﷽
(١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.
﴿الر تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى السورة ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: القرآن.
﴿الْمُبِينِ﴾: الظاهرِ، مِن أبانَ بمعنى: بان، والمراد: ظهور إعجازه، وهو ها هنا بمنزلة قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢].
ويجوز أن يكون من أبان بمعنى بيَّن؛ أي: المبينِ لِمَا سأله اليهود عن سبب انتقال آل يعقوب ﵈ من الشام إلى مصر، وعلى هذا تكون ﴿تِلْكَ﴾ إشارةً إلى آيات السورة، وهو المراد بالكتاب.
* * *
(٢) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ أراد تعظيم الكتاب المذكور بإسناد إنزاله إلى نفسه.
﴿قُرْآنًا﴾ أي: حالَ كونه مقروءًا، وليس فيه إطلاق اسم (^١) الكلِّ على الجزء؛ لأن مبناه على كون القرآن عَلَمًا بالغلَبة وذلك بعد النزول فلا وجه لاعتباره عنده.
_________________
(١) "اسم" من (م).
[ ٥ / ٢٣٧ ]
﴿عَرَبِيًّا﴾؛ أي: كسوناه للقَرَأة (^١) كسوةَ العربية، وهو كالتعليل لكونه مبنيًّا على المعنى الأول.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: إرادةَ أن تفهموا حقائق معانيه ودقائقَ مبانيه، وما في عبارته من الأسرار والإشارات؛ إذ هي لغتكم كما أَنزل التوراةَ على أهلها بلغة العبريِّ، والإنجيل بلغة السُّريانيِّ لذلك.
وفيه إشارة إلى أن حقيقة كلام الله تعالى منزَّهة في كلاميتها عن كسوة الحروف واللغات، ولكنَّ الخلق محتاجون في تعقُّل معانيها إليه.
* * *
(٣) - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾.
﴿نَحْنُ﴾ زيادةُ تأكيد لـ (إنَّ).
﴿نَقُصُّ﴾ دالٌّ على معنى الجمع.
﴿عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾؛ أي: قَصَصًا أحسنَ القَصَص، وهو مصدر بمعنى الاقتصاص، ويجوز أن يراد به المفعول (^٢)، أو مفعول لـ ﴿نَقُصُّ﴾.
وهو في الأصل: تتبُّع الشيء، ومنه: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]؛ أي: تتَبَّعي أثره، والقاصُّ يتتبَّع الآثار فيُخبر بها.
_________________
(١) في (م): "القراءة".
(٢) أي: مصدر بمعنى المفعول كالسَّلَب بمعنى المسلوب، والتقدير: نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٤١)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ١٥٤).
[ ٥ / ٢٣٨ ]
والحُسن عائد إلى القصَص، يقال: فلان حَسَنُ الاقتصاص للحديث؛ أي: السِّيَاقة له، أو إلى القصة فإنها أتمُّ القِصص المذكورة في القرآن وأشملُها لأنواع العبر وأصنافِ الحِكَم.
ويجوز أن يكون المعنى: لعلكم تعقلون أنه منزلٌ من عند (^١) الله تعالى، وذلك أن الدليل عليه إعجازه؛ لغاية بلاغته ونهاية فصاحته، وبلوغُه إليها لكونه على لسان العرب لأنَّه أفصح الألسنة وأبلغها، وعلى هذا يكون تمهيدًا لِمَا ذكر بقوله:
﴿بِمَا أَوْحَيْنَا﴾ أي: بإيحائنا ﴿إِلَيْكَ﴾ بواسطة جبريل ﵇، وإنما أسقط الواسطة تشريفًا للموحَى والموحَى إليه.
﴿هَذَا﴾ يجوز أن يكون مفعولَ ﴿نَقُصُّ﴾ على أن ﴿أَحْسَنَ﴾ نصبٌ على المصدر، والإشارة المتضمِّنة للتقريب بذكر المقصود المذكور.
﴿الْقُرْآنَ﴾ نعتٌ لـ ﴿هَذَا﴾، أو بدل منه أو عطفُ بيان، وأجاز الزجَّاج الرفع على إضمار مبتدأ، كأن سائلًا سأل عما أُوحي فقيل: هو هذا القرآن (^٢).
وأجاز الفرَّاء الخفض على التكرير (^٣). وهو عند البصريين على البدل من (ما).
وعلى هذين التقديرين يجوز أن تكون (ما) موصولةً والعائدُ محذوف والباء بمعنى (في)، وعلى هذا يجوز أن يكون نصبُ ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ على الاختصاص أو بيانًا للمحذوف، والمراد بالقرآن: السورة.
_________________
(١) "عند" من (ك).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٨٨). وأجاز الزجاج أيضًا الجر على البدل من قوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، فيكون المعنى: نحن نقص عليك أحسن القصص بهذا القرآن.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٢). ويعني بالتكرير البدل كما سيأتي، وهو القول الذي ذكرناه عن الزجاج من كونه بدلًا من قوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.
[ ٥ / ٢٣٩ ]
﴿وَإِنْ كُنْتَ﴾ (إنْ) هي المخفَّفة من الثقيلة، واللام هي الفارقة.
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ الضمير راجع إلى (ما أوحينا)، والمعنى: وإن الشأن كنتَ من قبل (^١) إيحائنا إليك ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ عن هذه القصة، لم تخطر ببالك، وهو تعليل لكونه موحًى، كنى بالغفلة عن عدم العلم بالكلية إجلالًا لشأنه ﵇، فإن في التصريح بكونه من الجاهلين ما لا يخفى، ومن الغافلين عمَّا في هذا الكلام من الاحترام مَن قال في تفسيره: أي: من الجاهلين.
* * *
(٤) - ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.
﴿إِذْ قَالَ﴾ بدلٌ من ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ بدلَ الاشتمال على أنه مفعول، أو نصبٌ بإضمار اذكر.
﴿يُوسُفُ﴾ اسم عبراني؛ إذ لو كان عربيًّا لصُرف؛ لخلوِّه عن سببٍ آخر سوى التعريف.
وقرئ بفتح السين وكسرها (^٢) على التلعُّب (^٣) به، لا على أنه مضارعٌ بُني للمفعول أو الفاعل من أَسِفَ؛ لأن القراءة المشهورة شهدت بعَجميته (^٤).
_________________
(١) في (م): "قبيل".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٢)، و"الكشاف" (٢/ ٤٤١).
(٣) في (ف): "التقلب"، وفي (ك) و(م): "التلقب"، وكلاهما تصحيف. والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٥٤)، و"تفسير أبي السعود" (٤/ ٢٥١). قال الشهاب في "الحاشية" (٥/ ١٥٣): (التلعب: كثرة التغيير فيه، شبِّه بالكرة ونحوها مما يُلعب به فتتداوله الأيدي، ولذا قالوا: أعجمي فالعب به ما شئتا).
(٤) في (ك): "بعجمته".
[ ٥ / ٢٤٠ ]
﴿لِأَبِيهِ﴾ يعقوبَ ﵇: ﴿يَاأَبَتِ﴾ أصله: يا أبي، عوِّض تاءُ التأنيث عن الياء لتَناسُبهما في الزيادة، ولذلك قُلبت في الوقف هاءً (^١)، وقرئ بالفتح (^٢) لأنها حركةُ أصلِها (^٣)، ولم تسكَّن كأصلها لأنها حرفٌ صحيح نزِّل منزلة الاسم فوجب تحريكها ككاف الخطاب، أو لأنَّه كان: يا أبتا، فحذفت الألف (^٤) واكتُفي بالفتحة. وإنما جاز: يا أبتا، ولم يجُز: يا أبتي؛ لأنَّه جمعٌ بين العِوَض والمعوَّض عنه.
وقرئ بالضم (^٥) إجراءً لها مجرى الأسماء المؤنَّثة بالتاء من غير اعتبارِ التعويض، كقولك: يا ثُبة (^٦).
﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾ من الرؤيا لا من الرؤية، لا لأنَّه لو كانت في اليقظة لكانت آيةً عظيمةً ليعقوب ﵇، ولَمَا (^٧) خَفِيَت عليه وعلى الناس؛ لأنَّه يجوز أن يكون إرهاصًا ليوسف، والكرامةُ لا يلزمها أن يطَّلع عليها صاحبها، وأما اطِّلاع الناس عليه فإنما يَلزم أنْ لو كان سجودهنَّ مجتمعينَ في الأرض، ولا دلالة عليه فيما ذُكر= بل لأن قوله: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ وقولَه: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ صريحان فيه.
_________________
(١) قلبها في الوقف هاء ابن كثير وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ٦٠ و١٢٧).
(٢) قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٧).
(٣) أي: لأنّ أصلها - وهو الياء - إذا حرّك حرك بالفتح، وإن اختلف في أصلها: هل هو البناء على السكون لأنَّه الأصل في كل مبني، أو الفتح لأنَّه أصل ما كان على حرف واحد. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ١٥٣).
(٤) "فحذفت الألف" من (م).
(٥) انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٤٢).
(٦) في (ك) و(م): "يا أبة"، والمثبت من (ف) وهو الصواب. قال الطيبي في "فتوح الغيب" (٨/ ٢٤٧): الثُّبَة: الجماعة، وأصلها: ثُبْيٌ، والجمع: ثُبَات وثبونَ وأثابي.
(٧) في (ف) و(ك): "ربما"، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في "الكشاف" (٢/ ٤٤٣).
[ ٥ / ٢٤١ ]
﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾ وقرئ بسكون الشين لاجتماع ستِّ فتحات (^١)، وروي بسكون العين (^٢) لطول الاسم وكثرة الحركات.
﴿كَوْكَبًا﴾ نصبٌ على التمييز.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ إنما أخرجهما عن الكواكب ليَعطفهما عليها؛ بيانًا لفضلهما واستبدادهما بالمزيَّة على سائر الطوالع.
﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ استئنافٌ ببيان حالهم التي رآهم (^٣) عليها، وإنما أجريت مجرى العقلاء لوصفها بصفاتهم، ويجوز أن يكون الأول لبيان مشاهدتهم في المنام على وجه التفصيل والثاني لبيان مشاهدتهم جملةً مجتمعِينَ في السجود له، فالإعادةُ للإفادة، وتقديمُ الظرف للاهتمام والعنايةِ لما هو الأهمُّ وفي ضِمْنِه رعايةُ الفاصلة.
* * *
(٥) - ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
﴿قَالَ يَابُنَيَّ﴾ تصغيرُ ابن للشفقة، أو لصِغَر السن.
﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ الرؤيا في المنام، والرؤيةُ في العين، والرأي في القلب، والرؤيا كالرؤية غيرَ أن إحداهما مختصةٌ بما يكون في النوم والأخرى بما يكون في اليقظة، وفرِّق بينهما بحرفي التأنيث كالقُرْبَى والقُرْبةِ.
_________________
(١) لم أجدها.
(٢) هي قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٧٩).
(٣) في النسخ: "رآها"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٥٥). وقوله: "ببيان" من (ك)، وفي (ف) و(م): "بيان"، وعند البيضاوي: "لبيان".
[ ٥ / ٢٤٢ ]
﴿عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ﴾ منصوبٌ بإضمارِ (أنْ) جوابًا للنهي، والمعنى: إن قصَصْتَها عليهم كادُوكَ لأنهم يعلمون تأويلها فيحتالون في هلاكك، والكيد: الأخذ على خفاءٍ، وإنما أتى باللام، ولم يقل: فيكيدوك، كما قيل: ﴿فَكِيدُونِي﴾ [هود: ٥٥]؛ لأنَّه ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو احتال (^١)، ليفيد معنى الفعلين مبالغةً وتأكيدًا في التحذير، ولذلك أكده بالمصدر (^٢).
﴿كَيْدًا﴾ منكورًا بعيدًا عن فهمك، وهو معنى تنكيرها وإبهامها، والمقصود زيادة مبالغة في التخويف، ولذلك استأنف قوله:
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ على تقدير سؤال، كأن يوسف استبعد وقوع الكيد في حقه من إخوته، فأزال استبعاده ببيان مَنشئه، يعني: إن الشيطان ظاهرُ العداوة للإنسان كما فعل بآدم وحواء، فهو يحمل على الكيد والمكر وكلِّ شرٍّ ليورِّط مَن يحمل، فلا يؤمَنُ أن يحملهم على مثله.
* * *
(٦) - ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ محله النصب على المصدر؛ أي: ومِثْلَ ذلك الاجتباءِ الذي اجتباك للرؤيا ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾: يصطفيك من سائر المخلوقات فضلًا عن أقربائك (^٣) لِمَا هو أعظم منها.
_________________
(١) في (ك): "حتيال".
(٢) وقع في النسخ هنا تقديم وتأخير وتداخل في الكلام اختل معه المعنى، والمثبت بالاستعانة بما في "الكشاف" (٢/ ٤٤٤).
(٣) في (ف): "أقرنائك".
[ ٥ / ٢٤٣ ]
وأصل الاجتباء: الجمع على طريق الاصطفاء، ثم استأنف بقوله:
﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ﴾ لئلا يكون داخلًا في حكم التشبيه؛ أي: وهو يعلمك ﴿مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾؛ أي: تعبير الرؤيا؛ لأنها أحاديث الملَك إن كانت صادقةً، وأحاديثُ النفس والشيطان إن كانت كاذبةً، وإنما سمَّى التعبير تأويلًا لأنَّه يُؤوِّل ما رآه (^١) إلى ما ذكره، وكان يوسف ﵇ أعبرَ الناس للرؤيا وأصحَّهم عبارةً لها.
ويجوز أن يراد بـ ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: تبيينُ معاني كتب الله تعالى وسُنَنِ الأنبياء ﵈، وما غمُض واشتَبَه على الناس من أغراضها ومقاصدها، وسميت أحاديثَ لأنها يحدَّث بها عن الله تعالى ورسله ﵈، وأحاديث (^٢) مبنيٌّ على واحده المستعمَل وهو الحديث، كأنهم جمعوا حديثًا على أَحْدِثةٍ، ثم جمعوا الجمعَ على أحاديثَ، كقطيعٍ وأقطعةٍ وأقاطيعَ.
والقول بأنه اسم جمع للحديث مردودٌ بأنه لم يأت اسمُ جمع على هذا الوزن، وأما أباطيل فجمعٌ لا واحد له كعباديدَ وشماطيطَ.
﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بالنبوَّة أو بوصلِ نعمة الدنيا بنعمة الآخرة.
﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾: سائرِ بَنيه، قيل: استَدل على شرفهم ونبوَّتهم بضوء الكواكب. أو: نسلِه (^٣).
﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ تذكيرٌ لكونه من حَفَدة الأنبياء الكرام
_________________
(١) في (ك): "رأى".
(٢) "وأحاديث" من (م).
(٣) في (ك): "بنسله".
[ ٥ / ٢٤٤ ]
﵈، وتلويحٌ إلى معنى: الولدُ سرُّ أبيه؛ ليطمئن قلبه بما أخبر به، ومن ها هنا ظهر وجهُ رجحان إضافة الأبوين إليه دون يعقوب ﵉.
وأيضًا: في إضافتهما إلى يعقوب ﵇ تغليب إسحاق على إبراهيم ﵉، بخلافِ ما إذا أضيفا إلى يوسف ﵇.
والمراد بالأبوين: الجدُّ وأبُ الجدِّ؛ لأنهما في الأصالة في حكم الأب، ومن ثَمةَ يقولون: ابن فلان، لمن بينه وبين فلان عدَّة آباءٍ.
وإتمام النعمة في حقِّهما: بالنبوة ورفع الدرجات في الآخرة، وقيل: على إبراهيم ﵇ بالخلَّة والإنجاء من النار، وعلى إسحاق ﵇ بالإنجاء من الذبح والفداءِ بذبح عظيم (^١).
﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾: يَعلم مَن يستحقُّ الاجتباء.
﴿حَكِيمٌ﴾: يفعل الأشياء على ما ينبغي، فلا يُتمُّ نعمتَه إلا على مَن يستحقُّه.
* * *
(٧) - ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾.
﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾؛ أي: في قصتهم ﴿آيَاتٌ﴾: دلائل على قدرة الله تعالى وحكمته ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾: للطالبين لها.
أو: دلائل على نبوته ﵇ للذين سألوا من اليهود عنهم فأخبرهم
_________________
(١) يعني: على رواية أنه الذبيح، والصحيح المقطوع به عند العلماء أن الذبيح هو إسماعيل ﵇.
[ ٥ / ٢٤٥ ]
بالصحة من غير سماعٍ من أحد ولا قراءةِ كتاب، وإنما جمع لتعدُّد جهة الإعجاز لفظًا ومعنًى.
والمراد بأخوته: بنو عَلَّاته (^١) العشرة.
* * *
(٨) - ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ بنيامينُ، وتخصيصه بالإضافة بالأخوَّة من الطرفين، وأشاروا بهذه الإضافة إلى أن سبب فضيلته عند أبيهم اختصاصُه بيوسف ﵇، فذكرُهم زيادةَ محبة أبيه له ليس حسدًا منهم عليه بل حسدًا على يوسف ﵇؛ لأنَّه حينئذ يرجع إلى زيادة محبته (^٢) له، ولهذا خصُّوا التعرُّض (^٣) له.
وفائدة لام الابتداء في (يوسف) تحقيقُ مضمون الجملة وتأكيدُه؛ أي (^٤): أن زيادة محبته لهما أمر محقَّق لا شبهة فيه.
﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ إنما وحَّد ﴿أَحَبُّ﴾ مع كونهما اثنين؛ لأن (أفعلَ من كذا) لا يغيَّر عن صيغة الواحد المذكَّر؛ لأن تمامه بـ (مِن)، ولا يثنَّى الاسم ولا يُجمع ولا يؤنث قبل تمامه، ولا بد في المعرف باللام من المطابقة، وفي المضاف جاز الأمران.
_________________
(١) هم الإخوة لأب.
(٢) في (م): "محبة".
(٣) في (ف) و(ك): "ولهذا تعرض".
(٤) في النسخ: "إلى"، والصواب المثبت.
[ ٥ / ٢٤٦ ]
﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾؛ أي: يفضِّلهما في المحبة علينا والحالُ أنا جماعةٌ أَكفاءُ أقوياءُ نقوم بمصالحه ومنافعه وهما صغيران لا كفاية ولا منفعة، فنحن أحق بزيادة المحبة منهما، والعُصبة (^١): العشرة فصاعدًا، سُمُّوا بذلك لأنهم جماعةٌ تُعْصَب بهم الأمور وتُسْتَكْفَى النوائب.
﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: لفي ذهابٍ عن وجه الصواب في رأيه هذا بإيثارِ اثنين من الضعفاء على عشرةٍ من الأقوياء مع استوائهم في الأنساب (^٢)، بالَغوا في الإسناد بزيادة حرفي التأكيد، وفي المسندِ بوصف الضلال بالظهور، وجَعْلِه ظرفًا له ﵇، وذلك لزيادة تأثُّرهم عن التفضيل المذكور.
روي أنه كان ﵇ أحبَّ إلى أبيه لِمَا يرى فيه من المحامد، وكان إخوته يحسدونه، فلما رأى الرؤيا تضاعف له المحبة بحيث لم يصبر عنه، فتبالغ (^٣) حسدُهم حتى (^٤) حملهم على التعرُّض له.
* * *
(٩) - ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾.
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ من جملة المحكيِّ بعد قوله (^٥): ﴿إِذْ قَالُوا﴾، كأنهم اتفقوا على ذلك الأمر، إلا مَن قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا﴾.
_________________
(١) في (م): "والعصابة"، والمعنى واحد. انظر: "روح المعاني" (١٢/ ٢١٨).
(٢) في (م): "في الانتساب".
(٣) في (م): "فبالغ".
(٤) في (ك): "من".
(٥) في النسخ: "بعد القول"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٥٦).
[ ٥ / ٢٤٧ ]
﴿اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ منكورةً مجهولةً بعيدةً عن العمران، وهو معنى تنكيرها، ولإبهامها (^١) نُصبتْ نَصْبَ الظروف المبهَمة، والمعتبَرُ فيها أن لا يكون محدودًا بالحدود ومحصورًا بالأقطار، ولا ينافيه التقييدُ بنوع من القيود.
﴿يَخْلُ﴾ جزمٌ لأنَّه جواب الأمر، ومعناه: يَخْلُصْ وَيصْفو.
﴿لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ فيُقبلْ عليكم بكلِّيَّته، لا يلتفتْ عنكم إلى غيركم، وذِكْرُ الوجه لتصوير إقباله عليهم؛ لأن مَن أقبل على الشيء يكون وجهه في جانبه.
ويجوز أن يكون المراد بالوجه: الذاتُ، كما في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]؛ لأنَّه إذا صفَتْ محبتُه لهم يكون لهم وحده غيرَ مشترَكٍ فيه.
﴿وَتَكُونُوا﴾ جزمٌ عطفًا على ﴿يَخْلُ﴾، أو نصبٌ بإضمار (إنْ)، والواو بمعنى: مع.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعدِ يوسف، أو: مِن بعدِ قتلهِ أو طرحهِ أو الفراغِ من أمره.
﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾: تائبين إلى الله تعالى عما جنَيتم عليه، أو: ذي صلاحٍ في أمر دنياكم؛ لانتظامه بخلوِّ وجه أبيكم لكم، أو بصلاحِ ما بينكم وبينَ أبيكم بعذرٍ تمهدونه له.
* * *
(١٠) - ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
_________________
(١) في "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٥٦): (وهو معنى تنكيرها وإبهامها ولذلك)، والمعنى عند التأمل واحد.
[ ٥ / ٢٤٨ ]
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ أبهمه سترًا على القائلين بقتله ﵇؛ حذرًا عن سوء الظنِّ من السامعين بخصوصهم، وهم أنبياء ﵈، ومَن لم يَنتبِه لهذا قال: يعني: يهوذا، كان هذا القائلُ أحسنهم رأيًا، حيث أنكر كلًّا من الأمرين اللذَين عزموا على أن يفعلوا واحدًا منهما، لمَّا رأى في أحدهما إفراطًا وفي الآخر تفريطًا نظرًا إلى غرضهم؛ لعدم قدرتهم في يوم واحد على تبعيد يوسف ﵇ عن ديارهم.
﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فإن القتل عظيمٌ والغرضُ يحصل بدونه. ولم يصرِّح بالنهي عن المنكر الآخر إحالةً له على دلالةِ ما اختاره عليه، كأنه قال: مقدوركم الذي يتم به غرضكم هو هذا.
﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ الغيابة: ما غاب عن عين الناظر وأظلم.
الجب: البئر الذي لم يُطْوَ، إنما سمي جبًّا لأنَّه ليس فيه غيرُ جَبِّ الأرض؛ أي: قطعها، وغَيَابَتُه أسفلُه الذي يَغيب ما وقع فيه وقعرُه.
وقرئ: ﴿غَيَابَتِ﴾ على الجمع (^١)، كأنه لتلك الجبِّ غياباتٌ.
﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ الالتقاط: أخذ الشيء من حيث لا يُحتسَبُ، لا الأخذُ مطلقًا، ولهذا حَسُنَ موقعه هاهنا وفي قولهِ تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٨].
﴿بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي: بعض المسافرين، فيذهبُ به إلى ناحية بعيدة فتستريحوا منه.
والسيارة: جمع سائرة، وهو كثيرُ السير في الأرض، وإنما اختار صيغةَ المبالغة لأنها المناسبُ لِمَا قصده من الإذهاب إلى ديارٍ بعيدة، وفيما ذُكر قرينةٌ على أنه أِشار بقوله: ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ أي: بئرٍ عرَفوها في ديارهم، ولذلك عرَّفها.
_________________
(١) قراءة نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٧).
[ ٥ / ٢٤٩ ]
وقرئ: ﴿تلتقطه﴾ بالتاء الفوقانية (^١) على المعنى؛ لأن بعض السيارة سائرة.
﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ما يفرِّق بينه وبين أبيه فهذا هو الرأي؛ لأن هذا القَدْر يكفي فيه، ولمَّا كان أول كلام هذا القائل على نظر الشفقة أتى في آخره ما يناسبه حيث قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾.
* * *
(١١) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾: لمَ تخافُنا عليه؟
﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾: ونحن له ناصحون (^٢)، ونحن نشفقُ عليه ونريد له الخير، وما وُجد منا في حقه إلا النصح والمحبةُ، أرادوا استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لمَّا أحسَّ بالحسد (^٣).
* * *
(١٢) - ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ في الصحراء، وفي لفظة ﴿أَرْسِلْهُ﴾ دليل على أن يعقوب ﵇ كان يمسك يوسف ﵇ ويصحبُه دائمًا.
﴿يَرْتَعْ﴾ الرَّتْع: الاتساع في الملاذِّ بالذهاب في جهاتٍ من اليمين والشمال.
وقيل: أصل الرتع: التصرُّفُ في الشهوات، يقال: رتع فلان في ماله: إذا أنفقه في شهواته.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٢).
(٢) "ونحن له ناصحون" من (ك).
(٣) في (ك): "الحسد".
[ ٥ / ٢٥٠ ]
﴿وَيَلْعَبْ﴾ المراد من اللعب ها هنا هو الاستباق والانتضال، ويتدربون (^١) بذلك لقتال العدو، وإنما سمَّوه لعبًا لأنَّه بصورة اللعب، ولم (^٢) يريدوا به اللهو بدليل قولهم: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ ولو كان مرادهم اللهو لمَا أقرهم عليه يعقوب ﵇.
وقرئ: ﴿نَرْتَعِ﴾ بالنون وكسر (^٣) العين من ارتَعى يرتعي (^٤).
وقرئ بالكسر، والياء فيه وفي ﴿يلعبْ﴾ (^٥).
وقرئ: ﴿وَيَلْعَبْ﴾ بالياء والسكون (^٦) على إسناد الفعل إلى يوسف ﵇ لصغره، وما يعبَّر عنه باللعب يناسب إسنادُه إلى الصغير (^٧).
