﷽
(١) - ﴿يس﴾.
﴿يس﴾ كـ: ﴿الم﴾ في الإعراب (^٢).
وقرئ: بالكسر؛ كـ: جَيْرِ (^٣).
وبالفتح كـ: أَيْنَ (^٤)؛ للجدِّ في الهرب مِن التقاءِ الساكنين لا للبناء، أو على إضمارِ حرف القَسَم ومنعِ الصرف، أو بالنصب؛ على: اُتْلُ ﴿يس﴾.
وبالضَّمِّ كـ: (حيثُ) (^٥)، أو بالرفع على: هذه ﴿يس﴾.
* * *
(٢) - ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾.
_________________
(١) في (م) زيادة: "ثمانون وثلاث آيات مكية".
(٢) في (ف): "الأغلب".
(٣) نسبت لأبي السمال. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٤).
(٤) نسبت لعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق. انظر: "المحتسب" (٢/ ٢٠٣)، و"تفسير القرطبي" (١٨/ ٤٠٧).
(٥) نسبت لهارون الأعور ومحمد بن السميفع. انظر المرجع السابق.
[ ٨ / ٣٩٧ ]
وبتفخيم الألف وإمالتها (^١)، وبإدغام النون في واو: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ (^٢)، وهي واو القَسَم، أو العطف إن جعل ﴿يس﴾ مُقسَمًا به.
﴿الْحَكِيمِ﴾: ذي الحكمة، ومعنى ﴿يس﴾: يا إنسانُ، بلغة طيِّئ عند الهيثم بنِ عديٍّ، وبالسُّريانيَّة عند ابنِ عباس ﵄ (^٣).
وعند سعيد بنِ جُبَير: هو اسمٌ مِن أسماءِ محمَّد ﷺ (^٤)، دليله:
(٣) - ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ جواب القَسَم، وهو ردٌّ على الكفَّار في قولهم: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣].
* * *
(٤) - ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبرٌ بعد خبرٍ، أو صلة لـ ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾، أو حالٌ مِن المستكنِّ في الجارِّ والمجرور، وفائدتُه التصريحُ بالمدح، والجمعُ بين وصفِه ووصفِ شريعته، وتعظيمه وتعظيمها المستفادِ مِن التنكير.
* * *
_________________
(١) أَمالَ حمزة والكسائي وشعبة الياءَ غير مفرطين، والجمهور يفتحونها، ونافع وسطٌ بين ذلك. انظر: "السبعة" (ص: ٥٣٨)، و"التيسير" (ص: ١٨٣).
(٢) قرأ جمهور السبعة بسكون النون مدغمةً في الواو، والكسائي وأبو بكر وورش وابن عامر بسكونها مظهرةً. انظر المرجعين السابقين.
(٣) رواه الطبري في "التفسير" (١٩/ ١٩٨).
(٤) انظر: "تفسير القرطبي" (١٧/ ٤٠٨).
[ ٨ / ٣٩٨ ]
(٥) - ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾.
﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ وقرئ بالرفع (^١) على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وبالنصب على المدح، أو على أنَّه مصدرٌ؛ أي: نُزِّلَ تَنزيلَ، وبالجرِّ على البدل مِن (القرآن).
* * *
(٦) - ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾.
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ متعلِّق بـ ﴿تَنْزِيلَ﴾، أو معنى الإرسال في ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾.
إنْ جعلْتَ (ما) في: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ نافيةً، فالجملة في محلِّ النصب صفةٌ لـ ﴿قَوْمًا﴾؛ أي: قومًا غيرَ مُنذَرٍ آباؤهم، قيل (^٢): لقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦]، وفيه نظرٌ؛ إذ لا يَلزم مِن عدمِ إتيانِهم النذيرَ أنْ لا يكونوا مُنذَرين، فإنَّ إتيانَه بأهلِ الكتابِ وهم يعلمون ذلك يكفي في الإنذار.
وإنْ جعلتها موصولةً أو موصوفةً، فهي مع صلتِها أو صفتِها مفعولٌ ثانٍ لـ (تنذرَ)؛ أي: لتنذر قومًا الذي أُنذرَ به - أو: شيئًا أنذر به - آباؤهم مِن العذاب، كقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠].
وإن جعلتها مصدريَّةً، ففي محلِّ النصب على المصدر؛ أي: لتنذرَ قومًا ما أُنذرَ آباؤهم، والمعنى: إنذارًا مثلَ إنذارِ آبائهم (^٣).
وعلى الأول؛ يتعلَّق ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ بالفعل المنفيِّ؛ أي: لم يُنذَروا ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ على أنَّ عدمَ الإنذارِ هو سببُ غفلتهم.
_________________
(١) قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٨٣).
(٢) في (ي): "قبل".
(٣) قوله: "والمعنى: إنذارًا مثلَ إنذارِ آباءَهم" سقط من (ف) و(ك) و(م).
[ ٨ / ٣٩٩ ]
وعلى الثاني؛ تعليلٌ للإرسال والإنذار؛ أي: إنَّك لمن المرسلين لتُنذرَهم؛ فإنَّهم غافلون.
والمراد بآبائهم: الأقربونَ الذين في زمنِ الفترة والجاهلية إنْ حُمل ﴿مَا أُنْذِرَ﴾ على النفي، والأقدمونَ مِن وَلَدِ إسماعيَل ﵇ الذين كانت فيهم النذارةُ إنْ حُمل على الإثبات.
* * *
(٧) - ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾؛ أي: ثَبَتَ وَوَجبَ عليهم فهم لا يؤمنون، لمَّا علم مِن أعيانهم أنَّهم يموتون على الكفر باختيارهم إيَّاه وإصرارِهم عليه، فشاءَ منهم ذلك وأخبر عنهم به، وأمَّا قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] فلا يعيِّن الأشخاصَ، ولا يقتضي أن يكون ذلك أكثرَ المذكورين.
* * *
(٨) - ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ مثَّل تصميمَهم على الكفر وعدمَ مبالاتهم بالإنذار وتدبُّرِهم بالآياتِ تمثيلين؛ تقريرًا لتصميمِهم على الكفر وعدمِ إرعوائهم عنه؛ جعلهم كالمغلولين المُقمَحِين في أنَّهم لا يلتفتون إلى الحقِّ، ولا يَعطفون أعناقَهم نحوَه، ولا يُطأطئون رؤوسَهم، وجعلهم كالمحصورينَ المحبوسينَ بين سدَّين لا يُبصرون ما قدَّامهم ولا ما خَلْفهم، فلا يتبصَّرون العِبَر، ولا يتأمَّلون في آياتِ الله تعالى فيَعتبروا ويَنزجروا.
[ ٨ / ٤٠٠ ]
﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ الضمير للأغلال؛ أي (^١): هي عريضةٌ تبلغُ بحرفِها الأذقانَ، والذَّقن: مجتمعُ اللَّحْيَين، فيضطرُّ المغلول إلى رَفْعِ وجهِه إلى السماء، وذلك هو الإقماحُ.
﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾: رافعونَ رؤوسَهم، غاضُّونَ أبصارَهم، يقال: أَقمحهُ الغُلُّ، إذا تركَ رأسَه مرفوعًا مِن ضِيقه، وقال الفرَّاء: المُقمَح: الذي يغضُّ بصرَهُ بعد رَفْعِ رأسِه (^٢).
* * *
(٩) - ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ قرئ: بالفتح والضَّمِّ (^٣)، وقيل: بالفتح المصدر، وبالضَّمِّ الاسم، وقيل: ما كان مِن أعمالِ الناس فبالفتح، وما كان مِن خَلْق اللهِ تعالى فبالضَّمِّ.
﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾: فأغشينا أبصارهم؛ أي: غطَّيناها وجعلنا عليها غشاوةً عن أن تطمح إلى شيءٍ، والمعنى: فأعميناهم، وقرئ: بالعين الغير المعجمة؛ مِن العَشا (^٤).
﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾: فلا ينتفعون بالإنذار، وهو (^٥) مضمون قوله:
_________________
(١) في (م): "التي".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٧٣).
(٣) قرأ: ﴿سَدًّا﴾ بفتح السين الكسائي وحمزة وحفص، وباقي السبعة بضمها. انظر: "التيسير" (ص: ١٨٣).
(٤) في (ع) و(م) و(ي): "وهم"، وفي هامش (م): "لعله وهو".
(٥) نسبت لابن عباس وعكرمة ويحيى بن بعمر. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٤)، و"المحتسب" (٢/ ٢٠٤).
[ ٨ / ٤٠١ ]
(١٠) - ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ قد سبق تفسيرُه في سورة البقرة.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ استئنافٌ لبيانِ عدمِ نفعِ الإنذار في حقِّهم، لمَّا بيَّن أنَّ الإنذارَ لا يَنجَع فيهم، وأنَّ المقصودَ مِن الإنذارِ - وهو إيمان المُنذَر - لا يترتَّب عليه، وأنَّ الإنذارَ وعدمَه بالنسبة إليهم سواءٌ، أَخبر أنَّ إنذارَهم كلا إنذارٍ، فقال:
(١١) - ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ الإنذارَ المُنجعَ والمستتبعَ لفائدته ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾؛ أي: آمَنَ بما جاء مِن عندِ الله تعالى، فالذِّكْرُ: القرآنُ.
﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ الخشيةُ كنايةٌ عن الائتمار بالأوامر والانزجارِ عن المناهي، ويَعضده قوله:
﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ وذلك أنَّ الغفرانَ جزاءُ الإيمان، والأجرَ الكريمَ جزاءُ العمل، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: ٤].
وفي عبارة ﴿الرَّحْمَنَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ ما في الخشيةِ مِن الخوفِ ينبغي أنْ لا يخلوَ عن الرجاء، وذلك لأنَّ مقابلَ كلٍّ منهما مذمومٌ.
وإنَّما قال: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ إذ عند العَيانِ لا يبقى للخشية شأنٌ.
* * *
[ ٨ / ٤٠٢ ]
(١٢) - ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾.
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ نَبعثهم بعد مماتهم، أو نُخرِجهم مِن الضلالةِ بالهداية.
﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾؛ أي: ما أَسلفوا مِن الأعمالِ الصالحة والطالحة، عبَّر عن إحاطةِ علمِه بأعمالهم بالكتابة التي تُضبَط بها الأشياءُ، وكَنى بذلك عن المجازاةِ، فانتظم مع قوله: ﴿نُحْيِ الْمَوْتَى﴾.
﴿وَآثَارَهُمْ﴾ وما بقيَ بعدَهم مِن آثارٍ حسنةٍ أو سيِّئةٍ، ونحوُه قولُه تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]؛ أي: قدَّم من أعماله، وأخَّر مِن آثاره.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ منصوب بعاملٍ مُضمَرٍ يُفسِّره: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾، وقرئ: بالرفع على الابتداء (^١).
﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ يعني: اللوحَ المحفوظَ؛ لأنَّه أصلُ الكتبِ ومقتداها.
* * *
(١٣ - ١٤) - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾.
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾؛ أي: مثِّل لهم؛ مِن قولهم: عندي مِن هذا الضرب كذا؛ أي: مِن هذا المثال، هو يتعدَّى إلى مفعولين لتضمُّنه معنى الجَعل، وهما:
﴿مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ على حذفِ مضافٍ، تقديره: اجعل لهم مَثَلَ أصحابِ القريةِ مَثَلًا.
_________________
(١) نسبت لأبي السمال. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٤).
[ ٨ / ٤٠٣ ]
ويجوز أنْ يُقتصر على مفعولٍ واحدٍ كالجعل، ويُجعل المقدَّرُ بدلًا مِن الملفوظ أو بيانًا له؛ أي: اضْرِب لهم مَثَلًا مَثَلَ أصحابِ القريةِ.
