فقد نقل المؤلف عن الجم الغفير من أئمة التفسير واللغة والمعاني، فأولهم الزمخشري والبيضاوي، ثم عن كثير غيرهم كالزجاج والفراء والماتريدي، وأبي علي الفارسي، والراغب والقشيري، وابن عطية والقرطبي، والمرزوقي والجرجاني والواحدي، وأبي حيان والنسفي.
وكلُّهم ممن صرَّح بالنقل عنهم، إلا أنه كان يَنقل دون تصريحٍ في الغالب، لكن يمكن معرفة المصدر من خلال المقارنة والمقابلة.
وسيكون التفصيل الأكثر في علاقته بالزمخشري والبيضاوي من خلال تفسيريهما، وكيفية إفادته منهما، وطريقته في تعقبهما.
ويمكن تلخيص تأثُّر المؤلف بهذين التفسيرين بأمرين: اختيارات وتعقبات، فهو من جانب ينقل منهما وبلفظهما التفسير والقراءات والأخبار وأسباب النزول، ويتابعهما في كثير من الوجوه الإعرابية وتوجيه القراءات والمعاني القرآنية، ومن جانب آخر يُكثر من التعقُّب عليهما وتخطئتهما إلى درجةٍ أصبح معها ردودُه وتعقباته عليهما من أبرز سمات هذا الكتاب:
فمن الأمور التي تابعهما فيها دون النظر إلى ما قاله غيرهما: ما جاء عند
[ المقدمة / ٣٣ ]
تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩]، قال في إعرابها: (صفةٌ أُخرى في محلِّ الجرِّ، و(ظلماتٌ) مرفوعٌ بفاعلية الظَّرفِ بالاتِّفاق؛ لاعتمادهِ على الموصوف).
كذا نقل هذا الاتفاق عن الزمخشري في "الكشاف"، وتابعه البيضاوي في "تفسيره"، لكن بالبحث فيما قاله العلماء نجد أن القول بالاتفاق هنا قد يكون مقتصرًا على الزمخشري ومتابعيه، بينما أجاز الكثير من العلماء المعتبَرين فيهما الابتداء والخبر، منهم مكيُّ بن أبي طالبٍ والعُكْبريُّ والقرطبيُّ وأبو حيان والآلوسيُّ. وإن كان أبو حيان قد استبعده بقوله: ولا حاجة إلى هذا؛ لأنَّه إذا دار الأمر بين أن تكون الصفة من قبيل المفرد، وبين أن تكون من قبيل الجمل، كان الأَولى جعْلَها من قبيل المفرد (^١).
ومن الأمثلة أيضًا على متابعته لهما ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٠٣] حيث نقل بالحرف قول البيضاوي: (﴿خَيْرٌ﴾ جواب (لو)، وأصله: لأُثيبوا مثوبةً من عند الله خيرًا مما شَرَوا به أنفسهم، فحُذف الفعل وركِّب الباقي جملةً اسمية ليدل على ثبات المثوبة والجزمِ بخيريتها، وحُذف المفضَّل عليه إجلالًا للمفضَّل من أن ينسب إليه).
وفي تفسير ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] نقل بالحرف قول
_________________
(١) انظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب (١/ ٨١)، و"الإملاء" للعكبري (١/ ٣٥)، و"تفسير القرطبي" (١/ ٣٢٧)، و"البحر المحيط" (١/ ٢٤١)، و"روح المعاني" (١/ ٤٨٠).
[ المقدمة / ٣٤ ]
الزمخشري: (وقرئ: ﴿خُطُوَاتِ﴾ بضمتين، وضمةٍ وسكونِ الطاء، وبفتحتين، وفتحةٍ وسكونها. والخَطْوةُ بالفتح: المرةُ من الخَطْو، وهو نقلُ قدم الماشي، والخُطْوة بالضم: اسم ما بين قدمي الخاطي، وهما كالقَبْضة والقُبْضة).
ومثله في النقل عن الزمخشري قوله: (ثم إنه كنَى بمجموع قوله: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] عن الجماع، وقد كُني عن الجماع في جميع القرآن بلفظٍ مستحسَنٍ لا يدلُّ على معنى القبحِ مراعاةً للأدب - ولا أدبَ كأدبِ التنزيل - كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، إلا هاهنا فإنه كُني عنه بما دلَّ على معنى القبيح استهجانًا واستقباحًا لِمَا ارتكَبوه، ولذلك سمَّاه خيانةً).
