﷽
(١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾.
﴿الر﴾: قرِئ بفتح الراءِ على التفخيمِ، وبكسرِها على الإمالةِ (^١)، وقرئ بينَ الفتحِ والكسرِ (^٢)، والأصلُ تركُ الإمالةِ؛ لأنَّ ألِفَها ليسَتْ مُنقلِبةً من الياءِ، ومَن أمالَهُ (^٣) قصَدَ التنبيهَ على أنها اسمٌ لا حرفٌ.
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ ﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى ما تضمَّنهُ السورة أو القرآنُ، والمراد من ﴿الْكِتَابِ﴾ أحدُهما، والأول أبلغُ من حيثُ إن البعض إذا استقلَّ بوصفِ الكمالِ فالكلُّ أولى.
والحكيمُ: ذو الحكمةِ؛ وصِفَ به لاشتماله عليها، ويجوزُ أن يكونَ من قَبيل (^٤) توصيفِ الكلامِ بصفة المتكلمِ؛ كـ (شعرٌ شاعِرٌ) للمبالغةِ؛ كأنهُ في نفسهِ حكيمٌ لكثرة حِكَمهِ، وأن يكونَ على تشبيه الكتابِ بالحكيمِ الناطق بحكمتِه، فيكون استعارةً مَكْنيةً، وإثباتُ الحكمةِ قرينةٌ.
_________________
(١) قرأ أبو عمرو وابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي بالإمالة، والباقون بالفتح مع التفخيم، انظر: "التيسير" (ص: ١٢٠).
(٢) هي قراءة ورش، انظر: "التيسير" (ص: ١٢٠).
(٣) في (ك): "أمال".
(٤) "قبيل" سقط من (ك).
[ ٥ / ٧ ]
(٢) - ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾: الهمزةُ لإنكار تعجُّبِ الكفارِ من الإيحاءِ، ولتعجُّب السامعين من تعجُّبهم لكونهِ في غير المحلِّ.
و﴿عَجَبًا﴾ خبرُ (كان) قدِّمَ على اسمِه، وهو: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ لكونِ الإنكارِ والتعجُّبِ (^١) راجعَين إليه.
وقرئ: (عجبٌ) (^٢) فجعِلَ اسمًا مع كونهِ نكرةً لتخصُّصهِ بتقدمِ ﴿لِلنَّاسِ﴾ عليهِ؛ لأنَّه في المعنى صفةٌ له انقلبَت حالًا بالتقدمِ، والاستفهامُ - خصوصًا الإنكاريُّ - في حكمِ النفيِ، و﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ خبرًا، على عكسِ ما تقدم لا على القلبِ، لا لأنَّه خلافُ الأصلِ؛ لأنَّه لا يخِلُّ بالبلاغةِ، بل لأن القلبَ المقبولَ هو المشتمِلُ على لطيفةٍ، أو اعتبرَ ﴿كَانَ﴾ تامةً، و(عجبٌ) فاعلٌ لها، والمعنى: أحدَثَ للناس عجبٌ لأن أوحينا.
وأما ما قيل: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ بدلٌ من (عجبٌ) (^٣)، فلا يساعده سدادُ المعنى.
اللام في ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلقةٌ بـ ﴿عَجَبًا﴾ على طريق البيانِ؛ بمعنى: أن هذا العجبَ لهم كما في: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] بمعنى: هذا الخطابُ لكَ؛ أي: أنهم جعلُوه أعجوبةً يتعجَّبون مِنها، ونصبوه لهم علمًا في إنكارِهم واستهزائهم بهِ، ولو قيلَ: (عند الناس) لم يُفد هذا المعنى.
_________________
(١) في (ك): "والتعجيب".
(٢) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٢٤).
(٣) في النسخ: (عجب)، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٢٧)، و"تفسير البيضاوي" على هامش حاشية الشهاب (٣/ ٥). وهذا رد عليهما في القول بالبدلية على قراءة ابن مسعود.
[ ٥ / ٨ ]
والتعبيرُ عنهم باسمِ الجنس للتحقيرِ كما في قولهم: ومن الناس مَن يقولُ كذا؛ فكأنهُ قصدَ مقابلَتهم فيما قصدُوه بقولهم:
﴿إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ تعجَّبوا من أن يُوحَى إلى رجلٍ من أفناءِ رجالهم، دون عظيمٍ من عظمائهم، فقد كانوا يقولونَ: العجبُ أن اللّه لم يجد رسولًا يرسلُه إلى الناسِ إلا يتيمَ أبي طالبٍ؛ وذلك من فَرْطِ حماقتِهم وقصورِ نظرِهم عن معرفةِ الأوصاف التي بها اختارَه اللّهُ تعالى للرسالةِ، فإنَّ رسولَ اللّه ﷺ لم يكُن ليقصر من عظمائهم في النسبِ والحسبِ والشرفِ وكلِّ ما يُعتبَرُ في الرياسةِ من أكرم (^١) الخصالِ، إلا المالِ، وخفَّةُ الحال أعوَنُ شيءٍ في هذا الباب، ولذلك كان أكثرُ الأنبياءِ ﵈ قبلَهُ كذلكَ.
وقيل: تعجَّبوا من أنه تعالى بعثَ بشرًا رسولًا كما سبقَ ذكرُه في سورة الأنعامِ، فمَن خلطَ بينَ الوجهَين لم يصِبْ كما لا يخفَى على ذوي الأفهامِ (^٢).
﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ ﴿أَنْ﴾ هي المفسِّرةُ؛ لأن في الإيحاءِ معنى القول، وجُوِّزَ أن تكونَ مخفَّفةً من الثقيلةِ على أن الأصلَ: أنه أنذِر، والمعنى: أنَّ الشأنَ قولُنا: أنذرِ الناسَ، وموقعه النصبُ بـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾.
وفيهِ حذفُ الاسمِ والخبرِ، وفي الأول خلافُ الكوفيينَ، فالأَولى أن تكون مصدريةً تقديره: بإنذار الناس (^٣).
وذُكرَ اسم الجنسِ للتعميمِ للفريقين، كأنهُ قالَ: أن أنذرِ الناسَ مؤمنًا كان أو كافرًا.
_________________
(١) في (ك): "كرم".
(٢) في هامش (م): "رد لصاحب الكشاف".
(٣) "تقديره بإنذار الناس" من (م).
[ ٥ / ٩ ]
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: خاصةً؛ لأن المبشَّرَ به مشروطٌ بالإيمانِ، فالبشارةُ به تنقلِبُ إنذارًا في حقِّ الكفارِ، لا للاستغراقِ؛ كما ذهبَ إليه مَن قال: عمَّم الإنذارَ إذ قلَّما مِن أحدٍ ليس فيه ما ينبغِي أن يُنذَر منهُ (^١)؛ لأنَّ تبليغَ الإنذارِ ولو بإرسالِ الخبرِ إلى كلِّ مَن في عصرِه ليسَ في وسعِه ﵇ (^٢).
وإطلاقُ المؤمنين للتعميمِ لمن آمَن من الثقلَين، وبذلكَ يَنجبرُ (^٣) القصورُ السابقُ إلى الوهمِ من تخصيص الإنذارِ بأحدهما لأصالَتهِ في أمرِ البعثةِ؛ لأن المفهومَ إنما يُعتَبرُ إذا لم يعارِضهُ المنطوقُ، وهذا الشرطُ مفقودٌ هاهنا؛ لأن العبارةَ وإن كانت ساكتةً عن العمومِ لكن الدلالةَ ناطقةٌ بهِ بقرينَةِ ما في قرينهِ من التعميمِ، وإنما قدَّمَ الإنذارَ على التبشيرِ لأنَّه أهمّ، ولأن التحليةَ بعد التخليةِ أتمّ.
﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ في محلِّ النصبِ بـ (بشِّر) على حذف الباءِ.
﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ سمِّيتِ السابقةُ والمسعاةُ الجميلةُ قدمًا لأنَّ السعيَ والسبق إنما يكونُ بالقدَمِ؛ كما سمِّيَتِ النعمةُ يدًا لأنها تُعطَى باليد، وإضافتُها إلى الصدقِ للدلالة على زيادة فضلٍ، وأنها متحقِّقةٌ، لو أنَّ صاحبَها قد نالها بصدقِ القول والنية.
_________________
(١) قائل هذا هو البيضاوي، وزاد: (وخصَّص البشارة بالمؤمنين إذ ليس للكفار ما يصح أن يبشروا به حقيقة). انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٠٤). وقوله: (عمم الإنذار .. الخ)؛ أي: حيث قال: ﴿النَّاسَ﴾ دون: المؤمنين والكافرين. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٤/ ٥).
(٢) وتعقبه الشهاب بقوله: (ولا مانع من الاستغراق العرفي؛ أي: كل أحد ممن يقدر على تبليغه؛ إذ تبليغ جميع أهل عصره غير ممكن له، وإليه يشير قول المصنف ﵀: إذ قلما من أحد .. الخ، فلا وجه للاعتراض بأنَ الاستغراق المفهوم من كلامه غير صحيح لأنّ تبليغ الإنذار إلى كل من في عصره …). انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٤/ ٥).
(٣) في (م) و(ف): "ينحصر".
[ ٥ / ١٠ ]
ويجوزُ أن يُرادَ به المنزلةُ الرفيعة معنويةً أو صوريةً، فيكونَ كقوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] وَيعضدُه قولُه:
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، ومَن قالَ: أي: سابقةً وفضلًا ومنزلةً ورفعةً، لم يُصِب في الجمعِ بين وجهَي المجازِ، بل بينَ وجوهِه (^١).
﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا﴾: فيه دلالة على أنهم يقولونَه عند حضرته ﵇.
﴿لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾: وقرئ: ﴿لَسَاحِرٌ﴾ (^٢)، والإشارةُ إلى القرآنِ وسائرِ ما أتى به من الخوارقِ للعاداتِ، وكيف ما كان ففيهِ اعترافٌ بعجزِهم عن المعارضةِ، وتسليمٌ لإعجازهِ معنًى، وإن كانوا يطلِقون عليه لفظَ السحرِ عنادًا ومكابرةً؛ لأن التعجُّبَ أولًا ثم التكلمَ بما هو معلومُ الانتفاءِ قطعًا حتى عندَ نفسِ المعارِضِ دأبُ العاجزِ.
* * *
(٣) - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: دلَّ بهِ على عظمةِ شأنِه وكمالِ سُلطانِه بالقدرة على خلق أصولِ الممكنات كلِّها معَ سعتها وبسطِها في وقتٍ يسيرٍ، وعلى عِظمِ ملكِه بالاستواءِ على العرش، ثم قرَّرها وأكَّدَها بقولِه:
_________________
(١) في هامش (م): "رد لصاحب الكشاف ومن حذا حذوه".
(٢) وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر ونافع، انظر: "التيسير" (ص: ١٢٠).
[ ٥ / ١١ ]
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ لأنَّ تدبيرَ أمر الخلائق كلِّها بتهيئةِ أسبابها وترتيبِها على النظامِ الحكمي مما يبينُ أمرَ العظمةِ ويقرِّرُه.
والتدبيرُ: النظرُ (^١) في أدبارِ الأمورِ لتقعَ على ما ينبَغِي من الوجهِ الأتمِّ الأصوبِ.
ثم زادَ في تقريرِ معنى العظمةِ والكبرياءِ والعزةِ والجلالِ بقولِه:
﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ كقولهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨] وفيهِ إثباتُ الشفاعة لمن أَذِنَ له، وأما الردُّ على مَن زعمَ أن آلهتهم تشفَعُ لهم عندَ اللّه تعالى فلا يتمُّ؛ لأنهم يدَّعونَ أن اللّهَ تعالى يأذَنُ لهم في الشفاعةِ، ولا دلالةَ في الآية على عدمِ الإذن لهم (^٢).
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى المعلومِ الموصوف بتلكَ العظمةِ والكبرياءِ الموجبةِ لاستحقاقِ العبادةِ؛ أي: ذلكُم الموصوفُ بما وُصِفَ هو:
﴿رَبُّكُمُ﴾ لا غيرُ؛ إذ لا يشاركُه أحدٌ في شيءٍ من ذلكَ.
﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ وحدَهُ ولا تشركُوا به شيئًا من أشرفِ الموجوداتِ فضلًا عن الجمادِ.
_________________
(١) "النظر"من (ك).
(٢) في هامش (م): "قوله: وأما الرد إلى قوله: فلا يتم … إلخ لأن دعواهم هذه لا دليل عليها، بل قام الدليل على عدمها لأنَّه جمادات لا شعور لها بشيء حتى يصح منها الشفاعة، بل على فرْض شعورها فهي ممنوعة من الشفاعة لأنها ليست أهلًا للشفاعة لقصور رتبها عن رتبة الشفعاء، وعلى فرض أهليتها لكنه لم يؤذن لها في الشفاعة إذ لا يؤذن في الشفاعة إلا في حق من تصح فيه الشفاعة وتنفعه، وهي لا تنفع الكافر لتحتُّم خلوده في النار، فكيف يصح أن يؤذن في الشفاعة فيه؛ فعلى كل حال فهو رد عليهم فيما ادعوه وقام الدليل على بطلانه. تأمل".
[ ٥ / ١٢ ]
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أبَعْدَ النظرِ في تفرُّدِه تعالى في هذهِ الأوصافِ، الموجِبِ لتخصيصِهِ بالعبادةِ، لا تتذكَّرونَ فتتنَبَّهون بأدنى تفكُرٍ على خطأ ما أنتُم فيهِ؟!
* * *
(٤) - ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
﴿إِلَيْهِ﴾ لا إلى غيرِه ﴿مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ بالبعثِ من القبورِ يوم النشورِ، ظاهرُهُ إخبارٌ عن المالِ، وباطنُهُ إنذارٌ بما فيه من سوءِ الحالِ، وأمرٌ على وجهِ الإرشادِ بالاستعدادِ ليوم التنادِ.
﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدَرٌ مؤكِّدٌ لنفسِهِ؛ لأن قوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ وعدٌ من اللّه تعالى.
﴿حَقًّا﴾ مصدرٌ آخرُ مؤكِّدٌ لغيرِه، وهو ما دلَّ عليهِ ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾.
﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: بعدَ بدئه وإهلاكِه، استئنافٌ كالدليلِ لِمَا تقدَّم؛ وذلكَ أنه تعالى لمَّا أخبَر عن وقوع الحشرِ والنشرِ ذكرَ بعده ما يدلُّ على كونِه ممكنَ الوقوعِ في نفسِه بقولِه: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾؛ لأن إمكانَ الوجود أولًا يدُلُّ على إمكانِه ثانيًا، ثم ذكَرَ ما يدلُّ على وقوعِهِ بقولِهِ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
وقيلَ: هو كالتعليلِ لقوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ لأنهُ لمَّا كان المقصودُ من الإبداِء والإعادة مجازاةَ اللّه المكلَّفين على أعمالهم، وجَبَ أن يكون مرجِعُ الجميعِ إليه، ويؤيدُه قراءةُ ﴿إِنَّهُ﴾ بالفتح (^١)؛ أي: لأنَّه، وبعدَ حذف اللامِ يكون منصوبًا بالظرفِ أعني ﴿إِلَيْهِ﴾.
_________________
(١) وهي قراءة أبي جعفر، انظر: "النشر" (٢/ ٢٨٢).
[ ٥ / ١٣ ]
ويجوزُ أن يكون من غيرِ اعتبارِ اللامِ منصوبًا بـ (وَعَدَ) المحذوفِ (^١)، مفعولًا به باعتبارِ المعطوفِ؛ أعني: ثم يعيدُه؛ لأن الموعودَ هو الإعادةُ لا البدءُ، أو مرفوعًا بـ[ما نَصَب] ﴿حَقًّا﴾ المحذوفِ (^٢).
وقد (^٣) قرئ: (وعَدَ اللّهُ) على لفظ الفعل (^٤)، و: (حقٌّ أنهُ يبدأ الخلقَ) (^٥)؛ كقولك: حقٌّ أن زيدًا منطلِقٌ (^٦)، وقرئ: (يُبدئ الخلق) من الإبداء (^٧).
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ متعلِّق بـ (يجزي)؛ أي: بعدلِه، أو: بعدالتهم، أو: بما عدَلوا بإيمانهم وعملِهم، ولم يظلِموا بالشركِ؛ لأنَّ الشرك ظلمٌ عظيمٌ، وهو الأوجَهُ لمقابلتِهِ قولَهُ: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾: من ماءٍ حارٍّ مغليٍّ قد انتهى حرُّه، وهو في جهنَّمَ.
_________________
(١) أي: المقدر ناصبًا لقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: وَعَدَ اللهُ وَعْدًا بَدْءَ الخلق ثم إعادته. أنظر: "الكشاف" (٢/ ٣٢٩).
(٢) أي: بالفعل المقدر ناصبًا لقوله: ﴿حَقًّا﴾؛ فهو فاعل له على هذا الوجه؛ أي: حقَّ حقًّا بدءُ الخلق. انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٢٩)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) "قد" سقط من (ك).
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٦)، و"الكشاف" (٢/ ٣٢٩).
(٥) انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٢٩) والكلام منه، و"المحرر الوجيز" (٣/ ١٠٥)، و"البحر" (١٢/ ١٨)، وعزاها ابن عطية لابن أبي عبلة. ووقع في النسخ: "حقا أنه يبدأ الخلق كقولك: حقا .. " بالنصب في الموضعين، والمثبت من المصادر. والوجه في الإعراب عند أبي حيان أن يكون (حقٌّ) خبرًا مقدمًا على المبتدأ الذي هو (أنه يبدأ).
(٦) في (ف): "منطلقًا".
(٧) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٦).
[ ٥ / ١٤ ]
﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: عذابٌ (^١) يخلصُ وجعُه إلى قلوبهم.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾: غيَّرَ النظمَ، ولم يقُلْ: ويجزي الذين كفروا بشرابٍ من حميمٍ وعذابٍ أليمٍ بسبب كُفرِهم كما قالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾؛ للمبالغةِ في استحقاقِهم للعقابِ ولصوقِ (^٢) العذابِ بهم.
وجعَلَ ثوابَ الإيمان والعملِ الصالحِ غرَضًا دونَ عقابِ الكُفر للتنبيهِ على أن المقصودَ بالذاتِ من الإبداءِ والإعادةِ هو الإثابةُ، وأن اللّه تعالى هو الذي يتولَّى إثابة المؤمنين بما يَليق بلطفِه وكرمِه ولذلك لم يعيِّنهُ، وأما العقابُ فإنه واقع بالعَرَضِ كأنه داءٌ ساقَهُ إلى الكفرةِ سوءُ اعتقادِهم وشؤمُ أعمالِهم.
* * *
(٥) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ إن كان ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: (صيَّرَ) يكونُ ﴿ضِيَاءً﴾ مفعولًا ثانيًا، وإن كانَ بمعنى (خَلَق) يكونُ حالًا، والضياء مصدر، أو جمعُ ضوءٍ كسياطٍ وسَوط، والياءُ فيهِ (^٣) منقلبةٌ عن الواوِ.
وقرئ بهمزَتين (^٤) على القلبِ بتقديم اللامِ على العينِ.
_________________
(١) في (ك): "عذابه".
(٢) في (ك): "ولصدق".
(٣) "فيه" سقط من (ك).
(٤) وهي رواية قنبل عن ابن كثير، انظر: "التيسير" (ص: ١٢٠).
[ ٥ / ١٥ ]
﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾: جعلَ نفس الشمس ضياءً وعينَ القمرِ نورًا للمبالغة (^١).
ولما كانت الشمسُ أعظَمَ جِرمًا خُصَّت بالضياءِ؛ لأنَّه هو الذي لهُ سطوعٌ ولمعانٌ وهو أقوى من النورِ.
وقيلَ: ما هو بالذات ضوءٌ؛ وما هو بالعرَضِ نورٌ؛ فكأنهُ قصَدَ بما ذكر التنبيهَ على أن نور الشمسِ ذاتيٌّ، ونور القمرِ عرضيٌّ مستفادٌ منها.
﴿وَقَدَّرَهُ﴾: قدَّرَ القمرَ.
﴿مَنَازِلَ﴾؛ أي: مسيرةَ منازِلَ، أو: قدَّره ذا منازلَ كقولهِ: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] والمرادُ بالمنازلِ: البروجُ؛ إذ بها وبقطعِها عددُ الشهورِ والسنينَ، وخصَّصَ القمر بها لأن المعتبرَ في الشرع السنةُ القمريةُ والشهر الهلاليُّ، وبهما يتعلق أحكامُ الشرعِ، ولذلك علَّلهُ بقولِه:
﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾؛ أي: حسابَ الأوقاتِ من الأشهُرِ والأيام والليالي في معاملاتكم وعباداتكم.
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ حالٌ مستثناةٌ من أعمِّ الأحوال؛ أي: ما خلقَهُ بحالٍ إلا مُلْتبِسًا بالحق مراعيًا فيهِ مقتضى الحكمةِ البالغة إلى الصوابِ.
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: نبيِّنُ العلامات التي يُستدلُّ بها على الحقِّ.
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ خصَّهم بالذكر (^٢) بذلك لأنهم هم (^٣) المنتفعُون بها.
* * *
_________________
(١) "للمبالغة" من (م).
(٢) "بالذكر" من (م).
(٣) "هم" سقط من (ك).
[ ٥ / ١٦ ]
(٦) - ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾.
﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ اختلافُهما: تعاقُبهما (^١) وكونُ أحدِهما يخلُفُ الآخرَ، وتفاوتُهما وكونُ أحدِهما يزيدُ بنقصان الآخرِ.
﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من أنواعِ الكائنات.
﴿لَآيَاتٍ﴾ على وجود الصانعِ ووحدَتِه، وكمالِ علمِه وقُدرته.
﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ خصَّهم بذلك لأن الباعثَ على النظرِ والتدبرِ لا يكون إلا تقوى اللّه والحذرَ عن العاقبةِ، فهم الذين يعلمونها آياتٍ، وينتَفِعون بها دون غيرِهم.
* * *
(٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: لا يخافُونه، لا لإنكارِهم البعثَ؛ لأنهُ لا ينتظِمُ مع تعليلِ قرينهِ، بل لاعتمادِهم على شفعائهم.
واستعمالُ الرجاء في معنى الخوفِ شائعٌ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] وقالَ الهُذَلي:
إذا لسعَتهُ نحلةٌ لم يرجُ لَسْعَها (^٢)
_________________
(١) "تعاقبهما"من (م).
(٢) صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في "ديوان الهذليين" (١/ ١٤٣)، و"معاني الفرآن" للفراء (١/ ٢٨٦)، و"مجاز القرآن " (٢/ ٧٣)، و"تفسير الطبري" (٧/ ٤٥٦)، و"حاشية الشهاب" (٦/ ٤١٣). وفي المصادر: إذا لسعته النحل، وعجزه: وخالَفها في بيتِ نُوبٍ عواسِلِ
[ ٥ / ١٧ ]
والمرادُ من لقاءِ اللّه تعالى: سوءُ الحساب عندَهُ تعالى، وما يترتَّبُ عليه من إصابةِ المكروهِ، وهذا صريحٌ في عدمِ تأثير التحذيرِ والترهيبِ فيهم.
﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من الآخرةِ؛ لغفلَتِهم عنها، ولا تمشيةَ لهذا التعليل في حق المنكرينَ لها؛ ضرورةَ أن الإنكارَ لأمرٍ لا يجامِعُ الغفلة عنهُ.
ووصفُهم هذا كنايةٌ عن أن الترغيبَ لا يجدِي نفعًا في حقِّهم.
ولما احتُملَ أن يُقالَ: لمَ لا يجوزُ أن يُزالَ غفلَتُهم بالتنبيهِ والاستدلالِ، دفعَهُ بقولِه:
﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾؛ أي: سكَنوا فيها سكونَ مَن لا يُزعَجُ عنها، فانظُر إلى حسن انتظامِ هذا المقالِ، فمَن قالَ في تفسيرِ الوصفِ الأولِ: لا يتوقَّعونَه لإنكارِهم البعثَ وذهولِهم بالمحسوساتِ عما وراءَها. فكما أخطأ في التعليلِ لم يصِب في المعلَّل؛ لأنَّه أخلَّ بشقِّ الترهيبِ.
ثم إن قولَه: وذهولِهم بالمحسوساتِ عما وراءها، إنما يناسِبُ تفسيرَ الرجاء بالأملِ على ما هو حقيقَتُه، وحملُ اللقاءِ على نيل الثوابِ على أن عبارةَ الذهولِ لاقتضائه سبق العلم (^١) لا يُناسِبُ المقامَ.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ لا يتفكَّرون فيها لانهماكِهم فيما يضادُّها (^٢).
والواو بين الموصولينِ للجمعِ بين الوصفَين المتغايرينِ، والتنبيهِ على أن الوعيدَ لهُ، أو الذاتَين وهما (^٣) الفرقةُ الفارغةُ عن أحوال الآخرةِ وأهوالِها الراضيةُ بالحياة الدنيا، والتي ألهاهم حبُّ العاجلِ عن التأمُّلِ في الآجلِ والإعدادِ له.
_________________
(١) "سبق العلم" من (م).
(٢) في (ك): "يضارهم". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٠٦).
(٣) "هم" سقط من (ك).
[ ٥ / ١٨ ]
(٨) - ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بما واظَبُوا عليهِ وتمرَّنوا به من المعاصي.