والقريةُ: أَنطاكيةُ، عبَّر عنها هاهنا با لقرية، وفيما يأتي بالمدينة، رعايةً في كلٍّ مِن المقامَين ما يناسبه، وذلك أنَّ ما في أصلِ القرية مِن معنى الجمعِ يُناسبُ الأصحابَ، وما في أصِل المدينةِ مِن معنى الإطاعةِ يُناسِب غَرضَ ذلك الرجلِ مِن كلامه، وهو الحثُّ على اتِّباع المرسلين.
وانتصابُ ﴿إِذْ﴾ بأنَّه بدلٌ مِن أصحابِ القريةِ ﴿جَاءَهَا﴾ عدلَ عن الظاهر - وهو إرجاعُ الضميرِ إلى الأصحابِ - لأنَّ المذكورَ أوفرُ فائدةً، حيث دلَّ على أنَّهم بلَّغوا الرسالةَ إليهم في مقرِّ عزِّهم ومركزِ شوكتهم.
﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ رُسُلُ اللهِ ﵈، ذكره ابنُ عباسٍ وكعبٌ (^١)، وهو الظاهر مِن قوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ﴾ ومن قولهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾.
وقيل: رُسلُ عيسى ﵇، وإسنادُ الإرسالِ إليه تعالى لأنَّه فعلُ رسولِه وخليفتِه، وفيه تعظيمُه ﵇ (^٢)، بعثهم دعاةً إلى الحقِّ وكانوا عبدةَ أوثانٍ، و(إذ) بدلٌ مِن (إذ) الأولى.
﴿اثْنَيْنِ﴾ هما: يوحنَّا وبولس (^٣)، وقيلْ غيرُهما.
_________________
(١) يعني: كعب الأحبار. ورواه عنهما وعن وهب بنِ مُنبِّه الطبريُّ (١٩/ ٤١٣ - ٤١٤).
(٢) في (م): "تعظيم عيسى ﵇ وإسناد الإرسال إليه تعالى".
(٣) في (ف) و(م): "يحيى ويونس"، وكذا وقع في بعض نسخ البيضاوي، فقال الشهاب: قوله: (يحيى ويونس) وقع في نسخة بدله: يوحنا وبولص، وهو الذي صححه الشريف في "شرح المفتاح". ثم أشار الشهاب إلى أن هذا الذي صححه الشريف يندفع به قول من قال: إن المرسل عيسى ﵇؛ لأنّ يونس ﵇ لم يدرك زمن عيسى وإن أدركه يحيى كما فصل في التواريخ، كما =
[ ٨ / ٤٠٤ ]
﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا﴾: فقوَّينا (^١) ﴿بِثَالِثٍ﴾ هو شمعون، وقرئ: مخفَّفًا (^٢)؛ مِن عَزَّه: إذا غَلَبه، وإنَّما حذفَ المفعولُ لأنَّ المرادَ ذكرُ المعزَّز به وما لطف فيه مِن التدبير حتى عزَّ الحقُّ وذلَّ الباطل، وحقُّ الكلامِ المنصبِّ إلى غرضٍ تجريدُ سياقِه له؛ كأن (^٣) ما سواه مرفوض.
﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ التأكيد بـ (إنَّ) سبَقَ الإنكارَ منهم بمضمون جملة الخبر بتكذيبهم الرسولَين، والمعتبر عِلْمُ المُخبِر بإنكارِ المخاطَب لا صدورُه منه، وهو حاصل أيضًا، فلا صحَّة لِمَا قيل: إنَّه ابتداءُ إخبار، والثاني جوابٌ عن إنكار.
* * *
(١٥) - ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾.
﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾؛ أي: لا مزيَّة لكم علينا تقتضي اختصاصكم بما تدَّعون، ورفع ﴿بَشَرٌ﴾؛ لانتقاض النفي المقتضي إعمال ﴿مَا﴾ بـ ﴿إِلَّا﴾.
﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: وحيًا مِن السماء.
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ فيما تدَّعون، وإنَّما أُوثرَ صيغةُ الفعلِ مع أنَّ صيغةَ الفاعلِ أبلغُ؛ اعتبارًا لمعنى التجدُّد، فكأنَّه قيل: يُجدِّدونَ الكذبَ وقتًا بعد وقتٍ، ويستمرُّون على ذلك.
* * *
_________________
(١) = أن القول المذكور ينافي كون يحيى ويونس عليهما الصلاة والسلام نبيين في نفسهما. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٢٣٤).
(٢) في (ك): "فوقرنا".
(٣) قرأ بها شعبة عن عاصم. انظر: "التيسير" (ص: ١٨٣).
(٤) في (ف): "لأن".
[ ٨ / ٤٠٥ ]
(١٦) - ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾.
﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ لمَّا نَفوا الرسالةَ وبالغوا في ذلك، قابلوا إنكارهم في الجواب بمزيد التأكيد بقولهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾؛ لأنَّه استشهادٌ بعلمِ اللهِ تعالى جارٍ مجرى القَسَم في التوكيد، كما تقول: شَهِدَ اللهُ، وعَلِمَ الله، وبزيادة الَّلام، وبتقوية التأكيد، وتحسين الاستشهاد بقولهم:
(١٧) - ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: التبليغُ الظاهرُ المكشوفُ بالآيات الشاهدة لصحَّته، فإنَّ الاستشهادَ على الدعوى إنَّما يَحسُن ببيِّنة واضحة.
* * *
(١٨) - ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا﴾: تشاءَمنا ﴿بِكُمْ﴾ يعني: سمعنا منكم ما هو مِن جهة الفأل نذيرٌ بمكروهٍ يَلحقُنا (^١) في أنفسنا أو في أهلينا أو في أموالنا، أو غير ذلك مِن أسبابنا وأمورنا، فكفُّوا عن هذا الكلام ولا تُعاودونا به (^٢).
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ عمَّا نُهيتم عنه ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾: لنرمينَّكم بالحجارة ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ المَسُّ: إصابةٌ تتأثَّر منها البشرةُ.
* * *
(١٩) - ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.
_________________
(١) في (ك): "يلحينا".
(٢) في (م): "ولا تعادونا".
[ ٨ / ٤٠٦ ]
﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ﴾، أي: سببُ شؤمكم ﴿مَعَكُمْ﴾ وهو سوءُ اعتقادِكم وفسادُ أعمالكم.
﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ بهمزةِ الاستفهام وحرفِ الشرط، وقرئ: ﴿أَائنْ﴾ بألف بينهما (^١).
وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه؛ أي: أئن وُعِظتم تطيَّرتم وتوعَّدتم بالرجم والتعذيب، وقرئ: (أأن ذكرتم) بهمزة الاستفهام و(أنْ) الناصبة (^٢)؛ أي: أتَطيْرتُم لأنْ ذكرتم.
وقرئ: (أنْ) و(إنْ) بغيرِ استفهامٍ بمعنى الإخبار (^٣)؛ أي: إنْ ذكِّرتم تطيَّرتم، أو تطيرتم لأنْ ذكِّرتم.
و: (أيْن ذُكِرْتم) (^٤)، بمعنى: شُؤْمُكم معكم حيث جَرَى ذِكْركم، وهو أبلغ؛ لأَنَّه إذا شُئِمَ المكانُ بذِكْرهم، كان بحلولهم فيه أَشْأَمَ.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾: قومٌ عادتُكم الإسرافُ في العصيان، فمِن ثمَّة جاءَكم الشؤمُ، أو: أنتم مسرفونَ في غيِّكم وضلالِكم؛ حيث تشاءمتم بمَن يجب التبرُّكُ به مِن رسلِ اللهِ تعالى.
_________________
(١) قرأ بها هشام. انظر: "التيسير" (ص: ٣٢).
(٢) نسبت لزر بن حبيش. انظر: "البحر" (١٨/ ٨٥)، و"الكشاف" (٤/ ٩).
(٣) نسبت الأولى للماجشون يوسف بن يعقوب المدني، والثانية للحسن. انظر: "المحتسب" (٢/ ٢٠٥)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٤٥٠)، و"الكشاف" (٤/ ٩).
(٤) أي: (أين) بهمزة مفتوحة وياء ساكنة وفتح النون ظرف مكان (ذكرتم) بتخفيف الكاف على أن (أين) ظرف أداة شرط وجوابها محذوف لدلالة (طائركم) عليه، نسبت للحسن وقتادة والأعمش وغيرهم. انظر: "المحتسب" (٢/ ٢٠٥)، و"البحر" (١٨/ ٨٥)، و"الكشاف" (٤/ ٩).
[ ٨ / ٤٠٧ ]
(٢٠) - ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ هو: حبيبُ بنُ إسرائيل (^١) النجَّارُ؛ وكان يَنحتُ الأصنامَ.
﴿يَسْعَى﴾: يقصدُ وجهَ الله تعالى بالذَّبِّ عن رسله وهو مِن قوله: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]، والسعيُ في الأصل: المشيُ بسرعةٍ وخفَّةِ حركةٍ، ثم استُعير للجِدِّ في إصلاح أمرٍ وفسادٍ.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ، على تقدير سؤالِ سائلٍ عمَّا قال عند ذلك: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ باحَ بإسلامِه ليشغل (^٢) القومَ عن الرسل، وقولُه: ﴿يَاقَوْمِ﴾ دلالةٌ وإظهارٌ منه أنَّه لا مباينةَ بيننا، ولا تهمَةَ في إرادةِ السوءِ بكم.
* * *
(٢١) - ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ كلمةٌ جامعةٌ في الترغيب؛ أي: لا تَخسرون معهم شيئًا مِن دنياكم، وتربحون صحَّة دينكم، فينتظِم لكم خيرُ الدنيا وخيرُ الآخرة، ورشَّحها وقوَّاها بإبراز مناصحتِهم في صورة المناصحة لنفسه؛ ليكون أَدخلَ في إمحاض النُّصْح؛ حيث أرادَ لهم ما أرادَ لنفسِه، وليتلطَّف بهم ويُداريهم حتى لا يتعصبوا (^٣) فيَقبلوا، فوضعَ قوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ مكان قوله:
_________________
(١) في (ك): "أوس".
(٢) في (ك): "لشغل"، وفي (ع) و(م): "ليشتغل".
(٣) في (ع) و(م) و(ي): "يمتعصوا".
[ ٨ / ٤٠٨ ]
وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، وأَومأ إلى المرادِ بقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ مبالغةً في التهديد، وإلَّا لقال: وإليه أَرجعُ، ثم عاد إلى المساق الأول فقال:
* * *
(٢٣) - ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾.
﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾؛ أي: أصنامًا، دلَّ على أنَّهم كانوا عبدةَ أصنامٍ.
﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ نفى الشفاعة رأسًا، كقوله:
ولا ترى الضَّبَّ بها يَنْجَحِرْ (^١)
﴿وَلَا يُنْقِذُونِ﴾: ولا يَقدرون على إنقاذي مِن ذلك الضرر؛ أي: لا نفعَ مِن جهتهم بالشفاعة ولا دفعَ بالقدرة.