والأمثلة على هذا كثيرة لا تحتاج إلى تدليل، ولكن أردنا أن لا نُخْلي البحث من بعض الأمثلة على نقله عن كلِّ منهما، وإنما الذي يُحتاج للوقوف عنده هو ما كان فيه مع النقل زيادةٌ أو تغييرٌ أو تعقُّب، فمن أمثلة الزيادة:
ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: (مفعول ﴿يَوَدُّ﴾، و﴿مِنْ﴾ الأولى مزيدة للاستغراق، والثانية للابتداء، وفسر الخير بالوحي، والمعنى:
[ المقدمة / ٣٥ ]
أنهم يحسدونكم به وما يحبون أن ينزل عليكم شيء منه وبالعلم وبالنصرة).
وهذا منقول بالحرف من البيضاوي، ثم قال البيضاوي: ولعل المراد به ما يعم ذلك.
وقال المؤلف: (والوجهُ تعميمُه للكلِّ؛ لأنَّه نكرة في سياق النفي بالواسطة).
وقد تكون الزيادة خلال الكلام لا في آخره، ومن ذلك تفسير قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] قال: (من الأنبياء ﵈، والأممِ من لدُنْ آدمَ ﵇، يعني: أنه عبادةٌ قديمة ما أَخْلَى الله تعالى أمَّةً من افتراضها عليهم، ففيه توكيدٌ للحكم، وترغيبٌ على الفعل، وتطييبٌ على النَّفْس).
وهو من البيضاوي دون قوله: (يعني: أنه عبادةٌ قديمة ما أَخْلَى الله تعالى أمَّةً من افتراضها عليهم).
ومن أمثلة التغيير: ما جاء في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] قال: (بالأداء لوقتها والمداوَمةِ عليها. والأمرُ بها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يُلهيهم الاشتغالُ بشأنهم عنها).
ومثله في البيضاوي إلا أنه قال: (… ولعل الأمر بها …)، بزيادة كلمة: (لعل).
ومن أسلوب الزمخشري في "الكشاف" طريقة (فإنْ قيل .. - أو قلتَ .. - قلتُ ..)، لكن المؤلف - ولعله من باب الاختصار - كثيرًا ما يُجمل الكلام
[ المقدمة / ٣٦ ]
ويجعله خلوًا عن الأسلوب المذكور، فمن ذلك تفسير قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ قال: (وتنكيرُ الرشد معناه: نوعًا من الرشد، وهو الرشد في التصرف والتجارة، أو: طرفًا من الرشد حتى لا يُنتظرُ إلى تمامه، ونظم الآية: (إنْ) الشرطيةُ جواب ﴿إِذَا﴾ المتضمنةِ معنى الشرط، والجملة غايةُ الابتلاء، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقِهم دفعَ أموالهم إليهم بشرطِ إيناسِ الرُّشد منهم).
وقال الزمخشري: فإن قلتَ: ما معنى تنكير الرشد؟ قلتُ: معناه: نوعًا من الرشد، وهو الرشد في التصرف والتجارة، أو: طرفًا من الرشد ومخيلة من مخايله حتى لا ينتظر به تمام الرشد. فإن قلتَ: كيف نظم هذا الكلام؟ قلتُ: ما بعد (حَتَّى) إلى ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ جعل غاية للابتلاء، وهي (حتى) التي تقع بعدها الجمل … والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية لأن ﴿إِذَا﴾ متضمنة معنى الشرط، وفعل الشرط ﴿بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ جملة من شرط وجزاء واقعة جوابا للشرط الأول الذي هو ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم.
فانظر كيف غيَّر المؤلف ﵀ واختصر، لكن مع المحافظة على المعنى.
ومثله في تفسير قوله تعالى: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ قال: (وتنكيرها لأن المطر
[ المقدمة / ٣٧ ]
يأتي على تناوُبٍ بين البقاع، فتسيل في بعض الأودية دون بعض، وكذا في الممثَّل له ليس كلُّ قلب قابلًا بل بعضٌ منها دون بعض، ﴿بِقَدَرِهَا: بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضارٍّ، أو: بمقدارها في الصِّغر والكبر).
بينما قال الزمخشري: فإن قلتَ: لم نكرت الأودية؟ قلتُ: لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض. فإن قلتَ: فما معنى قوله: ﴿بِقَدَرِهَا﴾؟ قلت: بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم غير ضارّ، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ لأنَّه ضرب المطر مثلًا للحق، فوجب أن يكون مطرًا خالصًا للنفع خاليًا من المضرة، ولا يكون كبعض الأمطار والسيول الجواحف.
فغيَّر المؤلف في الأسلوب، واختصر، وزاد قولًا في آخر كلامه.