* * *
(٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾: بسببِ إيمانهم، إلى سلوكِ السبيل المؤدِّي إلى الجنةِ؛ ولذلكَ جعَلَ: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ بيانًا وتفسيرًا له، أو: يهدِيهم في الآخرَةِ بسببِ نورِ إيمانهم إلى الجنةِ؛ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]، أو لِمَا يريدونَهُ في الجنةِ، وعلى هذا يكونُ ﴿تَجْرِي﴾ خبرًا ثانيًا لـ ﴿إِنَّ﴾، أو حالًا من الضميرِ المنصوبِ في ﴿يَهْدِيهِمْ﴾، وجعَلَ التمسكَ بسببِ السعادةِ نفسَ الوصولِ إليها، كأنَّ هدايتَهم إلى الطريقِ هدايتُهم إلى المقصِدِ بسرعَةِ الأداءِ إليه.
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ متعلقٌ بـ ﴿تَجْرِي﴾، أو بـ ﴿يَهْدِي﴾، أو خبر، أو حالٌ آخرُ من الضميرِ المذكورِ، أو من الأنهارِ.
ولا يخفَى على مَن أنصَف، وبالتجنُّبِ عن التعسُّفِ اتَّصف، أن الجمعَ بين الإيمانِ والعمل الصالحِ ظاهرٌ في أنه السببُ، لا سيما في مقامِ الترغيبِ في اكتسابِ أسبابِ حسنِ اللقاءِ، واجتناب أسبابِ سوءِ الجزاءِ.
ثم التصريحُ بسببيةِ الإيمان المضافِ إلى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ كالتنصيصِ على أنهُ ذلكَ الإيمانُ المقرونُ بالعملِ الصالحِ، لا
[ ٥ / ١٩ ]
مُطلَقُ الإيمانِ، غايةُ الأمرِ أنه ذُكرَ لأصالَتِهِ وزيادةِ شرفِهِ، فلا يكونُ ذكرُه مستدركًا ولا دالًّا على استقلالِ الإيمانِ.
وبهذا التفصيل اندفَعَ ما قيلَ: ومفهومُ الترتيبِ وإن دلَّ على أن سبَبَ الهدايةِ هو الإيمانُ والعملُ الصالح، لكنْ دل منطوق قوله تعالى: ﴿بِإِيمَانِهِمْ﴾ على استقلال الإيمان بالسببية، وأن العمل الصالح كالتتمةِ والرديفِ (^١).
قيلَ: ولا مخالِفَ لما ذُكرَ من أهل السنةِ والجماعةِ؛ لأن العصاةَ غيرُ مَهديين، وأما أنَّ كلَّ مَن لم يكن مهتديًا فهو خالدٌ في النار فهو ممنوعٌ، ودعوى ذلك غايةُ المكابرةِ (^٢).
ولا وجهَ له؛ لأن الكلامَ في الهدايةِ بسبب الإيمانِ إلى سلوك السبيلِ المؤدِّي إلى الجنةِ، وعصاةُ المؤمنين مهديُّون (^٣) بهذه الهدايةِ، ولا خلافَ في أنَّ مَن لا يكونُ مهتديًا بهذه الهدايةِ لا يدخُلُ الجنةَ.
فالصوابُ في الجوابِ عن تمسُّكِ المخالفِ بهذه الآية: أنها مُعارَضةٌ بمثل قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١] فإنَّ فيه دلالةً على أن الإيمان وحدَه كافٍ في استحقاقِ ما أُعِدَّ لهُ.
والأصلُ في النصوصِ التوقيفُ، وهو هاهنا بحملِ النعيمِ على ما هو اسمٌ خاصٌّ لإحدى الجنانِ السبعِ على ما مرَّ تفصيلُه في تفسيرِ سورةِ البقرةِ، والمرادُ من الجناتِ المضافةِ إليهِ: ما فيه من البساتينِ، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ
_________________
(١) القائل لهذا هو البيضاوي في "تفسيره" (٣/ ١٠٦).
(٢) القائل لهذا هو القزويني في "الكشف على الكشاف" كما في "روح المعاني" (١١/ ٤١).
(٣) في (ف): "مهتدين".
[ ٥ / ٢٠ ]
الْمَأْوَى﴾ [السجدة: ١٩] فيجوزُ أن تكونَ الهدايةُ إلى جنةِ النعيم مشروطةً بالعمل الصالحِ لكون (^١) الإيمانِ وحدَه كافيًا في الهدايةِ إلى مُطلَقِ الجنةِ.
* * *
(١٠) - ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ أي: دعاؤهم: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ أي: اللهُمَّ إنَّا نسبِّحك تسبيحًا.
﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا﴾ أي: تحيةُ بعضِهم لبعضٍ، أو: تحيةُ الملائكة إياهم.
﴿سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ خاتمةُ دعائهم: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أنْ يقولوا ذلكَ، و(أنْ) هي المخفَّفةُ من الثقيلةِ؛ أصلُهُ: أنَّه الحمدُ للّهِ، والضميرُ للشأنِ.
وقرئ: (أنَّ الحمْدَ للّهِ) بالتشديدِ ونصب (الحمد) (^٢)، يعني: أن أهلَ الجنة مستغنون عن طلب النوالِ؛ لحضورِ كلِّ ما يشهِّيهم في الحالِ، آمنونَ عن احتمال الانقطاعِ والزوالِ، فلا جرَمَ دعاؤهم أولًا وآخرًا مقصورٌ على التمجيدِ والتحميدِ.
* * *
(١١) - ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
_________________
(١) في (م): "فيكون"، وذكر في الهامش أن في نسخة: "لأن".
(٢) حكاها ابن خالويه عن بلال بن أبي بردة الأشعري، وابن محيصن، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٦).
[ ٥ / ٢١ ]
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ أصلُهُ: ولو يعجِّلُ اللّهُ للناس الشرَّ تعجِيلَه لهم الخير حين (^١) استعجلُوهُ بالخيرِ، فوضَع ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ موضعَ: تعجيله الخيرَ، وحذف ما حذف منه لدلالة الباقي عليهِ إيجازًا، وذلك الوضعُ للإشعار بسرعةِ إجابته تعالى لهم في الخيرِ، حتى كان استعجالُهم به نفسَ تعجيله له، وبأنَّ المراد بالشرِّ: الشرُّ الذي استعجلُوه كقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢].
﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾؛ أي: ولو يعجِّلُ اللّهُ لأهل مكة الشرَّ الذي دعَوا به واستعجلُوه كما يعجِّلُ لهم الخيرَ، ويجيبُهم إليهِ لَمَا قاموا لعذابنا، بل أهلِكُوا (^٢) وأُميتوا؛ لأن تركيبهم (^٣) في الدنيا لا يحتمِلُ ذلكَ.
وقرئ: ﴿لَقُضِيَ﴾ على البناء للفاعلِ (^٤) وهو اللّه تعالى، ويؤيده قراءةُ: (لقَضَينا) (^٥).
وهذه الآيةُ متصلةٌ بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ دلالةً على استحقاقِهم العذابَ، واللّهُ تعالى إنما يمهلُهم استدراجًا، وجيءَ بـ (الناسِ) بدل ضميرِهم تفظيعًا للأمرِ، ثم قيلَ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مصرَّحًا باسمهم، وذكرُ
_________________
(١) في (ف) و(م): "حتى".
(٢) في (ك): (هلكوا).
(٣) في (ف): (تركهم).
(٤) وهي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٢١).
(٥) نسبت لعبد اللّه بن مسعود ﵁، انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٢٧).
[ ٥ / ٢٢ ]
المؤمنين إنما وقعَ في البينِ تتميمًا ومقابلةً فليس بأجنبيٍّ، ومن هنا ظهرَ أنه لا حاجةَ إلى أن يجعَلَ ﴿فَنَذَرُ﴾ جوابَ شرطٍ محذوفٍ.
* * *
(١٢) - ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا﴾ لإزالتِه في جميع أحوالِه لا يَفتُرُ عنه في حالٍ من أحوالِه.
﴿لِجَنْبِهِ﴾: مُلْقًى لجنبِهِ (^١)، في موضع الحالِ لعطفِ الحالين عليهِ، أي: دعانا مضطجعًا ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ فالترديدُ للتعميمِ لجميع أحوال أصنافِ - أو لجميع أصناف أحوال (^٢) - الضررِ مُلْقًى لجنبِه عاجزًا عن القعودِ، أو قاعدًا لا يقدِرُ على القيامِ، أو قائمًا لا يقدِرُ على النقلةِ، أي: لا يستغني عن الدعاءِ في نوعٍ من أنواعِه.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ﴾: مضى على طريقهِ الأولى في الذهولِ والغفلةِ عنَّا ونسي الجهدَ، أو: مرَّ عن موقفِ الدعاءِ لا يرجِعُ إليه.
﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا﴾ أصلُه: كأنَّهُ لم يدعُنا، فخفَّف وحذفَ ضمير الشأنِ كما في قوله:
ونَحْرٍ مُشْرِقُ اللَّونِ كأنْ ثَدْيَاهُ حُقَّانِ (^٣)
_________________
(١) في النسخ: "ملقيا" وهو خطأ؛ لأنَّه اسم مفعول من لقيَ، وليس المعنى عليه، بل هو من الإلقاء، واسم المفعول منه هو المثبت. انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٠٧)، و"روح المعاني" (١١/ ٥٢).
(٢) "أو لجميع أصناف أحوال " من (م).
(٣) لا يعرف قائله، وهو في "كتاب سيبويه" (١/ ٢٨١)، و"أمالي ابن الشجري" (١/ ٢٣٧).
[ ٥ / ٢٣ ]
﴿إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾؛ أي: كشفِ ضرٍّ.
﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك التزيين ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عملُهم من الإعراضِ عن الذكرِ والدعاءِ، والانهماك في الشهواتِ.
* * *
(١٣) - ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾.
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الخطابُ لأهل مكةَ ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾: حينَ ظلَموا بالتكذيبِ ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الواو للحالِ، ولا حاجةَ إلى تقديرِ (قد) لأنها لم تدخُل على: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وحدَهُ، بل على جملَةِ ذلك القولِ والتي تليها، كأنهُ قيلَ: لما ظلَموا وقصَّتُهم هذِه، وقد مرَّ نظيرُ هذا في أوائلِ سورة البقرة في تفسير قوله تعالى ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية (^١).
أو عطفٌ على ﴿ظَلَمُوا﴾؛ لأن معناهُ: إحداثُ التكذيبِ، وهذا معنى الإصرارِ عليه بحيثُ لا فائدة في إمهالِهم.
﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾: وما استقامَ لهم أن يؤمنوا لفسادِ استعدادِهم، واللامُ لتأكيد النفيِ، وأما علمُه تعالى بأنهم يموتونَ على الكفرِ فلا تأثيرَ له في عدمِ إيمانهم؛ لأنَّ العلمَ تابعٌ للمعلُومِ فلا يؤثِّرُ فيهِ.
ويجوزُ أن يكونَ عطفًا على ﴿ظَلَمُوا﴾، ويكونُ ﴿ظَلَمُوا﴾ مؤخَرًا عن
_________________
(١) "في تفسير قوله تعالى ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية" من (م).
[ ٥ / ٢٤ ]
﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ معنًى، وإن قدِّمَ عليهِ لفظًا للاهتمامِ كما قدِّمَ: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ على ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] لذلكَ، والمعنى: أنَّ السبب في إهلاكِهم تكذيبُهم الرسلَ، وعدمُ الفائدةِ في إمهالهم بعدَ أن أُلزِموا الحجةَ ببعثِهِ الرسلَ.
ويجوزُ أن يكونَ ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ اعتراضًا لتقريرِ ما تخلَّلَ هو بينَهُ.
﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلكَ الجزاءِ بالإهلاك على وجهِ الاستئصالِ ﴿نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أرادَ المجرمينَ بالجُرم المعهودِ، وهو تكذيب الرسلِ والإصرارُ عليه.
وإنما قال: ﴿نَجْزِي الْقَوْمَ﴾ لأن الكلامَ في عذاب الاستئصالِ، ولم يتنبَّه له مَن قالَ في تفسيره: نجزي كلَّ مجرمٍ، والمقصودُ وعيدٌ لأهل مكةَ، وتهديدٌ لهم، ومبناهُ على اندراجِهم فيه اندراجًا أوليًا، وهذا أبلَغُ من الخطابِ لهم، ومَن لم يتنبَّه له جوَّزَ أن يكونَ المعنى: نجزيكم، على وضعِ المُظهَرِ موضِعَ المُضمَرِ.
* * *
(١٤) - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: من بعد القرونِ التي أهلكناهم، جَعْلَ مختبِرٍ.
﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أتعملونَ (^١) خيرًا أم شرًا؟ فيعامِلَكم على حسبِ أعمالكُم، استُعيرَ ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في الرتبةِ فلا يُغني عنهُ قولُهُ: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾.
و﴿كَيْفَ﴾ في محلِّ النصبِ بـ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ مستعارًا لمعنى: أيَّ شيءٌ؟
_________________
(١) "أتعملون" من (ك).
[ ٥ / ٢٥ ]
فيكونُ نصبُه على المفعوليةِ، ويجوزُ أن يكون نصبُه على الحاليةِ؛ أي: لننظُرَ على أيِّ حالٍ تعمَلون: على حالِ الخير أم على (^١) حالِ الشرِّ، ولا يجوزُ انتصابُه بـ ﴿لِنَنْظُرَ﴾ لأنَّ الاستفهام لا يتقدمُ عليهِ عاملُهُ، وفائدتُهُ: التنبيهُ على أن المعتبرَ في الجزاءِ ماهياتُ (^٢) الأفعالِ وكيفيَّاتها، لا هِيَ من حيثُ ذاتُها، ولهذا يحسُنُ الفعلُ تارةً ويقبُحُ أُخرى.
والنظرُ على حقيقتِهِ لأن الكلامَ على طريقةِ الاستعارةِ التمثيليَّةِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ [الفرقان: ٢٣] على ما نبَّهتُ عليه آنفًا.
ومَن لم يتنبَّه لذلك قالَ: هوَ مستعارٌ للعلم المحقَّقِ الذي هو العلمُ بالشيء موجودًا.
ويلزَمهُ الالتزامُ بأن يكون علمُه تعالى بالحوادثِ حادثًا، ولا صحةَ له؛ لأنَّه صفةُ كمالٍ، لا يجوزُ خلوُّهُ تعالى عنهُ، ومنشؤه الغفولُ عن أنَّ مَن ليسَ بزمانيٍّ لا يتوقَّفُ عِلمُه بالحوادثِ على مرور الزمانِ، وحصولِ تلكَ الحوادثِ في أوقاتها، كما هو شأنُ علمٍ هو زمانيٌّ.
* * *
(١٥) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
_________________
(١) "على"ليس في (ك).
(٢) في (ف): "جهات".
[ ٥ / ٢٦ ]
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ لا يخافون ﴿لِقَاءَنَا﴾ يعني: المستهزئين من المشرِكينَ؛ ذكرَه ابن عباسٍ ﵄ (^١).
﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾: بكتابٍ آخرَ ليس فيه ما يَغيظُنا من ذمِّ آلهتِنا والوعيدِ على عبادَتِها نتَّبِعْكَ.
﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾: بأنْ تجعلَ مكانَ آيةٍ تفيد ذلك آيةً أُخرى، وإنما اقترَحوا ذلك مكرًا وطمَعًا في إجابته إليهِ، فيُلزِموه ويستهزئوا منهُ.
ولمَّا كانَ الإتيان بقرآنٍ غيرِ هذا ليس مقدورًا للإنسانِ، لم يَحتَجْ إلى نفيِه، ونَفَى ما هو مقدورٌ له وإن كان غيرَ جائزٍ في حقه (^٢) ﵇، فقيل لهُ: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي﴾: ما يصحُّ (^٣) لي ﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ مصدرٌ استُعمِلَ ظرفًا.
هذا بحسب جليل النظر، والذي هو بحسب دقيقِه: أن نفي الثاني نفيٌ للأولِ دلالةً، فلا اقتصارَ في النفي ولا اكتفاءَ ببعضِ الجوابِ، واللّهُ تعالى أعلَمُ بالصوابِ.
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ تعليلٌ لقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾؛ لأنَّ المتَّبِعَ لغيره في أمرٍ سيَّما الوحي لا يستبِقُ بالتصرفِ فيه بوجهٍ، وجوابٌ للنقصِ بنسخِه بقرآنٍ آخرَ، ورَدٌّ لِمَا عرَّضوا به في هذا السؤالِ من أنَّ القرآنَ كلامُه ﵇ ومفتراهُ، ولذلكَ قيَّدَ التبديلَ في الجوابِ بقوله: ﴿مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ وسماهُ عصيانًا بقولِه:
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي من طريق أبي صالح عن ابن عباس، والواحدي عن الكلبي، فيرجح أن رواية ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه. انظر: "أسباب النزول " (ص: ٢٦٤)، و"زاد المسير" (٢/ ٣٢٠).
(٢) في (ك) و(م): "نفسه".
(٣) في (ف): "صح".
[ ٥ / ٢٧ ]
﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾؛ أي: بالتبديلِ ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: فيهِ إيماءٌ بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الإخراج.
* * *
(١٦) - ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ غيرَ ذلكَ.
﴿مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾: ولا أَعلَمَكم به على لساني؛ أي: إن تلاوتَهُ ليسَت إلا بمشيئةِ اللهِ تعالى لا بمشيئتي حتَّى أجعلَهُ على نحو ما تشتهونَهُ.
وقرئ: ﴿أَدْرَاكُمْ﴾ بلام التأكيدِ (^١)، أي: لو شاءَ اللهُ ما تلوتُه عليكُم، ولأعلمكم اللهُ به على لسانِ غيري، والمعنى: إنهُ الحقُّ الذي لا محيصَ عنهُ، لو لم أُرسَل به لأُرسِلَ به غيري.
وقرى: (ولا أدراتُكم) (^٢) على لغةِ مَن يقولُ: أعطاته وأرضاته (^٣)، في: أعطيتُه وأرضيتُه، ويعضدُه قراءةُ ابن عباسٍ ﵄: (ولا أنذرتكم) (^٤).
_________________
(١) هي قراءة قنبل ورواية أبي ربيعة - وهو محمد بن إسحاق بن وهب الربعي المكي أنبل أصحاب البزي في وقته - عن البزي عن ابن كثير، انظر: "التيسير" (ص: ١٢١)، و"معرفة القراء الكبار" للذهبي (١/ ٤٥٤).
(٢) نسبت للحسن. انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ١٢٤)، و"الكشاف" (٢/ ٣٣٥).
(٣) في (ف): " أعطيته وأرضيته "، وفي (ك): " أعطته وأرضته "، وفي (م): " أعطئته وأرضئته ". والمثبت من المصدرين السابقين.
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٤)، و"الكشاف" (٢/ ٣٣٥)، و"البحر" (١٢/ ٣٩).
[ ٥ / ٢٨ ]
وقرئ: (ولا أَدْرَأكم به)، [(ولا أَدْرَاعْيهم)] بالهمزةِ (^١) على لغةِ مَن يقلب الألفَ المبدلةَ من الياءِ همزةً لأنهما من وادٍ واحدٍ، أو على أنهُ من دَرَأْتُه: إذا دفعتَهُ، وأَدْرَأْتُه: جعلتُه داريًا؛ أي: ولا جعلتكم بتلاوته خُصماءَ تدرؤونني بالجدالِ وتكذِّبونني.
﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا﴾ طويلًا مقدارَ أربعين سنةً.
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبلِ هذا القرآنِ؛ أي (^٢): لا أتلوهُ ولا أعلَمُ شيئًا، وهو تقريرٌ (^٣) لكونه مِن إعلام اللهِ تعالى وبمشيئته، فإنَّ مَن نشأ بهم وعاش فيهم هذه المدَّةَ لم يتعلَّم شيئًا، ولم يجالس قطُّ عالمًا، ولم يمارِس علمًا، ولم ينشِئ خطبةً ولا قريضًا، ثم أتى بكلامٍ بذَّت فصاحتُه فصاحةَ كلِّ بليغٍ، وعلا نظمُهُ كلَّ منظومٍ ومنثورٍ، خارقًا للعادةِ، أعجزَ عن معارضتِهِ البلغاءَ عن آخرِهم، محتوٍ على فنون العلومِ والحِكَمِ، ناطقٍ بغيوبٍ لا يعلَمُها إلا اللهُ، مشتمِلٍ على أصولِ الأحكامِ وفروعِها، معربٍ عن أقاصيصِ الأولينَ وأحاديثِ الآخرينَ على ما هي عليهِ، عُلِمَ أنه معلَّمٌ به (^٤) من عندِ الله تعالى.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أفلا تستعملون عُقولكم بالتأمُّلِ فيهِ فتعلَمون أنهُ ليسَ إلا من اللهِ تعالى لا من مِثلي، فلا تتَّهموني بالافتراءِ على الله تعالى.
_________________
(١) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٠٨)، والكلام وما بين معكوفتين منه، والأولى ذكرها أيضًا العكبري في "إملاء ما من به الرحمن" (ص: ٦٦٩)، والثانية نسبت لابن عباس وابن سيرين والحسن وغيرهم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٦)، و"المحتسب" (١/ ٣٠٩)، و"الكشاف" (٢/ ٣٣٥)، و"البحر" (١٢/ ٣٨).
(٢) "أي" ليست في (ك)، وتحرفت في (م) إلى "أو".
(٣) في (ك): "تقريب".
(٤) "به "من (ف).
[ ٥ / ٢٩ ]
(١٧) - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾: كنايةٌ منه ﵇ ومنهم؛ أي: أظلَمُ مني إن افتريتُ على اللهِ كذبًا بتبديلِ ما أنزَلَ اللهُ تعالى عليَّ، ومنكم بتكذيبِكم بآياتِ الله تعالى، وقد سبقَ في تفسير سورة البقرة وجهُ هذه الطريقةِ الاستفهاميةِ في مقام المبالغةِ.
وأما ما قيلَ: تظليمٌ للمشركين بافترائهم على اللهِ تعالى في قولهم: إنهُ ذو شريكٍ، وذو ولدٍ. فيأباهُ التصديرُ بالفاء الدالَّةِ على ترتيبِ الكلامِ على ما سبقَ.
وإنما زاد قولَهُ: ﴿كَذَّبَ﴾ مع أنَّ الافتراءَ لا يكونُ إلا كذلكَ؛ إظهارًا لِمَا فيه من جِهَتي القبحِ.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ لا يظفرونَ بمطلوبٍ، ولا يَصِلُون إلى مأمولٍ، ولا يأمنون من محذورٍ.
* * *
(١٨) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾؛ أي: الأوثانَ؛ لأنها جماداتٌ لا تضرُّهم إن تركوا عبادَتها، ولا تنفَعُهم إن عبدُوها، ومن خواصِّ المعبودِ أن يكونَ قادرًا على النفعِ والضرِّ، مُثيبًا على الطاعةِ، معاقبًا على المعصيةِ.
[ ٥ / ٣٠ ]
﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ﴾ الأوثانُ ﴿شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ تشفَعُ لنا في الآخرةِ، وعن النضر بنِ الحارث: إذا كان يومُ القيامةِ شفعَت لي اللاتُ والعزَّى.
ومَن زادَ على هذا قولَه: إنْ نكن نُبعَثُ، وكأنهُم كانوا شاكِّين فيهِ - فقد أتى بشيءٍ عُجاب، كما لا يخفى على ذوي الألباب (^١).
﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾: أتخبرونَهُ (^٢) ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾؛ أي: بما لا وجودَ له أصلًا، وهو أن لَهُ شريكًا.
إنباؤهم للهِ تعالى تهكُّمٌ بهم وتقريعٌ لهم بإخبارِهم علَّامَ الغيوبِ بما ادَّعَوه من المحالِ الذي هو وجودُ الشركاءِ، وشفاعتُهم عند الله تعالى، وإعلامٌ ببطلانِه واستحالتِه بأنَّ ما لا يتعلَّقُ علمه بهِ لم يكُن شيئًا أصلًا؛ لأن علمَهُ تعالى محيطٌ بجميع الأشياءِ (^٣)، ولا حاجةَ في تمشيةِ هذا الكلامِ إلى تفسيرِ الشيء بما يُعلَمُ ويخبر عنه.
﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: حالٌ من العائدِ المحذوفِ مؤكِّدةٌ للنفيِ، لا لأن ما لم يوجد فيهِما فهو منتفٍ لعدمِ صحَّتهِ، بل لِمَا جرى بهِ العُرفُ من أنه يقالُ عندَ تأكيد النفيِ: ليس هذا (^٤) في السماءِ ولا في الأرضِ؛ لاعتقادِ العامَّةِ أن كلَّ ما يوجد فهو إما في السماءِ وإما في الأرضِ؛ فلا حاجةَ إلى التزامِ أن يكون الكلامُ إلزاميًا، ودعوى أن الأمرَ كذلك في اعتقاد (^٥) دعوى المخاطَبين.
_________________
(١) في هامش (ف) و(م): "رد لصاحب "الكشاف"، ويفهم منه عدم تمام ما في تفسير القاضي من التنبيه. منه".
(٢) في (ك): "تخبرونه".
(٣) "بجميع الأشياء" من (م).
(٤) "هذا" سقط من (ك).
(٥) "اعتقاد" ليس في (ك).
