من المعروف عن المؤلف ﵀ التزامُه بعقيدة أهل السنة والجماعة ودفاعُه عنها، وإبطالُ المذاهب الفاسدة، والأقاويل الباطلة، وتفنيدُها لكن بالحجة والبرهان لا بسلاطة اللسان.
وقد أكَّد انتماءه لأهل السنة عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] فقال: (ونحن معاشرَ أهل السُّنَّة نقول بما هو مُوجَب النَّص: مِن أنَّ الإيمان النَّافع مجموعُ الأمرين، فلا حجَّة فيه للمخالف …).
وهو في تفسيره هذا لم يَدَعْ آية فيها ردُّ على أهل الباطل، أو إبطالٌ لتأويلهم الفاسد، إلا بيَّنها وبيَّن مذهب أهل الحق فيها، فهو يردُّ على الحشوية والجبرية والكرَّامية والمعتزلة وغيرهم، وللأخيرينَ عنده موقع
[ المقدمة / ٦٥ ]
خاص في إبطال تأويلاتهم الفاسدة، وسنؤخر إيراد الأمثلة عليهم حتى آخر هذه الفقرة لكثرتها:
فمِن رده على الحشوية قولُه في آخر تفسير قصة آدم في سورة البقرة: (ولا متمسَّك للحشويَّة في هذه القصَّة على عدم عصمةِ الأنبياء ﵈؛ لأن مبناه على أن يكون آدم ﵇ حينئذ نبيًّا، وأن يكون النهي تكليفًا، وأن لا تكون التوبة إلا عن معصيةٍ، وواحدٌ منها غيرُ مسلَّم).
وبين ضلال المعطِّلة والدهرية في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] قال: (أي: الجهَّال من المعطِّلة والدَّهريَّة، والمشركين الذين لا كتاب لهم).
كما رد على الدهرية في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] فقال: (ففيه إشارةٌ إلى قوَّة تصديقهم برسول الله ﷺ، ووفورِ اعتقادِهم بنبوَّته، حيثُ صدَّقوه في أخبارٍ لا طريق إلى العلم بصِدْقها لا بالحسِّ ولا بالعقل، لا بالبديهة ولا بالكسب. وعدمُ التعرُّض للتَّصديق بالمبدأ للتنبيه على أنَّ شأنَه تعالى أظهرُ الأمور، بحيثُ كان التصديقُ به تصديقًا بأجلى المعلومات، فلا يناسب ذكره في مقام المدح بالتَّصديق بأخفى المجهولات. وفيه نعيٌ على الدَّهْرية على أبلغ وجهٍ).
وعلى الجبرية فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾
[ المقدمة / ٦٦ ]
[الأعراف: ٣٠]: (بإبطالهم الاستعدادَ الأصلي والقابليةَ الفِطْريةَ لا باقتضاءِ القضاءِ الأزلي كما زعمت الجبريةُ؛ لأن القضاء تابعٌ للمقضيِّ لا متبوعٌ له).
وفنَّد إحدى شُبَه الزمخشريِّ بأنها على طريقة الجبرية المنافية لمذهب الحق مشنِّعًا عليه فيما ذهب إليه، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] فقال: (ولا دلالة فيه على استقلال العبد في أفعاله؛ إذ يكفي في استحقاقه الملامةَ أن يكون لقدرته الكاسبة مدخلًا فيه [أي: في فعله]، ومَن قال أهو الزمخشري]: وهذا دليل على أنَّ الإنسان هو الذي يختار الشَّقاوة والسَّعادة ويحصِّلهما لنفسه، وليس من الله إلَّا التَّمكين، ولا من الشَّيطان إلَّا التَّزيين، ولو كان الأمر كما تزعم المجبِرة (^١) لقال: فلا تلوموني ولا أنفسَكم فإنَّ الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه - فقد خلَّط في كلامه، وخَبط في تمشية مرامه؛ فإنَّ ما ذكره أوَّلًا يساعده فيه أهل الحقِّ، وما ذكره ثانيًا - وهو مذهب الباطل - لا يساعده الشَّيطان أيضًا، وقد نبَّهْت فيما سبق على أنَّه لا دلالة في كلامه عليه، وما ذكره أخيرًا إنَّما يتَّجه على الجبريَّة، لا على أهل الحقِّ القائلين: لا جبرَ ولا تفويضَ، بل أمرٌ بين ذلك).