لكنه في المقابل لا يقبل كلَّ ما يقوله الزمخشريُّ والبيضاوي، بل يردُّ عليهما في كثير جدًّا من المواضع، وهذا ينقلنا إلى عرضِ طريقته في التعقُّبات والردود، والتي تعدُّ من أبرز السمات في منهج المؤلف كما سيرد في الأمثلة الكثيرة التي سنسوقها:
فمن ذلك ردُّه على كلٍّ من الزمخشري والبيضاوي وشرَّاحهما تأويلاتهم في آية: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ فقال: (والمعنى والله أعلم: ولكنَّ البرَّ هذه العقائدُ الصحيحةُ والأعمالُ الصالحةُ، والوصفُ كما يُذكر في مَقام الموصوف بلا حذفٍ ولا
[ المقدمة / ٣٨ ]
تجوُّزٍ بحسَب اللفظ كما في قولك: رجلٌ عَدْلٌ، فإن التجوُّز فيه في الإسناد دون المسنَد، كذلك يُذكر الموصوفُ في مَقام الوصف بلا حذفٍ ولا تجوُّزٍ بحسَب اللفظ كالذي نحن فيه تنزيلًا للموصوف مَنزلتَه …).
ثم قال: (وفي المصير إلى التقدير في مثلِ هذا المقامِ تنزيلٌ للكلام عن مَنزلته الرَّفيعة، وتغييرٌ لصورته البديعةِ، على أنه إذا قيل: ولكنَّ البرَّ برُّ من اَمن .. إلخ، يُفهم منه عدمُ الاعتبارِ لبِرِّ مَن قصَّر في بعض تلك الأعمال، وإذا قيل: ولكنَّ ذا البرِّ مَن آمَن .. إلخ، يخرج الكلام عن سَنن الانتظام، وأيضًا لو قُصد هذا لكان المناسبُ أن يقال: ولكنَّ البَرَّ، بفتح الباء).
ففي هذا رد على الزمخشري في التقديرين المذكورين، وعلى مَن تابعه كالبيضاوي والنسفي وغيرهما، ولا ندري هل غفل هؤلاء الأئمة عن الوجه الذي نحاه المؤلف في تفسير الآية، أم عرفوه لكنهم ما اعتبروه؟
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] قال: (نزلت لمَّا قال المشركون أو اليهود: ألَا ترون إلى محمدٍ ﵇ يأمر أصحابه بأمرٍ، ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه. ففي الآية دلالةٌ على جواز النسخ، بل على وقوعه.
قيل (والقائل البيضاوي): وذلك لأن الأحكام شُرعت والآياتِ نزلت لمصالح العباد وتكميلِ نفوسهم فضلًا من الله تعالى ورحمةً، وذلك يَختلِف باختلافِ الأعصار والأشخاص؛ كأسباب المعاش، فإنَّ النافع في عصرٍ قد يَضُرُّ في غيره).
[ المقدمة / ٣٩ ]
ثم تعقب القيل المذكور بقوله: (وكأنَّ هذا القائلَ غافلٌ عن قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، أو عن دلالته على أنَّ النسخ قد يكون غضبًا على قوم.
ثم إنَّ قوله: وذلك يختلف باختلاف الأعصار … إلخ، مَبناه الغفولُ عن أن النسخ قد يكون قبل العمل بالمنسوخ).
وانظر إلى قوله: (﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]: ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ فاعلُ ﴿كُتِبَ﴾، وتأنيثُها ليست بحقيقة فيجوز تذكيرها - ولا حاجة إلى ما قيل: وتذكير الفعل للفاصل، أو لأنها بمعنى: أن يوصيَ، ولهذا ذكِّر ضميرها في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ - والعامل في ﴿إِذَا﴾ مدلولُ ﴿كُتِبَ﴾ لا ﴿الْوَصِيَّةُ﴾؛ لتقدُّمه عليها).
فقوله: (ولا حاجة …) رد على البيضاوي، وقوله: (والعامل …) نقله منه بالحرف معتمدًا إياه.
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٨] قال: (تقبيحٌ بليغٌ لِمَا كانوا يتعاطَونه من المنكَرِ في ذلك مع اطِّلاع بعضِهم على حالِ بعضٍ، ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: بالجهة التي ليست مشروعةً؛ كما في العقود الفاسدة، والأكسابِ الخبيثة، وأموالِ الغنيمة قبل القسمة، هذا هو الظاهر من قوله: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾.
قيل: أي: ولا تأكلوا بعضُكم مالَ بعضٍ. ولا يخفى ما فيه من الصَّرف عن الظاهر بلا داعٍ إليه).
