكون المبالغة من جهة الكيف.
﴿نَبِيًّا﴾ استنبأه اللهُ تعالى.
* * *
(٤٢) - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾.
﴿إِذْ قَالَ﴾ بدل من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ وما بينهما اعتراض (^٢)، أو متعلق بـ ﴿كَانَ﴾ أو بـ ﴿صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾، والمراد بذكر الرسول إياه وقصَّته في الكتاب: أن يتلوَ ذلك على الناس ويبلِّغه إياهم، كقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩] وإلَّا فاللهُ ﷿ ذاكره، ومورده في تنزيله.
_________________
(١) في هامش (س) و(ف) و(م): "فالمراد من البدل في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ تبدُّل الذات. منه ".
(٢) في هامش (س) و(ف) و(م): "قد مرَّ في أول السورة ما يتعلق بمثل هذا البدل. منه ".
[ ٦ / ٣٦٧ ]
﴿لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ﴾ التاء عوض من ياء الإضافة، ولذلك لا يقال: يا أبتي، ويقال: يا أبتا، وإنما يذكر للاستعطاف، ولذلك كرَّرها.
﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ المفعول فيهما منسيٌّ غيرُ منويٍّ.
﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ يحتمل أن يكون (شيئًا) في موضع المصدر؛ أي: شيئًا من الإغناء، وأن يكون مفعولًا به، من قولك: أَغْنِ عنِّي وجهَك، أي: بَعِّد.
دعاهُ إلى الهدى وبيَّن ضلاله، واحتجَّ عليه أبلغَ احتجاج وأرشقَه (^١) برفقٍ وحسنِ أدب، حيث لم يصرِّح بضلاله، بل طلب العلَّة التي تدعوه إلى عبادة ما يستخفُّ به العقلُ الصريح، ويأبى الركون إليه فضلًا عن عبادته التي هي غاية التعظيم، ولا تحقُّ إلَّا لمن له الاستغناءُ التامُّ والإنعام العام.
ونبَّه على أن العاقل ينبغي أن يفعل ما يفعله لغرضٍ صحيح، والشيء لو كان حيًّا مميِّزًا سميعًا بصيرًا مقتدرًا على النفع والضرر، ولكن ممكِنٌ (^٢)، لاستنكف العقلُ القويم عن عبادته وإن كان أشرف الخلق؛ لِمَا يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة الواجبة، فكيف إذا كان جمادًا لا يسمع ولا يبصر؟!
ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه الحقَّ القويم والصراط المستقيم لمَّا لم يكن محظوظًا (^٣) من العلم الإلهي، مستقلًّا بالنظر السويِّ، فقال:
(٤٣) - ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾.
﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ ولم يُسمِّ أباه
_________________
(١) وأرشقه بالشين المعجمة والقاف بمعنى: ألطفه. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ١٦٠).
(٢) أي: ولكن كان هذا الشيء ممكنًا. انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ١١).
(٣) في (م): "محفوظا"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٤/ ١٢).
[ ٦ / ٣٦٨ ]
بالجهل المفرط، ولا نفسَه بالعلم الفائق، بل جعل نفسَه كرفيقٍ له في مسيرٍ (^١) يكون أعرفَ بالطريق، ثم ثبطه (^٢) عمَّا كان عليه بأنه مع خلوِّه عن النفع مستلزم للضُّرِّ؛ لأنَّه في الحقيقة عبادة الشيطان من حيث إنه الآمر به، فقال:
(٤٤) - ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾.
﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ استهجن ذلك، وبيَّن وجه الضُّرِّ فيه بأن الشيطان مستعصٍ على ربِّك المولي للنِّعم كلِّها بقوله:
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاصٍ، وكلّ عاصٍ حقيق بأن تُستردَّ منه النِّعم ويُنتقم منه، ولذلك عقَّبه بتخويفه سوء عاقبته وما يجرُّه إليه فقال:
(٤٥) - ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾.
﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ قرينًا في جهنم؛ لأن الوليَّين لا يكادان يفترقان في محبوبٍ أو مكروهٍ، فجعله وليًّا في هذه الحالة لما قلنا (^٣)، وإن كانا متباغضين يومئذٍ، كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
وإنما قال: ﴿يَمَسَّكَ﴾ دون: يصيبك، ليعلم أن العذاب جسمانيٌّ، والتنكير فيه للتعظيم، وقصدُ التقليل من عبارة المسِّ لا يناسب المقام (^٤)، فلا يساعده الكلام:
_________________
(١) في النسخ عدا (س): "مسير"، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.
(٢) في النسخ عدا (س): "ثم تبصرا"، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.
(٣) في هامش (س) و(ف) و(م): "فيه ردٌّ للقاضي في قوله: أو ثابتًا في موالاته. منه ".
(٤) في هامش (س) و(ف) و(م): "فيه ردٌّ، كأنه نسي ما قدَّمه في تفسير قوله تعالى: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ الآية من سورة البقرة".
[ ٦ / ٣٦٩ ]
أما الأول: فلأنَّ المقام مقام التخويف فلا يناسبه التخفيف.
وأما الثاني: فلأنَّ المسَّ ممَّا يقصد به المبالغة في الإصابة، كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ [الحجر: ٥٤] وذلك لأن المسَّ اتصال الشيء بالبشرة بحيث يباشر (^١) الحاسَّة.
وإنما قال: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ لأن العذاب من مظنَّة الرحمة أفظعُ وأشنع، وإنما قال: ﴿أَخَافُ﴾ رعايةً لمقتضى شفقة النبوَّة.
* * *
(٤٦) - ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
﴿قَالَ أَرَاغِبٌ﴾ الرغبة: اجتلابُ الشيء لما فيه من المنفعة، وتعديتُه بـ (في)، وإذا تعدَّى بـ (عن) يفيد ضدَّه.
﴿أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ قابَل استعطافه ولطفه في الإرشاد بالفظاظة وغلظة العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل: ﴿يَاأَبَتِ﴾ بـ: (يا بنيَّ) (^٢)، ولا تأثير فيه لتأخيره، بل لو قدِّم لكان أشنع وأوقع؛ لأن المقام مقام العنف دون اللطف.
وقدَّم الخبر على المبتدأ لأنَّه كان أهمَّ عنده، وصدَّره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة على ضربٍ من التعجُّب، كأنها ممَّا لا يَرغب عنها عاقل.
ثم هدَّده فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن مقالتك فيها ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾: لأقتلنَّك بالرُّجام (^٣)، أو: لأضربنَّك بها حتى تتباعد، أو: لأشتمنَّك.
_________________
(١) في (ف) و(م): "يتأثر"، وفي (ك): "تناثر".
(٢) في (ك): "بني".
(٣) في هامش (م): "أي: حجارة عظام".
[ ٦ / ٣٧٠ ]
﴿وَاهْجُرْنِي﴾ عطف على محذوف يدلُّ عليه ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ تقديره: فاحذرني واهجرني.
﴿مَلِيًّا﴾: زمانًا طويلًا، من المُلَاوة، أو: ﴿مَلِيًّا﴾ بالذهاب عنِّي.
* * *
(٤٧) - ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾.
﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ سلام توديع ومتاركة، ومقابلةٍ للسيئة بالحسنة؛ أي: لا أصيبك بمكروه ولا أقول لك بعضَ ما يؤذيك، ولكن:
﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ وَعَده بطلب المغفرة له من الله تعالى.
قيل: لعلَّه يوفِّقك للتوبة (^١) والإيمان، فإن حقيقة الاستغفار للكافر: استدعاءُ التوفيق لما يوجب الغفران وهو الإيمان.
وَيرِدُ عليه: أنه لو كان كذلك لما كان وعدُه هذا مستثنًى عن القدوة الحسنة بقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤].
﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ بليغًا في البِرِّ واللُّطف.
* * *
(٤٨) - ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾.
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾ أراد بالاعتزال: المهاجرة ﴿وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: وما تعبدون من أصنامكم.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "بالتوبة".
[ ٦ / ٣٧١ ]
﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾: وأعبدُه وحده، ثم قال تواضعًا وهضمًا للنفس وتنبيهًا على أن الإجابة والإثابة تفضُّل غير واجب، وأن مِلاك الأمر خاتمتُه وهو (^١) غيب، وتعريضًا لشقاوتهم بدعاء آلهتهم:
﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾: خائبًا ضائع السعي مثلكم في دعاء آلهتكم.