* * *
(٢٤) - ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ تقريعٌ على تركِ عبادةِ خالقِهم إلى عبادة مَن يَضرُّ ولا ينفع، وقد برهنَ في أثناء كلامه على ضلالتهم؛ حيث ذكر أنَّ الله تعالى هو المبدئُ الفاطرُ، وإليه الرجوعُ، ومنه الرحمة العامَّة الشاملةُ، وله القدرة التامَّةُ
_________________
(١) عجز بيت تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، ومعناه: لا ضب ولا انجحار، وصدره: لا تفزعُ الأرنبَ أهوالها
[ ٨ / ٤٠٩ ]
الكاملة، وهو الذي إذا أراد بأحدٍ شيئًا مِن الضَّرِّ والنفع فَعَلَ، فإنْ تركتُ عبادتَه إلى عبادةِ ما لا يضرُّ ولا ينفعُ ولا تُغني شفاعته شيئًا، ولا يَقدر على إنقاذِ مَن ابتلاهُ اللهُ تعالى بالنُّصرة والمظاهرة، أو أَشركْتُه به في عبادته؛ فإني إذًا لفي ضلالٍ مبينٍ (^١)، ولا يخفى على عاقل.
* * *
(٢٥) - ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾.
﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾؛ أي (^٢): فاتَّبعوني، السماعُ هنا مجازٌ عن الاتِّباع، إذ لا وجهَ للترتيب بينَ سماعِ القولِ منه وإيمانِه، قيل: رَجَموهُ وهو يقول: اللَّهمَّ اهْدِ قومي. وقبرُه في سوقِ أنطاكية، وباشتغالهم بقتله تخلَّص الرسل.
* * *
(٢٦) - ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾.
﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ استئنافٌ؛ لأنَّ قصَّتَه مظنَّةُ السؤالِ عن حالِه، كأنَّ سائلًا سأل فقال: كيف كان لقاءُ ربِّه بعد ذلك التصلُّب في نصرةِ دينه، والتَّسخِّي بروحه، فقيل: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾، ولمَّا كان السؤالُ عن المقولِ سيقَ الجواب لبيانه، وجرِّد عمَّا لا حاجةَ إليه وهو بيانُ المقول له، مع كونه معلومًا.
وكذلك قوله: ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ استئنافٌ على تقدير سؤال سائلٍ عمَّا قال عند ذلك الفعل العظيم.
* * *
_________________
(١) في (م): "بين".
(٢) "أي": ليست في (م).
[ ٨ / ٤١٠ ]
(٢٧) - ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾.
﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ (ما) مصدرَّية؛ أي: بغفران ربِّي لي، أو موصولة؛ أي: بالذي غفرهُ لي مِن ذنبي، ويحتمل أن تكون استفهاميَّةً؛ أي: بأيِّ شيءٍ غفرَ لي ربِّي؟ على الأصل مع أنَّ الأكثرَ حذفُ الألف، تقول: قد علمتُ بما صنعتَ هذا؟ أي: بأيِّ شيءٍ صنعت، والأكثر: بِمَ صنعت؟
تمنَّى أنْ يَعلمَ قومُه بأنَّه غُفرَ له بإيمانه؛ فيَرغبوا في الإيمان، وهذا مرتبةُ أولياءِ اللهِ تعالى، يريدون الخير بمَن أراد بهم الشَّرَّ، ويتمنَّون أنْ لا يكون لله تعالى عاصيًا.
﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ بإعطاءِ المنزلةِ الرفيعةِ في الجنَّة، دلَّ ذلك (^١) على أنَّ الجنَّةَ مخلوقةٌ، وعلى أنَّ القبرَ روضةٌ مِن رياضِها، أو حفرةٌ مِن حُفَرِ النيران.
* * *
(٢٨) - ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾.
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعد واقعته ﴿مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ استحقارٌ لإهلاكهم، وإيماءٌ إلى تعظيمِ رسولِ الله ﷺ؛ أي: كُفينا أمرَ إهلاكهم بصيحةٍ واحدةٍ مِن مَلَكٍ، وما أَنزلنا عليهم جندًا مِن الجنود السماويَّة كما فَعَلنا يومَ بدرٍ والخندقِ.
﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ وما صحَّ في حكمتنا أنْ نُنزِل؛ لأنَّ إنزالَ جنودِ السماء مِن معظَّماتِ الأمور التي لا يُؤهَّل لها إلَّا مثلُك، وقد أهلكَ اللهُ تعالى كلَّ أمَّةٍ بسببٍ تقتضيه حكمته، ولم يُنزل جنودَ السماءِ لانتصارِ أحدٍ مِن الأنبياء ﵈ إلَّا لانتصارِ محمَّدٍ ﵊؛ لكرامته عند اللهِ وتفضُّله على سائرِ الأنبياء، وإلَّا لكان يكفي في نصرته مَلَكٌ واحدٌ.
_________________
(١) "ذلك": ليست في (م).
[ ٨ / ٤١١ ]
(٢٩) - ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.
﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ كان القياسُ التذكيرَ؛ لأنَّ الأصلَ ما وقع شيءٌ إلَّا صيحةً واحدةً، ولكن طُوبِقت بها الصيحةُ لأنَّها في حكمِ فاعلِ الفعلِ، وعليها قراءةُ الحسنِ: ﴿فأَصبحوا لا تُرَى إلَّا مساكِنُهم﴾ [الأحقاف: ٢٩]؛ بتأنيث الفعلِ المبنيِّ للمفعول، ورفع (مساكنُهم).
وقرئ: ﴿إِلَّا صَيْحَةٌ﴾ بالرفع (^١)، على (كان) التامَّة؛ أي: وما وقعت إلَّا صيحةٌ.
﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ بناءً على تشبيهِ الحرارةِ الغريزيةِ بحرارةِ النارِ، وانطفائِها بخمود النار، على الاستعارة بالكناية، أي: خمدوا كما تَخمد النارُ، وذلك أنَّ الروحَ عند الفَزَع الشديدِ تتحرَّك مع الدمِ إلى الباطنِ دفعةً دفعةً، فتختنق مِن شدَّة الانحصار والاجتماع، فتنطفئ.
* * *
(٣٠) - ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ الحسرة هي بلوغُ النهايةِ في التلهُّف حتى يبقى القلبُ حَسيرًا لا موضعَ فيه لزيادةِ التلهُّف، كالبصيرِ الحسير الذي لا قوَّةَ فيه للنظر، والبعيرِ الحسير الذي لا قوَّة له على المسير، وهذا نداءٌ على الحسرة عليهم، كأنَّها قيل لها: تعالي يا حسرةُ فهذه من الأحوال (^٢) التي حقُّك أنْ تَحضُري فيها، وهي ما دلَّ عليه: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
_________________
(١) قرأ بها أبو جعفر. انظر: "النشر" (٢/ ٣٥٣).
(٢) في (ف) و(ك): "الأفعال".
[ ٨ / ٤١٢ ]
ويجوز أن يكون المعنى: أنَّهم متحسَّرٌ عليهم مِن الله تعالى، على سبيل الاستعارة، والمرادُ: تعظيمُ ما جَنَوهُ على أنفسِهم، وفرطُ إنكارِه له وتعجيبه منه، ويعضده قراءةُ مَن قرأ: (يا حسرتا) (^١)؛ لأنَّ المعنى: يا حسرتي.
وقرئ: (يا حسرةَ العبادِ) (^٢)؛ بالإضافة إلى الفاعل أو المفعول؛ لاختصاصها بهم مِن حيث إنَّها موجَّهةٌ إليهم.
و: (يا حسرةَ على العبادِ) (^٣)؛ على إجراء الوصل مجرى الوقف، والمعنى: أنَّهم أحقَّاءُ بأنْ يُتحسَّر عليهم، أو هم متحسَّرٌ عليهم مِن جهةِ الملائكةِ والمؤمنين مِن الثَّقَليْن.
* * *
(٣١) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.
﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ معلَّق عن العمل في ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ لأنَّ (كم) لا يعمل فيها ما قبلها وإن كانت خبريةً؛ لأنَّها وُضعت لإنشاء التكثير، أو لأنَّ أصلَها الاستفهام، وإنَّما جاز تعليقُ فعلِ الرؤيةِ لأنَّه بمعنى: أَلم يعلموا، إلا أنَّ معناه نافذٌ في الجملة كما نفذ في قولك: أَلم يَروا إنَّ زيدًا لمُنطلِقٌ، وإنْ لم يعمل في لفظه، ولهذا أبدل:
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٤/ ١٣)، و"البحر المحيط" (١٨/ ٩٧).
(٢) نسبت لابن عباس وأُبي والحسن وعلي بن الحسين وغيرهم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٥)، و"المحتسب" (٢/ ٢٠٨)، و"الكشاف" (٤/ ١٣)، و"البحر المحيط" (١٨/ ٩٦).
(٣) نسبت لابن عباس. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٥)، و"الكشاف" (٤/ ١٣)، و"البحر المحيط" (١٨/ ٩٦).
[ ٨ / ٤١٣ ]
﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ مِن ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ على المعنى لا على اللفظ، تقديره: أَلم يَرَوا كثرةَ إهلاكِنا القرونَ مِن قبلِهم كونَهم غيرَ راجعين إليهم.
وقيل: إنَّه بدلٌ مِن موضع ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، وليس بدلًا مِن (كم) وحدَه؛ لأنَّ العاملَ فيه هو: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، ولا يصلح (^١) عاملًا في البدل.
وقرئ بالكسر (^٢) على الاستئناف.
وقرئ: (أَلم يَرَوا مَن أهلكنا) (^٣)، والبدل على هذه القراءة بدلُ اشتمال (^٤).
* * *
(٣٢) - ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾.
﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ﴾ (إنْ) مخفَّفة مِن الثقيلة، واللام هي الفارقة، و(ما) مزيدةٌ للتأكيد، وقرئ: ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد (^٥)؛ على أنَّ (إنْ) نافية، و(لمَّا) بمعنى: (إلَّا).
و﴿كُلٌّ﴾ بمعنى الإحاطة، وأنْ لا ينفلتَ منهم أحدٌ، والجمع بمعنى الاجتماع، وأنَّ مجمعهم (^٦) المحشرُ، فالتنوين في ﴿كُلٌّ﴾ عوضٌ مِن المضافِ إليه؛ أي: كلُّهم محشورونَ مجموعونَ ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ للحساب يوم القيامة، وقيل: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ في النار معذَّبون.
_________________
(١) في (م): "يصح".
(٢) أي: (إنَّهم)، ونسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٥).
(٣) نسبت لابن مسعود. انظر: "تفسير القرطبي" (١٧/ ٤٣٨)، و"البحر المحيط" (١٨/ ١٠١).
(٤) في (م): "الاشتمال".
(٥) قرأ بها ابن عامر وعاصم وحمزة، وباقي السبعة بالتخفيف. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٩).
(٦) في (ك): "يجمعهم".
[ ٨ / ٤١٤ ]
(٣٣) - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾.
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾: ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿آيَةٌ لَهُمُ﴾.
و﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ استئنافٌ لبيان كون الأرض الميتة آيةً لهم، ويجوز أن يكون صفةً لـ ﴿الْأَرْضُ﴾؛ لأنَّ المرادَ الجنسُ المطلقُ لا أرضٌ بعينِها، فجاز وصفُها بالنكرة.
وأن تكون ﴿آيَةٌ﴾ مبتدأً، و﴿لَهُمُ﴾ صفتَها، و﴿الْأَرْضُ﴾ خبرَها.
وأن يكون ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ خبرًا للأرض، والجملة خبر ﴿آيَةٌ﴾ أو صفةٌ لها.
﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ المرادُ بالحَبِّ: الجنسُ، وتقديمُ الظرفِ في قوله: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ للدلالة على أنَّ الحبَّ معظمُ ما يُؤكَل ويُعاشُ به، ويقومُ البدنُ بالارتزاقِ منه، أَلَا ترى أنَّه إذا فُقِدَ حضر الهلاكُ بالقَحْط وعَمَّ البلاءُ؟
* * *
(٣٤) - ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ﴾: بساتينَ ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾: مِن أنواعِ النَّخْل والعنبِ، ولذلك جمعهما دونَ الحبِّ؛ فإنَّ كونَه قوامُ البدنِ باعتبار جنسِه لا باعتبار تنوُّعِه.
