وهو المنهجُ الذي يعتمد على استيعاب فكرِ أئمَّةِ النحوِ وأبحاثِ كتبِ المعاني والدراساتِ البلاغيَّةِ، ثُمَّ استعمالِ ذلك والإفادةِ منهُ لإبرازِ خصائصِ التَّعبيرِ القرآنيِّ المعجِزِ وبيانِ مَعانيهِ.
فهو إذًا تفسير يدلُّك على مواطن الإعجاز ومعالم البلاغة في كتاب الله، من خلال الغوصِ في أعماق المعاني، والبحثِ في مدلولات الألفاظ، وليس
_________________
(١) انظر: "الأعلام" (١/ ١٣٣).
[ المقدمة / ١٨ ]
مجرَّدَ تفسير يشرح المفردات والجمل، وينقل ما جاء فيها من المأثور والأقوال، بل يعلِّم القارئ لكتاب الله كيف يتفكَّر، ويقف عند كلِّ لفظ ويتدبَّر، ويستنبط من كلِّ عبارة، باحثًا فيها ومقارنًا بين معانيها، ومنقِّرًا - عند اتحاد الموضوع - عن سبب الاختلاف بين لفظٍ وآخَر، أو بين جملةٍ وقرينتها.
وبمعنًى آخَر هو تفسيرٌ يجعل القارئ لكتاب الله يقرأ بعيون الجيل الأول، ويفهم المعاني كما فهموها، ويتدبَّر الإشارات والدلالات كما تدبَّروها، ويتلمَّس عظمة هذا الكتاب كما تلمسوها، فيعيشُ في ظلاله كما عاشوا، ويغوصُ في أعماقه كما غاصوا، ويسترشد به كما استرشَدوا، فيزداد به إيمانًا، وبدِينه يقينًا، بعد أن رأى وفهم، ولمس وعلم، أعظم معجزة أوتيها نبي هذه الأمة.
ومن الأساليب التي اتَّبعها المؤلف للوصول إلى هذا الغرض: التنبيهُ على الحكمة من استعمال لفظ دون آخر، أو تقديم لفظ على آخر، أو الاقتصار على لفظ دون غيره، وقد جمع كل ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء: ٧٤] فمَن منا لم يقرأ هذه الآية مئات المرات، ولم يَفهم - إن كان قد فهم - من قوله تعالى: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ أكثر من النصر أو الشهادة، لكن انظر ما ذكر المؤلف فيها، حيث قال: (لم يقل: فيُغلَبْ أو يَغلِبْ؛ إذ حينئذٍ يندرج في الأول الفارُّ من الزحف ولا أجر له، ولم يقل: فيُقتَلْ أو يَقتُلْ؛ للتنبيه على أنه يستحِقُّ الأجر بالغلبة قُتِلَ أو لم يُقتَلْ، وعلى أن حقَّه أن لا يَقصد بالذات إلى القتل، بل إلى إعلاء الحقِّ وإعزازِ الدِّين، وتقديمُ الأول للدلالة على أنه أولى وأحقُّ بالأجر، والاقتصارُ
[ المقدمة / ١٩ ]
عليهما للتنبيه على أن حقَّ المجاهد أن يَثبت في المعركة ولا يَفِرَّ حتى يُعِزَّ نفسه بالشَّهادة أو الدِّينَ بالظَّفَر والغلبة).
وقريبٌ من هذا تنبيهُه على استعمال لفظِ الربِّ دون غيره في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] حيث قال: (وفي عبارة الربِّ إيماءٌ إلى أنه تعالى يُربِّي عبدَه بفضله بلا توقُّفٍ على كسبه، كيف وقد ربَّاه وهو جنين؟ فحقُّه أن لا يتجاوز في طلب المكسبِ عن حدِّ الرُّخصة).
وعكسه: ﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ [الكهف: ١٤] قال: (لم يقل: (ربًا) لأنَّ جهة توحُّده تعالى ألوهيَّةٌ لا ربوبيَّة).
ومن محاسن تنبيهاته تنبيهُه على الحكمة من النداء بـ ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ في قصة إبليس مع آدم، حيث قال: (لا يخفى على الفطِن ما في هذا التعبير من الإشارة إلى أنهم مَظِنَّة الافتتان لكونهم ذريةُ من افتتن).
ومن ذلك قوله: (قال في صفةِ الحور: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] وفي صفة الولدان: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣]، وأشار بذلك إلى أن الحور للصحبة دون الولدان؛ لأنَّ اللؤلؤ للنَّظر لا للذَّوق، والبَيض لهما).