خاف يعقوب على يوسف ﵉ الضيعةَ من جهة الجوع، فأمَّنوه عن ذلك بقولهم ﴿نرتع﴾ أي: نتسع في أكل الفواكه ونحوها، وخاف عليه أن يكلفوه أمرًا يَشُقُّ عليه ويشد، فأمَّنوه أيضًا عن ذلك بقولهم: ﴿وَيَلْعَبْ﴾؛ لأنَّه
_________________
(١) "ويتدربون" من (م)، ووقع مكانها في (ف) بياض.
(٢) في (م): "ولم يكن".
(٣) في النسخ: "وسكون"، وهو خطأ. انظر التعليق الآتي.
(٤) هي قراءة ابن كثير بالنون، وكسر البزي عنه العين من غير ياء، واختلف عن قنبل في إثبات الياء وحذفها. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بالنون والجمع في الفعلين. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٨)، و"النشر" (٢/ ٢٩٣ و٢٩٧). وانظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٥٧)، والكلام منه.
(٥) هي قراءة نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٨).
(٦) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ بالياء فيهما والجزم. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٨).
(٧) "إلى الصغير" من (م).
[ ٥ / ٢٥١ ]
ليس في اللعب مشقة ولا شدة، وخاف عليه الضيعة بتركهم حفظه، فأمنوه عن ذلك أيضًا بقولهم:
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: أن يناله مكروه.
* * *
(١٣) - ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾.
﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾: ذهابُكم به؛ لقلة صبري عليه (^١) وشدة مفارقته عليَّ.
﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾: وأخاف عليه عَدْوَةَ الذئب، وكانت الأرض مذأبةً.
الحزن: ألمُ القلب لفوت المحبوب، والخوف: انزعاج النفس عند نزول المكروه، كأنه يقول: لا أصبر عن رؤيته، ولا طاقة لي بفُرقته (^٢)، هذا إذا كانت الحالُ حالَ (^٣) السلامة، فكيف ومع هذا المخاف أن يأكله الذئب؟
وقيل: رأى في المنام أن الذئب قد شدَّ على يوسف ﵇، فكان يَحْذَره [عليه] (^٤)، فقال ذلك وقد لقَّنهم العلة (^٥).
_________________
(١) "عليه" من (م).
(٢) في (ف) و(ك): "ولا طاقة إلى مفارقته".
(٣) في (ك): "الحالة حالة"، وفي (م): "الحالة حال".
(٤) من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٥٧)، وكلامه ينتهي هنا.
(٥) في (ف) و(ك): "فقال ذلك وحّد العلة"، ووقع قبل "العلة" في (ف) بياض بمقدار كلمة.
[ ٥ / ٢٥٢ ]
وقرئ: ﴿الذِّئْبُ﴾ بالهمزة على الأصل (^١)، وقيل: اشتقاقه من تذاءبت الريح: إذا هبت من كلِّ جهة؛ لأنَّه يحيط (^٢) به في مشيه ويضطرب.
وقال الأصمعي: إن اشتقاق تذاءبت من الذئب؛ لأن الذئب يفعله في عَدْوه، وهذا أظهر لفظًا ومعنًى.
﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ لاشتغالكم بالرتع واللعب وقلةِ اهتمامكم بحفظه.
* * *
(١٤) - ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.
﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ اعتذر لهم يعقوب ﵇ بشيئين:
أحدهما عاجل في الحال: وهو ما يلحقه من الحزن بمفارقته وكان لا يصبر عليه.
والثاني: خوفه ﵇ من الذئب أن يغفلوا عنه برَتْعهم ولَعِبهم.
وعدَل إخوة يوسف عن الأول لقِصَر مدة الحزن وإيهامهم أنهم يرجعون به إليه من قريب، وأجابوا عن الثاني لأنَّه السبب القوي في منعه عن الذهاب بهم (^٣)، واللام موطِّئة للقسم، والقسمُ محذوف تقديره: والله لئن أكله الذئب.
والواو في: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ - أي: فرقةٌ مجتمعة (^٤) مقتدِرةٌ على الدفع - للحال.
_________________
(١) قرئ في السبع بالهمز، وبإبداله ياء. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٨).
(٢) في (ك): "يخبط".
(٣) لعل الصواب: (في منعهم عن الذهاب به).
(٤) في (م): "مجتمعين".
[ ٥ / ٢٥٣ ]
﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ جوابٌ للقسم مجزئٌ عن جزاء الشرط: مغبونون (^١) ضعفاءُ لا غَناءَ بهم (^٢). أو: مستحِقُّون أن يُدْعَى عليهم بالخسار والدمار ويقالَ: خسَّرهم الله حين أَكل بعضَهم الذئبُ وهم حاضرون.
وقيل: إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا إذا وخسرناها.
* * *
(١٥) - ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ متَّصل بمحذوف تقديرُه: فأذن له وأرسله معهم، فالفاء فصيحة.
﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ أي: عزموا عليه، ولا يقال: أجمع، إلا إذا قَرُبتِ الدواعي إلى الفعل من غير صارفٍ، ومنه الإجماع، فكأنه مأخوذ من اجتماع الدواعي، ولمَّا لم يكن مرادهم من إلقائه في البئر إهلاكَه كان التعبير عنه بالجعل أفصحَ.
﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ قيل: هو بئر على ثلاثة فراسخَ من منزل يعقوب ﵇، ولا يخالفه القول بأنها أرضُ الأردنِّ؛ لأن كنعان ناحيةٌ من نواحي الأردنِّ، ومنزلُه ﵇ كان فيها، وكذا القول بأنها كانت (^٣) بين مصر ومدين؛ لأن مدين أيضًا كان من أرض الأردن في جوار كنعان.
_________________
(١) في (ك): "مفيد يومًا".
(٢) في (ف): "أعنابهم"، وفي (م): "لأعنابهم"، وكلاهما تصحيف.
(٣) "كانت" ليست في (ك).
[ ٥ / ٢٥٤ ]
وأما القول بأنها بئر بيت المقدس فلا صحة له؛ لأنهم جاؤوا إلى منزلهم عشاءً ذلك اليوم، وبينه وبين بيت المقدس مراحلُ.
وقرئ: ﴿غَيَابَتِ﴾ (^١)، وهي لا توجد في التي تُطوَى، ومنه ظهر وجهُ إيثارِ الجبِّ على البئر.
وجوابُ (لمَّا) محذوف للمبالغة مع الإيجاز؛ أي: فعلوا به من الأذى والإهانة ما لا يمكن وصفه أو لا يُحتمل سماعه، وتفصيلُه مذكور في كتب التفاسير.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ يعني: في البئر، فهو معطوف على محذوفٍ تقديره: وأَلقَوه في غيابةِ الجبِّ، فالواو فصيحةٌ.
قيل: أوحي إليه في الصغر كما أوحي إلى عيسى ويحيى ﵈.
وقيل: كان إذ ذاك مُدرِكًا.
﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ بالتوبيخ (^٢)، وذلك قوله ﵇ لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٩] وفيه تبشير بحُسن حاله في المآل، وبما يَؤُول إليه من علوِّ شأنٍ ورفعةِ مكانٍ؛ إيناسًا له وتطييبًا لتسلِّيه (^٣).
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنك يوسف؛ لطول العهد المغيِّر للهيئات والأشكال، وبُعْدِ الحال عن أوهامهم على ما دل عليه قوله: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾
_________________
(١) قراءة نافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٧).
(٢) في (ف): "بابيخ".
(٣) كذا في النسخ، والذي في "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٥٨): (لقلبه)، وهو الأنسب.
[ ٥ / ٢٥٥ ]
[يوسف: ٥٨]، ومَن وَهَم أنه إشارة إلى هذا القول فقد وَهِمَ (^١)، وما فهم ما فيه من التوبيخ، فالقول ما قالته حَذَامِ، وهو المناسب للمقام كما لا يخفى على ذوي الأفهام، ويؤيده الإشارة إلى الأمر المذكور بـ ﴿هَذَا﴾ لتضمُّنها الدلالة على ما فيه من الدلالة الفاحشة.
وقرئ (^٢) (لننبِّئهم) بالنون على أنه وعيد لهم (^٣)، تقول العرب لمن تتوعده (^٤) لمجازاة سوءِ فعله: لأنبِّئنك ولأعرِّفنَّك، يعني: لأجازِيَنَّك، وهذا شائع في سائر الألسنة أيضًا. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ على هذه القراءة متعلِّق بـ (أوحينا)؛ أي: آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك.
* * *
(١٦) - ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾.
﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً﴾ وقرئ: (عُشَيًّا) وهو تصغيرُ ﴿عِشَاءً﴾ (^٥).
و: (عُشًى) بالضم والقصر: جمع أَعْشى (^٦)؛ أي: عَشُوا من البكاء، وفيه ضعف؛ لأن قَدْرَ ما يكون في ذلك اليوم لا يَعْشُو منه الإنسان.
_________________
(١) يريد البيضاوي حيث قال في "تفسيره" (٣/ ١٥٧): (وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر حين دخلوا عليه ممتارين ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾).
(٢) في (ف) و(ك): "وهو".
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٢)، و"الكشاف" (٢/ ٤٥٠).
(٤) في (ف) و(ك): "لمن هو عدو".
(٥) انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٥٠).
(٦) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٢)، و"المحتسب" (١/ ٣٣٥)، و"الكشاف" (٢/ ٤٥٠).
[ ٥ / ٢٥٦ ]
والعِشاء: آخر النهار إلى نصف الليل، ومنه اشتُقَّ الأعشى لأنَّه يَستضيءُ ببصرٍ ضعيف؛ أي: جاؤوا ليلًا، وذلك ليكونوا أقدَر على الاعتذار في الظُّلمة، ولهذا قيل: لا تطلب الحاجة بالليل فإن الحياء في العينين، ولا تَعتذر بالنهار من ذنبٍ فتتلَجْلجَ في الاعتذار.
﴿يَبْكُونَ﴾ حال معناه: متباكينَ، دون: باكينَ؛ لأن البكاء جريانُ الدمع من العين عند حال الحزن، ولا حزن بهم، إلا أنهم أظهروا صورةَ البكاء ليُوهِموا أنهم صادقون.
روي أنه ﵇ لمَّا سمع صوت تباكيهم فزع وقال: ما لكم يا بَنيَّ وأين يوسف؟
* * *
(١٧) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي: نتسابق في العَدْوِ والرمي، والافتِعال والتفاعُل يشتركان كالانْتِضال والتناضُل، والارتماء والتَّرامِي (^١).
﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾؛ أي: تركناه عند الرحل ليحفظَه.
﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ الفاء للتعقيب بلا تراخٍ، ولا بد من اعتباره في الاعتذار عند عدم التدارُك.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ قد مرَّ أن الإيمان إذا كان بمعنى التسليم يتعدَّى باللام،
_________________
(١) "الارتماء والترامي" من (م).
[ ٥ / ٢٥٧ ]
وإذا كان بمعنى التصديق يتعدَّى بالذات أو الباء، وتقديمُ ﴿أَنْتَ﴾ وإيلاؤه حرف النفي لادِّعائهم أن غيرَك مصدِّق لنا لأنَّا مشتهِرون بالصدق موثوقٌ بقولنا عند الكلِّ، وأمَّا أنت فلسوء ظنك بنا وفَرْط محبَّتَك ليوسف فلا تسلِّم لنا، ولذلك أكَّدوه بزيادة الباء، والتقييدِ بقوله:
﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾؛ أي: ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة، فكيف وأنت سيِّئُ الظن بنا، غيرُ واثقٍ بقولنا؟
وإنما حُذف الظرف لأن ذكره مقدَّمًا يُفسِد المعنى؛ لإفادته الاختصاص الذي لا يناسب المقام، وذكرَه مؤخَّرًا يُفسِد اللفظ؛ لأنَّه حينئذ تفوتُ محافظةُ رؤوس الآي، وتضيع رعايةُ الفواصل، وهي من شرائط حُسْنِ نظام الكلام وفصل (^١) الفصل.
* * *
(١٨) - ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ﴾ ﴿عَلَى قَمِيصِهِ﴾ في محل النصب من (الدم)، ومُنع تقدُّمُها على صاحبها المجرور في غير الظرف (^٢).
وجُوِّز نصبه بمعنى: فوق (^٣). وأُورِدَ عليه: بأن العامل فيه حينئذ (جاؤوا)، وليس (فوقَ القميص) ظرفًا لهم، بخلافِ (فوقَ الجِمال) في قولك: جاء على
_________________
(١) في (م): "وفضل".
(٢) وأجازه ابن مالك مطلقًا على ضعف فيه. انظر: "التسهيل" (ص: ١١٠).
(٣) هو قول الزمخشري. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٥١).
[ ٥ / ٢٥٨ ]
جماله بأحمال، ومبناه على (^١) أن تكون الباءُ للمصاحَبة كما في: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، وأما إذا كانت للتعدية كما في: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] فلا يلزم المحذورُ المذكور، ولا وجه للحمل على الأول لسَبْق الإخبار عن مجيئهم.
﴿كَذِبٍ﴾ وصفٌ بالمصدر مبالغةً، أو مصدرٌ أريد به المفعولُ؛ أي: مكذوبٍ فيه، كالثقة يراد بها: الموثوقُ به (^٢)، وتقدير (ذي) في مثل هذا المقام يُنزل الكلامَ عن منزلة البلاغة.
وقرئ بالنصب على الحال من الواو؛ أي: جاؤوا كاذبين (^٣).
و: (كَدِبٍ) بالدال الغير المعجمة (^٤)؛ أي: كَدِرٍ، أو طريٍّ.
روي أنه ﵇ لمَّا رأى قميصه غيرَ ممزَّق قال: ما رأيت ذئبًا أحلمَ من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه! ولذلك ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾.
كذا قالوا، والذي عندي: أن أمارة الكذب قلةُ الدم المفهومةُ من التنكير، ومن التعبير بكونه على القميص، ولو كانت الأمارة عدمَ تمزُّق القميص لكان هو بالتعرُّض أحقَّ، بل إضرابٌ عن مقدَّرٍ يقتضيه المقام، وَيدل عليه سياق الكلام، وبه (^٥) تمامُ الانتظام، فهو كالفاء الفصيحة.
_________________
(١) "على" ليست في (ك).
(٢) "به" سقط من (ك).
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٥١).
(٤) نسبت لعائشة ﵂. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٢ - ٦٣)، و"المحتسب" (١/ ٣٣٥)، و"الكشاف" (٢/ ٤٥١).
(٥) في (م): "فيه" بدل: "وبه".
[ ٥ / ٢٥٩ ]
والتسويل: تحسين الشيء وتزيينُه، وتحبيبُه إلى الإنسان ليفعله أو يقوله.
﴿أَمْرًا﴾؛ أي: أمرًا منكَرًا لا يحتمِل التعريفَ والتوصيف.
﴿فَصَبْرٌ﴾؛ أي: فحقِّي صبرٌ؛ كقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: فعليه.
﴿جَمِيلٌ﴾ في الحديث المرفوع: "الصبرُ الجميلُ: الذي لا شكوَى فيه" (^١)، ولا حاجة إلى تخصيص الشكوى بالتي تكون إلى غير الله تعالى؛ إذ ليس في كلامه ﵇ وعدٌ بالصبر الجميل.
﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾؛ أي: المطلوبُ منه العونُ على كشفِ ما الْتبَس من أمركم، هذا هو المناسب لقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ لا ما قيل: على احتمال ما تصفونه من هلاك يوسف ﵇، كما لا يخفى.
وهذه الجريمة قبل استنبائهم إن صح.
* * *
(١٩) - ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾: رفقةٌ يسيرون، وفي صيغة المبالغة دلالة على أنهم جاءوا من بعيد، والمراد مجيئُهم إلى قرب البئر (^٢) بدلالة السِّباق واللَّحاق، والظاهر من
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٤١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١١٢)، عن حبان بن أبي جبلة مرسلًا.
(٢) في النسخ: "بئر"، والصواب المثبت.
[ ٥ / ٢٦٠ ]
قولهم: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أنها كانت قريبةً من الطريق العام، قيل: كان ذلك بعد ثلاثٍ من إلقائه فيها.
﴿فَأَرْسَلُوا﴾ أي: إلى البئر ﴿وَارِدَهُمْ﴾: هو الذي يسير إلى الماء ليستقي منه.
﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ تقول: أدليت الدلو، إذا أرسلتَها لتملأ دلوها، فتدلى بها يوسف، فلما خرج فإذا هو غلامٌ أحسنُ ما يكون.
﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ بشَّر أصحابه بأنه وجد عبدًا، ومعنى النداء: التنبيه؛ أي: انتبهوا لفرحي وسروري، قيل: نادى رجلًا اسمه بشرى، ويردُّه قراءة: ﴿بُشْراىَ﴾ (^١)؛ فإنه لو كان اسمًا لم يكن مضافًا إلى ضمير المتكلم.
﴿وَأَسَرُّوهُ﴾؛ أي: الواردُ وأصحابه عن سائر الرفقة.
﴿بِضَاعَةً﴾ نصب على الحال؛ أي: أخفَوْه متاعًا للتجارة، والبضاعةُ: ما بُضِع من المال؛ أي: قُطِعَ منه للتجارة.
وعن ابن عباس ﵄: أن الضمير لأخوة يوسف ﵇، وأنهم قالوا للرفقة: هذا غلامنا أَبَق منَّا، فاشترَوْه منهم، وسكت يوسف ﵇ مخافةَ أن يقتلوه.
ولا يخفى ما فيه من الاختلال لحُسن نظم المقال، والإشكالِ من جهة أن التعبير المذكورَ لا يناسب الحال.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ وعيدٌ لهم حيث استَغصَبوا ما ليس لهم.
* * *
_________________
(١) قراءة نافع وأبي عمرو وابن كثير وابن عامر، وباقي السبعة: ﴿بُشْرَى﴾. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٨).
[ ٥ / ٢٦١ ]
(٢٠) - ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾.
﴿وَشَرَوْهُ﴾: باعوه ﴿بِثَمَنٍ﴾ التنكير للتقليل ﴿بَخْسٍ﴾: زيفٍ ناقصِ العِيَار.
﴿دَرَاهِمَ﴾ بدلٌ من (ثمن) ﴿مَعْدُودَةٍ﴾: قليلة، فإنهم كانوا يَزِنون ما بلغ الأوقية ويَعُدُّون ما دونها، وفيه تصريح بما قُصد بالتنكير، وتنبيه على أنه لم يُقصد به المبالغة.
﴿وَكَانُوا فِيهِ﴾: في يوسف ﵇ ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ الزهد: خلافُ الرغبة، يقال: زَهِدَ في الشيء وعن الشيء، وذلك لأنهم كانوا التقَطوه، والملتقِطُ للشيء متهاوِنٌ به خائفٌ، عن انتزاعه من يده، مستعجِل في بيعه.
و﴿فِيهِ﴾ متعلق بمحذوف يبيِّنه ﴿الزَّاهِدِينَ﴾؛ لأن متعلَّق الصلة لا يتقدَّم على الموصول، وأنَّ ما بعد الجارِّ لا يعمل فيما قبله (^١)، وكأنه قيل: وكانوا زهدوا فيه، فحذف لدلالة ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ عليه.
* * *
(٢١) - ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) وقال ابن الحاجب: في "أماليه": إنه متعلق بالصلة، والمعنى عليه بلا شبهة، وإنما فروا منه لِمَا فهموا من أنّ صلة الموصول لا تعمل فيما قبل الموصول مطلقا، وبين صلة (أل) وغيرها فرْق، فإنّ هذه على صورة الحرف المنزل منزلة جزء من الكلمة فلا يمتنع تقديم معمولها عليها. انظر: "أمالي ابن الحاجب" (١/ ٢٨٣)، و"حاشية الشهاب" (٥/ ٢٦٥)، و"روح المعاني" (١٢/ ٢٥٤).
[ ٥ / ٢٦٢ ]
﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ﴾ منهم، وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ ريان بن الوليد العمليقي (^١)، وقد آمن بيوسف ﵇ ومات في حياته.
روي: أنه اشتراه العزيز وهو ابن سبعة عشر سنةً، ولبث في منزله ثلاث عشرةَ سنةً، واستوزره الريان وهو ابن ثلاثين سنةً، وآتاه الله الحُكم والعِلم وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين سنة، ومبناه الغفلةُ عن لَبثه في السجن بضعَ سنين، وكونُ السجن في منزل العزيز يأباه قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦].
وإنما قال: ﴿مِنْ مِصْرَ﴾ وتنبيهًا على أنه غير المشتري الأول.
﴿لِامْرَأَتِهِ﴾ راعيل أو زليخا، واللام متعلقة بـ (قال) لا بـ ﴿اشْتَرَاهُ﴾.
﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي: اجعلي مكان إقامته حسنًا يرضاه، والإكرام: الإحسان على جهة الإعظام، ويلزمه (^٢) الإرضاء، وإنما أضاف إلى ﴿مَثْوَاهُ﴾ دون نفسه مبالغةً في إحسان تعهُّده؛ لأن مَن أَكرم غيره لأجله كان أعظمَ منزلةً ممن يُكرَم في نفسه.
﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ نفعَ مملوكٍ مُقبِلٍ لمالكه.
﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ فينتفعَ بنا، قد تفرَّسَ فيه الرشدَ فقال ذلك، ولا دلالة فيه على أنه كان عقيمًا لا يولد له.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك التمكين من قلبِ العزيز حين عطف عليه وأمر امرأته بإكرام مثواه ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾: مكنا له في أرض مصر؛ أي: جعلنا له منزلةً فيها، كناية عن حكومته فيها.
_________________
(١) في (م): "العملقي".
(٢) في (م): "ولا يلزمه"، ولم أجد نصًا يرجح أحد الوجهين، لكن قوله: "يرضاه" يرجح المثبت.
[ ٥ / ٢٦٣ ]
﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ عطفٌ على علةٍ محذوفة؛ أي: مكنَّا له في الأرض ليتصرَّف فيها بالعدل والحكمةِ ولنعلِّمه بعضَ تأويل الأحاديث، وهو تأويل الرؤيا فيَعْبُرها، ويعرف الحوادث قبل وقوعها فيُنبئُ بتدبير الأمور عليها كما دبر الأمر لبني مصر.
أو علةٌ معلَّلُها محذوف؛ أي: ولنعلِّمه فعلنا ذلك.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ لا يمنعه مانعٌ، ولا ينازعُه مُنازع فيما يقضي ويريد، هذا على عمومه، ويدخل فيه أمر يوسف ﵇ دخولًا أوَّليًّا، فإن أخوته أرادوا ما أرادوا ولم يكن إلا ما أراده تعالى.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن الأمر كلَّه بيديه، أو: حُسن كلائه وعصمته، وخفايا لطفه وعنايته.
* * *
(٢٢) - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ الأشُدُّ: منتهى اشتدادِ الجسم والقوة وكمالِ البنية، وهو سنُّ الوقوف (^١) ما بين الثلاثين إلى الأربعين، يؤيِّده قوله تعالى ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [القصص: ١٤] وبلغ أربعين سنة.
﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾: حكمة وهو العلم المؤيد بالعمل ﴿وَعِلْمًا﴾ بتأويل الأحاديث، أو: حُكمًا بين الناس وفقهًا.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ تنبيهٌ على أن الله تعالى آتاه الحكم والعلم لاستحقاقه إياه بإحسانه في العمل واتِّقائه في عنفوان الأمر.
_________________
(١) أي: الوقوف عن النمو، انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ١٦٦).
[ ٥ / ٢٦٤ ]
(٢٣) - ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ المراودةُ: المطالبة، من رادَ يَرُودُ: إذا ذهب وجاء لطلب الشيء، ومنه: الرائد.
ويجوز أن يكون من الرُّوَيد وهو التمحُّل والرفق، فالمراودة: هي المطالبة على الرفق والتمحُّل، وهي مفاعَلة من راده يَرُوده، نحو: راديتُ (^١) المريض، وتَعدِيَتُه بـ ﴿عَنْ﴾ لتضمين معنى المخادعة؛ أي: فعلتْ ما يفعلُ المخادِع بصاحبه من الاحتيال في إخراج ما في يده، وهو يحفظه ويكره إخراجه، فـ ﴿عَنْ﴾ للمجاوزة؛ أي: راودته أن يجاوز خداعَها نفْسُه، لا أن يقف عندها بأنْ لا يطاوعَها.
وإنما قال: ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ ولم يصرح باسمها ولا بامرأة العزيز سترًا على الحُرم، والعرب تضيف البيوت إلى النساء فتقول:
ربَّة البيت، قال: يا ربَّةَ البيت قُومي غيرَ صاغرةٍ (^٢)
وفي ذكرها بالموصول توصُّلٌ إلى زيادة تقريرِ معنى الخبر ليفيد براءةَ يوسف ﵇، فإن كونها في بيته يقرِّر معنى المراودة.
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ قيل: كانت سبعةً، والتغليق: الإطباق بما يَعْسُر فتحه،
_________________
(١) في (ك): "داريت".
(٢) صدر بيت لمرة بن محكان السعدي، كما في "معجم الشعراء" للمرزباني (ص: ٢٩٥)، و"المستقصى" للزمخشري (١/ ٢٢)، و"شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي (٤/ ١٥٦٢)، وعجزه: ضمِّي إليك رحال القوم والقُرُبا
[ ٥ / ٢٦٥ ]
والتشديد للتعدية؛ لأن: غَلَقْتُ البابَ غَلْقًا، لغةٌ رديَّةٌ متروكة، ذكره الجوهري (^١)، فمَن وَهَم أنه للتكثير أو للمبالغة في الاشتقاق فقد وَهِم.
﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ اسم فعل معناه: بادِرْ وأَقْبِلْ، واللام للبيان؛ أي: لك أقول هذا.
وقرئ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (^٢) على لفظ الفعل بمعنى تهيَّأْتُ، وعلى هذا فاللام صلة.
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ مصدر؛ أي: أعوذ بالله معاذًا.
﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾؛ أي: الشأن سيدي ومالكي ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ حين أمركِ بالإحسان إليَّ، فكيف أخونُه في أهله، نوعٌ من الإيجاز البليغ حيث اكتفَى بذكر المقتضي، والتقديرُ في مثل هذا أو الذهاب إلى نوعٍ من المجاز من ضيق العَطَن (^٣)، كما لا يخفى على أرباب الفِطَن.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ويدخل فيهم الذي يجازي الحسَنَ بالسَّيئ دخولًا أوليًّا. وإيثار صيغة الجمع لبيان أنَّ جمعهم لا يُغْني.