[ المقدمة / ٤٠ ]
وصاحب القيل المذكور هو الزمخشري، وتابعه فيه البيضاوي.
ومن تعقُّباته على البيضاوي قولُه في تفسير: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ﴾ [النساء: ١٢]: (أي: ولواحد منهما، فلا ضرورة للحمل على الاقتصار كما ذهب إليه مَن قال: أي: وللرجل، واكتُفيَ بحُكمه عن حُكم المرأة لدلالةِ العطف على تشارُكهما فيه).
والقائل المذكور هو البيضاوي في "تفسيره".
ومن أجمل الأمثلة على تعقُّبه للبيضاوي كلامُه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] حيث قال: (ومَن قالَ في تفسيره [أي: تفسير الكظم، والقائل هو البيضاوي]: الممسِكينَ عليهِ، الكافِّينَ عن إمضائهِ معَ القدرةِ عليهِ، فلَم يُصِب في اعتبارِه القيدَ الأخيرَ؛ لأنهُ غيرُ لازمٍ في كظمِ الغيظِ، على ما يُفهَم من قولهِ ﵇: مَن كظَم غيظًا وهو يقدِرُ على إنفاذِه ملأَ الله قلبَهُ أمنًا وإيمانًا).
قلتُ: ومراد المؤلف ﵀: أن الكف عن إمضاء الغيظ مع القدرةِ عليه ليس داخلًا في معنى الكظم، بدلالة تقييدِه به في الحديث، ولو كان منه لَمَا قيِّد به، والبيضاوي جعله داخلًا في معنى الكظم.
ومن الأمثلة الحسنة أيضًا قولُه عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١]: (إذا نالهم وسوستُه، قيل [والقائل البيضاوي]: كأنه: طافت بهم ودارت حولهم فلم تقدر أن تؤثر فيهم).
[ المقدمة / ٤١ ]
ثم تعقبه بقوله: (ومبناه الغفول عن دلالة المس).
فنسبه إلى الغفلة هنا، وأحيانًا ينسبه إلى الوهم كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] قال: (وقوله: ﴿أَبَدًا﴾ منصوب بـ ﴿تُصَلِّ﴾، وبه صارت الآية محكَمة، لا بـ ﴿مَاتَ﴾ كما توهَّمه مَن قال: فإنَّ إحياء الكافر للتعذيب له دون التمتُّع، فكأنه لم يَحْيَ).
والقائل هو البيضاوي.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] قال: (وهذا السؤال ظاهرٌ في غيبة الشركاء، وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] نصٌّ فيها، فلا وجه لمَا قيل: يجوز أن يَحضروا ويشاهِدوا ولكنْ لمَّا لم ينتفعوا بهم ولم يكن فيهم ما رَجَوا من الشفاعة لهم جُعِلوا كأنهم غُيَّبٌ عنهم، وهو أبلغ في التوبيخ؛ إذ وجودهم أضرُّ من العدم.
وأما ما قيل: يجوز أن يُحال بينهم وبينها حينئذ ليتفقَّدوها في الساعة التي علَّقوا بها الرجاء فيها. فيَرِدُ عليه: أنه حينئذ ينكشف الحال عندهم، ويعلمون أنه لا منفعة لهم في آلهتهم، بل مضرَّة، فلا احتمال للتفقُّد).
وكلا القيلين ذكرهما الزمخشري وتابعه عليهما البيضاوي.
وردَّ عليهما في تفسير قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] قال: (بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها؛ … وقد دل الباء السببية على أنهم
[ المقدمة / ٤٢ ]
يعرفونهم بالأمارات الظاهرة، فلا وجه لِمَا قيل: وعرفانُهم ذلك يجوز أن يكون بالإلهام من الله تعالى، أو بتعريف الملائكة).
وعليهما في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ [يوسف: ١٠١] قال: (بعضَ الملك، وهو مُلك مصر، ومَن قال: أو بعضَ ملك مصر، فكأنه غفل عن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]).
ومثله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] قال: (لئلا يقولوا: لولا أَرسلت إلينا رسولًا فيوقظَنا من سِنَة الغفلة، وينبِّهَنا لِمَا يجب الانتباه له. ومَن قال: وفيه تنبيه على أن بعثة الأنبياء ﵈ إلى الناس ضرورةٌ؛ لقصور الكل عن إدراك جزئيات المصالح، والأكثرِ عن إدراك كلياتها = فلم يتنبه لعدم مساعدة الاقتصار على التبشير والإنذار لذلك، فإن الأهم حينئذ ذكر بيان الأحكام كما لا يخفى على ذوي الإفهام.
