اتَّفَقَ السَّلَفُ والخلَفُ على تنزيهِ الله تعالى عن ظواهِرِ المتشابهاتِ المستحيلةِ على الله تعالى، ثُم اختَلفوا بَعْدُ؛ فأَمْسَكَ أكثرُ السَّلَفِ عن الخوضِ في تعيينِ المُرادِ مِن ذلك المُتشَابِه، وفَوَّضوا عِلْمَه إلى الله تعالى، وهذا أَسْلَمُ لأنَّ مَن أَوَّلَ لم يَأمَنْ مِن أنْ يَذكُرَ معنًى غيرَ مُرادٍ له تعالى فيقعَ
[ المقدمة / ٧١ ]
في ورطةِ التَّعيِين وخَطَرِه، وخاضَ أكثرُ الخَلَفِ في التأويلِ، ولكنْ غيرَ جازِمِينَ بأنَّ هذا مرادُ الله تعالى مِن تلك النصوصِ، وإنما قَصَدُوا بذلك صَرْفَ العامَّةِ عن اعتقادِ ظواهِرِ المتشابِه والردَّ على المُبْتَدِعةِ المتمسِّكِين بأكثر تلك الظَّواهرِ المُوافِقةِ لاعتقاداتهم الباطلةِ (^١).
والمؤلف ﵀ على مذهب الخلف القائلين بالتأويل، وهذا واضح في تفسيره، بل بيَّنه هو بقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيما أشكلَ عليهم بالتَّوفيق للنَّظر الصَّحيح، وللكشف بنور هدايته ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو طريق التَّأويل لِمَا يتشابه بالتطبيق على الأصول المحكمة، فلا يلحقهم حيرة ولا يعتريهم شبهة.
ومن أوضح الأمثلة على مذهب المؤلف هذا ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حيث قال: (بيانٌ لشمول علمه وإحاطتهِ وسعتهِ وبَسطته، وأنَّه لم يَضِقْ عن السماوات والأرض، على سبيل التمثيل والتخييل، وتصويرِ الأمر المعنويِّ بالصورة الحسِّيَّة، ولا كرسيَّ ثمةَ ولا قعودَ ولا قاعدَ؛ كقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] من غيرِ تصوُّر قبضةٍ وطيٍّ ويمينٍ).
قلت: كذا نقل المؤلف هذا القول عن الزمخشري، وظاهر سياقه اختياره، وكذا يظهر من صنيع البيضاوي حيث قدَّمه، وساق ما بعده بصيغة: (قيل)، على عادته في تضعيف الأقوال حيث يؤخرها ويقدم لهاب (قيل).
_________________
(١) انظر: "مرقاة المفاتيح " (١/ ٣٥٤).
[ المقدمة / ٧٢ ]
وهذا القول هو الذي عليه أكثر الخلف كما ذكر الآلوسي حيث قال: وهذا الذي اختاره الجمُّ الغفير من الخلف فرارًا من توهُّم التجسيم، وحملوا الأحاديث التي ظاهرها حمل الكرسي على الجسم المحيط على مثل ذلك، لا سيما الأحاديث التي فيها ذكر القدم …
لكن الآلوسي ﵀ تعقب ما ذهبوا إليه بقوله: وأنت تعلم أن ذلك وأمثاله ليس بالداعي القوي لنفي الكرسي بالكلية، فالحق أنه ثابت كما نطقت به الأخبار الصحيحة، وتوهُّم التجسيم لا يعبًا به، وإلا لَلَزم نفي الكثير من الصفات، وهو بمعزل عن اتباع الشارع والتسليم له، وأكثر السلف الصالح جعلوا ذلك من المتشابه الذي لا يحيطون به علمًا، وفوَّضوا علمه إلى الله تعالى مع القول بغاية التنزيه والتقديس له تعالى شأنه (^١).
* * *