[ ٥ / ٣١ ]
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: عن إشراكِهم، أو: عن الشركاءِ الذين يشركونهم به (^١).
* * *
(١٩) - ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: موحِّدينَ على الفطرةِ من غير اختلافٍ بينَهم، وذلكَ في عهد آدمَ ﵇، إلى أن قتَلَ قابيلُ هابيلَ.
وقيل: بعد طوفان نوح (^٢) حينَ لم يذَر من الكافرين ديَّارا. ومَبْنَى هذا على عمومِ آفَةِ الطوفانِ، وتمامُه موقوفٌ على أن يكونَ نوحٌ ﵇ مبعوثًا لكافة الأنام، حتى يلزَم الكفرُ لمن لم يتَّبعهُ، ولا يخفَى ما فيه من الكلام.
﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ باتِّباعِ الهوى، فبعثَ الله تعالى النبيين مبشِّرينَ ومنذِرين، على ما مرَّ في سورة البقرةِ، فمن وهَم أن اختلافهم ببعثةِ الرسلِ فما فهِم أنه مخالفٌ لنصِّ القرآن.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: قضاءٌ جرى في الأزلِ بتأخيرِ الفصلِ والحُكمِ بينَهم إلى يومِ القيامةِ لمجال الردى (^٣) والعملِ في دارِ التكلِيفِ.
﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجلًا ﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بتمييزِ الحقِّ عن الباطلِ بإبقاء المحقِّ وإهلاك المبطِلِ.
_________________
(١) "به "ليس في (ك).
(٢) في (ك): "بعد الطوفان". وقوله "نوح" ليس في (م).
(٣) "لمجال الردى" كذا في (ف) و(ك)، وفي (م): "لمحال الردي"، ومعناها غير ظاهر على كليهما.
[ ٥ / ٣٢ ]
(٢٠) - ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (^١) أرادوا بهِ آيةً من الآياتِ التي كانوا يقترحونها (^٢)، غيرَ مكترِثين بما نزل عليه ﵇ من الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل مثلُها على أحد من الأنبياء ﵈ قبله، خصوصًا القرآنُ المعجز الباقي على وجه الدهر، وغيرَ مقتدين (^٣) به عنادًا ومكابرة، بل جعلوا نزوله كلَا نزولٍ، وكأنه لم ينزل عليه آية قط، حتى قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ بتنكير ﴿آيَةٌ﴾ للتحقير؛ أي: آيةٌ ما واحدةٌ وشيءٌ من جنس الآية، وذلك لفرط عنادهم، وتماديهم في التمرد، وانهماكهم في الغَيّ.
﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾؛ أي: إني لا أعلم المانعَ من إنزالها؛ فإنها غيبٌ ولا يعلَمُ الغيبَ إلا اللهُ.
وما قيلَ: فلعله يعلَمُ في إنزالها من مفاسدَ تَصرِفُ عنهُ (^٤). لا ينتَظِمُ مع قولِه:
﴿فَانْتَظِرُوا﴾: نزولَ ما اقترحتُموه ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: ما يَفعلُ اللهُ بكم من العذابِ بجحودِكم الآياتِ العظامَ، واقتراحِكم غيرَها تعنُّتًا.
* * *
_________________
(١) في هامش (ف) و(م): "عدل عن صيغة الماضي إلى صيغة المضارع حكاية للحال الماضية، وقصدًا إلى الاستمرار. منه".
(٢) في (ف): "يفترونها".
(٣) في (ك): "مقيدين".
(٤) أي: عن إنزالها، كما صرحت به عبارة البيضاوي صاحب هذا القيل. انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٠٩).
[ ٥ / ٣٣ ]
(٢١) - ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾.
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾: كخصبٍ وأمنٍ وصحة ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾: من القحطِ والشدةِ والمرض ﴿مَسَّتْهُمْ﴾: خالطتهم حتى أحسُّوا بسوء أثرِها.
﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ قد سبق في تفسيرِ سورةِ الأعرافِ بيانُ معنى (^١) المكرِ، وما بهِ يفارقُ الكيدَ، و﴿إِذَا﴾ الأولى شرطيةٌ، والثانيةُ للمفاجأةِ وقعَت جوابًا للشرطِ.
قيلَ: سلَّطَ اللهُ تعالى القحطَ على أهل مكةَ سبعَ سنينَ حتى كادوا يهلِكُون، ثم رحمِهم بالحيا، فطفِقوا يقدَحون في آياتِ الله تعالى، ويمكُرون برسوله (^٢) ﵇.
﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ إنما قالَ: ﴿أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ يعني: منكُم؛ لأنَّ معنى المفاجأةِ قد دلَّ على السرعةِ ففضّل عليها (^٣)؛ أي: فاجَؤوا في وقتِ إذاقةِ الرحمة المكرَ، وسارعوا إليهِ قبلَ أن ينفضُوا من رؤوسهم غبارَ الضرَّاءِ، ومعناه: قد دبَّرَ عذابكم وهو مُوقِعه بكم قبلَ أن تدبِّروا كيدكَم في إطفاءِ نور الإسلامِ.
والمكر من الله تعالى: جزاءُ مكرِهم، وأخذُهم (^٤) بغتةً بعد الاستدراجِ.
﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ إعلامٌ بأنَّ ما دبَّروا في إخفائه من مقدماتِ
_________________
(١) في (ك): "لمعنى".
(٢) في (ك): "رسوله".
(٣) يعني: استعمل أفعل التفضيل في مقابلة مفاجأتهم الدال عليها (إذا) الفجائية.
(٤) في (ف): "وأخذه".
[ ٥ / ٣٤ ]
المكرِ لم يَخْفَ على الحفظةِ فضلًا عن أن يخفى على اللهِ تعالى، وإيعادًا بالانتقامِ وتحقيقٌ لهُ، وقرئ: ﴿يمكرون﴾ (^١) ليوافقَ ما قبله.
* * *
(٢٢) - ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ﴾ يمكنكم من السيرِ فيه بأن جعلَ لكُم الأرضَ ذَلولًا تمشُون في مناكبها، وقرئ: ﴿ويَنْشُرُكم﴾ (^٢) من النشرِ.
﴿وَالْبَحْرِ﴾ ولمَّا كان السيرُ فيه أغرَبَ، وإلى ظهورِ آثار القدرةِ والرحمةِ أقربَ، خصَّهُ بالتفصيلِ فقالَ:
﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ في السفنِ، و﴿حَتَّى﴾ على القراءةِ الثانية لبيانِ أن غاية السيرِ مضمونُ الجملةِ الشرطيةِ (^٣)، والالتفاتُ في:
﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾؛ أي: بمن فيها؛ [وهو التفاتٌ] (^٤) للمبالغةِ في جريِ الفلكِ بمرادهم، كأن ركوبها ووقوعَهم في الغيبة مع لسرعةِ الجري، وفي تقبيحِ حالهم
_________________
(١) هي رواية روح عن يعقوب. انظر: "النشر" (٢/ ٢٨٢)، ونسبت للحسن وقتادة ومجاهد وغيرهم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٦)، و"البحر" (١٢/ ٤٩).
(٢) وهي قراءة ابن عامر، انظر: "التيسير" (ص: ١٢١).
(٣) في هامش (ف) و(م): "أما على القراءة الأولى فلا حاجة إلى التأويل لأن الكون في السفن يصلح غاية للتسيير بمعنى التمكين من السير. منه".
(٤) زيادة يقتضيها السياق، وانظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٠٩)، و"حاشية الشهاب" (٥/ ١٨).
[ ٥ / ٣٥ ]
بمنزلةِ ما إذا أعرَضَ المتكلِّمُ عن المخاطبِ، وحكَى لغيرِه سوءَ صنيعِه وقلةَ حيائهِ، كأنهُ يذكِّرُ بغيرِهم حالَهم ليُقبِّحَهم منها، ويستدعي منهم الإنكارَ والتقبيحَ.
ولك أن تقولَ في وجهِ الالتفاتِ: إن قولَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ خطابٌ فيهِ امتنانٌ، وإظهارُ نعمةٍ للمخاطَبين، والسائرونَ في البر والبحر مؤمنون وكفارٌ، والخطابُ شاملٌ؛ فحسُنَ خطابهم بذلكَ ليستديمَ الصالحُ الشكرَ، ولعل الطالحَ يتذكَّرُ هذه النعمةَ فيرجِعَ، فلما ذكرَتْ حالَهُ اَلَ الأمرُ في آخرِها إلى أن الملتبِسَ بها هو باغٍ (^١) في الأرضِ بغيرِ الحقِّ عدَلَ عن الخطابِ إلى الغيبةِ، حتى لا يكونَ المؤمنون يخاطَبون بصدورِ مثل هذه الحالةِ.
﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ليِّنةِ الهبوبِ ﴿وَفَرِحُوا بِهَا﴾ بتلكَ الريحِ.
﴿جَاءَتْهَا﴾ جوابُ: ﴿إِذَا﴾ والضميرُ للريحِ الطيبةِ بمعنى: تلقَّتْها ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾: ذاتُ عصفٍ، شديدةُ الهبوبِ.
وجوِّزَ أن يكونَ الضميرُ للفلكِ، ولا يلائمه قولُه: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ﴾ لِمَا فيهِ من تخصيصِ مجيء الريحِ بالسفينة، ومجيءِ الموجِ بمن فيها بلا نكتةٍ تقتضِيها، بل معنى مجيء الموجِ من جهاتٍ متقابلةٍ يستدعي أن يكون الضميرُ للريح الطيبةِ حتى يفيدَ معنى التقابلِ والتدافعِ بين الريحين فتحصلَ المبالغةُ في اللجاجِ (^٢) البحرِ واضطرابِ أمواجِها المقصودةِ من قولِه:
﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ فإنَّ عبارةَ ﴿كُلِّ﴾ في مثل هذا المقامِ للمبالغةِ والتفخيمِ، لا للإحاطة والتعميمِ، ومن غفلَ عنه قيَّدَ المكانَ بقوله: يجيءُ الموجُ منهُ.
_________________
(١) في (ف): "ساع".
(٢) في (ف): "عجاج".
[ ٥ / ٣٦ ]
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ سُدَّت عليهم مسالكُ الخلاصِ، كمن أحاط به العدوَّ، مَثَلٌ في الهلاكِ فاستُعملَ مكانَهُ.
﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ بدلٌ مِن ﴿مُخْلِصِينَ﴾ بدلَ الاشتمالِ؛ لأن دعاءَهم من لوازمِ ظنَهم.
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: موحِّدين بلا إشراكٍ، لصفاءِ الفطرةِ بزوال المانعِ من شدة الخوفِ.
﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ مفعولُ ﴿دَعَوُا﴾ لأنهُ من جملةِ القولِ فلا حاجةَ إلى تقديرِه، واللامُ في ﴿لَئِنْ﴾ موطِّئةٌ للقسمِ.
* * *
(٢٣) - ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ﴾ إجابةً لدعائهم.
﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: فاجؤوا الفسادَ فيها وسارَعوا إلى ما كانوا عليه.
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: احترازٌ من البغي بالحقِّ؛ كتخريبِ المسلمين ديارَ الكفارِ، وقلعِ أشجارِهم، وإحراقِ زروعِهم، فإنه إفسادٌ بحقٍّ.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: تلوينٌ للخطاب في أثناء الكلامِ، والتفاتٌ آخَرُ لشدةِ الاعتناءِ بترك البغيِ، والمبالغةِ في النهيِ، والتنفيرِ عنهُ.
﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: ﴿بَغْيُكُمْ﴾ مبتدأٌ ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ صلته (^١) ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خبره؛ أي: بغيُكم على مَن هو من جنسكم ومثلُكم، يعني: بغيُ
_________________
(١) في (ف) و(م): "صلة".
[ ٥ / ٣٧ ]
بعضِكم على بعضٍ منفعةُ الحياة الدنيا لا تبقَى ويبقى عقابُها.
أو ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ خبرٌ، أي: إنما بغيُكم وبالٌ على أنفسِكُم، و﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو متاعُ الحياة الدنيا.
وقرئ ﴿مَتَاعَ﴾ بالنصب (^١) على أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ، و﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ خبرٌ؛ أي: إنما بغيُكم وبالٌ على أنفسكُم تتمتَّعون متاعَ الحياة الدنيا.
﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾ في القيامةِ ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقد (^٢) سبق تفسيرُه في سورةِ التوبةِ.
* * *
(٢٤) - ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: حالُها العجيبةُ في سرعةِ تقضِّيها وذهابِ نعيمِها (^٣) بعدَ إقبالها واغترارِ الناس بها.
﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾: فاشتبَك بسببِه حتى خالطَ بعضُه بعضًا لتكاثُفه.
﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ﴾: من الزروعِ والبقولِ والحشيش.
_________________
(١) هي قراءة عاصم برواية حفص، وباقي السبعة بالرفع، انظر: "التيسير" (ص: ١٢١).
(٢) في (ك): "قد".
(٣) في (ف): "بغيتها".
[ ٥ / ٣٨ ]
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾: استعيرَ لتلكَ البهجةِ (^١) والنضارةِ والألوان المختلفةِ لفظةُ الزخرفِ وهو الذهبُ (^٢)، لمَّا كان من الأشياءِ البهيَّةِ المنظرِ السار للنفوسِ.
﴿وَازَّيَّنَتْ﴾: بأصنافِ النباتِ وأشكالها وألوانِها المختلفة، و(ازَّينت) أصلُهُ: (تزينَت) فأُدغِم، وقد قرئ على الأصلِ (^٣)، و: (أَزينَتْ) على أفعلَت (^٤) من غير إعلالٍ (^٥) - كأَغْيَلت - أي: صارَت ذات زينةٍ، و: (ازيانَّتْ) كابياضَّتْ (^٦).
﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾: متمكِّنون من حصدِها وتحصيلِ ريعِها والانتفاع بها.
﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾: بإتلاف زرعِها وإفساده ببعض العاهاتِ بعدَ أمنهم من آفاتها.
﴿لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا﴾؛ أي: فجعلنا زرعَها، على تقديرِ حذف المضافِ للمبالغة.
﴿حَصِيدًا﴾: مقطوعًا مُستأصلًا شبيهًا بالحصيدِ.
﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾؛ أي: كأن لم ينبُت ذلك الزرعُ، ولا حاجةَ هنا إلى تقديرِ
_________________
(١) في (ك): "الهيجة".
(٢) في (ف): "الزينة". والمثبت من (ك) و(م)، واللفظ يحتملهما، قال ابن عطية: (الزخرف: التزين بالألوان، وقد يجيء الزخرف بمعنى الذهب إذ الذهب منه. انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ١١٤).
(٣) نسبت لأبي وابن مسعود والأعمش. انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ١١٤)، و"البحر" (١٢/ ٦٠).
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٦)، و"المحتسب" (٢/ ٣١١).
(٥) في (ك) و(م): "إدغام ". والمثبت موافق لما في "تفسير البيضاوي"، قال الشهاب: كان قياسه أن يعل فتقلب ياؤه ألفًا فيقالَ: أَزَانَتْ؛ لأنَّه المطَرد في باب الإفعال المعتل العين، لكنه ورد على خلافه كـ: أغيلت المرأة بالغين المعجمة: إذا سقت ولدها الغيل، وهو لبن الحامل، ويقال أغالت على القياس. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٥/ ٢٠).
(٦) نسبت لعوف بن أبي جميلة، انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ١١٤).
[ ٥ / ٣٩ ]
المضافِ، وقرئ بالياء على الأصل (^١)، يُقالُ: غَنِيَ بالمكانِ غَنًى - مثل: عَمِيَ عَمًى - وتغنَّى: إذا أقامَ.
وقرئ: (لم تَتَغنَّ) (^٢).
﴿بِالْأَمْسِ﴾: فيما قُبيلَهُ (^٣)، مَثَلٌ في الوقت القريب الماضي، كأنه قيلَ: كأنْ لم تَغْنَ آنفًا" لمَّا قَرَّرَ أن البغي متاعُ الحياِة الدنيا عقَّبه بتمثيلِ الحياة الدنيا في سرعةِ تقضِّيها وانقراضِ نعيمها مع بهجته وزينتِهِ، بحالِ نبات الأرض النابتِ بماء المطرِ في سرعةِ جفافِهِ وذهابِهِ حطامًا بعد اخضرارِهِ وغضاضَتِهِ قبلَ انتفاعِ الناسِ بهِ، لتنفيرِ العقلاء عنهُ.
والممثَّلُ بهِ مضمون الحكايةِ لا الماء (^٤) وإن وليَه حرفُ التشبيهِ؛ لأنَّه من التشبيه المركَّبِ، وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ مبالغةٌ في تزيينِ الأرض وبهجَتِها في أثناءِ التمثيلِ بتشبِيهها في جعلِها اَخذةً زخرُفها بالعروسِ إذا أخذت الثيابَ الفاخرةَ من كل لونٍ فاكتسَتْها وتزيَّنَتْ بأنواعِ الزينة والحليِّ على طريق الاستعارةِ بالكنايةِ.
_________________
(١) نسبت للحسن البصري، انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٣١).
(٢) في (ف): "تغن"، وفي (م): "يغن"، وكلاهما تكرار لا لزوم له، ووقعت في (ك) بالرسم نفسه لكن دون تنقيط، والصواب المثبت، وهي قراءة نسبت لمروان بن الحكم. انظر: "المحتسب" (١/ ٣١٢)، و"الكشاف" (٢/ ٣٤١)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ١١٥)، و"البحر" (١٢/ ٦٢).
(٣) بالتصغير، وفي نسخة من "تفسير البيضاوي": (قبله) بالتكبير، أي: فيما قبل - أو: قبيل - أمرنا. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٥/ ٢١).
(٤) في النسخ: "مضمون الحكاية للماء" وهو خطأ. والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١١٠).
[ ٥ / ٤٠ ]
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: نبيِّنها (^١) ونميِّزُ بعضها عن بعضٍ.
﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: إنما خصَّها بهم لأنهم المنتفِعون بها.
* * *
(٢٥) - ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾: الجنةُ، أضافَها إلى اسمِه تعالى تعظِيمًا لها، أو: دارِ السلامةِ من النقصِ والآفةِ، لسلامةِ أهلِها من كلِّ مكررهٍ.
وقيلَ: دارُ السلام لفشوِّ (^٢) السلامِ بينهُم، أو تسليمِ الملائكة عليهم.
﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: هدايتَه بالتوفيق ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: طريقِها؛ وهو الإسلامُ والتقوى.
ولمَّا كانَ الدعاءُ عامًا لم يقيَّد بالمشيئةِ، بخلافِ الهداية فإنها خاصَّة فتقيَّدَت بها، وفيه إيذانٌ بأن الأمر غيرُ الإرادة، وأن المقَرَّ على الضلالة لم يُرِدِ الله تعالى أن يرشده (^٣).
* * *
(٢٦) - ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
_________________
(١) "نبينها" ليست في (ف).
(٢) في (ف): (لنشر)، وفي (م) غير واضحة، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٣/ ٣٤١).
(٣) "وفيه إيذان بأن الأمر غير الإرادة وأن المقر على الضلالة لم يرد الله تعالى أن يرشده" من (م).
[ ٥ / ٤١ ]
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾: المثوبةُ الحسنى ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ عليها؛ وهي تفضلٌ لقولِه تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣].
وقيلَ: ﴿الْحُسْنَى﴾ مثل حسناتهم، والزيادةُ عشرُ أمثالها إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ وأكثرَ.
وقيلَ: الزيادةُ الرضوانُ.
وقيلَ: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: الجنةُ، والزيادةُ هو اللقاءُ.
ومن غلاةِ (^١) أصحابِ الضلالِ مَن قال: زعمَت المشبِّهةُ والمجبِرةُ أن الزيادةَ النظرُ إلى وجه اللهِ تعالى، وجاءت بحديثٍ مرقوع (^٢): "إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ نودوا: أن يا أهلَ الجنةِ! فيُكشفُ الحجابُ فينظُرون إليهِ، فواللّه ما أعطاهم اللهُ شيئًا هو أحبَّ إليهم منهُ ".
قوله: مرقوعٌ، صحَّ بالقاف عندَهُ، ومعناهُ: مرقوع مُفترًى، وأما عند أهل الحقِّ فقد صحَّ بالفاءِ، رواهُ أبو بكر الصديقُ، وأبو موسى الأشعريُّ، وحذيفةُ، وابن عباسٍ، وعكرمةُ، وقتادَةُ والضحَّاكُ، وابن أبي ليلى، ومقاتل (^٣).
_________________
(١) في (ك): "علامات".
(٢) قائل هذا هو الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٣٤٢). وقوله: (المشبهة والمجبرة) يريد أهل السنة القائلين بجواز رفلته تعالى ووقوعها في الآخرة، خلاف المعتزلة القائلين بامتناع ذلك. وقال الآلوسي: (وقول الزمخشري عامله الله تعالى بعدله: (إن الحديث مرقوع) بالقاف؛ أي: مفترى، لا يصدر إلا عن رقيع، فإنه متفق على صحته، وقد أخرجه حفاظ ليس فيهم ما يقال. نعم جاء في تفسير ذلك غير ما ذكر لكن ليس في هذه الدرجة من الصحة ولا رفع فيه صريحًا). انظر: "روح المعاني" (١١/ ١٠٣).
(٣) انظر ما روي عن الصحابة والأئمة المذكورين في "تفسير الطبري" (١٢/ ١٥٦ - ١٦١)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٦/ ١٩٤٥)، و"شرح أصول الاعتقاد" (٣/ ٥٠٤ - ٥١٣).
[ ٥ / ٤٢ ]
أورده مسلمٌ في "صحيحه" عن صهيبٍ ﵁ عنِ النبي ﷺ، وأوردَه البخاري في "صحيحه" بلا إسنادٍ، وصححهُ أحمد بن حنبلٍ، والترمذِيُّ، وابن ماجَه (^١).
فالحديثُ متفق على صحتِهِ، وذلك المتعصِّبُ طعن في الحديثِ الصحيحِ، والخبرِ الحقِّ الصريح ترويجًا لاعتقادِه الفاسد، وتصحيحًا لمذهبه الباطلِ، وصحَّفَ المرفوعَ فجعله مرقوعًا ليرقِّعَ به مذهبَهُ المخروقَ، هيهاتِ اتَّسع الخرقُ على الراقع، والحقُّ الواقعُ ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٨].
﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾: ولا يغشاها ﴿قَتَرٌ﴾: غبرةٌ فيها سوادٌ ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾: هوانٌ، يعني: لا يرهَقُهم ما يرهقُ أهل النارِ، أو: لا يلحَقُهم ما يوجِبُ ذلك؛ من حزنٍ، وسوءِ حالٍ، وكسوف بالٍ.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: دائمون لا زوالَ فيها ولا انقطاعَ لنعيمِها، بخلافِ الدنيا وزخارِفها.
* * *
(٢٧) - ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾: عطفٌ على ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾، كقولهم: في الدار زيدٌ، والحجرةِ عمرٌو، وجازَ العطفُ على عاملين مختلِفَين لتقدُّمِ المجرورِ.
_________________
(١) رواه مسلم (١٨١)، والترمذي (٢٥٥٢)، والإمام أحمد في "المسند" (١٨٩٣٥)، من حديث صهيب ﵁.
[ ٥ / ٤٣ ]
أو مبتدأٌ خبرُه: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ على تقديرِ: وجزاءُ الذين كسبوا السيئاتِ أن يجازى سيئةً بسيئةٍ واحدةٍ مثلِها.
وفيه دليل على أن الزيادةَ هي (^١) الفضلُ؛ لأن جزاءَ السيئة بمثلِها هو العدلُ.
﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ إذكارٌ لهم بما يتقدم (^٢) منهُ برحمتِه.
﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾؛ أي: من سخطِ الله تعالى وعقابِه، أو: من جهةِ اللهِ ومن عندِه كما يكون للمؤمنين.
﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾: حالٌ من ﴿اللَّيْلِ﴾، ولفرطِ سوادِها وظلمَتِها، والعاملُ فيها ﴿أُغْشِيَتْ﴾ لأنهُ العاملُ في ﴿قِطَعًا﴾، و﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ صفةٌ لهُ، والعاملُ في الموصوفِ عاملٌ في الصفةِ، أو معنى الفعلِ في ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾.
وقرئ ﴿قِطَعًا﴾ بالسكون (^٣)، من قوله: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] فيكونُ ﴿مُظْلِمًا﴾ صفةً لـ ﴿قِطَعًا﴾، أو حالًا منهُ لاختصاصِه بالوصفِ، ويعضدُه قراءةُ: (كأنما يَغْشَى وجوهَهم قِطَعٌ من الليل مُظْلِمٌ) (^٤).
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ولا متمسَّكَ فيهِ للوعيدِ به؛ لأن سياقَ الكلامِ في الكفارِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢﴾ [عبس: ٤٥ - ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
_________________
(١) في (ك): "هو".
(٢) في (ك): "ينفذهم".
(٣) قراءة ابن كثير والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٢١).
(٤) نسبت لأبي بن كعب ﵁، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٧)، و"الكشاف" (٢/ ٣٤٣).
[ ٥ / ٤٤ ]
وأما التعليل (^١) باشتمالِ ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ على الشركِ والكفرِ ففيهِ تخصيصُ الحكمِ المذكورِ بالمشركينَ، ولا وجهَ له، والتعليلُ بتناول (الذين أحسَنُوا) أصحابَ الكبيرةِ من المؤمنين فلا يتناولهم قسيمُهُ؛ فليسَ بقويٍّ؛ لأن كونَهم من المحسنينَ على الإطلاقِ غيرُ ظاهرٍ.