* * *
(٤٩ ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾.
﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بالهجرة إلى الشام ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ ولدًا ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ نافلةً.
أول ما وُهب له إسماعيل ﵇، على ما مرَّ في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩] وإنما خُصَّ إسحاق بالذِّكر؛ لأنَّه شجرة الأنبياء ﵈، أو لأنَّه أراد أن يَذكر إسماعيلَ بفضله على الانفراد.
﴿وَكُلًّا﴾ " أي: كلَّ واحد منهما ﴿جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾؛ أي: لمَّا ترك الكفارَ الفجَّار لوجهه عوَّضه أولادًا أبرارًا.
* * *
(٥٠) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ النبوَّةَ والأولاد والأموال.
_________________
(١) في (م): "هو".
[ ٦ / ٣٧٢ ]
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ ثناءً حسنًا، وهو الصلوات على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في الصلوات إلى قيام الساعة؛ استجابةً لدعوته: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] عبَّر باللسان عمَّا يوجد به، كما عبَّر باليد عمَّا يُعطى بها، وهو العطية، ووصفه بالصدق؛ لأنَّه ثناءٌ حسنٌ لا كذب فيه.
﴿عَلِيًّا﴾: رفيعًا مشهورًا.
* * *
(٥١) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ قرئ بالفتح؛ أي: أخلصه الله واصطفاه، وبالكسر، أي: أَخلَص العبادةَ لله (^١)، فهو مُخلَص بما له من السعادة بأصل الفطرة، ومُخلِص فيما عليه من العبادة بصدق الهمَّة.
﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ أرسله اللهُ إلى الخَلْق فأَنبأَهم عنه، ولذلك قدَّم ﴿رَسُولًا﴾ مع أنه أخصُّ وأعلى.
* * *
(٥٢) - ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾.
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ وهو جبلٌ بين مصرَ ومَدْيَن.
﴿الْأَيْمَنِ﴾: من ناحيته اليمنى، من اليمين، والمعنى: أنه حين أقبل من مَديَنَ يريد مصرَ، نُودي من الشجرة وكانت في جانب الجبل على يمين موسى ﵇، بأنْ تَمثّل له الكلام من تلك الجهة.
_________________
(١) قرأ عاصم وحمزة والكسائي بالفتح، وباقي السبعة بالكسر. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٧).
[ ٦ / ٣٧٣ ]
أو: مِن جانبه الميمونِ، من اليُمن.
﴿وَقَرَّبْنَاهُ﴾ تقريبَ منزلةٍ ومكانة دون منزلٍ ومكان.
﴿نَجِيًّا﴾: مناجيًا، كنديم بمعنى منادمٍ، حالٌ من أحد الضميرين.
وقيل: مرتفعًا، من النَّجْو وهو الارتفاعُ؛ لِمَا روي أنه رفع فوق السماوات حتى سمع صرير القلم (^١).
* * *
(٥٣) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾: من أجلِ رحمتنا ﴿أَخَاهُ﴾ مفعولٌ ﴿هَارُونَ﴾ وعطفُ بيانٍ أو بدلٌ ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ منه هي المقصودة بالهبة؛ أي: وهبنا له نبوَّةَ أخيه، وإلَّا فهارونُ كان أكبرَ سنًّا منه (^٢).
* * *
(٥٤) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ ذكَره بذلك لشهرته به واتِّصافه بأشياءَ من هذا الباب لم تُعهَد مِن غيره.
﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ بُعثَ بشرعِ أبيه إلى قومٍ دون قومِ أبيه، وهم: جُرْهُم، فكان صاحبَ شريعة بالنظر إليهم لاختصاص شرع أبيه بحسب (^٣) دعوته لقومه.
* * *
_________________
(١) روي عن سعيد بن جبير أنَّ جبرائيل ﵇ أردفه حتى سمع صريرَ القلم والتوراة تكتب له. رواه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢٨٦)، وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٥١٥).
(٢) في هامش (س) و(ف): "فلا حاجة إلى التكلف بأن الأنبياء آباء الأمم. منه ".
(٣) في (س) بدلًا منها كلمة غير واضحة.
[ ٦ / ٣٧٤ ]
(٥٥) - ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾.
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ اشتغالًا بالأهمِّ، وهو: أن يُقبِل الرجلُ على نفسه ومَن هو أقرب الناس إليه بالتكميل.
وقيل: أهل أمته (^١)، فإن الأهل يُطلَق على القوم، كما في قوله: ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦].
﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ إنَّما خُصَّا لأَّنهما أُمَّا العباداتِ الدينية والمالية.
﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ لاستقامة أقواله وأفعاله.
* * *
(٥٦ - ٥٧) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ هو أخنوخ أوَّل مرسل بعد آدمَ ﵇، وأوَّل مَن خطَّ بالقَلَم، وخاطَ اللباس، ونَظَر في علم النجوم والحساب، واتَّخذ الموازين والمكاييل والأسلحة، وقاتَلَ بني قابيل (^٢).
واشتقاقه من الدَّرْس يردُّه منعُ صرفه، نعم لا يَبعد أن يكون معناه في تلك اللغة قريبًا من ذلك، فلقِّب لكثرة دَرْسه، إذ روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثينَ صحيفةً (^٣).
﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ وهو شرف النبوَّة والزُّلفى عند الله تعالى.
_________________
(١) في (ك): "ملته".
(٢) انظر: "النكت والعيون" (٣/ ٣٧٨)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٤٥٤).
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥١٣)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٤٥٤).
[ ٦ / ٣٧٥ ]
وقيل: معناه: رَفَعتْه الملائكة إلى السماء الرابعة أو السادسة، وعن الحسن: إلى الجنة (^١).
* * *
(٥٨) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس.
﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بأنواع النِّعَم الدينية والدنياوية.
﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ لأن المذكورين ليسوا مُطلَقَ المنعَم عليهم، بل الذين وقعوا خبرًا عن ﴿أُولَئِكَ﴾، وهم بعض الأنبياء.
﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ بدلٌ منه بإعادة الجارِّ.
﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾؛ أي: ومن ذرِّيَّة مَن حملنا مع نوح خصوصًا، وهم مَن عدا إدريس ﵇، فإن إبراهيم كان من ذرِّيَّة مَن حملنا مع نوح ﵇ لا من ذريته، وإلَّا لقيل: ومن نوح (^٢).
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الباقون ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: ومن ذرية إسرائيل، وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ﵈ على أنَّ أولاد البنات من الذرِّيَّة.
_________________
(١) انظر: المصدرين السابقين.
(٢) في هامش (س) و(ف) و(م): "فاتضح فساد ما قيل: فإن إبراهيم ﵇ كان من ذرية سام بن نوح ﵇. منه ".
[ ٦ / ٣٧٦ ]
﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾: ومن جملة مَن هدينا إلى الحقِّ ﴿وَاجْتَبَيْنَا﴾ من الأنام للنبوَّة والكرامة.
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: إذا تُليت عليهم كتبُ الله المنزلةُ، وهو كلام مستأنف إن جعلْتَ ﴿الَّذِينَ﴾ خبرًا لـ ﴿أُولَئِكَ﴾ لبيان خشيتهم من الله تعالى وإخباتهم له مع ما لهم من علوِّ الطبقة في شرف النسب وكمال النفس والزُّلفى من الله تعالى، وإن جعلْتَه صفة له كان خبرًا.
وقرئ: (يتلى) بالياء (^١) لوجود الفاصل، مع أنَّ التأنيث غيرُ حقيقي.
﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ سقطوا على وجوههم ساجدين رغبةً.
﴿وَبُكِيًّا﴾ باكين رهبةً، جمع: باكٍ، كـ: سجود وقعود، في جمع: ساجد وقاعد.
* * *
(٥٩) - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ فعَقَبهم وجاء بعدَهُم عَقِبُ سوءٍ، يقال: خَلَفُ صدقٍ، بفتح اللام، وخَلْفُ سوءٍ بالسكون، لسكونها (^٢).
﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ بتركها، وقيل: بتأخيرها عن وقتها، ولا يناسبه ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾؛ لأنَّه صريح في أنه في حقِّ الكفار.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٥) ونسبها لشبل بن عباد المكي.