وصاحب القول المذكور هو البيضاوي.
وأمَّا ما قيل: واسمع غيرَ مسمعٍ مكروهًا، من قولهم: أسمعه فلان، إذا سبَّه، فيأباه السياق، وكونه على قصد النفاق لا يتحمله السياق لأنهم بقولهم: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أظهروا الخلاف والشقاق).
وهذا المردود هو قول أجازه الزمخشري وتابعه عليه البيضاوي لكنه زاد عليه قصد النفاق.
[ المقدمة / ٤٣ ]
ومثل ذلك ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ قال: (بكلِّ معبودٍ سوى الله، ولا يلزمُ إطلاق الطاغوت على عزيرٍ وعيسى والملائكة ﵈؛ لأن عبَّادهم ما عبدوهم في الحقيقة، بل عبدوا الشيطان على ما يأتي تفصيله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]).
ثم قال: (وبهذا التفصيل … تَبيَّن الخللُ فيما قيل: بالشيطان أو الأصنام، أو كلِّ ما عُبد من دون الله، أو صدَّ عن عبادة الله).
وفيه رد على الزمخشري والبيضاوي، حيث قال الزمخشري: (فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام)، وزاد عليها القاضي: (أو كل ما عبد من دون الله، أو صد عن عبادة الله تعالى)، وهي عينها عبارة المؤلف.
ومن ردوده عليهما ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] قال: (وجوِّزَ أن يكونَ التقديرُ: (ويقولُ: أرسلتُ رسولًا)، ولا يخفَى ضعفُهُ؛ إذ فيه إضمارُ شيئينِ: القولُ ومعمولُهُ).
والمجوِّز الزمخشري وتابعه البيضاوي.
وفي تفسير: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١] قال: (عبارةُ ﴿كُلِّ﴾ للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، وقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]، ومَن لم يتنبه لهذا احتاج إلى تخصيص الشيء بالذي يتعلَّق بالدِّين، ثم تكلَّف في بيانه
[ المقدمة / ٤٤ ]
فقال: إذ ما من أمر دينيٍّ إلا وله سندٌ من القرآن بوسطٍ أو بغير وسطٍ، ولم يَدْر أن عبارة التفصيل لا تتحمَّل هذا التأويل.
وقوله: (ومَن لم يتنبه لهذا ..) أراد به البيضاوي.
وهناك ردود خفيَّةٌ مَطْويَّة في ثنايا الكلام لا يُتنبَّه إليها إلا بالمقارنة والمقابلة، وهي أكثر من أن تُحصى، فمن ذلك:
ما جاء في تفسير: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] قال: (رُوي أنَّ سريَّةً لرسول الله ﷺ غزت أهل فدك، فهربوا وبقي مرداسٌ ثقةً بإسلامه، فلما رأى الخيلَ أَلجأ غنمه إلى عاقولٍ من الجبل وصعد، فلمَّا تلاحَقوا وكبَّروا كبَّر ونزل وقال: لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسول الله، السلامُ عليكم. فقتله أسامةُ ﵁ واستاق غنمه، فنزلت).
ثم قال: (ولا دلالة فيه على صحة إيمان المكرَه، وإنَّ ما رُوي ليس من الاجتهاد المعهودِ في شيء).
ردَّ على البيضاوي في قوله: وفيه دليل على صحة إيمان المكره، وأن المجتهد قد يخطئ، وأن خطأه مغتفر.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ذكر سبب النزول، وهو أنه فقِدَت قَطيفةٌ حمراءُ من الغنائمِ يوم بدرٍ؛ فقالَ بعضُ مَن كان مع النبيِّ ﷺ: لعلَّ رسولَ الله ﷺ أخَذَها، فنزَلَتْ.
ثم عقبه بقوله: (وقائلُ ذلكَ مؤمنٌ لم يظنَّ في ذلك حرجًا).
[ المقدمة / ٤٥ ]
وهذا رد على الزمخشري والبيضاوي في جعل القائل منافقًا.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] قال بعد أن ذكر تفسيرها: (ولا يجوز أن يكون معناه: إلا في السَّفر؛ لأن السفر ليس بمرخَّصٍ فيه، والمصيرُ إلى أن المعنى: إذا لم يَجد الماء وتَيمَّمَ، ارتكابٌ لتعسُّفٍ ظاهرٍ).
وفيه رد على البيضاوي القائل: أي: لا تقربوا الصلاة جنبًا في عامة الأحوال إلا في السفر، وذلك إذا لم يجد الماء وتيمم.