* * *
(٢٨) - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني: الفريقين جميعًا.
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ﴾؛ أي: الْزَموا مكانكُم حتى تنظروا ما يُفعَل بكم.
﴿أَنْتُمْ﴾: تأكيدٌ للضمير المرفوعِ المنتقلِ إلى ﴿مَكَانَكُمْ﴾ من عاملِه لسدِّ مسَدِّ: الزمُوا.
_________________
(١) في هامش "ف ": "قوله: وأما التعليل .. إلخ يشير به إلى الرد على القاضي البيضاوي؛ لأنَّه ذكر العلتين، وظاهره: أن كلا منهما كاف في العلية، مع أن العلة الأولى مستلزمة أن الخلود لا يكون إلا للمشرك، وهذا لا وجه له إذ الخلود يعم كل كافر ولو غيرَ مشرك، والعلة الثانية تفتضي إطلاق المحسن على الآتي بالكبيرة عند الإطلاق، وهو غير سديد إذ إنه إذا أطلق ذلك فلا ينصرف إلا للمطيع المحسن في غالب أحواله، والجواب عن الأول: أن القاضي إنما جاء به مصحِّحًا لما ادعاه من كون الثاني في حق الكفار ولا ينافيه قوله: ﴿كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الظاهر في إرادة العصاة؛ لأن ذلك يشمل الكفر والشرك كما يشمل المعصية دونهما وكل واحد منهما كاف في الخلود لا بقيد الشرك، وأما ادعاء أن المحسن على الإطلاق لا ينصرف إلا للطائع فغير مسلَّم؛ لما علم من الأحاديث الشريفة من إطلاقه على المؤمن مطلقًا، وعليه جرى أهل السنة والجماعة".
[ ٥ / ٤٥ ]
﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ عطفٌ عليهِ، وقرئ: (شركاءكم) (^١) بالنصبِ على المفعولِ معه.
﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾: ففرَّقنا بينَهم، وقطَعنا الوُصَلَ التي كانت بينهم في الدنيا (^٢).
قيلَ: فباعَدنا بينهُم بعد الجمعِ في المحشرِ، وتبرُّؤِ شركائهم منهُم ومن عبادَتِهم؛ لقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ [غافر: ٧٣ - ٧٤] ويأباه ترتيب (^٣) قوله:
﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ بالفاء الواصلةِ بلا تراخٍ على ما تقدَّمَ، و﴿مَا﴾ مجازٌ عن براءةِ ما عبدُوه (^٤) من عبادَتهم، فإنهم إنما عبَدُوا (^٥) في الحقيقةِ أهواءهم؛ لأنها الآمرة بالإشراك (^٦) لا ما أشركوا بهِ.
والمرادُ من الشركاء: الملائكةُ، وعُزَيرٌ، والمسيحُ، ومَن عبدُوهم مِن أولي العقلِ.
وقيلَ: الأصنامُ يُنطِقُها اللهُ تعالى فتكلِّمُهم بذلكَ مكانَ الشفاعةِ التي يتوقعون منها.
وقيلَ: الشيطانُ والشياطينُ، ويردُّه:
* * *
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٤٣).
(٢) "في الدنيا" في (م).
(٣) في (ف): "ترتيبه قبل".
(٤) في (ك): "عهدوه".
(٥) في (ك): "عهدوا".
(٦) في (ف): "الآمرة بالإشراكي".
[ ٥ / ٤٦ ]
(٢٩) - ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾.
﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾: العالمِ بكنهِ الحالِ.
﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾: لأن عبادتهم كانت بإغوائهم، (إنْ) هي المخفَّفةُ من الثقيلةِ، واللام هي الفارقةُ.
* * *
(٣٠) - ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
﴿هُنَالِكَ﴾ في ذلك المكانِ.
﴿تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾: تختبرُ ما قدَّمت من العملِ؛ أي: تُعاين (^١) ضرَّهُ ونفعَهُ.
وقرئ: ﴿تتلوا﴾ منَ التلاوةِ (^٢)، أي: تقرأ في صحيفَتِها ما قدَّمت من الخيرِ والشرِّ، أو من التُّلُوِّ، أي: تتبَعُ؛ لأن عملَها هو الذي يقودُها إلى الجنة أو النارِ.
وقرئ: (نبلو) بالنونِ، ونصبِ (كلَّ) (^٣)، أي: نُصيبُ كلَّ نفسٍ بالبلاءِ وهو العذابُ بسببِ ما قدَّمت من الشرِّ، فيكونُ (ما) ناصبًا (^٤) بانتزاعِ الخافضِ، أو: نختبرها باختبارِ ما أسلفَت، أي: نفعَلُ بعملِها فعلَ المختبرِ بحالها المتعرِّف لسعادَتها وشقاوتها بمعرفة عمِلها في الصلاحِ والفسادِ، والقَبول والردِّ، فيكون (ما) بدلًا من (كلَّ نفس) بدلَ الاشتمالِ.
_________________
(١) في (ف): "تعارف".
(٢) قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٢١).
(٣) قرأ بها عاصم في رواية وهي خلاف المشهور عنه، انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٤٤).
(٤) كذا في النسخ، والصواب: "منصوبًا".
[ ٥ / ٤٧ ]
﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: إلى جزائه (^١) إيَّاهم بما أسلَفُوا.
﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾: ربِّهم، أو المتولي أمورِهم الحقِّ، لا الباطلِ الذي اتخذُوه مولى، أو مولاهُم على الحقيقةِ، لا الذي ليس لولايتِه حقيقةٌ، أو العدلِ الذي لا يظلِمُ أحدًا.
وقرئ: (الحق) (^٢) بالنصبِ على المدحِ، كقولكَ: الحمدُ لله أهلَ الحمدِ، أو على المصدرِ المؤكِّدِ، كقولكَ: الحمدُ للهِ هذا عبدُ الله الحقَّ لا الباطلَ.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: مِن أنهم آلهتُهم تشفَعُ لهم، أو: ما كانوا يَدَّعون [أنها] (^٣) آلهة.
* * *
(٣١) - ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: منها جميعًا، فإنَّ الأرزاق إنما تحصُلُ من الأسبابِ (^٤) سماويةً وأرضيةً مع، أو من كلِّ واحدةٍ توسعةً عليكم.
وقيلَ: ﴿مِّنَ﴾ لبيان ﴿مَنْ﴾ على حذفِ المضافِ؛ أي: مِن أهل السماءِ والأرض.
﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾، أي: مَن يستطيعُ خلقَهما وتصويرَهما، أو حفظَهما
_________________
(١) في (ك): "جزاء له".
(٢) انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٤٤).
(٣) من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١١١).
(٤) في (ك): "أسباب".
[ ٥ / ٤٨ ]
وكَلاءتهما (^١) من الآفاتِ مع كثرتِهما وسرعةِ تأذِّيهما وبطلانِهما من أدنى شيءٍ.
ولما كان الوصولُ إلى الرزق بواسطَتِهما كان خلقُهما وحفظُهما من تمامِ الترزيقِ؛ ولهذا قالَ: ﴿أَمَّنْ﴾ ولم يقل: (ومَن)، كما قالَ:
﴿الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾؛ أي: ينشئُ الحيوان (^٢) من النطفةِ، والنطفةَ منه (^٣).
﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: ومَن يلي تدبيرَ أمر العالمِ؟ تعميمٌ بعد التخصيصِ تنبيهًا على أنَّ تفاصيل المننِ والنعمِ والأسبابِ؛ الإيجادِ والربوبيةِ أكثرُ من أن تُحصى؛ كأنهُ قالَ: وبالجملةِ مَن يدبِّرُ أمر العالم كلَّهُ.
﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾: إذ لا يقدرونَ نسبةَ (^٤) ذلكَ إلى غيرهِ مكابرةً؛ لفرطِ وضوحِه.
فالسينُ للتأكيدِ، والفاءُ جزائيةٌ للترتيبِ على شرط محذوفٍ تقديرُه: إن سألتَهم عن ذلكَ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ البتة.
﴿فَقُلْ﴾: تفريعٌ على الشرطية المذكورةِ.
﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ اللهَ في إشراككم بهِ ما لا يشارِكُه في شيءٍ من ذلكَ؟! الهمزةُ للاستفهامِ الإنكاريِّ، والفاءُ لترتيب الإنكار على الاعترافِ المذكورِ، فهي مُقدَّمةٌ معنًى وإن أُخِّرت لفظًا؛ حفظًا لصدارةِ الهمزةِ.
_________________
(١) في (ف): "وكلاءهما".
(٢) في النسخ: "الحياة"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١١١).
(٣) في (م): "عنه". وسقطت "والنطفة" من (ك) و(م). والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.
(٤) في (ك): "بنسبة".
[ ٥ / ٤٩ ]
(٣٢) - ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ مَن هذه أفعالهُ وقُدرته ﴿رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ الثابتُ ربوبيتُه، الواجب وجودُه؛ لأنَّه الذي أنشأكم وأحياكم، ورزقكم ودبَّرَ أموركم.
﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ استفهام إنكارٍ؛ أي: ليسَ بعد الحقِّ الذي هو التوحيدُ وتخصيصُ العبادة به تعالى إلا الضلالُ.
﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ من الحقِّ إلى الضلالِ، ومن التوحيدِ إلى الشركِ.
* * *
(٣٣) - ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الحقِّ؛ أي: كما حقَّتِ الربوبية للهِ تعالى، أو كما حقَّ وثبتَ أن الحقَّ بعده الضلالُ، أو أنهم مصروفون عن الحقِّ ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: حكمُه ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾: وتمردوا في الكفرِ، وخرجوا عن حدِّ الاستصلاح.
﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: مفعولُ ﴿كَلِمَتُ﴾ لأنها في معنى الحكمِ؛ أي: حكمهم (^١) بأنهم لا يؤمنون، أو بدلٌ منها؛ أي: حقَّ وثبت أنهم لا يؤمنون، أو تعليلٌ على أن الكلمةَ كلمةُ العذابِ وعِدَتُه، أي: لأنهم لا يؤمنون.
* * *
(٣٤) - ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: ألزمَهم بإبداء الخلقِ وإعادَتهِ وإن
_________________
(١) "أي حكمهم" سقط من (ف).
[ ٥ / ٥٠ ]
لم يكونوا معترِفين بها، تنبِيهًا على وضوحِ برهانها، ودلالةً على أن مَن أنكرها كان مكابرًا رادًّا للظاهرِ البيِّنِ الذي اعترفَ بصحته العقلاءُ، وكان عندَهم من المسلَّماتِ.
وقد أُومئ إلى لجاجِهم وعنادِهم وشدةِ مكابرتهم، بأمرِ النبيّ ﷺ بأن ينوب عنهُم في الجواب في قولِه:
﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾؛ أي: لا تدَعُهم لجاجتُهم أن ينطِقوا بكلمة الحقِّ فكلِّمْ عنهم.
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: تُصرَفون عن قصد السبيلِ.
* * *
(٣٥) - ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾: بنصبِ الحُججِ، وإرسال الرسلِ، والتمكينِ، والإقرار على النظرِ، والتوفيق للتفكُّرِ والتدبُّرِ، وإلهام الحقِّ والصوابِ.
و(هَدَى) كما يُعدَّى بـ (إلى) لتضمُّنه معنى الانتهاءِ، يُعدَّى باللام للدلالةِ على أن المنتهى غايةُ الهدايةِ، وأنها لم تتوجَّه نحوه على سبيل الاتِّفاقِ (^١)، ولذلك عُدِّيَ بها ما أُسنِدَ إلى اللهِ تعالى في قوله:
﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾، أي: اللهُ تعالى وحدَه هو الذي يهدِي للحقِّ دون غيرِه.
﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ أفمَن يهدي هذه الهدايةَ
_________________
(١) "على سبيل الاتفاق"؛ أي: من غير قصد وإرادة، بل تتوجه نحوه على سبيل القصد والإرادة. انظر: "حاشية القونوي على البيضاوي" (٩/ ٤٥٧).
[ ٥ / ٥١ ]
أحقُّ بالاتِّباع أم الذي لا يهتدي بنفسِه إلا أن يهدِيَه الله تعالى؟ وهذا حال أشرفِ شركائهم كالملائكةِ، والمسيحِ وعزيرٍ ﵉.
وقيل: مَن لا يَهتدي (^١) من الأوثانِ إلى مكانٍ (^٢) فينتَقِلَ إليهِ ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾: إلا أن ينقِلَ (^٣).
وقرئ: ﴿لَا يَهِدِّي﴾ بفتح الياءِ وكسرها وتشديد الدالِ (^٤)، والأصلُ: يَهتَدِي؛ فأُدغِمَ.
وقرئ: (إلا أن يُهَدَّى) (^٥) من هدَّاه للمبالغةِ، ومنهُ جاءَ: تَهَدَّى، بمطاوعَتِها (^٦) كقولهم: قطَّعتُه فتقَطَّعَ.
﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بالباطلِ؛ إذ تزعمون أنهم أندادُ اللهِ تعالى.
* * *
(٣٦) - ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
_________________
(١) في (م) و(ف): "يهدي".
(٢) "إلى مكان" من (م).
(٣) في النسخ: "ينتقل"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٣٤٦).
(٤) كذا ذكر حركة الياء والدال، ولم يذكر حركة الهاء، فوجب التفصيل، فقد قرأ ابن كثير وورش وابن عامر بِفَتْح الياء والهاء وتَشديد الدَّال، وقالون وأبو عَمْرو كذلك إلا أنهما يخفيان حركة الهاء، والنَّصُّ عن قالون بالإسكان، وقال اليزيدي عن أبي عَمْرو: كانَ يُشمُّ الهاء شيئا من الفتح، وأبو بكر بكسر الياء والهاء، وحَفْص بفتح الياء وكسر الهاء، وحمزة والكسائِيّ بفتح الياء وإسكان الهاء وَتَخْفِيف الدَّال. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٢).
(٥) انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٤٦).
(٦) في (ك): "بمطاوعته".
[ ٥ / ٥٢ ]
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ﴾: في معتقداتهم ﴿إِلَّا ظَنًّا﴾ غيرَ مستندٍ إلى برهانٍ، بل مستندٌ إلى خيالاتٍ وأقيسةٍ فاسدةٍ؛ كقياسِ الغائبِ على الشاهدِ، والخالقِ على المخلوقِ بأدنى مشاركةٍ موهومة، والمرادُ بالأكثر: مَن ينتمي منهُم إلى تمييزٍ ونظرٍ، ولا يرضَى بالتقليدِ الصرفِ.
﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ﴾: في معرفةِ الله تعالى من الحقِّ إلى العلم والاعتقادِ.
﴿شَيْئًا﴾ مفعولٌ به و﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ حالٌ منهُ، أو نصبٌ على المصدرِ؛ أي: لا يغني بدلَ الحقِّ شيئًا من الإغناء.
وقيلَ: وما يتَّبعُ أكثرهم في اتخاذِ الأصنامِ آلهةً وأنها شفعاء إلا ظنًا.
وفيه (^١) دليل على أن تحصيلَ العلم في الأصولِ واجبٌ، والتقليدَ والاستغناءَ (^٢) بالظنِّ غير جائزٍ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: وعيدٌ لهم على ما يفعلونَ من اتباع الظنِّ، وتقليد الآباء دونَ البرهان.
* * *
(٣٧) - ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: وما صحَّ أن يكونَ مثلُ هذا القرآن في الإعجازِ افتراءً من الخلقِ.
_________________
(١) في (م): "وقيل".
(٢) في (ف): "والاكتفاء".
[ ٥ / ٥٣ ]
﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ولكن كانَ تصديقَ ما تقدَّمه من الكتبِ المنزلةِ الصادقةِ، وتصديقُ الصادقِ صادقٌ، وهو لكونِه معجزًا دليل على صدقِها، وشاهدٌ لصحَّتها.
﴿تَصْدِيقَ﴾ خبرُ (كان) المقدَّرِ، أو علةٌ لفعل محذوفٍ تقديرُه: لكن أنزلَ اللهُ تصديقَ الذي، وقرِئ بالرفع (^١) على تقديرِ: ولكن هو تصديقُ الذي.
﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾: وتبيينَ ما كُتبَ وما فُرضَ من الأحكام والشرائعِ؛ من قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وقرئ: (وتفصيلُ) (^٢) بالرفع عطفًا على (تصديقُ) على قراءة الرفعِ.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: خبرٌ ثالثٌ داخلٌ في حكم الاستدراكِ؛ أي: منفيًّا عنهُ الريبُ كائنًا: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ويجوزُ أن يكونَ ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ متعلِّقا بـ ﴿تَصْدِيقَ﴾ و﴿وَتَفْصِيلَ﴾، ويكون ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراضًا؛ كقولكَ: زيدٌ لا شك فيهِ كريمٌ، أو بالفعلِ المعلَّلِ بهما، أو حالًا من الكتابِ، أو الضميرِ في ﴿فِيهِ﴾ (^٣) لأنهُ مفعولٌ في المعنى، وسياقُ الآيةِ بعد المنعِ عن اتباع الظنِّ لبيانِ ما يجبُ اتِّباعُه، والبرهانِ على كونِه من عند الله.
* * *
(٣٨) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
_________________
(١) نسبت لعيسى بن عمر، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٧).
(٢) عزاها أبو حيان إلى عيسى بن عمر، انظر: "البحر المحيط" (١٢/ ٩٤).
(٣) في (ك): "أو ضمير فيه".
[ ٥ / ٥٤ ]
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾: بل أيقولون: ﴿افْتَرَاهُ﴾ محمدٌ، ومعنى الهمزةِ إنكارٌ لقولهم، واستبعادٌ لدعوى الافتراءِ، مع كونه حجةً عليهم بالإعجاز.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾؛ أي: إن كان افتراءً كما زعمتُم فأتوا أنتم بسورةٍ مفتراةٍ مِثْلِه في البلاغةِ وحسن النظمِ، فأنتم مثلي في البلاغةِ والفصاحةِ، بل أشدُّ تمرنًا بها مني.
﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾: ومع ذلكَ فاستعينوا بمن أَمكنكُم أن تستعينوا (^١) به.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من خلقِه؛ أي: لا تدعوا اللهَ فإنه وحدَهُ قادرٌ على ذلك، وادعوا غيرَهُ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنه افتراهُ.
* * *
(٣٩) - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾: بل سارعوا إلى التكذيبِ بالقرآن ﴿بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾: بالقرآن في أولِ وهلةِ سماعه (^٢) قبل أن يفهموه، ويعلمُوا معانيَهِ، أو: بما جهِلُوه ولم يحيطوا به علمًا من ذكرِ البعثِ والجزاءِ، وما يخالفُ دينَهم؛ لفَرْطِ (^٣) أُنسِهم بما ألِفُوه وتعوَّدوه (^٤) من دينهم، ونفورِهم عما يخالِفُه.
﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾: ولم يقفوا بعدُ على تأويلِه، ولم يبلُغ أذهانَهم معانيهِ، أو: لم
_________________
(١) "بمن أمكنكم أن تستعينوا" من (ك).
(٢) في (ف): "إسماعه".
(٣) وقع في (ك) مكانها كلمة غير واضحة.
(٤) في (ف): "وتعودوا به".
[ ٥ / ٥٥ ]
يأتهم بعدُ تأويلُ ما فيه من الإخبارِ بالغيوبِ حتى يتبيَّنَ لهم أنهُ صدقٌ أم كذبٌ، يعني: إن القرآن معجزٌ من جهة (^١) اللفظِ والمعنى، ثم إنهم فاجَؤوا تكذيبَه قبل أن يتدبَّروا نظمَهُ، ويتفحَّصوا معناه.
ومعنى التوقُّعِ في المَّا) أنه قد ظهرَ لهم بالآخرةِ إعجازُه لما كرَّرَ عليهم التحدِّي، فرازوا (^٢) قواهم في معارضَتهِ فتضاءلتْ دونَها، أو لما شاهَدُوا وقوعَ ما أَخبر (^٣) به طِبقًا لإخبارِه مرارًا فلَم يُقلعوا (^٤) عن التكذيبِ تمرُّدًا وعِنادًا.
﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك التكذيبِ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أنبياءَهُم قبلَ النظرِ في معجزاتهم تقليدًا، وبعدَه عنادًا أو حسدًا.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾: وعيدٌ لهم بمثلِ ما عوقِبَ به مَن قبلَهم.
* * *
(٤٠) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾: يصدِّق به نفسه ولكِن يعانِدُ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾: مَن يشُكُّ فيهِ ولا يصدِّقُ، أو: منهُم مَن سيؤمِنُ، ومنهم مَن سيصِرُّ ولا يؤمنُ به.
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾: بالمعاندِين والمصرِّين.
* * *
_________________
(١) في (ف): "حيث".
(٢) " فرازوا"؛ أي: جربوا وامتحنوا. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٥/ ٣١).
(٣) في (م): "أخبروا".
(٤) في (ك) و(م): "يغفلوا"، وفي (ف): "يفعلوا"، والتصويب من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١١٣).
[ ٥ / ٥٦ ]
(٤١) - ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾؛ أي: أصرُّوا وواظبُوا على تكذِيبكَ بعد إلزامِ الحجة.
﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾: فتبرَّأ مِنهم وخلِّهِم فقَد أَعْذَرتَ، وقُل: لي جزاءُ عملِي، ولكُم جزاءُ عملِكُم؛ حقًّا كانَ أو باطلًا.
﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾: لا تؤاخَذُونَ بعملِي، ولا أواخَذ بعملِكم.
قيلَ: ولمَا فيهِ من إيهامِ الإعراضِ عنهُم، وتخليةِ سبيلِهم، قيلَ: إنه منسوخٌ بآيةِ السيفِ.
ولا وجهَ له؛ لأن النسخَ إنما يُصارُ إليهِ عندَ قيامِ التعارضِ قطعًا، والإيهام بمعزلٍ عنه.
* * *
(٤٢) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ إذا قرأتَ القرآنَ، وعلَّمتَ الشرائعَ، ولكِن لا يقبَلُون ولا يُصغونَ؛ كالأصمِّ الذي لا يسمَعُ أصلًا.
﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾: أبعدَ التبليغِ تقدِرُ على إسماعِ الصمِّ.
﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾: ولو انضَمَّ إلى صمَمِهم عدَمُ تعقُّلِهم.
* * *
(٤٣) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾.
[ ٥ / ٥٧ ]
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ ويعايِنُ دلائلَ صدقِكَ ونبوَّتِك، ولكن لا يصدِّقُ.
﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾: أ أنت بعدَ إظهارِ المعجزاتِ ودلائل النبوَّةِ تقدِرُ على هدايتِهم ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾: ولو انضمَّ على عماهُم عدَمُ بصيرَتِهم.
﴿أَفَأَنْتَ﴾ إنكارُ أن يكونَ هو الذي يقدِرُ على إسماعِ الأصمِّ الذي لا يعقِلُ، وهدايةِ الأعمى الذي لا بصيرةَ لهُ.
وفيهِ تنبيهٌ على أن حقيقَةَ الاستماعِ هو فهمُ المعنى، وحقيقةَ الإبصارِ هو الاستبصارُ والاعتبارُ، وهما إنما يكونانِ بالعقلِ والبصيرةِ، لا بالحاسَّتين، ولذلك لا يُوصَفُ بالأولِ البهائمُ، ويحدُسُ الأعمى المستبصِرُ، ويتفطَّنُ بما لا يدرِكُه البصيرُ الأحمَقُ، وأنَّه لا يقدِرُ على موهبةِ العقلِ والبصيرَةِ والتوفيقِ للفهمِ والاستبصارِ إلا اللهُ تعالى وحدَهُ، فإذا لم يهَبْ ولم يوفِّقْ فمحالٌ أن يقدرَ على ذلك.
وفي تشبيهِهم بالصمِّ والعمي: أن فائدةَ السمعِ والبصرِ الفهمُ والاستبصارُ، فإذا لم يحصُلا فكأنَّهما لم يكونا.
وفي ضمِّ سلبِ العقلِ والبصيرةِ إلى الصمم والعمَى أنهم على اليأسِ من أن يفهَمُوا أو يستبصِروا.
وأما سلبُ العقلِ في (^١) الأولِ، وسلبُ البصرِ في الثاني؛ فلأنَّ بالبصرِ بدونِ العقلِ يوصِلُ إلى اهتداءِ الطرُقِ والسلوكِ فيها، ألا ترى أن البهائمَ تبصِرُ الطرقَ وتسلُكُ فيها، وتتَّقي بها المهالِكَ ولا عقلَ لها؛ بخلاف السمعِ فإنهُ لا يُنتفَعُ بها بدونِ
_________________
(١) في (ف): "من".
[ ٥ / ٥٨ ]
العقلِ، فبظاهر (^١) البصرِ بدون العقلِ تُبصَرُ الأشياءُ، وبظاهر (^٢) السمعِ بدون العقلِ لا تُعرَفُ الأشياءُ، والآيةُ كالتعليلِ للأمر بالتبرُّؤ والإعراضِ عنهُم.
* * *
(٤٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾: بإخلال شيءٍ من الأسبابِ: كمالِهم، ووسائِل اهتدائهم، كنقصِ حواسِّهم، وسلبِ عقولهِم وبصائرِهم، وإهمالهم سُدًى بلا تنبيهٍ ببعثة الرسل وإنزال الكتبِ.
﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بترك استعمالِ مشاعِرهم، وعدمِ التفكّرِ والتفهُّمِ بعقولِهم، والنظرِ والاعتبار ببصائرِهم، والذهولِ عن الوحيِ والإنذارِ بالانهماك في شهَواتهم.
أو: لا يظلِمُهم بالتعذيبِ بكبرِهم وعنادِهم يوم القيامةِ فإنه عدلٌ، ولكنَّ الناس أنفُسَهم يظلِمون باقترافِ أسبابِه واستيجابِه.
فعلَى هذا الوجه هو وعيدٌ لهم، وعلى الأولِ تنبيهٌ على أن كونهم بمنزلَةِ الصمِّ والعُمي مِن عدمِ استعمالهم لآياتِ الاهتداءِ فيما خُلِقت له، لا لأن أسبابَ الهداية مفقودةٌ، وعلى الوجهَين تذييلٌ لسابقِه.
* * *
(٤٥) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "فنظائر".
(٢) في (ف): "ونظائر".
[ ٥ / ٥٩ ]
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً﴾: استقصارٌ منهم لمدةِ لُبثِهم في الدنيا، أو في البرزَخِ؛ لهول ما يرونَ، وفي بيانها بقولِه:
﴿مِنَ النَّهَارِ﴾: تأكيد للاستقصارِ؛ لأنَّ النهارَ لكونِه زمانَ الاشتغالِ بالأشغالِ لا يُدرَكُ طولُ ساعاتِه، بخلافِ الليلِ.
والجملةُ التشبيهيَّةُ في موقع الحالِ، أي: نحشُرُهم مشبَّهين بمن لم يلبَث إلا ساعةً، أو صفةٌ لـ (يوم)، والعائد محذوفٌ، أي: يومًا كأنْ لم يلبثُوا قبلَهُ، أو المصدَرِ محذوفٌ، أي: حشرًا كأن لم يلبثُوا قبلَهُ.
﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾: يعرِفُ بعضُهم بعضًا كأنْ لم يتعارَفُوا إلا قليلًا، وذلك أولَ ما حُشِروا، ثم ينقطِعُ التعارفُ بينهُم لشدةِ الأمرِ عليهم، فهو بيانٌ لقولِه: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ لأنَّ طول مدةِ اللَّبثِ يوجِبُ التناكُرَ، والتعارُفُ إنما يبقى مع قلَّتها.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: استئنافٌ للشهادةِ من اللهِ تعالى بخُسرانهم في تجارَتهم وبيعِهم الإيمانَ بالكفرِ.
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ أي: إلى طريقِ التجارةِ (^١)، وفيهِ معنى التعجُّبِ؛ كأنهُ قيلَ: ما أخسَرهُم، ووضعَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ موضعَ ضميرِهم إشعارًا بأنَّ سببَ الخسرانِ إنما هو تكذيبُهم لقاءَ الله تعالى، وعدمُ اهتدائهم لاستعمالِ ما أوتوا منَ المشاعر والعقولِ والبصائرِ في تحصيل المعارفِ، واكتسابهم بها عقائدَ فاسدةً، وجها لاتٍ تؤدّيهم إلى الحسابِ والهلاكِ والعذاب.
* * *
_________________
(١) "التجارة" سقط من (ك). وانظر: "روح المعاني" (١١/ ١٦٠)، وفيه: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ أي: لطرق التجارة عارفين بأحوالها، أو: ما كانوا مهتدين إلى طريق النجاة).
[ ٥ / ٦٠ ]
(٤٦) - ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾.
﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾: نبصِّرنك ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذابِ في حياتكَ، كما أراه يومَ بدرٍ ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن نُريكَ.
﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾: فنريكَهُ في الآخرَةِ، قيلَ: فهو جوابُ ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾، وجوابُ ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ محذوفٌ، مثل: فذاكَ.
ولا حاجةَ إلى تقديرِ الجوابِ المذكورِ؛ لأنَّ قولَه: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ صالحٌ أن يكونَ جوابًا للشرطِ وما عطِفَ عليهِ، وعلى هذا يكونُ المعنى: فعلَى كِلَا التقديريَنِ نُعذِّبُهم في الآخرةِ، والذي نُريكَهُ في الدنيا لا يكونُ سببًا لتخفيفِ عذابِهم (^١) في الآخرةِ، وهذا هو المناِسبُ للمقامِ، فلا وجه للعدولِ عنه بها، لارتكابِ المحذوف في الكلامِ.
﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾، أي: بعدَ رجوعِهم إلينا اللهُ معاقِبُهم على أفعالهم.
أو الله مؤدٍّ شهادتَهُ على أفعالهم حينَ تنطِقُ جلودُهم وألسنَتُهم وأيديهِم وأرجلُهم شاهدةً عليهم، والمرادُ من الشهادةِ: مقتضاها ونتيجَتُها؛ أي: العقابُ؛ لأن شهادةَ الذي أحاطَ علمُه بجميعِ أفعالهم السيئةِ الخفيَّةِ والظاهرةِ توجِبُ العقابَ الشديدَ لأنهُ مُحصٍ كلَّ ما نسُوهُ.
والالتفاتُ من التكلُّم إلى الغيبةِ، وإظهارُ اسم الله تعالى، وإيقاعُ ﴿ثُمَّ﴾، وإيرادُ الجملة الاسميةِ: للتنبيهِ على أن المعاقب (^٢) هو اللهُ تعالى الذي لا يخفَى عليهِ ما فيهِ، وتربيةِ المهابةِ، والتهديدِ والتهويلِ بأن مضمونَ الوعيد في غايةِ
_________________
(١) في (ف) و(ك): "للتخفيف".
(٢) في (ف) و(ك): "على أنه".
[ ٥ / ٦١ ]
البعد من تصوُّرِهم عند الرجوعِ ودوامِ العقابِ، وفيهِ أنواعٌ من المبالغاتِ في تشديد الوعيدِ وتأكيدِه.
وقرئ: (ثَمّ) بالفتحِ (^١)؛ أي: هناك.
* * *
(٤٧) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: من الأممِ الماضيةِ ﴿رَسُولٌ﴾: بعِثَ إليهم ليدعُوَهم إلى الحقِّ.
﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ بالبيِّناتِ فكذَّبوه ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ، فأُنجي الرسولُ ومَن اَمنَ بهِ، وأُهلك المكذِّبون (^٢)، وذلكَ لإلزام الحجةِ؛ كقولهِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: بالعقابِ في الآخرةِ بعد العذابِ في الدنيا لأنهُ جزاءُ سيئاتهم، والتعذيبُ في الدنيا لا يكُون مكفِّرًا في حقِّ الكافرِ، وعلى هذا هو تأسيسٌ لا تأكيدٌ لِمَا قبلَهُ؛ فالعاطفُ أصابَ المحزَّ.
بخلافِ ما قيلَ: معناه: لكلِّ أمةٍ يوم القيامةِ رسولٌ تنسَبُ إليهِ، فإذا جاءَ رسولهم الموقفَ ليشهَدَ عليهم بالكفرِ والإيمانِ قُضي بينهُم بإنجاء المؤمنِ وعقابِ الكافرِ؛ كقوله (^٣): ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٦٩]- فإنهُ حينئذٍ يتعينُ التأكيدُ، فالعاطفُ يكون واقعًا بينَ الشجرِ ولحائه.
* * *
_________________
(١) نسبت لابن أبي عبلة، انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٥٠)، و"البحر المحيط" (١٢/ ١٠٩).
(٢) في (ف) و(م): "المكذبين".
(٣) في (ك): "لقوله".
[ ٥ / ٦٢ ]
(٤٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: استعجالٌ من المكذِّبين لِمَا وُعِدوا من العذابِ استبعادًا وإنكارًا واستهزاء.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: خطابٌ للرسولِ ﵇ والمؤمنينَ به.
* * *
(٤٩) - ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾: فكيف أملِكُ لكم فأعجِّلَ لكم العذابَ؛ وتقديمُ الضرِّ لأن ما فيه الكلامُ من جنسِهِ.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: استثناءٌ متصلٌ؛ أي: إلا ما شاءَ اللهُ أن أملكَهُ، أو منقطعٌ؛ أي: ولكنْ ما شاءَ الله من ذلكَ كائنٌ.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾: مضروبٌ لهلاكِهم عند اللهِ تعالى، وحدٌّ محدودٌ من الزمانِ.
﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: إذا جاء وقتُهُ، وقد سبقَ ما يتعلَّقُ به في تفسيرِ سورة الأعرافِ.
* * *
(٥٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ الذي تستعجلون به ﴿بَيَاتًا﴾: نصبٌ على الظرفِ؛ أي: وقتَ بياتِكم وغفلَتِكم بالنومِ ﴿أَوْ نَهَارًا﴾؛ أي: وقتَ اشتغالكُم بطلب المعاشِ والكسبِ، أو اللهوِ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ؛ أي: ندمتُم على الاستعجالِ، أو عرفتُم الخطأ فيهِ، وقولُه:
[ ٥ / ٦٣ ]
﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ متعلق بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني ماذا يستعجِلُون منهُ؟ والشرطيةُ اعتراضٌ، والأَولى أن يكونَ ﴿مَاذَا﴾ جوابَ الشرطِ كقولِكَ: إن أتيتُكَ ماذا تطعِمُني؟ والشرطيةُ متعلقة بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، وفحواها: أن العذابَ كلَّهُ مكروهٌ مُوجِبٌ للنفارِ، يجبُ أن يُستعاذَ منه لا أن يُستعجلَ، فأيَّ شيءٍ تستعجلونَ منهُ؟ على أن الضميرَ في ﴿مِنْهُ﴾ للعذابِ، وقيلَ: للهِ تعالى.
ويجوزُ أن يكونَ معنى الاستفهامِ في ﴿مَاذَا﴾ هو التعجُّبُ من العذابِ مع الإنكارِ، أي: أيُّ شيءٍ هائلٍ شديدٍ يستعجلُون منهُ؟ و(مِن) في هذا الوجهِ يجوزُ أن يكونَ للبيانِ، وضِعَ المجرمون موضِعَ ضميرِ المخاطبِينَ على طريقة الالتفاتِ تقويةً لِمَا في الاستفهامِ من معنى الإنكارِ والتعجُّبِ، ودلالةً على موجبِ ترك الاستعجالِ الذي هو الإجرامِ، فإن المجرِمَ مَن حقُّهُ أن يخاف التعذيبَ، ويستعيذَ منهُ - وإن أبطأ - فضلًا عن أن يستعجِلَهُ.
* * *
(٥١) - ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
ويجوزُ أن يكون: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ جوابَ الشرطِ، ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ﴾ اعتراضًا، أي: أخبروني إن أتاكُم عذابُه آمنتُم به بعد وقوعِه حين لا ينفَعُكم الإيمانُ.
ودخولُ الهمزةِ على (ثم) لإنكارِ تأخير الإيمانِ إلى وقتٍ لا ينفعُ، وهو وقت العذابِ، وإدخالُها على المعطوفِ لأنَّه مَصبُّ (^١) الإنكار والاستبعادِ.
وإنما جيءَ بحرف التراخي بدلَ الواو دلالةً على الاستبعادِ، ثم زِيدَ أداةُ الشرطِ دلالةً على استقلالِه بالاستبعادِ، وعلى أن الأولَ كالتمهيدِ لهُ، وجيءَ بـ ﴿إِذَا﴾ مركَّبًا
_________________
(١) في (ف): "نصب".
[ ٥ / ٦٤ ]
بـ ﴿مَا﴾ ترشِيحًا لمعنى الوقوعِ والتحقيقِ وزيادةِ التجهيل، وأنهم لم يؤمنوا إلا بعدَ أن لم ينفَعهُم البتة.
﴿آلْآنَ﴾ على إراد القولِ؛ أي: قيلَ لهم إذا آمنوا بعدَ وقوع العذابِ: الآن آمنتُم به؟
﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ تكذيبًا وإنكارًا.
* * *
(٥٢) - ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.
﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطفٌ على (قيل) المقدَّرِ قبلَ الآن: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ المؤلمِ على الدوامِ.
﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ من الكفرِ والمعاصي.
* * *
(٥٣) - ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾: ويستخبِرُونك ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ الضمير للعذابِ الموعودِ، ﴿أَحَقٌّ﴾ خبر والضميرُ مبتدأٌ، أو المبتدأ والضميرُ مرتفِعٌ بهِ سادٌّ مسدَّ الخبرِ؛ كقولهم: أقائمٌ زيدٌ، والجملةُ في محلِّ النصبِ بـ (يستنبئونك) (^١)، والهمزةُ للاستفهامِ على سبيل الإنكارِ والاستهزاءِ.
وقرئ: (آلحَقُّ هو) (^٢) على أن اللامَ للجنسِ؛ كأنه قيلَ: أهو الحقُّ لا الباطلُ،
_________________
(١) في (ك): "ليستنبئونك".
(٢) انظر: "المحتسب" (١/ ٣١٢)، و"الكشاف" (٢/ ٣٥٢).
[ ٥ / ٦٥ ]
أو: أهو (^١) الذي سميتُموه الحقَّ، وهو أقوى في الاستهزاءِ لتضمُّنه معنى التعريضِ بأنه باطلٌ.
﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾: إنَّ (^٢) العذابُ لكائنٌ، و(إي) من حروفِ الإيجابِ بمعنى: نعم، وتختصُّ بالقسم كما أن (هل) بمعنى (قد) تختصُّ بالاستفهامِ، فيقولون: إي والله، ولا ينطِقُون به وحدَهُ.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: فائتين العذابَ؛ أي: هو لاحقٌ بكم لا محالةَ.
* * *
(٥٤) - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ بفعلِ ما يُستحَقُّ به العذابُ.
﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: ما في الدنيا اليومَ مِن خزائنها وأموالِها وجميعِ منافعِها.
﴿لَافْتَدَتْ بِهِ﴾: بجعلتهُ فديةً لها من العذابِ؛ من قولهم: افتداهُ، بمعنى: فداهُ، ولفظةُ (كل) لتعميمِ الحكمِ لكلِّ واحدة من النفوسِ الظالمة.
﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: حينَ رؤيتهم العذابَ؛ لأنهم بُهِتُوا بما عايَنوه مما لم يخطر ببالهم، ولم يحتسِبوه (^٣)، وسلَبَت شدَّتُه وفظاعتُه قِواهُم،
_________________
(١) "أو أهو" وقع في النسخ: "وهو"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٥٢)، و"تفسير أبي السعود" (٤/ ١٥٤)، و"روح المعاني" (١١/ ١٧٥).
(٢) في (ف): "أي".
(٣) في (ف): "يحسبوا" وفي (ك): "يحسوا"، وفي (م): "ولم يحسنوا يحتسبوه". والمثبت موافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ١١٦)، وجاءت العبارة فيه: (لأنهم بهتوا بما عاينوا مما لم يحتسبوه).
[ ٥ / ٦٦ ]
فلم يطيقُوا إظهارَ الجزعِ والبكاءِ للدهَشِ والحيرةِ (^١)، لا للتجلُّدِ إذ ليسَ هناكَ، فامتلأتْ قلوبهم ندَمًا.
وقيلَ: أسرَّ رؤساهم الندامةَ من أَتْباعهم الذينَ أضلُّوهم حياءً منهم، وخوفًا من توبيخِهم.
وقيلَ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾: أخلَصُوها وجعَلُوها سرَّهم، أي: ملؤوا (^٢) بطونهم بحيثُ لم يكن فيها شيءٌ آخرُ، من قولهم: سِرُّ الشيءِ، لخاصَّتهِ (^٣)؛ لأنها تُخفَى ويُضَنُّ بها، وعلى هذا يكونُ فيه تهكُّمٌ بهم.
وقيلَ: أظهروها، من قولهم: أسرَّ الشيءَ: إذا أظهرَهُ، وهو من الأضدادِ.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بين الظالمينَ والمظلومين؛ لدلالةِ ذكر الظلم.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: ليس تكريرًا؛ لأن الأوَّلَ قضاءُ حكومة، والثاني مجازاتُهم على الشركِ وسائر المعاصي.
* * *
(٥٥) - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: تقرير لقدرته تعالى على الإثابةِ والعقابِ.
﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: ما وعدَهُ من الثوابِ والعقابِ كائنٌ (^٤) لا خُلفَ فيه.
_________________
(١) في (ف): "والحسرة".
(٢) في (ك): (ملء).
(٣) في "تفسير البيضاوي" (٣/ ١١٦): (لخالصته)، قال الشهاب: قوله: لخالصته، الخالصة: ما خلص من كل شيء. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ٣٩).
(٤) في (ف): "وكائن".
[ ٥ / ٦٧ ]
أتى بكلِمَتي التنبيهِ والتحقيقِ، وجمعَ بينهُما في جملتَي الاختصاِص بالملكِ وإنجازِ الوعدِ؛ تقريرًا لِمَا وُعِدُوه، وتنبيهًا على أن ما ذكرَه (^١) حقّ واجبُ الوقوع لا محالة.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ لانهماكِهم في الغفلةِ.
* * *
(٥٦) - ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ في الدنيا، فهو يقدِرُ عليهما في العُقبى أيضًا؛ لأن القادرَ لذاتِه لا تزولُ قدرَتُه، والمادةُ القابلَةُ بالذات للحياةِ والموتِ قابلةٌ لهما أيضًا.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالبعثِ بعد الموتِ، تحذيرٌ وترهيبٌ، وإطماعٌ وترغيبٌ (^٢)؛ ليُخافَ ويُرجى.
* * *
(٥٧) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: كتابٌ جامع لهذه الفوائدِ من الحِكَمِ (^٣) العمليَّةِ المبيِّنةِ لمحاسنِ الأعمالِ وقبائحها، والتحريضِ على الأُولى، والتحذير عن الثانيةِ، والحكمةِ النظريةِ من المعارفِ والحقائقِ التي هي شفاءٌ لما في الصدورِ من الأمراضِ
_________________
(١) في (ك): "ذكر".
(٢) "وإطماع وترغيب" سقط من (ك).
(٣) في (ف): "الحكمة".
[ ٥ / ٦٨ ]
القلبيةِ كالجهلِ والشكِّ والنفاقِ والشركِ، والهدايةِ إلى الحقِّ والتوحيدِ، والرحمةِ لمن آمنَ بهِ من إنزالهِ عليهِم ما يُنجِيهم من ظلمات الضلال والكُفرِ إلى نور الهدى والإيمانِ، ومن دَرَكاتِ النيران إلى درجات الجنانِ، وتنكيرُ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ ووما عُطِفَ عليها للتعظيمِ.
* * *
(٥٨) - ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾: متعلقٌ بفعلٍ محذوفٍ يفسرُه ما بعدَه، تقديرُه: بفضلِ اللهِ وبرحمتِه - يعني: بإنزالِ القرآن والهدايةِ إلى الإيمان - فليفرَحوا ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، يعني: نوعَهُ وما يناسبُه؛ نحو: بفضلِ اللهِ وبرحمَتِه فلْيَعْتنوا، فحذفَ الأولَ لدلالةِ الثاني عليه.
و(ذلكَ) إشارةٌ إلى الفضلِ والرحمةِ بتأويل ما ذُكرَ، وتقديمُه للتأكيدِ والبيانِ بعد الإبهامِ، وإيجابِ اختصاصِ الفضلِ والرحمةِ بالفرحِ دونَ ما عداهما من فوائد الدنيا، وكذا تكريرُ الفاءِ للتأكيدِ؛ وهو جوابُ شرطٍ مقدَّر (^١)، تقديره: إن كانوا يفرحُون بشيءٍ فليخصُّوهما بالفرح، فإنه لا مفروحَ به أحقُّ منهما.
ويجوزُ أن تكونَ الفاء للربطِ بما قبلها، والدلالةِ على أنَّ مجيء الكتابِ الجامعِ بين هذه الصفاتِ موجبٌ للفرحِ.
ويجوز أن يتعلَّقَ ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ بقوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ﴾؛ أي: قد جاءتكُم موعظةٌ بفضل الله وبرحمتِه، و(ذلك) إشارةٌ إلى مصدرِ: جاءَ، فبمجيئها فليفرحُوا.
_________________
(١) "مقدر" من (م).
[ ٥ / ٦٩ ]
وقرئ بالتاء: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ (^١) على الأصل المرفوض، وهو القياسُ، وروِيَ عن رسول اللهِ مرفوعًا (^٢)، وإنما (^٣) آثرهُ ﵇ لأنَّه أدلُّ على الأمرِ بالفرحِ، وأشد تصريحًا به.
﴿هُوَ﴾ راجعٌ إلى (ذلكَ) ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: من حطامِ الدنيا السريعِ الزوال، وقرئ: ﴿وتجمعون﴾ بالتاء (^٤) على الخطابِ.
ومَن لم يذُق حُسنَ هذا الاستئناف في مقام التعليلِ، ولم يَدْرِ أنه أقوى الوصلَين، قالَ: على معنى: فبذلك فليفرحِ المؤمنون فهو خيرٌ مما يجمعون. فأوهمَ أن حقَ المقام الوصلُ بالفاءِ التعليليةِ، ولا يخفَى ما فيه من سوءِ الأدب.
* * *
(٥٩) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ٥٩)﴾.
_________________
(١) رواية رويس عن يعقوب، انظر: "النشر" (٢/ ٢٨٥).
(٢) الصواب موقوف كما سيأتي، فقد رواه سعيد بن منصور في "سننه" (١٠٦٢ - تفسير) عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال لي رسولُ اللهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أنْ أَقرأَ عليكَ القرآنَ"، قال: قُلْتُ: سَمَّاني لك ربِّي؟ قال: "نَعَمْ "، فتَلَا: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. والصواب أن المرفوع من هذا الحديث ينتهي عند قوله: "نعم"، أما الآية فقد جاء في كثير من الروايات أن الذي قرأها هو أبي ﵁، وأنَّه قرأ فيها: ﴿فلتفرحوا﴾ بالتاء، انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (٣٠٩٣٧) تحقيق محمد عوامة، و"مسند أحمد" (٢١٢٣٧)، و"خلق أفعال العباد" (٥٣٤)، و"سنن أبي داود" (٣٩٧٩)، و"شرح معاني الآثار" (٥٥٨٧). ويشهد لذلك أن الحديث رواه البخاري (٣٨٠٩)، ومسلم (٧٩٩)، عن أنس ﵁، وينتهي عند قوله: "نعم".
(٣) "إنما" سقط من (ك).
(٤) قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٢).
[ ٥ / ٧٠ ]
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾: جعلَ الرزق مُنزَلًا؛ لأنَّه مقدَّرٌ في السماء مسبَّبٌ بأسباب منها: من (^١) المطرِ والشمسِ والقمرِ، في الإنباتِ والإنضاجِ والتلوينِ.
و﴿مَا﴾ في محلِّ النصب بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، أو بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾؛ لأنهُ بمعنى: أخبِروني.
و﴿لَكُمْ﴾ دلَّ على أن المرادَ بالرزقِ ما حلَّ (^٢)، ولذلك وبخَهم على التبعيضِ بقولِه:
﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾: من البَحيرةِ والسائبةِ والوَصِيلَةِ والحامِي، وما جعَلُوا للهِ من الحرثِ والأنعامِ.
وإنما قدَّم ﴿حَرَامًا﴾ لأنَّه مصبُّ الإنكارِ، وفي (^٣) إسنادِ التحريمِ والتحليل إليهم إشارةٌ إلى أنهُم هم المبعِّضونَ توبيخًا وتمهِيدًا لإثباتِ القِسم الثاني من المنفصِلةِ في قوله:
﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾؛ أي: أخبِروني اَللهُ أذِنَ لكم في لتحريم والتحليلِ، فتفعلونَ ذلك بإذنِهِ، أم تكذِبون على اللهِ في نسبتِهِ إليه؟
على أنَّ ﴿أَمْ﴾ متصلةٌ، وتكريرُ ﴿قُلْ﴾ بينَ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وما يتعلَّقُ به للتأكيدِ، والاستفهامُ للتبكيتِ، والإشارةِ إلى أن نسبةَ ذلكَ إلى الله تعالى تقليدٌ، وقولٌ بلا حجةٍ، فلزمَ الافتراق (^٤).
_________________
(١) "من "ليست في (ف).
(٢) في (ك): "قل" والمثبت موافق لما في "البيضاوي".
(٣) في (ف): "في".
(٤) في (ف): "الافتراء".
[ ٥ / ٧١ ]
وكان الأصلُ: اَللهُ أذنَ أم غيرُهُ؟ فعدَلَ إلى المنزَلِ دلالةً على أن الثابتَ هو الشقُّ الثاني، وهم (^١) نسبوه إلى اللهِ تعالى، فهم مفترونَ عليه لا على غيرِه، وفيه زجز وتهديدٌ عظيم.
وإنْ جُعلَت ﴿أَمْ﴾ منقطعةً بمعنى (بل) و(الهمزة) فالاستفهامُ للإنكارِ، ومعنى (بل) إضراب عن أن يكونَ ذلك (^٢) بإذنِ الله تعالى، ومعنى الهمزة تقريرُ الافتراءِ، وتوبيخٌ عليهِ، وتقديمُه على اللهِ تقبيحٌ لتخصيصِهِ تعالى بالافتراء عليه؛ فإنه نهايةٌ في قبح الكذبِ، وفي العدولِ عن الضميرِ إلى الاسم المُظهَرِ تفخيمًا زيادةُ إظهارٍ لقبح الافتراء.