(٢) قوله: "لسكونها"، كذا في النسخ، ولا يظهر لها وجه، ولم يذكرها البيضاوي، مع أن العبارة منقولة منه.
[ ٦ / ٣٧٧ ]
﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾: ملاذَّ النفوس، وعن عليِّ ﵁: من بَنَى الشديدَ، وركب المنظورَ، ولَبِس المشهورَ (^١).
﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾: شرًّا، كلُّ شرٍّ عند العرب غَيٌّ، وكلُّ خيرٍ رشادٌ.
* * *
(٦٠) - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾.
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ رجع عن الكفر ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ بعد إيمانه ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ وقرئ على البناء للمفعول (^٢)، من أدخلَ.
دخول الجنة غير مشروط بالعمل الصالح، وإنما ذكر ذلك لقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾؛ أي: ولا يُنقصون ﴿شَيْئًا﴾ من جزاء أعمالهم ولا يُمنعونه، بل يُضاعَف لهم، ويجوز أن ينتصب ﴿شَيْئًا﴾ على المصدر، وفيه بيان أن كفرهم السابق لا يضرُّهم ولا يُنقص أجورهم.
* * *
(٦١) - ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾.
﴿جَنَّاتِ﴾ بدل من ﴿الْجَنَّةَ﴾ بدل البعض؛ لاشتمالها عليها، أو منصوب على المدح.
وقرئ بالرفع (^٣) على أنه خبر مبتدأ محذوف.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥١٤)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٤٥٧).
(٢) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وشعبة. انظر: "التيسير" (ص: ٩٧).
(٣) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٥).
[ ٦ / ٣٧٨ ]
﴿عَدْنٍ﴾ عرفة؛ لأنَّه عَلَمٌ بمعنى العَدْن وهو الإقامة، أو هو عَلَمٌ لأرض الجنة لكونها مكانَ إقامة، ولذلك صحَّ وصف ما أضيف إليه بقوله:
﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ﴾؛ أي: عباده التائبين المؤمنين الذين يعملون الصالحاتِ لِمَا سبق ذكرهم؛ لأنَّه أضافهم إليه وهو للاختصاص، وهؤلاء أهلُ (^١) الاختصاص.
﴿بِالْغَيْبِ﴾: بالوحي إلى نبيِّه؛ أي: وَعَدها وهي غائبة عنهم، أو: هم غائبون عنها.
﴿إِنَّهُ﴾ ضمير الشأن أو ضمير الرحمن ﴿كَانَ وَعْدُهُ﴾؛ أي: موعودُه وهو الجنَّة ﴿مَأْتِيًّا﴾، أي: هم يأتونها.
* * *
(٦٢) - ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ اللَّغو: الشيء الساقط الذي لا يعتدُّ به من الكلام وغيره، ولذلك قيل لما لا يعتدُّ به في الدِّيَة من أولاد الإبل: لَغْوٌ، وللساقط الذي لا يعتدُّ به في الأَيمان: اليمين اللَّغْو (^٢).
﴿إِلَّا سَلَامًا﴾؛ أي: لكنْ يسمعون سلامًا من الملائكة، أو من بعضهم على بعض. أو: لا يسمعون فيها إلا قولًا يَسلمون فيه من العَيْب والنَّقيصة (^٣). فهو استثناء منقطِع عند الجمهور.
_________________
(١) في النسخ عدا (س): "لأهل "، والمثبت من (س).
(٢) في هامش (س) و(ف) و(م): "ذكره صاحب الكشاف في سورة البقرة. منه ".
(٣) في هامش (س) و(ف) و(م): "في تقرير القاضي خلل فليتأمَّل. منه ".
[ ٦ / ٣٧٩ ]
وقيل: متصل على تنزيل غير المحتمل منزلةَ المحتمل مبالغةً في نفي اللغو، يعني: مظنَّة سماع اللغو في حقِّهم، على تقدير أن يكون السلام لغوًا، وذلك محالٌ، والمعلَّق على المحال محالٌ، كقوله:
ولا عَيْبَ فيهم غير أنَّ سيوفَهم … بهنَّ فلولٌ من قِراعِ الكتائبِ (^١)
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ لمَّا كان أعدلُ أحوال المطاعم وأبعدُها من الضرر هو الغَداءَ والعَشاءَ، عرَّفهم ﷻ اعتدالَ أحوال أهل الجنة في مآكلهم، وضَرَبَ لهم البُكرة والعشيَّ مثلًا لذلك، وإلَّا فلا بُكرة ولا عشيَّ (^٢) ثمَّة.
ويجوز أن يُراد معنى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥]؛ أي: لهم ذلك غيرُ منقطع، وهذا كما يقول الرجل: أنا أُصبح وأُمسي في ذِكْرك، وبِرُّ فلانٍ يغدو إليَّ ويروح، أي: لا ينقطع.
* * *
(٦٣) - ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾.
﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾؛ أي: نجعلها ميراثَ أعمالهم، يعني: ثمراتها وعاقبتها، أو نُبقي الجنة على المتَّقي كما يبقى مال المورِّث (^٣) على الوارث، على استعارة الإيراث في الإبقاء، فإن الوراثة أقوى سبب للتمليك والاستحقاق، فإنها من حيث إنها لا تُعقَب بفسخٍ ولا استرجاعٍ ولا تبطل بردِّ وإسقاط.
_________________
(١) البيت للنابغة الذبياني. انظر: ديوانه (ص: ١١)، ويستشهد به البلاغيون على تأكيد المدح بما يشبه الذم، انظر: "خزانة الأدب" (٣/ ٣٢٧)، و"روح المعاني" "١٦/ ١٢٨". وقد تقدم في مواضع من هذا الكتاب.
(٢) في (م): "عشية".
(٣) في (س): "الموروث".
[ ٦ / ٣٨٠ ]
وقيل: يرثون زيادة في كرامتهم المساكنَ التي كانت لأهل النار لو آمنوا؛ لأن الكفر موتٌ حكمًا.
﴿مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ عن الكفر.
* * *
(٦٤) - ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ حكايةُ قول جبريل حين قال رسول الله ﷺ لمَّا تأخَّر الوحي أيامًا، فقال المشركون: لعلَّ ربَّك نسيكَ -: يا جبريلُ، ما مَنَعك أن تزورنا أكثر ممَّا تزورنا؟! فنزل (^١).
والتنزيل على معنيين: معنى النزول على مهلٍ، ومعنى النزول على الإطلاق، والأول أليقُ هنا، يعني: أن نزولها في الأحايين وقتًا غبَّ وقت ليس إلا بأمر الله.
وقرئ: (وما يتنزل) بالياء (^٢)، والضمير للوحي.
﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وما نحن فيه من الأماكن أو الأحايين، لا ننتقل من مكان إلى مكان، أو لا ننزل في زمان دون زمان إلا بإذنه.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، أي: ناسيًا لك، وإنما كان (^٣) ذلك لحِكَم رآها فيه، وقد مرَّ وجه إيثار صيغة المبالغة في تفسير قوله: ﴿عَصِيًّا﴾.
_________________
(١) رويت فيه أخبار مرسلة عن مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم عند الثعلبي والواحدي والقشيري وغيرهم. انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٠١)، و"تفسير القرطبي" (١٣/ ٤٨١).
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٥).
(٣) "كان ": ليست في (ك) و(م).
[ ٦ / ٣٨١ ]
(٦٥) - ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ بيانٌ لامتناع النسيان عليه، وهو خبرُ محذوفٍ، أو بدلٌ من ﴿رَبُّكَ﴾.
﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ خطابٌ للرسول ﵇ مرتَّبٌ على ما تقدَّم؛ أي: لما عرفتَ ربَّك بأنه لا ينبغي له أن ينساك، فأثبت لأجل عبادته واصبر على مشاقِّها، ولا تضطرب بإبطاء الوحي وهُزء الكفرة.
وإنَّما عدِّي باللام؛ لتضمُّنه معنى الثبات للعبادة فيما يورَد عليه من الشدائد والمشاقَ، كقولك للمحارب: اصطَبِرْ لقرنك (^١)، فالعبادة ما اصطَبَرَ لها لا ما اصطَبَرَ عليها.
