فيها بالتفصيلات؛ من ذكر القائل، ثم نقلِ قوله، ثم ذكر الردِّ عليه، بل يتجه مباشرة صوبَ الردِّ بكلمات مقتضَبة لكنها كافيةٌ في أداء الغرض، والأمثلة على ما ذكرناه أكثر من تحصى، وسنسوق - إن شاء اللهُ - الكثير منها عند بيان طريقته في التعامل مع الزمخشري والبيضاوي.
٣ - ولعل من أهم ما تميز به هذا التفسير: أنه تنزه عن متابعة ما تناثر في "الكشاف" من دسائس الاعتزال، وبعض الإساءات الناشئة عن شدة الاعتداد والاختيال، ولم يقع فيها كما وقع غيره من كبار الأئمة كالبيضاوي ﵀.
فمن ذلك قول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]: كناية عن الجناية؛ لأن العفو رادف لها، ومعناها: أخطأت وبئس ما فعلت.
فتابعه البيضاوي قائلًا: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ كناية عن خطئه في الإذن، فإن العفو من روادفه.
في حين قال المؤلف في تفسيرها: (ولا يخفى ما في تقديم العفو على ذِكْرِ ما يُوْهِمُ العِتاب من تعظيم شأنه ﵇، والتنبيه على لطف مكانه، ومَن لم يتنبَّه لذلك قال: إنَّه كناية عن الجناية، ومعناه: أخطأْتَ وبئسَ ما فعلْتَ. ثم إنه لم يدرِ أنَّ الإذن المذكور مِن قَبِيل الخطأ في الاجتهاد، فهو مظنَّة الثَّواب لا العقاب، والله تعالى أعلم بالصواب).
ومعروف عن الزمخشري رده لبعض القراءات المتواترة كقراءة حمزة:
[ المقدمة / ٢٥ ]
﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالجر، فقال: (والجر على عطف الظاهر على المضمر، وليس بسديد لأن الضمير المتصل متصل كاسمه، والجار والمجرور كشيء واحد …).
وقال البيضاوي متابعًا: (وقرأ حمزة بالجر عطفًا على الضمير المجرور، وهو ضعيف لأنَّه كبعض الكلمة).
وقد شنع العلماء ومنهم أبو حيان في "البحر المحيط" على الزمخشري وغيرِه ممَّن ردَّ هذه القراءة، مع أنها متواترة، وصحيحة على قول الكوفيين، وهو الصحيح في هذه المسألة كما قال أبو حيان.
وكذا فعل المؤلف مثبتًا للقراءة، ومعرِّضا في آخر كلامه بالزمخشري، فقال: (وقرئ بالجر عطفًا على الضمير المجرور، وما ذهب إليه البصريون من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارِّ، والضعفِ في إضماره، يردُّه هذه القراءةُ الثابتة بالتواتر، فإنها مما يُحتج به لا مما يُحتج عليه، إلا عند مَن لا اعتماد له على القراءات الثابتة ولا اعتداد لزعمه الفاسد).
كما أنه نزَّه كتابه عمَّا وقع فيه البيضاويُّ من ذكر الأحاديث الموضوعة في فضل السُّوَر عند نهاية كلِّ سورة، مما نبَّه على وضعه العلماء.
وكان للزمخشريِّ بالمرصاد في تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] فقال: (أي: بل أتسمُّونهم شركاءَ بمجرد ظاهر القول، وإطلاق لفظة الشركاء أو الآلهة من غير أن يكون لذلك معنًى وحقيقةٌ من الألوهية والمشارَكة؛ كقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠]،
[ المقدمة / ٢٦ ]
وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها منادٍ على نفسه بلسانٍ طَلْقٍ ذَلِقِ أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأَنصف مِن نفسه، ومَن زاد على هذا قولَه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فقد أتى بكلمة حقٍّ أُريدَ بها باطل، يدندنُ بها مَن هو عن حِليَة الإنصاف عاطل).
معرِّضًا بالزمخشري القائل: وهذا الاحتجاجُ وأساليبه العجيبة التي ورد عليها منادٍ على نفسه بلسان طلقٍ ذلقٍ أنه ليس من كلام البشر لمن عَرف وأَنصف من نفسه، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقد تعقَّبه ابن المنير أيضًا بقوله: هذه الخاتمة كلمةُ حقٍّ أراد بها باطلًا؛ لأنَّه يُعرِّض فيها بخلق القرآن، فتَنبَّهْ لها، وما أسرعَ المُطالعَ لهذا الفصل أن يمرَّ على لسانه وقلبه ويستحسنَه وهو غافلٌ عما تحته، لولا هذا التنبيه والإيقاظ، والله أعلم.
كما شنَّع على الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] فقال: (وأصلُ الرجمِ: الرميُ بالحجارة، وعنِ النبيِّ ﷺ: "ما من مولودٍ يولد إلا والشيطانُ يمسُّهُ حينَ يولدُ فيستهِلُّ مِن مسِّهِ، إلا مريمَ وابنَها".
والحديثُ مذكورٌ في الصحيحينِ، ولا صارفَ عن ظاهرِهِ، فمَن تردَّدَ في صحتِهِ ثم أوَّلهُ فقد ضلَّ وأضلَّ).
وهذا تعريض بالزمخشري الذي تردَّد في صحته قائلًا: (اللهُ أعلم بصحَّته)، ثم قال في تأويله ما قال، مما هو جارٍ على طريقة أهل الاعتزال - كما قال أبو حيان - متَّهمًا أهل السنَّة بأنهم أهلُ الحشو.
[ المقدمة / ٢٧ ]
ومنه عدمُ إعجابه بما ذهب إليه الزمخشري من تعليق قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وهو الوجه الذي اقتصر عليه الزمخشري، وجعله أبو حيان من روائح الاعتزال.
وهذا غيضٌ من فيضٍ، وسيأتي له أمثلة كثيرةٌ أخرى إن شاء الله.