ومثله في تفسير: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قال: (أي: مدعوًّا عليك بـ: لا سمعتَ؛ لصممٍ أو موت، أو: اسمع غيرَ مُجابٍ إلى ما تدعو إليه، أو: اسمع غير مسمَعٍ كلامًا ترضاه …
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] قال في نهاية كلامه: (وليس هنا دليل على وجوب الوقوف فيه).
وفيه رد على البيضاوي حيث قال: وفيه دليل على وجوب الوقوف بها؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده وهي مأمور بها بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾.
وكذا في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ قال: (استئنافٌ تعليليٌّ، فلا وجه لتقدير: ولكن).
وفيه رد على البيضاوي في قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ إذ الإِكراه في
[ المقدمة / ٤٦ ]
الحقيقة إلزامُ الغير فعلًا لا يرى فيه خيرًا يحمله عليه، ولكن ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ …
وكذا في تفسير ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال: (بيانٌ وتقريرٌ بنفي السِّنَة والنوم؛ لأن الذي يملكهما وما فيهما يحفظُهما وما فيهما بتدبيره، فلا يمكن أن ينام وإلا لزالَتَا عن النظام، ولهذا تَرتَّبَ على ما قبلَه من غير حرفِ عطفٍ، ولو كان تقريرًا لقيوميته كما قيل لاتَّحد مع ما قبله في هذه الجهة، فكان حقَّه أن يُرتَّب عليه بحرفِ عطفٍ).
والكلام رد على ما قاله البيضاوي: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تقرير لقيوميتَّه، واحتجاج به على تفرده في الألوهية.
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]: (بسبب ظلمهم، وهو تعنُّتهم في السؤال، فلا دلالة فيه على استحالة المسؤول).
رد للبيضاوي في قوله: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾: بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم ما يستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها، وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقًا.
وكذا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] قال: (ارتفع ﴿امْرُؤٌ﴾ بمضمر يفسره الظاهر، و﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ صفة له، ولا يجوز أن يكون حالًا عن المستكنِّ في ﴿هَلَكَ﴾ لأنَّه تفسير غيرُ مقصود).
[ المقدمة / ٤٧ ]
وهو رد على البيضاوي في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ صفة له [يعني: لـ ﴿امْرُؤٌ﴾] أو حال من المستكن في ﴿هَلَكَ﴾.
قلت: ومعنى كون ﴿هَلَكَ﴾ تفسيرًا غير مقصود: أنه مفسر للرافع لـ ﴿امْرُؤٌ﴾، ولذلك فهو غير مقصود.
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ [هود: ٤٥]: (أُريدَ النداءُ في نفسهِ، ولا دلالةَ في عطفِ قوله: ﴿فَقَالَ﴾ على تقديرِ الإرادةِ؛ فإنهُ من قَبيلِ عطفِ المفصَّلِ على المجمَلِ، بل نقولُ: لا وجه لتقديرِها؛ لأن الإخبارَ عنها خلوٌ عن فائدةِ الخبرِ ولازِمها).
رد على الزمخشري والبيضاوي؛ إذ الأول قال: فإن قلتَ: فإذا كان النداء هو قوله: ﴿رَبِّ﴾، فكيف عطف ﴿فَقَالَ رَبِّ﴾ على ﴿نَادَى﴾ بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادةُ النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء كما جاء قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] بغير فاء.
واختصر كلامه البيضاوي بقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ: وأراد نداءه، بدليل عطف قوله: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ فإنه النداء.
وكثيرًا ما كان يأتي التنبيه على الردود في حواشي النسخ الخطية:
فمن ذلك قوله: (﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] الذي يجبُ أن يُحمَلَ عليهِ).
جاء في هامش بعض النسخ الخطية: (من قال: أي: لا يهتدي إلى تأويله، فقد ضل؛ لأن الاهتداء لا يجوز إسناده إليه تعالى. منه). وفيه ود بل تشنيع على الزمخشري القائل للعبارة المذكورة.
[ المقدمة / ٤٨ ]
وكذا قوله: (﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا﴾ وما يصحُّ لنا ﴿أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا﴾ وقتَ ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] عودَنا، هذا هو الذي يقتضيه المساق، وتقدير الخذلان من خذلان التقدير).
جاء في هامش إحدى النسخ: (دس الزمخشري هنا مذهبه الباطل ولم يتفطن البيضاوي. منه).
والمراد قول الزمخشري: فإن قلتَ: فما معنى قوله: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ والله تعالى متعال أن يشاء ردَّةَ المؤمنين وعودَهم في الكفر؟ قلت: معناه: إلا أن يشاء الله خذلاننا ومنعنا الألطاف، لعلمه أنها لا تنفع فينا وتكون عبثًا، والعبث قبيح لا يفعله الحكيم.