* * *
(٢٤) - ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾؛ أي: بمخالطته؛ لأن الهمَّ لا يتعلق بالأعيان ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾؛ أي: بمخالطتِها، ولو قيل: ولقد همَّا بالمخالطة لكان أخصَرَ وكان إنباؤه عن الجواب
_________________
(١) انظر: "الصحاح" (مادة: غلق).
(٢) هي أحد وجهين عن هشام، والوجه الآخر عنه: (هِئتَ) بفتح التاء. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٨).
(٣) في (ف) و(ك): "نوع من حسن الفطن".
[ ٥ / ٢٦٦ ]
المقدَّر أظهرَ، إلا أنه فصَل بين (^١) الهمَّين بذكر كلٍّ على حِيَاله دلالةً على افتراقهما حكمًا ثم مدحًا وذمًّا، فالجمع بينهما إبطال لِمَا هو المقصود من الكلام، وهو التنبيه على أنهما وإنْ كانا مشترِكين في الميل المخصوص، إلا أن أحدهما ميلٌ عن شهوةٍ تبعها العقل فازدادت (^٢) تسلُّطًا وصارت عزيمةً قاهرة، والثاني ميل عن شهوة قاصرة ردَعها العقل فاضمحلَّت في الآخرة، وإذا كانا كذلك فاللفُّ بينهما عن طباقِ المقام بمراحل.
ولا خلاف في أنَّ همَّها كانت معصيةً لأنها كانت مُصرَّة، وأما همُّه فمن قَبيل ما يَخطر في النفس ولا يَثبت في الصدر، وهو الذي رفع الله تعالى فيه المؤاخَذة عن الخلق، إذ لا قدرة للمكلف على دفعه فلا زلَّةَ فيه، مع أن الزلةَ للأنبياء ﵈ حُكمًا زيادةُ الوَجَل، وشدةُ الحياء بالخجل، والتخلِّي عن عُجب العمل، والتلذُّذُ بنعمة العفو بعد الأمل، وكونُهم أئمةٌ في الرجاء لأهل الزَّلل.
﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ﴿أَنْ رَأَى﴾ في موضع رفع، والجواب محذوف لعلم السامع به؛ أي لولا رؤيةُ برهان ربه لأمضَى ما همَّ به، ولا يجوز أن يجعل ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ جوابَ ﴿لَوْلَا﴾، فإنها في حكم أدوات الشرط، فلا يتقدم عليها جوابها.
وظاهره يدل على أنه شاهد أمرًا صرفه عما قصده، حتى قيل: إنه رأى جبريل ﵇، وقيل: تمثَّل له يعقوب ﵇ عاضًّا على أنامله، وقيل نحوُ ذلك، وهذا الذي ذكروه غيرُ صحيح؛ لأن ذلك يقتضي الإلجاءَ وزوال التكليف، ولو كان ذلك لمَا استَحق يوسف ﵇ مدحًا وثوابًا
_________________
(١) في (ف) و(ك): "إلا أنه بيَّن".
(٢) في (ك): "فازدادته".
[ ٥ / ٢٦٧ ]
على امتناعه عما همَّ به، وقد مدحه بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فالوجه أن تكون الرؤيةُ بمعنى العلم، والبرهانُ: ما دلَّ الله ليوسف ﵇ على تحريم ما همَّ به.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك التثبيت ثبَّتناه، أو: الأمرُ مثلُ ذلك.
﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾: خيانةَ السيد ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾: الزنا.
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾: الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته، وقرئ بالكسر (^١)؛ أي: الذين أخلَصوا دينهم لله تعالى.
* * *
(٢٥) - ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾؛ أي: تسابَقَا إليه، هو للخروج والهرب منها وهي لمنعه منه، وأصل (استَبَق) أن يتعدَّى بـ (إلى)، فحُذف الجارُّ وأُوصل الفعل، ولقد حسُن موقعه حيث كان في التعبير عن (^٢) المراد أيضًا سابقةٌ إلى المقصود، وإنما وحَّد الباب ها هنا لأن بيان تعدُّده فَضلةٌ في هذا المقام بخلاف ما سبق، والاستباق إلى الباب ينتظِم الاستباقَ إلى الكلِّ.
وقيل: تعديتُه بالذات باعتبار تضمين التسابُق معنى تبادُر الباب طالبَينِ السبقَ، فسبقها يوسف ﵇ على ما دل عليه قوله:
_________________
(١) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٨).
(٢) في (ف) و(ك): "كان في تغيير".
[ ٥ / ٢٦٨ ]
﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ عطفٌ على محذوفٍ مقدَّر؛ أي (^١): فأدركته وقدَّت، والقدُّ: الشقُّ طويلًا، قيل: أدركته قبل أن يخرج، فقبضته في أعلى قميصه فتخرَّق القميص عند لحوقه ونزل التخريق إلى أسفل القميص، ففي قوله: (قدَّت) دون: خرقت، بيانُ أنها جذبته من أعلى القميصِ دون أسفله، ولولا ذلك لكان المتبادِر إلى الفهم خلافَ ما هو الواقع، وهو الجذب من الذيل، فالقيد المعتبَر (^٢) في القَدِّ أصاب المحز.
﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ أي: صادفا بعلها، تقول المرأة لبعلها: سيدي.
﴿لَدَى الْبَابِ﴾ (لدى) مخصوصٌ بالحضور، ولا يتضمن معنى الاستحفاظ، بخلافِ (عند) فإنه قد يتضمنه ويستعمل في الغَيبة، ولهذا ذكر (عند) في قوله: ﴿عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ [يوسف: ١٧] دون (لدى)، فكلٌّ منهما صادف محزَّه (^٣).
﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿مَا﴾ نافية؛ أي: ليس جزاؤه إلا السَّجْنَ أو التعذيب، أو استفهاميةٌ؛ أي: أيُّ شيء جزاؤه إلا السَّجنُ أو التعذيب؛ كقولك: مَن في الدار إلا زيدٌ.
ما عيَّنتْ يوسفَ ﵇ بل عمَّت حيث قالت: ﴿مَنْ أَرَادَ﴾؛ أي: كلُّ مَن أراد بأهلك سوءًا فما جزاؤه إلا السَّجنُ أو التعذيب؛ ليكون أبلغَ فيما هو مرادُها من تخويف يوسف ﵇، وإنما كان أبلغ لأنَّه كالدليل على استيجابه للعقاب.
_________________
(١) في (م): "على محذوف تقديره".
(٢) في (ك): "المقيد".
(٣) في هامش (م): "قال ابن هشام في "مغني اللبيب": إنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبًا، ولا تقول: لدي مال، إلا إذا كان حاضرًا. منه".
[ ٥ / ٢٦٩ ]
قالت لبعلها لمَّا رآها على تلك الهيئة المُريبة إيهامًا أنها فرَّت منه؛ تبرئةً لساحتها وإغراءً له بيوسف ﵇، وهي مغتاظة عليه إذ لم يوافقها (^١)، فأرادت تخويفه عسى أن يقضي (^٢) وطرها خوفًا من مكرها حين لم يقضِ حاجتها حبًّا لها، كقولها: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف: ٣٢]، فجمعت بين كيدين.
وقيل: العذاب الأليم: الضربُ بالسياط، والترديدُ (^٣) بينه وبين السجن يدل على عظم موقع السجن من ذوي الإعزاز (^٤) حيث قرنته بالعذاب الأليم.
(٢٦) - ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
ولمَّا أغْرت بيوسف ﵇ وأظهرت تُهمته، احتاج إلى إزالة التهمة عن نفسه ولذلك: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾: طالبتني بالمواتاة، أتى بضمير الغيبة إذ كان غلب عليه الحياء أن يشير إليها ويعيِّنَها بالإشارة؛ لأن في المواجهة بالقبيح ما ليس في الغيبة.
ولمَّا تعارَضَ قولاهما (^٥) عند العزيز، وكان رجلًا فيه أناةٌ ونَصَفةٌ، طلب الشاهد، فالواو في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ عاطفةٌ على مقدَّر.
_________________
(١) في (ف) و(م): "يرابها".
(٢) في (ك): "تخويفه حتى تقضي".
(٣) في (م): "والتهديد".
(٤) في (ك): "الإعراض"، وفي (م): "الإقرار".
(٥) في (ف): "قولهما".
[ ٥ / ٢٧٠ ]
قيل: كان ابنَ عم أو خالٍ لها صبيًّا في المهد، وما قيل: إنه كان رجلًا حكيمًا، يردُّه ما روي عن النبيِّ ﷺ أنه: "تكلَّم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى" رواه الحاكم من حديث أبي هريرة وقال: صحيح على شرط الشيخين (^١).
وإنما ألقى الله الشهادة على لسان أهلها ليكون ألزمَ للحجة عليها.
﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ من قَبيل المسامحة في أحد شقَّي الكلام لتعيُّن الآخر عند القائل بتنزيلِ المحتمل منزلةَ الظاهر (^٢)، لأن الشَّقَّ بالجذب في هذا الشقِّ أيضًا محتمَل، ومَن غفل عن هذا قال: لأنَّه يدل على أنه قصَدها فدفعت عن نفسها فقدَّت قميصه، أو أنه أسرع خلفها فتعثَّر بذيله فانقدَّ من قدَّامه (^٣).
* * *
(٢٧) - ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ لأنَّه يدل على أنها تبعته
_________________
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٤١٦١).
(٢) في هامش (م): "وذلك أنه إذا لم يتعين الآخر عند القائل لم يتم الشهادة ولم تصح، فتأمل هداية الله. منه".
(٣) القائل لهذا هو البيضاوي. انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٦١)، وقد نقل الآلوسي ﵀ في "روح المعاني" (١٢/ ٢٩١) كلام المؤلف فقال: (وإلى كون الشرطية الأولى غير مقصودة بالذات ذهب العلامة ابن الكمال معرضا بغفلة القاضي البيضاوي حيث قال …) فذكر كلامه بحرفه، ثم أتبعه ببيان له عن بعض مشايخه، وله فيه بحث حسن فليراجع ثمة.
[ ٥ / ٢٧١ ]
فاجتذبت قميصه فقدَّته، حُكيت الشرطية بعد فعل الشهادة لأنها نوعٌ من القول، فلا حاجة إلى إرادة القول من الخارج.
قيل: استعارة الشهادة للشرطية المذكورة لأدائها مؤدَّى الشهادة في إثبات قول يوسف ﵇ وإبطالِ قولها.
ومبناه الغفولُ عن أن القول المذكور معطوفٌ على مقدَّر به ينتظِم الكلام، وهو أمر الشهادة على الحقيقة.
وجواب الشرط: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ ﴿فَكَذَبَتْ﴾، وهو على إضمار (قد).
والجمع بين الاستقبال والماضي المحقَّق في الشرط والجزاء على تأويل: إنْ يُعلم أنه كان قميصه قدَّ، كقولك لمن منَّ عليك بإحسانه: إنْ أحسنتَ إليَّ فقد أحسنت إليك من قبل؛ أي: إن تمنُن عليَّ بإحسانك أمنُنْ عليك بإحساني السابق.
وقرئ: (من قُبُلُ) و(من دُبُرُ) (^١) لأنهما قُطعا عن الإضافة كقَبْلُ وبَعْدُ، وبالفتحة كأنهما جُعلا علَمين للجهتين فمُنعا الصرف (^٢)، وبسكون العين (^٣).
* * *
_________________
(١) نسبت ليحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق والجارود بن أبي سبرة وغيرهم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٣)، و"المحتسب" (١/ ٣٣٨)، و"الكشاف" (٢/ ٤٦٠ - ٤٦١)، و"البحر" (١٢/ ٤٥١).
(٢) نسبت لابن أبي إسحاق. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٦١)، و"البحر" (١٢/ ٤٥١).
(٣) يعني: بسكون الباء فيهما مع البناء على الضم، نسبت ليحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق والجارود في رواية عنهم. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٦١)، و"البحر" (١٢/ ٤٥١).
[ ٥ / ٢٧٢ ]
(٢٨) - ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾.
﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ وعَلِم صدقَه وكذبَها ﴿قَالَ إِنَّهُ﴾؛ أي: إنَّ قولَكِ: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] أو: إن هذا الأمر ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾: من حيلتكُنَّ أيتها (^١) النسوان، فالخطاب لها ولجواريها، أو لها ولسائر النساء فإنهن قد اشتهَرن بشدة الحيَل.
﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ لأن كيد النساء ألطف وأعلقُ بالقلب، وأشدُّ تأثيرًا في النفس، وعن بعض العلماء: إني أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان، وهذا لأنهن يواجهن الرجال، والشيطانُ يوسوس به مسارَقةً.
* * *
(٢٩) - ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾.
﴿يُوسُفُ﴾ حذف حرف النداء لقربه وكمال فطنته، وسرعة فهمه للحديث لذكائه.
وقيل: فيه تقريب له وتلطيف لمحلِّه.
وفيه نظر؛ لأن الاسم الظاهر على ما بيِّن في كتب المعاني طريقُ الغيبة.
﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾؛ أي: عن هذا الأمر، أراد بالإعراض عنه كتمَه وعدمَ التحدث به.
ثم أقبلَ عليها فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرِي﴾ أنت، ثم ذكر سبب الاستغفار بقوله:
﴿لِذَنْبِكِ﴾ ثم أكَّد ذلك بقوله: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾: من جملة القوم
_________________
(١) في (ف) و(ك): "أيها".
[ ٥ / ٢٧٣ ]
المتعمِّدين للذنب، يقال: خَطِئَ: إذا أذنب متعمِّدًا، والتذكير تغليبًا لتأكيد التعمُّد (^١) فإن النسيان في النسوان غالب.
* * *
(٣٠) - ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ النسوة: اسمٌ مفردٌ لجمع المرأة، وتأنيثُه غيرُ حقيقي كتأنيث اللُّمَّة (^٢)، ولذلك لم يلحق فعلَه (^٣) تاءُ التأنيث، وضمُّ النون لغةٌ فيه.
﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ ظرفٌ لـ (قال)؛ أي: أشَعْنَ الحكاية في مصر، ويفهم منه كونُهن فيها، بخلاف ما إذا كان صفةً لـ ﴿نِسْوَةٌ﴾ فإنه لا يفهم منه معنى الإشاعة فيها، والوجهُ كونُه ظرفًا دون صفة.
﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ تطلبُ مواقعةَ غلامِها إياها، والعزيز بلسان العرب: الملك، والفتى: الغلام، وعُرفُه في المملوك، وفي الحديث: "لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي، وليقل (^٤): فتاتي وفتاي" (^٥)، وأصله: فَتَي؛ لقولهم: فَتَيَانِ، والفُتوَّة شاذَّةٌ.
_________________
(١) قوله: "والتذكير تغليبًا … " كذا وقعت العبارة في النسخ، ولعل في الكلام سقطًا، وعبارة الزمخشري هكذا: (وإنما قال: ﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ بلفظ التذكير تغليبًا للذكور على الإناث). انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٦١).
(٢) قوله: "كتأنيث اللمة": هي اسم لجماعة النساء، وفي الحديث: أن فاطمة خرجت في لُمَّة من نسائها؛ أي: في جماعة. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٦١)، و"فتوح الغيب" (٨/ ٣١٢).
(٣) "فعله" من (م).
(٤) في (ك): "لا تقل عبدي … ولتقل".
(٥) رواه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥ / ٢٧٤ ]
بمعنى: أنهن أشَعْن هذا الأمرَ مِن حبِّ راعيل ليوسف ﵇، وصرَّحن بإضافتها إلى العزيز مبالغةً في التشنيع؛ لأن النفوس أميلُ لسماع أخبار ذوي الأخطار وما يجري لهم.
واخترن صيغة المضارع لدلالتها على أنه صار ذلك سجيَّةً لها تخادعُه دائمًا عن نفسه.
ثم نبَّهوا على علة ديمومة المراودة - وهي كونها والهةً في حبه - بقولهن:
﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾؛ أي: خرق حبُّه الشَّغَافَ - وهو حجاب القلب - حتَّى وصل الفؤاد، وانتصب ﴿حُبًّا﴾ على التَّمييز المنقول من الفاعل.
وفيه مبالغةٌ بليغة (^١) في التعشُّق بذكر الشَّغاف والإبهامِ والتبيينِ، كأنه من استيلاء حبه على قلبها قد شقَّ شَغَاف قلبها وتمكَّن في حبَّة (^٢) قلبها وسُويدائه.
وقرئ: (شَعَفَها) من شَعَف البعيرَ (^٣): إذا هنَأه فأحرقه بالقَطِران.
ثم نقَمْن ذلك عليها فقلن: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ﴾ عن الرُّشد وبُعدٍ عن الصواب ﴿مُبِينٍ﴾: واضحٍ للناس.
* * *
_________________
(١) "بليغة" من (م).
(٢) في (م): "وتمكن حبه في".
(٣) في (ف): "شقفها من شقف البعير"، وفي (ك) و(م): "شفقها من شفق البعير". وكلاهما تحريف. انظر: "المحتسب" (١/ ٣٣٩)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٢٣٧)، و"الكشاف" (٢/ ٤٦٣)، وعنه نقل المؤلف، ونسبت لعلي ﵁ وجمع من التابعين والأئمة جمعهم أبو حيان في "البحر" (١٢/ ٤٦٠).
[ ٥ / ٢٧٥ ]
(٣١) - ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ باغتيابهن، وإنما سماه مكرًا لا لأنهن أخفينه كما يُخفي الماكر مكرَه؛ لِمَا عرفتَ أن سياق الكلام يُفصح عن الإشاعة (^١)، بل لأنهن قلن ذلك ليَرَيْن يوسف ﵇.
﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ تدعوهن ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾؛ أي: سوَّت وهيَّات لهن ما يتَّكئن عليه من النَّمارق والوسائد.
وقيل: ﴿مُتَّكَأً﴾: مجلسَ طعام وشراب؛ لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب كعادة المترفِّهين، ولذلك نُهي أن يأكل الرجل متَّكئًا.
والأول يناسب المقام؛ لِمَا فيه من مقابَلة المكر بالمكر، كأنها قصدت بقعودهن متَّكئات والسكاكينُ (^٢) في أيديهن أن تقع أيديهن على أيديهن فيقطِّعْنها إذا لَهِيْن وشُغِلْن عن أنفسهن من الدَّهَش والحيرة عند رؤيته؛ لأن المتَّكئ إذا دُهش مال عن متَّكأه فوقعت يده على يده.
وقرئ: (مَتْكأً) مَفْعَلًا مِن تَكِئَ يَتْكأُ: إذا اتَّكا (^٣).
و: (مُتْكًا) وهو الأترجُّ (^٤)، أو ما يُقطع، من مَتَكَ الشيءَ بمعنى بَتكه: إذا قطَعه.
_________________
(١) "لما عرفت أن سياق الكلام يفصح عن الإشاعة" من (م).
(٢) في (ف): "والسكين".
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٣)، و"الكشاف" (٢/ ٤٦٣)، "البحر" (١٢/ ٤٦٢).
(٤) نسبت لابن عباس وابن عمر وجمع من التابعين. انظر: "المحتسب" (١/ ٣٣٩)، و"الكشاف" (٢/ ٤٦٣)، "البحر" (١٢/ ٤٦٣).
[ ٥ / ٢٧٦ ]
﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾؛ أي: وأعطت سكِّينًا يعالَجُ به (^١) ما يُحتاج إلى قطعه مما قدِّم من اللحوم والفواكه.
﴿وَقَالَتِ﴾ ليوسف: ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ وذلك في حالِ ما كنَّ يعالجن بالسكِّين.
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ﴾ عطفٌ على محذوف تقديره: فخرج فلمَّا رَأَيْنهُ، وحذفُه هاهنا كحذفِ: فضرب، في قوله تعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] وفيه دلالة على سرعة امتثاله لأمرها إذا كان بالمعروف.
﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: أعظَمْنه وأُعجبن من ذاك الجمال الباهر للعقول، المدهش للقلوب، وعن النَّبِيّ ﷺ: "رأيت يوسفَ ليلةَ المعراج كالقمر ليلةَ البدر" (^٢).
وقيل: كان يُرى تَلألؤُ وجهه على الجدران كما يُرى نور الشمس من الماء عليها.
وقيل: معنى (أَكبرن): حِضْنَ، يقال: أَكبرَتِ المرأة: إذا حاضت، وأصله: دخلتْ في الكِبَر؛ لأنها بالحيض تخرج من حدِّ الصِّغَر إلى حدِّ الكِبَر، والهاءُ هاء السَّكْت، أو ضمير المصدر، أو ضمير يوسف ﵇ على حذف اللَّام وإيصالِ الفعل؛ أي: حِضْنَ له من شدة الشَّبَق، ومنه قول أبي الطيِّب:
خَفِ اللّهَ واستُرْذا الجمالَ ببُرقُعٍ … فإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخدور العواتق (^٣)
_________________
(١) في (ف): "بصالح"، وفي (ك): "لصالح". وكلاهما تحريف.
(٢) رواه الحاكم في "المستدرك" (٤٠٨٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وفي إسناده أبو هارون العبدي عمارة بن جُوين، وهو متروك كما في "التقريب".
(٣) انظر: "ديوان المتنبي" (٣/ ٨٩)، و"الكشاف" (٢/ ٤٦٥). ورواية الديوان: (ذابت) مكان: (حاضت).
[ ٥ / ٢٧٧ ]
﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾؛ أي: جرَّحْنها بالسكاكين لفَرْطِ الدَّهَش، والتضعيفُ للتكثير؛ كأن الجرح وقع مرارًا في اليد الواحدة وصاحبتُها لا تشعر به، لمَّا ذهلت (^١) بما راعَها من جمال يوسف ﵇، فكأنها غابت عن حسها.
أثَّرت رؤيته ﵇ فيهن ولم تؤثَّر في امرأة العزيز لطول الصحبة والاعتياد، والتغييرُ صفة أهل البداية.
﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ تنزيهًا له تعالى من صفات العجز، وتعجُّبًا من قدرته على خلقِ مثلِه.
و﴿حَشَ﴾ أصله: حاشا، فخفِّفت بحذف الألف، وهي كلمة تفيد معنى التبرئةِ والتنزيه، ومَن زاد على هذا قولَه: في باب الاستثناء، فقد خَبط؛ لِمَا عرفتَ أنه يفيد المعنى المذكورَ في غير مقام الاستثناء، وأنَّه في ذلك الباب لا يفيد إلا معنى الاستثناء؛ إذ لا فرقٌ بين قولك: قام القوم إلا زيدًا، وقولِك: قام القوم حاشا زيدًا.
ثم إنه مثَّل بقوله: أساء القوم حاشا زيدٍ (^٢)، ولم يدرِ أن معنى التنزيهِ إنما استفيد لدلالة الكلام على براءة زيدٍ من الإساءة؛ لأن (حاشا) في مقام الاستثناء يقتضي ذلك قطعًا، ألا يرى أنه لو ذكر بدلٌ أساء فعلًا آخر لا يفيد المعنى المذكور؟
واللام للبيان كما في قولك: سَقْيًا لك.
_________________
(١) في (ك): "دهيت".
(٢) "ثم إنه مثل بقوله أساء القوم حاشا زيد" من (م). والمراد الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٤٦٥)، وانظر رد أبي حيان عليه في "البحر" (١٢/ ٤٥٧)، وقد ذكرنا في تحقيقنا له مناقشة حسنة في المسألة فلتراجع.
[ ٥ / ٢٧٨ ]
وقرئ: (حاشا اللّهِ) بغير لام بمعنى: براءةُ اللَّه، و: (حاشًا للّه) بالتنوين على تنزيله منزلةَ المصدر (^١).
وقيل: (حاشا) فاعَلَ من الحَشَا الذي هو الناحية، وفاعلُه ضمير يوسف ﵇؛ أي: صار في ناحيةِ اللَّه مما يتوهَّم [فيه] (^٢).
﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ لأن مثل هذا الجمال غير معهود للبشر، وإعمال (ما) بمعنى ليس لغةُ أهل الحجاز؛ لمشاركتها في نفي الحال.
وقرئ: (بَشَرٌ) على لغةِ تميم (^٣).
وأما قراءة: (بِشِرى) (^٤)؛ أي: بعبدٍ مشترًى (^٥) حاصلٍ بِشِرى، فلا يطابق قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (^٦) لأن هذه الشارة الرائقة (^٧) بالحسن والهيئة في
_________________
(١) القراءتان في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٣)، و"الكشاف" (٢/ ٤٦٥)، "البحر" (١٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦).
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٦٢)، وما بين معكوفتين منه. والمراد: بعدُه عما اتهم به وتنزيهه عنه لما رؤي فيه من آثار العصمة وأبهة النبوة. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ١٧٤).
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٦٦).
(٤) نسبت للحسن وأبي الحويرث الحنفي. انظر: "المحتسب" (١/ ٣٤٢)، و"الكشاف" (٢/ ٤٦٦)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٢٤٠)، و"البحر" (١٢/ ٤٦٨). ونسب ابن عطية لمن قرأ بهذه القراءة أنه قرأ أيضًا: (إن هذا إلا مَلِكٌ كريم) بكسر اللَّام واحد الملوك، وبهذا يجاب عن عدم المطابقة التي سيذكرها المؤلف.
(٥) في (م): "بعبد بشري بمعنى مشتر مشترى".
(٦) يعني أن المطابق للملَك - بفتح اللَّام - هو القراءة المشهورة: ﴿بَشَرًا﴾، ويجاب عنه بما ذكرنا من قراءة: (ملِك) بكسر اللَّام.
(٧) في (ف): "الرائعة".
[ ٥ / ٢٧٩ ]
الجمال لا تكون إلا للمَلَك، وقد رُكز في الطباع أنْ لا أحسن من الملَك ولا أقبح من الشيطان، وشبِّه كلُّ متناهٍ (^١) في الحسن والقبح بهما، أو لأن الجمع بين الجمال الرائع والعصمة البالغة لا تكون إلا للملائكة.