وأمَّا ما قيل: إنَّ ذلك لأنَّ الدَّالَّ على الجنسِ مشعِرٌ بالاختلاف، ولا كذلك الدَّالُّ على الأنواعِ = خلافُ ما هو المشهور وعليه الجمهور، فإنَّهم قالوا: في العالَمين إشعارٌ بالاختلاف دون العالَم.
وذكرُ النخيل النخيل دونَ التمور - مع مطابقتها الحبَّ والأعنابَ - لاختصاص شجرِها بمزيد النفع وآثار الصُّنع.
[ ٨ / ٤١٥ ]
﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا﴾ وقرئ: بالتخفيف (^١)، والفَجْر والتفجير كالفَتْح والتفتيح لفظًا ومعنًى، في أنَّ التشديدَ للمبالغة والتكثير.
﴿مِنَ الْعُيُونِ﴾ ﴿مِنَ﴾ زائدة عند الأخفش، وعند غيرِه المفعولُ محذوفٌ؛ أي: شيئًا مِن العيون.
* * *
(٣٥) - ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾.
﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ الضميرُ للتفجير (^٢)؛ أي: لينتفِعوا بفوائده (^٣)، يقال: ثمرةُ التجارةِ الربحُ، وتخصيصُ الأَكْلِ بالذِّكر لأنَّه معظمُ الفوائد.
وقرئ: بضمَّتين (^٤)، وهو لغةٌ فيه، أو جمع: ثمار.
﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ عطفٌ على الثمر، أو على موضع ﴿مِنْ ثَمَرِهِ﴾، والمراد: ما يُتَّخذ منه كالعصير والدِّبْس والخَلِّ وكلِّ ما يُتَّخذ مِن التمر والعنب.
وقيل: (ما) نافيةٌ، والمراد أنَّ الثمرَ بخلقِ اللهِ تعالى لا بفعلهم، ويؤيِّد الأولَ قراءةُ: (وما عملت) (^٥)؛ مِن غيرِ راجعٍ؛ لأنَّ حذفَ الراجعِ مِن الصلةِ أحسنُ مِن غيرها.
﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ استبطاءٌ وحثٌّ على شُكر نعمه.
_________________
(١) نسبت لجناح بن حبيش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٥).
(٢) في (ف) و(م): "للتعجيب".
(٣) في (م): "أي: لتبتغوا فوائده".
(٤) قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٥).
(٥) قرأ بها حمزة والكسائي وشعبة. انظر: "التيسير" (ص: ١٨٤).
[ ٨ / ٤١٦ ]
(٣٦) - ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾: الأجناسَ والأصنافَ ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ مِن النَّخل والشجرِ والزرعِ والثمر.
﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الأولاد ذكورًا وإناثًا ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ ومن أزواجٍ لم يُطلعهم اللهُ تعالى عليها، ولم يَجعل لهم طريقًا إلى معرفتِه.
* * *
(٣٧) - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾.
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ فيه الوجهان المذكوران فيما تقدَّم من نظيره، وفي: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ الوجوهُ المذكورة في ﴿أحيينا﴾؛ مِن الاستئنافِ والصفةِ والخبريَّةِ.
والسَّلْخُ: الكَشْطُ، يقال: سَلَخَ جلدَ الشاةِ، إذا كَشَطَهُ، فاستُعيرَ لإزالة الضوءِ وكشفِه عن مكان الليل ومَلْقى ظلِّه (^١).
﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾: داخلون في الظلام.
* * *
(٣٨) - ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾: لحدٍّ معيَّنٍ مِن فَلَكها ينتهي إليه دورُها في آخِرِ كلِّ سنةٍ.
_________________
(١) في هامش (ف) و(ي): "فالمستعار لفظ السلخ، والمستعار منه معنى الكشط، والمستعار له معنى الإزالة، ومن قال: مستعار من سلخ الجلد، لم يصب كما لا يخفى. منه".
[ ٨ / ٤١٧ ]
وقيل: الوقت الذي تستقرُّ فيه وينقطع جريُها (^١)، وهو يوم القيامة.
وقرئ: (إلى مستقرٍّ لها)، وقرئ: (لا مستقرَّ لها) (^٢)، أي: لا استقرارَ إلَّا أنْ يُكوِّرها اللهُ تعالى يومَ القيامة، على أنَّ (لا) بمعنى (ليس).
﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ذلك الجريُ على هذا التقدير العجيبِ ما هو إلَّا تقدير الغالبِ بقدرته على كلِّ مقدورٍ، المحيطُ علمًا بكلِّ معلومٍ.
* * *
(٣٩) - ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾.
﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾؛ أي: قدرَّنا مسيرَه ﴿مَنَازِلَ﴾ على حذف المضاف؛ وهي ثمانيةٌ وعشرونَ مَنزلًا؛ يَنزل كلَّ ليلةٍ في واحدةٍ منها لا يتخطَّاها ولا يَتقاصر عنه، على السَّواء إلى الثامنة والعشرين، فيَدِقُّ مستَقْوِسًا (^٣) كالعُرْجونِ القديمِ، ثم يَغيبُ ليلةً إذا نقص الشهرُ أو في ليلتين إذا تمَّ، وهذا ما ذكره (^٤) بقوله:
﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ العُرجون: العُودُ والعِذْقُ ما بين شماريخه إلى منبتِه مِن النخلة، قال (^٥) الزجَّاج: هو فُعْلون مِن الانعراج، وهو الانعطاف (^٦).
وقرئ: (العِرْجَون) بوزن الفِرْجَون (^٧)، وهما لغتان، كالبِزْيَون والبُزْيُون.
_________________
(١) في (ك): "مدتها".
(٢) انظر القراءتين في "الكشاف" (٤/ ١٦)، و"البحر المحيط" (١٨/ ١٠٨).
(٣) في (ك): "مستقر". وفي (ف): "مستقره".
(٤) في (م): "ذكر".
(٥) في (م): "وقال".
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٢٧٨)، و"الكشاف" (٤/ ١٧) وعنه نقل المؤلف.
(٧) نسبت لسليمان التيمي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٥).
[ ٨ / ٤١٨ ]
والقديم: المُحْوِل، وإذا قَدُمَ العرجونُ دقَّ وانحنى واصفرَّ فشُبِّه به مِن ثلاثةِ أوجهٍ.
* * *
(٤٠) - ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا﴾؛ أي: لا يصحُّ ولا يَستقيم لها ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ وتجتمعَ معه وتُداخِله في سلطانه، فتطمسَ نورَهُ؛ لأنَّ التدبيرَ الإلهيَّ اقتضى المعاقبةَ.
وإيلاءُ الشمس حرفَ النفي للدِّلالة على أنَّها مسخَّرةٌ لم يتيسَّر لها إلَّا ما قدِّر لها مِن السير والطريق (^١).
وإنَّما وَصَفها بالإدراك، ووَصَف القمرَ بالسَّبقِ ضمنًا (^٢)؛ لسرعة سيره بالنسبة إليها، فإنَّه يَقطع بحركته في شهرٍ ما تقطعُ الشمس في سَنَةٍ مِن المسافة، فيناسبه السبقُ، ومِن هاهنا ظهر نسبةُ السبقِ إلى الليل دون النهار في قوله:
﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾؛ أي: لا الليلُ يَسبقه فيزيلُ ضوءَه لذلك.
وقيل: المراد بهما آيتاهما (^٣)؛ وهي الشمس والقمر، فيكون عكسَ الأول،
_________________
(١) من حيث إن تقديم المسند إليه على الفعل وجعلَه بعد حرف النفي نحو: ما أنا قلت هذا، وما زيد سعى في حاجتك، يفيد التخصيص؛ أي: ما أنا قلت هذا بل غيري، وما زيد سعي في حاجتك بل غيره، على ما حققه علماء البلاغة. انظر: "روح المعاني" (٢٢/ ٣٤٨).
(٢) "ضمنا": ليست في (م).
(٣) في (ك): "إثباتهما".
[ ٨ / ٤١٩ ]
وذلك أنَّ صلاحَ النباتِ والحيوانِ وجميعَ الشؤونِ الإلهيَّةِ مبنيٌّ على تعاقبِهما، وأنْ يكون لكلٍّ منهما سلطانٌ على حياله (^١)
وقرئ: (سابقٌ النهارَ) بالتنوين ونصب (النهار) (^٢)؛ على الأصل.
﴿وَكُلٌّ﴾ التنوينُ عوضٌ مِن المضاف إليه؛ أي: كلُّ واحدٍ منهما.
﴿فِي فَلَكٍ﴾؛ أي: في فلكٍ غيرِ فلكِ الآخَرِ، الجمهورُ على أنَّ الفلكَ موجٌ مكفوف تحت السماء تَجري فيه الشمسُ والقمرُ والنجومُ، وعلى هذا المراد مِن الفَلَكِ الجنسُ.
﴿يَسْبَحُونَ﴾: يسيرون فيه (^٣) بانبساطٍ، فإنَّ كلَّ ما انبسطَ في شيءٍ فقد سَبَحَ فيه، ومنه السباحة في الماء، وإنَّما جُمع جمعَ العقلاءِ للوصف بفعلهم.
* * *
(٤١) - ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا﴾ لم يقل: وآية لهم الفلكُ، كما قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾؛ لأنَّ العَجَبَ حملُهم على الفُلكِ، لا نفس الفلكِ فإنَّه بيتٌ مبنيٌّ مِن الخشب.
﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: أولادَهم ومَن يَهمُّهم حملُه، وقيل: اسمُ الذرَّية يقع على النساءِ؛ لأنَّهنَّ مَزارعُها، وفي الحديث: أَّنه ﵇ نَهى عن قَتْل الذَّراري (^٤)،
_________________
(١) في (ف) و(ك): "إحاله"، وفي (ي): "حيدته"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما "تفسير القرطبي" (١٧/ ٤٥٠).
(٢) نسبت لعمارة بن عقيل. انظر: "مختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٥).
(٣) "فيه": ليست في (م).
(٤) انظر: "الكشاف" (٤/ ١٨)، و"الفائق" (٢/ ٧)، ورواه بنحوه النَّسَائِيّ في "الكبرى" (٨٥٧١) و(٨٥٧٢)، وابن ماجه (٢٨٤٢)، من حديث رباح بن الربيع ﵁. ورواه النَّسَائِيّ في =
[ ٨ / ٤٢٠ ]
يعني: النساءَ، وتخصيصُ الذريات لأنَّه لا قدرة لهم على السفر، فكان الامتنانُ في حقِّهم أظهرَ.
﴿فِي الْفُلْكِ﴾ قيل: المراد فُلْكُ نوحٍ ﵇، قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩]، فعلى هذا يُراد بالذرية الأسلافُ؛ لأنَّه مِن الذَّرِّ، أو هو (^١) الخَلْق فيَصلح الاسمُ للأصل والنَّسْل؛ لأنَّ بعضَهم خُلق مِن بعضٍ.
ويجوز أن يكون المعنى: أنَّه تعالى حمل آباءَهم الأقدمينَ وفي أصلابهم ذرياتُهم، وتخصيص الذرية لأنَّ الخطابَ للكفار، ولا فائدةَ في وجودهم، فلم يكن الحملُ حملًا لهم، بل كان حملًا لِمَا في أصلابهم مِن المؤمنين.