وفي تفسير: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ قال: (وكون الأمور مقدَّرةً لا تتغير، لا يصلحُ علَّةً لفساد مكرهم؛ لِمَا قرَّرناه في مواضعَ مِن أنَّه لا تأثيرَ في التَّقدير كما زعمتْه الجبريَّة).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ
_________________
(١) يعني: أهل السنة الملقبين عند الزمخشري بالمجبرة، وقد بيناه في موضعه.
[ المقدمة / ٦٧ ]
أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قال: (وفي الآية دلالةٌ على وقوع الحساب، فيكون حجةً على مَن أنكره من المعتزلة والروافض).
وأما الردود على المعتزلة فقد حفل بها هذا التفسير؛ ولعل ذلك لكثرة تأويلهم للقرآن لإثبات مذهبهم، وخفاءِ دسائسهم في كثير من الأحيان، وقد يكون من أسباب ذلك أيضًا شدة التصاقه بـ "كشاف " الزمخشري الذي دسَّ فيه كثيرًا من التأويلات الموافقة لمذهبه، فكان لزامًا على المؤلف الوقوفُ عند كلِّ شبهة، وردُّ كل تأويل يخالف مذهب أهل السنة والجماعة، فلم يترك آيةً فيها ردٌّ على المعتزلة إلَّا وَقَفَ عندها واسْتَنْبَطَ منها ما يفنِّد مذهَبَهم، أو أبرز ما ينفي فاسدَ تأويلهم، وأظهر الحجة لأهل السنَّة عليهم، وهذه الردود منها ما كان من خلال الردِّ على الزمخشري، ومنها ما هو ردٌّ مباشر عليهم:
فمن ذلك ما جاء في تفسير: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] قال: (وفي عبارة الفضل إشارة إلى أنَّه لا يجبُ على الله تعالى أن يرزقَ عبادَه، وإنَّما ذلك تفضُّلًا، ففيه رَدٌّ على المعتزلة).
ومنه ردُّه عليهم معرِّضًا بالزمخشري في قوله تعالى: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] حيث قال: (وهو حجَّةٌ على مَن منع إيتاءَ اللهِ الملكَ الكافرَ من المعتزلة. والجواب بأن المراد إيتاءُ الأسباب لا يَشْفي كما لا يَخْفَى على ذوي الألباب، وكذا ما قيل: ملَّكه امتحانًا إذ ما من قبيحٍ إلا ويمكن أن يكون فيه غرضٌ صحيح مثل الامتحان).
فقوله: (والجواب بأن …) تعريض بالزمخشري حيث ذكر في "الكشاف"
[ المقدمة / ٦٨ ]
هذين الجوابين في صرف الآية عن ظاهرها دفاعًا عن مذهبه في الاعتزال القائم على وجوب رعاية الأصلح.
ونحوه قوله في تفسير: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]: (أي: بواحدة، هذا بحكم الوعد، لا باقتضاء العدل كما توهَّمه المعتزلة؛ إذ لا حقَّ للخلق على الخالق).
يردُّ بذلك على الزمخشري في قوله: ومضاعفة الحسنات فضل، ومكافأة السيئات عدل.
ومن بيان دسائسهم قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾؛ أي: ظهر له ظهورَ المرئيِّ للرائي بأنْ خلق الله تعالى فيه حياةً وحسًّا، وهذا المعنى هو المرويُّ عن ابن عباس ﵄، وهو الموافق لمساق الكلام، المطابقُ لأصل أهل السنَّة والجماعة، ومَن صرَفه عن الظاهر فقد دسَّ فيه مذهب الاعتزال).
ومثله في تفسير: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ [التوبة: ١١٥] قال: (ليَخلقَ فيهم الضَّلالة، ومَن قال: يسمِّيهم ضلَّالًا؛ فقد دسَّ فيه مذهب الاعتزال).