* * *
(٣٢) - ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾؛ أي: به، واللوم: الوصف بالقبيح على وجه التَّوبيخ والتشنيع، و(ذا) اسم إشارة، واللام لبُعد المشار إليه، و(كُنَّ) خطاب لتلك النسوة، والمعنى: إنَّ هذا الذي صَدَر (^٢) منكنَّ الإكبارُ وتقطيعُ الأيدي فيه، ونفيُ البشرية عنه وإثباتُ الملَكية له، ذلك العبدُ الكنعانيُّ [الذي] (^٣) لمتنَّني بسبب الافتتان به قبل أن تتصوَّرْنه حقَّ تصوُّره، ولو تصوَّرْتُنَّه بما عايَنْتُنَّ لعَذَرْتُنَّني.
أو: فهذا (^٤) الذي لمتنَّني به، وإنما قيل (ذلك) وهو حاضر تعظيمًا (^٥) له، ورفعًا لمنزلته في الحُسن، واستبعادًا لمحله، والغرض أن تُثبت له استحقاقَ أن يُحب ويُفتَنن به.
_________________
(١) في (ك): "مشابه"، وفي (م): "شاء"، وغير واضحة في (ف)، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٤٦٦).
(٢) في (ك): "صدع".
(٣) زيادة من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٦٢).
(٤) أي: وضع (ذلك) في الآية موضع (هذا) للعلة التي ستأتي. "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٦٢).
(٥) في (ف) و(ك): "تفظيعا".
[ ٥ / ٢٨٠ ]
﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ الإخبارُ عن المراودة المذكورة مؤكَّدًا بـ (قد) واللام يدلُّ على أنه لم يُخبر عنها قبل هذا، فما قيل في تفسير ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾: إنما سماه مكرًا لأنها استكتَمَتْهنَّ سرَّها فأفشَيْنَه عليها، ليس بذاك.
﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾: فامتنع طالبًا للعصمة، أَقرَّت لهن حين عرفتْ أنهن عذَرْنها كي يعاوِنَّها على إلانةِ عريكته.
الاستعصام؛ بناءُ مبالغةٍ يدلُّ على الامتناع البليغ والتحفُّظ الشديد، كأنه في عصمته وهو يجتهد في الاستزادة منها، ونحوُه: استَجْمَع الرأيُ واستَفْحَل (^١) الخطبَ.
وهذا بيانٌ لِمَا كان من يوسف ﵇ لا مزيدَ عليه، وبرهانٌ لا شيء أنورُ منه، على غاية عصمته ونهايةِ طهارته.
وفي الفاء التعقيبية دلالةٌ على أنه (^٢) ما صدر عن يوسفَ ﵇ بين المراودة والاستعصام فعلٌ يفصله عنها، فمِن هنا تَبيَّن أن الواقع من جانبه ﵇ مجردُ همٍّ غيرِ اختياريٍّ، فما زيدَ على ذلك وذكر في كتب التفاسير والقصص مردودٌ بنصِّ الكتاب، فافهم، واللّه الهادي إلى الصواب.
﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾؛ أي: ما آمر به، فحُذف الجار (^٣) كما في قولك: أمرتكَ الخيرَ، أوة أمري إياه، ومعناه: موجَبُ أمري ومقتضاه، فيكون الضمير له ﵇.
_________________
(١) في (م): "واستعجل"، والمثبت موافق لما في "الكشاف" (٢/ ٤٦٧).
(٢) في (ك) و(م): "أن"، والمثبت من (ف) وهو الصواب.
(٣) "فحذف الجار" من (م).
[ ٥ / ٢٨١ ]
واللام في (لئن) موطِّئة لقسم محذوف وجوابه: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ وجاءت النون المشدَّدة لأنها آكَدُ من المخفَّفة (^١)، ثم عُطف عليها (^٢):
﴿وَلَيَكُونًا﴾ بالنون المخففة؛ لأن الصَّغار أخف من السجن، وقرئ بالنون المشددة (^٣)، والأول أولى: معنًى لِمَا تقدم، ولفظًا لأن النون كُتبت في المصحف ألفًا على حكم الْوَقْف، وذلك لا يكون إلا في الخفيفة.
﴿مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: من الأذلَّاء، من صَغِرَ - بكسر الغين - يَصغَر صَغارًا وصَغَرًا، وأما الصغير فمن صَغُر بالضم يَصْغُر صِغَرًا.
* * *
(٣٣) - ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ﴾ وقرئ بالفتح على المصدر (^٤).
﴿أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ من ركوب المعصية، وهي محبة الاختيار والإيثار لا محبة النفس، فإنها تهوى ما تدعون (^٥) إليه، دليله قولُه: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾.
ودلت الآية على أن النسوة راوَدْنه عن نفسه، ولذلك قال: ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] ويجوز أن يكون إسناد الدعوة والمراوَدة إليهن
_________________
(١) في (ك) و(م): "الخفيفة".
(٢) في (ك): "عليه".
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٦٧).
(٤) هي قراءة يعقوب. انظر: "النشر" (٢/ ٢٩٥).
(٥) في (ك): "تدعوني".
[ ٥ / ٢٨٢ ]
لأنهن ينصحْنَ له، وزَّينَّ له مطاوَعتَها، وقلن له: إياك وإلقاءَ نفسك في السِّجن والصَّغار.
وقيل: إنما ابتُلي يوسف ﵇ بالسجن لأنَّهُ تجلَّد على اللَّه تعالى وتصبَّر بقوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾، وكان حقَّه أن يَسأل العافية، ولذلك ردَّ رسول اللَّه ﷺ على مَن كان يسأل الصبر (^١).
﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي﴾: وإن لم تصرف عني ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ في تحبيب ذلك إليَّ وتحسينه عندي بالتثبيت (^٢) على العصمة.
﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: أَمِلْ إلى إجابتهن، أو إلى أنفُسهن بطبعي ومقتضَى شهوتي والصبوة: الميل إلى الهوى، ومنها: الصَّبا؛ لأن النفوس تصبو إليها لطِيب نسيمِها ورَوْحها.
وقرئ: (أَصَبُّ) من الصَّبابة (^٣).
﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: من الذين لا يعملون بما يعلمون؛ لأن مَن لا جدوى لعلمِه فهو ومَن لا يعلم سواءٌ، أو: من السفهاء؛ لأن الحكيم لا يفعل القبيح.
* * *
(٣٤) - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ فأجاب اللَّه تعالى دعاءه الذي تضمَّنه قوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي﴾ فإن فيه معنى طلبِ الصرف والدعاءِ باللطف.
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٥٢٧) من حديث معاذ ﵁ وقال: حديث حسن.
(٢) في (ك) و(م): "بالتثبت".
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٤)، و"الكشاف" (٢/ ٤٦٧).
[ ٥ / ٢٨٣ ]
﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ تثبيتًا (^١) على العصمة، تفسيرٌ (^٢) للاستجابة.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعوات الملتجِئين إليه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم وما يصلحُهم (^٣).
* * *
(٣٥) - ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾.
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾: ظهر للعزيز وأهله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ هي الشواهد على براءته؛ كشهادة الصبيِّ، وقدِّ القميص، وأما قطعُ النساء أيديَهن فليس منها كما لا يخفى.
وفاعل ﴿بَدَا﴾ مضمَر لدلالة ما يفسِّره عليه، وهو: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾.
والمعنى: بدا لهم بداءٌ؛ أي: ظهر لهم رأي هو ليسجننَّه، وهو جواب قسمٍ محذوفٍ، والقسم وجوابه معمولٌ لقولٍ محذوف تقديرُه: قائلين.
وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها، وفَتْلِها منه في الذِّروة والغارب (^٤)، وكان مِطْواعًا لها حتَّى أنساه ذلك بعدُ ما عاين من الآيات، وعمِل برأيها في سَجنه وإلحاق الصَّغار به كما أوعدته (^٥) به، وذلك لما أَيِست من طاعته لها، أو لطمعها في أن يُذلله (^٦) السِّجن ويسخِّرَه لها.
_________________
(١) في (م): "بتثبيته".
(٢) في (ك): "تفسيرًا".
(٣) "وما يصلحهم" من (م).
(٤) قوله: (وفتلها منه في الذروة والغارب)، مثلٌ في الخداع؛ لأن رائض الصعبة إذا أراد رياضتها مسح سنامها وذروتها. انظر: "فتوح الغيب" (٨/ ٣٣٠).
(٥) في (ك): "أوعدت".
(٦) في (م): "يذله".
[ ٥ / ٢٨٤ ]
وقرئ: (لتَسْجُننَّه) بالتاء على الخطاب (^١)، خاطَب به بعضُهم العزيز ومَن يليه، أو العزيز وحده على وجه التعظيم.
﴿حَتَّى حِينٍ﴾: إلى زمانٍ، كأنها اقترحت أن يُسجَنَ زمانًا حتَّى تُبصرَ ما يكون منه (^٢)، أو يحسبَ الناس أنه المجرم فلبث في السجن بضع سنين (^٣). وقرئ: (عتى) بلغة هُذيل (^٤).
* * *
(٣٦) - ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾؛ أي: عبدان للملك، قال الزجَّاج: كانوا يسمُّون المملوك فتًى شيخًا كان أو شابًّا (^٥).
والواو للعطف على محذوفٍ تقديره: أَمْضَوا (^٦) رأيهم في سَجنه فسجنوه ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾؛ أي: في صحبته (^٧) ﴿السِّجْنَ﴾ فإن (مع) حقيقةٌ فيها، فلا تُصرف عنها إلى المجاز إلا لصارف، كما في قوله: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤].
_________________
(١) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٣)، و"الكشاف" (٢/ ٤٦٨).
(٢) "منه" من (م).
(٣) في (م) زيادة: "فلبث في السجن بضع سنين".
(٤) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٣)، و"المحتسب" (١/ ٣٤٣)، و"الكشاف" (٢/ ٤٦٨)، و"البحر" (١٢/ ٤٧٤).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجَّاج (٣/ ١٠٩).
(٦) في (ك): "أصر".
(٧) في (ف) و(ك): "صحبة".
[ ٥ / ٢٨٥ ]
والمعنى: أنه ﵇ دخل السجن واتَّفق أن دخل حينئذ آخران من عبيد الملك: شَرَابيَّه وخبَّازه؛ للاتهام بأنهما قصَدا أن يَسُمَّاه.
﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ وهو الشرابيُّ: ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾؛ أي: أرى في المنام، وهي حكايةُ حالٍ ماضيةٍ استحضارًا للصورة عند السامع؛ إظهارًا للاهتمام بتأويلها.
﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وفي قراءة ابن مسعود: (عنبًا) (^١)، وإطلاق الخمر على العنب مجازٌ من باب تسمية الشيء بما يَؤُول إليه، ونكتة المجاز بيانُ أنَّ عصره كان (^٢) للتخمير لا لأمرٍ آخر على وجه الإيجاز.
﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾ وهو الخباز: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ﴾: تنهشُ ﴿مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ شبَّه الإخبار بما (^٣) سيقع من الأمور المغيَّبة بتفسير المشكل والإفصاح عن معناه لإبهامه، فسماه التأويلَ، والضمير لِمَا قصَّا عليه جاريًا مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك.
﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: الذين يُحْسنون تأويلَ الرؤيا، قالا ذلك لأنهما رأياه يعبر رؤيا بعض أهل السجن، أو: من المحسنين إلى أهل السجن فأَحْسِنْ إلينا بتأويل ما رأينا إنْ كنت تعرفه.
* * *
_________________
(١) انظر: "المحتسب" (١/ ٣٤٣)، و"البحر" (١٢/ ٤٧٦)، عن ابن مسعود وأبيٍّ. قال أبو حيان: وينبغي أن يحمل ذلك على التفسير؛ لمخالفته لسواد المصحف، والثابت عنهما بالتواتر قراءتُهما: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾.
(٢) "كان" من (م).
(٣) في (ف) و(ك): "شبه لما".
[ ٥ / ٢٨٦ ]
(٣٧) - ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.
﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ لمَّا استعبراه أراد أن يجعل ذلك ذريعةً إلى دعوتهما إلى التوحيد، فقدَّم لذلك مقدِّمةً باعثةً إياهما على القبول، وهي الإخبار عن المغيَّبات، كما هو طريقةُ الأنبياء ﵈ في انتهاض الفرصة في الدعوة إلى الحق تعالى، فقال: لا يأتيكما من عند أهلكما أو أصدقائكما أو من غيرهم ما تحتاجان إليه من الطعام في السجن ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾؛ أي: بيان ماهيته وكيفيته ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾.
فجعل ينبِّئهما كلَّ يوم بما يُحمل إليهما من الطعام قبل أن يأتيَهما، ويقول: اليوم يأتيكما كذا وكذا من الطعام من صفةِ كيتَ وكيتَ، فيكون كما أَخبر.
ويجوز أن يكون الضمير في ﴿نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ راجعًا إلى ما استَعْبَراه عنه؛ أي: سأنبئكما بتأويل ما قصَصْتُما عليَّ قبل أن يأتيكما وظيفةُ الطعام الذي تُرزقانه.
فكأنهما قالا له ﵇: كيف تعلم ذلك فهو غيب؟ فقال: ﴿ذَلِكمُا﴾ إشارة إلى التأويل أي: ذلك التأويل والإخبار بالمغيَّبات ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بالإلهام والوحي.
﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ تعليلٌ لِمَا قبله، وتشويقٌ لهما إلى الإيمان؛ أي: لأني تركتُ ملة قوم أنتما على دينهم وهم أهلُ مصر وكانوا مشركين، وليس هو تركًا بعد الكون فيها بل هو الامتناعُ عنها أصلًا.
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ لمَّا أراد أن يحبِّب إليهما الإيمان، وبكرِّهَ إليهما الكفر والفسق، فقال: هذه الكرامة لأني امتنعت عن ملة قومٍ ليسوا من الإيمان باللّه
[ ٥ / ٢٨٧ ]
في شيء، ولا من الإيمان بالآخرة، وعدل عن الجملة الفعلية إلى الاسمية، وكرَّر ﴿وَهُمْ﴾، وقدَّم الآخرة، للدلالة على أنهم قوم عادتهم الكفر، فهو لهم كالطبيعة لا أمرٌ عارضٌ، وأنهم خصوصًا كافرون بالآخرة، وأن غيرهم مؤمنون وهم الذين على ملة إبراهيم ﵇، ولتخصيص كفرهم بالآخرة والجزاء فإن علمي التوحيد والمعاد هما أساس الدِّين، وللتعريض بأن ما هم عليه من الظلم والكبائر لا يرتكبه إلا مَن هو كافر بدار الجزاء.
* * *
(٣٨) - ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾ فيه إطلاق الأب على الجد، وقد مر وجهه.
﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾؛ أي: اتبعت (^١) ملة آبائي الأنبياء ﵈.
ويجوز أن يكون - أعني قوله: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ﴾ إلخ - ابتداءَ الكلام بتمهيدِ الدعوة، بعد إظهار المعجزة وإثباتِ أنه من بيت النبوة والشرف والكمال والكرامة؛ لتقوَى رغبتُهما في قبول كلامه واتِّباعِه ووثوقُهما به، ولهذا يجوز للعالم (^٢) الخامل أن يصف نفسَه ليُعرف فيُقتبَس منه ويُهتدَى بهداه.
﴿مَا كَانَ﴾؛ أي: ما صح ﴿لَنَا﴾ معاشر الأنبياء ﴿أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أيِّ شيء كان.
_________________
(١) في (م): "وأتبعت".
(٢) في (م): "للعامل"، وفي هامش (م): "لعله العالم".
[ ٥ / ٢٨٨ ]
وتعميم مفعول ﴿نُّشُرِكَ﴾، وتأكيدُ النفي بزيادة ﴿مِن﴾ ليكون كالبرهان على امتناع إشراك الأصنام به تعالى على أبلغ الوجوه، وأنَّه إذا لم يجز الإشراك بشيءٍ ما به ولو كان أشرفَ الأشياء، فكيف بأخسِّها وهي الجمادات.
﴿ذَلِكَ﴾ التوحيد ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ بالوحي والاختصاص بالنبوة.
﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ بإرسالنا إليهم لنهديَهم إليه ونعلمَهم ونزكيَهم.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ المرسلِ إليهم ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ فضلَ اللَّه تعالى عليهم، ولا يعرفون نعمةَ الهداية، فكيف يشكرونها؟
أو: من فضل اللَّه تعالى علينا وعليهم بنصبِ الأدلة وإنزالِ الآيات، ولكن أكثرهم لا ينظرون في الأدلة اتِّباعًا لأهوائهم، ولا يستدلون بها ولا ينتبهون لذلك الفضل، فلا يشكرون تلك النعمة السَّنيَّة.
* * *
(٣٩ - ٤٠) - ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ ناداهما باسم الصحبة في مكان المشاقِّ الذي تُخْلَص فيه المودةُ وتُمحَضُ فيه النصيحةُ، والمعنى: يا صاحبيَّ فيه، فأضافهما إليه على الاتِّساع كما في قوله: يا سارق الليلةِ أهلَ الدار.
ثم أورد الدليل على بطلان ملة قومهما بقوله: ﴿أَأَرْبَابٌ﴾ متكاثرون في العدد ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾ بتفريق الغير، المقهورون تحت قدرته.
[ ٥ / ٢٨٩ ]
﴿خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾: الغالب الذي لا يعادله ولا يقاومُه غيرُه، مَثَلٌ ضربه لعبادة الله تعالى وحده وعبادةِ الأصنام.
وبما قدَّمناه تبيَّن (^١) وجهُ إصابة التوصيف بالقهَّار محزَّه، وكان الظاهر مقابلةَ اللَّه بالآلهة، وإنما عدل عنه (^٢) للتنبيه على أن التعدُّد ينافي الألوهية.
ثم استطرد بعد هذا الاستفهامِ إلى الإخبار عن حقيقة ما يعبدون فقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: ما تعبدون شيئًا من دون (^٣) اللَّه تعالى، والخطاب لهما ولمن على دينهما.
﴿إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾: إلا أسماء بلا مسمَّياتٍ أحدثتُموها ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾، أي: سميتم أشياء ليس فيها معنى الألوهية آلهةً، فعبدتُموها باعتبار تلك الأسماء، فكأنكم تعبدون تلك الأسماء الخالية عن (^٤) المسميات.
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا﴾: بتسميتها ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾: من حجة (^٥) تدل على ما يحقِّق (^٦) مسمَّياتها.
﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ في أمر العبادة والدين ﴿إِلَّا لِلَّهِ﴾ لأنَّهُ المستحق للعبادة بالذات من حيث إنه الواجب لذاتِهِ الموجدُ للكل والمالك للأمر.
_________________
(١) في (ك): "ظهر".
(٢) "عنه" من (م).
(٣) "شيئًا من دون" سقطت من (ف)، و"شيئًا" سقطت من (ك).
(٤) في (ك): "من".
(٥) في (ك) و(م): "من صحة".
(٦) في (م): "على تحقق".
[ ٥ / ٢٩٠ ]
ثم بين ما حكم به فقال: ﴿أَمَرَ﴾؛ أي: على لسان أنبيائه (^١) ﵈.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الذي دلت عليه الحجج.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: تخضيصُه تعالى بالعبادة هو ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: الثابت الذي دلت عليه البراهين عقلًا ونقلًا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيخبطون في جهالتهم.
تدرَّج في الدعوة، فبدأ بتقبيح ملتهم في أعينهم وإبطالها أولًا، ثم بتحسين ملةِ التوحيد وتزيينها (^٢) عليهم، وبيانِ أنه من فضل اللَّه تعالى تنفيرًا وترغيبًا، ثم بين رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة بالتمثيل على طريق الخطابة، ثم أبطل الشرك بأنه لا حجة عليه أصلًا لا عقلًا ولا نقلًا، وأنَّه عبادة العدم البحتِ، ثم صرَّح بأن الحق هو التوحيد، وذلك هو الدِّين الثابت بالبرهان العقلي والسلطان النقليِّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلفه، ومَن لا يعرف ذلك فهو الجاهل مطلقًا.
* * *
(٤١) - ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾.
﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ لمَّا ألقى إليهما ما كان أهمَّ وهو أمرُ الدين رجاءً في إيمانهما ناداهما ثانيًا لتجتمِع أنفُسهما لسماع الجواب.
_________________
(١) في (ف): "أنبياء"، وفي (م): "أنبيائهم".
(٢) في (ف): "وتزينها"، وفي (ك): "وترتبها".
[ ٥ / ٢٩١ ]
﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ يريد الشرابيَّ، إنما لم يعيِّنه صريحًا إبهامًا لأمر الآخَر مهما أَمْكَنَ، واحترازًا عن المخاطبة بالقبح، والتصديرُ بـ ﴿أَمَّا﴾ للشروع في تفصيل ما قصَده من الجواب عما استفتياه.
﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾: سيدَه، وقرئ: (رِيَّه)؛ أي: يسقي ما يرويه به (^١).
﴿خَمْرًا﴾ كما كان يسقي قبله؛ أي: يعود إلى ما كان عليه.
قيل: سَقَى وأَسْقَى لغتان بمعنًى واحد.
والذي عليه أكثر أهل اللغة أن معنى سقاه (^٢): ناوله فشرب، أو صبَّ الماء في حلقه، ومعنى أسقاه: جعل له سُقْيَا، قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧].
﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ يريد الخباز ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾؛ أي: تمَّ ما تستفتيان فيه مما يَؤُول إليه أمركما، وهو ما اتُّهما فيه وسُجنا لأجله وفُرغ (^٣) عنه، وهما ظنا أن ما رأياه في معنى ما نزل بهما، فاستفتياه فيه: ما عاقبته (^٤)؟.
وقيل: جحَدا وقالا: كذَبنا ما رأينا شيئًا وتحالمنا لنجرِّبك، فقال: إن ذلك كائنٌ سواءٌ كان منكما حُلُمًا أو تحالُمًا.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٢١)، و"البحر" (١٢/ ٤٨٢)، و"تفسير أبي السعود" (٤/ ٢٧٩)، و"روح المعاني" (١٢/ ٣٤٣)، وقوله: (فيُسقى) في هذه القراءة مبني للمفعول كما قيدوه في المصادر المذكورة، ولفظهم: (وقرأ عكرمة: فيُسقى ريه؛ أي: يُسقى ما يُروى به على البناء للمفعول).
(٢) في (ك): "سقى".
(٣) في (ف) و(ك): "وفرع".
(٤) "ما عاقبته" من (م).
[ ٥ / ٢٩٢ ]
والاستفتاء: طلبُ الفتيا، والفتيا: جوابٌ لحكم المعنى (^١)، وهو غير الجواب عليه، وزمانُ الاستفتاء لا ينقضي ما لم يقضِ المفتي (^٢) الوطرَ في الفتيا، ولهذا قال: ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾ دون: استفتيتُما.
* * *
(٤٢) - ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾.
﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﵇ ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ الظانُّ أيضًا هو ﵇ إن كان تأويله عن اجتهادٍ، والشرابيُّ إن كان عن وحي، إلا أن يكون الظن بمعنى اليقين كما في قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠].
والنَّجاء: الخلاص من (^٣) الورطة بسلامة.
﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: اذكر حالي عند الملك عسى أن يخلِّصني.
﴿فَأَنْسَاهُ﴾ الضمير للشرابي ﴿الشَّيْطَانُ﴾ الإنساءُ حقيقةً من اللَّه تعالى، وإنما نُسب إلى الشيطان لأنَّهُ (^٤) كان يوسوسه إليه من الأشغال المانعةِ عن التذكُّر، والفاء للسببيَّة فإن توصيته (^٥) ﵇ به المتضمنةَ للاستعانة من غير اللَّه تعالى كانت سببًا للإنساء الذي ترتَّب عليه مكثُه في السجن مدةً مديدة.
_________________
(١) في (ف): "طلب الفتيا جوابًا لحكم المعنى"، وفي (ك): "طلب الفتيا جواب لحكم المعنى"، والمثبت من (م)، ولعل الصواب: (لحكم المفتى).
(٢) في (ف): "يقض المعنى"، وفي (ك): "يقص المعنى".
(٣) في (ك): "عن".
(٤) قوله: "لأنَّهُ" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (لِمَا).
(٥) في (ف): "توصيه".
[ ٥ / ٢٩٣ ]
﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾؛ أي: ذِكْرَ يوسف ﵇ للملك، والإضافةُ لأدنى ملابسةٍ (^١)، ومَن جوَّز أن يكون المعنى: أنسى يوسفَ ﵇ ذكرَ اللَّه تعالى حتَّى استعان بغيره، لم يَدْرِ أن حق الفاء حينئذ أن تدخل على (قال)، ويذكر (^٢) جملته بعد أختها، ولا تأييدَ لما ذكره في قوله ﵇: "رحم اللَّه أخي يوسف لو لم يقل: اذكرني عند ربك، لما لبث في السجن سبعًا بعد الخمس" (^٣) إنما تأييدُه لِمَا ذكرناه.
﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ البضع: ما بين الثلاث إلى التسع، من البَضْع وهو القَطْع، وأكثر الأقاويل على أنه ﵇ لبث فيه سبع سنين.
* * *
(٤٣) - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى﴾ حكايةُ حال فلذلك جاء بلفظ المضارع.
﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ لما دنا فَرَجُه ﵇ رأى ملكُ مصر في المنام سبع بقرات سِمان خرجن من نهرٍ يابس، وسبع بقرات مهازيلَ، فابتلعت المهازيل السِّمان.
﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ قد انعقد حبها ﴿وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾: وسبعًا أُخَرَ يابسات
_________________
(١) في (ف) و(ك) وهامش (م): "مناسبة"، والمثبت من متن (م)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٢/ ٤٧٢).
(٢) في (ف) و(ك): "وتدخل".
(٣) ذكره البيضاوي في "تفسيره" (٣/ ١٦٥)، ولم أجده مسندًا.
[ ٥ / ٢٩٤ ]
قد أَدركت، فالْتَوَتِ اليابسات على الخضر حتَّى غلَبن عليها، وإنما استغنى عن بيان حالها بما قَصَّ عن حال البقرات.