ولم يقل: على الفلك، مع أنَّه الأنسبُ للحمل؛ لأنَّ معنى الحفظِ المستفادِ مِن حرفِ الظرفِ أَدْخلُ في الامتنانِ وأنسبُ لِمَا قُصدَ مِن توصيفِ الفلكِ بقوله:
﴿الْمَشْحُونِ﴾ لمَّا كانت السفينةُ مملوءةً بأنواع المخاوف؛ مِن سباعِ البهائم وجوارحِ الطير وهوامِّ الدَّوابِّ، كان (^٢) حفظُ بني آدمَ فيما بينهم مِن آثارِ اللُّطف العظيمِ والقدرةِ الباهرة، ولولا (^٣) ذلك الاعتبارُ اللطيفُ لكان التوصيفُ بالمشحون بمعزلٍ عن مقامِ الغرابة المستفادةِ مِن عبارة الآية؛ لأنَّ القرارَ على الفُلكِ المشحونِ الثقيلِ أهونُ مِن القرار على الفُلكِ الخالي الخفيفِ، ولذلك لم يُوصَف الفُلكُ به في قوله: ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢].
* * *
_________________
(١) = "الكبرى" (٨٥٧٣)، وابن ماجه (٢٨٤٢)، من حديث حنظلة الكاتب ﵁.
(٢) في (ك): (هذا).
(٣) في (م): "فكان".
(٤) في (م): "لولا".
[ ٨ / ٤٢١ ]
(٤٢) - ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾.
﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾: جنسِ الفُلكِ ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ مِن الإبل؛ فإنَّها سفائنُ البَرِّ، أو: مِن مِثْلِ فلكِ نوحٍ ﵇ مِن السُّفن والزَّوارق.
* * *
(٤٣) - ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾.
﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ والصريخُ والصارخُ بمعنى المستغيث، ويجيء بمعنى الإغاثة لأنَّ أصلَه مصدر بمعنى الصراخ، وقد سبق تفسيره في السورة السابقة.
﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾؛ أي: لا يُخلَّصون بعد ذلك.
* * *
(٤٤) - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾.
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ إلَّا لرحمةٍ منَّا وتمتيعٍ بالحياةِ إلى زمانٍ قُدِّرَ لآجالهم.
* * *
(٤٥) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ مِن الوقائعِ النازلةِ بالأُمم المكذِّبة قبلهم ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ مِن الساعة وأهوالِها، أو نوازل السماء ونوائبِ الأرض، أو ما تقدَّم مِن ذنوبكم وما تأخَّر، أو فتنة الدنيا وعقوبة الآخرة.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: لتكونوا راجينَ رحمةَ الله تعالى.
* * *
[ ٨ / ٤٢٢ ]
(٤٦) - ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى للتأكيد، وجواب (إذا) محذوفٌ مدلولٌ عليه بقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ كأنَّه قال: وإذا قيلَ لهم: اتَّقوا، أَعرضوا، ثم قال: ودأْبهم الإعراضُ عند كلِّ آيةٍ وموعظةٍ، فهو تذييلٌ مؤكِّدٌ لِمَا سبق مِن حديث الإعراض.
* * *
(٤٧) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ لم يَذكُر المُنفَق عليه؛ لأنَّ إباءَهم (^١) وإن كان عن الإنفاق وعلى المؤمنين خاصَّة، إلَّا أنَّ مُوجَبَ ما تعلَّلوا به سدُّ بابِ الإنفاقِ رأسًا، وللإشعار إلى هذا تُركَ المُنفَقُ عليه.
﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ إشارةٌ (^٢) إلى أنَّ البُخلَ به في غايةِ القُبح، فإنَّ أبخلَ البخلاءِ مَن يبخلُ بمالِ الغير.
﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالصانع تعالى، يعني: مُعطِّلةً كانوا بمكة ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ تهكمًا بهم، وذلك أنَّهم لمَّا سمعوا المؤمنين يعلِّقون الأمورَ بمشيئة اللهِ تعالى، يقولون: لو شاءَ اللهُ لكان كذا، وافترصوا (^٣) هذا الكلام فرصةً، واتَّخذوه هزوًا يستهزئون بالمؤمنين، يُجيبون به عند أمرهم بالإنفاق.
_________________
(١) في (ع) و(م) و(ي): "إيباءهم" بياء قبل الباء، وكذا وقع في هذه النسخ الثلاث جميع ما سيأتي.
(٢) في (م): "الإشارة".
(٣) في (ع) و(ي): "وافترضوا".
[ ٨ / ٤٢٣ ]
والتصريحُ بالوصفين مِن الكفر والإيمان لبيان أنَّ المقولَ إليهم هم الكافرون، والقائلَ لهم (^١) هم المؤمنون، وأنَّ كلَّ وصفٍ حاملٌ لصاحبه على ما صدرَ عنه، إذ:
كلُّ إناءٍ بالذي فيه يَرشح (^٢)
وأيضًا لمَّا كان الغرضُ الرَّدَّ على المؤمنين لا الامتناعَ عن الإطعام (^٣) - لأنَّه ممَّا يفتخرون به - كان حقُّ المقام التصريحَ بوصف الإيمان في المقولِ له، ومِن هنا تبيَّن وجهٌ آخَرُ للعدول عن عبارة الإنفاق إلى عبارة الإطعام.
﴿أَنُطْعِمُ﴾ لمَّا كان الإطعامُ أدنى وجوهِ الإنفاقِ وأَعلى ما يفتخرونَ به، كان الإباءُ عنه إباءً عن الإنفاقِ رأسًا.
﴿مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ على زعمكم.
وقيل: نزلت في مشركي مكَّة حين استطعمهم فقراءُ المؤمنين مِن أموالهم التي جعلوها للهِ تعالى، فحرموهم وقالوا: لو شاءَ اللهُ لأطعمكم، مُوهمينَ أنَّ اللهَ قادرٌ على إطعامهم، ولا يشاءُ إطعامَهم، فنحن أحقُّ بذلك.
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ حيث أَمرتمونا بما يخالف مشيئةَ الله (^٤) تعالى.
_________________
(١) "لهم": ليست في (م).
(٢) انظر: "البحر" (١٨/ ١١٨)، وهذا عجز بيت نسب لكشاجم كما في "محاضرات الأدباء" (١/ ٤٥٢)، وصدره: ويأبي الذي في القلب إلا تبينا … وكل إناء
(٣) في (م): "الطعام".
(٤) في (م): "مشيئته".
[ ٨ / ٤٢٤ ]
ويجوز أن لا يكون مِن تتمَّة كلامهم، ويكون جوابًا مِن الله تعالى لهم، أو حكايةً لجواب المؤمنين لهم، بأنَّ ذلك مِن فرط ضلالتهم وجهالتهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى يُطعِم مَن يشاءُ بأسبابٍ بها، حيث منها حثُّ الأغنياءِ على إطعامِ الفقراءِ وتوفيقُهم له.
* * *
(٤٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾؛ أي: وعد البعث ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تقولون، خطابٌ للنبيِّ ﷺ وأصحابِه.
* * *
(٤٩) - ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾.
﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾: ما ينتظرون، أراد الانتظارَ المفهومَ مِن قولهم: ﴿مَتَى﴾.
﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: عذابًا يَفْجَؤهم فيَستأْصلُهم، يقال: صاحَ بهم الزمانُ؛ أي: هلكوا، قال الشاعر:
صاحَ الزمانُ بآلِ جفنةَ صيحةً … خَرُّوا لشدَّتها على الأذقانِ (^١)
وقيل: هي نفخةُ الإماتةِ.
ذكرَ في الصيحة أمورٌ تدلُّ على هولها وعِظَمها؛ أحدها: التنكير، وثانيها: ﴿وَاحِدَةً﴾؛ أي: لا يحتاج معها إلى الثانية، وثالثها: ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾؛ أي: تعمُّهم بالأَخْذ، وتصلُ إلى مَن في أقطارِ الأرضِ، ومثلها لا يكون إلَّا عظيمًا.
_________________
(١) البيت في "تفسير الرازي" (٢٣/ ٢٧٦)، و"البحر المحيط" (١٥/ ٤٤٩).
[ ٨ / ٤٢٥ ]
وقوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾؛ أي: تأتيهم بغتةً وهم في أمنهم وغفلتهم، يَتخاصمون في متاجرِهم ومعاملاتِهم، لا يُخطرون أمرَها ببالهم، ممَّا يَعظم به الأمرُ؛ فإنَّ العاملَ المُقبلَ على مُهِمٍّ إذا صاح به صائحٌ يكون ارتجافُه أعظمَ، بخلاف المُنتظِر لها.
* * *
(٥٠) - ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أنْ يوصوا في شيءٍ مِن أمورهم ﴿تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾: ولا أنْ يرجعوا إلى أهلِهم ومنازلِهم، بل يموتون حيث تَبغتُهم الصيحةُ.
* * *
(٥١) - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هي نفخةُ البعثِ، وقد سبق في تفسيرِ سورةِ المؤمنين.
﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: مِن القبورِ، جمع جَدَثٍ، وقرئ بالفاء (^١)، و(إذا) للمفاجأة.
﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ النَّسَل (^٢): الإسراعُ في الخروج، ولفظ الرَّبِّ أصابَ المحزَّ؛ لأنَّ مَن أساءَ واضْطرَّ إلى التوجُّه إلى مَن أَحسنَ إليه، يكون ذلك أشدَّ ألمًا وأكثرَ ندمًا مِن غيره.
* * *
_________________
(١) أي: (الأجداف). انظر: "الكشاف" (٤/ ٢٠)، و"البحر المحيط" (١٨/ ١٢١).
(٢) في (م): "النسول".
[ ٨ / ٤٢٦ ]
(٥٢) - ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾.
﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ وقرئ: (مَن أهبَّنا) (^١)؛ مِن هَبَّ مِن نومه، إذا انتبه، وأهبَّه غيرُه.
وقرئ: (مَن هبَّنا) (^٢)؛ بمعنى: أهبَّنا.
وقرئ: (مِن بَعْثِنا) (^٣)، و(مِن هَبِّنا) (^٤)؛ على (من) الجارَّة والمصدرِ.
وعن مجاهد: للكفَّار هجعةٌ يجدون فيها طعمَ النوم، ولو استمرَّ عذابُ الكفارِ في قبورهم بالنار، لَمَا صحَّ منهم القولُ المذكورُ.
﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، و﴿مَا وَعَدَ﴾ خبرُه، و﴿مَا﴾ مصدرية، أو موصولة محذوفةُ الراجع، دلَّ على هذا قولُه تعالى: ﴿يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠].
﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾؛ أي: صَدَقَ فيه، ويجوز أن يكون اعتراضًا، أفاقوا عمَّا بهم وتنبَّهوا يتذكَّرون ما سمعوا مِن الرسل، فيجيبون به أنفسَهم أو بعضَهم بعضًا.
وقيل: هذا ليس مِن كلامِهم، بل جوابُ الملائكةِ أو المؤمنينَ لهم، لكن عُدل عن سَننه ومطابقته للسؤال لأغراضٍ:
منها: تنبيهُهم على أنَّ الذي يهمُّهم هو السؤالُ عن البعث لا عن الباعث.
_________________
(١) نسبت لابنِ مسعود. انظر: "المحتسب" (٢/ ٢١٤).
(٢) نسبت لأبيٍّ. انظر: "المحتسب" (٢/ ٢١٤).
(٣) نسبت لعلي بن أبي طالب. انظر: "المحتسب" (٢/ ٢١٤).
(٤) انظر: "الكشاف" (٤/ ٢٠).