(٦٠) - ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: في إبهامِ متعلَّقِ الظنِّ بحذفِهِ والسؤالِ عنهُ وعيد (^٣) بليغٌ، وتهديدٌ عظيمٌ؛ أي: أيُّ شيءٍ ظنُّهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وهو يوم الجزاءِ، يحسبونَ أنهم لا يجازَون على الافتراءِ.
وقرئ: (ظَنَّ) على لفظ الفعل، على جعل المحقَقِ الوقوع واقعًا، ونصبِ (م) على المصدر (^٤)؛ أي: أيَّ (^٥) ظنٍّ ظنوا فيه.
_________________
(١) في (ف): "وهو".
(٢) "ذلك": ليست في (ك) و(م).
(٣) "وعيد"من (م).
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٧)، و"الكشاف" (٢/ ٣٥٤).
(٥) في (م): "أي شيء"، والمثبت باقي النسخ و"الكشاف".
[ ٥ / ٧٢ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾: على كلِّهم بما أنعَمَ عليهم من العقلِ والحواسِّ، وساقَ إليهم الرزقَ، وهداهُم إلى الحقِّ بإرسالِ الرسلِ، وإنزال الكتبِ، وأخَّرَ عنهم العذابَ من غير سابقةِ صُنعٍ منهُم يستوجِبون به ذلك.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمَ العظيمة بجهلهِم (^١) بمواقعها.
(٦١) - ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ الشأنُ: الأمرُ، وأصلُه: القصدُ، وعينُه الهمزة، مِن شأنتُ شأنهُ: إذا قصدتَ فخفّفت، والضميرُ في قولِه:
﴿وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ﴾: راجعٌ إلى الشأنِ؛ لأن تلاوةَ القرآنِ شأنٌ معظَّمٌ من شؤونِ النبيِّ ﷺ، أو لأن القراءة تكونُ بشأنٍ، فيكونُ التقديرُ: من أجلِه، ومفعولُ ﴿تَتْلُواْ﴾: ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾ على أن ﴿مِن﴾ تبعيضيةٌ، أو مزيدةٌ لتأكيدِ النفيِ.
أو للقرآنِ (^٢)، وإضمارُه قبلَ الذكرِ ثم بيانُه تفخيمٌ له، أو للهِ.
﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾: ﴿مِن﴾ لتأكيدِ النفيِ؛ أي: أيِّ عملٍ كانَ، و(لا تعملون) تعميمٌ للخطابِ بعد تخصيصِهِ بمَن هو رأسُهم ومقدَّمهم، وحيثُ خصَّ ذَكَرَ ما
_________________
(١) في (م): "لجهلهم".
(٢) "للقرآن"، متعلق بـ "راجع "؛ أي: الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ راجع إلى الشأن أو للقرآن …، وسيأتي عطف قوله: "لله" عليه أيضا.
[ ٥ / ٧٣ ]
فيه فخامةٌ، وحيثُ عمَّ ذكر (^١) ما يتناولُ الخطيرَ والحقيرَ للمناسبةِ.
﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾: رقباءَ مطَّلعين (^٢) عليهِ، استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوالِ على تقديرِ: قد كنا، أو أعمِّ الأوقاتِ؛ أي: وقتَ كُنَّا.
﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: وقتَ اندفاعِكُم فيهِ، ظرفٌ لـ ﴿شُهُودًا﴾، وعلى الثاني جازَ كونُه بدلًا من الوقت المقدَّرِ.
﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾: قرِئ: ﴿يَعْزُبُ﴾ بكسر الزاي وضمِّها (^٣)، والعزوبُ معناه: البعدُ والغيبةُ، يقالُ: عزبَ، إذا انفردَ عن أهلِهِ.
﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾: مُوازِنِ نملةٍ (^٤) صغيرةٍ، أو هباءٍ.
﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: عبَّرَ بقُطرَي العالمِ عن كلِّهِ، والمرادُ: إحاطةُ علمِه بجميعِ ما في الوجودِ، فعبَرَ عنه بما ذُكرَ على معتقد العامةِ، فإن التنزيلَ واردٌ على لسانهم، وهم ينكِرُونَ وجودَ ممكنٍ ليس بخيرٍ.
وقدَّمَ الأرضَ على السماء هاهُنا بخلافِ ما في سورة سبأ؛ لأنَّ الكلامَ هنا (^٥) في شأنِ أهل الأرضِ، وشهادَتهُ عليها رعايةٌ للملاءمةِ، وإلا فالواو في الجمعِ بينَهُما كالتثنيةِ.
﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: جملةٌ برأسِها، و(لا) لنفي الجنسِ،
_________________
(١) في النسخ: "ذلك"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١١٧).
(٢) في (ف) و(ك): "مطلعة".
(٣) قرأ بالكسر الكسائي وباقي السبعة بالضم. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٢).
(٤) في (ك): (غلة).
(٥) "هنا" سقط من (ك).
[ ٥ / ٧٤ ]
و﴿أَصْغَر﴾ مبني على الفتحِ اسمُها، و﴿فِي كِتَابٍ﴾ خبرُها، و﴿وَلَا أَكْبَر﴾ عطفٌ عليهِ بالنصبِ، و﴿وَلَا﴾ مزيدةٌ للتأكيدِ، أو مفتوحٌ مثلُهُ.
وقرئا مرفوعين (^١) على أن الأولَ مبتدأٌ خبرُهُ ﴿فِي كِتَابٍ﴾، والثاني عطفٌ عليهِ (^٢). ومَن جعَلَ رفعَهما عطفًا على محلِّ ﴿مِنْ مِثْقَالِ﴾ وفتحَهما على لفظِ ﴿مِثْقَالِ﴾ لكونهما غيرَ منصرِفَين مفتوحَين في موضعِ الجرِّ، جعَلَ ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ استثناءً منقطعًا بمعنى: لكنْ في كتابٍ مبين.
والمرادُ من الكتابِ: اللوحُ المحفوظُ، فيصيرُ مؤكَدًا لقولِه: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ كأنهُ قيلَ: كيفَ يعزُبُ وهو في كتابٍ مبينٍ؟
على أنَّ الاتصال لهُ أيضًا وجهٌ، لا سيَّما إذا فسِّرَ الكتابُ المبينُ بعلمِ الله تعالى كما مرَّ في سورة الأنعامِ، ويكونُ المعنى: لا يغيبُ عنه إلا في عِلمِه، ومعلومٌ أنَّ غيبةَ الشيءِ في العلمِ عينُ كشفِهِ فهو من باب ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، وإن فسِّرَ باللوحِ فلا بأسَ به أيضًا؛ لأنهُ محلُّ صورِ معلوماته تعالى.
وكانَ مقتضى البلاغةِ بحسب جليلِ النظرِ تقديمُ الأكبر على الأصغرِ ليكون الكلامُ على طريقة الترقِّي، وإنما عكَسَ الترتيب سوقًا له على مُقتضَى ما بحسبِ دقيق النظرِ؛ ليكونَ في كلِّ واحدٍ من جزئي الكلامِ نوعٌ من الاهتمامِ، وذلك أنه حينئذٍ يكون في الجزءِ الأول منهُ اهتمامُ التقديمِ، وفي الثاني اهتمامُ التصريحِ بعد العلم بالالتزام.
_________________
(١) قرأ بها حمزة. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٣).
(٢) "بالنصب ولا مزيدة للتأكيد أو مفتوح مثله وقرئ مرفوعين على أن الأول مبتدأ خبره في كتاب والثاني عطف عليه" من (ك).
[ ٥ / ٧٥ ]
(٦٢) - ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾: الذين يتولَّونهُ بالطاعة ويتو لَّاهم بالكرامةِ.
﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: في الحالِ من لحوق محذورٍ.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: من وقوعِ مكروهٍ من فوات نافعٍ وحصول ضارٍّ.
(٦٣) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: نصبٌ أو رفعٌ على المدحِ، أو على وصف الأولياءِ فيكونُ بيانًا لتولِّيهم ربهم، أو رفعٌ على الابتداء والخبرُ:
(٦٤) - ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾: بيانٌ لتوليه تعالى إيَّاهُم، والبشرى في الدنيا ما بشَّرَ اللهُ تعالى به المؤمنين المتقين في غير موضعٍ من كتابِه، وعلى لسان نبيِّهِ ﵇، وما يُريهم في الرؤيا الصادقةِ، وما يسنَحُ لهم بالمكاشفةِ وبشرى الملائكةِ عند النزعِ، وأما البُشرى في الآخرةِ فتلقِّي الملائكةِ إياهم مسلِّمين مبشِّرين بالفوز والكرامة.
﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾: لا تغييرَ لأقوالِه وأحكامِه، ولا إخلافَ لمواعيدِه.
﴿ذَلِكَ﴾: إشارة إلى تخصيص البشارةِ بهم في الدارين.
﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: لأنَّه نيلُ جميعِ ما يُرجَى، والأمنُ من كل ما يُخشَى.
هذه الجملة والتي قبلَها اعتراضٌ لتحقيقِ المبشَّرِ به وتعظيمِ شأنه، وليسَ من شرطه أن يقَعَ بعدَهُ كلامٌ متَّصلٌ بما قبلَهُ.
[ ٥ / ٧٦ ]
(٦٥) - ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾: تكذيبُهم وتهديدُهم وتشاورُهم في تدبيرِ هلاكك، وقرئ: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ (^١) من أَحْزَنَه.
﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: استئنافٌ للتعليلِ؛ كأنه قيلَ: ما لي لا أحزَنُ؟ فقيل: إنَّ العزةَ للهِ .. إلخ؛ أي: الغلبةَ والقدرةَ كلَّها لله تعالى، ولا (^٢) يملِكُ أحدٌ غيرُه شيئًا منها، فهو يغلِبُهم وينصُرك عليهِم.
وقرئ: (أن العزةَ) بالفتح (^٣)؛ أي: لأن العزة، تصريحًا بالتعليلِ، وفيه إخبارٌ عن أهل العزةِ تسليةً لأهل العزة.
﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بعزماتهم فيكافئُهم عليها.
(٦٦) - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: تمهيدٌ لِمَا بعدَه من امتناعِ أن يكونَ الجمادُ له نذًا؛ لأنَّه تخصيصٌ للعقلاءِ بملكيته بتقديمِ ﴿لِلَّهِ﴾، وإيرادِ ﴿مَن﴾ دون (ما) مع التأكيدِ بتصديرِ الجملةِ بحرفي التنبيهِ والتحقيقِ، فالعقلاءُ من الملائكة والثقلَين إذا كانوا تحتَ يدِه عبيدًا مملوكينَ مع كونهم
_________________
(١) قراءة نافع. انظر: "التيسير" (ص: ٩١).
(٢) في (ك): "لا".
(٣) قرأ بها أبو حيوة، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٧).
[ ٥ / ٧٧ ]
أشرفَ المخلوقات، ولا يصحُّ كونُهم شركاءَ، فكيف يصحُّ أن يكونَ الجمادُ له ندًا؟ فهو كالدليلِ على بطلان اعتقادِ المشركين.
﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾: ﴿وَمَا﴾ نافيةٌ، و﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعولُ ﴿يَتَّبِعُ﴾، ومفعولُ ﴿يَدْعُونَ﴾ محذوفٌ؛ أي: ما يتَّبعُ الذين يدعونَ من دون اللهِ شركاءَ شركاءَ حقيقةً (^١) وإن سمَّوها شركاء (^٢)، فحذِفَ أحدُهما لدلالةِ الباقي (^٣) عليهِ.
ويجوزُ أن يكونَ ﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعولَ يدعون ومفعولُ ﴿يَتَّبِعُ﴾ محذوفًا دلَّ عليهِ:
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتَّبعون ﴿إِلَّا الظَّنَّ﴾ يقينًا، وإنما يتَّبعونَ ظنَّهُم أنهم شركاءُ.
وإن جُعلَت (ما) استفهاميةً فهي مفعولُ ﴿يَتَّبِعُ﴾، و﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعولُ ﴿يَدْعُونَ﴾، وإن جُعِلت موصولةً فمنصوبةُ المحلِّ عطفًا على ﴿وَمَن﴾.
وقرئ: (تَدعُون) بالتاء (^٤)، والمعنى: وأيُّ شيءٍ يتَّبعُ الذين تدعونهم شركاءَ من الملائكةِ والنبيينَ؟ أي: إنهم لا يتَّبِعون إلا اللهَ، ولا يعبُدون غيرَه، فما لكُم لا تتَّبِعونهم فيهِ؟ كقولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] فيكونُ إلزامًا بعدَ برهانٍ، وما بعدَهُ مصروف (^٥) عن خطابهم لبيانِ سندِهم ومنشأ رأيهم.
_________________
(١) في (م): "مشركًا حقيقة".
(٢) "وإن سموها شركاء" من (ف).
(٣) في (م): "الثاني".
(٤) قراءة السلمي، ورويت عن علي ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٧).
(٥) في (ت) و(ك): "معروف"، وهو تحريف. انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١١٨) والكلام منه، و"تفسير أبي السعود" (٤/ ١٦٢) ولفظه: (ثم صُرف الكلامُ عن الخطاب إلى الغَيبة فقيل: إنْ=
[ ٥ / ٧٨ ]
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: يكذِبون فيما ينسبون إلى اللهِ تعالى، أو يحزِرون ويقدِّرون أنها شركاءُ تقديرًا باطلًا.
(٦٧) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: تنبيهٌ على أنه تعالى هو المنفرِدُ بكمالِ قدرتِهِ وعظيمِ نعمتِهِ التي لا يمكِنُهم أن يعيشوا بدُونها؛ ليدُلَّهم على أنه المتوحِّدُ باستحقاق العبادةِ فيخصُّوهُ بها، و﴿جَعَلَ﴾ متعدٍّ إلى مفعول واحد بمعنى: خلق، و﴿مُبْصِرًا﴾ حال، ويجوزُ أن يكونَ متعدِّيًا إلى مفعولين، والثاني ﴿لَكُمُ﴾ أو ﴿لِتَسْكُنُوا﴾؛ أي: جعلَهُ محلًّا لسكونكِم، وقيلَ: مظلِمًا، ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (^١) عطفٌ على المفعولَينِ.
ذكَرَ علَّةَ خلق الليل لتسكُنوا فيه وتسترِيحوا من تعب التردُّدِ في طلب المعاش، وما يكدَحون منه في النهارِ، وحذَفها من النهار، وذكَرَ وصفَ النهارِ وحذفَهُ من الليلٌّ، وكلٌّ من المحذوفَين يدلُّ عليه المذكورُ في مقابِله، والتقديرُ: جعلَ لكم الليلَ مظلمًا لتسكُنوا فيهِ والنهارَ مُبصرًا لتتحركوا (^٢) فيه في مكاسبِكم، وتهتَدُوا إلى مآربكم.
وإسنادُ الإبصار إلى النهارِ مجازيٌّ على طريقَةِ: ليلُهُ قائمٌ ونهارُه صائمٌ، وإنما
_________________
(١) = يتَّبع هؤلاء المشركون إلا الظنَّ ولا يتبعون ما يتبعه الملائكةُ والنبيون من الحق).
(٢) في (ف): "مستبصرًا".
(٣) في (ف) و(م): "لتحركوا".
[ ٥ / ٧٩ ]
عدَلَ عن قولِهِ: لتُبصروا فيهِ، مناسبًا لـ (تسكُنوا فيهِ) لدلالته (^١) على أنه مع كويهِ ظرفًا للإبصارِ سببٌ له بخلافِ سائر الظروفِ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: سماعَ اعتبارٍ وادِّكارٍ (^٢).
(٦٨) - ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾؛ أي: تبنَّاه ﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيهٌ له تعالى عنِ التبنِّي، وتعجِيبٌ مِن كلماتِهم الحمقاء (^٣).
﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ علةٌ لتنزُّههِ عنهُ؛ فإنه مسبَّبٌ عن الحاجةِ.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تقريرٌ لغِناه.
﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ نفيٌ لمعارِض البرهانِ الذي أقامَهُ تحقيقًا لبطلانِ قولهِم، ومبالغةً في تجهيلِهم؛ أي: ما عندَكُم من حجةٍ بهذا القول (^٤)، مع أن الحجةَ دالةٌ على خلافِه، والباءُ في ﴿بِهَذَا﴾ متعلقٌ بـ ﴿سُلْطَانٍ﴾، أو بقولِه: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ﴾ بمعنى الظرفيةِ؛ أي: ما عندَكُم في القول حجةٌ؛ كقولكَ: ما عندَكُم بأرضِكم موزٌ.
﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: لما نفَى البرهان عنهُم جعلَهم جاهلينَ،
_________________
(١) في (ف): "للدلالة".
(٢) في (ف): "وإذكار".
(٣) في (ك): "كلمتهم الحمقى".
(٤) "القول" سقط من (ك).
[ ٥ / ٨٠ ]
وفيهِ دليل على أن كلَّ قولٍ لا دليلَ عليه فهو جهلٌ، وأن العقائدَ لا بد أن تكونَ بُرهانيَّةً لا تقليديَّةً، والهمزةُ للتوبيخِ والتقريعِ لهم على اختلافِهم وجهلِهم.
(٦٩) - ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾.
﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: بنسبةِ الولدِ والشريكِ إليه تعالى.
﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾: لا ينجُونَ من النار (^١)، ولا يفوزون بالجنةِ.
(٧٠) - ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
﴿مَتَاعٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والتنكيرُ للتقليل تقديرُهُ: افتراؤهم متاعٌ ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾؛ أي: متعةٌ (^٢) يسيرةٌ ﴿فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: يقيمونَ به في الدنيا رئاستَهم في الكفرِ.
أو: حياتُهم وتقلُّبَهم فيها متاعٌ، أو مبتدأٌ خبرُهُ محذوفٌ؛ أي: لهم تمتُّعٌ في الدنيا.
﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾: بالبعثِ بعد الموتِ فيلقَون الشقاء المؤبَّدَ.
﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ في جهنَّم ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾: بسببِ استمرارِهم على الكفرِ.
_________________
(١) في (ك): "العذاب".
(٢) في (م): "أي منفعة".
[ ٥ / ٨١ ]
(٧١) - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾: خبرَهُ مع قومِه.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾: شقَّ وثقُلَ، ومنهُ قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
﴿مَقَامِي﴾: مكاني؛ أي: كوني ووجودِي، ومنهُ: فعلتُ كذا لمكان (^١) فلانٍ.
أو: إقامتي ومُكثي بين أظهُركم مدةً طويلةً.
أو: قيامِي على الدعوةِ، لا على (^٢) التذكيرِ؛ لأن قولَه: ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ يُغني عنهُ، والتأسيسُ خيرٌ من التأكيدِ.
﴿بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾، أي: خصَصتُ الله تعالى بالتوكُّلِ عليهِ والوثوقِ به، فإنه جوابُ الشرطِ، أي: فلا أبالي.
وقيلَ (^٣): جوابُ الشرطِ ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ وما تقدَّمَ اعتراضٌ بين الشرطِ وجوابِه، كما تقولُ: إن كنتَ أنكرتَ عليَّ شيئًا فإنَّ الله حسبي فاعمَل ما تريدُ.
و(أَجْمِعوا) قرئ بالوصل من الجمع (^٤)، وبالقطع من الإجماع (^٥)، وهو العزم،
_________________
(١) في (ف) و(ك): "بمكان"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المصادر. "الكشاف" (٢/ ٣٥٩)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ١١٩)، و"البحر" (١٢/ ٤٢).
(٢) "على الدعوة لا على" من (م).
(٣) في (ك): "وقيل هذا"، بزيادة "هذا" وهو خطأ كما سيتضح من الكلام الآتي.
(٤) هي قراءة رويس عن يعقوب. انظر: "النشر" (٢/ ٢٨٥).
(٥) هي قراءة العشرة عدا رويس. انظر المصدر السابق.
[ ٥ / ٨٢ ]
وفي (^١) إسناد الجمع والإجماع على الشركاء تهكُّم بهم وبشركائهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥].
﴿وشُرَكَاءَكُمْ﴾: معطوفٌ على ﴿أَمْرَكُمْ﴾ على حذفِ مضافٍ تقديرُه: وأمرَ شركائكُم، أو منصوبٌ بفعلِ محذوفٍ تقديرُه: وادعوا شركاءكم (^٢)، وقدْ قُرِئ به (^٣).
وقيلَ: (اجمَعُوا) بمعنى: أَعِدُّوا، فيقَعُ على المعطوفَين جميعًا.
وقال الزجَّاجُ: هو مفعولٌ معَهُ، والواو بمعنى معَ؛ أي: مع شركائكم (^٤).
ولا يساعِدُه قراءةُ الوصلِ، كما قال الحريريُّ في "درة الغوَّاصِ": لا يُقال: اجتمعَ فلانٌ مع فلان، وإنما يُقال: اجتمَعَ فلانٌ وفلان (^٥).
وقرئ بالرفعِ (^٦) عطفًا على الضمير المتصل، وجاز بلا تأكيد للفصل (^٧).
﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ﴾ في قصدِي ﴿عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾: مستورًا عليكم، وليكُن مكشُوفًا مجاهرًا بهِ، مِن غمَّهُ: إذا سترَهُ.
_________________
(١) في النسخ: "في" والصواب المثبت.
(٢) في النسخ: "شهداءكم"، والصواب المثبت. انظر المصادر الآتية.
(٣) نسبت لمصحف أُبي ﵁، انظر: "المحتسب" (١/ ٣١٤)، "الكشاف" (٢/ ٣٥٩)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ١٣٢).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٨).
(٥) انظر: "درة الغواص" (ص: ٣٣).
(٦) قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٨٥).
(٧) "للفصل "من (م).
[ ٥ / ٨٣ ]
أو: لا يكُن أمرُكم - أي: ما تكونونَ فيه من شدَّةِ الحالِ والكراهةِ (^١)، وثقلِ مُقامي فيكُم ومشقَّتِه عليكُم - غمًّا وكربًا عليكم.
الغمُّ والغُمَّةُ كالكَربِ والكُربةِ معنًى وصِيغةً، أي: لا تتوقَّفوا في إهلاكي وتدبِيره لئلا يكون عيشُكم بسببِ مصاحبَتي وحالكُم معي غُمةً عليكُم.
﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾: أدُّوا ﴿إلَىَّ﴾ ذلك الأمرَ الذي تريدون بي؛ يعني: أدُّوا قطعَه وتصحيحَهُ إليَّ، كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْر﴾ [الحجر: ٦٦]، أو: أدوا إليَّ ما هو حقٌّ عليكم من وجوبِ إهلاكي، كما يقضي الرجلُ غريمَه.
وقرئ: (ثم أفضوا) بالفاء (^٢)؛ أي: ثم انتهُوا إلي بشرِّكم.
وقيل: هو مِن أفضَى الرجلُ: إذا خرجَ إلى الفضاءِ؛ أي: اصحَروا بهِ إليَّ وابرُزوا بهِ لي.
﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾: ولا تمهِلون.
(٧٢) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أي: أعرضتُم عن تذكِيري ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ يوجبُ إعراضَكم عني لثقَلِه عليكم، واتهامكُم إياي لأجلِه من طمعٍ في أموالكم.
﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ في نصيحتِكم ووعظكم ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ هو الذي يثيبُني عليه؛ أي: ما نصحتُكم إلا لوجه الله تعالى، لا لغرض من أغراضِ الدُّنيا.
_________________
(١) في (ف) و(م): "أو الكراهة".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٧).
[ ٥ / ٨٤ ]
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: المنقادِينَ لأمر اللهِ، وقضيةُ الإسلامِ أن لا يُطلَبَ على تعليم الدِّينِ شيءٌ (^١)، ولا يُبتغى بالدعوةِ والموعظةِ إلا وجهُ اللهُ تعالى، رضيَ الله عن أبي حنِيفةَ ما أمعَن النظَرَ إذ لم يرَ الإجازة في الإجارةِ على الطاعاتِ.
والمرادُ: إلزام (^٢) الحجةِ لهم، وتبرئةُ ساحتِه عما يوجبُ الإعراض.
(٧٣) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: فأصرُّوا على تكذيبِه تمرُّدًا وعنادًا (^٣) بعد طولِ مدةِ الدعوةِ وإلزامِ الحُجَّةِ.
﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ يعني: من الغرَقِ؛ دلَّ عليهِ قوله: ﴿وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾: من الإنسان والحيوانِ، وإنما قال: ﴿وَمَنْ﴾ دونَ (ما) تغلِيبًا للعقلاءِ على غيرِهم؛ للتنبيهِ على أن نجاةَ غيرِهم كان تبَعًا لهم.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ من الهالكين ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: بالطوفانِ، والجعلُ مؤخَّرٌ عن الإغراقِ، وإن قُدِّمَ لفظًا للاهتمام به.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾: تعظيمٌ لما نزَلَ بهم من العذابِ، وتهديدٌ لمن كذَّبَ رسول اللهِ ﷺ، وتسليةٌ لهُ (^٤).
_________________
(١) في (ف): "تطلب شيئًا".
(٢) "إلزام" من (ك).
(٣) في (ك) زيادة: "به".
(٤) "وتسلية له" سقط من (ك).