وسمان: جمع سمينٍ وسمينةٍ ككرام صفة أجريت على المميِّز دون المميَّز للقصد إلى التَّمييز بنوعٍ من الجنس.
والعَجَف: غايةُ الهزال، والعِجَاف: جمع عَجفاءَ، وقياسه: عُجْفًا؛ لأن فَعلاءَ وأفعلَ جُمع على (^١): فُعْلٍ، لكنه حُمل على ﴿سِمَانٍ﴾، ومن عادة العرب حملُ النقيض على النقيض كحملِ النظير على النظير.
وإنما أُجريت ﴿عِجَافٌ﴾ وعلى ﴿وَسَبْعَ﴾ للاستغناء عن التَّمييز بالمميِّز الأول (^٢) الذي هو الجنس، والتمييز إنما يكون بالجنس، فلو جُعل ﴿عِجَافٌ﴾ مميِّزًا بدون ذكر الجنس لم يجز، كما لا يجوز: ثلاثةُ غِلاظٍ، وأربعةُ ضِخَامٍ، لعدم دلالتها على الجنس، فإذا أجريت على السبع بالوصف بالنوع بعد تمييزه بالجنس تقديرًا فرجع إلى الأول (^٣).
﴿وَأُخَرَ﴾ عطفٌ على ﴿سَبْعَ﴾، ﴿يَابِسَاتٍ﴾ منصوب المحل صفتُه، على قياس ﴿عِجَافٌ﴾ في الأول.
﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ خطاب للأعيان والأشراف من العلماء والحكماء.
﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ عبِّروها ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا﴾ أراد الجنس، فلذلك عدَل عن الضمير، واللام للبيان، أو لتقوية العامل لأن الفعل إذا تأخر عن معموله ضعُف
_________________
(١) "على" سقطت من (ف) و(ك).
(٢) "الأول" من (م).
(٣) في (م): "الأولى".
[ ٥ / ٢٩٥ ]
تأثيره فقُوِّي باللام كاسم الفاعل، ويجوز أن يكون ﴿لِلرُّؤْيَا﴾ خبرَ (كان) كما تقول: فلان لهذا الأمر، إذا كان مستقلًّا به متمكِّنًا فيه.
و﴿تَعْبُرُونَ﴾ حالٌ، أو خبرٌ بعد خبرٍ، وإن تضمَّن ﴿تَعْبُرُونَ﴾ معنى فعلٍ تعدَّى باللام، كأنه قيل: إن كنتم تنتدِبون لعبارة الرؤيا.
والعبارة: المجاوَزة، وعَبَرْتُ الرؤيا: جاوَزْتها؛ أي: جاوزتُ صورتَها المخيَّلة المرئيَّة إلى الصورة الكائنة في نفس الأمر التي انتقلت المتخيَّلة منها إلى المرئية، وكذا أوَّلْتُها؛ أي: ذكرتُ مآلها وما ترجع هي إليه من الصورة الواقعة في نفس الأمر.
وعَبَرْتُ أثبتُ عند أهل اللغة، وعبَّرت بالتشديد للمبالغة كقطَعْتُ وقطَّعْتُ.
* * *
(٤٤) - ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: هذه أضغاثُ أحلام، أو: أمثالُ هذه أضغاث أحلام؛ أي: تخاليطها، جمعُ ضِغْثٍ وهو ما جُعل من أخلاط النبات وحُزم، شُبِّه بها ما تَجمعه المتخيّلة من أحاديث النفس ووساوس الشيطان، فاستُعير للرؤيا الكاذبة.
والأحلام: جمع حُلُم بالضم، وهو رؤيا كاذبةٌ لا حقيقةَ لها، وفي الخبر: "الرؤيا من اللَّه والحلُمُ من الشيطان" (^١) أخرجه عن جنس الرؤيا لعدم ترتُّب أثره عليه.
والإضافة بمعنى (مِن)؛ أي: أضغاثٌ من أحلام، وإنما جمع ولم يكن إلا حُلمًا واحدًا لتضمُّنه أشياءَ مختلفةً، وقيل: للمبالغة في الوصف بالبطلان؛ كقولهم: فلان
_________________
(١) رواه البخاري (٥٧٤٧)، ومسلم (٢٢٦١)، من حديث أبي قتادة ﵁.
[ ٥ / ٢٩٦ ]
يركب الخيل ويلبس عمائم الخزِّ، لمن لا يركب إلا فرسًا واحدة وماله إلا عمامةٌ واحدة، تزيُّدًا (^١) في الوصف.
وعلى تقدير: أمثال، يكون الجمع على ظاهره.
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ﴾ بتأويل المنامات الباطلة ﴿بِعَالِمِينَ﴾ لمَّا أجابوا بقولهم: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ عن سؤال التعبير، وأسقطوا احتمال السؤال بطلب التأويل لأنَّهُ أوسع دائرة من التعبير، فتداركوه بإظهار العجز عن تأويل الأباطيل، وفيه دليل على أنهم نزَّلوا ما رآه لتضمُّنه الأشياء منزلةَ الأحلام، وإلا لكان حقَّهم أن يقولوا: وما نحن بتأويل الحلم بعالمين.
* * *
(٤٥ - ٤٦) - ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: من صاحبي السجن وهو الشرابي.
﴿وَادَّكَرَ﴾ جملة حالية، و(ادكر) بالدال المهملة (^٢) وهو الفصيح، وعن الحسن: (واذَّكر) بالذال المعجمة (^٣)؛ أي: تذكَّر.
﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: بعد جماعة من الزمان طويلةٍ، حين استفتَى الملك في رؤياه،
_________________
(١) في النسخ: "تزيد"، والمثبت من المصادر. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٧٥)، و"الدر المصون" (٦/ ٥٠٧)، و"حاشية الشهاب" (٥/ ١٨٢).
(٢) "المهملة" من (م).
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٤)، و"الكشاف" (٢/ ٤٧٥).
[ ٥ / ٢٩٧ ]
وأَعضَل (^١) على الملأ تأويلُها، وقرئ: (إمَّة) بكسر الهمزة (^٢) وهي النعمة؛ أي: بعدما أُنعم عليه بالنجاة من القتل.
وقرئ: (بعد أَمَهٍ) بالهاء؛ أي: بعد نسيان (^٣).
﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ عمن عنده علمه ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ إليه لأسأله عنه، والمعنى: فأرسَلوه إلى ﴿يُوسُفُ﴾ ﵇، فأتاه فقال: ﴿يُوسُفُ﴾ فحُذف - إيجازا.
﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ ناداه بالصِّديق - وهو المبالِغ في الصدق - لأنَّهُ عرَف صدقَه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه، واختبر حاله في السجن.
﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾؛ أي: في رؤيا ذلك.
﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾: إلى الملك ومَن عنده، وإنما بني الكلام على الظن لأنَّهُ تأدَّب بصحبة يوسف ﵇ فلم يجزمْ في الرجوع إليهم، فربما اختُرم دونه، ولا في علمهم فربما لم يعلموا، وقيل: لم يكن السجن في المدينة.
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فضلك ومنزلتك، فيخلِّصونك من محنتك.
* * *
(٤٧) - ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "وأغفل".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٤)، و"المحتسب" (١/ ٣٤٤)، و"الكشاف" (٢/ ٤٧٥).
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٧٦)، ورواها الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٨٤ - ١٨٦) عن ابن عباس وجمع.
[ ٥ / ٢٩٨ ]
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ﴾ خبرٌ في معنى الأمر؛ كقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ [التوبة: ٤٤] وفائدة إخراج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب المأمور به، وللاعتناء (^١) بشأنه، فجُعل كأنه قد يوجد فيخبَر عنه، والدليل على أنه في معنى الأمر قوله: ﴿فَذَرُوُه﴾.
﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ بسكون الهمزة وتحريكها، مصدر دَأَب في العمل: إذا واظَبَ؛ أي: على عادتكم المستمرةِ، وانتصابه على الحال بمعنى: دائبين، أو المصدر بإضمار فعله؛ أي: تَدْأبون دأَبًا، وتكون الجملة حالًا.
﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ لئلا يتسوَّسَ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ في تلك السنين، نصيحةٌ خارجةٌ عن التعبير، وإشارةٌ برأيٍ نافعٍ بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين إلا بحيلةِ إبقائها في السنبل.
* * *
(٤٨) - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾؛ أي: سبعُ سنين شدادٌ، فحذف المميَّز لدلالة قوله: ﴿سَبْعَ سِنِينَ﴾ عليه.
﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أسند الأكل إليهنَّ على سبيل المجاز من حيث إنه يؤكل فيها؛ كما قال: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] تطبيقًا بين المعبَّر والمعبَّر به.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ تُحرِزون لبذور الزراعة.
* * *
_________________
(١) في (ك): "والاعتناء".
[ ٥ / ٢٩٩ ]
(٤٩) - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ لم يقل: سنةٌ؛ لغلبتها في عام القحط.
﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾: يمطرون فيه، من الغيث، أو: يغاثون من القحط، من الغوث، والغيث: المطر الذي يجيء في وقت الحاجة، وباعتبار هذا القيد فيه حَسُن موقعه في قولهم: الغيث لا يخلو عن الغيث (^١)، ففي الأول مبنيٌّ من ثلاثي وفي الثاني من رباعي، تقول: غاثنا الله، من الغيث، و: أغاثنا، من الغوث، والغوث: النفع (^٢) الذي يأتي على شدة حاجته بنفي (^٣) المضرة.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ما يُعصر كالعنب والقصب والزيتون والسمسم؛ لكثرة ما يعصرون من الفواكه وغيرها، وقيل: يحلبون الضروع.
وقرئ: ﴿تعصرون﴾ بالتاء (^٤) على تغليب المستفتي.
وقرئ على بناء المفعول (^٥)، من عَصَره: إذا أنجاه، ويحتمل أن يكون المبنيُّ للفاعل أيضًا منه؛ أي: يغيثهم الله، أو يغيث بعضُهم بعضًا، أو من
_________________
(١) من قوله: "والغيث: المطر الذي يجيء .. " إلى هنا من (م).
(٢) "النفع" من (م).
(٣) في (ف) و(ك): "على شدة خاصية تنفي".
(٤) قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٩).
(٥) قرئ على بناء المفعول بالياء والتاء، فالياء تنسب لجعفر بن محمد والأعرج وعيسى البصرة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٤)، و"المحتسب" (١/ ٣٤٤)، و"الكشاف" (٢/ ٤٧٧)، و"البحر" (١٢/ ٤٩٣). والتاء نسبت لعيسى البصرة. انظر: "تفسير القرطبي" (١١/ ٣٧٠)، و"البحر" (١٢/ ٤٩٣).
[ ٥ / ٣٠٠ ]
أَعْصَرت السحابة (^١) عليهم، فعدِّي بنزع الخافض، أو بتضمينه معنى المطر.
وهذه بشارةٌ بشَّرهم بها بعد أن أَوَّلَ البقرات السِّمانَ والسنبلات الخضرَ بسنينَ مُخْصِبةٍ والعجافَ واليابساتِ بسنينَ مُجْدِبةٍ، وإتباعَ العجافِ السمانَ بأكلِ ما جُمع في السنين المخصِبة في السنين المجدبة، نصحهم وهداهم إلى التدبير فيها، ثم بشَّرهم بأن العام الثامن يجيءُ خصبًا، وذلك إمَّا بالوحي وإمَّا بالعلم بأن انتهاء الجَدْب إلى الخِصْب، وأن السنَّة الإلهية جاريةٌ بالتوسيع على العباد بعد التضييق عليهم.
* * *
(٥٠) - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ بعد ما جاءه بالتعبير: ﴿ائْتُونِي﴾؛ أي: بالمعبِّر، ففي الكلام حذف.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ يوسفَ ﵇ ليخرجه من السجن ﴿قَالَ﴾ يوسف ﵇: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ إنما تأنَّى وتثبَّت (^٢) في إجابة الملك، وقدَّم سؤال النسوة لتَظهر براءة ساحته عما قُرف (^٣) به، وفيه دليل على أن السعي في دفع التُّهم واجب وجوبَ اتِّقاءِ الوقوف في مواقعها، وعن النَّبِيّ
_________________
(١) في (ف) و(ك): "السماء"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٢/ ٤٧٧)، و"البحر" (١٢/ ٤٩٣)، ولفظ البحر: (أعصرت السحابة ماءها عليهم).
(٢) في (ف): "وثبت"، وسقطت من (ك).
(٣) في (ك): "قذف".
[ ٥ / ٣٠١ ]
﵇: "لو كنت مكانه أو لبثتُ في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة" (^١).
ومن زاد على ما ذكر قوله: ويُعلَم أنه سُجن ظلمًا فلا يقدر الحاسد أن يتوسَّل إلى تقبيح أمره، لم يُصب؛ لأن التعجيل أعونُ على دفع الوهم المذكور، فإن في التأخير مخافةَ الآفَة، وحالُ السؤال لا يَختلف بكونه في داخل السجن وخارجَه، ولذلك قال ﵇: (لأسرعتُ الإجابة) وفي بعض الروايات: "ما أُخبرهم" يعني: عن تعبير الرؤيا "حتَّى أشترطَ أن يخرجوني" (^٢).
وإنما قال: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ولم يقل: فاسأله أن يفتِّش عن حالهن، تهييجًا له على البحث وتحقيق الحال؛ لأن الإنسان إذا سئل عن شيء جد (^٣) فيه واجتهد في تحقيقه، بخلاف ما إذا التُمس منه شيء.
وإنما لم يتعرض لامرأة العزيز صريحًا وقصدًا مع ما صنعت به كرمًا ومراعاةً للأدب، وإنما قلنا: صريحًا وقصدًا؛ لأن التعرض للمقطِّعات أيديهنَّ يستلزم التعرُّض بها، والسؤال عن بالهن يؤدي إلى السؤال عن بالها.
﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ حين قلنَ لي: أطع مولاتك، تعظيم لكيدهن بأنه كيد
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٨٥٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لو كنتُ أنا لأسرعتُ الإجابةَ، وما ابتغيْتُ العذرَ". ورواه البخاري (٤٦٩٤)، ومسلم (١٥١) بلفظ: "ولو لَبِثْتُ في السجنِ طُولَ ما لبثَ يوسفُ، لأجبتُ الدَّاعيَ".
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٣٢٣) عن عكرمة عن النَّبِيّ ﷺ مرسلًا، وروي متصلًا من حديث ابن عباس ﵄ بإسناد ضعيف جدًا كما قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية، رواه ابن أبي الدنيا في "العقوبات" (١٦٠)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٧٣).
(٣) في (ك): "أجد".
[ ٥ / ٣٠٢ ]
بعيد الغور لا يَعلم كُنْهَه إلا اللَّه تعالى، واستشهاد بعلم اللَّه عليه وعلى أنه بريء مما اتُّهم به، وإيعاد لهن بأن اللَّه عليم بكيدهنَّ فيجازيهنَّ عليه.
* * *
(٥١) - ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿قَالَ﴾؛ أي: الملك مخاطبًا لهن بعد إحضارهن، ففي الكلام حذف.
﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾: ما شأنكن، والخطب: أمر يحقُّ أن يخاطب فيه صاحبه لعظمه.
﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾: هل وجدتن منه ميلًا إلى ما دعوتُموهنَّ إليه.
﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ تعجُّبًا من عفته وذهابه بنفسه (^١) عن شيء من الريبة، ومن نزاهته عنها.
﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ بالَغْنَ في نفي جنس المكروه عنه ﵇ بالتنكير وزيادةِ ﴿مِن﴾، وإنما قلن: ﴿عَلَيْهِ﴾ لأن مرادهن نفيُ ما يسوءُه لا ما يسوءُ الغير.
﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ فصَله عما قبله ولم يقل: وقالت؛ لأن مبنى الوصل على دخولها في الخطاب بقوله: ﴿مَا خَطبُكُنَّ﴾ وليست بداخلةٍ فيه.
﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾: ثبت واستقر، من حصحص البعير: إذا ألقى مباركه ليُناخ، أو: ظهر، من حصحص شعرَه: إذا استأصله بحيث ظهر بشرةُ رأسه.
لما سمعت مقالتَهن في براءة يوسف أقرَّت بأعظمَ مما أَقررن به، إذ كانت هي أقوى سببًا فيما جرى من المراودة ومن سَجنه، ولا بيِّنةَ أجلى من
_________________
(١) "وذهابه بنفسه" من (م).
[ ٥ / ٣٠٣ ]
اعترافهن على أنفُسهن، وشهادتهنَّ له بالبراءة والنزاهة وهن خصومُه، والفضل ما شهدت به الأعداء.
﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي﴾ عن نفسي.
* * *
(٥٢) - ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾.
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ من كلام يوسف ﵇ لما جاء الرسول وأخبره بكلامهن فحذف ما حذف لدلالة الكلام عليه، كقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٩، ١١٠] ثم قال: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] وهو من كلام فرعون يستشيرهم بذلك مخاطبًا إياهم.
أي: ذلك التثبيت لِيَعْلَمَ العزيز ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ بظهر الغيب في حرمه، وهو حال من الفاعل أو المفعول؛ أي: لم أخنه وأنا غائب عنه، أو هو غائب عني، أو ظرفٌ؛ أي: بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: وليَعلم أن اللَّه ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾؛ أي: لا يهدي الخائنين في كيدهم؛ كقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]؛ أي: لا تتبع المفسدين في سبيلهم، وقوله: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٣٠]؛ أي: يضاهون الذين كفروا في قولهم؛ وهذه طريقة دقيقة لا يسلكها إلا مَن له السليقة.
وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها أمانةَ زوجها، وتوكيد لأمانته، ولذلك عقَّبه بقوله:
(٥٣) - ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
[ ٥ / ٣٠٤ ]
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ لتزكيةَ نفسه، وهضمًا لها، واحترازًا عن إعجابها بأمانتها وعصمتها، وإقرارًا بأن ذلك بتوفيق اللَّه تعالى ورحمته وتسديده وعصمته لا منه، أي: وما أبرِّئُ نَفْسي من الزلل، ولا أزكِّيها، ولا أشهد لها بالبراءة، وهي (^١) - أعني: نفيَ التبرئة والتنزيه - إما مختصَّة بهذه الواقعة وإرادة الهمِّ المذكور الذي هو ميل النفس لا القصدُ الاختياري، وإما عامة في جميع الأحوال.
﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ تعليل وتأكيد بعد التلويح، والمراد بالنفس: الجنس؛ أي: هذا الجنس كلُّه دائم الأمر بالسوء، حاملٌ عليه بما فيه من الشهوات، باعث للقُوى والجوارح عليه.
﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾: إلا ما عصمه اللَّه برحمته، نصب على الظرف من أعمِّ الأوقات؛ أي: إلا وقتَ رحمة ربي وعصمته، أو على الاستثناء المتصل؛ أي: إلا البعضَ الذي رحمه ربي بالعصمة، واللام في ﴿النَّفْسَ﴾ للاستغراق حتَّى يصح الاستثناء.
ويجوز أن يكون استثناء منقطعًا؛ أي: ولكن رحمةُ ربي هي التي تصرف السوء؛ كقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً﴾ [يس: ٤٣، ٤٤].
وقيل: هو من كلام امرأة العزيز؛ أي: ذلك الذي قلتُ ليَعلم يوسف أني لم أخنه؛ أي: لم أكذب عليه في حال الغيبة، وجئت بالصدق فيما سئلت عنه، وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قذفتُه وقلتُ: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾، فهو اعتذار منها عما سلف، إنَّ كل نفس لأمَّارة بالسوء إلا نفسًا رحمها اللَّه تعالى بالعصمة كنفس يوسف، وفيه تكلُّفُ صرف الخيانة عن معناها إلى معنى الكذب.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "وهو".
[ ٥ / ٣٠٥ ]
﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر همَّ النفوس ويرحم ما (^١) يشاء بالعصمة، أو: يغفر للمستغفر لذنبه المعترِف على نفسه ويرحمه.
* * *
(٥٤) - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ لمَّا أَخبر النساءُ بما أَخبرن قال ملك مصر: جيئوني به ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أجعله خالصًا لنفسي، لِمَا ظهر عنده من علمه وصلاحه.
﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ معطوفٌ على محذوفٍ تقديره: فأتوا به فاستنطقه؛ أي: الملك، فالفاعل لـ (كلَّم) ضمير يوسف ﵇؛ أي فلما كلم يوسف الملك ورأى حسن منطقه لما صدق به الخبر، قيل: كان الملك يعرف سبعين لسانًا، فكلَّمه بها فأجابه بجميعها فتعجَّب منه (^٢).
﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ﴾؛ أي: ذو مكان ومنزلة.
﴿أَمِينٌ﴾: مؤتمن على كل شيء، قيل: توفي العزيز في تلك الليالي فنصبه منصبه وزوَّج منه زوجته، فوجدها عذراء وولد له منها أفرايم وميشا.
* * *
(٥٥) - ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
_________________
(١) في (ك) و(م): "من".
(٢) مبالغات اعتاد بعض المفسرين حشو كتبهم بها، ولا سند لها ولا صحة.
[ ٥ / ٣٠٦ ]
﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾؛ أي: مكنِّي (^١) أمرَها، والأرضُ أرض مصر، لمَّا وصفه الملك بالتمكن عنده والأمانة طلب من الأعمال ما يناسب هذين الوصفين.
﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ لها أحفظ ما استُحْفِظْتُه ﴿عَلِيمٌ﴾ بوجوه التصرف.
وصف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبةُ الملوك ممن يولُّونه، وإنما قال ذلك ليَتوصَّل به إلى إمضاء أحكام اللَّه، وإقامةِ الحق، وبسطِ العدل، والتمكُّنِ مما لأجله يُبعث الأنبياء ﵈، ولعلمه أن أحدًا لا يضيع بذلك ولا يقوم مقامه فيه، فطلب التولية ابتغاء وجه اللَّه تعالى لا لحب الملك والدنيا.
وفيه دليل على جواز طلب التولية، وإظهارِ أنه مستعد لها، والتولي من يد الكافر إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق إلا بالاستظهار به، وعن مجاهد أنه قد أسلم على يده ﵇.
* * *
(٥٦) - ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثلَ ذلك التمكين الظاهر ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرضَ مصر.
﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾: ينزل من بلادها حيث يهوى؛ لدخول جملتها تحت ملكه (^٢) وسلطانه.
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا﴾: بعطائنا ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) في (ك) و(م): "كلني".
(٢) في (ك) و(م): "مملكته".
[ ٥ / ٣٠٧ ]
﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بل نوفِّي أجور إحسانهم عاجلًا وآجلًا، ولا نَنْقُص من أجورهم في الآخرة بسبب ما أعطيناهم من الملك والغنى شيئًا، ولهذا قال:
(٥٧) - ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ لأنَّهُ الدائم الذي لا يَفْنَى ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾؛ أي: داوموا على التقوى، من باب وضع الظاهر موضعَ الضمير؛ تنويهًا بذكر الإيمان والتقوى، وتبيينًا لماهية الإحسان وأصلِه بأنه هو الإيمانُ والتقوى؛ أي: العلم والعمل، وإيماءً إلى أن أجر الآخرة إنما يُستحق بهما وأن غيرَ المؤمن التقيِّ - أعني عن الشرك - لا نصيب له في الآخرة.
قال سفيان بن عيينة ﵀ (^١): المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجَّل له الخير في الدنيا ومالَه في الآخرة من خلاق، وتلا هذه الآيةَ.
وفيها (^٢) شهادة من اللَّه تعالى ليوسف بالإحسان، وإشارةٌ إلى أن حاله في الآخرة خير من حالته العظيمة في الدنيا، وإيذانٌ بأن الإحسان هو الذي لا يُضيع الله تعالى أجره.
* * *
(٥٨) - ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾؛ أي: من كنعان من أرض الفلسطين من نواحي الشام إلى مصر ليمتاروا منها، فتوصَّلوا إلى يوسف للميرة، روي أنه أصاب بلاد الشام
_________________
(١) في (ف): "رح"، وفي (م): "رحمة"، وليست في (ك).
(٢) في (م): "وفيه".
[ ٥ / ٣٠٨ ]
وأرض كنعان نحوَ ما أصاب أرض مصر، فأرسل يعقوب ﵇ بنيه ليمتاروا واحتَبس بنيامين عنده.
﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ﴾ لأنَّهُ فارقهم وهم رجال ملتحُون، ورأى زَّيهم قريبًا مما كان من قبلُ.
﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لأنهم فارقوه في سن الحداثة غيرَ ملتحٍ، ولحسبانهم أنه هلك، ولبُعد حاله التي بلغها من الملك والسلطان عن حاله التي فارقوه عليها، وتبدُّلِ زِّيه وأُبَّهته، إلى ما بهم ولِمَا نابهم من التهييب والاستعظام مما ينكَر له المعروف.
* * *
(٥٩) - ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾: أصلحهم بعدتهم وأَوْقَر ركابهم (^١) بما جاؤوا له من الميرة.
وقرئ: (بجِهازهم) بالكسر (^٢)، والجهاز بالفتح والكسر: عُدة المسافر من الزاد وما يحتاج إليه المسافرون، وقيل: هو فاخرُ المتاع الذي يحمله؛ أي: من (^٣) بلدٍ إلى بلدٍ أخرى، ومنه جهاز العروس.
﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ لا بد من مقدمة تقتضي هذا الأمر، روي: أنهم لما
_________________
(١) في (ك): "ركائبهم".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٤)، و"الكشاف" (٢/ ٤٨٤).
(٣) في (م): "الذي يحمل من".
[ ٥ / ٣٠٩ ]
دخلوا عليه قال: مَن أنتم؟ وما أمركم؟ لعلكم عيون! قالوا: معاذ اللَّه نحن بنو أبٍ واحدٍ، وهو شيخ صِدِّيق نبيٌّ من أنبياء اللَّه تعالى اسمه يعقوب، قال: كم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر فذهب أحدنا إلى البرية فهلك، قال: فكم أنتم هاهنا؛ قالوا: عشرة، قال: فأين الحادي عشر؟ قالوا: عند أبينا يَتسلَّى به من الهالك، قال: فمَن يشهد لكم؟ قالوا: لا يعرفنا هاهنا مَن يَشهد لنا، قال: فدعوا بعضَكم عندي رهينةً وائتوني بأخيكم من أبيكم حتَّى أصدِّقكم، فاقترعوا فأصابت شمعون (^١).