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: أحدًا يسمَّى الله، والاستفهام على سبيل الإنكار، وذلك كناية عن نفي استحقاق الغير بالعبادة، وهو تقريرٌ للأمر؛ أي: إذا صحَّ أنْ لا أحدَ غيرُه يستحقُّ العبادة، لم يكن بدّ من التسليم لأمره، والاشتغال بعبادته، والاصطبار على مشاقِّها.
* * *
(٦٦) - ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾.
_________________
(١) في النسخ عدا (س): "اصطبر لقوتك "، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في المصادر. انظر: "الكشاف" (٣/ ٣٠)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ١٥)، و"تفسير أبي السعود" (٥/ ٢٧٤)، و"روح المعاني" (١٥/ ١٣٥).
[ ٦ / ٣٨٢ ]
﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني: أُبَيَّ بنَ خَلَف، فإنه فتَّت (^١) عظمًا وقال: أَنُبعَث بعد أن صرنا كذا؟! فنزل (^٢).
ولا وجه لإرادة الجنس بأسره، إذ لا يَحسُن إسناد قولٍ أو فعلٍ صَدَرَ عن بعضٍ إلى الكلِّ إلَّا إذا صدر عنه بمظاهرتهم أو برضًى منهم، كما في قول الفرزدق:
فسيفُ بني عبسٍ وقد ضربوا … نَبَا بيدَيْ ورقاءَ عن رأسِ خالدِ (^٣)
﴿أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ من الأرض، وتقديم الظرف وإيلاؤه حرفَ الإنكار من قِبَل أنَّ ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة، ومنه جاء إنكارهم، وانتصابه بفعل دلَّ عليه ﴿أُخْرَجُ﴾ لا به؛ لأن ما بعدَ لام الابتداء لا يَعمل فيما قبلها، وهذه اللام إذا دخلت على المضارع تعطي معنى الحال، وتؤكِّد مضمون الجملة، فلمَّا جامعت حرفَ الاستقبال خلصت للتوكيد واضمحلَّ معنى الحال، و(ما) في ﴿أَإِذَا مَا﴾ للتوكيد أيضًا، فكأنه قال: أحقًّا أنَّا سنُخرَج من القبور أحياءً حين يتمكَّن فينا الموت والهلاك؟! على وجه الاستنكار والاستبعاد.
* * *
(٦٧) - ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾.
﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ هو عطف على محذوف، تقديره: أَيُنكِر قدرتنا على الإعادة
_________________
(١) في (س): "فت".
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٠١) عن الكلبي.
(٣) انظر: "ديوان الفرزدق" (١/ ١٥٧)، و"الكشاف" (٣/ ٣١)، والشاهد فيه اشار إليه الزمخشري بقوله: فقد أسند الضرب إلى بني عبس مع قوله: (نبا بيدي ورقاء) وهو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي.
[ ٦ / ٣٨٣ ]
ولا يَذكُر، وإنما أظهر الفاعل إشعارًا بالمنشأ لعدم تذكُّره، فإن النسيان كاللازم للإنسان، قيل: أولُ الناس أول الناسي.
أو على (يقول)، وتوسيط الهمزة مع أن الأصل أن يتقدَّمها للإنكار (^١)؛ أي: أيجمع (^٢) بين هذين الأمرين الغريبين (^٣)، وللإشعار بأن المنكر بالذات هو المعطوف، وأن المعطوف عليه إنما نشأ منه (^٤)، فإنه لو تذكَّر وتأمَّل ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ﴾ أراد خلق مادَّته، ولذلك قال: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: خلقنا مادَّته قبل خَلْق صورته ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ بل كان عدمًا صِرْفًا = لم يقل ذلك، فإنه أعجب من جمع الموادِّ بعد التفريق وإيجاد مثل ما كان فيها من الأعراض.
وقرئ: ﴿يَذْكُرُ﴾ من الذِّكْر الذي يراد به التفكُّر (^٥).
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ٣٢)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ١٥). ولفظ "الكشاف": (الواو عطفت (لا يَذْكُرُ) على (يَقُولُ) ووسِّطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف، يعني: أيقول ذاك ولا يتذكر حال النشأة الأولى حتى لا ينكر الأخرى فإن تلك أعجب وأغرب وأدل على قدرة الخالق). ولفظ البيضاوي: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ عطف على (يَقُولُ)، وتوسيط همزة الإِنكار بينه وبين العاطف مع أن الأصل أن تتقدمهما للدلالة على أن المنكر بالذات هو المعطوف وأن المعطوف عليه إنما نشأ منه ..).
(٢) في النسخ عدا (م): "الجمع"، وفي (م): "أنجمع"، والمثبت هو الأنسب بالسياق.
(٣) في النسخ عدا (ك): "القريبين"، والمثبت من (ك).
(٤) في هامش (س) و(ف) و(م): "إن الهمزة إذا توسَّطت بين المعطوفين؛ تكون لإنكار الجمع بينهما، إلا أنه قد يكون الإنكار للتنافي بينهما، وقد يكون لقوَّة القرابة عند اجتماعهما، وما نحن فيه من قبيل الثاني. منه".
(٥) قراءة نافع وابن عامر وعاصم، وقرأ الباقون: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ﴾. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٩).
[ ٦ / ٣٨٤ ]
وقرئ: (يَتَذكَّر) على الأصل (^١).
* * *
(٦٨) - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾.
﴿فَوَرَبِّكَ﴾ أقسم باسمه (^٢) تعالى مضافًا إلى نبيِّه ﵇؛ تحقيقًا للأمر وتفخيمًا لشأن الرسول ﵇.
﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أي: المنكِرين للبعث، لا بدَّ من هذا التخصيص؛ لأن لحاق الكلام لا يتحمَّل التعميم (^٣).
﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ مفعول معه؛ لِمَا روي على وفق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] أنهم يُحشَرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغوَوْهم، كلُّ كافرٍ مع شيطانه في سلسلة.
﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾: جمع الجاثِي، وهو الذي يَبرُك على ركبتَيْه، يعني: أنَّهم يُساقون جثاةً من الموقف إلى شاطئ جهنَّم، فقوله: ﴿جِثِيًّا﴾ حالٌ مما (^٤) ضمِّنه لنحضرنَّ (^٥) من السوق.
* * *
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٦).
(٢) في (م): "أقسم بالله".
(٣) في هامش (س) و(ف): "بل سباقه [زاد في (س): وسياقه] لا يتحمله كما لا يخفى عن من تأمله منه.
(٤) في (م): "ممن".
(٥) في (ك): "لنحضرنهم"، وفي (م): "نحضرن".
[ ٦ / ٣٨٥ ]
(٦٩) - ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾.
﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ النَّزْع: إخراجُ الشيء ممَّا كان متصلًا به، أو ملابسًا له.
﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ الشِّيعة: الجماعة المتعاونون على أمرٍ من الأمور.
﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ تمييز، وأصله المصدر: جراءةً، أو: تمرُّدًا، أي: نَبتدئُ بالأكبر جِرمًا فالأكبر.
و﴿أَيُّهُمْ﴾ مبنيٌّ على الضَّمِّ عند سيبويه (^١)؛ لأن حقَّه أن يُبنى كسائر الموصولات، لكنه أُعرب حملًا على (كلّ) و(بعض) للُزوم الإضافة، وإذا حذف صدرُ صلته زاد نقصُه، فعاد إلى حقِّه منصوبَ المحلِّ بـ (ننزعنَّ) ولذلك قرئ منصوبًا (^٢)، و﴿أَشَدُّ﴾ خبر مبتدأٍ محذوف.
ومرفوعٌ عند غيره؛ إمَّا بالابتداء على أنه استفهام وخبره ﴿أَشَدُّ﴾، والجملة محكيَّة، وتقدير الكلام: لننزعنَّ من كلِّ شيعةٍ الذين يُقال فيهم: إيُّهم أشدُّ، أو معلَّق عنها ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾؛ لتضمُّنه معنى التمييز اللازم للعلم، أو مستأنفة والفعل واقع على ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ على زيادة ﴿مِنْ﴾ أو على معنى: لننزعنَّ بعضَ كلِّ شيعة، وإما بـ ﴿شِيعَةٍ﴾؛ لأنها بمعنى يشيع، و(على) للبيان أو متعلِّق بأفعل، وكذا الباء في قوله:
(٧٠) - ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾.
﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ﴾ كُنيَ بالعلم عن إيقاع المعلوم، أي: نحن نبدأ بتعذيب
_________________
(١) انظر: "الكتاب" (٢/ ٣٩٨).