[ ٥ / ٨٥ ]
والعدولُ عن مقتضَى ظاهرِ السياقِ - وهو: المكذِّبينَ - إلى ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ للتنبيهِ على أن التكذيبَ إنما يستوجِبُ (^١) نزولَ العذابِ إذا كان بعدَ الإنذارِ، فاعتبِر هذا اللطفَ، وذُق لطفَ هذا الاعتبارِ.
(٧٤) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾: البعثُ أعمُّ من الإرسال؛ فإن كل شيءٍ أرسلتَه فقد بعثتَه، ومنهُ قولُه تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]، والذي أُمِرَ بتبليغ الرسالةِ إلى قوم وهو فيهم إنما يناسبُه عبارةُ البعث دونَ الإرسال.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعدِ نوحٍ ﵇ ﴿رُسُلًا﴾ التنكيرُ للتكثيرِ ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾: إلى أقوامِهم كلُّ رسولٍ إلى قومه، وإنما لم يُجمَع لأنَّه في الأصلِ مصدرٌ.
﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالحججِ الواضحة المثبِتةِ لدعواهم.
﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾: عبارةُ (كان) الدالَّة على الاستمرار مقدَّمةٌ على أداة النفي في الاعتبارِ؛ أي: لم يؤمنوا بهم (^٢) وأصرُّوا على الإنكار، وفي زيادةِ لامِ الجحود تأكيدٌ لهذا المعنى، ودلالةٌ على أن إيمانهم في حيِّزِ الامتناع.
﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾: بسبب تعوُّدِهم بتكذيبِ الحقِّ وتمرُّنهم عليه من قبل بعثة الرسلِ؛ أي: ما تفاوت في حالهم قبلَ البعثة وبعدَه؛ لاعتيادِهم بالعنادِ وإنكار الحقِّ.
_________________
(١) في (ك): "سيوجب".
(٢) "بهم" من (م).
[ ٥ / ٨٦ ]
﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الطبعِ المحكَمِ ﴿نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ لأنَّ الاعتداء والإفراطَ في التجافي عن الحقِّ يوجِبُ الخذلانَ حتى يصيرَ رَينًا وطبعًا؛ فالكلامُ على الحقيقةِ دون الكنايةِ.
(٧٥) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: من بعدِ (^١) هؤلاء الرسلِ ﴿مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾: خصَّ أشرافَهم بالذكرِ اكتفاءً بذكرِ الجزء عن الكُلِّ.
﴿بِآيَاتِنَا﴾: بالآياتِ التسع، أضافَها إلى نفسِه تنبيهًا على خروجِها عن حيِّزِ استطاعة العبدِ، وتعلُّقِ كسبِه بها، وكونها من خوارق العاداتِ.
﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: عن قَبول الحقِّ، واتِّباعِ مَن أُرسِلَ إليهم.
والاستكبارُ: طلبُ الكِبرِ من غيرِ استحقاقٍ، وأعظَمُ الكِبر: استهانةُ العبدِ برسالةِ ربِّهِ بعدَ تنبيهِه بالبيِّناتِ.
﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾: معتادِين بالآثامِ العظامِ، فلذلكَ استكبَرُوا عنها، واجترؤوا على ردِّها، أما توصيفُ الآثامِ بالعظامِ فلأن الجُرمَ يؤذِنُ عن ذنبٍ له عِظَمٌ، ثم إنَّ سبيلَ الكلامِ سبيلُ الاعتراض التذييلي، ويدلُّ على تمرُّنِهم واعتيادِهم له، فجمَعَهُ لذلكَ.
على أن الكافرَ إذا وصِفَ بالجُرمِ والفسقِ دل على أَشَدِّه، وأما السببية (^٢) فمن نفسِ الاعتراضِ، والحملُ على العطف الساذجِ لا يلائمُ بلاغة القرآنِ.
_________________
(١) "من بعد"من (م).
(٢) في (ك): "سببه".
[ ٥ / ٨٧ ]
(٧٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾: فلما عرفوا أنه الحقُّ، وأنَّه من عندِ اللهِ تعالى لا من قِبَلِ موسى وهارونَ ﵉ ﴿قَالُوا﴾ من فرطِ تمرُّدِهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهرٌ، أو: فائقٌ في فنِّهِ واضحٌ من بين فنونِهِ.
والدليلُ على العرفانَينِ المذكورَين من النظمِ: إيقاعُ ﴿الْحَقُّ﴾ موضعَ ضميرِ الآياتِ، وإسنادُ المجيء إليهِ، وقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ كما مرَّ في صدر السورة من دلالَتهِ على الاعتراف وتناهي العجز.
(٧٧) - ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾.
﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾: أتَعِيبُونه وتطعنونَ (^١) فيهِ؟ من قولهم: فلان يخافُ القالةَ (^٢)، كقوله: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] فيستغني عن المفعولِ.
وقيلَ: حُذِفَ مقولُ القول لدلالةِ ما قبلَه عليهِ، وهو: إنه لسحرٌ، والهمزةُ للتوبيخِ أو التقرير، ولا يجوزُ أن يكونَ: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾؛ لأنهم بتُّوا القولَ، بل هو استئنافٌ بإنكارِ ما قالوه، إلا أن يكونَ الاستفهامُ فيه للتقرير، والمحكيُّ مفهومُ قولِهم، وهذا على الوجه الأولِ إشارة إلى وضوحِ حقيقتِهِ، وكونِه ممتازًا في الحسِّ من (^٣) الباطلِ، معلومُ الحقيقةِ بحيث لا يُشكُّ فيهِ مشارًا إليه في ذلكَ، وعلى الثاني تحقيرٌ واستبعادٌ لكونهِ موجِبًا للفلاح.
_________________
(١) في (م) و(ف): "وتطغون".
(٢) في (ك): "المقالة".
(٣) في (ف): "عن".
[ ٥ / ٨٨ ]
﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾: من تمامِ كلام موسى ﵇؛ للدلالةِ على أنه ليسَ بسحرٍ، فإنهُ لو كان سحرًا لاضمحلَّ، ولم يُبطِل سحرَ السحرةِ، ولأن العالِم بأنهُ لا يفلِحُ الساحرُ لا يُسحَرُ.
أو من تمام قولهم إن جعِلَ: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ محكِيًّا؛ كأنهم قالوا: أجئتَنا بالسحرِ تطلُبُ به الفلاحَ ولا يفلِحُ الساحرون؟ ويأباه قولُه: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ لأنهُ مظِنَّةُ طلبِ الفوزِ بهم، وصيغةُ الجمعِ للدلالة على أن اجتماعَهم لا يُجدي نفعًا في طلبِ الفوزِ.
(٧٨) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾: لتصرِفنا، واللفتُ والفتلُ أَخَوان.
﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ من عبادةِ الأصنامِ.
﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾: الملكُ فيها، فإن الملوكَ يوصفون بالكبرِ، ويجوزُ أن يُقصدَ به ذمُّهما بأنهُما (^١) يريدانِ أن يتكبَّرا أو يتجبَّرا في أرِض مصرَ باستتباعِ الناسِ.
﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾: بمصدِّقين ما جئتما به.
(٧٩) - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.
_________________
(١) "بأنهما"من (م).
[ ٥ / ٨٩ ]
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ وقرئ: ﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ﴾ (^١)، ﴿عَلِيمٍ﴾: حاذقٍ فيه.
(٨٠) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا﴾ استطالةً عليهم، وعدمَ مبالاةٍ بهم، وفي إبهامِ: ﴿مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ تحقيرٌ لهم وتعليلٌ، وإعلامٌ بأنه لا شيءَ يُلتفتُ إليهِ.
(٨١ - ٨٣) - ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾: ﴿مَا﴾ موصولةٌ مبتدأٌ خبرُهُ: ﴿السِّحْرُ﴾؛ أي: الذي جئتم بهِ هو السحرُ، لا الذي جئنا به من آياتِ اللهِ تعالى.
وقرئ: ﴿آلسِّحْرُ﴾ على الاستفهام (^٢)؛ أي: على أن ﴿ومَا﴾ استفهاميةٌ (^٣) مبتدأةٌ، تقديرُه: أيُّ شيءٍ، و﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ الخبرُ، و﴿السِّحْرُ﴾ بدلٌ من ﴿مَا﴾، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديره: أهو السحرُ، أو مبتدأٌ خبره محذوفٌ تقديرُه: السحرُ
_________________
(١) قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١١٢).
(٢) قراءة أبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٣).
(٣) "أي على أن ما استفهامية" زيادة في (م).
[ ٥ / ٩٠ ]
هوَ، ويجوزُ أن ينتصِبَ ﴿مَا﴾ بفعلٍ يفسِّرُه ما بعده تقديرُه: أيُّ شيءٍ أتيتم، السحرُ إفسادٌ وتمويهٌ لا حقيقَةَ له.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: ويثبِّتُه ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: بأوامرِه.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ في أوَّلِ أمرِه ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾: إلا طائفةٌ من ذرارِي قومه؛ أي: أولادٌ من بني إسرائيل دعا أباءهم فلم يجيبوهُ خوفًا من فرعونَ وقومه، وأجابَهُ (^١) طائفة من أبنائهم وبناتهم.
وقيلَ: الضميرُ في ﴿قَوْمِهِ﴾ لفرعونَ، والذريةُ: طائفةٌ من شبان قومِهِ، أو من آل فرعونَ، وآسيةُ امرأتُهُ، وخازنُهُ، وامرأةُ الخازِنِ، وما شطَتُهُ.
ولا يناسبُه قولُه: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾: فإن حقَّ الكلام حينئذٍ إظهارُ اسم فرعونَ ثمَّةَ، وإضمارُه هاهنا.
﴿وَمَلَئِهِمْ﴾: الضميرُ يرجع إلى فرعونَ؛ بمعنى: آلِ فرعونَ؛ كما يقالُ: مُضَرُ ورَبِيعَةُ، أو لأنَّه ذو أصحابٍ يأتمِرون لهُ، فعلى هذا يكونُ من باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١].
ولا يجوزُ أن يكون جمعُهُ على ما هو المعتادُ في ضمير العظماءِ؛ لأنَّه يكونُ عند قصدِ التعظيمِ، ولا يساعدُهُ المقامُ (^٢).
أو إلى الذريةِ، أو ﴿قَوْمِهِ﴾ أي: على خوفٍ من فرعونَ، ومن أشرافِ بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا يمنَعون أعقابهم خوفًا من فرعون عليهِم وعلى أنفسهم، بدليلِ
_________________
(١) في (ك): "وأجابته".
(٢) في هامش (ف): "فإن فرعون لا يستحق التعظيم من جانبه تعالى. منه".
[ ٥ / ٩١ ]
قوله تعالى: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾: أن يعذِّبهم فرعونُ، وهو بدلٌ منهُ، أو مفعولُ: ﴿خَوْفٍ﴾، وعلى الوجهِ الأولِ إفرادُه بالضمير يحتاجُ إلى التأويلِ بأن يُقالَ: الخوف من الملأ كان بسببه.
وإنما قالَ: ﴿عَلَى خَوْفٍ﴾ للدلالةِ على شدَّةِ خوفِهم، ولا يفيدُ (مع) ما أفاده (على)؛ لأن المصحوبَ ليس كالمركوب.
﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾: لغالبٌ قاهر فيها، استئنافٌ لبيان السببِ في كون أولئك المؤمنين خائفينَ، فالمناسبُ أن يكون المرادُ من الإسرافِ في قوله:
﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: تجاوزُه عن الحدِّ المعتادِ في التعذيب والقتل لمن يخالفُه في أمرٍ من الأمور (^١).
(٨٤) - ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾.
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لمَّا رأى تخوُّفَ المؤمنين منه: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾: صدَّقتم به تعالى وبآياتِه، وفي إيراد ﴿إِن﴾ إيماءٌ إلى أن حالهم ليسَت حالَ المصدِّقِ باللهِ، الصادقِ في الإيمان، الواثقِ به تعالى.
﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾: فخصِّصوه بالتفويضِ إليه، أو: ثقوا به (^٢) في العصمةِ من فرعونَ، ثم شرَطَ في حصولِ التوكُّل وصحته (^٣) الإسلامَ بقوله:
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾: كما شَرطَ في وجوبه الإيمانَ؛ لأن من قضية الإيمانِ
_________________
(١) في هامش (ف): "ومن حمله على الإسراف في الكفر فقد أبعد، منه".
(٢) "أو ثقوا به"، وقع في (ك) بدلا منه: "والتوبة".
(٣) في (ك) و(م): "وصحة"، والمثبت من (ف) وهو الصواب.
[ ٥ / ٩٢ ]
وجوبُ التوكُّلِ على الله تعالى، ولا يصِحُّ التوكل إلا مع تسليمِ نفوسِهم له تعالى خالصةً سالمةً، ليس لغيرِه فيها حظٌّ ولا تخليطٌ فيه، فهو (^١) كقولكَ: إن أتاكَ زيدٌ فأحسِنْ إليه إن قدَرت.
(٨٥) - ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾؛ لأنهم كانوا مخلِصين، ولذلك قبِلَ توكُّلَهم، وأجاب دعاءَهم، ونجَّاهم، وأهلك مَن كانوا لا (^٢) يخافون عذابَه وبلاءَه، وجعلَهم خلفاء في أرضِه.
﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: موضعَ فتنةٍ لهم؛ أي: عذابٍ يعذِّبوننا بهِ، أو يفتِنوننا عن دينِنا، أو فتنةً لهم يُفتنون عنا يقولونَ: لو كان هؤلاءِ على الحقِّ لمَا أُصيبوا.
(٨٦) - ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: من مجاهدةِ استعبادِهم (^٣) وسوء مشاهدَتهم، وإنما قدَّموا التوكلَ على الدعاءِ لأن الداعي ينبَغي أن يَتوكَّلَ أولًا لتُجاب دعوتُه (^٤).
_________________
(١) "فهو" في (م).
(٢) في (ف): "كان" و"لا" ساقطة.
(٣) في (ف): (استبعادهم).
(٤) في النسخ: "تجاب دعوتهم"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٢٢).
[ ٥ / ٩٣ ]
(٨٧) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ﴾: أن اتَّخِذا مباءةً؛ أي: مرجِعًا يرجَعُ إليه.
﴿لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾: تسكُنون فيها وترجِعون (^١) إليها للعبادة.
﴿وَاجْعَلُوا﴾ أنتُما وقومُكما ﴿بُيُوتَكُمْ﴾: تلك البيوتَ ﴿قِبْلَةً﴾: مُصلًّى.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: فيها؛ قالَ ابن عباسٍ ﵄: إن فرعونَ لما أتاه موسى ﵇ بالرسالة أمرَ لمساجدِ بني إسرائيلَ فكسِّرت كلُّها، وكانت مساجِدُهم ظاهرةً فأمرهما (^٢) الله تعالى أن يجعلا لقومِهما مساجدَ في جوفِ البيوت ولا يظهِرُوها (^٣).
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بالنصرة في الدنيا والجنةِ في العُقبى.
وإنما ثنَى الضميرَ أولًا لأن التبوُّء للقومِ، واتخاذَ المقابرِ مما يتعاطاه رؤوس القومِ بتشاورٍ، ثم جمعَ لأن جعلَ البيوتِ مساجدَ والصلاةَ مما ينبغي أن يفعلَهُ كلُّ أحدٍ، ثم وحَّدَ لأن البشارةَ في الأصل وظيفةُ صاحب الشرعِ.
(٨٨) - ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.
_________________
(١) في هامش (ف): "عبارة القاضي: أو، والمناسب ما يأتي من الرواية إنما هو الواو، منه".
(٢) في (ف): (فأمرهم).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ١٤٤)، و"تفسير القرطبي" (١١/ ٣٤). وفيهما: (فخربت) مكان (فكسرت).
[ ٥ / ٩٤ ]
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾: ما يُتزيَّنُ به من لباسٍ وحليٍّ وفرشٍ وغير ذلك.
﴿وَأَمْوَالًا﴾: صنوفًا من الأموالِ.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ عن ابن عباسٍ ﵄: كانت لهم من أرضِ مصرَ فسطاطٌ إلى أرضِ الحبشةِ جبالٌ فيها معادِنُ ذهبٍ وفضةٍ وزبرجَدٍ وياقوتٍ (^١).
﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ دعاءٌ عليهم بما هم فيهِ بلفظ الأمرِ (^٢)؛ للإياسِ عن قَبولهم الدعوةَ والهدايةَ، وتحقُّقِ (^٣) إصرارِهم على الكفرِ؛ كقولك: لعنَ اللهُ إبليسَ.
وقيلَ: إنَّ اللام للعاقبة، وهي متعلِّقةٌ بـ ﴿آتَيْتَ﴾.
وَيحتمِلُ أن تكونَ للعلةِ؛ لأن إيتاءَ النعمِ على الكفر استدراجٌ وتثبيتٌ على الضلالِ، ولأنهم لما جعلُوها سببًا للضلالِ فكأنهم أوتوها للضلالِ، فيكُون تكرارًا (^٤) للأول (^٥)، وتنبيهًا على أن المقصودَ من عرضِ الآياتِ ضلالُهم وكفرانُهم تقدمةً لقولِه:
﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾: أهلِكْها (^٦)، والطمسُ: المَحْقُ، قالَ ابن عباسٍ
_________________
(١) انظر: "الوسيط" للواحدي (٣/ ٥٥٧)، و"تفسير القرطبي" (١١/ ٣٨).
(٢) قاله الزمخشري، وجعله ابن المنير من اعتزاله الخفي الذي هو - كما قال - أدق من دبيب النمل، يكاد الاطلاع عليه أن يكون كشفًا …، راجع كلامه في "حاشية الكشاف" (٢/ ٣٦٥).
(٣) في (م): "وتحقيق".
(٤) في (ك) و(م): "تكريرا".
(٥) في (ف): "للأولى".
(٦) "أهلكها" سقط من (ك).
[ ٥ / ٩٥ ]
﵄: بلغَنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارةً منقوشة كهيئة الدراهم والدنانير (^١).
﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: الشدُّ على القلوبِ: الاستيثاقُ منها، وقبضُها حتى لا يدخُلَها الإيمانُ؛ أي: واطبَع عليها حتى لا تنشَرِح لقَبول الحقِّ.
﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾: جوابُ الدعاءِ (^٢) الذي هو ﴿وَاشْدُدْ﴾ (^٣)، أو دعاءٌ بلفظ النهيِ.
وقيلَ: إن جعلتَ اللامَ في ﴿لِيُضِلُّوا﴾ للعاقبةِ أو التعليلِ فهو عطفٌ عليهِ، وقولُهُ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ﴾ ﴿وَاشْدُدْ﴾ دعاءٌ معترِضٌ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليهِ.
واعترِضَ عليه بأن الاعتراضَ بالدعاءِ لا يكونُ له حسنُ موقعٍ، ولهذا عِيبَ على النابغةِ (^٤) في قولِه:
لعَلَّ زِبادًا لا أبا لكَ غافِلُ (^٥)
﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾؛ أي: يروا ذلكَ، ويحتمِلُ الغايةَ؛ أي: إلى أن يروا العذابَ الأليمَ، وكان ذلك فإنهم لم يؤمنوا إلى الغرقِ.
(٨٩) - ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري بنحوه عن ابن عباس وعن قتادة وسفيان، انظر: "تفسير الطبري" (١٢/ ٢٦٥ - ٢٧٠).
(٢) في (ك) و(م): "لدعائه".
(٣) في (ك): "الشد".
(٤) في (ف): "على المبالغة".
(٥) عجز بيت للنابغة الذبياني، وهو في ديوانه (ص: ٩٦)، وصدره: يقُولُ أُناسٌ يُنكِرونَ خَلِيقَتي
[ ٥ / ٩٦ ]
﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ يعني: موسى وهارونَ ﵉ لأنَّه كانَ يُؤمِّنُ.
﴿فَاسْتَقِيمَا﴾: فاثبُتا على ما أنتُما عليه من الدعوةِ وإلزام الحجةِ، ولا تستعجِلا؛ فإنَّ ما طلبتُما كائنٌ في وقتهِ، روي: أنهُ مكَثَ بعد الدعاء أربعين سنةً (^١).
﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: طريقَ الجهلة في الاستعجالِ؛ فإن الأمورَ مقدَّرةٌ معلَّقةٌ بأوقاتها، أو عدمِ الوثوق بعهد الله تعالى.
قال الزجَّاج: قولُه: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ موضعُه (^٢) جزمٌ؛ والتقديرُ: ولا تتَّبعا، إلا أن النونَ المشدَّدةَ دخلَت على النهي مؤكِّدةً، وكسرَت لسكونها وسكونِ النون التي قبلَها؛ فاختيرَ لها الكسرَةُ؛ لأنها بعد الألفِ تشبه نون التثنيةِ.
واستضعفه ابن الحاجبِ، وحملَ على أنه نفيٌ بمعنى النهيِ؛ فجازَ العطفُ، أو الواو للحالِ، وفعل المضارعِ المنفيّ لا يمنعُ من دخول الواو عليهِ؛ أي: استقيما غير متبِعَين، وهذا أشدُّ ملاءمةً.
وقرئ: ﴿ولا تتَّبعانِ﴾ بتخفيف النون (^٣)، (ولا تَتْبعانِ) من تَبعَ (^٤).
_________________
(١) نسبه الزمخشري إلى ابن جريج، انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٦٦).
(٢) "موضعه" سقط من (ك).
(٣) وهي قراءة ابن عامر، ورواية ابن ذكوان عن نافع، انظر: "التيسير" (ص: ١٢٣)، و"النشر" (٢/ ٢٨٦).
(٤) هي رواية الأخفش الدمشقي عن أصحابه عن ابن عامر. انظر: "الحجة" للفارسي (٤/ ٢٩٣)، و"النشر" (٢/ ٢٨٧).
[ ٥ / ٩٧ ]
(٩٠) - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ حتى بلغوا الشطَّ حافظين لهم، وقرئ: ﴿جَوَّزْنا﴾ (^١) وهو مِن فعَّلَ المرادفِ لفاعَلَ؛ كضعَّفَ وضاعَفَ.
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾؛ أي: طلبُوا لحاقَهم، فقربوا منهم، وأمَّا الإدراكُ فلم يحصُل.
﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾: باغين وعادِين، أو: للبغي والعَدْوِ.
﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾: الغَرَقُ بالفتحِ: القُرب من الهلاكِ بغمرةِ الماء، والغَرْق بتسكِينها: الهلاكُ فيها.
﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ﴾: قرئ بالفتح على حذف الباءِ التي هي صلةُ الإيمانِ، وبالكسر على الاستئنافِ (^٢) بدلًا مِن ﴿آمَنَتْ﴾ وتفسيرًا (^٣) له.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: على الأول تكريرٌ للمعنى الواحدِ بعبارَتين مختلفتَين، وعلى الثاني بثلاث عباراتٍ شغفًا على القبولِ، لكنْ لمَّا لم يبقَ وقتُ التكليفِ لم يُقبَلْ، ولو بقِي وقته لكفَت مرةٌ واحدةٌ، وكان مؤمنًا ضرورةَ حصولِ التصديقِ القلبيِّ، ولم يكن مسلمًا؛ لأن الإسلامَ تسليمُ النفسِ إلى الله تعالى، فإذا آمَن في وقتٍ خرجَت نفسُه من يدِه لم يصِر مسلِّمًا نفسَهُ إليه
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات": (ص: ٥٨).
(٢) قرأ حمزة والكسائي ﴿إنَّه﴾ بالكسر، والباقون بالفتح. انظر: " التيسير" (ص: ١٢٣).
(٣) في (ك): "وتعبيرا"، وفي (م): "وتغييرًا".
[ ٥ / ٩٨ ]
تعالى؛ إذ ليس نفسُهُ في يده حينئذٍ فيسلِّمَها (^١)؛ لذلك وبخه بالعصيانِ المقابل للإذعانِ، دون الكفر المقابلِ للتصديقِ حيث قالَ:
(٩١) - ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿آلْآنَ﴾؛ أي: أتؤمنُ الآن وقد أيِست مِن نفسِكَ، ولم يبقَ لك اختيارٌ.
﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾: قبلَ ذلك مدَّةَ عمركَ.
﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: الضالِّين المضلِّين عن الإيمانِ.
روى الترمذيُّ عن ابن عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لما أغرَقَ اللهُ فرعونَ قال: ﴿آمَنْتُ﴾ إلى قوله ﴿بَنُو إِسْرَائِيل﴾ قال جبريلُ: فلو رأيتَني يا محمدُ! وأنا آخذُ من حال البحرِ فأدسُّه في فيهِ مخافةَ أن تدرِكَه الرحمةُ" (^٢).
أراد إدراكَ الرحمةِ في الدنيا كما أدرك قومَ يونُسَ فنجَوا من العذابِ؛ فليسَ فيه ما يدلُّ على كراهةِ إيمان الكافرِ والرضا بكُفرِه؛ فإن الرضا بالشيء لا يستلزِمُ الرضا بسببِه؛ ألا يرى أن المريضَ يشربُ الدواء للشفاءِ (^٣) كارهًا إياهُ راضيًا بما (^٤) يترتَّبُ عليهِ من منفعةِ الشِّفاءِ، فمَن وهَم أن في قوله: "مخافَة أن تدركَه الرحمةُ" جهالتين: إحداهما أن الإيمان يصحُّ بالقلبِ كإيمانِ الأخرسِ فحالُ البحرِ لا يمنعُهُ، والأُخرى أن مَن كرِهَ إيمانَ الكافرِ وأحبَّ بقاءه على الكفرِ فهو كافرٌ؛ لأن الرضا بالكفرِ كفرٌ. وزَعَمَ بناءً على ذلكَ أنه من زياداتِ الباهتِين للهِ تعالى وملائكتِه فقد وهِمَ، ثم إنهُ على تقديرِ زيادته لا بهتَ فيه لله تعالى.