وقيل: كان يوسف ﵇ يعطي لكلِّ نفر حملًا، فسألوا حملًا زائدًا لأخٍ لهم من أبيهم، فأعطاهم وشَرَط عليهم أن يأتوه به ليَعلم صدقهم، ثم ذَكر ما يحرِّضهم على الإتيان بأخيهم:
﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾: أُتِمُّه ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ للضيف؛ أي: المضيفين، يعني: في قطره وفي زمانهم (^٢)، وكان قد أحسن إنزالهم وضيافتَهم يؤنِسُهم بذلك ويستميلهم، ثم يُوْعدهم (^٣) إن لم يأتوا إليه به بحرمانهم من الميرة في المستقبل بقوله:
(٦٠) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾.
﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ﴾: فلا طعام.
﴿لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ يحتمل أن يكون نهيًا، وأن يكون نفيًا مستقبَلًا معناه النهيُ وحُذفت النون وهو مرفوعٌ كما حذفت في قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]
_________________
(١) انظر "تفسير الطبري" (١٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٧/ ٢١٦٢ - ٢١٦٤)، و"الكشاف" (٢/ ٤٨٤).
(٢) في (ك): "أزمانهم".
(٣) قوله: "يوعدهم" كذا في النسخ، ولعل الأحسن: (توعَّدهم).
[ ٥ / ٣١٠ ]
وأن يكون نفيًا داخلًا في الجزاء (^١) معطوفًا على محل فلا كيل لكم عندي فيكون مجزومًا، تلطف في استحضار بنيامين بالترغيب والترهيب.
* * *
(٦١) - ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾.
﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾: سنخادعه عنه ونحتال حتَّى ننزِعَه من يده، ثم أكَّدوا ذلك الوعد بقولهم: ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ذلك لا محالة، لا نتوانى فيه ولا نقصِّر، أو: لقادرون على ذلك.
* * *
(٦٢) - ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾: لغلمانه الكيالين، جمع فتًى، وقرئ: ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ (^٢) على جمع الكثرة ليوافق قوله:
﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ فإنه وكَّل بكلِّ رَحْلِ واحدًا (^٣) يعبِّئ فيه بضاعتهم التي شروا بها الطعام، وكانت نعالًا وأدمًا (^٤)، وإنما فعل ذلك توسيعًا وتفضُّلًا عليهم، وترفُّعًا من أن يأخذ ثمن الطعام منهم، وخوفًا من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به، والرحل: آلة السفر من وعاء ومركب.
_________________
(١) في (ف): "الخبر".
(٢) قراءة عاصم وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٩).
(٣) في (ك) و(م): "واحد".
(٤) بضم الهمزة وفتحها: جمع أَدَم، وهو الجلد المدبوغ. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ١٨٩).
[ ٥ / ٣١١ ]
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾: لعلهم يعرفون حقَّ ردِّها، أو: لكي يعرفوها (^١).
﴿إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ﴾ وفتحوا أوعيتهم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع.
* * *
(٦٣) - ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾: حُكِمَ بمنعه بعد هذا إنْ لم يذهب بنيامين ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ ما نحتاج إليه من الطعام؛ لوجود الشَّرط ورفع (^٢) المانع.
وقرئ: ﴿يَكْتَلْ﴾ بالياء (^٣)؛ أي: يَكتلْ أخونا فينضمَّ اكتيالُه إلى اكتيالنا، ويجوز أن يكون المعنى: يكنْ سببًا للاكتيال، على الإسناد المجازي؛ لأن امتناعه بسبب (^٤) عدم ذهابهم به، فإذا أُرسل معهم كان هو سببًا لاكتيالهم، فكأنه هو المكتال (^٥).
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ عن أن يناله مكروه.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(ك): "يعرفونها".
(٢) في (ف): "ودفع".
(٣) قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٩).
(٤) في (ف) و(ك): "سبب".
(٥) في (م): "المكيال".
[ ٥ / ٣١٢ ]
(٦٤) - ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ استفهامٌ بمعنى النفي، وهذا تقريرٌ وتوقيفٌ وتألُّم من فراقه بنيامين، ولم يصرِّح بمنعه من إرساله (^١) لِمَا رأى في ذلك من المصلحة، وشبَّه هذا الائتمانَ في ابنه هذا بائتمانه إياهم في حقِّ يوسف ﵇، كأنه يقول: قد قلتم فيه: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ كما قلتم في هذا، فأخاف أن تَكيدوا له كما كِدْتم لذلك، لكنه لم يَخَفْ عليه كما خاف على يوسف ﵇ واستسلم للّه تعالى (^٢).
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ عليه وأعتمدُ على حفظه وكلاءته دونهم، ورضي بدفعه إليهم.
وقرئ: ﴿حِفْظًا﴾ (^٣)، وانتصابه وكذا انتصابُ ﴿حَافِظًا﴾ على التَّمييز، وكون ﴿حَافِظًا﴾ حالًا ليس بجيدٍ؛ لأن فيه تقييدَ ﴿خَيْرٌ﴾ بهذه الحالة (^٤).
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: فأرجو أن يرحمني بحفظه ولا يجمعَ عليَّ مصيبتين.
* * *
(٦٥) - ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "ولم يمنعه من إرساله". وفي "المحرر الوجيز" (٣/ ٢٥٩): (ولم يصرح بمنعهم من حمله).
(٢) في (م) زيادة: "فقال".
(٣) قراءة ابن عامر وابن كثير وأبي عمرو ونافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٩).
(٤) في (ف): "الحال".
[ ٥ / ٣١٣ ]
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: وُضعت في رحالهم، وقرئ: (رِدَّت) بكسر الراء (^١) على أن كسرة الدَّال المدغمةِ نُقلت إلى الراء، كما قيل: قيل وبيع.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ ﴿مَا﴾ هذه استفهاميةٌ منصوبةُ المحل؛ أي: أيَّ شيء نطلبُ وراء هذا، هل من مزيد على ذلك؟ أكرمَنا وأحسنَ مثوانا، وردَّ علينا متاعنا.
أو نافية؛ أي: ما نبغي في القول وما نزيد فيما وصفنا لك (^٢) من إحسانِ الملِكِ.
ورُوي: (ما تبغي) بالتاء على الخطاب (^٣)؛ أي: أيَّ شيء تَطلبُ وراء هذا من الإحسانِ، أو الشاهد على صدقنا.
﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ جملةٌ استئنافية وقعت بيانًا لقوله: ﴿مَا نَبْغِي﴾.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ عطفٌ على محذوف؛ أي: هذه بضاعتنا ردت إلينا فنستظهِر بها ونمير أهلنا، إذا فُسر البغي بالطلب، وإذا فسر بالكذب والترديد (^٤) في القول، جاز أن يعطف ﴿نَمِيرُ﴾ على ﴿مَا نَبْغِي﴾، ويجوز أن يكون كلامًا مبتدَأً؛ أي: ونبغي أن نمير أهلنا، كقولك: سعيت في حاجة فلان ويجب عليَّ أن أسعى له.
﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ عن المخاوف في الذهاب والإياب.
_________________
(١) نسبت للأعمش ويحيى بن وثاب وعلقمة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٤)، و"المحتسب" (١/ ٣٤٥)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٣٦٠)، و"البحر" (١٢/ ٥٠٩).
(٢) "لك" من (ك).
(٣) نسبت لابن مسعود وغيره. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٤)، و"الكشاف" (٢/ ٤٨٦)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٣٦٠)، و"البحر" (١٢/ ٥١٠).
(٤) في (ك): "والتزيد".
[ ٥ / ٣١٤ ]
﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾؛ أي (^١): وَسقَ بعيرٍ باستصحابِ أخينا، لزيادة وسعةٍ على أوساقِ أباعرنا، فما نبغي وراء هذه المساعي.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الذي جئنا به ﴿كَيْلٌ﴾: مكيلٌ ﴿يَسِيرٌ﴾ لا يكفينا، فلا بد أن نرجع إليه ونضاعفه، أو: ذلك الزائد لأخينا مكيلٌ قليل لا يضايقنا فيه الملك ولا يتعاظَمه، أو: ذلك الذي نمير ويكال لنا شيء يسير يزاد عليه ما يكال لأخينا.
وقيل: هو من كلام يعقوب ﵇؛ أي: ذلك المزادُ - وهو حملُ بعيرٍ واحدٍ - شيءٌ يسير لا يخاطَر بمثله بالولد؛ كقوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ [يوسف: ٥٢].
ويأباه تأخير ﴿قَالَ﴾ عنه، فإن حقَّه حينئذ أن يقدَّم عليه.
* * *
(٦٦) - ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ﴾ البتة بعدما رأيت منكم ما رأيت ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: ما أتوثَّق به من عند الله، يعني: الحَلِفَ باللّه.
وإنما جعله مَوْثِقًا مِن اللّه تعالى؛ لأن الحَلِفَ باللّه مما يؤكَّد به العهود، وقد أذن اللَّه تعالى فيه فهو إذنٌ منه تعالى.
﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جواب القسم؛ لأن معنى: ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا﴾ [يوسف: ٦٦]: حتَّى تحلِفوا لي.
﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾: إلا أن تَهْلِكوا، أو: إلا أن تُغلبوا فلن تُطيقوا الإتيان به،
_________________
(١) "أي" من (م).
[ ٥ / ٣١٥ ]
مفعول له (^١)، وقوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ في تأويل النفي؛ أي: لا تتركوه لعلةٍ مّا إلا لعلةِ الإحاطة بكم؛ لأنَّهُ استثناءٌ مفرَّغ من أعمِّ العلل، فلا يكون إلا في النفي؛ كقولك: أقسمت باللّه إلا فعَلْتَ؛ أي: ما أطلب منك إلا فعلَك.
أو ظرفٌ مستثنًى من أعمِّ الظروف؛ أي: لا تمتنعون من الإتيان به وقتًا مّا إلا وقتَ الإحاطة بكم.
﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ عهدَهم ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾ من طلب الموثق وإتيانه ﴿وَكِيلٌ﴾؛ أي: مطَّلع رقيب.
* * *
(٦٧) - ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
﴿وَقَالَ﴾ حين أنفذَ أخاهم معهم: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ وصَّاهم بالحذر عن إصابة العين؛ لأنهم كانوا جماعة (^٢) ذوي أبَّهةٍ وشارةٍ حسنةٍ، مشتهِرين بين أهل مصر بالقُربة والكرامة عند الملك، فخاف عليهم أن يدخلوا (^٣) كوكبةً واحدة فيُعَانُوا لجلالتهم في الصدور (^٤) وقد عُرف كونُهم إخوةً، والعين تتسارع تأثيرًا إلى مثلهم، ولذلك لم يوصهم بذلك في الكَرَّة الأولى لأنهم كانوا حينئذٍ مجهولين مغمورين بين الناس.
_________________
(١) في (ك): "مفعوله".، وهو خطأ. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٨٧).
(٢) "جماعة" ليست في (ك).
(٣) "أن يدخلوا" من (م).
(٤) في (ف): "صدور"، وفي (ك): "صدور الناس".
[ ٥ / ٣١٦ ]
أو كان الداعي له إلى التوصية خوفَه على بنيامين.
وتأثيرُ العين مما لا يُنكر، وقد ورد في الخبر عن خير البشر: "العينُ حقٌّ" (^١)، وفي خبر آخر: "إن العين لتدخل (^٢) الرجل القبر والجمل القدر" (^٣)، وأنَّه ﵇ كان يعوِّذ الحسنين ﵄ فقال: "أعيذُكما بكلمات اللَّه التامَّة، من كلِّ هامَّة، ومن كلِّ عينٍ لامَّة" (^٤).
وشهدت به التجربةُ، ولا ينافي ذلك أنه (^٥) لا مؤثِّر إلا اللَّه تعالى؛ لأن حقيقة التأثير وأصلَه ليس إلا منه تعالى، وإنْ ظهر على مظاهر الأشياء بحسَب جَرْي العادة، وليس هذا بمحلِّ الامتحان والابتلاء لأنَّهُ ليس من خوارق العادات.
﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ مما قضَى عليكم مما أشرْتُ به إليكم؛ أي: لا أنفعُ ولا أرفعُ إن أراد اللَّه بكم شيئًا (^٦)، ولم يُرِدْ به اتِّقاء (^٧) الحذر عن إلقاء النفس إلى محلِّ الخطر، ببيانِ عدم التأثير للتدبير في تغيير ما في التَّقديرُ؛ لأنَّهُ لا يناسب شأن النَّبِيّ ﵇ أن يوصي بشيء على وجه الاهتمام ببنيه الكرام ثم يبطلَه
_________________
(١) رواه البخاري (٥٧٤٠)، ومسلم (٢١٨٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) في (ك): "لدخل".
(٣) رواه أبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٩٠)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٠٥٧)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٩/ ٢٤٤)، من حديث أبي جابر ﵁.
(٤) رواه البخاري (٣٣٧١)، وأبو داود (٤٧٣٧) واللفظ له، من حديث ابن عباس ﵄. وما بين معكوفتين منهما.
(٥) في (م): "أن".
(٦) في (ك): "سيئًا"، وفي (م) زيادة: "شيئًا سببًا".
(٧) في (م): "إيماء".
[ ٥ / ٣١٧ ]
ويُظهِرَ أنه من خطَرات الأوهام، بل أراد دفع ما يخطر بالبال عند سماع مثل هذا المقال من معارضة التَّقديرُ بالتدبير بحسَب الظاهر المتبادِر إلى الأفهام، بما مَرْجِعُه إلى أن الحذر لا يُغني من القدَر، ومع هذا لا بد للعاقل من الحذر عن (^١) مَظانِّ الضرر، ولذلك أُمرنا به في قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] ونُهينا عن خلافه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾؛ أي: ليس الفصل بين الأمور على ما تقتضيه الحكمة إلا للّه تعالى.
ولما كان في توصيتهم مَظِنَّةُ التوسُّل بالأسباب العاديَّة، تداركه بقوله:
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾؛ أي: فوَّضْتُ أمري إلى اللَّه تعالى يدبِّره كيف يشاء، وتقديم الصلة لتخصيص التوكُّل به تعالى.
﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ جمع بين حرفي العطف مع تقديم الصلة، وأراد بالواو العطفَ على فعله (^٢) من تخصيص التوكُّل باللّه تعالى في حفظهم، وبالفاء التسبيبَ؛ لأن (^٣) فعل الأنبياء ﵈ سببٌ لأنْ يُقتدى به؛ أي: وعليه خاصةً إذ خصَصْتُه بالتوكُّل عليه فليتوكَّل المتوكِّلون في جميع أمورهم، أو: وعليه إنْ توكَّل متوكِّل فليتوكَّل كما عليه توكلت.
* * *
_________________
(١) في (ف): "من".
(٢) أي: (أراد أن يفيد بالواو عطفَ فعل غيره من تخصيص التوكل بالله تعالى على فعل نفسه ..). انظر: "تفسير أبي السعود" (٤/ ٢٩٢).
(٣) في (ف): "أن".
[ ٥ / ٣١٨ ]
(٦٨) - ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾؛ أي: من الأبواب المتفرِّقة (^١) في البلد.
﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: ما كان دخولهم في البلد متفرِّقين على رأي يعقوب ﵇ مغنيًا عنهم من قضاء اللَّه في حقِّهم شيئًا.
﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾؛ أي: لكن كان اضطرابًا في قلبه ودغدغةً في خاطره أزال ذلك عن نفسه بوصيته (^٢).
وأما ما قيل: فسُرِّقوا وأخذ بنيامين بوجدان الصُّواع في رحله، وتضاعفت المصيبة على يعقوب ﵇ (^٣) = فلا يناسب المقام؛ لأن مساق الكلام في عدم تأثير تدبيره فيما وصَّاهم به، وهو الاحتراز عن مَظِنَّة الضرر من جهةِ إصابة العين بهم لا من جهةٍ أخرى.
﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن يعقوب ﵇ ﴿لَذُو عِلْمٍ﴾ هو عظيم، وفي التنكير للتعظيم توطئةٌ لما في قوله: ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ من كمال التفخيم الحاصل من إضافة التعليم (^٤) إلى نفسه تعالى.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سرَّ إيجاب الحذر مع أنه لا يُغني شيئًا من القدَر.
_________________
(١) في (ك) و(م): "أبواب متفرقة".
(٢) "بوصيته" من (م).
(٣) القائل هو البيضاوي في "تفسيره" (٣/ ١٧٠). و"سُرِّقوا" مبني للمجهول مشدد الراء معناه: نسبوا إلى السرقة. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ١٩٣).
(٤) في (م): "التعظيم".
[ ٥ / ٣١٩ ]
(٦٩) - ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾: ضمَّ إليه بنيامين على الطعام أو في المنزل.
الإيواء: الضمُّ والتصيير إلى موضع الراحة، ومنه المأوى: وهو المنزل الذي يصير إليه صاحبه للراحة فيه.
روي أنه أضافهم فأجلسهم مثنَى مثنَى، فبقي (^١) بنيامين وحيدًا، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيًّا لجلس معي، فأجلسه معه على مائدته ثم قال: لينزلْ (^٢) كلُّ اثنين منكم بيتًا، وهذا لا ثاني له فيكون معي، فبات عنده وقال له: أتحب أن أكون أخاك بدلَ أخيك الهالك؟ قال: مَن يجد أخًا مثلَك؟ ولكنْ لم يَلِدْك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف ﵇ وقام إليه فعانقه:
﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ يوسفُ ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾: فلا تحزن، افتعالٌ من البؤس.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: بما استمر به عادتُهم من الجفاء في حقِّنا، وذكرِك بغير الجميل عندك مغايظةً لك، وكأنه قصد الإشارة إلى ما هم بصددِ أن يعملوا في حقِّهم من إسناد السرقة بقولهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، ولذلك أتى بصيغة المضارع، وكان ذلك معلومًا له بطريق الوحي.
* * *
_________________
(١) في (ف): "فبصر".
(٢) في (ك): (ينزل).
[ ٥ / ٣٢٠ ]
(٧٠) - ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ الفاء فصيحةٌ عاطفة على محذوفٍ تقديره ظاهرٌ، وقد مر تفسير الجَهاز.
﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾؛ المشرَبة ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ قد مر تفسير الرحل، قيل: كانت مشرَبةً جُعلت صاعًا يكال بها، وقيل: كانت يسقى بها الدوابُّ ويكالُ فيها، وكانت من فضة، وقيل: من ذهب.
وقرئ: (وجَعَل) (^١) على حذف جواب (لمَّا) تقديره: أمهَلَهم حتَّى انطلقوا.
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾: نادى منادٍ. الأذان: الإعلام بقول يُسمع بالآذان، يقال: آذنه: أعلمه، وأذَّن: أكثرَ الإعلام، ومنه: المؤذِّن؛ لكثرة ذلك منه.
﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ العير: القافلة، ومنه المثل: لا في العير ولا في النفير، وهو في الأصل: اسم ما امتير عليه من الإبل والحمير والبغال؛ لأنها تَعِيرُ؛ أي: تتردد (^٢)، والقول بتخصيصه بالإبل باطلٌ، نص عليه الأزهريُّ (^٣). ثم قيل لأصحابها؛ كالخيل في قوله ﵇: "يا خيل اللَّه اركبي" (^٤).
_________________
(١) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٩٠)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٢٦٣).
(٢) "تعير أي تتردد" سقط من (ف) و(ك)، وتحرف في (م) إلى: "تعر إلى تردد"، والتصويب من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٧١). وعبارة "الكشاف" (٢/ ٤٩٠): (لأنها تعير؛ أي: تذهب وتجيء).
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (٣/ ١٠٧).
(٤) رواه الكلاباذي في "بحر الفوائد" (١/ ١٠١)، والبيهقي في "الشعب" (١٠١٠٦)، وهناد في "الزهد" (٢٥)، من حديث أنس بن مالك ﵁. ورواه أيضًا ابن المبارك في "الجهاد" (١٦١)، والحاكم في "المستدرك" (٣٣٨٦) من حديث أسير بن جابر.
[ ٥ / ٣٢١ ]
﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ من قَبيل نسبة الفعل إلى جماعةٍ كلمتُهم واحدةٌ لصدوره عن واحد منهم.
والسرقة: أخذ الشيء من حِرْزٍ في خُفيةٍ بغيرِ حقٍّ.
قيل: لم يأمرهم يوسف ﵇ بذلك ولا علمه، وإنما كان أَمَر بعض خواصِّه بجعل السقاية في رحل أخيه على ما أَمَره اللَّه تعالى به، فلمَّا فقدها الموكَّلون بها اتَّهموهم بسرقتها.
* * *
(٧١) - ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: إخوة يوسف ﵇ ﴿وَأَقْبَلُوا﴾ جملة حالية؛ أي: وقد أقبلوا ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على طالبي السقاية، وفيه تنبيه على ما في قوله: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ من إيجاز الحذف.
والإقبال: مجيء الشيء إلى جهة المقابلة بوجهه، وضدُّه الإدبار.
﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ يحتمل أن يكون ﴿مَاذَا﴾ استفهامًا في موضع نصبٍ بـ ﴿تَفْقِدُونَ﴾، ويحتمل أن تكون (ما) وحدها استفهاميةً مبتدأً، و(ذا) موصولة بمعنى: الذي، خبرٌ عن (ما) و﴿تَفْقِدُونَ﴾ صلةٌ لـ (ذا) والعائد محذوف؛ أي: تفقدونه.
وفَقْدُ الشيء: طلبُه عند غَيبته عن الحسِّ بحيث لا يدري أين هو، قال الجوهري: فَقَدْتُ الشيءَ أَفْقِدُه فَقْدًا، وتَفَقَدْتُه؛ أي: طلبتُه عند غَيبته (^١).
_________________
(١) انظر: "الصحاح" (مادة: فقد). ومن قوله: "عن الحس .. " إلى هنا من (م).
[ ٥ / ٣٢٢ ]
ولمَا فيه من معنى الطلب قالوا: ﴿تَفْقِدُونَ﴾ ولو كان معناه الغيبةَ المجرَّدة عن الطلب لكان حقَّهم أن يقولوا: ماذا فقدْتُم؟
وقرئ: (تُفْقِدون) (^١) من أَفقَدْتُه: إذا وجَدْتَه فقيدًا.
* * *
(٧٢) - ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾.
﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ المكيالُ، وهو السقاية المذكورةُ، سماه أوَّلًا بإحدى معنييه وأخرى بالثانية. وقرئ: (صاع) و(صُوْع) بالضم والفتح والعين والغين، (صُوَاغ) من الصياغة (^٢).
﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾؛ أي: وَسْقُ بعيرٍ من طعام جُعلًا لمن حصَّله، وتمامُ الكلام في هذا المقام توعيدٌ للمسيء ووعدٌ للمُحسن من رئيس تلك الجماعة، إلا أنه اختُصر واكتُفي بجزئه الثاني مصدَّرًا بالواو الفصيحة الدالةِ على مخذوفٍ وهو جزؤه الأول، وحينئذ ينتظِم الإفراديُّ: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾؛ أي: كفيلٌ أؤديهِ إلى مَن ردَّه، مع الجميع (^٣) في قوله: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ﴾.
قيل: فيه دليل على جواز الجَعالة وضمان الجُعل قبل تمام العمل.
_________________
(١) نسبت لأبي عبد الرحمن السلمي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٤)، و"الكشاف" (٢/ ٤٩٨)، و" المحرر الوجيز" (٣/ ٢٦٤).
(٢) انظر هذه القراءات في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٤)، و"المحتسب" (١/ ٣٦٤)، و"الكشاف" (٢/ ٤٩٠)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٢٦٤). وتلخص مما ذكره المؤلف ثماني قراءات يضاف إليها (صِواع) بكسر الصاد، لكن واحدة فقط في المتواتر وهي: ﴿صُوَاعَ﴾، وانظر بيان هذه القراءات ومن قرأ بكل منها مع تخريجنا لها مفصلة في "البحر" (١٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣).
(٣) في (ف): "الجمع ".
[ ٥ / ٣٢٣ ]
ويَرِدُ عليه: أنه لا دلالة فيه على لزوم الضمان، وصحةُ الالتزام بدون اللزوم مما لا حاجة إلى الدليل عليه.
* * *
(٧٣) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾ قسمٌ فيه معنى التعجُّب مما أضيف إليهم، والتاء بدلٌ من الواو في قول أكثر النحويين، وقال السهيليُّ: إنها أصلٌ بنفسها، وقد حُكي عن العرب دخولها على الربِّ والرحمنِ وحياتِكَ، قالوا: ترَبِّ الكعبة، وتَالرَّحمنِ، وتحياتك (^١).
﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في أرضكم، وإنما استَشهَدوا (^٢) بعلمهم لاشتهارهم بينهم بالأمانة والدِّيانة، واختبارِهم حالَهم في كرَّتيِ المجيء، ومداخلتهم [للملك] (^٣)، ولأنهم دخلوا مصر وأفواهُ رواحلهم معكومةٌ (^٤) لئلا يتناول زرعًا أو طعامًا لأحد، ولأنهم ردُّوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم.
﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ مرادُهم نفي السرقة عن أنفسهم، فكان حقَّهم أن يقولوا: وما سرقنا، إلا أنهم أرادوا أن يضمِّنوا عبارتَهم الدلالةَ على أن الإقدام على مثل هذه السرقة إنما يتيسَّر ممن هو معتاد بها.
* * *
_________________
(١) انظر: "شرح التسهيل" لابن مالك (٣/ ١٢ - ١٣)، و"ارتشاف الضرب" (ص: ١٧١٧)، و"البحر" (١٢/ ٥٢٤) وعنه نقل المؤلف.
(٢) في (ك): "استشهد".
(٣) من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٧١).
(٤) أي: مشدودة بالعِكْم، وهو الحبل الذي يُعْكَم به.
[ ٥ / ٣٢٤ ]
(٧٤) - ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾.
﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ الضمير للصُّواع؛ أي: فما جزاء سرقته على حذف المضاف.
﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ في ادعاء البراءة.
