وهذا كثيرٌ جدًّا في هذا الكتاب، وهو نابعٌ من شخصية مؤلفه الموسوعية، ومن قوَّة عقله وعُمق نظره، وسعة علمه وحسن تحريره:
فمن ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال: أي: (ولا تكونُنَّ على حالٍ سوى الإسلامِ حينَ الموتِ، فالمنهيُّ كونهم على حالٍ غير الإسلام عندَ موتهم، لا موتُهم.
ثم قال: هذا ما عندَهم، والذي عندي: هو أنَّ النهيَ المذكورَ للتحذيرِ عن الموت على حالٍ سوى الإسلامِ، والحذرُ عنه إنما يكونُ بالاحترازِ عما يُفضي إليهِ، فهو حثٌّ على الثباتِ على الإسلام في جميعِ الأزمانِ على أبلغ وجهٍ، وعلى هذا لا عدولَ عن الظاهرِ، بخلافِ ما قالوه).
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢] قال: (قيل: في ذكر اسم ﴿الرَّحْمَنِ﴾ تنبيهٌ على أنْ لا كالئ غيرُ رحمته العامة، وأنَّ اندفاع البأس عن النَّاس لا يكون إلَّا بها).
ثم تعقب ذلك بقوله: (وعندى أنَّ التَّنبيه فيه على أنَّ رحمته العامة لا تمنعه عن الغضب، فلا تغتروا بها، ولا يخفى أنَّ هذا هو الأنسب للمقام).
[ المقدمة / ٢٨ ]
وكثيرًا ما يستعمل في عرض رأيه بعد إيراده لقول غيره نحو عبارة: (هذا بحسب جليل النظر والذي بحسب دقيقه …)، كما جاء بعد ذكره لمسألةٍ في الرضاع حيث قال: (هذا بحسَبِ جليلِ النظر، والذي هو بحسَبِ دَقيقهِ: أنَّ الحرمة في الصورِ المذكورةِ بالمصاهرة دون النسب …).
ومنه ما جاء في تفسير آية المداينة، حيث قال: (وإنما قال: ﴿بِدَيْنٍ﴾ - مع أنه مستفادٌ من التدايُن - للتعميم؛ أي: أيِّ دَينٍ كان قليلًا أو كثيرًا، أو لقطعِ احتمال معنًى آخر فإن المدايَنة قد يراد بها المجازاةُ، وأما تنوُّعه إلى المؤجَّل والحالِّ فيُعلم من قوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ ومرجعُ الضمير في ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ لا يلزمُ أن يكون مذكورًا، بل يكفي أن يكون مفهومًا في ضمن الكلام السابق).
ثم قال: (هذا كلُّه بحسب جليلِ النظر، والذي بحسَب دقيقِه هو أنه لا بد مِن ذكر الدَّين ليتعلَّق الجارُّ به، فإنه لو لم يذكر لفُهم تعلُّقه بالتدايُن، ولا وجه له فإنَّ المبايعةَ إلى أَجَلٍ غيرُ مشروعة).
ومن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النساء: ١٥٧]: (شيءٍ من جنس العلم ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] استثناء منقطع، والمعنى: أنهم مستمرُّون على الشك، لكنْ قد يَلوح لهم أمارةٌ فيحصل ظنٌّ، ثم يزول ويعود الشك، وهذا أدلُّ على شدة الحيرة من استمرار الشك بلا انقطاعٍ).
[ المقدمة / ٢٩ ]
ثم قال: (هذا ما بحسب جليل النظر، والذي هو بحسَب دقيقه: أن المراد من الشك ما يلزمه من الحيرة التي لا محيص لهم عنها، وعبارةُ (في) الدالةُ على الثبوت والتقريرِ إنما تساعد هذا.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] قال: (ولا فرقَ فيه بين المذكَّر والمؤنَّث، وتخصيصُ المحصنات لخصوص الواقعة، أو لأن قذفهنَّ كان أغلبَ.
هذا ما قالوا، وأنا أقول: أُريدَ الأنفسُ المحصنات، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فلا تخصيص).