(٢) انظر: "الكشاف" (٣/ ٣٤)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ١٧)، والكلام منه.
[ ٦ / ٣٨٦ ]
الأحقِّ فالأحقِّ، وضمّن هذه الكناية الدلالة (^١) على أنه تعالى في ذلك النزع لا يضع شيئًا في (^٢) غير موضعه.
﴿هُمْ أَوْلَى بِهَا﴾: أحقُّ بالنار ﴿صِلِيًّا﴾ تمييز؛ أي: دخولًا، والباء تتعلَّق بـ ﴿أَوْلَى﴾؛ أي: الذين هم أولى بالصُّليِّ، أو صليُّهم أَولى بالنار، ويجوز أن يراد بهم وبـ ﴿أشدّهم عتيًا﴾ (^٣) رؤساء الشِّيَع، فإن عذابهم مضاعَف؛ لضلالهم وإضلالهم.
* * *
(٧١) - ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾: وما منكم، تلوينٌ للكلام من الغَيبة إلى الخطاب؛ للانتقال من أحوال الخاصة إلى أحوال العامة ﴿إِلَّا وَارِدُهَا﴾؛ أي: وإن منكم أحد (^٤) إلَّا داخلَها.
الورود في اللغة: الوصول، إلا أن المراد هنا الدخول بطريق الكناية، كما في قوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩] لقوله ﵊: "الورود: الدخول، لا يبقى بَرٌّ ولا فاجرٌ إلَّا دَخَلها، فتكون على المؤمنين بَرْدًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم" (^٥)، وتقول النار للمؤمن: "جُزْ يا مؤمن؛ فإنَّ نورَك أَطفأ لهبي" (^٦)، وهو الظاهر من قوله: ﴿وَنَذَرُ
_________________
(١) في (م): "الدالة".
(٢) "في" من (م).
(٣) في (ك) و(م): "عتيا".
(٤) "أحد": ليست في (م).
(٥) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٤٥٢٠) من حديث جابر ﵁، وإسناده ضعيف؛ لجهالة أحد رجال الإسناد.
(٦) رواه الطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٢٥٨)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٣٩٤)، وابن الجوزي في "العلل" (١٥٣٢)، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣٦٠): فيه سليم بن منصور بن عمار، وهو ضعيف.
[ ٦ / ٣٨٧ ]
الظَّالِمِينَ فِيهَا﴾ حيث قال: ﴿وَنَذَرُ﴾، ولم يقل: ونُدخِل، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ الآية [الأنبياء: ١٠١] لأن معناه: أنَّهم مُبعَدون عن النار لا عن موضعها، وهم كذلك، فإنَّهم يمرُّون والنار خامدةٌ على ما ورد في الخبر (^١)، ولذلك لا يسمعون حسيسها، وفائدة إدخالهم النار تشديدُ الحسرة على الكفار.
﴿كَانَ﴾ ورودهم ﴿عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ الحَتْم: القَطْع بالأمر، وذلك حكمٌ من الله قاطع، والمقضيُّ: الذي قضى بأنه يكون، ولمَّا كان المتبادِر إلى الوهم من قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا﴾ الوجوب على الله، زِيْدَ قوله: ﴿مَقْضِيًّا﴾؛ دفعًا لذلك الوهم، بما فيه من الدلالة على أن ما ذُكر أَثَرُ قضائه تعالى، فيكون الكلام المذكور مستعارًا لمعنى اللزوم الناشئ عن القضاء المُبرَم، فلا وجوب ولا إيجاب لا من ذاته تعالى ولا من غيره.
* * *
(٧٢) - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكفرَ، فيُساقون إلى الجنة.
﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾: ونَدَعُ الكافرين ﴿فِيهَا جِثِيًّا﴾ جاثِين على الرُّكب للتخاصم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤] وقال: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧] فلا دلالة فيه على أن المرادَ الوردُ والجثوُّ حواليها.
* * *
_________________
(١) روى ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٥٤٢٩) عن خالد بن معدان أنه قال: إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ قالوا: ربنا أَلَم تعدنا أن نرد النار؟! قال: بلى، ولكنكم مررتم عليها وهي خامدة.
[ ٦ / ٣٨٨ ]
(٧٣) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾: مرتَّلات الألفاظ مبيَّنات المعاني في نفسها، أو ببيان الرسول، أو واضحات الإعجاز.
﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: لأجْلهم، أو: معهم ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ نحن وأنتم ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ بالفتح: موضعُ القيام، والمراد: المكان والمسكن، وبالضَّمِّ وهو موضعُ الإقامة والمنزل (^١).
﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾: مجلسًا يجتمع القوم فيه للمشاورة، ومعنى الآية: أن الله تعالى يقول: إذا أنزلنا آيةً فيها دلائلُ وبراهينُ أَعرضوا عن التدبُّر فيها إلى الافتخار بالثروة والمال، وحُسْنِ المنزل والحال، غافلين عن وَخامة المآل، فقال تعالى منبِّهًا على ذلك:
(٧٤) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ (كم) مفعول ﴿أَهْلَكْنَا﴾، و﴿مِنْ﴾ تبيين لإبهامها؛ أي: كثيرًا من القرون أهلكنا، وكلُّ أهل عصرٍ قَرْنٌ لمَن بعدهم.
﴿هُمْ أَحْسَنُ﴾ في موضع الصفة لـ ﴿قَرْنٍ﴾، وجمع اعتبارًا لمعناه.
وقيل: في محلِّ النصب صفةً لـ (كم)، أَلا ترى أنَّك لو تركت ﴿هُمْ﴾ كان ﴿أَحْسَنُ﴾ نصبًا على الوصفية.
وَيرِدُ عليه: أنهم نصُّوا على أن (كم) الخبرية والاستفهامية لا تُوصَف ولا يُوصَف بها.
_________________
(١) قرأ بالضم ابن كثير، وباقي السبعة بالفتح. انظر: "التيسير" (ص: ١٤٩).
[ ٦ / ٣٨٩ ]
﴿أَثَاثًا﴾ تمييز للنسبة، وهو متاعُ البيت، وقيل: هو ما جَدَّ من الفرش، والخُرْثيُّ مارثَّ.
﴿وَرِئْيًا﴾ منظر أو هيئة، فِعْل بمعنى مفعول، من رئت (^١)، كالطِّحْنِ.
وقرئ: ﴿ورِيًّا﴾ بغير همزٍ مشدَّدًا (^٢)، على قلب الهمزة وإدغامها، أو على أنه مِن الرِّيِّ الذي هو النعمة.
وقرئ: (رِيئًا) على القلب (^٣).
و(رِيًا) بحذف الهمز (^٤).
و(زِيًّا) من الزِّيِّ (^٥)، قال المطرِّزي: والزِّيُّ: الهيئةُ، (فِعْلٌ) من زَوَى إذا جَمَع؛ لأنَّه لا يقال: لفلانٍ زىٌّ حَسَنٌ، إلَّا أن يَجمع ما يُستحسن من لبسةٍ حسنة وهيئةٍ مستحسَنة.
لمَّا كان كلامهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾ كلامَ المفحَم المغلوب المنقطِع الذي لا يَجد ما يصلح للجواب، فينتقل إلى أمرٍ آخرَ يدَّعي به الفضل والغَلَبة = رَدَّهم ونَقَضَ كلامهم مهدِّدًا (^٦) بقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ إلخ، ثم بيَّن أنَّ سعيَهم في الدنيا استدراجٌ ليس بدليل على الفَضل والرفعة، وإنما الفَضْل هو السعادة في الآخرة بقوله:
_________________
(١) في (س): "أريت".
(٢) هي قراءة ابن ذكوان عن ابن عامر، وقالون عن نافع. انظر: "التيسير" (ص ١٤٩).
(٣) نسبت لرواية عن الأعمش، عن شعبة، عن عاصم، ونسبت أيضًا لحميد. انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ٢٩)، و"البحر المحيط" (١٤/ ٤٧٩).
(٤) نسبت لطلحة عن ابن عباس. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٦)، و"المحتسب" (٢/ ٤٣)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٢٩).
(٥) انظر المراجع السابقة.
(٦) في (م): "تهددا".
[ ٦ / ٣٩٠ ]
(٧٥) - ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾.
﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ﴾ وهو تسجيلٌ على القائلين ذلك القولَ بالضلالة، وتتميم وبيان أنَّ ما دعاهم إلى ذلك القول هو غاية في التعمُّق في الضلالة والحيرة والاستقرار فيها.
﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ جواب ﴿مَنْ﴾ لأنَّها شرطيَّة، وهذا الأمر بمعنى الخبر؛ أي: مَن كفر يمدُّ له الرحمنُ، يعني: يُمهله ويُملي له في العُمُر؛ ليزداد طغيانًا وضلالًا، كقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا﴾ [آل عمران: ١٧٨] وإنما أُخرج على لفظ الأمر، إيذانًا بأن إمهاله ممَّا ينبغي أن يُفعل كالمأمور به؛ استدراجًا وقَطْعًا لمعاذيره.
﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ هي متصلةٌ بقوله: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ وما بينهما اعتراض؛ أي: لا يزالون يقولون هذا القول إلى أن يشاهدوا الموعود رأيَ عين.
﴿إِمَّا الْعَذَابَ﴾ في الدنيا وهو تعذيب المسلمين إياهم بالقتل والأَسْر ﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾، أي: القيامة، والمراد: ما ينالهم من الخزي والنكال فيها، فهما بدلان من ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾.
﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ من الفريقين ﴿وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾: أعوانًا وأنصارًا؛ أي: فحينئذٍ يعلمون قَطْعًا أنَّ الأمر على عكس ما قرَّروه، وأنَّهم شرٌّ منزلًا وأضعف جندًا، لا خير مقامًا وأحسنُ نديًّا، وأنَّ المؤمنين على خلاف صفتهم.
وهو جواب الشرط، والجملة محكيَّة بعد (حتى)، وجاز أن تتصل بما يليها، والمعنى: إن الذين في الضلالة ممدودٌ لهم في ضلالتهم لا ينفكُّون عنها إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين، أو يشاهدوا هول الساعة.
[ ٦ / ٣٩١ ]
(٧٦) - ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾.
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ عطفٌ على ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ لأنَّه في معنى الخبر، كأنه قيل: مَن كان في الضلالة يَزيد الله في ضلاله، وَيزيد المهتدين - أي: المؤمنين - ثباتًا على الاهتداء.
أو على الشرطية المحكيَّة بعد القول، كأنه لمَّا بيَّن أن إمهال الكافر وتمتيعه بالحياة الدنيا ليس لفضله، أراد أن يبيِّن أن قصور حظِّ المؤمن فيها ليس لنقصه، بل لأنَّه تعالى أراد به ما هو خيرٌ وعوَّضه منه.
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ أي: الطاعات التي تبقى عائدتها أبد الآباد، وكلُّ الصيدِ في جوفِ الفَرا (^١).
﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾: عائدةً من النِّعم الفانية التي يفتخرون بها، كيف ومآلها النعيمُ المقيم، ومآلُ هذه الحسرةِ هو العذابُ الدائم؟ كما أشار إليه بقوله:
﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾: مرجعًا وعاقبة، وفي التفضيل (^٢) تهكُّمٌ بالكفار؛ لأنهم قالوا للمؤمنين: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.
* * *
_________________
(١) (لفَرَأ) بالهمز: حمار الوحش، وهو في المثل دون همز لأن الأمثال موضوعة على الوقف، وأصل المثل: أن قومًا خرجوا للصيد، فصاد أحدهم ظبيًا، والآخر أرنبًا، وصاد الثالث حمار وحش، فقال لأصحابه: "كل الصيد … "؛ أي: كله دونه. انظر: "جمهرة الأمثال" (٢/ ١٦٢)، و"المستقصى" (٢/ ٢٢٤)، و"مجمع الأمثال" (٢/ ١٣٦)، و"القاموس" (مادة: فرأ).
(٢) في (س): "التفصيل".
[ ٦ / ٣٩٢ ]
(٧٧) - ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾.
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ لما كانت رؤية الأشياء طريقًا إلى العلم بها وصحَّة الخبر عنها، استعملوا (أرأيت) في معنى: أَخْبِرْ، والفاء للتعقيب، والمعنى: أَخْبِرْ بقصة هذا الكافر عقيبَ حديث أولئك.
وقوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ﴾ جواب قَسَم مُضمَر ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾ وقرئ: ﴿وُلْدًا﴾ (^١)، وهو جمع وَلَد كأَسَد في أُسْد، أو بمعنى الوَلَد كالعُرْب في العَرَب.
* * *
(٧٨) - ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.
﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ من قولهم: اطَّلع الجبلَ: إذا ارتقى إلى أعلاه، الهمزة للاستفهام، وهمزة الوصل محذوفة؛ أي: نَظَر في اللوح المحفوظ فرأى فيه مُنْيَتَه.
﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: موثقًا أن يؤتيَه ذلك، روي أن خبَّاب بن الأرتِّ صَاغَ للعاصِ بنِ وائل حَلْيًا، فاقتضاهُ الأجرَ، فقال: إنَّكم تزعمون أنَّكم تُبعَثون وأنَّ في الجنة ذهبًا وفضَّة فأنا أَقضيكَ ثَمَّ، فإني أُوتى (^٢) مالًا وولدًا حينئذٍ (^٣).
وفيه أن قوله: وولدًا، لا يناسب المقامَ ومساقَ الكلام حينئذ.
* * *
(٧٩) - ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾.
﴿كَلَّا﴾ ردعٌ وتنبيهٌ على الخطأ؛ أي: هو مُخطئٌ فيما تصوَّره لنفسه فليرتدِعْ عنه.
_________________
(١) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: "السبعة" (ص: ١٤٩ - ١٥٠).
(٢) في (ك): "أوفى".
(٣) رواه البخاري (٢٠٩١)، ومسلم (٢٧٩٥)، والترمذي (٣١٦٢)، من حديث خباب ﵁.
[ ٦ / ٣٩٣ ]
﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾: سنُظهر له أنَّا كتبنا قوله، على طريقة قوله:
إذا ما انتَسَبْنا لمْ تَلِدْني لئيمةٌ (^١)
أي: تبيَّن أني لم تَلِدني لئيمةٌ؛ لأن نفس الكَتْبة لا تتأخَّر عن القول؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
وقيل: هذا على طريقة قول المتوعِّد للجاني: سوفَ أنتقمُ منك، يعني: أنه لا يُخلُّ بالانتصار وإن تطاول به الزمان، إلا أن حرف التنفيس جرِّد هنا للوعيد.
﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ﴾: نزيده (^٢) من العذاب كما يزيد في الافتراء والاجتراء، من المدد، يقال: مدَّه وأمدَّه بمعنًى.
﴿مَدًّا﴾ أكِّد بالمصدر؛ لفَرْط غضبه تعالى.
* * *
(٨٠) -) ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.
﴿وَنَرِثُهُ﴾ بموته ﴿مَا يَقُولُ﴾ يعني: المالَ والولدَ بدل اشتمال من الهاء في (نرثه).
﴿وَيَأْتِينَا﴾ يوم القيامة ﴿فَرْدًا﴾ لا يَصحبه مالٌ ولا ولدٌ كان له في الدنيا، فضلًا أن يُؤتى له زائدًا.
* * *
_________________
(١) أورده الفراء في "معاني القرآن" (١/ ٦١)، والطبري في "التفسير" (٢/ ٥٧)، ولم ينسباه، وأورده البغدادي في "شرح أبيات المغني" (١/ ١٢٥)، ونسبه لزائد بن صعصعة الفقعسي، وعجزه: ولم تَجِدي من أن تُقِرِّي به بدَّا
(٢) في (م): "زيدت".
[ ٦ / ٣٩٤ ]
(٨١) - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾: ليتعزَّزوا بهم بأن يكونوا لهم شفعاء عند الله، ووحَّد ﴿عِزًّا﴾ بمعنى المصدر.
* * *
(٨٢) - ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.
﴿كَلَّا﴾؛ أي: ليس الأمر كما ظنُّوا ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ الضمير للآلهة؛ أي: سيجحدون عبادتهم، ويقولون: واللهِ ما عبدونا؛ لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦].