* * *
(٧٥) - ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ﴾؛ أي: جزاءُ سرقته ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾؛ أي: أخذُه واسترقاقُه، هكذا كان شرعُ يعقوب ﵇.
﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ جملةٌ أخرى لتقرير الحكم وإلزامه، أو خبر ﴿مَنْ﴾، والفاءُ لتضمُّنه معنى الشرط، أو جوابٌ لها على أنها شرطيةٌ، والجملة كما هي (^١) خبر ﴿جَزَاؤُهُ﴾ على إقامة الظاهر مقام الضمير تفخيمًا لشأن الجزاء؛ كأنه قيل: جزاؤه مَن وجد في رحله فهو هو.
﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الجزاءِ وهوْ الاسترقاقُ ﴿نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ بالسرقة، وهذا كلامُ مَن لم يشكَّ أنهم برآءُ مما رُموا به، ولاعتقادهم البراءة علَّقوا الحكم على وجدان الصاع لا على سرقته.
* * *
(٧٦) - ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
_________________
(١) في (ف) و(م): "هو"، وسقطت "كما"من (ف).
[ ٥ / ٣٢٥ ]
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾، أي: فبدأ مَن قال: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، وقد تقدم أنه مقدَّم المتفقِّدين بتفتيش أوعيتهم، وقيل: يوسف ﵇؛ لأنهم ردُّوا إلى مصر.
﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ بنيامين نفيًا للتهمة.
﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا﴾ أي: السقاية، وتذكير الضمير فيما سبق لأن الخدَمة عبَّروا عنها بالصُّواع، فما دام الكلام منقولًا عن لسانهم ذكّر الضمير عائدًا (^١) إليه.
﴿مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ وقرئ بضم الواو، وبقلبها همزة (^٢).
﴿كَذَلِكَ﴾، أي: مثلَ ذلك الكيد العظيم ﴿كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، أي: علَّمناه إياه، وأوحيناه إليه.
﴿مَا كَانَ﴾ ما صح ﴿لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ بالسرقة ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾: ملكِ مصر؛ لأن دينه الضربَ وتغريمَ ضعفِ ما أُخذ دون الاسترقاق، وهو تفسيرٌ للكيد وبيان له.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ نصبٌ على الظرف أو المفعولِ له، أي: ما كان ليأخذه وقتًا من الأوقات إلا وقتَ مشيئة الله تعالى وإذنِه فيه، أو: لعلةٍ ما إلا بمشيئة الله تعالى، أو إلا بسبب مشيئة الله تعالى.
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ في العلم كما رفعنا درجته ﵇ فيه، وقرئ: ﴿يَرْفَعُ﴾ بالياء (^٣)، و: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ بالتنوين (^٤).
_________________
(١) في (ك) و(م): "عائد".
(٢) قرأ الحسن: (وُعاء) بضم الواو، وسعيد بن جبير: (إعاء) بإبدال الواو المكسورة همزة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٥)، و"المحتسب" (١/ ٣٤٨).
(٣) قراءة يعقوب، وكذا قرأ: ﴿نَشَاءُ﴾ بالياء. انظر: "النشر" (٢/ ٢٩٦).
(٤) قراءة عاصم وحمزة والكسائي، وباقي السبعة بالإضافة. انظر: "التيسير" (ص: ١٠٤).
[ ٥ / ٣٢٦ ]
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ أرفعَ درجةً منه في العلم، أراد المبالغةَ في عدم انتهاء مراتب العلم في المخلوق ودرجاته لعدم انتهاء المعلومات، وعلمُ الله تعالى ليس بوصفٍ زائدٍ على ذاته، فلا يقال له تعالى: ذو علم، وبما قرَّرناه ظهر وجه العدول عن: العالِم، إلى: ﴿ذِي عِلْمٍ﴾.
* * *
(٧٧) - ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾.
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ﴾ يعنُون بنيامين ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنُون يوسفَ ﵇.
قيل: ورثت عمتُه من أبيها مِنْطَقةَ (^١) إبراهيم ﵇، وكانت تحضُن يوسف ﵇ وتحبُّه، فلما شبَّ أراد يعقوب ﵇ انتزاعَه منها، فشدتِ المنطقةَ على وسطه ثم أظهرت ضياعَها، فتفحِّص عنها فوُجدت محزومةً عليه، فصارت أحقَّ به في حكمهم، وبقي عندها حتى ماتت (^٢).
﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ الضميرُ لِمَا يُفهم من سياق الكلام؛ أي: أَكَنَّ كراهةَ ذلك القول في نفسه، والفاءُ للعطف على محذوفٍ تقديره: وسمع يوسفُ كلامهم فأسرَّها.
وقوله: ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ تأكيدٌ للسابق، وبيانٌ للمراد من اللاحق، فإنه علم عنه أنه
_________________
(١) بكسر الميم: ما يشد به الوسط. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ١٩٧).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (١٣/ ٢٧٤)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٧/ ٢١٧٨)، عن مجاهد.
[ ٥ / ٣٢٧ ]
﵇ ﴿قَالَ﴾ في نفسه: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾، أي: شرٌّ منزلةً في سرقتكم أخاكم من أبيكم.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾؛ أي: يعلم أن الأمر ليس كما تصفونه من نسبةِ السرقة إلينا، وصيغة أَفْعَلَ للمبالغة لا للتفضيل، على معنى: والله أعلم منكم بما تصفون؛ إذ لا علم لهم به، فإن ما قالوا ناشئٌ عن الحيلة (^١) غيرُ مطابق للواقع.
* * *
(٧٨) - ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ ذكروا له حال أبيهم في كونه شيخًا كبيرَ القَدْر استعطافًا له عليه، وكانوا قد أخبروه بأنه كان له ولد قد (^٢) هلك وهذا شقيقه يستأنس به وهو أحبُّ إليه منهم.
﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾: بدله على وجه الاستعباد والاسترقاق.
﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلينا، وما الإنعام إلا بالتمام فأتمِم إحسانك، أو: من المتعوِّدين بالإحسان فلا تغيِّر عادتك.
* * *
(٧٩) - ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾.
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ مصدر يقوم مقام الفعل؛ أي: نعوذُ بالله معاذًا ﴿أَنْ نَأْخُذَ﴾: من أن نأخذ، فأضيف إلى المفعول به وحُذف (مِن).
_________________
(١) في هامش (م): "الجهل".
(٢) في (ف): "وقد".
[ ٥ / ٣٢٨ ]
﴿إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾؛ أي: أنْ نَظلِم، فإنَّ أخذَ السارق على فتواكم واجبٌ، فلئن أخذنا غيره ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ في مذهبكم ودينكم، فلمَ تطلبون منا ما هو ظلمٌ عندكم؟
كلام ذو وجهين: ظاهره ما مر، وباطنه: إني مأمور من عند الله تعالى بأخذ بنيامين، فإن خالفتُه كنت ظالمًا مرتكبًا خلافَ الوحي عاصيًا.
وإنما قال: ﴿إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ إجراءً للكلام على مُجرى ما قالوه عند بيان الجزاء، واحترازًا عن التصريح بإسناد السرقة إلى أخيه، وإلا فالأخصَرُ لفظًا والأظهرُ معنًى أن يقول: إلا مَن سرق.
* * *
(٨٠) - ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾: يئسوا من يوسف ﵇؛ أي: من إجابته إياهم، وزيادةُ السين والتاء للمبالغة كما ذُكر (^١) في: استعصم.
﴿خَلَصُوا﴾: انفردوا عن الناس خالصين لا يخالطُهم غيرهم.
﴿نَجِيًّا﴾: ذوي نجوى، أو: فوجًا نَجِيًّا، حال أو مفعول له؛ أي: مناجيًا، أو ليناجيَ بعضهم بعضا، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم.
والنجي قد يجيء بمعنى المناجي كالعشير بمعنى المعاشر، ومنه قوله تعالى:
_________________
(١) "ذكر" من (م).
[ ٥ / ٣٢٩ ]
﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، وقد يكون بمعنى المصدر بمعنى التناجي كالنجوى، ومنه قيل: قوم نجوى، كما قيل: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] تنزيلًا للمصدر منزلة الوصف، ويقال: هم نَجِيٌّ، كما يقال: هم صَدِيق؛ لأنَّه على زِنة المصادر.
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في السن وهو روبيل، أو رئيسهم وهو شمعون، أو كبيرهم في الرأي والعقل وهو يهوذا:
﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: عهدًا وثيقًا، وإنما جعل حَلِفهم بالله تعالى مَوْثقًا منه لأنَّه بإذنٍ منه وتأكيدٍ من جهته، وإنما قال: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لِمَا في أخْذه من التكليف والإيجاب.
﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذا (^١) ﴿مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ قصَّرتم في شأنه، ولم تحفظوا عهد أبيكم فيه، و﴿مَا﴾ مَزيدة أو مصدرية، ومحل المصدر النصبُ بالعطف على مفعول ﴿تَعْلَمُوا﴾؛ كأنه قيل: ألم تعلموا أَخْذَ أبيكم موثقًا وتفريطَكم من قبلُ في يوسف، ولا بأس بالفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف.
وأما الرفعُ على الابتداء وخبرُه الظرف وهو ﴿من قبلُ﴾؛ أي: وقع من قبلُ تفريطُكم في يوسف، فمردودٌ بأنَّ (قبل) إذا كان خبرًا أو صلةً لا يُقطع عن الإضافة حتى لا ينقص.
أو موصولة؛ أي: ومِن قبلِ هذا ما فرَّطْتُموه في حقِّ يوسف؛ أي: ما قدَّمْتُموه من الخيانة (^٢) العظيمة، ومحلُّه النصبُ أو الرفعُ على الوجهين.
﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾: فلن أفارق أرض مصر ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في الرجوع
_________________
(١) "أي من قبل هذا" من (م).
(٢) في (ك): "الجناية".
[ ٥ / ٣٣٠ ]
إليه (^١) ﴿يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بالتَّوفِّي، أو بالخروج منها، أو بتخليص أخي من يد مَن أخَذه بسببٍ من الأسباب ولو بالمقاتَلة معهم.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنَّه لا يحكم إلا بالحق.
* * *
(٨١) - ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾.
﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ على ما شهدنا (^٢) من ظاهر الأمر، وقرئ: (سُرِّق) (^٣)؛ أي نُسب إلى السرقة.
﴿وَمَا شَهِدْنَا﴾ عليه ﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ بأنْ رأَينا أنَّ الصُّواع استُخرج من وعائه.
﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ﴾: لباطن الحال ﴿حَافِظِينَ﴾ اعتذار من مواعدتهم أباهم بحفظه؛ أي: ليس من شأننا حفظُه لأمرٍ غائب (^٤) عنا، فإنَّا كنَّا ضمِنَّا لك حفظَه مما يمْكننا الحفظُ عنه من الآفَات في الطريق، فأمَّا السرقة فممَّا لم يكن لنا إلى حفظه منها سبيلٌ، هذا هو الظاهر من الكلام، المتبادِرُ إلى الأفهام، المطابق لِمَا يقتضيه المقام، فلا حاجة إلى صرف الحفظ عن معناه إلى معنى العلم كما سبق إلى بعض الأوهام.
_________________
(١) "إليه " من (م).
(٢) في (م): "ما شاهدنا".
(٣) نسبت لابن عباس وغيره. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٣٤١)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٢٧٠).
(٤) في (ف) و(ك): "إلا الغائب".
[ ٥ / ٣٣١ ]
(٨٢ - ٨٣) - ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ هي مصر؛ أي: أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كُنْه القصة.
﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ قد مر أن العير يُطلق على القافلة، وهم كانوا من كنعان جيرانِ يعقوب، وقيل: من صنعاء.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تأكيدٌ في محل القسم، وفي الكلام إضمارٌ معناه: فلما رجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال أخوهم ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾؛ أي: زيَّنت وسهَّلت ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أَردْتُموه، وإلا فما أدرَى الملك أن السارق يُؤخذ (^١) بسرقته لو لا فتواكم.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قد مر تفسيره ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ بيوسفَ وأخيه والكبير المتوقِّف هناك.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بحالي وحالهم ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره، ولا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة.
* * *
(٨٤) - ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: وأعرض عنهم كراهيةً لما أخبروه به.
_________________
(١) في (م): "يؤاخذ".
[ ٥ / ٣٣٢ ]
﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾؛ أي: يا أسفًا تعالَ فهذا أوانُكَ، والأسف: أشدُّ الحزن على الغائب، وهو أشد الغضب أيضًا، ويجوز أن يكون اجتمع له المعنيان: الحزنُ على فَقْد يوسف، والغضبُ على إخوته أو على نفسه ببعثه معهم، ويناسبه ما في لحاق الكلام من التعرُّض لهما.
وإنما تأسَّف على يوسفَ والحادثُ مصيبةُ أخويه؛ لأن الرُّزْء به (^١) أشدُّ المصائب وأنكاها، وهو الآخذ بمجامع قلبه لا ينساه، ولأنه كان واثقًا بحياتهما دون حياته، وفي الحديث: "لم تعط أمة من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمة محمد" (^٢)، ألا يُرى إلى يعقوبَ حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وقال: ﴿يَاأَسَفَى﴾ منادى مضافٌ إلى ياءِ المتكلِّم أُبدلت الياء ألفًا.
﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾: لكثرة بكائه (^٣) من الحزن، فإن العَبرة إذا كثرت محقَتْ سواد العين وغيَّرته إلى بياضٍ كدِرٍ، وعلَّل الابيضاض بالحزن وإنما هو من البكاء المتوالي؛ لأنَّه ثمرة الحزن فعلِّل بالأصل الذي نشأ منه البكاء.
والحزن: الهم الغليظ على النفس، من الأرض الحَزَن بفتح الحاء؛ أي: الغليظة.
والظاهر أنه ﵇ كان عَمِي (^٤)؛ لقوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾.
_________________
(١) في (ف) و(م): "الرزية".
(٢) رواه البيهقي في "الشعب" (٩٦٩١) من قول سعيد بن جبير، وقال: (رفعه بعض الضعفاء إلى ابن عباس ثم إلى النبي ﷺ). قلت: رواه الطبراني في "الكبير" (١٢٤١١) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا، وفيه محمد بن خالد الطحان، وهو ضعيف كما في "مجمع الزوائد" (٢/ ٣٣٠). وانظر: "الكشاف" (٢/ ٤٩٧)، والكلام منه.
(٣) بعدها في (ك): "لا".
(٤) في (م): "أعمى".
[ ٥ / ٣٣٣ ]
وقرئ: (من الحَزَن) (^١).
وفيه دليل على جواز التأسُّف والبكاء عند التفجُّع، ومثلُ ذلك لا يدخل تحت التكليف، فإنه قلَّ مَن يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى رسول الله ﵇ على ولده إبراهيم وقال: "القلبُ يحزن، والعينُ تدمع، ولا نقول ما يُسخط الربَّ، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون" (^٢).
﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوءٌ من الغيظ على أولاده، ممسِكٌ له (^٣) في قلبه ولا يظهره، فعيلٌ بمعنى مفعولٍ؛ كقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨]، من كَظَم السِّقَاء: إذا شدَّه على هيئته، أو بمعنى فاعل؛ كقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] من كَظَم الغيظ (^٤): إذا اجْتَرعه، وأصله من كَظَم البعيرُ جِرَّتَه: إذا ردَّها في جوفه، والكظَم بفتح الظاء: مجرى النفَس.
* * *
(٨٥) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ جوابُ القسم: ﴿تَفْتَأُ﴾ حُذفت منه (لا)، وحذفُها جائز لأنها لا تَلتبِس بالإثبات، إذ لو كان إثباتًا بعد القسم لقيل: لتَفْتأنَّ؛ إذ لا بد في الإثبات
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٩٧).
(٢) رواه البخاري (٢٣٠٣)، ومسلم (٢٣١٥)، من حديث أنس ﵁. وفيهما: " .. ولا نقولُ إلَّا ما يَرْضَى رَبُّنا .. ".
(٣) في (م): "به".
(٤) في (م): "الغيظ".
[ ٥ / ٣٣٤ ]
من اللام والنون، فقرينةُ النفي خلوُّه عن علامة الإثبات، والمعنى: لا تزال، واسمها ضمير الخطاب، و﴿تَذْكُرُ﴾ خبرُ ﴿تَفْتَأُ﴾؛ أي: لا تزال تذكر تفجُّعًا عليه.
﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: مريضًا مشرِفًا على الهلاك، وقيل: الحرَض: الذي أذابه همٌّ أو مرضٌ، وهو في الأصل مصدرٌ، ولذلك يستوي (^١) فيه الواحد والجمع والمذكَّر والمؤنث، والنعت بالكسر كدَنِفٍ ودَنِقٍ، وقد قرئ بضمتين كجنب (^٢).
﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ الهلاك: ذهاب الشيء بحيث لا يَدري (^٣) الطالب له أين هو؟ فالميت هالكٌ لهذا (^٤) المعنى، ويطلق على الواله (^٥) لشيء وهو المراد هاهنا، ولهذا أخِّر، فإنه لو أريد المعنى الأولُ لكان حقّه التقديم.
* * *
(٨٦) - ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾ البث: أصعب الهم الذي لا يقدر صاحبه أن يكتمه فيبثُّه، أي: ينشره.
﴿وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾، أي: لا أشكو إلى أحد منكم ولا من غيركم، إنما أشكو إلى الله تعالى ملتجئًا إليه، فخلُّوني وشكايتي، وهو معنى تولِّيه عنهم إلى الله تعالى.
_________________
(١) في (ف): "سوي".
(٢) نسبت للحسن البصري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٥)، و"الكشاف" (٢/ ٤٩٩).
(٣) في (ف): "يرى".
(٤) في (ك): (بهذا).
(٥) تحرف في (ف) و(ك) إلى: "الدالة".
[ ٥ / ٣٣٥ ]
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: أعلم من لطفه ورحمته أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب، أو: أعلم من جهة الله تعالى بالوحي.
﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من حياة يوسف ﵇.
قيل: إنه رأى ملك الموت في منامه، فسأله: هل قبضت روح يوسف؟ فقال: لا والله، هو حيٌّ فاطلبه (^١).
وقيل: علم من منامِ يوسف أنه لا يموتُ حتى يسجدَ له أبوه وإخوتُه (^٢).
* * *
(٨٧) - ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.
﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾: فتعرَّفوا (^٣) منهما، وتفحَّصوا عن حالهما.
والتحسُّس: الاستقصاء، وهو الطلب بالحواسِّ، وقرئ بالجيم من الجَسِّ (^٤) وهو الطلب، ومنه: الجاسوس. أمَرهم بطلب يوسف بالبصَر لعلهم يَرَوْنه وبالأُذن لعلهم يسمعون ذكرَه.
_________________
(١) "فاطلبه "سقط من (ك).
(٢) وهذا هو الحق الذي لا شك فيه، ولا يحتاج إلى أخبار لا تعرف لإثباته، فإنه واضح من آية المنام وضوح الشمس.
(٣) تحرفت في (ف) و(م) إلى: "فتفرقوا". والمثبت من (ك)، وهو المو افق لما في "الكشاف" (٢/ ٥٠٠).
(٤) نسبت للنخعي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٥)، و"الكشاف" (٢/ ٥٠٠).
[ ٥ / ٣٣٦ ]
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾: ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه، وقرئ: (من رُوح الله) (^١)؛ أي: من رحمته التي يُحيي بها العباد.
﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ بالله تعالى وصفاته، فإن العارف لا يقنط من رحمة الله في شيء من الأحوال.
* * *
(٨٨) - ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾، أي: على يوسف ﵇ بعد ما رجعوا إلى مصر رجعةً ثانية.
﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾: الهزال من شدة الجوع.
﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾: مدفوعةٍ، يدفعُها كلُّ تاجر رغبةً عنها واحتقارًا لها، من أَزْجَيْتُه: إذا دفعْتَه وطردْتَه، والريح تُزْجي السحاب، قيل: كانت بضاعتهم دراهم زُيوفًا لا تُؤخذ إلا بوضيعةٍ، وقيل غيرُ ذلك.
﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ التمَسوا منه إيفاءَ الكيل بعد ما قدَّموا باعث الشفقة ومُوجِبَ المرحمة، ولذلك صدَّره بأداة التفريع.
﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ أي: بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة، أو: زدنا على حقنا، فسمَّوا ما هو فضلٌ وزيادةٌ لا تلزمه صدقةً تمسكُنًا (^٢) وتواضعًا له، فلا دلالة فيه على عدم اختصاص حرمة الصدقة لنبينا ﵇.
_________________
(١) نسبت للحسن وقتادة. انظر: "المحتسب" (١/ ٣٤٨)، و"الكشاف" (٢/ ٥٠٠).
(٢) في النسخ: "تمكنا"، والمثبت من هامش (م) وعليه علامة التصحيح.
[ ٥ / ٣٣٧ ]
نزَّلوا أنفسهم (^١) أَوضع منزلٍ، كأنهم قالوا: إن لم نَستوجِب معاملة البيع والشراء، فقد استَوجَبنا بذل العطاء، وعلى الله المكافأة والجزاء ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ أحسن الجزاء.
والتصدُّق: التفضُّل مطلَقًا، ومنه قوله ﵇ في القصر: "هذه صدقة تصدَّق الله عليكم فاقبَلوا صدقته" (^٢)، لكنه اختصَّ عُرفًا بما يُبتغى به ثوابٌ من الله تعالى.
* * *
(٨٩) - ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾.
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ سؤالٌ عن الملزوم وإرادة اللازم، أي: هل تبتم عن ذلك ورجعتم إلى الله تعالى؟ فهو شفقةٌ عليهم وتنصُّحٌ لهم في الدِّين كما هو عادة الأنبياء ﵈، لا معاتبةٌ.
والتثريب: إيثار الحق لله تعالى على حق نفسه، ولذلك قال: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢]، فلا يناسب تقديرَ القبح على أن يكون المعنى: هل علمتم قبحَ ما فعلتم؛ لأنَّه لا يخلو عن نوعِ توبيخ وتثريبٍ.
والمراد من فعلهم بأخيه: إفرادهم (^٣) إياه عنه، وإذلاله حتى كان لا يستطيع أن يكلِّمهم إلا بعجزٍ وذلة.
﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ عاقبتَه، فلذلك أقدَمْتُم عليه، وإنما قال ذلك اعتذارًا
_________________
(١) "أنفسهم "من (ك).
(٢) رواه مسلم (٦٨٦) من حديث عمر ﵁.
(٣) في (ف) و(ك): "إفرازهم".
[ ٥ / ٣٣٨ ]
من جانبهم، وإظهارًا للشفقة في حقِّهم، حتى يؤثر تنصيحُه لهم وتحريضُه إياهم على التوبة.
وقيل: أعطَوه كتاب يعقوب ﵇ في تخليص بنيامين، وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فَقْد يوسفَ وأخيه، فقال لهم ذلك.
وإنما جهَّلهم لا لأنهم حينئذ كانوا صبيانًا؛ لأنَّه لا يطابق الواقع وينافي ما تقدم من قولهم: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾، بل لأنَّ فعلَهم فِعْلُ الجهَّال (^١).
* * *
(٩٠) - ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ استفهامُ تقرير، ولذلك حقِّق بـ (إنَّ) واللام، ويدل عليه قراءة: ﴿إِنَّكَ﴾ (^٢) على الإيجاب، وهذا كلامُ متعجِّبٍ مستغرِبٍ لِمَا سمع فهو يكرر الاستثبات (^٣).
قيل: عرفوه بروائه وشمائله حين كلمهم.
وقيل: تبسم وعرفوه بثناياه.
وقيل: رفع التاج عن رأسه فرأوا علامةً بقرنه شِبْهَ الشامة البيضاء، وكانت لسارة ويعقوب ﵇ مثلُها.
_________________
(١) في هامش (ف): "ولو فيل: لأنهم كانوا حينئذ في عنفوان الثباب، لم يكن بعيدًا عن الصواب؛ لأن الشباب مظنته الجهل والسفه. منه ".
(٢) قراءة ابن كثير، وباقي السبعة: ﴿أَإِنَّكَ﴾. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٠).
(٣) في (ف): "الاستئناف"، وفي (م): "الاستعتاب".
[ ٥ / ٣٣٩ ]
﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ إنما قال: ﴿وَهَذَا أَخِي﴾ حين سألوه عن نفسه بيانًا لِمَا سألوه عنه؛ أي: هذا أخي من أبي وأمي، وتفخيمًا له، وإدخالًا في قوله:
﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾؛ أي: بالسلامة والكرامة، والاجتماعِ بعد التفرقة، والأُنس بعد الوحشة.
ثم ذكر أن السبب من الله هو التقوى والصبرُ، فقال على طريقة الاستئناف التعليلي:
﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾ الله في أموره ﴿وَيَصْبِرْ﴾ على بلاياه، أو على الطاعات وعن المعاصي.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وضع ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ موضع (هم) للتنبيه على أن المتَّقيَ الصابر هو المحسِنُ، والتسجيلِ عليهم بالإحسان.
* * *
(٩١) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾: فضَّلك علينا بالتقوى والصبر وسيرةِ أهل الإحسان.
﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾: والحالُ أنَّ شأننا أنْ كنَّا متعمِّدين الإثم، فلذلك أعزَّك بالملك وأذلَّنا بالتَّمسْكُن بين يديك.
* * *
(٩٢) - ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ تفعيلٌ من الثَّرْب: وهو الشحم (^١) الذي هو غاشيةُ
_________________
(١) في (ك): "السح"، وقريب من هذا الرسم في (ف)، والمثبت من (م).
[ ٥ / ٣٤٠ ]
الكَرِش، ومعناه: إزالة الثَّرْب؛ كما أن التجليد إزالةُ الجِلد، فضُرب مثلًا للتقريع الذي يمزِّق العِرْض ويَذهب بماء الوجه.