ومن أحسن الأمثلة على هذا المنهج قولُه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ: (وإيلاءُ الضمير حرفَ النفي لتقويةِ الحكم وتأكيدِه، كما في قولِه تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وتقديمُ: ﴿عَلَيْنَا﴾ لمحافظةِ الفاصلةِ، وزيادةُ الباء في ﴿بِعَزِيزٍ﴾ لتأكيد النفيِ، وتنكيرُه للتقليلِ؛ أي: ليسَ لك علينا شيءٌ من جنس العزةِ).
[ المقدمة / ٢٠ ]
فكيف استنبط من عبارة مؤلفة من أربع كلمات أربعَ حكمٍ وتعليلات، بكلام مقتضب واضح لا إخلال فيه ولا غموض، ولا شك أن ذلك نابع من اليقين بأن كتاب الله هو الكلام المعجز الذي ليس فيه حشوٌ ولا تطويل.
ومنه قوله: (﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] الإسراء: سير الليل خاصَّة، فقوله: ﴿لَيْلًا﴾ لقَطْع مجاز السير خُفيةً، كما أنَّ قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ بعدَ قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] لقطع مجاز السَّير السَّريع).
ومن الاستنباطات من الألفاظ ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] قال: (﴿فَإِذَا هُمْ﴾: فاجَؤوا الحُصولَ ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾؛ أي: وَجهِ الأرْضِ، فالعَربُ تسمي وَجهَ الأرضِ مِن الفَلاة: سَاهرةً؛ أي: ذاتَ سَهرٍ؛ لأنَّه يُسهَر فيها خَوفًا؛ وفيهِ إشارةٌ إلى حصولهم فيها أحياءً).
وفي تفسير ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا﴾ [آل عمران: ١٠٠] قال: (والتعبيرُ عن شاسٍ ومَن أعانه فيهِ بالفريقِ يناسبُ قصدَهم إيقاعَ التفرقة بين جمعِ المؤمنين).
وقال في قوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]: (أصبح) أصلُه: دخلَ في الصباحِ، ثمَّ أُطلِقَ على الصيرورة أيَّ وقتٍ كان، ففيه باعتبارِ أصلهِ دلالةٌ على خروجهم مِن ظلماتِ الضلالة إلى نور الهداية).
ومنه: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] قال: (وإنما قال: ﴿لَهُمْ﴾ تنبيهًا على غاية حماقتهم، حيث عبدوا ما يملكونه).
وكذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
[ المقدمة / ٢١ ]
(٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥] قال: (لفظة ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على امتداد تلك الحالة، ويؤيده ما في عبارة المكان من الإشعار بالتمكُّن).
ومنه: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٦] قال: (في عبارة الانتقام دلالةٌ على أنَّهم أهلكوا بعذابٍ شديدٍ).
ومنها ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ [يس: ٥٧] قال: (عبَّر عن كلِّ ما يُرزقون فيها بالفاكهة؛ للتنبيه على أنَّهم مستغنُون عن حفظِ الصحةِ بالأقوات، بأنَّهم أجسامٌ محكمةٌ مخلوقةٌ للأبد، فكلُّ ما يأكلونه على سبيل التلذُّذ).
ومن ذلك: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [يونس: ٧٣] قال: (والعدولُ عن مقتضَى ظاهرِ السياقِ - وهو: المكذِّبينَ - إلى ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ للتنبيهِ على أن التكذيبَ إنما يستوجِبُ نزولَ العذابِ إذا كان بعدَ الإنذارِ، فاعتبِر هذا اللطفَ، وذُق لطفَ هذا الاعتبارِ).
ومن استنباطاته الحسنة ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ قال: (هذا السؤال والذي سبق يدلَّان على أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرةَ، فإنهم لو ماتوا كافرين لكان التوبيخُ على كفرهم).
ونحو ذلك: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] قال: (أقحمَ القلبَ - والمعنى: عليكَ - لأنَّه محلُّ الوحيِ والتَّثبيت، وليُعْلَمَ أنَّ المنزَلَ محفوظٌ
[ المقدمة / ٢٢ ]
عن المخالطة والمغالطة؛ لوصوله إلى القلب بالذَّات، لا بواسطة الصَّوت وآلة السَّمع، فافهم هذا السِّرَّ الدَّقيقَ).
والأمثلة على هذا كثيرة جدًّا، وسيرد الكثير منها في المواضع الأخرى من هذا البحث.