[ ٨ / ٤٢٧ ]
ومنها: تذكيرٌ (^١) لكفرهم وتكذيبِهم الرسل، وتقريعهم على ذلك.
ومنها: نعيُهم إليهم أحوالَهم التي هم فيها، وإخبارُهم بوقوع ما أُنذروا به، كأنَّه قيل لهم: ليس هذا بالبعث الذي توهَّمتوه - وهو بعثُ النائمِ مِن مرقدِه - حتى يُهمَّكم السؤالُ عن الباعثِ، إنَّ هذا هو البعث الأكبر ذو الأفزاع والأهوال، الذي وَعَده اللهُ تعالى في كتبه المنزلةِ وأَخبر به على ألسنةِ رسلِه الصادقين.
* * *
(٥٣) - ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾.
﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وقرئ بالرفع (^٢) على (كان) التامَّة، والضمير في الناقصة للنفخة دلَّ عليها: ﴿وَنُفِخَ﴾.
﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ بمجرَّد تلك الصيحة، وفي ذلك تهوينُ أمرِ البعث والحشر، واستغناؤهما عن الأسبابِ التي يتوهَّمونها بالقياس على ما يشاهدونه.
* * *
(٥٤) - ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حكايةٌ لِمَا يُقال لهم حينئذٍ، وكذا ما بعده مِن وصفِ أهلِ الجنة؛ تصويرًا للموعود، وتمكينًا له في النفوس، وترغيبًا أو ترهيبًا.
* * *
_________________
(١) في (ف): "تذكرهم"، وفي (ك) و(ي): "تذكيرهم".
(٢) قرأ بها أبو جعفر. انظر: "النشر" (٢/ ٣٥٣). وفي (م): "وقرئت".
[ ٨ / ٤٢٨ ]
(٥٥) - ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾.
﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ عن ذِكْر أهلِ النار، ولو خَطَرَ ذلك ببالهم وفيها أحدٌ مِن أقارِبهم أو معارفهم، تنغَّص (^١) عليهم ما هم فيه، والتنكير في ﴿شُغُلٍ﴾ للتعظيم والتنبيهِ على أنَّه أَعلى مِن أنْ تحيط به الأفهام، ويُعرِب عن كُنْهه الكلامُ.
والشغلُ: العارض الذي يُذهِل الإنسانَ عن أمرٍ لولا ذلك العارض لكان متوجِّهًا إليه.
﴿فَاكِهُونَ﴾ وقرئ: ﴿فَاكِهُونَ﴾ (^٢)؛ كـ: نَطِس، بناءً على أنَّه حالٌ، والخبر هو الظرف، والفاكِهُ والفَكِهُ: المُتنعِّمُ المتلذِّذُ، ومنه: الفاكهة؛ لأنَّها ممَّا يُتلذَّذ به.
* * *
(٥٦) - ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾.
﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، أو تأكيدٌ للضمير [في] (^٣) ﴿فِي شُغُلٍ﴾، أو في ﴿فَاكِهُونَ﴾ والمعنى على تقدير التأكيد: أنَّ أزواجَهم تُشاركهم في ذلك الشُّغل والتفكُّه (^٤) والاتِّكاء، والأزواج: جمع زوجة، وهي حرَّةُ الرجلِ التي يحلُّ له وطؤها.
﴿فِي ظِلَالٍ﴾: جمع ظِلٍّ كشِعاب، أو ظُلَّةٍ كقِبابٍ، ويؤيِّده قراءةُ: ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ (^٥).
_________________
(١) في (ع) و(ي): "ينقص".
(٢) قرأ بها أبو جعفر. انظر: "النشر" (٢/ ٣٥٣).
(٣) من "الكشاف" (٤/ ٢٢).
(٤) في (ك): "والتفكيه".
(٥) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٤).
[ ٨ / ٤٢٩ ]
﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: جمع أريكة، وهي السريرُ في الحَجَلة، وقيل: الفراش فيها.
﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبرٌ، أو ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبرٌ، و﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ مستأنفٌ، وقرئ: (متكئين) (^١)؛ على الحال.
* * *
(٥٧) - ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾.
﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ عبَّر عن كلِّ ما يُرزقون فيها بالفاكهة؛ للتنبيه على أنَّهم مستغنون عن حفظِ الصحةِ بالأقوات، بأنَّهم أجسامٌ محكمةٌ مخلوقةٌ للأبد، فكلُّ ما يأكلونه على سبيل التلذُّذ.
﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ يَفتعِلُون مِن الدُّعاء، أي: يَدْعون به لأنفسِهم، كقولك: اشتَوَى واجتَمَل، إذا شوَى وجمَل لنفسه.
ويجوز أن يكون بمعنى: يتداعَوْنه، كقولك: ارتمَوْه وترامَوْه.
وقيل: يتمنون؛ مِن قولهم: ادعُ عليَّ ما شئتَ، بمعنى: تمنَّه عليَّ، وفلانٌ في خيرِ ما ادَّعى؛ أي: في خيرِ ما تمنَّى، قال الزَّجاج: وهو (^٢) مِن الدُّعاء؛ أي: ما يَدْعُونه أهلُ الجنة يأتيهم.
و(ما) موصولة أو موصوفة مرتفِعةٌ بالابتداء، و﴿لَهُمْ﴾ خبرها.
* * *
_________________
(١) نسبت لابن مسعود. انظر: "الكشاف" (٤/ ٢٢)، و"البحر المحيط" (١٨/ ١٢٦).
(٢) في النسخ: "وقال الزجاج هو"، مما يوهم أنه قول جديد، في حين أنه مبني على معنى: يتمنون، كما هو واضح من "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٢٩٢)، و"الكشاف" (٤/ ٢٢) والكلام وما أثبت منه.
[ ٨ / ٤٣٠ ]
(٥٨) - ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾.
﴿سَلَامٌ﴾ بدلٌ منها أو صفةٌ أخرى (^١).
﴿قَوْلًا﴾ مصدر مؤكِّد لقوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ﴾؛ أي: عِدةً ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ والأَوجهُ أنْ ينتصبَ على الاختصاص، وهو مِن محازِّه (^٢)؛ أنَّ اللهَ تعالى يُسلِّم عليهم بواسطة الملائكة أو بغير واسطة؛ مبالغةً في تعظيمهم، وذلك متمنَّاهم، ولهم ذلك لا يُمنَعونه، قال ابنُ عباس ﵄: والملائكة يَدخلون عليهم بالتحية مِن ربِّ العالمين (^٣).
* * *
(٥٩) - ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾.
﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾ يقال: مَازَهُ فانمازَ وامتاز بمعنَى: تمايز ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: انفرِدوا (^٤) عن المتَّقين، والمراد مِن ﴿الْيَوْمَ﴾ يوم الحشر، قال الضحاك: تمتاز اليهودُ فرقةً، والنصارى فرقةً، والمجوسُ فرقةً، والصابئون وعبدةُ الأوثان فرقةً، ولكلِّ فرقةٍ في النار بيتٌ تَدخُل فيه ويُرَدُّ بابُه، فتكون فيه أبدًا، لا يَرى ولا يُرى (^٥).
ويُشكِل هذا بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾
_________________
(١) قوله: "بدل منها"؛ أي: من ﴿مَا﴾ على الوجهين، وقوله: "أو صفة" يعني: على كونها نكرة موصوفة، ولذا قال: "أخرى"؛ لأنَّه لا توصف المعرفة بالنكرة. انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ٢٤٨).
(٢) في (ف): "مجازه"، ومثله في مطبوع "الكشاف" (٤/ ٢٢)، والصواب المثبت.
(٣) انظر: "الكشاف" (٤/ ٢٢)، و"البحر المحيط" (١٨/ ١٢٧).
(٤) في (ك): "أي المبعودون".
(٥) انظر: "النكت والعيون" للماوردي (٥/ ٢٦).
[ ٨ / ٤٣١ ]
[الحج: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [الأعراف: ٥٠].
* * *
(٦٠) - ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ في خطابِ ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ نوعُ إيماءٍ إلى أنَّ ذلك العهدَ كما كان في عهدِ آدمَ ﵇:
﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ مِن جملة ما يقال لهم تقريعًا وإلزامًا للحجَّة، وعهدُ اللهِ تعالى إليهم ما رُكِزَ في عقولهم ونصبَ لهم مِن الحُجَج العقليَّة والأدلة السمعيَّة الآمرةِ بعبادتِه الناهيةِ عن عبادةِ غيرِه.
وعبادةُ الشيطانِ: طاعتُه فيما يُوسوِس به إليهم ويزيِّنه لهم.
والعهدُ: الوصيَّةُ، يقال: عَهِدَ إليه، إذا وصَّاه.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تعليل للمنع مِن عبادته.
* * *
(٦١) - ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ عطفٌ على ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾.
﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إشارةٌ إلى ما عهدَ إليهم مِن معصيةِ الشيطانِ وطاعةِ الرحمنِ، إذ لا صراطَ أقومُ منه، جملةٌ استئنافيةٌ لبيانِ (^١) المقتضي للعهد بشقَّيه أو بالشقِّ الأخير، والتنكير في الصراطِ للتعظيمِ والمبالغةِ.
_________________
(١) بعدها في (ف) و(ك): "العهد".
[ ٨ / ٤٣٢ ]
(٦٢) - ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ رجوعٌ إلى بيانِ معاداةِ الشيطانِ مع ظهور عداوتِه ووضوحِ إضلالِه لمَن له أدنى عقلٍ وتمييزٍ، فقوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ استفهامُ تقريعٍ على تركِهم الانتفاعَ بالعقل.
والجِبِلُّ: الخُلُق، وأصلُ الجِبِلِّ: الطبعُ، ومنه: الجَبَل؛ لأَّنه مطبوعٌ على الثبات.
* * *
(٦٣) - ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في دارِ التكليف.
* * *
(٦٤) - ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾: الزَمُوا العذابَ بها، وأصلُ الصَّلْي: اللزومُ، ومنه المُصَلِّي الذي في إِثْرِ السابقِ للُزومهِ أثره.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: بسبب كفرِكم.
* * *
(٦٥) - ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾؛ أي: نفعلُ بأفواههم ما لا يُمكنهم معه أن يتكلَّموا بألسنتهم.
﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ بإنطاقِ اللهِ تعالى إيَّاها على ما نطقَ به قولُه تعالى: ﴿قَالُواْ
[ ٨ / ٤٣٣ ]
أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] فلا مساغَ للتأويل بظهورِ آثارِ المعاصي عليهم ودلالتها على أفعالها.
﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ أسندَ الختمَ إلى نفسِه دونَ الكلامِ والشهادةِ، دفعًا لوهم الإجبارِ، وإظهارًا لتوسُّط الاختيارِ بعد الإقدارِ على النطق والتكلُّم، ولمَّا كان كلامُ الأيدي إقرارًا على الغيرِ المُنكِر، نُزِّل تصديقُ الأرجلِ إيَّاها منزلةَ الشهادةِ، فعبِّر عن تكلُّمها بالشهادة.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ إذ الكسبُ باليدِ أخصُّ، فيكون الإخبارُ منها إقرارًا، ومن الرجل (^١) شهادةً؛ لأنَّها تحاضر وقلما تباشر، ولهذا خصَّ التكلُّم بمعنى الإقرار بالأيدي، والشهادة بالأرجل.
* * *
(٦٦) - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ الطَّمْسُ: محوُ الشيءِ حتى يذهبَ أثَره، والطَّمْسُ على العينِ تَعَفيةُ شقتها (^٢) حتى تعودَ ممسوحةً.
﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾: فطلبوا الطريقَ الذي اعتادوا سلوكَه سابقينَ، وإنَّما اعتبرَ قيد السبقُ على طريقةِ التضمين؛ لأنَّ التعذُّرَ في سلوك الأعمى الطريقَ حينئذٍ أظهرُ.
ويجوز أن يكون مِن باب حذف الجارِّ وإيصال الفعل؛ أي: فاستبقوا إلى الصراطٍ، أو نصبًا على الظرف.
_________________
(١) في (ف): "الأرجل".
(٢) في (ف) و(ك): "تعفيتها"، والمثبت من باقي النسخ، وفي "الكشاف" (٤/ ٢٤): الطمس: تعفية شق العين حتى تعود ممسوحة.
[ ٨ / ٤٣٤ ]
﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ لم يَقدروا أنْ يَسلكوهُ، ولم يُبصروه، ولم يَعلموا جهةَ (^١) سلوكه، فضلًا عن غيره.
* * *
(٦٧) - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ بتبديلِ صورِهم وإبطالِ قُواهم وقُدَرهم ﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾: في مكانهم، المكانة والمكان كالمَقامة والمَقام، أو بإضمار (هم) (^٢).
﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾: ذهابًا ﴿وَلَا يَرْجِعُونَ﴾: ولا رجوعًا، فوضع الفعلُ موضعَه للفواصل؛ أي: إنَّهم أحقَّاءُ بأنْ يُفعَل بهم ذلك، ولا عجز فينا، لكنَّا لم نفعل لشمول الرحمةِ واقتضاء الحكمة إمهالَهم، وقيل: ولا يرجعون عن تكذيبهم.
* * *
(٦٨) - ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾: نُطِل عمرَهُ ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ بالتشديد وبالتخفيف (^٣)؛
_________________
(١) في (ي): "حجة".
(٢) في (ك) و(م): "بإضمارهم".
(٣) انظر: "الكشاف" (٤/ ٢٦). وقرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة، وباقي السبعة بفتح النُّون الأولى وإسكان الثانية وضم الكاف مُخفَّفة. انظر: "التيسير" (ص: ١٨٥). فهي ثلاث قراءات: اثنتان في المتواتر: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ و﴿نَنْكُسْه﴾، وواحدة في غير المتواتر: (نُنْكِسه).
[ ٨ / ٤٣٥ ]
مِن التنكيس والإنكاس، وقرئ بفتح الكاف (^١)؛ مِن النَّكْس.
﴿فِي الْخَلْقِ﴾؛ أي: نقلِّبه فيه؛ فلا يزال يتزايد ضعفُه وانتقاصُ بنيتِه وقُواهُ، عكس ما أنشأناه عليه.
﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي (^٢): مَن قَدر على ذلك قَدر على الطَّمْس والمسخِ؛ فإنه مشتملٌ عليها وزيادةٌ، غيرَ أنَّه على تدرُّج.
* * *
(٦٩) - ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾.
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾؛ أي: بتعليمِ القرآنِ، وهو ردٌّ لقولهم: إنَّ محمَّدًا شاعرٌ، والمراد: أنَّ القرآنَ ليس بشعرٍ، وأين هو مِن الشعرِ؟ فإنَّ الشعرَ كلامٌ موزونٌ مُقفًّى مُنتَظِمٌ مِن المخيِّلات المرغِّبة والمنفِّرة.
﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾؛ أي: لا يليقُ به ولا يَصلُح له؛ لأنَّ الشعرَ يَدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظِ والوزن، فالشاعرُ يكون المعنى منه تبعًا للَّفظ، والشارع يكون اللفظُ منه تَبَعًا للمعنى، وقيل: لا يتأتَّى له إنْ أراد قرضَه.
وقوله: "أنا النبيُّ لا كَذِب أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِب" (^٣)، قال بعضهم: إنَّما الرواية بالإعراب (^٤)، وإذا كانت بالإعراب لم تكن شعرًا.
_________________
(١) كذا في النسخ، والصواب: بضم الكاف، وهي قراءة سبعية. انظر التعليق السابق.
(٢) في (ك): (إن).
(٣) رواه البخاري (٢٨٦٤)، ومسلم (١٧٧٦)، من حديث البراء ﵁.
(٤) يعني: بفتح الباء في كذب وخفض الباء في المطلب.
[ ٨ / ٤٣٦ ]
وأمَّا ما قيل: ليس هذا الوزنُ مِن الشعر؛ فمكابرةٌ؛ لأنَّ أشعارَ العرب على هذا قد رواها الخليلُ وغيرُه.
وأمَّا قوله:
هل أنتِ إلَّا إصبعٌ دَميت … وفي سبيلِ اللهِ ما لَقيت (^١)
فلعلَّه قالها ساكنةَ التاءِ أو متحرِّكةً مِن غير إشباعٍ، ولا يكون شعرًا إلَّا إذا كُسرت التاءُ بإشباعٍ.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾؛ أي: موعظةٌ وتذكيرٌ مِن اللهِ ﷿.
﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾: كتابٌ سماويٌّ، بيَّن كونه ليس مِن كلام البشر؛ لظهور إعجازه.
* * *
(٧٠) - ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
﴿لِيُنْذِرَ﴾؛ أي: القرآنُ، أو الرسولُ، ويؤيِّده القراءةُ بالتاءِ الفوقانيَّة (^٢).
﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾: عاقلًا فَهِمًا؛ فإنَّ الغافلَ كالميِّت، أو مؤمنًا في علمِ الله تعالى، واختصاصُ الإنذار به لأنَّه هو المنتفعُ منه (^٣) دونَ غيرِه.
﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ وتَجبَ كلمةُ العذاب ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ المصرِّين على الكفر، وفي ذكرهم في مقابلة ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ تنزيلٌ لهم منزلةَ الأمواتِ؛ لحرمانهم عن ثمرةِ الحياة.
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٢٨٠٢)، ومسلم (١٧٩٦)، من حديث جندب بن سفيان ﵁.
(٢) قرأ بها نافع وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٨٥).
(٣) في (م): "به".
[ ٨ / ٤٣٧ ]
(٧١) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: أَيُشرِكون ولم يَرَوا ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ممَّا تولَّينا نحن إحداثَه، لا يَقدر على تولِّيه غيرُنا، وذِكْرُ الأيدي وإسنادُ العملِ إليها استعارةٌ مِن عملِ مَن يعمل بالأيدي؛ للمبالغة في الاختصاص والتفرُّد بإحداثها.
﴿أَنْعَامًا﴾ خصَّها بالذِّكْر لِمَا فيها مِن بدائع الفطرةِ ولطائف الحكمةِ وكثرة المنافعِ؛ جمعًا بين إظهارِ القدرةِ والامتنان بتذكير النِّعمة المختصَّين به، ولهذا كمَّله بقوله:
﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾؛ أي: خلقناها لأجلهم، وملَّكناهم إيَّاها (^١)، فهم فيها متصرِّفون تصرُّف المُلَّاك.
* * *
(٧٢) - ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾.
﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ التذليلُ مِن جملة النِّعم الظاهرة، لولاها لَمَا قَدَرَ عليها أحدٌ، ولهذا أَلزمَ اللهُ تعالى الراكبَ أنْ يَشكُر (^٢) هذه النِّعمة ويُسبِّح (^٣) بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣].
﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ هو ما يُركَب ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾، أي: سخَّرناها لهم ليركبوا ظهرها ويأكلوا لحمها (^٤).
_________________
(١) في (ع) و(ي): "خلقناهم لأجلهم وملكناهم إياهم".
(٢) في (م): "الراكب بشكر".
(٣) في (م): "هذه وسبح".
(٤) في (ك): "لكم لتركبوا ظهرها وتأكلوا لحمها".
[ ٨ / ٤٣٨ ]
(٧٣) - ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ مجملٌ، مُفصَّله في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠].
﴿وَمَشَارِبُ﴾ مِن اللَّبنِ وما يُتَّخذ منه، جمع: مَشْرَب، وهو الشُّرب أو موضعُ الشُّرب، إنَّما لم يقل: ومنها يشربون؛ لأنَّ ابتداءَ الشُّرب ليس منها، بخلاف الأكل.
﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ لخالقِ هذه النَّعم، ورازق هذه النِّعم.
* * *
(٧٤) - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ بعدما رَأَوا القدرةَ (^١) الباهرةَ وآثارَها الظاهرةَ.
﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾: طمعًا في أنْ يَتقوَّوا بهم ويتعزَّزوا، كما قال: ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: ٨١]، والأمرُ على عكسِ ما قدَّروا؛ لأنَّه:
(٧٥) - ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾.
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾: مُعدُّون لحفظهم يخدمونهم (^٢) ويذبُّون عنهم، والآلهةُ لا استطاعةَ بهم، ولا قدرةَ على النصرِ.
قيل: هم يوم القيامة محضرون (^٣) لعذابهم.
_________________
(١) في (م): "الآيات".
(٢) في (ك): "يحرسونهم".
(٣) "محضرون" من (ف) و(ك)، وسقطت من باقي النسخ.
[ ٨ / ٤٣٩ ]
ويَرِدُ عليه: أنَّ فيه زيادةَ تفكيكٍ في (^١) الضمائر، فيتنافر النَّظْمُ الذي هو أمُّ (^٢) إعجازِ القرآنِ، ومراعاتُه أهمُّ ما يجب على المفسِّر، وأيضًا المتبادِر من ﴿لَهُمْ﴾ النفعُ دون الضرر.
وقيل: محضرون إثرهم في النار.
ويأباه عبارةُ الجند، فإنَّه جمعٌ مُعَدٌّ للحرب.
* * *
(٧٦) - ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ الفاء للسببية؛ أي: إذا علمتَ حالَهم ومآلَهم فتسلَّ (^٣) ولا يَحزُنكَ ﴿قَوْلُهُمْ﴾ فيكَ: إنَّك شاعرٌ وساحرٌ وكاهنٌ وكاذبٌ - وسائر وجوهِ الأذى بالقولِ - فإنَّا مجازُوهم.
﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ تعليلٌ للنهي، وفيه وعيدٌ شديدٌ لهم، وزيادةُ تسليةٍ لرسولِ اللهِ ﵊.
فإنْ قلتَ: أَليسَ مقتضى البلاغة تقديم ﴿مَا يُعْلِنُونَ﴾ حتى يكون نظمُ الكلام على أسلوب الترقِّي؟
قلتُ: ذلك مقتضاها بحسب جليلِ النَّظر، وأمَّا مقتضاها بحسب دقيقِه، فإنَّما هو تأخيرُه حتى يكونَ لكلٍّ مِن جُزْأي الكلامِ حظٌّ مِن الاهتمام، وذلك أنَّه حينئذٍ يكون للجزء الأول اهتمامُ التقديم، وللجزء الثاني اهتمامُ التصريح، بعد الانفهامِ
_________________
(١) "في": ليست في (م).
(٢) "أم" من (ف) و(ك)، وسقطت من باقي النسخ.
(٣) في (ع) و(م) و(ي): (قيل).
[ ٨ / ٤٤٠ ]
بطريق الالتزام (^١)، وعلى تقديرِ التقديمِ يفوتُ أحدُ الاهتمامين، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
* * *
(٧٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إيلاءُ الهمزةِ واوَ العطف للتقرير والتعجيب مِن حالِ الإنسان، أي: أَيُنكِر الإنسانُ البعثَ ولم يَرَ مبدأَ خلقِه وإبداعَ نشأتِه.