و﴿تَثْرِيبَ﴾ اسم ﴿لَا﴾، و﴿عَلَيْكُمُ﴾ الخبر، و﴿الْيَوْمَ﴾ منصوبٌ بالعامل في الخبر؛ أي: لا تثريبَ مستقرٌّ عليكم اليوم، ولا يجوز تعلُّقه بالتثريب؛ لأنَّه مصدر وقد فُصِل بينه وبين معموله، ولا يجوز ذلك لأن معمول المصدر من تمامه، والمعنى: لا أثرِّبُكم اليومَ الذي هو مَظِنَّتُه، فما ظنُّكم بسائر الأيام؟ ثم دعا لهم بالمغفرة بقوله: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
ويجوز تعليق الظرف (^١) بـ ﴿يَغْفِرُ﴾، أي: أبشِّركم بغفران الله تعالى عاجلًا لِمَا تجدَّد اليوم من توبتكم وندمكم على خطيئتكم.
ولما دعا لهم بالمغفرة أخبر عن الله بالصفة التي هي سبب الغفران بقوله:
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ لأنَّه يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب فيُرجى منه قبول دعائه لهم بالمغفرة.
ويروى أن أخوته لمَّا عرفوه أرسلوا إليه وقالوا: إنك تدعوننا بالبكرة والعشيِّ إلى الطعام، ونحن نستحي منك لِمَا فرَط منا فيك، فقال: إن أهل مصر كانوا ينظرون إليَّ بالعين الأولى، ويقولون: سبحان الله مَن بلَّغ عبدًا بيع بعشرين درهمًا ما بلَغ، ولقد شَرفْتُ بكم وعظُمْتُ في عيونهم حيث علموا أنكم إخوتي، وأني (^٢) من حَفَدة إبراهيم.
* * *
_________________
(١) في (ف): "ويجوز تعلقه".
(٢) "وأني" من (م).
[ ٥ / ٣٤١ ]
(٩٣) - ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ القميص الذي كان عليه.
وقيل: هو القميص المتوارَث، أمره جبريل ﵇ أنْ أرسِلْه إليه فإنَّ فيه (^١) ريح الجنة لا يقع على مبتلًى ولا سقيمٍ إلا عُوفي.
﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، أي: يَصِرْ بصيرًا، كقولك: جاء البناءُ محكَمًا؛ أي: صار محكَمًا، ودليله: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾، أو: يأتي إليَّ وهو بصير، وينصره:
﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: بأبي وآله جميعًا، ولا حاجة إلى التغليب على أن يكون المعنى: وأتوني أبي وأنتم؛ لأن أباهم لمَّا كان شيخًا كبيرًا عاجزًا عن الكسب كان داخلًا في أهلهم.
* * *
(٩٤) - ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ يقال: فصَل من البلد يَفصِل فصولًا: إذا انفصل منه وجاوز حيطانه، وهو لازم، و: فصَل الشيءَ فصلًا: فَرَّقه، وهو متعدٍّ.
والمعنى: انفصلت ﴿الْعِيرُ﴾ من عريش مصر، ومن غفَل عن التفصيل المذكور قال: أصله: فصَل نفسَه عنه، ولمَّا كثر حذفُ مفعولِه صار كاللازم.
﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ لمن حضره: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوجده الله ما عَبِق بقميصه من ريح يوسف ﵇ حين أقبل به يهوذا من ثمانين فرسخًا.
_________________
(١) في (ك): "فإن فيح ".
[ ٥ / ٣٤٢ ]
﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ التفنيد: النسبة إلى الفَنَد، وهو نقصان عقلٍ كامل يحدث من الهرم، يقال: شيخٌ مفنَّد؛ أي: قد فسَد رأيه، ولا يقال: عجوز مفنَّدةٌ؛ لأن المرأة لم يكن لها قط رأي أصيل فيدخلَه التفنيد.
وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف؛ أي: لولا نسبتُكم إياي إلى الخرف لصدَّقتموني.
* * *
(٩٥) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾: لفي ذهابك عن الصواب قُدُمًا بالإفراط في يوسف وإكثارِ ذكره والتوقُّعِ للقائه.
* * *
(٩٦) - ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ وهو يهوذا، روي أنه قال: كما أحزَنْتُه بحمل قميصه الملطَّخ بالدم أُفرحه (^١) بحمل هذا إليه.
﴿أَلْقَاهُ﴾: طرح البشير القميص ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾: على وجه يعقوب ﵇، أو: طرح يعقوبٌ ﵇ نفسه.
﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾: عاد بصيرًا لِمَا انتعش فيه من القوة.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من حياة يوسف ﵇ وإنزال الفرج.
_________________
(١) في (ك): "أفرحته".
[ ٥ / ٣٤٣ ]
وقيل: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ كلام مبتدأ، والمقول: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ أو: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.
* * *
(٩٧) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ ومن حق المعترِف بذنبه أن يُصفح عنه ويُسأل له المغفرة.
* * *
(٩٨) - ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ أخَره إلى أن يستحلَّ لهم من يوسف ﵇، أو يعلمَ أنه عفا عنهم؛ لأن عفو المظلوم شرطُ المغفرة، ويؤيده ما روي: أنه استقبل القبلة قائمًا يدعو، وقام يوسف خلفه يؤمِّن، وقاموا خلفهما أذلةً خاشعين، حتى نزل جبريل ﵇ وقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك، وعقد مواثيقهم بعد ذلك على النبوة.
وهو إنْ صح فدليلٌ على نبوتهم، وأن ما صدر عنهم كان قبل استنبائهم.
وأما ما قيل: أخره إلى السحر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحريًا لوقت الإجابة، فيأباه: ﴿سَوْفَ﴾ لأنها أبلغُ في التنفيس من السين، وعلى ما ذكر حقُّ العِدَة أن يكون بالسين.
ولمَّا وعدهم بالاستغفار رجَّاهم (^١) بحصول الغفران بقوله: ﴿نَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يغفر المعاصيَ ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحم العاصيَ إذا تاب واستغفر.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "جاءهم".
[ ٥ / ٣٤٤ ]
(٩٩) - ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ قيل: وجَّه يوسفُ إلى أبيه أموالًا ليتجهز إليه بمن معه، واستقبله يوسف ﵇ والملِك وأهلُ مصر بأجمعهم، وكان أولاده الذين دخلوا معه مصر اثنين وسبعين رجلًا وامرأة (^١).
﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ ضم إليه أباه وخالته واعتنقهما (^٢)، نزلها منزلة الأم كتنزيل العم منزلة الأب في قوله: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] أو لأن يعقوب ﵇ تزوجها بعد أمه، والرابَّة (^٣) تدعى أمًا.
وقال الحسن وابن إسحاق: كانت أمه بالحياة (^٤). وعلى هذا لا حاجة إلى التأويل.
﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ والدخول الأول كان في موضعٍ خارج البلد، كأنه ضُرب لهم مضربٌ أو بيت حين استقبلهم في الطريق فدخلوا فيه.
﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ من القحط وأصناف المكاره، والمشيئة متعلقة بالدخول المكيَّف بالأمن؛ لأن القصد إلى اتصافهم بالأمن في دخولهم.
* * *
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٠٥).
(٢) "واعتنقهما" من (م).
(٣) الرابَّة: امرأة الأب، كما أن ولد زوجها يسمى بالنسبة إليها ربيبًا. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ٢٠٧).
(٤) انظر: "تفسير الطبري" (١٣/ ٣٥٢)، و"النكت والعيون" (٣/ ٨٢)، و"زاد المسير" (٤/ ٢٨٨).
[ ٥ / ٣٤٥ ]
(١٠٠) - ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ أي: رفعهما على السرير، وخصَّهما بذلك تكرمةً لهما دون إخوته.
﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ تحيةً وتكرمةً له، فإن السجود كان عندهم يجري مجراها، والواو لأبويه ولأخوته، والرفع مؤخَّر عن الخرور وإن قدِّم لفظًا للاهتمام بتعظيمه لهما، والواو لا تفيد الترتيب.
وقيل: معناه: خروا لأجله سجدًا لله. وقيل: الضمير لله. ويأباهما قوله:
﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ رأيتُها أيام الصبا ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ صدقًا؛ إذ لا مطابقة حينئذ بين الرؤيا والواقع.
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ حمَله على (لَطَف) حَمْلَ النظير على النظير فعدَّاه بالباء، وإلا فـ (أَحْسَنَ) أصله أن يتعدى بـ (إلى) أو باللام، وأما التضمين فلا يناسب المقام؛ لأن أحدهما يُغني عن الآخر فلا فائدة في الجمع بينهما.
﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ لم يذكر الجبَّ اكتفاءً بدلالة النزغ الآتي ذكرُه عليه، لا صفحًا عن ذكرِ ما تعلَّق بفعل إخوته لئلا يكون تثريبًا عليهم؛ لأنَّه على تقدير أن يكون خطابه ﵇ لأبيه بمسمَعٍ منهم، ولا دلالة في الكلام عليه.
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾: من البادية؛ لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهلَ
[ ٥ / ٣٤٦ ]
عَمَدٍ، عَدَّ نقلهم من البدو نعمةً أخرى، وفي الحديث عن رسول الله ﵇: " مَن يُردِ الله به خيرًا ينقله من البادية إلى الحاضرة" (^١)، أي: أصلح حالكم.
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾؛ أي: أفسد بيننا وأغوى.
نزغ بمعنى: نَخَس، من نَخَس الرائض الدابَّة، وحمله على الجري. وإنما ذكر هذا القَدْر من أمر إخوته لأن النعمة إذا جاءت إثر بلاءٍ وشدةٍ كانت أحسنَ موقعًا.
وليت شعري مَن قال: عدم ذكر الجب للاحتراز عن التثريب عليهم، ما يقول (^٢) في ذكر الفساد الواقع بينه وبينهم؟! والعجَبُ أنه قال في تفسير قوله: ﴿مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ قُبْحَ ما فعلتم به، والتثريب فيه أظهر منه في ذكر الجب.
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾؛ أي: لطيف التدبير لِمَا يشاء من الأمور، ما من صعب إلا وتَنْفُذ فيه مشيئتُه ويتسهَّل بلطف تدبيره.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ بوجوه المصالح والتدابير ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يفعل كلَّ شيء على وجه تقتضيه الحكمة.
* * *
(١٠١) - ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ بعضَ الملك، وهو ملك مصر، ومَن قال: أو بعض
_________________
(١) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (١٢/ ٥٦٩)، ولم أجده مسندًا.
(٢) في (ك): "يفعل ".
[ ٥ / ٣٤٧ ]
ملك مصر (^١)، فكأنه غفل عن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦].
﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ بعضَ تأويلها؛ لأنَّه ﵇ لم يؤتَ تأويل جميع الكتب والرؤيا.
﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبدعَهما، وانتصابُه على الصفة أو على النداء.
﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾ ناصري، أو متولي أمري ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أو الذي تتولاني بالنعمة فيهما.
﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ لمَّا عدَّد نعَم الله تعالى تشوَّق إلى لقاء ربه ولحاقِه بصالحي سلفه، ورأى أن الدنيا كلَّها (^٢) فانية فتمنى الموت.
وقيل: لما رأى أمره إلى (^٣) الكمال، علم أنه على الزوال، فسأل سعادة الانتقال، وليس فيه سؤالُ التوفِّي للحال، بل سؤالُ الختم على الإسلام متى كان، فتوفاه الله طيبًا طاهرًا.
ولقد توارثت الفراعنة بعده مصر، ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه ﵈ إلى أن بعث الله تعالى موسى ﵇.
﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ من آبائي، أو على العموم، وفيه إشكال وهو: أن الصلاح أول درجات المؤمنين، ويوسفُ ﵇ من أكابر الأنبياء، فكيف يليق به أن يطلب البداية؟
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٠٧)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٨٣).
(٢) "كلها" ليست في (ك).
(٣) في (ف) و(ك): "على".
[ ٥ / ٣٤٨ ]
وحلُّه: أن النفوس المفارِقة إذا أشرقت بالأنوار الإلهية وكانت متناسبةً، انعكس النور من كل واحدة منها إلى الأخرى؛ كالمرايا الصقيلة إذا اجتمعت انعكست الصورة من كل واحدة إلى الأخرى، وحينئذ يقوى الضوء وتكمل السعادة، ومَن لم يتنبه لهذا قال: في الرتبة والكرامة (^١).
قيل: المراد منها عند ذكرها على الإطلاق الأنبياءُ ﵈، لكمال حالهم واستجماع خصال كمال (^٢) الخير فيهم.
* * *
(١٠٢) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من نبأ يوسف ﵇، والخطاب فيه للرسول ﷺ وهو مبتدأ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ خبران، وإن جعلتَ اسم الإشارة بمعنى الموصول فـ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ صلتُه، والخبر ﴿نُوحِيهِ﴾؛ أي: الذي من أنباء الغيب نوحيه إليك.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ كالدليل عليهما، والمعنى: إن هذا النبأ غيبٌ لم تعرفه إلا بالوحي؛ لأنك لم تحضر إخوةَ يوسف حين عزموا على مأ همُّوا به من أن يجعلوه في غيابة الجب.
﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ به، ويبغون به الغوائل، وبأبيه ليرسله معهم، جملة حالية.
_________________
(١) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٨٣).
(٢) في (ف): "واستجماع كمال"، وفي (ك): "واستكمال خلال".
[ ٥ / ٣٤٩ ]
وتفصيل ذلك: أن إخباره ﵇ عن هذه القصة لا يكون إلا عن مشاهدةٍ أو نقل أو وحي، ولم يَخْفَ على أحد من المكذِّبين أنه ﵇ لم يكن من حَمَلة هذا الخبر ولا أمثالِه عن قومه، فاستغني عن ذكره لظهوره، فكان الشك في انتفاء المشاهدة أوقعَ من الشك في أنه لم يسمعها من أحد، ولذكره في غير هذه القصة كقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ﴾ [هود: ٤٩] فإذا انتفت المشاهدة لم يبق إلا الوحي، ونحوه: ﴿) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤].
* * *
(١٠٣) - ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ قال ابن عباس ﵄: يريد أهل مكة.
﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ وتهالَكْتَ على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات عليهم.
﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لعنادهم وتصميمهم على الكفر.
* * *
(١٠٤) - ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْه﴾؛ أي: على ما تحدِّثهم به ﴿مِنْ أَجْر﴾ من جُعلِ كما يفعله حملة الأخبار ونقلة الآثار.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾: عِظَةٌ من الله تعالى ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ عامة.
* * *
(١٠٥) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾.
[ ٥ / ٣٥٠ ]
﴿وَكَأَيِّنْ﴾ أيّ عدد (^١) ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ دالةٍ على وجود الصانع وتوحيده، وكمال قدرته وحكمته.
﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾: على الآيات ويشاهدونها، والمراد: ما يرون من آثار الأمم الهالكة، وغير ذلك من العبر والدلائل.
﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ لا يتفكَّرون فيها ولا يعتبرون بها، فلا غَرْوَ أن يُعْرِضوا عن الآيات التي تأتيهم بها.
وقرئ: (والأرضُ) بالرفع (^٢) على أنه مبتدأ خبره ﴿يَمُرُّونَ﴾، فيكون لها الضمير في ﴿عَلَيْهَا﴾.
وبالنصب (^٣) على: ويطؤون الأرض.
وقرئ: (والأرض يمشون عليها) (^٤)، أي: يتردَّدون فيرون مشاهد الهالكين وآثارها من المالكين أقطارها.
* * *
(١٠٦) - ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُون﴾.
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ﴾ في إقرارهم بوجوده وخالقيَّته للكل ﴿إِلَّا وَهُمْ
_________________
(١) "أي عدد" من (م). وعبارة البيضاوي: (وكأي عدد شئت من الدلائل الدالة على وجود الصانع …). انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٢٨٣).
(٢) نسبت لعكرمة وعمرو بن فائد. انظر: "المحتسب" (١/ ٣٤٩)، و"الكشاف" (٢/ ٥٠٨).
(٣) نسبت للسدي. انظر: "المحتسب" (١/ ٣٤٩)، و"الكشاف" (٢/ ٥٠٨).
(٤) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: "المحتسب" (١/ ٣٥٠)، و"الكشاف" (٢/ ٥٠٨).
[ ٥ / ٣٥١ ]
مُشْرِكُونَ﴾ بعبادة غيره من الأوثان، أو باتخاذ الأحبار أربابًا، أو القول (^١) باتخاذه للولد، أو القول بالنور والظلمة، وأمثالِ ذلك. جملة حالية؛ أي: إيمانهم ملتبِسٌ بالشرك.
وعن ابن عباس ﵄: هم الذين يشبِّهون الله بخلقه (^٢).
* * *
(١٠٧) - ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿أَفَأَمِنُوا﴾ استفهامُ إنكار فيه معنى التوبيخ والتهديد، والفاء للترتيب على ما تقدم، وهو مقدَّمٌ في الاعتبار.
﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾: عقوبةٌ تَغْشاهم وتشمَلُهم ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾؛ أي: يومُ القيامة ﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً من غير سابقةِ علامةٍ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانها، غيرَ مستعدِّين لها، تأكيد لقوله: ﴿بَغْتَةً﴾.
* * *
(١٠٨) - ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾؛ أي: هذه السبيلُ التي هي الدعوةُ إلى الإيمان والتوحيدِ سبيلي.
﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾؛ أي: أدعوا إلى دينه في حالة كوني على حُجةٍ
_________________
(١) في (ك): "والقول".
(٢) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٠٨).
[ ٥ / ٣٥٢ ]
واضحة غيرِ عمياء، حالٌ من الياء في ﴿سَبِيلِي﴾ والعاملُ معنى الإشارة في ﴿هَذِهِ﴾، أو بيان وتفسير لسبيله.
و﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ حالٌ من المستكنِّ في ﴿أَدْعُو﴾ و.
و﴿أَنَا﴾ تأكيد له ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عطف عليه؛ أي: أدعوا إلى الله أنا ويدعو إليه مَن اتبعني، أو مرفوعٌ بما في الظرف من معنى الفعل على الفاعلية؛ أي: كائنًا أو ثابتًا على بصيرة أنا ومَن اتبعني، أو مبتدأ خبره ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ والجملة ابتداءُ إخبار بأنه ومَن تبعه على حجةٍ وبرهان لا على هوًى كغيرهم.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: وأنزِّهه تنزيهًا من الشركاء ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فيه تعريف بأنهم هم المشركون.
* * *
(١٠٩) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ ردٌّ لقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾.
وعن ابن عباس ﵄: معناه نفيُ استنباء النساء (^١).
﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ مما أُوحي إليك، وتميَّزوا بذلك عن غيرهم، وقرئ: ﴿نُوحِي﴾ بالنون (^٢).
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٥٠٩).
(٢) قراءة حفص. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٠).
[ ٥ / ٣٥٣ ]
﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ لأنهم أعلمُ وأحلمُ من أهل البدو، فإن فيهم الجهلَ والجفاءَ والقسوةَ، ولا دلالة في قوله: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ على أن يعقوب ﵇ من أهل البدو، وإنما دلالته على أنه ﵇ كان في البدو ساكنًا لمصلحة مواشيه.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من المكذِّبين بالرسل والآيات، فيَحْذَروا تكذيبَك، أو: من المشغوفين بالدنيا المتهالِكِين عليها فينقلبوا عن حبها.
﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: دارُ الساعة أو الحياة أو الحالة الآخرة ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشركَ والمعاصيَ، حضٌّ على العمل لدار الآخرة والاستعداد لها.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولهم ليعلموا أنها خير، وقرئ بالتاء (^١) حملًا على قوله: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾، أي: قل لهم: أفلا تعقلون.
* * *
(١١٠) - ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ غايةٌ لمحذوفٍ دل عليه الكلام، أي: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا مثلَكَ يبلِّغون الرسالة ويوضِّحون الدلالة، فتراخى نصرُهم حتى إذا استيأسوا عن النصر وعن إيمان قومهم ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ أي: كذَبتهم أنفسُهم حين حدَّثتهم بأنهم ينصرون، أو كذَبهم قومهم بوعد الإيمان؛
_________________
(١) قراءة عاصم وابن عامر ونافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٠).
[ ٥ / ٣٥٤ ]
أي: لا يغرَّنَّ قريشًا تمادي أيامهم، فإن الرسل قبلك قد تطاول عليهم مدةُ التكذيب وعداوةُ الكفار وانتظارُ النصر، حتى استشعروا القنوط، وتوهَّموا أن لا نصرة لهم في الدنيا.
وعن ابن عباس ﵄: وظنوا حين ضعُفوا وغُلبوا أنهم قد أُخلفوا ما وعدهم من النصر، وقال: كانوا بشرًا، وتلا قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقد رواه البخاري في "صحيحه" (^١).
فقيل في تصحيحه: أراد بالظن ما يَهْجس في القلب على سبيل الوسوسة وحديثِ النفس بحكم البشرية، لا الظنَّ بمعنى الاعتقاد الراجح فإنه غيرُ جائز على آحاد المسلمين فكيف بالرسل؟
ويجوز أن يراد به المبالغةُ في التراخي والإمهال على سبيل التمثيل.
وقيل: فظن المرسَلُ إليهم أن الرسل قد كذِبوا؛ أي: أُخلفوا.
وقيل: الضميران للمرسل إليهم؛ أي: ظنَّ المرسل إليهم أنهم قد كُذبوا من جهة الرسل؛ أي: كذَبهم الرسلُ (^٢) في أنهم يُنصرون عليهم.
وقرئ بالتشديد (^٣)؛ أي: وظنَّ الرسل أنهم قد كذَّبهم قومهم فيما أَوعدوهم من العذاب والنصرة عليهم.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٥٢٤)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٣٩٣). وانظر: "الكشاف" (٢/ ٥١٠)، وعنه نقل المؤلف.
(٢) "أي كذبهم الرسل" من (م).
(٣) قراءة عاصم وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٠).
[ ٥ / ٣٥٥ ]
وقرئ: (كَذَبوا) بالتخفيف على البناء للفاعل (^١)؛ أي: وظن الرسل أنهم قد كذَبوا فيما أَوعدوا به قومهم من النصرة عليهم، إما على تأويل ابن عباس ﵄، وإما على أنهم كذَبوا عند قومهم؛ لأنهم إذا لم يروا لوعدهم أثرًا قالوا: إن الرسل قد كذَبوا، فيكونون كاذبين عند قومهم؛ أي: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذَبوا.
﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ بغتةً ﴿فَنُجِّيَ﴾ على لفظ الماضي المبنيٍّ للمفعول، وقرئ: ﴿فنُجي﴾ بالتخفيف (^٢) والتشديد (^٣)، من أنجاه ونجَّاه، وقرئ: (فنجا) (^٤).
﴿مَنْ نَشَاءُ﴾: الرسل والمؤمنين، وإنما أبهم تعظيمًا لهم، وتنبيهًا على أنهم هم الذين يستأهلون أن يشاء الله نجاتهم ولا يشاركهم فيه غيرهم، ثم بين ذلك بقوله:
﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ إيذانًا بأن العذاب مخصوصٌ بالمجرمين لازمٌ لهم فيلزم نجاة أضدادهم من الرسل وأتباعهم.
ومفعول ﴿نَشَاءُ﴾ محذوف تقديره: نشاء تنجيتَه.
* * *
_________________
(١) نسبت لابن عباس ﵄ وغيره. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٥)، و"المحتسب" (١/ ٣٥٠)، و"الكشاف" (٢/ ٥١٠).
(٢) بالتخفيف قراءة الكسائي وحمزة وابن كثير وأبي عمرو ونافع. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٠).
(٣) (فنُنَجِّي) بالتشديد، نسبت للكسائي في غير المشهور عنه، وللحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٦)، و"البحر" (١٢/ ٥٨٤).
(٤) نسبت لجمع منهم مجاهد والحسن. انظر: "تفسير الطبري" (١٣/ ٤٠٠)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٥)، و"البحر" (١٢/ ٥٨٤).
[ ٥ / ٣٥٦ ]
(١١١) - ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾: في قصص الأنبياء ﵈ وأممهم، أو في قصة يوسف وإخوته.
﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لذوي العقول المبرَّأة عن شوائب (^١) الإلف والركونِ إلى الحس.
﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ الضميران للقرآن؛ لقوله:
﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب الإلهية، وانتصب ﴿تَصْدِيقَ﴾ على أنه خبر (كان) المحذوفة، وإنما جعله نفسَ التصديق مبالغةً في كونه مصدِّقًا لِمَا بين يديه.
﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عبارةُ ﴿كُلِّ﴾ للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم؛ كما في قو له تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، وقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]، ومن لم يتنبه لهذا احتاج إلى تخصيص الشيء بالذي يتعلَّق بالدِّين، ثم تكلَّف في بيانه فقال: إذ ما من أمر دينى إلا وله سندٌ من القرآن بوسطٍ أو بغير وسطٍ، ولم يدر أن عبارة التفصيل لا تتحمَّل هذا التأويل.
﴿وَهُدًى﴾ من الضلال ﴿وَرَحْمَةً﴾ يُنال بها خير الدارين.
_________________
(١) في (ف): "تشويب".
[ ٥ / ٣٥٧ ]
وقرئ: (تصديقُ .. وتفصيلُ .. وهدًى ورحمةٌ) كلُّها بالرفع (^١)؛ أي: ولكنْ هو تصديقُ، ولكن على هذه القراءة مختلف فيها لعطف الجملة.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدِّقونه، خصهم بذلك لأنهم هم الذين ينتفعون به كما قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] (^٢).
* * *
_________________
(١) نسبت لعيسى الثقفي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٦)، و"المحتسب" (١/ ٣٥٠)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٢٨٩)، وعزاها في "البحر" (١٢/ ٥٨٦) لجمع منهم المذكور.
(٢) جاء بعدها في (م): "تم الجزء الأول من تفسير المرحوم العلامة ابن كمال باشا تغمده الله تعالى بالرحمة والرضوان وأسكنه فسيح جناته لمحمد وآله آمين". وبعده في جانب الصحيفة: "تحريرًا في أواخر محرم الحرام افتتاح سنة تسع وثلاثين وألف، تمت بالخبر". وفي الجانب الآخر: "علق ذلك بنفسه ليده العبد الضعيف عبد ربه الباري علي بن عبد الله بن سليم ابن عبد الخالق بن أحمد البشاري الحنفي، عامله الله بلطفه الخفي، وغفر له ولوالديه ومشايخه والمسلمين آمين ".
[ ٥ / ٣٥٨ ]