أما عن أسلوبه في القراءات فنهجُه أقرب إلى نهج الزمخشري من عدم ذكر صاحب القراءة مع عدم العناية بالتمييز بين المتواتر والشاذ، فتجدُه يذكر ما يَرِدُ من القراءات المتواتر منها والشاذ متداخلةً مع بعضها، بينما نجد البيضاوي يُعنى كثيرًا بنسبةِ كلِّ قراءة لأصحابها من السبعة أو العشرة.
ويظهر إصرار المؤلف على هذا النهج من خلال نقله كثيرًا من قراءاتِ السبعة أو العشرة عن البيضاوي أو النسفي مع حذف القارئ:
_________________
(١) انظر: "روح المعاني" (٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨).
[ المقدمة / ٧٣ ]
ومثال ذلك عند البيضاوي: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ١٢٨] قال: (أن يتصالَحا بأنْ تحطَّ له بعضَ المهر أو القَسْم، أو تَهبَ له شيئًا تستميلُه، وقرئ: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ مِن أَصلَحَ بين المتنازعَين …).
فهذا الكلام منقول بالحرف من البيضاوي، لكن البيضاوي ﵀ قال: (وقرأ الكوفيون: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ فجعلها المؤلف: (وقرئ …) وحذف الكوفيين، والكوفيون هم عاصم وحمزة والكسائي من السبعة.
وانظر هنا كيف تابع البيضاوي أيضًا بالتصدير بقراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو من السبعة.
ومن ذلك قوله: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ بكسر النون، والفتحُ لحنٌ؛ لأنَّ النُّون إنَّما تُفتَح في موضع الرَّفع، وهذا موضعُ النَّصب، وأصله؛ تَشهدونني، فحذفت النُّون الأولى للنَّصب، والياءُ لدلالة الكسرة عليها، وبالياء في الوصل والوقف).
والكلام منقول من "تفسير النسفي "، والقراءة بالياء عزاها النسفي ليعقوب، لكن المؤلف حذف كلمة يعقوب مع أنه نقل باقي الكلام بحرفه.
لكن الغالب في القراءات عنده النقل عن الزمخشري سواءٌ المتواترُ والشاذُّ، وكذا توجيهُها، فمن ذلك ما نقله عنه في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ نقل عنه نحو صحيفة كاملةٍ ما جاء في هذه الآية من قراءات مع توجيه كلِّ قراءة منها.
ولا ضرورة للإكثار من الأمثلة فأغلبُ القراءات فيه كذلك، لكن سنقف عند أمر آخر، وهو عدم سكوته على ما وقع من الزمخشري من ردٍّ لقراءاتٍ
[ المقدمة / ٧٤ ]
ثابتة متواترةٍ لمجرد الرأي أو مخالفة قاعدة نحوية هي عنده مقدَّمة على القراءة المتواترة:
فمن أشد ما ردَّ به عليه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ كلامَه في قراءة ابن عامر: ﴿زَيَّنَ﴾ على البناء للمفعول، وهو القتل، ونصبِ الأولاد، وجرِّ الشُّركاء على إضافة القتل إليه، والفصلِ بينهما بغير الظَّرف، حيث قال: (فقد رُدَّتْ بأن ذلك غير مقبولٍ في مقام الضَّرورة .. فكيف به في غيره؟).
وهذا الكلام هو بعض ما قاله الزمخشري في رد قراءة ابن عامر.
ثم تعقب كلام الزمخشري بقوله: (لكنَّه مردودٌ؛ لأنَّه مختلفٌ فيه بين النَّحويين على ما ذكره أبو حيَّان، ووقوعه في قراءة متواترة دلَّ على الصِّحة؛ لأنَّ العربيَّة تَثبت بالقرآن، وفَهمُ العكس مِن عكس الفهم … واعتقاد الضَّعف في مثل تلك القراءة مِن ضعف الاعتقاد، مبناه عدمُ الاعتماد على القراءة والطَّعنُ في الإسناد، ولا يخفى ما فيه من الفساد).
لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن المؤلف رغم كلامه المذكور كان أكثر اعتدالًا ممن ردوا على الزمخشري، فقد شنع عليه العلماء رده لقراءةٍ متواترة، حتى قال أبو حيان: اعْجَبْ لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربيٍّ صريح محضٍ قراءةً متواترة … واعجب من سوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيَّرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقًا وغربًا .. إلى آخر ما قال.
وكان الآلوسي ﵀ أكثر شدة في الرد حيث قال: وقد ركب في هذا
[ المقدمة / ٧٥ ]
الكلام عمياء وتاه في تيهاء، فقد تخيل أن القراء أئمةَ الوجوه السبعة اختار كلٌّ منهم حرفًا قرأ به اجتهادًا لا نقلًا وسماعًا كما ذهب إليه بعض الجهَلة، فلذلك غلَّط ابن عامر في قراءته هذه وأخذ يبيِّن منشأَ غلطه، وهذا غلط صريح يُخشى منه الكفر والعياذ بالله تعالى، فإن القراءات السبعةَ متواترةٌ جملةً وتفصيلًا عن أفصح مَن نطق بالضاد ﷺ، فتغليطُ شيء منها في معنى تغليط رسول الله ﷺ، بل تغليطِ الله ﷿، نعوذ بالله سبحانه من ذلك.
قلت: والعجب من البيضاوي على إمامته تأثر بما ذهب إليه الزمخشري، فقال متابعًا له - كما ذكر الشهاب - في تضعيف هذه القراءة: وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر.
ومن تعقباته على الزمخشري ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٦]، حيث قال: (وقرئ: (فأطَّرُّه) بإدغام الضاد في الطاء؛ كما قالوا: اطَّجَعَ، نقل سيببويه عن بعض العرب: مطَّجعًا، في مُضْطَجعٍ، وقال: ومضطجع أكثر. فدلَّ على أن (مطَّجعًا) كثير، فلا يكون لغةً مرذولةً).
وفيه رد على الزمخشري في قوله: هي لغة مرذولة.
كما رد عليه في طعنه بقراءة حمزة: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالجر، فقال: (وقرئ بالجر عطفًا على الضمير المجرور، وما ذهب إليه البصريون من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارّ، والضعفِ في إضماره، يردُّه هذه القراءةُ الثابتة بالتواتر، فإنها مما يُحتج به لا مما يُحتج عليه، إلا عند مَن لا اعتماد له على القراءات الثابتة ولا اعتداد لزعمه الفاسد).
[ المقدمة / ٧٦ ]
وقد تقدم تفصيل الكلام فيها. وما ذكرناه كاف في بيان المراد، والله وليُّ السداد.
* * *