أو للمشركين؛ أي: يُنكِرون أن يكونوا قد عبدوها، كقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾: خصمًا؛ لأن الله تعالى يُنطقهم فيقولون: يا ربِّ، عذِّب هؤلاء الذين عبدونا مِن دونك، والضِّدُّ يقع على الواحد والجمع في مقابلةِ ﴿لَهُمْ عِزًّا﴾، والمراد ضدُّ العزِّ، وهو الذُّلُّ والهوان، يكونون عليهم ضدًّا لِمَا قصدوه من العزِّ، على معنى: أنها تكون معونةً في عذابهم؛ بأن تُوقَد بها نيرانهم.
أو جُعل الواو للكفرة؛ أي: ويكونون كافرين بهم بعد أن كانوا يعبدونها، وتوحيده لوحدة المعنى الذي به مضادَّتهم، فإنَّهم بذلك كالشيء الواحد، ونظيره قوله ﵇: "وهم يدٌ واحدةٌ على مَن سواهم" (^١).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٩٥٩)، والنسائي (٤٧٣٤)، وأبو داود (٤٥٣٠)، من حديث علي بن أبي طالب. ورواه الخطابي في "غريب الحديث" (١/ ٥٥٣)، وأبو داود (٢٧٥١)، وابن ماجه (٢٦٨٥) والإمام أحمد في "المسند" (٦٧٩٧)، من حديث عبد الله بن عمرو بن =
[ ٦ / ٣٩٥ ]
وقرئ: (كَلًّا) بالتنوين على قلب الألف نونًا في الوقف، أو على معنى: كَلَّ هذا الرأيُ كَلًّا، و: (كُلًّا) على إضمار فعلٍ يُفسِّره ما بعده؛ أي: سيجحدون كُلًّا، سيكفرون بعبادتهم (^١).
* * *
(٨٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الإرسال: التخلية، وتعديته بـ (على) لتضمين معنى التسليط، أي: خلَّيناهم (^٢) مسلَّطين عليهم بالإغراء (^٣)، وذلك حين قال لإبليس: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤].
﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾: إغراءٌ بإزعاج، وأصل الأزِّ: الحركة مع صوتٍ متَّصلٍ من أزيزِ القِدْر وغليانها، والمعنى: تزعجهم الشياطين وتسوقهم إلى المعاصي بسرعة، ومساقُ الكلام ظاهرٌ في الإمهال استدراجًا، ولذلك أتى بأداة التفريع في قوله:
(٨٤) - ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾.
﴿فَلَا تَعْجَلْ﴾، أي: تطلب العذاب قبل حينه، ولذلك قال (^٤): ﴿عَلَيْهِمْ﴾.
ولمَّا كان قوله: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ﴾ أي: أنفاسهم ليستوفوا آجالهم - في مقام التعليل لِمَا ذكر، كان المناسب أن يكون المراد: إنَّما نمهلهم لا نُهملهم.
_________________
(١) = العاص. وهو حديث صحيح. وليس فيه كلمة: (واحدة).
(٢) نسبت القراءتان لأبي نهيك. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٦)، و"المحتسب" (٢/ ٤٥)، و"الكشاف" (٣/ ٤١).
(٣) في (ك): "طلبنا منهم".
(٤) في (ف) و(م): "بالإعزاء".
(٥) في (ف) و(ك): "قيل".
[ ٦ / ٣٩٦ ]
وما قيل: أي: لا تعجل بهلاكهم؛ فإنه لم يبقَ لهم إلَّا أيام محصورة وأنفاس معدودة = بعيدٌ عن مساق الكلام وسياق المقام (^١).
﴿عَدًّا﴾ فلا يزدادون عليها ولا يَنقصون منها.
* * *
(٨٥) - ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾.
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ الحَشْر: الجمع من جهات متعدِّدة، ونصب ﴿يَوْمَ﴾ بـ ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾، أو بمضمر؛ أي: يوم نَحشُر ونَسوق نَفعل (^٢) بالفريقين ما لا يوصف.
﴿إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ لاختيار هذا الاسم في هذه السورة شأنٌ، ولعلَّه لأن مساق الكلام فيها لتعداد نِعَمه الجِسام وشَرْح حال الشاكرين لها والكافرين بها.
﴿وَفْدًا﴾ الوفدُ: جمع وافد، كرَكْب: جمع راكب (^٣)، حالٌ من ﴿الْمُتَّقِينَ﴾.
* * *
(٨٦) - ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾: الكافرين سَوق الأنعام؛ لأنهم كانوا أضلَّ منها.
﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ عطاشًا؛ لأن مَن يَرِد الماءَ لا يَرِدُه إلا لعطشٍ، وحقيقة الوِرْد: المسير إلى الماء، فسمِّي به الواردون.
ذُكر المتقون بأنهم يُجمَعون إلى ربِّهم الذي غمرهم برحمته كما يَفِدُ الوفود على
_________________
(١) في (س) و(ك): "مساق الكلام وسباق المقام"، وفي (م): "سياق الكلام وسياق المقام".
(٢) في (م): "يفعل".
(٣) في (م): "كركب وراكب".
[ ٦ / ٣٩٧ ]
الملوك تبجيلًا لهم، والكافرون بأنهم مساقون إلى النار كأنهم نَعَمٌ عِطاش يُساقون إلى الماء استخفافًا بهم.
* * *
(٨٧) - ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.
﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ الضمير فيه للعباد المدلول عليهم بذكر المجرمين والمتقين؛ لانحصارهم فيهما.
﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: إذنًا فيها، لقوله تعالى: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] من قولهم: عَهِدَ الأميرُ إلى فلانٍ بكذا، إذا أمره به، ومحلُّه الرفع على البدل من ضمير ﴿يَمْلِكُونَ﴾، أو النصب على تقدير المضاف؛ أي: إلَّا شفاعةَ مَن اتخذ، أو على الاستثناء.
وقيل: الضمير لـ ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾، أي: لا يملكون أن يشفع لهم إلَّا مَن اتخذ عند الله عهدًا بالإسلام ليستعدَّ به أن يشفع له.
* * *
(٨٨) - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾؛ أي: النصارى واليهود، ومَن زعم أن الملائكة بناتُ الله، ولا وجه لإسناد هذا القول إلى الكُلِّ مع الإنكار من (^١) بعضهم ووقوعِ المشاجرة فيه فيما بينهم؛ لكونه مقولًا فيما بينهم، على أن في هذا الإسناد نوعَ شَيْنٍ للمسلمين، وهم بُرآء عنه.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(ك) و(م): "عن"، والمثبت من (س).
[ ٦ / ٣٩٨ ]
(٨٩) - ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾.
﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ على الالتفات للمبالغة في الذَّمِّ، والتسجيلِ عليهم بالجرأة على الله، والتعرُّضِ لسخطه، والتنبيه على عِظَمِ ما قالوا.
والأدُّ بالفتح والكسر (^١): العَجَب، وقيل: العظيم المنكَر، من الإدَّة وهي الشِّدَّة.
* * *
(٩٠) - ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾.
﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾: تَقْرُب (^٢) ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ وبالنون (^٣)، الانفطار من فَطَره: إذا شقَّه، والتفطُّر من فطَّره: إذا شقَّقه مرةً بعد أخرى، فهذا أبلغُ منه من عِظَم هذا القول.
﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ﴾ وتسقط ﴿هَدًّا﴾؛ أي: مهدودة، أو: تهدُّ هدًّا، أو: مفعول له؛ أي (^٤): لأنها تهدُّ، والهدُّ: الهدم بشدَّةِ صوتٍ، وهو تقرير لكونه (^٥) إدًّا؛ أي: بلغت هذه الكلمةُ من فظاعتها ومن (^٦) عِظَمها وهدمها لأركان الدِّين وقواعده مبلغًا لو تصوِّر تأثيرها بصورة محسوسة، لم يَحتمل مثلَه هذه الأجرام العظيمة التي هي قِوام العالَم، وتفتَّت من شدَّتها، أو كادت هذه الأجرام تضمحلُّ وتُخرب العالَم؛ لشدَّة
_________________
(١) قرأ الجمهور بالكسر، وقرأ علي والسلمي بالفتح، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٨٦)، و"المحتسب" (٢/ ٤٥).
(٢) في (ك): "تقرير".
(٣) أي: ﴿ينفطرن﴾ وهي قراءة شعبة وحمزة وابن عامر وأبي عمرو، وقرأ باقي السبعة بالتاء. انظر: "التيسير" (ص ١٥٠).
(٤) "أي": ليست في (م).