وفيه تسليةٌ أُخرى لرسولِ اللهِ ﵊ بتهوينِ ما يقولونَ بالنسبةِ إلى إنكارهم للبعث، وتقبيحٌ بليغٌ لإنكارهم، لا يُرى أَبلغُ ولا أَفحشُ منه ولا أَعجب، ولا أدلُّ على تمادي كفر الإنسان وإفراطه في (^٢) جحود النِّعم، حيث تقرَّر في عِلْمه أنَّا خلقناهُ مِن شيءٍ قليلٍ، وبلَّغناهُ إلى قَدْرٍ جليلٍ.
وإنَّما لم يقل: مِن ماءٍ مهينٍ، مع ما فيه مِن المناسبة لقرينه، رعايةً لحَقِّ الكلامِ بتجرِيده لِمَا سِيقَ له مِن المرام، وذلك بحذف ما يخيِّل غَرضًا آخَرَ، وهو الامتنانُ بالإعزاز والإكرام.
ومَن لم يتنبَّه لهذا قال: أنَّا خلقناهُ مِن أمهنِ شيءٍ وأقذره، وهو مع مهانةِ أصله وخساسةِ عنصره (^٣)، يتصدَّى لمخاصمة الجبَّار، الذي شرَّفه بعد خسَّته، وكرَّمَه بعد ذلَّته، ويقول: مَن يحيي العظام؟!
_________________
(١) في (م): "الإلزام".
(٢) "وإفراطه في"، وقع في النسخ بدلا منه: "وإفراد"، والمثبت من "الكشاف" (٤/ ٣٠).
(٣) في (ك): "وخساسته".
[ ٨ / ٤٤١ ]
﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (إذا) للمفاجأة، والفاء فصيحةٌ للعطف على مقدَّر تفصيله: لمَّا بلغَ مَظِنَّة (^١) إظهارِ الشكر والحمدِ على آثارِ قدرتنا، ففاجأَ بإعلانِ الكفران والجحد مُبالغًا (^٢) في الخصومة، مُعرِبًا عمَّا في نفسه مِن الجناية، وحالُه أنَّ خِصامَه في أَلْزَمِ (^٣) وصف له، وأبلغِ حجَّةٍ عليه، وهو أنَّه مُنشَأٌ مِن مواتٍ، والإعادةُ أهونُ مِن الإبداءِ، فخِصامه محضُ مكابرةٍ وصِرفُ معاندة.
* * *
(٧٨) - ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾.
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ إنَّما سمَّى قولَه مَثَلًا؛ لكونه أمرًا عجيبًا (^٤) وقصَّةً غريبةً كالمَثَل، حيث أَنكر قدرةَ اللهِ تعالى على إنشاءِ المواتِ وقد أَنشأهُ اللهُ تعالى مِن الموات.
﴿وَنَسِيَ﴾: ولا يتذكَّر ﴿خَلْقَهُ﴾ وهو أقربُ شيءٍ إليه.
﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ رويَ أنَّ أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ أَتَى النبيَّ ﵊ بعظمٍ بالٍ تفتَّت بيده، فقال: أترى أن الله يحيي هذا بعدما رمَّ؟! فقال ﵊: "نَعَم ويَبعثُكَ ويُدخِلُك النارَ" فنزلت (^٥).
_________________
(١) في (ك): "فطنة".
(٢) في (م): "ففاجأ بإعلان للكفران والحجب مبالغة"، وفي (ع) و(ي): "فقد جاء بإعلان الكفران والحجب مبالغا".
(٣) في (ك): "الذم"، وفي (ي): (إلزام)، والمثبت من باقي النسخ، وعبارة "الكشاف" وعنه النسفي: (في ألزم وصف له وألصقه به).
(٤) في (ف): "عجبا".
(٥) رواه عبد الرزاق في "التفسير" (٢/ ١٤٦)، والطبري في "التفسير" (١٩/ ٤٨٦)، عن قتادة. وقال =
[ ٨ / ٤٤٢ ]
والرَّميم: اسمٌ لِمَا بَلِيَ؛ عظمًا كان أو غيرَه، غيرُ صفةٍ كالرَّمَّة والرُّفات، لا فعيل بمعنى فاعلٍ ولا مفعولٍ، فلهذا لم يؤنَّث مع كونِه خبرًا عن مؤنَّث.
وقيل: لأنَّه معدولٌ عن فاعل، وكلُّ ما كان معدولًا عن وجهِه ووزنِه، كان مصروفًا عن أخواته، كـ ﴿بَغِيًّا﴾ في قوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، فإنَّها مصروفةٌ عن: باغية.
وفي ظاهره دلالةٌ على أنَّ في العظام حياةً، وأنَّها تَنجُس بالموت.
* * *
(٧٩) - ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إنَّما قال: ﴿أَنْشَأَهَا﴾ دون: أحياها؛ إشارة إلى الفرقِ بين الإحياءَين مِن حيث إنَّ الأولَ منهما إنشاءٌ، والثاني إعادةٌ، فلا جَرَمَ يكون أهونَ، ولا تغيير في جانب الفاعل.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ يَعلمُ كيف يَخلُق، لا يَتعاظمُه شيءٌ مِن خلقِ المُنشَآتِ والمعاداتِ، وجمعِ أجزائها؛ جلائلها ودقائقها.
* * *
(٨٠) - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ وصف (^١)
_________________
(١) = ابن الجوزي في "زاد المسير" (٧/ ٤١): وعليه المفسرون. وفي رواية سعيد بن جبير عند الطبري (١٩/ ٤٨٧) أنه العاص بن وائل السهمي، وكذا رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٦٠٦) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄.
(٢) في (ع) و(م) و(ي): "ووصف".
[ ٨ / ٤٤٣ ]
الشجرِ بالأخضر حملًا على اللفظ، وقرئ: (الخَضْراءِ) (^١)؛ على المعنى.
﴿نَارًا﴾: نوعًا غريبًا مِن النار؛ حيث يَحدُث ممَّا يقطر منه الماءُ، ومِن هنا ظهر وجهُ توصيفِ الشجرِ بالأخضرِ، نُقلَ عن أربابِ الحكمة: أنَّ النارَ على أربعةِ أنواعٍ: نارٌ: تَأكلُ ولا تَشرب وهي النار المعهود.
ونارٌ: تَشرب ولا تَأكل وهي نار الشجر.
ونارٌ: تَأكل وتَشرب وهي نارُ المعدة.
ونارٌ: لا تَأكل ولا تَشرب وهي نارُ الحَجَر.
﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ لا تَشكُّون في أنَّها نارٌ تَخرج منه، استدلَّ بالنشأة الأولى على الثانية، ثم بانقداح النار مِن الشجر الأخضر، وهي مِن زناد الأعراب، وأكثرها مِن المَرخِ والعَفَارِ؛ يُقطع منهما غصنان مثل السَّواكين (^٢)، وهما خضروانِ يَقطُر منهما الماءُ، فيُسحق المرخُ - وهو ذَكَرٌ - على العفارِ - وهو أنثى - فتنقدحُ النارُ بإذن الله تعالى، مع مضادَّة الماءِ النارَ وانطفائِها به، فمَن قدرَ على ذلك، كان على إعادةِ الغضاضةِ - فيما كان غضًّا فيبسَ وبَلِيَ - أقدرَ.
* * *
(٨١) - ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٤/ ٣١)، و"البحر المحيط" (١٨/ ١٤٤).
(٢) في (ع) و(ي): "يقدح منهما عصيان مثل السواكب"، وفي (م): "يقطع منهما عصيتان مثل السواكب". والمثبت موافق لما في "الكشاف" (٤/ ٣١).
[ ٨ / ٤٤٤ ]
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ دليل ثالثٌ، كأنَّه قال: أَبَعْدَ ما مرَّ مِن الدليلين لا يَقدر مَن خلَقهما مع كِبَرِ جِرْمهما وعِظَم شأنِهما على خَلْقِ مثلِهم مع صغرِهم وقماءتهم بالنسبة إليهما.
وقيل: على إعادتهم (^١)؛ لأنَّ المعادَ مَثَلٌ للمبدأ في أصول البنية والذات والصفات.
ويردُّه: أنَّ المذهبَ خلافُ ذلك.
﴿بَلَى﴾ جوابٌ مِن الله تعالى مُشعِرٌ بأنَّ الجوابَ منحصرٌ في هذا، وهو الإثباتُ بعد النفي.
﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ المبالغةُ في الخلقِ والعلمِ المستفادة مِن الصفتين المذكورتين، تناسب المقام.
* * *
(٨٢) - ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ﴾: قولُه، على ما مرَّ في سورة النحل: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، ومَن حملَ الأمرَ هنا على الشأنِ، فقد غفلَ عن ذلك البيانِ.
شبَّه تأثيرَ قدرته تعالى في مرادِه بأمرِ آمرٍ مطاعٍ وَرَدَ على مأمورٍ مطيعٍ لم يَلبث أنْ يمتثل، فقال: إنَّما أَمْره في إيجاد الأشياء ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾؛ أي: تكوينَه ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾؛ أي: تَكوَّنْ ﴿فَيَكُونُ﴾ فيحدثُ مِن غيرِ امتناعٍ عليه ولا توقُّفٍ
_________________
(١) في (ع) و(م) و(ي): "عادتهم".
[ ٨ / ٤٤٥ ]
في المأمور (^١)، ولا افتقارٍ إلى الآلاتِ وحركاتٍ مِن الآمر؛ حسمًا لمادَّة الشُّبهة في قياسِ قدرةِ اللهِ تعالى على قدرةِ الخَلْق، وهو مِن الاستعارةِ التمثيليَّة يقوم مقامَ تعليلٍ لقدرةِ اللهِ تعالى على إعادة الموتى؛ أي: مَن كان إيجادُه للأشياء بهذه المثابةِ، كيف يَعجز عن الإعادة؟!
وقرئ: ﴿فَيَكُونَ﴾ بالنصب (^٢)؛ عطفًا على ﴿يَقُولَ﴾، والرفع على تقديرِ جملةٍ اسميَّةٍ؛ أي: فهو يكونُ، معطوفةٍ على أُخرى مثلِها، وهي: إنَّما أمره … أنْ يقول.
* * *
(٨٣) - ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تنزيهٌ له تعالى عمَّا وَصَفه (^٣) به المشركون، وتعجيبٌ مِن أنْ يقولوا فيه ما قالوا، والفاء للسببية؛ أوردها تعليلًا بكونه المتصرِّف في مَلكوتِ كلِّ شيءٍ بمقتضى مشيئته وموجبِ حكمته، فكيف يَمتنع عليه شيءٌ؟
والملكوتُ مقابلُ الملك على ما ورد في الدُّعاء المأثور: سبحان ذي الملكِ والملكوت.
فإنَّ كلَّ شيءٍ له جسمانيَّة كثيفة وروحانيَّة لطيفة، فجسمانيتُه الظُّلمانيةُ مِن عالَم
_________________
(١) في (ف) و(ك): "من المأمور".
(٢) قرأ بها الكسائي وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٧).
(٣) في (م): "وصف".
[ ٨ / ٤٤٦ ]
الملك، وهو عالَم الخَلق وعالَم الشهادة، وروحانيتُه النورانيةُ مِن عالم الملكوت، وهو عالَم الأمر وعالَم الغيب.
ومعنى كون ملكوتِ كلِّ شيء بيده: أنَّ تصرُّفه فيه بالذات، لا بواسطة الأسبابِ العاديةِ، بخلاف ما في عالم الملك؛ فإنَّ تصرُّفه فيه بواسطة الأسبابِ والآلاتِ على مقتضى حكمته.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وعدٌ ووعيدٌ للمقرِّين والمُنكرين (^١).
* * *
_________________
(١) في (م) زيادة: "والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب".
[ ٨ / ٤٤٧ ]