وكثيرًا ما يشنِّع عليهم واصفًا إياهم بالزَّيغ والضلال كما في تفسير قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: الذي لا يغني من الحقِّ شيئًا ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾: وما أنتم إلا تخمِّنون وتقدِّرون أنَّ الأمرَ كما زعموا، وليس كذلك " لِمَا مَرَّ مِن بطلان مبنَى ذلك الظنِّ، فلا متمسَّك فيما ذكر لأهل
[ المقدمة / ٦٩ ]
الزَّيغ والضَّلال من أصحاب الاعتزال، ولا حاجة إلى التَّوجيه والتَّأويل بتقييد المشيئة أوَّلًا؛ أي: فيما مرّ، وإجرائها على إطلاقها آخرًا؛ أي: فيما يستمرّ).
ولعل من أشد ما رد به على الزمخشري ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] حيث قال: (ومن غلاةِ أصحابِ الضلالِ مَن قال: زعمَت المشبِّهةُ والمجبِرةُ أن الزيادةَ النظرُ إلى وجه اللهِ تعالى، وجاءت بحديثٍ مرقوع: "إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ نودوا: أن يا أهلَ الجنةِ! فيُكشفُ الحجابُ فينظُرون إليهِ … ".).
ثم قال: (قوله: مرقوعٌ، صحَّ بالقاف عندَهُ، ومعناهُ: مرقوعٌ مُفترًى، وأما عند أهل الحقِّ فقد صحَّ بالفاءِ، رواهُ أبو بكر الصدِّيقُ، وأبو موسى الأشعريُّ، وحذيفةُ، وابن عباسٍ، وعكرمةُ، وقتادَةُ والضحَّاكُ، وابن أبي ليلى، ومقاتل. أورده مسلمٌ في "صحيحه" عن صهيبٍ ﵁ عنِ النبي ﷺ، وأوردَه البخاري في "صحيحه" بلا إسنادٍ، وصححهُ أحمد بن حنبلٍ، والترمذِيُّ، وابن ماجَه. فالحديثُ متفقٌ على صحتِهِ، وذلك المتعصِّبُ طعن في الحديثِ الصحيحِ، والخبرِ الحقِّ الصريح، ترويجًا لاعتقادِه الفاسد، وتصحيحًا لمذهبه الباطلِ، وصحَّفَ المرفوعَ فجعله مرقوعًا ليرقِّعَ به مذهبَهُ المخروقَ، هيهاتَ، اتَّسع الخرقُ على الراقع، والحقُّ الواقعُ ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٨].
وهذا ردٌّ صريح على الزمخشري بأقسى العبارات.
وقول الزمخشري: (المشبِّهة والمجبِرة) يريد أهل السنة القائلين بجواز
[ المقدمة / ٧٠ ]
رؤيته تعالى ووقوعها في الآخرة، خلاف المعتزلة القائلين بامتناع ذلك.
وقد شنَّع غير المؤلف أيضًا على الزمخشري في ذلك، ومنهم الآلوسي الذي قال: وقول الزمخشري عامله الله تعالى بعدله: (إن الحديث مرقوع) بالقاف؛ أي: مفترى، لا يصدر إلا عن رقيع، فإنه متفق على صحته، وقد أخرجه حفاظ ليس فيهم ما يقال. نعم جاء في تفسير ذلك غير ما ذكر لكن ليس في هذه الدرجة من الصحة ولا رفع فيه صريحا).
وأخيرًا فمن أجمل ما رأيت من تحريراتِ المؤلف أنه ردَّ على اليهود والنصارى والثنوية والمجوس والمعتزلة في آية واحدة، حيث قال في تفسير الآية (١١١) من سورة الإسراء: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ على الخلوص ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ﴾ كما زعم اليهودُ والنصارى ومشركو العرب في العُزَيْر والمسيح ﵇ والملائكةِ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما زَعَمت الثَّنَويَّة ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ كما قالت المجوس: إنَّه تعالى لم يَخلُق الظُّلمة، ولا كما قالت المعتزلة: إنَّه تعالى غيرُ خالقٍ لأفعال العباد.
* * *