(٥) في (ك): "لقوله".
(٦) "من": ليست في (م).
[ ٦ / ٣٩٩ ]
غضب الله تعالى على مَن كان تفوَّه بها؛ قهرًا له وهدمًا لأركان العالَم عليه، استعظامًا لها وتهويلًا من فظاعتها.
* * *
(٩١) - ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾.
﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ إمَّا منصوب بتقدير حذف اللام وإفضاء (^١) الفعلِ إليه لتعليل الكيدودة أو الهدِّ؛ أي: هدًّا لأنْ دعوا، علَّل الخرور بالهدِّ، والهدَّ بدعاء الولد للرحمن، أو مجرور بدل من الضمير في ﴿مِنْهُ﴾، أي: من أنْ دعوا، أو على إضمار لام التعليل، أو مرفوع على أنه فاعل ﴿هَدًّا﴾؛ أي: هدَّها دعاءُ الولد، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: سببُ ذلك أن دعوا، وهو مِن دَعَا بمعنى سَمَّى المتعدِّي إلى مفعولين، أو مِن دَعا بمعنى نَسبَ الذي مطاوعُه: ادَّعى، بمعنى: انتَسَب.
* * *
(٩٢) - ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾.
﴿وَمَا يَنْبَغِي﴾: ما يتأتَّى ﴿لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ قيل: لا يليق به اتِّخاذ الولد، ولا يتطلب له لو طُلب مثلًا؛ لأنَّه مستحيل (^٢).
_________________
(١) في (س): "أو فضاء"، وفي (ف) و(ك): "أو إفضاء"، والمثبت من (م)، وهو الصواب. انظر: "تفسير البيضاوي" (٤/ ٢٠).
(٢) انظر: "تفسير البيضاوى" (٤/ ٢٠). قوله: "لا ينطلب له" انفعال من الطلب؛ أي: لا يحصل، "لو طلب"، أي: لو طلب له - على البناء للمجهول -؛ أي: لا يمكن حصول الولد لو طلب له الطالب غيره تعالى، وهم الكفرة حيث طلبوا له الولد؛ أي: حكموا به فلم يمكن حصوله. انظر: "حاشية القونوي" (١٢/ ٣٠١).
[ ٦ / ٤٠٠ ]
وَيرِدُ عليه: أن المحالَ قد يستلزم المحالَ، فيجوز أن ينطلب على تقدير تحقُّق الطلب المحال، فبالتعليل المذكور لا يتمُّ التقريب.
وفائدة تخصيص الرحمن بالذِّكر وتكريره مرَّة بعد أخرى: أنه اسم مختصٌّ بالواجب بالذات باعتبار إفاضته الوجود وأصول النَّعَم على الكُلِّ، كما قيل: فلينكشف عن بصرك غطاؤه، فأنت وجميع ما عندك عطاؤنا، فكلُّ ما عداه نعمة أو مُنعَم عليه، فلا يُجانس مَن هو مُبدئ النِّعَم، والولد يجب أن يجانس الوالد، فلا يمكن له ولد، فمَن نَسب إليه الولد فقد شبهه بخلقه وأخرجه عن استحقاق اسمِ الرحمن، ولهذا اقتصر على المفعول الثاني على تفسير ﴿دَعَوْا﴾ بمعنى: سَمَّوا، للدلالة على العموم والإحاطة بكلِّ ما جعل ولدًا؛ لاستحالة مناسبة شيء مّا من خلقه له.
* * *
(٩٣) - ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾.
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ﴾ ﴿مَنْ﴾ نكرة موصوفة، صفتُها ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وخبر ﴿كُلُّ﴾: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ووحَّد ﴿آتِي﴾، ﴿آتِيهِ﴾ حملًا على لفظ (كلّ) وهو اسم فاعل من أتى، وهو مستقبَلٌ أي (^١): يأتيه ويلتجئ إليه.
و﴿عَبْدًا﴾ حال؛ أي: خاضعًا ذليلًا منقادًا.
والمعنى: ما كلُّ مَن في العالم من الثَّقَلين والمَلَك إلَّا وهو يأتي الله تعالى يوم القيامة مُقرًّا بالعبودية، وهي والبنوَّة متنافيان، حتى لو مَلَكَ الأبُ ابنَه يَعتِق عليه، وهذا تصريحٌ (^٢) لِمَا عُلم ممَّا تقدَّم التزامًا.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "مستقبل أتى".
(٢) في (م): "التصريح".
[ ٦ / ٤٠١ ]
(٩٤) - ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾.
﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ﴾ الإحصاء: الحَصْر والضبطُ، أي: أحاط بهم علمُه.
﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ أي: علم تفاصيلهم وأعدادهم، فكأنه عدَّهم بأشخاصهم فرادى فرادى، والله منزَّهٌ عن الحاجة إلى العدِّ.
* * *
(٩٥) - ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.
﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾: منفردًا، سواءٌ العابد والمعبود، ليس مع المعبود (^١) ممَّن يعبده أحدٌ يخدمه وينفعه، ولا مع العابد أحدٌ يَشفع له ويقرِّبه وينفعه.
* * *
(٩٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ سيُحدِث لهم في قلوب الناس مودَّةً من غير أن يتعرَّضوا للأسباب التي يُكتسب بها مودَّة، بل اصطناعًا من الله تعالى لعباده الخاصَّة، قال (^٢) قتادة: ما أقبل العبدُ إلى الله إلَّا أقبل اللهُ بقلوب العباد إليه.
وللَفظ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ هاهنا خصوصيةٌ تظهر بالتأمُّل في قوله ﵊: "إن قلوبَ بني آدم بين إصبعين من أصابعِ الرحمن يُقلِّبها كيف يشاء" (^٣).
_________________
(١) في (ف) و(ك): "معبودهم".
(٢) في (م): "فقال".
(٣) رواه مسلم (٢٦٥٤) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
[ ٦ / ٤٠٢ ]
والسين إمَّا لأن السورة مكيَّة، وكانوا ممقوتِين (^١) حينئذٍ بين الكفرة، فوعدهم اللهُ تعالى ذلك إذا دجا الإسلامُ (^٢)، أو لأن الموعود في القيامة حين تُعرَض حسناتهم على رؤوس الأشهاد، فينزع ما في صدورهم من الغلِّ.
* * *
(٩٧) - ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾.
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾: سهَّلناه مُنزَّلًا ﴿بِلِسَانِكَ﴾؛ أي: بلُغتك، وهو اللسان العربيُّ المبين، والفاء للسببية؛ لأن ما قبلها دلَّت على أن مقت (^٣) الكفرة إيَّاهم لا يضرُّهم، وسيَحدث بدله الحبُّ، فقال له: لا تخف وبلِّغ ما أُنزل إليك مبشِّرًا ونذيرًا.
﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾: الصائرين إلى التقوى.
﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾: اللُّدُّ جمع: أَلَدَّ، وهو الشديد (^٤) الخصومة في الباطل، الآخذُ في كلِّ لَديدٍ (^٥)؛ أي: شِقٍّ وجانب؛ لفَرْط اللّجاج والمِراء.
* * *
(٩٨) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ تخويفٌ لهم وإنذارٌ، وتجسير للرسول ﵊ على إنذارهم.
_________________
(١) في (م): "ممنوعين".
(٢) أي: قوي وشاع.
(٣) في (م): "منعت".
(٤) في (م): "شديد".
(٥) في (م): "لدية".
[ ٦ / ٤٠٣ ]
﴿هَلْ تُحِسُّ﴾ مِن حسَّه: إذا شعر به، ومنه الحِسُّ والمحسوس ﴿مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾؛ أي: هل ترى منهم أحدًا.
﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ الركز: الصوت الخفيُّ، وأصل التركيب: الخفاء، ومنه: ركَز الرُّمحَ، إذا غيَّب طرفه في الأرض، والرِّكاز: المال المدفون.
أي: قد ذهبوا وبادوا، فلا عينَ لهم ولا أَثَر، فكذا هؤلاء إن (^١) أعرضوا عن تدبُّر ما أُنزل إليك فعاقبتُهم الهلاك، فليَهُن عليك أمرُهم، والله تعالى أعلم بالصواب (^٢)
* * *
_________________
(١) في (م): "إذ".
(٢) "والله تعالى أعلم الصواب": ليست في (م).
[ ٦ / ٤٠٤ ]