_________________
(١) في (ف): "فيسلم أو".
(٢) رواه الترمذي (٣١٠٧) وقال: هذا حديث حسن، وابن حبان في "صحيحه" (٦٢١٥) بلفظ مقارب.
(٣) في (ك): "الشفي".
(٤) في (ف) و(م): "لما".
[ ٥ / ٩٩ ]
(٩٢) - ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾.
﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ نبعدُك مما وقعَ فيه قومُكَ من قعر البحرِ ونجعلُك ناجيًا، أو: نلقيكَ على نجوةٍ من الأرضِ ليراك بنو إسرائيلَ.
﴿بِبَدَنِكَ﴾ في موقعِ الحال؛ أي: بدرعِكَ، وكانت له درعٌ من ذهبٍ يعرَفُ بها.
وقرئ: (بأبدانك) (^١)؛ أي: بدروعكَ، كأنه كانَ مُظاهِرًا بينها.
وخروجُه من الماءِ أو ظهورُه على وجهِه مع ما عليهِ من جسمٍ ثقيلٍ آيةٌ أُخرى.
وقيلَ: أي: ببدنك عاريًا عن الروح، أو كاملًا سويًّا، أو عريانًا من غير لباسٍ. يأباه الباءُ؛ لأنها تقتضي وجود شيء آخرَ غير البدن، ولم ينجُ غير جسدِه، على أنه فرْقٌ بين البدن والجسدِ؛ فإن الأطرافَ خارجٌ عن الأولِ داخلٌ في الثاني؛ فحق المقام حينئذٍ أن يُذكرَ الجسد بدل البدنِ.
﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾: لمن بقي بعدَك من السِّبْطي والقِبْطي علامةً؛ إذ كان في نفوسهِم من عظمته ما خَيَّلَ إليهم أنه لا يموتُ، حتى رويَ أن بني إسرائيل لم يصدِّقوا موسى ﵇ في إخباره بغرقِهِ حتى عاينوه مطروحًا على ممرِّهم من الساحلِ.
أو: لمن يأتي بعدَكَ من القرونِ إذا سمعوا [مآلَ أمرِكَ] ممن شاهدكَ عبرةً (^٢)
_________________
(١) تنسب لأبي حنيفة، انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٦٩)، و"البحر المحيط" (١٢/ ١٦٧).
(٢) تحرفت في النسخ إلى: "غيره"، والتصويب من، "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٢٣)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٥ / ١٠٠ ]
ونكالًا من الطغيانِ، أو حجةً تدلُّهم على أن الإنسانَ على ما كان عليهِ من عظم الشأنِ وكبرياءِ الملكِ والسلطانِ مملوكٌ مقهورٌ (^١) بعيدٌ عن مكانِ الربوبيةِ.
وقرئ ﴿نُنْجِّيكَ﴾ (^٢) من أَنْجَى.
وقرئ: (نُنَحِّيكَ) بالحاء من التنحيَة (^٣)، وهي (^٤) التبعيدُ (بيديكَ) على أنه تثنيةُ اليدِ (^٥). (لمَن خَلقَكَ) بالقافِ (^٦)؛ أي: نبعدُك عن الرحمةِ بما كسبت يداكَ من الجفوةِ، لتكون من خالقِكَ آيةً لخلقِهِ، فإن إفرادَهُ إياك بالإلقاءِ إلى الساحل دليل على أنه قصَدَ كشفَ (^٧) تزويركَ وإماطةَ الشبهةِ عن أمركَ، [وذلك] (^٨) دالٌّ على كمالِ قدرتهِ وعلمِهِ وإرادتِهِ، وهذا الوجه محتمل على المشهورةِ أيضًا.
ومن قالَ في تفسيرِه على القراءة الأخيرةِ: أي: نلقيك بناحية الساحلِ، فقد غفل عن أنَّ مَن قرأه بالحاءِ قرأ (بيديك) باليائين فوقعَ فيما وقعَ.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ لا يتفكَّرون فيها ولا يعتبِرون (^٩) بها.
_________________
(١) في (م): "ومقهور".
(٢) قراءة يعقوب، انظر: "النشر" (٢/ ٢٥٩).
(٣) نسبت إلى أبي وابن السميفع ويزيد البربري وأبي السمال، انظر: "المحتسب" (١/ ٣١٦)، و"البحر المحيط" (١٢/ ١٧٢).
(٤) في (ك): "وهو".
(٥) لم أقف عليها.
(٦) نسبت لعلي ﵁، انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٠١)، و"البحر المحيط" (١٢/ ١٧٣).
(٧) في (ف): "لكشف"، وفي (م): "بكشف".
(٨) ما بين معكوفتين من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٢٣).
(٩) في (ك): "يعتنون".
[ ٥ / ١٠١ ]
(٩٣) - ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا﴾: نزَّلنا ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾: منزلًا صالحًا مرضيًّا وهو مصرُ والشامُ.
﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: من أسبابِ المعيشة المستطابةِ.
﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾؛ أي: كانوا على ملةٍ واحدةٍ وطريقةٍ مع موسى ﵇ في أول حالِه ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بنزولِ التوراةِ فاختلفُوا، وهذا ذمٌّ لهم من جهةِ أن العلمَ سببُ الاتفاقِ فصارَ عندَهم سببَ الاختلافِ، حتى تشعَّبوا شُعَبًا بعدما قرؤوا التوراةَ.
وفي ترتيبِ ذلك الاختلافِ الذي لا يخلو عن نوعِ كفرانٍ على إنعامِهِ تعالى عليهم المنازلَ البهيَّةَ، والمطاعمَ الشهيَّةَ، والعلمَ بالأحكام، تأكيدٌ للذمِّ لتنزيلِهم الكفرَ منزلة الشكرِ.
وقيلَ: المرادُ من اختلافِهم: الاختلافُ في أمر محمدٍ ﷺ بعدَ (^١) ما علمُوا صدقَه بنعوتِهِ وظاهرِ معجزاته.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: فيميزُ المحقَّ من المبطِلِ، ويجزي كلًّا منهم على استحقاقهِ، وينزِّله منزلةَ استيجابِه على حكمِ وعدِه ووعيدِه.
_________________
(١) في (م): "من بعد".
[ ٥ / ١٠٢ ]
(٩٤ - ٩٥) - ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ كلامٌ مبنيٌّ على الفَرْضِ والتقديرِ مؤكَّدٌ بما هو واردٌ على سبيلِ التهييجِ وزيادة التثبيتِ، فلا يستلزمُ وجود الريبِ والافتراءِ والتكذيبِ، ولا إمكانَها؛ إذ كلُّ ذلك (^١) من بابِ فرضِ المحالِ وبقاءِ الكلام عليهِ؛ أي: مَن هو [أقوى] (^٢) الناسِ يقينًا وأشرفُهم رتبةً (^٣) وأعزُّ خلقِ الله تعالى عليه مِثْلَك لو كان موصوفًا بهذه الصفاتِ الخبيثة التي وُصِفوا بها لوقعَ في الخسرانِ المطلقِ، وكما دلَّ على زيادةِ التثبيتِ والعصمةِ له دلَّ على سوءِ حالِ الشاكِّين فيه مِن بني إسرائيلَ.
﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: من بني إسرائيلَ الذين آتيناهم الكتابَ من قبلِكَ؛ فإنه محقَقٌ عندَهم ثابتٌ في كتبِهم على نحو ما أنزلنا (^٤) إليكَ.
والمرادُ: إثباتُ نبوتِهِ ﵇ بشهادةِ الأحبار، وذلكَ أنه لمَّا ذكَرَ بني إسرائيل ووصفَهم بالعلمِ، أراد أن يقررَ عليهم صحة نبوَّتِه ﵇ وصدقَ القرآن بشهادةِ علمائهم وكِتَابِهم، أو وصفُ الأحبارِ بالرسوخِ في العلم بصحةِ
_________________
(١) "ذلك" ليست في (ك).
(٢) زيادة يقتضيها السياق، وقد وقع التنبيه عليه في هامش (م)، وفيه: "لعل هنا لفظ أقوى أو ما شابه ذلك".
(٣) "رتبة" ليست في (ك).
(٤) في (ك): "أنزل".
[ ٥ / ١٠٣ ]
نبوتهِ ﵇ وما أنزلَ اللهُ تعالى إليهِ، لا إثباتُ الشكِّ وإمكانه لرسولِ الله ﷺ، ولذلكَ قال ﵇: "لا أشكُّ ولا أسألُ، أشهدُ أنه الحقُّ" (^١).
وبهذا التقريرِ تبيَّنَ وجه تصديرِ الكلامِ بأداة الترتيبِ على ما قبلَهُ.
وقيلَ: الخطابُ لكلِّ مَن يسمَعُ؛ أي: إن كنتَ في شكِّ أيها السامعُ مما أنزلنا على لسانِ نبيِّنا إليكَ، وفيهِ تنبيهٌ على أن كلَّ من خالطتْهُ (^٢) شبهةٌ فعليهِ بمراجعة العلماءِ.
﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: ثبتَ عندك بالبراهين القاطعةِ، والمعجزاتِ الواضحةِ أن الذي جاءك هو الحقُّ الذي لا تدخُلُ الشبهة فيه.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: فاثبُت على ما أنتَ عليه من الجزمِ (^٣) واليقينِ، وانتفاءِ المرية والتكذيب، وقد مرَّ أنهُ من باب التهييجِ والإلهابِ؛ كقولهِ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦].
(٩٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ﴾: ثبتَتْ عليهم ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ حكمُه (^٤) بأنهم يموتون على الكفرِ، ويخلُدون في العذابِ ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: إذ لا يُكذَّبُ كلامُه، ولا يُنقَضُ قضاؤه.
_________________
(١) رواه الطبري في "التفسير" (١٢/ ٢٨٨) عن قتادة مرسلًا.
(٢) في (ف): "خاطبه". وفي (م): "من خالطه".
(٣) في (ك): "الحزم".
(٤) في (ك) و(م): "حكمه".
[ ٥ / ١٠٤ ]
(٩٧) - ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.
﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾: لانتفاءِ تعلُّقِ إرادته تعالى بإيمانهم، فإنهُ لا بدَّ منه في وجودِ كلِّ ممكنٍ.
﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: وحينئذٍ لا ينفعُهم كما لم ينفع لفرعونَ.
(٩٨) - ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾.
﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾: فهلَّا كانت قريةٌ واحدةٌ من القرى التي أهلكناها آمنَت قبلَ معاينةِ العذاب وضيق الخناقِ، ولم تُؤخِّر إليه كما أَخَّرَ فرعون.
﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾: بأنْ يقبَلَها الله تعالى منها لوقوعِه في وقت الاختيارِ، ويكشفَ عنها العذاب.
﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾: استثناءٌ من القرى لأنَّ المرادَ أهاليها (^١)، وهو متَّصلٌ، والجملةُ في معنى النفي لتضمُّنِ [حرف] التحضيض (^٢) معناهُ؛ كأنه قيلَ: ما آمنت قريةٌ من القرى الهالكةِ فنفعَها إيمانُها إلا قوم يونسَ، وانتصابُه على الاستثناءِ، والدليلُ عليه قراءته بالرفعِ على البدلِ (^٣).
أو منقطعٌ، أي: لكنَّ قومَ يونُسَ ﵇:
_________________
(١) في (ك): "أهالوها".
(٢) تحرفت في النسخ إلى: "التخصيص"، والتصويب من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٢٣)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٨).
[ ٥ / ١٠٥ ]
﴿لَمَّا آمَنُوا﴾: أوَّلَ ما رأوا أماراتِ العذابِ، ولم يؤخِّروه إلى حلولِه آمنُوا.
﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ والخزيُ: الهوانُ الذي يَفضَحُ صاحبَهُ.
﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: إلى وقتِ انقضاء آجالهم.
(٩٩) - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ﴾: حتى لا يشذَّ منهم أحدٌ.
﴿جَمِيعًا﴾: مجتمِعينَ على الإيمانِ لا يختلفُون فيهِ، وفيه دلالةٌ على أن مَن شاء اللهُ إيمانَهُ يؤمن لا محالةَ.
﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ على ما لم يشأ اللهِ منهم؛ يعني: إنما يقدِرُ على إكراهِهم واضطرارِهم إلى الإيمانِ هو لا أنتَ، وإيلاءُ الاسم حرفَ الاستفهام للإعلامِ بأن الإكراه ممكنٌ مقدورٌ عليهِ، وإنما الشأنُ في المكرِه مَن هو؟ وما هو إلا الله وحدَهُ لا يشاركُه فيهِ (^١) أحدٌ؛ لأنهُ هو القادرُ على أن يفعلَ في قلوبهم ما يُضْطَرُّون عنده إلى الإيمانِ، وذلك غيرُ مستطاعٍ للبشرِ، وبهذا المساقِ تمسَّكَ مَن حملَ المشيئة المذكورةَ على المشيئةِ الملجئةِ.
﴿حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: ترتيبُ الإكراه على المشيئةِ بالفاءِ، وإيلاؤها حرفَ الاستفهامِ للإنكارِ؛ للدلالة على أن خلافَ المشيئةِ مستحيلٌ؛ يعني: إذا (^٢) لم يشأ الله تعالى إيمانَهم لم تقدر عليه أنت ولا غيرُكَ بالإكراهِ فضلًا عن مجرد الحثِّ والتحريضِ.
_________________
(١) "فيه" سقط من (ك).
(٢) في (ف): "إذ".
[ ٥ / ١٠٦ ]
روي أنه ﵇ كان شديد الحرص على إيمان قومه فنزلت (^١)، ولذلك قرَّره بقولِه:
(١٠٠) - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بإرادَته وتوفيقِه وتيسيرِه، فلا تُجهِدْ نفسَك في هُداها فإنهُ إلى اللهِ.
﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾: العذابَ، وقرئ: (الرِّجْزَ) بالزاي (^٢).
﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: لا يستعملون عقولهم بالنظرِ في الحججِ والبيِّناتِ فيؤمنوا، وَرَدَ (^٣) في مقابلةِ الإيمان عدمُ العقلِ، وفي مقابلةِ الإذنِ الرجسُ؛ لأن الإيمانَ إنما يكونُ بصحةِ العقلِ، والنظرِ في الدلائلِ العقلية والسمعيةِ، والإصرارُ على الكفرِ المقابلِ للإيمانِ مسبَّبٌ عن عدمِهِ كقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].
فأومئ (^٤) إلى أن العاقلَ هو المؤمنُ، ومَن لم يوفِّقه اللهُ تعالى للإيمانِ لعدمِ عقلِه لزمَ كفرُه الموجبُ للعذابِ، فرتَّبَ لازم الكفرِ الذي هو الرجسُ على ملزومه الذي هو عدمُ العقلِ للجمعِ بين التهديد والتوبيخِ.
_________________
(١) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٢٤).
(٢) قراءة الأعمش، انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ١٤٥)، و"البحر المحيط" (١٢/ ١٨٢).
(٣) في (ك): "أورد".
(٤) في (ك): "وهي".
[ ٥ / ١٠٧ ]
(١٠١) - ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿قُلِ انْظُرُوا﴾: تفكَّروا ﴿مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من عجائب الصانعِ الدالَّةِ على توحيدِه وكمالِ قدرته وحكمَتهِ (^١)، و﴿مَاذَا﴾ استفهامٌ علَّقَ فعلَ النظرِ عن العملِ.
و(ما) في: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ﴾ نافيةٌ أو استفهاميةٌ في محل النصبِ بـ ﴿تُغْنِى﴾.
﴿وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ في علمِ اللهِ وحُكمه.
(١٠٢) - ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: مثلَ وقائعِهم، ونزول بأس الله تعالى بهم؛ إذ لا يستحِقُّون غيرَهُ؛ من قولهم: أيامُ العرب، لوقائعها.
﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لذلكَ، أو: فانتظروا الإهلاكَ إني معكم من المنتظرينَ لهلاككُم (^٢).
(١٠٣) - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾ عطفٌ على محذوفٍ دلَّ عليه ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ كأنهُ قيلَ: فهلكَ الأممُ، ثم ننجِّي رسُلَنا.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معهم على حكايةِ الحال الماضيةِ.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "وكمال حكمته".
(٢) في (م): "بهلاككم".
[ ٥ / ١٠٨ ]
﴿كَذَلِك﴾: مِثْلَ ذلك الإنجاءِ ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾: اعتراضٌ؛ أي: حقَ ذلكَ حقًا علينا، أو بدلٌ من ﴿كَذَلِك﴾.
﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ منكم، ونهلِكُ المشركين.
(١٠٤) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابٌ لأهل مكةَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ وصحَّته.
﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ فهذا ديني اعتقادًا وعملًا فاعرِضوه على العقلِ الصحيحِ، وانظروا فيه بعين الإنصافِ؛ لتعلَموا صحَّتَها، وهو أني (^١) لا أعبدُ ما تخلقُونه وتعبدُونه، ولكن أعبُدُ خالِقَكم الذي يوجِدُكم ثم يتوفَّاكم.
وإنما خصَّ التوفيَ بالذكرِ للتهديدِ، وأنَّه حقيقٌ بأن يُخافَ ويُتَّقى فيُعبدَ، لا الجماد الذي لا يقدِرُ على شيءٍ.
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بما دلَّ عليه العقلُ، ونطق به الوحيُ، وحذفُ الجارِّ من ﴿أَنْ﴾ اجتمعَ فيهِ الوجهان: القياسُ وهو أن حذفَهُ مع (أنْ) و(أنَّ) يطَّرِدَ في سائر الأفعالِ، والسماعُ وهو حذفُه بعد فعلِ الأمرِ.
(١٠٥ - ١٠٦) - ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
_________________
(١) في (ك): "أن".
[ ٥ / ١٠٩ ]
﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾: استقِم عليهِ، ولا تلتفِت إلى غيره، عطفٌ على ﴿أَنْ أَكوُنَ﴾ وجازَ مع كون الفعلِ إنشاءً لأن حقَّ (أنْ) هذه أن تكونَ معَ الفعل في تأويل المصدرِ، والأمرُ والخبرُ في تضمُّنِ المصدر سواءٌ.
﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ من الدِّينِ أو الوجهِ.
﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾؛ أي: لا يقدِرُ على نفعٍ ولا ضرٍّ.
﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾؛ أي: فإن دعوتَ من دونِ الله ما لا ينفعُك ولا يضرُّكَ، فكُنِّي عنه بالفعلِ مجازًا (^١).
﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لأنَّ الشركَ من أعظم الظلمِ؛ لقولِه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
(١٠٧) - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ لمَّا أشارَ إلى علةِ النهي بإيرادِ (ما) (^٢) التي لغيرِ العقلاء، وسلبِ النفع والضرِّ عن أصنامهم، وإثباتِ الظلم لمن عبدَها، أتبعَهُ بإيراد العلةِ الموجبةِ لتخصيصِ العبادة باللهِ تعالى؛ وهي أنه هو الضارُّ النافعُ الذي إن أصابَك بضرٍّ لم يقدِر على كشفِه إلا هو وحدَه دونَ كلِّ قادرٍ غيرِه فضلًا عن الجمادِ الذي لا حياةَ لهُ، وإن أرادك بخيرٍ لم
_________________
(١) في (ك): "إيجازًا".
(٢) "ما" من (ك).
[ ٥ / ١١٠ ]
يَرُدَّ أحدٌ ما أرادَهُ بك من فضلِه وإحسانِه، فكيفَ بالأوثان؟ ليدلَّ على أنه هو الحقيقُ بالعبادةِ دون ما عداهُ.
وفي ذكرِ المسِّ مع الضرِّ والإرادةِ مع الخيرِ مع تلازُمِها إيماءٌ إلى أن المرادَ بالذاتِ هو الخيرُ، ولهذا لا يخلو أحدٌ منهُ، وأن الضرَّ إنما مسَّهم لا بالقصدِ الأولِ.
وفي وضع الفضلِ موضِعَ الضميرِ دلالةٌ على أنه من بابِ الامتنانِ والتفضُّلِ، لا باستحقاقٍ منا (^١) واستيجابٍ كالشرِّ، وأكَّدَ ذلك بقولِه:
﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ بالخيرِ ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وتقديمُ الضميرِ للتهديدِ، والإيماءِ إلى أن عبادةَ الغير توجِبُ المسَّ بالضر، وتعَّرضُ للعقابِ لكونه ظلمًا.
ورَجَحَ (^٢) جانبُ الترغيب فيه على جانب الترهيبِ؛ لأن المقصودَ الحثُّ على لجاء (^٣) اللهِ تعالى وحدَهُ، والاعتصامِ به.
ولا شكَّ أن داعيَ اللطفِ أيسرُ، والنفوسَ الكريمة إليه أميَلُ، فأوثرَ في الأول لفظُ المسِّ الدالِّ على ملاصقةِ الظاهرِ دون نفوذٍ، ثم في عدمِ التصريحِ بالإرادة زيادةُ لطفٍ، وكذلكَ في قولِه: ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ وكافيه من أنهُ يكشِفُه لا محالةَ إن لُذتَ بهِ (^٤).
وفي الثاني لفظُ الإرادةِ، فجعَلَ المخاطَبَ مرادًا، والخيرَ تابعًا لهُ، وفيه أبلَغُ اللطف.
_________________
(١) "منا" ليست في (ك).
(٢) في (ف) و(ك): "راجح".
(٣) في (ف) و(ك): "الجاء".
(٤) "إن لذت به" سقط من (ك)، و"لذت به" سقط من (ف)، و"لذت" تحرف في (م) إلى: "لند"، والمثبت جرى التنبيه عليه في هامش (م) بلفظ: "لعلها لذت"، وهو المناسب لسياق الكلام.
[ ٥ / ١١١ ]
ثم في (^١) إطلاقِ الإرادة وما فيهِ من شمولِ الظاهرِ والباطن زيادةُ تقويةٍ لهُ، ثم إنه طيَّبَ مسامعَهُ أولًا بكونه خيرًا مؤثرًا، وثانيًا بكونِه فضلًا، ولهذا لم يكدِّرِ الرجاءَ بالتعقيب بالاستثناءِ، وصفَّى موردَه عن شوائب الأهواءِ (^٢).
وما قيلَ: ولم يستثنِ - يعني: في الثانيةِ (^٣) - لأنَّ مرادَ الله تعالى لا يمكنُ ردُّهُ. إنما يصلُحُ وجهًا لعدمِ الاستثناء فيه على طريقةِ ما في قرينه، وطريقُه غير منحصرٍ في ذلك الوجهِ.
ومن لم يتنبَّه لكون كلِّ واحدٍ من لفظي المسِّ والإرادةِ أمسَّ بمقامِه من الآخرِ قالَ: كأنه أراد أن يذكُر الأمرين جميعًا؛ الإرادةَ والإصابةَ في كلِّ واحدٍ من الضرِّ والخيرِ، وأنَّه لا رادَّ لما يريدُ منهُما، ولا مرسل لما يصيبُ به منهُما، فأوجزَ الكلام بأنْ ذكر المسَّ وهو الإصابةُ (^٤) في أحدِهما والإرادةَ في الآخرِ ليدلَّ بما ذكرَ على ما تركَ.
ثم إنه لم يُصب في عدمِ الفرق بين المسِّ والإصابةِ. وقد أوضحنا الفرق بينهما في تفسيرِ سورة البقرة.
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تحريض وحثٌّ (^٥) على التوبة من الشركِ؛ أي: لا تيأسوا من غفرانِه وتوبوا إليه (^٦) من عصيانِه، وتعرَّضوا لرحمتِه بتوحيدِه وتخصيصِه بالعبادةِ.
_________________
(١) "في" ليست في (ك).
(٢) في (ف) و(م): "شوب الأهواء".
(٣) في (ك): "الثاني".
(٤) "وهو الإصابة" من (م).
(٥) في (ك) و(م): "وبعث".
(٦) في (ف) و(ك): "وتواليه".
[ ٥ / ١١٢ ]
(١٠٨) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾.
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ﴾؛ أي: الرسولُ بالدِّين المتينِ، والقرآنِ المبين.
﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فلم يبقَ لكم عذرٌ، ولا على اللهِ تعالى الحجةُ.
﴿اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾: فمن اختارَ الهدى واتِّباعَ الحقِّ فما ينفع إلا نفسَه.
﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: ومَن آثرَ الضلالَ فما وبالُ ذلك إلا عليها، وفيه حثٌّ على إيثارِ الهدى والإعراض عن الضلالِ.
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: بحفيظٍ موكولٍ إليَّ أمركم، وإنما أنا بشيرٌ ونذيرٌ.
(١٠٩) - ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
﴿وَاتَّبِعْ﴾: ودُم على ما أنتَ عليه من اتِّباع ﴿يُوحَى إِلَيْكَ﴾ بالامتثالِ والتبليغِ.
﴿وَاصْبِرْ﴾: على مشقَّةِ دعوتهم واحتمالِ أذاهُم.
﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ لك بالنصرةِ عليهم والغلبةِ.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: إذ لا يمكن الخطأ في حُكمهِ لاطَّلاعهِ على السرائر اطلاعَهُ على الظواهرِ.
[ ٥ / ١١٣ ]