وتابعه البيضاوي مختصرًا كلامه بقوله: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا: وما يصح لنا ﴿أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ خذلانَنا وارتدادنا.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] قال البيضاوي: والإمام اسم لمن يُؤتمُّ به، وإمامته عامةٌ مؤبدة، إذ لم يُبعث بعده نبيٌّ إلا كان من ذريته مأمورًا باتباعه.
بينما قال المؤلف: (وإمامتُه ﵇ مؤبَّدةٌ؛ إذ لم يُبعث بعده نبيٌّ إلا كان مأمورًا باتِّباعه).
وجرى التنبيه في هوامش النسخ على الحذف الذي أحدثه المؤلف في عبارة البيضاوي بالقوله: (لم يقل كما قال القاضي: إلا كان من ذريته .. إلخ؛ لأنَّه مع استدراكه في مقام التعليل محل مناقشة. منه).
[ المقدمة / ٤٩ ]
ومن ذلك قوله: (﴿فَإِنْ كَانَ﴾؛ أي: إنْ كان المقتول ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢]).
جاء في هوامش بعض النسخ: (مَن زاد على هذا قوله: (المؤمن) فكأنه غافل عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. منه).
وهو رد على قول البيضاوي في "تفسيره": أي: فإن كان المؤمن المقتول.
ومما كثر فيه الردود وجرى التنبيه عليه في هوامش النسخ ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] قال المؤلف: (نُهوا عن تَمنِّي ما فضَّل الله به بعضَ الناس على بعضٍ من الجاه والمال والعلم، مع قطع النظر عن كونه ذريعةً إلى التحاسد والتباعد؛ لأن ذلك التفضيلَ قسمةٌ من الله تعالى على ما اقتضتْه حكمتُه، فليَرْضَ كلُّ واحد بما قُسم له، علمًا بأنه هو الذي فيه صلاحه.
ولا يَذهَبْ عليك أن موجَبَ هذا أن يكون التمنِّي المذكورُ منهيًّا سواءٌ كان مقارِنًا للطلب أو لم يكن، فمَن وفِّق بالتعليل المذكور ثم قال: وأنَّه تَشَهٍّ لحصول الشيء له من غير طلب وهو مذموم؛ لأن تَمنِّيَ ما لم يقدَّرْ له معارضةٌ لحكم القدر، وتمنيَ ما قدِّر له بكسبٍ بطالةٌ وتضييعُ حظًّا، وتمنيَ ما قدِّر له بغيرِ كسبٍ ضائعٌ وباطلٌ (^١) = لم يكن على بصيرةٍ.
ثم إنَّ قوله: معارضةٌ لحكم القدر، مبناه الغفولُ عما بُيِّن في موضعه من أنه لا حكم للقدر، وإلا يلزمُ الجبرُ وَيبطل التكليف.
_________________
(١) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧١ - ٧٢).
[ المقدمة / ٥٠ ]
ثم إن الشقَّ الأخير في معرض المنع؛ إذ يحتمل أن يكون ما قدِّر له بغير كسبٍ مشروطًا بالتمني فلا يلزم المحذور المذكور).
وقد جرى التنبيه في هامش إحدى النسخ أن الكلام رد على البيضاوي، وهو كما قال، وهذا نص كلامه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ومن الأمور الدنيوية كالجاه والمال، فلعل عدمه خير، والمقتضي للمنع كونه ذريعةً إلى التحاسد والتعادي، معربةً عن عدم الرضا بما قسم الله له، وأنَّه تشهٍّ … - إلى قوله - ضائعٌ وباطلٌ.
ونحوه: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] قال: (ينتظرون تجدد حال بكم).
جاء في هامش إحدى النسخ (نافعًا كان أو ضارًّا، ومن قال: وقوعَ أمر بكم، فقد خصه بالثاني لأن الوقوع إذا تعدَّى بالباء يختص به على ما ذكره الجوهري، ولا وجه لتخصيص المذكور. منه).
قلت: والقائل المشار إليه هو البيضاوي.
ومن الأمثلة الحسنة أيضًا قول المؤلف: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] حينئذٍ، أو في الدنيا، والمراد بالسبيل: الحجة، ولا متمسَّك فيه لأصحاب الشافعي على فساد شراء الكافر المسلم، ولا للحنفية على حصول البينونة بنفس الارتداد).
جاء في هامش إحدى النسخ: (والمفهوم من كلام القاضي خلاف ذلك. منه).
[ المقدمة / ٥١ ]
قلت: فقد قال القاضي: واحتج به أصحابنا على فساد شراء الكافر المسلمَ، والحنفية على حصول البينونة بنفس الارتداد، وهو ضعيف لأنَّه لا ينفي أن يكون إذا عاد إلى الإِيمان قبل مضي العدة.
ومن ذلك قوله في شرح الكلالة: (وهو في الأصل مصدرٌ بمعنى الكَلَال، فاستُعيرت لقرابةٍ لا يقارنُها النسبة).
جاء في هامش بعض النسخ: (من قال: ليست بالبعضية، لم يُصب لأنَّه حينئذ تخرج الأم والجدة من الكفالة. منه).
والقائل المذكور هو البيضاوي، ولفظه: .. فاستعيرت لقرابة ليست بالبعضية؛ لأنها كالة بالإِضافة إليها …
فانظر إلى هذه الدقة العجيبة عند المؤلف في اختيار الألفاظ، وكيف ينقل العبارة بحرفها لكنه يدقق في كل لفظة فينتقي كلمة يراها هي الأنسب بدل أخرى رآها لا تناسب المقام.
وهذا منهج مطرد عند المؤلف، وقد ورد في هذا الكتاب الكثير من أمثاله، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ قال: (وفيه دلالةٌ على أن إرادةَ اللهِ تعالى يصحُّ تعلُّقها بالإغواءِ، وأنَّ خلافَ مراده تعالى غيرُ واقعٍ).
فجاء في هامش إحدى النسخ: (عبارة القاضي: محال، ولا دلالة في الكلام المذكور على الاستحالة، منه).
وعبارة القاضي: (.. وأن خلاف مراده محال)، فوضع المؤلف كلمة (غير واقع) بدل كلمة: (محال) للتعليل المذكور في الهامش.
[ المقدمة / ٥٢ ]
ومثله ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قال: (رُوي أنه تعالى أمر موسى ﵇ أن يسري ببني إسرائيل، فأَتْبعهم فرعون وجنوده مشرقين، فلما تراءى الجمعان وهم على شاطئ البحر أوحى الله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، فضرب فظهر فيه اثنا عشر طريقًا يابسًا، فسلكوها حتى جاوَزوا البحر، ثم وصل إليه فرعونُ ورآه منفلِقًا اقتحم فيه هو وجنوده فالتطم عليهم وأغرقهم أجمعين).
فجاء في هامش إحدى النسخ: (فيه رد للقاضي في قوله: وصادفوهم في شاطئ البحر). وفي هامش أخرى: (فيه رد للقاضي في قوله: فصبحهم). وعبارة البيضاوي: (فصبحهم فرعون وجنوده، وصادفوهم على شاطئ البحر).
ومن أمثلة هذا النهج أيضًا ما جاء عند تفسير: ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨١] قال: (كانَ الظاهرُ أن يقالَ: ثم يوفَّى ما كسبَ؛ ليتَّصِلَ بقوله: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ لفظًا، وإنما عدَلَ عنهُ …)
فعند كلمة: (كان الظاهر) جاء في هامش بعض النسخ: (عبارة القاضي: وكان اللائق، ولا يخفى أنها ليست لائقة لمقامها. منه).
ومن ذلك قوله: (والواو في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٢] للحال، وغيرُ الله ينتظِمُ الجنَّ والملَك … ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ من جهة فصاحة اللفظ وبلاغةِ النَّظْم وصحةِ المعنى؛ لأن الخطيب الفصيح
[ المقدمة / ٥٣ ]
البليغ إذا كثُر كلامه اختلَّ نظامه، واختلفت أقسامُه، خصوصًا إذا تطاولت في تفاريق كلامه أيامُه؛ لنقصان قُدرة غير خالق القُوى والقُدَر).
فجاء في هامش بعض النسخ: (من قال: لنقصان القوة البشرية، لم يدر أنه لا يكفي في تمام التقرير على ما نبهت عليه. منه).
والقائل المذكور هو البيضاوي.
وإن مَن يعرف أسلوب المؤلف وينقِّب في ثنايا كلامه يجد أن الكتاب قد امتلأ بالردود والتعقُّبات - كالتي مرت ونحوِها - كما هو شأن كتاباته كلها، فهو أبعد ما يكون عن التسليم لأحد مهما كانت مكانته العلمية، ولعله مِن هنا تستمِدُّ كتاباته تلك المكانة، وهو كونه ليس مجرد ناقل بل محقِّقٌ باحث دأبُه إعمالُ الفكر والعقل، والبحثُ عن مواضع النظر في كلام السابقين.
* * *